وتؤكد أنّ مؤلفه قد عاش في القرون الوسطى كما يفترون:
الشبهة الأولى: لا يوجد سند لهذا الإنجيل!
الردّ: وهل تملك الكنيسة أسانيد لكتبها هي!؟
[ ٣٥٥ ]
إننا لا نملك سلاسل- أو حتى سلسلة واحدة- رجال لأسانيد أسفار موسى، بل إنّ الكنيسة لا تعتمد ولا تعرف شيئا اسمه" إسناد" لهذه الأسفار الخمسة في التراجم التي تصدرها، وإنما تعتمد على مخطوطات لا يعلم أحد مؤلفيها، وهي تعود إلى أكثر من ١٥ قرنا من ميلاد موسى ﵇!!
بل ما كان اليهود متفقين على تحديد المقدس من غير المقدس، يقول الفيلسوف اليهودي اسبينوزا: " يظهر بوضوح أنه لم تكن هناك مجموعة مقننة من الكتب المقدسة قبل عصر المكابيين (أي القرن الثاني قبل الميلاد)، أما الكتب المقننة الآن فقد اختارها فريسيو الهيكل الثاني بعد أن أعاد بناءه عزرا" الكاتب"!!!
العهد الجديد ليس أهون حالا من العهد القديم.. خذ مثلا إنجيل متّى، أفضل الأناجيل من ناحية" السند".. إسناده المزعوم، مظلم:
ذكر المؤرخ" أزوبيوس" في القرن الرابع، أنّ" بابياس" في القرن الثاني قال أنّ" متّى" في القرن الأول قد كتب" اللوجيا".. وبعيدا عن ذكر أنّ" لوجيا" تعني" أقوال" ولا تعني" إنجيل"، وبعيدا عن ذكر إجماع آباء الكنيسة على أنّ إنجيل متّى قد كتب ابتداء باللغة العبرية، رغم أنّ ما عندنا قد كتب ابتداء كما تقول الكنيسة اليوم باللغة اليونانية.. وغيرها من المطاعن المتكاثرة.. فإننا نقول أنّ: أزوبيوس- بابياس- متّى.. على مدى أربعة قرون.. هذا لا يسمّى إسنادا عند المحققين وإنما هو.. لا شيء!!
ومنذ متى كانت الأسانيد شرطا لقبول أصالة الأسفار أو قدسيتها؟!!
لقد قال الأب الكاثوليكي الدكتور ريموند براون Raymond Brown في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of The Messiah ="ص ٤٥: " يوجد،
[ ٣٥٦ ]
تقريبا، إجماع في الدوائر العلمية اليوم أنّ الإنجيلي مجهول، رغم أنّنا سنستمر في الإشارة إليه ب" متّى"".
وأضاف في الهامش: " كان الروم الكاثوليك من بين آخر الذين توقّفوا عن الدفاع رسمي عن الموقف الذي يقول إنّ الإنجيل قد كتب من طرف متّى، احد الاثنى عشر. "
وكانت حصيلة جهود أفضل تجمع لنقاد غربيين متخصصين في دراسة أسفار العهد الجديد، ويسمّى ب" ندوة عيسى، =Jesus Seminar ="قوله في كتاب" الأناجيل الخمسة =The Five Gospels ="ص ٢٠: " جميع الأسفار كانت متداولة في الصل بدون أسماء مؤلفين إلى أن قررت الكنيسة الأولى- كنيسة بولس- تحديد مؤلف كلّ منها وفي معظم الحالات كان التحديد نتيجة التخمين أو التمني أو حسن النيّة"..
بل إننا نقول أنّ إنجيل برنابا وإن لم يكن له سند، كم هو الحال بالنسبة لبقية الأناجيل، فإنه يمتاز عليها بأنه قد وجد في ظروف لا ترجّح كفة أصوله الإسلامية إذ أنه قد وجد في جو نصراني صرف وبالإضافة إلى ذلك، وكما قال القسيس المهتدي الدكتور م. هـ. مورّاني في كتابه" الإنجيل المنسي للقديس برنابا" ص ١٠٢: " إنجيل برنابا يعطي الانطباع أنّ الكاتب عالم كبير في النصرانية لا في الإسلام، وبالتالي فإنّه من الراجح جدا أنّ المؤلف ليس سوى برنابا. ".. أما أسفار النصارى فهي مطايا عقدية لفرق متناحرة، وكلّ يدعي وصلا بعيسى من خلال إنجيله أو أناجيله الخاصة.. والتاريخ لا يقرّ لهم بذاك! .. وإذا أحسنّا الظن بالقوم قلنا ما قاله جون لوريمر في" تاريخ الكنيسة" ص ١٥٢ عن هذه الأناجيل: " لم نصل إلى الآن إلى معرفة وافية عن الكيفية التي اعتبرت بها الكتب المقدسة كتبا قانونية".
[ ٣٥٧ ]
الشبهة الثانية: نحن لا نملك النسخة الأصلية المكتوبة باللغة اليونانية!
الردّ: وهل يملك النصارى نسخة واحدة لأيّ سفر من أسفارهم المقدسة الكثيرة، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد؟
جاء في الموسوعة البريطانية ج ٢ ص ٥١٩: " إنّ النسخ الأصلية (الإغريقية) لكتب العهد الجديد فنيت منذ مدة طويلة، (وفيما عدا بعض بقايا من صعيد مصر) فإنّ كلّ النسخ التي استخدمها المسيحيون في الفترة التي سبقت مجمع نيقية قد غشيها نفس المصير"!!!
بل.. ولا يمكن بأيّ حال الوصول إلى النص الأصلي.. قالت الموسوعة البريطانية ج ٢ ص ٥٢١: " إنه أمل لا طائل من ورائه أن نتصور إمكانية الوصول إلى النص الأصلي، وذلك عن طريق ترتيب: النص الاسكندري، والنص الغربي القديم، والنص الشرقي القديم (البيزنطي)، ثم قبول النص الذي يتفق عليه اثنان منهم ضدّ الآخر. "
الشبهة الثالثة: من أشهر المطاعن النصرانية في إنجيل برنابا شبهة سنة اليوبيل.
قال عوض سمعان في كتابه: " إنجيل برنابا في ضوء التاريخ والعقل والدين": " جاء في فصل ٨٢: ١٨ و٨٣: ٢٥ أن اليوبيل يقع كل مائة عام. مع أن اليوبيل كان يقع لغاية وجود المسيح على الأرض كل خمسين عام فقط (لاويين ٢٥: ١١) . أما جعل اليوبيل كل مائة عام، فكان بأمر البابا بونيفاس الثامن سنة ١٣٠٠ م".
الردّ: أ- على فرض وجود خطإ النسخة المتاحة لإنجيل برنابا، فإننا نقول: لا
[ ٣٥٨ ]
يستبعد أن يكون هذا النص محرّفا من الناسخ في القرن الرابع عشر، ظنا منه أنه يصلح خطأ في هذا الإنجيل، أو لتشابه كتابة" المئة" و" الخمسين" في اللغة الإيطالية!
إنّ أخطاء النساخ شائعة جدا في مخطوطات الأسفار النصرانية المقدسة، ومما يؤكد هذا الأمر ما جاء في نسخة العهد الجديد" بولس باسيم" ص ٧: " فإنّ نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت، وما من أحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أية نسخة كانت مهما بذل فيها من جهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه، يضاف إلى ذلك إن بعض النساخ حاولوا أحيانا، عن حسن نية أن يصوبوا ما جاء في مثالهم وبدا لهم انه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة في التعبير اللاهوتي، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ () ومن الواضح أنّ ما أدخله النساخ من التبديل على مر القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مثقلا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات".
من الأخطاء الواردة في الكتاب المقدس التي يقرر كثير من المدافعين عن النصرانية أنها من فعل النساخ:
في إنجيل متى ٢٣: ٣٥: " من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن بركيا الذي قتلتموه بين المقدس والمذبح"، وفي هامش ص ٧ من العهد الجديد" بولس باسيم" نقرأ التعليق آلاتي: " يرجح إن زكريا هذا هو الذي ورد خبره في سفر الأخبار الثاني ٢٤: ٢١- ٢٢ وهو آخر من ذكر خبر قتله، وأما زكريا بن بركيا فقد ذكر في
[ ٣٥٩ ]
اشعياء ٨: ٢ وسفر زكريا ١: ١ ولربما حدث سهو في نسخ الأصول فكتب زكريا بن بركيا في حين إن الصواب هو زكريا بلا" بن بركيا. "
في سفر التكوين ٤٦: ١٥ إن عدد أولاد يعقوب وبناته هو ثلاث وثلاثون في حين أن العدد الحقيقي حين عد الأسماء المذكورة في السفر هو أربع وثلاثون.
في سفر أخبار الأيام الثاني ٢٨: ١٩: " لأنّ الرب ذلّ يهوذا بسبب آحاز ملك إسرائيل" وهو خطأ والصواب هو آحاز ملك يهوذا.
في نسخة الكتاب المقدس" اغناطيوس زيادة"، وفي قسم الحواشي عند تعليقه حول سفر إرمياء ٢٦: ١ ما نصه: " ثم إن ما ورد في عنوان الفصل السابع والعشرين من أنه نزل في عهد يوياقيم صوابه أنه نزل في عهد صدقيا كما يتبين من بقية الفصل فذكر يوياقيم في العنوان من خطأ النساخ. "
ب- قرّر البحّاثة المسلم م. أ. يوسف، في مقدمة تعليقه على الترجمة الانجليزية لإنجيل برنابا، أنّ مترجما إنجيل برنابا إلى اللغة الانجليزية" راج" قد اعترفا بتقرير الكنيسة أنّ الاحتفال بسنة اليوبيل كلّ مئة سنة عادة قديمة مهملة، ولكنهما زعما عدم صحة ما قرّرته الكنيسة ذاتها!!
وأضاف، يوسف، أنّه بالعودة إلى التاريخ القديم لبني إسرائيل يتبين أنّ أول احتفال بسنة اليوبيل كان في السنة ٥٤ لا الخمسين. وبيّن أنه يفهم من الموسوعة اليهودية =Encyclopedia Judica =أنّ آخر سنة يوبيل قبل ميلاد المسيح كانت سنة ٣٦ أو ٣٥ ق م، ولم يحتفل بسنة اليوبيل بعد ذلك إلا بعد قرن كامل..
وفي هذه الفترة عاش برنابا صاحب الإنجيل!!
[ ٣٦٠ ]
الشبهة الرابعة: ظاهر مما جاء في هذا الإنجيل تأثر صاحبه بتعاليم إسلامية جاء ذكرها في القرآن والسنة!
الردّ: أيريد النصارى أن يرد ذكر البشارة الصريحة بمحمد ﷺ في أكثر من موضع في" إنجيل برنابا" ثم لا نرى أي تشابه بين تعاليم الإسلام وبين ما جاء في ما نسبه برنابا إلى المسيح ﵇!! هذا والله ما لا يمكن أن يفهمه العاقل!! أيريد المعترضون أن يخالف برنابا جميع ما جاء في وحي الله سبحانه إلى محمد ﷺ ليصحّ في أفهامهم نسبة هذا الإنجيل إلى شخص قريب من المسيح!! ..
أيريد القوم أن يكون التناقض حجّة لصالح التناسق؟!!؟
ثم.. لم يعدّ المخالفون مشابهة تعاليم ذكرها برنابا لما جاء في القرآن والسنة حجة على أنّ المؤلف مسلم أندلسيّ دسّ كتابه بين السذج، ولا ينظر القوم في القائمات الطويلة العريضة للتشابهات بين عقائد اليهود النصارى، وبين ما جاء في العقائد الوثنية القديمة- واقرأ في هذا الشأن الكتاب الفذ للشيخ محمد طاهر التنير" العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" وكتاب الباحث حسين الباش" العقائد الوثنية في الديانة اليهودية"!! - على أنها دليل إدانة ضدّ أسفارهم!!.
لقد شهد عديد من النقاد على اقتباس كتّاب العهد القديم من العقائد السابقة..
