الباب الثالث:من غزوة الحديبية إلى غزوة تبوك
الفصل الأول: غزوة الحديبية
المبحث الأول: في سبب الغزوة
_________________
(١) وذكر ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت في شهر شوال: مصنف ابن أبي شيبة ١٤/٤٢٩. وذكر أيضًا يعقوب بن سفيان من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨، قال ابن القيم عقب ذكره لهذه الرواية: وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. زاد المعاد ٣/٢٨٧. وذكرها ابن كثير، وقال معقبًا عليها: وهذا غريب جدًا عن عروة. البداية ٤/١٦٤. وقال الحافظ ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك". فتح الباري ٧/٤٤٠، والصواب أنها كانت في شهر ذي القعدة كما في صحيح البخاري رقم (١٧٨١) و(١٨٤٤) و(٢٦٩٩) و(٤٢٥١) وصحيح مسلم بشرح النووي ٨/٢٣٤-٢٣٥، وأحمد في المسند ٣٠/٥٩٤ رقم [١٨٦٣٥] أرناؤوط. وقد كانت في السنة السادسة. انظر: ابن هشام ٢/٣٠٨، ومغازي الواقدي ١/٣٨٣، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ الطبري ٢م٦٢٠، والبداية والنهاية ٤/١٦٤، وقال البيهقي بعد ذكره لتاريخ الغزوة بأنها كانت سنة ست في ذي القعدة: قلت: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري وقتادة، وموسى ابن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم، واختلف فيه على عروة بن الزبير. دلائل البيهقي ٤/٩١، ونقل كلام البيهقي ابن القيم في الزاد ٣/٢٨٦. وانظر: البيهقي ٤/٩٢ فقد ذكر رواية أبي الأسود عن عروة أنها في ذي القعدة سنة ست، وبذلك يكون عروة في رواية أبي الأسود عنه موافقًا للجمهور. وقال الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" التهذيب ٧/٧٨، وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف". البداية والنهاية ٤/١٦٤. وقال الحافظ ابن حجر: "كانت الحديبية سنة ست بلا خلاف". التلخيص الحبير ٤/٩٠. وقد خالف هذ االإجماع ابن الديبع فذكر أنها كانت في السنة الخامسة، حدائق الأنوار ٢/٦٠٩
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الفصل الأول:
المبحث الأول: في سبب الغزوة
٩٣- قال ابن إسحاق١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مسور٢ بن مخرمة ومروان بن الحكم٣ أنهما حدثاه، قالا: خرج٤ رسول الله ﷺ عام
_________________
(١) ١ السيرة النبوية (ابن هشام ٢/٣٠٨-٣٠٩) وسنده حسن. ٢ مسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، توفي سنة أربع وستين، الإصابة ٣/٤١٩-٤٢٠. ٣ هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة ٦٤ هـ- ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث - أو إحدى وستون - سنة، لا تثبت له صحبة، من الثانية، خ، التقريب ٥٢٥. ٤ كان خروج النبي ﷺ إلى الحديبية يوم الإثنين، ذكر ذلك الواقدي، المغازي ٢/٥٧٣، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/٩٥، وابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/١٦٠، نقلًا عن ابن سعد، والقسطلاني، في المواهب اللدنية ٢/١٧٩، وقال العيني: "وكان خروجه ﷺ يوم الإثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" عمدة القارئ ١٤/٦. وذكر ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت في شهر شوال: مصنف ابن أبي شيبة ١٤/٤٢٩. وذكر أيضًا يعقوب بن سفيان من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨، قال ابن القيم عقب ذكره لهذه الرواية: وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. زاد المعاد ٣/٢٨٧. وذكرها ابن كثير، وقال معقبًا عليها: وهذا غريب جدًا عن عروة. البداية ٤/١٦٤. وقال الحافظ ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك". فتح الباري ٧/٤٤٠، والصواب أنها كانت في شهر ذي القعدة كما في صحيح البخاري رقم (١٧٨١) و(١٨٤٤) و(٢٦٩٩) و(٤٢٥١) وصحيح مسلم بشرح النووي ٨/٢٣٤-٢٣٥، وأحمد في المسند ٣٠/٥٩٤ رقم [١٨٦٣٥] أرناؤوط. وقد كانت في السنة السادسة. انظر: ابن هشام ٢/٣٠٨، ومغازي الواقدي ١/٣٨٣، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ الطبري ٢م٦٢٠، والبداية والنهاية ٤/١٦٤، وقال البيهقي بعد ذكره لتاريخ الغزوة بأنها كانت سنة ست في ذي القعدة: قلت: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري وقتادة، وموسى ابن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم، واختلف فيه على عروة بن الزبير. دلائل البيهقي ٤/٩١، ونقل كلام البيهقي ابن القيم في الزاد ٣/٢٨٦. وانظر: البيهقي ٤/٩٢ فقد ذكر رواية أبي الأسود عن عروة أنها في ذي القعدة سنة ست، وبذلك يكون عروة في رواية أبي الأسود عنه موافقًا للجمهور. وقال الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" التهذيب ٧/٧٨، وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف". البداية والنهاية ٤/١٦٤. وقال الحافظ ابن حجر: "كانت الحديبية سنة ست بلا خلاف". التلخيص الحبير ٤/٩٠. وقد خالف هذ االإجماع ابن الديبع فذكر أنها كانت في السنة الخامسة، حدائق الأنوار ٢/٦٠٩.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
الحديبية١ يريد زيارة البيت٢، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل٣، فكانت كل بدنةٍ عن عشرة نفر،
_________________
(١) ١ تقع الحديبية الآن غرب مكة على بعد (٢٢) كيلًا على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي، معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٩٤، ونسب حرب له ٣٥٠، والمعالم الأثيرة لمحمد شرّاب ٩٧، وهي بالتخفيف والتثقيل لغتان، كما قال ابن حجر في الفتح ٧/٤٣٩. وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها. الفتح ٥/٣٣٤. ٢ يشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (١٧٧٨) فقد ذكر أنه خرج معتمرًا، هذا هو السبب الذي خرج الرسول ﷺ من أجله. وذكر بعضهم أن سبب خروج النبي ﷺ رؤيا رآها أنه دخل البيت هو وأصحابه واستبشروا. انظر: مغازي الواقدي ٢/٥٧٢،وتاريخ اليعقوبي ٢/٥٤، وإمتاع الأسماع للمقريزي ١/٢٧٤، وشرح المواهب اللدنية ٢/١٧٩. ٣ قال الحافط ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق من أنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه لأنه كان استنباطًا من قول جابر: "فنحرنا البدن عن عشرة"، وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدلّ على أنهم لم ينحروا غير البدن مع أن بعضهم لم يكن محرمًا أصلًا) . فتح الباري ٧/٤٤٠. وقال ابن حزم: "وقد قال بعضهم: كانوا سبعمائة وهذا وهم شديد ألبتة". جوامع السيرة ٢٠٧. وقال ابن القيم: "وغلط غلطًا بيِّنًا من قال: كانوا سبعمائة". زاد المعاد ٣/٢٨٨.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني١ يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة٢.
_________________
(١) ١ قوله وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني، القائل هو ابن إسحاق بدليل قوله فيما بعد: قال الزهري. ٢ سيأتي التحقيق في ذلك قريبًا إن شاء الله في الرواية رقم
[ ٢ / ٣٥٦ ]
المبحث الثاني: في أحداث الغزوة إجمالًا
٩٤- أخرج البخاري١ من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش٢، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية٣ التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ٤، فألحت.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩- ٣٣٣ رقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) . ٢ القترة: - بفتح القاف والمثناة -: الغبار الأسود. الفتح ٥/ ٣٣٥. ٣ المراد بالثنية؛ ثنية المِرَار، كما عند ابن إسحاق ٢/ ٣٠٨- ٣٠٩، وستأتي بطولها، والفتح ٥/ ٣٣٥، وثنية المِرَار: - بكسر الميم والتخفيف الراء -: هي طريق في الجبل تشرف على الحديبية، الفتح ٥/ ٣٣٥، وقال البلادي: "إذا وقفت في الحديبية ونظرت شمالًا عدلًا، رأيت جبلين بارزين بينهما فج واسع هذا الفج ثنية المرار" معجم المعالم، ١٠٦. ٤ حَلْ حَلْ: - بفتح المهملة وسكون اللام -: كلمة تقال للناقة إذا تركت المسير، وقال الخطابي: "إن قلت حل واحدة فالسكون، وإن أعدتها نونت في الأولى وسكنت في الثانية". الفتح ٥/ ٣٣٥.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فقالوا: خَلأتِ١ القَصواء٢. فقال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل٣، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
ثم زجرها فوثَبَتْ. قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ٤ قليل الماءِ يَتَبَرَّضُهُ٥ الناسُ تَبَرُّضًَا، فلم يلبِّثْهُ٦ الناسُ حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العطشُ، فانتزَعَ سهمًا من كِنانتهِ٧، ثم أمرهم
_________________
(١) ١ خلأت: أي بركت. القاموس (خلأت) . ٢ القصواء: - بفتح القاف بعدها مهملة ومد -: اسم ناقة رسول الله ﷺ، والقصو قطع طرف الأذن. الفتح ٥/ ٣٣٥. ٣ حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذكرها: أن الصحابة لو دخلوها على تلك الصورة وصدتهم قريش لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء، كما لو قدر دخول الفيل. الفتح ٥/ ٣٣٥. ٤ على ثمد: بفتح المثلثة والميم، أي حفيرة فيها ماء مثمود أي: قليل. الفتح ٥/ ٣٦٦. ٥ يتبرضه الناس: - بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة -: هو الأخذ قليلًا قليلًا، والبرض: - بالفتح والسكون - اليسير من العطاء، قال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. الفتح ٥/ ٣٣٧. ٦ فلم يلبث حتى نزحوه: - بضم أوله وسكون اللام -: من الألباث، وقال ابن التين: بفتح اللام وكسر الموحدة الثقيلة، أي لم يتركوه يلبث أي يقيم. الفتح ٥/ ٣٣٧. ٧ فانتزع سهمًا من كنانته: أي أخرج سهمًا من جعبته، الفتح ٥/ ٣٣٧.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش١ لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه٢.
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَي لُ بن وَرْقاء الخزاعيّ٣ في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عيبة٤ نصح لرسول الله ﷺ من أهل تِهامة٥ - فقال إني تركتُ كعب بنَ لؤيّ٦ وعامرَ بنَ لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذُ٧ المطافيلُ٨، وهم مقاتلوك وصادوك
_________________
(١) ١ يجيش: - بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة -: أي يفور. الفتح ٥/ ٣٣٧. ٢ إلى هنا أخرجه الواقدي في المغازي ٢/ ٥٨٧. ٣ هو: بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة بن جزي الخزاعي، كان إسلامه قبل الفتح، وقيل يوم الفتح. الإصابة ١/ ١٤١. ٤ وكانوا عيبة نصح: العيبة - بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة -: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له والأمانة على سره، ونصح بضم النون، وحكى ابن التين فتحها، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. الفتح ٥/ ٣٣٧. ٥ من أهل تهامة: لبيان الجنس، لأن خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة - بكسر المثناة - هي مكة وما حولها، وأصلها من التهم وهو شدة الحر وركود الريح. الفتح ٥/ ٣٣٧. ٦ قوله: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما. الفتح ٥/ ٣٣٨. ٧ العوذ: - بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة -: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، النهاية ٣/ ٣١٩، والفتح ٥/ ٣٣٨. ٨ المطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها. الفتح ٥/ ٣٣٨.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
عن البيت.
فقال رسول الله ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا قد نَهِكتْهُم١ الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتهم مدةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظهرْ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا٢، وإن هم أبَوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفِذَنَّ الله أمرَهُ".
فقال بُديل: سأبلِّغُهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرِضَه عليكم فعَلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول.
قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ.
فقام عروة بن مسعود٣ فقال: أيْ قومِ! ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أوَ لستُ بالولد؟ قالوا:
_________________
(١) ١ نهكتهم الحرب: - بفتح أوله وكسر الهاء -: أي أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، الفتح ٥/ ٣٣٨. ٢ فقد جموا: أي استراحوا. الفتح ٥/ ٣٣٨. ٣ هو: عروة بن مسعود بن معتب - بالمهملة والمثناة المشددة - ابن مالك بن كعب بن عمرة بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عم والد المغيرة بن شعبة، كان أحد الأكابر من قومه، وثبت ذكره في الحديث الصحيح في قصة الحديبية وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، أسلم لما انصرف الرسول ﷺ من الطائف، ورماه رجل من ثقيف فقتله، الإصابة ٢/ ٤٧٧.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت١ أهل عكاظ٢ فلما بلّحوا٣ عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.
قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشدٍ اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: نحوًا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح٤ أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا٥ من الناس خليقًا
_________________
(١) ١ استنفرت: أي دعوتهم إلى نصركم. الفتح ٥/ ٣٣٩. ٢ عكاظ: - بضم المهملة وتخفيف الكاف -: من أشهر أسواق العرب كان يوجد في الجهة الشرقية الشمالية من بلدة (الحويّة) اليوم، ويقع شمال شرقي الطائف على قرابة خمس وثلاثين كيلًا في أسفل وادي شَرِب. معجم المعالم الجغرافية ٢١٥. ٣ فلما بلحوا: - بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم مهملة مضمومة -: أي امتنعوا، والتبلح: التمنع من الإجابة. الفتح (٥/ ٣٣٩) . ٤ اجتاح: - بجيم ثم مهملة -: أي أهلك بالكلية. الفتح ٥/ ٣٤٠. ٥ أشوابًا: - بتقديم المعجمة على الواو -، كذا للأكثر، ووقع (أوشابًا) بتقديم الواو، والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخص من الأشواب. الفتح ٥/ ٣٤٠.
[ ٢ / ٥٦١ ]
أن يفرُّوا ويدَعوك، فقال له أبو بكر: امصص١ بَظْرَ اللات، أنحن نفرُّ عنه ونَدَعُهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
قال أما والذي نفسي بيده لولا يد٢ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة ابن شعبة٣ قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف٤ وقال له: أخِّرْ يدَك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟
_________________
(١) ١ امصص بظر اللات: - بألف وصل ومهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر -، والبظر: بفتح الموحدة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها وكان عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة. الفتح ٥/ ٣٤٠. ٢ لولا يد: أي نعمة. الفتح ٥/ ٣٤٠، وقال ابن حجر: "إن اليد المذكورة في الحديث: أن عروة كان تَحمَّل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن، وفي رواية الواقدي: عشر قلائص" الفتح ٥/ ٣٤٠. ٣ هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، ولاه معاوية الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين. الإصابة ٣/ ٤٥٢- ٤٥٣. ٤ نعل السيف: هو ما يكون في القراب من فضة ونحوها. الفتح ٥/ ٣٤١.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَر١، ألستُ أسعى في غدرتك؟
وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: "أمّا الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منه في شيء"، ثم إن عروة جعل يرمُق٢ أصحابَ النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم٣ رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون٤ إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكًا قط
_________________
(١) ١ أي غدر: - بالمعجمة - بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، الفتح ٥/ ٣٤١. قال ابن حجر: "وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفرًا إلى ثقيف من بني مالك فغدر بهم وقتلهم، وأخذ أموالهم فتهايج الفريقان بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفرًا واصطلحوا". الفتح ٥/ ٣٤١. ٢ يرمق: - بضم الميم - أي يلحظ. الفتح ٥/ ٣٤١. ٣ تنخم: النخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. النهاية ٥/ ٣٤. ٤ وما يحدون: - بضم أوله وكسر المهملة -: أي: يديمون. الفتح ٥/ ٣٤١.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
يعظمه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمد ﷺ محمدًا. والله إنْ يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدَلَكَ بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها.
فقال رجل١ من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته.
فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: "هذا فلان، وهو من قوم يعظِّمون البُدْنَ٢، فابعثوها٣ له"، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلّدت٤ وأشعرت٥، فما أرى أن يُصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له:
_________________
(١) ١ فقال رجل: هو: (الحليس) - بمهملتين مصغر -، ابن علقمة، وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان من رؤوس الأحابيش، وهم (بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزاعة، وبنو القارة بن الهون بن خزيمة) الفتح ٥/ ٣٤٢. ٢ البدن: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها. النهاية ١/ ١٠٨. ٣ فابعثوها له: أي أثيروها دفعة واحدة. الفتح ٥/ ٣٤٢. ٤ تقليد البدنة: شيء تعلم به أنها هدي. القاموس (قلد) . ٥ إشعار البدن: هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي. النهاية ٢/ ٤٧٩.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
مِكْرَ زُ بن حفص١، فقال: دعوني آتيه.
فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مِكرَز، وهو رجل فاجر"، فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو٢.
قال معمر: فأخبرني أيوب٣ عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: " قد سهل لكم من أمركم".
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب٤ فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ مكرز: - بكسر الميم وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي -: بن حفص بن الأخيف، من بني عامر بن لؤي. الفتح ٥/ ٣٤٢. ٢ هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، خطيب قريش أبو زيد، هو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، ذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي مائة من الإبل من المؤلفة، توفي بالطاعون سنة ثمان عشرة. الإصابة ٢/ ٩٣- ٩٤. ٣ هو: أيوب بن أبي تميمة: كيسان السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية، وبعد الألف نون - أبو بكر البصري، ثقة، ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، توفي سنة ١٣١ هـ-، وله خمس وستون، (ع)، التقريب ١١٧. ٤ هو علي بن أبي طالب ﵁ كما ذكر ذلك عبد الرزاق في المصنف من رواية الزهري ٥/٣٤٣، والبخاي من غير طريق الزهري. صحيح البخاري مع الفتح ٥/٣٠٣. وذكر الحافظ ابن حجر: أن ابن شبة أخرج من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه أن الكتاب عندنا، كاتبه محمد بن مسلمة. وذكر أنه يُجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو. الفتح ٥/٣٤٣. وقد ذكر الواقدي أن الرسول ﷺ اختلف هو وسهيل بن عمرو على أخذ الكتاب بعدما كتب، فقال سهيل عندي، وقال الرسول ﷺ: بل عندي، فاختلفا، فكتب له نسخة فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. المغازي ٢/٦١٢. وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ ابن حجر في جمعه بين الروايتين. والله أعلم
[ ٢ / ٥٦٥ ]
"بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي ﷺ: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكنِ اكتب: "محمد بن عبد الله".
فقال النبي ﷺ: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب "محمد ابن عبد الله".
قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها
ر
[ ٢ / ٥٦٦ ]
حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، فقال له النبي ﷺ: "على أن تُخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددتَه إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو٢ يرسف٣ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي.
فقال النبي ﷺ: إنا لم نقضِ الكتابَ بعد، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النبي ﷺ: فأجزه٤ لي، قال: ما أنا بمجيزه
_________________
(١) ١ والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة: بضمّ الضاد، وسكون الغين المعجمتين، ثم طاء مهملة، أي قهرًا. الفتح ٥/٣٤٣. ٢ هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشيّ العامريّ، قيل اسمه: عبد الله، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن عذب بسب إسلامه، ثبت ذكره في صحيح البخاري في قصة الحديبية، وذكره أهل المغازي فيمن شهد بدرًا وكان أقبل مع المشركين فانحاز إلى المسملين، ثم أسر بعد ذلك، وعذب ليرجع عن دينه، استشهد باليمامة، وهوابن ثمان وثلاثين سنة. الإصابة ٤/٣٤. ٣ يرسف في قيوده: - بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء - أي يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد. الفتح ٥/٣٤٤. ٤ فأجزه لي: بصيغة فعل الأمر، من الإجازة أي امض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك، أو استثنيه من القضية. الفتح ٥/٣٤٥.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَ ز: بل قد أجزناه لك.
قال أبو جندل: أيْ معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألستَ نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدّنِيَّة١ في ديننا إذًا؟
قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به٢؟
قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيتُ أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: أيها الرجل: إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره،
_________________
(١) ١ الدنية: - بفتح المهملة وسكون النون وتشديد التحتانية - أي الخصلة المذمومة. النهاية ٢/١٣٧، والفتح ٥/٣٤٦. ٢ في رواية ابن إسحاق: أن النبي ﷺ أخبر الصحابة أنهم سيطوفون بالبيت وذلك لرؤيا رآها، فلما لم تتحقق بسبب الصلح دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٨.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فاستمسك بِغَرْزِه١، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري٢: قال عمر فعملت لذلك أعمالًا٣، قال: فلما فرغ من قضيةِ الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة٤، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة:
_________________
(١) ١ فاستمسك بغرزه: - هو بفتح الغين المهملة وسكون الراء بعدها زاي وهو - أي الغرز - للإبل بمن-زلة الركب للفرس، والمراد به التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركب الفرس فلا يفارقه. الفتح ٥/ ٣٤٦. ٢ قال الزهري: "قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا": قال الحافظ: "هو موصول إلى الزهري بالسند المذكور، وهو منقطع بين الزهري وعمر" الفتح ٥/٣٤٦. ٣ قوله: أعمالًا: المراد الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءًا. الفتح ٥/٣٤٦. قال الحافظ: "وفي رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٣١٧) وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به. وعند الواقدي (مغازيه ٢/ ٦٠٧) من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال عمر: "لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا وصمت دهرًا". الفتح ٥/ ٣٤٦. ٤ هي: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين اسمها هند، كان قد تزوجها ابن عمها أبو سلمة بن عبد الأسد فمات عنها، فتزوحها النبي ﷺ في جمادى الآخرة سنة أربع وقيل سنة ثلاث وكانت ممن أسلم قديمًا هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة. توفيت سنة ٦٣هـ-. الإصابة ٤/ ٤٥٨.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا، ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات١ فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ٢ فطلق عمر يومئذ امرأتين٣، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان٤ والأخرى
_________________
(١) ١ ثم جاءه نسوة مؤمنات: ظاهره أنهن جئن إليه بالحديبية وليس كذلك وإنما جئن إليه بعد في أثناء المدة. الفتح ٥/ ٣٤٨. ٢ سورة الممتحنة آية (١٠) . ٣ المرأتان: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، البخاري معلقًا عن عقيل عن الزهري رقم (٢٧٣٣) وذكر أن الأخرى تزوجها أبو جهم، وذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا. ابن هشام ٢/ ٣٢٧. ٤ هو: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي أمير المؤمنين ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وبثلاث عشرة، قيل أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، صحب النبي ﷺ وكتب له وولاه عمر الشام، مات في رجب سنة ستين على الصحيح. الإصابة ٣/ ٤٣٣- ٤٣٤.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير١ رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين٢ فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله٣ الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد٤، وفرّ الآخر، حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ أبو بصير: اسمه عتبة بن أَصيد - بالفتح -، ابن جارية - بالجيم - بن أسيد - بالفتح - أيضًا، ابن عبد الله بن غيرة - بكسر المعجمة وفتح التحتانية - ابن عوف بن ثقيف، أبو بصير - بفتح الموحدة - الثقفي، حليف بني زهرة، الإصابة ٢/ ٤٥٢. ٢ فأرسلوا في طلبه رجلين: هما: خنيس - مصغرًا - ابن جابر، ورجل آخر اسمه: كوثر، مغازي الواقدي ٢/ ٦٢٤، وكذلك ذكرهما ابن سعد كما في الفتح ٥/ ٣٤٩، ودلائل البيهقي ٤/ ١٧٢، وقد سماه جحش بن جابر، وسيأتي. ٣ فاستله: أي أخرجه من غمده. الفتح ٥/ ٣٤٩. ٤ فضربه حتى برد: - بفتح الموحدة والراء -: أي خمدت حواسه، وهي كناية عن الموت، الفتح ٥/ ٣٤٩.
[ ٢ / ٥٧١ ]
"ويل امِّهِ١ مِسْعَرَ حرب٢ لو كان له أحد "٣، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ٤ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا٥ لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٦ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم
_________________
(١) ١ ويل امه: - بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة -، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، لأن الويل: الهلاك. الفتح ٥/ ٣٥٠. ٢ مسعر حرب: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة وبالنصب على التمييز -: أي يسعرها. الفتح ٥/ ٣٥٠. ٣ لو كان له أحد: أي ينصره ويعاضده ويناصره. الفتح ٥/ ٣٥٠. ٤ ما يسمعون بعير: أي بخبر عير - بالمهملة المكسورة - أي: قافلة. الفتح ٥/ ٣٥٠. ٥ إلا اعترضوا لها: أي وقفوا في طريقها بالعرض، وهي كناية عن منعهم لها من السير. الفتح ٥/ ٣٥٠. ٦ سورة الفتح آية (٢٤- ٢٦) . قال الحافظ ابن حجر: "وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير وفيه نظر، والمشهور في نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث أنس: أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، فظفروا بهم فعفا عنهم النبي ﷺ فن-زلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك" الفتح ٥/ ٣٥٠، وانظر الحديث الذي أخرجه مسلم ١٢/ ١٨٧ بشرح النووي، وأحمد في المسند ٢٧/ ٣٥٤ رقم [١٦٨٠٠] أرناؤوط.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت١.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد أيضًا ٣١/ ٢٤٣- ٢٥٣ رقم [١٨٩٢٨] أرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٣٠-٣٤٢ رقم (٩٧٢٠)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٩- ١٥، رقم (١٣)، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢١٨- ٢٢١، ودلائل النبوة له ٤/ ٩٩- ١٠٨.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
المبحث الثالث: في أول من بايع بيعة الرضوان
٩٥- أخرج الطبراني في الأوسط فقال: حدثنا أحمد١، ثنا محمد ابن عبد الله بن عبيد بن عقيل٢ ثنا يعقوب بن محمد الزهري٣، قال: نا عبد العزيز بن عمران٤، عن محمد بن عبد لعزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف٥ عن الزهري، عن سالم٦ عن أبيه قال: دعا رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ هو أحمد بن يحيى بن زهير التستري، قال عنه الذهبي: "الإمام الحجة المحدث البارع، علم الحفاظ، شيخ الإسلام أبو جعفر"، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة، وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر بن زهير التستري"، وقال أبو بكر بن المقرئ: حدثنا تاج المحدثين أحمد بن يحيى بن زهير، فذكر حديثًا، توفي سنة ٣١٠هـ"-، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٥٧- ٧٥٩، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٦٢. ٢ هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق من الحادية عشرة، د س ق، التقريب ٤٨٩ رقم (٦٠٣٤) . ٣ هو يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، خت، ق، التقريب ٦٠٨ رقم (٧٨٣٤) ٤ هو عبد العزيز بن عمران بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه، فاشتد غلطه، وكان عارفًا بالأنساب، من الثامنة، توفي سنة سبع وتسعين، ت، التقريب ٣٥٨. ٥ هو محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال البخاري عنه: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك". وقال الدارقطني: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "ثلاثة إخوة ليس لهم حديث مستقيمط. لسان الميزان ٥/٢٥٩-٢٦٠. ٦ هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله، المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار الثالثة، توفي في آخر سنة ست على الصحيح. (ع) التقريب ٢٢٦.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
يوم الحديبية الناس للبيعة١ فجاء أبو سنان بن محصن٢ فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك قال: "وما في نفسي؟ "
قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان٣.
_________________
(١) ١ المراد بالبيعة: بيعة الرضوان، والتي تمت تحت الشجرة، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية من سورة الفتح (١٨) . انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥. وسببها أن الرسول ﷺ كان قد أرسل عثمان بن عفان ﵁ إلى قريش يخبرهم أنه إنما جاء يريد البيت الحرام لقضاء نسكه، لا يريد قتالًا، فبلغه أن قريشًا قتلت عثمان، فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ الناس للبيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة". انظر: ابن هشام ٢/٣١٥، وتفسير ابن جرير ٢٦/٨٦، ودلائل النبوة للبيهقي ٤/١٣٣. ٢ أبو سنان بن محصن أخو عكاشة، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، مات في حصار بني قريظة. انظر: الإصابة ٤/٩٦. ٣ المعجم الأوسط للطبراني ٢/٣٢٦-٣٢٧، ثم قال: لم يروِ هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، ولا عن محمد إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٤٦) "رواه الطبراني في الأوسط وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك. قلت: وفي سنده أيضًا: محمد بن عبد العزيز بن عمران، قال البخاري عنه: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضًا: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب. فالحديث لا يثبت سندًا ولا متنًا لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!! والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة ٢/٣١٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٠٠، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٣٧، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٢٤٦-٢٤٧. وذكر ابن حجر في الإصابة ٤/ ٩١، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) . وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥. والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقًا، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
_________________
(١) "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضًا: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب. فالحديث لا يثبت سندًا ولا متنًا لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!! والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة ٢/٣١٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٠٠، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٣٧، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٢٤٦-٢٤٧. وذكر ابن حجر في الإصابة ٤/ ٩١، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) . وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥. والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقًا، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
المبحث الرابع: في أحداث الغزوة وشروط الصلح
٩٦- قال ابن إسحاق١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قال الزهري: وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، - قال ابن هشام: ويقال: بُسْر - فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور٢، وقد نزلوا بذي طُوى٣ يعاهدون الله
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٣٠٨-٣٢٠. ٢ لبسوا جلود النمور: كناية عن شدة الحقد والغضب، تشبيهًا بأخلاق النمر وشراسته. النهاية ٥/١١٨. ٣ ذو طوى: وادٍ من أودية مكة، وهو اليوم في وسط عمرانها، من أحيائه: العتيبية، وجرول، و(بئر ذي طوى) لا زالت معروفة بجرول. معجم المعالم الجغرافية ١٨٨ والمعالم الأثيرة ١٧٦.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم١.
قال: فقال رسول الله ﷺ: (يا ويح٢ قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) ٣. ثم قال: منْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟
[قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلًا من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقًا وعرًا أجرل٤ بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب
_________________
(١) ١ كُراع الغميم: يقع جنوب عسفان بستة عشر كيلًا على الجادة إلى مكة أي على بعد (٦٤) كيلًا من مكة، على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم. معجم المعالم الجغرافية (٢٦٣-٢٦٤) . ٢ ويح: كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. النهاية ٥/٢٣٥. ٣ أو تنفرد هذه السالفة: السالفة: صفحة العنق، وانفرادها، كناية عن الموت. جامع الأصول ٨/٣٠٣. ٤ الأجرل: كثير الحجارة، ومن رواه: أجرد: فمعناه: ليس فيه نبات. الإملاء المختصر في شرح غريب السير، لأبي ذر الخشني. ٣/٤٥، تحقيق: عبد الكريم خليفة.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
إليه"، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحِطَّةُ١ التي عُرِضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها] ٢.
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْش٣ في طريقٍ تُخرِجُه على ثنية المُرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا.
قيل: له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا٤ من أصحابه فنزل به في قليب من تلك
_________________
(١) ١ يريد قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال المفسرون: معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا. المصدر السابق. ٢ ما بين المعقوفتين: رواية مستقلة أدخلها ابن إسحاق في رواية الزهري الطويلة. ٣ بين ظهري الحمش: - بإهمال الحاء وسكون الميم - تقع شمال ثنية المرار. معجم المعالم الجغرافية للبلادي ١٠٦، ثم قال: وأرى صوابه (الحمض) لأن تلك الأرض تسمى الحمض لكثرة نبات العصلاء فيها. المصدر السابق. ٤ عند ابن إسحاق أنه: ناجية بن جندب بن عمير، سائق بدن رسول الله ﷺ، ابن هشام ٢/ ٣١٠. وذكر الواقدي: أن الرجل ناجية بن الأعجم، المغازي ٢/ ٥٨٧، وقال في مكان آخر: أن الرجل اسمه خالد بن عبادة، المغازي ٢/ ٥٨٩، وروى البيهقي عن موسى بن عقبة أنه: خالد بن عبادة، دلائل البيهقي. وذكر الواقدي: أنه البراء بن عازب، المغازي ٢/ ٥٨٩، وقيل: بريدة بن الخصيب، ذكره ابن حجر في الإصابة ٣/٦٢، وقال في الفتح ٥/ ٣٣٧: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره وعند البخاري رقم (٤١٥٠) من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية: (فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض، ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) . وأخرج مسلم نحوه من حديث سلمة بن الأكوع، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٥، قال الحافظ في الفتح: ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معًا وقعا، وقد روى الواقدي (المغازي ٢/ ٥٨٨- ٥٨٩) من طريق أويس بن حولي: (أنه ﷺ توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكره أبو الأسود في روايته عن عروة أنه ﷺ تمضمض في دلو وصبه في البئر، ونزع سهمًا من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت) . الفتح ٥/ ٣٣٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن١.
قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟
فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربًا وإنما جاء زائرًا للبيت، ومعظمًا
_________________
(١) ١ حتى ضرب الناس بعطن: مبرك الإبل حول الماء، يقال: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت. النهاية ٣/ ٢٥٨.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
لحرمته، ثم قال لهم نحوًا مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرًا هذا البيت، فاتهموهم وجَبهوهم١، وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالًا فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبدًا، ولا تحدث بذلك عنا العرب.
قال الزهري: وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة٢.
قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَ ز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلًا، قال: هذا رجلٌ غادِرٌ، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه، قال له رسول الله ﷺ مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زَبَّان وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا من قومٍ يَتَألَّهون، فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراه،
_________________
(١) ١ وجبهوهم: أي استقبلوهم بما يكرهون. النهاية ١/ ٢٣٧. قال الحافظ ابن حجر: وإنما فعلوا ذلك لأنهم كانوا يعرفون ميل بديل وأصحابه للنبي ﷺ، فتح الباري ٥/ ٣٣٩. ٢ من قوله: قال الزهري: وكانت خزاعة إلى هنا، من كلام الزهري لا من جملة الحديث كما يدل على ذلك رواية أحمد فقد أخرج الحديث من طريق ابن إسحاق فلما وصل إلى هذا السياق قال: قال محمد: يعني ابن إسحاق قال الزهري: (وكانت خزاعة ) مسند أحمد ٣١/ ٢١٢ رقم [١٨٩١٠] أرناؤوط.
[ ٢ / ٥٨١ ]
فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه١ من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي.
قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ وجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعد؛ فقال: امصُص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟
قال: من هذا يا محمد؟
قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي
_________________
(١) ١ أكل أوباره: أي أكل صوفه. انظر: القاموس (وبر) .
[ ٢ / ٥٨٢ ]
لكافأتك بها، ولكن هذه بها.
قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه، قال: والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ، قبل أن لا تصل إليك.
قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك!
قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟
قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أيْ غُدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟
قال الزهري: فكلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق١ بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكًا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرُوا رأيَكم.
قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله ﷺ، وقالوا له: ائت محمدًا فصالحه، ولا يكن في
_________________
(١) ١ البصاق: كغراب: ماء الفم إذا خرج منه. القاموس (بصق) .
[ ٢ / ٥٨٣ ]
صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب عنّا أنه دخلها علينا عنوة أبدًا.
فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلًا قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل".
فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جري بينهما الصلح، فلما التأم١ الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟
قال: (بلى)، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: (بلى)، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: (بلى)، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
قال: " أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني".
قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا.
قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه
_________________
(١) ١ فلما التأم: اللئم بالكسر الصلح والاتفاق. القاموس (لأم) .
[ ٢ / ٥٨٤ ]
فقال: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب (باسمك اللهم)، فقال رسول الله ﷺ: (اكتب باسمك اللهم) فكتبها، ثم قال: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو)، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله ﷺ اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين١ يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عَيْبَة٢ مكفوفة٣ وأنه لا إسلال٤، ولا إغلال٥، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد
_________________
(١) ١ وقد قيل: إن مدة الهدنة كانت أربع سنين كما ذكر ذلك الطبراني في الأوسط ٨/ ٥١ رقم (٧٩٣٥)، قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٤٦ "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات"، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٥/ ١٨٧١، قال الحافظ ابن حجر: "سنده ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح". فتح الباري ٥/ ٣٤٣. ٢ عيبة: مستودع الثياب. النهاية ٣/ ٣٢٧. ٣ مكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نفي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، وقيل: أراد أن بينهم موادعة، ومكافَّة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض. النهاية ٣/ ٣٢٧. ٤ الإسلال: السرقة الخفية، وقيل: سل السيوف. النهاية ٢/ ٣٩٢. ٥ الإغلال: الخيانة، أو السرقة الخفية، وقيل: لبس الدروع. النهاية ٣/ ٣٨٠.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه"، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثًا، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها".
فبينما رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله ﷺ، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله ﷺ في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه١، ثم قال: يا محمد قد لجت٢ القضية بيني وبينك، قبل أن يأتيك هذا.
_________________
(١) ١ أخذ بتلبيبه: يقال: لببت الرجل ولبّبته إذا جعلت في عنقه ثوبًا أو غيره وجررته به. وأخذت بتلبيبة فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره. النهاية ٤/ ٢٢٣. ٢ قد لجت: أي وجبت. النهاية ٤/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
قال: (صدقت)، فجعل ينتره١ بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشرالمسلمين: أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم".
قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ٢ الرجل بأبيه، ونفذت القضية، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو٣، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن
_________________
(١) ١ فجعل ينتره: النتر: جذب فيه قوة وجفوة. النهاية ٥/ ١٢. ٢ فضن الرجل بأبيه: الضنائن: الخصائص، واحدهم ضنينة فعيلة بمعنى مفعولة، من الضِّن وهو ما تختصه وتضن به، أي تبخل لمكانه منك وموقعه عندك. النهاية ٣/ ١٠٤. ٣ هو: عبد الله بن سهيل بن عمرو، أبو سهيل، أمه فاطمة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف، هاجر إلى الحبشة، ثم أخذه أبوه بعد أن رجع من الحبشة عن دينه، فأظهر الرجوع، وخرج معهم إلى بدر ففر إلى المسلمين وكان أحد الشهود بعد ذلك في صلح الحديبية، وكان أسن من أخيه أبي جندل، استشهد باليمامة وله ثمان وثمانون سنة. الإصابة ٢/ ٣٢٢- ٣٢٣.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
مسلمة١، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.
قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله ﷺ من وجهه ذلك قافلًا٢، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ هو: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، قال ابن سعد: شهد محمود أحدًا والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيدًا. الإصابة ٣/ ٣٨٧. ٢ المقفل: مصدر قفل يقفل إذا عاد من سفره. النهاية ٤/ ٩٢- ٩٣. ٣ وأخرجه أحمد في المسند ٣١/ ٢١٢ رقم [١٨٩١٠] أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٤٣٤، وأبو عبيد في الأموال رقم (٤٤٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٥١)، وأبو داود ٣/ ٢١٠ رقم (٢٧٦٦)، والطبري في التاريخ ٢/ ٦٢٠- ٦٢٩، والتفسير ٢٦/ ٩٥، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٥ رقم (١٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٥٩، والبيهقي في السنن ٥/ ٢١٥، و٩/ ٢٢١، وفي الدلائل له ٤/ ١١١، ١١٢و ١٤٥، ١٥٠ و١٥٩- ١٦٠، كلهم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم. قال ابن إسحاق: يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأَمِنَ الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. ابن هشام ٢/ ٣٢٢. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية، في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف، المصدر السابق ٢/ ٣٢٢.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
المبحث الخامس: في استشارة النبي ﷺ أصحابه في بعض أموره
المطلب الأول: في استشارته ﷺ أصحابه في قريش
المبحث الخامس: في استشارة النبي ﷺ أصحابه في بعض أموره
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في استشارته ﷺ أصحابه في قريش:
٩٧- قال البخاري١: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني٢ معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه - قالا:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٥٣ رقم (٤١٧٨) . ٢ قد بين يعقوب بن سفيان الفسوي القدر الذي حفظه سفيان عن الزهري والقدر الذي ثبّته فيه معمر، فأخرجه عن أبي بكر الحميدي عن سفيان فذكره بإسناده إلى قوله: (وأحرم منها بالعمرة) قال سفيان: فهذا الذي حفظت منه وأتقنته، وثبتني من ههنا معمر، انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٢٢- ٧٢٣.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ثم خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع١ عشرة مائة٢ من أصحابه
_________________
(١) ١ البضع في العدد بالكسر، وقد يفتح، ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة. النهاية ١/ ١٣٣. ٢ أخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال: "حدثني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة " المصنف ١٤/ ٤٤٤- ٤٥١، رقم (١٨٧٠٢)، وهي مخالفة لرواية البخاري عن الزهري بالإضافة إلى أنها مرسلة عن عروة وفي سندها أيضًا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ، وستأتي ترجمته إن شاء الله. وقد ثبت عند البخاري ومسلم من غير طريق الزهري (أن عدد جيش المسلمين كان ألفًا وأربعمائة)، صحيح البخاري رقم (٤١٥٤)، وصحيح مسلم رقم (١٨٥٦) وثبت عند مسلم أن عددهم كان ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثُمن المهاجرين، صحيح مسلم رقم (١٨٥٧)، وأخرجه البخاري تعليقًا، صحيح البخاري رقم (٤١٥٥) وثبت عند البخاري ومسلم أنهم كانوا: ألفًا وخمسمائة، صحيح البخاري رقم (٣٥٧٦) ومسلم كتاب الإمارة ٧٣٠٧٢. وقد وردت روايات أخرى فذكرت أعدادًا مغايرة لما في الصحيحين، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٧١) أن عددهم كان ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وعند البلاذري في فتوح البلدان ص ٣٢: أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وأربعين، وعند ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٦٨٤٦) أنهم كانوا ألفًا وسبعمائة. قال ابن حجر: "وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفًا وستمائة". فتح الباري ٧/ ٤٤٠، وذكر هذا العدد ابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٩. قال النووي بعد أن ذكر رواية ألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة: "ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسرًا، فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال: خمسمائة اعتبره، ومن قال: ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتيقن العدد، أو لغير ذلك" شرح النووي على مسلم ١٣/ ٢، ونقل الحافظ ابن حجر نحوه. انظر: فتح الباري ٧/ ٤٤١. أما البيهقي فقد مال إلى ترجيح رواية ألف وأربعمائة، فبعد أن ساق رواية أبي الزبير عن جابر ورواية أبي سفيان عن جابر قال: وهذه الرواية أصح، فكذلك قاله البراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه، ثم ساق رواية سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (كنا مع النبي ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة) دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٩٨، وقال أيضًا: اختلفت الرواية عن جابر، فروي عنه أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وروي عنه أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وهذا أصح لموافقته معقل بن يسار وسلمة والبراء. معرفة السنن والآثار ١٤/ ٦٢. ويلحظ أن خمسة من الصحابة ﵃ ممن شهدوا الوقعة اتفقت رواياتهم على أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة. قال الدكتور أكرم العمري: "واتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير". السيرة الصحيحة ٢/ ٤٣٥.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
فلما أتى ذا الحليفة١ قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط٢ أتاه عينه قال:
_________________
(١) ١ ذو الحليفة: بالتصغير على وزن جهينة، وهي قرية بظاهر المدينة النبوية على طريق مكة بينها وبين المدينة تسعة أكيال تقع بوادي العقيق عند سفح جبل عير الغربي وتعرف اليوم [بآبار علي] المعالم الأثيرة ١٠٣. ٢ غَدير الأشطاط: الغدير بفتح الغين المعجمة: القطعة من الماء يغادرها السيل، القاموس (غدر)، وفتح الباري لابن حجر ٥/ ٣٣٤. والأشطاط: - بشين وطاءين مهملتين - جمع: شط، وهو جانب الوادي. فتح الباري ٥/ ٣٣٤.
