١- نسب محمد ﷺ
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب الخ. وكان قصى- كما رأينا- هو حاكم مكة القوى فى زمانه وورثت عنه سلالته كثيرا من سلطته، الا أن السلطة تقسمت بينهم- شيئا فشيئا- كلما تزايد عددهم. والسؤال الأساسى المتعلق بحياة محمد ﷺ هو ما اذا كان اباؤه وأجداده على هذا القدر من الأهمية فى سياسة مكة كما تشير المصادر، أم أن هذه الأهمية مبالغ فيها (كما يميل لذلك بعض الكتاب الغربيين) . فالعباسيون- مؤسسو الدولة العباسية- ادعوا الانتساب الى هاشم، بينما الأمويون- مؤسسو الدولة الأموية- يدعون الانتساب الى أخيه عبد شمس. وقد تناول المؤرخون الذين عاشوا زمن الدولة العباسية تاريخ الأمويين بطريقة خالية من التعاطف، فليس مستغربا ان هم أسبغوا على هاشم وأبنائه وأحفاده أهمية كبيرة ووضعوهم موضع الصدارة بطريقة قد لا تمثل حقيقة ما لهم من أهمية وصدارة. وعلى أية حال، فان التدقيق فى المصادر يشير الى أن هذه المبالغة المشار اليها لم تكن حقيقة يمكن ادراكها. وعلى أية حال، فالروايات المتعلقة بذلك قد تم عرضها- بلا شك- بروح التعاطف مع هاشم وبنيه وأحفاده، لكن لا أساس للافتراض بوجود قدر كبير من الأكاذيب أو التزييفات الخطيرة.
[ ٨٩ ]
ويظهر أن أبناء عبد مناف الأربعة الأساسيين قد فعلوا الكثير لتطوير تجارة مكة. فعبد شمس ذهب الى اليمن، ونوفل ذهب الى بلاد فارس، والمطلب ذهب الى الحبشة، وهاشم ذهب الى الشام.
وربما كان هذا أساسا جيدا لثرائهم، رغم أن اخرين بطبيعة الحال كان لهم أيضا أدوارهم فى هذه التجارة. وقصة أن عبد شمس قد تخلى لهاشم عن حقوق تقديم الطعام والماء للحجاج لأن هاشما كان أقل انشغالا بالرحلات التجارية، ربما كان لها أساس من الحقيقة. فربما تحقق عبد شمس أن تجارة المسافات الطويلة تنطوى على مكاسب أكثرهما تنطوى عليه التعاملات الصغيرة مع الحجاج. وأيا ما كانت الأهمية النسبية لأى منهما (التجارة مع البلدان البعيدة، والتعاملات التجارية مع الحجاج)، فقد أضعف موت هاشم المبكر نسبيا فى غزة- سلالته والمرتبطين بها- عشيرة المطلب. وبعد موت هاشم أصبح المطلب- أخو هاشم- على رأس المجموعة كلها (عشيرتى هاشم والمطلب) لكن يبدو أنه لم يلعب دورا بارزا فى أمور مكة حتى أحضر- أى المطلب- ابن أخيه هشام وهو عبد المطلب من المدينة التى كان قد توقف فيها مع أمه.
وبعبد المطلب يبدو أن وضع العشيرة قد ازدهر مرة أخرى، فحفره لبئر زمزم الى جوار الكعبة أظهره رجلا ذا همة ومبادأة. ورغم أن زمزم أصبحت بعد ذلك هى البئر المركزية لمكة وأسهمت فى زيادة أهمية الحرم، فلا يبدو أن عمل عبد المطلب قد أظهر أنه كان زعيم مكة، رغم أنه ارتبط بحق تقديم الماء للحجاج (السقاية) ذلك الحق الذى كان قد ورثه عن أبيه من خلال عمه.
وأفضل برهان يمكن تقديمه لمعرفة مكانته فى مجتمع مكة هو ما روى عن تزويجه لبناته. فصفية (أمها من عشيرة زهرة) تزوجت الابن الأول لحرب بن أمية (زعيم عبد شمس) وبعد ذلك عوام بن خويلد (من أسد) .
وبالنسبة لبناته الاخريات، فان عاتكة (أمها من مخزوم) تزوجت أبا أمية ابن المغيرة (من مخزوم) وابنته أميمة تزوجت من جحش حليف حرب بن أمية، وأما أروى فتزوجت أولا عمير بن وهب ثم تزوجت رجلا من عشيرة
[ ٩٠ ]
عبد الدار، وتزوجت بره فى البداية من عبد رحم (من عشيرة عامر)، ثم من أبى الأسد بن هلال (من مخزوم) وأم حكيم تزوجت من كريز من عبد شمس. ومعنى هذا أن عبد المطلب كان قادرا على تزويج بناته من بعض أفضل أسرات مكة وأكثرها قوة ونفوذا «١» .
والقول بأن عبد المطلب، وحرب بن أمية كانا فى حالة تنافس على زعامة مكة قول مشكوك فيه مادمنا لا نجد تفاصيل عن ذلك فى المراجع، ويبدو هذا القول انعكاسا لمنافسات حدثت بعد ذلك (يعنى أن مؤرخى العصر العباسى أسقطوا الحاضر على الماضى- المترجم)، بالاضافة الى أن علاقات الزواج بينهما تظهر انهما كانا على علاقة طيبة. والرواية المتعلقة بلقاء عبد المطلب بأبرهة أثناء حملة الفيل ربما تكون مقبولة بشكلها العام، لكن باعتبار أن عبد المطلب كان فى مفاوضته تلك ممثلا لمجموعة صغيرة لا متحدثا باسم مكة كلها. وربما كانت كثرة التفاصيل فى الروايات المختلفة بمثابة محاولات لتقديم دوافع أو مبررات لسياسة عبد المطلب، خاصة وأن حملة الفيل لم تسفر فى النهاية عن شىء، وانتهت نهاية فاجعة بانسحابها، ولا نستطيع أن نحكم ما اذا كان موقف عبد المطلب من حملة الفيل قد أثر فى نفوذه بمكة أم لا، لأنه مات بعد ذلك بوقت قصير*. على أية حال، فمعنى اتخاذه هذه السياسة من الحملة أن عشيرته أصبحت- نسبيا- فى وضع أسوأ.
وانتقلت زعامة بنى هاشم وبنى المطلب بعد ذلك لفترة وجيزة الى الزبير بن عبد المطلب، وشهدت هذه الفترة حرب الفجار (بكسر الفاء) وحلف الفضول، ولم يكن الزبير بن عبد المطلب شخصية بارزة فى هذه الأحداث. وكان حلف الفضول بمثابة تجمع للعشائر الضعيفة، وقد لعب عبد الله بن جدعان (من تيم) دورا بارزا فى تشكيل هذا الحلف مادام الاجتماع قد عقد فى بيته، وقد كان عبد الله بن جدعان من بين شخصيات مكة البارزة فى بداية حرب الفجار «٢» .
_________________
(١) ابن سعد، ٨، ٢٧- ٣١. * اذا كان الرسول قد ولد عام الفيل، فان وفاة عبد المطلب كانت بعد ذلك بثمانى سنوات- (المراجع) .
(٢) A.P.Cauasin de Perceval، Essai aur Phistoire des Arabes avant Islamiame، Paris، ١٨٤٧- ٨. ١، ٣٠٠- ٣٠ from Aghanl.
[ ٩١ ]
وشخصية أبى طالب أقل غموضا من شخصية الزبير بن عبد المطلب فقد أصبح أبو طالب زعيما للعشيرتين هاشم والمطلب لفترة بعد عقد حلف الفضول حتى موته قبل الهجرة بثلاث سنوات. ومع أن أبا طالب كان رجلا محترما كزعيم للعشيرة الا أن أمور عشيرته كانت- بشكل واضح- غير مزدهرة، وكان يشار اليه كراعى ابل فى الصحراء، وكانت هذه الاشارة عامرة بالازدراء «٣» . ويبدو أن هذه الاشارات كانت لارضاء بنى العباسى فى الأساس، الذين كانوا يحسون بالغيرة من بنى هاشم.
ونظرا لظروف الفقر المحيط بأبى طالب، أخذ محمد ﷺ ابنه عليا ليعيش معهم، ولا شك أن هذه الأوضاع راجعة فى جانب منها الى نقص كفاات أبى طالب، وفى جانب اخر لتدهور أحوال العشيرة، ذلك التدهور الذى كان قد بدأ قبل موت عبد المطلب مرتبطا باستدعائه لمقابلة أبرهة.
وكان عبد الله والد محمد ﷺ أخا شقيقا لكل من الزبير وأبى طالب، وكان يعمل فى تجارة القوافل مع الشام كسائر أفراد الأسرة، ومات عن عمر صغير نسبيا فى المدينة وهو فى طريق عودته من رحلة تجارية الى غزة «٤»، وربما حدث هذا قبيل وقت قصير من ولادة محمد ﷺ.
أما أم محمد ﷺ فهى امنة بنت وهب من عشيرة زهرة من قبيلة قريش، وكانت أمها من عشيرة عبد الدار وكان جدها لأمها من عشيرة أسد. وعلى هذا، فقد كان محمد ﷺ مرتبطا برباط القربى بعدد من الأسرات الرئيسية فى مكة.
وبشكل عام، فان الانطباع الذى نخلص به هو أن عشيرة محمد ﷺ أصبحت مرة أخرى فى الصدارة عند تناول أمور مكة، لكن قبل بعثة محمد ﷺ بثلاثة قرون كان نفوذها فى حالة تدهور، وأصبحت الان- قبيل البعثة- لا تعدو أن تكون عضوا بارزا بين مجموعة العشائر الضعيفة والفقيرة. ورغم أن أفرادا فى العشيرة استمروا فى العمل بالتجارة مع
_________________
(١) الأزرقى، تحقيق فستنفلد، ٧١، ٤.
(٢) ابن سعد، ١، ١، ٦١.
[ ٩٢ ]
الشام (أو على الأقل لم تكن مشاركتهم فى هذه التجارة بقدر كبير) لكن ربما لم يشاركوا بقدر كبير مع عبد شمس ومخزوم، وربما لأسباب تجارية فان عشيرة هاشم والمطلب كانت على استعداد للتصرف بغير ود ازاء هاتين العشيرتين الثريتين (عبد شمس ومخزوم) رغم أنه ربما كان هناك ما يشير الى أن محمدا ﷺ قد اقترب منهما؛ اذ ان ابنته زينب تزوجت رجلا من عبد شمس (ابن خالتها) .
٢- مولد محمد (ﷺ)، وسنواته الأولى
ولد محمد ﷺ فى عام الفيل- عام حملة أبرهة غير الناجحة على مكة، وكان ذلك فى حوالى سنة ٥٧٠ م تقريبا. وكان ميلاده بعد وفاة أبيه، فكفله جده لأبيه عبد المطلب. وكان من عادة الطبقات العليا فى مكة أن تدفع بأبنائها الى حاضنات من القبائل البدوية حتى ينمو الطفل فى جو الصحراء النقى فيغدو قوى البنية. وهذا ما حدث مع محمد ﷺ طوال عامين أو أكثر، فقد رعته حليمة السعدية، وهى امرأة من بنى سعد ابن بكر من قبيلة هوازن.
وتوالت الصعاب على الطفل اليتيم فماتت أمه وهو فى السادسة من عمره وبعد ذلك بعامين مات جده، فكلفه عمه أبو طالب الذى اصطحبه معه فى تجارته الى الشام، ونشبت حرب الفجار (بكسر الفاء) ومحمد بين الخامسة عشرة والعشرين من عمره، ويقال انه قام بدور صغير فى هذه الحرب الى جانب أعمامه. وربما كان حاضرا أيضا عند تشكيل حلف الفضول، وفى وقت لاحق (بعد البعثة النبوية) صرح محمد ﷺ أن هذا الحلف كان شيئا طيبا، وكان هدف الحلف هو اقرار مبادىء العدالة ضد الممارسات الظالمة لبعض القبائل القوية والغنية، وهو هدف قريب جدا من بعض جوانب تعاليم القران (الكريم) .
تلك هى الحقائق الأساسية عن محمد ﷺ قبل زواجه، وذلك من وجهة نظر المؤرخين الذين يركزون على الحقائق الموضوعية (الدنيوية)،
[ ٩٣ ]
ومع ذلك فثمة جدال حول بعض هذه النقاط. وعلى أية حال، فهناك أيضا حكايات كثيرة تصوره على أنه كان شخصية ذات أبعاد غيبية theological character فى هذه المرحلة المبكرة من عمره. وهناك طائفة من المؤرخين الذين لا يؤمنون بالغيبيات يكادون يجزمون بعدم صحة هذه الروايات، لأنها تشير الى أمور من المنطقى أن نتوقع الاشارة اليها بعد أن أصبح نبيا، وهو ما لا نجد اشارة اليه. لكن المؤكد أن هذه الروايات تعبر عن شىء بالنسبة للمسلمين المؤمنين. وبالتالى فهى حقيقية بالنسبة لهم ومناسبة لاطالة حياة نبيهم، وربما كانت أيضا تعبيرا عما كان يمكن أن يراه كل ذى عينين ان كان حاضرا وقت حدوثها. وسيكون كافيا أن نقدم أشهر هذه الروايات بنص كلمات ابن اسحق:
«كانت حليمة بنت أبى ذؤيب من بنى سعد، مرضعة رسول (ﷺ) تروى كيف كانت تبحث عن الرضعاء هى وزوجها وصبى لها صغير.
