الملحق (أ) الأحابيش
لم يدعم هـ. لامانس H.Lammens وجهة نظره الساخرة فى مقاله عن «الأحابيش) والتنظيم العسكرى فى مكة » «١» بالمصادر.
فقد رأى لامانس أن أهل مكة المناوئين لمحمد (ﷺ) قد كفوا عن ولعهم بحربه، وأنهم كانوا فى شئونهم العسكرية يعتمدون بصفة رئيسية على قوات الأحابيش المكونة من عبيد من الحبشة ومن الزنوج، أما العمود الفقرى لهذه القوات فمن بدو يحملون رماحا كانوا أفضل قليلا من قطاع الطرق.
وهناك الكثير مما هو صحيح فى أقوال لامانس، خاصة تأكيده على أن الأحابيش لم يكونوا مجرد «حلفاء «Confederates» «كما ذهب الى ذلك فلهوزن.Wellhausen وعلى أية حال، فقد غالى لامانس لسوء الحظ- فى الاتجاه المناقض لما ذهب اليه فلهوزن، وكانت معالجته للمصادر معالجة غير علمية، فقد رفضها ورضى أن ينساق وراء أفكاره وأحكامه المسبقة ولم يخضع للمبادئ الموضوعية. ففى عبارة «أحابيش وعبيد أهل مكة» تعتبر (الواو) بين (الأحابيش والعبيد) واوا شارحة
_________________
(١) Les Ahabis et lorganisation militaire de la Macque، au siecle dhegire.Arabe، pp.٢٣٧- ٩٤، journal Asiatique، ١٩١٦، pp.٤٢٣- ٨٢.
[ ٢٩٩ ]
وليست واو اضافة (واو عطف)، أى أن الأحابيش مرادفة للعبيد، بينما فى عبارة «الأحابيش ومن أطاعهم من قبائل كنانة وأهل تهامة» - والضمير فى أطاعهم عائد لقريش- فان (الواو) فى عبارة «الأحابيش ومن أطاعهم» تضع لنا فاصلا حادا، (أى تعد واو عطف) . لكن لماذا؟ السبب هو أن لامانس يفترض صدق النظرية التى يحاول اثباتها.
ولكى نصل الى نظرة أكثر حيادا، سيكون من المفيد أن نتعرض أولا للمصادر التى تناولت الأحابيش (ابن هشام والواقدى والطبرى) .
(أ) ففى سياق خروج أبى بكر الصديق من مكة وطلبه الحماية من ابن الدغنة (أو ابن الدغينة) يقال ان ابن الدغنة الذى كان من بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، كان فى ذلك الوقت هو «سيد الأحابيش والأحابيش هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة والهون ابن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق بن خزاعة» «٢» . أما سبب تسميتهم بالأحابيش، فهو أنهم «تحالفوا» فى واد اسمه وادى أحبش. «٣» Ahbash
(ب) .. وعندما فعل أبو سفيان وشركاؤه فى القافلة ذلك (دفعوا مالا) وافقت قريش أن تحارب رسول الله بأحابيشهم ومن أطاعهم- أى أطاع قريشا- من قبائل كنانة وأهل تهامة «٤» . وفى كتاب المغازى للواقدى، ص ١٩٩ «ومن تبعنا من الأحابيش»، وفى المرجع نفسه، ص ٢٠١ أن واحدا من الثلاثة كانوا «من بين الأحابيش» .. وكل هذا فى سياق الحديث عن غزوة أحد.
(ج) وفى غزوة أحد «لما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة» «٥» .
(د) «كان الحليس بن زبان) Zabban فى الطبعة التى بين أيدينا- مكتبة الايمان بالأزهر: زيان بالياء) أخو بنى عبد الحارث بن
_________________
(١) ابن هشام، ٢٤٥.
(٢) ابن هشام، ٢٤٦ وهناك قراات أخرى لاسم هذا الوادى.
(٣) ابن هشام، ص ٥٥٦ والطبرى، ١٣٨٤.
(٤) نفسه، ٥٦١.
[ ٣٠٠ ]
عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش قد مر بأبى سفيان، وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب » «٦» .
(هـ) من قصيدة لحسان بن ثابت فى غزوة أحد:
جمعتموها أحابيشا بلا حسب أئمة الكفر غرتم طواغيها
وفى قراءة «بلا عدد» بدلا من «بلا حسب» وفسرت كلمة «حسب» هنا بمعنى «شرف» . والنص على أية حال غير مؤكد، والتفسير أيضا غير مؤكد، ومن هنا فلا قيمة كبيرة يمكن أن نخلص بها من طريقة استخدام الكلمة «٧» .
(و) وفى قصيدة كعب بن مالك:
فجئنا الى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة الاف ونحن نصية ثلاث مئين ان كثرنا وأربع «٨»
والنصية هم خيار القوم.
(ز) وفى سياق الحديث عن غزوة الخندق (حصار المدينة المنورة) نقرأ: «ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومه بين الجرف وزغابه فى عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وأهل تهامة..» «٩» .
(ح) وفى الحديبية كان الحليس بن علقمة (أو ابن زبان) هو سيد الأحابيش، وهو من بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما راه
_________________
(١) ابن هشام، ٥٨٢.
(٢) نفسه، ٦١٣.
(٣) ابن هشام، ٦١٤.
(٤) ابن هشام، ٦٧٣.
[ ٣٠١ ]
رسول الله (ﷺ) قال: «ان هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه »، وقد تأثر الحليس بمنظر «الهدى الذى ساقه الرسول» فهدد قريشا بالانضمام الى محمد (ﷺ) بمن معه من الأحابيش، اذا لم يسمح أهل مكة لمحمد بزيارة «١٠» البيت الحرام.
(ط) وفى قصيدة الأخزر بن لعط الدؤلى (فى الطبعة التى بين أيدينا من السيرة: «الدعلى») نقرأ:
ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا رددنا بنى كعب بأفوق ناصل
حبسناهم فى دارة البعد رافع وعند بديل محبسا غير طائل
ويفهم من القصيدة أنه لا حرب لأن الأحابيش بعيدون. والقصوى:
أنثى الأقصى وهو البعيد. بأفوق ناصل: من قول العرب بأفوق ناصل أى رددته خائبا، والأصل فيه أن الأفوق هو السهم الذى انكسر فوقه أى طرفه الذى يكون من ناحية الوتر، والناصل
الذى ذهب نصله أى حديده الذى يكون فيه. ودارة العبد: الدار، والدارة بمعنى واحد «١١» .
(ى) الأحابيش الذين كانوا فى مكة عندما فتحها محمد ﷺ كانوا من بين القليلين الذين قاوموا قوات المسلمين «١٢» .
وبالاضافة لما ذكرناه انفا، يمكن أن نضيف المراجع الاتية للوقائع السابقة على الهجرة.
(ك) بعد الوقائع التى أدت لحرب الفجار (بكسر الفاء)، فان قريشا وقبائل أخرى من كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش وهم قبائل: الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل والقارة
_________________
(١) ابن هشام، ٧٤٣، الطبرى ١٥٣ وما بعدها، الواقدى، ٢٥٢ وما بعدها.
(٢) ابن هشام، ٨٠٤.
(٣) المرجع السابق نفسه.
[ ٣٠٢ ]
ودش والمصطلق من خزاعة- بسبب حلفهم مع بنى الحارث بن عبد مناة- ظلوا مستعدين تماما لهذا الصراع «١٣» .
(ل) قبل حربى الفجار، كان حرب بن أمية زعيم قريش فى الحرب مع بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان الأحابيش أثناء هذه الحرب مع بكر الانف ذكره وعقدوا حلفهم هذا على جبل يقال له الحبشى (بحاء مضمومة)، ضد قريش وترجع تسميتهم بالأحابيش نسبة لهذا الجبل «١٤» .
من خلال ما اقتبسناه انفا من المصادر- وهى مختلفة كثيرا عن المصادر التى رجع اليها لامانس- تبدو النتائج التالية مؤكدة بدرجة معقولة:
١- ليس هناك ما يدعونا للافتراض بأن الأحابيش لم يكونوا عربا، بل ان هناك ما يؤكد أنهم عرب بالفعل. انظر ما أوردناه انفا فى الفقرة (ى) على نحو خاص. واستنتاج لامانس قائم أساسا على أصل الكلمة، لكن القول انها مشتقة من الحبش أو الأحباش نسبة الى الحبشة، ليس هو الاحتمال الوحيد. وهناك الاشتقاق الذى أورده ابن هشام، فقد تكون الأحابيش هى جمع أحبوش أو أحبوشة وتعنى مجموعة رجال ليسوا من قبيلة واحدة. (Lane) وحتى اذا كانت مشتقة من (حبش)، فان هذا لا يعنى أن الأحابيش كانوا زنوجا فقد يكونون عربا من ناحية ابائهم، مع احتمال أن تكون أمهاتهم زنجيات، ومن هنا كانت بشرتهم داكنة. وعلى هذا فليست هناك أسباب ملزمة للاعتقاد بأن الأحابيش كانوا عبيدا من الحبشة، فهناك أدلة كثيرة لرفض ذلك.
٢- لقد كان الأحابيش- بشكل واضح- تنظيما قبليا، فكلمة (سيد) تطلق عادة على زعيم قبلى «١٥» . وعلى أية حال، فان بعض
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد، ج ١، ٨١، ج ٨، ١١.
(٢) الأزرقى، (تحقيق فستنفلد)، ٧١، ١٤. Lammans،Berceau،٢٠٨. (١٥)
[ ٣٠٣ ]
العبارات المستخدمة تشير الى أن الأحابيش لم يكونوا قبيلة بالمفهوم المعتاد أو مجموعة قبائل، كعبارة «أحابيشهم» «١٦» . فالكلمة فى هذه العبارة تتفق مع المعنى الذى أورده لين Lane للأحبوشة، واذا كان الأمر كذلك فقد يكون الأحابيش مكونين أساسا من رجال غير قبليين أصبحوا متحالفين مع القبائل الوارد ذكرها فى الفقرة (أ) . فهذه القبائل يمكن- بالكاد- أن تعتبر هى الحلفاء المعتادين لقبيلة قريش والتى ربما حاربت جنبا الى جنب مع الاسرات (القبائل) التى ارتبطوا بها.
