١- فى تاريخ نزول القران (الكريم)
بمجرد أن نبدأ السؤال: ما الرسالة الأصلية للقران (الكريم)؟
حتى يواجهنا السؤال التالى: ما أول ما نزل منه؟ ومن الطبيعى أن يكون اعتمادنا فى الاجابة عن هذا السؤال الأخير على المصادر الاسلامية الأولى. ولدينا قدر جيد من المعلومات المتاحة عن أسباب نزول عدة ايات مختلفة، الا أن هذه المادة يعوزها الاكتمال، كما أنها تحوى تناقضا بين بعضها وبعضها الاخر (التعبير لا يعنى أكثر من أن الروايات مختلفة- المترجم) .
والسؤال الأخير ربما لا يكون بالخطورة نفسها التى عليها السؤال الأول، خاصة فيما يتعلق بالسور التى نزلت فى المرحلة المكية. وقد توصل الباحثون المسلمون الذين أتوا فى فترة متأخرة الى قدر من الاتفاق حول السور المكية والسور المدنية وكذلك فيما يتعلق بالايات. وبالنسبة لغالب النص القرانى الذى نزل فى الحقبة المكية ليس هناك ذكر لأسباب النزول، وأكثر من هذا فان كثيرا من الأسباب (الأحداث أو المناسبات) ليس لها تواريخ دقيقة محددة. وعلى هذا فرغم أن المواد المتاحة عن أسباب النزول مقبولة بشكل عام، الا أنها واحدها لا تكفى لتقديم اجابات لكثير من الأسئلة التى يثيرها الباحثون الغربيون.
[ ١٣٣ ]
وقد قدم الباحث الألمانى تيودور نولدكه Theodor Noldeke فى كتابه تاريخ القران (نشر لأول مرة سنة ١٨٦٠) معيارا اخر اضافيا.
لقد وجد نولدكة أننا اذا درسنا الايات الطوال وقارناها بالروايات التقليدية عن أسباب النزول، وجدنا أن السور المجمع على نزولها أولا تحوى ايات قصارا، والسور المجمع على نزولها اخرا تحوى ايات طوالا- غالبا. وعلى هذا، فان نولدكه قدم فرضا علميا مؤداه أننا نستطيع أن نحدد ما اذا كان النص القرانى الذى بين أيدينا نزل فى المرحلة الأولى أو المرحلة المتأخرة، بناء على طول الايات أو قصرها. وبناء على هذا المعيار، رتب نولدكه سور القران (الكريم) فى أربع فترات زمنية، ثلاث مراحل مكية ومرحلة مدنية، وقد قبل الباحثون الغربيون هذا التقسيم الذى قدمه نولدكه- بشكل عام، واعتبروه دليلا لدراساتهم.
وبعد نولدكه، تقدم رتشارد بل Richard Bell بخطوة أخرى فى ترجمته للقران الكريم ودراساته الملحقة بترجمته، والمنشورة سنة ١٩٣٧- ١٩٣٩ «١» . فالروايات الاسلامية- دائما- توافق على أن معظم السور تحوى ايات نزلت فى فترات مختلفة، وقد حاول بل Bell فى ترجمته الانف ذكرها أن يقسم كل سورة الى مكوناتها الأصلية، كما حاول أن يضع تاريخا لبعض الايات المنفصلة (أى أنه لم يضع تواريخ متوالية لنزول الايات) . ومهما يكن الرأى النهائى فى تفاصيل هذا العمل، فالذى لا شك فيه هو أن هذا العمل يعد نقطة البد، لاية دراسة أخرى عن تسلسل نزول dating القران (الكريم)، ولقد قبل بل Bell المعيار الذى وضعه نولدكه كمعيار مضبوط (معيار طول الايات أو قصرها) وان كان من رأيه أن هذا المعيار فى حاجة الى بعض التعديل ليتناسب مع ايات بعينها بالنظر لمحتواها (المعانى الواردة بها) . ويبدو أن هذا العمل كان صحيحا خاصة فيما يتعلق بالحقبة المدنية، لكن كثيرا من النتائج التى خلص بها بل Bell من مباحثه تلك ليست جميعا مؤكدة طالما أن اختلاف وجهات النظر مسألة قائمة.
_________________
(١) R.Bell، The style of the Quran، in Transactions of the Glasgow University Oriental Society، XI، ٩- ١٥، esp.١٤ f.
[ ١٣٤ ]
وعند النظر للرسالة الأصلية للقران الكريم (جوهر رسالته) لا بد أن يكون المرء حذرا على نحو خاص عند استخدام معايير (أو دلالات) المحتوى القرانى. فاذا كان على المرء أن يقول ان سورة كذا وسورة كيت لا يمكن أن تكون من أوائل السور لأنها تشتمل على فكرة الحساب بعد الموت، ثم يواصل حديثه قائلا ان فكرة الحساب بعد الموت لم تكن من الأفكار المبكرة، لأنها لم ترد فى السور الأولى فان مثل هذه الحجج تجعلنا ندور فى دائرة مفرغة. فلكى أصل الى أقصى درجات الموضوعية، فاننى أقررت بما ذكره نولدكه عن أوائل السور المكية وما أقره بل Bell عن أوائل السور المدنية. ومن خلال هذه المجموعة من السور (مجموعة أوائل ما نزل) نحيث جانبا الايات التى تشير الى معارضة لمحمد ﷺ والقران الكريم، وركزت على الباقى، أعنى حيث لا يشير الوحى الى معارضة. والمبدأ هنا أنه قبل أن تستطيع المعارضة الظهور، كان هناك جانب من الرسالة يميل الى اثارة المعارضة كما لا بد أنه حدث.
فالسور والايات التى نحن بصددها (موضع البحث) هى:
سورة العلق (٩٦) / مكية/ الايات من ١ الى ٨.
سورة المدثر (٧٤) / مكية/ الايات من ١ الى ١٠.
سورة قريش (١٠٦) / مكية/ واياتها أربعة.
سورة البلد (٩٠) / مكية/ الايات من ١ الى ١١.
سورة الضحى (٩٣) / مكية/ واياتها ١١ اية.
سورة الطارق (٨٦) / مكية/ الايات من ١ الى ١٠.
سورة عبس (٨٠) / مكية/ الايات من ١ الى ٣٢ باستثناء الاية ٢٣.
سورة الأعلى (٨٧) / مكية/ الايات من ١ الى ٩، و١٤ و١٥.
سورة الانشقاق (٨٤) / مكية/ الايات من ١ الى ١٢.
[ ١٣٥ ]
سورة الغاشية (٨٨) / مكية/ الايات من ١٧ الى ٢٠.
سورة الذاريات (٥١) / مكية/ الايات من ١ الى ٦.
سورة الطور (٥٢) بعض اياتها.
سورة الرحمن (٥٥) واياتها ٧٨ اية. «٢» .
انه من المعقول أن بعض هذه الايات نزلت بعد ظهور المعارضة للمرة الأولى، لكن مادام مما لا يتعارض مع المنطق نزولها قبل ظهور المعارضة فقد رأيت ألا أعير هذا الاحتمال بالا. فالجوانب المختلفة لرسالة الاسلام متضمنة فى أوائل ما نزل من القران. وعلى هذا ودون حاجة لمزيد من اللغط) ado السفسطة) سأعتبر هذه الايات حاوية على جوهر رسالة القران، وعلى كيرجما Kerygma النبوة بمعناها الأصلى، والان دعونا نبحث فى الملاحظات الأساسية لهذه الكيرجما (المحتوى القرانى الذى يوضح هدف الرسالة) .
٢- المحتوى القرانى لأول ما نزل من القران (الكريم)
(أ) خلق الله للانسان ولطفه به
موضوع السورة رقم ٥٦ (العلق) التى ينظر اليها- بشكل عام- على أنها أول ما نزل من القران الكريم- هو خلق الله سبحانه للانسان- انها اعلان من الله سبحانه بقوته ولطفه- وأنه سبحانه يوحى للانسان (بمفهوم الوحى عند اليهود والمسيحيين) بأسرار ما لا يراه (ما لا يعلمه) . وفيما يلى نص الايات المعبر عن المعانى الانف ذكرها:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) ..) .
وخلق الانسان وهدايته مسألة أشار اليها القران الكريم فى ايات أخرى متعددة:
_________________
(١) لقد أغفل بل Bell بعض الايات وأضافها بعد ذلك.
[ ١٣٦ ]
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٦) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) ..) السورة ٩٠ (البلد) .
وموضوع الخلق يبدو مفصلا فى السورة رقم ٨٠ (عبس):
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) ..) .
وبداية السورة رقم ٨٧ (الأعلى) تتناول الخلق أيضا:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) ..) .
والسورة رقم ٥٥ (الرحمن) تتناول فى اياتها الأولى مسألة (الخلق) و(الهداية) معا:
(الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤» .
وقد ورد فى السورة رقم ٩٣ (الضحى) فى الايات من ٣ الى ٨ ما يشير الى اللطف الخاص والكلام الخاص الذى شمل الله به محمدا ﷺ، ومن المفترض أن الايات تتعرض للحياة الأولى محمد ﷺ:
(ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) ..) .
وبالاضافة لهذا نجد التأكيد الوارد فى السورة ٨٧ (الأعلى):
(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) ..) .
[ ١٣٧ ]
والسورة رقم ١٠٦ (قريش) تحث قبيلة قريش على عبادة رب البيت (الكعبة) الذى أطعمهم من جوع وامنهم من خوف. والسورة رقم (٨٠) (عبس) توضح كيف يرسل الله المطر الذى يروى الأرض فتنتج حبا وعشبا وعنبا وزيتونا ونخيلا وغير ذلك.
(وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) ..) السورة رقم ٥٥ (الرحمن) .
ولأن الله سبحانه هو واهب الموت والحياة للبشر لذا فانه كما منح البشر المرعى، فانه يحيله جافا، ففى السورة رقم ٨٧ (الأعلى) نقرأ:
(وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) ..) .
وأخيرا فالسورة رقم ٨٨ (الغاشية) «٣» تحدثنا عن الله سبحانه كخالق للابل والسماء والجبال والأرض:
(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) ..) .
وفى الوقت نفسه نجد فى أوائل السورة رقم ٥٥ (الرحمن) «٤» نجد اشارة الى خلق الأبدان والبحار وكل الكائنات، ونصل لذروة عظمة الله فهو يخلق ولا أحد يخلق سواه:
(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) ..) .
