١- تدهور فى أوضاع محمد ﷺ
لم يمض وقت طويل على انتهاء المقاطعة حتى فقد محمد ﷺ فى وقت قصير كلا من عمه وحاميه- أبى طالب، وزوجته المؤمنة الوفية المعينة- خديجة. وربما كان هذا فى العام ٦١٩ للميلاد. وليس لدينا دليل على ما كانت تعنيه خديجة بالنسبة لمحمد ﷺ فى هذه الفترة.
أما قبل ذلك، فتخبرنا المصادر أنها شجعته عندما بدأ يتخوف، ويمكننا أن نحدس على الأقل أن دعمها له وشدها من أزره كان لا يزال يعنى بالنسبة له شيئا. واذا كان الأمر كذلك، فالذى لا شك فيه أنه كان خيرا له أن يلجأ الى مزيد من الاعتماد على النفس. حقيقة، لقد تزوج بعد ذلك بفترة غير طويلة من سودة بنت زمعة وهى احدى المسلمات الأوائل وكانت وقت تزوجها أرملة. وهذا قد يشير الى حاجته لصحبة روحية (لأنيس يؤنس روحه ويكون له بمثابة صديق)، لكننا لا نعرف عن سودة الا قليلا ويمكننا أن نفترض أن علاقتها بمحمد ﷺ كانت فى الأساس فى نطاق دورها كزوجة.in the domestic sphere ان تجربة محمد ﷺ فى نخلة عند عودته من الطائف، حيث تلقى مواساة عندما كان حزينا محبطا- ربما يمكن اعتبارها علامة على مرحلة دالة على عدم تعويله على الاعتماد على رفاق من البشر* (ربما يقصد الاعتماد على
_________________
(١) * النص: The experience of Muhammad at Nakhlah on his return from Ataif، When he received cofmort in his mood of depression، might be taken a marking a stage in his weaning from relance on human Companionship.
[ ٢٧٢ ]
لدعم البشرى. وهى عبارة تبدو متناقضة وغير مفهومة- المترجم) .
لقد كانت نتائج وفاة أبى طالب واضحة على المستوى السياسى، فقد خلف أبا طالب فى زعامة بنى هاشم أخوه أبو لهب. ورغم أن أبا لهب كان قد انضم الى الحلف الكبير ضد هاشم أثناء فترة المقاطعة، الا أنه يقال انه وعد فى البداية أن يحمى محمدا ﷺ بالطريقة نفسها التى حماه بها أبو طالب «١» . وقد تكون هذه الرواية مقبولة لأن احترام السيد العربى لنفسه يؤيد هذا الاتجاه. وان كان هذا يتناقض مع ما سبق أن أبداه من عداوة لرسول الله ﷺ، فيمكننا تخفيف حدة هذا التناقض بافتراض أن ما ذكر عن عداوة أبى لهب لمحمد ﷺ قبل وفاة أبى طالب كان مبالغا فيه بسبب اسفافه فى العداء لمحمد ﷺ بعد ذلك (المترجم:
لقد نزلت سورة قرانية فى أبى لهب وزوجته حمالة الحطب، فليس هناك اذن مبالغة) .
وعلى أية حال، فبعد فترة رفض أبو لهب رسميا حماية محمد على أساس أن محمدا- على حد قوله- زعم أن عبد المطلب فى النار. والرواية التقليدية بهذا الشأن تخبرنا أن عقبة بن أبى معيط وأبا جهل رأيا أن يوجها سؤالا لمحمد ﷺ بهذا الشأن. والطريقة التى وردت بها الرواية تشير الى السذاجة، ومع هذا فليس هناك سبب يدعونا للشك فيها. لقد أشار أعداء محمد على أبى لهب أنه مادام محمد يذكر جدهم المشترك عبد المطلب* بسوء (قوله انه فى جهنم)، فيمكن أن يسحب أبو لهب حمايته له دون أن يلومه أحد، أو بتعبير أدق دون أن يفقد شرفه أو احترامه لنفسه.
كان افتقاد محمد ﷺ للأمن بسحب الحماية المبسوطة عليه خسارة كبيرة- فى الظاهر- له ولقضية الاسلام. لكن الحقيقة أنه لم تكن هناك حالات مهمة للتحول للاسلام منذ أسلم عمر بن الخطاب ربما
_________________
(١) ابن سعد، أ، ١، ١٤١. * عبد المطلب توفى قبل بدء الرسالة ولذلك يعتبر من «أهل الفترة» الذين لا يعتبرون من أهل جهنم.
[ ٢٧٣ ]
قبل ذلك بثلاث سنوات أو اربع، لكن فشل المقاطعه يمكن أن ينظر اليه كبدايه حركه تؤدى الى تحسين فرص ازدهار الدين الجديد. وعلى أية حال، فقد كان تحلى ابى لهب عن حماية محمد ﷺ قد أخمد كل هذه الامال فى مهدها. وحتى اذا استطاع المسلمون البقاء فى مكة- وهو أمر كان يمكنهم فعله بالتأكيد- فلم يكن هناك احتمال قوى أن يعتنق الاسلام أفراد جدد. وفى مثل هذه الظروف- اذا لم يكن الاسلام قد ذبل أو اضمحل- كان لا بد من توجيه نشاط جديد فى اتجاه اخر. فكل ما كان يمكن فعله فى مكة قد تم فعله؛ لذا كان الأمل الأساسى متمثلا فى احراز تقدم فى أماكن أخرى. لقد كان محمد ﷺ يعتبر نفسه نبيا أرسله الله سبحانه فى الأساس لقريش أو لقريش فقط، ولم تكن هناك اشارة قبل موت أبى طالب الى أنه فكر فى مد رسالته للعرب كافة (المترجم) *:
ليس المقصود هنا أن الاسلام نزل لقريش فقط، وانما المقصود أن تفكير الرسول ﷺ فى المرحلة الأولى من الدعوة كان موجها الى قريش الدين كان يعتبرهم عدته لنشر دعوته بعد ذلك، فكيف يكون الحديث مفصلا عن اسلام العرب والفرس والروم.. الخ، وهو ما زال يدعو أهل مكة، وقد أشار المؤلف فى كتابه هذا الى مراحل انتشار الاسلام، كما أشار فى كتاب اخر ترجم بعنوان الاسلام والمسيحية** الى أن الاسلام يضم كل القيم والأفكار الأساسية فى الأديان التى سبقته؛ لذلك فهو دين المستقبل) وعلى أية حال، فقد أدى تدهور أوضاع النبى ﷺ فى مكة الى بحثه عن افاق جديدة خارج مكة، فنحن نسمع خلال سنواته الثلاث الأخيرة فى مكة عن لقااته مع القبائل البدوية وأهل الطائف ويثرب.
٢- زيارة النبى للطائف
كانت الطائف- على نحو من الأنحاء- نسخة طبق الأصل من مكة، رغم وجود اختلافات مهمة. فقد كانت الطائف مركزا تجاريا ذا علاقات خاصة وثيقة باليمن. فقبيلة ثقيف كانت تقطن الطائف وارتبطت بتجارة
_________________
(١) * أكثر الايات التى تكلمات عن عموم رسالة الاسلام نزلت فى سور مكية؛ مما يدل على أن عموم الرسائل كان مفهومها لدى الرسول من أول الأمر- (المراجع) . ** نشر فى هذه السلسلة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
[ ٢٧٤ ]
المسافات الطويلة، وغالبا ما كان ذلك بالاشتراك مع قريش. وفى الوقت نفسه كانت الطائف ذات مناخ أفضل من مناخ مكة، وكانت أجزاء مما يحيط بها ذوات تربة خصبة جدا. وكانت ذات شهرة بالزبيب، وكان احد ملامح الطائف المميزة أن أهلها كانوا يعيشون على الحبوب، بينما كان العرب الاخرون قانعين بالتمور والحليب. وكان كثيرون من أثرياء أهل مكة يمتلكون أراضى فى الطائف يتخذون منها منتجعا فى فصل الصيف.
