[ ٤٤٩ ]
حجة الوداع
استقرار:
زالت غبرة الجاهلية عن افاق الجزيرة كما تزول بقايا الليل أمام طلائع الشروق، وصحّت العقول العليلة فلم تعد تخشى وترجو إلا الله، بعد ما ظلّت دهورا تعبد أصناما جامدة، وسمع الأذان للصلوات يشقّ أجواز الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القرّاء شمالا وجنوبا يتلون ايات الكتاب، ويقيمون أحكام الله، ويعلّمون العرب ما لم يعلموا هم ولا اباؤهم.
إنّ هذه الجزيرة- منذ نشأ فوقها عمران- لم تهتزّ بمثل هذه النهضة المباركة، ولم يتألّق تاريخها تألّقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها.
وكان النبيّ ﷺ في المدينة يستقبل الوفود، ويشيّعها بعد ما ينفخ فيها من روحه الكبير، ويزودها بحكمته الباهرة، فتعود من حيث أتت؛ لتنشئ في مواطنها القصية معاقل للإسلام وصحائف بيضا في تاريخ أمة.
ولم يكتف النبي ﷺ بترقّب الوفود المقبلة، بل أرسل رجاله الكبار إلى الجنوب ليزيد رقعة الإسلام هناك اتساعا.
فإنّ في اليمن وما حولها قبائل كثيفة العدد، ولأهل الكتاب السابقين نشاط قديم، وقد نشأ الإسلام هناك حقا وتقلّص ظل الفرس لغير عودة.
إلا أنّ هذه البقاع النائية تحتاج مزيدا من رعاية وتفقّد.
ومن ثمّ بعث النبيّ ﷺ خالد بن الوليد، ثم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، ثم عليّ بن أبي طالب ﵃ أجمعين «١» .
وكأنّ هاتفا خفيا انبعث في قلب رسول الله ﷺ يشعره أنّ مقامه في الدنيا يوشك على النهاية! فإنّه بعد أن علّم معاذ بن جبل كيف يدعو من يلقاهم، وكيف
_________________
(١) بعث هؤلاء الأربعة في صحيح البخاري: ٨/ ٤٩- ٥٧.
[ ٤٥١ ]
يعرّفهم دينهم خرج معه إلى ظاهر المدينة يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته!.
فلما فرغ قال: «يا معاذ! إنك عسى ألاتلقاني بعد عامي هذا!! ولعلّك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري» ! فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ.
ثم التفت النبي ﷺ بوجهه نحو المدينة فقال: «إنّ أولى النّاس بي المتّقون، من كانوا وحيث كانوا» «١» .
وقد وقع ما أومأ إليه الرسول ﷺ، فإنّ معاذا أقام باليمن، حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاة النبي ﷺ بعد الحج الأكبر بواحد وثمانين يوما، ومعاذ باليمن.
وقد كان للعناية باليمن ما يبرّرها، فقد ظهر فيها وفي بني حنيفة دجّالان يزعمان النبوة.
ولم يكن لكلا الدجّالين من خلال الرجولة وايات الخير ما يجمع عليه حفنة من الرجال.
ولكنّ داء العصبية العمياء، جعل قبيلا كبيرا من الرعاع يقول:
نحن نعلم أنّ مسيلمة كذاب، ولكنّ كذّاب ربيعة خير من صادق مضر!!.
وقد اشتعلت فتن المتنبئين حينا، ثم داستها أقدام المجاهدين بعد، فأخمدت جذوتها، وذهبت نبوة مسيلمة وغيره كما تذهب بولة شاة على أديم الثرى.
حجة الوداع:
أعلن رسول الله ﷺ نيّته بالحج، وأشعر الناس بذلك حتى يصحبه من شاء.
فترك المدينة أواخر ذي القعدة، بعد أن أمّر عليها في غيابه «أبا دجانة» «٢» .
والحجّ هذه المرة جاء مغايرا لما ألفته العرب أيام جاهليتها.
انتهت العهود المعطاة للمشركين، وحظر عليهم أن يدخلوا المسجد الحرام.
_________________
(١) صحيح، أخرجه أحمد: ٥/ ٢٣٥، بسند صحيح عن معاذ.
(٢) لم أجد من أسند هذا، وإنّما ذكره ابن هشام: ٢/ ٣٥٠، معضلا، ولم يجزم به، فإنّه قال: «فاستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، ويقال: سباع بن عرفطة الغفاري» .
[ ٤٥٢ ]
فأصبح أهل الموسم- قاطبة- من الموحّدين، الذين لا يعبدون مع الله شيئا، وأقبلت وفود الله من كلّ صوب، تيمم وجهها شطر البيت العتيق، وهي تعلم أنّ رسول الله ﷺ هو في هذا العام أمير حجهم ومعلمهم مناسكهم!!.