[ ٢ / ٥٩١ ]
إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: "أشيروا أيها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزوجل قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين"، قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله".
[ ٢ / ٥٩٢ ]
المطلب الثاني: في استشارة النبي ﷺ في عدم إمتثال أصحابه لما أمرهم بالتحليل
المطلب الثاني: في استشارته ﷺ أم سلمة في عدم امتثال أصحابه لمَّا أمرهم بالتحلل
٩٨- قال ابن أبي شيبة في المصنف١: حدثنا خالد بن مخلد٢ قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري٣ قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة٤ وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم، حتى نزل رسول الله ﷺ غديرًا بعسفان يقال له: غَدِيْر الأَشْطَاط، فلقيه عينه بغدير الأشطاط، فقال: يا محمد تركت قومك كعب ابن لؤي وعامر ابن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم،
_________________
(١) ١ مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٤٤- ٤٥١، رقم [١٨٧٠٢] . ٢ هو: خالد بن مخلد القطواني، - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم، الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة، توفي سنة ثلاث عشرة، وقيل بعدها. خ م كد ت س ق، التقريب ١٩٠، رقم (١٦٧٧) . ٣ هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري، الأوسي، أبو محمد المدني الأُمامي بالضم، صدوق يخطئ، من الثامنة، توفي سنة اثنتين وستين، وهو ابن بضع وسبعين، م، التقريب ٣٤٥، رقم (٣٩٣٣) . ٤ تقدم الكلام حول عدد المسلمين.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
قد سمعوا بمسيرك وتركت عبدانهم يطعمون الخزيرة في دورهم، وهذا خالد بن الوليد في خيل بعثوه.
فقام رسول الله ﷺ فقال: (ماذا تقولون؟ ماذا ترون؟ أشيروا علي قد جاءكم خبر قريش مرتين وما صنعت، فهذا خالد بن الوليد بالغميم) .
قال لهم رسول الله ﷺ: "أترون أن نمضي بوجهنا ومن صدنا عن البيت قاتلناه؟ أم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم، فإن اتَّبَعْنَا منهم عنقٌ قطعه الله".
قالوا: يا رسول الله الأمر أمرك والرأي رأيك، فتيامنوا في هذا الفعل فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى جاوز بهم قترة الجيش، وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط١ القوم يقال له: بَلْدَح٢ فبركت، فقال: "حل حل"، فلم تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء.
قال ﷺ: "إنها والله ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكم حبسها حابس الفيل، أما والله لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها)، ثم زجرها فوثبت فرجع من
_________________
(١) ١ غائط القوم: الغائط: البطن المطمئن من الأرض. النهاية ٣/ ٣٩٥- ٣٩٦. ٢ بَلْدح: - بفتح الباء وسكون اللام والحاء المهملة -: اسم موضع بالحجاز قرب مكة. النهاية في غريب الحديث ١/ ١٥١، وهو وادٍ في مكة يسمى اليوم (الزاهر) معجم المعالم الجغرافية ٤٩.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
حيث جاء عوده على بدئه، حتى نزل بالناس على ثمد١ من ثماد الحديبية ظَنُون٢، قليل الماء يتبرض الناس ماءها تبرضًا، فشكوا إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فانتزع سهمًا من كنانته، فأمر رجلًا فغرزه في جوف القليب، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بِعَطَن، فبينما هو على ذلك إذ مر به بُديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة فقال: يا محمد؛ هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل، يقسمون بالله ليحولُنَّ بينك وبين مكة، حتى لا يبقى منهم أحد، قال: "يا بديل إني لم آت لقتال أحد إنما جئت أقضي نسكي٣ وأطوف بهذا البيت، وإلا فهل لقريش في غير ذلك، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون، ويخلون فيها بيني وبين الناس فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا".
قال بديل: سأعرض هذا على قومك.
فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا: من أين؟ قال: جئتكم من عند رسول الله ﷺ وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت.
_________________
(١) ١ ثمد: الثمد بالتحريك: الماء القليل. النهاية ١/ ٢٢١. ٢ الماء الظّنون: الذي تتوهمه ولست على ثقة، فعول بمعنى مفعول، وقيل: هي البئر التي يظن أن فيها ماء وليس فيها ماء. وقيل: البئر القليلة الماء. النهاية ٣/ ١٦٣. ٣ المناسك: جمع منسك، - بفتح السين وكسرها -: وهو المتعبد، والنُّسْك والنُّسُك أيضًا: الطاعة والعبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. النهاية ٥/ ٤٨.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
فقال أناس من سفهائهم: لا تخبرنا عنه شيئًا، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم: بل أخبرنا ما الذي رأيت وما الذي سمعت، فاقتص عليهم بديل قصة رسول الله ﷺ وما عرض عليهم من المدة، قال: وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي فوثب فقال: يا معشر قريش هل تتهمونني في شيء؟ ألست بالولد ولستم بالوالد؟ أولست قد استنفرت لكم أهل عكاظ؟ فلما بلحوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى قد فعلت، قال: فاقبلوا من بديل ما جاءكم به وما عرض عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده، قالوا: فاذهب.
فخرج عروة حتى نزل برسول الله ﷺ بالحديبية، فقال: يا محمد هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤى قد خرجوا بالعوذ المطافيل يقسمون لا يخلون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم٢، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: أن تجتاح قومك فلم تسمع برجل قط اجتاح أصله قبلك، وبين أن يسلمك من أرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشًا من الناس لا أعرف أسمائهم ولا وجوههم.
فقال أبو بكر، وغضب: امصص بظر اللات أنحن نخذله أو نسلمه؟
_________________
(١) ١ في مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٣٤ رقم (٩٧٢٠): "فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خصلة رشد ". ٢ تبيد خضراءهم: أي دهماءهم وسوادهم. النهاية ٢/ ٤٢.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك فيما قلت. وكان عروة قد تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. والمغيرة بن شعبة قائم على رسول الله ﷺ وعلى وجهه المغفر فلم يعرفه عروة، وكان عروة يكلم رسول الله ﷺ فكلما مدّ يده يمس لحية رسول الله ﷺ قرعها المغيرة بقدح كان في يده حتى إذا أخرجه قال: من هذا؟
قالوا: هذا المغيرة بن شعبة.
قال عروة: أنت بذاك يا غدر، وهل غسلت عنك غدرتك الأمس بعكاظ.
فقال النبي ﷺ لعروة بن مسعود مثل ما قال لبديل، فقام عروة فخرج حتى جاء إلى قومه فقال: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك على قيصر في ملكه بالشام وعلى النجاشي بأرض الحبشة١ وعلى كسرى بالعراق، وإني والله ما رأيت ملكًا هو أعظم فيمن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت.
وما يتوضأ من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، فاقبلوا الذي جاءكم به بديل، فإنها خطة رشد.
قالوا: اجلس ودعوا رجلًا من بني الحارث بن عبد مناف يقال له:
_________________
(١) ١ الحبشة: اسم للأمة أطلق على أرضهم، وتسمى دولتهم: (أثيوبيا)، وأرض الحبشة: هضبة مرتفعة غرب اليمن بينهما البحر، وعاصمتها: "أديس أبابا". معجم المعالم الجغرافية ٩١.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الحليس، فقالوا: انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به.
فخرج الحليس فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلًا عرفه قال: " هذا الحليس وهو من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه".
فبعثوا الهدي في وجهه.
قال ابن شهاب: فاختلف الحديث في الحليس، فمنهم من يقول: جاءه فقال له مثل ما قال لبديل وعروة، ومنهم من قال: لما رأى الهدي رجع إلى قريش فقال: لقد رأيت أمرًا لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت فأبصروا بصركم، قالوا: اجلس، ودعوا رجلًا من قريش يقال له: مِكْرَ ز بن حفص بن الأحنف من بني عامر بن لؤي فبعثوه فلما رآه النبي ﷺ قال: "هذا رجل فاجر ينظر بعين".
فقال له مثل ما قال لبديل ولأصحابه في المدة، فجاءهم فأخبرهم فبعثوا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي يكاتب رسول الله ﷺ على الذي دعا إليه، فجاءه سهيل بن عمرو فقال: قد بعثتني قريش إليك أكاتبك على قضية نرتضي أنا وأنت.
فقال النبي ﷺ: "نعم، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم".
قال: ما أعرف الله ولا أعرف الرحمن، ولكن اكتب كما كنا نكتب "باسمك اللهم)، فوجد الناس من ذلك وقالوا: لا نكاتبك على خطة حتى تقر بالرحمن الرحيم.
قال سهيل: إذًا لا أكاتبه على خطة حتى أرجع.
قال رسول الله ﷺ: "اكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد
[ ٢ / ٥٩٨ ]
رسول الله".
قال: لا أقر، لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك ولا عصيتك ولكن "محمد بن عبد الله".
فوجد الناس منها أيضًا، قال: "اكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو) .
فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق. أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
قال: "إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني".
وأبو بكر متنح بناحية، فأتاه عمر فقال: يا أبا بكر، فقال: نعم. قال: ألسنا على الحق؟ أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
قال: دع عنك ما ترى يا عمر، فإنه رسول الله ﷺ ولن يضيعه الله ولن يعصيه.
وكان في شرط الكتاب أنه من كان منا فأتاك، فإن كان على دينك رددته إلينا، ومن جاءنا من قبلك رددناه إليك.
قال: أما من جاء من قبلي فلا حاجة لي برده، وأما التي اشترطت لنفسك قبلك فبيني وبينك، فبينما الناس على ذلك الحال إذ طلع عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد خلى له أسفل مكة متوشحًا السيف، فرفع سهيل رأسه فإذا هو بابنه أبي جندل.
فقال: هذا أول من قاضيتك على رده.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
فقال النبي ﷺ: "يا سهيل إنا لم نقض الكتاب بعد".
قال: ولا أكاتبك على خطة حتى ترده.
قال: "فشأنك به"، قال: فهش أبو جندل إلى الناس فقال: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟!
فلصق به عمر وأبوه آخذ بيده يجتره وعمر يقول: إنما هو رجل ومعك السيف، فانطلق به أبوه.
فكان النبي ﷺ يرد عنهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه، فلما اجتمعوا نفر منهم أبو بصير ردهم إليه وأقاموا بساحل البحر، فكأنهم قطعوا على قريش متجرهم إلى الشام، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ إنا نراها منك صلة أن تردهم إليك وتجمعهم فردهم إليه، وكان فيما أرادهم النبي ﷺ في الكتاب أن يدعوه يدخل مكة فيقضي نسكه وينحر هديه بين ظهريهم.
فقالوا: لا تحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة أبدًا، ولكن ارجع عامك هذا، فإذا كان القابل أذنا لك، فاعتمرت وأقمت ثلاثًا.
وقام رسول الله ﷺ فقال للناس: "قوموا فانحروا هديكم واحلقوا واحلوا".
فما قام رجل ولا تحرك، فأمر رسول الله ﷺ الناس بذلك ثلاث مرات، فما تحرك رجل ولا قام من مجلسه.
فلما رأى النبي ﷺ ذلك دخل على أم سلمة وكان خرج بها في تلك الغزوة، فقال: يا أم سلمة ما بال الناس أمرتهم ثلاث مرار أن ينحروا وأن
[ ٢ / ٦٠٠ ]
يحلقوا وأن يحلوا فما قام رجل إلى ما أمرتهم به.
قالت: يا رسول الله أخرج أنت فاصنع ذلك.
فقام رسول الله ﷺ حتى يمم هديه فنحره، ودعا حلاقًا فحلقه، فلما رأى الناس ما صنع رسول الله ﷺ وثبوا إلى هديهم فنحروه، وأكب بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم أن يضم بعضًا من الزحام.
قال ابن شهاب بدنة.
[ ٢ / ٦٠١ ]
المبحث السادس: في استثناء النساء من شرط صلح الحديبية
٩٩- قال البخاري١:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور ابن مخرمة ﵄ يخبران٢ عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد٣ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣١٢ رقم (٢٧١١، ٢٧١٢) . ٢ في هذه الرواية تصريح بأن مروان والمسور أخذا حديث الحديبية عن أصحاب رسول الله ﷺ: قال ابن كثير: "هذا هو الأشبه فإن مروان ومسورًا كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة ﵃ أجمعين". السيرة النبوية ٣/ ٣٣٦. وقال الحافظ ابن حجر: "هكذا قال عُقيل عن الزهري، واقتصر غيره على رواية الحديث عن المسور بن مخرمة ومروان، وقد تبين برواية عُقيل أنه عنهما مرسل، وهو كذلك، لأنهما لم يحضرا القصة، وعلى هذا فهو من سند من لم يسم من الصحابة لأن مروان لا يصح له سماع من النبي ﷺ ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين". الفتح ٥/ ٣١٣. ٣ ألا يأتيك منا أحد: يدل على أن هذا الشرط يشمل الرجال والنساء على حد سواء، وظل ساريًا حتى هاجر نسوة من المؤمنات فاستثنى الرسول ﷺ النساء من هذا الشرط، وذلك لن-زول الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ﴾ الآية وهذا هو الأظهر، ويدل على ذلك ما جاء في رواية ابن أخي الزهري عند البخاري (الفتح ٧/ ٤٥٣) وفيه: " لا يأتيك أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". ورواية الإمامين عن الزهري عند ابن أبي شيبة، (المصنف ١٤/ ٤٤٩) ورواية ابن إسحاق عن الزهري وفيه: "من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رد عليهم" ابن هشام ٢/ ٣١٧. وقد ورد الشرط المذكور مفيدًا للعموم من غير طريق الزهري عند مسلم من حديث أنس (مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٣٩) وعند ابن سعد في الطبقات من حديث عمر بن الخطاب والبراء بن عازب (الطبقات الكبرى ٢/ ١٠١) . ومما يدل على أن الشرط المذكور عام أيضًا مجيء الوليد بن عقبة وأخوه إلى النبي ﷺ يسألانه رد أختهما، فإن قريشًا قد فهموا أن الشرط عام للرجال والنساء. ولا يعكر على هذا رواية معمر عن الزهري عند البخاري (الفتح ٥/ ٣٢٩) والتي جاء فيها: " وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا " فلفظ رجل يدل على أن النساء مستثنيات من البداية، لكن يظهر أن معمر تفرد بهذه اللفظة مخالفًا بذلك سائر الروايات التي ذكرت الشرط على العموم، وكان ذلك حتى نزلت الآية، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا١ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا،
_________________
(١) ١ امتعضوا منه: بعين مهملة وضاد معجمة؛ أي: أنفوا وشق عليهم. الفتح (٥/ ٣١٣) .
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وجاء المؤمنات١ مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق٢، فجاء أهلها٣ يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
_________________
(١) ١ نقل ابن حجر أسماء بعضهن فقال: وسمى من المؤمنات المهاجرات المذكورات: أميمة بنت بشر، وكانت تحت حسان - ويقال: ابن الدحداحة - قبل أن يسلم فتزوجها سهل بن حنيف، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت مسافر المخزومي، ويقال: صيفي بن الراهب. وأم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شداد، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، كانت تحت عمرو بن ود، قلت: لكن عمرو بن ود قتل بالخندق، وكأنها فرت بعد قتله، وكان من سنة الجاهلية أن من مات زوجها كان أهلها أحق بها، فتح الباري ٥/ ٣٤٨ تحت رقم (٢٧٣٢) . قال ابن حجر: "ويقال كانت تحت عمرو بن العاص". الفتح ٥/ ٣٤٨. ٢ وهي عاتق: أي بلغت واستحقت التزويج ولم تدخل في السن، وقيل: هي الشابة. الفتح ٧/ ٤٥٤. ٣ ذكر البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٢٩ من طريق الزهري مرسلًا أن الذي جاء في ردها الوليد بن عقبة وأخ له لم يسمه. وقال ابن حجر: "فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط حتى قدما المدينة فكلما رسول الله ﷺ أن يردها إليهم "، ثم قال: أخرجه ابن مردويه في تفسيره. الفتح ٧/ ٤٥٤.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
إلى قوله: ﴿لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ١.
١٠٠- قال ابن إسحاق٢:فحدثني الزهري عن عروة ابن الزبير قال: دخلت عليه يكتب كتابًا إلى ابن أبي هنيدة٣ صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٤، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكان صالح قريشًا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، آية (١٢) وأخرجه البخاري من طريق ابن أخي الزهري عن عمه، فتح الباري، ٧/ ٤٥٣- ٤٥٤ رقم (٤١٨٠) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦- ٣٢٧ بسند حسن إلى عروة لتصريح ابن إسحاق بالتحديث. ٣ هو: عبد الرحمن بن هنيدة أو ابن أبي هنيدة العدوي، مولاهم المدني، رضيع عبد الملك، ثقة من الرابعة، قد، التقريب ٣٥٢. ٤ سورة الممتحنة آية رقم (١٠) .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام، أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين إذا هن امتحنّ بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صَدُقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلك حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله ﷺ النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقًا، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد"١.
_________________
(١) ١ وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٨/ ٦٩ من طريق سلمة بن الفضل الأبرش، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٢٨- ٢٢٩، من طريق يونس بن بكير، والواحدي في أسباب النزول ص٤٨٩- ٤٩٠، من طريق عبد الله بن إدريس ثلاثتهم عن ابن إسحاق، وفيها بعض الاختصار. وأخرجه الواقدي مطولًا في المغازي ٢/ ٦٣١، من طريق محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة. والواقدي متروك.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
المبحث السابع: فيما ظهر من علامات النبوة في الحديبية
١٠١- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة١ عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا٢ وفي الناس ظهر٣ فانحره لنا، فنأكل من لحومه، وندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل.
_________________
(١) ١ تقدمت تراجم سند هذه الرواية. ٢ جهدنا: جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة. النهاية ١/ ٣٢٠. ٣ الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب، يقال: فلان عنده ظهر أي إبل. النهاية ٣/ ١٦٦.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
فقال رسول الله ﷺ: "ابسطوا أنطاعكم١ وعباءكم" ٢.
ففعلوا، ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره"٣، ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله" ٤.
_________________
(١) ١ النطع: بالكسر وبالفتح والتحريك: بساط من الأديم، والجمع أنطاع ونطوع، القاموس (نطع) . ٢ العباء: ضرب من الأكسية، الواحدة عباءة، وعباية، وقد تقع على الواحد لأنه جنس. النهاية ٣/ ١٧٥. ٣ نثر الشيء ينثره وينثره نثرًا ونثارًا: رماه متفرقًا. القاموس (نثر) . ٤ دلائل النبوة ٤/ ١١٩. وهذا الحديث سنده منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، فذكر نحوه. مسلم في كتاب اللقطة رقم (١٧٢٩) وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط ٢/ ١٢٨- ١٢٩ رقم (١٤٧١) من حديث أبي هريرة، ولم يشهد أبو هريرة الحديبية لكونه لم يسلم إلا سنة سبع عام خيبر، فيحتمل أنه سمعه من بعض الصحابة.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
المبحث الثامن: في قصة أبي بصير وأبي جندل ﵄
١٠٢- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة٢ عن ابن شهاب، وهو لفظ حديث القطان، قال: "ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي، من المشركين فأتى رسول الله ﷺ مسلمًا مهاجرًا، فبعث في أثره الأخنس بن شريق رجلين من بني منقذ، أحدهما: - زعموا - مولى، والآخر من أنفسهم، اسمه: جحش بن جار، وكان ذا جلد ورأي في أنفس المشركين،
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٤/ ١٧٢- ١٧٥. من مرسل الزهري، ولكن لبعض هذه الرواية شواهد صحيحة كما سيأتي. ٢ تقدمت تراجم رجال إسناد هذه الرواية.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جعلًا١، فقدما على رسول الله ﷺ فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كان بذي الحليفة، سل جحش سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يومًا إلى الليل.
فقال له أبو بصير: أو صارم٢ سيفك هذا؟
قال: نعم.
قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد.
ويقال: بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه وهو نائم فقطع إساره٣، ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر فجمز٤ مذعورًا مستخفيًا حتى دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فيه، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: (لقد رأى هذا ذعرًا)، فأقبل حتى استغاث برسول الله ﷺ وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله ﷺ وقال: وفت ذمتك دفعتني إليهما، فعرفت أنهم سيعذبونني ويفتنوني عن ديني.
_________________
(١) ١ الجعل: هو الأجرة على الشيء فعلًا أو أمرًا. النهاية ١/ ٢٧٦. ٢ أَوَ صارم سيفك: الصرم: القطع. النهاية ٣/ ٦٢. ٣ فقطع إساره: الإسار بالكسر مصدر أسرته أسرًا وإسارًا، وهو الحبل، والقد الذي يشد به الأسير. النهاية ١/ ٤٨. ٤ فجمز مذعورًا: أي أسرع هاربًا من القتل، يقال: جمز يجمز جمزًا. النهاية ١/ ٢٩٤.
[ ٢ / ٦١٠ ]
فقتلت المنقذي، وأفلتني هذا.
قال رسول الله ﷺ: "ويل أمه مِسْعَر حرب لو كان معه أحد" ١، وجاء أبو بصير بِسَلَبِه٢ إلى رسول الله ﷺ فقال: خمس يا رسول الله.
قال: "إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت".
فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حيث قدموا، فلم يكن طلبهم أحد، ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير حتى كانوا بين العِيْص٣ وذي المروة٤ من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، ولا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها
_________________
(١) ١ من أول قول الزهري "ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة" إلى هنا أخرجه البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن المسور ومروان. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩. ٢ السلب: ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه من سلاح وثياب ودابة وغيرها. النهاية ٢/ ٣٨٧. ٣ العيص: بالكسر: منبت خيار الشجر، وهو واد لجهينة بين المدينة والبحر يبعد عن مدينة ينبع (١٥٠) كيلًا شمالًا، ولا زالت قرية عامرة في إمارة المدينة. المعالم الأثيرة ٢٠٤. ٤ يقع ذو المروة عند مفيض وادي الجزل، إذا دفع في (إضم) شمال المدينة المنورة على مسافة ثلاثمائة كيل، وما زالت معروفة بهذا الاسم، وكان بها سبرة بن معبد الجهني صاحب رسول الله ﷺ. المعالم الأثيرة ٢٥٠.
[ ٢ / ٦١١ ]
وقتلوا أصحابها، وكان أبو بصير يكثر أن يقول: "الله ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر ويقع الأمر على ما يقدر".
وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهري قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش، فقطعوا به مادتهم من طريق الشام، وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانه ذلك يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، قال: فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألون ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل بن سهيل ومن معه فقدموا عليهم وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء والركب قد فتحوا علينا بابًا لا يصلح إقراره، فلما كان ذلك من أمرهم على الذين كانوا أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله ﷺ خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من رأي من ظن أن له قوة هي أفضل مما خص الله به رسوله ﷺ من العون والكرامة، ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مر بهم أبو
[ ٢ / ٦١٢ ]
العاص بن الربيع وكان تحته زينب بنت رسول الله ﷺ من الشام في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم١، ولم يقتلوا منهم أحدًا لصهر أبي العاص رسول الله ﷺ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند أبيها كان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله ﷺ فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم فكلمت رسول الله ﷺ في ذلك فزعموا أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس فقال: (إنا صاهرنا ناسًا، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه قدم من
_________________
(١) ١ هذه الرواية التي ذكرها البيهقي عن الزهري تفيد أن الذي أسر أبا العاص بن الربيع ومن معه أبو بصير وأبو جندل، وأصحابهما، وهي مرسلة، أما ابن إسحاق فقد ذكرها بسياق آخر مرسلة عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر، وذكر فيها أن الذي أسر أبا العاص سرية لرسول الله ﷺ خرجت من المدينة (ابن هشام ١/ ٦٥٧) وقد وصلها الحاكم من طريق ابن إسحاق، قال حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وفيه: (أن رسول الله ﷺ هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص قافلة من الشام وكانوا سبعين ومائة راكب أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة ) وذكر بقية القصة، المستدرك ٣/ ٢٣٦. وقال الألباني عن رواية الزهري: "لا يصح، لأن ابن عقبة رواه عن الزهري مرسلًا". حاشية فقه السيرة للغزالي ص٣٦٦، ثم قال: قد وصله الحاكم ٣/ ٢٣٦- ٢٣٧، من حديث عائشة وإسناده جيد، فالأولى الاعتماد على هذا السياق دون ما في الكتاب. المصدر السابق.
[ ٢ / ٦١٣ ]
الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير فأسروهم، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدًا، وأن زينب بنت رسول الله ﷺ سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟
فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال١، وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وغيرها، فقدم كتاب رسول الله ﷺ زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرؤه٢، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدًا٣، وقدم أبو جندل على رسول
_________________
(١) ١ العقال: الحبل الذي يعقل به البعير، وإنما يضرب المثل في مثل هذا بالأقل. النهاية ٣/ ٢٨٠. ٢ في زاد المعاد لابن القيم ٣/ ٢٨٣، فمات وهو على صدره. ٣ قد نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فقد قال ﷺ: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" أخرجه البخاري في الصحيح مع الفتح ٦/ ٤٦٥ رقم (٣٤٥٣، ٣٤٥٤)، ومسلم ١/ ٣٧٦- ٣٧٧ رقم (٥٣٠، ٥٣١)، ومصنف عبد الرزاق رقم (١٥٨٨، ٩٧٥٤) ومسند أحمد ٣/ ٣٧٤ رقم [١٨٨٤] أرناؤوط. ولكن ربما أن النهي لم يعلم به أبو جندل ﵁، والرواية مرسلة، وهذه من الألفاظ المنكرة فيها.
[ ٢ / ٦١٤ ]
الله ﷺ معه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش، ولم يزل أبو جندل مع رسول الله ﷺ وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله ﷺ فلم يزل معه بالمدينة حتى توفي رسول الله ﷺ وقدم سهيل بن عمرو المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب، فمكث بالمدينة شهرًا ثم خرج مجاهدًا إلى الشام بأهله وماله، هو والحارث بن هشام١، فاصطحبا جميعًا، وخرج أبو جندل مع أبيه سهيل إلى الشام فلم يزالا مجاهدين بالشام حتى ماتا جميعًا، مات الحارث بن هشام فلم يبق من ولده إلا عبد الرحمن بن الحارث٢ فتزوج
_________________
(١) ١ هو: الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد الرحمن القرشي المخزومي أخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدرًا وأحدًا مع المشركين حتى أسلم يوم فتح مكة ثم حسن إسلامه، خرج من مكة بأهله وماله زمن عمر إلى الشام فلم يزل مجاهدًا حتى ختم الله له بخير، فاستشهد يوم اليرموك، وقال الواقدي: "مات في طاعون عَمَواس". الإصابة ١/ ٢٩٣- ٢٩٤. ٢ هو: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم القرشي المخزومي يكنى أبا محمد، قيل: كان ابن عشر في حياة النبي ﷺ حكى ذلك عن مصعب وهو وَهْمٌ بل كان صغيرًا، وخرج أبوه بعد النبي ﷺ لما خرج إلى الجهاد بالشام فمات أبوه في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وتزوج عمر أمه فنشأ في حجر عمر، كان ممن ندبه عثمان لكتابة المصاحف. قال ابن سعد: "كان من أشراف قريش"، وقال ابن حبان: "مات سنة ثلاث وأربعين". الإصابة ٣/ ٦٦.
[ ٢ / ٦١٥ ]
عبد الرحمن فاختة بنت عتبة١، فولدت له أبا بكر بن عبد الرحمن٢ وأكابر ولده، فهذا حديث أبي جندل وأبي بصير ﵄".
_________________
(١) ١ هي: فاختة بنت عتبة بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، ولم يكن بقي من ولد سهيل بن عمرو غيرها، فسماهما عمر بن الخطاب (الشريدين) وقال: "زوجوا الشريد الشريدة لعل الله أن ينشر منهما خيرًا، فتزوج عبد الرحمن فاختة، نسب قريش لمصعب الزبيري" ٣٠٣. ٢ هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل: اسمه كنيته. ثقة، عابد، فقيه، من الثالثة، توفي سنة ٩٤هـ-، وقيل: غير ذلك، ع، التقريب ٦٢٣.
[ ٢ / ٦١٦ ]
الفصل الثاني: غزوة خيبر والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب الغزوة.
الفصل الثاني:
المبحث الأول: في سبب الغزوة
١٠٣- قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن١ القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس٢ محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد٣ بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس٤ بن بكير عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعًا قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله عزوجل فيها خيبر٥
_________________
(١) ١ ثقة تقدم في الرواية رقم (٨٤) . ٢ ثقة تقدم في الرواية رقم (٨٤) . ٣ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، مات سنة اثنتين وسبعين وله خمس وتسعون سنة، د. التقريب ٨١، تقدمت ترجمته في الرواية رقم (٢٠) . ٤ يونس، تقدمت ترجمته في الرواية (٢٠) . ٥ خيبر - بمعجمة وتحتانية وموحّدة - بوزن جعفر، وسميت: خيبر/ بخيبر بن قانية وهو أول من نزلها. معجم ما استعجم للبكري ٢/٥٢٣،وفتح الباري ٧/٤٦٤، وهي تبعد عن المدينة من جهة الشمال قرابة (١٦٥) كيلًا بالطريق المعبد. معجم المعالم الجغرافية ١١٨.
[ ٢ / ٦٢١ ]
﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مغَانِمَ كَثِيرةً تَأخذونَها فَعَجَّلَ لكم هذه﴾ خيبر، فقدم رسول الله ﷺ المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم١، فنزل رسول الله ﷺ بالرَّجِيْع٢ - وادٍ بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا إليهم٣.
_________________
(١) ١ وهو الصواب، وسيأتي من خالفه في ذكر الشهر في المبحث الثاني. ٢ الرّجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وآخره عين مهملة، مكان قرب خيبر، ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ حين خرج إلى خيبر نزل بوادٍ يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وهو غير الرجيع، الذي غدرت فيه عضل والقارّة بسرية عاصم بن ثابت وأصحابه. معجم البلدان ٣/٢٩. ٣ دلائل النبوة ٤/١٩٧.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة
١٠٤- أخرج البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: هذا ذكر مغازي النبي ﷺ التي قاتل فيها، فذكرهن، وقال في جملتهنّ: ثم قاتل يوم خيبر من سنة ست١
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٤/١٩٥، وممن قال بأنها سنة ست الإمام مالك كما في تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/٢٣٠، وتاريخ دمشق لابن عساكر ١/٣٣، وزاد المعاد ٣/ ٣١٦، وممن قال بذلك أيضًا ابن حزم الظاهري، جوامع السيرة ١٦٧، وسيأتي التوجيه في ذلك. وحددّ ابن شهاب الشهر فذكر أن خيبر كانت في المحرم، انظر: دلائل البيهقي ٤/١٩٧. وكذلك قال ابن إسحاق إلا أنه قال في السنة السابعة. ابن هشام ٢/٣٢٨. وممن قال بأنها في السنة السابعة أيضًا: الواقدي كما في المغازي ٢/٦٣٤، إلا أنه قال: كانت في شهر صفر أو ربيع الأول، وابن سعد كما في الطبقات ٢/١٠٦، إلا أنه قال بأنها كانت في شهر جمادى الأولى وذكر البلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة، أنها كانت في صفر سنة سبع، قال: ويقال: في جمادى الأولى، ويقال: في شهر ربيع الأول. أنساب الأشراف ١/ ٣٥٢ رقم (٧٣٧) . قال ابن القيم في الزاد (٣/ ٣١٦): "والجمهور على أنها في السابعة، ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة، أو من المحرم في أول السنة؟ وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد ابن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قدم. اهـ. وذكر نحو هذا التوفيق الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٦٤. ورجح قول ابن إسحاق. انظر: الفتح ٧/ ٤٦٤. وقد ذكر ابن سعد في موضع آخر أنها كانت في رمضان لثمان عشرة خلت منه، الطبقات ٢/ ١٠٨، وكذلك ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٤٦٣، حديث رقم (١٨٧٢٦)، وهذا غريب مع أن إسناد الحديث حسن كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح ٤/ ٤٦٥. فقد قال ﵀: "الحديث إسناده حسن، إلا أنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت، وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج النبي ﷺ فيها في رمضان جزمًا". الفتح ٧/ ٤٦٥.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
المبحث الثالث: في فتح خيبر على يد علي ﵁ وقتله مرحبًا اليهودي
١٠٥- أخرج معمر في جامعه عن الزهري عن ابن المسيب: "أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: "لأدفعنَّ الراية إلى رجل يحب الله ورسوله - أو يحبه الله ورسوله" فدفعها إلى عليّ وإنه لأرمد ما يبصر موضع قدميه، فبصق في عينيه، وكان الفتح"١.
_________________
(١) ١ جامع معمر المطبوع مع مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٢٨ رقم (٢٠٣٩٥) ومن طريق معمر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/ ٧٠ رقم (١٢١٤٧) . وفتح خيبر على يد علي ﵁ ثابت في البخاري من غير طريق الزهري (صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٧٦ رقم (٤٢٠٩، ٤٢١٠) من حديث سلمة بن الأكوع وسهل بن سعد، ومسلم رقم (٢٤٠٥و ٢٤٠٧) . ومسند أحمد ١٤/ ٥٤٠ رقم [٨٩٩٠] أرناؤوط، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٧، ودلائل البيهقي ٤/ ٢١٤- ٢١٥، عن الزهري مرسلًا وستأتي إن شاء الله.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
١٠٦- أخرج سعيد بن منصور١ في سننه قال: نا إسماعيل بن عياش٢ عن إسماعيل بن رافع٣ عن الزهري قال: بارز علي ﵁ رجلًا من اليهود يقال له مرحب فقتله وأخذ سلبه٤.
١٠٧- وأخرج البيهقي من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ قام يوم خيبر فوعظ الناس، فلما
_________________
(١) ١ هو: سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين، وقيل بعدها، من العاشرة، ع، التقريب ٢٤١، رقم (٢٣٩٩) . ٢ إسماعيل بن عياش بن سُليم العنسي، بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، توفي سنة إحدى - أو اثنتين - وثمانين، وله بضع وسبعون سنة، ي، التقريب ١٠٩، وهو هنا يروي عن إسماعيل ابن رافع، مدني بصري. ٣ إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني، نزيل البصرة، يكنى أبا رافع، ضعيف الحفظ، من السابعة، مات في حدود الخمسين، البخاري ت ق، التقريب ١٠٧ رقم (٤٤٢) . ٤ سنن سعيد بن منصور ٢/ ٢٦١ رقم (٢٦٩٩) وسنده ضعيف، لكن يشهد لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه - من غير طريق الزهري - من حديث سلمة بن الأكوع أن الذي قتل مرحبًا هو علي بن أبي طالب ﵁. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٨٥- ١٨٦.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
فرغ من موعظته، دعا علي بن أبي طالب وهو أرمد١ فبصق في عينيه ودعا له بالشفاء، ثم أعطاه الراية واتبعه المسلمون واتبعتهم دعوة النبي ﷺ ووطنوا٢ أنفسهم على الصبر، فلما أن دنا المسلمون من باب الحصن خرجت إليه اليهود بعاديتها٣ فقتل صاحب عادية اليهود، فانقطعوا وقتل محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل مرحبًا اليهودي، لفظ حديث محمد ابن فليح٤.
_________________
(١) ١ الرمد: وجع العين وانتفاخها، لسان العرب. مادة (رمد) . ٢ توطين النفس: تمهيدها، وطّن نفسه على الشيء وله فتوطنت، حملها عليه فتحملت وذلت له، لسان العرب، مادة (وطن) . ٣ فخرجت عاديتهم: أي الذين يعدون على أرجلهم. النهاية ٣/ ١٩٤. ٤ دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٢١٤- ٢١٥، وهو مرسل، وقد وصله ابن إسحاق من غير طريق الزهري فقال: فحدثني عبد الله بن سهل، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وذكر خروج مرحب وطلبه للمبارزة، وذكر قول النبي ﷺ: " من لهذا؟ " قال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله". ثم ذكر قصة قتله، ابن هشام ٢/ ٣٣٣، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد ٢٣/ ٣٣٨ رقم [١٥١٣٤] أرناؤوط. والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٣٦، وإسناده حسن، فإن ابن إسحاق قد صرح فيه بالتحديث. وقال الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣٧): "إن الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة أن قاتل مرحب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁". قال النووي: "هذا هو الأصح أن عليًا هو قاتل مرحب، وقيل: إن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، قال ابن عبد البر في كتابه الدرر في مختصر السير: قال محمد بن إسحاق إن محمد بن مسلمة هو قاتله، قال: وقال غيره: إنما كان قاتله عليًا، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، قال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير أن عليًا هو قاتله، والله أعلم" شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٨٦. وقال الحافظ ابن حجر: "وقيل محمد بن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه فأجهز عليه علي". فتح الباري (٧/ ٤٧٨) . وقد ذكر الواقدي: أن محمد بن مسلمة قطع ساقي مرحب، فقال مرحب: أجهز علي يا محمد. قال محمد: "ذق الموت كما ذاقه أخي محمود وجاوزه، فمر به علي فضرب عنقه، وأخذ سلبه". مغازي الواقدي ٢/ ٦٥٦. قلت: وبذلك يجمع بين الروايتين. وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب فاشتبه على بعض الرواة، فإن لم يكن كذلك وإلا فما في الصحيح مقدم
[ ٢ / ٦٢٦ ]
المبحث الرابع: في استشهاد عامر بن الأكوع
١٠٨- قال الإمام مسلم١: وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن "ونسبه غير ابن وهب فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك) ٢: أن سلمة بن الأكوع قال: لماض
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٦٩. ٢ قال النووي: "هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم وهو صحيح، وهو من فضائل مسلم ودقيق نظره وحسن خبرته وعظيم إتقانه، وسبب هذا: أن أبا داود والنسائي وغيرهما من الأئمة رووا هذا الحديث بهذا الإسناد وعن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك عن سلمة قال أبو داود: "قال أحمد بن صالح: الصواب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث وغيره وهو رواية عن ابن وهب. قال الحافظ: والوهم في هذا من ابن وهب فجعل عبد الله بن كعب راويًا عن سلمة وجعل عبد الرحمن راويًا عن عبد الله وليس هو كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة وإنما عبد الله والده فذكره في نسبه، لأن له رواية في هذا الحديث، فاحتاط مسلم ﵁ فلم يذكر في روايته عبد الرحمن وعبد الله كما رواه ابن وهب بل اقتصر على عبد الرحمن ولم ينسبه لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه فقال: قال غير ابن وهب، وحذف مسلم ذكر عبد الله من رواية ابن وهب وهذا جائز. اهـ. شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٧٠- ١٧١.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
كان يوم خيبر قاتَل أخي١ قتالًا شديدًا مع رسول الله ﷺ، فارتدّ عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، وشكوا فيه: رجلٌ مات في سلاحه، وشكوا في بعض أمره.
قال سلمة: فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز لك٢، فأذن له رسول الله ﷺ، فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول. قال: فقلت:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
_________________
(١) ١اسمه: عامر بن الأكوع ﵁، كما في البخاري رقم (٤١٩٦) ومسلم بشرح النووي ١٢/ ١٦٥. ٢ الرجز: بحر من بحور الشعر، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر. النهاية ٢/ ١٩٩.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
فقال رسول الله ﷺ: "صدقت".
وأنزلنْ سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا
قال: فلما قضيت رجزي قال رسول الله ﷺ: "من قال هذا؟ "
قلت: قاله أخي.
فقال رسول الله ﷺ: "يرحمه الله".
قال: فقلت: يا رسول الله، إن ناسًا ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رجلٌ مات بسلاحه.
فقال رسول الله ﷺ: "مات جاهدًا مجاهدًا"١.
قال ابن شهاب: ثم سألت ابنًا لسلمة بن الأكوع، فحدثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال حين قلت: "إن ناسًا يهابون الصلاة عليه"، فقال رسول الله ﷺ: "كذبوا، مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين "، وأشار بإصبعيه٢.
_________________
(١) ١ قوله: مات جاهدًا مجاهدًا: هو - بكسر الهاء وتنوين الدال - مُجاهدًا - بضم الميم وتنوين الدال أيضًا - وفسروا الجاهد بالجاد في عمله أي أنه لجاد في طاعة الله، والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله وهو الغازي. النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٦٨- ١٦٩. ٢ وأخرجه أبو داود من طريق الزهري في الجهاد: باب في الرجل يموت بسلاحه رقم (٢٥٣٨)، والنسائي ٦/ ٣٠- ٣٢، وأحمد في المسند ٢٧/ ٢٩- ٣٠ رقم [١٦٥٠٣] أرناؤوط، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٧/ ٤٧٠ رقم ٣١٩٦)، والطبراني في الكبير ٧/ ٧ رقم (٦٢٢٥، و٦٢٢٧، و٦٢٣٠)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٣١٢ مختصرًا، وابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ١٢٥. وأخرج نحوه البخاري من غير طريق الزهري رقم (٤١٩٦)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ١٦٧- ١٦٩.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
المبحث الخامس: في موقف بني فزارة من أهل خيبر
١٠٩- أخرج البيهقي من حديث محمد بن فليح قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: كانت بنو فزارة١ ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول الله ﷺ ألا يعينوهم، وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا٢، فأبوا عليه، فلما فتح الله عليه خيبر أتاه من كان من بني فزارة، فقالوا: حظنا والذي وعدتنا.
فقال رسول الله ﷺ: (حظكم) أو قال: (لكم ذو الرُّقَيبة) ٣ جبل من جبال خيبر، فقالوا: إذًا نقاتلك.
فقال: "موعدكم جَنَفَا"٤.