وكان بعض الحلفاء أشخاصا ذوى أهمية فى مكة، مثل الأخنس بن شريق الذى طلب محمد (ﷺ) حمايته فى موقف من المواقف. أما عبارة (بلا نسب) «١٧» - ان كانت صحيحة- فهى تعنى ببساطة- تواضع الأصل (ذوو أصل متواضع) . وحقيقة أن ظهورهم للمرة الأولى كمناوئين لقريش (انظر الفقرة ل) تجعلنا نميل الى التأكيد أنهم كانوا مجموعة ضعيفة تشكل ما يشبه التنظيم القبلى، فى المناطق المجاورة لمكة.
٣- وأفعال ابن الدغنة يمكن أن تشير الى وضع خاص له فى مكة، لكن أهميته مغالى فيها فهو لم يكن فى الحقيقة مستعدا للعمل ضد قريش. وفى الفقرتين: (د) و(ح) نجد الحليس يتصرف كزعيم مستقل يتعامل مع قريش على قدم المساواة ومثل هذا التصرف قد يكون كافيا لتوضيح ما اذا كانت العلاقة بين الأحابيش وقريش- مثلا- مثل علاقتها ببنى بكر بن عبد مناة.
٤- لقد كان لدى أهل مكة عبيد سود- ربما كان عددهم كبيرا- وقد اشترك هؤلاء العبيد فى المعارك، ويبدو أن بعضهم كانوا يحاربون عن سادتهم (أو فى صف سادتهم)؛ لكن الفقرة (ج) تشير الى وجود تشكيل عسكرى خاص بهم فى معركة أحد، وهو تنظيم منفصل عن تنظيم الأحابيش. فالعبيد يعيشون فى مكة كما هو مفترض، أما الأحابيش فيعيشون على بعد رحلة قوامها يومان من مكة (الفقرة أ) .
_________________
(١) الواقدى، ٢٢٥ فهناك اشارة الى (أحابيش) سفيان الهذلى.
(٢) انظر الفقرة (هـ) انفا.
[ ٣٠٤ ]
٥- ولا بد أن نتذكر امكانية الخلط فى بعض الفقرات بين معنى (الاثيوبيين- الأحباش) وهم رجال ليسوا من قبيلة واحدة، و«رجال الأحباش، men or Ahbash «فمثل هذه الاشتقاقات المزعومة، يفترض أنها مرتبطة بمؤرخين حوليين متأخرين- أتوا فى زمن لاحق.
٦- مهما يكن أمر الأحابيش، ومهما كان الغموض الدائر حولهم، فلم يكونوا ذوى أهمية كبيرة فى المعارك المذكورة، رغم أن عددهم قد يكون أضاف شيئا للصعوبات التى واجهها المسلمون. فالافتراض الضار (غير الصحيح Wicked (الذى ذهب اليه لامانس بأن قوة مكة كانت قائمة على جيش من العبيد- افتراض لا حقيقة له. فلم يكن تجار مكة الكبار مولعين بالحرب بل لقد كانوا يحاولون تحاشيها، وان كان هذا لا يمنع من اتخاذهم الحيطة لأنفسهم عند الضرورة.
[ ٣٠٥ ]
الملحق (ب) التوحيد عند العرب والتأثيرات اليهودية المسيحية
ظل الكتاب طوال جيل أو جيلين يتسائلون عن مدى امتداد التأثيرات اليهودية والمسيحية على محمد (ﷺ) نفسه، وكان الفرض المهم السائد بينهم- مع استثناات بسيطة- أنه لم يكن بين العرب الذين دعاهم* محمد للاسلام «توحيد» . على أية حال، لقد اتضح بشكل متزايد- أن هذا الفرض غير صحيح. فالسور القرانية التى نزلت فى فترة مبكرة، تفترض أن العرب كانوا يعرفون فكرة التوحيد (الايمان باله واحد) وأنها ليست غريبة عليهم، ولا كان القبول بها غريبا عليهم. وثمة أدلة أخرى تنحو الى التأكيد أن الحياة الفكرية فى شبه الجزيرة العربية بشكل عام وفى مكة بشكل خاص قد نفذت اليها فكرة التوحيد (عبادة اله واحد مهيمن. «١» (Supreme being
ويقدم لنا مرجليوث D.S.Margoliouth فى مقاله عن أصول الشعر العربى the Origins of Arabic Poetry عددا من الأمثلة عن ورود فكرة التوحيد- كما نادى بها الاسلام بعد ذلك- فى الشعر الجاهلى.
حقيقة لقد استخدم مرجليوث ذلك ليدلل به على أن الشعر الجاهلى موضوع (يشكك فى مصداقية نسبة هذا الشعر الى فترة ما قبل الاسلام)؛ لكن التفسير الأبسط لذلك هو أن القران (الكريم) قدم بدوره
_________________
(١) * انظر الملحق رقم (ج) عن الحنقاء. Nicholson،Lit.His. ١٣٩ f. (١)
[ ٣٠٦ ]
فكرة التوحيد. ومرة أخرى نجد أن تورى C.C.Torrey فى كتابه «الأساس اليهودى للاسلام The Jewish foundation of Islam فى مجال سوقه الأدلة لتأكيد فكرته، يقدم الادلة لاثبات العكس، فهو يقول: «ان القران بلغته العربية- كعمل عبقرى يعد انجازا عظيما لرجل عظيم قد قام حقا على أسس كانت سائدة فى شبه الجزيرة العربية (أى اتخذ مادته منها)، فكل الأسلوب القرانى حتى بما يتضمنه من كلمات أجنبية وأعلام- كان شائعا مألوفا فى مكة قبل ظهوره- أى ظهور القران الكريم» ** «٣» .
وتورى- الى حد ما- يفكر فى المصطلحات الدينية التى كانت شائعة على السنة اليهود المتحدثين باللغة العربية، لكنه من المؤكد أن كثيرا من هذه المصطلحات كان يستخدمها أيضا العرب الخلص. والان، فان وجود الألفاظ لا بد أن يكون دليلا على وجود الأفكار التى تعبر عنها.
على الأقل على نحو أسميه «التوحيد البدائى» أو الفج Vague monotheism وأقصد به التوحيد الذى لا يعبر عنه بممارسات عبادية محددة، والذى لا يكون الوعى فيه كاملا بالفرق بينه وبين الوثنية.
وعلى هذا فالعلم الصحيح، وكذلك النزاهة اللاهوتية التى ينبغى أن يتحلى بها المؤرخ تقتضى أن القضية المطروحة عن تأثير الأفكار اليهودية
_________________
(١) * من الواضح أن المسلمين وعددا من غير المسلمين يؤمنون أن القران الكريم لا يمكن أن يكون الا من عند الله سبحانه، وقد أورد منتجمرى وات فى كتابه Islamic revelation in the Modern World أن بعض المذاهب المسيحية باتت مقتنعة أن القران الكريم وحى، وذهب وات فى كتابه هذا أن الاسلام هو دين المستقبل. ترجم هذا الكتاب للعربية فى سلسلة الألف كتاب الثانى (الهيئة المصرية العامة للكتاب) . ** العبارة الانجليزية Before he appeared on Scene: والمقصود طبعا كما يفهم المسلمون (قبل نزوله) . JRAS،١٩٢٥،pp. ٤١٧ -٤٩. (٣) خاصة ٤٣٤ وما بعدها.
[ ٣٠٧ ]
والمسيحية (وربما غيرهما) على أهل مكة فى القرن السابع للميلاد، وليس على محمد (ﷺ) نفسه (بل وأكثر من هذا على القران الكريم) - هذه النزاهة تقتضى منا أن نقول أن هذا التأثير غير مؤكد، كما أنه قضية غير بسيطة، أى لا يمكن اطلاق القول فيها على عواهنه.
ووجود هذا التأثير غير المباشر، أو التأثير الناتج عن البيئة المشتركة لا يعنى أن التأثير المباشر يجب انكاره تماما. (المترجمان: تشابه بعض الأفكار فى الأديان الثلاثة يعنى أن لها جميعا مصدرا واحدا هو الله سبحانه، ولا يعنى أن أحد الأديان قد تأثر بالدينين الاخرين، بالمفهوم الدنيوى لكلمة التأثر) . وعلى أية حال، فالافكار لو كانت فى الهواء) in the air أى ليس لها بذور فى البيئة) لما استطاع محمد (ﷺ) أن يبلغها بسهولة للعرب (المترجمان: من المفهوم أن الاسلام دين عالمى نزل للعالمين، عرب وغير عرب، وحديث المؤلف هنا عن العرب فقط أمر اقتضاه السياق ولا أكثر)، لذا فانه يبدو من الأفضل أن نفترض بشكل عام أنه لا بد أن نتعامل مع تأثيرات توحيدية فى بيئة مكة، وأن نفترض فقط أن التأثير المباشر لظهور داعية للتوحيد فى هذه البيئة يعد دليلا جيدا على ذلك. والجانب الرئيسى من هذا الدليل يتمثل فى الاشارة الى معلم يتحدث لغة غير عربية، فى سورة النحل:
«قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) » .
وتورى Torrey الذى بنى كثيرا من النتائج على هذه النقطة (ص ٤٣ وما بعدها) لاحظ أن محمدا (ﷺ) لم ينكر أنه «التقى بمعلم من البشر*، لكنه- أى محمد ﷺ- أكد على أنه تلقى تعاليم الاسلام من الله سبحانه» . واذا افترضنا أنه كان لمحمد ﷺ مثل هذا المعلم، فسيكون من الطبيعى جدا أن نربطه بشىء يبدو حقيقيا، وبالتحديد علاقة القران
_________________
(١) * لا نقر أن الرسول ﷺ التقى بمعلم من البشر تلقى عنى أصول الدين وتشريعاته، أما اللقاء العابر ببعض اللاهوتيين دون تلق فهو ممكن- (المراجع) .
