أحد المستضعفين المعذبين من الصحابة
مثال من أمثلة أبطال العقيدة الإسلامية
_________________
(١) هو بلال ين رباح مولى أبى بكر الصديق وعتيقه ﵄، ويكنى أبا عبد الله وقيل أبا الحكم، وقيل أبا عبد الرحمن وهو من مولدي مكة المكرمة وقيل مولدى السراة، واسم أمه «حمامة» وكانت لبعض بني «جمح» وهو حبشي الأصل، قال فيه رسول الله ﷺ (بلال سابق الحبشة) - يعني إلى الإسلام - وكان بلال من مستضعفي الصحابة ومؤمنيهم الأولين، وكان يعذب العذاب الشديد من أجل عقيدته التوحيدية - فيصبر على العذاب - وهذا حين أسلم وأبى أن يرجع عن دينه وعقيدته، فما أعطى معذبيه - قط - كلمة ترضيهم وتسخط عليه ربه، مما يريدونه منه، حيث طلبوا منه أن يرجع عن دينه «الإسلام» الذي هداه الله إليه، إذ كان من السابقين إليه، وقد ألح عليه معذبوه - كثيرا - وهو تحت العذاب والسياط، أن يكفر بالله
[ ١٣٣ ]
وبرسوله محمد ﷺ، فيأبى أن يجيبهم إلى شيء مما يريدونه، بل يصارحهم - ليغضبهم - ويقول لهم في رفض وإباء لما أرادوه منه - أحد أحد - ويقول: لو كنت أعرف كلمة أحفظ - أغيظ - لكم منها لقلتها لكم، وكان الذي يتولى تعذيبه المشرك الجبار (أمية بن خلف) وهو إذ ذاك عبد مملوك للمشركين.
وكان إذا اشتد عليه المشركون في التعذيب والتنكيل به يقول: أحد أحد، فيستريح قلبه بذكر الله، وينسى العذاب الذي هو فيه، فيقول له المشركون قل كما نقول نحن فيقول لهم بلسان المؤمن الثابت في إيمانه، القوي في عقيدته: أن لساني لا يحسنه: يعني كلمة الكفر بالله وبرسوله محمد ﷺ، وذلك ما طلبوه منه ليقلعوا عن تعذيبه.
من أنواع التعذيب له:
ذكر ابن سعد - وغيره - في الطبقات الكبرى: أن بلالا أخذه أهله - أي مالكوه - فمطوه - أي مدوه - وألقوا عليه من البطحاء - أي الزبل - وجلد بقرة، فجعلوا يقولون: ربك اللات والعزى، وهو يقول أحد أحد، فهم يحاولون أن يردوه عن دينه دين التوحيد، ليشرك مع الله الأوثان والأصنام، فكان لا يجيبهم إلا بكلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال فأتى عليه أبو بكر الصديق
[ ١٣٤ ]
﵁، فقال لمعذبيه: علام تعذبون هذا الإنسان؟ وطلب منهم أن يبيعوه له فقبلوا - بعد محاولات - فاشتراه منهم بسبع أواق وقيل بتسع وقيل بخمس، فأعتقه لله وفى سبيل الله، فذكر هذا للنبي ﷺ، فقال له: الشركة يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته، فتم عتقه على يد أبي بكر وأزال عنه قيد العبودية لغير الله الخالق الحكيم، وكان بلال لأبى بكر خازنا ورسول الله مؤذنا.
وروى عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵃ كان يقول: أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا (يعنى بلالا) وجاء في بعض الأخبار التي تعرضت لمحنة بلال أن أبا بكر مر ببلال ومم يصنعون به ما يصنعون من ألوان التعذيب والتنكيل، فقال لمعذبه (أمية بن خلف) ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال له أمية: أنت أفسدته فأتقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى وهو على دينك أعطيكه به قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر غلامه ذاك وأخذ بلالا منه فأعتقه، هذه إحدى روايات عتق بلال، ثم أعتق معه سبعة على الإسلام - قبل أن يهاجر من مكة - ست رقاب وبلال سابعهم.