من هذه الشهادات:
ورد في" قاموس ميثولوجيا العالم Mythology ==A Dictionary of World "لكوترل أرثر Cotterell Arthur ص ٢٥ أنّه من" المعتقد الآن أنّ العهد القديم هو تجميع لما لا يقلّ عن ثلاث ديانات رئيسية مما تألف منه التاريخ الديني" العبراني" غلّبت من بينها وأعليت عبادة يهوه. "
[ ٣٦١ ]
- قال كاتب الموسوعة البريطانية م ٢ ص ٨٩٩: " يبدأ الكتاب المقدس بخلق الكون ويروي القصة بصورة مستعارة من الأساطير البابلية حوّلت لتعبّر عن وجهة نظره تجاه الله والإنسان". " وفي قصة الطوفان هناك استعارات واضحة من قصص بلاد ما وراء النهرين التي تتحدث عن طوفان أرسلته الآلهة لتدمّر البشرية. "
ورد في كتاب" سفر التكوين، قراءة يهودية Genesis.A Jewish Interpretation ==The Book of "للحاخام المتعصّب لسفر التكوين جوليان مورجنشتون Julian Morgenstion ص ٤٣ أنّ" كثيرين من الطلبة اليهود الذين ينتظمون في الدراسات التوراتية يجفلون، بل ويصدمون، عند ما يقال لهم، لأول مرة، ان حكاية التكوين، بل وحكاية الطوفان أيضا وعددا آخر من الحكايات التوراتية والأفكار الواردة في العهد القديم استعير من الميثولوجيا والآداب البابلية. إلا أنّ التمهّل لحظة للتفكير في الأمر حريّ بأن يبيّن لنا أنّه لا مأخذ في ذلك، وأنّ الأمر ليس فيه ما هو غير طبيعي أو ما يسبب صدمة لأحد ()، وأنّ الاعتراف بصحته لا ينتقص كثقال ذرة من روعة الديانة اليهودية ومجدها العظيم (قلت:
!!!!) . " تذكر الدراسة الهامة للرهبانية اليسوعية والمسكونية الفرنسية (وقد أعدها ١٥٠ باحث كاثوليكي وبروتستانتي)، أنّ مصادر سفر التكوين، كانت الأساطير الشائعة والسائدة لدى الحضارات الموجودة فيما وراء النهرين (العراق) وعلى ضفاف نهر النيل (مصر)، والمنطقة الفينيقية والكنعانية.. فقالت: " لم يتردد مؤلفو الكتاب المقدس، وهم يروون بداية العالم والبشرية، أن يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من تقاليد الشرق الأدنى القديم، ولا سيما من تقاليد ما بين النهرين ومصر والمنطقة الفينيقية الكنعانية. على أنّ المؤلفين الذين اعتادوا النظر في
[ ٣٦٢ ]
الفصول الأولى من سفر التكوين، وأضفوا عليها اللمسات الأخيرة، لم يكونوا مجرّد ناقلين عميان، بل أحسنوا إعادة معالجة المصادر المتوفّرة بين أيديهم (!!!) . "
قال الباحث النصراني جورجي كنعان في كتابه: " الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي" ج ١ ص ٢٩: " عند ما تمّت الاكتشافات في بلاد ما وراء النهرين وسوريا ومصر، تبيّن للباحثين أنّ أسفار التوراة منقولة برمّتها نسخا أو مسخا عن الآداب والشرائع المصرية والكنعانية والبابلية. فظهرت الأبحاث المتعددة تلقي الأضواء على التوراة، وتكشف صلتها بالآداب والشرائع المتقدمة عليها. "
يكاد يتفق الباحثون من أمثال ليوناردو ويلي Leonardy Wooly في كتابه، Escavation At Ur =": وأدولف لودر Adolphe Lots في كتابه" إسرائيل، من بداياتها إلى أواسط القرن الثامن Beginings to the Middle of the Eight Century =Israel،from its "وستانلي" كوك، S.A.Cook وجاك فينجان Jack Finegan =ضوء من التاريخ القديم =Light from the Ancient Past ="وف يونجر F.Unger في كتابه" قاموس الكتاب المقدّس ليونجر "=Ungers Bible Dictionary "وجيمس فريزر في كتابه" الفلكور في العهد القديم" على أنّ قصة الطوفان، كما جاءت في التوراة، ليست قصة عبرية أصيلة، وانما أخذها الإسرائيليون من ميزوبوتاميا، ولكن القصة لم تنقل بطريقة عمياء، وإنما تصرفوا فيها بطريقة تتفق وأهداف كتابهم المقدس، ذلك لأنّ القصة التوراتية هي نفس القصة التي وجدت على ألواح مكتوبة منذ فترة ترجع إلى ما قبل عصر إبراهيم ﵇- بل إنّ الرواية البابلية أقدم من الرواية العبرية بما يقرب من أحد عشر أو اثني عشر قرنا، فضلا عن أنّ الحكاية العبرية في جوهرها- كما لاحظ تسيمرن- تقضي بأن يكون البلد المشار إليه قابل لحدوث الفيضان مثل بابل، الأمر الذي لا يدع مجالا للشك في أنّ الحكاية نشأت أصلا في بابل، ثم انتقلت بعد ذلك إلى فلسطين، فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ القصتين تتفقان لا في الأحداث الأساسية فحسب، بل إنّ وجوه
[ ٣٦٣ ]
الاتفاق بين القصتين تتعدّد حتى تشمل التفصيلات الجزئية، بحيث لا يمكننا أن نرجع ذلك إلى محض الصدفة، أو حتى إلى توارد الأفكار، يتبين لنا إلى أيّ حد اعتمدت قصة الطوفان في التوراة على قصص سومر وبابل الخاص بالطوفان. "
ونكتفي فيما يتعلّق بالنصرانية بذكر ما قاله الكاتب الأمريكي درابير في كتابه" التراع بين الدين والعلم": " لقد دخلت الوثنية والشرك في النصرانية عن طريق من تظاهروا بالنصرانية رياء وكذبا ليتقلدوا المناصب العالية في الدولة الرومانية".
الشبهة الخامسة: وجود مصطلحات فلسفية يونانية في إنجيل برنابا
، دليل على أنّ هذا الإنجيل قد ألّف في القرون الوسطى زمن شيوع فلسفة أرسطو!
الرد: وهل كانت فلسفة أرسطو غير معروفة في القرن الأول ميلادي!!
اقرؤوا كتاب شارل جنيبر أستاذ قسم النصرانية بجامعة السوربون" اليسوع" المعرّب تحت عنوان" المسيحية تاريخها ونشأتها" لتعلموا أنّ بولس، الذي هو أعظم شخصية في الديانة النصرانية كما نعرفها اليوم، ما هو إلا إفراز لمذاهب فلسفية متمواجة وعنيفة في حركاتها البينية في زمانه.
ثم ألم تقرؤوا قول بولس في الرسالة إلى كولوسي ٢: ٨: " احذروا أن يوقعكم أحد فريسة بالفلسفة "!!
فهل كان بولس يتحدث عن أمر خيالي، أم أنّ تحذيره" للمؤمنين" نابع من شعوره بالهجمة الفلسفية اليونانية الشرسة في زمانه، على عقول الناس؟!!!
أمّا فيما يتعلق باستعمال الاصطلاحات الفلسفية.. فاقرؤوا ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين ١: ٣: " هو شعاع مجده وصورة جوهره"!!
[ ٣٦٤ ]
فهل كتبت هذه الرسائل في القرون الوسطى" زمان شيوع الفلسفة الأرسطية"، أم في القرنين الأولين من ميلاد المسيح حيث لم يعرف الناس أرسطو ولا إخوانه!
بل ألم تقرؤوا نسبة كثير من النقاد الغربيين إنجيل يوحنا إلى مدرسة فلسفية صرفة.. فقد قالت الموسوعة البريطانية في القرن التاسع عشر: " أما إنجيل يوحنا، فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة حواريين لبعضهما، وهما القديسان متى ويوحنا وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم، وليربطوا ولو بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى، لخبطهم على غير هدى".
وجاء في الموسوعة الأمريكية ص ١٥٩: " أن العقيدة المسيحية لم تستطع تخلل العالم الروماني الإغريقي دون الارتكاز على قوة ما ورثته عن اليهودية، أو التأثّر بالثقافة الجديدة المحيطة بها.
إنّ التأثير الإغريقي (في المسيحية) له شواهده، ذلك أنّ الفقرات الأولى من صدر إنجيل يوحنا إنما هي تسير بوضوح على أسلوب شعر رواقي (فلسفي) في:
الكلمة.
وفي الواقع فإنّ: الكلمة، باعتبارها كلمة الله: قد يكون لها في فكر المؤلف ذلك التنوع المذكور في أسفار العهد القديم عن، كلمة الله".
بل اترك ما سبق واقرأ قول كالتوف: " إنّ صورة المسيح بكامل معالمها أعدت قبل أن يكتب سطر واحد من الأناجيل وإنّ هذه الصورة هي من إنتاج الفلسفة العقلية الميتافيزيقية التي كانت ذات سيطرة وكانت آراؤها شائعة وتكاد تكون عامة وعالمية. "
[ ٣٦٥ ]
وقبل كلّ ما سبق ذكره لا بدّ أن يثبت النصارى المعترضون أنّ" العبارات الفلسفية" المنسوبة إلى إنجيل برنابا ليست من عنديات المعرّب غير الأمين.. كما أنه عليهم أن يثبتوا أيضا أنها" عبارات فلسفية صرفة" وليست كلمات دينية مشاعة!!
الشبهة السادسة: مخالفة إنجيل برنابا لأسفار الكتاب المقدس
مما يعني أنه ليس بوحي، لأنّ الوحي لا يتناقض!
الردّ: اقرأ:
قال مفسرو الترجمة المسكونية- وهم نخبة من النقاد الكاثوليك والبروتستنت عن الأناجيل بأنها: " صورة لأدب غير مترابط مفتقر هيكله إلى حسن التتابع
يبدو أن ما فيه من تضاد غير قابل للتذليل. "
قال محررو مجلة" الحقيقة الواضحة" النصرانية في عدد يوليو ١٩٧٥ م: " هناك ادعاءات كثيرة لتناقضات في الكتاب المقدس لم يستطع العلماء حلها حتى الآن، وفيها ما يسر كل كافر ملحد، فهناك بعض الصعوبات النصية التي ما زال العلماء يتصارعون معها إلى يومنا هذا، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا من كان جاهلا بالكتاب المقدس. "
الفيلسوف اليهودي اسبينوزا قال عن التوراة: " فإذا ظن أحد أني أتحدث بطريقة عامة جدا دون أساس كاف، فإني أرجو أن يكلف نفسه العناء، ويدلنا على ترتيب يقيني لهذه الروايات يستطيع المؤرخون اتباعه في كتاباتهم للأخبار دون الوقوع في خطأ جسيم، وعلى المرء في أثناء محاولته تفسير الروايات والتوفيق أن يراعي العبارات والأساليب، وطرق الوصل في الكلام، ويشرحها بحيث نستطيع طبقا
[ ٣٦٦ ]
لهذا الشرح أن نقلدها في كتاباتنا، ولسوف أنحني مقدما في خشوع لمن يستطيع القيام بهذه المهمة، وإني على استعداد لأن أشبهه" بأبوللو" نفسه.
على أني أعترف بأني لم أستطع أن أجد من يقوم بهذه المحاولة، على الرغم من طول بحثي عنه، ومع أني مشبع منذ طفولتي بالآراء الشائعة عن الكتاب المقدس، فقد كان من المستحيل ألا أنتهي إلى ما انتهيت إليه. وعلى أية حال فليس هناك ما يدعونا إلى أن نعطل القارئ هنا، وأن نعرض عليه في صورة تحد أن يقوم بمحاولة ميئوس منها. "
وإذا كانت أسفار الكتاب المقدس غارقة في لجج التناقض والتضارب، وما أسقط هذا الداء قدسيتها المزعومة، فكيف يزعم أنّ مخالفة تلك الأسفار لإنجيل برنابا حجة على زيف هذا الإنجيل!!
إنّ الموافقة التامة لأي سفر مقدس غير كنسي، لما جاء الكتاب المقدس، هو المطعن النافذ في مصداقية هذا السفر لثبوت التحريف والتخريف والتجديف والتهويم في صفحات الكتاب المقدس النصراني!
الشبهة السابعة: إحالة مؤلف إنجيل برنابا إلى أقوال للأنبياء لا نجد لها ذكرا في العهد القديم
! الردّ: لم ينفرد إنجيل برنابا برواية نصوص منسوبة إلى أنبياء العهد القديم لا وجود لها في تلك الأسفار، بل يشترك معه في ذلك، العهد الجديد أيضا حيث رويت فيه بعض النصوص منسوبة إلى العهد القديم وهي غير موجودة فيه، منها:
[ ٣٦٧ ]
- في إنجيل متى ٢: ٢٣: " وجاء إلى مدينة اسمها الناصرة فسكن فيها ليتم ما قال الأنبياء: " يدعى ناصريا". ولم يرد في العهد القديم على الاطلاق القول إن المسيح أو النبي الموعود يدعى ناصريا.
في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٢: ٩: " ورد في الكتاب: اعد الله للذين يحبونه كل ما لم تره عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر".
في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٤: ٦: " لتتعلموا بنا ما قيل: لا تزد شيئا على ما كتب".