_________________
(١) ١ بنو فزارة: بطن من غطفان، وفزارة هو ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار معد بن عدنان، جمهرة أنساب العرب. لابن حزم ٢٥٥. ٢ في مغازي الواقدي (٢/ ٦٥٠): أن ارجع بمن معك ولك نصف تمر خيبر هذه السنة. ٣ ذو الرقيبة: تصغير الرقبة، جبل مطل على خيبر، معجم البلدان ٣/ ٦٠، والمعالم الأثيرة ١٢٩. ٤ موعدكم (جنفا): - بفتح الجيم والنون والمد -، وفي رواية - بضم الجيم -، وهو موضع في صقع خيبر ولا يزال معروفًا في الضغن، منحدر الحرة، حرة خيبر وفدك شرقًا، المعالم الأثيرة ٩٢- ٩٣.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فلما سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ خرجوا هاربين١.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٤/ ٢٤٨- ٢٤٩ وهي رواية مرسلة. وقد ذكر الواقدي في المغازي (٢/٦٥٠- ٦٥١) هذه الرواية مطولًا بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف. أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسًا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. ابن هشام ٢/ ٣٣٠.
[ ٢ / ٦٣١ ]
المبحث السادس: في قصة الرجل الذي قتل نفسه.
١١٠- قال البخاري١: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن كان معه يدّعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراح، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهمًا، فنحر بها نفسه، فاشتد رجالٌ من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: "قم يا فلان، فأذّن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر". تابعه معمر عن الزهري.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح (٧/ ٤٧١ رقم (٤١٠٣)، وقد روى البخاري نحو هذه الرواية من غير طريق الزهري، ولم يسم فيها الغزوة، وقد أخرجها مسلم ٌ من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وذكر أن الغزوة حنين، انظر: صحيح مسلم رقم (١١١)، وأخرجها أيضًا من غير طريق الزهري رقم (١١٢) ولكنه لم يسم الغزوة. وأخرجها أحمد في المسند ١٣/ ٤٥٣ رقم [٨٠٩٠] و٢٨/ ٤٥٣ رقم [١٧٢١٨] أرناؤوط من طريق الزهري، وسمى الغزوة (خيبر)، ورواها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٨٨) من غير طريق الزهري بإسناد منقطع، وذكر أن الغزوة أحد، وأن الرجل اسمه قُزمان، ووافق ابنَ إسحاق في ذلك الواقدي في المغازي (١/ ٢٦٣) وقد يحمل ذلك على تعدد القصة، كما ذكر الباكري في (مرويات غزوة أحد) ص ٢٤٩. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
المبحث السابع: في اصطفاء الرسول ﷺ صفية بنت حيي ﵂ وزواجه بها
١١١- قال الطبراني: حدثنا القاسم١ بن عبد الله بن مهدي الأخميمي المصري، ثنا عمي محمد بن مهدي٢، ثنا عنبسة بن خالد٣، ثنا يونس، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف٤، عن أبيه قال: سبى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب٥ من بني النضير، وكانت مما أفاء الله عليه٦.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٧٤]، وهو ضعيف واتهم بالوضع. ٢ تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٧٤]، وهو ضعيف واتهم بالوضع. ٣ هو: عنبسة بن خالد بن يزيد الأموي مولاهم، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، صدوق، من التاسعة، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، خ د، التقريب ٤٣٢. ٤ هو: أسعد بن سهل بن حُني ف بضم المهملة، الأنصاري أبو أمامة، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي ﷺ، توفي سنة مائة، وله اثنتان وتسعون، ع، التقريب ١٠٤، والإصابة ١/ ٩٧- ٩٨. ٥ هي: أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب ابن أبي خبيب من بني النضير، وهم من سبط لاوى بن يعقوب ثم من ذرية هارون ابن عمران أخي موسى ﵉، كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية في السبي، فأخذها دحية، ثم استعادها النبي ﷺ فأعتقها وتزوجها. الإصابة ٤/ ٣٤٧. ٦ المعجم الكبير ٢٤/ ٦٦ رقم (١٧٤) قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٤٦) وفيه القاسم بن عبد الله بن مهدي وهو ضعيف وقد وثق.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
١١٢- وقال ابن أبي عاصم: حدثنا حسين بن حسن بن حرب١، نا حجاج٢ بن أبي منيع، عن جده٣، عن الزهري، قال: سبى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة٤ بن أبي الحقيق٥.
١١٣- وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة٦، حدثنا ابن عيينة، عن
_________________
(١) ١ هو الحسين بن الحسن بن حرب السلمي أبو عبد الله المروزي، نزيل مكة، صدوق من العاشرة، توفي سنة ست وأربعين، ت ق، التقريب ١٦٦ رقم (١٣١٥) . ٢ تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٣٥]، وهوثقة. ٣ تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٣٥]، وهو صدوق. ٤ كانت قد تزوجت قبله بسلام بن مشكم، كما ذكر ابن حجر، الإصابة ٤/ ٣٤٧ ٥ الآحاد والمثاني ٥/ ٤٤٠ رقم (٣١١٠)، وسنده حسن إلى الزهري، لكنه مرسل، وقد أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ ٦٦ رقم (١٧٣) من طريق الحجاج بن أبي منيع قال: حدثني جدي عبيد الله بن زياد عن الزهري فذكره. وقصة سبي صفية ثابتة من غير طريق الزهري فقد أخرجها البخاري في مواضع عدة من صحيحه منها: الصحيح مع الفتح ١/ ٤٧٩- ٤٨٠ رقم (٣٧١) و٧/ ٤٧٨- ٤٧٩ رقم (٤٢١١)، ومسلم بشرح النووي ٩/ ٢١٨- ٢٢٤، كلاهما من حديث أنس ﵁، وأخرجها أيضًا سعيد بن منصور في سننه رقم (٢٦٧٦) وأبو داود في سننه رقم (٢٩٩٥) وغيرهم. ٦ هو: زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة، ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، من العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، وهو ابن أربع وسبعين، خ م د س، التقريب ٢١٧.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الزهري، عن أنس١: أن النبي ﷺ أَوْلَمَ على صفية - أراه قال: بتمر وسويق -٢.
_________________
(١) ١ هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة الخزرجي خادم رسول الله ﷺ، وأحد المكثرين عنه، خرج إلى بدر مع رسول الله ﷺ وهو غلام يخدمه، شهد مع النبي ﷺ ثماني غزوات، مات بالبصرة سنة تسعين وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث، وهو ابن مائة سنة وقيل: ابن مائة وثلاث سنين. وقيل: ابن مائة وسبع. الإصابة ١/ ٧١- ٧٢. ٢ مسند أبي يعلى ٦/ ٢٥٩، رقم (٣٥٥٩) . وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
المبحث الثامن: في محاولة قتل النبي ﷺ بالسم.
المبحث الثامن: في محاولة قتل الرسول ﷺ بالسمّ.
١١٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا العباس بن محمد١، قال: حدثنا سعيد بن سليمان٢ قال: حدثنا عباد هو ابن العوام٣، عن سفيان يعني ابن حسين٤، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن٥ عن أبي هريرة: "أن امرأة من اليهود أهدت إلى رسول الله ﷺ شاةً مسمومةً، فقال لأصحابه: "أمسكوا؛ فإنها مسمومة"، فقال: "ما حملكِ على ما صنعتِ؟ " قالت: أردت أعلم إن كنت نبيًا فسيطلعك الله عليه، وإن كنت
_________________
(١) ١ هو: العباس بن محمد بن حاتم الدوري أبو الفضل البغدادي خوارزمي الأصل، ثقة حافظ من الحادية عشرة، توفي سنة ٧١، وقد بلغ ثمانين سنة، ع، التقريب ٢٤٩. ٢ هو سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي نزيل بغداد، البزار، لقبه سعدويه، ثقة حافظ من كبار العاشرة، توفي سنة خمس وعشرين وله نحو من سبعين، ع، التقريب ٢٣٧. ٣ عباد بن العوام بن عمر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي، ثقة من الثامنة، توفي سنة خمس وثمانين أو بعدها وله نحو من سبعين، ع، التقريب ٢٩٠. ٤ هو: سفيان بن حسين، ثقة في غير الزهري، وقد تقدم في الرواية رقم [٢٠] . ٥ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة، توفي سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، ع، التقريب ٦٤٥.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
كاذبًا أريح الناس منك، قال: فما عرض لها رسول الله ﷺ"١.
١١٥- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك٢: "أن امرأةً يهوديةً٣ أهدت للنبي ﷺ شاةً مصليَّةً٤ بخيبر، فقال: "ما هذه؟ " قالت: هدية، وحَذِرت أن تقول: هي من الصدقة فلا يأكل، قال: فأكل النبي ﷺ وأكل أصحابه، ثم أمسكوا، فقال للمرأة:
_________________
(١) ١ دلائل البيهقي ٤/ ٢٥٩- ٢٦٠، وسيأتي ما يقويه من روايات أخرى. ٢ عند ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٠١) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وستأتي إن شاء الله، وعند أبي داود في السنن في رواية أخرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك رقم (٤٥١٤) . ٣ اسمها: زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مشكم، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٣٧) وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٠١. أما النووي فقد قال: اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي، روينا تسميتها هذه في مغازي موسى بن عقبة ودلائل النبوة للبيهقي، شرح النووي على مسلم ١٤/ ١٧٩. والذي في الدلائل (٥/ ٢٣١) من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن اسمها: زينب بنت الحارث اليهودية وهي: ابنة أخي مرحب، ولم ينسبها، فالصواب أنها ابنة أخي مرحب، وليست أخته. والله أعلم. ٤ مَصْلِيَّة: أي: مشوية، ويقال: صليت اللحم - بالتخفيف - أي شويته، فهو مصلي. النهاية ٣/٥٠.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
"هل سممت هذه الشاة"؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم - لساقها وهي في يده –". قالت: نعم. قال: (لِمَ؟) . قالت: أردت إن كنت كاذبًا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيًا لم يضرك. قال: فاحتجم١ النبي ﷺ على الكاهل٢، وأمر أصحابه فاحتجموا فمات بعضهم"٣.
_________________
(١) ١ الاحتجام: مص الدم الفاسد من جسم الإنسان بعد الفصاد، والمحجم - بالكسر - الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، والمحجم أيضًا مشرط الحجامة. النهاية ١/ ٣٤٧. ٢ الكاهل: مقدم أعلى الظهر. النهاية ٤/ ٢١٤. ٣ لم تذكر الروايات إلا بشر بن البراء بن معرور ﵁. انظر: ابن هشام ٢/ ٣٣٨، والطبقات لابن سعد ٢/ ٢٠٢، ودلائل البيهقي ٤/ ٢٦٢، والسنن ٨/ ٤٦، والنووي في شرحه على مسلم ١٤/ ١٧٩.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قال الزهري: "فأسلمت١، فتركها٢ النبي ﷺ"٣.
قال معمر: وأما الناس فيقولون: قتلها النبي صلى الله عليه وسلم٤.
_________________
(١) ١ ذكرها ابن حجر في الإصابة ٤/ ٣١٤، ولعله بناءً على رواية الزهري: انظر: المصدر السابق، وقال ﵀: ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت، فقد جزم بذلك سليمان التيمي في مغازيه، ولفظه بعد قولها: وإن كُنْتَ كاذبًا أرحت الناس منك. وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أُشهد من حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. الفتح ٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨. ٢ اختلف العلماء هل قتلها النبي ﷺ أم لا؟ فقد روى مسلم من حديث أنس أنهم قالوا: "ألا نقتلها؟ قال: لا". صحيح مسلم بشرح النووي ١٤/ ١٧٨، وكذلك عند أبي داود رقم (٤٥١٠) من مرسل الزهري عن جابر، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٤٦، والدلائل ٤/ ٢٥٩. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة وفيه: " فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" السنن رقم (٤٥١٢)، وكذلك عند الحاكم في المستدرك ٣/ ٢١٩- ٢٢٠. وورد أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢٠٢. الجمع بين ذلك: قال النووي: "قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولًا حيت اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها، فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك، سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصًا، فيصح قولهم: لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم: قتلها أي بعد ذلك والله أعلم". اهـ. النووي على شرح مسلم ١٤/ ١٧٩. ٣ مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٨ رقم (١٩٨١٤) . وسنده صحيح. ٤ ومن طريق معمر أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٢٦٠- ٢٦١، وهو مرسل ويحتمل أن يكون عبد الرحمن حمله عن جابر. دلائل النبوة ٤/ ٢٦٢.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
١١٦- وأخرج البيهقي من طريق محمد بن فليح قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر وقتل من قتل منهم، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاةً مصليةً، وسمّتها، وأكثرت في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحبّ أعضاء الشاة إلى رسول الله ﷺ، فدخل رسول الله على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله ﷺ الكتف وانتهش١ منها، وتناول بشر بن البراء عظمًا فانتهش منه، فلما استرط٢ رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله ﷺ: " ارفعوا أيديكم؛ فإن كتف هذه يخبرني أن قد بُغِيتُ٣ فيها "، فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلتُ، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك٤ طعامك، فلما أسغتَ ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون
_________________
(١) ١ أي أخذ بأطراف الأسنان. القاموس ٧٨٥ مادة (نهش) . ٢ سرط: أي ابتلعه. القاموس ٨٦٤ مادة (سرط) . ٣ في البداية والنهاية ٤/ ٢١٠: نُعِيتُ فيها، أي أخبره بالموت الذي فيها. انظر: القاموس (نعى) . ٤ يقال: أنغص الله عليه العيش: كَدَّره. القاموس (نغص) .
[ ٢ / ٦٤٠ ]
استرطتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان١، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلى ما حول"٢.
١١٧- وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن نافع٣، أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: ثم كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاةً مصليَّةً، ثم أهدتها إلى النبي ﷺ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلممنها الذراع فأكل منها، وأكل الرهط من أصحابه معه، ثم قال لهم النبي ﷺ: "ارفعوا أيديكم"، وأرسل النبي ﷺ إلى اليهودية فدعاها فقال لها: "أسممتِ الشاة"؟ فقالت: نعم، ومن أخبرك؟ فقال النبي ﷺ: "أخبرتني هذه في يدي؛ الذراع٤، فقالت: نعم، قال: "فماذا أردت إلى ذلك؟ "، قالت: قلت إن كان نبيًا فلن يضره، وإن
_________________
(١) ١ الطيلسان: ضربٌ من الأكسية الملونة. لسان العرب (طلس) . ٢ دلائل النبوة ٤/ ٢٦٣- ٢٦٤، وهذا الحديث مرسل، وسيأتي ما يشهد له إن شاء الله. ٣ الحكم بن نافع البهراني: - بفتح الموحدة - أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦، رقم (١٤٦٤) . ٤ في رواية عبد الرزاق المتقدمة: قالت: من أخبرك؟ قال: هذا العظم - لساقها وهي في يده - المصنف ١١/ ٢٨.
[ ٢ / ٦٤١ ]
لم يكن نبيًا استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله ﷺ، ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم النبي ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هندٍ١ مولى بني بياضة بالقرن والشفرة٢، وهو من بني ثمامة، وهم حيٌّ من الأنصار"٣.
_________________
(١) ١ أبو هند: قيل: اسمه عبد الله، وقال ابن منده: يقال: اسمه: يسار، ويقال: سالم، وهو مولى فروة بن عمرو البياضي من الأنصار، تخلف عن بدر، وشهد المشاهد بعدها. الإصابة ٤/ ٢١١. ٢ القرن والشفرة: أما القرن قيل: هو قرن ثور جُعِل كالمحجمة. النهاية ٤/ ٥٤. وأما الشفرة: فهي السكين العريضة. النهاية ٢/ ٤٨٤. وهما آلتان تستخدمان للحجامة. ٣ سنن الدارمي ١/ ٤٦ رقم (٦٨) . وأخرجه أبو داود في السنن رقم (٤٥١٠) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٢٦١- ٢٦٢. وهو مرسل، لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئًا، كما قال الخطابي في معالم السنن ٤/ ٦٥٨. وقال المنذري: هذا الحديث منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، عون المعبود ١٢/ ٢٣١. وقصة الشاة المسمومة قد وردت من غير طريق الزهري، فقد أخرجها البخاري في صحيحه رقم (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة، ومسلم في صحيحه مع شرح النووي ١٤/ ١٧٥ من حديث أنس بن مالك، وأبو داود رقم (٤٥١٢) من حديث أبي هريرة، والدارمي في السنن ١/ ٤٧ رقم (٦٩) من حديث أبي هريرة أيضًا.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
١١٨- وقد أخرج ابن سعد ١ عن جمع من الرواة ومنهم الزهري زاد بعضهم على بعض، قالوا: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر واطمأن، جعلت زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مِشْكم، تسأل: أي الشاة أحبّ إلى محمد؟ فيقولون: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها، وصلتها، ثم عمدت إلى سُمٍّ لا يُطْني٢، وقد شاورت يهود في سموم، فأجمعوا لها على هذا السمّ بعينه، فسمّت الشاة وأكثرت في الذراعين، والكتف، فلما غابت الشمس وصلى رسول الله ﷺ المغرب بالناس، انصرف وهي جالسة عند رجليه، فسأل عنها فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك، فأمر بها النبي ﷺ فأخذت منها، فوضعت بين يديه، وأصحابه حضور، أو من حضر منهم، وفيهم بشر بن البراء بن معرور، فقال رسول الله ﷺ: "ادنوا فتعشوا"، وتناول رسول الله ﷺ الذراع فانتهش منها، وتناول بشر بن البراء عظمًا آخر فنهش منه، فلما ازدرد رسول الله ﷺ لقمته ازدرد بشر بن البراء ما في فيه، وأكل القوم منها، فقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢٠١- ٢٠٣، وهي رواية ضعيفة لعدم معرفة رواة الزهري من بين أولئك الجمع من الشيوخ. ٢ لا يطني: أي لا يسلم عليه أحد، يقال: رماه الله بأفعى لا تُطْني، أي لا يفلت لديغها. النهاية ٣/ ١٤١.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
"ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع - وقال بعضهم فإن كتف الشاة - تخبرني أنها مسمومة". فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك من أكلتي التي أكلت حين التقمتها، فما منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أبغض إليك طعامك. فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حول، ثم مات، وقال بعضهم: فلم يَرُمْ بشر من مكانه حتى توفي، قال: وطرح منها لكلب فأكل فلم يتبع يده حتى مات، فدعا رسول الله ﷺ زينب بنت الحارث فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ ". فقالت: نلت من قومي ما نلت، قتلت أبي وعمي وزوجي، فقلت: إن كان نبيًا فستخبره الذراع، وقال بعضهم: وإن كان ملكًا استرحنا منه، ورجعت اليهودية كما كانت، قال: فدفعها رسول الله ﷺ إلى ولاة بشر بن البراء فقتلوها - وهو الثبت - واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم، وعاش رسول الله ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قبض فيه جعل يقول في مرضه: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عدادًا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري"، وهو عرق في الظهر، وتوفي رسول الله ﷺ شهيدًا صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
المبحث التاسع: في أثر ذلك السمّ على النبي ﷺ.
١١٩- عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أن أم مبشر١ قالت للنبي ﷺ في المرض الذي مات فيه: ما تتهم بنفسك يا رسول الله؛ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المشوية التي أكل معك بخيبر، فقال رسول الله ﷺ: "وأنا لا أتهم إلا ذلك بنفسي، هذا أوان انقطاع أَبْهُرِي"٢ يعني عرق الوريد٣.
_________________
(١) ١ اسمها: خُليسة بنت قيس بن ثابت بن خالد الأشجعية من نبني دهمان، كانت زوج البراء بن معرور، وبايعت ولها رواية، وهي أم بشر بن البراء بن معرور، قاله ابن سعد ٤/ ٢٨٥- ٢٨٦. ٢ الأَبْهُر: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وهو متصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. انظر: اللسان، مادة (بهر) . ٣ مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٩ رقم (١٩٨١)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود في سننه رقم (٤١٥٣) . قال الألباني: "صحيح الإسناد"، صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٥٥ رقم (٣٧٨٥) . ومن طريق معمر أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٢١٩، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرجه البخاري معلقًا فقال: وقال بونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما زال ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم". صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ١٣١ رقم (٤٤٢٨) . قال الحافظ: "وهذا قد وصله البزار والحاكم والإسماعيلي من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد". الفتح ٨/ ١٣٠. وأخرجه الدارمي من غير طريق الزهري، سنن الدارمي ١/ ٤٦ رقم (٦٧) .
[ ٢ / ٦٤٥ ]
المبحث العاشر: في فتح خيبر هل كان صلحًا أم عنوة.
المبحث العاشر: في فتح خيبر هل كان عنوةً أم صلحًا؟
١٢٠- قال ابن إسحاق ١: فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوةً٢ بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عزوجل على رسول الله ﷺ، خمسها وقسمها بين المسلمين٣، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم، وأُقركم ما أَقركم الله، فقبلوا، فكانوا على ذلك يعملونها.
وكان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة٤، فيقسم ثمرها، ويعدل
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٣٥٦- ٣٥٧. ٢ عنوة: أي قهرًا، وفتحت هذه البلدة عنوة: أي فتحت بالقتال، اللسان مادة (عنا) . وقد وردت روايات عن الزهري تذكر أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحًا، وستأتي إن شاء الله تعالى. ٣ سيأتي أن غنائم خيبر كانت لأهل الحديبية. ٤ خرص عليهم عبد الله بن رواحة عامًا واحدًا، ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله، فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة. ابن هشام ٢/ ٣٥٤.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه ﷺ أقرها أبو بكر رصي الله عنه بعد رسول الله ﷺ بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله ﷺ حتى توفي.
ثم أقرهم عمر رصي الله عنه صدرًا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله ﷺ قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان"١، ففحص عمر ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله عزوجل قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان".
فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ من اليهود فليأتني به أُنفده له٢، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ من اليهود فليتجهز للجلاء.
_________________
(١) ١ أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، حديث رقم (١٨) عن ابن شهاب مرسلًا، وعبد الرزاق في المصنف ٤/ ١٢٦ رقم (٧٢٠٨) و٦/ ٥٤ رقم (٩٩٨٧) و١٠/ ٣٥٧ رقم (٩٣٥٩) عنه عن الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، والبلاذري في فتوح البلدان ٤١. وأخرج البخاري في باب إخراج اليهود من الجزيرة رقم (٣١٦٧) من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرج أيضًا من حديث ابن عباس رقم (٣١٦٨) بلفظ: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم )، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا رقم (١٦٣٧) . ٢ أنفذه له: أي أمضيه له. النهاية ٥/٩١.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ منهم.
١٢١- وقال أبو داود: حدثنا ابن السرح١، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال بلغني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال٢
١٢٢- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس٣، ثنا
_________________
(١) ١ ابن السرح: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح - بمهملات-، أبو الطاهر المصري، ثقة، من العاشرة، توفي سنة خمسين، م د س ق، النقريب ٨٣. ٢ السنن ٣/ ١٦١ رقم (٣٠١٨) ومن طريق يونس عن الزهري أخرجه أبو عبيد في الأموال، رقم (١٤١)، ومن طريق أبي عبيد أخرجه ابن زنجويه في الأموال أيضًا ١/ ١٨٨ رقم (٢١٨)، والبلاذري في الفتوح ص ٤١ كلهم عن الزهري مرسلًا. ويشهد لقول الزهري أن خيبر افتتحت عنوة ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس في مواضع عدة، منها رقم (٣٧١) وفيه: " فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"، قالها ثلاثًا، قال: وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد - قال عبد العزيز وقال بعض أصحابنا - والخميس - يعني الجيش - قال: فأصبناها عنوة " أ. هـ. ومسلم رقم (١٦٣٥)، وأبو داود رقم (٣٠٠٩)، والنسائي في النكاح باب البناء في السفر ٦/ ١٣٢- ١٣٣. ٣ ثقة حافظ جليل، تقدم في الرواية رقم [٤٢] .
[ ٢ / ٦٤٨ ]
عبد الله بن محمد١، عن جويرية٢، عن مالك٣، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أخبره: أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة ً٤.
١٢٣- قال أبو داود: وقرئ على الحارث بن مسكين٥ وأنا شاهد: أخبركم ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوةً، وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوةً، وفيها صلحٌ،
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن محمد بن أسماء، أبو عبيد الضُبَعي؛ بضم المعجمة وفتح الموحدة، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة جليل، من العاشرة، مات سنة إحدى وثلاثين، خ م د س، التقريب ٣٢٠. ٢ جويرية: تصغير جارية، ابن أسماء بن عبيد الضُبَعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة - البصري، صدوق، من السابعة، مات سنة ثلاث وسبعين، خ م د س ق، التقريب ١٤٣ رقم (٩٨٨) . ٣ هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله، المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، من السابعة، توفي سنة تسع وسبعين، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة، ع، التقريب ٥١٦. ٤ السنن ٣/ ١٦١، كتاب الخراج والفيء رقم (٣٠١٧) وهو مرسل قوي. ٥ هو: الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، مولى بني أمية، أبو عمرو البصري، قاضيها، ثقة فقيه، من العاشرة، توفي سنة خمسين، وله ست وتسعون سنة، د س، التقريب ١٤٨.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر؛ وهي أربعون ألف عَذْق١.
١٢٤- وقال أبو داود: حدثنا حسين بن علي العجلي٢، ثنا يحيى ابن آدم٣، ثنا ابن أبي زائدة٤، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وعبد
_________________
(١) ١ المصدر السابق: ٣/ ١٦١. ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن ٦/ ٣١٦ و٩/ ١٣٨. والعذق: - بالفتح - النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ. النهاية ٣/ ١٩٩. ٢ هو: حسين بن علي بن الأسود العجلي، أبو عبد الله الكوفي نزيل بغداد، صدوق يخطئ كثيرًا، لم يثبت أن أبا داود روى عنه، من الحادية عشرة، ت، التقريب ١٦٧ رقم (١٣٣١) . ولعل مستند الحافظ ابن حجر على قوله: لم يثبت أن أبا داود روى عن حسين العجلي، هو قول الآجري: "سمعت أبا داود يقول: حسين بن الأسود الكوفي [العجلي] لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهامًا " قال الحافظ معقبًا على كلام الآجري: "وهذا مما يدل على أن أبا داود لم يرو عنه، فإنه لا يروي إلا عن ثقة عنده " التهذيب ٢/ ٣٤٤، وانظر: تهذيب الكمال ٦/ ٣٩٣، حاشية رقم (٥) . ٣ هو: يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين، ع، التقريب ٥٨٧. ٤ هو: زكريا بن أبي زائدة: خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بأخرة، من السادسة، توفي سنة - سبع أو ثمان أو تسع - وأربعين، ع، التقريب ٢١٦ رقم (٢٢٢) .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الله بن أبي بكر ١ وبعض ولد٢ محمد بن مسلمة قالوا: بقيت بقيةٌ من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ويسيّرهم، ففعل. فسمع بذلك أهل فدك٣ فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله ﷺ خاصةً، لأنه لم يوجف٤ عليها بخيل ولا ركاب٥.
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، القاضي، ثقة، من الخامسة، توفي سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، ع، التقريب ٢٩٧. ٢ لعله محمود بن محمد بن مسلمة، لأن المزي ذكر ترجمة محمد بن مسلمة أن ممن روى عنه ابنه محمود بن محمد بن مسلمة، انظر: تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٥٧ رقم الترجمة (٥٦١٠)، ولم أجد له ترجمة. ٣ فدك: قرية شرقي خيبر، تعرف اليوم باسم (الحائط)، معجم المعالم الجغرافية ٢٣٥ ٤ الإيجاف: سرعة السير. النهاية ٥/ ١٥٧. ٥ السنن ٣/ ١٦١، كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (٣٠١٦) وأخرجه البلاذري في فتوح البلدان ٤٣، والبيهقي في السنن ٦/ ٣١٧. والرواية المتقدمة التي أخرجها أبو داود عن ابن المسيب وهذه الرواية تدلان على أن خيبر فتح بعضها عنوة وبعضها صلحًا، وبالرغم من ضعفهما إلا أنه قد ثبت ما يشهد لهما من غير طريق الزهري، فقد أخرج أبو داود من حديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلْقة ولهم ما حملت ركابهم " الحديث أخرجه أبو داود رقم (٣٠٠٦) . وما أخرجه من حديث سهل بن أبي خيثمة قال: (قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين ) الحديث أخرجه أبو داود
[ ٢ / ٦٥١ ]
_________________
(١) ، وما أخرجه من حديث بشير بن يسار أنه سمع نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: فذكر هذا الحديث. قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله ﷺ وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب، انظر: السنن رقم (٣٠١١) . وقد حكم الألباني على هذه الروايات بالصحة، انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (٢٥٩٧) ورقم (٢٦٠١) ورقم (٢٦٠٢) على التوالي. فمن خلال ما تقدم نلحظ أن الروايات التي تذكر أن خيبر فتحت عنوة أقوى من من الروايات الأخرى التي ذكرت أن بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحًا. ولكن يظهر أن الخلاف في ذلك قديم، فقد قال البيهقي بعد أن ذكر حديث بُشير بن يسار المتقدم: قلت: وهذا لأن بعض خيبر فتح عنوةً وبعضها فتح صلحًا، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحًا لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين، والله أعلم. أ. هـ. دلائل البيهقي٤/٢٣٦. وقال النووي عند شرحه لحديث أنس الذي يفيد أن خيبر فتحت عنوة، قال: قال المازري: ظاهر هذاأن خيبر فتحت عنوة، وقد روى مالك عن ابن شهاب أن بعضها فتح عنوة وبعضها صلحًا، قال: وقد يشكل ما رُوي في سنن أبي داود أنه قسمها نصفين؛ نصفًا لنوائبه وحاجاته ونصفًا للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى، أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي ﷺ وما سواها للغانمين، فكان قدر الذي خلوا عنه النصف، فلهذا قسم القسمين. أ.هـ. النووي على شرح مسلم ١٢/ ١٦٤- ١٦٥. وأما ابن عبد البر فقد اضطرب كلامه في كتابيه (الدرر) و(التمهيد) إلا أن يكون قد رجع عن أحد القولين فيحتاج حينئذ لمعرفة الكتاب المتأخر، هل هو الدرر أم التمهيد؟
[ ٢ / ٦٥٢ ]
_________________
(١) فقد قال في الدرر (٢٣٥-٢٣٦): هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوبًا عليها. وقال: وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحًا وبعضها عنوة، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك لصلح، ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية، كضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضها حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها. المصدر السابق. وقال: وربما شبِّه على من قال: إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى ابن سعيد، عن بشير بن يسار: أن رسول الله ﷺ قسم خيبر نصفين، نصفًا له ونصفًا للمسلمين. المصدر السابق. ثم قال: والحق: فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب ا. هـ. وأما ما ذكره في التمهيد فيختلف تمامًا عما ذكره هنا قال ﵀: أجمع العلماء من أهل الفقه والأثر وجماعة أهل السير على أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحًا وأن رسول الله ﷺ قسمها فما كان منها صلحًا أو أخذ بغير قتال كالذي جلا عنه أهله عمل في ذلك كله بسنة الفيء، وما كان منها عنوة عمل فيه بسنة الغنائم إلا أن ما فتح الله عليه منها عنوة، قسمه بين أهل الحديبية، وبين من شهد الوقعة، وقد رويت في فتح خيبر آثار كثيرة ظاهرها مختلف، وليس باختلاف عند العلماء على ما ذكرت لك. التمهيد ٦/ ٤٤٦. ثم ذكر الأحاديث الدالة على أن خيبر فتحت عنوة والتي دلت على أن بعضها فتح صلحًا ثم قال: فهذا كله يدل على أن ما كان منها مأخوذًا بالغلبة قسم على أهل الحديبية ومن شهدها وخمس، وما كان منها مما انجلى عنه أهله وأسلموه بلا قتال، حكم فيه رسول الله ﷺ بحكم الفيء، واستخلص منه لنفسه كما فعل بفدك، فقف على هذا وتدبر الآثار تجدها على ذلك إن شاء الله. التمهيد ٦/ ٤٤٩.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
المبحث الحادي عشر: في تقسيم غنائم خيبر على أهل الحديبية.
١٢٥- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: لما انصرف١ رسول الله ﷺ حتى أتى المدينة فغزا خيبر من الحديبية٢، فأنزل الله عليه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٣، فلما فتحت خيبر جعلها لمن غزا معه الحديبية، وبايع تحت الشجرة، ممن كان غائبًا وشاهدًا من أجل أن الله كان وعدهم إياها، وخمّس رسول الله ﷺ خيبر، ثم قسم سائرها مغانم بين من شهدها من المسلمين ومن غاب٤ عنها من أهل الحديبية٥.
_________________
(١) ١ أي: من الحديبية. ٢ الصواب أن رسول الله ﷺ قدم المدينة من الحديبية فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، انظر: ابن هشام ٢/ ٣٢٠، ودلائل النبوة للبيهقي ٤/ ١٩٧، وزاد المعاد ٣/ ٣١٧، والبداية والنهاية ٤/ ١٨١. ويحتمل أن يكون المراد: أنه نوى غزو خيبر من الحديبية. ٣ الآية من سورة الفتح رقم (٢٠) . ٤ ذكر ابن إسحاق أن خيبر قسمت على أهل الحديبية، من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، ابن هشام ٢/ ٣٤٩ ٥ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٧٢ رقم (٩٧٣٨) بسند صحيح إلى الزهري لكنه مرسل.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
١٢٦- وقال ابن شبة: حدثنا عثمان١ بن عمر قال: حدثنا موسى٢، عن الزهري، قال: بلغني أن الخمس كان إلى رسول الله ﷺ من كل مغنم غنمه المسلمون شهده رسول الله ﷺ، وكان لا يقسم لغائبٍ من مغنمٍ إلا يوم خيبر؛ قسم لغيّب الحديبية من أجل أنه كان أعطى خيبر المسلمين من أهل الحديبية؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مغَانِمَ كثيرةً تأخذونها فعجّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ فكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، ولم يشهدها من الناس معهم غيرهم٣.
١٢٧- وقال أبو داود: حدثنا ابن السرح٤، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: "خمّس رسول الله ﷺ خيبر، ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية"٥.
_________________
(١) ١ عثمان بن عمر بن فارس العبدي، بصري، أصله من بخارى، ثقة، قيل: كان يحيى ابن سعيد لا يرضاه، من التاسعة، مات سنة تسع ومائتين، ع، التقريب ٣٨٥. ٢ موسى بن عقبة، ثقة، تقدم. ٣ تاريخ المدينة ١/ ١٨٣. بسند صحيح إلى الزهري، لكنه مرسل. ٤ أحمد بن عمرو بن عبد الله بن سرح، ثقة تقدم في الرواية رقم [١١٨] . ٥ سنن أبي داود ٣/ ١٦١، كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (٣٠١٩) وقد حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٨٦ رقم (٢٦٠٨) .
[ ٢ / ٦٥٥ ]
المبحث الثاني عشر: في غزوة وادي القرى
١٢٨- أخرج البيهقي١ من طريق الواقدي٢ قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز٣، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى٤، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي٥ قد وهب لرسول الله ﷺ عبدًا أسود
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٤/ ٢٨٠- ٢٨١. والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة. ٢ الذي في مغازي الواقدي ٢/ ٧٠٩- ٧١١ قوله: وكان أبو هريرة يحدث قال: (خرجنا ) فساقه بتمامه. ٣ هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي أبو محمد المدني الأُمامي بالضم، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة اثنتين وستين وهو ابن بضع وسبعين، م، التقريب ٣٤٥. ٤ وادي القرى: واد بين المدينة والشام، وهو بين تيماء وخيبر فيه قرى كثيرة، ويعرف اليوم بوادي العلا، وهي مدينة عامرة شمال المدينة على قرابة (٣٥٠) كيلًا، معجم البلدان ٤/ ٣٣٨، ومعجم المعالم الجغرافية ٢٥٠. ٥ رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي، قال ابن إسحاق: "قدم على النبي ﷺ في هدنة الحديبية قبل خيبر فأسلم وحسن إسلامه، وأهدى للنبي ﷺ غلامًا". الإصابة ١/ ٥١٨.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
يقال له مِدْعَم١، وكان يرحل٢ لرسول الله ﷺ، فلما أن نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود وقد ثوى٣ إليها ناسٌ من العرب، فبينما مدعم يحطّ رحل رسول الله ﷺ وقد استقبلنا يهود بالرمي حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر٤ أصاب مدعمًا فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال النبي ﷺ: "كلا والذي نفسي بيده إن الشملة٥ التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقسم لتشتعل عليه نارًا". فلما سمع بذلك الناس جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ بشراكٍ٦ أو
_________________
(١) ١ هو: مدعم الأسود، مولى رسول الله ﷺ كان مولَّدًا، أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله ﷺ، وهو الذي أصابه سهم عائر فقتله. وقال البلاذري:" يقال: إنه يكنى أبا إسلام، ويقال: إن أبا إسلام غيره، قال: ويقال: إنما أهداه فروة بن عمر الجذامي، الإصابة ٣/ ٣٩٤، ومِدْعَم: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة –"، الفتح (٧/ ٤٨٩) . ٢ الرحل: مركب البعير، وارتحله حط عليه الرحل، القاموس، مادة (رحل) . والمعنى: أنه يشد الرحل على البعير إذا ارتحل وينزعه إذا ثوى. ٣ وقد ثوى: المثوى المنزل، من ثوى بالمكان إذا أقام فيه. النهاية ١/ ٢٣٠. ٤ عائر: - بعين مهملة بوزن فاعل -، أي لا يُدرى من رمى به. الفتح ٧/ ٤٨٩. ٥ الشملة: كساء يتغطى به ويتلفف فيه. النهاية ٢/ ٥٠١. ٦ الشراك: - بكسر المعجمة وتخفيف الراء -: سير النعل على ظهر القدم. الفتح ٧/ ٤٨٩.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
شراكين، فقال النبي ﷺ: "شراك من نار أو شراكان من نار"١.
وعبّى رسول الله ﷺ أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد ابن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا٢ أموالهم، وحقنوا٣ دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجلٌ منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه عليّ فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلًا، كلما قتل منهم رجلٌ دعا من بقي إلى الإسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذٍ، فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله. فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوةً، وغنمه الله أموالهم، وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا، فأقام رسول
_________________
(١) ١ إلى هنا أخرجه البخاري (البخاري مع الفتح ٧/ ٤٨٧ رقم (٤٢٣٤) ومسلم رقم (١١٥)، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٨)، ومالك (الموطأ ١/ ٤٥٩ رقم ٢٥)، وأبو داود رقم (٢٧١١)، والنسائي (٧/ ٢٤) وابن حبان رقم (٤٨٥١)، والبيهقي في السنن (٩/ ١٠٠)، والبغوي في شرح السنة رقم (٢٨٢٢)، وفي معالم التنزيل (١/ ٣٦٧) كلهم من حديث أبي هريرة من غير طريق الزهري، وبألفاظ فيها اختلاف يسير، والمعنى واحد. ٢ أحرزوا يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازًا: إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. النهاية ٢/ ٣٦٦. ٣ حقنوا دماءهم: يقال: حقنت له دمه إذا منعت من قتله وإراقته. النهاية ٢/ ٤١٦.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بأيدي يهود، وعاملهم عليها،
فلما بلغ يهود تيماء١ ما وطئ به رسول الله ﷺ فَدَك٢ ووادي القرى، صالحوا رسول الله ﷺ على الجزية، وأقاموا بأيديهم وبأموالهم.
فلما كان عمر بن الخطاب أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز٣، وأن ما وراء ذلك من الشام. فانصرف رسول الله ﷺ راجعًا بعد أن فرغ من وادي القرى وغنمه الله٤.
_________________
(١) ١ تيماء: مدينة تقع شمال المدينة على بعد (٤٢٠) كيلًا. المعالم الأثيرة ٧٤. ٢ فدك: - بالتحريك وآخره كاف - معجم البلدان ٤/ ٢٣٨، وهي اليوم قرية شرقي خيبر على وادٍ يذهب سَيله مشرقًا إلى وادي الرُّمة، تعرف اليوم بالحائط. معجم المعالم الجغرافية ص ٢٣٥. ٣ الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، لأنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين نجد والسراة أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس: حرة بني سليم، وواقم وليلى، وشوران، والنار. القاموس، مادة (حجز) . ٤ ونقله الذهبي في تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٤٤١، عن الواقدي قال: حديث عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره. ونقله ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٢١٨.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
المبحث الثالث عشر: في رجوع النبي ﷺ وأصحابه من خيبر ونومهم عن صلاة الصبح
١٢٩- قال الإمام مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التُّجِيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر١، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى٢ عرّس٣، وقال لبلال: "اكلأْ لنا الليل"٤، فصلى بلال ما قدِّر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر٥، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستندٌ إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ فقال: "أي بلال"، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي
_________________
(١) ١ سيأتي أن ذلك قد وقع في غزوات أخرى. ٢ أدركه الكرى: أي النوم. النهاية ٤/ ١٧٠. ٣ التعريس: نزول المسافر آخر الليل، نزلة للنوم والاستراحة. النهاية ٣/ ٢٠٦. ٤ الكلاءة: الحفظ والحراسة. النهاية ٤/ ١٩٤. ٥ مواجه الفجر: أي مستقبله بوجهه. شرح النووي على مسلم ٥/ ١٨٢.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
يا رسول الله - بنفسك، قال: "اقتادوا"١ فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿َأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢".
_________________
(١) ١ اقتادوا: أي جروا رواحلكم خلفكم. النهاية ٤/ ١١٩. ٢ الآية من سورة طه رقم (١٤) . والحديث أخرجه أيضًا أبو داود رقم (٤٣٥) في الصلاة: باب من نام عن الصلاة أو نسيها. ومن طريقه أخرجه أبو عوانة ٢/ ٢٥٣، والبيهقي في السنن ١/ ٤٠٣ و٢/ ٢١٧، وفي الدلائل ٤/ ٢٧٢. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ٥/ ٤٢٢ رقم (٢٠٦٩)، وأخرجه ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا، ابن هشام ٢/ ٣٤٠، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٣، كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا، ومن طريقه أخرجه الشافعي في المسند ١/ ٥٥ رقم (١٦٢) . وقد وردت روايات أخرى من غير طريق الزهري أن ذلك كان زمن الحديبية، انظر: سنن أبي داود رقم (٤٤٧)، ومسند أحمد ٦/ ١٧٠، رقم [٣٦٥٧] أرناؤوط، وابن أبي شيبة ٢/ ٦٤، والطبري في تفسيره ٢٦/ ٦٩، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٢٧٤- ٢٧٥. وورد أيضًا أن ذلك كان في غزوة تبوك، انظر: مغازي الواقدي ٣/ ١٠١٥، عن عقبة بن عامر، ودلائل البيهقي ٤/ ٢٧٥. ويمكن الجمع بين الروايات بالقول بتعدد القصة، انظر: شرح النووي على مسلم ٥/ ١٨١- ١٨٢، وفتح الباري ١/ ٤٤٩، وانظر: مرويات غزوة الحديبية للحكمي ص ٢٤٣ وما بعدها.