خرجت من أرضها مع بعض نساء من بنى سعد بن بكر طلبا للرضعاء، قالت: كانت سنة شهباء* لم تترك شيئا، فخرجت على أتان** لى سمراء مصفرة*** ومعنا شارف**** والله ما تبض بقطرة***** وما ننام ليلنا ذلك أجمع من صبينا ذاك يبكى من الجوع، ما نجد فى ثديى ما يغنيه ولا فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك فلقد أذمت بالركب****** حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، فقدمنا مكة فو الله ما علمت منا امرأة الا وقد عرض عليها رسول الله (ﷺ) فنأباه، اذا قيل انه يتيم تركناه وقلنا ماذا عسى أن تصنع الينا أمه، انما نرجو المعروف من أبى الولد، فأما أمه وجده فماذا عسى أن يصنعا الينا، فلم نكن نرغب فيه. فو الله ما بقى من صواحبى امرأة الا أخذت رضيعا غيره، فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجى:
والله انى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ليس معى رضيع، لأنطلقن الى
_________________
(١) * جدباء ليس فيها مطر. ** أنثى ال؟؟ ار. *** فى رواية ابن اسحق قمراء يعنى بيضاء بياضا فيه كرة. **** ناقة مسنة هرمة. ***** ليس فيها قطرة لبن. ****** أتت بما يذم عليه من تخلف وتمهل- (المترجم) .
[ ٩٤ ]
ذلك اليتيم فلاخذنه، فقال: لا عليك أن تفعلى، فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة. فذهبت فأخذته، فو الله ما أخذته الا أنى لم أجد غيره، فما هو الا أن أخذته فجئت به رحلى فأقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب أخوه (تقصد ابنها) حتى روى، فأخذ كل منهما كفايته ثم ناما ولم نكن ننام من بكاء صبينا، وقام صاحبى الى شارفنا تلك فاذا انها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى روينا، فبتنا بخير ليلة فقال صاحبى حين أصبحنا: يا حليمة، والله انى لأراك أخذت نسمة مباركة فأجبته: والله انى لأرجو ذلك. ثم خرجنا راجعين الى بلادنا وركبت أتانى حاملة الصبى، فو الله لقطعت أتانى بنا الركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى ان صواحبى ليقلن: ويلك يا بنت أبى ذؤيب، انتظرينا، أهذه أتانك التى خرجت عليها معنا؟ فأقول: نعم والله انها لهى، فقلن:
والله ان لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بنى سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فان كانت غنمى لتسرح ثم تروح شباعا لبنا (بضم اللام وسكون الباء) فنحلب ما شئنا وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن، وان أغنامهم لتروح جياعا حتى انهم ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبى ذؤيب فاسرحوا معهم، فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن، وتروح أغنامى شباعا لبنا تحلب ما شئنا، فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين من العمر وفطمته، فكان يشب شبابا لا تشبه الغلمان، فو الله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا*، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شىء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه قلت لها دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى فاننا نخشى عليه وباء مكة، فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة، فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة فى بهم** لنا جاء أخوه ذلك يشتد، فقال: ذاك أخى القرشى جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه وهم يبحثون عن شىء بداخله، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما منتقعا لونه، فاعتنقته واعتنقه أبوه وقلنا له: ما شأنك يا بنى، قال: جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض، أضجعانى وشقا بطنى ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه
_________________
(١) * أى شديدا قويا- (المترجم) . ** جمع بهمة وهى أولاد الضأن والمعز والبقر، ولعل المراد هنا صغار الغنم.
[ ٩٥ ]
ثم رداه كما كان، فرجعنا به معنا. فقال أبوه: يا حليمة، لقد خشيت أن يكون ابنى قد أصيب فانطلقى بنا نرده الى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف منه، فاحتملنا فقدمنا به على أمه، فقالت ما رد كما به يا ظئر*؟
فقد كنتما عليه حريصين، قلت: ان الله قد أدى عنا وقضينا الذى علينا وقلنا نخشى الاتلاف والأحداث، نرده الى أهله، فقالت: ما ذاك بكما فاصدقانى شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، والله انه لكائن لابنى هذا شأن، ألا أخبر كما خبره؟ قلنا بلى. قال حملت به فما حملت** حملا قط أخف منه، فأريت فى النوم حين حملت به كأنه خرج منى نور أضاءت له قصور بصرى فى الشام، ثم وقع معتمدا على يديه رافعا رأسه الى السماء، فاتركاه عنكما، وصاحبتكما السلامة الى بلادكما***.
وقال ابن اسحق: حدثنى ثور بن يزيد عن أحد العلماء لا أظنه أحدا غير خالد بن معدان الخلاعى أن بعضا من أصحاب رسول الله (﵊) قالوا له: أخبرنا عن نفسك قال نعم، أنا دعوة أبى ابراهيم وبشرى عيسى ﵉ «٥»، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام واسترضعت فى بنى سعد بن بكر، فبينما أنا فى بهم لنا خلف خيامنا أتانى رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوءة ثلجا، فأضجعانى فشقا بطنى ثم استخرجا قلبى
_________________
(١) * أى يا مرضع. ** أى فما حملت امرأة حملا قط أخف منه، فحذفت كلمة امرأة جريا على عادة العرب فى فصاحتهم حيث يحذفون الكلمة المفهومة ضمنا فانه من المعروف والثابت فى جميع كتب السيرة أن رسول الله ﷺ ليس له اخوة لا أشقاء ولا من الأم، وأن كلا من أبيه وأمه كان بكرا حين تزوجا، وعلى هذا لا يمكن أن تكون التاء هنا للمتكلم وانما للغائب- (المترجم) . *** رواية ابن اسحق كما ذكرها ابن كثير فى البداية والنهاية مع اثبات الزيادات التى رواها المؤلف ولم ترد فى رواية ابن كثير. وهناك اختلافات بسيطة بين رواية ابن كثير ورواية المؤرخين الاسلاميين الاخرين- (المترجم) .
(٢) انظر سورة البقرة، ١٢٩ وما بعدها.
[ ٩٦ ]
فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها، ثم غسلا قلبى وبطنى بذلك الثلج حتى اذا أنقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزننى بعشرة فوزنتهم*، ثم قال: زنه بمئة من أمته، فوزننى بمائة فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزننى بألف فوزنتهم، فقال:
دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنهم «٦» **.
قال ابن اسحق: ثم ان أبا طالب خرج فى ركب تاجرا الى الشام.
فلما تهيأ للرحيل وأجمع المسير صب*** به رسول الله (ﷺ) فيما يزعمون، فرق له أبو طالب وقال: والله لاخرجن به معى ولا أفارقه ولا يفارقنى أبدا، أو كما قال، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام**** وبها راهب يقال له بحيرى فى صومعة له، وكان اليه علم أهل النصرانية، ولم يزل فى تلك الصومعة منذ قط راهبا*****، اليه يصير علمهم عن كتاب فيها، فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبا من صومعته، صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك، فيما يزعمون، عن شىء راه وهو فى صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ فى الركب حين أقبل وغمامة تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر الى الغمامة حين أظلت الشجرة، وانهصرت****** أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل اليهم فقال: انى صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى ان لك لشأنا اليوم، ما كنت
_________________
(١) * أى كان وزنى اثقل منهم- (المترجم) . ** قال ابن كثير: وهذا اسناد جيد قوى- (المترجم) .
(٢) ابن هشام، ١٠٣- ١٠٦. ***) أى تعلق به وأظهر الشوق- (المترجم) . **** وهى غير البصرة التى فى العراق- (المترجم) . ***** أى منذ زمن بعيد- (المترجم) . ****** أى اندفعت ومالت- (المترجم) .
[ ٩٧ ]
تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى:
صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن اكرمكم واصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم، فاجتمعوا اليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداته سنه فى رحال القوم تحت الشجرة، فلما راهم بحيرى لم ير الصفة التى يعرف ويجدها عنده (فى كتابه)، فقال: يا معشر قريش.
لا يتحلفن احد منكم عن طعامى، قالوا: يا بحيرى، ما تخلف أحد ينبغى له أن يأتيك الا غلام وهو أحدتنا سنا فتخلف فى رحالنا، قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى ان كان للؤم منا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام اليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما راه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر الى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى اذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام اليه بحيرى وقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى الا اخبرتنى عما أسألك عنه، وانما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسألنى باللات والعزى شيئا فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله الا ما أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال له: سلنى عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته (فى كتابه)، ثم نظر الى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده (فى كتابه) . قال ابن هشام: كان مثل طبعة المحجم*. قال ابن اسحق: فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك، قال: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال:
فانه ابن أخى، قال فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال صدقت، ارجع بابن أخيك الى بلده واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليمسنه منهم شر فانه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع
_________________
(١) * كأس الحجام- (المترجم) .
[ ٩٨ ]
به الى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام «٧» *.
٣- زواج محمد (﵊) من خديجه
يعتبر زواج محمد (﵊) من خديجة بنت خويلد ابن أسد نقطة تحول فى الجزء الأول من حياته، وتقول الرواية التقليدية أن خديجة (﵂) لما سمعت عن أمانة محمد (﵊) وصدق حديثه وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج لها فى مال تاجرا الى الشام، وكانت قد تزوجت مرتين وكان اخر زوجيها من بنى مخزوم، ولكنها كانت الان تتاجر فى مالها الخاص عن طريق عمال تستأجرهم. ولقد سرت خديجة (﵂) بما فعل محمد (﵊) وبلغ اعجابها بشخصيته أن عرضت عليه الزواج منها فوافق. ويقال انها كانت فى الأربعين من عمرها** فى ذلك الوقت.
بينما كان محمد (﵊) فى الخامسة والعشرين.
ربما كان عمر خديجة مبالغا فيه، فقد ذكرت المصادر أسماء سبعة ولدتهم لمحمد (﵊)، وهم: القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله (الطيب) والطاهر «٨»، وقد مات الصبية جميعا صغارا، وحتى لو كان السبعة قد ولدوا فى سنوات متتالية كما يذكر أحد رواة ابن سعد، فان هذا يعنى أن عمرها (﵂) كان قد بلغ الثامنة والأربعين قبل أن تلد الابن الأخير، وهذا أمر مستحيل
_________________
(١) * رواية ابن اسحق كما ذكرها ابن كثير فى البداية والنهاية مع اثبات الزيادات التى أوردها المؤلف ولم يذكرها ابن كثير- (المترجم) .
(٢) ابن هشام، ١١٥- ١١٧. ** هذا قول حكيم بن حزام، ولكن ابن عباس ﵄ يقول ان عمرها كان ثمانية وعشرين عاما عندما تزوجها الرسول ﵊، رواهما ابن عساكر- (المترجم) .
(٣) ابن سعد، ج ١/ ١، ٨٥. (الصحيح أن أولاد الرسول ستة لا سبعة ابنان هما: القاسم وقد ولد قبل الاسلام، وبه كان الرسول يكنى والطاهر وقد ولد بعد الاسلام ويسمى أيضا الطيب وأربع بنات كما ذكر فى الأصل- (المراجع) .
[ ٩٩ ]
بأية حال*، ويعتبر أمرا غير عادى بالدرجة التى تجعله يستحق التعليق، بل انه من الأمور التى يمكن اعتبارها معجزة، ومع ذلك فلم ترد كلمة تعليق واحدة فيما كتبه هشام أو ابن سعد أو الطبرى.
من وجهة نظر المجتمع المكى، كان محمد (﵊) قد وضع قدمه على أول درجة على الأقل من درجات النجاح الدنيوى.
وربما لم تكن خديجة (﵂) من الثروة كما يقال عنها أحيانا، ولكننا نستطيع أن نفترض أن محمدا (﵊) قد أصبح لديه رأس مال يكفيه للحصول على نصيب متوسط من الأعمال التجارية «٩» .
ولا يعنى عدم وجود أخبار عن أنه سافر الى الشام مرة ثانية أنه لم يذهب، مع الوضع فى الاعتبار أنه من الممكن دائما أن يكلف اخرين بالاشراف على تجارته، كذلك يجب أن نتذكر دائما احتمال أن يكون التجار قد استبعدوه من مجالسهم، ومن معظم العمليات المربحة. ومع ذلك، فمن المحتمل أنه لم يستبعد تماما؛ لأنه كان قادرا على أن يزوج ابنته زينب لأحد أفراد عشيرة عبد شمس، هو ابن أخت خديجة (﵂)، والتى لا شك فى أنه كان لها دور بارز فى هذه الزيجة، كما أن خطبة ابنتيه الاخريين لابنى أبى لهب، الذى ربما كان ينظر اليه على أنه الزعيم التالى لبنى هاشم، تدل على أن محمدا (﵊) كان ينظر اليه أيضا على أنه أكثر شباب بنى هاشم رجاء.
