من أول من أظهروا الإسلام:
_________________
(١) هو أبو اليقظان عمار بن ياسر، وأمه سمية البرة التقية المؤمنة الصالحة، أول شهيد في الإسلام، وأبوه ياسر وأخوه عبد الله، وهذه الأسرة الطيبة الكريمة على الله من المستضعفين، ومن السابقين إلى اعتناق الإسلام وعقيدة التوحيد ونبذ الشرك وعبادة غير الله تعالى من معبودات الجاهلية، وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين ممن أسلموا، وهو وأمه ممن عذبوا في الله العذاب الشديد. وأسلم عمار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم، أين كان يجتمع بالمسلمين خفية لتعليمهم قواعد الدين ليكونوا ثابتين على عقيدتهم فلا يفتنهم المشركون، والوقت ذاك وقت فتنة، أسلم هو وصهيب بن سنان الرومي في وقت واحد. قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب «دار الأرقم» ورسول الله ﷺ فيها فقلت له: ما تريد؟ فقال لي: وما تريد أنت؟ فقلت: أريد
[ ١٤٩ ]
أن أدخل على محمد فأسمع كلامه، فقال لي: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا ثم خرجنا، ونحن مستخفون، وكان إسلام عمار وصهيب بعد بضع وثلاثين رجلا كما سلف.
وكان عمار بن ياسر من مستضعفي الصحابة الذين كانوا يعذبون في مكة من مشركيها ليرجعوا عن دينهم ولكنهم كانوا يأبون هذا الذي يأمرهم به المشركون.
والمستضعفون قوم لا عشائر لهم في مكة تحميهم من طغاة أقوياء المشركين فكان العذاب ينزل عليهم بلا شفقة ولا حنان ولا خوف من أحد، إذ ليس لهم منعة ولا قوة غير قوة الله الواحد القهار، فكانت قريش تعذبهم بالرمضاء في وسط النهار، ليرجعوا عن دينهم، وكان عمار وصهيب يعذبان العذاب الشديد حتى ما يدرى أحدهما ما يقول، فبمواقف هؤلاء المؤمنين وبصبرهم على ما أصابهم من شديد العذاب ظهر الحق وانتصر على الباطل وأعوانه وأنصاره، وانتشرت عقيدة التوحيد، وهي العقيدة الصحيحة.
ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى نسب عمار بن ياسر ونسب أمه سمية فقال: هو عمار بن ياسر بن عامر ابن مالك بن كنانة الخ، ثم قال: كان قدم ياسر ابن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة يطلبون أخا لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وبقي
[ ١٥٠ ]
دار الأرقم
ياسر بمكة، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وزوجه حذيفة أمة له يقال لها «سمية بنت خباط» (١) فولدت له عمارا، فأعتقه - عمارا - أبو حذيفة، ولم يزل ياسر وعمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، وجاء الله بالإسلام فأسلم ياسر، وسمية وعمار وأخوه عبد الله بن ياسر وكان عمار يكنى أبا اليقظان.
قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخباب وصهيب، وعمار، وأمه سمية.
دار الأرقم: ودار الأرقم بن أبي الأرقم كانت أول مركز - تجمع فيه المسلمون - وخلية من مراكز وخلايا انبثاق نور الإسلام، إذ كان المسلمون لا يجرؤون على الجهر بالإسلام وإقامة شعائره أمام الناس، كالصلاة، فلا يستطيعون إظهارها، وكانوا يجتمعون سرا في هذه الدار، إلى أن أظهر الله الدين بإسلام عمر بن الخطاب ﵁، فخرج بهم إلى الحرم وأدوا الصلاة فيه، - والمشركون ينظرون ويسمعون - فلم يمنعهم أحد، ودار الأرقم مقرها بجوار «باب الصفا» في مكة المكرمة ولهذه الدار وصاحبها الشجاع فضل ومزية في نشر الإسلام ودعوته
_________________
(١) خباط بضم المعجمة وتشديد الموحدة، الإصابة ج ٨ ص ١١٣ - ١١٤.