وكانت عشيرتا هاشم وعبد شمس تحتفظان بعلاقات وثيقة مع الطائف، وكانت لمخزوم معاملات مالية- على الأقل- مع ثقيف. وبشكل عام، كانت ثقيف أقل قوة من قريش وكان عليها أن تعرف تفوق قريش فى مجان المال- من الممكن أن يكون ذلك نتيجة حرب الفجار «٢» - وما يستتبع هذا من نتائج. لكن العلاقة بينهما لم تكن لصالح طرف واحد تماما، مادام الأخنس بن شريق، أحد الحلفاء (من الطائف)، كان لفترة من الفترات- رجلا مهما فى عشيرة زهرة بمكة «٣» .
وكانت هناك مجموعتان سياسيتان أساسيتان فى الطائف، هما:
بنو مالك والأحلاف، وربما كان الأحلاف هم الأقدم من حيث الاقامة فى الطائف؛ لأنهم كانوا رعاة حرم الربة (النصب أو الوثن)، وسننساق وراء خطأ ان تحدثنا عنهم كعوام أو أجلاف) as plebeians المقصود ليسوا من ذوى الحسب والنسب، أو اعتبارهم خاوين من التأثير السياسى. أما بنو مالك فكانوا- بشكل أساسى- مرتبطين بقبيلة هوازن الكبيرة التى كانت مسيطرة على المناطق المحيطة، بينما كان الأحلاف قد بحثوا عن الدعم من قريش ليوازنوا تحالف بنى مالك مع هوازن. وعلى هذا، فان تدنى ثفيف من حيث المنزلة عن قريش كان يرجع الى أن ثقيفا كانت غير مترابطة داخليا الى حد كبير. وهو أمر مؤكد بلا جدال.
ومن الواضح أن محمدا لجأ أول ما لجأ الى الطائف بحثا عن مجال جديد للدعوة الاسلامية. والرواية التقليدية بهذا الشأن «٤» هى أنه
_________________
(١) Cf.I. ٢ d. (٢) Cf.Lammens،Taif. (٣)
(٢) ابن هشام، ٢٧٩- ٢٨١، الطبرى، ١١٩٩- ١٢٠٢.
[ ٢٧٥ ]
نظرا لازدياد قسوة المعاملة التى واجهها بعد موت عمه أبى طالب ذهب ليبحث عن حام له، لكن هذا لا يمكن أن يكون هو السبب الوحيد فالمصادر تتحدث عن أمله فى تحويل الناس الى الاسلام، ومثل هذا الامل ربما كان كامنا بالفعل فى فكرة انشاء مجتمع اسلامى كالذى أنشأه بعد ذلك فى المدينة. وفى الوقت نفسه لا يمكننا انكار امكانية حدوث ذلك تماما، فقد كان محمد ﷺ يتوقع أن تصيب مكة بعض الكوارث بعد رفضها اياه ورغبتها فى ازاحة أتباعه. ولا شك أيضا أنه يكاد يكون مؤكدا أن شيئا ما من الشقاق أو الخلاف فى المجال السياسى قد حدث وأن محمدا ﷺ حاول الاستفادة منه؛ لكننا لا نملك الأدلة الكافية لمعرفة طبيعة هذا الشقاق أو الخلاف السياسى، فالأشخاص الذين اقترب منهم محمد ﷺ هم عبد يليل (فى الطبرى عبد ياليل- المترجم) واخوته وكانوا ينتمون الى عشيرة عمرو بن عمير التى كانت من بين الأحلاف الذين أشرنا لهم سابقا، لذا فقد كان من المفترض أنهم متعاطفون مع قريش، وربما أراد محمد ﷺ أن يستميلهم باغرائهم بانتزاع مزايا مالية من مخزوم «٥» .
ومهما كانت الطبيعة الدقيقة لأهداف محمد ﷺ والأسباب التى دعت بنى عمرو بن عمير الى رفض مقترحاته، فقد أبعدوا محمدا ﷺ دون أن يحصل منهم على شىء بل وأغروا أهل الطائف بقذفه بالأحجار.
ويقال انه تخلص من هذه الورطة باللجوء الى بستان أخوين من عشيرة عبد شمس المكية يردان غالبا فى سياق كبار مناوئيه.
وأخيرا اتخذ محمد طريق العودة الى مكة، وكان- بلا شك- محبطا احباطا شديدا. وتقول الروايات كيف أنه وهو فى نخلة أثناء الليل وبينما كان منشغلا بالصلاة والدعاء، أتت اليه مجموعة من الجن واستمعوا اليه ودخلوا فى الاسلام «٦» . وحتى اذا كانت هذه الرواية وضعت فى زمن متأخر، فانه يجوز لنا أن نصدق أنه فى هذه المرحلة الحرجة من حياة محمد زاد اعتماده على الله سبحانه.
_________________
(١) Lammens،Taif،١٠٠ /٢١٢. (٥)
(٢) السورة ٧٢.
[ ٢٧٦ ]
ولم يدخل محمد ﷺ مكة بمجرد وصوله لها وانما لجأ الى غار حراء فى ضواحيها، ومن هناك بدأ يفاوض للحصول على الحماية (الجوار) عند أحد زعماء العشائر. وهذا يعنى أن أبا لهب زعيم عشيرته رفض حمايته، وأكثر من هذا فحالما أصبحت أخبار زيارته للطائف معروفة لمعارضيه فى مكة، زاد عداؤهم له بشكل فعال. وكان أول من عرض عليهم أمره الأخنس ابن شريق من بنى زهرة وسهيل بن عمرو بن بنى عامر، وقد رفضا طلبه، وأخيرا وافق المطعم بن عدى زعيم بنى نوفل على ان يدخل مكة فى جواره، ويمكننا أن نتصور أن ذلك تم وفقا لشروط، رغم أن المصادر لا تشير لشىء من هذا. وعلى أية حال، فهذا لا يدعو للدهشة مادامت هذه الرواية قد سيقت فى معرض مدح عشيرة نوفل والاشادة بشر فها.
وأما ما حدث بعد ذلك، فقد مرت عليه المراجع مرا خفيفا مادام غير ملائم لبنى هاشم. ويبدو أن ابن اسحق «٧» قد حذف ما يتعلق بهذه الفترة، والجدير بالذكر أن أحدا من المسلمين- بمن فيهم عمر بن الخطاب ﵁- لم يكن لديه القوة الكافية لتقديم الحماية لمحمد ﷺ.
٣- الاقتراب من القبائل البدوية
تذكر الروايات المتعارف عليها فيما، يتعلق بهذا الموضوع، أن محمدا ﷺ انتهز الفرص التى أتاحتها الأسواق المختلفة لدعوة بعض القبائل البدوية. فالمصادر المبكرة «٨» تذكر على نحو خاص بنى كندة (وزعيمها مليح) وبنى كلب وبنى حنيفة وفردا من بنى عامر بن صعصعة. والثلاثة الأول رفضوا دعوة محمد ﷺ رفضا تاما، والأخير رفض دعوة محمد ﷺ بعد أن رفض الرسول أن يعده بأن يكون وريثا سياسيا له.
ومن الصعب أن نعرف لماذا ذكرت هذه القبائل دون غيرها من القبائل. ربما كان ذلك بالصدفة، لكن ربما أيضا لأن محمدا ﷺ كان لديه أسباب خاصة تجعله يتوقع أنها ربما استمعت اليه. ومن الظاهر أن قسما من بنى عامر بن صعصعة قد استمالهم محمد ﷺ، كما نفهم من
_________________
(١) ابن هشام، ٢٨١. وأضافها ابن هشام بنفسه.