قال ابن اسحق: وكان بلال مولى أبى بكر ﵄ لبعض بني جمح، مولدا عن مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف
[ ١٣٥ ]
ابن وهب بن حذافة بن جمح يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له (لا والله) لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيجيبه وهو في ذلك البلاء الشديد، أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ - أكثر غيظا - لكم منها لقلتها لكم زيادة في غضبكم عني.
وقال ابن اسحق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به - بلال - وهو يعذب بذلك العذاب وهو يقول أحد أحد فيقول له ورقة أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف وعلى من يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا، (أي لأجعلن قبره موضع حنان وزيارة) أي عطف ورحمة فأزوره كما تزار قبور الصالحين والشهداء للعبرة والذكرى والقدوة الحسنة، هذه رواية ابن إسحاق في السيرة.
ملاحظة على هذه الرواية:
قال ابن كثير في السيرة النبوية بعد أن ذكر ما قاله ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه من مرور ورقة ابن نوفل على بلال وهو في العذاب، الخ قال ابن كثير: قلت وقد استشكل بعضهم هذا، من جهة أن ورقة بن نوفل توفي بعد البعث في فترة الوحي
[ ١٣٦ ]
وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول (يا أيها المدثر) فكيف يمر ورقة ببلال وهو يعذب؟ وفيه نظر، فابن كثير لم يرض بما قاله ابن إسحاق ولم يطمئن قلبه إليه لما ذكره من اختلاف الزمان.
وقد نال تآخي رسول الله بين الصحابة رضوان الله عنهم بلالا، فقد آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث ابن عبد المطلب، وقيل بل كانت هذه المؤاخاة بينه وبين أبي رويحة الخثعمي، وقيل بينه وبين أبي عبيدة ابن الجراح.
من هم أول من أظهروا الإسلام؟
ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى عند كلامه على ترجمة بلال ﵁ قال: أخبرنا جرير ابن عبد الحميد عن منصور بن مجاهد قال أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار بن ياسر وأمه سمية، قال: فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وقبيلته وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأجابوهم - في بعض الأوقات - إلى ما طلبوه منهم، من كلمات ترضيهم، فيها نوع من الكفر بالله - ظاهرا - أما قلوبهم فهي عامرة بالإيمان بالله وحده، مثل ما فعل
[ ١٣٧ ]
عمار بن ياسر ﵁، فتد أجابهم إلى بعض ما أرادوه منه، ونطق ببعض كلمات الشرك كما يأتي في ترجمته إن شاء الله، إلا بلالا ﵁، فإنه لم يعطهم أي شيء مما طلبوه منه، فقد هانت عليه نفسه وذاته في الله وفي دين الله، ولم يقبل أن يرضي المشركين بشيء ما طلبوه منه، بل كان يفوه بكل كلمة تغضبهم كما مر سابقا، حتى ملوه وملوا الحديث معه، من أجل ما يسمعهم من إظهار وحدانية الله في كلمة صريحة مدوية - لا غموض فيها ولا تورية - تصم آذانهم وتؤذي مشاعرهم نحو آلهتهم المعظمة في قلوبهم، ولما أعياهم أمره جعلوا في عنقه حبلا من ليف وسلموه إلى صبيانهم، ثم أمروهم أن يشتدوا عليه في التعذيب، ويسرعوا به بين أحشبي - جبلي - مكة، فهو في أيديهم، وهم يفعلون به ما أمروا أن يفعلوه به، وهو يقول أحد أحد، أي لا شريك مع الله في ألوهيته، وهذا هو الثبات على العقيدة وأيم الله، حتى في الأموال والشدائد.