[ ١٥١ ]
محنته وفتنته مع معذبيه:
قال الكثيرون ممن كتبوا في سيرة الصحابة ﵃: ان المشركين عذبوا من أسلم وأظهر إسلامه شديد العذاب ليرتدوا عن دينهم ويكفروا بالله الواحد الأحد وبمحمد رسول الله ﷺ، وكانوا يطلبون منهم النطق بكلمة الشرك ليكفوا عن تعذيبهم، وإلا استمر تعذيبهم ما داموا على الإسلام، فمن أولئك المعذبين من أبى أن يعطيهم شيئا مما طلبوه كبلال ﵁ - كما تقدم - عند بيان موقفه الصلب وعقيدته في الله وفي رسوله وفى الإسلام ومنهم من أعطاهم ذلك - ظاهرا - ليخففوا عنه العذاب، وثبت على عقيدة التوحيد والاعتراف برسالة محمد ﷺ في باطن نفسه، كعمار بن ياسر، فقد ذكر جل المفسرين للقرآن الكريم أن هذه الآية وهي قوله تعالى: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» (١) نزلت في عمار ابن ياسر ومن عذب من المستضعفين، حين عذبهم المشركون، وشددوا عليهم في العذاب، وقالوا له - عمار - لا نكف عن عذابك حتى تكفر بمحمد فوافقهم على ما طلبوه منه - مكرها - وجاء معتذرا إلى
_________________
(١) سورة النحل الآية ١٠٦.
[ ١٥٢ ]
رسول الله ﷺ عن ذلك، وشكا له ما أصابه من ذلك العذاب، فقال له النبي ﷺ: (كيف تجد قلبك)؟ قال مطمئنا بالإيمان، فقال له النبي ﷺ: (إن عادوا فعد، وجاء في بعض الروايات عند البيهقي وغيره أنه سب النبي ﷺ تحت الضغط عليه بل وذكر آلهتهم بخير وشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال له: (كيف تجد قلبك؟) قال مطمئنا بالإيمان فقال له: (إن عادوا فعد) وفي هذا أنزل الله تعالى قوله «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان». ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له - ظاهرا لا باطنا - أن يقبل ويفعل ما طلب منه فعله إبقاء على حياته، كما فعل عمار بن ياسر وله أن يمتنع عن إجابتهم لما طلب منه كما فعل بلال ﵁، فإنه أبى أن يعطي شيئا للمشركين، وهم يعذبونه ويفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في ساعة اشتداد الحر، ويأمرونه بقول كلمة فيها ما يرضيهم، فيأبى عليهم هذا، ويقول لهم: أحد أحد، بل ويقول لهم: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم لقلتها لكم زيادة في غيظكم وغضبكم.
وبناء على ما سلف بيانه من موقف عمار بن ياسر مع معذبيه، قال المفسرون لكتاب الله: أن الآية السابقة: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن
[ ١٥٣ ]
بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» إن هذه الآية تشمل نوعين ممن كفر بالله وأشرك معه غيره، أو جحده بتاتا.
النوع الأول: من كفر وجحد وجود الله، أو وحدانيته وهو في كفره مختار وكفر عن رضى منه، وانشرح صدره له، فهذا حكمه في الإسلام أنه كافر، قولا ونية وقصدا، وعملا، لانشراح صدره بالكفر، فهو ممن غضب الله عليه، لقوله تعالى «فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» وذلك لأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، وآثرها عليها وأولاها كل عنايته واهتمامه في حياته، ولم يستجب لدعوة الله له إلى التوحيد، فإن كان كفره عن وراثة من أهله، فإنه يدخل في عامة الكفار، وحكمهم بين في الإسلام، وأما من كفر بالله - مختارا - بعد الإيمان به والإقرار له بالألوهية والتوحيد، وهو ما أشارت إليه الآية وصرحت به فإنه يعتبر فيه الارتداد عن الإيمان إلى الكفر، فإنه يسمى مرتدا - راجعا وعائدا من الإيمان إلى الكفر - وحكمه أن النبي ﷺ قال فيه: (من بدل دينه فاقتلوه) أخرجه أئمة الحديث، كالبخاري وأحمد وأصحاب السنن، عن ابن عباس ﵁، فهو قد انتقل من صف المؤمنين بالله، إلى صف الكافرين الجاحدين له، وهذا منه تلاعب واستهزاء بدين الله، فكانت تلك عاقبته وعقوبته، فهو قد ارتد عن دينه
[ ١٥٤ ]
مختارا، لهذا جازاه الله وعاتبه على ذلك بالعذاب العظيم، في الدنيا والآخرة.