(٢) ابن هشام، ٢٨٢ وما بعدها، الطبرى، ١٢٠٤- ١٢٠٦.
[ ٢٧٧ ]
خلال الحوادث التى رويت عن بئر معونة فى العام الرابع للهجرة.
والقبائل الثلاث الاخرى تقع مضاربها على مسافات بعيدة من مكة وكانت قبائل مسيحية اما تماما أو جزئيا. لكن من الصعب أن نتأكد من أن هذه الحقائق هى السبب فى ذكرها فى هذا السياق. وما نصدقه هو أن محمدا ﷺ فى هذه المرحلة بدأ يجتمع بأفراد من القبائل البدوية ليدعوهم للاسلام، وكان وراء هذا النشاط على الأقل فكرة غامضة عن واحدة كل العرب.
٤- المفاوضات مع المدينة
(أ) توطئة
يكتب الانجليز كلمة المدينة على هذا النحو Medina وهى تعنى التجمع السكانى الحضرى، وربما كانت تعنى موطن العدالة، والكلمة (المدينة) تشير على سبيل الاختصار لعبارة (مدينة النبى)، وكانت معروفة قبل ارتباط محمد ﷺ بها باسم يثرب. ولم تكن يثرب مدينة بالمفهوم المعروف، وانما كانت مجموعة من القرى الصغيرة والمزارع والحصون متناثرة على واحة أو قطعة أرض خصبة، وربما كانت حوالى عشرين ميلا مربعا، تحيط بها تلال وصخور وأرض صخرية كلها غير مزروع.
وكان القسم الرئيسى السائد من السكان يتمثل فى بنى قيلة الذين عرفوا فيما بعد بالأنصار (أى الذين نصروا محمدا ﷺ)، وكانت هذه القبيلة أو الجماعات القبلية تتكون من أرومة بينها صلات قربى، من الأوس والخزرج، وكان كل منهما ينقسم بدوره الى عدد من العشائر، وكل عشيرة تنقسم الى عدد من البطون.Sub -clans ووفقا للمرويات، فقد قدم الأوس والخزرج الى يثرب مهاجرين من جنوب شبه الجزيرة العربية، واستقروا فى أراض خالية من السكان فيما يبدو، وذلك فى حماية (فى جوار) السكان الموجودين. وأخيرا ازداد عددهم واستطاعوا- بعد أن
[ ٢٧٨ ]
أتاهم دعم من الخارج- أن يحرزوا السيطرة السياسية فى الواحة فى حوالى منتصف القرن السادس للميلاد أو بعد ذلك بقليل «٩» .
وبالنسبة للسكان السابقين على الأوس والخزرج، فقد كانوا مكونين من مجموعتين قويتين ثريتين تشغلان أراضى خصبة ظلت الى حد كبير منفصلة عن الأوس والخزرج، وأعنى بهما: بنى قريظة، وبنى النضير.
وكانوا يشبهون جيرانهم من الأوس والخزرج فى كثير من النواحى، وقد اعتنق بنو قريظة وبنو النضير الدين اليهودى واحتفظوا بطقوسهم بشكل نشط. وليس من الواضح ما اذا كانوا مجموعة عبرية (من بنى اسرائيل (Hebrew Stock أو عربا تهودوا، وربما كانوا مجموعة عربية منعزلة ربطت نفسها بمجموعات عبرية صغيرة «١٠» . وفى زمن محمد ﷺ، كانت هناك أيضا قبيلة يهودية ثالثة أقل نفوذا هى قبيلة بنى قينقاع، كما كانت هناك كيانات عربية صغيرة غير قبيلتى الأوس والخزرج ربما كانت أى هذه الكيانات- بقايا عرب سكنوا الواحة قبل وصول اليهود واستيطانهم.
ونشأت بين الأوس والخزرج ثارات متتابعة، وغالبا ما كانت هذه الثارات تنشأ بين عشيرة أو عشيرتين فقط من كل جانب، لكن ما يسمى حرب حاطب تكاد تكون قد شملت كل الأوس والخزرج (وكذلك القبائل اليهودية) وبلغت ذروتها فى معركة بعاث (بضم الباء وفتح العين) قبل الهجرة بسنوات قلائل، ربما فى سنة ٦١٧ للميلاد. وقد أدت هذه الحرب الى اختلال التوازن، أساسا لأنها استنفدت طاقات كل من اشترك بها.
كانت المدينة اذن تعانى من خلل (ظواهر مرضية اجتماعية (a malaise لم يكن يقل خطورة عن الخلل والظواهر المرضية
_________________
(١) Welhausen، Madina vor dem Islam، in skizzen U.Vora- beiten، iv، ١٨٨٩.
(٢) Caetani.Ann.i، p.٣٨٣; Torrey، Jewich Foundation، Ch.T.D.G.Margoliouth، Relations between Arabs Israelites، London.١٩٢٤، Lecture ٣.
[ ٢٧٩ ]
الاجتماعية التى حاقت بمكة، وان اختلفت اعراض المرض فى الحالتين.
أعنى عدم تكيف أو تواؤم العادات والتقاليد البدوية مع حياة المجتمع المستقر (بتعبير اخر أن البدو عندما يستقرون لا يستطيعون الا بعد فتره طويله أن يكيفوا بين أيديولوجيتهم البدوية، وحياة الاستقرار الجديدة) .
والجانب الاقتصادى لهذه الاضطرابات كان- بلا شك- نتيجة الضغط الذى سببه الازدياد السكانى مع قلة الموارد الغذائية. ونتيجة الحرب المريرة التى انخرط فيها أهل يثرب هى أن المنتصرين راحوا- بشكل متتابع- يحتلون أراضى المنهزمين «١١»، وكما حدث بعد معركة بعاث، فعندما لم يكن هناك سلام رسمى (معتمد أو جرى الاتفاق عليه) وانما مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس، كان على الناس أن يكونوا فى حالة حذر دائم (ترقب) ضد هجوم مفاجىء غادر وفى حالة احجام عن دخول أراضى الطرف الاخر. ومع أن انتاج التمور لا يحتاج الى رعاية فائقة كانتاج المحاصيل الاخرى، فان حالة الاضطراب هذه أثرت ولا بد فى تدهور المشروع كما وكيفا. وعادة ما كانت الأطراف المتقاتلة لا تلحق ضررا بالنخيل نفسها، لكن عدم استقرار الحيازة قد أدى بالضرورة الى عدم تفكير الناس فى مشاريع زراعية طويلة المدى. لقد ساد اذن مبدأ الصحراء (احتفظ بما يستطيع سلاحك المحافظة عليه)، وجرى تطبيق هذا المبدأ فى مجال الأراضى الزراعية. انه اذا تم تطبيق هذا المبدأ عند رعى القطعان فى مساحات شاسعة فلا بأس، لكن ان تم تطبيقه فى واحة خصبة صغيرة المساحة لأدى الى عواقب وخيمة.
لقد احتفظت يثرب بأسس التنظيم الاجتماعى السائد فى الصحراء، فكانت كل عشيرة مسئولة عن أعضائها فكان الأخذ بالثأر أو دفع الدية «١٢» . واذا دافع شخص عن ممتلكاته ففقد حياته، فان التضامن القبلى يضمن أمن الممتلكات. لكن لغياب عامل بعد المسافة الموجود فى
_________________
(١) Welhausen،Op.cit.،passim. (١١)
(٢) ابن هشام، ٣٤١- ٣٤٤، عن دستور المدينة.