_________________
(١) * من المعروف طبيا أن المرأة التى عاشت حياة زوجية سليمة وتكررت ولادتها يمكنها أن تستمر فى الانجاب الى سن متأخرة. ولكن من المعروف طبيا أيضا أن المرأة المرضع لا تحمل عادة، وعلى هذا فان الفترة بين الحملين لمن تقل عن عامين حتى يتم فصال الطقل. فالقول بأن السيدة خديجة كانت تلد كل عام قول مشكوك فيه طبيا، والأقرب الى التصديق أن يكون كل عامين، فتكون الفترة التى أنجبت فيها الأبناء السبعة ١٤ عاما (السنة ١٢) فلو كانت تزوجت وهى فى الأربعين كما يقول حكيم ابن حزام لكان عمرها فى الحمل الأخير ٥٤ عاما على الأقل وهو أمر مستبعد الى درجة كبيرة كما يقول المؤلف، وبذلك يكون قول عبد الله بن عباس ﵄ أن عمرها كان ٢٨ عاما أقرب الى التصديق. والله أعلم- (المترجم) . ثم انها لو كان عمرها عند الزواج أربعين لما كان ينتظر أن تخطب لنفسها شابا عمره ٢٥ سنة لأنه فى هذه الحال فى عمر أولادها، فما كان شرفها يسمح لها بذلك- (المراجع) .
(٢) الأزرقى، ٢٠٤٧١- (المترجم) .
[ ١٠٠ ]
فى الوقت الذى لا نستطيع فيه أن نتوقع أن تكون امرأة تاجرة من أهل مكة فى القرن السادس* غافلة عن العوامل المادية، فان لدينا الكثير من الأسباب التى تجعلنا نعتقد أن خديجة (﵂) قد أدركت بعضا من قدرات محمد (﵊) الروحية، وأنها انجذبت اليها. ومن المؤكد أنها لعبت دورا هاما فى الأوقات الحرجة من حياته؛ وذلك بتشجيعه على الاستمرار فى طريقه كنبى. بالاضافة الى ذلك، كان ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد رجلا ذا عقلية دينية دعته فى النهاية الى أن يكون مسيحيا «١٠»، ويكاد يكون من المؤكد أن خديجة قد تأثرت به، وربما يكون محمد (﵊) قد اكتسب بعضا من الاهتمام بنبواته.
كانت الأعوام التى تبعت زواج محمد (﵊) سنين اعداد للمهمة التى تنتظره. ومع ذلك، فليس لدينا من المعلومات ما يمكننا من اعادة تصور عملية الاعداد، وأفضل ما يمكننا عمله أن نستدل على هذه العملية مما حدث فيما بعد. فهناك مثلا ايات فى سورة الضحى يبدو أنها تشير الى تجارب محمد (﵊) الأولى:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) .
من هذه الايات يمكننا أن نتصور أن احدى مراحل هذا الاعداد كانت معرفة أن يد الله تعينه بالرغم من المحن التى مرت به. وستأتى اشارات أخرى عن هذه السنين المجهولة فى سياق الحديث.
_________________
(١) * يقصد الميلادى- (المترجم) .
(٢) انظر التذييل ج- (المؤلف) .
[ ١٠١ ]
٤- الدعوة للنبوة
(أ) رواية الزهرى
فى سن الأربعين، طبقا لما جاء فى كتب السيرة، بعث الله محمدا (﵊) بالنبوة وبدأ نزول الوحى عليه. وأفضل بداية هى رواية الزهرى مع ذكر ما رواه عن الفترة أو انقطاع الوحى.
ولم نذكر هذه الرواية هنا، كما فعلنا مع رواية ابن هشام، لنعطى تتابعا متسلسلا، وانما لنضم مقتطفات من المادة الأصلية كما وصلت للزهرى.
ليس فى النص الأصلى كما وصل الينا تقسيم، وانما أدخلنا بعض التقسيم للتوضيح، وقد وضعنا هذا التقسيم فى الفواصل التى فى المادة التى كتبها الزهرى عند تغير الراوى.
(أ) سمعت النعمان بن رشيد يروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة (﵂) أنها قالت: (أول ما بدىء به رسول الله (ﷺ) من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح) .
(ب) ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه (يتعبد؟) الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع* الى أهله ويتزود لذلك**، ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه*** الحق وقال: يا محمد، أنت رسول الله.
(ج) قال رسول الله (ﷺ): (كنت واقفا فجثيت**** منه رعبا، فرجعت ترجف بوادرى***** فرجعت الى خديجة فقلت زملونى
_________________
(١) * نزع الشخص الى أهله: حن اليهم واشتاق (المعجم العربى الأساسى) - (المترجم) . ** تقصد لهذه الخلوة- (المترجم) . *** جاء بغتة على غير موعد- (المترجم) . **** جثا: جلس على ركبتيه- (المترجم) . ***** البوادر جمع بادرة، هى لحمة بين المنكب والعنق- (المترجم) .
[ ١٠٢ ]
زملونى الى أن ذهب عنى الروع) . فجاءنى* فقال: (يا محمد، أنت رسول الله) .
(د) قال (أى محمد ﵊)، (لقد عزمت أن أتردى من رؤس شواهق الجبال) ولكنه ظهر لى وقال: (يا محمد، أنا جبريل وأنت رسول الله) .
(هـ) ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارىء (أو «ماذا أقرأ»)، قال (أى محمد ﵊): (فأخذنى فغطنى** حتى بلغ منى الجهد ثلاث مرات ثم قال: «اقرأ باسم ربك الذى خلق») فقرأتها***.
(و) ثم جئت خديجة فقلت: (ما لى؟ أى شىء عرض لى؟ وأخبرتها بأمرى) قالت: (أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا، انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدى الأمانة وتحمل الكل**** وتقرى الضيف) ***** وتعين على نوائب الحق) ******.
(ز) ثم أخذتنى******* الى ورقة بن نوفل بن أسد وقالت:
اسمع من ابن أخيك، فسألنى فأخبرته بما رأيت، قال: هذا الناموس
_________________
(١) * يقصد الملك- (المترجم) . ** أى خنقنى- (المترجم) . *** فى النص الذى رواه البخارى عن عروة عن عائشة ﵂ تأتى هذه الفقرة (هـ) بعد قولها: ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء. فى حين أن الفقرة التد ذكرها المؤلف قبلها (الفقرة د) تصف الفترة التى انقطع فيها الوحى وهى بعد أحداث الفقرة هـ بزمن على ما أجمعت عليه معظم الروايات التى يعتد بها. ولسبب لا يعلمه الا الله عكس المؤلف ترتيب الأحداث ووضع الحديث الذى كان رسول الله ﷺ يتحدث فيه عن انقطاع الوحى قبل الفقرة التى تصف أول نزول الوحى- (المترجم) . **** أى تعطى صاحب العيلة (كثرة الأبناء) ما يريحه من ثقل مؤنة عياله (البداية والنهاية) - (المترجم) . ***** تكرم الضيف بالطعام والمأوى- (المترجم) . ****** تعين من وقعت له نائبة فى خير فتقوم مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش (البداية والنهاية) - (المترجم) . ******* يتجه أكثر العلماء الى أن السيدة خديجة هى واحدها التى ذهبت الى ابن عمها ورقة، وما كان الرسول ليذهب اليه فى مثل هذه الأحوال ليركن الى قول البشر- (المراجع) .
[ ١٠٣ ]
الذى أنزل على موسى بن عمران، يا ليتنى فيها جذعا*، يا ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك، قلت: أو مخرجى هم؟ قال: نعم، انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به الا عودى، وان يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
(ح) كان أول ما نزل الى من القران بعد اقرأ: (ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) و: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ)، و: (وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) «١١» .
(ط) قال الزهرى: ثم فتر الوحى عن رسول الله (ﷺ) حتى حزن النبى (ﷺ) حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى بنفسه تبدى له جبريل فقال:
(يا محمد، انك رسول الله حفا) فيسكن لذلك حاله وتقر نفسه فيرجع.
(ى) كان النبى (ﷺ) يحدث عن فترة الوحى، قال: (فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فاذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض، فجثيت منه فرقا** حتى هويت الى الأرض، فجئت أهلى فقلت: زملونى زملونى) .
(ك) فدثرناه فأنزل الله تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) .
(ل) أضاف الزهرى: كان أول ما نزل عليه من الوحى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، الى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق ١- ٥) «١٢» .
_________________
(١) * شابا قويا- (المترجم) .
(٢) تاريخ الطبرى، ١١٤٧ وما بعدها. ** أى رعبا- (المترجم) .
(٣) الطبرى، ١١٥٥.
[ ١٠٤ ]
ذكر الزهرى، المعروف ايضا بابن شهاب، رواية اخرى للفقرتين (ى) و(ك) تبدا هكذا: «قال جابر بن عبد الله الانصارى، سمعت رسول الله (ﷺ) يحدث عن فترة الوحى قال: فبينما أنا امشى»، وتتجنب هذه الرواية تغير المتحدث من الفقرة (ى) للفقرة (ك) وذلك بقوله ﷺ: (فدثرونى)، أى وضعوا دثارا على، وهذه الرواية لها أهميتها لأنها رواية عن جابر تجعل سورة المدثر هى أول الوحى* «١٣» .
من الواضح أن الفقرات من (أ) الى (ح) متصلة الاحداث فى رواية الزهرى ولكن ليس من الضرورى أن تكون كلها عن السيدة عائشة (رضى لله عنها)، وربما كان قطع ابن اسحق لرواية عائشة بعد أول جملة فى الفقرة (ب) بسبب تفضيله لروايات أخرى لما (بكسر اللام) تبقى ولا يعنى هذا بالضرورة انقطاع الأصل عند هذه النقطة، ومع ذلك فليس هناك فائدة كبيرة فى مناقشة هذا الاسناد. وبدلا من ذلك أقترح دراسة الأدلة العقلية لهذه الفقرات، وبالذات دراسة ما يمكن أن نسميه «السمات» المختلفة للروايات.
(ب) رؤى محمد (﵊)
ليس هناك أى سبب وجيه يجعلنا نتشكك فى النقطة الأساسية فى الفقرة أ، وهى أن بداية النبوة كانت «الرؤيا الصادقة»، وهذه الرؤى تختلف تماما عن الأحلام، وقد ذكرت الرؤى أيضا فى الفقرتين (ب) و(ى) [بصرف النظر عن ظهور جبريل فى (د) و(ط)] . ويؤكد ما ورد فى (أ) ما نعرفه من سورة النجم، ولكن يمكن أيضا معرفته من ملاحظات محمد (﵊) . وقد ذكرت رؤيتان فى القران:
_________________
(١) * عن جابر ﵁: سمعت رسول الله يحدث عن فترة الوحى، فسورة المدثر أول ما نزل بعد فترة انقطاع الوحى، أما أول ما نزل من القران فى غار حراء فكان كما ثبت فى صحيح البخارى عن السيدة عائشة أنها بداية سورة العلق: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» الى قوله تعالى: «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» - (المترجم) .
(٢) الطبرى ١١٥٥ وما بعدها.
[ ١٠٥ ]
(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ) .
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) «١٤» .
والتفسير المعتاد لهذه الايات عند المسلمين أن المرئى كان جبريل، ولكن هناك أسبابا تدعونا الى أن نظن أن محمدا (﵊) قد فسرها فى الأصل على أنها رؤية لله ذاته، فان جبريل لم يذكر فى القران الا فى المدينة، والتعبير «عبده» فى الاية ١٠ لابد أنه يعنى عبد الله كما يجمع المسلمون، ولكن ذلك يجعل التركيب اللفظى غير منسجم الا اذا كان الله هو المعنى بالأفعال*.
كذلك فان الجملة التى فى نهاية الفقرة (ب) وهى قول الزهرى:
«حتى فجأه الحق وقال » لها أهمية مشابهة، لأن كلمة «الحق» من أساليب الاشارة الى الله**، وكذلك يمكننا أن ننظر الى الفقرة (ج)
_________________
(١) السورة ٥٣/ ١- ١٨. * ليس هناك خلاف بين المسلمين فى أن رؤية الله ﷿ فى الدنيا مستحيلة. ** الحق من أسماء الله الحسنى. ولكن كلمة «حق» لها معان متعددة من أراد معرفتها فليرجع الى أحد قواميس اللغة العربية، مثل لسان العرب أو المعجم العربى الأساسى. ومن معانيها التى تهمنا فى هذا المقام: هو الشىء الثابت الذى لا شك فيه مثل قول الله ﷿: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) . فقول السيدة عائشة: «حتى فجأه الحق وقال..» يعنى فجأه الأمر الحق الذى ليس فيه شك وهو الوحى من الله، كما أنه قال: (يا محمد أنت رسول الله) ولو كان الذى جاءه هو الله كما يظن لقال: (أنت رسولى) . وفى رواية البخارى عن السيدة عائشة أنها قالت: (حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال ) فهذه الرواية لحديث السيدة عائشة، وهو نفس الحديث الذى رواه الزهرى بصيغة مختلفة وأورده المؤلف، دلالة واضحة على معنى كلمة «الحق» لأنها قالت: «فجاءه الملك» . فالحق هنا كما قال ابن حجر العسقلانى فى شرحه لصحيح البخارى هو (الأمر الحق)، أو كما قال اخرون هو (الدين الحق) .