[ ٣٠٨ ]
الكريم بالقصص التوراتى وهو أمر ملحوظ فى القران الكريم* (المترجمان: التشابه أو حتى التماثل ناتج عن أن المصدر واحد هو الله
_________________
(١) * ويضرب المؤلف أمثلة من القصص القرانى المتشابه مع ما ورد فى العهد القديم (التوراة) كالتالى: (-) السورة ٣٧ (الصافات): «وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١١١) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) الخ) . (-) والسورة ٢٦ (الشعراء): «كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) » ففى هذه الايات، والايات السابقة نجد أن المرأة التى لم تنج من العذاب هى امرأة عجوز (فى الغابرين)، بينما نجد فى ايات أخرى سنوردها فى السطور التالية أن التى لم تنج من العذاب هى زوجة لوط (المترجمان: ليس هناك تناقض بين الايات، فالايات التى ذكرت عجوزا فى الغابرين لم تقل انها زوجته، والايات التى ذكرت أنها زوجته لم تذكر أنها هى العجوز (فى الغابرين) فما المانع أن تكونا شخصيتين منفصلتين، وعلى أية حال نورد الايات التى استشهد بها المؤلف ليؤكد أن زوجة لوط هى التى لم تنج) . (-) السورة ٢٧ (النمل): «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧)» . (-) السورة ٧ (الأعراف): «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣)» . (-) السورة ١٥ (الحجر): «إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)» . (-) السورة ١١ (هود): « فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ.. (٨١)» . (-) السورة ٢٩ (العنكبوت): «قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)» . ويواصل المؤلف قوله: «ومرة أخرى فاننا لا نجد فى الاقتباسات الأربعة الأولى أى ادراك للصلة بين ابراهيم (الخليل) ولوط، ومن ناحية أخرى فاننا فى النصوص الثلاثة الأخيرة نلمح ادراكا لهذه الصلة، فالاية الأخيرة مسبوقة باية تشير الى ابراهيم:
[ ٣٠٩ ]
سبحانه، ولم يأت الاسلام ليهدم كل أفكار الدينين السابقين وانما ليصحح ما شابهما من فساد فى الأفكار لكثرة تداول النصوص بين اللغات المختلفة، ونسبة بعض الأحبار والرهبان ما يكتبونه الى الله سبحانه..) .
والمسلم السنى اذا تقبل هذه الملاحظة- أى وجود تطور بالزيادة فى المعلومات الواردة فى النص القرانى- فربما يذهب مذهب أن الله سبحانه قد صاغ كلمات القران (الكريم) لتكون لمحمد (ﷺ) وأتباعه، وربما بناء على هذا يذهب الى أن هذه القصص كانت معروفة بالفعل للبشر، وأن الله سبحانه يركز على ما بها من عظات وعبر، لكن هذا يتعارض مع الاية الكريمة:
«تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» السورة ١١/ هود/ الاية ٤٩.
_________________
(١) (-) «وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١)» / العنكبوت. واية سورة هود مسبوقة باية كريمة تشير الى ابراهيم: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)» هود. وفى سورة الحجر: «وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١)» . فاذا كان هناك مثل أو مثلان من هذا النوع لأمكن استيعابهما، لكن الحقيقة أن هناك أمثلة كثيرة؛ مما جعل الباحثين الغربيين يجدون صعوبة فى انكار أن معلومات محمد (ﷺ) عن هذه القصص كانت فى حالة تطور أو نمو، وعلى هذا خلصوا الى أنه استقى معلوماته من شخص أو أشخاص يعرفهم. (المترجمان: ليس فى مجموعة الايات التى استشهد بها المؤلف ولا فى غيرها ما يفيد تطور معلومات النبى ﷺ مادام هناك ايمان يقينى بأنه يتلقى الوحى من الله سبحانه، والقصص القرانى ليس مقصودا فى حد ذاته وانما لما فيه من عظة وعبرة، ومن هنا يرد المضمون بما يتمشى مع الحقيقة التاريخية وجوهر العظة أو العبرة فى الوقت نفسه، ومرة أخرى، فان التشابه بين بعض ما ورد فى العهد القديم (التوراة) وما ورد فى العهد الجديد (الانجيل) لا يعنى أن المسيح ﵇ نقله من العهد القديم، والقول نفسه ينطبق على القران الكريم. فالتشابه ناتج عن أن المصدر واحد هو الله سبحانه، ثم ان الاسلام أتى ليصحح بعض ما ورد فى الدينين السابقين باعتباره خاتم الأديان، فالقران الكريم لم ينكر كل ما ورد فى الأديان السابقة وانما بعضه، فاتحا ذراعيه لاستقبال كل الداخلين فى رحاب الله) .
[ ٣١٠ ]
واذا أردنا أن نجمع بين تصديقنا لمحمد ﷺ كنبى من ناحية، ووجود مصادر بشرية لمعلوماته، فان أمامنا ثلاثة احتمالات:
١- ان محمدا ﷺ خلط بين القصة نفسها و«العظة» الكامنة فيها، ولأن العظة أتته عن طريق الوحى، فقد اعتبر القصة، والعظة، معا وحيا. (المترجمان: نورد الترجمة الأمينة لنعرف كيف يفكر المستشرقون وهذا أمر ضرورى، لكن القارىء الفطن أيا كان دينه يستنكر ذلك فكيف تكون العظة وحيا، والقصة بشرية؟! وبالتالى، فان هذا الفرض غير قائم) .
٢- وربما أتته القصة وحيا* بطريقة استشعارية.
٣- وربما كانت الترجمات التى بين أيدينا للقران الكريم غير دقيقة خاصة كلمة (نوحى) التى تعنى ايصال المعلومات بالوحى، فقد تعنى أيضا معنى مختلفا اختلافا يسيرا عن ذلك مثل (افهام العظة أو العبرة أو التعاليم الكامنة فى هذه القصة أو بيان معناها)، وربما كمنت الحقيقة بين الاحتمالين الأول والثالث. فالقصص القرانى دائما يتم الاخبار به انطلاقا من نقطة بعينها، ويتم الاخبار به مرة أخرى بطريقة فيها تلميح أكثر more allusive وبطريقة أكثر ايجازا.elliptic fassion
فعلى سبيل المثال، فهذا القصص يبين كيف أن المناوئين للنبى الذين يرفضون رسالته سينطبق عليهم فى النهاية أسوأ ما فى القصة، وكيف سيتم خلاص المؤمنين. وأيضا، فان هذا القصص القرانى ككل ربما يحمل معانى أبعد، وهو أن يوضح للعقلية العربية الواعية بالأنساب أن هذه الحركة الجديدة (الاسلام) لها أجداد (لها أصول) روحيون مشرفون. ليست هناك صعوبة كبيرة فى القول أن الشكل المحكم لهذه القصص ومعناها البعيد ومقاصدها التى تقصد اليها، قد وصلت لمحمد (ﷺ) عن طريق الوحى، وليس نتيجة اتصاله بمصدر بشرى مزعوم.
_________________
(١) * النص: The stories may have come to him by Some Supernomral method of a telepathic character وهى تفيد الوحى ولكن بأسلوب علمانى: بوسيلة فوقية أو فوق طبيعية، وفقا لشخصيته التليباثية (التى تستشعر عن بعد) .
[ ٣١١ ]
tnamrofni degella sih fo noitac -inummoc eht morf ton dna noitalever yb dammahuM ot emaC seirots eht fo ecnacitingis roiretlu eht dna tniop eht،morf esicerp eht taht gnimialc ni ytluciffid taerg on si erehT
فالارتباك الذى تسببه مثل هذه الايات لأولئك الراغبين فى التشكيك فى صدق محمد (ﷺ)، لا يجب أن يصرف الانتباه عن الأهمية الضئيلة نسبيا للرسالة التى يريد أن يبلغها لهم أحد المواحدين. فمحمد (ﷺ) والمسلمون كانوا مهتمين بالأنبياء الأوائل السابقين عليه (أى على محمد ﷺ) (وكانوا- من المحتمل- يحاولون تحصيل مزيد من المعلومات عنهم)؛ لأن ذلك- من ناحية- يعطيهم مزيدا من التشجيع والسلوى، ولأن- وهذا هو الأساس- ذلك يعد بمثابة فخر بالأجداد (من قبيل فخر الانسان بمزايا أجداده)، وقبل كل ذلك لأن الرسالة الأساسية للقران (الكريم) كانت بالفعل متغلغلة فى مجتمع مكة، فتفاعل الشكل القرانى المحكم (الدقيق (Precise مع الوضع المعاصر له (القائم فعلا) والذى لم يكن ينقصه سوى دعوة نبى (النص: حدس النبوة. (Prophetic intuition
ما أخبر يهودى أو مسيحيي محمدا أنه نبى*. ومن هنا فلكى نفهم الاسلام، فان القضية الأساسية المطروحة هى بأى الوسائل، والى أى مدى كانت الأفكار اليهودية والمسيحية قد تأقلمت فى الحجاز!
_________________
(١) * تزخر سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السيرة بيهود دخلوا فى الاسلام وبأحبار ورهبان تنبأوا بنبوته (الراهب بحيرا مثلا) . (المترجمان) .
[ ٣١٢ ]
الملحق (ج) الحنفاء
يذكر ابن اسحق «١» أربعة رجال من جيل سابق لجيل محمد (ﷺ) اتفقوا معا على ترك عبادة الأوثان وأن يقصدوا الحنيفية- دين ابراهيم (﵇) . وابن قتيبة «٢» يذكر لنا ستة أشخاص كان الاخرون يسمونهم حنفاء، منهم: أمية بن أبى الصلت، وأبو قيس بن الأسلت. كيف نتصرف ازاء هذه الاشارات؟ ألا تدل على وجود نوع من التوحيد فى شبه الجزيرة العربية غير التوحيد اليهودى والتوحيد المسيحيي «٣»؟
لقد أراق المؤرخون أحبارا كثيرة فى هذا الموضوع الخلافى منذ تناوله Sprenger وحتى الان، بحيث أصبح من المستحيل هنا حتى مجرد تلخيص وجهات النظر المختلفة، ولا بد أن نرضى أنفسنا بالاكتفاء بأكثر جوانب الموضوع اتصالا بحياة محمد (ﷺ) «٤» .
واستخدام كلمة (حنيف) فى القران (الكريم) يصلح كمنطلق وثيق ومؤكد. فهنا نجد أن «الحنفاء» كانوا هم أتباع الدين العربى الأصلى والمثالى، ولم يكونوا يمثلون مجرد (مذهب) أو (فرقة) أو
_________________
(١) ابن هشام، ١٤٣- ١٤٩.
(٢) المعارف، ٢٨- ٣٠.
(٣) ابن هشام، أيضا، ٤٠، ١٧٨، ٢٩٣.
(٤) F.Buhl، Art Hanif، EI، Caetani، Ann، I، pp.١٨١- ١٩٢.R.Bellz Who were the Hanifs Zthe Muslim World.XX.١٩٣٠، pp.١٢٠- ١٢٤.N.A.Faris H.W.Gidden.z The development of the mean- ing in the Koranic Hanif Zin:Journal of the Palestine oriental Society، XIX، ١٩٣٩، pp.١- ١٣.