[ ٢ / ٦٦١ ]
قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: "للذكرى"١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ١٨١.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
المبحث الرابع عشر: في سرية أبان بن سعيد بن العاص إلى نجد.
المبحث الرابع عشر: سرية أبان بن سعيد بن العاص إلى نجد
١٣٠- أخرج سعيد بن منصور قال: ثنا ابن عياش١، عن محمد ابن الوليد الزُّبيدي٢، عن الزهري أن عنبسة بن سعيد٣ أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص٤ أن رسول الله ﷺ بعث٥ أبان بن سعيد بن العاص٦ على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان بن سعيد
_________________
(١) ١ هو: إسماعيل بن عياش، تقدم في الرواية رقم [١٠٥] ص ٤٧٣. ٢ هو: محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي - بالزاي الموحدة، مصغر - أبو الهذيل الحمصي، القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من السابعة، ت سنة ست - أو سبع أو تسع - وأربعين، خ م د س ق، التقريب ٥١١. ٣ هو: عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أخو عمر الأشدق، ثقة، من الثالثة، وكان عند الحجاج بالكوفة، مات على رأس المائة تقريبًا، خ م د، التقريب ٤٣٢. ٤ هو: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، قتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبي ﷺ تسع سنين، وذكر في الصحابة، وُلِّي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، ت سنة ثمان وخمسين وقيل غير ذلك، بخ م مد س فق، التقريب ٢٣٧. ٥ لم تذكر المصادر زمنًا معينًا لهذه السرية، لكنه يفهم من النص أن هذه السرية كانت في الزمن الذي حصلت فيه غزوة خيبر في المحرم من السنة السابعة (انظر: تاريخ غزوة خيبر من هذه الرسالة)، كما أن المصادر لم تحدد الجهة التي ذهبت إليها هذه السرية على وجه الدقة، ولا ذكرت نتائجها أو عدد رجالها. ٦ هو: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي قال البخاري وأبو حاتم الرازي: له صحبة أسلم أيام خيبر وشهدها مع النبي ﷺ، فأرسله النبي ﷺ في سرية، قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة. الإصابة (١/ ١٣) .
[ ٢ / ٦٦٣ ]
وأصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر بعد أن فتحها، وإنَّ حُزُم١ خيلهم لَلِيف٢، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أبان: أنت بها يا وَبْرُ٣ تَحَدَّرَ٤ علينا من رأسِ ضال٥. فقال النبي ﷺ: "اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول الله ﷺ"٦.
_________________
(١) ١ حُزُم: - بمهملة وزاي مضمومتين -، فتح الباري ٧/ ٤٩٢ هو ما يشد به وسط الفرس، القاموس (حزم) . ٢ الليف: ليف النخل معروف، القطعة منه ليفة. القاموس (ليف) . ٣ الْوَبْرُ: بفتح الواو وسكون الموحدة؛ دابة صغيرة كالسنور وحشية. الفتح ٧/ ٤٩٢. ٤ تَحَدَّر: أي تدلى وتدأدأ - بمهملتين بينهما همزة ساكنة - الفتح ٧/ ٤٩٢. ٥ الضال: هو السدر البري، الفتح ٧/ ٤٩٢، ووقع في رواية البخاري رقم (٤٢٣٧) (واعجبًا لوبرٍ تدلى من قدوم ضأن) قال الحافظ: "وأما الضأن، فقيل: هو رأس الجبل؛ لأنه في الغالب موضع مرعى الغنم، وقيل: هو بغير همز، وهو جبل لدوس قوم أبي هريرة. الفتح ٧/ ٤٩٢. وأراد أبان من ذلك تحقير أبي هريرة، وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع. وأنه قليل القدرة على القتال. الفتح ٧/ ٤٩٢. ٦ سنن سعيد بن منصور ٢/ ٢٨٥- ٢٨٦ رقم (٢٧٩٣) . ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه أبو داود في سننه رقم (٢٧٢٣) وابن الجارود (١٠٨٨) والبيهقي في السنن ٦/ ٣٣٤، وفي معرفة السنن والآثار ١٣/ ١٦٣ رقم (٧٧٧٦)، وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٥٩١) عن أبي عتبة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، وأخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٣٤) والطبراني في الأوسط رقم (٣٢٤٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٤، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٤٧، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٢٧٣) من طريق الوليد بن مسلم قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره، ومن طريق الوليد بن مسلم أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم: ٤٨١٤) . وقد أخرجه البخاري تعليقًا عن الزبيدي فقال: "ويذكر عن الزبيدي عن الزهري فذكره". قال الحافظ ابن حجر: " وطريقه هذه وصلها أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش عنه، ووصلها أيضًا أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل أيضًا. فتح الباري ٧/ ٤٩١. وقد قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢٠ رقم (٢٣٦٤): "صحيح". وأخرج هذه الرواية البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٥٢، من طريق الزهري، وفيها أن الذي بعثه الرسول ﷺ هو سعيد بن العاص، وليس أبان بن سعيد، والصحيح الأول.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
_________________
(١) في السنن ٦/ ٣٣٤، وفي معرفة السنن والآثار ١٣/ ١٦٣ رقم (٧٧٧٦)، وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٥٩١) عن أبي عتبة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، وأخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٣٤) والطبراني في الأوسط رقم (٣٢٤٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٤، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٤٧، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٢٧٣) من طريق الوليد بن مسلم قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره، ومن طريق الوليد بن مسلم أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم: ٤٨١٤) . وقد أخرجه البخاري تعليقًا عن الزبيدي فقال: "ويذكر عن الزبيدي عن الزهري فذكره". قال الحافظ ابن حجر: " وطريقه هذه وصلها أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش عنه، ووصلها أيضًا أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل أيضًا. فتح الباري ٧/ ٤٩١. وقد قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢٠ رقم (٢٣٦٤): "صحيح". وأخرج هذه الرواية البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٥٢، من طريق الزهري، وفيها أن الذي بعثه الرسول ﷺ هو سعيد بن العاص، وليس أبان بن سعيد، والصحيح الأول.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
المبحث الخامس عشر: في عمرة القضاء١
١٣١- قال أبو يعلى: حدثنا أبو بكر بن زنجويه٢، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة آخذ بِغَرْزِه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله قد أنزل الرحمن في تنزيله
_________________
(١) ١ قال الحافظ: "اختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء، فقيل المراد ما وقع من المقاضاة بين المسلمين والمشركين من الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية، وقال آخرون: بل كان قضاء عن العمرة الأولى"، وقال السهيلي: "سميت عمرة القضاء لأنه قاضى فيها قريشًا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صُدَّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامةً. ولهذا عدوا عُمَرَ النبي ﷺ أربعًا". فتح الباري ٧/٥٠٠. وقد عدها العلماء من المغازي ووجه ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: "ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ خرج مستعدًا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر فبلغهم ذلك ففزعوا، فلقيه مكرز فأخبره بأنه باق على شرطه". الفتح ٧/ ٤٩٩- ٥٠٠. ثم قال الحافظ: "ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة"، المصدر السابق. وقال ابن الأثير: "أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها كانت مُسَبّبة عن غزوة الحديبية"، المصدر السابق. ٢ هو: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي أبو بكر الغزَّال، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين، ع، التقريب ٤٩٤.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
بأن خير القتل في سبيله١
١٣٢- قال البيهقي٢: وأخبرنا أبو الحسين٣ بن الفضل القطان،
_________________
(١) ١ مسند أبي يعلى (٦/ ٢٧٣- ٢٧٤) رقم (٣٥٧٩) والحديث أخرجه أيضًا أبو يعلى في المعجم رقم (٣٥٧٩) . وقد أخرجه أبو زرعة الدمشقي رقم (١١٥٣)، والفاكهي في أخبار مكة، رقم (١٩٢٢)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٢٢٨)، وفي الدلائل (٤/ ٣٢٢)، وشرح السنة للبغوي (١٢/ ٣٧٥) رقم (٣٤٠٥) كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس به، وسنده صحيح. وقد أخرجه الترمذي رقم (٢٨٤٧) من طريق جعفر بن سليمان، ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضًا عن معمر عن الزهري عن أنس نحو هذا، ورُوِيَ في غير هذا الحديث أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث، لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك، سنن الترمذي (٥/ ١٣٩) رقم (٢٨٤٧) . قال الحافظ ابن حجر: "قلت: وهو ذهول شديد وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد وكيف يخفى عليه - أعني الترمذي - مثل هذا؟ ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي ما تقدم. والله أعلم". اهـ. الفتح (٧/ ٥٠٢) . ٢ دلائل البيهقي ٤/ ٣١٤. ٣ سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية رقم [٥٠] .
[ ٢ / ٦٦٧ ]
قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة١ عن ابن شهاب - قال: ثم خرج رسول الله ﷺ من العام القابل من عام الحديبية معتمرًا في ذي القعدة سنة سبع وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يَأْجَجْ٢ وضع الأداة كلها؛ الحُجُف٣ والمجان٤ والرماح والنبل ودخلوا بسلاح الراكب؛ السيوف، وبعث رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية٥
_________________
(١) ١ سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية رقم [٥٠] . ٢ يَأْجَجْ: - بتحتية، فهمزة ساكنة، فجيمين، الأولى مفتوحة، وقد تكسر - وهو وادٍ قريب من مكة. سبل الهدى والرشاد ٥/ ١٩٨. ٣ الحجفة: الترس. النهاية ١/٣٤٥. ٤ المجن والمجان: وهو الترس أيضًا والتّرسة والميم زائدة، لأنه من الجُنَّة. النهاية ٤/ ٣٠١. ٥ هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، أم المؤمنين، أخت أم الفضل - لبابة - كان اسمها برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي رهم بن عبد العزى العامري، وقيل: عند سخبرة بن أبي رهم المذكور، وقيل: عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة أخيه، تزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية. الإصابة ٤/ ٤١١.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث١، فزوجها العباس رسول الله ﷺ، فلما قدم رسول الله ﷺ أمر أصحابه فقال: "اكشفوا عن المناكب، واسعوا في الطواف" ليرى المشركون جلدهم وقوتهم، وكان يكابدهم بكل ما استطاع، فاستكف٢ أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشحًا٣ بالسيف يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله٤
_________________
(١) ١ هي: لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية - أم الفضل - وهي أخت ميمونة أم المؤمنين، زوج العباس بن عبد المطلب، ووالدة أولاده: الفضل وعبد الله وغيرهما، وهي لبابة الكبرى مشهورة بكنيتها، ومعروفة باسمها. الإصابة ٤/ ٣٩٨. ٢ استكف به الناس: إذا أحدقوا به، واستكفوا حوله ينظرون إليه. النهاية ٤/ ١٩٠. ٣ متوشحًا بالسيف: توشح بسيفه وثوبه: تقلد. القاموس (وشح) . ٤ عند ابن إسحاق: (ابن هشام ٢/ ٣٧١): نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله قال ابن هشام: "نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الأبيات، لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل، وإنما يقتل بالتأويل من أقر بالتنزيل". المصدر السابق. قال الحافظ ابن حجر: "وزعم ابن هشام في مختصر السيرة أن قوله: "نحن نضربكم على تأويله" إلى آخر الشعر، من قول عمار بن ياسر قاله يوم صفين، قال: ويؤيده أن المشركين لم يقروا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل، انتهى. وإذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: نحن نضربكم على تأويله، أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل، ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه، وإذا كان ذلك محتملًا وثبتت الرواية سقط الاعتراض، نعم الرواية التي جاء فيها: "فاليوم نضربكم على تأويله" يظهر أنها قول عمار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة، لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرواية: نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله يشير بكل منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز، ويقول هذه اللفظة، ومعنى قوله: "نحن ضربناكم على تنزيله" أي في عهد الرسول فيما مضى، وقوله: "واليوم نضربكم على تأويله" أي الآن وجاز تسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. والله أعلم". اهـ. كلام الحافظ. الفتح ٧/ ٥٠١.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ضربا يزيل الهام١ عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين كراهية أن ينظروا إلى
_________________
(١) ١ الهام: جمع هامة وهي أعلى الرأس. ومقيله: موضعه، مستعار من موضع القائلة. النهاية ٤/ ١٣٤.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
رسول الله ﷺ غيظًا وحنقًا١ ونفاسة، وحسدًا، خرجوا إلى الخَنْدَمَة٢ فقام رسول الله ﷺ بمكة وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية، فلما أصبح رسول الله ﷺ من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى٣ ورسول الله ﷺ في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك، ليس بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يخرج، ثم نادى رسول الله ﷺ سهيلًا وحويطبًا فقال: إني نكحت فيكم امرأة، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونصنع ونضع الطعام فنأكل وتأكلون معنا، قالوا: نناشدك الله
_________________
(١) ١ الحنق: الغيظ، يقال حنق عليه - بالكسر - يحنق فهو حنق، وأحنقه غيره فهو محنق. النهاية ١/ ٤٥١. ٢ الخندمة: - بفتح الخاء المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال والميم ثم هاء - وهي: جبال مكة الشرقية، تبدأ من أبي قبيس شرقًا وشمالًا، وقد شقت اليوم أنفاق عبر جبال الخنادم تدخل من عند المسجد الحرام وتخرج عند (محبس الجن) بطرف العزيزية الغربي. معجم المعالم الجغرافية ١١٥. ٣ هو: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي القرشي العامري أبو محمد أو أبو الأصبغ، أسلم عام الفتح وشهد حنينًا، وكان من المؤلفة توفي في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين. الإصابة ١/ ٣٦٤.
[ ٢ / ٦٧١ ]
والعقد إلا خرجت عنا، فأمر رسول الله ﷺ حتى نزل ببطن سَرِف١، وأقام المسلمون، وخلّف رسول الله ﷺ أبا رافع٢ ليحمل ميمونة إليه حين يمسي، فأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة، وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم، فقدمت على رسول الله ﷺ بسرف، فبنى بها ثم أدلج٣ فسار حتى قدم المدينة، وقدّر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها، وذكر قصة ابنة حمزة٤، وذكر أن الله عزوجل أنزل في تلك العمرة: ﴿الشَّهرُ الحَرَامُ
_________________
(١) ١ سَرِف: - بفتح السين وكسر الراء وفاء -: هو وادٍ متوسط الطول من أودية مكة يأخذ مياه ما حول الجعرانة - شمال شرقي مكة - ثم يتجه غرباَ، وبه مزارع منها (ثُرَير)، فيمر على (١٢) كيلًا شمال مكة، وحيث يقطع الطريق هناك يوجد قبر السيدة ميمونة أم المؤمنين على جانب الوادي الأيمن. معجم المعالم الجغرافية ١٥٧. ٢ أبو رافع القبطي: مولى رسول الله ﷺ يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: يسار، وقيل: صالح، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قرمان، وقيل: يزيد، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، قيل: كان مولى العباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي ﷺ فأعتقه لما بشره بإسلام العباس، كان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها، مات بالمدينة قبل عثمان بيسير. الإصابة (٤/ ٦٧) . ٣ أدلج: أي: سار بالليل. النهاية (٢/ ١٢٩) . ٤ اسمها: عمارة، وقيل: فاطمة، وقيل: أمامة، وقيل: أمة الله، وقيل: سلمى، والأول هو المشهور. الفتح (٧/ ٥٠٥)، وانظر: قصة ابنة حمزة في صحيح البخاري حديث رقم (٤٢٥١) .
[ ٢ / ٦٧٢ ]
بِالشَّهْرِ الحَرَامِ والحُرُمَاتُ قِصَاص﴾ ١، فاعتمر رسول الله ﷺ في الشهر الحرام الذي صدّ فيه"٢.
هذا لفظ حديث موسى بن عقبة، وفي رواية عروة عند قول سعد بن عبادة: "والله لا يخرج منها، إلا طائعًا راضيًا. قال: فقال رسول الله ﷺ وضحك: "لا تؤذ قومًا زارونا في رحالنا"، ثم ذكر الباقي بمعناه، ولم يذكر رجز عبد الله بن رواحة ولا قول من قال فزوجها العباس.
١٣٣- وأخرج الواقدي عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة سنة سبع أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا، وخرج مع رسول الله
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية (١٩٤) . ٢ وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٣، رقم ٩٧٣٨) عن الزهري مرسلًا القدر المتعلق بمكث النبي ﷺ ثلاثًا وخروجه بعد انقضائها. وأخرجه الطبراني إلى قوله: " غيظًا وحنقًا" انظر: المجمع (٦/ ١٤٦- ١٤٧) وقال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح" وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٠) القدر الذي يتعلق بزواج ميمونة، كلهم عن الزهري مرسلًا. واعتمار النبي ﷺ في ذي القعدة ومكثه ثلاثة أيام وخروجه بعد ذلك، ذكره البخاري في الصحيح رقم (٤٢٥١)، ومسلم بشرح النووي (٩/ ١٠) . وأخرجها الواقدي في المغازي (٢/ ٧٣١) عن شيوخه ومنهم الزهري.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
ﷺ قوم من المسلمين سوى أهل الحديبية ممن لم يشهد صلح الحديبية عُمَّارًا فكان المسلمون في عمرة القضية ألفين١.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي (٢/ ٧٣١) والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة. وقال الحاكم في الإكليل: "تواترت الأخبار أنه ﷺ لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان". فتح الباري (٧/ ٥٠٠) .
[ ٢ / ٦٧٤ ]
المبحث السادس عشر: في سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سُليم.
١٣٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جَدِّي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: "ثم غزا٢ ابن أبي العوجاء٣ - وفي رواية القطان - ثم غزوة ابن أبي العوجاء – السلمي في ناس بعثهم رسول الله ﷺ إلى أرض بني سُليم،
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمة رجال إسناد هذه الرواية في الرواية السابقة رقم [٥٠] . ٢ كانت بعد رجوع النبي ﷺ من عمرة القضية في ذي الحجة سنة سبع، مغازي الواقدي، ٢/ ٧٤١. ٣ هو: الأخرم بن أبي العوجاء السلمي الشامي، الإصابة (١/ ٢٥)، قال الحافظ: روي عن الزهري أن النبي ﷺ بعث الأخرم هذا في سنة سبع سرية في خمسين رجلًا إلى بني سُليم فقتل عامتهم وتوصل ابن أبي العوجاء جريحًا، ويحتمل أن يكون هو محرز بن نضلة. الإصابة (١/ ٢٥) .
[ ٢ / ٦٧٥ ]
فقُتل١ هو وأصحابه"٢.
١٣٥- وقال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم٣، عن الزهري، قال: "لما رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضية رجع في ذي الحجة سنة سبع بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلًا إلى بني سُليم وكان عين بني سُليم معه، فلما جمعوا جمعًا كثيرًا، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما رآهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا من كل ناحية، فقاتل القوم قتالًا شديدًا حتى قُتل عامتهم، وأصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحًا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان"٤.
ض
_________________
(١) ١ وفي رواية الواقدي في المغازي (٢/ ٧٤١)،أن ابن أبي العوجاء لم يقتل وإنما جرح ثم تحامل حتى أتى الرسول ﷺ، وذكر ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦١٢) أنه أصيب هو وأصحابه. ٢ دلائل النبوة (٤/ ٣٤١) وسندها حسن إلى الزهري. ٣ هو: ابن أخي الزهري، صدوق له أوهام، تقدم في الرواية رقم [١٠] . ٤ مغازي الواقدي (٢/ ٧٤١) والواقدي متروك؛ فالرواية ضعيفة، ومن طريق الواقدي أخرجها ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٧٥) والبيهقي في الدلائل (٤/ ٣٤١- ٣٤٢)، وابن كثير في البداية (٤/ ٢٣٥)، وذكرها أيضًا ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٢٣)، والطبري في التاريخ (٣/ ٢٦)، والذهبي في المغازي (ص: ٤٦٩) .
[ ٢ / ٦٧٦ ]
المبحث السابع عشر: في سرية كعب بن عمير الغفاري إلى قضاعة من ناحية الشام.
١٣٦- قال الواقدي: ثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري قال: "بعث١ رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري٢ في خمسة عشر رجلًا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح٣ من الشام، فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشد القتال، حتى قُتلوا فأفلت منهم رجل٤ جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وهمَّ بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم"٥.
_________________
(١) ١ ذكر ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٢٧) أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ثمان. ٢ كعب بن عمير الغفاري قال أبو عمر: "من كبار الصحابة، أمَّره النبي ﷺ على سرية فقتل " الإصابة (٣/ ٣٠١) . ٣ ذات أطلاح: موضع من وراء وادي القرى إلى المدينة أغزاه رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في شهر ربيع الأول سنة ثمان. المعالم الأثيرة (٣٠) . ٤ في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبي الأسود عن عروة؛ كما في الإصابة (٣/ ٣٠١) أن الذي تحامل على جرحه هو كعب بن عمير. ٥ مغازي الواقدي (٢/ ٧٥٢- ٧٥٣) والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة، ومن طريق الواقدي أخرجها ابن سعد في الطبقات (٢ / ١٢٧)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٣٥٧)، وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام قسم المغازي (٤٧٧) . وأخرجها موسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالا: بعث النبي ﷺ كعب بن عمير الغفاري نحو ذات أطلاح من البلقاء، فأصيب كعب ومن معه. انظر: الإصابة (٣/ ٣٠١) .
[ ٢ / ٦٧٧ ]
المبحث الثامن عشر: في سرية ذات السلاسل
١٣٧- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: ثم إن رسول الله ﷺ بعدما هاجر وجاء الذين كانوا بأرض الحبشة، بعث بعثين قِبَل الشام إلى كَلْب٢ وبَلْقَين٣ وغَسّان٤ وكفار العرب الذين في مشارف الشام، فأمّر رسول الله ﷺ على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجراح٥ وهو
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٥٢) رقم (٩٧٧٠)، وهي رواية صحيح إلى الزهري، لكنها مرسلة. ٢ هو: كلب بن وبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة، جمهرة أنساب العرب (٣٥٢ و٤٥٥) . ٣ بلقين: أو بنو القين: وهو النعمان بن جَسْر بن شيع الله بن أسد بن وبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. جمهرة أنساب العرب (٤٥٤) . ٤ غسان: طوائف نزلوا بماء يقال له: "غسّان"، فنسبوا إليه. جمهرة أنساب العرب (٤٦٢) . وهذه الطوائف والبطون من الأزد، منهم: بنو امرئ القيس، وجُهادة، وعدي، وعمرو، والجريش، وغيرهم من البطون، انظر: جمهرة أنساب العرب (٤٧٢) . ٥ هو: عامر بن عبد الرحمن بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري، أبو عبيدة، كان إسلامه قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا. الإصابة (٢/ ٢٥٢) .
[ ٢ / ٦٧٨ ]
أحد بني فهر، وأمّر على البعث الآخر عمرو بن العاص١، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبو بكر وعمر، فلما كان عند خروج البعثين دعا رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص فقال لهما: "لا تعاصيا"٢، فلما فصلا عن المدينة جاء أبو عبيدة فقال لعمرو بن العاص: إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أن لا نتعاصيا فإما أن تطيعني وإما أن أطيعك، فقال عمرو بن العاص: بل أطعني، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو أمير البعثين كليهما، فوجد من ذلك عمر بن الخطاب وجدًا شديدًا، فكلم أبا عبيدة فقال: أتطيع ابن النابغة٣ وتؤمّره على نفسك وعلى أبي بكر وعلينا ما هذا الرأي، فقال أبو عبيدة لعمر بن الخطاب: ابن أم، إن رسول الله ﷺ عهد إليّ وإليه أن لا نتعاصيا فخشيت إن لم أطعه أن أعصي رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، أمير مصر، يكنى أبا عبد الله، وأبا أحمد، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل بين الحديبية وخيبر. الإصابة ٣/٢. ٢ العصيان: خلاف الطاعة، عصاه يعصيه عَصْيًا، ومعصية، وعصاه، فهو عاص وعصي. القاموس (عصى) . ٣ النابغة: أم عمرو بن العاص ﵁، وهي من بني عَنَزَة - بفتح المهملة والنون - انظر: الإصابة (٣/٢) .
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وشكى إليه ذلك. فقال رسول الله ﷺ: "ما أنا بمؤمريها١ عليكم إلا بعدكم"، يريد المهاجرين، وكانت تلك الغزوة تسمَّى ذات السَّلاسِل٢ أسر فيها ناس كثيرة من العرب، وسُبُوا٣.
_________________
(١) ١ هكذا في نص المصنف، ولعل الصواب: (بمؤثر بها) كما قال محقق المصنف (٥/ ٤٥٣ ح: ٦) . ٢ ذات السلاسل: - بالمهملتين، والمشهور أنها بفتح الأول على لفظ جمع السلسلة - فتح الباري (٧/ ٢٦) شرح حديث (٣٦٦٢)، وسميت بذلك لأن المكان الذي كانت فيه هذه المعركة كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة. فتح الباري (٧/ ٢٦)، وضبطها ابن الأثير - بضم السين الأولى وكسر الثانية - النهاية (٢/ ٣٨٩)، وذكر سبب تسميتها فقال: ماء بأرض جذام وبه سميت الغزوة وهو في اللغة الماء السلسال، وقيل: هو بمعنى السلسال. النهاية (٢/ ٣٨٩) . وقد سبق ابن إسحاق ابن الأثير في ذكر سبب تسميتها فذكر أنها سميت بذلك لماء بأرض جذام، يقال له: السلسل. ابن هشام (٢/ ٦٢٣) . وقيل: بل سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، فتح الباري (٨/ ٧٤) . وقد ذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام وأنها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. الطبقات الكبرى (٢/ ١٣١)، وقال النووي: وكانت هذه الغزوة في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وكانت مؤتة قبلها في جمادى الأولى من سنة ثمان أيضًا، قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: "كانت ذات السلاسل بعد مؤتة فيما ذكره أهل المغازي، إلا ابن إسحاق فقال قبلها". شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٥٣) . ٣ هذه السرية أشار إليها البخاري رقم (٤٣٥٨) ومسلم بشرح النووي (١٥/ ٢٥٣)، ولكن بدون تفصيل. وانظر هذه السرية في مغازي عروة (ص: ٢٠٧)، من طريق موسى بن عقبة عن عروة وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦٢٣)، ومغازي الواقدي (٢/ ٧٦٩- ٧٧١) والطبقات الكبرى (٢/ ١٣١)، ومسند أحمد (الفتح الرباني ٢١/ ١٣٩- ١٤٠) من مرسل الشعبي وتفاصيل السرية رويت بطرق كلها مرسلة، ولكن أصلها ثابت في الصحيحين كما سبق. وكان من شأن هذه السرية ما ذكره الواقدي وملخصها: أن أبا عبيدة أطاع عمرًا فآب إلى عمرو جمعٌ، فصاروا خمسمائة، فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بَليٍّ ودوّخَها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليّ وعُذْرة وبَلْقَيْن، ولقي في آخر ذلك جمعًا ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا وأعجزوا هربًا في البلاد وتفرقوا، ودوّخ عمرو ما هنالك وأقام أيامًا لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنّعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تُقسم إلا ما ذكر له. مغازي الواقدي (٢/ ٧٧١)، ودلائل البيهقي (٤/ ٤٠١)، والبداية والنهاية (٤/ ٢٧٣) .
[ ٢ / ٦٨٠ ]
المبحث التاسع عشر: في سرية مؤتة.
المطلب الأول: في تأريخها وتعيين الأمراء لجيش مؤتة.
المبحث التاسع عشر: في سرية مُؤْتَة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في تأريخها وتعيين الأمراء لجيش مؤتة.
[ ٢ / ٦٨١ ]
١٣٨- وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فإن قتل فليرتض١ المسلمون منهم رجلًا فيجعلوه عليهم"٢.
١٣٩- أخرج الطبراني عن ابن شهاب قال: ثم بعث النبي ﷺ جيشًا إلى مؤتة٣ وأمَّر٤ عليهم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر
_________________
(١) ١ اصطلح الناس وارتضوا خالد بن الوليد، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٧٩- ٣٨٠)، وانظر: دلائل البيهقي (٤/ ٣٦٤)، والبداية والنهاية (٤/ ٢٤٥) . وقال ابن هشام: "فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى قفل إلى النبي ﷺ". (ابن هشام: ٢/ ٣٨٣) . ٢ سبل الهدى والرشاد للشامي (٦/ ١٤٤)، وسنده ضعيف. وقد استقرأت مغازي الواقدي، فلم أجده. ٣ مؤتة: - بضم الميم وسكون الواو بغير همز - لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، ومنهم من همزها وبه جزم الجوهري وابن فارس. فتح الباري (٧/ ٥١٠)، وانظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢٦٨) ومجمل اللغة لابن فارس (٢/ ٨١٩) . ثم قال ابن حجر: "وأما الموتة التي ورد الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز، الفتح (٧/ ٥١٠)، وهي الآن تقع شرق الأردن على مسيرة أحد عشر كيلًا جنوب الكرك، إذا سرت من معان إلى عَمَّان كانت مؤتة على يسارك إذا كنت في منتصف المسافة، وقربها مكان يدعى المزار، وفيها قبر جعفر ﵁. انظر: معجم المعالم الجغرافية للبلادي (٣٠٤) "، والمعالم الأثيرة (٢٣٧) . ٤ قوله: وأمر عليهم: ورد ما يشهد له من حديث عبد الله بن عمر ﵁ عند البخاري في صحيح انظر:
[ ٢ / ٦٨٢ ]
ابن أبي طالب أميرهم، فان أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة أميرهم، فانطلقوا حتى لقوا ابن أبي سبْر ة الغساني بمؤته وبها جموع من نصارى
_________________
(١) (صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٥١٠ رقم ٤٢٦١) ومن رواية أبي قتادة عند أحمد في المسند (٣٧/ ٢٤٤ رقم [٢٢٥٥١] أرناؤوط)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٥١٢)، والنسائي في فضائل الصحابة (٤٣- ٤٤) حديث رقم (١٤٥)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥/ ٥٢٢، حديث رقم (٧٠٤٨)، والطبراني في تاريخه (٣/ ٤١- ٤٢)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٣٦٧)، وقد كان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف، ذكر ذلك عروة في مغازيه. انظر: دلائل البيهقي (٤/ ٣٦٣)، وابن هشام (٢/ ٣٧٣)، وقد قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص: ٣٩٦) "سنده صحيح". ويشهد له أيضًا ما رواه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٢٧٨ رقم [١٧٥٠] أرناؤوط) من رواية عبد الله بن جعفر والنسائي (٥/ ١٨٠) رقم (٨٦٠٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٠٥- ١٠٦ رقم (١٤٦١) . والواقدي في المغازي (٢/ ٧٥٦)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٢٨)، ونقل ابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال: وأخبرني سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنهم كانوا ستة آلاف من المهاجرين والأنصار وغيرهم. تاريخ دمشق قسم السيرة (٢/ ٩)، أما الروم ومن معهم من قبائل العرب فقد كان عددهم مائة ألف. انظر: مغازي الواقدي (٢/ ٧٦٠)، وطبقات ابن سعد (٢/ ١٢٩) . قال ابن كثير: "وقيل: كان الروم مائتي ألف ومن عداهم خمسون ألفًا، وأقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف، ومن العرب خمسون ألفًا". البداية والنهاية (٤/ ٢٤٢) .
[ ٢ / ٦٨٣ ]
العرب والروم، وبها تَنُوخ١، وبَهْراء٢، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقوا على زرع أخضر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه ابن رواحة فقتل، ثم اصطلح٣ المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد فهزم٤ الله العدو، وأظهر المسلمون، وبعثهم رسول الله ﷺ في جمادى الأولى٥.
_________________
(١) ١ تنوخ: هي من اليمن، وقد اختلف النسابون فيه، والأكثر أنهم من قضاعة، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٥٣)، وتاريخ ابن خلدون (٢/ ٢٤٨)، ونهاية الأرب للقلقشندي (١٧٨)، ومعجم قبائل العرب لكحالة (١/ ١٣٤) . ٢ بهراء: هو بهراء بن عمرو بن الحافي بن قضاعة، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٤٠)، ونهاية الأرب للقلقشندي (١٧٢)، ومعجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (١/ ١١٠) . ٣ اصطلاح المسلمين على خالد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه (انظر: البيهقي في الدلائل ٤/ ٣٦٥، والواقدي في مغازيه ٢/ ٧٦٤، وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٢٩) . ٤ ورد عند البخاري رقم (٣٠٦٣) من حديث أنس مرفوعًا ما يشهد لذلك، فقد جاء فيه: ( ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله عليه) . ٥ مجمع الزوائد للهيثمي (٦/ ١٦٠)، ثم قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقد استقرأت معاجم الطبراني المطبوعة فلم أجده، فلعله في الأجزاء المفقودة من الكبير. وقد كانت هذه السرية في جمادى الأولى سنة ثمان: ذكر ذلك عروة بن الزبير، انظر: دلائل البيهقي (٤/ ٣٥٩)، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٧٣)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٢٨)، وعيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ٢٠٨)، والبداية والنهاية (٤/ ٢٤١) . وذكر ابن عبد البر في الدرر: أنها في جمادى الآخرة. وقد ذكر ابن حجر في الفتح (٧/ ٥١١): أن خليفة بن خياط ذكرها في تاريخه سنة سبع، والذي في تاريخ خليفة (٨٦- ٨٧) أنها في سنة ثمان في جمادى الأولى.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
المطلب الثاني: في بكاء عبد الله بن رواحة ﵁ وسببه.
١٤٠- قال أبو نعيم: حدثنا فاروق١ بن عبد الكبير، حدثنا زياد٢ بن الخليل، حدثنا إبراهيم٣، حدثنا محمد٤ بن فليح، ثنا موسى ابن عقبة عن ابن شهاب قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة، فبكى أهله حين رأوه يبكي، فقال: والله ما بكيت جزعًا من الموت، ولا صبابة٥ لكم، ولكني بكيت من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ٦ فأيقنت أني واردها
_________________
(١) ١ هو: فاروق بن عبد الكبير بن عمر، المحدث المعمر، مسند البصرة، أبو حفص الخطابي البصري، قال عنه الذهبي: "وما به بأس، بقي إلى سنة إحدى وستين وثلاثمائة". السير (١٦/ ١٤٠- ١٤١) . ٢ هو: زياد بن الخليل التستري، قال الخطيب: وذكره الدارقطني فقال: لا بأس به، انظر: تاريخ بغداد (٨/ ٤٨١- ٤٨٢) . ٣ هو: الحزامي صدوق تقدم. ٤ صدوق يهم، تقدم. ٥ الصبابة: الشوق، أو رقته، أو رقة الهوى، القاموس (صبب) . ٦ سورة مريم، آية (٧١) .
[ ٢ / ٦٨٥ ]
ولم أدر أأنجو منها أم لا١.
_________________
(١) ١ الحلية (١/ ١٦٥) تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. وقصة بكاء ابن رواحة أخرجها ابن إسحاق من طريق عروة بن الزبير، انظر: ابن هشام (٢/ ٣٧٣)، ودلائل البيهقي (٤/ ٣٥٨- ٣٦٠)، وأخرجها ابن عساكر من طريق موسى بن عقبة نحوه، انظر: تاريخ دمشق قسم السيرة (٢/ ١٢) .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
المبحث العشرون: في إرسال النبي ﷺ سرية إلى إِضَم وقتلهم رجلًا بعد إسلامه.
١٤١- قال ابن شبة١: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار٢، قال: حدثنا الوليد بن مسلم٣ قال: حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان٤ وغيره عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن موهب٥ عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي٦ قال:
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة (٢/ ٤٤٩) . ٢ أحمد بن عبد الرحمن بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر، بضم الموحدة وسكون المهملة، يكنى أبا الوليد البسري، صدوق تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، ت سنة ثمان وأربعين، ت ق، التقريب (٨١) . ٣ الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع - أول سنة خمس - وتسعين، ع. التقريب (٥٨٤) . ٤ هو: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي، أبو عبد الرحمن المدني، قاضيها، متروك، اتهمه بالكذب أبو داود وغيره، من السابعة، مد ق، التقريب ٣٠٣. ٥ هو عبد الله بن موهب الشامي، أبو خالد، قاضي فلسطين لعمر بن عبد العزيز، ثقة لكنه لم يسمع من تميم الداري، من الثالثة، ع، التقريب ٣٢٥. ٦ هو قبيصة بن ذؤيب - بالمعجمة، مصغر - ابن حلحلة - بمهملتين، بينهما لام ساكنة - الخزاعي، أبو سعيد، أو أبو إسحاق المدني، من أولاد الصحابة، وله رؤية مات سنة بضع وثمانين، ع، التقريب ٤٣٥.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
أرسل رسول الله ﷺ سرية١ فلقوا المشركين بإضم٢ أو قريب منه، فهزم الله المشركين وغشي محلّم بن جثامة الليثي٣ عامر بن الأضبط الأشجعي٤، فلما لحقه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ينته بكلمته حتى قتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فأرسل إلى محلم فقال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " فقال: يا رسول الله إن كان قالها فإنما يعوذ بها وهو كافر، فقال رسول الله ﷺ: "ألا ثقبت عن قلبه؟ " قال: يريد - والله أعلم - إنما كان يعرب عن القلب واللسان، قال ابن سمعان: وإنه قتله محلم رغبة في سلاحه، وفيه نزلت هذه الآية: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ
_________________
(١) ١ كانت هذه السرية قبل فتح مكة؛ انظر: (ابن هشام ٢/٦٢٦) وقال الواقدي: "كان رسول الله ﷺ بعث هذه السرية حين خرج لفتح مكة في شهر رمضان، وكانوا ثمانية نفر". المغازي (١/٦) و(٢/٧٩٦) وتاريخ الطبري (٣/٣٦) . ٢ إِضَم: - بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة - سمي الوادي إضمًا لتضام السيول عنده، حيث تجتمع سيول أودية: بطحان وقناة والعقيق، وتكون مسيلًا واحدًا يصل إلى البحر الأحمر بين الوجه وأملج. المعالم الأثيرة (٢٩) . ٣ هو: محلّم بن جثامة بن قيس الليثي أخو الصعب بن جثامة قال ابن عبد البر: يقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إن محلمًا غير الذي قتل، وأنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير. ويقال: إنه الذي مات في حياة النبي ﷺ ودفن فلفظته الأرض مرة بعد أخرى. الإصابة (٣/ ٣٦٩) . ٤ هو: عامر بن الأضبط الأشجعي ذكره ابن شاهين وغيره، وساق قصة تدل على أنه قتل حين أسلم قبل أن يلقى النبي ﷺ. الإصابة (٢/ ٢٤٧) .
[ ٢ / ٦٨٨ ]
لستَ مؤمنًا﴾ ١ قال الوليد: وأنبأنا أبو سعيد فكان يحدثنا أنه سمع الحسن يقول: إنما نزلت هذه الآية في قتل مرداس الفدكي٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٩٤) . ٢ الحديث ضعيف من هذه الطريق، من أجل عبد الله بن زياد، لكن قد ورد الحديث من غير طريق الزهري، فقد أخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦٢٦) عن عبد الله بن أبي حدود. ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (٣٩/ ٣١٩، رقم: [٢٣٨٨١] أرناؤوط)، والطبري في تفسيره رقم (١٠٢١٢) تحقيق: شاكر، وسنده حسن، فقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث، كما في السيرة النبوية ومسند أحمد، أما عند الطبري فقد ذكره بالعنعنة. وأخرجه الطبري أيضًا برقم (١٠٢١١) من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وفيه عنعنة ابن إسحاق. وقد أخرج البيهقي من طريق شعيب عن الزهري عن عبد الله بن موهب عن قبيصة نحوه، إلا أنه لم يسم محلمًا ولا عامرًا وستأتي هذه الرواية. وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فقد اختلف في سبب نزولها فقد ذكر البخاري في الصحيح رقم (٤٥٩١) من حديث ابن عباس قال: "كان رجل في غُنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ". وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٠، رقم ٢٠٢٣ ورقم ٢٤٦٢) تحقيق شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وأخرجه أيضًا الترمذي في السنن (٥/ ٢٤٠) رقم (٣٠٣٠)، وقال: هذا حديث
[ ٢ / ٦٨٩ ]
_________________
(١) حسن. وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٤٠ رقم ٢٤٢٦)، وحكم عليه بالصحة. وأخرجه الحاكم أيضًا في المستدرك (٢/ ٢٣٥) وصححه. وروى البزار من طريق حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال له: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال النبي ﷺ: كيف لك بلا إله إلا الله غدًا. وأنزل الله هذه الآية". الفتح (٨/ ٢٥٨) وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها بالتعدد. قال الحافظ ابن حجر: "ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبي أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك، وأن اسم القاتل: أسامة بن زيد". الفتح (٨/ ٢٥٨) . قلت: قد أخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (٧/ ٥١٧) رقم (٤٢٦٩) من حديث أسامة بن زيد ﵄ يقول: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرَقَة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدما بلغ النبي ﷺ فقال: "يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذًا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم". وهذه السرية كانت في رمضان سنة سبع كما ذكر ابن حجر في الفتح (٧/٢٥٨) وكان أميرها غالب بن عبد الله الليثي، وقتل أسامة لهذا الرجل في هذه السرية يدل على تعدد القصة. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
١٤٢- قال البيهقي: أخبرنا أبو القاسم١ عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، قال: أخبرنا أبو بكر محمد٢ بن أحمد بن خَنْب، قال: حدثنا محمد٣ بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أيوب٤ بن سليمان ابن بلال، قال: حدثنا أبو بكر٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال٦، عن محمد٧ بن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب (ح) . وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن
_________________
(١) ١ لم أجد له ترجمة. ٢ هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب بن أحمد الدهقان، قال عنه الذهبي في السير (١٥/ ٥٢٣- ٥٢٤): لا بأس به، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (١/ ٢٩٦) . ٣ هو: محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي، أبو إسماعيل الترمذي، نزيل بغداد، ثقة حافظ، لم يتضح كلام أبي حاتم فيه، من الحادية عشرة، مات سنة ثمانين. ت س. التقريب ٤٦٨. ٤ أيوب بن سليمان بن بلال القرشي المدني، أبو يحيى ثقة، لينه الساجي بلا دليل، من التاسعة، مات سنة ١٢٤ هـ، خ، د، س، ت، التقريب ١١٨. ٥ هو عبد الحميد بن عبد الله بن أويس الأصبحي، مشهور بكنيته كأبيه، ثقة من التاسعة، مات سنة ٢٠٢هـ، خ، م، ت، س، التقريب ٣٣٣. ٦ هو سليمان بن بلال التيمي مولاهم، أبو محمد وأبو أيوب المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة ١٧٧ هـ- ع، التقريب ٢٥٠ ٧ هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر التيمي، المدني، مقبول، من السابعة، خ، د، ت، س، التقريب ٤٩٠.