في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ١٥: ٥٤: " تم قول الكتاب: قد ابتلع الظفر الموت. "
بل البلاء أعظم.. إذ أنّ أسفار الكتاب المقدس ذاتها تحيل القارئ إلى أسفار مقدسة لا وجود لها بين دفتيه.. وهي: -
حروب الرب: ورد ذكره في سفر العدد ٢١: ١٤
سفر سنن الملك: ورد ذكره في سفر صموئيل الأول ١٠: ٢٥
سفر ياشر: ورد ذكره في سفر يشوع ١٠: ١٣ وسفر صموئيل الثاني ١: ١٧ سفر أخبار أيام ملوك إسرائيل: ورد ذكره في سفر الملوك الأول ١٤: ١٩ و١٦: ٥ و١٦: ١٤
سفر تاريخ إسرائيل ويهوذا: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٢٧: ٧
سفر تاريخ ملوك إسرائيل ويهوذا: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٣٦: ٨
[ ٣٦٨ ]
- سفر أخبار أيام ملوك يهوذا: ورد ذكره في سفر الملوك الثاني ٢٤: ٥ و٢١: ٢٥
سفر أخبار جاد النبي: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الأول ٢٩: ٢٩
سفر رؤيا النبي يعدو: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٩: ٢٩
سفر نبؤة اخيا الشيلوني: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٩: ٢٩
سفر تاريخ عدو النبي: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ١٢: ١٥ و١٣: ٢٢
سفر تاريخ شمعيا النبي: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ١٢: ١٥
سفر تاريخ ناثان النبي: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٩: ٢٩
سفر تاريخ ياهو بن حناني: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٢٠: ٣٤
سفر كتاب إشعياء النبي عن الملك عزّيا: ورد ذكره في أخبار الأيام الثاني ٢٦: ٢٢
سفر مرثية النبي أرميا على يوشيا: ورد ذكره في أخبار الأيام الثاني ٣٥: ٢٥
سفر تاريخ الملوك: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٢٤: ٢٧
سفر أخبار الأنبياء: ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ٣٣: ١٩
سفر أخبار سليمان: ورد ذكره في سفر الملوك الأول ١١: ٤١
سفر الرب: ورد ذكره في سفر اشعياء ٣٤: ١٦
[ ٣٦٩ ]
- سفر أخبار الأيام: ورد ذكره في سفر نحميا ١٢: ٢٣.
رسالة بولس إلى أهل اللاذقية: ورد ذكرها في رسالة بولس إلى أهل كولسي ٤: ١٦.
رسالة بولس الأولى إلى أهل فيلبي: ورد ذكرها في رسالة بولس إلى أهل فيلبي ٣: ١ الموجودة في العهد الجديد.. (انظر العهد الجديد" بولس باسيم" هامش صفحة ٧٧١) .
رسالة لبولس إلى أهل كورنثوس: ورد ذكرها في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٥: ٩.
رسالة لبولس إلى أهل كورنثوس: ورد ذكرها في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٧: ٨.
وقد جاء في تفسير دوالي رجردمينت هامش شرح سفر الملوك الثاني ١٤:
٢٥: " لا يوجد ذكر هذا الرسول يونس إلا في هذا العدد وفي البلاغ المشهور الذي كان إلى أهل نينوى، ولا يوجد في كتاب من الكتب إخباراته عن الحوادث الآتية التي جرأ بها يوربعام السلطان على محاربة سلاطين السريا وسببه ليس منحصرا في أنّ الكتب الكثيرة للأنبياء لا توجد عندنا، بل سببه هذا أيضا أنّ الأنبياء لم يكتبوا كثيرا من أخبارهم. "
ثم إنّ عدم ورود الأقوال التي نقلها مؤلف" إنجيل برنابا" في أسفار العهد القديم لا ينفي ورودها عن أولئك الأنبياء لطروء التحريف بالحذف في تلك الأسفار.
[ ٣٧٠ ]
الشبهة الثامنة: جاء في إنجيل برنابا ذكر قصص وحوادث وقعت في أيام الأنبياء السابقين
، ومع ذلك لا نرى لها ذكرا في العهد القديم- المصدر الوحيد لأخبار ذاك الزمان- مما يعني أنّ مؤلف إنجيل برنابا قد اخترع تلك الأحداث!
الردّ: إنّ أسفار العهد القديم ليست مرجعا معتمدا تردّ إليه الأمور لمعرفة الحق من الباطل لعدم استحقاقها لهذه الصفة.
إنّ أسفار العهد القديم لم تزعم أنها أحاطت بجميع أخبار السابقين.
وجود" تقاليد شفوية" يهودية، تضمّ قصصا دينية لا وجود لها في أسفار العهد القديم، من ذلك ما ذكره المؤرخ اليهودي الشهير يوسيفوس في كتابه" الآثار".
التقاليد الشفوية اليهودية تحظى باحترام كبير عند اليهود أهل" الكتاب الأول": " العهد القديم". وهي تضيف أشياء كثيرة لا وجود لها في الأسفار المكتوبة، ولم يمنع هذا الأمر اليهود من تقرير قدسيتها.. وقد قال آدم كلارك في شرح ديباجة كتاب عزرا في المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٧٥١ م: " كان قانون اليهود ينقسم إلى نوعين، مكتوب ويقولون له التوراة، وغير مكتوب ويقولون له الروايات الشفوية التي وصلت إليهم بوساطة المشايخ، ويدعون أن الله كان أعطى موسى كلا النوعين على جبل الطور فوصل إلينا أحدهما بواسطة الكتابة وثانيهما بواسطة المشايخ بأن نقلوها جيلا بعد جيل، ولهذا يعتقدون أن كليهما متساويان في المرتبة ومن جانب الله وواجبا التسليم، بل يرجحون الثاني ويقولون إن القانون المكتوب ناقص مغلق في كثير من المواضع، ولا يمكن أن يكون أصل الإيمان على الوجه الكامل بدون اعتبار الرواية الشفوية، وهذه الرواية واضحة وأكمل، وتشرح القانون المكتوب وتكمله، ولهذا يردون معاني القانون المكتوب إذا كانت مخالفة للروايات الشفوية، واشتهر فيما
[ ٣٧١ ]
بينهم أن العهد المأخوذ من بني إسرائيل ما كان لأجل القانون المكتوب، بل كان لأجل هذه الروايات الشفوية. "!!!!
قد يقال أنّ القصص المذكورة في إنجيل برنابا لها وجود في الأسفار المفقودة التي ذكرت سابقا، ومنها أخذت.
جاء في العهد الجديد ذكر كثير من التعاليم والقصص غير الموجودة في العهد القديم رغم تعلقها بزمن الأنبياء السابقين.. منها:
* رسالة يهوذا ٦: " وأمّا الملائكة الّذين لم يحافظوا على مقامهم الرّفيع، بل تركوا مركزهم، فمازال الرّبّ يحفظهم مقيّدين بسلاسل أبديّة في أعماق الظّلام، بانتظار دينونة ذلك اليوم العظيم. "
* رسالة يهوذا ٧: " وتعرفون كذلك ما فعله الرّبّ بمدينتي سدوم وعمورة وبالمدن الّتي حولهما. فقد كان أهل المدن هذه، مثل أولئك المعلّمين، مندفعين وراء الزّنى، ومنغمسين في شهوات مخالفة للطّبيعة. لذلك عاقب الرّبّ هذه المدن بالنّار الأبديّة، فدمّرها. فكانت بذلك عبرة للآخرين. "
* رسالة يهوذا ١٤- ١٥: " عن هؤلاء وأمثالهم، تنبّأ أخنوخ السّابع بعد آدم، فقال: «انظروا إنّ الرّبّ آت بصحبة عشرات الألوف من قدّيسيه، ليدين جميع النّاس، ويوبّخ جميع الأشرار الّذين لا يهابون الله، بسبب جميع أعمالهم الشّرّيرة الّتي ارتكبوها وجميع أقوالهم القاسية الّتي أهانوه بها والّتي لا تصدر إلّا عن الخاطئين الأشرار غير الأتقياء! "
* الرسالة إلى العبرانيين ١٢: ٢١: " والواقع أنّ ذلك المشهد كان مرعبا إلى درجة جعلت موسى يقول: «أنا خائف جدّا بل مرتجف خوفا".
[ ٣٧٢ ]
* الرسالة الثانية إلى تيموثاوس ٣: ٨: " ومثلما قاوم (السّاحران) ينّيس ويمبريس موسى، كذلك أيضا يقاوم هؤلاء الحقّ؛ أناس عقولهم فاسدة، وقد تبيّن أنّهم غير أهل للإيمان"
* أعمال الرسل ٧: ٢٣- ٢٨: " ولمّا بلغ الأربعين من العمر خطر بقلبه أن يتفقّد أحوال إخوته من بني إسرائيل،
فرأى واحدا منهم يعتدي عليه مصريّ، فتدخّل ليدافع عن المظلوم، وانتقم له فقتل المصريّ،
على أمل أن يدرك إخوته أنّ الله سينقذهم على يده. غير أنّهم لم يدركوا!
وفي اليوم التّالي وجد اثنين من إخوته يتعاركان، فحاول أن يصلح بينهما، قائلا:
أنتما خوان، فلماذا يعتدي أحدكما على الآخر؟
فما كان من المعتدي على قريبه إلّا أن دفعه بعيدا، وقال: من أقامك رئيسا وقاضيا علينا؟
أتريد أن تقتلني كما قتلت المصريّ أمس؟ "
هذه القصة جاء ذكرها في سفر الخروج ٢: ١١- ١٤: " وحدث بعد أن كبر موسى أنّه ذهب ليفتقد إخوته العبرانيّين ويشهد مشقّتهم، فلمح رجلا مصريّا يضرب رجلا عبرانيّا، فتلفّت حوله، وإذ لم يجد أحدا هناك قتل المصريّ وطمره في الرّمل.
ثمّ خرج في اليوم الثّاني وإذا رجلان عبرانيّان يتضاربان، فقال للمسيء: «لماذا تضرب صاحبك؟
[ ٣٧٣ ]
فأجابه: «من أقامك رئيسا وقاضيا علينا؟ أعازم أنت على قتلي كما قتلت المصريّ؟» فخاف موسى وقال: «حقّا إنّ الخبر قد ذاع. "
وكما هو ظاهر، فإنّ نص أعمال الرسل قد أضاف تفاصيل لم تذكر في نص سفر الخروج.
* الرسالة الثانية إلى بطرس ٢: ٤: " فإنّ الله لم يشفق على الملائكة الّذين أخطأوا، بل طرحهم في أعماق هاوية الظّلام مقيّدين بالسّلاسل، حيث يظلّون محبوسين إلى يوم الحساب. "
الشبهة التاسعة: جاء في إنجيل برنابا ذكر تعاليم وأحداث لم ترد في الأناجيل
، مما يعني أنّها أمور مفتراة!!
الردّ: الأناجيل ليست محكا لضبط الحق من الباطل، لقيام جلّ ما فيها على الدعوى الباطلة والكذب. وقد قال مؤلفو الترجمة المسكونية: " جمع المبشرون، وحرروا، كل حسب وجهة نظره الخاصة ما أعطاهم إياه التراث الشفهي.. فهي، مجرّد أقوال بشرية!
لم تزعم الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد أنّها قد استوعبت جميع ما جاء عن المسيح أو التلاميذ:
* فقد جاء في إنجيل مرقس ٤: ٣٣- ٣٤: " بكثير من مثل هذه الأمثال كان يسوع يكلّم الجمع بالكلمة، على قدر ما كانوا يطيقون أن يسمعوا وبغير مثل لم يكن يكلّمهم. ولكنّه كان يفسّر لتلاميذه كلّ شيء حين ينفرد بهم. ".. وهذا النص دليل على أنّ الأناجيل لم تنقل الكثير من تعاليم المسيح.
[ ٣٧٤ ]
* وجاء في إنجيل يوحنا ٢٠: ٣٠: " وقد أجرى يسوع أمام تلاميذه آيات أخرى كثيرة لم تدوّن في الكتاب"
* كما جاء في إنجيل يوحنا ٢١: ٢٥: " وهناك أمور أخرى كثيرة عملها يسوع، أظنّ أنها لو دوّنت واحدة فواحدة، لما كان العالم كلّه يسع ما دوّن من كتب! "
جاء ذكر أمور في رسائل العهد الجديد لا نرى لها أثرا في الأناجيل.. من ذلك:
* الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١٥: ٦: " وبعد ذلك ظهر لأكثر من خمس مئة أخ معا ما زال معظمهم حيّا، في حين رقد الآخرون. "
* أعمال الرسل ٢٠: ٣٥: ".. متذكرين كلمات الربّ يسوع، إذ قال: " الغبطة في العطاء أكثر مما في الأخذ".