[ ٣١٣ ]
جماعة انقرضت «٥» (النص: جماعة تاريخية (historical أولم يكن لها وجود عند ظهور الاسلام. وما أظهره القران الكريم فى بواكير المرحلة المدنية- عندما كانت علاقة محمد ﷺ باليهود متوترة- هو أن المسلمين قد استعادوا دين ابراهيم (﵇) فى شكله النقى، بينما حرفه اليهود والنصارى «٦» . ويبدو اكثر وضوحا، أن كل الاشارات الى الحنفاء فى المراجع المبكرة تعمد الى ايجاد الحقائق التى توضح ما ذكره القران (الكريم)، ولا تذكر شخصا واحدا بالاسم يسمى نفسه حنيفا أو كان يبحث عن الحنيفية.
وهناك عدة أمثلة حقيقية على استخدام كلمة (حنيف) بالعربية قبل محمد (ﷺ) (رغم أنه ليس من السهل دائما أن نذكر أى هذه الأمثلة حقيقى وأيها موضوع أو زائف)؛ لكنه استخدام مختلف ذو معان متباينة. والدارسون المحدثون الذين درسوا هذه المسألة، يعتقدون أن الكلمة- بصفة أساسية- مستعارة من النبط *Nabateans فهى
_________________
(١) Bell،op.cit. (٥)
(٢) Snouck، Hurgronje، Het Mekkaansche Fest، ٢٩ ff.Vers- preide Geschriften، i، ٢٢ ff. * والنبط عرب من عبدة اللات وذى الشرى، نقرأ فى معجم المصطلحات الاثارية: «قبائل عربية دخلت أرض أدوم جنوب فلسطين (فيما يعرف الان بمملكة شرقى الأردن) فى القرن الخامس ق. م وتركوا حياة الرعى الى حياة الزراعة، ومن هنا عرفوا بالأنباط أو النبط أى الذين يستنبطون الأرض من أجل الزراعة وجعلوا من سلع عاصمة لهم عرفها الاغريق باسم البتراء التى تقع فى جنوب البحر الميت، وأسسوا مملكة فى القرن الثالث ق. م. استمرت حتى حول الامبراطور تراجان أرضهم الى ولاية رومانية باسم الولاية العربية Provincia Arabia عام ١٠٦ م واتخذ الرومان من بصرى عاصمة لها، حيث كشفت الأبحاث المصمك (١٢٨٢ هـ) وقصر الشمسية (وهو معاصر لقصر المربع) . وتتنوع واجهات المقابر النبطية فى أشكالها المعمارية، بين الحجم الصغير والحجم الكبير، وتغلب أسلوب واحدة زخرفية على أسلوب واحدة زخرفية أخرى، واضافة واحدات زخرفية جديدة، الا أنها بقيت فى جوهرها تحافظ على السمات الفنية الأساسية للأسلوب الهندسى التماثلى. وبالرغم من أن واجهة واحدة من هذه الواجهات لم تأخذ شكل التكوينات المنمقة فى مقابر البتراء، الا أن واجهات مقابر الحجر (مدائن صالح) بقيت تكتسب أهمية لما تحمله من نقوش مؤرخة بالاضافة الى فنونها وبذلك تمدنا بكثير
[ ٣١٤ ]
فى لغتهم تعنى من يعتنق بعض فروع دينهم الشامى- العربى المتاثر- جزئيا- بالثقافة الهيلينيه «٧» . وعلى أية حال، فمسالة أصل الكلمة مسألة ثانويه، وحتى اذا كانت الفكرة السابقة صحيحة فليس من الضرورى ان هذا التحوير (التكييف) للهيلينية* يشكل اى اسهام حقيقى فى تغلغل أفكار التوحيد فى شبه الجزيرة العربية، فما البال اذا كانت فكرة أصل الكلمة كما ذكرناه سابقا- فكرة بعيدة الاحتمال.
ورغم أن الاشخاص الأربعة فى رواية ابن اسحق لم يطلقوا على أنفسهم اسم الحنفاء، الا أنهم مع هذا كان لديهم شعور (وعى) بطريقهم نحو التوحيد. واثنان من هؤلاء الأربعة من عشيرة أسد القرشية: ورقة ابن نوفل ابن عم خديجة بنت خويلد (﵂) وعثمان بن الحويرث، وكلاهما كان قد تحول للمسيحية، رغم أن مسيحية هذا الأخير (عثمان) - على الأقل- كان لها مضامين سياسية. واخر هو عبيد الله بن جحش كان متحالفا مع عشيرة عبد شمس وابنا لابنة عبد المطلب، وقد تحول- بعد ذلك- للاسلام وكان من بين من هاجروا للحبشة، وهناك ارتد للمسيحية، والرابع هو زيد بن عمرو من عدى، وقد ظل مواحدا دون انتماء محدد. ونجد فى كتاب الأغانى مزيدا من المعلومات عن هؤلاء الرجال «٨» . وعلى هذا، فعندما تتم ازاحة كل ما علق بالموضوع من بدع وسوء فهم- بطريقة موضوعية، ستبقى الحقائق المسلم بها، لكنها لا تعطينا رخصة كافية لاعادة صياغة الأحداث، فلسنا متأكدين من وجود صلة بين الرجال الأربعة، فان كانت هناك صلة، فلا بد أن يكون لهذه الرابطة بعد سياسى الى جانب البعد الدينى، وفى
_________________
(١) من المعلومات الأثرية والتاريخية عن الأنباط أنفسهم، مكتوبة بالخط النبطى. لمزيد من المعلومات، راجع. .٣٦ -٩٥.pp،) ٤١٩١ (siraP،noissiM) ret -faereH (cibarA ne euqigoloehcrA noissiM،cangivaS.F dna nessuaJ.A (المترجمان) . Faris،Glidden،op.cit.،p. ١٢. (٧) * الاغريقية والهيلينستية كما هو معروف مزيج من حضارة الشرق والحضارة اليونانية.
(٢) عن المراجع، انظر Caetni،Loc.Cit.:
[ ٣١٥ ]
هذه الحالة ربما لا يكون الأمر بعيدا عن محاولة عثمان السيطرة على مقاليد الأمور فى مكة*. لكن قد يكون كل واحد منهم- ببساطة- قد اتخذ طريقة لهذا التوحيد بشكل مستقل. ومن الممكن أن نسلم بأن أحدا منهم لم يكن غائب الوعى تماما عن العوامل غير الدينية التى أدت للوضع المزعج الذى وصلت اليه حال بلادهم، مع أنه من المحتمل أن يكونوا أكثر اهتماما بالعامل الدينى.
ورغم الغموض الذى استمر يحيط بهؤلاء الرجال الذين ارتبط بهم مسمى الحنفاء، الا أن ما نعرفه عنهم يعد كافيا بدرجة تجعلنا نعتبرهم عاملا اضافيا يوضح لنا الطريقة التى تغلغلت بها أفكار التوحيد فى البيئة التى نشأ بها محمد (ﷺ)، والتى جذبت بعض أكثر العرب تنورا. فهؤلاء المسلمون بالحنفاء لم يكونوا هم واحدهم الذين انجذبوا لفكرة التوحيد، لقد كان هناك اخرون بين أتباع محمد (ﷺ) الأوائل، مثل عثمان بن مظعون وواحد على الأقل فى المدينة المنورة هو أبو عامر عبد عمرو بن صيفى الذى عارض الرسول (ﷺ) معارضة مريرة. وبالنسبة للدارس لحياة محمد (ﷺ)، يعد الحنفاء ذوى أهمية لأنهم يقدمون برهانا على أن أفكار التوحيد كانت موجودة بالفعل فى البيئة التى ظهر فيها- أى ظهر فيها محمد النبى (ﷺ) .
_________________
(١) * عن هذه الواقعة يحدثنا هيكل فى حياة محمد. يقول: «وأما عثمان بن الحويرث، وكان من ذوى قرابة خديجة، فذهب الى بزنطية وتنصر وحسنت مكانته عند قيصر ملك الروم. ويقال: انه أراد أن يخضع مكة لحماية الروم وأن يكون عامل قيصر عليها، فطرده المكيون فاحتمى بالغساسنة فى الشام، وأراد أن يقطع الطريق على تجارة مكة، فوصلت الى الغساسنة هدايا المكيين؛ فمات ابن الحويرث عندهم مسموما» - (المترجمان) .
[ ٣١٦ ]
الملحق (د) مبحث حول (تزكى)
ترجمة لفظ تزكى، وغيرها من مشتقات الأصل [ز ك ا] (بصرف النظر عن زكاة) . كما ورد فى القران (الكريم) يثير بعض الصعوبات.
فأحد الباحثين جعل لها مقابلا انجليزيا purify oneseir أى تطهير النفس، لكنه أضاف بين قوسين فى الحواشى موضحا أن تطهير النفس يكون [بتقديم الصدقات. «١» [almsgiving وهناك باحث اخر جعل لها مقابلا بسيطا هو، «٢» be charitable أى أحسن أو تصدق. واذا نحينا لفظ (زكاة)، فان الجذر (زكا) ومشتقاته ورد فى القران (الكريم) حوالى ٢٦ مرة، ومن المفيد أن نتناول ما هو مهم من هذه الأمثلة (المقصود الايات القرانية التى ورد فيها الجذر ومشتقاته) .
انها تقع فى أربع مجموعات:
المجموعة الأولى: نجد فيها المعنى واضحا، فهى كلها أمثلة للجذر الثانى زكى (بتشديد الكاف) المستخدم بمعنى «التبرئة من الاثم Justify «أو، count just تماما بنفس معنى الكلمة الانجليزية فى الأناجيل. ففى مثل هذه الحالات نجد أن الفكرة التى يدور حولها السياق هى ألا يزكى أحد نفسه، وانما الله هو الذى يزكى من يشاء. وكل الاشارات هنا مرتبطة بالايمان بالاخرويات، وكلها تشير الى اليهود فيما عدا الاية الأخيرة (سنورد الايات فى السطور التالية) . لقد ارتبط
_________________
(١) Bell،translation of Quran. (١) J.Obermann -in the Arabic heritage،١٩٤٦،p. ١٠٨. (٢)
[ ٣١٧ ]
استخدام الكلمة بهذا المعنى بتوجيه انتقادات لليهود، على النحو نفسه الذى وجهت الأناجيل (العهد الجديد) النقد لليهود:
«إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» البقرة/ الاية ١٧٤.
«إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ال عمران/ الاية ٧٧.
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» ٤ (النساء) / الاية ٤٩.
«الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» ٥٣ (سورة النجم) / الاية ٣٢*.
وفى المجموعة الثانية يبين السياق أن الرسول (ﷺ) قد أرسله الله (ليزكى) الناس بمعنى يطهر، Purify وتعود الايات التى تستخدم الكلمة بهذا المعنى الى بواكير منتصف الحقبة المدنية (سنورد الايات فيما يلى) فالاية الأولى فى سياق خطاب لليهود، والايات الاخرى تشير الى محمد (ﷺ) . ومادام الرسول لا يمكنه أن يطهر الناس (يزكيهم Purify (بالمعنى نفسه الذى نقصده عندما نتحدث عن أن الله (سبحانه) هو الذى (يطهر) أو (يزكى)، ومن هنا فاستخدامنا للفعل Justify لا بد أن يعنى (تزكية) الله سبحانه كنتيجة لبعثة محمد (ﷺ)، وعلى النحو نفسه يجب أن يكون استخدامنا للكلمة الانجليزية.Purify
وعلى أية حال، فربما كان من الممكن أن يمتد معنى الكلمة ليصبح «التوجيه
_________________
(١) * أرقام الايات كما أوردها المؤلف مختلفة ولعله خطأ مطبعى- (المترجمان) .
[ ٣١٨ ]
نحو التزكية أو الهداية. «to dired to Justification of Purification
ومن ناحية أخرى فانها قد تعنى (دفع زكاة) وهذا مناسب اذا لم تكن كلمة (الزكاة) قد أخذت معناها الاصطلاحى وان احتفظت بشىء من الارتباط «بوسائل التطهر أو التزكى» . وعلى هذا، فحيثما تستخدم كلمة (يزكى) مرتبطة بالرسول، ربما كان معناها (أن يتطهر بفرض الزكاة):
«رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» البقرة/ الاية ١٢٩.
«كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» البقرة/ الاية ١٥١.
«لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» . ال عمران/ الاية ١٦٤.
«هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» السورة ٦٢ (الجمعة) / الاية ٢.
أما استخدام أهل مكة (وربما فى المرحلة المدنية المبكرة أيضا) لكلمة (تزكى) وكلمة (التزكى) التى تمثل المجموعة الثالثة، فمختلف اختلافا يسيرا، ولنبدأ بذكر الايات:
«جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» السورة ٢٠ (طه) الاية ٧٦.
«وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
[ ٣١٩ ]
بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» السورة ٣٥ (فاطر) الاية ١٨.
«فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى» السورة ٧٩ (النازعات) / الاية ١٨.
«وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» السورة ٨٠ (عبس) الاية/ ٣.
«وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى» السورة ٨٠ (عبس) الاية/ ٧.
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى» السورة ٨٧ (الأعلى) الاية/ ١٤.
«الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى» السورة ٩٢ (الليل) الاية/ ١٨.
ففى الايتين ٣ و٧ من سورة عبس (المذكورة أعلاه)، يبدو أن هدف الدعوة الاسلامية هو الوصول بالانسان الى رحلة التزكى التى تبدو- فى الغالب- مساوية للتحول للاسلام. وفى اية سورة طه (الواردة انفا) وعد بجنات عدن لمن تزكى، وشىء من هذا المعنى فى معظم الايات الاخرى (التى أوردناها انفا) . وعلى هذا، فان التزكى يبدو دليلا على الامتياز الخلقى الذى هو جزء من الأهداف السامية للحياة.
وهذا متفق مع ما كتبه الباحثون الغربيون عن الاستخدام المتماثل للكلمات الشبيهة فى العبرية والارامية والسريانية «٣» . فالجذر العربى (ز ك ا) يعنى فى المعنى الأساسى نما أو ازدهر، لكن استخدامه قد تأثر بهذه اللغات الاخرى (المترجمان: ليس من الضرورى ذلك. فالزكاة مثلا مع أنها مال يدفعه المزكى، الا أن المفهوم دينيا أنها تزيد فى حسنات المزكى، فما نقص مال من صدقة..) .
ففى هذه اللغات تعنى الكلمة المقابلة- على نحو خاص- الطهارة الأخلاقية. وغرابة هذه الفكرة بالنسبة للعرب- رغم أنها قد لا تكون وصلتهم عن طريق القران الكريم- قد تساعدنا فى تفسير استخدامهم لمصطلح مثل تزكى لوصف هذه الفكرة. انها منفصلة عن الطهارة كنسك
_________________
(١) Jeffery،Vocabulary،S.V. (٣)
[ ٣٢٠ ]
أو طقس (انظر: طهر فى سورة المدثر: «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» الاية/ ٤) التى كانت معروفة- بلا شك- فى الديانة القديمة (السابقة على الاسلام) .
وعلى هذا، فان معنى (تزكى) ربما كان أفضل- ليعبر عن (الصلاح - (righteousness ومن (الطهارة؛ (Purity وبذلك ارتبط بالفعل (زكى) الوارد فى الايات التى أوردناها فى المجموعة الأولى. وأية صعوبة فى افتراض أن الناس كانوا «صالحين» بالفعل يمكن أن نتجنبها باعتبار الكلمة تعنى «القصد الى الصلاح أو العمل ليكونوا صالحين aim at reightness واتخاذه مبدا»؛ ولكن التمييز الكامن هنا ربما لم يكن موجودا بالنسبة للعرب.
وربما أضفنا لهذه المجموعة مثالين اخرين من الجذر الثانى، هما:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» السورة ٢٤ (النور) / الاية ٢١.
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها» السورة ٩١ (الشمس) / الاية ٩.
وربما يكون معنى يتزكى فى السورة ٩٢ (الليل) / الاية ١٨ (الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) هو المعنى نفسه فى الايات السابقة لكن لاحتمال انها فى مرحلة مدنية متأخرة [المترجمان: سورة الليل مكية وليست مدنية] * ولأنها تتعرض للمال، فربما كان المعنى الأقرب هو: الذى يقدم ماله ليطهر نفسه بالزكاة. وربما كانت تشير الى الزكاة كمصطلح فقهى لكن هذا لا ينفى معنى التطهر. فليس هناك اية مكية تشير الى رباط بين (تزكى) والمال، بل العكس، فهناك اشارة خاصة تبدو أحيانا فى غير سياقها كما فى حالة فرعون:
_________________
(١) * ما بين القوسين توضيح من المترجمين.
[ ٣٢١ ]
«اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨)» السورة ٧٩ (النازعات) . وفى سورة عبس رغم الاشارة الى رجل (أو رجال) ثرى، فقد ورد ذكر الرجل الأعمى كاحتمال أن يتزكى (يزكى) .
وهناك أيضا مجموعة رابعة (من الايات) يسود فيها الاستخدام العربى الأصلى للجذر، نوردها كما يلى:
«وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» البقرة/ ٢٣٢.
«وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا»
السورة ١٨ (الكهف) / الاية ١٩.
«فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ، قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا» السورة ١٨ (الكهف) / الاية ٧٤.
«قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا»
السورة ١٩ (مريم) / الاية ١٩.
«فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» السورة ٢٤ (النور) / الاية ٢٨.
«قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ» السورة ٢٤ (النور) / الاية ٣٠.
وهذا لا يضيف عناصر جديدة لمشكلتنا ولا يحتاج الى مناقشة.
[ ٣٢٢ ]
أما كلمة زكاة فتتردد فى القران (الكريم) بمعناها الفنى (الفقهى) وعادة ما يقترن ذكرها بذكر الصلاة، لكن هذا لا يمنع من استخدامها فى بعض الحالات فى غير معناها الاصطلاحى (الفقهى) كمعنى التميز الخلقى أو الصلاح، أى بالمعنى الوارد فى المجموعة الأولى من الايات التى أوردناها انفا، وأفضل أمثلة على ذلك تتضح من الايات التالية:
«فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا» السورة ١٨ (الكهف) / الاية ٨١.
«وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ» السورة ٢٣ (المؤمنون) / الاية ٤*.
وربما كانت الايات الواردة فى سورة مريم (١٣، ٣١، ٥٥) أمثلة أخرى على هذا الاستخدام، لكن لارتباطها بالأنبياء فقد يكون معناها مما يندرج تحت المعنى الوارد فى المجموعة الثالثة التى أوردناها انفا، وهذه الايات هى:
«وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا» مريم/ ١٣.
«وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» مريم/ ٣١.
«وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» مريم/ ٥٥.
وأخيرا، فان الاية ١٠٣ فى السورة رقم ٩ (التوبة) تبدو مرتبطة بالمعنى الأخلاقى للفعل زكى مرتبطا بالطهارة كطقس (طهر) .
«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم» فقد أمر الله محمدا أن يجمع من الناس صدقة لتطهيرهم وتنقيتهم (من الاثام) . ويميل بعض المفسرين الى معنى «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، ثم انك بدفعهم الصدقة ستزكيهم»، وفى تفسير اخر أن التزكية والتطهير فكرتان متصلتان مترابطتان. وقد يكون
_________________
(١) * ليس هناك ما يمنع أن يكون لفظ الزكاة فى هذه الاية الكريمة بمعناه الفقهى أى أداء الزكاة المعروفة- (المترجمان) .
[ ٣٢٣ ]
المفسرون غير مصيبين فيما يتعلق بسبب نزول هذه الاية، لكنهم بلا شك على حق فيما ذهبوا اليه من أن الفكرة كانت مهضمومة ومستوعبة فى الأفكار العربية السائدة. فلا بد أن هؤلاء الناس قد فعلوا شيئا جعلهم يعتقدون أنهم فى حاجة الى تطهير وتزكية، فهم أنفسهم الذين يريدون التطهر والتزكية.
هذا التدقيق يوضح لنا أنه فى الحقبة المكية- المجموعة الثالثة- ارتبط الفعلى (زكى) باستخدام دينى يشير الى الصلاح والتقوى.