[ ٢٨٠ ]
الصحراء، فان هذا الاساس للامن القائم على القوة (القوة المسلحة للمجموعة) يصبح نكبة مدمرة. فالمجتمع المستقر يحتاج الى سلطة واحدة قوية لحفظ السلام بين الأفراد والجماعات المتنافسة، وهذا الى حد ما خارج المدى الذى يمكن أن يصل اليه الفكر البدوى.
لقد أدت المصالح التجارية فى مكة الى ربط الجماعات المختلفة معا ودعمت معنى واحدة قريش (رغم أن الظلم والشعور بالضيم الذى أحس به الفقراء وغير الأثرياء كان له تأثير
انفصالى أو كان سببا للشفاق والنزاع) ولم يكن فى المدينة مثل هذا العامل الداعى لتوثيق الروابط؛ لأن سكانها أقل تجانسا من سكان مكة. فالأسرة الصغيرة كانت هى الواحدة الكافية؛ لأنها تتواءم مع العمل الزراعى. ومن ناحية أخرى، ربما كانت النزعة الفردية أقل مما هى فى المحيط التجارى لمكة؛ لأنه مما لا شك فيه أن ظروف الزراعة العربية لا تعطى فرصة للتفاوت الشديد فى الثروات، كما يحدث فى المجتمع التجارى.
وفى كتاب الطبقات لابن سعد نجد أنه فى معرض الحديث عن غزوة بدر على الجانب الاسلامى تم ترتيب المقاتلين من القرشيين فى ١٥ عشيرة.
بينما ذكر ٣٣ من الأوس والخزرج، وربما كان ذلك لاظهار أن ظروف المجتمع الزراعى تعزز الانقسام (التحول الى شظايا. (fragmentation *
وزيادة عدد التقسيمات (العشائر أو البطون.. الخ) فى قبائل المدينة، ربما يكون راجعا الى أن ذلك يلائم المشتغلين بالأنساب مادامت هناك تقسيمات كثيرة بالنسبة لأهل المدينة أكثر بكثير من تقسيمات قريش، أو- مرة أخرى- ربما كان ذلك- بشكل أو اخر- مرتبطا باستمرار تأثير النظام الأمومى matriarchy فى المدينة، أو لتوالى الأجيال فى الفترة ما بين أنصار بدر (الأنصار زمن غزوة بدر) من ناحية، وجدهم المشترك من ناحية أخرى.
وعلى أية حال، فبصرف النظر تماما عن صحة هذه التعليلات، فقد كان أهل المدينة أكثر تقسيما بكثير، وكانت تنقصهم الواحدة بالاضافة الى
_________________
(١) * بمعنى تتفكك وتتحول الى كيانات صغيرة.
[ ٢٨١ ]
الحروب العنيفة (الانتحارية (Suicidal التى كانت تنشب بينهم، ومن هنا فان نبوة محمد ﷺ- بما فيها من مضامين سياسية- كانت من الزم الأمور للمدينة لبعث الامل فى السلام.
وربما عبرت الاية القرانية التالية «١٣» عن هذه الفكرة:
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧» السورة ١٠ (يونس) .
فالنبى- بسلطته القائمة على الدين لا على الدم- يمكنه أن يعلو فوق الأعراق المتحاربة وأن يكون حكما بينها. وتحدثنا المصادر أن الأنصار تصوروا محمدا ﷺ المسيح المنتظر الذى كان يتوقع اليهود مجيئه، فسارعوا- أى الأنصار- بقبوله «١٤» . لكن- ان كان فى هذه الرواية قدر من الصحة- فان هذه الفكرة عن المسيح هى التى ألفت بين الأنصار، بالاضافة الى فكرة الجماعة Community التى يتحلق أفرادها حول شخصية دينية ذات مواهب خاصة.
لقد كان لدى الأنصار اذن سبب قوى لقبول محمد ﷺ نبيا، وكان لهذا السبب- بلا شك- تأثيره. وبالاضافة لهذا، فقد كانت الأمراض الاجتماعية فى يثرب ذوات جذور دينية. فالنظرة البدوية التى يشارك فيها الأوس والخزرج تجعل معنى الحياة يكمن فى الشرف وشجاعة القبيلة أو العشيرة. وتتحقق مثل هذه الفكرة كأفضل ما يكون فى الجماعة الصغيرة المتماسكة نسبيا. انها لا تنطبق على الواحدة الكبيرة كالأنصار (يقصد اذا نظرنا للأنصار كواحدة كبيرة واحدة)، ففى هذه الواحدة الكبيرة ليس من الضرورى أن يكون لكل فرد فيها ارتباطات خارج المجموعة الكبيرة (الأنصار) . فالحياة البدوية لا تدعم روح التضامن الا فى نطاق المجموعات الصغيرة. وبالاضافة لذلك، ففى يثرب لم يكن هناك ما يدعو للفخر- الا قليلا- فى هذا القتال المرير الذى استمر فترة طويلة.
_________________
(١) أوردنا الاية ورقمها بالمتن. Welhausen،Op.cit. ٣٤. ٥٥ f. ٥٩ -٦٢. (١٤)
[ ٢٨٢ ]
ويبدو أن عبد الله بن أبى حاول أن يتخذ موقفا حياديا فى معركة بعاث أو على الأقل لم يشارك فيها، وربما دل هذا على مرض عضال اعترى نفسه نتيجة الثارات والعداوات التى لا نهاية لها. وبالنسبة لهذه المشكلة الدينية- ان جاز لنا وصفها بهذا الوصف- كان لدى الاسلام الحل. انه عقيدة تشير لليوم الاخر وهو ما يعنى أن معنى الحياة يظهر فى نوعية سلوك الفرد. هذه الفكرة قابلة لأن تصبح أساسا يقوم عليه مجتمع كبير، لأنها ان تم قبولها فمعناها أنه لم يعد مكسب انسان مؤديا الى خسارة اخر.anothers Loss One mans gain no longer entails والذى لا شك فيه، أن الأنصار كان لديهم بعض التحقق من هذه المضامين عندما قبلوا بالدين الاسلامى، لكن غالبهم- كما نفترض- قد أصبحوا مسلمين لايمانهم بأن الاسلام هو الدين الحق.
أو بتعبير أوضح لايمانهم بأن الله سبحانه أرسل محمدا ﷺ برسالة الى العرب. (المترجم: الاسلام دين عالمى النزعة، كما كررنا مرارا، لكن السياق هنا يعنى أنه بعد انتهاء المرحلة القرشية «المكية» انتقل الاسلام الى مرحلة أخرى «المرحلة المدنية») .
(ب) بيعتا العقبة، الأولى والثانية
تسجل الروايات مزاعم متعلقة بفردين من الأوس قتلا قبل معركة بعاث وكانا على الاسلام، أى أنهما قتلا كمسلمين. وعلى أية حال، فان أول المسلمين المعروفين بشكل محدد (المقصود أول المسلمين من المدينة) كانوا ستة رجال من الخزرج قدموا الى محمد ﷺ، ربما فى سنة ٦٢٠ م، وفى موسم حج سنة ٦٢١ م عاد خمسة أو الستة جميعا وقد صحبوا معهم سبعة اخرين، منهم اثنان من الأوس. ويقال ان هؤلاء الاثنى عشر رجلا تعهدوا بترك المعاصى المختلفة وتعهدوا بطاعة النبى ﷺ. وعرفت بيعتهم هذه ببيعة النساء «١٥» . وأرسل محمد ﷺ معهم الى المدينة مصعب بن عمير المسلم الصادق، والمجيد لحفظ ايات القران الكريم.