التاريخ الأول للدعوة النصرانية مليء بالتعاليم والقصص التي لا نرى لها ذكرا في الأناجيل، وهذا الأمر ظاهر خاصة في الكنيسة الكاثوليكية. كما هو متجلّ، أيضا، في اعتقادات آباء الكنيسة وأئمتها القدماء، ككليمنت وأرينيوس وهجيسي بوس وبوليكارب وبوليكراتيس وتاركثوس وتيوفيلوس وكاسيوس وكلاروس وكليمنت الاسكندري وايفريكانوس وترتليان وأرجن وباسلنوس وأبيفانيس وكريزاستم وأغسطين وونسنت الأسقف وغيرهم..
الشبهة العاشرة: جاء في إنجيل برنابا ما يظهر أنّ المؤلف عاش في القرون الوسطى زمن النظام الاقطاعي، إذ نسب ملكية أراض واسعة إلى أفراد (لعازر الذي أحياه عيسى) .
الردّ:
[ ٣٧٥ ]
وهل قول سفر أخبر الأيام الأول ٢: ٢٢: " وأنجب سجوب يائير الّذي امتلك ثلاثا وعشرين مدينة في أرض جلعاد" دليل على أنّ مؤلف هذا الكتاب الذي كتب كما يقرر النصارى وغيرهم قبل المسيح، قد عاش في القرون الوسطى!!!
الشبهة الحادية عشر: ورد ذكر" الرطل" في إنجيل برنابا كوحدة وزن، وقطعة الذهب كوحدة نقدية،
كما تمّت الإشارة إلى تزييف العملة في زمن المسيح.. وهذه الأمور ما كانت في القرن الأول ميلادي، وإنما ظهرت في القرون الوسطى!
الردّ: أسماء العملات قد تكون أخذت صورتها الحالية بعد الترجمة.
جاء في قاموس الكتاب المقدس =cliffe Bible Dictionary Wy =طبعة ١٩٩٨، عند تعريف الرطل ضمن وحدات الوزن الواردة في العهد الجديد: " أنّه كان رطلا رومانيا من ١٢ أوقية، وأنّه ذكر مرتين، في يوحنا ١٢: ٣، وفي ١٩:
٣٩ من الدهون التي سكبت على قدمي عيسى، والطيوب التي استعملت لدفنه.
الرطل ظهر كعملة مرة واحدة في لوقا ١٩: ١٣- ٢٥. "
جاء ذكر العملات الذهبية في الكتاب المقدس في سفر عزرا ٢: ٦٩: "..
ستين ألف درهم من الذهب.." وسفر نحميا ٧: ٧٠: ".. ألف درهم من الذهب.." وغيرها من المواضع..
نصّ قاموس =Wycliffe Bible Dictionary =أنّ العملات القديمة كانت من الذهب والفضة. وأشار المؤرخ اليهودي يوسيفوس إلى الدينار الذهبي في كتاباته.
[ ٣٧٦ ]
- صرّح قاموس =Wycliffe Bible Dictionary =أنّ تزييف العملات كان موجودا منذ القدم، وذلك بطلاء معادن رخيصة بالفضة أو بغير ذلك من الصور.
الشبهة الثانية عشر: جاء في إنجيل برنابا ذكر عقوبة القتل شنقا
. وهذه العقوبة ما كنت معروفة زمن المسيح ولا في أسفار العهد القديم، وإنما ظهرت في القرون الوسطى، مما يدلّ على أنّ كاتب الإنجيل قد عاش في تلك القرون، أمّا القتل زمن المسيح فكان بالرجم والصلب!
الردّ: جاء في سفر التثنية ٢١: ٢٢: " إن ارتكب إنسان جريمة عقابها الإعدام، ونفّذ فيه القضاء وعلّقتموه على خشبة. "، وعنوان هذا الفصل في ترجمة الكتاب المقدس لدار الشرق: " دفن المشنوقين".
الشبهة الثالثة عشر: جاء ذكر مقاطع الأحجار (المقالع) في إنجيل برنابا، رغم أنّها صنعة أوروبية متأخرة!
الردّ: قرّر قاموس =Wycliffe Bible Dictionary =أنّ صناعة قطع الحجارة في فلسطين قد كانت معروفة منذ زمن القضاة.
كما ورد لفظ" المقالع" الذي استعمله برنابا، في سفر الملوك الأول ٦: ٧.
الشبهة الرابعة عشر: جاء ذكر أوقات الصلوات في إنجيل برنابا في غير ما موضع
[ ٣٧٧ ]
، ويفهم من مجموعها أنّ الصلاة تكون في أربعة أوقات: الفجر والظهر والعشاء ونصف الليل. ولا أصل لصلاة نصف الليل غير رهبنة العصور الوسطى!
الردّ: جاء في مزمور ١١٩: ٦٢: " أستيقظ في منتصف الليل لأحمدك من أجل أحكامك العادلة. "
وجاء في أعمال الرسل ١٦: ٢٥: " ونحو منتصف اللّيل كان بولس وسيلا يصلّيان ويسبّحان الله، والمسجونون يسمعونهما. "
الشبهة الخامسة عشر: جاء وصف المسيح بأنّه نبي الناصريين، ووصف أتباعه بالناصريين. ولا حجة لهذا الزعم!
الردّ: جاء هذا الوصف والتسمية في أعمال الرسل ٢٤: ٥: " مقدام شيعة الناصريين".
وقال الباحث البريطاني د. هيام ماكوبي Hyam Maccoby في كتابه عن بولس: " وعلى هذا فيبدو أنّ اسم الناصريين (أو النصارى =Nazarenes = (هو الاسم الأصلي لأتباع عيسى، إنّ اسم المسيحيين كان تطويرا متأخرا، وليس في القدس بل تمّ في أنطاكية (أعمال الرسل ١١: ٢٦)، إنّ اسم أتباع عيسى في كتابات الربيين اليهود كان مشابها لاسم الناصريين Nazarenes إنّه كان
[ ٣٧٨ ]
" نوتصرم =Nottzerim =ويذكر المؤلف استمرار الاسم بعد ذلك كتسمية لمن سماهم المؤلف ب" الأتباع الأصليين لعيسى في القدس".
الشبهة السادسة عشر:
قال الدكتور خليل سعادة مترجم إنجيل برنابا إلى العربية ما نصه: " الذي أذهب إليه إن الكاتب يهودي أندلسي اعتنق الدين الإسلامي بعد تنصره واطلاعه على أناجيل النصارى، وعندي أن هذا الحل هو أقرب إلى الصواب من غيره"!
الردّ.. من وجوه: ما توجّه الدكتور" الأمين" إلى هذا المخرج إلا للهروب من نسبة هذا الإنجيل إلى برنابا الرسول.. وهذا منهج فاسد في البحث الذي يبتدئ بتقرير النتيجة ثم البحث عن سند!
جاءت نصوص في إنجيل برنابا تخالف ما هو مذكور في القرآن والسنة..
وهذا ما يمنع ما افترضه الدكتور" الأمين".. وإنما نقول إنّ برنابا قد أخطأ في التأريخ لأقوال المسيح وتعاليمه سواء لوهم أو لنسيان أو لأنّ من نقل عنه كان غير أمين أو غير ضابط لنقله!
لو كان مؤلف الإنجيل يهوديا لما خالف نصوصا في التوراة الموجودة في القرون الوسطى لغير غرض ديني بارز.. وإنما لكان نقلها بدقة!
أليس الأولى القول إنّ" إنجيل برنابا" الذي جاء ذكره في كتب التاريخ من قبل، هو نفسه هذا الإنجيل المكتشف.. بدل الزعم أنه إنجيل آخر!!
قال الدكتور وديع:
" حقائق عن إنجيل برنابا:
[ ٣٧٩ ]
- كاتبه لم يدّع أنه كتب بالوحي الإلهي كما يدعي كل من كتبوا كتب النصاري وخاصة بولس الذى حوّل النصرانية إلى المسيحية.
اعترف كاتب" برنابا" أنه ينسى بعض الكلمات وبعض الأحداث" فصل ٢١٧"، أي أنه يكتب سيرة المسيح وقصة حياته وأعماله وتعاليمه وليس إنجيلا منزلا.
كما أنّ الكاتب كتب هذا الكتاب بعد عدة سنوات من إصعاد المسيح ﵇ حيث قال أنه كتبه بعد ضلال بولس والذي دخل النصرانية بعد الإصعاد بعدة سنوات ثم ظل تلميذا لبرنابا عدة سنوات ثم ضل وعبد المسيح.
كما أن الكاتب" برنابا" عاشر بولس الضال وكل النصاري يعلمون أن" المعاشرات الرديئة تفسد الاخلاق الجيدة"، فتأثر برنابا بتعاليم بولس وظهر ذلك في بعض كلام برنابا في بعض أجزاء من هذا الكتاب.
من هو برنابا:
قال برنابا عن نفسه في هذا الكتاب أنه من أوائل التلاميذ- الحواريين- اللذين اختارهم المسيح عيسي ﵇، لكن في الأناجيل الأربعة تم حذف اسمه عمدا لأن كتابه هذا يكشف زيف الأناجيل كما سأشرح. ولكن جاء ذكر برنابا كثيرا في كتاب النصاري في العهد الجديد وفي كتاب" أعمال الرسل" ويعنون بالرسل" التلاميذ اللذين أرسلهم المسيح" وجاء في هذا الكتاب.
(أعمال ٤) " ويوسف الذى دعى من الرسل- برنابا- الذى معناه" ابن الوعظ" وهو لاوى" أي رجل دين يهودي
[ ٣٨٠ ]
" قبرصي الجنس اذ كان عنده حقل باعه وأتى بالدراهم ووضغها عند أرجل الرسل" أى تبرع بكل ماله للفقراء.
(أعمال ١١) بعد أن ترك بولس اليهودية وانضم إلى النصارى خاف منه تلاميذ المسيح فجاء برنابا وأقنع التلاميذ أن يقبلوه فوافقوا لأنهم يثقون في صدق برنابا.
(أعمال ١١) التلاميذ رأوا أن" برنابا رجلا صالحا وممتلئا من الروح القدس والإيمان" والروح القدس هو الجزء الثالث من الثالوث الذى يعبده النصارى، فقام التلاميذ بإرساله من أورشليم إلى أنطاكية- في آسيا الصغرى- حيث كلمهم عن المسيح فآمن جمع غفير.
ثم ذهب برنابا إلى طرسوس في آسيا الصغرى ليبحث عن بولس حيث كان يختبيء خوفا من اليهود وجاء به إلى أنطاكية وهناك اخترع بولس لقب" المسيحيين" بدلا من" النصارى" أو" المؤمنين" برسالة المسيح.
(أعمال ١١) برنابا- وبولس قاما بجمع معونات من أنطاكية للتلاميذ في أورشليم.
(أعمال ١٢) التلاميذ اعتبروا برنابا" نبيا ومعلما كبيرا.
(أعمال ١٣) " الروح القدس" يأمر التلاميذ بإرسال" برنابا وبولس" للتبشير في قبرص فسافرا ومعهما" مرقس" خادما، ومرقص هو كاتب الإنجيل المعروف.
وهناك أخذا يبشران بين اليهود فقط، ثم ذهبا إلى أنطاكية وهاجما كفر اليهود فطردوهما، فذهبا إلى بلد" أيقونية" حيث كلما اليهود فقط، فكاد اليهود أن يرجموهما فهربا إلى مدينة" لسترة" حيث الناس يعبدون
[ ٣٨١ ]
الأصنام، وهناك اعتبروا أن برنابا هو" زفس" كبير الآلهة، وبولس هو" هرمس"، ثم رجموا بولس وخافوا من برنابا، ولكن للأسف عاش بولس لأن اصابته لم تكن خطيرة. ثم تنتهى قصة برنابا في كتاب" أعمال" حين يخترع بولس للمسيحيين القساوسة، ويتنازعان حين يقوم بولس بتعليم الناس أن يتركوا فرض" الختان" ويتركوا التمسك بشريعة الله لعبده موسى ﵇ وذلك بزعم أن المسيح نسخها وألغاها بالكامل. فتشاجر برنابا مع بولس وذهب كل منهما إلى طريق مختلف. وانتهى ذكر برنابا تماما من كتاب النصارى واستمر باقى الكتاب لذكر بولس وحده وكأنه هو الوحيد الذى يفعل كل شىء وكأنه لا يوجد أى واحد من تلاميذ المسيح يفعل أى شىء. "
قلت: جاء في" موسوعة الأديان" ل أ. روجستون بايك ص ٤٦: " برنابا، رسول ونبي مسيحي، رفيق للقديس بولس في بعض رحلاته الدعوية.. جاء في التقليد أنه أسقف ميلانو ومؤسس الكنيسة في أنطاكيا، استشهد في روما. الاحتفال به يوم ١١ جوان. نسبت إليه عدة كتابات، وبالذات" رسالة برنابا" الموجودة في المخطوطة السينائية "
وجاء عن كلمنت الإسكندري أنه واحد من السبعين رسول.