[ ٢ / ٦٩١ ]
يعقوب، قال: حدثنا محمد بن أسامة قال: حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثنا عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب قال: أغار رجل من أصحاب رسول الله ﷺ على سرية من المشركين فانهزمت، فغشي رجل من المسلمين رجلًا من المشركين - وهو منهزم - فلما أراد أن يعلوه بالسيف قال الرجل: لا إله إلا الله، فلم ينزع عنه حتى قتله، ثم وجد في نفسه من قتله، فذكر حديثه لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: " فهلاّ نقّبت عن قلبه؟ " يريد أن يعبر عن القلب اللسان، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى توفي ذلك الرجل القاتل، فدفن فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله ﷺ فقال: "ادفنوه" فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله ﷺ فقال: "ادفنوه" فدفنوه، فأصبح على وجه الأرض، فجاءوا رسول الله ﷺ فحدثوه ذلك. فقال رسول الله ﷺ: "إن الأرض قد أبت أن تقبله، فاطرحوه في غار من الغيران"١.
_________________
(١) ١ الدلائل (٤/٣٠٩) بسند صحيح. وأخرج نحوه ابن إسحاق فقال: وحدثني من لا أتهم عن الحسن البصري، فذكر نحوه، وأخرجه الطبري في تفسيره رقم (١٠٢١١) تحقيق شاكر، متصلًا من طريق ابن إسحاق، ولكن فيه عنعنة ابن إسحاق، وأخرج نحوه البيهقي في الدلائل (٤/٣١٠) من طريق يونس بن بكير عن البراء بن عبد الرحمن الغنوي عن الحسن مرسلًا.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
الفصل الثالث: فتح مكة شرفها الله والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.
المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.
١٤٣- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ٢، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري٣، قالا: حدثنا أبو العباس٤ محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد٥ بن عبد الجبار، حدثنا يونس٦ بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعًا قالا: كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من
_________________
(١) ١ دلائل النبوة (٥/ ٥- ٧)، والسنن الكبرى له (٩/ ٢٣٣- ٢٣٤)، وأسد الغابة (٤/ ٢٢٤)، ترجمة عمرو بن سالم الخزاعي، نقلًا عن ابن إسحاق وقد ذكر السبب مختصرًا، والبداية والنهاية ٤/ ٢٧٨- ٢٧٩، ونقلها ابن حجر في الإصابة ٢/ ٥٣٦، ترجمة عمرو بن سالم، وفي الفتح (٧/ ٥١٩) ٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٣ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٨٤] . ٤ أبو العباس محمد بن يعقوب تقدم في الرواية رقم [٢٠] . ٥ تقدم في الرواية رقم [٨٤] . ٦ تقدم في الرواية رقم [٢٠] .
[ ٢ / ٦٩٧ ]
شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت١ خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرًا٢، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين
_________________
(١) ١ الوثوب: النهوض والقيام. اللسان، مادة (وثب) . ٢ وعند الواقدي في المغازي (٢/ ٧٨٣): " فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صلح الحديبية تكلمت بنو نفاثة من بني بكر "، وتبعه في ذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٣٤) . وتحديد الواقدي باثنين وعشرين شهرًا غير مسلم به، لأن الصلح الذي تم في الحديبية كان في ذي الحجة، وقد ذكر الواقدي أن خروجه ﷺ إلى الحديبية كان في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، المغازي (٢/ ٥٧٣)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٩٥)، وذكر الواقدي أيضًا أنه ﷺ أقام بالحديبية بضعة عشر يومًا، المغازي (٢/ ٦١٦)، وقال أيضًا: قدم رسول الله ﷺ المدينة من الحديبية في ذي الحجة سنة ست. المغازي (٢/ ٦٣٤) . فلو حسبنا المدة من وقت الصلح إلى نقض بني بكر العهد لوجدناها تسعة عشر شهرًا ابتداءً من شهر محرم أول سنة سبع إلى نهاية شهر رجب من السنة الثامنة، ولو أدخلنا شهر ذي الحجة من السنة السادسة وشهر شعبان من السنة الثامنة - تجاوزًا - لحصلنا على واحد وعشرين شهرًا، فتبقى رواية الزهري التي بين أيدينا هي الراجحة، وذلك لعدم ورود روايات ثابتة تحدد وقت نقض العهد من بني بكر، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
دخلوا في عقد رسول الله ﷺ وعهده ليلًا بماء لهم يقال له: الوتير١، قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوا معهم للطعن على رسول الله ﷺ، وأن عمرو بن سالم٢ ركب إلى رسول الله ﷺ عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها:
اللهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا٣
كنا والدًا وكنت ولدا٤ ثم أسلمنا ولم ننزع يدا
_________________
(١) ١ الوتير: - بفتح الواو وكسر المثناة تحت، وآخره راء - وهو موضع معروف جنوب غرب مكة على حدود الحرم يبعد عن مكة (١٦) كيلًا، وقد أطلق اليوم على حيز منه اسم (الكعكية) نسبة إلى الكعكي الذي تملك هذا الحيز منه، معجم المعالم الجغرافية (٣٣١) . ٢ هو: عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، قال ابن الكلبي وأبو عبيد والطبري: أن عمرو بن سالم هذا كان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم فتح مكة، الإصابة (٢/ ٥٣٦- ٥٣٧) . ٣ الأتلد: أي القديم، شرح السيرة للخشني (٣٦٧)، والنهاية (١/ ١٩٤)، والقاموس: (تلد) . ٤ هكذا في دلائل البيهقي، وفي سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٤): قد كُنْتُمُ وُلْدًا يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية، الروض الأنف (٤/ ٩٧) .
[ ٢ / ٦٩٩ ]
فانصر رسول الله نصرا أعتدا١ وادع عباد الله يأتوا مددا٢
فيهم رسول الله قد تجردا٣ إن سيم خسفًا وجهه تربدا٤
في فيلق٥ كالبحر يجري مزبدا٦ إنّ قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدّا وزعموا أن لستُ أرجو أحدا
فهم أذلّ وأقلّ عددا قد جعلوا لي بكداءٍ٧ مرصدا٨
هم بيتونا بالوتير هجدا٩ فقتلونا ركعًا وسجدا
_________________
(١) ١ أعتدا: أي حاضرًا، شرح السيرة للخشني (٣٦٧) . ٢ الأمداد: جمع مدد، مدهم بالأعوان والأنصار. النهاية (٤/ ٣٠٨) . ٣ تجردا: أي شمر وتهيأ لحربهم، شرح السيرة، للخشني (٣٦٧) . ٤ تربدا: أي تغير إلى الغبرة. النهاية (٢/ ١٨٣) . ٥ الفيلق: الكتيبة العظيمة. النهاية (٣/ ٤٧٢) . ٦ يقال: بحر مزبد، أي مائج يقذف بالزبد، والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، اللسان: زبد. ٧ كداء: - بالتحريك والمد - هو ما يعرف اليوم بريع الحجون، يدخل طريقه بين مقبرتي المعلاة، ويفضي من الجهة الأخرى إلى حي العتيبية وجرول. معجم المعالم الجغرافية (٢٦١- ٢٦٢) . ٨ رصده: أي رَقَبَهُ، القاموس (رصد)، ويقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. النهاية (٢/ ٢٢٦) . ٩ هُجَّدا: الهجد: المصلون بالليل، أو النيام، وهو من الأضداد. النهاية (٥/ ٢٤٤)، وشرح السيرة للخشني (٣٦٧) .
[ ٢ / ٧٠٠ ]
فقال رسول الله ﷺ: "نُصِرتَ يا عمرو بن سالم "١.
فما برح رسول الله ﷺ حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله ﷺ: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"٢، وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم٣.
_________________
(١) ١ ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة ﵂، وفيه: ( لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ) المسند (٧/ ٣٤٣ رقم [٤٣٨٠]) وسنده حسن كما قال المحقق حسين أسد، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، المجمع (٦/ ١٦٢)، وأخرج الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٣٣)، وفي الصغير (٢/ ٧٣- ٧٥) من حديث ميمونة بنت الحارث نحوه، إلا أن فيه: يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٣- ١٦٤) . وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٥) بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٤)، بدون إسناد والطبري في تاريخه (٣/ ٤٥) . ٢ ورد نحوه من رواية أبي الأسود عن عروة (انظر: المغازي للذهبي (٥٢٨)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٨٥- ٤٨٦)، من طريق زكريا بن أبي زائدة قال: كنت مع أبي إسحاق فيما بين مكة والمدينة فسَايَرَنَا رجل من خزاعة، فقال له أبو إسحاق: كيف قال رسول الله ﷺ: لقد رعدت هذه السحابة بنصر بني كعب الحديث، وفيه جهالة الرجل الخزاعي. ٣ قال ابن حجر: "وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن
[ ٢ / ٧٠١ ]
_________________
(١) أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول" الفتح (٧/ ٥٢٠) . وقد نقل الهيثمي حديث أبي هريرة من رواية البزار وحكم عليه بالصحة، انظر: المجمع (٦/ ١٦٥)، وكشف الأستار (٢/ ٣٤٢ رقم ١٨١٧)، وأخرجه البيهقي عن حماد بن سلمة بسنده إلى أبي هريرة. دلائل النبوة (٥/ ١٣)، وانظر البداية والنهاية (٤/ ٢٨٠) نقلًا عن البيهقي.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
المبحث الثاني: في تاريخ خروج النبي ﷺ إلى مكة وعدد جيشه.
١٤٤- قال البخاري: حدثني محمود، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -﵄ -: "أن النبي ﷺ خرج في رمضان١
_________________
(١) ١ باتفاق جميع المؤرخين. ولكن اختلفوا في تعيين وقت الخروج، فقد أخرج ابن إسحاق من طريق الزهري أنهم خرجوا لعشر مضين من رمضان (ابن هشام ٢/ ٣٩٩)، وأخرج مسلم عن الزهري مرسلًا قوله: فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٣١) . وأخرج البيهقي رواية ابن إسحاق المتقدمة ثم قال: هكذا ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قوله: فخرج لعشر مضين من رمضان مدرجًا في الحديث. الدلائل (٥/ ٢٠) . وأخرج أحمد في المسند (٤/ ٣٠١ رقم [٢٥٠٠] أرناؤوط) من حديث محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان الفتح في ثلاث عشرة خلت من رمضان. وأخرج أيضًا من طريق قزعة بن يحيى عن أبي سعيد قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، المسند (١٨/ ٣٤٢ رقم [١١٨٢٥]) . قال الحافظ ابن حجر: "وهذ يدفع التردد الماضي ويعين يوم الخروج، وقول الزهري يعين يوم الدخول، ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يومًا". القتح (٨/ ٤) . وقد ورد عند أحمد أيضًا أنه خرج لثمان عشرة (المسند ١٨/٣٧٥، رقم [١١٨٧٠] أرناؤوط) وفي رواية أخرى لتسع عشرة، أو سبع عشرة (١٨/٢١٨، رقم [١١٦٨٤] أرناؤوط) . قال الحافظ: "ويجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي على الاختلاف في أول الشهر". الفتح (٨/ ٤) . وقد ذكر النووي رواية لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأخرى لست عشرة مضت، وثالثة لثمان عشرة، ورابعة لثنتي عشرة، وخامسة لسبع عشرة - أو تسع عشرة - بالشك، ثم قال: "والمشهور في كتب المغازي أن رسول الله ﷺ خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخلها لتسع عشرة خلت منه". النووي على مسلم (٧/ ٢٣٤) .
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ومعه عشرة آلاف١ وذلك على رأس ثمان٢ سنين ونصف من مقدمه
_________________
(١) ١ وورد عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة وهو قول موسى بن عقبة أن النبي ﷺ خرج في اثني عشر ألفًا من المهاجرين والأنصار، دلائل البيهقي (٥/ ٢٦، و٥/ ٣٦) . قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لمرسل عروة: "وكذا وقع في (الإكليل) و(شرف المصطفى) ثم قال: (ويجمع بينهما بأن العشرة آلاف خرج بها من المدينة ثم تلاحق بها الألفان" الفتح (٨/٤) . ٢ قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع في رواية معمر، وهو وهم، والصواب: على رأس سبع سنين ونصف، وإنما وقع الوهم من كون الغزوة كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، فالتحرير أنها سبع سنين ونصف، ويمكن توجيه رواية معمر، بأنه بناء على التاريخ بأول السنة من المحرم، فإذا دخل من السنة الثانية شهران أو ثلاثة أطلق عليها سنة مجازًا من تسمية البعض باسم الكل، ويقع ذلك في آخر ربيع الأول، ومن ثم إلى رمضان نصف سنة، أو يقال: كان آخر شعبان تلك السنة آخر سبع سنين ونصف من أول ربيع الأول، فلما دخل رمضان دخلت سنة أخرى، وأول السنة يصدق عليه أنه رأسها، فيصح أنه رأس ثمان سنين ونصف أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأول وما بعده نصف سنة" اهـ. الفتح (٨/ ٤) .
[ ٢ / ٧٠٤ ]
المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيد١ -وهو ماء بين عسفان وقُدَيْد -أفطر وأفطروا".
قال الزهري٢: "وإنما يؤخذ من أمر النبي ﷺ الآخر فالآخر"٣.
_________________
(١) ١ الكَدِيد: - بفتح الكاف وكسر الدال المهملة - وهو: ماء بين عسفان وقديد - بضم القاف على التصغير - كما بينته الرواية، الفتح (٤/ ١٨٠) . وفي حديث ابن عباس عند البخاري رقم (١٩٤٨) من وجه آخر (حتى بلغ عسفان) بدل الكديد. ووقع عند مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٣٢) من حديث جابر (فصام حتى بلغ كراع الغميم) . قال الحافظ ابن حجر: قال عياض: واختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه ﷺ والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان. الفتح (٤/ ١٨١) . وبين الكديد وعسفان: عشرين كيلًا فقط، ويبعد عسفان عن مكة إلى الشمال (٩٠) كيلًا، معجم المعالم الجغرافية (٢٦٣) . ٢ قوله: قال الزهري: إلى آخره، مدرج من قول الزهري كما قال الحافظ، انظر: الفتح (٤/ ١٨١) . وقد وقعت هذه الزيادة مدرجة عند مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٣١) من طريق معمر ويونس كلاهما عن الزهري، وبينّا أنه من قول الزهري، وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يوافَق على ذلك، الفتح (٤/ ١٨١) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٣)، رقم (٤٢٧٦) . وأخرج البخاري أيضًا نحوه من طريق عُقيل عن ابن شهاب، صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٣) رقم (٤٢٧٥)، ومن طريق مالك عن الزهري، صحيح البخاري مع الفتح (٤/١٨٠) رقم (١٩٤٤)، وأخرجه مسلم من طريق الليث وسفيان ومعمر ويونس كلهم عن الزهري نحوه، انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٢٩- ٢٣١) . وقد ذكر هذه الرواية عبد الرزاق فقال: (قال الزهري) فساقها، وفيها: "وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة"، وقد تقدم جمع الحافظ في ذلك.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عليه وسلم لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول ﷺ.
المبحث الثالث: في كتابة حاطب ﵁ لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول ﷺ إليهم
١٤٥- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿يأيها الذينَءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلياءَ﴾ ٢ أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة٣، قال:
_________________
(١) ١ تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٨٦- ٢٨٧) . ٢ الآية الأولى من سورة الممتحنة. ٣ هو: حاطب بن أبي بلتعة - بفتح الموحدة، وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات -، ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدرًا، توفي سنة ٣٠هـ- في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. الإصابة (١/ ٣٠٠) .
[ ٢ / ٧٠٦ ]
كتب إلى كفار قريش كتابًا ينصح لهم فيه فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأرسل علي ًا والزبير١ فقال: "اذهبا فإنكما ستدركان امرأة٢ بمكان كذا وكذا٣، فأتياني بكتاب معها"، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا: الكتاب الذي معك، قالت ما معي كتاب، قالا: والله لا ندع عليك شيئًا إلا فتشناه أو تخرجينه، قالت: أولستما مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن النبي ﷺ أخبرنا أن معك كتابًا، فقد أيقنت أنفسنا
_________________
(١) ١ في صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٦٣٣) رقم (٤٨٩٠) أن الرسول ﷺ بعث عليًا والزبير والمقداد. ومسلم بشرح النووي (١٦/ ٥٥) وورد في الصحيحين أيضًا أبو مرثد الغنوي بدلًا من المقداد، صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٣٠٤) رقم (٣٩٨٣)، ومسلم بشرح النووي (١٦/ ٥٧)، قال النووي: ولا منافاة بل بعث الأربعة عليًا والزبير والمقداد وأبا مرثد، شرح النووي على مسلم (١٦/ ٥٧) . وقال الحافظ ابن حجر: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه - يعني عليًا - فذكر أحد الراويين ما لم يذكره الآخر، فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعًا له" الفتح (٧/ ٥٢٠) . ٢ ورد في بعض الروايات أن اسمها: سارة مولاة لبني هاشم، انظر: المصنف لابن أبي شيبة (١٤/ ٤٨٥)، ومغازي الواقدي (٢/ ٧٩٩)، وتاريخ الطبري (٣/ ٦٠) . ٣ ورد في صحيح البخاري من حديث علي وفيه: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ )، الصحيح مع الفتح (٨/ ٦٣٣) رقم (٤٨٩٠)، وروضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق في نواحي المدينة، المعالم الأثيرة (١٠٧) .
[ ٢ / ٧٠٧ ]
أنه معك، فلما رأت جدّهما، أخرجت كتابًا من قرونها١ فرمت به، فذهبا به إلى النبي ﷺ فإذا فيه: "من حاطب بن أبي بلتعه إلى كفار قريش"، فدعاه النبي ﷺ فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: وما حملك على ذلك؟ قال: أما والله ما ارتبت٢ في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرءًا غريبًا٣ فيكم أيها الحي من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدفع عنهم بذلك. فقال عمر: ائذن لي يا نبي الله فأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ: "مهلًا يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل
_________________
(١) ١ من قرونها: القرون: الشعور، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن، النهاية (٤/ ٥١) . وعند البخاري: من عقاصها، حديث رقم (٤٨٩٠)، وعند أيضًابرقم (٣٠٨١): (من حُجْزتها)، والحُجْزة: - بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي -: معقد الإزار والسراويل، فتح الباري (٦/ ١٩١) . ويجمع بين كونها أخرجته من حجزتها وبين كونها أخرجته من عقاصها، بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح. انظر: فتح الباري (٦/ ١٩١) . ٢ أي: ما شككت، والريب بمعنى الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، النهاية (٢/ ٢٨٦) . ٣ لأنه لم يكن من صلب قريش، وإنما كان حليفًا لبني أسد، الفتح (٨/ ٦٣٤)، والإصابة (١/ ٣٠٠)، وقد ذكر ابن حجر في ترجمته أنه من لخم، الإصابة (١/ ٣٠٠)، ولخم: قبيلة يمنية قحطانية شهيرة؟ انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٢٢) .
[ ٢ / ٧٠٨ ]
بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم"١.
١٤٦- وقال الطبراني٢: حدثنا موسى بن هارون٣، ثنا هاشم بن الحارث٤، ثنا عبيد الله بن عمرو٥ عن إسحاق بن راشد٦، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة٧
_________________
(١) ١ والحديث أخرجه أيضًا ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٨/ ٣٩- ٤٠) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن الزهري به. وانظر: أسباب النزول للواحدي (٤٤١) رقم (٨١١)، فقد قال: قال جماعة المفسرين: إنّ هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، يريد الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ . ٢ المعجم الكبير (٣/ ١٨٤) رقم (٣٠٦٦) . ٣ هو: موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان أبو عمران البزار المعروف والده بالحمال، قال الخطيب: وكان ثقة عالمًا، تاريخ بغداد (١٣/ ٥٠- ٥١) . ٤ هو: هاشم بن الحارث، أبو محمد المروزي، سكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة، تاريخ بغداد (١٤/ ١٦) . ٥ هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم، من الثامنة، توفي سنة ثمانين عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (٣٧٣) . ٦ هو: إسحاق بن راشد الجزري، أبو سليمان، ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهم، من السابعة، توفي في خلافة أبي جعفر، خ، التقريب (١٠٠) . ٧ هو: عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، - بفتح الموحدة والمثناة وسكون اللام بينهما ثم مهملة -، له رؤية، وعدوه في كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثمان وستين، خت، التقريب (٣٣٨) .
[ ٢ / ٧٠٩ ]
أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتابًا وهو مع رسول الله ﷺ قد شهد بدرًا، فدعا رسول الله ﷺ عليًا والزبير فقال: " انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به". فانطلقا حتى لقياها، فقالا: أعطينا الكتاب الذي معك، وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها، فقالت: ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله ﷺ حدثنا أن معك كتابًا، فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا حتى قرأ عليه الكتاب، فقال: أتعرف هذا الكتاب؟
قال: نعم، قال: "فما حملك على ذلك؟ ". قال: هناك ولدي وذو قرابتي، وكنت امرأ غريبًا فيكم معشر قريش، فقال عمر: ائذن لي في قتل حاطب، فقال رسول الله ﷺ: "لا، لأنه١ قد شهد بدرًا، وإنك لا تدري لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني غافر لكم"٢.
_________________
(١) ١ وفي المعجم الأوسط (٨/ ١٤٦) (لا، إنه) . ٢ وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٤٦ رقم ٨٢٢٧) بنفس السند. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات"، المجمع (٩/ ٣٠٤)، وأخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٠١)، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ولكن الذهبي ذكره في سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٥)، ترجمة حاطب، وقال: "إسناده صحيح وأصله في الصحيحين". وعزاه الحافظ في الإصابة (١/ ٣٠٠)، ترجمة حاطب، لابن شاهين والبارودي والطبراني وسمويه كلهم من طريق الزهري به. وقصة حاطب أخرجها البخاري في صحيحه من حديث علي رضي الله عليه وسلم في عدة مواضع. انظر: رقم (٣٠٠٧)، ورقم (٣٠٨١)، ورقم (٣٩٨٣)، ورقم (٤٢٧٤) ورقم (٤٨٩٠)، ورقم (٦٢٥٩)، ورقم (٦٩٣٩)، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٥- ٥٧) .
[ ٢ / ٧١٠ ]
المبحث الرابع: في مسير النبي ﷺ لفتح مكة
١٤٧- قال الطبراني١:حدثنا أبو شعيب الحراني٢، ثنا أبو جعفر النفيلي٣، ثنا محمد بن سلمة٤ عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم ابن حصين الغفاري٥، وخرج لعشر٦ مضين من رمضان فصام رسول
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٨/ ٩) رقم (٧٢٦٤) . ٢ لم أهتد إلى معرفته. ٣ هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، - بنون وفاء مصغر -، أبو جعفر النفيلي الحراني، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، خ، التقريب (٣٢١)، رقم (٣٥٩٤) . ٤ هو: محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم، الحراني، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ٩١هـ- على الصحيح، ر م، التقريب (٤٨١)، رقم (٥٩٢٢) . ٥ أبو رُهم: هو: كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن غفار، وقيل: ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري، مشهور باسمه وكنيته، كان ممن بايع تحت الشجرة، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في غزوة الفتح، الإصابة (٤/ ٧٠- ٧١) . ٦ قوله: " وخرج لعشر مضين من رمضان" أخرجها ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٧)، من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عباس.
[ ٢ / ٧١١ ]
الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمَجَ١ أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران٢ في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة٣ وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب٤ مع رسول الله
_________________
(١) ١ أمَج: - بالتتحريك وآخره جيم -، ويعرف أمج اليوم: بخليص، واد زراعي على مائة كيل من مكة شمالًا على الجادة العظمى، معجم المعالم الجغرافية (٣٢) . ٢ مرور النبي ﷺ بمر الظهران قد ذكره البخاري (رقم ٥٤٥٣) من طريق الزهري، وذكره من غير طريق الزهري رقم (٤٢٨٠) . وقد ذكر الواقدي في المغازي (٢/ ٦٥٠- ٦٥١) هذه الرواية مطولًا بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف. أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى ساروا مَنقلة - أي مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسًا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. (ابن هشام ٢/ ٣٣٠) . ٣ مزينة: من قبائل طابخة بن إلياس، وهم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٨٠) . ٤ أوعب: أي لم يتخلف منهم أحد عنه، والإيعاب: الاستقصاء في كل شيء، النهاية (٥/ ٢٠٥) .
[ ٢ / ٧١٢ ]
ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام١ وبديل بن ورقاء٢ يتحسسون٣ وينتظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله ﷺ ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب٤ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة٥ قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: (لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك٦ عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ تقدمت ترجمته في ص (٤٣٦) . وذكر بديل بن ورقاء مع أبي سفيان ذكره البخاري (رقم ٤٢٨٠) . ٣ يتحسسون: التحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخبر، القاموس (حسَّ) . ٤ تقدمت ترجمته. ٥ هو: عبد الله بن أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، صهر رسول الله ﷺ وابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة ﵂. الإصابة (٢/ ٢٧٧) . ٦ الهتك: خرق الستر عما وراءه، وقد هتكه فانهتك، والهتيكة: الفضيحة. النهاية (٥/ ٢٤٣) .
[ ٢ / ٧١٣ ]
بمكة ما قال)، فلما أخرج إليهما بذلك١، ومع أبي سفيان بُنَي له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقَّ لهما٢، ثم أذن لهما فدخلا وأسلما، فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: واصباح٣ قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ، فخرجت عليها حتى جئت الأَراك٤، فقلت: لعلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا
_________________
(١) ١ أي: بما قاله الرسول ﷺ. ٢ الرِّقة: بالكسر: الرحمة، القاموس (رَقَقَ)، والمراد بالرقة ضد القسوة. النهاية (٢/ ٢٥٢) . (يا صباحاه) هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو. النهاية (٣/ ٦- ٧) . ٤ الأراك: - بفتح أوله - على لفظ جمع أراكة، وهو من مواقف عرفة من ناحية الشام، معجم ما استعجم للبكري (١/ ١٣٤)، هكذا ذكر البكري، ولكن الموضع المذكور هنا ليس بعرفة قطعًا فلعل العباس رضي الله عليه وسلم يقصد الموضع الذي يكثر به شجر الأراك، وهو موضع يقع شمال مكة، ولم أجد من عرفَّه.
[ ٢ / ٧١٤ ]
عسكرًا، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها١ الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة٢؟
فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟
فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟
قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فحركتُ به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟
فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟
وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء،
_________________
(١) ١ حمشتها الحرب: يقال: حمش الشر: اشتد، وأحمشته أنا، وأحمشت النار إذا ألهبتها، النهاية (١/ ٤٤١) . ٢ هي: كنية لأبي سفيان، انظر: الإصابة (٢/ ١٧٨)، وقد بحثت في كتب النسب فلم أجد في عقب أبي سفيان من يدعى (حنظلة) .
[ ٢ / ٧١٥ ]
فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني أَجَرْتُه، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلًا يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف، قال: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: (اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ". قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئًا. قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ".
قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن تضرب عنقك.
قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيانض
[ ٢ / ٧١٦ ]
رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ: (يا عباس احبسه بمضيق١ الوادي عند خطم٢ الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها"، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه، قال: ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: مالي ولسُليم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق٣، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن
_________________
(١) ١ المضيق: ما ضاق من الأماكن والأمور، وهو ضد الاتساع، القاموس (ضفق) . ٢ خطم: أصل الخطم في السباع: مقاديم أنوفها وأفواهها، فاستعارها للناس. النهاية (٢/ ٥٠) . فيكون المعنى: مقدمة الجبل أو طرفه. والمراد أن الرسول ﷺ أمر العباس أن يقعد أبا سفيان في طرف ذلك المضيق حتى يرى جيش الفتح وهو يمر من ذلك المضيق حيث لا طريق إلا منه فيكثر في عينه فيعلم أنه لا طاقة لأهل مكة بهذا الجيش. ٣ تقدم معناها.
[ ٢ / ٧١٧ ]
أخيك الغداة عظيمًا، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذًا، قلت: النجاة إلى قومك، قال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس١ فبئس من طليعة قوم.
قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد٢.
_________________
(١) ١ الدَّسم الأحمس: أي الأسود الدنيء. النهاية (٢/ ١١٨) . ٢ قال الهيثمي بعد ذكره لهذا الحديث: "رجاله رجال الصحيح". المجمع (٦/ ١٦٧) . وقد أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٣) رقم (٢٧٦٥) من طريق يونس بن بكير عن جعفر بن برقان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق وأخرجه أبو داود برقم (٣٠٢١) مقتصرًا على ذكر إسلام أبي سفيان وقول الرسول له: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن طريق يونس بن بكير أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣- ٤٤)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي. قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (٤٠٨) بعد تصحيح الحاكم له قال: "وإنما هو حسن فقط"، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧) . وقد أخرجه إسحاق في مسنده والذهلي في الزهريات من طريق جرير بن حازم كما في المطالب العالية المسندة (٤/ ٤١٨) وما بعدها، وقد حكم عليه بالصحة. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢١)، وصححه، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) مختصرًا، وفي معرفة السنن والآثار له (١٣/ ٢٩٧) . وأخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (٨/ ٥- ٦ رقم ٤٢٨٠) نحوه من غير طريق الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه من غير طريق الزهري ابن جرير في تاريخه (٣/ ٥٢) من حديث ابن عباس، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٢) . وذكره ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام ٢/ ٤٠٠) فما بعدها.
[ ٢ / ٧١٨ ]
١٤٨- قال البيهقي: أخبرنا الحسين١ بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو جعفر٢ الرزاز، قال: حدثنا أحمد٣ بن الوليد الغمام، قال: حدثنا أبو بلال٤ الأشعري، قال: حدثنا زياد٥ بن عبد الله البكائي عن محمد بن
_________________
(١) ١ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٦٥] . ٢ أبو جعفر الرزاز هو: محمد بن عمرو بن البختري أبو جعفر، وكان ثقة ثبتًا، تاريخ بغداد (٣/ ١٣٢) . ٣ أحمد بن الوليد، بن أبي الوليد أبو بكر الغمام، وقال الخطيب: وكان ثقة، تاريخ بغداد (٥/ ١٨٨) . ٤ أبو بلال الأشعري: اسمه مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وقيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، ضعفه الدارقطني، يقال: توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ميزان الاعتدال (٤/ ٥٠٧) . ٥ زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي، - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، من الثامنة مات سنة ثلاث وثمانين، خ م ت ق، التقريب (٢٢٠) .
[ ٢ / ٧١٩ ]
إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ بأبي سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان يشهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله ﷺ: "يا أبا الفضل انصرف بضيفك الليلة إلى أهلك واغد به".
فلما أصبح غدا به عليه، فقال العباس: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن أبا سفيان رجل يحب الشرف والذكر، فاعطه شيئًا يتشرف به، فقال رسول الله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "من دخل الكعبة فهو آمن"، فقال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "من دخل المسجد فهو آمن".
فقال: وما يسع المسجد؟ فقال: "من أغلق بابه فهو آمن"، فقال: هذه واسعة٢.
_________________
(١) ١ قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخرجها مسلم في صحيحه من غير طريق الزهري عن أبي هريرة في حديث طويل (٣/ ١٤٠٥ رقم ١٧٨٠) وله شاهد آخر عند أبي داود من غير طريق الزهري عن ابن عباس، رقم (٣٠٢٢) وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٦ رقم ٢٦١١) . ٢ دلائل النبوة (٥/ ٣٢)، وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق، لكن قد وردت شواهد تدل على ثبوتها، فقد أخرج نحوها مختصرًا ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٩٦)، وأبو داود في السنن (٣/ ١٦٢ رقم ٣٠٢١) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٦٤ رقم ٤٨٦) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠ رقم ٧٢٦٤)، والبيهقي في السنن أيضًا (٩/ ١١٨)، ومعرفة السنن والآثار (١٣/ ٢٩٧)، كلهم من طريق ابن إسحاق عن الزهري، وفيها جميعًا عنعنة ابن إسحاق، علمًا بأن الألباني قد حكم عليها بأنها (حسنة) كما في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٦ رقم ٢٦١٠) .
[ ٢ / ٧٢٠ ]
١٤٩- وقال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم٢، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وخرج رسول الله ﷺكما يقال -في اثني عشر ألفًا٣ من المهاجرين والأنصار ومن طوائف العرب: من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سُليم، وقادوا الخيول، فأخفى الله عزوجل مسيره على أهل مكة حتى نزلوا بمر
_________________
(١) ١ دلائل البيهقي (٥/ ٣٩- ٤٩) بسند حسن إلى الزهري إلا أنها مرسلة، لكن يشهد لكثير من فقراتها ما جاء في الصحيحين وغيرهما كما سيأتي. ٢ تقدمت تراجم سند هذه الرواية. ٣ تقدم توفيق الحافظ ابن حجر بين من ذكر عددهم عشرة آلاف وبين من ذكرهم اثني عشر ألفًا في المبحث الثاني.
[ ٢ / ٧٢١ ]
الظهران، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم بن حزام ومعهما بديل بن ورقاء، فلما طلعوا على مر الظهران حين بلغوا الأراك، وذلك عشاءً رأوا النيران والفساطيط١ والعسكر، وسمعوا صهيل٢ الخيل، فراعهم ذلك فقالوا: هذه بنو كعب٣ حشَّتها٤ الحرب، ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، قالوا: فلعلهم هوازن انتجعوا٥ الغيث بأرضنا ولا والله ما نعرف هذا أيضًا، فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله ﷺ بعثهم عيونًا لهم بخطيم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟
قالوا: هذا رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم العسكر لقيهم عباس بن عبد المطلب٦ فأجارهم وقال: يا أبا حنظلة
_________________
(١) ١ الفساطيط: جمع فسطاط، وهو: - بالضم والكسر - المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، قال الزمخشري: (هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق) النهاية (٣/ ٤٤٥) . ٢ صهيل الخيل: أي: صوته. النهاية (٣/ ٦٣) . ٣ بنو كعب: يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة. فتح الباري (٨/ ٧) . ٤ حشّتها الحرب، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: حاشتها الحرب، أي: جاشت بهم الحرب. الفتح (٨/ ٧) . ٥ انتجعوا: التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. النهاية (٥/٢٢) ٦ في البخاري (٨/ ٥- ٦) رقم (٤٢٨٠ مع الفتح) من مرسل عروة: (أن حرس رسول الله ﷺ هم الذين أخذوا هؤلاء الثلاثة وأتوا بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان ) .
[ ٢ / ٧٢٢ ]
ثكلتك١ أمك وعشيرتك، هذا محمد ﷺ في جمع المؤمنين فادخلوا [عليه فأسلموا فدخلوا] ٢ على رسول الله ﷺ فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فقال لهم: اشهدوا أنه لا إله إلا الله، فشهدوا، ثم قال: اشهدوا أني رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، وخرج أبو سفيان مع العباس فلما نودي للصلاة، ثار الناس ففزع أبو سفيان، وقال للعباس: ماذا يريدون؟
قال: الصلاة، ورأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله ﷺ، فقال: ما رأيت ملكًا قط كالليلة ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا ملك بني الأصفر، فسأل أبو سفيان العباس أن يدخله على رسول الله ﷺ فأدخله، فقال أبو سفيان: يا محمد قد استنصرتُ آلهتي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ، فلو كان إلهي محقًا وإلهك مبطلًا لقد غلبتك، فشهد أن محمدًا رسول الله، وقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أصلك وعشيرتك؟ فقال رسول الله ﷺ: "هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية،
_________________
(١) ١ ثكلتك: أي: فقدتك، والثكل: فقد الولد، وهي من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله. النهاية (١/ ٢١٧) . ٢ ما بين الحاصرتين ليس في [ح] كما قال محقق الدلائل، عبد المعطي قلعجي.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه".
فقال بديل: قد صدقت يا رسول الله، قد غدروا بنا والله لو أن قريشًا خلّوا بيننا وبين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا.
فقال أبو سفيان وحكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقًا أن تجعل عُدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحمًا وأشد عداوة، فقال رسول الله ﷺ: "إني لأرجو أن يجمعهما لي ربي: فتح مكة، وإعزاز المسلمين بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم".
فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله ادع لنا بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟
قال رسول الله ﷺ: نعم، من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم١، وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفل مكة -فلما توجها ذاهبين، قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فيكفر، فاردده حتى نقفه فيرى جنود الله معك، فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدرًا يا بني هاشم؟
فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح
_________________
(١) ١ قوله ودارك يا حكيم، ورد ما يشهد له عند الطبري في تاريخه (٣/ ٥٤- ٥٦) من رواية هشام بن عروة عن أبيه.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
حتى ترى جنود الله وإلى ما أعد للمشركين، فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة، حتى أصبحوا وأمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم رسول الله ﷺ بين يديه الكتائب، فمرت كتيبة على أبي سفيان، فقال: يا عباس أفي هذه رسول الله ﷺ؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها، فرأى أمرًا عظيمًا رعبه الله به، وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كَدَاء١ من أعلى مكة وأعطاه رايته وأمره أن يغرزها بالحجون٢ ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه، وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سُليم وناسًا أسلموا قبل ذلك وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف
_________________
(١) ١ كَدَاء: - بالتحريك والمد - الثَّنيَّة العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو: المعلاة. النهاية (٤/ ١٥٦) . ٢ الحجون: - بضم الحاء المهملة والجيم، وآخره نون - هي الثنية التي تفضي على مقبرة المعلاة والمقبرة عن يمينها وشمالها مما يلي الأبطح، تسمى الثنية اليوم (ريع الحجون)، معجم المعالم الجغرافية (٩٤) .
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة١ وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحدًا إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح٢، والحويرث بن نقيذ٣، وابن خطل٤، ومقيس بن
_________________
(١) ١ هو: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، مختلف في كنيته فقيل: أبو الفضل، وأبو عبد الله وأبو عبد الملك أخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله ﷺ، وكان من ذوي الرأي من الناس شهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية، الإصابة (٣/ ٢٤٩) . ٢ هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب - بالمهملة مصغرًا - ابن حذافة بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكانت أمه أشعرية، كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي ﷺ فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي ﷺ أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان فأجاره النبي ﷺ، أمّره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد ومات بها سنة ست وثلاثين. الإصابة (٢/ ٣١٦-٣١٧) . ٣ هو: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤١٠) وقتله علي بن أبي طالب. ٤ اسمه: عبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب، السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤٠٩)، وقد ذكر ابن إسحاق أنه اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. المصدر السابق. وذكر الواقدي في المغازي (٢/ ٨٥٩) أقوالًا أخرى في من قتله، وسيأتي الخلاف في اسمه.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
صُبابة١ أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين٢ لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضًا على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال:
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة٤
_________________
(١) ١ مقيس بن صبابة: - بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة - الفتح (٨/ ١١) وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤١٠) مقيس بن حبابة، وأن الذي قتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه. ٢ القينة: الأمة غنَّت أو لم تغن، والماشطة، وكثيرًا ما تطلق على المغنية من الإماء. النهاية (٤/ ١٣٥) . واسم الأولى: فرتنى (ابن هشام ٢/ ٤١٠) والثانية: قرينة فتح الباري (٨/ ١١)، وقد استؤمن للأولى فأسلمت، وقتلت الثانية. المصدر السابق. وقد أحصى الحافظ ابن حجر عدد من أهدر النبي ﷺ دمهم فبلغ عددهم ثمانية رجال وست نسوة. الفتح (٨/ ١٢) . ٣ يوم الملحمة: - بالحاء المهملة - أي يوم حرب لا يوجد منه مخلص، ومراد سعد بقوله: يوم الملحمة: يوم المقتلة الكبرى. الفتح (٨/ ٨) . ٤ وكذلك وردت عند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٠٦)، والواقدي في مغازيه (٢/ ٨٢١)، والطبراني في الكبير ٨/ ٦ رقم ٧٢٦٣)، ومغازي الأموي، انظر: عيون الأثر (٢/ ٢٢٣) . وفي البخاري مع الفتح (٨/ ٥- ٦) رقم (٤٢٨٠) من مرسل عروة (اليوم تستحل الكعبة) .
[ ٢ / ٧٢٧ ]
فلما مرّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة
وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله ﷺ، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريبًا من عشرين رجلًا، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة١ حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله ﷺ في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو
_________________
(١) ١ الحَزْوَرَة: - بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي - هي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس كان ولا يزال سوقًا من أسواق مكة، معجم المعالم الجغرافية (٩٨) .
[ ٢ / ٧٢٨ ]
آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.
ولماّ علا رسول الله ﷺ ثنية كداء نظر إلى البارقة١ على الجبل مع فضض٢ المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ ".
فقال مهاجرون نظن أن خالدًا قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك٣، فهبط رسول الله ﷺ من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ: كُرز بن جابر٤ أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد٥،
_________________
(١) ١ البارقة: السيوف: أي رأى لمعانها. النهاية (١/ ١٢٠) . ٢ فضض المشركين: الفضض كل متفرق ومنتشر، القاموس، (فضض) . والمعنى: مع بعض المشركين الذين تفرقوا عن بعض. ٣ وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٨) عن الزهري أن رسول الله ﷺ هو الذي بعث خالدًا بمن معه يقاتل المشركين بأسفل مكة. ٤ هو كُرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري، كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وأغار على سرح المدينة مرة، ثم أسلم. الإصابة (٣/ ٢٩٠- ٢٩١) . ٥ هو: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس - بمعجمة ثم موحدة ثم مهملة مصغرًا - بن حرام بن حبيشة بن كعب بن عمرو الخزاعي، يكنى أبا صخر وهو أخو أم معبد، قتل مع خالد بن الوليد يوم فتح مكة. الإصابة (١/ ٣١٠) .
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافرًا، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله ﷺ فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله ﷺ فقال أحدهم١: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله ﷺ: "لا تفعل ذلك".
ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي
_________________
(١) ١ نقل الحافظ ابن حجر عن سبط ابن الجوزي: أن الذي قال ذلك هو عباد بن بشر، وقيل: بل عمر بن الخطاب. الإصابة (٢/ ٣١٧) .