_________________
(١) Buhl،Muhammad،١٨٦،n. ١٤٧. (١٥)
[ ٢٨٣ ]
وخلال العام التالى، كان فى كل اسرة من اسر المدينة مسلمون، فيما عدا أسر قسم من الأوس كان معروفا باسم أوس مناة أو أوس اللات.
وفى موسم حج سنة ٦٢٢ م، ذهب الى مكة ٧٣ رجلا وامرأتان وقابلوا محمدا ﷺ سرا فى الليل عند العقبة وعاهدوه لا على الطاعة فقط وانما على الجهاد معه أيضا، فكانت تلك هى بيعة الحرب. وحضر هذه البيعة العباس عم النبى ﷺ ليبين أن هاشما لم تتخل عن محمد ﷺ، وأن المسئولية عن سلامته قد انتقلت للأوس والخزرج. وطلب محمد ﷺ من هذا الوفد تعيين اثنى عشر نقيبا (ممثلا) وتم ذلك بالفعل، وسمعت قريش عن هذه المفاوضات التى بدت لهم عدائية وسألوا عنها بعض وثنيى المدينة الذين أجابوهم بحسن نية- نظرا لعدم علمهم بها- أنه لا صحة لوجود مثل هذه المفاوضات. وبدأ محمد الان يشجع أتباعه على الذهاب للمدينة، بل انه ليقال ان أبا سلمة قد ذهب للمدينة حتى قبل بيعة العقبة وأخيرا وصل المدينة سبعون مسلما، بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، وكلمة الهجرة التى ارتبطت بهذا الحدث يقابلها بالانجليزية الكلمة المنقولة من العربية حرفا حرفا، Hijrah أما كلمة flight وتعنى الفرار فليست ترجمة دقيقة، ويتم اعتبار هجرة النبى التى بدأت فى ١٦ يوليو ٦٢٢ م بدا للتاريخ الهجرى أو بداية الحقبة الاسلامية «١٦»، وقد وقع هذا الاختيار فيما بعد (فى وقت لاحق) .
وقد حفظ لنا الطبرى رواية عروة بن الزبير التى يمكن مقارنتها بما ذكرناه انفا، فرواية عروة من الروايات المبكرة، وفيما يلى نص ما أورده الطبرى «١٧»:
«وحدثنى على بن نصر بن على، وعبد الوارث بن عبد الصمد ابن عبد الوارث- قال على بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثنى أبى- قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا
_________________
(١) الطبرى، ١٢٠٧- ١٢٢٢، ابن هشام، ٢٨٦- ٣٢٥.
(٢) الطبرى، ١٢٢٤- ١٢٢٥.
[ ٢٨٤ ]
هشام بن عروة، عن عروة، انه قال: لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر اليها قبل هجرة النبى ﷺ الى المدينة، جعل أهل الاسلام يزدادون ويكثرون، وانه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الاسلام، فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم، ويشتدوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج الى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم فى الخروج اليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة.
ثم انه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فانا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج الى المدينة؛ وهى الفتنة التى أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه وخرج، وهى التى أنزل الله ﷿ فيها: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)» *.
وعندما ننظر الى رواية عروة لا بد أن نضع فى اعتبارنا أنه ينتمى الى أسرة الزبير التى كانت معادية لبنى أمية، وأن تراث أسرته كان بالتالى يميل الى المبالغة فى الاضطهاد وتأثيره على مسيرة الأحداث؛ نظرا لأن بنى أمية كانوا مشاركين وبعمق فى المعارضة ضد محمد ﷺ. ومن هنا فان الدوافع التى ذكرها عروة لا يمكن اعتبارها رواية متوازنة، فالاية القرانية التى استشهد بها تعود لحقبة مدنية متأخرة «١٨»؛ وبالتالى فليس يصلح الاستشهاد بها هنا.
واغفال عروة لذكر بيعتى العقبة قد يكون وراء ميل بعض الباحثين الغربيين الى القول بأنه لم تكن هناك الا بيعة واحدة. والأرضية التى
_________________
(١) * استخرجنا النص من الطبعة المتاحة لنا (بيروت، دار الكتب العلمية) ج ١، ص ٥٦٤. Bell،translation of Quran. (١٨)
[ ٢٨٥ ]
انطلقوا منها فى ذلك هو أن العهد الذى قطعوه للرسول فى الاجتماع الأول- وهو المعروف ببيعة النساء- قائم على نص قرانى «١٩» .
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢» السورة رقم ٦٠ (الممتحنة) .
لكن حتى اذا كان هذا هو المعنى الدقيق للبيعة- أى كما ورد بالاية- فليس هناك ما يمنع من وجود بيعة أخرى (ثانية) . بل العكس، فانه من الواضح أنه لا بد أن تكون هناك مفاوضات طويلة ودقيقة بين محمد ﷺ وأهل المدينة. فعندما أرسل الرسول مصعبا لم يكن ذلك فقط ليعلم المسلمين الجدد دينهم، وانما أيضا ليرسل للرسول تقارير عن الوضع هناك (فى المدينة) . وعلى هذا قد يكون من المقبول أن نوافق على هذه الرواية، فالاتصالات (أو الاتفاقات) الفعالة الأولى كانت مع الخزرج؛ لكن محمدا ﷺ اصر على مقابلة مزيد من ممثلى الجماعات من أهل المدينة؛ لأنه لم يكن ليأمن على نفسه ان هو اعتمد على عشيرة واحدة من بين العشائر المتنافسة دون العشائر الاخرى. ولا بد أن التفاصيل الدقيقة- على أية حال- قد تم تناولها فى هذا الاجتماع (البيعة)، ولا بد أن اتفاقية قد عقدت بين محمد ﷺ وأهل المدينة تضمنت بعض المعلومات عن نبوة محمد (رغم أن هذه المعلومات قد تكون أقل- بلا شك- مما أصبح معروفا بعد صلح الحديبية) .
ومرة أخرى، ففى سياق بيعة العقبة الثانية وهى البيعة الرئيسية (الاجتماع الرئيسى) كانت هناك تفاصيل محل بحث، لكن الخطوط الدينية أو الأفكار العامة كانت محل قبول بصرف النظر عن التفاصيل.
وربما كانت الاشارة الى موقف العباس عم النبى اشارة يمكننا رفضها؛
_________________
(١) Buhl،Muhammad،١٨٦. (١٩)
[ ٢٨٦ ]
باعتبارها وضعت بعد ذلك لشجب المعاملة السيئة التى لاقاها الرسول ﷺ من بنى هاشم فى هذا الوقت. وعند عودة الرسول ﷺ من الطائف دخل فى جوار (حمايه) زعيم عشيرة نوفل ونظرا لعدم وجود ايه اشاره فى المصادر تفيد تغير هذا الوضع، فمن المؤكد انه ظل تحت حمايه بنى نوفل وليس تحت حماية عشيرته. فاذا قيل ان حكايه العباس عم النبى وتوثقه من حماية أهل المدينة لمحمد ﷺ جائزة حتى لو كان العباس لم يسلم- فان هذا قول غير صحيح، والرواية المنسوبة الى وهب بن منبه والتى حفظتها لنا أوراق البردى «٢٠» تميل الى تأكيد الرأى المذكور انفا. ففى رواية وهب امتدح العباس محمدا ﷺ مدحا عظيما، الا أن أهل المدينة زادوا فى مدحه ليروه أنهم أكثر حبا لمحمد ﷺ منه، وأكثر تقديرا له منه. والانطباع الذى نخرج به من هذه الرواية أنها رد على دعاية العباسيين الذين أقاموا الدولة العباسية بعد ذلك (بعد سقوط الدولة الأموية)، وبصرف النظر تماما عن رواية وهب هذه (التى تثير فى حد ذاتها بعض الأسئلة الصعبة) فان الغرض الذى يكاد يكون مرضيا، هو أن حكاية زيارة العباس للعقبة ما هى الا مجرد اختراع (تلفيق) صرف من وضع أبواق الدعاية العباسية.