وعلى هذا، فهناك عدد كبير من الايات تتناول هذا الموضوع: لطف الله سبحانه وقوته. حقا ان مسألة لطف الله وقوته هى الى حد بعيد أبرز
_________________
(١) .Bell،op.cit. (٣) لكن المترجم رجع للمصاحف المتداولة.
(٢) كما وضع لها بل تاريخ نزول تقريبيا Bell،op.cit
[ ١٣٨ ]
معالم الرسالة فى الايات السريمة التى نزلت فى وقت مبكر (فى أوائل ما نزل من القران الكريم) ولم يتناول القران الكريم مسألة اثبات وجود الله سبحانه، وانما تعرض لذاته باعتبار وجوده أمرا معروفا لمحمد ﷺ ومعروفا أيضا لأولئك الذين يتلقون الرسالة، الا أن ذلك كان على نحو غامض أو مبهم، وأصبح (بعد نزول القران) أكثر دقة ووضوحا بعزو كل الأحداث المختلفة اليه سبحانه، وهذا يجعلنا نميل الى تأكيد أن فكرة الله (سبحانه) قد انتقلت الى العرب من الفكر التوحيدى فى اليهودية والمسيحية. وعلى أية حال، فمادامت القدرة التى كان يعروها الوثنيون العرب لالهتهم كانت- كما هو مفترض- محدودة جدا فهم لم يكونوا ينظرون لله سبحانه كنظير أو مثيل لالهتهم، وانما باعتباره (سبحانه) أعظم منها على نحو ما، ومع هذا فلم تكن أفكارهم هذه لتكون فكرة كافية عن عظمته وقدرته على التدخل فى شئون البشر. وعلى هذا، فانه يجب أن نقدر مدى أهمية الأفكار القرانية فى تصحيح الفهم الخاطئ للعرب عن الله سبحانه، كخطوة أولى.
وربما كان ما هو أكثر مدعاة للدهشة أن أوائل ما نزل من القران ليس فيه اشارة الى توحيد الله سبحانه، Unity of God باستثناء ما ورد فى السورة ٥١ (الذاريات)، الاية رقم ٥١:
(وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١» .
وربما كانت هذه الاية اضافة متأخرة للسورة «٥» . انها تبدو وكأنها تكرار لفكرة معروفة بالفعل، لأنها اذا كانت فكرة جديدة لجرى التركيز عليها بشكل أوضح. وبطبيعة الحال، فليس هناك فى أوائل ما نزل منه ما يناقض عقيدة التوحيد، لكن ما هو مهم وشائق أيضا أنه فى أوائل ما نزل من القران، ان لم يكن هناك تركيز على توحيد الله، فليس هناك أيضا شجب للوثنية. وبعبارة أخرى، فان هدف النص القرانى الذى نزل فى فترة مبكرة كان محدودا. أنه كان
_________________
(١) Bell،op.cit. (٥)
[ ١٣٩ ]
يهدف الى تطوير جوانب فكرة الايمان بالله على نحو ايجابى؛ واضعا فى الاعتبار أن الايمان بالله مسألة كانت موجودة بالفعل بين أهل مكة دون أن يكونوا على وعى بأن هناك تناقضا بين الايمان بالله من ناحية، واشراك الهة أخرى معه.
(ب) الكل راجع الى الله ليوفيه حسابه
مرة أخرى سنبدأ بسورة العلق (السورة رقم ٩٦) التى تنص ايتها الثامنة على العودة لله (ان الى ربك الرجعى) وهى تعنى أن هناك حسابا بعد الموت «٦»، وتشير السورة ٧٤ أيضا الى الحساب:
(فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ..) .
واذا كانت كلمة (الرجز) فى الاية الخامسة راجعة لكلمة روجزا Rugza السريانية والتى تعنى الاثم أو ما يقابل الكلمة الانجليزية «٧» Wrath وهى الكلمة التى استخدمت فى ترجمة العبارة الواردة فى انجيل متى (فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون الى المعمودية قال لهم يا أولاد الأفاعى من أراكم أن تهربوا من الغضب الاتى ) . لقد استخدم المترجمون كلمة Wrath للتعبير عن الغضب فى هذه العبارة الانجيلية. نقول اذا كانت الكلمة المستخدمة فى الاية الانف ذكرها (رجز) هى المستخدمة فى هذا النص الانجيلى، فاننا نظن أنها ذات علاقة بأمور الآخرة (اليوم الاخر) . وارتبط الحساب فى الآخرة أيضا بالنشور، أى بعث الانسان من موته ليكون حيا مرة أخرى:
(ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢» السورة رقم ٨٠ (عبس) .
_________________
(١) Bell،op.cit. (٦) Ibid،Bell،Origin،٨٨. (٧)
[ ١٤٠ ]
ونقرأ أيضا فى السورة رقم ٨٦ (الطارق) الاية (٤):
(إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) ..) .
ويقابل حافظ هنا الكلمة الانجليزية) Watche فى ترجمات معانى القران الكريم التى بين أيدينا، يقابل كلمة حافظ Protector المترجم) سواء أكان المقصود بكلمة (حافظ) هنا، الله سبحانه ذاته، أم الملك الموكل به تسجيل افعاله.
وفى السورة ٨٤ (الانشقاق) وهى من أوائل ما نزل من القران الكريم وصف مفصل ليوم الحساب:
(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢) ..) .
واذا نحينا جانبا ما ورد فى السورة رقم ٥١ (الذاريات) الاية الخامسة وما بعدها، والسورة رقم ٥٢ (الطور) الاية السابعة وما بعدها (سنتعرض لهذه الايات بعد ذلك)، فليس هناك فى الايات القرانية التى نزلت أولا (أول ما نزل من القران) اشارات أخرى مباشرة ليوم الحساب، الا اذا كان وصف محمد ﷺ بأنه «نذير» ينطوى أيضا على معنى الحساب فى الآخرة.
والنقطة الاولى الجديرة بالملاحظة أن فكرة اليوم الاخر فى هذه الايات الأولى لم تكن تحوى الا قليلا أكثر من أن يوم الحساب هذا يعاقب فيه المسىء، ويثاب فيه المحسن، فلم تكن هناك تفاصيل مرعبة أو مبالغ فيها، Lurid details تلك التفاصيل التى حفلت بها صور اليوم
[ ١٤١ ]
الاخر بعد ذلك «٨» . لذا، فاننا نرفض بدون تردد كل ما ذهب اليه الباحثان بوهل Frants Buhl وتور أندريا، Tor Andrae اللذان كان من رأيهما أن الخوف من العذاب الذى سيلقاه الاثم أو الملعون (أو المشرك) كان هو المحرك الأساسى لحياة محمد ﷺ الدينية خلال الحقبة المكية المبكرة. فاذا نظرنا الى كل السور التى أدرجها نولدكه ضمن قائمتيه (السور التى نزلت فى الحقبة المكية الأولى، والسور التى نزلت فى الحقبة المكية الثانية)؛ لكان من المعقول جدا أن نقول انه (فوق كل شىء، كان التفكير فى العذاب الذى سيحيق بالملعون أو العاصى هو الذى زوده بالطاقة وحفز حركة روحه، فأدى ذلك الى مثل هذه النتائج العظيمة) «٩» . وعلى أية حال، فاننا اذا قصرنا النظر على مجموعة الايات والسور القليلة التى اتضح أنها أول ما نزل، لصرفنا النظر عن النتيجة المذكورة انفا واعتبرناها غير معقولة.
ومن ناحية أخرى، فانه يبدو غير صحيح أن نقول ان أول اشارة قرانية للحساب لا تعنى أى شىء فيما يتعلق بالايمان بالاخرويات (الحياة بعد الموت) وان المسألة لا تعدو أن تكون عذابا لحظيا (مؤقتا)، فمجموعة الايات الأولى (التى تعتبر أول ما نزل) التى ندرسها تحوى عدة أمثلة على الايمان بالاخرويات، لكن ليس فيها بالضرورة ايات تشير الى عذاب يحيق بالمشركين خاصة «١٠» واذا ترجمنا للانجليزية الاية السادسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية السابعة من السورة ٥٢ (الطور) على التوالى، لخرجنا بمعنى أن العذاب مؤقت:
(وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) ..) .
llaf ot tuoba si tnemegduJ ehT
(إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ..) .
llaf ot tuoba si droL yht fo tnemhsinuP
الا أنه من خلال السياق- على أية حال- نفهم أن كلمة واقع التى قد تعنى (على وشك الوقوع (about to fall قد لا تكون اشارة الى
_________________
(١) Bell،Origin،٨٥. (٨) Buhl،Muhammad،١٢٧. (٩) Bell،Translation of Quran،p. ٦٩٠ (١٠)
[ ١٤٢ ]
قرب حدوث الحساب أو العقاب فى المستقبل القريب، وانما اشارة الى حقيقة هذا العقاب وكونه أمرا مؤكدا سيحدث فى وقت من الأوقات فى مستقبل غير محدد، فلنقرأ الاية الخامسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية الثامنة من السورة ٥٢ (الطور) لندرك سياق الايتين اللتين استشهدنا بهما انفا:
(إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) ..) .
(ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) ..) .
ومن المؤكد أن السور المكية فيها الكثير عن عقاب الله سبحانه لأهل مكة بانزال المصائب المؤقتة (الدنيوية) عليهم، كالمصائب التى نزلت على من كانوا قبلهم ممن عصوا أنبياءهم، لكن لارتباط هذا العذاب برفض رسالة النبى ﷺ فربما كان مرتبطا بالوضع فى مكة بعد أن تطور عن فكرة العقاب فى بداية البعثة النبوية. حقا، ان الايات التى ناقشناها لتونا (٥١/ ٥، ٥٢/ ٧) بتأكيدها على حتمية الحساب وكونه لا مفر منه، تبدو مرتبطة بالمرحلة الثانية لمعارضة المشركين للنبى حين أعلنوا تشككهم فى الحساب بما فيه من ثواب وعقاب. وربما كان مما يستدعى الانتباه أنه يكاد يكون مفهوما أن الحساب الدنيوى (المؤقت) مقتصر على العقاب، أما الحساب الاخروى فيتبعه ثواب وعقاب كما فى سورة الانشقاق التى أوردناها انفا.
(ج) استجابة الانسان- شكر وعبادة
نظرا للطف الله سبحانه، فان على الانسان أن يكون شكورا ممتنا عابدا. والامتنان هو اعتراف داخلى باعتماد الانسان على خالقه الواحد القوى اللطيف. أما العبادة: فهو التعبير الظاهرى عن الاعتماد على الله والاعتراف بلطف الله وقوته (سلطانه) . وتشير الاية ١٧ وما بعدها من السورة رقم ٨٠ (عبس) الى الكفور (غير الممتن وغير الشاكر) .