[ ١٠٦ ]
بنفس الطريقة، لأن النص يقول: «فجاءنى وقال»، وكذلك فان بعض روايات جابر فى شرح سورة النجم تقول، على لسان محمد (﵊): «فنوديت فنظرت بين يدى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى فلم أر شيئا ثم نظرت الى السماء فاذا هو على العرش..» «١٥» *.
ربما كان هذا هو تفسير محمد (﵊) الأصلى لهذه الروايات**، الا أنها لم تكن بأية حال التفسير النهائى، لأنه يتناقض مع ما ورد فى سورة الأنعام، الاية ١٠٣: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» ***، ومع ذلك، فان سورة النجم، بالرغم من أنها تحتمل هذا التفسير، الا أنه يمكن أيضا النظر اليها بطرق أخرى، فان التعبير «مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» لا تعنى رؤية الله بالطبع، ولكن يمكن فهمها على أنها تعنى أن ما راه محمد (﵊) كان علامة أو رمزا لمجد الله وجلاله. كما توحى الاية ١١ «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» والتى
_________________
(١) صحيح البخارى، وانظر أيضا A.Bell،Mohammads Call،in MW،xxiv،١٩٣٤،pp. ١٣ -١٩.: وانظر أيضا Noldeke -Schwally،١،٢٣ Ahrens،Mihammad،٣٩ f.: * لم يقل أحد من المسلمين المتقدمين والمتأخرين أن قول رسول الله ﷺ «هو» مقصود به الله. فاذا كان «هو» من أسماء الله الحسنى، فانه فى نفس الوقت ضمير اشارة للغائب. وفى رواية أخرى لجابر بن عبد الله يقول فيها نقلا عن رسول الله ﷺ: «فاذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض» وهى تدل صراحة على أن الذى راه الرسول ﵊ هو جبريل وليس الله ﷾ عن ذلك علوا كبيرا. ** هذه الروايات عن بدء الوحى وظهور جبريل ﵇ للرسول ﵊ ليست رؤى منامية كما يشير اليها المؤلف وانما كانت فى اليقظة لأنها لو كانت رؤى منامية لما فزع منها رسول الله ﷺ كما ذكر. *** يتحدث المؤلف عن رسول الله ﷺ كما لو كان يفسر القران برأيه هو، ونسى أنه قال منذ أسطر قليلة ان سورة النجم تقول: (وما ينطق عن الهوى. ان هو الا وحى يوحى) . ولم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: من تكلم فى القران برأيه فأصاب فقد أخطأ (رواه أبو داود والترمذى والنسائى) . وقال أيضا: من قال فى القران بغير علم فليتبوأ مقعده من النار (رواه أبو داود) . ولم يرد فى أى من التفاسير التى رجعت اليها وهو تفسير القرطبى والفخر الرازى والألوسى وابن كثير أن رسول الله ﵊ قد فسر ايات سورة النجم على أن المرئى هو الله ثم عاد فأنكر ذلك- (المترجم) .
[ ١٠٧ ]
ربما أضيفت فيما بعد* «١٦»، بتطور اخر فى هذه النظرية، بمعنى أنه بينما أدركت العينان العلامة أو الرمز، أدرك القلب الشىء المرموز.
فاذا كان محمد (﵊) قد فسر الرؤية فى البداية على أنها رؤية الله مباشرة، فان هذا يتضمن أنه بالرغم من أن تفسيره لم يكن دقيقا تماما الا أنه لم يكن مخطئا فى الأساسيات**، وربما كان يحسن بنا أن نترجم الاية بحيث نقول: «لم يخطىء القلب فيما رأى الانسان» . وبهذه الطريقة يمكننا أن نتفادى أن يكون المرئى هو جبريل***، وهو أمر مخالف للتاريخ، كما يمكننا أيضا أن نتفادى التناقض مع النظرة الاسلامية فى أن محمدا لم ير الله «١٧» .
هذا التفسير المنهجى للرؤية ليس له أهمية كبيرة بالنسبة لحياة محمد (﵊) بقدر ما له أهمية فى تطوره الدينى.
وسنتناول ذلك عند حديثنا عن «أنت رسول الله» .
(يرى كارل ارنز Karl Ahrens «١٨» أن التعبير «رَسُولٍ كَرِيمٍ» (التكوير، ١٩) هو الذى ذكر من قبل باسم «الروح» . ويدلل
_________________
(١) Bell،translation of Quran،od hoc. (١٦) * من المعروف أن القران نزل منجما، أى متفرقا، على مدى ثلاث وعشرين سنة هى مدة بعثة الرسول ﵊. لهذا، فان الايات التى تضهما سورة واحدة قد تكون نزلت على فترات زمنية طويلة. وهناك من السور المكية ما فيه ايات مدنية والعكس. وفى سورة النجم- وهى مكية- اية نزلت فى المدينة هى قول الله ﷿: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ..» الاية (الاية ٣٢) . ولكن لم يرد فى طبعات المصاحف القديمة ولا فى التفاسير التى رجعت اليها ما يشير الى أن الاية ١١ بالذات وهى قول الله ﷿: «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» قد أنزلت فى وقت لاحق لنزول الايات العشر التى سبقتها، وقول المؤلف «ربما أضيفت فيما بعد» يدل على عدم التأكد من هذا الزعم الذى نقله عن ترجمة بل Bell للقران كما ذكر فى هامش كتابه- (المترجم) . ** هذا الكلام مرفوض اسلاميا جملة وتفصيلا للأسباب التى ذكرت فى التعليقات السابقة- (المترجم) . *** المعول عليه هو النص العربى، لا الترجمة الانجليزية التى قد لا تكون دقيقة- (المترجم) .
(٢) حديث عن عائشة فى صحيح البخارى، ٦٥ فى ٥٣/ ١. Muhammad،٤١. (١٨)
[ ١٠٨ ]
على ذلك بأنه لا ذكر لاسم جبريل فى السور المكية وانما ذكرت «الملائكة» بالجمع فقط مثل «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها» (القدر، ٤)، وأيضا «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» «الشعراء، ١٩٣)، وهذا الرأى يتوافق مع وجهة النظر التى ذكرتها هنا) .
(ج) الاختلاء فى حراء، التحنث
ليس هناك ما يدعو الى الشك فى أن محمدا (ﷺ) كان يذهب الى حراء، وهو تل على مسافة قريبة من مكة، سواء كان ذلك مع عائلته أو بدونها. وربما كان ذلك وسيلة للهروب من حرارة مكة فى موسم متعب لمن كانوا لا يستطيعون الذهاب الى الطائف*، وتبين التأثيرات اليهودى- مسيحية مثل الرهبان، أو بعض التجارب الشخصية، الحاجة والرغبة فى العزلة.
المعنى الدقيق لكلمة التحنث، وكذلك اشتقاقها، غير مؤكد بالرغم من أنه من الواضح أنها تعنى نوعا من الرياضة التعبدية، وربما كان أفضل الاراء هو ما ذكره هـ. هيرشفيلد «١٩» H.Hirschfeld أنها مشتقة من الكلمة العبرية تحنوت أو تحنوث، والتى تعنى التعبد لله.
ومع ذلك فربما تأثر المعنى بالأصل العربى، فان كلمة حنث (بكسر الحاء وسكون النون) تعنى الرجوع فى قسم أو عدم القدرة على الوفاء به، وذلك يعتبر بصفة عامة خطيئة. وبالتالى فان كلمة «تحنث» تعنى «فعل ما يخرج به من الخطيئة أو الجريمة»، وهكذا قد يكون استخدام كلمة «تحنث» هنا دليلا على أن مادتها قديمة وأنها بهذا المعنى أصيلة «٢٠» .
_________________
(١) * ذكر ابن اسحق عن عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن حارثة قال: وكان رسول الله ﷺ يخرج الى حراء فى كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من نسك قريش فى الجاهلية، وكذلك روى عن عبد الله بن الزبير مثل ذلك. مما يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين فى قريش أنهم يجاورون فى حراء للعبادة- (المترجم) .
(٢) New researches into the Composition Exegesis of the Quran.London، ١٩٠٢، p.١٠.Supported by C.J.Lyall in JRAS، ١٩٠٣، p.٧٨٠.
(٣) وهذا يناقض رأى كيتانى Caetani،Ann،i،p. ٢٢٢،n. ٢..
[ ١٠٩ ]
ربما نستطيع أن نتصور هذا الملخص لما حدث قبل النداء الاول لمحمد (﵊) وما نزل فيه من الوحى. لا شك أن محمدا (﵊) كان مدركا منذ شبابه لبعض المشاكل الاجتماعية والدينية فى مكة. ولا شك أيضا أن وضعه كيتيم جعله أكثر ادراكا للانحرافات التى فى المجتمع. ومن الناحية الدينية، يمكننا أن نفترض أنه كان يدين بالتوحيد المبهم الذى كان عليه أغلب المتنورين من أهل مكة. ولكن لا بد أنه كان، بالاضافة الى ذلك، يتطلع الى نوع من الاصلاح فى مكة. وكان كل شىء حوله يوحى بأن هذا الاصلاح يجب أن يكون دينيا، وفى هذا الاطار الفكرى كان من الواضح أن يتعمد محمد (﵊) السعى الى الواحدة ليلجأ الى الأمور الالهية ويؤدى بعض العبادة، ربما طلبا للتكفير عن الخطايا. وربما سبقت بعض الممارسات الدينية هذه (الخلوة) ولكننا لا نعرف شيئا عنها.
وتذكر الروايات التقليدية أن الرؤى أتت أثناء الخلوة، ولكن التواريخ المقارنة للأحداث المختلفة فى بعثة محمد (﵊) ليست مؤكدة بصفة عامة. فأحيانا يقال ان الظهور* لم يكن متوقعا، وفى أحيان أخرى يبدو أن خديجة (﵂)، لم تكن بعيدة**.
(د) «أنت رسول الله»
وردت جملة «أنت رسول الله» أربع مرات فى الفقرات (ب)، (ج)، (د)، (ط) من حديث الزهرى. قالها جبريل فى المرتين الأخيرتين، وفى المرة الأولى قالها «الحق»، وفى الثانية ذكر بصيغة الغائب «فجاءنى»، وتختلف الملابسات فى الحالات الأربع، فهل هذه مجرد روايات أربع لحادثة واحدة ولكن اختلفت الألفاظ بطريقة أو أخرى؟
ونظرا لأن جبريل لم يذكر فى القران الا بعد فترة طويلة، فان ذكره فى
_________________
(١) * يقصد ظهور الملك للرسول ﵊- (المترجم) . ** يقصد لم تكن بعيدة عن توقع ما حدث للرسول ﵊- (المترجم) .
[ ١١٠ ]
هذه المرحلة المبكرة مشكوك فيه*. ظاهريا يمكننا أن نصنف هذه الأخبار صنفين على الأقل: (ب) وربما معها (ج) تصفان النداء الأصلى له بأنه رسول، بينما يبدو أن (د)، (ط) كانا تأكيدين لذلك ليطمئن فى وقت كان فيه قلقا.