وقد أورد الطبرى «٤» تفسيرا لابن زيد جعل التزكى والاسلام شيئا واحدا. والاشارة للتزكى قد تكون مقرونة بالطهارة الخلقية (المعنوية) لكن ليس هناك ما يشير الى ارتباطها بالطهارة الطقسية (كالوضوء مثلا)، ولم يكن التزكى فى هذه المرحلة المكية مرتبطا بدفع الصدقات. وفى المرحلة المدنية كما هو واضح من ايات المجموعة الثانية، ارتبط التزكى بدفع مال بقصد التطهر (التخلص من الذنوب)، كما ارتبط الى حد ما بأمور طقسية. فما سبب تغير المعنى؟ ما الذى ربط الزكاة بأداء مال؟
ربما كانت هذه الكلمة مشتقة من الارامية حيث الزكاة تعنى التطهر وليس أداء مال. أم أن تغير المعنى كان بفعل اليهود المستقرين فى شبه الجزيرة العربية، أم أن هذا كان بفعل محمد نفسه (المترجمان: المؤلف هنا يسوق فروضا بعضها غير معقول، منها أن محمدا ﷺ هو الذى غير المعنى، وهذا محال لأن القران الكريم منزل من عند الله، بل ان المؤلف يؤكد هذه الحقيقة فى أكثر من موضع فى كتابه هذا وكتبه الاخرى التى ترجمنا بعضها فى هذه السلسلة، بل ويذكر أن هناك اتجاها بين بعض المذاهب المسيحية بالاقرار بأن النص القرانى وحى من الله سبحانه. المسألة اذن لا تعدو مجرد فرض ينقضه المؤلف بعد ذلك. أما تشابه بعض الألفاظ العربية مع لغات سامية أخرى فليس غريبا؛ لأن العربية من بين مجموعة اللغات السامية، فهذا المشترك مشترك سامى) .
أما سبب هذا التغيير أو التحول فى معنى الكلمة فمسألة صعب فهمها أيضا «٥»، فما الصلة بين (الصلاح والتقوى) و(الطهارة الطقسية) و(دفع المال كصدقات)؟
_________________
(١) تفسير الطبرى.
(٢) انظر Jeffery،Vocabulary،s،v.:
[ ٣٢٤ ]
ورغم ان (تزكى) لم يكن لها ارتباط فى معناها الأساسى بدفع الصدقات، الا أن «فضيلة» الكرم كانت سائدة فى ايات القران الكريم فى أوائل ما نزل من القران، وكانت هذه الفضيلة تتضمن- بطبيعة الحال- دفع الصدقات، لكن الباحث سنوك هرجرونك C.Snock Hurgronic «٦» ناقش مسألة أن دفع الصدقات فى الشرق لم تكن (وحتى الان) لسبب اجتماعى أو نفعى ولكن لأنها أم الفضائل أو الفضيلة الرئيسية، وربما كان سنوك مثاليا فى قوله ان الصدقات (أو الزكوات) مقصودة لذاتها فى الشرق. وفكرة التضحية بشىء نفيس فكرة عميقه فى الفكر السامى الذى شهد حتى التضحية بالابن البكر- وهذا بلا شك للاعتقاد فى أن مثل هذا العمل يرضى الاله، وليعبر المضحى عن سعادته ببقية ممتلكاته. وبالنسبة لبشر هذا تفكيرهم، فانه قد وقر فيهم- حتى العظام- أنه من الطبيعى مراعاة الصدقات (الزكوات) التى تعنى التنازل عن جزء من ممتلكاتهم أو أموالهم، كنوع من أنواع التضحية لاسترضاء الاله. «٧» Propitiatory sacrifice
وربما لم يكن شىء من هذه الفكرة موجودا فى الايات التى نزلت فى فترة مبكرة مشتملة على كلمة تزكى ولا حتى بمفهوم الكرم، لكن ايات القران الكريم التى نزلت فى فترة متأخرة تحمل شواهد على انبعاث الأفكار القديمة عن الكلمة، وهذا مرتبط بالتأكيد بتطور تطبيق شعيرة الزكاة فى الفترة الأخيرة من نزول القران، وتؤكد الشواهد من الأحاديث النبوية ذلك.
ففى سورة البقرة (الاية ٢٧١)، نفهم أن الصدقات التى يتم دفعها خفية تكفر السيئات- أى تمحوها- وفقا للتفسيرات المتداولة. وفى السورة نفسها حديث عن الصدقات كفديه يستعاض بها للتكفير عن تقصير، كعدم حلق الشعر فى وقته أثناء شعيرة الحج، ويرى لين Lane أن الفدية
_________________
(١) The Nouvelle Biographie de Mohammad، in Revue de lhistoire des religion.xxx ١٦٧ f Verspreide Geschriften، ١، ٣٥٣ f. وانظر أيضا: المراجع التى أوردها. M.Gaudefroy -Demombynes ;Muslim Institutions،١٠٥. (٧)
[ ٣٢٥ ]
تقدم ليحفظ المرء نفسه من الشر (اتقاء الشر) الذى ربما يلحق به نتيجة تقصير فى أداء المناسك أو الشعائر الدينية، أو بسبب حنثه فى يمينه.
ومرة أخرى، فان الزكاة الشرعية وفقا لهذه النظرية الأخيرة تفسر أن ما كان يدفع من الزكاة كان دائما جزا من ممتلكات المزكى وليس ما يقابلها من مال «٨» . وهناك مرويات كثيرة عن التبرع بالمال أو دفع الصدقات تبين أن الشخص الذى لا يجد من يقبل صدقته هو شخص بائس سيىء الطالع»
، وأكثر من هذا فما دفع الشخص صدقة أو هبة لا يجب أن يسترده «١٠» .
_________________
(١) الغزالى، احياء، مج ٥، الفصل ٢.
(٢) البخارى، ونورد هنا الأحاديث الدالة على ذلك: (-) حدثنا معبد بن خالد قال سمعت حارثة بن وهب قال سمعت النبى ﷺ يقول: «تصدقوا فانه يأتى عليكم زمان يمشى الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لى بها» . حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبى ﷺ «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته وحتى يعرضه فيقول الذى يعرضه عليه لا أرب لى» . حدثنا عبد الله بن محمد أبو عاصم النبيل أخبرنا سعدان بن بشر حدثنا أبو مجاهد حدثنا محل بن خليفة الطائى قال سمعت عدى ابن حاتم ﵁ يقول: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة والاخر يشكو قطع السبيل فقال رسول الله ﷺ أما قطع السبيل فانه لا يأتى عليك الا قليل حتى تخرج العير الى مكة بغير خفير وأما العيلة فان الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له ألم أوتك مالا فليقولن بلى ثم ليقولن ألم أرسل اليك رسولا فليقولن بلى فينظر عن يمينه فلا يرى الا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى الا النار فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة فان لم يجد فبكلمة طيبة» . حدثنا محمد ابن العلاء حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبى بردة عن أبى موسى ﵁ عن النبى ﷺ قال: ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدا يأخذها منه ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة تلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء.
(٣) البخارى. وفيما يلى الأحاديث الدالة على ذلك:
[ ٣٢٦ ]
والجدير بالملاحظة أن الغزالى عندما أعد قائمة بالممتلكات التى تجب فيها الزكاة، وضع على رأس القائمة: الماشية ثم المحاصيل، ثم النقود والبضائع والمعادن. ونقول ان ما ذكر أولا (الماشية والمحاصيل)، هو ما كان يستوجب التضحية Sacrifices وفقا لما ورد فى التوراة*.
واذا كان صحيحا أن نذهب الى أنه فى المرحلة المكية كانت (تزكى) تعنى القصد الى الصلاح أو التقوى أو الطهارة المعنوية، فان اختفاء هذا المعنى بعد ذلك قد يكون راجعا الى حقيقة أن هذه الطريقة فى التعبير عن فكرة جديدة بالنسبة للعرب أصبحت تتناقض مع المفاهيم الأقدم للطهارة الطقسية؟؟؟؟؟؟. لقد ربط القران الكريم المثالية الأخلاقية بالأوامر الالهية وبالتالى بالحكم الالهى، لكن اعادة تأكيد ملحوظة أن الطهارة الطقسية (بمعناها الطقسى) قد تفسد هذا الرباط. ومن هنا، فان (تزكى) قد مالت الى الانزواء قبل الحنيفية والاسلام**.
_________________
(١) حدثنا مسلم بن ابراهيم حدثنا هشام وشعبة قالا حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس ﵄ قال قال النبى ﷺ: «العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» . حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبى ﷺ «ليس لنا مثل السوء الذى يعود فى هبته كالكلب يرجع فى قيئه» . حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول حملت على فرس فى سبيل الله فأضاعه الذى كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك النبى ﷺ فقال: «لا تشتره وان أعطاكه بدرهم» - (المترجمان) . * هذا مجرد صدفة ولا يعنى أى شىء، فالبخارى فى صحيحه مثلا لم يبدأ بالماشية وانما كان تناوله كالاتى: باب وجوب الزكاة، باب الورق،، باب الابل، باب الغنم أى أنه بدأ بالورق- (المترجمان) . ** المعنى غير واضح. النص: Hence،Tazakka tended to fade out before hanifiyah and Islam. انظر، ص ٧٦ من النص الانجليزى.
[ ٣٢٧ ]
الملحق (هـ)
كثير من الحقائق الأساسية التى أوردها الكتاب المسلمون الأوائل يمكن اعادة تنظيمها فى جداول. فأسماء المسلمين التى سأوردها فى الجداول التالية هى ما أورده ابن سعد فى المجلدين الثالث والرابع، أما أسماء المشركين فهى من قوائم القتلى والأسرى فى بدر (Caetani،Ann،i،pp. ٥١٢ -٥١٧)، بالاضافة الى عدد قليل ورد فى المصادر الأساسية كأعداء للرسول (ﷺ) . ويضم الجدول التالى المعلومات التالية:
قبيلة الأم، وقد حصلنا على المعلومات بهذا الشأن من ابن سعد، وفى حالة ما اذا كان الشخص حليفا أو عتيقا، فمن الطبيعى ألا يقدم لنا هذه المعلومة حتى لو كانت معروفة.
السن- والمقصود السن وقت الهجرة، وغالب ما يتم حسابها من بيانات أو معلومات أخرى أوردها ابن سعد، وغالبا ما يكون هذا البيان غير دقيق.
ترتيبه فى قائمة أوائل المسلمين ومصدرنا فى هذا كيتانى (Ann،i ٢٢٩) Caetani وابن هشام (٦٢- ٦٥)، والاشارة فى العمود تشير الى أن الشخص المدرج أمامه هذه الاشارة كان أسبق اسلاما من المدرجين فى القائمة.