[ ١٤٣ ]
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) .. الخ) .
واسم الفاعل من الفعل (كفر) هو كافر unbeiiever وهو غير الممتن وغير الشاكر لله، وغير المعترف بفضل الله، وبالتالى فهو الذى يرفض رسوله، وعلى هذا فالاية العاشرة من السورة ٧٤ (المدثر):
(فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ..) .
تشير الى الكافرين باعتبارهم غير الشاكرين أو غير الممتنين لله (وفقا للسياق) .
ويستخدم القران الكريم كلمتى (طغى) و(استغنى) للاشارة الى عدم الامتنان لله والشكر له «١١»، كما فى السورة ٩٦ (العلق) . الاية ٦ وما بعدها:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) ..) .
والمعنى الأصلى لكلمة (طغى) مرتبط بسيل الماء الجارف، ثم انتقل المعنى فاستخدم مجازا ليعنى تجاوز الحد، دون النظر للاعتبارات الأخلاقية والدينية خاصة، ودون أن يسمحوا لشىء بايقافهم لأنه لا حدود لثقتهم بأنفسهم. لذا، فيكاد يكون مقبولا ترجمة هذه الكلمة القرانية لتعنى بالانجليزية (to be presumptuous) أو (to act presumptuously) ان الكلمة تتضمن عدم وضع الخالق فى الاعتبار أو حتى انكار وجوده.
ان هذا هو الاتجاه الذى ربما اتخذه أثرياء مكة مادامت الايات التى أوردناها انفا تشير الى الثقة فى الثروة أو الاعتماد على الغنى. وكلمة (استغنى) تستعصى على الترجمة لأنها تشير الى الثروة وعدم الاعتماد على الله معا. (الثروة والاستقلال، (Wealth and independence وقد أعطاها Lane مقابلا انجليزيا هو، (free from want) لذا فقد
_________________
(١) E.W.Lane،Arabic -English Lexicon،S.V. (١١)
[ ١٤٤ ]
وردت فى القران الكريم لتشير الى الامتلاك الفعلى للثروة وأكثر من هذا تشير الى الاتجاه الروحى السائد بين الاثرياء. وفى الاية الثامنة من السورة ٩٢ (الليل):
(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) ..) .
يمكن نقل معنى (استغنى) * للانجليزية كالتالى:
Prides himself in Wealth
وذلك لأنه بسبب القوة المالية شعر أهل مكة بأنهم مستقلون عن أية قوة عليا، (فى غنى عنها) «١٢» .
ويجد الامتنان لله والاحساس بفضله والشكر له تعبيرا له فى العبادة، وتشير السور الأولى الى عدة أوامر متعلقة بالعبادة، بعضها موجه لمحمد ﷺ نفسه، كما فى السورة ٧٣ (المزمل):
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) ..) .
ومن النصوص القرانية المبكرة، سورة قريش (السورة رقم ١٠٦) وهى تخاطب أهل مكة بشكل عام:
(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ (٤) وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٥) ..) .
وثمة نص قرانى اخر، ربما نزل بعد سورة قريش بفترة وجيزة يشير الى العبادة، ونعنى به الاية ١٤ وما بعدها من السورة رقم ٨٧ (الأعلى):
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) ..) .
Prospered has he who Makes mention of the name of his
Lord and prays.
_________________
(١) * فى الترجمة الانجليزية التى بين أيدينا (عبد الله يوسف على): استغنى) Thinks himself self -sufficient المترجم) . Bell،op.cit. (١٢)
[ ١٤٥ ]
لقد كانت العبادة ملمحا مميزا لأتباع محمد ﷺ منذ البداية، وهو نفسه كان قد انخرط فى أعمال عباديه حتى قبل نزول الوحى عليه، وقد التزم المسلمون الأوائل بصلاة
الليل لفترة من الزمن «١٣»، كما هو واضح فى سورة المزمل. وقد وجه المعارضون لمحمد ﷺ جهودهم فى بداية الأمر ضد العبادة:
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠) ..) السورة ٩٦ (العلق) .
ومن ناحية أخرى نجد أنه فى الروايات المتداولة المتعلقة بايات الغرانيق التى دست فى سورة النجم (السورة رقم ٥٣)، نجد أن علامة الايمان بنبوة محمد ﷺ هى التعبد وفقا لطريقته فى التعبد (الصلاة) .
وبشكل عام، فان ذلك يجب أن يجعلنا نحاول نسيان فكرة العبادة الشائعة فى الغرب التى تعتبر جوهرها شعورا ذاتيا Subjective ربما يوصف بمعنى حضور الله. أما العرب، فهم أكثر ارتباطا بالجوانب الموضوعية Objective للعبادة خاصة معناها أو مغزاها. فبالنسبة لأهل مكة، فلكى يسجدوا لرب البيت كما يسجد محمد ﷺ فقد يكون عملهم هذا شبيها بذلك العمل الذى توقف حين كان أنصار حزب المحافظين يرفع كل واحد منهم وردة حمراء يوم الانتخاب، أو بفعل الاشتراكيين السابقين الذين كان الواحد منهم بدوره يتباهى بوردة زرقاء. ورغم أن التشبيه هنا ذو مضمون سياسى الا أننى لا أقصد القول بأن الاسلام ليس دينا، فالاسلام دين بكل تأكيد، لكن قد تكون أفكار الغرب عن الدين هى التى يعتريها قصور.
(د) استجابة الانسان لله سبحانه- السماحة والكرم والتطهر
وعلى أية حال، فليس بالعبادة فقط يستجيب الانسان للطف الله وفضله وانما بأفعال أخرى فاضلة. «١٤» ethical activity انه لأمر
_________________
(١) سورة المزمل.
(٢) ٨٠/ ٢٣.
[ ١٤٦ ]
شائق ومهم أن نتعرف على القيم الاخلاقية التى يغرسها القران (الكريم) .
اننا نجد فى بعض الايات الأولى التى نتناولها بالدراسة فى هذا الفصل- كلمة (تزكى) وهى كلمة غامضة شيئا ما. ففى السورة رقم ٨٠ (عبس) يتلقى محمد ﷺ توبيخا من ربه لأنه صرف اهتمامه لرجل ثرى مهم أكثر مما اهتم برجل أعمى، على أنه- محمد ﷺ- لا يدرى فلعل هذا الأعمى يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى (يزكى (purify himself وحتى اذ لم يزك هذا الرجل الثرى does not purify himself فلن يضار محمد ﷺ شيئا لأن من يزكى فانما يزكى لنفسه. «١٥» prospered has he who purifies himself ان مفهوم الكلمة معقد بعض الشىء وقد ناقشنا ذلك فى الملحق رقم (د) بهذا الكتاب.
أما هنا فلا بد من ايراد النتائج التى وصلنا اليها. ودليلنا الى ذلك هو الملاحظة التى أوردها الشارح ابن زيد «١٦» ان (التزكى) فى القران الكريم تعنى (الاسلام) الذى يعنى تطهير النفس باسلامها لله ﷾. ويبدو أنه عند التفسير ينحو المفسرون نحو ذلك، لكن هناك اختلافا طفيفا فيما يتعلق بالمعنى الدقيق الذى نتناوله هنا. فكلمة تزكى فى المرحلة المكية (وربما فى بداية المرحلة المدنية) ترد فى النص القرانى بالمعنى نفسه لجذر الكلمة بالعبرية والارامية والسريانية. انها اذن تعنى (التطهر الخلقى) وهى فكرة غامضة وصلت للعقل العربى من خلال تأثيرات يهودية ومسيحية، فى مقابل (التطهر الطقسى) أو (التطهر الشعائرى)، أو (التطهر بممارسة عبادات بعينها ritual purity (الموجود فى العقائد الوثنية العربية، وفى مقابل التطهر المادى) physical كالاستحمام وغسل اليدين.. الخ) . وعادة ما يكون هذا التطهر الخلقى مرتبطا بالحياة الاخرى ويجعل المرء يفكر فى نوعيات هذه الحياة (الروحية أو الخلقية أساسا)، حيث يحظى الانسان بالسعادة الأبدية (بالجزاء الخالد) . ويكاد يكون معنى التطهر الخلقى مساويا لما نقصده
_________________
(١) راجع النص القرانى ٨٧/ ١٤، ٩١/ ٩ وما بعدها.
(٢) تفسير الطبرى، ٧٩/ ١٨.
[ ١٤٧ ]
بالصلاح والاستقامة والتقو، righteousness or uprightness وفى بعض الاحيان- ربما فى أغلب الأحيان- نجد الكلمة أيضا لا تعنى أكثر من أن يتخذ المرء من (الصلاح والتقوى) هدفا له وشعارا فى الحياة.
ان الكلمة- على هذا- وصف لما يمكن مقارنته بأسلوب الحياة الذى اتبعه محمد ﷺ قبل البعثة، مع تركيز على الجوانب الخلقية.
ما تفاصيل ذلك؟ وما المحتوى الخلقى لهذه العقيدة فى شكلها الأصلى؟ اننا لا نجد الكثير مما يساعدنا فى قائمة اسماء المسلمين الأوائل. ونحن نجد توجيهات لمحمد ﷺ (رغم أن هذه التوجيهات قد تكون لغيره)، ففى السورة رقم ٩٠ (البلد) نقرأ:
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) ..) .
وفى السورة رقم ٩٣ (الضحى) نقرأ:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ..) .
لا بد اذن أن نخطو خطوة أخرى، وفيما يلى أمثلة مما ورد فى السور التى أوردها نولدكه باعتبارها نزلت فى المرحلة الأولى، والتى اعتبرها بل Bell أيضا من السور المكية المبكرة أو المكية عامة. وسنوردها كاملة هنا لأنه من الأهمية بمكان أن نصل الى انطباع كامل عن هذه الايات.
السورة الأولى وفقا لترتيب نولدكه التى تعبر عن هذه المعانى الخلقية هى سورة الهمزة (السورة ١٠٤) الايات من ١ الى ٣:
[ ١٤٨ ]
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) ..) .
والنص القرانى التالى، وهو أيضا من أوائل ما نزل من القران الكريم، يمكن أن نجعل له عنوانا هو (الطريقان) «١٧»:
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) ..)
السورة ٩٢ (الليل) .