اذا كانت الفقرة (ب) تشير الى النداء الأصلى، فما العلاقة بينها وبين الرؤى؟ لقد جاء وصف الرؤية الأولى فى سورة النجم فى اية تفند اعتراضات معينة أثارها أهل مكة ضد الموثوقية فى الوحى الذى نقله محمد (﵊) اليهم، ومعنى ذلك أنه كان قد أعلن بعض ما أوحى به اليه على الأقل وربما أكثر. فالحديث عن الرؤية فى هذا السياق يبين أنه لابد أن يكون للرؤية علاقة بتلقى الوحى، ومع ذلك فليس هناك ما يدل على أن الرؤية قد صاحبها تلقى ايات معينة، بل اننا اذا ناقشنا أكثر من ايتين نجد أن ذلك مستحيل. ويبدو أن النتيجة العامة للرؤية شىء أكثر عمومية مثل التأكيد على أن هذه الايات كانت رسائل من الله. وربما التأكيد أيضا على أن محمدا (﵊) قد أمر باعلانها، وهذا يعنى الافتراض المسبق بأن محمدا (﵊) قد تلقى الوحى بالفعل عدة مرات. ولكنه لم يكن واثقا من حقيقة طبيعة هذه الكلمات التى جاءت اليه، أما الان فقد أخبر بذلك وجاءه التأكيد. أو يمكننا أن نعتبر الرؤية نداء كى يلتمس الوحى، وربما كان محمد يعرف شيئا عن طرق استقرائه**. ولكن الرأى الأول أكثر احتمالا بصفة عامة، ويتفق مع هذا الرأى وجهة النظر «٢١» التى تقول
_________________
(١) * الحديث الذى يشير اليه المؤلف رواه الزهرى عن السيدة عائشة ﵂. والسيدة عائشة لم ترو الأحاديث عن رسول الله الا بعد وفاته ﷺ أى بعد ٢٣ عاما من الأحداث التى يعلق عليها المؤلف، وهى مدة كافية لأن يعلم الرسول أن الملك الذى جاءه فى حراء كان جبريل، وبالتالى يخبر السيدة عائشة بهذا الخبر الذى روته عنه. فليس هناك اذن أى ارتباط بين عدم ذكر اسم جبريل فى السور الأولى من القران وبين ذكره فى هذا الحديث، لأن الفاصل الزمنى بينهما طويل. ** عندما انقطع الوحى عن الرسول ﷺ حزن حزنا شديدا وكاد يقتل نفسه كما سبق أن أورد المؤلف (لا داعى للادعاء بأنه كاد يقتل نفسه، فالرسول لا يفكر فى هذا الاتجاه)، ومعنى هذا أن الوحى يأتيه فجأة- (المترجم) . Mohammeds Visions.R.Bell. (٢١)
[ ١١١ ]
ان ما ألهم به أو أوحى اليه به كان «الخط العملى للهدى» الذى كان يتبعه بالفعل. فاذا كان الهدف من الرؤية شيئا عاما، فان هذا يناسب تماما الفقرة ب. من المحتمل أن تكون الكلمات «أنت رسول الله» لم تكن كلاما خارجيا، بل ربما لم تكن حتى كلاما تخيليا، وانما كلام ذهنى، بمعنى أنه لم يسمع بأذنيه ولا حتى تخيل نفسه يسمع، وانما كانت هذه الكلمات نوعا من الاتصال الذى أتاه من غير كلمات «٢٢» . بل ربما صيغت الكلمات بعد الرؤية الفعلية بزمن طويل.
هل يمكن تكرار مثل هذه التجربة؟ ان ذلك ليس مستحيلا. وربما يتضمن الاقتران بين رؤيتين فى سورة النجم بعض التشابه فى المضمون، ومن ناحية أخرى لم يذكر الوحى فى الرؤية الثانية وانما ينظر اليها دائما على أنها تشير الى الجنة. لا تقدم الفقرات (ج)، (د)، (ط) الكثير من المساعدة. فالأخيرتان لا تعتبران نداء لمحمد (﵊) بقدر ما أنهما اعادة التأكيد له وتذكيره بالنداء الأصلى. ومن الطبيعى أن نفترض أن محمدا (﵊) كان يتذكر الرؤية الأولى فى الأوقات التى كان يشعر فيها باليأس. وربما كان التفكير فيها يلمع فى عقله فى اللحظات الحرجة ويعزوها الى قوة عليا، ومهما كانت الحقائق حول هذه الذكريات فانها ليست فى أهمية التجربة الأصلية.
(هـ) «اقرأ»
هناك روايات عديدة لحديث نزول الوحى بسورة العلق، ذكرت احداها فى الفقرة هـ المروية عن الزهرى. فى هذه الرواية نفهم قول محمد (﵊) «ما أقرأ» ردا على قول الملك «اقرأ» على أنه يعنى «لا أستطيع القراءة»، ويؤكد ذلك الرواية الاخرى التى تقول: «ما أنا بقارى» «٢٣» (لا أستطيع القراءة) وتمييز ابن هشام
_________________
(١) انظر القسم الخامس وكتاب Graces of Interior Prayer للمؤلف بولان، A.Poulain لندن ١٩٢٨، صفحة ٢٩٩.
(٢) البخارى، ٦٥، وسورة العلق (٩٦) .
[ ١١٢ ]
بين «ما اقرأ» و«ماذا اقرأ» حيث لا يعنى التعبير الأخير الا «ماذا سأقرأ»، وهذا المعنى أيضا هو المعنى الأكثر ملاءمة للتعبير «ما أقرأ» .
ويكاد يكون من المؤكد أن أهل الحديث المتأخرين قد تجنبوا المعنى الطبيعى لهذه ألكلمات ليعززوا ألاعتقاد بأن محمدا (﵊) لم يكن يستطيع الكتابة، وهذا الاعتقاد جزء من اثبات الطبيعة المعجزة للقران.
وتتطلب رواية الحديث عن عبد الله بن شداد فى شرح الطبرى «٢٤» .
اذا كان المتن صحيحا، ان تؤخذ كلمة «ما» بمعنى «ماذا» لأنها مسبوقة بحرف «الواو» *.
تنتمى كلمتا «قرأ» و«قران» الى مجموعة المفردات الدينية التى أدخلتها المسيحية فى شبه الجزيرة العربية، فكلمة قرأ تعنى «تلا بوقار نصا مقدسا»، وأما كلمة «قران» فهى الكلمة السريانية «كريانا queryana التى تعنى «القراءة» أو «درس من الكتاب المقدس» «٢٥» **.
ونستطيع أن نفترض أن الفعل «اقرأ» يعنى فى هذه السورة «اتل من الذاكرة»، أى ما قد بلغ اليه بأسلوب خارق للطبيعة. لمن يتلو محمد (﵊) وفى أية مناسبة؟ لم تناقش الأحاديث هذا السؤال بوضوح. والتفسير الأكثر ملاءمة أن يتلو محمد (﵊) ما أتاه كجزء من صلاته لله (﷿) . وهذا المعنى يطابق الاستخدام السريانى للكلمة كما يؤكده أن المسلمين لا زالوا يقرؤن سورة أو سورا فى صلاتهم أو عبادتهم. ويلاحظ فى رواية عبد الله
_________________
(١) الجزء ٣٠، الصفحة ١٣٩، وتختلف قليلا عما ورد فى الحوليات، الجزء ١، الصفحة ١١٤٨. (المؤلف) . * ان واو العطف هنا عطفت (ما) على كلمة تعنى (ماذا) وبالتالى أصبح معنى (ما) أيضا هو (ماذا) وجعل لها مقابلا انجليزيا هو.What ** اللغة العربية من ضمن مجموعة اللغات السامية، وهذا التشابه فى الكلمات من باب (المشترك) بين اللغات السامية ولا يعنى بالضرورة أن لغة أخذت من الاخرى، أما عن تأثير المسيحية واليهودية فى العرب قبل الاسلام فقد كان لكلا الدينين وجود. وكان بعض العرب على المسيحية أو اليهودية، وقد تعرض القران الكريم لهذه الأديان. Bell،Origin،٩٠ f.Noldeke -Schwally،i،٨٢. (٢٥)
[ ١١٣ ]
ابن شداد المشار اليها سابقا، أن الاجابة على السؤال: «ماذا أقرأ؟» لم تكن كما وردت فى معظم الروايات الاخرى «اقرأ باسم » وانما «بسم » فقط، هل يمكن أن يكون ذلك ارهاصا* بالبسملة؟
لا توجد اعتراضات ذات قيمة لما اتفق عليه العلماء المسلمون من أن هذه السورة هى أول ما أوحى من القران. ولا توجد ايات يمكنها أن تعارض سورة العلق بأية فرصة من النجاح «٢٦»، ومن الطبيعى أن نتوقع أن الأمر بالعبادة هو أول ما يأتى بالنظر الى الاتجاه العام للرسالة الأساسية للقران «٢٧» . وجه الأمر «اقرأ» الى محمد (﵊) واحده، وبالرغم من أنه لا توجد صعوبة فى أن يتسع الأمر ليشمل أتباعه الذين يقتدون به، الا أننا نستطيع أن نتصور أن مبدأ وجود أتباع له لم يخطر بباله عندما أوحيت اليه هذه السورة، أى أنها قد تنتمى الى مرحلة سبقت دعوته للاخرين. كما لا نستبعد، بالطبع، امكان تلقى محمد (﵊) لرسائل أخرى لم يعتبرها من القران، مثل «أنت رسول الله» التى وردت فى الحديث.
(و) سورة المدثر، الفترة
هناك حديث عن جابر بن عبد الله الأنصارى أن الايات الأولى من سورة المدثر كانت أول الوحى، وقد يبدو ذلك مناسبا لأن فيها «قم فأنذر»، وهذا القول يبدو كما لو كان أمرا للقيام بمهمة الرسول، وكان يمكن أن تكون هذه الايات أول الوحى لو أن محمدا (ﷺ) قد بدأ الدعوة العلنية فجأة وبدون فترة اعداد، ولكن لو وجدت هذه الفترة الاعدادية، وكان فيها وحى، فان هذا يعنى أن سورة المدثر لا يمكن أن تكون أول الوحى، ولقد رأينا أن «اقرأ» لا تستلزم بالضرورة الدعوة العامة. ولكن من ناحية أخرى، فان استمرار وجود هذا الحديث، بالرغم من الاتفاق العام منذ زمن بعيد أن سورة العلق هى أول
_________________
(١) * ارهاصات: اشارة غيبية تصدق فيما بعد (المغنى الكبير- (المترجم) . Bell،Origin،٩٠ f ;Cf.Noldek -Schwally،i،٨٢. (٢٦)
(٢) انظر الفصل الثالث.
[ ١١٤ ]
الوحى*، يعطى احساسا بأن فيه قدرا من الحقيقة، وأكثر الاراء احتمالا أنها تحدد بداية الدعوة العلنية.
هناك دلائل قوية فى الأحاديث على أن هناك تميزا بين الدعوة العلنية** والدعوة السرية. كتب ابن اسحق «٢٨»: «ثم أمر الله نبيه، بعد ثلاث سنين من البعثة، بأن يعلن ما جاءه منه وأن يسمع الناس كلمة الله ويدعوهم اليها» . وقد أخبرنا فى موضع اخر أن الوحى كان يبلغ الى محمد (﵊) على لسان اسرافيل لمدة ثلاث سنين قبل السنين العشر التى كان الوحى يأتيه فيها على لسان جبريل «٢٩» ***.
وتوصف بداية السنين الثلاث أحيانا بمجىء النبوة وبداية السنين العشر بمجىء الرسالة «٣٠» . ونظرا للاجماع الكبير على هذا الحديث والاحتمال القوى لصحته، يمكننا أن نقول انه كان هناك فرق بين المرحلتين اللتين مرت بهما دعوة محمد (﵊)، وأن التواريخ الواردة صحيحة تقريبا، ولكن من الصعب أن نقول ما طبيعة الفرق بالضبط، لأن المسلمين الأوائل دخلوا فى الاسلام، كما يقال، فى الفترة الأولى.
_________________
(١) * يتجه المفكرون المحدثون الى الجزم بأن ايات سورة العلق كانت أول ما نزل من القران الكريم، ولم يفهم الرسول منها ماذا يطلب منه حتى نزلت سورة المدثر وفيها أمر بأن يبدأ الدعوة (قم فأنذر) فشرحت سورة المدثر ما كان خافيا- (المراجع) . ** الصحيح أن الدعوة العلنية بدأت عندما نزل قوله تعالى «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (سورة الحجر، الاية ٩٤) - (المراجع) .
(٢) أ. هـ.، ١٦٦، وأيضا حوليات الطبرى ١١٦٩ (المؤلف) .
(٣) الطبرى، ١٢٤٨ وما بعدها. *** قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن أبى عدى عن داود بن أبى هند عن عامر الشعبى أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشىء ولم ينزل القران، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القران على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة وعشرا بالمدينة، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة- (المترجم) . Caetani.Ann.i. ٢١٨ -٢٢٠. (٣٠)
[ ١١٥ ]
يزيد الأمر تعقيدا بوجود الفترة، أو انقطاع الوحى، كما ذكرنا فى الفقرة (ط)، واذا قارنا ما ذكر فى الفقرتين (ى) و(ك) مع رواية الزهرى عن جابر «٣١» برواية نفس الحديث عن جابر التى رواها يحيى ابن أبى كثير «٣٢»، يبدو واضحا أن الزهرى قد أدخل «الفترة» ليوفق بين هذا الحديث والقول بأن سورة العلق كانت أول ما جاء. ومع ذلك، فان هناك دليلا اخر على حدوث «الفترة»، فان ابن اسحق يجعلها قبل نزول سورة الضحى «٣٣» *، واحتمالات حدوث مثل هذه التجربة أمر قائم، ولكن من غير المحتمل أن تكون قد استمرت ثلاث سنين كما يقال أحيانا، وربما كان هذا الرقم نتيجة للبس بين هذه الفترة وفترة الدعوة السرية. وتشير هذه الاعتبارات الى أنه ربما كانت هناك فترة انقطاع فى ممارسة محمد (﵊) الدينية، ولا يعتبر ظن الزهرى (والذى اخذ به) أنها كانت قبل بدء الدعوة العامة مباشرة دليلا قويا؛ ولكنها محتملة جدا.
تؤخذ كلمة «مدثر» عادة على أنها تعنى «مغطى بدثار» (أو دثار) (بدال مفتوحة)، فاذا كان هذا المعنى صحيحا فان فعل ذلك له علاقة ما بتلقى الوحى، فربما يكون ذلك لحث الوحى أو، وهو الأكثر احتمالا،
_________________
(١) الطبرى، ١١٥٥ وما بعدها.
