ومن أشهر حوادث هذه الغزوة (الأحزاب) ما ذكره ابن إسحاق من تخذيل نُعيم بن مسعود الغطفاني للأحزاب وذلك أنه أسلم ولم يعلم قومه بذلك، وقوله للرسول - ﷺ - فمرني بما شئت، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّلْ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة"، وأنه أتى بني قُريظة وخوّفهم من انسحاب قريش وغطفان وباقي الأحزاب، وأشار عليهم أن يأخذوا رهنًا من أشراف قريش يكونوا بأيديهم، فقالوا له لقد أشرت بالرأي، ثم ذهابه لقريش وأخبرهم أن يهود بني قريظة قد ندموا على نقض العهد، وأنهم قد عرضوا على محمَّد - ﷺ - إن كان يُرضيه أن يأخذوا له رجالًا من أشراف قريش وغطفان حتى يضرب رقابهم. وحذرهم من أن يسلِّموا رجلًا منهم رهينة عند يهود، ثم أتى غطفان وحذّرهم كما حذر قريشًا. وكيف أن ذلك كان سببًا لاختلاف الأحزاب وتفرقهم (١).
قال الشيخ الألباني في تخريجه لأحاديث (فقه السيرة): "ذكر هذه القصة ابن إسحاق بدون إسناد وعنه ابن هشام (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) لكن قوله - ﷺ -: "الحرب خدعة "صحيح متواتر عنه - ﷺ - رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما (٢) ". وقال الدكتور العمري: "هذه الروايات لا تثبت من الناحية الحديثة ولكنها اشتهرت في كتب السيرة (٣) ".ا. هـ.
أما الذي صرف الأحزاب فقد أوضحه الحق ﵎ بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٤) فالذي صرفهم
_________________
(١) انظر الروض الأنف (٦/ ٢٧٧ - ٢٨٠).
(٢) فقه السيرة. ص ٣٠٧.
(٣) السيرة النبوية الصحيحة (٢/ ٤٣٠).
(٤) سورة الأحزاب الآية (٩).
[ ١٧٠ ]
كما في هذه الآية أمران: الريح والجنود التي لم تُرَ. أما الريح فقد روى
البخاري ومسلم عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: نُصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدبور (٥) "، قال الحافظ في (الفتح): "وروى أحمد من حديث أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله، قد بلغت القلوب الحناجر، قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم الله ﷿ بالريح". ثم قال: "وعُرف بهذا وجه إيراد المصنف هذا الحديث هنا، وأن الله نصر نبيه في غزوة الخندق بالريح (٦) " ا. هـ والحديث الذي أورده الحافظ فيه ضعف لأن في سنده رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد وهو ضعيف. وقد صحَّح الشيخ الألباني الدعاء دون القصة. (٧)
وأما الجنود التي لم تُرَ، فهي الملائكة كما ذكر المفسرون، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في نصر المؤمنين في ثلاثة مواضع، موضعان منها في سورة التوبة، أحدهما عن غزوة حنين: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ والآخر عند الهجرة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ والثالث في سورة الأحزاب، وقد سبق. وقد فُسِّرت الجنود بالملائكة في هذه المواضع الثلاثة، وقد مضى في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار الحديث عن الآية الثانية: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾
_________________
(١) البخاري، باب غزوة الخندق، الفتح ٧/ ٣٩٩. مسلم كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور (٦/ ١٩٧ نووي).
(٢) فتح الباري (٧/ ٤٠٢).
(٣) السلسلة الصحيحة. حديث رقم (٢٠١٨).
[ ١٧١ ]
تنبيه
تنبيه: قال الحافظ في (الفتح): "قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة - ﵂ -: أن نعيمًا كان رجلًا نمومًا، وأن النبي - ﷺ - قال له: إن اليهود بعثت إليّ إن كان يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رهنًا ندفعهم إليك فتقتلهم فعلنا. فرجع نعيم مسرعًا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمَّد عليهم، وإنهم لأهل غدر، وكذلك قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم (٨) ".
لكني لم أقف على هذه الرواية لا سندًا ولا متنًا في سيرة ابن إسحاق المطبوعة مع شرحها للسهلي (الروض الأنف)، ولا في سيرة ابن إسحاق بتحقيق محمَّد حميد الله. وقد رواها البيهقي في (الدلائل) من طريق أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بُكيرعن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: "كان نعيم رجلًا نمومًا، فدعاه رسول الله - ﷺ - فقال: إن يهود قد بعثتْ إليّ إن كان يرضيك عنّا أن تأخذ رجالًا رهنًا من قريش وغطفان، من أشرافهم، فندفعهم إليك فتقتلهم، فخرج من عند رسول الله - ﷺ - فأتاهم فأخبرهم ذلك، فلما ولى نعيم قال رسول الله - ﷺ -: إنما الحرب خدعة (٩) ". وأحمد بن عبد الجبار العُطَاردي قال عنه الحافظ: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح (١٠) "
والقصة ذكرها ابن كثير في (البداية والنهاية) (١١) عن البيهقي باختلاف يسير. وهذه الرواية تجعل تفريق شمل الأحزاب بالتخذيل بينهم من تدبير الرسول - ﷺ - بعد تدبير الله - وأن نعيمًا ما هو إلا ناقل للخبر.
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٤٠٢).
(٢) دلائل النبوة (٣/ ٤٤٧).
(٣) ١/ ١٩.
(٤) ٤/ ١١٣.
[ ١٧٢ ]
فائدة
فائدة: قال محمَّد الغزالي -﵀- "ومسلك بني إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديما وحديثًا يجعلنا نجزم بأن القوم لا يدعون خستهم أبدا، وأنهم يرعون المواثيق ما بقيت هذه المواثيق متمشية مّع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم، فإذا وقفت تطلعهم الحرام نبذوها نبذ النواة. ولو تركت الحمير نهيقها، والافاعي لدغها، ترك اليهود نقضهم للعهود. وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الخصلة الشنعاء في بني إسرائيل، وأشار إلى أنها أحالته حيوانًا لا أناسي، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الانفال: ٥٥ - ٥٦) (فقه السيرة، ص:٣٠٣).
[ ١٧٣ ]