وتشير السورة ٦٨ (القلم) فى الايات من ١٧ الى ٣٣ الى قصة رجال قرروا جمع ثمار بستانهم فى يوم بعينه دون أن يجعلوا للفقراء نصيبا منه وأصبحوا فلم يجدوا ثمارا واكتشفوا أنهم من الطاغين.
(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) ..) .
_________________
(١) Bell،op.cit. (١٧)
[ ١٤٩ ]
وفى سورة النجم (رقم ٥٣) نقرأ هذه الايات:
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) ..) .
والمعنى نفسه نجده فى سورة العاديات (رقم ١٠):
(إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) ..) .
وفى سورة الفجر (٨٩) نجد تأنيبا للانسان على سلوكه:
(كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) ..) .
وفى سورة الحاقة (٦٩) نقرأ هذا الوصف لرجل كان لا يؤمن باليوم الاخر:
(إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) ..) .
وقد قدمت لنا سورة الذاريات (٥١) - من ناحية أخرى- وصفا للأتقياء كالتالى:
(كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) ..) .
وعلى النحو نفسه نقرأ فى السورة (٧٠) (المعارج) وصفا لمن يدخل جهنم لأنه جامع للثروة بخيل بها:
[ ١٥٠ ]
(كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) ..) .
ان محتوى هذه الايات- بالاضافة لشجب الكفر بالله ورسله ورسالاته- يتصل بالجانب الأخلاقى. ان الايات تشير- ببساطة- الى أنه أمر طيب أن نطعم الفقراء والمحرومين، وانه لأمر سيىء أن نجمع المال لأنفسنا. وأكثر من هذا، ان هذا هو المحتوى الأخلاقى الوحيد للسور التى درسناها (باعتبارها أول ما نزل من القران الكريم) اذا استثنينا من ذلك الاشارة للمطففين (العابثين بالكيل والميزان) * فى سورة المطففين، والاشارة لعدم العفة فى سورة** المعارج، وهذه الايات ربما نزلت فى المرحلة المكية المتأخرة والمدنية على التوالى «١٨» . والاشارة الى قتل الأطفال فى السورة ٨١ (التكوير) وهى مسألة خطيرة وليست عادية أبدا*** تجعلنا أمام حقيقة مثيرة ومربكة، وتعد معضلة ذات أهمية كبيرة لفهم طبيعة الكيرجما القرانية) Quranic Kerygma المقصود خواص المحتوى القرانى) . فالجانب الخلقى (الأخلاقى) المتعلق بالوصايا) decalogue الكلمة الانجليزية المستخدمة تعنى الوصايا العشر) لا وجود لها غالبا، فليس هناك اشارة الى احترام الوالدين واحترام الحياة، والزواج والملكية، والصدق فى الشهادة- فى بواكير ما نزل من القران، كل ما فى الأمر هو النهى عن تمنى أو اشتهاء ما فى أيدى الاخرين، فالقيم الأخلاقية فى أول ما نزل من القران الكريم مرتبطة بالسخاء والبخل.. وهى أمور يمكن أن ينظر اليها الغرب باعتبارها أشياء غير مفروضة أو من قبيل النوافل أو زائدة عما هو مطلوب من الانسان.Supererogation
_________________
(١) * (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) ..) السورة ٨٣ (المطففين) . ** (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) ..) السورة ٧٠ (المعارج) . Bell،op.cit. (١٨) *** (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) ..) .
[ ١٥١ ]
(هـ) مهمة محمد
بعض الايات التى تناولناها لتونا هى بمثابة أوامر موجهة بشكل أساسى لمحمد ﷺ نفسه، لكنها تمتد لتشمل أتباعه أيضا، لكن هناك ايات موجهة له واحده لتحدد مهمته واحده.. وهذه المسألة غير واضحة فى أوائل ما نزل من القران (وفقا للقائمة التى أوردناها فى هذا الفصل)، رغم أن وجودها غير منكور، فمسألة نبوته أو وضعه كنبى ظهرت كمسألة تتمحور حولها الايات بعد ذلك. وفيما يلى نذكر الايات الموجهة للنبى ﷺ ويمكن أن تعنى أيضا أتباعه، وأخرى موجهة له فحسب:
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ..) السورة ٧٤ (المدثر) .
(فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) ..) . السورة ٨٧ (الأعلى) .
وكلمتا (أنذر) و(ذكر) (بشديد الكاف وكسرها) تعنيان بالانجليزية warn و، remind كما نجدهما أيضا فى صيغة اسم الفاعل (نذير) * و(مذكر) (بتشديد الكاف وكسرها) . وكلمة (أنذر) قريبة تماما من الفعل الانجليزى Warn الذى يعنى العمل المنطوى على اخبار شخص بأمر خطير أو مضر أو مرعب ليتخذ الحيطة أو الحذر. واستخدام كلمة (أنذر) فى أوائل ما نزل من القران الكريم يعنى أن فكرة الحساب فى اليوم الاخر كانت موجودة بشكل أو باخر فى الدعوة الاسلامية منذ البداية.
ونظرا لأهمية الحساب فى الآخرة والجزاء فى الدنيا فى أواخر الحقبة المكية، فليس غريبا أن ترد كلمة (نذير) أكثر من أربعين مرة فى القران الكريم، كما وردت كلمة (مذكر) مرة واحدة. وقد قدم لنا لين «١٩» Lane شرحا للاستخدام القرانى لكلمة (ذكر) كالتالى:
_________________
(١) * صيغة مبالغة تعامل معاملة اسم الفاعل «منذر» . Arabic -English Lexicon،S.V. (١٩)
[ ١٥٢ ]
(بذكر الثواب والعقاب، يحذر الله سبحانه ويحث، يحثهم على الطاعة، ويقدم لهم النصائح الطيبة ويذكرهم بنتائج أعمالهم، وبما ينقى القلب ويجعله رقيقا..) ومضمون الكلمة الانجليزية remind يشتمل على أن الشخص المخاطب (بفتح الطاء) يعرف بالفعل شيئا عن الله واليوم الاخر، لكن للكلمة العربية استخدامات أوسع فالمعاجم العربية التى رجع اليها لين Lane توضح أن remind الانجليزية لا تركز على المفاهيم السابقة.
نخلص من هذا الى أن أوائل ما نزل من القران الكريم حدد مهمة محمد ﷺ بلفت نظر الناس الى ما ذكرناه انفا فى الفقرتين (أ) و(ب) .
٣- العلاقة الوثيقة بين الرسالة والأحوال المعاصرة
ما قلناه على سبيل التفسير لهدف ومضمون أوائل ما نزل من القران ينطلق من منطلق معقول جدا، وهو أن الرسالة (الكيرجما (Kerygma كانت مرتبطة على نحو خاص بمكة فى ذلك الوقت.
ومهمتنا الان هى الاجابة عن هذا السؤال: كيف كان ذلك؟ لقد ألقى الفصل الأول الضوء على أوضاع مكة، لكن ما نعلمه من خلال التاريخ التقليدى للعصر الجاهلى، ومن خلال الأشعار أمر مهم لا بد من الحاقه بهذه الدراسة، لندرك تشخيص الأمراض الاجتماعية كما عبرت عنها رسالة القران (الكريم) نفسه. لذا، فمن الملائم أن نناقش التشخيص والعلاج فى الوقت نفسه تحت رؤس أقلام أربعة: الجانب الاجتماعى، والأخلاقى والعقلى والدينى.
(أ) الجانب الاجتماعى
كان الاتجاه العام- كما اتضح فى الفصل الأول- ينحو نحو تفكك التضامن الاجتماعى، ونحو ازدياد النزعة الفردية. ومن بعض الجوانب
[ ١٥٣ ]
كانت التنظيمات القبلية والعشائرية لا تزال قوية، وان كان بعض الناس لم يكونوا يترددون فى غض الطرف عن الروابط العشائرية. وكان هذا هو الوضع فى مكة خاصة، ذلك لأن الحياة التجارية فى مكة قد أسرعت بظهور الفرديه حيث المصالح الماليه والماديه هى أساس المشاركة، مثلها فى ذلك- غالبا- مثل العلاقات القبلية والعشائرية blood relationship.
فجمع الثروات الضخام- وهو ما اشار اليه القران الكريم على أنه الشغل الشاغل لكثير من أهل مكة- يعد علامة على هذه الفردية. والحكاية ذات المعنى الرمزى عن أصحاب الجنة (البستان) التى أشرنا اليها انفا (فى السورة رقم ٦٨/ الاية ١٧ وما بعدها) تمثل عملية تحالف لاحراز الاحتكار فى مجال من المجالات واغلاق فرص النجاح أمام المنافسين، فليس هناك فى الايات ما يشير الى أن هؤلاء الملاك للبستان كانوا من عشيرة واحدة.
وبينما يبدو من غير المعقول أنه كان فى مكة زيادة فى عدد الفقراء ذوى الفقر المدقع، الا أنه من المحتمل أن تكون الفجوة بين الأثرياء والفقراء كانت قد اتسعت فى نصف القرن الأخير، فالقران الكريم يشير الى زيادة الوعى بالفرق بين الأغنياء والفقراء- أو ربما يجب أن نقول: بين الأغنياء من ناحية وغير الأغنياء والفقراء من ناحية أخرى، ومن الواضح أيضا أن الأغنياء لم يكونوا يعبأون بالفقراء وغير ذوى النفوذ، حتى من بين أفراد العشائر التى ينتمون اليها. وربما كانت الاشارة الى الأيتام تفيد أنهم كانوا لا يعاملون معاملة حسنة من أقربائهم الأوصياء عليهم، وفى سورة عبس (رقم ٨٠) صورة لمحمد ﷺ تبين أنه- للحظة- قد جارى العرف السائد فى مراعاة الأثرياء وذوى النفوذ وعدم الاهتمام بالاخرين.
كل هذا لا بد أن يعنى افتقاد روح الجماعة (أو معنى الجماعة (the sense of community فالانسان حيوان اجتماعى يصبح غير سعيد اذا لم يكن له جماعة ينتمى اليها. فالأساس أو المبدأ الجديد الذى أصبح صائدا فى الجماعة هو الذى تجلى فى المصالح المادية لكن هذا لم يكن بديلا مرضيا للعلاقة العشائرية أو القبلية، Kinship by blood لكنه قد يؤدى الى تحالف كبير (كونفدرالية كبيرة) كالتى تكونت لتأليف
[ ١٥٤ ]
حملة لحصار المدينة فى السنة الخامسة للهجرة. لكن هذا التحالف القائم على المصالح كان دائما عرضة للتفسخ، بمجرد أن يحس أن مصالحه متعارضة مع مصالح الجماعة ككل. كما أن مثل هذا التحالف قد يكون مفيدا فى القضايا الكبرى والأعمال التجارية الضخمة والسياسات، لكنه أقل اقناعا فى الحياة اليومية لمن هم أقل شأنا. وفى هذا الجو، اختفى معنى الأمن فى العيش فى أحضان الأقرباء، وبذلك كان هناك فراغ أمنى ظل شاغرا بعد تقطع أواصر القبيلة والعشيرة (فى مكة) .