قال الشعبي: سألت ابن عباس ﵄ من أول الناس إسلاما؟ فقال: أبو بكر، أوما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبي وأوفاها بما حملا
[ ١٣٨ ]
الثاني التالي المحمود مشهدهوأول الناس منهم صدق الرسلا
وقد أصاب أبا بكر أذى كثير من الشركين من أجل إسلامه، وهم الذين حاربوا الدعوة الإسلامية في أول بزوغ شمسها لأنه كان أول رجل آمن وصدق رسول الله ﷺ في دعوته قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا مفرق رأسه، مما جبذزه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر.
بلال أول مؤذن في الإسلام:
شرع الله الآذان في الإسلام لحضور المسلمين الصلاة المفروضة عليهم وهي الصلوات الخمس والآذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة وفيه دعوة المسلمين ونداؤهم لأداء هذا الفرض العظيم في الإسلام وهو الصلاة، وسواء أكان الأداء لها في المساجد أو في أي مكان كان.
هذا وقد شرع الله الأذان للصلاة في السنة الثانية من الهجرة، حين كان المسلمون يجتمعون إليها بلا نداء ولما ازداد عددهم بانتشار الإسلام، وتفرق في البلاد وأطرافها للقيام بأعمالهم المعاشية، كانوا في حاجة ماسة إلى دعوتهم لأداء الصلاة، وتنبيههم إلى حضور وقتها حتى لا يتأخروا بها عن وقتها، وكانت دعوة اليهود إلى صلواتهم بالبوق، أو الصور، ودعوة
[ ١٣٩ ]
النصارى بالجرس أو الناقوس، فتأكدت الحاجة إلى دعوة المسلمين بشيء ينبههم لها، فشرع الله لهم الآذان لذلك، كي يقبلوا إلى المساجد لأداء الفرض الواجب عليهم وهو الصلاة، فكان بلال أول من أذن في الإسلام، واستمر على هذا مدة حياة الرسول ﷺ، فهو مؤذنه حضرا وسفرا وكان إذا فرغ من الآذان وأراد أن يخبر النبي ﷺ أنه أذن، وقف على باب حجرة الرسول ﷺ وقال حي على الصلاة حي على الفلاح يا رسول الله، فإذا خرج رسول الله ﷺ من بيته ورآه بلال ابتدأ الإقامة.
وكان للرسول ﷺ ثلاثة مؤذنين هم بلال، وأبو محذورة، وعمرو بن أم مكتوم الضرير، فإذا غاب بلال أذن أبو محذورة، وإذا غابا أذن عمرو بن أم مكتوم.
ولما فتح رسول الله ﷺ مكة المكرمة سنة ثمان من الهجرة، أمر بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة المشرفة - لانعدام المئذنة يومئذ - فصعد بلال فوقها وأذن، وقد أزعج المشركين وأقلقهم صوت هذا الحبشي وهو يؤذن من فوق ظهرها إذ لم يكونوا يسمحون لأحد غيرهم بالصعود فوقها، إذ الإسلام محا جميع الفوارق العرقية والبشرية، فكل المسلمين سواء، ويسعى بذمتهم أدناهم
[ ١٤٠ ]
بلال حامل العنزة:
مما أكرم الله به بلالا ﵁ زيادة على أن إسلامه كان في أول المسلمين، وبلاؤه البلاء المر والبلاء الشديد، وصبره على كل ما أصابه في سبيل الله، فقد أكرمه الله بكرامة أخرى، حيث اختاره الرسول ﷺ ليكون حامل عنزته، فقد جاء عن ابن عمر رضي عنهما قال: كانت العنزة تحمل بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد يحملها بلال المؤذن، وكان يركزها بين يديه، والمصلى يومئذ فضام لتقوم مقام «السترة» التي توضع أمام المصلي، فإذا أراد أحد المارة أن يمر أمام المصلي مر من ورائها، فتكون السترة حائلا بين المار وقت مروره وبين المصلي وقت صالته، والسترة من سنن الصلاة إذا كان المصلي يصلي وأمامه فضاء يمر منه الناس وذلك حتى لا يقطع المارة على المصلي صلاته، ولا يشغلوه عنها وقت مرورهم، وقد زهد في فعلها المسلمون في الوقت الحاضر، فهي من السنن النبوية التي تنوسيت، وكاد المصلون أن لا يعرفوها إلا القليل منهم، فبلال هو الذي كان يحملها ويمشي بها أمام رسول الله ﷺ، وهذا شرف آخر حازه بلال بفضل إيمانه ويقينه الذي لم يزعزعه أو يضعفه التهديد والوعيد بل حتى والعذاب الشديد، والعنزة: هي عود من خشب
[ ١٤١ ]
أطول من العصا وأقصر من الرمح، في أسفلها وطرفها الذي يمس الأرض زج كزجر الرمح، - الزج حديدة - يتوكأ عليها الشيخ الكبير ومن تقدمت به السن، وذلك لعجزه عن السير بدونها، وهي شبه العكاز التي نعرفها الآن عندنا.