ونظر رسول الله ﷺ إلى الألوف المؤلفة وهي تلبّي وتهرع إلى طاعة الله، فشرح صدره انقيادها للحق، واهتداؤها إلى الإسلام، وعزم أن يغرس في قلوبهم لباب الدين، وأن ينتهز هذا التجمّع الكريم ليقول كلمات تبدّد اخر ما أبقت الجاهلية من مخلّفات في النفوس، وتؤكّد ما يحرص الإسلام على إشاعته من اداب وعلائق وأحكام.
فألقى هذه الخطبة الجامعة «١»:
«أيّها النّاس! اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.
أيها النّاس! إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنّكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت.
فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإنّ كلّ ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون.
قضى الله أنّه لا ربا، وإنّ ربا العباس بن عبد المطّلب موضوع كلّه.
وإنّ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع، وإنّ أول دمائكم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- وكان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل- فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهليّة.
أما بعد: أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه أبدا، ولكنّه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم!!.
_________________
(١) رواها ابن هشام عن ابن إسحاق بدون إسناد، وقد جاء سندها في أحاديث متفرّقة يطول الكلام في بيانها. وتفصيل ذلك في كتابي الكبير «حجة الوداع»، أرجو الله أن يوفقني لإتمامه. وقسم كبير منها في حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه، وقد جمعت طرقه وألفاظه في رسالة لطيفة طبعت في المطبعة السلفية بمصر.
[ ٤٥٣ ]
أيها الناس! إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: ٣٧]، ويحرّموا ما أحلّ الله.
وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب الذي بين جمادى وشعبان.
أما بعد: أيها الناس، فإنّ لكم على نسائكم حقّا، ولهنّ عليكم حقّا.
لكن عليهن ألايوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهنّ ألايأتين بفاحشة مبيّنة؛ فإن فعلن فإنّ الله قد أذن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف.
واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ عندكم عوان «١»، لا يملكن لأنفسهنّ شيئا.
وإنّكم إنّما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي فإنّي قد بلّغت.
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بيّنا: كتاب الله وسنّة نبيّه.
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أنّ كلّ مسلم أخ للمسلم، وأنّ المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلغت؟» .
قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ اشهد» .
قال ابن إسحاق: كان الرجل الذي يصرخ في الناس: يقول رسول الله ﷺ وهو بعرفة- ربيعة بن أميّة بن خلف.
يقول له رسول الله ﷺ: «قل: يا أيها الناس إنّ الرسول يقول: هل تدرون أيّ شهر هذا؟» فيقول لهم.. فيقولون: الشهر الحرام..!! فيقول: «قل لهم:
إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا» ..
_________________
(١) عوان: أسيرات.
[ ٤٥٤ ]
ثم يقول: «قل: يا أيها الناس إنّ رسول الله ﷺ يقول: هل تدرون أيّ بلد هذا؟» فيصرخ به! فيقولون: البلد الحرام، فيقول: «قل: إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا» .
ثم يقول: يا أيها الناس! إنّ رسول الله ﷺ يقول: «هل تدرون أيّ يوم هذا؟» .
فيقول لهم.. فيقولون: يوم الحج الأكبر، فيقول: «قل لهم: إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا..» .
كان الرسول ﷺ يريد- بعد بلاء طويل في إبلاغ الرسالة- أن يفرّغ في اذان الناس وقلوبهم اخر ما لديه من نصح.
كان يحسّ أنّ هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة واحده، فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه الرشد، ويذكّره بما ينفعه أبدا.
وكان هذا النبيّ الطيب ﷺ كلما أوجس خيفة من مكر الشيطان بالناس، عاود صيحات الإنذار، واستثار أقصى ما في الأعماق من انتباه، ثم ساق الهدى والعلم وقطع المعاذير المنتحلة، وانتزع- بعد ذلك- شهادة من الناس على أنفسهم وعليه أنّهم قد سمعوا، وأنّه قد بلّغ.
لقد ظلّ ثلاثا وعشرين سنة يصل الأرض بالسماء، ويتلو على القاصي والداني اي الكتاب الذي نزل به الروح الأمين على قلبه، ويغسل أدران الجاهلية التي التاث بها كلّ شيء، ويربّي من هؤلاء العرب الجيل الذي يفقه الحقائق، ويفقّه العالم فيها.
وها هو ذا يقود الحجيج في أوّل موسم يخلص فيه من الشرك، ويتمحّض فيه لله الواحد القهار.