والايات القرانية الأولى (وفقا للقائمة التى أوردناها فى هذا الفصل) لم تقدم سوى تنبيه للعلاج الحقيقى لهذا الوضع، أعنى أنها ركزت على أن الأساس الجديد للتضامن الاجتماعى انما يكمن فى الدين.
وربما كان التركيز على واجبات الكرم (المقصود الاحسان الى الاخرين) مقصودا به تخفيف حدة المشاكل، فلا بد من تقديم المساعدة المادية للفقراء (رغم أن هذا بلا شك، لم يكن الهدف الأساسى للكلام) ولا بد أن يتوقف النظر للمال كقاسم اجتماعى كبير، فالأثرياء- الى حد ما- لا بد أن يعتبروا أنفسهم (وكلاء (stewards فى ثرواتهم، أكثر من أن يعتبروا أنفسهم مالكين لها ملكية مطلقة. ومبدأ الوكالة هذا Stewardship كما يسميه الغرب فى بعض الأحيان- يعنى أن الانسان الذى حصل ثروة لا يجب أن يستخدمها لسعادته ومتعته فحسب وانما- الى حد ما- لسعادة مجتمعه، هذا المعنى الكامن فى مبدأ (الوكالة) الغربى يظهر واضحا فى سورة المعارج (٧٠):
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) ..) .
فما يأخذه السائل والمحروم حق.recognized right ومن ناحية أخرى لم يحاول الاسلام أن يستعيد النظام القديم المبنى على التضامن القبلى فقد استقر مبدأ وعى الفرد بفرديته، وكان لا بد أن يكون مقبولا، كما كان لا بد من وضعه فى الاعتبار، فقد قدم لنا القران الكريم اليوم الاخر على أنه يوم يحاسب فيه كل فرد عن عمله، وفى السورة ٨٢ (الانفطار):
[ ١٥٥ ]
(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) ..) .
أى أنه فى هذا اليوم لا يكون لأحد سلطة أو نفوذ لنفع الاخر أو ضره. ونقرأ فى السورة ٣٥ (فاطر):
(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ..) .
لكن لا بد أن نذكر أنه فى السور المدنية حيث تكون المجتمع الاسلامى، كان هناك تركيز على مسئولية الفرد تجاه أقربائه:
( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (١٧٧) ..) .
(ب) الجانب الأخلاقى
لا تتناسب مثل المروة البدوية مع المجتمع التجارى، فالقيم التى تؤدى للنجاح فى مثل هذا المجتمع ليست الشجاعة فى القتال والصبر على المكاره، والاصرار على الثأر وحماية الضعيف وصد القوى، وانما قد يكون أول ما تتطلبه بعض الارتباط بأمور القوافل، ثم لن تسير الأمور بعد ذلك فى المسار الخاطئ، لكن اذا ترجم مبدأ (الاصرار على الأخذ بالثأر) ليصبح بمعنى التصدى لارجاع الحق لصاحب الحق، فهناك مسألة وراء ذلك، ليس من المعقول أن يفعل التاجر ذلك، فالنجاح فى مضمار التجارة والمال مرتبط باهمال الضعيف وتوثيق عرى الصداقة مع القوى (نظريا فى حدود المعاملات المستقيمة) . فالفضيلة البدوية المتمثلة فى حفظ الأمانة كانت بالتأكيد أمرا مهما؛ لأن حدا أدنى من الاستقامة فى العمل التجارى يعد أمرا ضروريا لتكوين الثقة التى هى بمثابة شحم
[ ١٥٦ ]
يساعد على ادارة عجلة الأعمال التجارية، وحلف الفضول «٢٠» يبدو أنه كان تنظيما الهدف منه مواجهة ممارسات اتسمت بقلة الذمة وانعدام الضمير. والانشغال بالأعمال المالية الكبرى- مرة أخرى- لا يعنى بالضرورة الكرم، بل قد يعنى العكس مادام رجال المال يحاولون دائما زيادة أرصدتهم المالية (كما يشير القران الكريم)، ومن ناحية أخرى فان الحاجة للاحسان (اعانة الاخرين) فى مدينة مثل مكة ربما كان أمرا مهما كالحاجة اليه فى الصحراء.
فالاعتراف بمثل المروة كان بمفهوم شرف القبيلة وكان- على نحو أقل- بشرف الفرد المنتمى للقبيلة. وكانت قوة الاعتراف بمبدأ شرف القبيلة فى الرأى العام متجذرا، وكان التعبير عن الرأى العام وصياغة قيمه- فى الأساس- مهمة الشعراء. وفى ظروف الصحراء قد نتوقع أن القبائل الأقوى أمثلة مقبولة للمروة، وان هذه القبائل لا بد وأن تكون قادرة على حث الشعراء على مدحها، سواء أكانوا شعراء من داخل القبيلة أم فى خارجها. لكن بزيادة الثروات الضخام فى مكة- يظهر أن الرأى العام لم يعد يوضع فى الاعتبار كثيرا، حتى بالنسبة للرأى العام لدى العرب عموما. فالثروة قادرة دوما على شراء مديح الشعراء عند الضرورة، لكن الانطباع الذى يخرج به المرء هو أن ذلك لم يكن ضروريا (ليس هناك مبرر لدفع الأموال طلبا لمدح الشعراء)، فلم يكن أهل مكة يقيمون وزنا كبيرا للشعر. وربما كان تشعب سلطة أثرياء مكة عظيما منتشرا مما دفع الى استحسان أفعالهم (أو على الأقل الى الكف عن نقدهم)، رغم أن مدحهم لم يكن أمرا يتسم بالصدق.
ما ذكرناه لتونا هو فى جزء منه استنتاج من الحقيقة التى مؤداها أن أفعال الكرم التى أشار القران الكريم الى أنها كانت تنقص أهل مكة، كانت أفعالا ينظر اليها البدو باعتبارها شيئا جديرا بالاحترام. ففضيلة الكرم- التى هى نقيضة للشح أو البخل- كانت جزا من المثل العليا العربية القديمة. فكما ذكر لامانس Lammens أنه «من بين أفكار
_________________
(١) انظر الفصل الأول/ الفقرة (٢) .
[ ١٥٧ ]
البدو.. أن الثرى (صاحب الثروة) يبدو لهم ببساطة كمستودع للثروة (حافظ لها أو أمين عليها (depositaire انه واضع يد بشكل مؤقت على ثروته، وأن مهمته هى توزيعا عند الضرورة على أفراد قبيلته.. انها وسيلته لاظهار كرمه وفداء الأسرى ودفع ثمن المديح الذى يقدمه الشعراء «٢١»» .
وقد يكون هذا القول عرضة للنقد على أساس أنه يغافل ذكر أن وضعية سيد القبيلة أو شيخها داخل القبيلة تتيح له فرصا لزيادة ثروته.
وتركيز القران الكريم على الاحسان والصدقة.. الخ يعنى أن قيم الكرم كانت قد انهارت فى مكة، أولم يعترف بها كقيم مهمة، فقد كان سلوك أثرياء مكة من النوع الذى كان يعتبره أهل الصحراء سلوكا غير شريف، لكن لم يكن هناك فى مجتمع مكة ما يجعلهم يشعرون بالخجل منه (لأنه هو الطابع العام للسلوك فى مكة) لقد كانت المثل العليا القديمة قد أصبحت مهجورة تماما.
وكانت استجابة القران الكريم لهذا الوضع ذات أبعاد مختلفة.
فبتركيزه على السخاء والكرم (المقصود الصدقة والزكاة..) انما يحيى جانبا من جوانب المثل القديمة عند العرب، ولا يا بنى من فراغ وانما يا بنى على قواعد أو أسس كانت موجودة بالفعل فى الروح العربية.
وأكثر من هذا، فقد كانت روح السماحة والكرم ذات صلة بالظروف فى مكة (المقصود أن الاشارة اليها تثير أمورا ذوات صلة بالأوضاع فى مكة) . وفى الوقت نفسه، فان القران الكريم ربط بين روح السماحة والكرم (المقصود الزكاة والصدقات الخ) بالثواب والعقاب فى الحياة الاخرى. فالبخلاء الممسكون سيلقون عذابا أبديا. ولم يكن لهذا تأثير بطبيعة الحال اذا لم يكن الناس مؤمنين باليوم الاخر، لكن الى حد ما- كان هناك شىء ما قد تم افرازه كان قادرا على سد الفجوة الناشئة عن انهيار الوازع القديم، وظهور وازع جديد مختلف فى مجتمع الفردية.an individualistic Society
_________________
(١) Berceau،٢٥٣،cf. ٢١١،٢٣٩. (٢١)
[ ١٥٨ ]
وعلى أية حال، فالمسألة لم تكن بسيطة، انها ليست مجرد احياء للمثل البدوية القديمة وانما كانت انتاجا لمثل عليا أخلاقية جديدة تتناسب وحاجات الحياة المستقرة. فكان انقاذ ما يمكن انقاذه جزا من المهمة لكنه أصغر أجزائها. فكثير مما هو جديد سيكون مطلوبا أيضا، وقد تناول القران الكريم هذا الجزء الأكبر فى بواكير ما نزل منه بتمهيد الطريق لايجاد قيم أخلاقية جديدة، أعنى أوامر الله ورسوله التى عن طريقها ستصل هذه القيم الجديدة. وقد وجه القران الكريم أوامره فى شكل مبادئ أو قيم عامة، دون التعرض للتفاصيل: وكون هذه القيم الجديدة التى يبثها القران الكريم ما هى الا أوامر من الله سبحانه، فان ذلك يشكل وازعا جديدا للالتزام بها، هذا الوازع الذى ارتبط بالحساب فى اليوم الاخر، لقد حل هذا الوازع فى بعض الحالات محل أى وازع قديم.