وقد ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى بسنده عن حفص بن عمر بن سعد عن أجداده وغيرهم أنهم أخبروه أن النجاشي الحبشي بعث إلى رسول الله ﷺ ثلاث عنزات، فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى علي بن أبي طالب واحدة، وأعطى عمر بن الخطاب واحدة، فكان بلال يمشي بتلك العنزة التي أمسكها رسول الله ﷺ لنفسه بين يديه في يومي العيد - الفطر والأضحى - حتى يأتي المصلى فيركزها بين يديه فيصلي إليها ثم كان يمشي بها بين يدي أبي بكر بعد رسول الله ﷺ كذلك، ثم كان سعد القرظ يمشي بها بين يدي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في العيدين، فيركزها بين أيديهما فيصليان إليها، قال عبد الرحمن بن سعد، وهي هذه العنزة التي يمشى بها اليوم بين يدي الولاءة.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر بن محمد ابن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبيه قال: لما توفي رسول الله ﷺ أذن بلال ورسول الله ﷺ لم يقبر، فكان إذا قال: أشهد أن
[ ١٤٢ ]
محمدا رسول الله انتحب الناس في المسجد - يعني بكوا بالصوت وذلك هو النحيب - فلما دفن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر: أذن، فقال إن كنت إنما أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك - وفي رواية فاحبسني - وإن كنت اعتقتني لله فخلني ومن اعتقتني له، فقال، ما اعتقتك إلا لله، قال فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ، قال: فدلك إليك، قال فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم حتى انتهى إليها.
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر، قال: لبيك، قال اعتقتني لله أو لنفسك؟ قال: لله، قال: فأذن لي حتى أغزو في سبيل الله، قال: فأذن له فذهب إلى الشام فمات ثم.
بلال لا ينكر أصله:
فقد جاء عن قتادة أن بلالا تزوج امرأة عربية من بني زهرة، وجاء في طبقات ابن سعد قال: خطب بلال وأخوه، إلى أهل بيت من اليمن فقال: أنا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تنكحونا فالحمد لله، وإن تمنعونا فالله أكبر، وجاء بنو أبي الكبير إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: زوج أختنا فلانا فقال لهم: أين أنتم عن بلال؟ وللمرة الثالثة وهم
[ ١٤٣ ]
يطلبون منه أن يزوج أختهم من فلان، فقال لهم: أين أنتم عن بلال؟ أين أنتم عن بلال رجل عن رجال الجنة؟ قال: فأنكحوه.
وقال أصحاب السير: كان الناس يأتون بلالا فيذكرون فضله، وما قسم الله له من الخير، فكان يقول لهم إنما أنا عبد حبشي كنت بالأمس عبدا.