[ ٢ / ٧٣٠ ]
دلوًا"١ ثم انصرف في ناحية المسجد قريبًا من المقام مقام إبراهيم ﵇، فكان المقام - زعموا - لاصقًا بالكعبة، فأخره رسول الله ﷺ مكانه هذا٢، ودعا رسول الله ﷺ بسجل٣ من ماء زمزم فشرب
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد عن علي رضي الله عليه وسلم بلفظ: (يا بني عبد المطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها) المسند (٢/ ٥ رقم [٥٦٢] أرناؤوط) والترمذي رقم (٨٨٥)، وأبو يعلى رقم (٣١٢و ٥٤٤)، وابن خزيمة رقم (٢٨٣٧ و٢٨٨٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٧٢- ٧٣)، والبيهقي في السنن (٥/ ١٢٢) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، وبعضهم يزيد فيه على بعض، وسنده حسن، وأخرج نحوه الفاكهي في أخبار مكة، وقال محققه عبد الملك بن دهيش: سنده حسن (٢/ ٥١ رقم ١١٣٠)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٥٥) . ٢ المشهور أن الذي أخر المقام عمر رضي الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخّره عمر رضي الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو فيه الآن. فتح الباري (٨/ ١٦٩) تحت حديث رقم (٤٤٨٣) . ثم قال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: (إن المقام كان في زمن النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخّره عمر) المصدر السابق. وانظر: مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٨ رقم ٨٩٥٥)، وحديث مجاهد في (٥/ ٤٧-٤٨ رقم ٨٩٥٣) وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (١/ ١٧٠) نحوًا من كلام الحافظ ابن حجر. وذكر الحافظ ابن حجر أيضًا أن ابن مردويه أخرج بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي ﷺ هو الذي حوّله. قال: والأول أصح. الفتح ٠٨/ ١٦٩) . ونقل ابن كثير في تفسيره رواية ابن مردويه ثم قال: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضادها بما تقدم. التفسير (١/ ١٧١) . ٣ السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال. النهاية، ٢/٣٤٤.
[ ٢ / ٧٣١ ]
وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله ﷺ يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم يتعجبون، ويقولون: ما رأينا ملكًا قط بلغ هذا ولا سمعنا به، ومرّ صفوان بن أمية عامدًا للبحر، وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يؤمن صفوان بن أمية، وقال: إنه قد هرب فارًا نحو البحر، وقد خشيت أن يهلك نفسه فأرسلني إليه بأمان يا رسول الله فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله ﷺ: "أدرك ابن عمك فهو آمن".
فطلبه عمير فأدركه فقال: قد أمنك رسول الله ﷺ، فقال له صفوان: لا والله لا أقر لك حتى أرى علامة بأمان أعرفها، فقال عمير: امكث مكانك حتى آتيك بها، فرجع عمير إلى رسول الله ﷺ فقال: إن صفوان أبى أن يوقن لي حتى يرى منك آية يعرفها، فانتزع رسول الله ﷺ بردة حَبِرة كان معتجرًا بها حين دخل مكة، فدفعه إلى عمير بن وهب فلما رأى صفوان البرد أيقن واطمأنت نفسه وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله ﷺ فقال صفوان: أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟
[ ٢ / ٧٣٢ ]
قال: (نعم)، قال: اجعل لي شهرًا١ قال رسول الله ﷺ: "بل لك شهران لعل الله أن يهديك".
وقال ابن شهاب: نادى رسول الله ﷺ صفوان وهو على فرسه فقال: يا محمد أمنتني كما قال هذا، إن رضيت وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله ﷺ: (انزل أبا وهب) قال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، قال: فلك تسير أربعة أشهر٢، وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام٣ وهي مسلمة يومئذ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها وأمّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عكٍّ٤ فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، وأدركت زوجها، فلما رأى رسول الله ﷺ عكرمة وثب عليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه
_________________
(١) ١ قوله: (اجعل لي شهرًا) ورد مثله عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة. الدلائل (٥/ ٤٦) . ٢ تخييره بأربعة أشهر ورد ما يشهد له عند مالك في الموطأ عن الزهري (الموطأ ٢/ ٥٤٣) رقم (٤٤) وستأتي. ٣ هي: أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية زوج عكرمة بن أبي جهل قال أبو عمر: حضرت يوم أحد وهي كافرة، ثم أسلمت في الفتح، واستأمنت أم حكيم بنت الحارث لعكرمة فأمّنه النبي ﷺ، الإصابة (٤/ ٤٤٣- ٤٤٤) . ٤ عك: قبيلة تنسب إلى اليمن، وعك هو: عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٧٥) .
[ ٢ / ٧٣٣ ]
وأدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها وأسلم، ودخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته فارًا فلامته وعجزته وعيّرته بالفرار، فقال:
وأنتِ لو رأيتنا بالخندمة
إذ فر صفوان وفر عكرمة
وألحقتنا بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
قال ابن شهاب: قالها حِماس١ أخو بني سعد بن ليث، قال: وقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت، فقال رسول الله ﷺ: "قضاء الله عزوجل خير".
قال: وكان دخول رسول الله ﷺ مكة والفتح في رمضان سنة ثمان، ويقال: قال أبو بكر رضي الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرُّ٢، فلما دنونا منها استقلت على
_________________
(١) ١ هو: حماس - بكسر أوله وتخفيف ثانيه وآخره مهملة - ابن قيس ويقال: ابن خالد بن قيس بن مالك الدئلي، ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه كان بمكة يوم الفتح، فلما قرب رسول الله ﷺ من مكة أعد سلاحه وقال لامرأته: إني لأرجو أن يخدمك الله منهم، ثم فرّ وذكر الأبيات. الإصابة (١/ ٣٥٢) . ٢ هَرَّ الكلب يهرُّ هَريرًا، فهو هارٌّ وهرَّارٌ إذا نبح وكشّر عن أنيابه، وقيل: هو صوته دون نباحه. النهاية (٥/ ٢٥٩) .
[ ٢ / ٧٣٤ ]
ظهرها فإذا هي تشخب١ لبنًا فقال: ذهب كلبهم، وأقبل درّهم، وهم سائلوكم بأرحامكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيم ًا بمرّ، وقال حسان بن ثابت في مخرج رسول الله ﷺ إلى مكة:
عدمت بنيتي٢ إن لم تروها تثير النقع٣ من كتفي كَداءُ
ينازعن الأعنة٤ مصفيات٥ يلطمهن بالخُمر النساء
فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعين الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء
هجوتَ٦ محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
_________________
(١) ١ شخب: الشخب السيلان، وأصل الشخب من يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة بضرع الشاة. النهاية (٢/ ٤٥٠) . ٢ في ديوانه (١٩): عدمنا خيلنا، والبنية اسم من أسماء الخيل، انظر اللسان (بني) . ٣ النقع: الغبار. النهاية (٥/ ١٠٩) . ٤ في الديوان (١٩) يبارين الأعنة، والمعنى: يجارينها في السرعة، والعُنة: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، القاموس (عنن) . ٥ في الديوان (١٩) مصعدات، وفي البداية والنهاية (٤/ ٣١٠) مصغيات، بالغين المعجمة. ٦ الذي هجا النبي ﷺ هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، وقد أسلم عام الفتح. الإصابة (٤/ ٩٠) .
[ ٢ / ٧٣٥ ]
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تَكَيده١ الدلاء
قال: فذكروا أن رسول الله ﷺ تبسم إلى أبي بكر رضي الله عليه وسلم حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر٢.
١٥٠- قال الحاكم٣حدثنا أبو العباس محمد٤ بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ قال: مضى رسول الله ﷺ وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت٥سليم، وأَلَّفَت٦مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار، فلم
_________________
(١) ١ في الديوان (٢١): لا تكدره الدلاء، والمعنى: أن لسانه كالسيف القاطع وأن شعره كالبحر لا تؤثر فيه الدلاء التي يستقي بها، شرح الديوان (ص: ٢١) . ٢ ذكر ابن كثير في البداية مقتطفات متفرقة من هذه الرواية، انظر: (٤/ ٢٩١، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦) . ٣ مستدرك الحاكم (٣/٤٣-٤٤)، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي وإنما هو حسن فقط، كما قال الألباني، في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص٤٠٨) ٤ تقدمت تراجم سند هذه الرواية. ٥ أي كملت سبعمائة رجل. النهاية (٢/٣٣٦) ٦ أي صارت ألفًا.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ بثنية العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك١ وابن عمتك وصهرك٢، فقال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن٣ له، فقال: والله ليأذننّ لي رسول الله ﷺ أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنَذْهبَنَّ في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقَّ لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال:
لعمرك أني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج٤ الحيران أظلم ليلهُ فهذا أوانُ الحق أُهدي وأهتدي
_________________
(١) ١ تريد أبا سفيان بن الحارث لأنه ابن عمّ النبي ﷺ. ٢ لأن عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة، وابن عمته عاتكة. الإصابة (٢/٢٧٧) . ٣ ابنه هو: جعفر بن أبي سفيان وقد اسلم مع أبيه. الاستيعاب (٤/٢٣٧) . وذكر الحافظ ابن حجر نقلًا عن الزبير بن بكار وغيره أن جعفرًا كان ممن ثبت يوم حنين مع النبي ﷺ. الفتح (٨/٣٠) . ٤ الدلجة: هي السير ليلًا، يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل، وادَّلج - بالتشديد - إذا سار من آخره. النهاية (٢/ ١٢٩) .
[ ٢ / ٧٣٧ ]
هدانيَ هادٍ غير نفسي ونالني
إلى الله من طردّت كل مطرِّدِ
أفر سريعًا جاهدًا عن محمد
وأدعى ولو لم أنتسب من محمد
هُم عصبة من لم يقل بهواهم
وإن كان ذا رأي يلَم ويفنَّد١
أريد لأرضيهم ولست بلائط٢
مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالكم
وقل لثقيف تلك غيري وأوعدي
فماكنت في الجيش الذي نال عامرًا
ولا كل عن خير لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة
توابع جاءت من سهام٣ سردد٤
قال: فذكروا أنه حين أنشد رسول الله ﷺ: ومن طردت كل مطرد، ضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد٥.
_________________
(١) ١ الفند في الأصل: الكذب، والمفند هو الذي لا فائدة من كلامه. النهاية (٣/ ٤٧٥) ٢ اللائط: الملصق: يقال: لاط به يلوط لوطًا ولياطًا، إذا لصق به. النهاية (٤/ ٢٧٧) . ٣ سهام: اسم موضع باليمامة كانت به وقعة أيام أبي بكر رضي الله عليه وسلم بين ثمامة بن أثال ومسيلمة الكذاب، معجم البلدان (٣/ ٢٨٨- ٢٨٩)، والمعالم الأثيرة (١٤٤) . وسهام اسم وادٍ باليمن قرب صنعاء اليمن، وسهام اسم رجل سمي به الموضع، وهو سهام بن الغوث بن حمير، ووادي سهام: قرب زبيد بيوم ونصف، معجم البلدان (٢/ ٢٨٩) . ٤ سُردد: - بضم أوله وسكون ثانيه ودال مهملة مكررة الأولى منها مضمومة -، موضع من أرض زبيد باليمن، معجم البلدان (٢/ ٢٠٩)، والمعالم الأثيرة (١٣٩) . ٥ ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧- ٢٨)، وابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٤٥)، وأخرجه ابن إسحاق بدون إسناد
[ ٢ / ٧٣٨ ]
_________________
(١) (ابن هشام ٢/ ٤٠٠- ٤٠١) . ووصله ابن جرير في التاريخ عن ابن إسحاق من غير طريق الزهري (٢/ ٥-- ٥١)، ومعنى قوله: (أنت طردتني ) أي أنك ممن ساعد على إخراجي من مكة، والله أعلم. وانظر: النهاية (٣/ ١٢٨) .
[ ٢ / ٧٣٩ ]
المبحث الخامس: في منزل الرسول ﷺ بمكة.
المبحث الخامس: في منزل رسول الله ﷺ في مكة زمن الفتح
١٥١- روى البخاري من حديث الزهري عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح، يا رسول الله، أين تنزل غدًا؟ قال النبي ﷺ: "وهل ترك لنا عقيل من منزلٍ؟ "١.
١٥٢- وروى البخاري أيضًا من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال حين أراد حنينًا: (منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر) ٢.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (مع الفتح ٨/ ١٣ رقم ٤٢٨٢) . ٢ رواه البخاري (مع الفتح ٨/١٤ رقم ٤٢٨٥) .
[ ٢ / ٧٤٠ ]
المبحث السادس: في قتل خزاعة رجلًا من هذيل بعد تحريم مكة.
المبحث السادس: قتل خزاعة رجلًا من هذيل بعد تحريم مكة
١٥٣- قال الإمام أحمد: ثنا وهب بن جرير١ قال: حدثني أبي٢ قال: سمعت يونس٣ يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد٤ أحد بنى سعد بن بكر أنه سمع شريح الخزاعي٥ ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وهو يقول: (أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله ﷺ برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلًا من هذيل في الحرم يؤم رسول الله ﷺ ليسلم
_________________
(١) ١ هو: وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي، البصري، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ست ومائتين، ع، التقريب (٥٨٥) . ٢ هو: جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة، توفي سنة سبعين بعدما اختلط لكن لم يحدث في اختلاطه، ع، التقريب (١٣٨) . ٣ يونس بن يزيد الأيلي، ثقة، تقدم، رقم الرواية [٧٧] . ٤ هو: مسلم بن يزيد السعدي، حجازي، مقبول، من الرابعة، التقريب (٥٣١) رقم (٦٦٥١) . ٥ هو: شريح بن عمرو الخزاعي، الإصابة (٢/ ١٤٧)، ثم قال الحافظ ابن حجر: ذكره ابن شاهين في الصحابة، ثم ذكر طرفًا من حديث شريح هذا.
[ ٢ / ٧٤١ ]
وكان قد وترهم١ في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله ﷺ فيأمر٢، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ غضب غضبًا شديدًا والله ما رأيته غضب غضبًا أشد منه فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلى ﵁ نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله ﷺ الصلاة قام فأثنى على الله ﷿ بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن الله ﷿ هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلّها لي ساعة من النهار أمس وهى اليوم حرام كما حرمها الله ﷿ أول مرة وإن أعتى٣ الناس على الله ﷿ ثلاثة: رجل قَتَل فيها، ورجل قَتَل غير قاتله، ورجل طُلِبَ بِذَحْلٍ٤ في الجاهلية، وإني والله لأَدِيَنَّ٥ هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
_________________
(١) ١ الوِتْر: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، النهاية (٥/ ١٤٨) . ٢ أي فيأمر الرسول ﷺ بعدم قتله، والله أعلم. ٣ العتو: التجبر والتكبر، وقد عتا يعتو عتوًا فهو عاتٍ. النهاية (٣/ ١٨١) . ٤ الذَّحل: الوتر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك، والذحل: العداوة أيضًا. النهاية (٢/ ١٥٥) . ٥ لأدين هذا الرجل: أي أعطي ديته، يقال: وديت القتيل إذا أعطيت ديته. النهاية (٥/ ١٦٩) . ٦ مسند أحمد (٢٦/ ٢٩٨- ٢٩٩، رقم [١٦٣٧٦] أرناؤوط) وهو حديث صحيح كما قال المحقق دون قوله: (وإنَّ أعتى الناس إلى قوله: (في الجاهلية)، فحسن لغيره، ثم ذكر شواهد لهذه الرواية، فانظرها هناك، والمعرفة التاريخ للفسوي (١/ ٣٩٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩١) رقم (٥٠٠)، وقال في المجمع (٧/ ١٧٤) ورجاله رجال الصحيح، وسنن البيهقي (٨/ ٧١)، وابن شاهين في الصحابة، كما في الإصابة لابن حجر (٢/ ١٤٧)، وأخرجه أبو جعفر الطبري من غير طريق الزهري، انظر: (تهذيب الآثار، السفر الأول من مسند ابن عباس ص: ٤١ حديث رقم [١]) . وقصة قتل خزاعة لرجل من بني ليث عام الفتح، ذكرها مسلم في الصحيح رقم: (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
المبحث السابع: في كيفية دخول النبي صلى الله عليه وسلممكة عام الفتح.
المبحث السابع: في كيفية دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح
١٥٤- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم: أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر١، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل٢ متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه"٣.
_________________
(١) ١ المغفر: ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه. النهاية (٣/ ٣٧٤) . ٢ ابن خطل: اسمه: هلال بن خطل، وقيل: عبد العزى بن خطل، وقيل: عبد الله بن خطل، هذا قول ابن إسحاق وجماعة، وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر رسول الله ﷺ بقتله يوم فتح مكة هو: هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد ابن جابر بن كبير بن تميم بن غالب بن فهر. التمهيد (٦/ ١٥٧) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٥٩) رقم (١٨٤٦)، ورقم (٣٠٤٤، ورقم ٤٢٨٦، ورقم ٥٨٠٨)، وهو في موطأ مالك في كتاب الحج باب (جامع الحج) رقم (٢٤٧)، وأخرجه مسلم في كتاب الحج حديث رقم (٤٥٠)، والحميدي في المسند رقم (١٢١٢) وأحمد في المسند (٢٠/ ١١٣ رقم [١٢٦٨١] أرناؤوط)، وأبو داود رقم (٢٦٨٥)، والترمذي رقم (١٦٩٣)، وفي الشمائل رقم (١٠٥)، والنسائي في الحج (٥/ ٢٠٠- ٢٠١)، وابن ماجه في الجهاد رقم (٢٨٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (٣٠٦٣)، والدارمي في سننه رقم (١٩٣٨، ورقم٢٤٥٦)، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٧١٩)، وأبو يعلى في مسنده رقم (٣٥٣٩)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٤٩٢)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٩)، وأبو عبيد في الأموال (١٠٩ رقم ٢٩٧)، وابن زنجويه في الأموال (١/ ٢٩٤ رقم ٤٥٣)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ وآدابه (ص: ١٤٣)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٣٥٠) رقم (٦١٤٩)، والخليلي في الإرشاد (١/ ١٦٨)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٢٣)، والبغوي في شرح السنة (٧/ ٣٠٤) رقم (٢٠٠٦) ونقله ابن عبد البر في التمهيد عن مالك (٦/ ١٥٧) .
[ ٢ / ٧٤٣ ]
المبحث الثامن: في تكسير النبي ﷺ للأصنام التي حول الكعبة.
١٥٥- أخرج أبو الوليد الأزرقي من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، منها ما قد شد بالرصاص، فطاف على راحلته، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" ويشير إليها فما منها صنم
[ ٢ / ٧٤٤ ]
أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه حتى وقعت كلها١.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي (١/ ١٢١)، وفي سنده عبد العزيز بن عمران؛ متروك، انظر: التقريب (٤١١٤) . وقال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب فذكره، السيرة النبوية (١/ ٤١٦) . وهي رواية ضعيفة أيضًا لجهالة من حدث ابن هشام. وقد أخرجها أبو الوليد الأزرقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس قال: فذكره. انظر: أخبار مكة (١/ ١٢٠) وهي رواية ضعيفة أيضًا لعنعنة ابن إسحاق. ولكن يشهد لذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من غير طريق الزهري وذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عليه وسلم قال: "دخل النبي ﷺ يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد". صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ١٥- ١٦) رقم (٤٢٨٧) وانظر: صحيح مسلم رقم (١٧٨١) .
[ ٢ / ٧٤٥ ]
المبحث التاسع: في قصة إسلام صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل
١٥٦- أخرج مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن نساءً كن على عهد رسول الله ﷺ يسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت١ الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله ﷺ ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله ﷺ أمانًا لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضى أمرًا قبله وإلا سيره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله ﷺ بردائه، ناداه على رؤوس الناس، فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمرًا قبلته، وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله ﷺ: (انزل أبا وهب)، فقال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، فقال رسول الله ﷺ: (بل لك تسير أربعة أشهر)، فخرج رسول الله ﷺ قِبَل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره٢ أداة وسلاحًا عنده فقال صفوان: أطوعًا أم كرهًا؟ فقال:
_________________
(١) ١ اسمها: فاختة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية أخت خالد بن الوليد، كانت تحت صفوان بن أمية، أسلمت يوم الفتح وبايعت. الإصابة (٤/ ٣٧٤) . ٢ استعارة النبي ﷺ السلاح من صفوان أخرجها الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق (٣/ ٤٨- ٤٩) ضمن حديث طويل وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والصواب أنه حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، وروي أيضًا من طرق أخرى انظرها في إرواء الغليل (٥/ ٣٤٤- ٣٤٦) .
[ ٢ / ٧٤٦ ]
(بل طوعًا) .
فأعاره الأداة والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله ﷺ وهو كافر فشهد حنينًا والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح١.
١٥٧- قال ابن سعد: أخبرنا أحمد بن الحجاج الخراساني٢، أخبرنا عبد الله بن المبارك٣، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن بعض
_________________
(١) ١ موطأ مالك كتاب النكاح: باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله رقم [٤٤] . قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله، التمهيد (١٢/ ١٩) . وقد أخرج البيهقي هذه الرواية من طريق مالك في السنن الكبرى (٧/ ١٨٦- ١٨٧) وفي الدلائل (٥/ ٩٧) . وأخرج ابن إسحاق من غير طريق الزهري عن عروة بمعنى هذه الرواية (ابن هشام ٢/ ٤١٧- ٤١٨)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في تاريخه (٣/ ٦٣) ٢ هو" أحمد بن الحجاج البكري المروزي، ثقة من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، خ، التقريب (٧٨) . ٣ عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، توفي سنة إحدى وثمانين وله ثلاث وستون، ع، التقريب (٣٢٠) .
[ ٢ / ٧٤٧ ]
آل عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، قال عمر: قلت: قد أمكن الله منهم أُعَرِّفُهُم بما صنعوا، حتى قال النبي ﷺ: "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١) قال عمر: فانفضحت حياءً من رسول الله ﷺ كراهية لما كان مني، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال٢.
١٥٨- وقال الحاكم٣: حدثنا أحمد بن سهل٤ الفقيه ببخارى، ثنا سهل بن المتوكل٥، ثنا إسماعيل بن أبي أويس٦، عن أبيه٧، عن
_________________
(١) ١ سورة يوسف، آية رقم (٩٢) . ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٤١-١٤٢)، وهو ضعيف لجهالة بعض آل عمر، وقد أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ رقم (٨٢)، وابن زنجويه في كتابه الأموال رقم (٤٥٥) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن بعض آل عمر به. ٣ المستدرك (٣/ ٢٤٢) . ٤ هو: أبو النصر، أحمد بن سهل البخاري الفقيه، ثقة متفق عليه، الإرشاد للخليلي (٣/ ٩٧٤) . ٥ سهل بن المتوكل بن حجر، أبو عصمة البخاري، يروي عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٤)، وقال عنه: (إذا حدث عن إسماعيل بن أبي أويس أغرب عنه) . ٦ تقدم في الرواية رقم [٧] . ٧ عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق يهم، تقدم.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
الزهري، عن عروة بن الزبير قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قلت: يا محمد إن هذه١ أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله ﷺ: "أنت آمن"، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس.
قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت٢ فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك"، قلت: يا رسول الله مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وتجاهد في سبيله"، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قاتلت قتالًا في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضِعْفَه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيدًا في خلافة أبي بكر رضي الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله ﷺ استعمله عام حجته على هوازن يصدقها، فتوفي رسول الله ﷺ وعكرمة يومئذ بتبالة٣.
_________________
(١) ١ يقصد زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام كما في الرواية الآتية رقم [١١٣] . ٢ أوضعت فيه: أي أسرعت فيه القتال. النهاية (٥/ ١٩٧) . ٣ تبالة: وادٍ ذو قرى ومياه ونخل، يقع جنوب شرق الطائف على قرابة (٢٠٠) كيل، يسيل من سراة غامد وبلقرن، من نواحي الباحة وبلجرشي وما والاهما، ثم يتجه شرقًا فيصب في بيشة، معجم المعالم الجغرافية (٥٩) . والحديث فيه انقطاع، لأن عروة بن الزبير لم يدرك عكرمة، لأن ولادته كانت في آخر خلافة عمر رضي الله عليه وسلم على الراجح، تاريخ خليفة (١٥٦)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ ٥٦٤) .
[ ٢ / ٧٤٩ ]
١٥٩- مالك عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله ﷺ عام الفتح، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك١.
_________________
(١) ١ موطأ مالك، كتاب النكاح، باب: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله، رقم الحديث (٤٤) . ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ١٧٨)، ودلائل النبوة (٥/ ٩٨) . وأخرج نحوه ابن إسحاق عن الزهري (ابن هشام ٢/ ٤١٨)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ (٣/ ٦٣) .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
المبحث العاشر: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
١٦٠- قال البخاري: حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، (ح) وحدثني نعيم، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث١ النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة٢، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا٣، فجعلوا يقولون: صبأنا،
_________________
(١) ١ هذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، فتح الباري (٨/ ٥٧) . وكان عددهم ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين وبني سليم. ابن سعد (٢/ ١٤٧) . ٢ إلى بني جذيمة: - بفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة -، أي ابن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، فتح الباري (٨/ ٥٧) . قال الحافظ: "ووهم الكرماني فظن أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف، قبيلة من عبد قيس". الفتح (٨/ ٥٧) . ٣ قوله: "فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا " قال الحافظ: "هذا من ابن عمر راوي الحديث، يدلّ على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة، ويؤيد فهمه أن قريشًا كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ، حتى اشتهرت هذه اللفظة، وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمرًا، قالوا له: صبأت؟ قال: بل أسلمت، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم: صبأنا، أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. أ.هـ. الفتح (٨/ ٥٧) . وقال الحافظ: "قال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة، ولما ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولًا قولهم". المصدر السابق. وأما ما ذكره ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٣١) والواقدي في المغازي (٣/ ٨٧٦- ٨٨٢)، من أن خالدًا إنما فعل ذلك إدراكًا لثأر قديم مع بني جذيمة، فلا يصح، لأن ابن إسحاق ذكر ذلك بدون إسناد، والواقدي متروك، ولا يؤخذ بقوله في مجال الأحكام الشرعية.
[ ٢ / ٧٥١ ]
صبأنا١، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يومٌ، أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد٢، مرتين"٣.
_________________
(١) ١ صبأنا صبأنا: يقال: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره، من قولهم: صبأ ناب البعير إذا طلع، وكانت قريش تسمي النبي ﷺ الصابئ، لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. النهاية (٣/ ٣) . ٢ قال الحافظ: "قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم: صبأنا"، فتح الباري (٨/ ٥٧- ٥٨) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٥٦) رقم (٤٣٣٩) و(١٣/ ١٨١ ورقم ٧١٨٩) . وقد أخرج خبر هذه السرية أيضًا: عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٢١- ٢٢٢ رقم ٩٤٣٤)، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (١٠/ ٤٤٤- ٤٤٥ رقم [٦٣٨٢] أرناؤوط)، والنسائي في سنن رقم (٥٤٠٤)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١١/ ٥٣، رقم: ٤٧٤٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١١٣- ١١٨)، وفي السنن (٩/ ١١٥) وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام، قسم المغازي (٥٦٧)، وابن كثير في البداية (٤/ ٣١٣- ٣١٤)، ومن غير طريق الزهري أخرجها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٢٨)، والواقدي في المغازي (٣/ ٨٧٥)، وابن سعد (٢/ ١٤٧- ١٤٩) بدون إسناد.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
١٦١- وقال ابن إسحاق١: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الأخنس٢، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي٣ قال: كنت يومئذٍ في خيل خالد بن الوليد، فقال لي فتى٤ من بني جذيمة وهو في
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام (٢/ ٤٣٣) . ٢ هو: يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ثقة، من السادسة، توفي سنة ثمان وعشرين، د، س، ق، التقريب (٦٠٨) . ٣ هو: عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، اسمه: سلامة، وقيل: عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان الأسلمي أبو محمد، له ولأبيه صحبة قال الحافظ: روى ابن إسحاق في المغازي عن يعقوب بن عتبة عن ابن شهاب عن أبي حدرد أن ابنه عبد الله قال: كنت في خيل خالد بن الوليد فذكر الحديث في قصة المرأة التي عشقها الرجل وضربت عنقه فماتت عليه ، الإصابة (٢/ ٢٩٤- ٢٩٥) . ٤ هو: عبد الله بن علقمة الكناني. انظر: الكامل (٢/ ١٧٥) .
[ ٢ / ٧٥٣ ]
سني، وقد جعلت يداه إلى عنقه برُمّة١، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: "يا فتى، فقلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟
قال: قلت: والله ليسيرٌ ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفت عليهن: فقال اسلمي حبيش٢ على نفد من العيش:
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم بحلية٣ أو ألفيتكم بالخوانق٤
ألم يك أهلًا أن ينوّل عاشق تكلف إدلاج٥السرى والودائق٦
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معًا أثيبي٧ بود قبل إحدى الصفائق٨
_________________
(١) ١ الرُّمة: - بالضم -: قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد إلى القصاص، النهاية (٢/ ٢٦٧) . ٢ مرخم حبيشة. ٣ حلية: اسم موضع أو هو: وادٍ بتهامة؛ أعلاه لهذيل، وأسفله لكنانة، معجم البلدان (٢/ ٢٩٧) . ٤ الخوانق: اسم موضع، لكن لم أجد له تعريفًا من كتب الأماكن والبلدان. ٥ الإدلاج: هو السير من أول الليل. النهاية (٢/ ١٢٩) . ٦ الودائق: جمع وديقة، أي حر شديد، أشد ما يكون من الحر بالظهائر. النهاية (٥/ ١٦٩) . ٧ أثيبي: من ثاب يثوب إذا رجع. النهاية (١/ ٢٢٧) . ٨ الصفائق: الحوادث، القاموس (صفق) .
[ ٢ / ٧٥٤ ]
أثيبي بود قبل أن تشحط١ النوى وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإنّي لا ضيعت سر أمانة ولا راق عيني عنك بعدك رائق٢
سوى أن ما نال العشيرة شاغل عن الودِّ إلا أن يكون توامق٣
قالت: وأنت فحييت سبعًا وعشرًا وترًا وثمانيًا تترى.
قال: ثم انصرفتُ به فضربتُ عنقه"٤.
_________________
(١) ١ شحط: الشحط: البعد، يقال: شحط فلان في السوم إذا أبعد. النهاية (٢/ ٤٤٩) . ٢ رائق: من راق الشيء إذا صفا وخلص. النهاية (٢/ ٢٧٩) . ٣ ومقه: أي أحبه، القاموس (ومق) . ٤ وهذه الرواية إسنادها حسن، وقد أخرجها من طريق ابن إسحاق البيهقي في الدلائل (٥/ ١١٥)، إلا أنه قال: حدثنا ابن أبي حدرد عن أبيه، وكذلك عند الذهبي قسم المغازي (٥٦٨)، وابن كثير البداية والنهاية (٤/ ٣١٣) . وقد أخرج النسائي برقم (٥٤٠٤) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١١٨)، قصة مشابهة لهذه القصة من حديث ابن عباس وقال فيها: ".. فقال إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم، فدعوني أنظر إليها نظرة - قال فيه - فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "أما كان فيكم رجل رحيم" وقد صححها ابن حجر كما في الفتح (٨/ ٥٨)، وأخرجها ابن حبان في صحيحه موارد الظمآن رقم (٦٦٩٦)، والطبراني في الكبير والأوسط كما قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١١٠)، وقال: "إسناده حسن".
[ ٢ / ٧٥٥ ]
الفصل الرابع: غزوة حنين وحصار الطائف
المبحث الأول: في سبب الغزوة.
المبحث الأول: في سبب الغزوة
١٦٢- قال خليفة بن خياط في تاريخه: نا وهب١ عن أبيه٢ عن ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب٣ عن أبيه٤ عن جده٥، قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أن هوازن٦ لما سمعت برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه جمعها مالك
_________________
(١) ١ وهب بن جرير بن حازم، ثقة تقدم في الرواية رقم [١٥٣] . ٢ جرير بن حازم تقدمت ترجمته في الرواية رقم [١٥٣] . ٣ هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق من الخامسة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، الرواية، ع، التقريب، (٤٢٣) . ٤ هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة، الرواية، ع، التقريب (٢٦٧) . ٥ عن جده: وهو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي، كنيته أبو محمد عند الأكثر، ويقال أبو عبد الرحمن ، أسلم قبل أبيه، ويقال: لم يكن بين مولديهما إلا اثنتا عشرة سنة، مات بالشام سنة خمس وستين وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين، وقيل: مات بمكة وقيل: بالطائف. الإصابة (٢/ ٣٥١- ٣٥٢) . ٦ قبيلة هوازن تنسب إلى: هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٢٦٤- ٢٦٥)، ونهاية الأرب للقلقشندي (٣٦٢،٣٩١)، وفتح الباري (٨/٢٩) . وتقع ديار هوازن ما بين غور تهامة إلى ما وراء بيشة، وناحية السراة والطائف وذي المجاز وحنين وأوطاس، انظر: مرويات غزوة حنين وحصار الطائف لإبراهيم القريبي (١/ ٣٧) . والغور: هو كل ما انحدر سيله مغربًا.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
ابن عوف النصري١، وخرج رسول الله ﷺ من مكة معه ألفان٢
_________________
(١) ١ هو: مالك بن عوف بن سعد بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، أبو علي النصري، كان رئيس المشركين يوم حنين، ثم أسلم، وكان من المؤلفة، وصحب، ثم شهد فتح القادسية وفتح دمشق. الإصابة (٣/ ٣٥٢) . ٢ ذكر ذلك أيضًا ابن إسحاق بدون سند (ابن هشام ٢/ ٤٤٠) وقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥/ ١٢١) من طريق ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم ) الحديث. وأخرج نحوه الطبري في تاريخه (٣/ ٧٣) من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر. وأخرجه أيضًا عن عروة وقتادة والسدي، انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٩٩-١٠٣) وقد أخرجه الواقدي عن شيوخه (المغازي ٣/ ٨٩٩)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٤-١٥٥) . وكلها لا تسلم من ضعف من الناحية الحديثية إلا أنها تتقوى بمجموعها، كما ذكر ذلك القريبي في رسالته (مرويات غزوة حنين والطائف) (١/ ١١٦) .
[ ٢ / ٧٦٠ ]
من أهل مكة مع عشرة آلاف١ من أصحابه واستعمل على مكة٢ ابن أَسيد٣ فالتقوا بحنين٤، فجال المسلمون ثم كروا على عدوهم فهزم الله المشركين٥.
_________________
(١) ١ يشهد لذلك ما أخرجه البخاري مع الفتح رقم (٤٢٧٦) ومسلم رقم (١٠٥٩) . ٢ مسألة استعمال ابن أسيد على مكة وردت من طرق ترتقي إلى درجة الحسن كما قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (٤٣٣)، كما أن الحافظ ابن حجر حسن رواية البخاري في تاريخه الكبير (١/ ٤١٩)، التي تذكر أن عتابًا كان أميرًا على مكة، وأنه لم يكسب من عمله ذلك إلا ثوبين. انظر: الإصابة (٢/ ٤٥١)، وانظر مرويات غزوة حنين للشيخ إبراهيم القريبي (١/ ١٠٥- ١١٠) . ٣ هو: عتاب - بالتشديد - بن أَسيد - بفتح أوله - بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عبد الرحمن ويقال: أبو محمد، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي ﷺ على مكة لما سار إلى حنين، وقيل إنما استعمله بعد أن رجع من الطائف، وحج بالناس سنة الفتح، وأمّره أبو بكر على مكة إلى أن مات. الإصابة (٢/ ٤٥١) . ٤ حنين: - بمهملة ونون مصغر - (فتح الباري ٨/ ٢٧)، وهو واد من أودية مكة، يقع شرقها بقرابة ثلاثين كيلًا، يسمى اليوم (وادي الشرائع) ولا يعرف اليوم اسم حنين إلا الخاصة من الناس. معجم المعالم الجغرافية (ص:١٠٧)، وقيل: يبعد عن مكة ستة وعشرين كيلًا شرقًا، وعن حدود الحرم من علمي طريق نجد أحد عشر كيلًا وهو واد يعرف اليوم ب- (الشرائع) المعالم الأثيرة (١٠٤)، وسمي حنين بحنين ابن قابثة بن مهلائيل كما قال البكري. معجم ما استعجم (٢/ ٧١-٧٢، و٤٧٢) . ٥ تاريخ خليفة بن خياط (٨٨)، والحديث سنده حسن، لتصريح ابن إسحاق بالتحديث.
[ ٢ / ٧٦١ ]
١٦٣- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ٢، وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر٣، عن أبيه جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب٤، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم٥، وعبد الله بن المكدم بن عبد الرحمن الثقفي٦ عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله ﷺ وساروا إليه، فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض وقد اجتمع حديثهم: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف
_________________
(١) ١ دلائل النبوة (٥/ ١١٩- ١٢٠) . ٢ تقدمت تراجم رجال الإسناد. ٣ هو: عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من الثالثة، ع، التقريب (٣٣٧) . ٤ عمرو بن شعيب، تقدم في الرواية رقم [١٥٦] . ٥ عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري المدني، القاضي، ثقة، من الخامسة، توفي سنة خمس وثلاثين، وهو ابن سعين سنة، ع، التقريب (ص: ٢٩٧) . ٦ هو: عبد الله بن المكدم - بالدال - الثقفي، وهو كذلك بالدال كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨٥)، أما في التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٢١١) والجرح والتعديل (٥/ ١٨١) فهو بالراء المهملة (مكرم) روى عن عبد الله بن قارب، وعنه ابن إسحاق، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك. انظر: الجرح والتعديل (٥/ ١٨١) .
[ ٢ / ٧٦٢ ]
النصري بني نصر، وبني جُشَم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعًا١ من بني هلال، وهم قليل، وناسًا من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف٢، وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ وساق معه الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فيهم فمكث فيهم يومًا أو يومين، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فقال عمر ﵁: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: "قد كنت ضالًا يا عمر فهداك الله"، ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا عنده مائة٣ درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمد، فقال: بل
_________________
(١) ١ أوزاعًا: أي جماعات متفرقة. النهاية (٥/ ١٨١) . ٢ لأن ثقيفًا فرقتان: بنو مالك بن حطيط بن جشم بن قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، وبنو عوف بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهم الأحلاف، وسموا بذلك لتحالفهم على بني مالك، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٢٦٦، ٢٦٩)، وانظر: تهذيب الأنساب لابن الأثير (١/ ٣٣)، وأسد الغابة (٤/ ٣٧٥) . ٣ يؤيد هذا العدد رواية الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨- ٤٩) وهي رواية حسنة، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، رقم الحديث (٦٣١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٨٩) . وقد أخرج البيهقي في السنن (٦/ ٨٩- ٩٠) أن العارية كانت ثمانين درعًا. وأخرج أبو داود في السنن رقم (٣٥٦٣) أن صفوان أعار النبي ﷺ يوم حنين ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (٣٠٤٣) . وفي رواية أخرى: "أن الرسول ﷺ استعار من صفوان أدرعًا يوم حنين" دون أن يحدد العدد. انظر: سنن أبي داود رقم (٣٥٦٢) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (٣٠٤٢) وفي رواية أخرى لأبي داود رقم (٣٥٦٦) أن رسول الله ﷺ قال لصفوان: "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثين بعيرًا " وحكم عليه الألباني بالصحة. انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (٣٠٤٥) .
[ ٢ / ٧٦٣ ]
عارية١ مضمونة حتى نؤديها عليك، ثم خرج رسول الله ﷺ سائرًا.
زاد أبو عبد الله في روايته قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم٢.
_________________
(١) ١ العارية: - مشددة، وقد تخفف - وهي: ما تداولوه بينهم، واستعار: طلب، واستعار منه، طلب إعارته. القاموس، مادة (عور) . ٢ وهي رواية حسنة، ويشهد لهذه الرواية ما أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله ﵁: فذكر نحوًا من هذه الرواية، انظر: مستدرك الحاكم (٣/ ٤٨- ٤٩) ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والصواب أنه حسن للكلام المعروف في ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٨٩) مختصرًا. وأخرج هذه الرواية ابن إسحاق بدون إسناد، انظر: ابن هشام (٢/ ٤٣٩-٤٤٠) والطبري في تاريخه (٣/ ٧٢- ٧٣) .
[ ٢ / ٧٦٤ ]
المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة.
١٦٤- قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة"١.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام (٢/ ٤٣٧)، وهذه الرواية مرسلة، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣)، والحديث قد وصله أبو داود في سننه (٢/ ١١ رقم ١٢٣١) وابن ماجه (١/ ٣٤٢ رقم ١٠٧٦) من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄. قال أبو داود: "روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق لم يذكروا فيه ابن عباس، يعني أنه مرسل كما قال البيهقي في السنن (٣/ ١٥١)، وفي الدلائل (٥/ ٣٥) . ويشهد له أيضًا ما أخرجه الطبري في تاريخه عن عروة: أنه أقام عام الفتح نصف شهر، تاريخ الطبري (٣/ ٧٠)، وذكر ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٧)، أن ابن شبة أخرج في كتابه (تاريخ مكة) عن عروة مثل ذلك، وتحديد خروج النبي ﷺ إلى حنين راجع إلى تحديد المدة التي دخل فيها ﷺ مكة، ومدة مكثه فيها، وفي ذلك أقوال كثيرة: قال النووي: "والمشهور في كتب المغازي أنه خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخلها لتسع عشرة خلت منه" النووي على مسلم (٧/ ٤٣٤) . وفي مدة إقامته بمكة خلاف: فقد ورد أنه ﷺ أقام خمس عشرة ليلة كما في رواية الزهري هذه.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
المبحث الثالث: في خروج النبي ﷺ إلى حنين ومروره بذات أنواط.
١٦٥- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن سنان بن
_________________
(١) وقيل: سبعة عشر يومًا، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين يومًا، انظر: تخريج هذه الروايات في رسالة: عادل عبد الغفور (مرويات عروة بن الزبير في السير والمغازي) (ص: ٧٥٧- ٧٦٠) . والراجح والله أعلم أنه ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه رقم (١٠٨٠) و(٤٢٩٨)، و(٤٢٩٩) . قال البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٥١): "وأصحها عندي - والله أعلم - رواية من روى تسع عشرة، وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح (فعلى هذا يكون خروجه ﷺ إلى حنين في اليوم الثامن أو (حسب نقصان الشهر وتمامه) التاسع من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، أما لو أخذنا برواية الزهري هذه التي تذكر مدة إقامة النبي ﷺ بمكة وأنها خمس عشرة ليلة مع ما ذكره النووي من أن الجمهور على أنه ﷺ وصل إلى مكة لتسع عشرة خلت من رمضان فيكون خروجه ﷺ إلى حنين في خمس أو ست ليال مضين من شوال من السنة الثامنة، ويظهر أن هذا القول أخذ به ابن إسحاق كما عند الواقدي في مغازيه (٣/ ٨٩٩)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٥٠)، والطبري في تاريخه (٣/ ٧٠) من طريق عروة، وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٣٢٢)، وفتح الباري (٨/ ٢٧)، وذكر أن عمر بن شبة نقل ذلك عن عروة.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
أبي سنان الديلي١، عن أبي واقد الليثي ٢، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين فمررنا بالسِّدْرة٣ فقلنا: أي رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط٤ كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٥ إنكم تركبون سَنَن الذين من قبلكم"٦.