الرمز AA يشير الى الرقم فى قائمة كيتانى الأولى للمهاجرين الى الحبشة. (من كيتانى وابن هشام، ٢٠٨ وما بعدها) .
[ ٣٢٨ ]
- الرمز AB يشير الى الرقم فى قائمة كيتانى الثانية عن المهاجرين (من كيتانى، ٢٧٧ وابن هشام ٢٠٩- ٢١٥ بعد حذف الأسماء الواردة فى القائمة الأولى) .
الرمز R يشير الى الرقم فى قائمة كيتانى بالنسبة للمهاجرين الذين عادوا (كيتانى، ٢٨٣، وابن هشام ٢٤١- ٢٤٣)، والرمز SH يشير الى من عاد فى احدى السفينتين (ابن هشام ٧٨١- ٧٨٦) والرمز X على من عاد ولا ندرى عن عودته شيئا والذى لم يشهد بدرا كمسلم.
الرمز H يشير الى الرقم فى قائمة كيتانى عن المهاجرين للمدينة (كيتانى، وابن هشام ٣١٦- ٣٢٣) .
الرمز، B المشاركة فى غزوة بدر: بالنسبة للمسلمين الرقم فى قائمة كيتانى (كيتانى وابن هشام ٤٨٥- ٤٩١) وPK وPP تعنى أن هذه الأسماء موجودة فى قوائم كيتانى عن قتلى المشركين PK وأسرى المشركين) .PP المعلومات من كيتانى وابن هشام، ٥٠٧- ٥١٥) وP تعنى أنه حضر الغزوة كمشرك. وIS تشير الى أن ابن سعد ذكر الشخص كمهاجز للحبشة حضر بدرا. وعلامة النجمة* تشير الى أن الشخص لا بد أن يكون موجودا فى هذه القائمة، رغم أنه لأسباب عادة ما تكون واضحة لم يأخذ رقما فى قائمة كيتانى. مثال: قائمة كيتانى الثانية عن المهاجرين للحبشة لا تضم الأسماء التى وردت فى قائمته الأولى، رغم وجودها فى قوائم ابن هشام التى اعتمد عليها كيتانى فى قائمته الثانية.
بالاضافة للرموز التالية:
موالى، تابعين أو عتقاء، (وجعلنا لها الحرف العربى م)
حليف (وجعلنا لها الحرف العربى ح) .
h/ Tamim
حليف من قبيلة تميم (وجعلنا مقابلا لها: ح تميم) .
[ ٣٢٩ ]
الملحق (و) المرويات عن عروة
المادة المنسوبة الى عروة بن الزبير فيما يتعلق بالحقبة المكية من حياة محمد (ﷺ) ذات أهمية كبيرة، بخاصة شذرات خطابه لعبد الملك التى نقلها لنا الطبرى، فهى مسألة جديرة بالتمعن خاصة عند التركيز على مسألة التعويل على عروة كمصدر. وفيما يلى سنفترض أن ما هو منسوب الى عروة، قد صدر عنه فعلا. وعلى أية حال، فسنفرض أيضا أنه من الطبيعى ألا يذكر من أين حصل على مادته وأن نذكر احتمال أن يكون قد نسبها اليه شخص اخر فى زمن الحق. مثل هذا الفرض قد يكون صحيحا تماما، لكن لابد أن يكون هناك دائما عنصر غير مؤكد فيما يتعلق به.
وعروة هو ابن الزبير بن العوام أحد المسلمين الأوائل وصديق قريب لأبى بكر بن الصديق، وأم عروة هى أسماء بنت أبى بكر، لأن عائشة بنت أبى بكر ﵂ كانت هى خالته. فهو أخ من أبيه وأمه لعبد الله بن الزبير الذى بويع بالخلافة مناوئا بذلك خلفاء بنى أمية.
وكان عروة من المؤيدين لأخيه عبد الله، لكن بعد موت (عبد الله) يقال انه أسرع للخليفة الأموى عبد الملك وناشده باسم أمهما أن يسلمه جسد أخيه ليدفنه وتم له ما أراد. وتالف عروة مع الحكم الأموى وعاش فى المدينة المنورة بهدوء. واختلف المؤرخون فى تاريخ وفاته اختلافا تراوح بين سنة ٩٣ هـ و١٠١ هـ، لكن التاريخ الملائم هو ٩٤.
[ ٣٧١ ]
ويقال ان عروة هو أول من جمع المواد المتناثرة عن حياة محمد (ﷺ) . والشذرات المتفرقة التى أوردها الواقدى (ap.Wellhausen)
نقلا عنه أو عن طريقه (أى عن عروة الذى نقلها بدوره عن اخرين) تؤكد أنه- أى عروة- لابد قد قام بمحاولة من هذا النوع. ومن ناحية أخرى، فان المواد المنقولة عنه فى السيرة النبوية لابن هشام هى فى غالبها مواد متصلة بالأسرات التى ارتبط بها.
وعلى هذا، فهناك مواد متصلة بجده لأمه (أبو بكر): ص ٢٠٥، ٢٤٥ وما بعدها، ٣٢٧، ٣٣٣، ٦٥٠ (فى مدح تحرير أبى بكر لعامر بن فهيرة) ٧٣١ وما بعدها، ١٠١٦، وانظر أيضا الواقدى (كتاب المغازى) ١٦٧. وهناك فقرة واحدة عن أبيه (٨٠٩) وبعض الفقرات الاخرى عن عشيرة أسد أو أشخاص ذوى صلة بها.
ومن بين الفئة الأخيرة لابد أن نذكر عبد الله بن مسعود الذى اخى محمد (ﷺ) بينه وبين الزبير، والذى تنازل (أى عبد الله) فى وصيته عن ممتلكاته للزبير وعبد الله بن الزبير. وربما يمكننا أيضا أن نعتبر زيدا بن الحارثة مرتبطا بعشيرة أسد؛ لأنه كان فى وقت من الأوقات عبدا لخديجة وربما أيضا عبدا لابن عمها حكيم بن حزام*، وتزوج أيضا لفترة من عمة عروة هند بنت العوام. وأيا ما كان السبب، فان عروة كان مهتما بزيد وابنه أسامة ويذكر الطبرى نقلا عن عروة أن زيد كان أول من أسلم من الرجال (وليس جد عروة: أبو بكر الصديق) .
كل هذا يجعل عروة مرتبطا بظروف سياسية بعينها فى الدولة الاسلامية- المجموعة ذات النفوذ (المقربة) فى حياة محمد (ﷺ):
أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة، كما ارتبط بعد ذلك بمجموعة:
عائشة وطلحة والزبير الذى كان مناوئا فى سنة ٣٦ هـ لكل من على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان، ثم ارتبط- أى عروة- بالمجموعة (الحزب) التى كانت مسئولة عن مناوأة بنى أمية منذ حوالى ٦٢ هـ الى ٧٢ هـ (وهذه المجموعات الثلاث ليست متماثلة فى مواقفها، وان كان
_________________
(١) * حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، أبو خالد ابن أخى خديجة وليس ابن عمها، كان صديقا للنبى قبل البعثة وبعدها، أسلم يوم الفتح. أزمنة التاريخ الاسلامى للدكتور عبد السلام الترمانينى، ج ١، م ٢، ص ٥٩٢.
[ ٣٧٢ ]
هناك نوع من الاستمرار يجمعها) . وعلى هذا، فليس هناك غرابة أن نجد بين الروايات التى وصلت عن طريقه بعض المرويات التى تجعل أمية واخرين مسئولين عن معاداة محمد (ﷺ) وأبى بكر الصديق، فعلى سبيل المثال نجده فى احدى الروايات المنسوبة اليه يذكر أن محمدا (ﷺ) شكا من معاملة ابن عبد مناة، وقوائم المعارضين، وغلظة أبى جهل وبروزه للقتال.
وعلى أية حال، فان الأمر ليس بهذه البساطة، فالمجموعة القديمة كانت فى طريقها للتفكك، وقد بذل عبد الملك غاية جهده لاستقطاب رجل مثل عروة، ومن هنا فنحن نعلم من ابن سعد أنه كان من بين زوجات عروة حفيدة أبى البخترى (؟!) من عشيرة أسد وهى عشيرة عروة وحفيدة الخليفة عمر (من عدى) وامرأة من بنى أمية وأخرى من مخزوم. ولسوء الحظ، فان المراجع لم تخبرنا عن تواريخ هذه الزيجات، فاذا كان زواجه من هذه الأموية قبل الحرب الأهلية فان ذلك يفسر كيفية وصوله الى عبد الملك (باتخاذه هذه الزيجة مدخلا لذلك) . وفى المواد التى بين أيدينا أيضا نلاحظ نصا فى مدح عتبة بن ربيعة من عبد شمس، لكن هذا يتعارض مع حقيقة أن عتبة وان كان من عبد شمس الا أنه ليس من أمية بن عبد شمس.
يبدو أن هذه الحقائق تشير الى أنه بينما لم يسارع عروة فى مناوأة الأمويين- وهذا أمر مؤكد- فهو كان متعاطفا لفترة طويلة مع معارضيهم، رغم أن ذلك قد تغير شيئا ما بعد عام ٧٢ هـ.
وأكثر من هذا، فان تراث أسرته (ما مر بها من أحداث) قد أثر فى نظرته للأحداث، ولا بد أنه قد جعله معاديا للأمويين. وعلى هذا، فهناك بعض الصحة فى الظن فى أن خطابه لعبد الملك رغم أنه منسوب له بالفعل، الا أنه ليس معبرا تعبيرا صادقا عما فى نفسه. ويؤكد هذا الشك أن بعض رواة هذا الخطاب كانوا يتحركون فى نطاق عقيدة القدر التى كانت ضد الأمويين:
أبان بن يزيد اعتنق عقيدة القدر (بالمفهوم المعتزلى) وكذلك فعل عبد الوارث بن سعيد أبو عبد الصمد.
[ ٣٧٣ ]
وبالنظر الى هذا، فمن غير المعقول أن نظن- على سبيل المثال- أن الخطاب الموجه الى عبد الملك يعول كثيرا على الحاجة الى الهرب من الاضطهاد كدافع للهجرة للحبشة، فهذا الاضطهاد كان فى غالبه من فعل بنى أمية والعشائر الاخرى التى كانت عدوة تقليدية لمجموعة أبى بكر والزبير وأسرتيهما. وحتى اذا كانت سياسة أبى بكر وأصحابه يمكنها فعل الكثير ازاء الهجرة للحبشة، فان تراث الأسرة والعشيرة لم يكن ليصرف الانتباه لهذه الحقيقة غير المؤكدة.