أما النوع الثاني: وهو من أظهر خلاف ما أبطن كما فعل عمار بن ياسر مع معذبيه، فأظهر لهم خلاف ما أبطن، وقال ما قال اتقاء لشرهم وتعذيبهم له، وذلك ليخففوا عنه العذاب، فهذا لا حرج عليه في سلوكه مع معذبيه أعداء الله هذا المسلك، إذا أظهر لهم أنه موافقهم على ما طلبوه منه - ظاهرا فقط - فقد طلبوا منه الكفر بالله وبالدين وبالرسول ﷺ، ليكفوا عن تعذيبه، فأجابهم إلى ما طلبوه منه واتبع رأيهم في الظاهر، فهذا لا شيء عليه كما تقدم ولا يخاف عذاب الله على كفره به - ظاهرا - لأنه اتقى به فقط عذاب معذبيه، والله ﷻ قال: «إلا أن تتقوا منهم تقاة» سورة آل عمران، والرسول ﷺ قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). رواه ابن ماجه من أبي ذر ﵁، وفي رواية أخرى عند ابن ماجه عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وفي كلا سند الحديتين للعلماء مقال.
ولبيان كل ما تقدم يظهر هذا في قوله تعال: «ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم
[ ١٥٥ ]
عذاب عظيم» فانشراح الصدر في الآية كناية عن القبول الاختياري والرضى بالأمر الذي مالت إليه النفس ورضيت به واختارته عقيدة وعملا، فمن وسع صدره وقلبه وعقله لقبول الكفر بالله والردة بعد الإيمان، من غير أن تنازعه نفسه في هذا الرضى والقبول، فهذا كان مختارا من غير اضطرار، فانشرح صدره ورضي قلبه بقبول الكفر والجحود، غير مكره عليه ولا كاره له، فهذا ملعون ومغضوب عليه من الله، الإله الواحد لجميع المخلوقات فهذا ظلم وقع من ظالم لذا وجبت معاقبته، وهذا العذاب العظيم جزاء كفره وجحوده، وهو عذاب جهنم الذي أعده الله لمن كفر به وجحده.
فالذي نطق بكلمة الكفر مكرها عليها بالتهديد بالقتل كعمار بن ياسر ﵁، كان الإكراه في حقه عذرا مقبولا، فإن نطقه بها يطبق عليه قوله تعالى: «إلا أن تتقوا منهم تقاة» سورة آل عمران، ذلك أن العلماء قالوا: أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فإنه لا إثم عليه إن كفر بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان راض به، ولا تبين منه زوجته - أي تطلق عليه - ولا يحكم عليه بالردة والكفر بعد الإيمان، ذلك أنه يدخل في باب «التقية» المرخص فيها شرعا، لتكون ملجأ للنجاة من ظلم الظالمين.
[ ١٥٦ ]
بعض ما كان المشركون يعذبون به المؤمنين:
ذكر ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة» نقلا عن محمد بن سيرين فقال: (مر رسول الله ﷺ بعمار بن ياسر وهو يبكي يدلك عينيه، فقال له رسول الله ﷺ: مالك؟ أخذك الكفار فغطوك في الماء - وفي رواية في النار - فقلت كذا وكذا، فإن عادوا لك فقل كما قلت؟) وهو يقصد من هذا أن الكفار ألزموه بسب الرسول وشتمه، والنطق بكلمات الشرك، إذ لا حرج على من أكره على ذلك.
وقال ابن الأثير أيضا عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵃: أكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟؟ فقال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به، حتى أنه ليعطيهم ما سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا له، اللات والعزى إلهك من دون الله، فيقول: نعم، وحتى أن «الجعل» - نوع من الخنافس- ليمر بهم فيقولون له: هذا إلهك من دون الله؟ فيقول نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهد.