وكان المشرك (أمية بن خلف) الجمحي ممن يعذبون بلالا، بل كان هو أكبر معذبيه، فكان يوالى عليه العذاب والإهانة والمكروه، فكان من قضاء الله وقدره أن مكن الله بلالا من عدو الله وعدوه أمية بن خلف يوم غزوة بدر فقتله، حسبما ورد هذا في كتب السيرة، فقد جاء فيها أن بلالا لما أبصر عدو الله أمية بن خلف صاح وقال: أمية بن خلف عدو الله، لا نجوت إن نجا، وأجهز عليه فقتله، وأخذ ثأره وحقه منه، لما كان يفعله به من أنواع التعذيب والتنكيل والإهانة، فقال فيه أبو بكر ﵁.
هنيئا زادك الرحمن خيرا فقد أدركت ثأرك يا بلال
ذلك أن أمية بن خلف - معذب بلال - كان يخرجه إذا حميت شمس الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة - كما مر - ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: (لا والله) لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيجيبه
[ ١٤٤ ]
بلال وهو في هذا البلاء العظيم أحد أحد، وقيل يقول له: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد.
هذا هو إيمان هذه الشخصية العظيمة في عقيدتها، والصلبة في دينها، وبهذه العقيدة الفذة تغلب على كل الصعاب والعقبات التي اعترضت سبيله، في كل مراحل حياته الإسلامية.
فهل يوجد في المسلمين - اليوم - من له شيء من إيمان هذا الرجل العظيم؟ من غير اعتبار اللون والوطن.
رواة الحديث عنه:
روى الحديث عن بلال وأخذ عنه كبار الصحابة ﵃ أجمعين منهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وعالما الصحابة عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، كما روى عنه جماعة من كبار التابعين بالمدينة والشام والكوفة وقال علي بن عمر: روى عن بلال جماعة من الصحابة وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأسامة ابن زيد، وعبد الله بن عمر، وكعب بن عجرة والبراء بن عازب، وغيرهم.
ومن فضائله ﵁:
روى ابن وهب وابن القاسم عن الإمام مالك قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لبلال (يا بلال إني دخلت الجنة، فسمعت فيها خشفا - والخشف
[ ١٤٥ ]
الوطء بالإقدام والحس - أمامي قال: فقلت: من هذا قال: بلال، قال: فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى).
وجاء أنه كان إذا أذن بعد وفاة الرسول ﷺ ذكر الصحابة بعهد الرسول ﵊ فبكوا لذلك، وروى الإمام الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قدمنا الشام مع عمر بن الخطاب، فأذن بلال فذكر الناس النبي ﷺ، فلم أر يوما أكثر باكيا منه.
وقال الذهبي أيضا: قال أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الصبح (حدثذي بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشفة - حركة - نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى من أني لم أطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهارا إلا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي). ومن المعلوم أن الذي سمعه الرسول ﷺ من بلال إنما هو روحه لا جسده، فإن جسده لا زال لم يدخل الجنة، وفيه أيضا أنه دعا بلالا فقال له: (بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا وسمعت خشخشتك - الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح - أمامي وأنت على قصر من ذهب، فقال بلال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت، ورأيت أن لله علي ركعتين أركعهما، فقال: بهما).
[ ١٤٦ ]
وتوفي بلال ﵁ بدمشق، وقيل مات في «داريا» وحمل فأقبر في الباب الصغير، وقيل دفن بباب كيسان، أما داريا فهي قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة مشهورة، وكانت وفاته سنة عشرين من الهجرة، وقيل سنة إحدى وعشرين، ودفن بدمشق عند الباب الصغير في مقبرة دمشق، على الخلاف كما مر، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل ابن سبعين سنة ويقال أنه كان ترب أبى بكر ﵄، وقد شهد بلال بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
ولما حضرته الوفاة قال: (غدا نلقى الأحبه، محمدا وحزبه) ولما سمع امرأته تندبه وتقول: وا ويلاه - على عادة النساء عند مشاهدة موت ذويهن - فقال هو وافرحتاه، ﵀ ورضي عن هذا الرجل العظيم الذي كان من السابقين الأولين الذين واكبوا الدعوة الإسلامية من أولها.
[ ١٤٧ ]
- ٥ -