وصعوبة هذه المهمة الجديدة تتضح بالنظر الى القدر فى مفهوم (التزكى) . فالمعنى الأصلى للتزكى- فيما يبدو- قريب من معنى الصلاح والتقوى، وربما انطبق معنى الكلمة على الانسان الذى يؤمن بالمبدأ الذى مؤداه أن قدر الانسان النهائى أو مصيره النهائى معتمد على القيم الأخلاقية التى يطبقها فى حياته. وعلى أية حال، فان هذا المفهوم لم يكن مفهوما عربيا محليا، وبدأ بالتدريج يختفى من القران الكريم (المقصود أنه ورد فى أوائل ما نزل من القران ولم ينزل فى أواخر ما نزل منه) وحلت محله فكرة اسلام الوجه لله أو التسليم بقضاء الله وقدره.
وحتى اذا كان هناك تركيز شديد على الجانب الأخلاقى للتزكى بالقول ان هذه الكلمة تعنى الصلاح والتقوى، فان اهمالها (عدم نزولها بعد ذلك) يعد مثالا على الصعوبة الكامنة فى ايجاد مفاهيم جديدة يمكن أن تتجذر بنجاح وتلتحم بعمق فى القيم المحلية (العربية) عميقة الجذور.
(ج) الجانب العقلى
الجوانب العقلية للمسائل التى واجهت العرب أيام محمد ﷺ أقل أهمية، لكن لا ينبغى اهمالها تماما، فهناك نقطتان مهمتان يجب وضعهما فى الاعتبار.
[ ١٥٩ ]
الأولى أن أهل مكة كانوا على وعى كامل بقدرات الانسان لكنهم نسوا خلق الانسان (بفتح الخاء)، وكانت النظرة البدوية على وعى كبير أيضا بقوة الانسان، لكنها نظرة خفف من غلوائها اعتقادهم فى القضاء والقدر، واذا تناولنا التراث الاسلامى باعتباره دالا بعض الشىء على النظرة الجاهلية «٢٢» (النظرات التى كان سائدة قبل ظهوره- أى الاسلام)، فهناك أربعة أمور خارج سيطرة الانسان: الرزق، وساعة الوفاة، والسعادة والشقاء (فى الحياة الدنيا)، وجنس المولود (ذكر أم أنثى)، وخارج هذا فللانسان أن يفعل ما يشاء، ان فى استطاعته أن يمارس كل ما تنطوى عليه كلمة (المروة) خارج هذه الأمور الأربعة التى لا يد له فيها وسواء تصرف وفقا لما تقتضيه مبادئ المروة أم لا، فان هذا يتوقف عليه هو (على الشخص نفسه)، وعلى ميراثه (من أجداده)، وان كان هذا العنصر الأخير غير محدد بما فيه الكفاية كما أنه مرتبط بما لا دخل للانسان فيه. وعلى أية حال، فهذه الحدود للقدرة البشرية التى اعترف بها البدو لم تكن واضحة تماما فى مكة، فالقوة المالية يمكنها أن تعوض كثيرا مما يترتب على نقص المطر، والمجاعة يمكن معالجة نتائجها بالاستيراد. ومرة أخرى، فقد كان من اليسير طوال جيل أو جيلين اعتبار امتلاك ثروة كبيرة أمرا مرتبطا بالسعادة، بل قد تبدو الثروة قادرة على مد أجل الانسان، وهكذا كانت هناك مبالغة فى تقدير قدرة الانسان وسلطانه وطغيانها على الحياة العقلية فى مكة.
والنقطة الثانية المهمة لا تبعد عن النقطة الأولى التى ذكرناها لتونا بل انها شديدة الارتباط بها، فحقيقة أن زعماء مكة- الذين كان فى حوزتهم أكبر قدر من السلطة السياسية- لم يكونوا أمثلة بارزة للمروة، ولا بد أن هذا قد أثار شكوكا عقلية لدى المفكرين فى ذلك العصر- شكوكا حول جوهر المروة كقيمة، وربما أيضا أثار شكوكا حول أثر الوراثة فى انتقال المروة أو على الأقل القدرة على تحمل قدر كبير منها. ومثل هذه الأفكار تقوض الأساس النظرى للتضامن القبلى وتشجع التطور نحو الفردية.
_________________
(١) انظر الفصل الأول، الفقرة (٤) .
[ ١٦٠ ]
وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، فان أوائل ما نزل من القران الكريم لا يشير اليها الا قليلا غير أنه ربط بين بعض جوانب المروة- خاصة الكرم- وثواب الله سبحانه فى الآخرة. وهناك ما يمكن قوله عن مسألة القضاء والقدر فقد كان الوثنيون ينسبونها للزمن أو (الدهر)، بينما نسبها الاسلام لله سبحانه. وقدرة الله سبحانه وكونه خيرا تتجلى فى انباته للنبات الذى هو رزق، والله سبحانه هو الذى خلق الانسان، وجعله ذكرا أو أنثى، والله هو الذى يميت ويحيى، وفى الآخرة فانه سبحانه هو الذى يهب الانسان سعادة أبدية أو يزج به فى عذاب دائم.
(د) الجوانب الدينية
الجوانب الدينية لقضايا مكة قبل الاسلام مرتبطة بقضايا حياتهم، بمعنى أنه من خلالها يجدون معنى للحياة وأهمية لها. لقد وجد الدين البدوى القديم معنى للحياة فى الشرف، وبدرجة أقل فى فكرة استمرار القبيلة، فالقبيلة هى تجسد للشرف- وكانت الفكرة عن القبيلة هى الأكثر قابلية للتطبيق. وهذا الاتجاه الدينى القديم كان قد تحطم فى مكة بسبب تطور الاتجاه الفردى وازدياده وبسبب ضعف الرأى العام وقلة أهميته كأساس لاحراز الشرف، وبسبب عدم كفاية فكرة المروة التى كانت أساسا للشرف. وفى مكة، لم يكن هناك مثل أعلى جديد، فقد حلت فكرة التفوق بالاستحواذ على الثروة بدلا من الشرف، ونتج عن هذا مجموعة قيم أخرى مرتبطة بها. وكانت هذه الأفكار تمثل مثلا (بضم الميم والثاء) ودينا ربما لم يكن يرضى الا قلة من الناس وعلى امتداد جيل أو جيلين، فلم يكن ذلك يرضى مجتمعا كبيرا على المدى الطويل. فالناس سرعان ما يدركون أن هناك أشياء لا يمكن شراؤها بالمال. وفى أفضل الأحوال فانهم يستطيعون- فقط- أن يجدوا معنى وأهمية فى كونهم أثرياء، ان هم غضوا الطرف عن حقائق أخرى غير سارة كالمرض والموت خاصة الموت المبكر. ففى أى مجتمع مهما كان حجمه توجد أمور غير سارة تتج؟؟؟ ع لتقتحم عنوة حياته، خاصة حياة الأثرياء منهم، هذا اذا نحينا الفقراء الذين يجدون صعوبة فى نسيان أنهم أقل حظا من الناحية المالية. ان
[ ١٦١ ]
الاضطراب العائد الى عدم كفاية هذا الدين (دين عبادة المال) ربما شعر به بشكل حاد متوسطو الثروة (غير الأثرياء جدا)، فهؤلاء كان لديهم من الوقت كى يتأملوا وكى يكونوا على بعض الوعى بحدود ما يقدر عليه المال، أو بتعبير اخر قصور سلطان المال.
ويشير القران الكريم فى أوائل ما نزل منه الى ثقة قريش المفرطة فى المال باعتبارها خطيئة حاقت بها، واعتبر- أى القران الكريم- ذلك واحده كافيا للادانة. فالثقة فى الثروة تجر وراءها المبالغة فى الثقة بالنفس وتجر الانسان الى نسيان اعتماده على الله، أو حتى انكار ذلك.
ولكى يذكر القران الكريم الانسان أنه مخلوق، فقد جعله يتحقق من أن كثيرا من الأشياء التى تسبب له السعادة- بما فيها المال- انما هى فى الحقيقة ملك لله تعالى، فتحدث القران الكريم عن خلق الله للانسان وتزويده بكل ما يجعل السعادة فى الحياة أمرا ممكنا، وذكر الانسان بأنه سيعود الى الله فالى الله المصير. لقد حض القران الكريم على شكر الله وعبادته والاعتراف بفضله والاعتماد عليه، وأن يتخلى الانسان عن الاعتماد المبالغ فيه على الثروة، وكان ذكر اليوم الاخر بمثابة تحذير للانسان من أن مصيره النهائى بين يدى الله وليس بين أيدى البشر.
وفى مقابل كل هذا لا بد أن نحاول فهم التركيز على قيم الكرم، فمثل هذه القيم لها أثرها الاجتماعى والاقتصادى لكن يكاد يكون مؤكدا أنها لم تكن أهم جوانبها. لقد كان ذكرها بمثابة اعادة تأكيد على قيم (المروة)، وكان هذا أمرا مهما، لكن كانت هناك أمور أخرى أيضا. لقد كانت هناك ممارسات عملية بمعزل عن الثروة، وكان هناك تعبير خارجى عن هذا الاتجاه الجديد الداخلى (العميق) لا بد من وجوده لتقوية الفكرة الكامنة وراءه.. لكن من المؤكد أنه بمرور الوقت، فان هذه الأفعال المتعلقة بالكرم أصبحت مرتبطة بشىء ما راسخ وعميق الجذور فى قلب العربى. لقد أصبحت أفعال الكرم (المقصود الصدقات والزكاة..
الخ) كنوع من التضحية (تقديم الأضحيات)، لاسترضاء القوى الأقدر لاتقاء غضبها وكسب رضاها. انها استمرار لما كان يفعله اباؤهم وأجدادهم
[ ١٦٢ ]
الوثنيون من تقديم أضحيات للالهة الوثنية. انه من الصعب أن نقول الى أى حد كانت هذه الفكرة ماثلة فى عقول المسلمين الأوائل، لكن يمكن القول بصعوبة انها كانت حاضرة فى الوعى، اذا نظرنا للتطورات التى حدثت بعد ذلك والتى شجع عليها القران الكريم، واذا كان الأمر كذلك فان أفعال الكرم هذه (زكاة وصدقات.. الخ) التى تحض على تقديم أضحيات كان لها مكان عميق فى قلوب المسلمين الأوائل، ولا بد أنها أصبحت تعبيرا أكثر تقدما على اعتماد الانسان على قوى عليا (المقصود على الله سبحانه) .
أما والأمر كذلك، فان التعاليم الظاهرة فى أول ما نزل من القران الكريم تبلغ ذروتها فى بيان قوة الله سبحانه وكونه خيرا، وكونه خالقا عادلا، وفى حث الانسان على الاعتراف بذلك والتعبير عن اعتماده على الله سبحانه.
