خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم
خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم:
كان عدد الأسرى سبعين كعدد الذين قتلوا، وكانوا ينتسبون في الأغلب – إلى أكبر أسر المشركين - وبعد أن وزعهم الرسول ﷺ على أصحابه قال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرا"١.
ولم يكن هناك نظام ثابت لمعاملة الأسرى حتى بعد غزوة بدر إلا أن الرسول – ﷺ - شرع نظاما معينا للأسرى ينحصر في أمور ثلاث: ١_ الافتداء ٢_والاسترقاق. ٣_والقتل.
ولم يلجأ الرسول – ﷺ - إلى القتل إلا إذا كان الأسير أحد هؤلاء الذين اشتدوا في الإيذاء له، وإيذاء أهله، وأصحابه وكان خطرا على دعوته وعلى رسالته، ومن أمثلة ذلك قصة الأسيرين: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط فقد وقعا معا في الأسر وكان الاثنان شرا مستطيرا على المسلمين أثناء وجودهم في مكة، وكانا يبحثان في أفضع الوسائل لتعذيب محمد وقومه، ولهذا ارتعد النضر عندما نظر إليه الرسول ﷺ أثناء استعراضه للأسرى، وصدر ذلك في قوله لرجل إلى جانبه: "محمد والله قاتلي لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت" فقال له الرجل الذي بجانبه: "ما هذا والله منك إلا رعب".
_________________
(١) ١ أبو الفداء ٣ /٣٠٦.
[ ٥٣ / ١٨٥ ]
الخاتمة
سابعا: الخاتمة:
وبعد فهذه غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون، وزلزل المشركون، وأنجز الله وعده، وأعز جنده، وأسعد من حضرها من المسلمين فهو عند الله من الأبرار.
ولقد قال الرسول ﷺ: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة"١.
وبهذه الغزوة، وبهذا الانتصار استقر أمر المسلمين في بلاد العرب جميعا، وكانت هذه الغزوة مقدمة وبداية للدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا عجب أن سماها الله ﷾ فرقانا حيث يقول: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَان﴾ (الأنفال آية ٤١)، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، والنور والظلام.
ورغم أن بدرا تعد أول غزوة من غزوات جيش الإسلام ورغم أنها المرة الأولى التي يقف فيها الرسول الكريم موقف المحارب فإننا نستطيع أن نستخلص منها دروسا لها قيمتها ومبادئ خطيرة لها شأنها في سير المعارك.
وهذه الدروس لم تتغير ولم تتبدل رغم اختلاف العصر الذي نعيش فيه والعصر الذي تمت فيه غزوة بدر. ومن أهمها:
١_ أهمية القضاء على قوة العدو الاقتصادية، ووضعها في المقام الأول، لأن في القضاء عليها قضاء على القوة العسكرية.
٢_ الشورى وما لها من أهمية كبرى في الميدان ووقت الحرب، فالقائد الحكيم هو الذي يستشير خبراءه ليعرف منهم الخطة السليمة الصحيحة.
٣_ أهمية القوى المعنوية للمحاربين والقوة المعنوية هي العامل الأول الذي دفع بالمسلمين إلى النصر رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.
٤_ الاهتمام بالاستكشاف والاستطلاع قبل إبان المعركة، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ خرج بنفسه لذلك أو كان يختار من يثق بهم.
٥_ تكتيك الحرب الذي يبدو واضحا في السرية التامة في التحركات وخاصة خلال العمليات.
فاحتلال المسلمين لمواقع المياه تنفيذا لرأي الحباب بن المنذر ثم في منتصف الليل حتى لا يشعر بهم العدو.
_________________
(١) ١ انظر البخاري ومسلم وأبو داود، أبو الفداء ٣/٣٢٩.
[ ٥٣ / ١٨٨ ]
والرسول ﷺ كان يأمر جنده بأن يظلوا في أماكنهم لا يتحركون أو يتحدثون أو يأتون بما يثير انتباه أعدائهم، وكانون بذلك يتركون العدو يتقدم ويتقدم ويظل في تقدمه، حتى إذا أصبح في مرمى النبال ألقوها عليهم، فتصيب منه العدد الكبير فوق ما تحدثه المفاجأة في نفسه، فيرتبك ويضطرب وتكثر إصابته ويزيد عدد قتلاه.
٦_ضرورة تغلغل العقيدة في نفوس المحاربين، فإن العقيدة المتغلغلة في نفوس المسلمين بلغت منهم منزلة تسمو على صلات الرحم والقرابة. فكان الرجل منهم يقتل أباه أو أخاه أو عمه أو قريبه من المشركين لا تأخذه فيه شفقة أو رحمة.
فها هو ذا عبد الرحمن بن أبي بكر يقول لأبيه بعد إسلامه – وكان يقاتل في صف المشركين يوم بدر-: "يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك " فقال أبو بكر ﵁: "لو كنت أهدفت لي أنت ما صدفت عنك"١.
وهذا أبو حذيفة بن عتبة ينظر إليه الرسول ﷺ يوم بدر وقد سحبت جثة أبيه عتبة لتلقى في القليب فألفاه كئيبا قد تغير لونه فقال: "لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء" فقال أبو حذيفة: "لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني أمره" فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خير٢.
٧_ معاملة الأسرى معاملة كريمة فإن الرسول ﷺ قبل الفداء، وفوق هذا أطلق سراح الأسير الفقير الذي لا مال له ولا شيء عنده يفتدي به نفسه.
وفي الختام فهذه غزوة بدر وتلك أسبابها ونهايتها وهي صفحة بيضاء مشرقة من صفحات تاريخنا دونها بإخلاصهم وإيمانهم آباؤنا الأولون. وليس لنا من سبيل إلى ما وصلوا إليه من عر ومجد، إلا أن نستن سنتهم، وأن نسير على طريقتهم وأن ننسج على منوالهم، وعندئذ يكون لنا بوعد الله ما كان لهم من عزة ومجد وكرامة، أرجو وآمل إن شاء الله، وما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
_________________
(١) ١ الروض الأنف للإمام السهيلي ٦/١٨١ دار الكتب الحديثة تفسير بن كثير ٤ /٣٢٩. ٢ أبو الفداء ٣/٢٩٤ عن ابن إسحاق، السيرة لابن هشام ١/٦٤٠-٦٤١.
[ ٥٣ / ١٨٩ ]