وثمة بعض الصعوبات الاخرى فيما يتعلق بتعيين الاثنى عشر نقيبا لأن المهام المنوطة بهم غير واضحة، ويظن الباحثون الغربيون أن ما يتعلق بهؤلاء النقباء موضوع بعد ذلك لتشبيه محمد ﷺ بموسى وعيسى ﵉ (فكما كان لكل منهما نقباء، فلم لا يكون لمحمد ﷺ نقباء أيضا؟!) .
ففى رواية وهب بن منبه نجد واحدا من أهل المدينة يبايع محمدا ﷺ بالمصطلحات نفسها التى بايع بها نقباء قبيلة اسرائيل، موسى (﵇)، وواحد اخر يستخدم فى مبايعته المصطلحات نفسها التى استخدمها الحواريون فى مبايعة عيسى ابن مريم «٢١» وعلى أية حال، فان الرواية التى تشير الى أن محمدا ﷺ أصبح نقيبا لبنى النجار عندما مات ممثلهم (نقيبهم) الأصلى تبين أن الشك فى رواية النقباء هذه لا أساس
_________________
(١) G.Melamede، The meetings at Al- kaba، in le monde Orienale.xxviii.١٩٣٩.pp.١٧- ٥٨.
(٢) السورة Melamede،Op.Cit.،p. ٤..١٥ /٥
[ ٢٨٧ ]
له، كما أنه لا مجال- بالتالى- للقول بمحاكاة أقوالهم لنقباء بنى اسرائيل أو حواريى المسيح. والاحتمال الأرجح هو أن يكون نظام النقباء كان جزا من النظام الأولى أو الأساسى للمجتمع الجديد أو الأمة الجديدة فى المدينة، وأنه سرعان ما دخل فى طوايا النسيان أولم يعد مستخدما.
ومن ناحية أخرى، فان النقطة الاساسية حول هذا اللقاء أو الاجتماع (البيعة)، وهى الحرب (الجهاد)، غير واضحة فالى أى مدى ذهب المبايعون فى وعدهم بالحرب* واستمرارهم فيها فى حالة حدوثها، ولا بد أن أهل المدينة قد وافقوا أيضا على استقبال المهاجرين من مكة بشروط ودودة. وما هو غير واضح هو الى أى مدى قيد أهل المدينة أنفسهم بمعاداة قريش. والذى لا شك فيه أن تزايد قوة مكة أمر غير مؤكد، كما أن الحقيقة التى مؤداها أن محمدا ﷺ لم يكن شخصا مرغوبا فيه فى مكة Persona non grata تجعلنا نتأكد أنه من المحال أن يستخدم أى محمد- لمد نفوذ مكة. لكن أكان الترحيب بمحمد ﷺ فى المدينة والتخلى له عن النفوذ فيها بمثابة القاء القفاز فى وجه أهل مكة؟
(المقصود أكان ذلك بمثابة اعلان للحرب على أهل مكة؟) .
ان الاجابة عن هذا السؤال مرتبطة بالاجابة عن أسئلة أخرى.
ماذا أعد محمد ﷺ من خطط لأصحابه بعد ذهابهم للمدينة؟ وكيف كانت طبيعة وجودهم فى المدينة كما اقترحها عليهم؟ انه لا يستطيع أن يجعلهم ضيوفا عاطلين بشكل دائم على أهل المدينة، ولم يكن يكاد يتوقع منهم أن يقيموا فى المدينة ويعملوا كفلاحين. انهم فى المدينة لا يستطيعون العيش الا كتجار يرسلون القوافل، أو ينظمون أنفسهم لشن الغارات على قوافل أهل مكة. وحتى اذا كان الخيار الأول هو القائم أو هو الخطة الأصلية (مع قلة الشواهد على ذلك)، أليس هذا مؤديا لقيام عداوة ضارية مع قريش؟
وأ لم يكن محمد ﷺ يتوقع ذلك؟! وباختصار، فلا بد أن محمدا ﷺ كان على يقين من أن هجرته الى المدينة ستؤدى عاجلا أم أجلا للحرب مع
_________________
(١) * عن هذه النقطة (وهى الحرب مع الرسول) يقول ابن هشام ان الرسول ﷺ قال لوفد يثرب: أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم فبايعوه على ذلك وأضافوا أنهم يبايعونه على هلاك الأموال وقتل الأشراف والاحتمال فى كل الأحوال (ابن هشام: ج ١ ص ٤٧٥- ٤٧٦. (المراجع) .
[ ٢٨٨ ]
أهل مكة. الى أى مدى أخبر محمد أهل المدينة بذلك؟ وبأية طريقة صاغ لهم هذا؟ والى أى مدى كان أهل المدينة واثقين من أنفسهم «٢٢»؟
وقد عبر كيتانى «٢٣» Caetani عن وجهة النظر التى مؤداها أن أهل المدينة قد قبلوا محمدا ككاهن أعلى Superior Soothsayer لمجرد أنهم كانوا راغبين فى استتباب سلام داخلى فى المدينة، وليس لقبولهم كل تعاليم القران الكريم، على الأقل بالمعنى المقصود، ويظن كيتانى أن عدد المتحولين للاسلام تحولا صحيحا كان قليلا. وهذه النظرة تؤكد فعلا العوامل المادية (كما فعل ابن اسحق حقا) لكن ليس من الضرورى أن نقلل من شأن العوامل الدينية أو الأيديولوجية، فالعوامل المادية من ناحية والعوامل الدينية من ناحية أخرى ليس من الضرورى أن تكونا متعارضتين، بل انهما متكاملتان. وقد نتفق على أن الانقسام الأساسى فى المدينة كان بين أولئك الراغبين فى حضور محمد ﷺ للمدينة، وأولئك المعارضين لحضوره، وأن التحول للاسلام لم يكن يعنى التحول النهائى، وانما كان مرهونا بالنجاحات السياسية التى سيحرزها محمد ﷺ (المترجم: هذا التعبير لا يزيد عن كونه: نجاح دعوته) .
ومن الممكن أيضا أن يكون أهل المدينة كما افترض كيتانى قد فسروا الأفكار اليهودية والمسيحية الواردة فى القران وفقا لمصطلحات وثنية عربية، وبالتالى لم يفهموها على حقيقتها. ومع هذا، فلا بد أن نصدق أن جمهور أهل المدينة الذين آمنوا بمحمد رسولا قد فهموا فحوى الاسلام وجوهره ومبادئه وقبلوها: لقد آمنوا بأن الله هو الخالق، وهو المهيمن على الكون، وهو الحكم العدل يوم القيامة وآمنوا أن محمدا هو حامل رسالة الله الى العرب (المترجم: سبق أن أوضحنا أن هذا لا يعنى أن الاسلام لم ينزل للناس كافة، وانما المؤلف يتعامل مع مراحل: المرحلة القرشية، والمرحلة العربية.. الخ) .
لقد كان المسلمون يوجدون مجتمعا من نوع جديد فى المدينة، وهذا يتطلب أسسا أيديولوجية واضحة ومحددة. وبالنسبة لأهل المدينة
_________________
(١) ابن هشام، ٣١٣. Studi،iii،٢٧ -٣٦. (٢٣)
[ ٢٨٩ ]
المسلمين، فان قلة منهم كانت تمتلك يقينا دينيا متحمسا، وكان غائبهم بالضرورة- مقتنعين اقتناعا كافيا بحقيقة العلاقات الدينية، وربطوا ذلك بتجربة قيام مجتمع على أسس من الروابط الدينية بدلا من الروابط العرقية.