٤- مزيد من التأمل
(أ) الظروف الاقتصادية والدين
تشخيص الأوضاع فى مكة كما قدمها لنا القران الكريم تشير الى أن الاضطرابات والمشاكل القائمة وقت نزوله كانت- فى الأساس- دينية. وقد افترضنا فيما ذكرناه انفا أن ظهور الاسلام كان- على نحو ما- مرتبطا بالتغير من حياة البداوة الى الاقتصاد التجارى.mercantile economy أهناك تعارض بين المنظورين؟ أم يمكن التوفيق بينهما؟
ان السؤال يثير قضايا أساسية، لكن من منطلق عقيدة التوحيد والايمان بوجود الله Theism لا بد من التعرض للنقاط التالية:
التغير الاقتصادى لم يحدث فى فراغ، وانما فى مجتمع له بالفعل تكوينه الاجتماعى والأخلاقى والعقلى والدينى. وأمراضه أو علله راجعة للتشابك أو التداخل الناتج عن هذا التغير، بالاضافة الى أسباب أخرى سابقة عليه
[ ١٦٣ ]
(أى سابقة على هذا التغير) وبتعبير اخر، فان هذه الاضطرابات وتلك العلل، ما هى الا نتيجة فشل الانسان فى التكيف مع التغيرات الاقتصادية بسبب اتجاهات معينة ظل محتفظا بها من فترة ما قبل التغير.
لقد أدت الظروف الاقتصادية الجديدة الى زيادة ثقة الانسان فى نفسه دون يعى أنه مخلوق، وأدت الى زيادة الفردية دون أن يعى ضرورة المثل الأخلاقية العليا يوازن بها طموحه الفردى، وبدون نظرة دينية جديدة تعطى الفردية معناها.
فالمسألة اذن هى اعادة تكييف الانسان مع الظروف الاقتصادية المتغيرة، وهذا يتطلب التعاون الواعى بين البشر، وما أتى به القران الكريم يفترض أنه أعطاهم تحليلا للموقف سيجعلهم يعيدون تكييف أنفسهم فى ضوئه. ويقدم لنا القران الكريم تحليلا للموقف غير مفصل لكنه كاف للأغراض العملية كما أنه بمثابة دليل للعمل. لقد كان المظهر الذى سرعان ما ظهر نتيجة هذه الاضطرابات الاجتماعية وعدم التكيف هو الانانية التى اتصف بها البعض، والتى أدت بهم الى استغلال الظروف الجديدة لتحسين أوضاعهم على حساب رفاقهم وانتكسوا فراحوا يفخرون بفدراتهم البشرية وفشلوا فى التعرف على الله سبحانه. ان القران الكريم يذكر الانسان أن هناك عوامل أخرى أهملها أو أنكرها وهى أنه فى غدوه ورواحه معتمد على قوة أعلى منه، وأن هناك موتا وحياة أخرى فيها حساب، أو ان أردنا التعبير بطريقة مختلفة راح القران الكريم يذكرهم بوجود محيط زاخر بالمعانى والأهمية فيما وراء الزمان والمكان.
لقد صور القران الكريم علل العصر باعتبارها راجعة فى الأساس لأسباب دينية رغم تياراتها الكامنة ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وبالتالى فان علاجها لا يمكن الا بوسائل- فى الأساس- دينية. واذا نظرنا الى نجاح جهود محمد ﷺ، فلا بد أن نحكم بأنه رجل جسور لأنه ناقش حكمة القران.
(ب) أصالة القران الكريم
يجب- فى رأيى- أن ننظر للمحتوى القرانى على أنه عامل خلاق طرأ على الموقف فى مكة (المترجم: الكاتب يتحدث عن أوائل ما نزل
[ ١٦٤ ]
من القران الكريم)، مهما كانت نظرتنا نحن الأوربيين اليه من الناحية اللاهوتية. لقد حل بالتأكيد مشكلات ولقد قضى على توتر كان البعض يسعى للتخلص منه، لكنه من المستحيل أن ننتقل من هذه المشاكل أو القضايا أو التوترات الى المحتوى القرانى (العقيدة القرانية (Kerygma ونحن غير مسلحين سوى بالتفكير المنطقى والاستدلال العقلى. فمن وجهة نظر العلمانيين الأوربيين (الذين لا يضعون العوامل الدينية أو الغيبية فى اعتبارهم عند تحليل مثل هذه الموضوعات)، ربما أمكن القول أن محمدا ﷺ عندما كان يسمع من مصادر معتادة أفكارا بعينها، فانه كان يتحقق أنها حل للمشكلات التى يواجهها، ومن خلال التجربة والخطأ استطاع بالتدريج أن يا بنى نظاما. لكن حتى من خلال هذه النظرة العلمانية لا يمكن شرح مسار الحوادث بطريقة مقنعة. لقد حل القران الكريم مشاكل اجتماعية وأخلاقية وعقلية، لكن ليس دفعة واحدة وانما على مراحل وبتدرج غير محسوس. قد يقول العلمانيون انه لمن محض الصدفة ولأسباب ثانوية أن محمدا راح يتردد عبر الأفكار التى اعتقد أن فيها حل المشاكل الأساسية فى عصره، وأن ذلك ليس أمرا بعيدا عن المعقولية.
ان هذا القول لا هو مبنى على الملاحظة والمشاهدة والتجربة حتى نقول انه تفكير علمى، ولا هو تفكير صارم أو دقيق بما فيه الكفاية بحيث نقول انه ينطبق على المحتوى (الكيرجما) القرانى. ان المؤكد أن محمدا ﷺ لم يدخل فى مسألة التحليل المجرد للوضع القائم كما نفعل نحن هنا.
وبالنسبة للعلمانيين، فان أفضل وصف هو (الحدس) أو (البديهة) مع خيال خلاق، أو شىء كهذا. وانى أحاول أن أقف على الحياد بين رأى هؤلاء العلمانيين من ناحية وما يقوله المسلمون من أن هناك عاملا الهيا، أو سببا الهيا لتفسير الأحداث.Divine irruption
وعلى أية حال، فان هذا العامل لم يكن منفصلا عن الوسط الذى ظهر فيه. فكما اتضح من الفقرات السابقة، لقد كان متلائما مع ظروف مكة حوالى سنة ٦١٠ للميلاد فلم يكن الوحى باللغة العربية فحسب، لكنه أيضا كان فى كثير من جوانبه عربيا فى تكوينه رغم أنه نص لا يوجد نص فى الأدب العربى يشبهه تماما. وفوق كل هذا، فقد صيغ الوحى فى
[ ١٦٥ ]
مصطلحات تعبر عن المفاهيم والصيغ الفكرية للعرب المعاصرين ونظرة أهل مكة. فمن غير العربى يختار الجمل دون غيره من مخلوقات الله للدلالة على عظمة الله سبحانه «٢٤»؟ والصفات الاخرى التى يشير بها القران لقدرة الله سبحانه هى- بلا شك- متناسبة مع العرب خاصة. وأفعال الكرم التى يحث القران الكريم عليها تتمشى مع المثل البدوية القديمة.
أنه لامر بديهى أن يبدأ أى مصلح بمخاطبة الناس كما هم (واضعا فى اعتباره أفكارهم الموجودة فعلا) . ويمكن شرح ذلك بطريقه سلبيه اذا اعتبرنا انه لم يكن هناك نقد للربا فى السور المكية. فاذا كان النظام المالى الذى تطور فى مكة هو المصدر الأساسى للمتاعب، فلم لم يكن هناك نقد للربا فى أوائل ما نزل من القران الكريم؟ (فى الكيرجما القرانية كما ظهرت فى الايات والسور الأولى) . لكن حتى لو سلمنا بصحة اسم الشرط فى الجملة السابقة (كون الظروف الاقتصادية هى المصدر الأساسى للمتاعب)، فكيف نتجنب السؤالين التاليين: كيف كان يمكن نقد نظام الربا؟ وكيف كان يمكن تمرير «نقد نظام الربا» الى أهل مكة؟ اننا لن نعدم عندئذ أن يقول قائل ان الربا ليس شيئا سيئا، لأنه لم يكن هناك مفهوم مجرد لما هو (صحيح) وما هو (خطأ) فى الاستشراف العربى (الاستشراف نوع من توقع نتائج أمر ما) . فقد كان الأقرب الى فهمهم هو (الشرف) و(ما يتنافى مع الشرف)، لكن مفهوم الشرف ونقيضه كانا مرتبطين بالمثل الأخلاقية التقليدية، ووفقا لهذه المثل فلا شىء يعاب فى الربا فى حد ذاته، أو بتعبير اخر قد يرى أهل مكة فى هذه المرحلة المبكرة من الدعوة أن الربا لا يتعارض مع الشرف بمفهومهم التقليدى له، وحتى اذا كان الشرف بمفهومه التقليدى ما زال قائما، فقد كان قد فقد كثيرا من قوته فى مكة. فلم تكن هناك قاعدة- اذن- فى الاستشراف المكى لقبول فكرة نقد الربا فى هذه الفترة المبكرة. ولم توجد هذه القاعدة الا عندما تم تكوين المجتمع الاسلامى الجديد القائم على أوامر الله سبحانه ثم تجلت فى القران الكريم، فعندها كان يمكن أن يكون الأمر الالهى (لا ربا) أساسا من أسس هذا المجتمع، وحتى عندما تم تطبيق
_________________
(١) القران الكريم ٨٨/ ١٧.
[ ١٦٦ ]
هذا الأمر فى المدينة فقد كان موجها أساسا ضد اليهود «٢٥» *. هذا التركيز على الاستمرار أو التواصل بين القران الكريم، والاستشراف العربى القديم، قد يبدو متناقضا مع ما ذكره جولدتسيهر، Goldziher فى الفصل الأول من كتابه الشهير Muhammedanische Studien والذى تناول فيه (المروة) و(الدين) مع أنه ليس لدينا ما ندفع به ضد كتابات جولدتسيهر. الا أن التناقض- على أية حال- ليس كاملا. ان هناك بعض التناقض بين ما دعا اليه محمد ﷺ على أسس قرانية من ناحية والتراث العربى القديم- بشكل واضح. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت هناك معارضة عنيفة له. وعلى أية حال، فان المرء بوسعه أن يميز بين الدين من ناحية والجوانب الأخلاقية المستقيمة فى المروة. فالجانب الدينى- هو ما أطلق عليه عادة النزعة الانسانية -humanism يتكون من الثقة فى الانسان وانجازاته وفى الاعتقاد فى أن معنى الحياة يتجلى فى الامتياز الانسانى، وهذا ما هاجمه القران الكريم بوضوح وبلا شك. أما الجوانب الأخلاقية الخالصة (التى أضعها فى اعتبارى عادة عند الحديث عن المروة)، فهى مثل أخلاقية تشمل الشجاعة والصبر والكرم والاخلاص وما الى ذلك، فهذه لم يهاجمها القران الكريم، بل لقد انتقد أهل مكة لأنهم لم يضعوها فى اعتبارهم.