_________________
(١) ١ هو: سنان بن أبي سنان الديلي، المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومائة، وله اثنتان وثمانون سنة، خ م ت س، التقريب (٢٥٦) . ٢ أبو واقد الليثي مختلف في اسمه، قيل: هو الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عبد مناف ابن كنانة، حليف بني أسد، أسلم قديمًا، وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة، وسعد بن بكر يوم الفتح وحنين، وفي غزوة تبوك يستنفر بني ليث، عاش إلى خلافة معاوية. الإصابة (٤/ ٢١٥-٢١٦) . ٣ السّدرة: شجرة النبق. القاموس، مادة (سدر) . ٤ ذات أنواط: هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلقونه بها، ويعكفون حولها. النهاية، ٥/١٢٥. ٥ سورة الأعراف، آية (١٣٨) . ٦ تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٣٥) القسم الثاني بسند صحيح. وأخرجه أحمد في المسند (٣٦/ ٢٣١، رقم [٢١٩٠٠] أرناؤوط)، والحميدي (٢/ ٣٧٥ رقم ٨٤٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ١٠١)، والطيالسي رقم (١٣٤٦) والترمذي في الفتن رقم (٢١٨٠) وعنده إلى (خيبر) وهو خطأ، وأخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٢) إلا أنه قال: وحدثني ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن أبي واقد الليثي، أن الحارث بن مالك قال: (خرجنا ) مما قد يظن أن الحارث غير أبي واقد، والصواب أن الحارث بن مالك هو أبو واقد الليثي كما في دلائل البيهقي (٥/ ١٢٤)، وحيث أورده من طريق ابن إسحاق وفيه: عن أبي واقد الليثي وهو الحارث بن مالك قال فذكره. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٦) والأزرقي في أخبار مكة (١/ ١٢٩-١٣٠) . والطبراني في الكبير رقم (٣٢٩٠و ٣٢٩١ و٣٢٩٢ و٣٢٩٤) وابن حبان (الإحسان ١٤/ ٩٤ رقم ٦٧٠٢)، وأخرجه أيضًا البيهقي في الدلائل (٥/ ١٢٥)
[ ٢ / ٧٦٧ ]
المبحث الرابع: في إعجاب المسلمين بكثرتهم.
١٦٦- وقال الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري قال: افتتح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ﴾ ١ قالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، فأقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة٢ يصلي ركعتين، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شوال، واستعمل على مكة عتاب
_________________
(١) ١ سورة النصر، آية رقم (١) . ٢ الذي في البخاري أنه أقام تسعة عشر يومًا، انظر: صحيح البخاري، حديث رقم: (٤٢٩٨) و(٤٢٩٩) .
[ ٢ / ٧٦٨ ]
ابن أسيد١ يصلي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه٢، قالوا: وخرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفًا من المسلمين عشرة آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة، فلما فصل، قال رجل٣ من أصحابه: لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُم﴾ ٤.
١٦٧- وأخرج الواقدي أيضًا من طريق موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول
_________________
(١) ١ سبق التعليق على تعيين عتاب بن أسيد؛ أميرًا على مكة في الرواية الماضية؛ رقم: [١٦٢] . ٢ وقد ذكر ذلك الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٧٠) . ٣ وعند البزار (كشف الأستار للهيثمي ٢/ ٢٤٦-٢٤٧) أن القائل غلام من الأنصار. قال الهيثمي: وفيه علي بن عاصم بن صهيب ضعيف، مجمع الزوائد (٦/ ١٧٨) . في الدلائل (٥/ ١٢٣)، أنه رجل، وهو مرسل. وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٤٤) أنَّه رجل من بكر قال ذلك. وعنده أيضًا أن القائل رسول الله ﷺ. المصدر السابق. وكلها أحاديث ضعيفة لكن يشهد لها قوله تعالى: ﴿ويومَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تًغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ الآية. وانظر: في هذه المسألة رسالة الدكتور القريبي: مرويات غزوة حنين (٢/ ١٣٥) . ٤ المغازي (٣/ ٨٨٩، والواقدي متروك فالحديث ضعيف، ولكن هناك ما يشهد لأكثر فقراته، والآية من سورة التوبة رقم (٢٥٠) .
[ ٢ / ٧٦٩ ]
الله، لا نغلب اليوم من قلة، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾ الآية١.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي (٣/ ٣٩٠)، وهو متروك، وأيضًا سعيد بن المسيب لم يدرك أبا بكر ففيه انقطاع.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
المبحث الخامس: في وقائع المعركة.
١٦٨- قال الإمام مسلم١: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو ابن سَرْح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي٢، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق٣ رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبَل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٣) . ٢ وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٥٩١): فروة بن عمرو الجذامي، وذكر أنه أسلم. وعند ابن عبد البر (الاستيعاب ٣/٣٢٥): فروة بن عمرو النفاثي، وفي الإصابة (٣/ ٢١٣): (مروة بن عامر الجذامي أو ابن عمرو وهو أشهر، أسلم على عهد النبي ﷺ، وبعث بإسلامه، ولم ينقل أنه اجتمع به أهدى للنبي ﷺ بغلة بيضاء ) . وقال النووي: "فروة بن نفاثة - بنون مضمومة ثم فاء مخففة ثم ألف ثم تاء مثلثة -، وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال فروة بن نعامة - بالعين والميم -، والصحيح المعروف الأول" شرح مسلم (١٢/ ١١٣) . ٣ طفق: بمعنى أخذ. النهاية (٣/ ١٢٩) .
[ ٢ / ٧٧١ ]
بلجام١ بغلة رسول الله ﷺ أَكُفُّها٢ إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب٣ رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "أي عباس ناد أصحاب الشجرة" ٤، فقال عباس وكان رجلًا صَيِّتًا٥: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟
قال: فوالله لكأَنَّ عَطْفَتَهم حين سمعوني عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج٦، فقالوا: يا بني
_________________
(١) ١ اللجام: حبل أو عصا تدخل في فم الدابة وتلزق إلى قفاه، لسان العرب (لجم) . ٢ أكفها: أي أمنعها. النهاية (٤/ ١٩٢) . ٣ الركاب للسرج: كالغرز للرحل، والجمع ركب، اللسان (ركب) . ٤ هي: الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان، ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. النووي بشرح مسلم (١٢/ ١١٥) . ٥ رجلًا صيتًا: أي شديد الصوت عاليه. النهاية (٣/ ٦٤) وذكر النووي عن الحازمي في المؤتلف أن العباس ﵁ كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعهم، قال: وبين سلع والغابة ثمانية أميال، النووي على مسلم (١٢/ ١١٥) . ٦ قوله: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، هو: الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، ومن ولده: جشم وحارثة، فولد جشم عبد الأشهل وزعوراء، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٣٨) .
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ: "هذا حين حمي الوطيس" ١، قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة"٢، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم٣ كليلًا وأمرهم مدبرًا٤.
_________________
(١) ١ هذا حين حمي الوطيس: - هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة -، قال الأكثرون: هو شبه التنور يسجر فيه، ويضرب مثلًا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره. وقال آخرون: الوطيس هو: التنور نفسه، وقال الأصمعي: هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها، فيقال: الآن حمي الوطيس ، قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي ﷺ، النووي على مسلم (١٢/ ١١٦) . ٢ وفي رواية معمر عن الزهري (انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة) مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٧) . ٣ فما زلت أرى حدهم كليلًا: - هو بفتح الحاء المهملة -، أي: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة، النووي على مسلم (١٢/ ١١٧) . ٤ وأخرجه من طريق يونس الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٢٧)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٣٧) . ومن طريق معمر عن الزهري أخرجه الواقدي في المغازي (٣/ ٨٩٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٩)، رقم (٩٧٤١)، وفي تفسيره (١/ ٢٦٩)، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩٦- ٢٩٧ رقم [١٧٧٥] أرناؤوط)، وفي فضائل الصحابة رقم (١٧٧٥)، ومسلم رقم (١٧٧٥) (٧٦)، وأخرجه من طريق معمر ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٥)، وأبو يعلى في المسند رقم (٣٦٠٦)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٥٢٣ رقم ٧٠٤٩) . وأخرجه الحميدي في مسنده (١/ ٢١٨ رقم ٤٥٩) من طريق الزهري. ومن طريق سفيان عن الزهري أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٧٣ رقم ٣٥٦)، وفي كتاب الجهاد رقم (٢٥٢) مختصرًا، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٢)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥٥) . وأخرجه ابن سعد كما في الطبقات (٤/ ١٨) من طريق محمد بن عبد الله عن عمه ابن شهاب، وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٤٤- ٤٤٥) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن سعد كما في الطبقات (٣/ ٧٥)، والطبري في تفسيره (١٤/ ١٨٢)، تحقيق: أحمد شاكر، وأخرجه الفزاري عن ابن جريج عن ابن شهاب مرسلًا، السير للفزاري (٢٠٣) .
[ ٢ / ٧٧٣ ]
١٦٩- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب٢ عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب فلزمنا رسول الله ﷺ فلم نفارقه وهو على بغلة
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٧٩) رقم (٩٧٤١)، والتفسير (١/ ٢٦٩) القسم الثاني. ٢ هو: كثير بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو تمام، صحابي صغير، مات بالمدينة أيام عبد الملك، خ م د س، التقريب (٤٥٩) .
[ ٢ / ٧٧٤ ]
شهباء، وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نعامة الجذامي، قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته نحو الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ ألقفها١، وهو لا يألو ما أسرعَ نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغَرْز رسول الله ﷺ، فقال: يا عباس ناد أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلًا صَيِّتًا فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، وأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، فنادت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قُصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ: "هذا حين حمى الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا حتى هزمهم الله تعالى، قال: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلة له٢.
_________________
(١) ١ في تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٦٩): فكففتها، وعند مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٣): من طريق يونس: أكفها. ٢ إلى هنا أخرجه عبد الرزاق متصلًا.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
١٧٠- قال الحميدي: حدثنا سفيان١، قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: جُرِح خالد بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله ﷺ وأنا غلام وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ فخرجت أمشي بين يدي رسول الله ﷺ وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة، فجلس رسول الله ﷺ عنده ودعا له قال٢: وأرى فيه ونفث٣ عليه٤.
قال عبد الرزاق: قال الزهري: وكان عبد الرحمن بن أزهر٥ يحدث
_________________
(١) ١ هو: سفيان بن عيينة، تقدم. ٢ القائل هو: الزهري، ففي مسند أحمد (٢٧/ ٣٦٦ رقم [١٦٨١١] أرناؤوط) ( قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله ﷺ)، وانظر: كذلك صحيح ابن حبان رقم (٧٠٩٠) . ٣ نفث: النفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. النهاية (٥/ ٨٨) . ٤ مسند الحميدي (٢/ ٣٩٨) رقم (٨٩٧) بسند صحيح. ومن طريق معمر أخرجه الشافعي في المسند (٢/ ٩٠) رقم (٢٩٢)، وأحمد في المسند (٢٧/ ٣٦٦، رقم [١٦٨١١] أرناؤوط) وابن أبي عاصم في الآحاد (١/ ٤٥٩) رقم (٦٣٩)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٥/ ٥٦٤- ٥٦٥، رقم ٧٠٩٠)، وقال محققه شعيب الأرناؤوط: سنده صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن (٨/ ٣١٩ و٩/ ١٠٣) مختصرًا. ٥ عبد الرحمن بن أزهرالزهري أبو جبير المدني، صحابي صغير، مات قبل الحرة، وله ذكر في الصحيحين مع عائشة، أغفل المزي رقم (س) وهو في الأشربة، د س، التقريب (٥٧٠) .
[ ٢ / ٧٧٦ ]
أن خالد بن الوليد بن المغيرة يومئذ كان على الخيل، خيل رسول الله ﷺ، فقال ابن أزهر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ بعدما هزم الله الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم، يمشي في المسلمين ويقول: من يدلُّني على رحل خالد بن الوليد؟ فمشيت حتى - أو قال: فسعيت - بين يديه وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد؟ حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول الله ﷺ فنظر إلى جرحه.
١٧١- وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري١ - المصري ابن أخي رشدين بن سعد - أخبرنا ابن وهب٢، أخبرني أسامة بن زيد٣، أن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من
_________________
(١) ١ هو: سليمان بن داود بن حماد المهري أبو الربيع المصري، ابن أخي رشدين، ثقة، من الحادية عشرة، توفي سنة ثلاث وخمسين، د س، التقريب (٢٥١) . ٢ هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، ثقة، تقدم في الرواية رقم [١٢١] . ٣ هو: أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين وهو ابن بضع وسبعين، خت م ع، التقريب (٩٨) .
[ ٢ / ٧٧٧ ]
ضربه بالْمِيتَخَة١، قال ابن وهب: الجريدة الرطبة، ثم أخذ رسول الله ﷺ ترابًا من الأرض فرمى به في وجهه٢.
_________________
(١) ١ الميتخة: هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد، وبكسر الميم وسكون التاء، قال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون. النهاية ٤/ ٢٩٢. ٢ سنن أبي داود (٣/ ١٦٥- ١٦٦ رقم ٤٤٨٧ ورقم: ٤٤٨٨، ورقم: ٤٤٨٩) . ومن طريق أسامة بن زيد أخرجه أحمد في المسند (٣١/ ٤٣١ رقم [١٩٠٧٩] أرناؤوط)، عن الزهري أنه سمع عبد الرحمن بن أزهر يقول: رأيت رسول الله ﷺ فذكره، وأبو عوانة (٤/ ٢٠٣)، وصرح عنده الزهري بالسماع أيضًا والحاكم (٤/ ٣٧٤- ٣٧٥)، عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن أزهر فذكره. وقال الألباني: "حسن صحيح" انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٤٩ رقم: ٣٧٦٦) . وقال عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول (٣/ ٥٨٥): عن إسناد أبي داود رقم (٤٤٨٧ و٤٤٨٨) إسناده صحيح. وأخرجه الواقدي في المغازي (٣/ ٩٢٢)
[ ٢ / ٧٧٨ ]
المبحث السادس: في إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين.
أولًا: إعطاؤه لصفوان بن أمية.
١٧٢- قال الإمام مسلم: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.
قال ابن شهاب١: حدثني سعيد بن المسيب، أن صفوان قال: والله
_________________
(١) ١ من هنا إلى نهاية الحديث: أخرجه الفسوي في المعرفة (١/ ٣٠٩)، والطبري في تهذيب الآثار مسند عمر رقم (١٦٢)، وزاد فيه: وأعطى حكيم بن حزام يومئذ مائة، وحكيم يسأله من النعم، ثم مائة، ثم مائة، وقد أخرجه الترمذي مطولًا من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين الحديث، سنن الترمذي (٣/ ٤٤- ٤٥ رقم ٦٦٦)، ثم قال: حديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن صفوان ابن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ، وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو: سعيد بن المسيب: أن صفوان. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٤٤٩)، وأحمد في المسند (٤٥/ ٦٠٧- ٦٠٨ رقم [٢٧٦٣٨] أرناؤوط)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٨١) رقم (٧٧٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ٥١) رقم (٧٣٤٠)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١١/ ١٥٩ رقم: ٤٨٢٨) كلهم من طريق ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان به، وأخرجه الطبري في تفسيره رقم (١٦٨٤٧) مرسلًا عن الزهري قال: قال صفوان فذكره، ورواية مسلم ظاهرها الانقطاع، أما رواية الترمذي وأحمد وغيرهما فظاهرها الاتصال.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ١.
١٧٣- وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أعطى النبي ﷺ حكيم بن حزام يوم حنين عطاءً فاستقله فزاده، فقال: يا رسول الله، أَيّ أُعْطِيَتِكَ خير؟ قال: الأولى. قال: فقال له النبي ﷺ: "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس، وحسن أكلة، بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف٢ نفس وسوء أكلة، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال: ومنك يا رسول الله؟ قال: (ومني) قال: فوالذي بعثك بالحق
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (٤/ ١٨٠٦ رقم ٢٣١٣) . ٢ أصل الاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر، كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف والعلو، أي ما جاءك منه وأنت غير متطلع إليه ولا طامع فيه. النهاية (٢/٤٦٢) .
[ ٢ / ٧٨٠ ]
لا أرزأ١ بعدك أحدًا شيئًا أبدًا، قال: فلم يقبل ديوانًا ولا عطاءً حتى مات، قال: وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني أدعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: إني والله لا أرزأك ولا غيرك شيئًا٢.
١٧٤- قال الواقدي: حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، قالا: حدثنا حكيم بن حزام: قال سألت رسول الله ﷺ بحنين مائة من الإبل فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا حكيم بن حزام؛ إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".
قال: فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوه إلى عطائه فيأبى يأخذه، فيقول
_________________
(١) ١ أي: لا آخذ. النهاية (٢/٢١٨) ٢ مصنف عبد الرزاق (٩/٧٦) رقم (١٦٤٠٩) . وهذا الحديث صورته مرسل، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف١١/١٠٢) رقم (٢٠٠٤١) عن الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، وعن هشام عن أبيه، فذكر نحوه، وليس فيه أن ذلك كان حين غزوة حنين، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وعروة بن الزبير؛ أخرجه الطبراني في الكبير (٣/١٨٨) رقم (٣٠٧٨) وفيه أن ذلك العطاء كان في حنين.
[ ٢ / ٧٨١ ]
عمر: أيها الناس إني أشهدكم على حكيم أني أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه١.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي (٣/٩٤٥) وهذه الرواية فيها التصريح بأن سعيد بن المسيب وعروة حدثهما حكيم بن حزام نفسه، وأن سؤاله للرسول ﷺ كان بحنين، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة حديثيًا إلا أنه قد ورد ما يشهد لها، فقد أخرج البخاري من طريق يونس بن يزيد الأيلي، والأوزاعي وسفيان بن عيينة ثلاثتهم عن الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني الحديث، ولكن ليس فيه أن ذلك كان في حنين، انظر: البخاري مع الفتح (٣/ ٣٣٥) رقم (١٤٧٢)، و(٥/٣٧٧) رقم (٥٧٥٠)، و(٦/ ٢٤٩- ٢٥٠) رقم (٣١٤٣) و(١١/ ٢٥٨) رقم (٦٤٤١)، ومسلم بشرح النووي (٧/ ١٢٥ -١٢٦)، وأحمد في المسند (٢٤/ ٣٤١ رقم [١٥٥٧٤] أرناؤوط)، والحميدي في مسنده (١/ ٢٥٣ رقم ٥٥٣)، والترمذي في سننه رقم (٢٤٦٣)، والنسائي في (٥/ ١٠٠ -١٠١)، وتفسير الطبري (١٤/ ٣١٣ رقم ١٦٨٤٧) تحقيق شاكر، وتهذيب الآثار له رقم (١٦٢) من مسند عمر، من طريق ابن شهاب حدثني سعيد بن المسيب أن صفوانًا قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ، وأعطى حكيم بن حزام يومئذ، وحكيم يسأله مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة، وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٣/ ١٨٩ رقم (٣٠٧٩) و(٣٠٨٠)، و(٣٠٨٢) و(٣٠٨٣) وكلها ليس فيها أن ذلك العطاء كان في حنين. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن ذلك العطاء كان في حنين بصرف النظر عن عدم ذكر حنين في الروايات المتقدمة، ويكفي ما ذكره عبد الرزاق في روايته التي ذكرت أن ذلك كان في حنين، وكذا رواية الواقدي لوجود ما يشهد لها.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
١٧٥- وقال ابن هشام١: حدثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: بايع رسول الله ﷺ: من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين:
من بني أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل بن بَعْكَك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ومن بني مخزوم بن يقظة: زهير بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم٢.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية (٢/ ٤٩٤- ٤٩٦) والرواية فيها إبهام لشيخ ابن هشام وانقطاع أيضًا. ٢ ذكر ابن إسحاق عن الزهري أن السائب بن أبي السائب ممن بايع رسول الله ﷺ وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين. انظر ابن هشام (١/ ٧١٢) .
[ ٢ / ٧٨٣ ]
ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم.
- ومن بني جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف.
- ومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة السهمي.
- ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.
ومن أفناء القبائل:
- من بني بكر بن مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل.
- ومن بني قيس ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
- ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.
- ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
- ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبي عامر أخو بني الحارث بن بُهْثَة بن سُليم.
- ومن بني غطفان؛ ثم من بني فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة
[ ٢ / ٧٨٤ ]
ابن بدر.
- ومن بني تميم، ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بني مجاشع بن دارم.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
المبحث السابع: في قدوم وفد هوازن على النبي ﷺ مسلمين ورد السبي إليهم
١٧٦- قال البخاري١: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة٢ أخبراه أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: أحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، قد كنت استأنيت بهم، وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٤٨٣ رقم (٢٣٠٧) و(٢٣٠٨) . ٢ قال الحافظ ابن حجر: "وقد تقدم في أول الشروط في قصة صلح الحديبية أن الزهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحاب النبي ﷺ، فدل على أنه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب النبي ﷺ أنه يرسله، فإن المسور يصغر عن إدراك القصة ومروان أصغر منه، نعم كان المسور في قصة حنين مميزًا، فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي لابنة أبي جهل، والله أعلم، فتح الباري (٨/ ٣٣) .
[ ٢ / ٧٨٦ ]
يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا١.
_________________
(١) ١ وقع في رواية موسى بن عقبة المرسلة عند البيهقي في الدلائل (٥/ ١٩١- ١٩٢): فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلًا منهم سألوه الفداء. وقال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: فقال رسول الله ﷺ: "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " وفيه فقال رسول الله ﷺ: "وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ". ابن هشام (٢/ ٤٩٨) . وقال الحافظ ابن حجر: " فالأغلب الأكثر طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير عوض، وبعضهم رده بشرط التعويض" فتح الباري (١٣/ ١٦٩) . والحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه من طرق عن الزهري، انظر: البخاري مع الفتح (٥/ ١٦٩، ٢٠٩، ٢٢٦، ٢٢٧، رقم (٢٥٣٩ و٢٥٤٠ و٢٥٨٣ و٢٥٨٤ و٢٦٠٧ و٢٦٠٨) و(٦/ ٢٣٦ رقم ٣١٣١ و٣١٣٢) من طريق عُقَيل عن الزهري، و(٨/ ٣٢- ٣٣ رقم ٤٣١٨ و٤٣١٩) من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه، و(١٣/ ١٦٨ رقم ٧١٧٦ و٧١٧٧) من طريق موسى بن عقبة عن الزهري. ومن طريق عُقَيل عن الزهري أخرجه أبو داود رقم (٢٦٩٣)، وأبو عبيد في الأموال، رقم (٣١٤)، وابن زنجويه في الأموال رقم (٤٨٣)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٦٠)، وفي الدلائل (٥/ ١٩٠- ١٩١)، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٨٦ رقم ٢٧١٥)، ومن طريق ابن أخي الزهري عن عمه أخرجه أحمد في المسند (٣١/ ٢٣٠، رقم [١٨٩١٤] أرناؤوط)، ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري أخرجه البيهقي في السنن (٦/ ٣٦٠)، وفي الدلائل (٥/ ١٩٢) مختصرًا. ويشهد لما تقدم ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو نحوه، انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨٩) وسنده حسن حيث صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث. وأحمد في المسند (١١/ ٣٣٩، رقم [٦٧٢٩] و١١/ ٦١٢- ٦١٣ رقم [٧٠٣٧] أرناؤوط)، وأبو داود في السنن رقم (٢٦٩٤) مختصرًا، والنسائي في السنن (٦/ ٢٦٢) والطبراني في الكبير (٥/ ٢٧٠ رقم ٥٣٠٤)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٤- ١٩٥) من طرق عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع كما في ابن هشام (٢/ ٤٨٩)، وإحدى الروايتين عند أحمد في المسند (١١/ ٦١٢ -٦١٣ رقم [٧٠٣٧] أرناؤوط)، والباقي أخرجوه بالعنعنة.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
قال عبد الرزاق: قال الزهري فأخبرني سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ سبى١ يومئذ ستة آلاف سبي من امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب.
_________________
(١) ١ السَّبي: والسَّبيَّة والسَّبايا: فالسبي: النهب، وأخذ الناس عبيدًا وإماءً. النهاية (٢/ ٣٤٠) .
[ ٢ / ٧٨٨ ]
قال الزهري١: وأخبرني عروة بن الزبير قال: لما رجعت هوازن إلى رسول الله ﷺ قالوا: أنت أبر الناس وأوصلهم، وقد سُبي موالينا ونساؤنا، وأخذت أموالنا، فقال رسول الله ﷺ: إني كنت استأنيت٢ بكم ومعي من ترون، وأحب القول لديّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما المال وإما السبي.
فقالوا: يا رسول الله أما إذا خيرتنا بين المال وبين الحسب، فإنا نختار الحسب، أو قال: ما كنا نعدل بالحسب شيئًا، فاختاروا نساءهم وأبناءهم.
فقام رسول الله ﷺ وخطب في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا مسلمين أو مستسلمين، وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب، وإني قد رأيت أن تردوا لهم أبناءهم ونساءهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكتب علينا حصته من ذلك حتى نعطيه من بعض ما يفيئه الله علينا فليفعل"، قال: فقال المسلمون: طيَّبنا ذلك لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ هذا معلق أيضًا وسيأتي الحديث عن السبي قريبًا. ٢ استأنيت بكم: أي انتظرت وتربصت، يقال: أنيت وأنَّيت وتأنيت واستأنيت. النهاية (١/ ٧٨) .
[ ٢ / ٧٨٩ ]
قال: إني لا أدري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فأمروا عرفاءكم١ فليرفعوا ذلك إلينا، فلما رفعت العرفاء إلى رسول الله ﷺ أن الناس قد أسلموا ذلك، وأذنوا فيه رَدَّ رسول الله ﷺ إلى هوازن نساءهم وأبناءهم، وخيَّر رسول الله ﷺ نساءً كان أعطاهن رجالًا من قريش بين أن يلبثن عندهم وبين أن يرجعن إلى أهلهن، قال الزهري: فبلغني أن امرأة منهم كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فخيرت فاختارت أن ترجع إلى أهلها وتركت عبد الرحمن، وكان معجبًا بها، وأخرى عند صفوان بن أمية فاختارت أهلها.
قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: قسم رسول الله ﷺ ما قسم بين المسلمين ثم اعتمر من الجِعِرانة٢ بعدما قفل من غزوة حنين، ثم انطلق إلى المدينة، ثم أمَّر أبا بكر على تلك الحجة٣.
_________________
(١) ١ العرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فعيل: بمعنى فاعل، والعرافة: عملة. النهاية ٣/ ٢١٨. ٢ الجعرانة: - بكسر الجيم وكسر العين المهملة وتشديد الراء - وفيها رواية أخرى - وهي كسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء - وهي: مكان بين مكة والطائف، نزلها النبي ﷺ لما قسّم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين، ويقع شمال شرقي مكة، وقد اتخذها الناس مكانًا للعمرة اقتداءً بالنبي ﷺ. المعالم الأثيرة (٩٠) . وقد دخلت في العمران اليوم على طريق القادم من وادي الشرائع. ٣ والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٥) من طريق معمر عن الزهري.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
١٧٧- قال أبو عبيد١: وأما أمر هوازن، فإن عبد الله بن صالح حدثنا عن الليث بن سعد قال: حدثني عُقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ رد ستة آلاف من سبي هوازن - من النساء والصبيان والرجال - إلى هوازن حين أسلموا وخيّر نساءً كن عند رجال من قريش، منهم عبد الرحمن بن عوف، وصفوان بن أمية، وقد كانا استسرَّا٢ المرأتين اللتين كانت عندهما، فخيرهما رسول الله ﷺ فاختارتا قومهما٣.
_________________
(١) ١ كتاب الأموال (١١٧) رقم (٣١٤)، وفي سنده عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه فيه غفلة، كما قال ابن حجر في التقريب ٣٠٨ ٢ استسرَّا: أي اتخذاهما أمتين، لأن السّرية بالضم: الأمة التي بوأتها بيتًا منسوبة إلى السر بالكسر للجماع، وقد تسرّر وتسرّى واستسرَّ، القاموس مادة (سرر) . ٣ وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٩ رقم ٩٧٤١) معلقًا عن الزهري عن سعيد بن المسيب. والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٣) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (١/ ٣١٣ رقم ٤٨٣) من طريق عُقيل عن ابن شهاب، وفي سنده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أخرجه الطبري في التفسير (١٤/ ١٨٤ رقم ١٦٥٧٨) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن الزهري. ويشهد له ما أخرجه الطبري في تاريخه (٣/ ٨٢- ٨٣) من حديث هشام بن عروة عن أبيه. وخليفة بن خياط في تاريخه (٩٠) من حديث هشام بن عروة أيضًا عن أبيه.
[ ٢ / ٧٩١ ]
المبحث الثامن: في موقف الأنصار من تقسيم الغنائم
١٧٨- قال البخاري١:حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار - حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي ﷺ يعطي رجالًا المائة٢ من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة٣ من أدم٤، ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٥٢- ٥٣ رقم ٤٣٣١) . ٢ تقدم أنه أعطى صفوان بن أمية وحكيم بن حزام مائة من الإبل، انظر: الرواية المتقدمة في مسلم رقم (٢٣١٣) ومصنف عبد الرزاق رقم (١٦٤٠٧) من طريق الزهري. وأخرج أحمد في المسند (٢٠/ ٣٦٥ رقم [١٣٠٨٤] أرناؤوط) من حديث أنس قال: أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائة من الإبل ، وهو في البخاري رقم (٤٣٣٦) . وأخرج الطبري من حديث قتادة مرسلًا وفيه، وتألف أناسًا من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس الحديث، انظر: جامع البيان (١٠/ ١٠٠- ١٠١) . ٣ القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية (٤/ ٣) . ٤ الأديم: الجلد. القاموس، مادة (أدم)، - وهي بفتح الهمزة والدال -: جلد مدبوغ، شرح المواهب (٣/ ٩٣) .
[ ٢ / ٧٩٢ ]
فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي ﷺ: فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير من مما ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي ﷺ: ستجدون أُثْرَة١ شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قال أنس: فلم يصبروا٢.
_________________
(١) ١ أُثْرَة: بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوله من الإسكان، أي: الانفراد بالشيء المشترك، دون من يشركه فيه، والمعنى: أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق. الفتح (٨/ ٥٢) . ٢ أي فيما بعد بدليل ما جاء عند مسلم رقم (١٠٥٩) من طريق يونس عن الزهري وفيه (..قالوا: سنصبر)، وفي رواية أخرى عنده من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال أنس: قالوا: نصبر، كرواية يونس عن الزهري، المصدر السابق. والحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع، انظر: رقم (٣١٤٧) من طريق شعيب عن الزهري، ورقم (٥٨٦٠) من طريق الزهري مختصرًا. وأخرجه من غير طريق الزهري، انظر الأرقام (٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٤٣٣٤ و٣٧٧٨) . وأخرجه مسلم برقم (١٠٥٩) من طريق الزهري وغيره. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (١٩٩٠٨) وأبو يعلى رقم (٣٥٩٤) وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم ٧٢٧٨) والبيهقي في السنن (٦/ ٣٣٧)، وفي الدلائل (٥/ ١٧٥)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ١٧٣) رقم (٣٩٧٤) من طرق عن الزهري، وأخرجه أحمد في المسند من غير طريق الزهري عن أنس، انظر المسند (٢٠/ ٥٧- ٥٨ رقم [١٢٦٠٨] ورقم [١٢٩٧٧] ورقم [١٢٩٧٨] أرناؤوط)، والحميدي رقم (١٢٠١)، والترمذي رقم (٣٩٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨٤) .
[ ٢ / ٧٩٣ ]
١٧٩- قال الطبراني١: حدثنا الحسن بن علي المعمري٢، ثنا أيوب بن محمد الوزان٣، ثنا عبد الله بن سليم٤ عن رِشْدين بن سعد٥، عن يونس بن يزيد٦ وعُقيل٧ عن الزهري، عن السائب بن
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٧/ ١٥١) رقم (٦٦٦٥) . ٢ هو: الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري الحافظ كان من أوعية العلم يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ، وفي حديثه غرائب وأشياء ينفرد بها، وذكره الدارقطني فقال: "صدوق حافظ"، تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٩- ٣٧٢) . ٣ هو: أيوب بن محمد بن فروخ بن زياد الوزان، من أهل الكوفة كنيته أبو سليمان توفي في ذي القعدة سنة ٢٤٩، الثقات لابن حبان (٨/ ١٢٧) . ٤ هو: عبد الله بن سليم الجزري، أبو عبد الرحمن الرقي، مقبول، من كبار العاشرة، توفي سنة ثلاث عشرة، س، التقريب (٣٠٦) . ٥ رشدين: - بكسر الراء وسكون المعجمة - بن سعد بن مفلح المِهْري - بفتح الميم وسكون الهاء - أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لَهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين وله ثمان وسبعون سنة، ت ق، التقريب (٢٠٩) . ٦ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧٧] . ٧ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٦٨] .
[ ٢ / ٧٩٤ ]
يزيد١، أن رسول الله ﷺ قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين من غنائم هوازن، فأفشى القسم في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضب الأنصار، فلما سمع ذلك النبي ﷺ أتاهم في منازلهم ثم قال: "من كان ههنا ليس من الأنصار فليخرج إلى رحله".
ثم تشهد رسول الله ﷺ وحمد الله عزوجل ثم قال: (يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناسًا أتألفهم على الإسلام، لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم، وقد أدخل الله قلوبهم الإسلام) ثم قال: "يا معشر الأنصار ألم يَمُنّ الله عليكم بالإيمان وخصّكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وسلكتم واديًا لسلكت واديكم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم الشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ؟ فلما سمعت الأنصار قول النبي ﷺ قالوا: رضينا، فقال النبي ﷺ: "أجيبوني فيما قلت: فقالت الأنصار: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار، فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالًا فهدانا الله بك، فرضينا بالله ربًاّ وبالإسلام دينًا
_________________
(١) ١ هو: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل: غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، ع، التقريب (٢٢٨) .
[ ٢ / ٧٩٥ ]
وبمحمد نبيًا، فاصنع يا رسول الله ما شئت في أوسع الحل، فقال النبي ﷺ: "أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم، لو قلتم: ألم تأتنا طريدًا فآويناك، ومكذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك، لو قلتم هذا لصدقتم"، قالت الأنصار: بل لله ولرسوله المن، والفضل علينا وعلى غيرنا، ثم بكوا فكثر بكاؤهم، فبكى النبي ﷺ معهم ورضي عنهم، فكانوا بالذي قال لهم أشد اغتباطًا١ وأفضل عندهم من كل مال٢.
_________________
(١) ١ الغبطة: بكسر الغين: حسن الحال والمسرة، القاموس مادة (غبط) . ٢ قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١) وفيه رشدين بن سعد وحديثه في الرقائق ونحوها حسن، وبقية رجاله ثقات. والحق أن سنده ضعيف من أجل: رشدين بن سعد، كما مر، لكن للحديث شواهد صحيحة مر ذكرها في الرواية المتقدمة رقم [١٢٧] .
[ ٢ / ٧٩٦ ]
المبحث التاسع: في جفاء الأعراب وحلم النبي ﷺ.
١٨٠- قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مَقْفَلهُ من حنين، فعلقت١ الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرة٢، فخطفت رداءه، فوقف النبي ﷺ فقال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه٣ نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا٤.
_________________
(١) ١ فعلقت الناس: أي نشبوا وتعلقوا. النهاية (٣/ ٢٨٨) . ٢ إلى سمرة: بفتح المهملة وضم الميم، شجرة طويلة متفرقة الرأس، قليلة الظل صغيرة الورق والشوك، صلبة الخشب، قاله ابن التين. الفتح (٦/ ٢٥٤) . ٣ العضاة: قيل: هي شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، وقيل: السمرة هي العضاة، وقال الخطابي: ورق السمر أثبت وظلها أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح، الفتح (٦/ ٢٥٤) . ٤ صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٣٥) رقم (٢٨٢١) . وأخرجه البخاري رقم (٣١٤٨) وأخرجه عبد الرزاق (٥/ ٢٤٣) رقم (٩٤٩٧)، وأحمد (٢٧/ ٣٢٠ رقم [١٦٧٥٦] أرناؤوط)، والفسوي في المعرفة (١/ ٣٦٤)، وأبو عبيد في الأموال رقم (٦١٩)، وابن زنجويه في الأموال أيضًا (٢/ ٦٨١) رقم (١١٤٠)، والطبري في تهذيب الآثار رقم (١٥١)، السفر الأول من مسند عمر، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٣/ ٨٥، رقم ٥٧٧٢)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٠) رقم (١٥٥١، و١٥٥٢، و١٥٥٣، و١٥٥٤، و١٥٥٥)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي رقم (١٠٢)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٢٥٢) رقم (٣٦٨٩)، وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٢٧٢)، كلهم من طريق الزهري، وفي بعضها اختلاف يسير في بعض الألفاظ.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
١٨١- وقال البخاري١: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما النبي ﷺ يقسم ذات يوم٢قسمًا، فقال ذو الخويصرة٣- رجل من بني تميم٤: يا رسول الله؛ اعدل. فقال: ويلك، من يعدل إذا لم أعدل؟!
فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: لا، إن له أصحابًا يحقر
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (١٠/ ٥٥٢) رقم (٦١٦٣) . ٢ هذا القَسْم كان في غزوة حنين كما في صحيح البخاري من غير طريق الزهري رقم (٣١٥٠)، ومسلم بشرح النووي (٧/ ١٥٩) . وكتاب السنة لابن أبي عاصم من طريق الزهري، رقم (٩٢٣، و٩٢٤)، ومسند أبي يعلى رقم (١٠٢٢) . ٣ ذو الخويصرة: اسمه: عبد الله بن ذي الخويصرة، كما في صحيح البخاري رقم: (٦٩٣٣)، وقيل: اسمه: حرقوص بن زهير، أسد الغابة (٢/ ١٧٢)، وفي رواية عبد الرزاق في التفسير (١/ ٢٧٧)، أنه ابن ذي الخويصرة، وكذلك في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (٢/ ٦٤٦) رقم (١٥٥٠) ورقم (١٤٧٧) . ٤ هكذا في جميع الروايات أنه من بني تميم إلا في مسند أبي يعلى، رقم (١٠٢٢) حيث ذكر أنه رجل من بني أمية، وأظنه تحريفًا من النساخ.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون١ من الدين كمروق السهم من الرميَّة٢، يُنْظَرُ إلى نصله٣ فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رصافه٤ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه٥ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قَذَذِه٦ فلا يوجد فيه شيءٌ، سبق الفرث٧ والدم،
_________________
(١) ١ يمرقون من الدين كمروق السهم: معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى ولم يتعلق به شيء منه. النووي على مسلم (٧/ ١٥٩) . ٢ الرميَّة: هي الصيد المرمي كالغزالة مثلًا، النووي على مسلم (٧/ ١٥٩)، وفتح الباري (١٢/ ٢٩٤) . ٣ ينظر إلى نصله: النصل: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض، القاموس (نَصَلَ) . ٤ ثم ينظر إلى رصافه: يقال: رصف السهم إذا شدَّه بالرصاف وهو عَقَبٌ يُلْوى على مدخل النصل فيه. النهاية (٢/ ٢٢٧) . ٥ ثم ينظر إلى نضيه: النضي: نصل السهم، وقيل هو السهم قبل أن ينحت. النهاية (٥/ ٧٣) . وقيل: عود السهم قبل أن يراش، وهو بفتح النون وحكي ضمها، وبكسر المعجمة بعدها تحتانية ثقيلة. فتح الباري (٦/ ٦١٨) . ٦ ثم ينظر إلى قذذه: القذذ: ريش السهم، واحدتها: قذة. النهاية (٤/ ٢٨)، وفتح الباري (٦/ ٦١٨) . ٧ سبق الفرث والدم: الفرث: ما يوجد في الكرش، القاموس (فرث)، والمعنى: أنهم يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رامٍ قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمي شيء. فتح الباري (١٢/ ٢٩٤) .
[ ٢ / ٧٩٩ ]
يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة - أو مثل البضعة - تدردر١.
قال أبو سعيد: أشهد لسمعته من رسول الله ﷺ، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
_________________
(١) ١ تَدَرْدَر: بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره راء، ومعناه: تتحرك وتذهب وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع. فتح الباري (١٢/ ٢٩٥) . ٢ والحديث أخرجه البخاري أيضًا في صحيحه رقم (٦٩٣٣) ومسلم رقم (١٠٦٤)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ٢٧٧)، وأحمد في المسند (١٨/١٦٤رقم [١١٦٢١] أرناؤوط)، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة (٢/ ٦٤٦رقم (١٥٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٩٢٣، و٩٢٤)، وأبو يعلى في المسند رقم (١٠٢٢)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم ٦٧٤١)، والبغوي في شرح السنة (١٠/ ٢٢٤) رقم (٢٥٥٢)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٨٧) كلهم من طريق الزهري وفي بعض ألفاظها اختلاف يسير، والمعنى واحد.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
المبحث العاشر: في حصار الطائف
١٨٢- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة (ح) قال: وحدثنا يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: وقاتل يوم حنين وحاصر الطائف٢ في شوال سنة ثمان٣.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمة رجال الإسناد جميعًا. ٢ مدينة غنية عن التعريف تقع شرق مكة مع مَيْلٍ قليل إلى الجنوب على مسافة (٩٩) كيلًا وترتفع عن سطح البحر (١٦٣٠) مترًا، المعالم الأثيرة (١٧٠) . ٣ دلائل النبوة (٥/ ١٥٦) . هذا قول الزهري، وهو قول موسى بن عقبة أيضًا كما ذكره البخاري، صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٤٣) . قال الحافظ ابن حجر: "وهو قول جمهور أهل المغازي لكن هناك قول أنه وصل إليها في أول ذي القعدة" الفتح (٨/ ٤٤) . وممن قال بأن الحصار كان في ذي القعدة ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٨)، وابن القيم في الزاد (٣/ ٤٩٥)، وشرح المواهب (٣/ ٢٩) . ولم أجد روايات عن الزهري في حصار الطائف إلا هذه الرواية. قال ابن إسحاق: "ثم مضى رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين حتى نزل قريبًا من الطائف فضرب عسكره، فَقُتِل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك
[ ٢ / ٨٠١ ]
_________________
(١) العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة، ثم أمر الرسول ﷺ عمر أن يؤذن بالرحيل، وقد استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلًا، سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث". ملخص ما ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية (ابن هشام ٢/ ٤٨٢، و٤٨٧) بسند معضل، وقد أخرج أحمد في المسند (٢٠/ ٥٧ رقم [١٢٦٠٨] أرناؤوط) مدة الحصار، وأنها كانت أربعين ليلة، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
الفصل الخامس: غزوة تبوك والسرايا التي أعقبتها
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة.