٥- هجرة النبى ﷺ الى المدينة
أما وقد بايع أهل المدينة محمدا على دعمه وتأييده، فانه لم يضيع وقتا فشرع فى تنفيد خططه. لقد ظلت البيعة سرية وكان لا بد من انجاز أكبر قدر ممكن قبل القيام بأعمال واضحة صريحة تعطى لأعداء محمد ﷺ دلالات على ما يريد عمله. وعلى هذا، فقد أمر أتباعه بمغادرة مكة الى المدينة، ورواية ابن اسحق «٢٤» توضح أن دوافع النبى ﷺ وأصحابه لذلك كانت هى امكانية ازدهار الحركة فى المدينة، أما قول عروة بن الزبير أنهم هاجروا للمدينة هربا من الاضطهاد، فالتركيز على ذلك يعطى انطباعا خاطئا. فلم تكن هناك سلسلة جديدة متواصلة من الاضطهاد قبل الهجرة، اللهم الا اذا استثنينا من ذلك حالة أبى سلمة «٢٥»، والاهانات التى لاقاها محمد ﷺ وأبو بكر الصديق،
لكن ربما تحركت نوازع الاضطهاد بعد ذلك عندما تحقق زعماء قريش مما سيفعله محمد ﷺ.
وفى ظل هذه الظروف، يمكننا أن نفترض أن توجيهات محمد ﷺ لأصحابه كانت حثا وتشجيعا ونصحا وليست أوامر. فقد بقى فى مكة نعيم النحام وكان مسلما بارزا، وبقى اخرون، ولم يكن ذلك يعنى ارتدادهم عن الاسلام «٢٦» وقد أشار القران الكريم الى ذلك:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى
_________________
(١) ابن هشام، ٣١٤، ٣١٦ وما بعدها.
(٢) ابن هشام، ٣١٤ وما بعدها. Caetani.Ann،p. ٣٦٤. (٢٦) وقد أشار القران الكريم الى ذلك فى السورة رقم ٨ (الأنفال)، الاية ٧٢.
[ ٢٩٠ ]
يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢» السورة ٨ (الأنفال) .
لقد كانت هذه الموجة الأولى المهاجرة تتكون فيما يقال من حوالى سبعين شخصا، رحلوا فى مجموعات صغيرة ووصلوا الى المدينة بأمان، وقدم لهم أهل المدينة المأوى «٢٧» .
وأخيرا- وفقا للرواية المتداولة- لم يبق مع محمد ﷺ فى مكة سوى على وأبى بكر (﵄)، وربما ترجع أسباب محمد ﷺ لانتظاره حتى وصول غالبية أتباعه الى المدينة، الى رغبته فى التأكد من أن المترددين لم يمنعهم ترددهم من اكمال الشوط، وليتأكد من أنه سيكون فى موقف قوى ومستقل وألا يكتفى بالاعتماد على مسلمى المدينة وحدهم عندما يصل الى المدينة. وفى هذه الأثناء، كان زعماء قريش على وعى بأن شيئا ما يجرى فعقدوا اجتماعا ووافقوا- بعد بعض المناقشات- على خطة أبى جهل أن يكونوا مجموعة من الشباب، من كل قبيلة شاب، فينهالوا على محمد ﷺ بسيوفهم فى وقت واحد فيتفرق دمه بين القبائل، أى تشارك كل القبائل فى قتله، فلا يمكن تحديد قاتل بعينه «٢٨» . والجدير بالملاحظة أن عشيرة نوفل كانت ممثلة فى هذا الاجتماع؛ اذ حضر عنها طعيمة Tuaymah بن عدى، وجبير بن مطعم، والأول هو أخو الرجل الذى سبق أن قدم الحماية (الجوار) لمحمد عند عودته من الطائف، والثانى ابنه. أكان هذا الرجل (المطعم بن عدى) قد مات أم فضل البقاء بعيدا عن الأحداث؟ لا ندرى. أما القبائل الاخرى التى شاركت فى هذا الاجتماع فهى: عبد شمس، وعبد الدار، وأسد، ومخزوم، وسهم، وجمح، وهى فى الحقيقة مكونة من المجموعتين (ب) و(ج) فى القائمة التى وردت فى فصل سابق. والذى يبدو أنه ليس من سبب يجعلنا ننكر عقد مثل هذا الاجتماع، ان الذين حضروه- كما يقول ابن اسحق- قد
_________________
(١) Ibid،p. ٣٦٥. (٢٧)
(٢) ابن هشام، ٣٢٣ وما بعدها.
[ ٢٩١ ]
تحققوا- أن محمدا ﷺ كان يخطط لنشاطات معادية لهم. ومن ناحية أخرى، فان توالى الأحداث وضح أنه لم يكن هناك محاولة تتسم بالتصميم على قتل محمد، وعلى هذا فالاتفاق الذى اتفق عليه زعماء قريش فى هذا الاجتماع كان أقل خطورة مما تؤكده المصادر. وعلى أية حال، فان الخطر المحدق (الخطر وشيك الحدوث) ربما عجل برحيل محمد ﷺ (هجرته) .
ومن الصعب أن نكون متأكدين من طبيعة هذا الخطر ومداه، فالرواية عن الهجرة بشكل عام تتسم بوجود كثير من الزخارف المقحمة، وحتى المراجع الأولى ربما لا تخلو من الاضافات. ومن الممكن أن يكون محمد ﷺ- بعد الاجتماع الذى عقده زعماء قريش- قد تعرض للازعاج والمضايقة فى مكة، وان كان الخطر الأعظم كما نفهم من تصرفات الرسول كان أثناء الطريق الى المدينة، فالذى لا شك فيه أنه كانت هناك مرحلة فى الطريق يفترض أنه ان وصلها أصبح خارج زمام الحماية التى يقدمها له حماته فى مكة، بينما لا يكون قد وصل الى المنطقة التى يكون فيها تحت حماية مسلمى المدينة، اذ كان من الممكن أن يتعرض للقتل فى هذه المنطقة الانتقالية دون أن يتعرض قاتله للقتل ثارا، وربما كان أبو بكر الذى صاحب الرسول فى هجرته فى الوضع نفسه؛ لأن عشيرته- فيما يبدو- قد تخلت عنه «٢٩» .
ويروى ابن اسحق أن محمدا ﷺ- وقد تأكد أنه لا بد مهاجر- عهد الى على بأن ينام مكانه حتى يظن أهل مكة أنه لازال نائما فى أمان، ثم انسل هو- أى محمد ﷺ- ومعه أبو بكر بعيدا عن ملاحظة قريش الى كهف غير بعيد عن مكة الى الجنوب منها، وفى الكهف قضى مع صاحبه يوما أو يومين حتى جاء الخبر من ابن أبى بكر أن قريشا قد كفت عن البحث عن الرسول، فانطلق الرسول وصاحبه ومعهما عتيق أبى بكر واسمه عبد الله بن أرقط *Arqat على الجمال، وفى المرحلة الأولى من
_________________
(١) ابن هشام، ٢٤٥ وما بعدها. * فى السيرة النبوية لابن هشام فى معرض الحديث عن هجرة الرسول: ابن أرقط، وابن أريقط، فكلاهما صحيح. (طبعة مكتبة الايمان، ج ٢، ص ٨٨) . (المترجم) .
[ ٢٩٢ ]
الرحلة تعمدا المسير فى الممرات النائية بعيدا عن الطرق المطروقة التى لم يسيرا فيها الا بعد أن ابتعدا عن مكة، ووصلا ومعهما عبد الله بن أرقط بسلام الى قباء على حافة الواحة (المدينة) فى ١٢ ربيع الأول «٣٠» الموافق ٢٤ سبتمبر سنة ٦٢٢ م.