وعندما يمعن القارىء فى الفصل الذى كتبه جولدتسيهر. فانه يكتشف جوانب ضعف مختلفة. فبيانه عن التناقض بين المروة والدين يتضمن ثلاثة أمور: ففى مواجهة الأخذ بالثأر دعا محمد الى الصفح والغفران، ووضع الاسلام قيودا على الحرية الشخصية خاصة فيما يتعلق بالخمر والنساء، وفرض الاسلام الصلاة وهى بالتأكيد تتضمن توجها يتناقض بعمق مع حب البدو للاستقلال. ولا خلاف حول هذا الأمر الأخير، فهو الجانب الدينى للمروة. وعلى أية حال، فالتوضيحات الاخرى
_________________
(١) Muhammad at Medina،٢٩٦ f. (٢٥) * هذا التخصيص بجعل تحريم الربا موجها لليهود تخصيص لا دليل عليه، فالربا هوجم فى القران الكريم بوجه عام. قال تعالى: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا» (البقرة ٢٧٦) وكان العباس عم الرسول يعمل بالربا- (المراجع) .
[ ١٦٧ ]
غير مرضيه. فالتغييرات المتعلقة بالزواج وشرب الخمر، ربما لا تكون راجعه الى عوامل اسلاميه وانما الى الاختلاف بين حياة البادية وحياة الاستقرار، بينما تعاليم العفو عن الأعداء التى ذكرها جولدتسيهر فى أفضل أوجهها تشير الى العفو عن الأقرباء المقربين. أما العفو عن الاخرين فى نطاق المجتمع الاسلامى فتشير اليه ايات أخرى*. ومن قبيل الموازنة مع الاتجاهات العربية القديمة، فان على المرء أن يعتبر من هو خارج الجماعة الاسلامية عدوا مادام المجتمع الاسلامى قد حل محل القبيلة أو العشيرة كواحدة اجتماعية. وعلى هذا، فمن الناحية الأخلاقية الصرفة نجد أن فكرة الانفصال العميق العريض بين الاسلام والجاهلية هى فكرة ضعيفة.
وأخيرا، هناك قضية العلاقة بين القران الكريم والمفاهيم اليهودية المسيحية. دعنا نحاول أن نضع هذا السؤال فى منظور صحيح.
القران الكريم عامل فعال فى حياة أهل مكة. ولكى نناقش (المصادر) فان هذه مسألة تشبه الى حد ما مناقشة (مصادر) هاملت التى ألفها شكسبير.
سنجد فى غالب الأحوال أن (مصادر) هاملت هى حيث حصل شكسبير على بعض خصائص مسرحيته. ان هذه المصادر لا تشرح لنا أصالة شكسبير الابداعية، كما أنها لا تزيل الشكوك حولها ان كانت قائمة. وحتى اذا لم يكن هذا التناظر مقبولا من كل جوانبه لأن المناظرة أو الموازنة لا بد أن تكون عن علاقة المصادر بعمل من تأليف محمد ﷺ، ولم يكن القران الكريم فى رأى المسلمين من انتاج محمد ﷺ وعلى هذا لا بد من استبعاد هذه الفكرة. فاذا صدقنا محمدا ﷺ، فان القران الكريم ليس نتاج عقله الواعى، وفى هذه الحالة من الأفضل أن يربط بين القران الكريم وعقول الذين يخاطبهم، ونعنى بهم محمدا ﷺ نفسه والمسلمين الأوائل وأهل مكة عامة. وفى هذا السياق يمكن للمرء أن يسأل: الى أى مدى كانت الأفكار القرانية المناظرة للأفكار اليهودية المسيحية- كانت بمثابة اشارات لأفكار كانت حاضرة بالفعل فى عقول الناس قبل أن تصلهم رسالة القران؟ ان السؤال على هذا النحو يتيح للدارس الغربى
_________________
(١) * أشار المؤلف للاية ١٢٨/ ٣ والاية ٢٣/ ٢٤ ولا علاقة لهما بالسياق، فهناك اذن خطأ لعله مطبعى فى النص الانجليزى- (المترجم) .
[ ١٦٨ ]
المهتم بموضوع (المصادر) أن يناقش بشكل عملى كل النقاط التى يريد مناقشتها دون أن يكون معارضا للعقيدة الاسلامية. وسيكون من الملائم أن نتعامل على حدة مع كل من العنصرين التاليين: (١) الأفكار الأساسية و(٢) المادة التوضيحية والافكار الثانوية.
ففى مجال الأفكار الأساسية، كفكرة الله (سبحانه) ويوم الحساب، فان القران الكريم نفسه (وكذلك الباحثين الغربيين) يشير الى أن الأفكار القرانية فى هذا الصدد متشابهة الى حد كبير مع أفكار اليهودية والمسيحية. ألا يعنى هذا أن القران الكريم غير أصيل وأنه لا يمثل عاملا خلاقا؟ الحق أن هذا القول غير صحيح بالمرة. فهذا التماثل identity يرجع الى أن الذين خاطبهم القران (الكريم) بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، كان بعضهم متالفا بالفعل مع هذه الأفكار عن الله سبحانه ويوم الحساب، لكن ربما لم تكن على درجه كافية من الوضوح. لقد بدأ القران هنا بالتعامل مع الناس كما هم أى بالأفكار التى كانت لديهم بالفعل، فلم يكن أى يهودى أو مسيحيي يتكلم العربية بقادر على احراز النجاح الذى حققه محمد ﷺ، لو وقف بين أهل مكة وراح يكرر الافكار اليهودية والمسيحية. لقد كان سيبدو غريبا بينهم، أما القران الكريم فقد خاطبهم عن الأفكار اليهودية المسيحية على نسق التفكير العربى وبفكر كان بالفعل حاضرا فى عقول المتنورين منهم. ان أصالة القران الكريم تظهر فى أنه قدم لهم مزيدا من التفاصيل عن أفكار كانت موجودة عندهم، وكذلك مزيدا من الدقة والتحديد، كما قدم لهم ما جعلهم يركزون على شخصية محمد ﷺ ومهمته كرسول لله سبحانه، وكانت فكرة الوحى والنبوة بالتأكيد أفكارا يهودية مسيحية، فأن نقول ان الله سبحانه يوحى كلماته من خلال محمد ﷺ ليس- على أية حال- الا مجرد تكرار لما حدث فى الماضى، لكنه جزء من عامل فعال.
ويتعرض أوائل ما نزل من السور والتى ناقشناها انفا- بشكل جوهرى- للأفكار الأساسية للعقيدة الاسلامية، وليس من أحد من متنورى العصر بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، الا ولديه فكرة عنها. وتصبح القضية أصعب اذا تناولنا المادة التوضيحية التى استخدمها القران الكريم مثل
[ ١٦٩ ]
قصص الأنبياء. فما أورده القران من قصص للأنبياء قريب مما ورد فى المصادر اليهوديه والمسيحيه- عادة ليس من الأسفار المعتمدة فى العهدين القديم والجديد، وانما من الاعمال المنسوبة الى الربيين (الاحبار)، ومن الكتابات الابوكريفية الملحقة بالعهد الجديد. ففى مثل هذه الحالات يجد الباحثون الغربيون صعوبة فى مقاومة الاغراء فى أن يصلوا الى نتيجة مؤداها أن القران الكريم من عمل محمد ﷺ وأنه ﷺ يكرر القصص التى سبق أن سمعها. لكن المسلمين لهم وجهة نظر أخرى.
عندما قبل المسلمون الاوائل محمدا ﷺ كنبى أصبحوا مهتمين بأخبار الأنبياء السابقين، وكذلك كان محمد ﷺ مهتما مثلهم وراحوا يبحثون عن أخبارهم بقدر استطاعتهم. وبالتالى، فقد ازداد رصيدهم من المعلومات بالتدريج، وقد انعكس هذا فى القران. وبعض ايات القران نفسه تشير الى أن المادة التوضيحية (قصص الأنبياء) كانت معروفة:
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) ..)
الاية ١٧/ السورة ٨٥ (البروج) .
وفى الوقت نفسه، فهناك اية أخرى تشير الى أنه ليس كل التفاصيل كانت معروفة حتى لمحمد ﷺ نفسه:
(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ) الاية ٤٤/ السورة ٣ (ال عمران) .
وعلى أية حال، فهنا يجب أن نتذكر أن الفصل بين الحقيقة المجردة من ناحية ودلالاتها من ناحية أخرى، وهو ما يأخذ به مفكرو الغرب، ليس أمرا واضحا تماما فى الشرق. ربما كان محمد ﷺ قد عرف الحقائق المجردة فى سور وايات تشير الى قصص مريم وعيسى وزكريا ويوحنا (﵈) . وكان محمد ﷺ يعلم بالفعل عنهم شيئا، لكنه ربما لم يكن يدرك معنى الحقائق المجردة وأنه كان مطلوبا أن يعلم مزيدا من المعلومات عنها (أى عن دلالات هذه القصص) . ان المهمة الأساسية لهذه القصص-
[ ١٧٠ ]
وفقا لمصطلحات الباحثين الغربيين- هى تحويل معناها لا مجرد الاخبار بحقائقها المجردة، لكن فى الشرق العربى حيث لا يهتم الناس بهذا الفصل بين الحقيقة ومعناها، كان يكفى أن يسميها القران الكريم (أنباء)، أى أخبار أو معلومات.information
هذا ما يمكن أن نتصور أن يقوله المسلم وهو يحاول اقناع الغربى الذى لم يقتنع بمعجزة أن القران أصلى وليس مجرد تكرار. وما أورده المسلمون من تفسير ربما كان أفضل كثيرا مما اعتاد الغربيون ترديده.
وعلى أية حال، فان هذه المسألة مسألة (لاهوتية) أو (دينية) أكثر منها تاريخية. كل ما يهم المؤرخ هو أن يلاحظ أن هناك شيئا ما أصيلا فى الاستخدام القرانى لقصص الأنبياء، وفى اختياره للنقاط التى يركز عليها.
[ ١٧١ ]