(٢) ابن هشام، ١٥٦.
(٣) ابن هشام، ١٥٦. * ورد ذكر فترة انقطاع الوحى فى أحاديث رواها البخارى عن السيدة عائشة (وهو الذى رواه أيضا الزهرى ويتناوله المؤلف بالدراسة والتحليل) وابن شهاب عن جابر بن عبد الله ونصه: (قال جابر بن عبد الله وهو يحدث عن فترة الوحى فقال فى حديثه (يعنى الرسول ﵊): بينا أنا أمشى اذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت زملونى زملونى فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الايات من ١- ٥ من سورة المدثر. فحمى الوحى وتتابع. نرى من هذا الحديث أن جابرا رضى الله عليه عندما قال ان أول ما نزل من الوحى هو أول سورة المدثر كان بعد فترة انقطاع الوحى وليس أول ما نزل مطلقا، وذلك مطابق لما ورد فى الروايات الاخرى من وقوع فترة انقطاع الوحى.
[ ١١٦ ]
لحماية المتلقى الادمى من خطر التجلى الالهى «٣٤» *، ومن ناحية أخرى طورت ألفاظ معينة- بشكل مجازى- فكرة (التغطية) فأصبحت تطلق على شخص غامض أو غير مشهور. وهذا المعنى لا ينطبق على محمد ﷺ، فهو وفقا لمعايير أهل مكة لم يكن- نسبيا- شخصا قليل الأهمية.
هذه الصورة التى كوناها توضح اذا ما سقنا هذه التفاصيل غير المؤكدة فى سياق واحد- أن مسار الأمور كان كالتالى أو شيئا قريبا منه:
كانت هناك مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة الاعداد (اعداد محمد ﷺ لتحمل مهام النبوة)، وقد استمرت هذه المرحلة ثلاث سنين، وفى هذه المرحلة كان قد بدأ يتلقى وحيا من نوع ما. وفى الأحاديث التى ورد فيها ذكر اسرافيل ما يفيد أن محمدا ﷺ كان يسمع صوتا ولا يرى جرما «٣٥» **، ويمكن أن نرجع القسم الأول من سورة العلق وسورة الضحى الى هذه المرحلة، وقد يكونان (جزا سورة العلق والضحى) أيضا من نوع الوحى ذى الطبيعة الخاصة (الموجه لمحمد ﷺ خاصة) الذى لم يعتبره محمد ﷺ جزا من القران الكريم (كيف هذا؟ هذه غير مفهومة، واذا كان الأمر كذلك فلم نجد ايات السورتين فى مصاحفنا؟ - المترجم) . وعند نهاية هذه السنين الثلاث، كانت الفترة (وهو المصطلح الذى يعنى انقطاع الوحى)، وقد يكون الانتقال من خصوصية الوحى (أى توجيهه للرسول ﷺ دون تكليفه بابلاغه) الى عموميته (أى توجيهه لمحمد ﷺ وتكليفه بابلاغه الى أهل مكة) هو الوقت المناسب للرؤى، ففى هذه الفترة الانتقالية خاطب الوحى محمدا ﷺ باعتباره (رسول الله)، وفى هذه المرحلة الانتقالية نزلت سورة المدثر (رغم أن ارتباطها بالرؤى فى الروايات المتداولة لا يعد برهانا كافيا بسبب الانفصال الذى يحول بيننا وبين فهم طبيعتها المركبة) ويمكن للمرء أن يتوقع أن محمدا ﷺ تكلم فى المسائل الدينية مع أصدقائه المقربين خلال فترة الاعداد، لكنه أمر غريب
_________________
(١) انظر نولدكه- شفالى، ١، ٩؛ وفلهاوزن. ١٣٥ Reste * لا هذه ولا تلك، فالوحى لا يستحث ولا يستحضر برغبة الانسان، ولو كان الأمر بهذه البساطة لما حزن الرسول ﵊ لانقطاع الوحى. أما الاحتمال الثانى، فهو بعيد لأن الله سبحانه عندما تجلى للجبل جعله دكا، كما فى قصة سيدنا موسى كما وردت فى القران الكريم.
(٢) الطبرى، ١٢٦٩، ٥. ** يقصد التفاصيل لا المسار العام للحوادث.
[ ١١٧ ]
أن يكون هناك نقاش قبل تكليف محمد ﷺ بابلاغ الدعوة (سرا أو جهرا) لأهل مكة. لهذا؛ فهناك شك فى كثير مما ينسب الى هذه المرحلة (مرحلة الاعداد) فى الروايات التقليدية.
(ز) خوف محمد ويأسه
وفى نصوص منقولة عن الزهرى اشارات متتالية الى مشاعر الخوف وما شابهها عند محمد ﷺ. ويمكن تمييز تجربتين خاضهما الرسول ﷺ. الأولى الخوف من تجربة الوحى، والثانية يأسه الذى أدى به الى التفكير فى الانتحار*.
أما الخوف من الاقتراب من عالم الغيب، Divine فله جذور عميقة فى الوعى لدى الشعوب السامية، وهناك شواهد على ذلك فى التوراة.
والروايات التى تذكر هذا تبدو معتمدة فى الأساس على شرح كلمات سورة المزمل:
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) ..) الخ، السورة ٧٣ (المزمل) .
وهذا يعنى أن المفسرين الذين أتوا بعد ذلك لم يكونوا يعتمدون فى عزوهم الخوف الى محمد ﷺ الا على النص القرانى. والانتقال المر بك بين (زملونى) و(المدثر) يبين أن تفسير (المزمل) لم يكن فى الأساس مرتبطا بقصه اعلان محمد ﷺ لنبوته، وأن التفسير اعتمد- فقط- على السياق. ومن ناحية أخرى، فانه ان بدا طبيعيا لهؤلاء المفسرين المتأخرين زمنا أن يشرحوا (المزمل) بهذه الطريقة، فهذا الخوف من بداية الوحى لا بد وأن يكون قد انتشر (بين الناس)، وأن محمدا ﷺ نفسه قد شارك فى انتشاره. هذا كله ما يمكننا قوله.
_________________
(١) * تكررت فكرة الانتحار فى كلام المؤلف وهى فكرة مرفوضة تماما، فالرسول ﷺ لم يعرف اليأس وان كان يتطلع الى المزيد من المعرفة، وفى هذه الرحلة وجدت الدعوة الفردية وهى دعوة الأصفياء حول الرسول- (المراجع) . (زاد المعاد، ج ١، ص ٢٠) .
[ ١١٨ ]
والشعور باليأس يمكن أن يكون موازيا لما حدث لأنبياء العهد القديم، وما حدث فى حياة القديسين، فالقديسة تريزا (من أقيليا (Avelia كتبت تقول: «الكلمات، بتأثيراتها والتأكيدات التى تحويها تقنع الروح فى اللحظة أنها اتية من الرب، وعلى اية حال، ففى ذلك الوقت، الذى هو الان ماض، يظهر الشك، فيما اذا كانت هذه الكلمات تأتى من الشيطان أو من الخيال، رغم أنه عند سماع هذه الكلمات، لم يكن الانسان ليشك فى صدقها بحيث تكون- أى تريزا- مستعدة للموت دفاعا عنها» «٣٦» .
وعلى أية حال، ففكرة الانتحار يمكن- بشق النفس- عزوها الى محمد ﷺ، فمادام النبى لم يذكر ذلك عن نفسه فمن الصعب أن نعزوها اليه، فهذا تجاوز فى شرح سورة الضحى:
(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١» .
وأكثر من هذا، فان فترة اليأس قد تكون متلائمة مع الروايات التى تحدثنا عن (الفترة) وهى المدة التى انقطع فيها الوحى عن الرسول ﷺ.
وعلى هذا، فان ذلك يعطينا- فيما يبدو- بعض المعلومات الحقيقية عن محمد ﷺ.
(ح) خديجة وورقة بن نوفل يشدان من أزر محمد (ﷺ)
ليس من سبب يجعلنا نرفض الرواية القائلة ان خديجة قد شدت من أزر محمد ﷺ، فمن الواضح أن محمدا كانت تنقصه فى هذه المرحلة الثقة بالنفس*، فالصورة العامة لا يمكن أن تكون مبتدعة رغم أن
_________________
(١) Interior Castle، Sixth Mansion، iii، ١٢، quoted from Poulain، Graces of Interior Prayer، ٣٠٤ f. * هذا التعبير مرفوض، فثقة الرسول ﷺ بنفسه وبربه كانت واضحة دائما وفى صعب الأحوال كغزوة أحد- (المراجع) .
[ ١١٩ ]
التفاصيل قد يكون لحقتها اضافة نتيجة الاستنتاج الخاطىء أو بفعل التخيل.
وشد أزر ورقة بن نوفل لمحمد كان بالاضافة لجهود خديجة أمرا مهما. وليس هناك سبب قوى يدعونا للشك فى صحة العبارة التى وردت بها كلمة (الناموس) على لسان ورقة. فاستخدام هذه الكلمة غير القرانية- بدلا من كلمة التوراة القرانية- دليل على صحة هذه الرواية.
ومن ناحية أخرى، فان بقية الرواية تبدو لشرح موقف ورقة الذى لم يتحول للاسلام رغم تصديقه لمحمد ﷺ، ولسبب قريب من هذا كانت الرواية التى جعلت محمدا يقابل ورقة أفضل من تلك التى جعلته لم يقابله.
وأكثر من هذا، فبعض الروايات تجعل موت ورقة بعد بعثة محمد بعامين أو ثلاثة، وأخرى تزيدها الى أربعة «٣٧» .
وكلمة الناموس- عادة ما ينظر اليها على أنها من الكلمة اليونانية نوموس «٣٨» Nomos التى تعنى الشريعة أو الكتاب الموحى به؛ وبالتالى فهى ملائمة تماما للحديث عن موسى (كما ورد فى حديث ورقة) فملاحظة ورقة اذن كانت موجهة لمحمد ﷺ عند تلقيه الوحى، وربما كانت هذه الملاحظة تعنى أنه مادام محمد قد تلقى هذا الوحى فانه مثل موسى وعيسى وأن ما نزل عليه مماثل للتوراة والانجيل، أو على الأقل على الدرجة نفسها أو من النوع نفسه. وهذه الفكرة التى ذكرها ورقة قد تشير أيضا الى أن محمدا لابد أن يكون مؤسسا أو مشرعا لأمة (أو لجماعة أو لمجتمع.Community (واذا كان محمد فى مرحلة تردد- وهذا ما يبدو معقولا- فان هذا التشجيع الذى لاقاه لابد أن يكون ذا أهمية عظمى فى تطوره الداخلى (نموه النفسى) .
وثمة صعوبات طفيفة فيما يتعلق بترتيب الحوادث، فالايات الأخيرة من أول ما نزل من الوحى ( الذى علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم) والتى تشير بتأكيد غالب لوحى سابق، عادة ما يفسر المسلمون اية (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) على أنها تعنى الذى علم الانسان كيف يستخدم القلم، لكن هذا التفسير لا يوجد ما يدل عليه خاصة اذا كان محمد ﷺ
_________________
(١) Caetani -Ann،i،pp. ٢٣٨. ٢٦٠. (٣٧) Ibid،p. ٢٢٢،n. ٦. (٣٨)
[ ١٢٠ ]
لا يعرف القراءة والكتابة. والان، فمن بين الرجال الذين عرفناهم مع محمد ﷺ فان ورقة كان على صلة وثيقة بمحمد وكان معروفا بدراسته للأناجيل «٣٩» . فهذه الايات القرانية الانف ذكرها (اقرأ ) كانت تذكر محمدا ﷺ عند قراءتها بما هو مدين لورقة بن نوفل به. انه لأمر مغر أن نفكر أنها نتيجة ملاحظة ورقة عن الناموس لكن هذا يتطلب وحيا قبل سورة اقرأ لتكون أساسا لهذه الملاحظة. ومن الأسهل أن نفترض أن محمدا كان على صلة متتابعة بورقة بن نوفل منذ فترة مبكرة سابقة على الوحى. والأفكار الاسلامية اللاحقة قد تكون اختلطت الى حد كبير بأفكار ورقة، كعلاقة الوحى الذى نزل على محمد ﷺ بالوحى الذى نزل على موسى وعيسى (﵉) .
خاتمة
وعلى هذا، فهناك الكثير مما هو غير مؤكد حول الظروف المحيطة بنزول الوحى على محمد ﷺ فالتمحيص الدقيق للروايات الأولى يصل بنا الى صورة عامة يمكنها أن تكون محل ثقتنا، لكن حتى بالنسبة لكثير من التفاصيل خاصة التواريخ النسبية للظواهر المختلفة، فانها لا بد أن تبقى غير مؤكدة.