وها هو ذا على ناقته العضباء يستنصت الجماهير المائجة ليؤكّد المعاني التي بعث بها، والتي عرفهم عليها، ويخلّي ذمته من عهدة البلاغ والتبيان التي نيطت بعنقه.
لقد أجيبت دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ حين هتف وهو يا بني البيت العتيق:
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) [البقرة] .
إنّ العزيز الحكيم تجلّى باسميه الجليلين على هذه الديار، فوهب العزّة
[ ٤٥٥ ]
والحكمة- أو قل: القوّة والسياسة- لمحمد بن عبد الله، فعالج بها الاثام الجاثمة على صدر الأرض، فما استعصى على الأناة والحلم استكان للتأديب والحكم.
وبهذا المنهج الجامع بين العدل والرحمة أخذت رقعة الباطل تنكمش رويدا رويدا حتى اختفت الجاهلية ولوثاتها، وثبت الإسلام، ثم أصاخ العرب- بعد ما لان قيادهم- إلى صوت الحقّ الأخير في حجة الوداع.
وفي يوم عرفة من هذه الحجة العظيمة نزل قول الله ﷿:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا
[المائدة: ٣] .
وعند ما سمعها عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنّه ليس بعد الكمال إلا النقصان. وكأنّه استشعر وفاة النبيّ صلوات الله عليه وسلامه.
والحقّ أن مشاعر التوديع للحياة والأحياء كانت تنضح بها بعض العبارات التي ترد على لسان الرسول ﷺ، منها ما سبق ذكره في خطبته بالموسم، ومنها ما يقع في أثناء تعليمه الوفود المحتشدة حوله، كقوله عند جمرة العقبة: «خذوا عنّي مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا» «١» .
إلى المدينة:
فلما قضى الرسول ﷺ مناسكه حثّ الرّكاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظّا من الراحة، بل ليستأنف حياة الكفاح والكدح لله.
إنّ المبطلين لا يدعون لأهل الحقّ مهلة يستجمّون فيها.
وأصحاب الرسالات أنفسهم لا يستعيدون نشاطهم في القعود عن العمل، بل يستمدّون الطاقة على العمل من الشعور بالواجب.
وراحتهم الكاملة يوم يرون بواكير نجاحه دانية القطاف.
قفل الرسول ﷺ إلى المدينة ليعبّئ جيشا اخر يقاتل به الروم.
فإنّ كبرياء هذه الدولة على الإسلام، جعلتها تأبى عليه حقّ الحياة، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل فيه.
_________________
(١) صحيح، رواه مسلم وغيره من حديث جابر المشار إليه انفا.
[ ٤٥٦ ]
كان (فروة بن عمر الجذامي) واليا من قبل الروم على (معان) وما حولها من أرض الشام، فاعتنق الإسلام، وبعث إلى النبي ﷺ يخبره بذلك.
وغضب الرومان، فجرّدوا على (فروة) حملة جاءت به، وألقي في السجن حتى صدر الحكم بقتله، فضربت عنقه على ماء لهم يقال له: (عفراء) بفلسطين، وترك مصلوبا ليرهب غيره أن يسلك مسلكه! وقيل: إنّه لما قدّم للقتل قال:
بلّغ سراة المسلمين بأنّني سلم لربّي، أعظمي ودمائي
فأعد رسول الله ﷺ جيشا كبيرا، وأمّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة.
وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبنّ أحد أنّ بطش الكنيسة لا معقّب له، وأنّ الدخول في الإسلام يجرّ على أصحابه الحتوف فحسب.
ولمّا كان (أسامة) شابا لا يتجاوز الثمانية عشر، فإنّ بعض الناس ساءتهم هذه الإمارة، واعترضوا أن يقود الرجال الكبار شابّ حدث.
ولا شكّ أنّ النبيّ ﷺ لا يلتفت في ولايته إلا إلى الجدارة.
فمن استحقّ منصبا بكفايته قدّمه له، غير مكترث بحداثة سنه.
فإنّ كبر السّنّ لا يهب للأغبياء عقلا، ولا الصغر ينقص الأتقياء فضلا:
فما الحداثة عن حلم بمانعة قد يوجد الحلم في الشّبان والشّيب
ولذلك قال رسول الله ﷺ- ردا على اعتراض الناقدين-: «لئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإنّ ابنه من بعده لخليقا بها، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ» «١» .
وانتدب الناس يلتفون حول (أسامة) وينتظمون في جيشه.
إلّا أنّ الأخبار المقلقة عن مرض رسول الله ﷺ أكرهتهم على التريّث حتى يعرفوا ما يقضي به الله
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ١٢٤، عن عبد الله بن عمر، وصحّحه الترمذي: ٤/ ٣٥٠.
[ ٤٥٧ ]
(١٠)