[ ٣٧٤ ]
الملحق (ز) قوائم مختلفة
كى نفهم طبيعة القائمة الأولى التى رمزنا لها بالحرفين (AA) وهى قائمة بمن هاجروا الى الحبشة، لابد أن نضع فى اعتبارنا قائمتين أخريين:
قائمة العائدين من الحبشة التى رمزنا لها بالحرف، (R) والتى كررها الباحث كيتانى Caetani بالأرقام نقلا عن ابن هشام. وقائمة الذين هاجروا الى المدينة مع محمد (ﷺ) والتى رمزنا لها بالحرف، والتى نقلتها عن كيتانى.
وفيما يتعلق بالقائمة) R قائمة العائدين من الحبشة)، فالنقطة الجديرة بالملاحظة هو أن الذين هاجروا للحبشة وحاربوا فى غزوة بدر (فى جانب المسلمين) كانوا أيضا فى قائمة الذين عادوا الى مكة، الا أن هناك استثناءين: اياد بن زهير (الحارث بن فهد) وشجاع بن وهب (عبد شمس) وهذا الأخير لم يرد ذكره فى قائمة ابن هشام عن المهاجرين. لذا، فمن غير المتوقع أن يورده فى قائمة العائدين. ومن ناحية أخرى، فان كل العائدين كانوا من المحاربين المسلمين فى بدر، باستثناء أربعة: سكران (عامر) الذى مات قبل أن يهاجر الرسول، وثلاثة شبان كان أقرباؤهم من قادة المعارضين للاسلام: سلامة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة (كلاهما من مخزوم) وهشام بن العاص (سهم) وثمة رواية أنهم استسلموا لضغوط أسرية. وعلى هذا، فان القائمة
[ ٣٧٥ ]
(قائمة العائدين) تعد هى القائمة الأساسية التى تعبر عن اولئك الذين اشتركوا فى الحدثين: الهجرة للحبشة، والمشاركة فى غزوة بدر.
والأكثر صعوبة فى شرح القائمة التى تعبر عن المهاجرين للمدينة (مع الرسول ﷺ)، انها لا تحوى أسماء كل الذين ذهبوا مهاجرين للمدينة قبل معركة بدر، والذين ظهروا فى قائمة المهاجرين الذين حضروا بدرا. واذا قارنا القائمتين، وجدنا أن القائمة قد حذفت ثلاثة أشخاص من عبد شمس، وشخصين من أسد، وسبعة أشخاص من زهرة (من بين اجمالى من شهد بدرا وهم ثمانية) وشخصين من تيم وأربعة أشخاص من مخزوم (من بين اجمالى من شهد بدرا وعددهم خمسة) وشخصا واحدا من عدى وخمسة أشخاص من جمح (من بين خمسة حضروا بدرا) وستة أشخاص من عامر (من بين سبعة) وسبعة أشخاص من الحارث (من بين سبعة) . هذا أمر مربك! هل هى مجرد صدفة أن تحذف هذه الأسماء؟! أم أن هناك غرضا وراء حذفها؟ فعلى سبيل المثال، هل الذين تم حذفهم من القائمة غير معدودين من بين من هاجروا- أى لم يهاجروا فعلا- نتيجة قيامهم بالهجرة فى زمن مبكر عن المجموعة الرئيسية المهاجرة أو فى زمن متأخر عنها؟ لقد قيل ان البعض هاجر بين العقبتين، لكن قد يكون ذلك مجرد محاولة متأخرة لتفسير هذا التعارض. ويقال ان عثمان بن مظعون ذهب الى المدينة وأغلق داره فى مكة مع أن اسمه غير وارد فى القائمة. انه يمكن أن نقول ببساطة ان هذه القائمة (قائمة المهاجرين) غير كاملة.
وعن القائمة، AA فان أول ما يمكن أن نقوله ان كل من ورد اسمه بها، وارد أيضا فى) R قائمة العائدين) . ان هذا يغرينا بأن نفترض أن القائمة AA *هى قائمة أولئك الذين كانوا فى الحبشة وتم اعتبارهم من المهاجرين للمدينة، ولكن رغم أن معظمهم ممن شاركوا فى الحدثين: الهجرة الى الحبشة وشهود بدر وتم حذفهم من القائمة H قد تم حذفهم أيضا من القائمة AA والدليل غير قوى، وفيما يلى احصاء كامل:
_________________
(١) * عن دلالات الرموز فضلنا تركها كما هى مراعاة للايجاز، ويمكن الرجوع للملحق (هـ) لمعرفة دلالاتها.
[ ٣٧٦ ]
- الوارد ذكرهم فى القوائم الثلاث AA:
وR و٨ H
الوارد ذكرهم فى AA وR
ولم يرد ذكرهم فى) ٤ H منهم واحد محل شك)
الوارد ذكرهم فى AB وR
وكذلك فى٤ H
الوارد ذكرهم فى AB وR
وليسوا فى١٤ H
ومع أن هذا الدليل ضعيف، فان هذا الفرض ربما كان لا يزال مقبولا (لأننا نفتقد ما هو أفضل منه) ذلك لأن القائمة AA كما هو مقترح هى قائمة بمن قام بالهجرتين (الى الحبشة والى المدينة)، وقد نفترض ما هو أكثر وهو الاعتماد على معلومات (قوائم) فيها نقص شديد فيما يتعلق بالمهاجرين الى المدينة. لكن دعنا نقول كما يقول المسلمون:
الله أعلم.
[ ٣٧٧ ]
الملحق (ح) عودة المهاجرين
قائمة العائدين (ممن شهدوا بدرا) وهى القائمة R قد ناقشناها لتونا. لكن هذه تحسب فقط حوالى نصف المهاجرين الى الحبشة. فما معلوماتنا عن تاريخ عودة الاخرين؟
نجد فى كتاب ابن هشام (٧٨١- ٧٨٨) قوائم مختلفة تهدف الى اكمال الصورة. أول هذه القوئم قائمة بأولئك الذين صحبوا جعفر بن أبى طالب فى السفينتين، والذين التحقوا بمحمد (ﷺ) فى خيبر فى العام السابع للهجرة. وهذا يبدو مستقيما تماما بقدر ما أن الستة عشر شخصا هم المقصودون وهذا ما يهمنا هنا. وبعد ذلك فى الصفحة ٧٨٧ نجد أسماء سبعة الأشخاص الذين ماتوا فى الحبشة. هذه الأسماء (أسماء من ماتوا) موجودة فى القائمة السابقة التى ذكر فيها (٣٤) اسما لرجال لم يلحقوا بمحمد (ﷺ) فى مكة ولم يشهدوا بدرا ولم يعودوا فى السفينتين. فهذه ببساطة قائمة قد جمعت معا كل أولئك الذين كانوا فى الحبشة والذين لا يعرف شىء محدد عنهم. وقائمة ال ٢٧ الذين عادوا أحياء قد يكون من الملائم أن نسميها القائمة المجهولة أو (س) .
ومن بين السبعة والعشرين لا نعرف عن ٢٢ منهم أية تفاصيل تمكننا من الحديث عن أى شىء متعلق بعودتهم، رغم أنه يقال ان بعضا منهم قد شهد معركة الطائف وما أعقبها من أحداث. ونعرف أن بعضهم قد يكونون
[ ٣٧٨ ]
بقوا فى الحبشة بعد مغادرة جعفر. وهناك أربعة تذكر روايات محددة أنهم شهدوا غزوة أحد: قيس بن عبد الله (حليف عبد شمس) وأبو الروم ابن عمير (عبد الدار) وأبو قيس بن الحارث (سهم) وسليط بن عامر (عامر) . وهؤلاء اما أن يكونوا قد غادروا الحبشة متوجهين مباشرة الى المدينة، أو- وربما كان هو الأكثر قبولا- ذهبوا الى مكة حيث أقربائهم ثم استطاعوا بشكل أو باخر أن يهاجروا من مكة الى المدينة. وأخيرا هناك الحجاج بن الحارث بن قيس أو الحارث بن الحارث بن قيس أو الحارث ابن الحارث واذا كان هذان الاسمان يشيران الى شخص واحد، فاننا نواجه موقفا طريفا؛ ذلك لأن الحجاج قد أسر فى بدر اذ كان يحارب ضد المسلمين.
وابن هشام ذكر فقط الحارث فى القائمة AB والحجاج كأسير، لكن ابن سعد يقول ان الحجاج شهد الهجرة الثانية للحبشة، ولم يذكر الحارث.
ويذكر ابن حجر أن المصادر المختلفة- بما فيها ابن اسحق- تتحدث عنه باعتباره ذهب للحبشة، وهو أيضا يلاحظ أن بعض الرواة يقولون انه لم يتحول للاسلام الا بعد أسره فى بدر. وعلى هذا، فيبدو أن ابن هشام قد صحح معلومات قائمة ابن اسحق AB فى هذه النقطة، فمما لا شك فيه أنه مادام قد تم أسره فى بدر فلا يمكنه الهجرة للحبشة كمسلم.
لكن هل هذا أمر محال حقا؟ ألا يمكن أن «يضل» حتى بعد الهجرة؟ ثم ألا يساعدنا هذا الفرض فى تفسير بعض الاضطراب فى المصادر (حيث لا شىء ورد عن الحارث ولا الحجاج؟) .
ان الشخصيات غير واضحة المعالم والبراهين واهية جدا، مما يجعلنا لا نعول عليها كثيرا. مما يدعونا الى القول ان بعض المهاجرين الى الحبشة قد تركوا- لفترة- جماعتهم المسلمة وانضموا لأعداء الاسلام، ربما حتى من بين من حاربوا فى أحد الى جوار محمد (ﷺ) . وبالنسبة للباحثين المسلمين المتأخرين زمنا، فان هذه الردة أمر لا يمكن التفكير فيه وربما محوا أخبارها وعموا على اثارها، لكن تبقى حالة الحجاج بن الحارث السهمى ذات دلالة. كما أن الحقيقة التى مؤداها أن يزيد بن زمعة (أسد) والسائب بن الحارث (سهم) كانا حاضرين فى الطائف، تعد دليلا مؤكدا على أنهما كانا فى مكة الى جانب المشركين، حتى تم فتحها على يد محمد (ﷺ) والمسلمين.
[ ٣٧٩ ]