قال الدكتور وديع: " من أدلة وجود هذا الكتاب من قبل الإسلام بمئات السنين:
يقول مترجم كتاب" إنجيل برنابا"، الأستاذ خليل سعادة- النصراني- في مقدمته التي يهاجم فيها هذا الكتاب ليثبت زيفه: " إنّ الموسوعة الفرنسية أثبتت وجود إنجيل برنابا من قبل الإسلام بمئات السنين وهذه الموسوعة كتبها
[ ٣٨٢ ]
مسيحيون متشددون جدا ومتعصبون جدا ضد الإسلام كما شهد المترجم النصراني لهذا الكتاب قائلا عنه: " هذا الكتاب قد أتى على آيات باهرة من الحكمة وطراز راق من الفلسفة الأدبية وهو يرمى إلى ترقية العواطف البشرية إلى أفق سام آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعيا الإنسان إلى التضحية".
وكذلك قال العلامة المسيحي القس صموئيل مشرقى رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر والشرق وهو بمثابة (البطرك) عند الأرثوذكس (والبابا) عند الكاثوليك قال في كتابه الصادر سنة ١٩٨٨ م" عصمة الكتاب المقدس واستحالة تحريفه" في صفحة ٢٠: ان إنجيل برنابا كان موجودا سنة ٣٢٥ م. وكتب يقول: " أما نحن من جانبنا فنقول من باب الترجيح أن بعض أتباع المسيح قد بدأوا في كتابة هذه الأناجيل عن المسيح عن طريق جمع مجموعات من أقواله وأفعاله لاستعمالهم الشخصي في البداية، وهنا بدأت القصص التي تروى يسوع تجمع في كتب كبيرة كانت نواة لعدة أناجيل بلغت مائة إنجيل وكان على الكنيسة (يعنى قادتها من البطاركة والرهبان) أن تمحص هذه الأناجيل وتمت الموافقة على هذه الأناجيل الأربعة فقط (يعنى كذبوا أكثر من ٩٦ إنجيلا) بعد أن ثبت قانونيتها؟ وتم الاعتراف بقدسيتها؟ (يعنى اعترفوا بأنها وحى من عند الله؟) التي تأكدت بما أحاط بها من براهين داخلية وخارجية. ورفضت الكنيسة الاعتراف بغيرها من الأناجيل مثل" إنجيل توما" المكتوب باللغة العربية في الجزيرة العربية و" إنجيل برنابا" وغيرهما، بعد أن ثبت أن الكثير مما تحتويه من أقوال دخيل ومزور؟
ومن ثم لم يتقرر وحيها (أى أن الوحي يحتاج لتصديق البطاركة والرهبان) وتم وضع هذه الكتب كلها في قائمة
[ ٣٨٣ ]
واحدة في مجمع" نيقية" سنة ٣٢٥ م، ومازال بعض هذه الكتب المرفوضة موجودا مثل" إنجيل المصريين" و" إنجيل العبرانيين" و" إنجيل توما" و" إنجيل برثلماوس" و" إنجيل متياس" و" إنجيل تلاميذ المسيح" وفيها الكثير من الأخطاء التاريخية والجغرافية والعقائدية، وما يتعارض مع ما ذكره أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد.
وهذان الدليلان يؤكدان وجود هذا الإنجيل من قبل ظهور الإسلام بأكثر من قرنين من الزمان، وهذا ينفى أن أصله كاتب مسلم. "
قلت: من الممكن التأكد من وجود إنجيل بهذا الاسم قبل القرن السابع ميلادي من خلال الاقتباس الموسّع لإيرانيوس (١٣٠ م- ٢٠٠ م) من هذا الإنجيل في ردّه على بولس ودفاعه عن عقيدة التوحيد. كما يخبرنا قيس الكلبي في كتابه Muhammad the Last Messenger in the Bible ==Prophet ص ١٢٨، أنّه في السنة الرابعة من حكم الامبراطور زينو (٤٧٨ م) وجدت بقايا جثة برنابا، ووجد على صدره إنجيله، وأشار قيس الكلبي إلى هذا المرجع، "boland juni،Tom ٢،pp ٠٥٤ -٢٢٤ antwep ٨٩٦١ =acia sanctorum: وقد نقل هذا الواقعة أيضا الباحث، العضو في المحكمة الفيدرالية الباكستانية، الحاج خواجه ناظر أحمد في كتابه" عيسى في السماء والأرض Earth ==Jesus in Heaven and "ص ٢٥٦.
ويذكر تولاند في كتابه) =Miscellaneous Works =نشر سنة ١٧٤٧ م)، الفصل ١٥، أنه قد جاء ذكر" إنجيل برنابا" في قائمة الكتب الممنوعة، في القرار الذي أصدره البابا جلاسيوس الأول سنة ٤٩٢ م. وقد حرّمت قراءته قبل ذلك من طرف البابا اينوسنت سنة ٤٦٥ م وقرار الكنائس الغربية سنة ٣٨٢ م.
[ ٣٨٤ ]
وجاء ذكر" إنجيل برنابا" في أعمال أعدت بعد بعثة نبي الإسلام منها" فهرس المخطوطات" الذي أعدّه" كوتلريس" سنة ١٧٨٩ م عند فهرسته لمخطوطات الملك الفرنسي.
كما جاء ذكر هذا الإنجيل في ال ٢٠٦ باروشين في مكتبة بودلسين بأكسفورد=Library in Oxford Manuscript of the Baroccian Collection in the Bodlusion =
ويوجد جزء من ترجمة يونانية لإنجيل برنابا في متحف أثينا.
ونقل الدكتور م. هـ. دورّاني في كتابه: " الإنجيل المنسي للقديس برنابا" ص ٦ عن رودريك دنكرلي Roderic Dunkerly قوله: " إنّه من المعلوم أنّه كان هناك إنجيل أبو كريفي نسب إلى برنابا في القرن الخامس. "
وقال الأستاذ بشير محمود في مقدمته للترجمة الأردية لإنجيل برنابا: "" لا يتفوت"، وهو ناقد باحث من ليفربول، اقتبس من الموسوعة البريطانية (الموسوعة البريطانية، المجلد ٣، ص ١١٨) أنّ إنجيل برنابا قد كتب بين ٦٩ م- ٧٩ م أثناء حكم الإمبراطور الروماني فسباسين".
ومن أعجب العجب أنّه رغم وضوح هذه الشهادات لصالح الوجود التاريخي القديم لإنجيل لبرنابا، فإنّ البابا شنوده قد صرح في مقال في صحيفة" وطني" تحت عنوان" خرافة" إنجيل" برنابا" أنّه لا ذكر لإنجيل برنابا قبل القرن السادس عشر.
والأطراف من هذه" الخرافة" اعتراضه على مصداقية إنجيل برنابا بأنّ هذا الإنجيل لا ذكر له في فهارس الكتب العربية القديمة وكتب" الفقه؟؟؟!!! " والحديث؟؟!! ..
[ ٣٨٥ ]
كما شاركه زعمه العجيب أسقف عام الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي في قوله في مقاله: " حقيقة الكتاب المنحول خطأ على القديس برنابا الرسول": " فلم يذكر لنا التقليد الكنسي، ولا أحد من آباء الكنيسة، ولا أحد من المؤرخين الكنسيين أو المدنيين أن هناك إنجيلا منسوبا إلي القديس برنابا الرسول أحد السبعين، وهي الفرية التي أخذ بعض الناس في القرن ١٩ على وجه الخصوص، يروجون لها من منطلق العداء للمسيح والمسيحية".. قلت: بل قولك يا إمام الدراسات القبطية اللاهوتية فرية فاقعة ودعوى من الحق آبقة.. إذ أنّه ما قرّر صدق نسبة هذا الإنجيل إلى برنابا غير المسلمين الذي اتهمهم" نيافته" بكلّ وقاحة بأنّهم ما فعلوا ذلك لا لشيء غير العداء للمسيحية (وانتبه) .. والعداء للمسيح؟؟؟!
وصدق القائل:
واعلم بأنّ من السكوت إبانة ومن التكلم ما يكون خبالا
قال الدكتور وديع: " وكيف يرفضون أكثر من ٩٦ إنجيلا لأجل خطأ تاريخي أو جغرافي؟؟
وأضيف أن كتاب برنابا صحيح- الا من بعض التغييرات المفتعلة والتى لا ذنب للكاتب فيها بالأدلة الآتية-
هذا الكتاب يحتوى على كل ما ذكرته الأناجيل الأربعة- مجتمعة- عن المسيح، ما عدا تأليه المسيح فقط. وأسلوبه أوضح من الأناجيل، وكتب الأحداث والتعاليم بالتفصيل أكثر منها بكثير.
ذكر حقائق عن المسيح ﵇ أخطأت فيها الأناجيل الأربعة ثم جاء علماء المسيحية ليؤكدوا صحة ما جاء في برنابا وخطأ الأناجيل الأربعة ومنها:
[ ٣٨٦ ]
- قال برنابا أن المسيح أرسل ٧٢ تلميذا- في الفصل ٩٧ بينما قال إنجيل لوقا أنهم كانوا ٧٠ فقط وذلك في الطبعة القديمة الصادرة باسم" الكتاب المقدس"، وجاءت الطبعة الحديثة باسم" كتاب الحياة" سنة ١٩٨٢ لتؤكد كلام برنابا وتنفي كلام لوقا.
قال برنابا أن" سالوما" هي شقيقة" مريم" أم المسيح فصل ٢٠٩ بينما قالت الأناجيل أنها قريبتها، وذكر المترجم النصراني أن علماء النصارى أكدوا صدق برنابا.
ذكر برنابا- استشهاد المسيح بروايات جاءت في كتب يهودية حذفها النصارى من كتابهم المقدس عندهم من القرن الرابع بزعم عدم صحتها (فصل ٥٠، ١٦٧)، وفي سنة ١٩٧٢ م اعترف علماء النصارى بصحة هذه الكتب وأضافوها لكتابهم تحت إسم" الأسفار القانونية".
قصة الزانية الموجودة في إنجيل يوحنا ذكرها برنابا بصورة مختلفة تماما (فصل ٢٠١) . وأكد المؤرخون صدق ما قاله برنابا بالحرف وتم تصويرها في فيلم حياة المسيح كما ذكرها برنابا وليس كما ذكرها يوحنا. "
قلت: جاء في إنجيل يوحنا ١١: ٤٧- ٤٨: " فجمع رؤساء الكهنة والفريسييون مجمعا وقالوا ماذا نصنع فإنّ هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا. "
وهذا غلط فإنّ الرومانيين كانوا يملكون أورشليم زمان المسيح بل ومن قبل ولادة المسيح ب ٦٣ سنة.. فكيف يدّعي مؤلف إنجيل يوحنا أنه يخشى أن يأخذ الرومانيون أورشليم إن قتلوا المسيح!! وما علاقة الرومان بقتل المسيح؟!!
[ ٣٨٧ ]
الصواب هو ما جاء في إنجيل برنابا ١٤٢: ١٩- ٢١: " ماذا يكون الثمر إذا تركنا هذا الإنسان يعيش؟ من المؤكد: أنّ الإسماعيليين يصيرون ذوي وجاهة عند الرومانيين، فيعطونهم بلادنا ملكا. وهكذا يصير إسرائيل عرضة للعبودية كما كان قديما".
وهذا الكلام متناسق، إذ ترك المسيح دون قتله سيؤدي إلى إيمان أهل فلسطين بدينه وبالتالي وراثة الإسماعيليين المملكة الرابعة (الرومان) التي تحدّث عنها دانيال النبي!
قال الدكتور وديع: " كما شرح برنابا كلاما ذكرته الأناجيل الأربعة بطريقة غير مفهومة مثل:
أن اليهود متفوا أمام المسيح قائلين" أوصنا لابن داوود" وترجموها فيما بينهم بمعني" خلصنا" فلا يستقيم المعني" خلصنا لإبن داوود"؟؟؟ أما برنابا فقال أنهم قالوا (فصل ٢٠٠) " مرحبا بابن داود".
قالت الأناجيل أن المسيح قال" من قال لأبيه قربان فلا يلتزم"؟؟؟ بينما قالها برنابا (فصل ٣٢) " إذا طلب الآباء من أبنائهم نقودا يقول الأبناء: لا إن هذه النقود نذر الله ولا يعطون لآبائهم". أيهما أوضح؟؟
كذلك ما جاء في إنجيل لوقا ١٤ على لسان المسيح" من لا يبغض أباه وأمه فلا يستحقني" وهذا تحريض صريح على كراهية الأب والأم بينما جاءت في برنابا في الفصل ٢٦" ان كان أبوك وأمك عثرة لك في خدمة الله- فانبذهم" ولا تنسى فضل المترجمان النصرانيان في ترجمة كلمة فانبذهم وما شابهها-
[ ٣٨٨ ]
وان كان معناها أخف بكثير من كلمة يبغض والفارق بين الجملتين كبير جدا.