وتؤكد اية مدنية مبكرة قصة الغار (الكهف):
(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠» السورة رقم ٩ (التوبة) .
وهناك اية أخرى ربما تشير الى اجتماع قريش، وان كنا غير متأكدين من ذلك، والاية هى:
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠» السورة ٨ (الأنفال) .
وبوصول النبى ﷺ الى قباء بدأت المرحلة المدنية، وهى المرحلة الثانية التى باشر فيها الرسول مهمته.
٦- حصاد الحقبة المكية
كان ظهور الدين الجديد (الاسلام) هو الانجاز الكبير فى الحقبة المكية، فالخطوط العريضة أو المفاهيم الأساسية لهذا الدين- يمكن أن يقال- انها اكتملت فى وقت الهجرة. وان كانت معظم مؤسساته لازالت فى حالة لم تتطور فيها بعد. فالصلوات المفروضة لم تكن قد تحددت بشكل نهائى رغم أنها- بلا شك- عرفت فى المرحلة المكية. ومن ناحية
_________________
(١) ابن هشام، ٣٢٥- ٣٣٣.
[ ٢٩٣ ]
أخرى، فيبدو أن صلاة الليل كانت الى حد كبير منتشرة (رائجة) «٣١» .
وكانت بقية أركان الاسلام فى هذه الحقبة معروفة، وهى: الصيام وايتاه الزكاة والشهادتان والحج، وان كانت أقل تطورا الى حد ما مما حدث بعد ذلك. بل لقد شهدت الحقبة المكية الماما بالأفكار الأساسية عن الله سبحانه واليوم الاخر والجنة والنار، وارسال الله سبحانه للرسل.
ويناقش بعض الباحثين الغربيين مدى صحة الروايات عن غالبية المتحولين الى الاسلام، ومالوا الى التأكيد على أن معظم المتحولين كانت دوافعهم فى الأساس مادية. وهذه مسألة من الافضل ألا نأخذ بها مادامت الأفكار الاسلامية تعتبر غريبة بالنسبة للغرب (يقصد أن الغربيين لم يفهموا روح الاسلام) . ربما كان صحيحا أنه كان هناك تحول قليل، وقليل من التقوى الحقيقية بالمفهوم السائد فى الغرب، لكن هذا يرجع الى أن الأفكار الغربية لا يمكن تطبيقها على مظاهر الدين فى الشرق الأدنى.
أما بالنسبة للمقاييس السائدة فى الشرق الأدنى فربما كان التحول (للاسلام) والتقوى أمرين صحيحين، فربما كان الاعلان عن الاسلام (دخول الاسلام) يعنى أمرا مهما بالنسبة للعربى فى ذلك الوقت، أكثر بكثير مما يعنيه لدى الغربى فى أيامنا هذه. فالدوافع المادية غير بعيدة عن الدوافع الدينية وربما كانتا متكاملتين. حقا، ان الأفكار الدينية من الضرورى أن تجعل البشر واعين بأوضاعهم العامة ككل وواعين بأهداف نشاطاتهم (أعمالهم)، ففى حركة التفكير الدينى مع الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية يجعلها- أى الحركة- واعية بذاتها. وهذه الفكرة (عدم انفصال الدين عن الدنيا) غالبا- وربما دائما- تعد حقيقة واقعة فى الشرق الأدنى. انها فكرة يراها الغرب غريبة. فغربة هذه الأفكار بالنسبة للغرب- على أية حال- لا يجب أن تعمى بصائرنا عن الحقيقة التى مؤداها أن الجوانب الدينية فى الاسلام كانت دائما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجوانب الاخرى.
_________________
(١) كما تشير سورة المزمل (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) ..) .
[ ٢٩٤ ]
ولأن هذا الدين الجديد قد ارتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمعات غير البدوية فى غرب شبه الجزيرة العربية، فقد كان قادرا على احداث تغيير اجتماعى عميق. ففى مكة والمدينة كانت الأخلاق البدوية والنظرة البدوية- على أية حال- مناسبة تماما للظروف البدوية التى ثبت انها غير صالحة لاقامة مجتمعات مستقرة. وفى مكة ربما كانت المشكلة الرئيسية متمثلة فى الفردية الأنانية، أما فى المدينة فقد كانت الحاجة الى قيام سلطة عليا تفرض العدل هى الأكثر وضوحا. وبمعنى من المعانى، فان انجاز الاسلام العظيم هو مواءمة الأخلاق البدوية لتصبح صالحة للمجتمعات المستقرة، وكان مفتاح ذلك هو وضع مبدأ جديد لتنظيم المجتمع. وحتى اليوم فان رابطة المجتمع اعتبرت هى رابطة الدم، لكن هذه الرابطة الأخيرة تعتبر ضعيفة جدا فى حالة المجموعات أو الجماعات الأكبر، فالأصل المشترك للأوس والخزرج لم يمنع الثارات المريرة بينهما، كما أن الولاء للمجموعة برهن على أنه وازع غير كاف للسلوك طالما أن النزعة الفردية فى حالة نمو.
من الصعب أن نصيغ هذا المبدأ الجديد الذى أدخله الاسلام بشكل محكم، لكن نواة هذا المبدأ هى فكرة (النبى) كمحور لتكامل المجتمع.
ان الواحدة الاجتماعية الجديدة قد تضم عشائر مختلفة (قد تكون ذوات قرابة بعضها ببعضها الاخر أولا)، لكنها تترابط معا بمقتضى الحقيقة التى مؤداها أن النبى قد أرسل لهم جميعا. وعلى هذا، فان أفراد المجتمع يقع عليهم اطاعة أوامر الله لهم كما أوحاها الى نبيه. وعلى هذا وجد مبدأ التضامن ومبدأ السلطة العليا التى تعلو فوق الجماعات المتنافسة، أعنى النبى ﷺ أو- كما يمكننا أن نقول- كلمة الله. وتطور هذه الفكرة الجديدة يظهر واضحا فى القران الكريم، بازدياد استخدام كلمة (أمة) فى الايات التى نزلت فى فترة متأخرة. خاصة فى سياق الحديث عن اليوم الاخر، حيث يبعث الله كل أمة ويحاسبها وهذا لا يمنع من أن يلقى كل (فرد) جزاءه من ثواب أو عقاب وفقا لما يستحقه، وأشار القران الكريم الى (أمم) لم تصدق أنبياءها:
[ ٢٩٥ ]
(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣» السورة ٢٧ (النمل) .
وتضاد كلمة (أمة) كلمة (قوم) التى تعنى قبيلة tribe of people التى تشير الى مجموعة لا تربطها سوى صلة الدم.
واستخدام كلمة (أمة) كوصف رسمى فى (دستور المدينة) «٣٢» مسألة جديرة بالملاحظة، فالمؤمنون من قريش ويثرب ومن امن معهم هم جميعا أمة واحدة.
ولا شك أن هذه المعانى والأفكار لم تتبلور تبلورا تاما الا بعد الهجرة بفترة، لكن لا بد أنها كانت حاضرة فى حالتها الجنينية عندما بدأ محمد ﷺ مفاوضاته مع رجال المدينة (بيعتى العقبة)، فلا بد أن محمدا ﷺ كان واعيا بأفكار ومعان (أيديولوجية) يمكن تطويرها لتكون أساسا لحركة التوسع العربى العظيمة، وهذا يعد مقياسا لاتساع ادراكه لحاجات عصره، وعظمة انجازاته خلال الحقبة المكية.
_________________
(١) ابن هشام، ٣٤١.
[ ٢٩٦ ]
الملاحق
[ ٢٩٧ ]