هذا هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر وبعض ما أصابه من مشركي قريش وهو مخزومي من بني مخزوم، وقد هاجر إلى الحبشة فيمن هاجر من الصحابة حين اشتد عليهم المشركون في التعذيب، وشهد بيعة
[ ١٥٧ ]
الرضوان وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وأبلى ببدر البلاء الحسن، كما شهد «اليمامة» فأبلى فيها أيضا، وفيها قطعت أذنه ﵁.
وأرض اليمامة معروفة، وهي جزء من بلاد العرب، معدودة من تراب «نجد» وكان في اليمامة إذ ذاك «مسيلمة» الكذاب الذي ادعى النبوة في زمن الرسول ﷺ، وحرب اليمامة وقعت في السنة الثانية عشرة من الهجرة فقد ارتد من ارتد من بعض القبائل العربية بعد وفاة الرسول ﷺ ومنعوا الزكاة فلم يدفعوها إلى بيت المال كما كان العمل جاريا في زمنه، ومن تلك القبائل قبيلة بني حنيفة باليمامة بزعامة كذابها مسيلمة النبي الكذاب، فجهز لهم الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ ثلاثة جيوش فكان ثالثها وآخرها - وهو جيش النصر - القاضي عليها بقيادة سيف الله المسلول على الكافرين «خالد بن الوليد» ﵁، على ما ورد في كتب التاريخ، كما مر، ودارت الحرب بين حنيفة وجيش الإسلام بشدة، وقتل فيها زعيمها مسيلمة الكذاب، كما قتل فيها من الصحابة رضوان الله عنهم عدد وافر وخاصة حفظة القرآن الكريم وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يفكر في جمع القرآن مخافة دروسه وذهابه بذهاب حفظته، فأشار على أبي بكر بذلك، فامتنع الخليفة الأول أولا ثم شرح
[ ١٥٨ ]
الله صدره له فيما بعد، حيث توقف في الجمع والنسخ، لأنه عمل لم يعمله رسول الله ﷺ وبعد قتل زعيم أهل الردة «مسيلمة» وانتصار جيش الإسلام وانهزام حنيفة جرى الصلح بينهم وبين القائد البطل خالد ﵁ وعن جميع الصحابة حماة الإسلام والعقيدة، وانتهت حروب الردة.
وعمار بن ياسر عن السابقين إلى الإسلام كما تقدم، وقد شارك في بناء مسجد الرسول ﷺ في المدينة، اقتداء بصاحب الرسالة ﷺ وذلك حين كان يعمل مع أصحابه في بنائه ليرغبهم في العمل، وكان عمار يحمل اللبن - الطوب - وقد أثقله إخوانه به، إذ كانوا يحملون لبنة لبنة ويحملونه هو لبنتين اثنتين، فشكا لرسول الله ما يلاقيه من إخوانه الصحابة، قال: يا رسول الله قتلوني، - وهو يمزح - يحملون علي ما لا يحملون هم، وقد ذكرت أم سلمة ﵂ أنها رأت رسول الله ﷺ ينفض وفرته - الوفرة ما نزل من الشعر على الأذنين - بيده الشريفة، وكان عمار رجلا جعد الشعر، وهو ﷺ يقول: (ويح ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية).
قال أصحاب السير: أن أول من بنى مسجدا هو عمار بن ياسر، يعنون بهذا مسجد «قباء» ذلك أن
[ ١٥٩ ]
عمارا هو الذي أشار على النبي ﷺ ببنائه وقال: ما لرسول الله ﷺ بد من أن نجعل له مكانا إذا استظل من قائلة أن يستظل قيه، ويصلي فيه، فجمع حجارة وبنى مسجد «قباء» فهو أول مسجد بني على ما قيل، إذ هو الذي جمع الحجارة له فلما أسسه رسول الله ﷺ استتم بنيانه عمار.
وعندما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كانت مؤاخاة عمار بن ياسر مع حذيفة بن اليمان ﵄.
[ ١٦٠ ]
- ٦ -