٥- أشكال وعى محمد ﷺ بنبوته
منذ ألقى كارليل Carlyle محاضرته عن محمد ضمن سلسلة محاضراته عن الأبطال والبطولة، أصبح الغرب على وعى بوجود أساس طيب للاعتقاد فى اخلاص محمد ﷺ «٤٠» . فاستعداده لتحمل الاضطهاد فى سبيل معتقداته، وسمو الرجال الذين آمنوا برسالته والذين اعتبروه قائدا لهم، وعظمة ما تمخضت عنه جهوده من انجازات- كل هذا يبرهن على تكامله الأساسى (نظرته الكلية) . لقد تصور الغرب محمدا دجالا أثار من القضايا أكثر مما قدم من الحلول، وأكثر من هذا فلا أحد من عظماء التاريخ لاقى من الغبن والظلم فى الغرب مثلما لاقى محمد ﷺ، فالكتاب
_________________
(١) ابن هشام، ١٤٣.
(٢) Tor Andrae، Mohammad، the man and his faith.London ١٩٣٦، pp.٦٣، ٦٩، ٢٢٩، ٢٣٣، ٢٥٩، ٢٦٨:W.Thomson in MW.xxxiv.١٩٤٤، pp.١٢٩ f.
[ ١٢١ ]
الغربيون يكادون يكونون منكفئين على الاعتقاد فى كل امر يشين محمد:
ﷺ، فاذا ظهر لهم تفسير كريه لفعل يبدو معقولا ومنطقيا مالوا الى تصديقه. وعلى هذا، فاذا كان علينا أن نفهم محمدا ﷺ ككل متكامل، وأن نصحح الأخطاء التى ورثناها عن الماضى فلابد أن نؤمن باخلاصه وصدقه الا اذا ثبت العكس، ويجب ألا ننسى أن البرهان الأخير (النتيجة النهائية) تتطلب استقامة أكثر بكثير مما يتطلبه استعراض المعقولية (القابلية للتصديق) . فنظريات الكتاب الغربيين التى تفترض افتراضا مسبقا أن محمدا ﷺ غير صادق لن نناقشها كنظريات، ومع هذا فسنناقش هنا الأدلة التى سيقت للدلالة على عدم صدقه.
واذا كان الأمر كذلك، فاننا نكون قد حللنا المعضلة على قدر الطاقة فيما يتعلق بصدقه واخلاصه ﷺ، ويجب أن نميز بين القران والشعور الواعى العادى لمحمد ﷺ مادام هذا الفصل يعد أمرا ضروريا بالنسبة له.
ومن البداية لابد أن محمدا ﷺ قد ميز بشكل واضح بين ما يأتيه وحيا كما يعتقد- وبين ما ينتجه عقله الواعى. أما كيف كان يميز بينهما، فهذا أمر غير واضح تماما، لكن الحقيقة التى صنعها محمد ﷺ مؤكدة كأى شىء فى التاريخ. اننا لا نستطيع بأى درجة معقولة أن نتخيله يقحم ايات من تأليفه بين الايات الموحاة اليه (الايات الاتية اليه من مصدر خارج عن شعوره كما يعتقد) . وعلى أية حال، فربما يكون محمد ﷺ قد فعل شيئا فى الوحى المنزل عليه كاعادة ترتيب الايات الموحى بها، وربما يكون قد حاول أن يصوب النص اذا أحس أن النص الموحى به يحتاج الى اصلاح*، ويعتقد أهل السنة بالناسخ والمنسوخ، أى أن هناك ايات قرانية نسختها ايات أخرى.
أما شرح كيف كان محمد ﷺ يفصل بين ما يوحى اليه وما هو من عنده، فمسألة أخرى، ولأن مناقشة ذلك تتطلب الخوض فى مسائل لاهوتية (متعلقة بعلم الكلام عند المسلمين) فلن نناقشها هنا. وهناك
_________________
(١) * ان كان المقصود اصلاح أخطاء كتاب الوحى فلا بأس، لكن أيصلح نبى ما أنزل ربه عليه؟ وكان الرسول ﷺ عندما يتلقى وحيا يلقيه فى الحال على كتاب الوحى لتدوينه أما أفكاره الخاصة فلا يفعل معها ذلك- (المراجع) .
[ ١٢٢ ]
ثلاث وجهات نظر فيما يتعلق بالوحى النازل على محمد ﷺ نوردها كالتالى:
يعتقد المسلمون السنة أن القران الكريم وحى تماما (من مصدر علوى تماما) انه كلام الله غير المخلوق (رغم أن الأحبار المكتوب بها القران، والأصوات والخط على الورق كل ذلك مخلوق) .
ويعتقد الباحثون الغربيون العلمانيون (غير المؤمنين بالغيبيات Secularists (أن جانبا من محمد ﷺ مسئول عن القران الكريم، وهذا الجانب- الموجود فى شخصية محمد- يختلف عن عقله الواعى.
ووجهة النظر الثالثة الرئيسية هى أن القران الكريم هو من خلق الله سبحانه (فكرة خلق القران الكريم) ولكنه نتج- من خلال- شخصية محمد ﷺ، وبهذه الطريقة فى التفكير تكون ملامح معينة أو خواص معينة من القران الكريم يمكن عزوها- أساسا- لبشرية محمد ﷺ. وهذه هى وجهة نظر المسيحيين الذين يؤمنون باحتواء القران الكريم على جانب من الحقيقة الالهية.Divine truth بالنظر الى وجهات النظر الثلاث هذه، فاننى أحاول أن أكون محايدا مادامت هذه الوجهات من النظر تتضمن قضايا خارج نطاق عمل المؤرخ. سأحاول- متخليا بذلك عن الكياسة- أن أتحدث بأسلوب لا ينكر أية عقيدة من عقائد المسلمين، لذا فسأقول (ان القران يقول) ولن أقول (ان محمدا يقول ناسبا بذلك
ايات القران الى محمد ﷺ) . ومن ناحية أخرى، فعندما أشير الى اية قرانية فلن أربط هذه الاشارة بأية وجهة نظر من وجهات النظر الانف ذكرها، وانما سأقول عبارة (كما يقول المسلمون) أو عبارة شبيهة، فهذا لن يسبب أى ارباك.
أما وقد فصلنا الان بين الأمور التاريخية والأمور اللاهوتية (المتعلقة بعلم الكلام)؛ فانه يصح للمؤرخ أن يضع فى اعتباره الشكل الدقيق (المحدد) لوعى محمد ﷺ بتجربة الوحى هذه (تجربة نزول الوحى عليه أو تجربة تلقيه الوحى) كيف بدا الوحى له؟ وكيف وصفه؟ تلك حقائق تاريخية موضوعية حتى لو كانت مرتبطة بوعى محمد ﷺ وحتى لو كان وصفه لها ربما ارتبط بوجهات نظره السابقة. والنقطة الأولى الجديرة بالملاحظة هى أن الرؤى الموصوفة فى سورة النجم تعد استثناء من ذلك،
[ ١٢٣ ]
نظرا لطريقة وصفها الخاصة. وعلى هذا، فلا بد لنا من البحث فى مصادر أخرى عن الشكل العادى (أو الأشكال) فيما يتعلق بوعى محمد ﷺ بنبوته.
وسيكون من المفيد فيما يتعلق بهذه النقطة أن نقدم بعض المصطلحات الفنية التى استخدمها بولين A.Poulain فى مبحثه The Graces of Interior Prayer فسيكون هذا كافيا لأغراض بحثنا الان. ميز بولين عند مناقشته لجوانب التجربة الدينية التى أطلق عليها:
الوحى الكلامى أو الكلام المنزل Locution والرؤى -Visions بين نوعين: خارجى exterior وادخلى.interior فالوحى الكلامى من النوع الخارجى يتكون من كلمات تسمعها الأذن، رغم أن هذه الكلمات لم تصدر بطريقة طبيعية (من فم مثلا)، وكذلك الأمر بالنسبة للرؤى الخارجية exterior vision أو الرؤى العينية Ocular فهى رؤى لأشياء مادية (أو ما يبدو كذلك) يتم ادراكها بالعيون البشرية. والرؤى فى سورة النجم تدخل فى هذا النوع- أى أنها رؤى خارجية.exterior أما الوحى الداخلى بالكلمات، interior locution فيقسمه بولين الى: تخيلى imagenative وعقلى، intellectual أما التخيلى فيتم تلقيه مباشرة دون مرور بالأذن اذ يمكن أن نقول انه وصل عن طريق حاسة الخيال.imaginative sense وأما العقلى، فهو توصيل بسيط للأفكار دون استخدام كلمات، وبالتالى لا صلة له بأية لغة محددة «٤١» .
وقد تكون الرؤى الداخلية interior visions مثل ذلك، أى اما تخيلية واما عقلية*. ويمكننا الان الاستعانة بهذه الأدوات لدراسة القران الكريم والروايات المتداولة حول الوحى.
لقد كانت (كيفية) الوحى موضوعا للمناقشة بين العلماء المسلمين.
ويذكر السيوطى فى كتاب الاتقان «٤٢» خمس كيفيات مختلفة، وجمع
_________________
(١) Op.cit.،٢٩٩ ff.naw،١٦ (٤١) * لم يطبق بولين تقسيماته هذه على تجربة محمد ﷺ، لكن من يحاول ذلك هو وات نفسه.
(٢) طبعة القاهرة، ١٣٥٤، ص ص ٤٤ وما بعدها.
[ ١٢٤ ]
الباحثون من مصادر أخرى كيفيات تبلغ عشرا «٤٣» . وعلى أية حال، فمعظم هذه الأنواع لم توجد الا فى حالة واحدة أو حالات قليلة. ولا شك أن الأنواع (الكيفيات) الرئيسية هى تلك التى وردت فى سورة الشورى:
(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢» السورة ٤٢ (الشورى) .
فالحالة الأولى كما تبينها الايتان السابقتان هو أن يتحدث الله بالوحى. والاسم (وحى) والفعل (أوحى) يترددان بكثرة فى القران الكريم فى سياق لا يفيد أن الوحى تم من خلال اتصال لفظى مباشر، وقد درس رتشارد بل Bell استخدام الاسم (وحى) والفعل (أوحى) وخلص الى أنه فى الايات القرانية التى نزلت أولا، لا يعنى الوحى الاتصال اللفظى أو التوصيل اللفظى لنص الوحى، وانما يعنى أفكارا تقذف فى عقل شخص من مصدر خارج نفسه، بحيث يصلح معها أن نستخدم الكلمات الانجليزية Suggestion أو prompting أو «٤٤» inspiration وفى معظم الحقبة المكية كان الوحى من عمل الروح Spirit باذن من الله «٤٥»:
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) ) السورة ٢٦ (الشعراء) .
فلم يرد ذكر الملائكة حاملين الرسالة الى النبى الا فى مرحلة أخرى «٤٦» .
_________________
(١) Noldeke Schawlly،i،٢٢ ff. (٤٣) Muhammads Vision MW،XXIV،١٩٣٤،١٤٥ -٥٤،esp. ١٤٨. (٤٤)
(٢) الايات فى المتن، وانظر أيضا Ahrens،Muhammed،٤١ f.:
(٣) أوردنا الايات فى المتن.
[ ١٢٥ ]
(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨» السورة رقم ١٥ (الحجر) .
(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) السورة ٩٧ (القدر) .
(المترجم: من الواضح أن المؤلف قد أخرج هذه الايات عن سياقها، فاية سورة الحجر مسبوقة بالايتين التاليتين: (قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ..) فكانت الاية رقم ٨ الانف ذكرها ردا على طلبهم، وفى اية سورة القدر ليس هناك اشارة الى نزول الملائكة فحسب) . وأكثر من هذا، ففى الحقبة المكية ليس هناك ذكر- على قدر ملاحظتى- لسماع النبى ما أنزل عليه. وربما، لذلك، يجب أن نتصور أن الروح يأتى بالرسالة الى قلب محمد ﷺ أو عقله بطريقة ما غير التحدث اليه «٤٧» .
وهذا بالتأكيد وحى كلامى داخلى interior locution وربما كان من النوع العقلى أقرب منه الى النوع التخيلى، ومن المفترض أنه لم يكن مصحوبا بأية رؤى ولا حتى عقلية، لأن ذكر روح Spirit يعطينا انطباعا بشرح التجربة على المستوى الفكرى وليس وصف جانب منها.
وربما كانت بعض الروايات مرتبطة بهذه (الكيفية) الأولى. وعلى هذا نجد فى الحديث الثانى فى صحيح البخارى المنسوب الى عائشة ﵂:
«حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث ابن هشام ﵁ سأل النبى ﷺ: كيف يأتيك الوحى؟
فقال رسول الله ﷺ: (أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول) قالت عائشة
_________________
(١) ٢. ولم نفهم معنى هذه الاشارة- (المترجم) .
[ ١٢٦ ]
﵂: (وقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا) صحيح البخارى/ ج ١/ باب كيف كان بدء الوحى الى رسول الله/ ص ٦.
وتوجد بعض التفاصيل الشبيهة بما دار فى هذا الحديث فى اخر حديث الافك:
« فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق فى يوم شات، فلما سرى عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لى: يا عائشة احمدى الله فقد برأك الله، فقالت لى أمى قومى الى رسول الله.. فأنزل الله تعالى ان الذين جاؤا بالافك عصبة الخ» «٤٨» .