برنابا صحح أحداثا تناقضت فيها الأناجيل الأربعة تناقضا كبيرا، واحتار في تفسيرها علماء النصارى، وأوضح مثال هو قصة المرأة التي بكت أمام المسيح وسكبت العطور علي قدميه (فصل ١٢٩ مع فصل ١٩٢، فصل ٢٠٥) وإليك اختلافات الأناجيل الأربعة في هذه القصة:
قال إنجيل متى: حدث قبل عيد الفصح بيومين في مدينة بيت عنيا عند سمعان الأبرص أن امرأة سكبت الطيب (العطر) على رأس المسيح، فاغتاظ تلاميذ المسيح منها لأن العطر كان غالى الثمن.
وقال إنجيل مرقص: نفس القصة وقال إن قوما من الجالسين مع المسيح اغتاظوا من المرأة.
وإنجيل لوقا: قال إنّ الحادثة وقعت قبل عيد الفصح بزمن طويل في مدينة" كفرنا هوم" عند" فريسى"، أى معلم دين كبير فجاءت امرأة خاطئة فسكبت الطيب على قدمي المسيح فاغتاظ الفريسى وقال" لو كان هذا نبيا لعلم أنها خاطئة أي يرفض أن تلمسه هكذا".
وإنجيل يوحنا: قال أنها مريم أخت لعازر التى دهنت الرب بالطيب ومسحت رجليه بشعر رأسها؟؟ يعنى حدث هذا في بيت لعازر وأن يهوذا تلميذ المسيح اغتاظ لأجل ثمن الطيب الباهظ لأنه كان سارقا يسرق ما يتبرع به الناس للفقراء.
واختار الصحيحة موجودة في برنابا فقال: كل علماء النصارى في الجمع بين هذه الروايات وتضاربت التفاسير، بينما القصة الصحيحة موجودة في برنابا فقال: " ان هذه
[ ٣٨٩ ]
المرأة المومسة هى" مريم المجدلية" وهى أخت لعازر وأن الحادثة تكررت مرتين في بيت" سمعان" الذى كان أبرصا ثم شفاه المسيح، في المرة الأولى جاءت تائبة تبكى عن زناها- فقال لها المسيح:
" الرب إلهنا يغفر لكى فلا تخطىء بعد ذلك" وفي المرة الثانية سكبت الطيب على رأس المسيح وملابسه فاعترض يهوذا الذى كان عنده صندوق جمع التبرعات للفقراء لأنه كان يسرق من الصندوق.
ذكر برنابا أن المسيح كان يغتسل قبل الصلاة بحسب أمر الله في توراة موسى وكان يصلى باستمرار في أوقات ثابتة (الفجر- الظهر- العشاء) ويصوم في أوقات محددة، كما ذكر أن التلاميذ كانوا دائما يصلون مع المسيح بانتظام ويصومون ويبكون متأثرين بتعاليم المسيح، وكذلك مريم أم المسيح كانت دائما تصلى لله وتبكى الفصل ٢٠٩.
وكانت دائما تتابع أخبار المسيح اذا سافر بعيدا عنها، كما ذكر بالتفصيل صلوات المسيح لله..
أما الأناجيل الأربعة فلم تذكر أي شيء من هذا بل ذكرت عكس ذلك مثل: أن التلاميذ يخافون من المسيح مرقس ٩:
٣٢ وأنهم لا يصلون ولا يصومون مرقص ١٢: ١٦ لدرجة أن اليهود انتقدوهم بسبب ذلك فقام المسيح بالدفاع عن تلاميذه وشتم من ينتقدهم مرقس ٢: ١٩.
ذكر برنابا تعاليما هامة للمسيح لم يذكرها أى إنجيل من الأربعة ومنها:
نجاسة الخنازير (فصل ٣٢)
نجاسة عبادة الأصنام وتحريمها (فصل ٣٣)
[ ٣٩٠ ]
- فضل شريعة الختان (فصل ٢٢)
ما هو الكبرياء (فصل ٢٩)
تعليم جميل عن الصلاة وسنة الصلاة (٤٨، ٣٦)
أنواع عبادة الأصنام في العصر الحديث (فصل ٣٣)
من هو المرائي (فصل ٤٥)
حق الطريق والعدل (فصل ٤٩)
القضاء العادل (فصل ٥٠)
ابتلاءات الله للناس والأنبياء خاصة (٩٩)
الصدقة (١٢٥)
الجحيم ودركاته (١٣٥)
الجنة ودرجاتها (٧١)
موعظة الموت والدفن (١٩٦- ١٩٨) وغيرها الكثير.
هل يتخيل قارئ أن هذه الأناجيل الأربعة التي لم تذكر كلمة واحدة عن كل هذه الموضوعات الهامة وغيرها هي الصحيحة الصادقة وأن برنابا الذي ذكر كل هذه المواضيع وأكثر بالتفصيل هو الكاذب وأنه اخترعه شخص مسلم؟؟!!
ومع ذلك فان المسيحيين يصدقون الأربعة ويكذبون برنابا مع ٩٥ إنجيلا آخر بدون أن يقرأوا منهم ورقة واحدة؟؟!! تماما كما كذبوا بالقرآن الكريم بدون أن يقرؤه ويسألوا عن معانيه.
[ ٣٩١ ]
وهناك أدلة أخرى كثيرة جدا وتوجد دراسة مقارنة كاملة بين برنابا والأربعة مع القرآن الكريم والإسلام في أكثر من مائة صفحة-" مع الرأفة"- كلها تؤكد صحة وصدق برنابا وكذب وزيف الأربعة. والحمد الله على نعمة الإسلام والتوحيد.
وأنهي كلامي بشهادة المترجم النصراني لإنجيل برنابا، خليل سعادة حيث كتب في مقدمة هذا الإنجيل عن النبي محمد ﷺ وعن صحابته الكرام عليهم رضوان الله يقول:
" نهض نهضة مادت لها الجبال الراسيات، ونفخ في قومه تلك الروح التى وقف لها العالم متهيبا ذاهلا، وجرى ذكره على كل شفة ولسان، وأتى من عظائم الأمور ما كان حديث الركبان، وخلفاؤه الذين دوخوا ممالك العالم وبسطوا مجدهم عليه". "
قلت: من الدلائل الأخرى التي تؤيّد مصداقية" إنجيل برنابا":
عثر لإنجيل برنابا على نسختين: إيطالية وإسبانية. أما الإسبانية فقد أعارها الدكتور" هلم" من هدلي بلدة من أعمال همبشير، المستشرق سايل، ثم تناولها بعد سايل الدكتور منكهوس أحد أعضاء الكليّة الملكية في أكسفورد فنقلها إلى الإنجليزية، ثم دفع الترجمة مع الأصل سنة ١٧١٣ م إلى الدكتور هويت أحد مشاهير الأساتذة، ثم بعد ذلك طمس خبرها وانمحى أثرها.
أما النسخة الإيطالية فموجودة في مكتبة بلاط فيينا. وأول من عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا وكان مقيما وقتئذ في أمستردام، فأخذها سنة ١٧٠٩ م من مكتبة أحد مشاهير وجهاء المدينة المذكورة فأقرضها كريمر طولند، ثم أهداها بعد
[ ٣٩٢ ]
ذلك بأربع سنين إلى البرنس ايوجين سافوي، ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة ١٧٣٨ م مع سائر مكتبة البرنس إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا حيث لا تزال هنالك.
ويذكر الباحث الإسلامي أنور الجندي، ﵀، في كتابه" الإسلام في مواجهة الفلسفات القديمة" ص ١٩٥ أنّ العارفين يرجحون أنّ النسخة الإيطالية قد كتبت في القرن السادس باللغة الإيطالية القديمة.
ينقل" سايل" أنه مذكور في النسخة الإسبانية المفقودة أنها مترجمة عن النسخة الإيطالية وفيها مقدمة عن الراهب الذي اكتشف النسخة الإيطالية، والقصة هي ما يلي: أنّ الراهب اللاتيني" فرامرينو" عثر على رسائل لإيرانيوس وفي عدادها رسالة يندد فيها ببولس وقد استند إيرانيوس فيما قاله على إنجيل برنابا. فأصبح الراهب فرامرينو منذ ذلك الحين شديد الشغف بالحصول على هذا الإنجيل وشاء الله أن أصبح حينا من الدهر مقربا من البابا" باستكس الخامس" فحدث يوما أنهما دخلا معا مكتبة البابا، فأخذت البابا سنة من نوم فأحبّ فرامرينو أن يصرف الوقت المتثاقل في المطالعة إلى حين إفاقة البابا. فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو هذا الإنجيل. ولحاجته لقراءته ولأنّ ذاك المكان لا يتيح له هذا الأمر خبّأ هذه النسخة في ثيابه، ولبث إلى أن استفاق البابا فاستأذنه بالانصراف حاملا ذلك الكتر معه فلما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم فاعتنق على أثر ذلك الدين الإسلامي.
يؤكد الدكتور رؤوف شلبي على رفضه ما ذكره معرّب إنجيل برنابا الدكتور خليل سعادة النصراني من أنّ إنجيل يرنابا قد كتبه يهودي اعتنق الإسلام، فقال: " والذي يجعلنا نرفض ما ذهب إلى افتراضه الدكتور خليل سعادة أنه هو نفسه
[ ٣٩٣ ]
يذكر أنّ إنجيلا مماثلا لمحتويات إنجيل برنابا كان قد ظهر قبل إنجيل برنابا هو الإنجيل الأغنسطي.
يقول الدكتور خليل سعادة: " بيد أنّ هناك إنجيلا يسمى الإنجيل الأغنسطي طمست رسومه وعفت آثاره يبتدئ بمقدمة تندد بالقديس بولس وينتهي بخاتمة فيها مثل ذلك التنديد ويذكر أنّ ولادة عيسى كانت بلا ألم. ولّما كان كل ذلك في إنجيل برنابا فمن المحتمل أن يكون ذلك الإنجيل الأغنسطي أبا لإنجيل برنابا فهل الإنجيل الأغنسطي كذلك كتبه يهودي أندلسي أسلم؟ ".
ويضيف الدكتور شلبي قائلا: " مادام أنّ إنجيل برنابا قد سبق بإنجيل مماثل له في المحتوى والتنديد ببولس؟ فلم لم تربط بين الإنجيليين في الموضوع بدل أن تفترض أنّ إنجيل برنابا ألفه يهودي أندلسي أسلم؟ " (د. رؤوف شلبي يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ص ص ١٧٢- ١٧٣) .
قال القسيس المهتدي إبراهيم خليل في كتابه" محمد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن" ص ١٥١ تحت عنوان" البراهين القاطعة على انتشار إنجيل برنابا قبل الإسلام" بعد ذكره لأمر البابا جلاسيوس بمنع قراءة" إنجيل برنابا": "..
ودليل ثان هو نوع الورق الذي سطرت عليه النسخة الإيطالية، الذي هو من الورق المعروف بالآثار المائية التي فيه، والتي تدلّ على تاريخ النسخة الإيطالية مما يؤكد شيوعه. "
الاكتشافات الأخيرة مؤيدة لإنجيل برنابا: قال الدكتور القس" تشارلز فرنسيس بوتو" في كتابه" السنون المفقودة من حياة عيسى تكشف": إنّ إنجيلا يدعى إنجيل برنابا استبعدته الكنيسة في عهدها الأول، والمخطوطات التي اكتشفت حديثا في منطقة البحر الميت جاءت مؤيدة لهذا الإنجيل..
[ ٣٩٤ ]
وقد أفاض الباحث م. أ. يوسف في كتابه" مخطوطات البحر الميت وإنجيل برنابا والعهد الجديد Barnabas and the New Testament ==The Dead Sea Scrolls،The Gospel of """في شرح هذا الأمر، وهو أفضل كتاب إسلامي في بابه، ومن أهم ما أشار إليه هو تطابق ما جاء في إنجيل برنابا مع ما جاء في مخطوطات إنجيل برنابا، وهو وجود مسيحان: أولهما عيسى ﵇ وثانيهما سيأتي بعده (وهو محمد ﷺ) .
أجهد البابا شنوده نفسه في محاولة هدم" إنجيل برنابا" في مقالات صحفية تكشف الأزمة الحادة التي أطبقت على قلبه وقلوب خرافه التي أحرجته بالأسئلة حول صحة هذا الإنجيل، وهي:
" خرافة إنجيل برنابا"
" خرافات في إنجيل برنابا"
" خرافات أخرى ومبالغات عجيبة في إنجيل برنابا"
" يقول أنّ الله يغار من كلّ محبة"
" كتاب مملوء بالشتائم على لسان السيد المسيح"
" أخطاؤه التاريخية والجغرافية"
" أخطاؤه التاريخية".