صحيح البخارى/ حديث الافك/ صحيح البخارى بحاشية السندى، ج ٢ (دار احياء الكتب العربية ص ١٠٥) .
واذا نحينا جانبا الملك الذى يأتى فى هيئة بشرية، فان ما هو موصوف فى الحديث ينطبق على الحالة (الكيفية) الأولى، فلا شك أن سماع الصلصلة (صوت الجرس) يعد تجربة تخيلية*، لكن ليس هناك أى ذكر لسماع موجود ما يتكلم كما أنه ليس هناك أى ذكر لسماع كلمات منطوقة، ولا حتى من باب التخيل. بل على النقيض من ذلك، فاننا نفهم من الحديث أنه فى نهاية التجربة ببدو- ببساطة- أنه وجد كلمات الوحى فى قلبه. انه من الواضح تماما- وفقا للمصطلحات التى شرحناها انفا- أننا ازاء وصف لوحى كلامى من النوع العقلى.intellectual locution
_________________
(١) البخارى، - ١٥ (أوردنا النص من الطبعة المشار اليها فى المتن) (المترجم) . * الكلمة هنا لا تحمل المفهوم الدارج عن تصور ما لا وجود له فى الواقع. فق؟؟ طبقها بولين على القديسين المسيحيين بمعنى مختلف- (المترجم) .
[ ١٢٧ ]
أما كيفية الوحى الثانية، فهى أن يتحدث الله سبحانه من وراء حجاب، والاشارة الأساسية لهذا النوع من الوحى، ربما لتأكيد تجربة محمد ﷺ الأولى، كما هو وارد فى الفقرة ب التى نقلناها انفا عن الزهرى (حيث أتاه الحق وقال له: انك رسول الله يا محمد) . وعبارة (من وراء حجاب) تفيد أن المتكلم لم يظهر (أولم تكن هناك رؤية) وهذه الحقيقة (حقيقة وجود متحدث) بالاضافة الى ذكر كلام أو حديث تتضمن أن هناك كلمات مسموعة، وبالتالى فالوحى هنا من النوع الكلامى التخيلى) imaginative locution *أو أنه حتى وحى من مصدر خارجى. (exterior locution وبعض السور المبكر جاء بها الوحى بهذه الطريقة (الكيفية) التى لم ترد كثيرا فى الروايات، وبالتالى فهى ليست شائعة، وعلى هذا يمكننا أن نفترض أن الوحى المبكر (فى بداية نزوله) ثم أيضا بالكيفية الأولى. ومن المعقول أن يكون نزول الوحى بالكيفية الثانية (السماع والحديث) قصد به وصف تجربة موسى.
والحالة (أو الكيفية) الثالثة هى أن يرسل الله سبحانه رسولا فيوحى عن طريق هذا الرسول الى نبيه ما يشاء، وقد ذهب الباحثون المسلمون فى وقت لاحق الى أن هذا الرسول هو جبريل، وذهبوا الى أن تلك هى الكيفية المعتادة للوحى منذ البداية. ومن ناحية أخرى، فان الباحثين الغربيين لاحظوا أن جبريل لم يذكر بالاسم فى القران (الكريم) حتى المرحلة المدنية «٤٩» وهناك كثير فى القران الكريم وأحاديث الرسول ﷺ يعارض الأقوال المنتشرة بين الباحثين المسلمين، وهذا يعنى أن وجهات النظر المتأخرة زمنا جرى اضفاؤها على الوحى فى مرحلته الأولى. وعلى أية حال، فهناك احتمال أيضا أن يكون نزول الوحى عن طريق جبريل كان
_________________
(١) * المؤلف يستخدم مصطلحات بولين التى طبقها على القديسين المسيحيين، كما أنه يصف تجربة موسى ﵇ بالمصطلحات نفسها، لكن المسألة الجوهرية هى أن كل هذا لا ينطبق عليه المنهج العلمى السليم، سواء بالنسبة لموسى ﵇ أو محمد ﷺ، لسبب بسيط وهو أن امكانية الدراسة المعملية أو المادية أو حتى التحليلية غير متوافرة. اننا نتحدث عن أنبياء لا عن تجربة بشرية عادية. راجع مقدمة المترجم.
(٢) ٩١٠٢؛ ٤١٦٦ (لم نفهم معنى هذه الاشارة المرجعية) - (المترجم) .
[ ١٢٨ ]
شائعا أيضا خلال الحقبة المدنية. وفى مثل هذه الحالات، فان الوحى ربما كان- من النوع الكلامى التخيلى imaginative locution *لكنه كان- بلا شك- مرتبطا برؤية لجبريل، وقد تكون هذه الرؤية عقلية أو تخيلية. أما الاشارة الى نزول جبريل على هيئة رجل فذلك وحى من النوع التخيلى** (وهو غير الهلوسة كما يشير المؤلف بعد ذلك- ولا يميل المسلمون الى استخدام مثل هذه المصطلحات عند الحديث عن النبوة) والشكل الدقيق أو الكيفية الدقيقة للوحى لم تكن ذات أهمية قصوى عند علماء الدين، سواء منهم المسلمون أو المسيحيون. أما التأكيد على أن رؤى محمد ﷺ والوحى الكلامى الذى يتلقاه مجرد هلوسة- كما يحلو لبعض الكتاب أحيانا أن يقولوا- فان مثل هذه الأقوال تجعل الأحكام الدينية (اللاهوتية) مفرغة تماما من الوعى، لذا فهى أقوال تتسم بالجهل المخجل الذى يدعو للشفقة- جهل بالعلم وسلامة العقل، وهو حكمنا على بولين، poulain وعلى اللاهوت الصوفى الغامض الذى يمثلونه. فسواء كانت الرؤى والكلام المسموع من مصدر خارجى أو تخيلى أو عقلى فلا يوجد معيار لصدقها أو سلامتها، الا أن الوحى المتلقى من مصدر خارجى أكثر تأثيرا فى المتلقى، وان كان الوحى العقلى- بمعنى من المعانى- هو الأعلى والأرقى فالعقل أعلى مرتبة من الحس. وهذه القضية ذات أهمية كبيرة لطلبة علم النفس الدينى وسيكون- بلا شك- من المفيد عقد مقارنة بين جوانب ظاهرة الوحى عند محمد ﷺ والظواهر المشابهة عند القديسين المسيحيين والصوفية. وعلى أية حال، فبالنسبة لعلماء الدين والمؤرخين نجد أن النقطة الأساسية هى أن محمدا ﷺ كان يفصل فصلا كاملا بين ما يوحى اليه من ناحية، وأفكاره الخاصة من ناحية أخرى.
وعلى النحو نفسه، فالظواهر المادية المصاحبة لتلقى الوحى غير ذات أهمية بالنسبة للباحثين فى الجوانب الدينية رغم أهميتها للمؤرخ.
_________________
(١) * رغم أن المؤلف- نقلا عن بولين- قد استخدم هذا المصطلح الذى قد لا يعنى ما توحيه كلمة الخيال فى استخدامها الدارج، الا أن المسلمين، وغير المسلمين، لا يقبلون استخدام مثل هذه المصطلحات عند اطلاقها على الأنبياء، بل وعلى الصالحين والأولياء الخ- (المترجم) . ** استخدام مثل هذه العبارات لا يعنى نفى الوحى، كما يوضح الكاتب فى مطهر تالية بعد ذلك- (المترجم) .
[ ١٢٩ ]
وغالبا ما يركز أعداء الاسلام على أن محمدا ﷺ كان مصابا بالصرع، epilepsy وبالتالى فان رسالته الدينية غير صحيحة. والحقيقة، أن الأعراض المصاحبة للوحى عند محمد ﷺ ليست هى أعراض الصرع، فالصرع يؤدى الى انهيار القوة البدنية والعقلية، بينما كان محمد ﷺ فى كامل قواه العقلية والبدنية، وفى كامل ملكاته. لكن بفرض أن هذا الزعم صحيح، فان البراهين عليه زائفة تماما وقائمة على مجرد الجهل والتخبط، فمثل هذه الظواهر المصاحبة للوحى لا تصلح برهانا نعتمد عليه فى رفض الوحى أو قبوله.
وسيكون أمرا شائقا أن نعرف ما اذا كان محمد ﷺ لديه أية طريقة لحث الوحى على النزول عليه «٥٠» . اننا لسنا متأكدين مما اذا كان وضع نفسه فى دثار* يحقق هذا الغرض والأكثر معقولية أن الوحى ينزل على غير توقع. وأخيرا- على أية حال- فمن الممكن أن يكون محمد ﷺ قد طور بعض التقنيات (الأساليب) للاستماع الى الوحى**، ربما من خلال قراءته القران الكريم قراءة هادئة بالليل. خاصة عندما كان يشك فى اكتمال الوحى. وقد تكون هذه طريقة لاكتشاف الايات الضائعة. ولا بد أن التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر ستظل محل تخمين، ويبدو مؤكدا أن محمدا ﷺ كان لديه أسلوب أو اخر لتصحيح (أو تنقيح) النص القرانى باكتشاف الصيغة الصحيحة لما أوحى اليه ناقصا أو غير صحيح. ومرة أخرى، فان كان هذا صحيحا، فان محمدا ﷺ كان فى بعض الأحيان يستحث الوحى على النزول..
٦- التتابع الزمنى لوقائع الحقبة المكية
لا أحد التفت الى التواريخ الدقيقة التى تجرى فيها الأحداث التى بدت وقتها بسيطة ولحظية، لكن فى وقت لاحق عندما أصبح الناس
_________________
(١) Ahrens Muhammad، ٣٧، J.C.Archer، Mystical Elements in Mohammad، New Haven، ١٩٢٤، pp.٧٢، ٧٦، c. * طبعا لا، وانما باللجوء الى الله والابتهال اليه، كما حدث بالنسبة للايات التى نزلت مبرئة السيدة عائشة (فى حديث الافك) - (المترجم) . ** لا يعدو معنى العبارة الا أن محمدا ﷺ قد يلجأ للدعاء والتوسل الى الله طلبا لنزول الوحى لحل مشكلة واجهته أو اجابة سؤال استعصى عليه- (المترجم) .
[ ١٣٠ ]
مهتمين بالتواريخ تضاربت الأقوال وبذل الباحثون المسلمون جهودا مضنية للوصول الى صيغة تاريخية مترابطة. وعلى أية حال، لقد بذلوا جهودا فيما يتعلق بالعناصر الرئيسية، بينما قدموا لنا تواريخ مختلفة وغير مؤكدة بالنسبة لأحداث ووقائع أخرى. ومسألة التواريخ ليست حيوية لفهم حياة محمد ﷺ، ويمكن الحصول على القليل (من حيث الترتيب الزمنى للأحداث) بمحاولة التمعن فى روايات الكتاب المسلمين المعتمدين فى الموضوع، سواء بالتعمن فى مضامين الروايات أو ظواهرها.
يقول كيتانى Caetani الذى بحث هذا الموضوع بعناية لأن مبحثه يأخذ شكل حوليات- ان الكتاب المسلمين متفقون فى أربع نقاط «٥١»:
١- ظل محمد ﷺ يدعو لرسالته سرا- طوال ثلاث سنين- صحابته المقربين، ولم يبدأ الدعوة العلنية الا عند نهاية هذه الفترة.
٢- الهجرة الى الحبشة فى العام الخامس، أى بعد عامين من الجهر بالدعوة.
٣- بدأت المقاطعة التى واجهها بنو هاشم، بعد الهجرة الى الحبشة واستمرت عامين أو ثلاثة.
٤- مات أبو طالب وخديجة بعد نهاية المقاطعة، وقبل الهجرة بثلاث سنين (الهجرة فى ٦٢٢ للميلاد) .
وقد ناقش كيتانى ما هو أكثر من هذا، فذكر أننا لو حسبنا المدة الزمنية بين الهجرة والمقاطعة، وبين المقاطعة وموت أبى طالب لوجدنا أنها تصل- على الأقل- الى اثنى عشر عاما. وعلى هذا، فقد أنشأ كيتانى قائمة التواريخ التالية، رغم أنه كان ميالا للظن أن الأحداث ربما وقعت قبل هذه التواريخ:
_________________
(١) Ann،i،p ٢١٩. (٥١)
[ ١٣١ ]
٦١٠ نزول الوحى.
٦١٣ بداية الدعوة الجهرية.
٦١٤ دخول دار الأرقم.
٦١٥ الهجرة الى الحبشة.
٦١٦ بداية مقاطعة بنى هاشم.
٦١٩ نهاية المقاطعة، موت خديجة، موت أبى طالب، ذهاب الرسول ﷺ الى الطائف.
٦٢٠ أول مسلمى المدينة.
٦٢١ بيعة العقبة الأولى.
٦٢٢ بيعة العقبة الثانية، الهجرة.
وهذه التواريخ تعد دليلا كافيا لمعظم أغراض بحثنا. وترجع أهميتها الأساسية الى أنها تجعلنا نتحقق من أن انتشار الاسلام فى مكة طوال فترة ما قبل الهجرة كان عملية بطيئة، الا أن قلة المصادر وشحها يعطينا احساسا كاذبا بأن الأمور تجرى سراعا.
[ ١٣٢ ]