وهذه الردود على حالة كبيرة من الهشاشة والسطحية، كما أننا لو ألزمنا البابا أن يعتمد" قواعده" التي حاكم بها" إنجيل برنابا" في محاكمة الأناجيل الرسمية لجعلها تتفتت أمام عينيه هباء منثورا، إذ أننا نعلم يقينا وجود عدد كبير من الأخطاء العلمية
[ ٣٩٥ ]
والتاريخية في الأناجيل الرسمية الأربعة بل وفي جل أسفار" الكتاب المقدس" (انظر" موسوعة أخطاء الكتاب المقدس Errancy ==The Encyclopedia of Biblical "ل س. دنيس ماك كتري C.Dennis Mckinsey وهو في أكثر من ٥٠٠ صفحة) .. أمّا إساءة الأدب في الحديث عن الله سبحانه فحدّث ولا حرج (الربّ المخلوق، المولود في مكان النجاسات، المتخفي في ضيعة الجثسيماني هربا من أعدائه - على القول أنّ الأناجيل تقرّر ألوهية المسيح! -) ..
وقد كتب شنوده طاعنا في إنجيل برنابا، فقال: " السيد المسيح له المجد المعروف بالرقة العجيبة وبالرأفة والوداعة وتخير الألفاظ قبل النطق بها، يضع برنابا على لسانه ألفاظا غير لائقة، ويصوره إنسانا شتاما: يشتم الكل!، ويشتم تلاميذه القديسين، ويشتم الذين يكرمونه، ويشتم من يسأله، ومن يطلب منه الشفاء، ومن يخطئ في الحديث عن غير قصد، بل يشتم بلا سبب"
قلت: ألم تقرأ يا شنودة أناجيلك.. أم تظنّ أننا لم نقرأها؟!! .. افتح الأناجيل الرسمية واقرأ:
المسيح يشتم الكل: " جيل شرير خائن يطلب آية (التراجم الانجليزية كالترجمة القياسية المنقحة =The Revised Standard Version =تستعمل كلمة =adulterous =والتي معناها يوحي بالخيانة الجنسية!) (متّى ١٢: ٣٩، ١٦: ٤..)
المسيح يشتم تلاميذه القديسين: فقد شتم زعيم التلاميذ واصفا إيّاه بأنه" شيطان" (متّى ١٦: ٢٣) !!
ووصف اثنين من تلاميذه بالغباء وبطئ القلوب في الإيمان (لوقا ٢٤: ٢٥) !!
[ ٣٩٦ ]
المسيح يشتم الذين يكرمونه: جاء في إنجيل لوقا ١١: ٣٧- ٥٢" وبينما هو يتكلّم، طلب إليه أحد الفرّيسيّين أن يتغدّى عنده. فدخل (بيته) واتّكأ.
ولكنّ الفرّيسيّ تعجّب لمّا رأى أنّه لم يغتسل قبل الغداء.
فقال له الرّبّ: «أنتم الفرّيسيّين تنظّفون الكأس والصّحفة من الخارج، ولكنّكم من الدّاخل مملوؤون نهبا وخبثا.
أيّها الأغبياء، أليس الّذي صنع الخارج قد صنع الدّاخل أيضا؟
أحرى بكم أن تتصدّقوا بما عندكم، فإذا كلّ شيء يكون طاهرا لكم.
ولكن الويل لكم أيّها الفرّيسيّون فإنّكم تدفعون عشر النّعنع والسّذّاب والبقول الأخرى، وتتجاوزون عن العدل ومحبّة الله: كان يجب أن تعملوا هذا ولا تهملوا ذاك!
الويل لكم أيّها الفرّيسيّون، فإنّكم تحبّون تصدّر المفاعد الأولى في المجامع وتلقّي التّحيّات في السّاحات العامّة!
الويل لكم، فإنّكم تشبهون القبور المخفيّة، يمشي النّاس عليها وهم لا يعلمون! "
وتكلّم أحد علماء الشّريعة، قائلا له: «يا معلّم، إنّك بقولك هذا تهيننا نحن أيضا".
فقال: «والويل أيضا لكم يا علماء الشّريعة، فإنّكم تحمّلون النّاس أحمالا مرهقة، وأنتم لا تمسّونها بإصبع من أصابعكم!
الويل لكم، فإنّكم تبنون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم.
[ ٣٩٧ ]
فأنتم إذن تشهدون موافقين على أعمال آبائكم: فهم قتلوا الأنبياء، وأنتم تبنون قبورهم.
لهذا السّبب أيضا قالت حكمة الله: سأرسل إليهم أنبياء ورسلا، فيقتلون منهم ويضطهدون، حتّى إنّ دماء جميع الأنبياء المسفوكة منذ تأسيس العالم، يطالب بها هذا الجيل، من دم هابيل إلى دم زكريّا الّذي قتل بين المذبح والقدس! أقول لكم:
نعم، إنّ تلك الدّماء يطالب بها هذا الجيل.
الويل لكم يا علماء الشّريعة، فإنّكم خطفتم مفتاح المعرفة، فلا أنتم دخلتم ولا تركتم الدّاخلين يدخلون! "
المسيح يشتم من يسأله: " تقدم إليه رجل جاثيا له، وقائلا: يا سيد ارحم ابني، فإنه يصرع ويتألم شديدا. ويقع كثيرا في النار، وكثيرا في الماء. وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي. إلى متى أكون معكم. إلى متى احتملكم. قدموه إليّ ههنا. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان، فشفي الغلام" (متى ١٤: ١٧- ١٦) .
المسيح يشتم من يطلب منه الشفاء: فقد قال للمرأة التي طلبت منه أن يشفي ابنتها: " ليس من الصواب أن يؤخذ خبز البنين ويطرح لجراء الكلاب" (متّى ١٥:
٢٦، مرقس ٧: ٢٨) .
المسيح يشتم من يخطئ في الحديث ولو عن غير قصد: كان المسيح كثيرا ما يتحدّث إلى تلاميذه بالرموز التي كان يستعصي فهمها على التلاميذ، ومع ذلك كان يوبّخهم رغم أنّه كان بإمكانه أن يبسّط لهم القول ليتّضح لهم معنى المقال.. اقرأ مثلا إنجيل متّى ١٥: ١٠- ١٦:
[ ٣٩٨ ]
" ثمّ دعا الجمع إليه وقال لهم: «اسمعوا وافهموا:
ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو الّذي ينجّس الإنسان".
فتقدّم إليه تلاميذه وقالوا له: " أتعلم أنّ هذا القول قد أثار استياء الفرّيسيّين؟ "
فأجابهم: " كلّ غرسة لم يغرسها أبي السّماويّ، لا بدّ أن تقلع. "
دعوهم وشأنهم، فهم عميان يقودون عميانا. وإذا كان الأعمى يقود أعمى، يسقطان معا في حفرة".
وقال له بطرس: " فسّر لنا ذاك المثل! "
فأجاب: " وهل أنتم أيضا بلا فهم؟ ".
المسيح يشتم من غير سبب: فقد" لعن" شجرة التين لمّا لم يجد فيها ثمرا لأنه لم يحن وقت الإثمار (متّى ٢١: ٩، مرقس ١١: ٢١)؟!!
بل إنّ المسيح يقتل من غير سبب، فقد جاء في سفر الرؤيا ٢: ٢١- ٢٣ أنّ المسيح قد قال عن إمرأة اسمها إيزابيل كانت تدعي أنها نبية: " وقد أمهلتها مدة لتتوب تاركة زناها، ولكنها لم تتب. فإنني سألقيها على فراش، وأبتلي الزانين معها بفتنة شديدة سأبيد أولادها بالموت" فما ذنب أولاد هذه الخاطئة!!!؟
وخذ أخرى: المسيح يشتم الرسل والنبيين: " جميع الذين جاؤوا قبلي كانوا لصوصا وسراقا، ولكن الخراف لم تسمع إليهم. " (يوحنا ١٠: ٨)
وقد قال لاردنر في كتابه" أعمال أركلاس" في بيان عقيدة فرقة" ماني كيز": " خدع الشيطان أنبياء اليهود، والشيطان كلم موسى وأنبياء اليهود وكانت تتمسك
[ ٣٩٩ ]
بالعدد الثامن من الفصل العاشر من إنجيل يوحنا بأن المسيح قال لهم سراق ولصوص"!!!
وقال فيلسوف" الدعوة التنصيرية المعاصرة" في العالم العربي" عوض سمعان": " ومهما كانت عظمة موسى فإنه لولا نعمة المسيح له، لكان قد هلك واستحق عقابا أبديا على خطيئته. "!!!
وقال البابا شنودة في محاضرة بعنوان" رسل المسيح أقوياء" (٢٨- ٥- ٢٠٠٣ م) بالحرف: ".. طبعا كلّ الذين ماتوا قبل الفداء قبل صليب المسيح كانوا بيذهبوا للجحيم" وأضاف مخففا حدّة الصدمة: " والجحيم يعني مكان انتظار وليس مكان عذاب".. قلت: وهل في رمي الأنبياء على جمر الهلع في الجحيم في انتظار المخلّص الذي سينتزعهم منها، شيء من الرحمة!
ولا تثريب على يسوع المسيح الكنسي وصاحب أعمال أركلاس وعوض سمعان.. لا تثريب عليهم، فقد جاء قبلهم في سفر إرمياء ٢٩: ٨- ٩: " لا تغشّكم أنبياؤكم الّذين في وسطكم وعرّافوكم ولا تسمعوا لأحلامكم الّتي تتحلّمونها. لأنّهم إنّما يتنبّأون لكم باسمي بالكذب. أنا لم أرسلهم يقول الربّ. "
ولقد حقّ للمؤرخ وال ديرانت أن يقول: " إن الإنسان ليجد في الأناجيل فقرات قاسية مريرة لا توائم قط ما يقال لنا عن المسيح في مواضع أخرى إن بعضها يبدو لأول وهلة مجانبا العدالة، وإن منها ما يشتمل على السخرية اللاذعة والحقد المرير ".
وخذ أخرى: المسيح يصف غير المؤمنين بأنهم كلاب وخنازير، فقد جاء في إنجيل متّى ٧: ٦: " لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدّام الخنازير"!!
[ ٤٠٠ ]
ولا عجب بعد كلّ هذه" المناقب" المفتراة على المسيح أن نقرأ قول بولس في الرسالة إلى فيلبي ٣: ٢: " انظروا الكلاب، انظروا فعلة الشرّ"!!!
ملاحظة أخيرة على اعتراضات شنودة وهي أنّ الترجمة العربية لإنجيل برنابا التي أعدها نصراني عربي، قد أثقلها التشويه والتبديل فلا يصح الاعتماد عليها لنقد تفاصيل معينة فيها. كما أنّه لا يعقل أن نجعل البابا شنودة قبلة لنا لمعرفة الحق من الباطل، رغم أنّه قال لنا في رسالته المطبوعة" بين القرآن والمسيحية" ص ٤: "..
ولم يقتصر القرآن على الأمر بحسن مجادلة أهل الكتاب، بل أكثر من هذا، وضع القرآن النصارى في مركز الإفتاء في الدين.." أي أنّ القرآن يأمر المسلمين أن يأخذوا الفتوى في دينهم من" شيخ الإسلام"، " مفتي الديار"، الإمام الحافظ، والبحر اللافظ، المفوّه المنطيق، والآخذ بأنواع الترصيف والتطبيق: أبونا شنودة!!
الملاحظة الأخيرة التي نسوقها في هذا الفصل هي أنّ عوض سمعان جعل مقدمة كتابه" إنجيل برنابا في ضوء التاريخ والعقل والدين" قوله:
" يعتقد بعض الناس أن إنجيل المسيحيين أصابه التحريف منذ زمن بعيد، وأن الإنجيل الحقيقي هو المسمى: إنجيل برنابا. فيجب الاعتماد على إنجيل برنابا دون إنجيل المسيحيين. ولما كان هذا الاتهام خطيرا، فقد درس الكاتب الإنجيلين، وقارن بين المعتقدات الواردة فيهما، وبين ما استطاع العثور عليه من محتويات الكتب الدينية والأدبية والتاريخية التي أشارت إلى شيء من المعتقدات المذكورة. فأسفرت الدراسة والمقارنة عن إصدار هذا الكتاب. وهو إذ يقدّمه للقراء، يرجو الله أن يستخدمه لإعلان إنجيله الحقيقي، لأجل مجده وخير نفوسهم العزيزة".
قلت:
ينهى عن طباع السوء صبحا ويأتي بالإساءة في الغروب
[ ٤٠١ ]
يعلّم غيره طرق المعالي وتجذبه النقيصة للعيوب
هذه شهادة زور بنيت على باطل، وما بني على باطل فهو باطل، إذ أنّ" الناس" الذين هم طبعا" أهل الإسلام" لا يدّعون أنّ" إنجيل برنابا" هو إنجيل المسيح الذي جاء ذكره في القرآن، بل عندهم" إنجيل برنابا" هو ببساطة إنجيل كتبه" برنابا" أما" إنجيل المسيح" فهو كتاب نزل على المسيح من عند الله سبحانه.. فكتاب برنابا تأريخ لدعوة المسيح وتعاليمه ويصدق عليه ما يصدق على الكتابات البشرية من نقص ووهم، والمهم هو لبّ المضمون والخطوط العريضة فيه.. ولا يصدق عليه النقد الموجه لكتاب يزعم أنه وحي من عند الله سبحانه!
والله يهدي إلى الحق!
[ ٤٠٢ ]
من البشارات بنبي الإسلام ﷺ في إنجيل برنابا
من الفصل الثاني والأربعون وهى سورة البشرى:
قالوا: إذا لم تكن مسيّا ولا إيليا فلماذا تبشر بتعليم جديد وتجعل نفسك أعظم شأنا من مسيّا؟
أجاب يسوع: إن الآيات التى يفعلها الله على يدي تظهر أنى أتكلّم بما يريد الله.
ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه. لأني لست أهلا أن أحل رباطات سيور حذاء رسول الله. أي الذي تسمّونه مسيّا. الذي خلق قبلي وسيأتي بعدى. وسيأتي بكلام الحق. ولا يكون لدينه نهاية.
من الفصل السابع عشر وهى سورة الإخلاص:
قال فيليبس (وهو أحد الحواريين) لعيسى ﵇: ماذا تقول يا سيد حقا لقد كتب في أشعيا أن الله أبونا فكيف لا يكون له بنون؟
أجاب يسوع أنّه في الأنبياء مكتوب أمثال كثيرة لا يجب أن تأخذها بالحرف بل بالمعنى. لأن كل الأنبياء البالغين مئة وأربعة وأربعين ألفا الذين أرسلهم الله إلى العالم قد تكلّموا بالمعميات بظلام. ولكن سيأتي بعد بهاء كل الأنبياء والأطهار. فيشرق نورا على ظلمات سائر ما قال الأنبياء. لأنه رسول الله. ولما قال هذا تنهّد يسوع وقال:
ترأف بإسرائيل أيها الرب الإله. وانظر بشفقة على إبراهيم وعلى ذريّته لكى يخدموك بإخلاص قلب. فأجاب التلاميذ: ليكن كذلك الرب الإله.
من الفصل السادس والثلاثين وهى سورة ترك الصلوات:
[ ٤٠٣ ]
قال يسوع: ولكن الإنسان وقد جاء الأنبياء كلّهم إلا رسول الله، الذى سيأتى بعدى لأن الله يريد ذلك حتى أهيء طريقه، يعيش بإهمال بدون خوف كأنه لا يوجد إله. مع أن له أمثلة لا عداد لها على عدل الله. فعن مثل هؤلاء قال داوود النبي: قال الجاهل في قلبه ليس إله لذلك كانوا فاسدين وأمسوا رجسا دون أن يكون فيهم واحد يفعل صلاحا.
من الفصل الثالث والأربعون وهى سورة خلق رسول الله
حينئذ قال أندراوس: لقد حدّثتنا بأشياء كثيرة عن مسيّا، فتكرم بالتصريح لنا بكل شيء.
فأجاب يسوع: كل من يعمل فإنما يعمل لغاية يجد فيها غنى. لذلك لأقول لكم أن الله لما كان بالحقيقة كاملا. لم يكن بحاجة إلى غنى. لأن الغنى عنده نفسه. وهكذا لّما أراد الله أن يعمل. خلق نفس رسوله قبل كل شيء. الذى لأجله قصد إلى خلق الكل.
لكى تجد الخلائق فرحا وبركة بالله. ويسرّ رسوله بكل خلائقه التى قدر أن تكون عبيدا. ولماذا وهل كان هذا هكذا إلا لأن الله أراد ذلك؟
الحق أقول لكم إن كل نبى متى جاء فإنه إنما يحمل علامة رحمة الله لأمة واحدة فقط. ولذلك لم يتجاوز كلامهم الشعب الذى أرسل إليهم. ولكن رسول الله متى جاء. يعطيه الله ما هو بمثابة خاتم. فيحمل خلاصا ورحمة لأمم الأرض الذين يقبلون تعليمه. وسيأتى بقوة على الظالمين. ويبيد عبادة الأصنام بحيث يخزى الشيطان. لأنّه هكذا وعد الله إبراهيم قائلا: " أنظر فإنى بنسلك أبارك كل قبائل الأرض وكما حطّمت يا إبراهيم الأصنام تحطيما هكذا سيفعل نسلك".
أجاب يعقوب: يا معلّم قل لنا مع من صنع هذا العهد؟ فإن اليهود يقولون بإسحاق والاسماعليون يقولون بإسماعيل.
[ ٤٠٤ ]
أجاب يسوع: إبن من كان داوود ومن أى ذرّية؟
أجاب يعقوب: من إسحاق لأن إسحاق كان أبو يعقوب ويعقوب كان أبو يهوذا الذى من ذريّته داوود.
فأجاب يسوع: لا تغشّوا أنفسكم. لأن داوود يدعوه في الروح ربّا قائلا هكذا:
" قال الله لربّى إجلس عن يمينى حتى أجعل أعداؤك موطئا لقدميك. يرسل الرب قضيبك الذى سيكون ذا سلطان في وسط أعدائك". فإذا كان رسول الله الذى تسمونه مسيّا إبن داوود فكيف يسمّيه ربا؟ صدقونى لأنى أقول لكم الحق أن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق.
الفصل الرابع والأربعون من سورة محمد رسول الله: حينئذ قال التلاميذ: يا معلّم هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق.
أجاب يسوع متأوّها: هذا هو المكتوب. ولكن موسى لم يكتبه ولا يسوع. بل أحبارنا الذين لا يخافون الله. الحق أقول لكم إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون كذب كتبتنا وفقهاؤنا. لأن الملاك قال: يا إبراهيم سيعلم العالم كلّه كيف يحبك الله. ولكن كيف يعلم العالم محبّتك لله؟. حقا يجب عليك أن تفعل شيئا لأجل محبة الله. أجاب إبراهيم: ها هو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله.
فكلّم الله حينئذ إبراهيم قائلا: " خذ إبنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدّمه ذبيحة". فكيف يكون إسحاق البكر وهو لّما ولد وكان إسماعيل ابن سبع سنين؟
[ ٤٠٥ ]
فقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلىّ. لذلك قل لنا أنت الحق لأننا نعلم أنّك مرسل من الله.
فأجاب حينئذ يسوع: الحق أقول لكم إن الشيطان يحاول دائما إبطال شريعة الله.
فلذلك قد نجّس هو وأتباعه والمراؤون وصانعوا الشر كل شيء اليوم. الأوّلون بالتعليم الكاذب والآخرون بمعيشة الخلاعة. حتى لا يكاد يوجد الحق تقريبا. ويل للمرائين لأن مدح هذا العالم سينقلب عليهم إدانة وعذابا في الحجيم. لذلك أقول لكم إن رسول الله بهاء يسرّ كل ما صنع الله تقريبا. لأنّه مزدان بروح الفهم والمشورة.
روح الحكمة والقوّة. روح الخوف والمحبة. روح التبصر والاعتدال. مزدان بروح المحبة والرحمة. روح العدل والتقوى. روح اللطف والصبر التي أخذ منها من الله ثلاثة أضعاف ما أعطى لسائر خلقه. ما أسعد الزمن الذي سيأتي فيه إلى العالم. صدّقوني إني رأيته وقدّمت له الاحترام كما رآه كل نبي. لأن الله يعطيهم روحه نبوة. ولّما رأيته امتلأت عزاء قائلا: " يا محمد ليكن الله وليجعلني أهلا أن أحل سير حذائك". لأني إذا قلت هذا صرت نبيا عظيما وقدّوس الله. ثم قال يسوع: " إنّه سرّ الله".
[ ٤٠٦ ]
محمّد ﷺ في أسفار الهندوس والصابئة والبوذيين والمجوس
" وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ" (الشعراء ١٩٦)
[ ٤٠٧ ]
نختم رحلتنا، إن شاء الله، في عالم البشارة بمحمد ﷺ، في أسفار الهندوس والصابئة والبوذيين والمجوس
ونحن نعلم سلفا أنّ هناك من سيسأل هنا عن بحثنا عن نبوءات بنبي الإسلام ﷺ في أسفار غير اليهود والنصارى ممن لم يصرّح القرآن بأنهم أتباع لنبي أو رسول يوحى إليه من الله سبحانه. والإجابة هي أنّ القرآن لم يصرّح بأسماء جميع الأنبياء، فعدم ذكر اسم رجل معيّن في القرآن أو السنة في قائمة الأنبياء أو الرسل لا ينفي كونه نبي أو رسول.
فقد جاء في سورة فاطر ٢٤ قول الحق سبحانه: " وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ".
وجاء في تفسيرها عند الإمام ابن كثير: ".. وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ"، أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر وأزاح عنهم العلل والآيات في هذه كثيرة".
وجاء في تفسير الإمام القرطبي: ".. وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ" أي سلف فيها نبي. قال ابن جريج إلا العرب. "
وقد رجّح طائفة من أهل العلم والتحقيق كون الهندوس والصابئة والبوذيين والمجوس هم من أهل الكتاب، خاصة علماؤنا في شبه القارة الهندية الذين لهم باع وعمق نظر في دراسة الأديان الشرقية.
وقد فصّل السيد أخلاق حسين الدهلوي في مقاله" أضواء على كتب الفيدا وما يتعلق بها"- نشره في مجلة" ثقافة الهند" للمجلس الهندي للعلاقات الثقافية، آزاد بوان نيودلهي المجلد ٤٠، العدد ٣- ٤- استدلالات العلماء المسلمين في شبه القارة الهندية في هذا الشأن بما يثبت أنّ الهندوس أهل كتاب، من ذلك التشابه اللفظي الكبير بين أسماء الشخصيات المقدسة في ديانة الهندوس وأسماء جاء ذكرها في القرآن
[ ٤٠٨ ]
والسنة تخص الأنبياء والملائكة، بل لقد جاء ذكر اسم الجلالة" الله" في كتب القوم:
رج فيدا ٩: ٦٧: ٣٠ و٣: ٣٠: ١٠.
وذكر هذا الباحث أنّه" من المتعارف عليه بين الهندوس المختصين في دراسة الأسفار المقدسة أنّ كتب الفيدا تدعوا إلى ديانة توحيدية. "
أما فيما يتعلق بالمجوس فقد قال الإمام ابن حزم الأندلسي في مؤلفه الموسوعي" الفصل بين الأهواء والملل والنحل" الجزء الأول ص ١٩٦: " أما زرادشت فقد قال كثير من المسلمين بنبوته، وليست النبوة بمدفوعة قبل رسول الله ﷺ لمن صحّت عنه معجزة. قال الله ﷿: " وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ" (النساء ١٦٣) .
وأضاف في الصفحتين ١٩٧- ١٩٨: " وممن قال: إنّ المجوس أهل كتاب، علي بن أبي طالب. وحذيفة ﵄، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وأبو ثور، وجمهور أصحاب أهل الظاهر. وقد بيّنا البراهين الموجبة لصحة هذا القول في كتابنا المسمى" الإيصال" ()، ويكفي في ذلك صحة أخذ رسول الله ﷺ الجزية منهم وقد حرّم الله ﷿ في نص القرآن في آخر سورة نزلت منه وهي" براءة" أن تؤخذ الجزية من غير الكتابي. "
أما الشهرستاني فقد قال في كتابه الموسوعي" الملل والنحل": " وكان" دينه" (أي زرادشت) عبادة الله وحده، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث. "
وينسب دين الصابئة إلى يحي ﵇، المعروف عند النصارى بيوحنا المعمدان، والذي لا شكّ في أنّه نبي مرسل من عند الله سبحانه.
[ ٤٠٩ ]
وفيما يخصّ البوذيين فقد أشار إلى سماوية هذا الدين بعض من درس البوذية من المسلمين الهنود.
وأنت إذا قرأت البشارات بنبي الإسلام في كتب القوم فإنك تميل إلى قول من يرون أنهم من أهل الكتاب، وأنّ أصل دينهم سماوي.
وهاك طائفة من هذه البشارات ننقلها من مجموعة بحوث قيّمة مؤيّدة بصدق الترجمة:
[ ٤١٠ ]