١٨٣- قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁: "أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك١، وكان يحب أن
_________________
(١) ١ تبوك: - بفتح المثناة فوق، وضم الموحدة، وبعد الواو كاف ـ، وهي: موضع بين وادي القرى والشام، وقد أصحبت اليوم إحدى مدن شمال الحجاز الرئيسية، لها إمارة تعرف بإمارة تبوك، وهي تبعد عن المدينة شمالًا بـ (٧٧٨) كيلًا على طريق معبدة تمر بخيبر وتيماء، معجم المعالم الجغرافية (٥٩)، وانظر: معجم البلدان (٢/١٤-١٥)، والقاموس المحيط (تبك)، وفتح الباري (٨/ ١١١) . قال الحافظ: "وتبوك، المشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وقد وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة منها حديث مسلم رقم (٧٠٦): إنكم ستأتون غدًا عين تبوك، وقد أخرجه أحمد (٣٦/ ٣٨٧ رقم [٢٢٠٦٨] أرناؤوط)، والبزار (كشف الأستار رقم ١٨٤٥) من حديث حذيفة، قال ابن قتيبة: فبذلك سميت عين تبوك، والبوك الحفر، فتح الباري (٨/ ١١١) . ويسمى جيشها بجيش العسرة، انظر: البخاري مع الفتح (٨/ ١١٠ رقم (٤٤١٥) وقد كانت في رجب سنة تسع قبل حجة الوداع، بلا خلاف. وانظر: ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٥١٥ـ ٥١٦)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٥)، وخليفة بن خياط في تاريخه (٩٢)، والطبري في التاريخ (٣/ ١٠٠)، وابن سيد الناس في عيون الأثر (٢/ ٢٩٢)، وابن كثير في البداية (٥/ ٢)، وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٥٢٦)، وابن حجر في الفتح (٨/ ١١١)، وقال: فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف. ثم قال: "وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور، لأنه ﷺ قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة". الفتح (٨/ ١١١) . وقد ذكر ابن سعد في الطبقات السبب الذي من أجله غزا ﷺ تبوك وهو: أن الرسول ﷺ بلغه أن هرقل جمع الجموع من الروم ولخم وجذام وعاملة وغسان لمحاربة النبي ﷺ فندب النبي ﷺ الناس وأعلمهم بالخروج إلى تبوك. انظر: الطبقات (٢/ ١٦٥) بدون إسناد. أما اليعقوبي فد ذكر أن السبب في خروج النبي ﷺ إلى تبوك إنما هو المطالبة بدم جعفر بن أبي طالب، انظر: تاريخ اليعقوبي (٢/ ٦٧)، وقيل: بل السبب: أن اليهود أشاروا على النبي ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك المدينة، فغزا ﷺ تبوك، وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣)، ثم رجح أن السبب هو امتثال لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه والله أعلم".أ. هـ. المصدر السابق.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
يخرج يوم الخميس"١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ١١٣) رقم (٢٩٥٠) . وقد ذكر الواقدي أن خروجه إلى تبوك كان يوم الخميس، مغازي الواقدي (٣/ ٩٩٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٠٤)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٧٤) رقم (١٢٩١)، والبغوي في شرح السنة (١١/ ١٨ـ١٩) رقم (٢٦٧٢) .
[ ٢ / ٨٠٦ ]
المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك
المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك.
المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك.
١٨٤- قال البخاري١:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر٢، وإن كانت بدر أذكر٣ في
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ١١٣) رقم (٤٤١٨) . ٢ قوله: وما أحب أن لي بها مشهد بدر: أي أن لي بدلها، الفتح (٨/ ١١٧) . ٣ أذكر: أي أعظم ذكرًا، الفتح (٨/ ١١٧) .
[ ٢ / ٨٠٧ ]
الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى١ بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حرٍ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا٢ وعدوًا كثيرًا فجلَّى٣ للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة٤ غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد٥، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ٦ - يريد الديوان - قال
_________________
(١) ١ ورَّى بغيرها: أي أوهم بغيرها، والتورية أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد. الفتح (٨/ ١١٧) . ٢ المفاز والمفازة: البرية القفر، والجمع: مفاوز، سميت بذلك لأنها مهلكة. النهاية (٣/ ٤٧٨) . ٣ فجلّى: - بالجيم وتشديد اللام ويجوز تخفيفها ـ، أي: أوضح. الفتح (٨/ ١١٧) ٤ أهبة غزوهم: الأهبة - بضم الهمزة وسكون الهاء - ما يحتاج إليه في السفر والحرب، الفتح (٨/ ١١٧) . ٥ من قوله: "ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بها" إلى هنا أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٧) من طريق الزهري. ٦ ورد عددهم عند مسلم (بشرح النووي ١٧/ ١٠٠) من رواية معقل: يزيدون على عشرة آلاف. وعند الحاكم في (الإكليل) من حديث معاذ: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، فتح الباري (٨/ ١١٧)، وجزم ابن إسحاق بهذا العدد، انظر: دلائل البيهقي (٥/ ٢١٩)، ومغازي الذهبي (٦٣١)، والبداية والنهاية (٥/ ٧)، وذكر الواقدي في المغازي (٣/ ١٠٠٢)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٦): أنه كان معه عشرة آلاف فرس، قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لكلام الواقدي: فتحمل رواية معقل على إرادة الفرسان، الفتح: (٨/ ١١٨)، وقال الحافظ: "وقد نُقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفًا، ولا تخالف الرواية التي في (الإكليل) أكثر من ثلاثين ألفًا لاحتمال أن يكون من قال أربعين ألفًا جبر الكسر".اهـ. المصدر السابق.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد١، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن انفصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا٢ عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني
_________________
(١) ١ حتى اشتد الناس بالجد: الجد - بكسر الجيم -: وهو الجد في الشيء والمبالغة فيه. الفتح (٨/ ١١٨) . ٢ مغموصًا: - بالغين المعجمة والصاد المهملة -: أي مطعونًا عليه في دينه متهمًا بالنفاق، وقيل معناه: مستحقرًا. الفتح (٨/ ١١٨) .
[ ٢ / ٨٠٩ ]
رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سَلِمة١: يا رسول الله حبسه برداه ونَظَرُه في عِطفه٢.
فقال معاذ بن جبل٣: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلًا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا؟
واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه٤، وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا٥،
_________________
(١) ١ فقال رجل من بني سلمة: - بكسر اللام - واسمه: عبد الله بن أنيس كما ذكر الواقدي في المغازي (٣/ ٩٩٧) قال الحافظ: "وهذا غير الجهني الصحابي المشهور، وقد ذكر الواقدي فيمن استشهد باليمامة عبد الله بن أنيس السلمي، فهو هذا" الفتح (٨/ ١١٨) . ٢ ونظره في عطفه: - بكسر العين المهملة - وكني بذلك عن حسنه وبهجته. الفتح (٨/ ١١٨) . ٣ قال الواقدي في المغازي (٣/٩٩٧): "ويقال: الذي رد عليه المقالة أبو قتادة، ومعاذ ابن جبل أثبتهما عندي". ٤ فأجمعت صدقه: أي جزمت بذلك وعقدت عليه قصدي. الفتح (٨/ ١١٩) . ٥ ذكر ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٧) أن قدوم النبي ﷺ من تبوك كان في شهر رمضان سنة تسع.
[ ٢ / ٨١٠ ]
وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ "
فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا١، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد٢ علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك"، فقمت، وثار٣ رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون
_________________
(١) ١ ولقد أعطيت جدلًا: أي فصاحة وقوة كلام، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي بما قيل ولا يرد. الفتح (٨/ ١١٩) . ٢ تجد علي فيه: - بكسر الجيم - أي تغضب. الفتح (٨/ ١١٩) . ٣ فقمت وثار رجال: أي وثبوا. الفتح (٨/ ١١٩) .
[ ٢ / ٨١١ ]
اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فوالله ما زالوا يُؤَنِّبونَني١ حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟
قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْرِي٢ وهلال بن أمية الواقفي٣، فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرًا٤ فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما
_________________
(١) ١ ما زالوا يؤنبونني: - بنون ثقيل ثم موحدة - من التأنيب وهو اللوم العنيف، الفتح (٨/ ١١٩) . ٢ مُرارة بن الربيع: - بضم الميم ورائين الأولى خفيفة -، العَمْرِي - بفتح المهملة وسكون الميم - نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. الفتح (٨/ ١١٩) . ٣ هلال بن أمية الواقفي: - بقاف ثم فاء - نسبة إلى بني واقف بن امرؤ القيس بن مالك بن الأوس. الفتح (٨/ ١٢٠) . ٤ قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاري، وقد قررت ذلك واضحًا في غزوة بدر (بعد حديث رقم: ٣٩٨٩)، وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا أبو بكر الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب، واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب، وأن النبي ﷺ لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جَسَّ عليه، بل قال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس؟ قلت: وليس ما استدل به واضح، لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب فقد جلد قدامة بن
[ ٢ / ٨١٢ ]
_________________
(١) مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري كما تقدم (شرح الحديث رقم: ٤٠١١)، وإنما لم يعاقب النبي ﷺ حاطبًا ولا هجره، لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يدًا، فعذره بذلك، بخلاف تخلف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا، والله أعلم".اهـ. الفتح (٨/ ١٢٠) . قلت: ولعل الحافظ ابن حجر يرد هنا على ابن القيم وهو المقصود بقوله: واستدل بعض المتأخرين، والله أعلم، فقد قال ابن القيم: وقوله: "فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا لي فيهما أسوة" هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير ألبتة، ذكر هذين الرجلين في أهل بدر لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة ولا الأموي ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألاّ يكونا من أهل بدر، فإن النبي ﷺ لم يهجر حاطبًا ولا عاقبه وقد جس عليه، وقال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأين ذنب التخلف من ذنب الجس" زاد المعاد (٣/ ٥٧٧) . ثم نقل كلام ابن الجوزي قوله: "ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه وأنه لا يكاد يحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان" زاد المعاد (٣/ ٥٧٧) . وقد أخرج ابن الجوزي حديث كعب، ثم قال عقبة: وقوله: "رجلين شهدا بدرًا" وهم من الزهري فإنهما لم يشهدا بدرًا، المنتظم (٣/ ٣٧١) . قلت: والحديث يرد عليهم جميعًا فإنه ظاهر أنه من كلام كعب بن مالك ﵁ كما ذكر الحافظ. والحق أن تعليل ابن القيم ليس في محله فقد ذكر أن من بين المتخلفين في غزوة تبوك أبا لبابة بن عبد المنذر، انظر: الرواية رقم [١٨٥] . وقد ثبت أن أبا لبابة عد من أهل بدر، انظر: مسند أحمد (٦/ ٣)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وانظر: الحاكم (٣/٢٠)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وانظر: مجمع الزوائد (٦/ ٦٨)، وابن إسحاق (ابن هشام ١/ ٦١٢)، والواقدي في المغازي (١/ ١٠١)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٢)، والبداية والنهاية (٣/ ٣٦٠)، ومع ذلك فقد ربط نفسه في سارية من سواري مسجد رسول الله ﷺ حتى تاب الله عليه، فكون من شهد بدرًا وجنى جناية لا يعاقب عليها - كما هو واضح من كلام ابن القيم ﵀ كما قال الحافظ في الكلام السابق - لا يُسّلَّم له في ذلك، والله أعلم
[ ٢ / ٨١٣ ]
لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه١ النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة٢ الناس مشيت حتى تسورت٣ جدار
_________________
(١) ١ فأسارقه: - بالسين المهملة والقاف - أي: أنظر إليه في خفية. الفتح (٨/ ١٢٠) . ٢ من جفوة الناس: - بفتح الجيم وسكون الفاء -، أي: إعراضهم. الفتح (٨/ ١٢٠) . ٣ حتى تسورت: أي علوت سور الدار. الفتح (٨/ ١٢٠) .
[ ٢ / ٨١٤ ]
حائط أبي قتادة١ وهو ابن عمي٢ وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت:
يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحبُّ الله ورسولَه؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدتُ له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطي من أنباط أهل الشام٣ ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان٤ فإذا فيه:
أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضْيَعة٥، فالحق بنا نُواسِك٦.
_________________
(١) ١ أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، اسمه الحارث وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكلبي بأن اسمه: النعمان، وقيل: اسمه عمرو، وأبو ربعي هو ابن بلدهة بن خُناس ابن عبيد بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، الإصابة (٤/ ١٥٨) . ٢ وهو ابن عمي: ليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب وإنما لكونهما معًا من بني سلمة، الفتح (٨/ ١٢٠) . ٣ إذا نبطي من أنباط أهل الشام: النبطي - بفتح النون والموحدة،، نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، ويقال: إن النبط ينسبون إلى نبط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح. الفتح (٨/ ١٢١) . ٤ من ملك غسان: - بفتح المعجمة وسين مهملة ثقيلة - هو: جَبَلَة بن الأيهم. الفتح (٨/ ١٢١) . ٥ ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة: بسكون المعجمة ويجوز كسرها، أي: حيث يضيع حقك. الفتح (٨/ ١٢١) . ٦ فالحق بنا نواسك: بضم النون وكسر المهملة؛ من المواساة، المصدر السابق.
[ ٢ / ٨١٥ ]
فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت١ بها التنور٢ فسجرته٣ بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول٤ رسول الله ﷺ يأتيني فقال: "إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك"٥، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
_________________
(١) ١ فتيممت بها: أي قصدت، المصدرالسابق. ٢ التنور: ما يخبز فيه، المصدر السابق. ٣ فسجرته: - بسين مهملة وجيم -: أي أوقدته، وأنث الكتاب على معنى الصحيفة، المصدر السابق. قال الحافظ: ودل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينك، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب. أ. هـ. المصدر السابق. ٤ ذكر الواقدي في المغازي (٣/ ١٠٥٢): أنه خزيمة بن ثابت. ٥ هي: عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، ويقال: إن اسم امرأته التي كانت يومئذ عنده: خَيرة - بالمعجمة المفتوحة ثم تحتانية - الفتح (٨/ ١٢١) .
[ ٢ / ٨١٦ ]
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية١ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي٢: لو استأذنت رسولَ الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ سمعت صوتَ صارخ أوفى٣ على جبل سلع٤ بأعلى صوته:
_________________
(١) ١ اسمها: خولة بنت عاصم. المصدر السابق. ٢ فقال لي بعض أهلي، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويشكل مع نهي النبي ﷺ عن كلام الثلاثة، ويجاب بأنه لعله بعض ولده، أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو الذي كلمه بذلك كان منافقًا، أو كان ممن يخدمه ولم يدخل في النهي، الفتح (٨/ ١٢١) . ٣ أوفى: - بالفاء مقصور - أي أشرف وأطلع. الفتح (٨/ ١٢١) . ٤ على جبل سلع - بفتح المهملة وسكون اللام - وهو جبل صغير يحيط به عمران المدينة من كل اتجاه، وهو يقع إلى الشمال الغربي من المسجد النبوي الشريف، معجم المعالم الجغرافية (ص: ١٦٠)، والدر الثمين لغالي الشنقيطي (٢٣٢) .
[ ٢ / ٨١٧ ]
يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن١ رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليّ رجل٢ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم٣ فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ٤، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا٥ يهنئونني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن
_________________
(١) ١ وآذن: - بالمد والفتح المعجمة - أي: أعلم. الفتح (٨/ ١٢١) . ٢ وركض إليّ رجل فرسًا: قال الحافظ: "لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو حمزة بن عمرو الأسلمي" المصدر السابق. ٣ وسعى ساع من أسلم: هو حمزة بن عمرو الأسلمي، المصدر السابق، وكذلك ذكر الواقدي، المغازي (٣/ ١٠٥٤) . وذكر الواقدي: أن الذي أوفى على سلع هو: أبو بكر الصديق، والذي خرج على فرسه الزبير بن العوام. المغازي (٣/ ١٠٥٤) . ٤ والله ما أملك غيرهما يومئذ: يريد من جنس الثياب، وإلا فقد تقدم أنه كان عنده راحلتان. الفتح (٨/ ١٢٢) . ٥ فوجًا فوجًا: أي جماعة جماعة. المصدر السابق.
[ ٢ / ٨١٨ ]
عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة١.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك".
قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟
قال: "لا، بل من عند الله"، وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه٢، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي٣ صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله ﷺ: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله٤ في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك
_________________
(١) ١ ولا أنساها لطلحة: قالوا سبب ذلك أن النبي ﷺ كان آخى بينه وبين طلحة لما آخى بين المهاجرين والأنصار، والذي ذكره أهل المغازي أنه كان آخى الزبير لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين فهو أخو أخيه. الفتح (٨/ ١٢٢) . ٢ قال الحافظ: فيه ما كان النبي ﷺ عليه من كمال الشفقة على أمته والرأفة بهم، والفرح بما يسرهم. الفتح (٨/ ١٢٢) . ٣ أنخلع من مالي صدقة: أي أخرج من جميع مالي. الفتح (٨/ ١٢٢) . ٤ ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله: أي أنعم عليه. المصدر السابق.
[ ٢ / ٨١٩ ]
لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿لقَدْ تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمهاجِرين والأنصارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِين﴾، فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُوْنَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُم﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يرضَى عنِ القَومِ الفَاسِقِين﴾ قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ١ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك قال الله: ﴿وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفُوا﴾ ٢ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه٣.
_________________
(١) ١ وأرجأ: - مهموز - أي أخر. ٢ سورة التوبة، آية (١١٨) . ٣ والحديث أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع مختصرًا ومطولًا، انظر: رقم (٢٩٤٧) و(٢٩٤٨) و(٣٨٨٩) و(٤٦٧٣) و(٤٦٧٦) و(٤٦٧٧) و(٦٢٥٥) و(٦٦٩٠) و(٧٢٢٥) . ومسلم رقم (٢٧٦٩)، وأبو داود رقم (٢٧٧٣) و(٤٦٠٠)، والترمذي رقم: (٣١٠٢)، والنسائي (٧/ ٢٢) رقم (٢٨٢٤) و(٤٨٢٢)، وابن ماجه رقم (١٣٩٣)، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٥٣١)، وعبد الرزاق رقم (١٩٧٤٤)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٥٤٠)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة رقم (٢٣٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٦٦) رقم (٢٠١٢) مختصرًا، والطبري في التفسير، رقم (١٧٠٩١)، ورقم (١٧٤٤٧)، و(١٧٤٤٨)، و(١٧٤٤٩)، و(١٧٤٥٠)، وفي التاريخ (٣/ ١٠١) والطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢) رقم (٩٠ـ١٠٣)، وفي الأوسط (٨/ ٢٤٦) رقم (٨٥٣٥)، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٣٧٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٦٠، و٧/ ٣٤٣، و٩/ ٣٣، و٩/ ١٥٠، و٩/ ١٤٧)، وفي الدلائل (٥/ ٢٧٣)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٢٢٤) رقم (١٠٨) و(١١/ ٤١) رقم (١٦٧٦) و(٢٦٩١) كلهم من طرق عن الزهري.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
المطلب الثاني: في تخلف أبي لبابة ﵁.
١٨٥- عبد الرزاق١عن معمر عن الزهري قال: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، قال الزهري: فربط نفسه بسارية، ثم قال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، قال: فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعامًا ولا شرابًا حتى كان يخرُّ مغشيًا عليه، قال: ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك
_________________
(١) ١ تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٨٦) القسم الثاني.
[ ٢ / ٨٢١ ]
يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحِلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو يحلني، قال: فجاء النبي ﷺ فحله بيده.
ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إنَّ من توبتي أن أهجر داري في قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أختلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: "يجزيك الثلث يا أبا لبابة"١.
_________________
(١) ١ ومن طريق معمر عن الزهري أخرجها الطبري في التفسير (١٤/ ٥٤٢) رقم (١٧١٤٩) تحقيق شاكر؛ وهي رواية صحيحة إلى الزهري لكنها مرسلة. وقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧٠) رواية مطولة في قصة أبي لبابة مع بني قريظة حين أشار إليهم أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، وذكر تخلفه عن غزوة تبوك، فربط نفسه في سارية المسجد بعد غزوة تبوك حتى تاب الله عليه، وهذه الرواية أخرجها البيهقي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب فذكرها بطولها. وقد تقدمت هذه الرواية في غزوة بني قريظة. وقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٤٦) آثارًا كثيرة كلها لا تخلو من مقال تدل على أن أبا لبابة كان من المتخلفين في غزوة تبوك ومن الذين اعترفوا بذنوبهم، وذلك تحت قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ التوبة، آية رقم: (١٠٢) . ثم ذكر كلام أهل التأويل في ذلك واختلافهم فيها، ثم قال: قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله ﷺ وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده، فإذا كان ذلك كذلك وكان الله ﵎ قد وصف في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار، وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صح ما قلناه في ذلك، وقلنا: (كان أبو لبابة) لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك) . وقد أخرج أحمد في المسند (٢٥/ ٢٧ رقم [١٥٧٥٠] أرناؤوط) من طريق الزهري عن حسين بن أبي السائب بن أبي لبابة أن جده حدثه أن أبا لبابة حين تاب الله عليه في تخلفه عن رسول الله ﷺ وفيما كان سلف قبل ذلك من أمور، وجد عليه رسول الله ﷺ الحديث، ومن نفس الطريق أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٨٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٤٤٨،رقم (١٨٩٨) والبيهقي في السنن (٤/ ١٨١)، وهذه الآثار تدل على أن أبا لبابة كان ممن تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية المسجد ليتوب من ذلك ومن إشارته لليهود في غزوة بني قريظة.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
المطلب الثالث: في تخلف بعض المسلمين من أسلم وغِفار.
١٨٦- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن أخي أبي رهم٢ أنه سمع أبا رُهْم الغفاري، وكان من أصحاب النبي ﷺ
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق (١١/ ٤٩ رقم ١٩٨٨٢) . ٢ اسمه: كلثوم بن الحصين الغفاري، كما في رواية البخاري في الأدب المفرد رقم (٧٥٥) من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب به.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
الذين بايعوه تحت الشجرة يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فلما سرى١ ليلة سرت قريبًا منه إليه، وألقي عليَّ النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته، فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز، فأؤخر راحلتي، حتى غلبتني عيني بعض الليل، فزحمت راحلتي رجله في الغرز، فأصابت رجله، فلم أستيقظ إلا لقوله: (حَسِّ) ٢، فقلت: استغفر لي يا رسول الله، قال: سر، فطفق النبي ﷺ يستخبرني عمن تخلف من بني غفار فأخبرته، فقال إذ هو يسألني: ما فعل الحمر الطوال الثطاط٣؟ فحدثته بتخلفهم، قال: فما فعل النفر السود؟ أو قال: القصار الجعاد القطاط٤- الذين لهم نعم بشبكة
_________________
(١) ١ فلما سرى ليلة: السرى: السير بالليل، النهاية (٢/ ٣٦٤)، أراد أنهم مشوا بالليل ذات ليلة. ٢ قوله: حَسِّ: هي - بكسر السين والتشديد - كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مَضَّه أو أحرقه غفلة، كالجمْرة والضَّربَة ونحوها. النهاية (١/ ٣٨٥) . ٣ قوله: ما فعل الحمر الطوال الثطاط: هي جمع ثطّ، وهو الكوسج الذي عَرَى وجهه من الشعر إلا طاقات في أسفل حنكه، رجل ثطّ وأثط. النهاية (١/ ٢١١)، قال ابن الأثير: في حديث أبي رهم (النطاط) جميع نطناط، وهو الطويل، المصدر السابق. ٤ قوله: الجعاد القطاط: الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا، فالمدح معناه أن يكون شديد الأسْرِ والخلق، أو يكون جعد الشعر، وهو ضد السَّبط لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل أيضًا. النهاية (١/ ٢٧٥) . والقطاط: القطط: الشديدة الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر، المصدر السابق (٤/ ٨١) .
[ ٢ / ٨٢٤ ]
شرخ١، فتذكرت في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت رهطًا من أسلم، قال:
فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم وقد تخلفوا، فقال رسول الله ﷺ: "فما يمنع أحد أولئك حين يتخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأً نشيطًا في سبيل الله، فإن أعز أهلي عليَّ أن يتخلف عني المهاجرون من قريش، والأنصار، وغفار، وأسلم٢".
_________________
(١) ١ قوله: "بشبكة شرخ: هو موضع بالحجاز في ديار غفار". النهاية (٢/ ٤٤١) . وقال ياقوت: "شبكة شدخ: اسم ماء لأسلم من بني غفار". معجم البلدان (٣/ ٣٢٢) . وذكر البكري رواية أبي رهم وفيها: " لهم نعم بشبكة شدخ " معجم ما استعجم (٣/ ٧٨٣ـ ٧٨٤) . ٢ ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في المسند (٣١/ ٤٢٢ـ ٤٢٣ رقم [١٩٠٧٢] أرناؤوط) وابن أبي عاصم في الجهاد رقم _١٠٦) وفي الآحاد والمثاني له (٢/ ٢٣٧) رقم (٩٩١)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٨٣)، رقم (٤١٥)، وأخرجه من طريق حجاج بن أبي منيع الرصافي عن جده عن الزهري به. انظر: المصدر السابق (٤١٨) . وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٥٢٨) فقال: (وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي رهم فذكره) . وأخرجه من طريق عبد الرزاق ابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٦/ ٢٤٦ رقم ٧٢٥٧) . وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (٧٥٥) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به. وأخرجه الفسوي في المعرفة رقم (١/ ٣٩٤) من طريق حجاج عن جده عن الزهري به. انظر: مختصر زوائد البزار لابن حجر رقم (١٤٠٣) وأسد الغابة (٦/ ١١٧) . والحديث فيه ضعف من أجل ابن أخي أبي رهم؛ فإنه مقبول كما ذكر ابن حجر في التقريب رقم (٨٤٩٣) . أما الذهبي فقد قال في الميزان (٤/ ٥٩٨): "لا يعرف، تفرد عنه الزهري.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة
المطلب الأول: في نزول النبي ﷺ الحجر
المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: في نزول النبي ﷺ الحجر.
١٨٧- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي ﷺ بالحِجْر١ قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّع٢ رأسه
_________________
(١) ١ الحجر: - بكسر المهملة وسكون الجيم - منازل ثمود. الفتح ٨/١٢٥. ويقع شمال مدينة العُلا بـ (٢٢) كيلًا، وتبعد العُلا عن المدينة بـ (٣٢٢) كيلًا، من جهة الشمال، والحجر وادٍ يأخذ مياه جبال مدائن صالح ثم يصب في صعيد وادي القرى. انظر: معجم المعالم الجغرافية ٩٣. ٢ ثم قنَّع رأسه: أي غطاه. النهاية (٤/ ١٦٤)
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وأسرع السير حتى أجاز١ الوادي٢.
١٨٨- وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق قال: فذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم من علمائنا قالوا: كان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس: "لا تشربوا من مائها شيئًا ولا
_________________
(١) ١ حتى أجاز الوادي: أي قطعه. الفتح (٨/١٢٥) ٢ صحيح البخاري مع الفتح (٨/١٢٥ رقم ٤٤١٩) . والحديث أخرجه مسلم أيضًا رقم (٢٩٨٠) من طريق يونس عن ابن شهاب وعبد الرزاق في التفسير ١/٢٣١، والمصنف رقم (١٦٢٤) وأحمد في المسند رقم (٥٣٤٢) تحقيق شاكر، ورقم (٥٧٠٥) من طريق معمر عن الزهري، وأخرجه من غير طريق الزهري رقم (٥٢٢٥) و(٥٤٠٤) و(٥٤٤١) و(٥٦٤٥) و(٥٩٣١) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وأخرجه الطبري في التفسير (١٤/٥٩-٥٠) وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم ٦١٩٩) كلاهما من طريق الزهري به، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٣٣) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وأخرجه البغوي في معالم التنزيل (٣/١٥٦)،وشرح السنة رقم (٤١٦٥) من طريق الزهري به. وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/٥٢٢) بلاغًا عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر..فذكر نحوه، وأخرجه الفزاري في السير (١٠١) رقم (٤) عن الزهري مرسلًا.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
تتوضؤوا للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا"، وقال: "لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحبه"، قال: ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فخنق على مذهبه١، وأما الذي ذهب في طلب بعير له فاحتملته الريح وطرحته بجبلي طيء٢ فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟
ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئًا أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة٣.
_________________
(١) ١ فخنق على مذهبه: الخناق والخناقة: داء أو ريح يأخذ الناس والدواب في الحلوق، والمذهب المكان الذي ذهب إليه لقضاء الحاجة. انظر: القاموس: (ذهب) واللسان (خنق) . ٢ بجبليّ طيء: هما أجأ وسلمى، وعرف أجأ بأجأ بن عبد الحيّ، كان صلب في ذلك الجبل، ويقعان في حائل. المعالم الأثيرة (١٧٦) . وسلمى: صلبت في الجبل الآخر فعرف بها، وهي سلمى بنت حام. الروض الأنف (٤/١٩٦) . ٣ دلائل النبوة رقم (٤٥٣) . وهذه الرواية ذكرها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٥٢١) عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ليس فيها ذكر الزهري، وهي ضعيفة، لعنعنة ابن إسحاق، قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم. المصدر السابق، وهي ضعيفة أيضًا. ولكن يشهد لها ما أخرجه البخاري رقم (٣٣٧٨) من حديث ابن عمر، وفيه (..أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء) . وما أخرجه مسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد، وفيه " انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله ﷺ ستهبّ عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم منكم أحدٌ، فمن كان له بعير فليشدّ عقاله، فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء" وهذه الرواية ذكرت أن الريح هبت في تبوك، وليس في الحجر، والله أعلم. وقد أخرج ابن كثير في البداية والنهاية ٥/١١ رواية ابن إسحاق عن العباس بن سهل بن سعد أو عن العباس بن سعد.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
المطلب الثاني: في صلاة عبد الرحمن بن عوف ﵁ بالنبي ﷺ.
١٨٩- قال مسلم١: حدثني محمد بن رافع وحسن بن علي الحُلواني جميعًا عن عبد الرزاق - قال ابن رافع - حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج حدثني ابن شهاب عن حديث عباد بن زياد، أن عروة ابن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره؛ أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك، قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط، فحَمَلْتُ معه إداوة٢ قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله ﷺ إليَّ أخذت أهريق
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (١/٣١٨) رقم (٢٧٤) . ٢ الإداوة - بالكسر ـ: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. النهاية (١/٣٣) .
[ ٢ / ٨٢٩ ]
على يديه من الإداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يُخرجُ جُبته عن ذراعيه فضاق كُمَّا جُبَّتِهِ، فأدخل يديه في الجُبّة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل، قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدّمُوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسولُ الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلّم عبدُ الرحمن بنُ عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فأفزع١ ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم" أو قال: "قد أصبتم" يغبطهم أن صلَّوا الصلاة لوقتها٢.
_________________
(١) ١ الفزع في الأصل: الخوف. النهاية (٤/٤٤٣)،والمراد: أن سبقهم النبي ﷺ بالصلاة أوقعهم في الفزع. ٢ وأخرجه مالك في الموطأ (كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين رقم ٤١) . والشافعي في المسند (١/ ١٤٤)، وعبد الرزاق رقم (٨٤٧)، ومن طريقه أحمد في المسند (٣٠/ ١٣٠، رقم [١٨١٩٤] أرناؤوط)، وأبو عوانة (٢/ ٢١٥)، وأبو داود رقم (١٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧٦ـ ٣٧٧)، رقم (٨٨٠)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٥/ ٦٠٢ رقم: ٢٢٢٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٥)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (١٦٤٢) من طريق يونس عن الزهري به، والبيهقي في السنن (٣/ ١٢٣) .
[ ٢ / ٨٣٠ ]
المطلب الثالث: في إعطاء الرسول ﷺ سرَّه لحذيفة في شأن بعض المنافقين.
١٩٠- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن١ علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد٢ بن عبيد، ثنا عبيد٣ بن شريك، وأحمد٤ بن إبراهيم بن ملحان، قالا: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: "بلغنا أن رسول الله ﷺ حين غزا تبوك نزل عن راحلته فأوحي إليه وراحلته باركة، فقامت تجر زمامها، حتى لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها، حتى رأى رسول الله ﷺ جالسًا فأناخها ثم جلس عندها حتى قام رسول الله ﷺ فأتاه فقال: من هذا؟ فقال: حذيفة بن اليمان٥،
_________________
(١) ١ علي بن أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرج بن سعيد بن عبدان، أبو الحسن، قال الخطيب: قدم بغداد حاجًا في سنة ٣٩٦هـ وكان ثقة. تاريخ بغداد ١١/٣٢٩. ٢ هو أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار، أبو الحسن. قال الخطيب: روى عنه الدارقطني، وكان ثقة ثبتًا. تاريخ بغداد (٤/٢٦١) . ٣ عبيد بن عبد الواحد بن شريك، أبو محمد البزار، وكان ثقة صدوقًا، ت سنة ٢٨٥ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١١/٩٩-١٠٠. ٤ هو أحمد بن إبراهيم، لم أعثر على ترجمته. ٥ حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٩٠ رقم: ٣٧٤٢)، ومسلم بشرح النووي (٦/ ١٠٩ـ ١١٠) . وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٩٢): "والمراد بالسر ما أعلمه به ﷺ من أحوال المنافقين".
[ ٢ / ٨٣١ ]
قال رسول الله ﷺ: فإني أسر إليك أمرًا فلا تذكره: " إني قد نهيت أن أصلي على فلان وفلان)؛ رهط ذوي عدد من المنافقين، لم يعلم رسول الله ﷺ ذكرهم لأحد غير حذيفة بن اليمان، فلما توفي رسول الله ﷺ كان عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فاقتاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى عليه وإن انتزع حذيفة يده فأبى أن يمشي معه انصرف عمر معه فأبى أن يصلي عليه وأمر عمر ﵁ أن يصلى عليه١.
_________________
(١) ١ السنن (٨/ ٢٠٠)، وسنده صحيح إلى عروة، وقد أخرجه البيهقي أيضًا في السنن (٨/ ٢٠٠) من طريق معمر عن الزهري مرسلًا. وسنده صحيح إلى الزهري. وقد أخرجه الواقدي في المغازي (٣/ ١٠٤٥) من طريق معمر عن الزهري مرسلًا نحوه.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
المطلب الرابع: في إخبار النبي ﷺ بخمس خصال تقع قبل قيام الساعة.
١٩١- قال الطبراني: حدثنا حفص١ بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا عمرو٢ بن عثمان الكلابي، ثنا عبد الله٣ بن عمرو - والصواب عبيد الله - عن إسحاق بن راشد٤، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب٥، عن عوف بن مالك الأشجعي٦ ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك في آخر السحر وهو في
_________________
(١) ١ هو: حفص بن عمر بن الصباح الرقي الجزري، ويلقب بسنْجة. قال الذهبي: قال أبو أحمد الحاكم: حدث بغير حديث لم يتابع عليه. قلت: احتج به أبو عوانة. أ. هـ. السير (١٣/ ٤٠٥ـ ٤٠٦)، ثم قال الذهبي: "وتوفي سنة ثمانين ومائتين، وهو صدوق في نفسه وليس بمتقن". المصدر السابق. ٢ هو: عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، مولاهم، الرقي، ضعيف، وكان قد عمي، من كبار العاشرة، مات سنة سبع عشرة أو تسع عشرة، ق، التقريب (٤٢٤) . ٣ هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه، ربما وهم، من الثامنة، مات سنة ثمانين، عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (٣٧٣)، وانظر: تهذيب الكمال (١٩/ ١٣٦ـ١٣٧ و٢٢/ ١٤٧، و٢/ ٤١٩) . ٤ تقدم في الرواية رقم [١٤٦] . ٥ هو: عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني، ثقة، من الرابعة، توفي بحرَّان في خلافة هشام، ع، التقريب (٣٣٤) . ٦ هو: عوف بن مالك الأشجعي أبو حمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين، ع، التقريب (٤٣٣) .
[ ٢ / ٨٣٣ ]
فسطاطه فسلمت عليه وقلت: أدخل يا رسول الله؟ قال: ادخل، فقلت: كلي؟ قال: كلك، ثم قال النبي ﷺ: "ست قبل الساعة: أولهن: موت نبيكم، قل: إحدى، قلت: إحدى، والثانية: فتح بيت المقدس، قل: اثنتين، قلت: اثنتين، قال: والثالثة: مُوتان١ يأخذكم كقعاص٢ الغنم، قل: ثلاثًا، قلت: ثلاثًا، قال: والرابعة: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى مائة دينار فيظل يتسخطها٣، قل: أربعًا، قلت: أربعًا، والخامسة: فتنة تكون بينكم فلا يبقى فيكم بيت مدر ولا وبر إلا دخلته، قل: خمسًا، قلت: خمسًا، والسادسة: هدنة٤ تكون بينكم وبين بني الأصفر٥ فيجتمعون لكم قدر حمل المرأة ثم يغدرون بكم فيقبلون في ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفًا"٦.
_________________
(١) ١ الموتان: - بوزن البطلان - الموت الكثير الوقوع. النهاية (٤/ ٣٧٠) . ٢ كقعاص الغنم، القعص: أن يضرب الإنسان فيموت مكانه، يقال: قعصته وأقعصته إذا قتلته قتلًا سريعًا. النهاية (٤/ ٨٨)، وقال الحافظ ابن حجر: (هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة) . انظر: الفتح (٦/ ٢٨٨) تحت رقم (٣١٧٦) . ٣ يتسخطها: السَّخْط والسُّخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به، النهاية (٢/ ٣٥٠) ٤ هدنة: الهدنة: السكون، والهدنة، الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار. النهاية (٥/ ٢٥٢) . ٥ بنو الأصفر: الروم، فتح الباري (٦/ ٢٧٨) . ٦ المعجم الكبير (١٨/٥٤ رقم (٩٨) . وهي ضعيفة من هذا الطريق، لكن قد صحّت الرواية من غير طريق الزهري كماسيأتي. وذكر الحافظ أنه وقع أكثر هذه العلامات، فقد مات النبي ﷺ وحصلت الفتنة في عهد عثمان وأدت إلى قتله، وحصل طاعون عمواس الذي فتك بالناس، وفتح بيت المقدس في عهد عمر. فتح الباري (٦/٢٧٨) . والحديث من طريق إسحاق بن راشد أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/٥٤٦-٥٤٧) . وأخرجه البخاري من غير طريق الزهري، فقد أخرجه عن الحميدي رقم (٣١٧٦)، وأبو داود رقم (٥٠٠٠)، وأحمد في المسند (٣٩/٣٩٢، رقم [٢٣٧١] أرناؤوط)، وابن ماجه رقم (٤٠٤٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٤١رقم ٧١ و٧٢ و١١٩ و١٢٢ و١٤٨ و١٥٠) وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٥/٦٦ رقم (٦٦٧٥) من طريق عوف بن مالك الأشجعي.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
المبحث الرابع: في خبر مسجد الضرار
١٩٢- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير، قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى بنو عمرو بن عوف، قال: وفي قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًَا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١ أبو عامر الراهب٢، انطلق إلى الشام، فقال الذين بنو مسجدًا ضرارًا٣ إنما
_________________
(١) ١ وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله: وإعدادًا لأبي عامر الفاسق الذي خالف الله ورسوله من قبل. تفسير الطبري: ١٤/٤٦٩ تحت رقم (١٧١٨٦) تحقيق شاكر. ٢ أبو عامر، هو: عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، وهو والد حنظلة - غسيل الملائكة - ابن هشام (٢/٦٧) . ٣ الضرار: من الضرّوهو ضدّ النفع، والضرار: أن تضرّه من غير أن تنتفع به. النهاية (٣/٨١ـ٨٢)
[ ٢ / ٨٣٥ ]
بنيناه ليصلي فيه أبو عامر١.
١٩٣- وقال الطبري: حدثنا ابن حميد٢ قال: ثنا سلمة٣، عن ابن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ - يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان٤؛ - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار-
_________________
(١) ١ تفسير عبد الرزاق (١/٢٨٧-٢٨٨) القسم الثاني، وهي رواية صحيحة إلى عروة، لكنها مرسلة. وأخرج هذه الرواية المرسلة أبو جعفر الطبري في تفسيره (١٤/٤٧٢) رقم (١٧١٩٦) شاكر، من طريق الزهري عن عروة عن عائشة به، وأخرجه من طريق عبد الرزاق ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (١٥٩٥) عن عروة فقط، دون ذكر عائشة. فالظاهر أن ذكر عائشة عند الطبري غير محفوظ، لأن ابن أبي حاتم في روايته المذكورة روى الحديث عن الحسن بن يحيى - شيخ الطبري - بإسناده عن عروة مرسلًا، فدل ذلك على أن ذكر عائشة فيه وهم. انظر: مرويات عروة بن الزبير، لعادل عبد الغفور، ٧٩٤، رسالة دكتوراه. ٢ هو محمد بن حميد بن حيان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، من العاشرة، توفي سنة ٢٤٨ هـ د ت ق التقريب ٤٧٥. ٣ هو سلمة بن الفضل الأبرش - بالمعجمة - مولى الأنصار، قاضي الري، صدوق كثير الخطأ، من التاسعة، مات بعد التسعين، وقد جاوز المائة، د ت فق، التقريب ٢٤٨. ٤ ذو أوان: حدده ابن إسحاق بمسافة ساعة من نهار، ولم يزد ياقوت ولا البكري عن تحديد ابن إسحاق.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله ﷺ إنا قد بنينا مسجدًا لذي العِلّة والحاجة، والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله ﷺ - ولو قد قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالكَ بنَ الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعنَ بنَ عديّ١ - أو أخاه عاصم بن عدي - أخا بني العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشُم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفًَا٢ من النخل فأشعل فيه نارًا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالذِيْنَ اتَّخَذُوْا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا﴾ ٣ إلى آخر القصة٤.
_________________
(١) ١ هو معن بن عدي بن الجد بن العجلان البلوي حليف الأنصار، وهو أخو عاصم بن عدي، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد أحدًا. الإصابة ٣/٤٤٩-٤٥٠. ٢ أخذ سعفًا: السعفات: جمع سعفة - بالتحريك - وهي أغصان النخيل، وقيل: إذا يبست سميت: سعفة. النهاية ٢/٣٦٨. ٣ سورة التوبة آية (١٠٧) . ٤ تفسير الطبري (١٤/٤٦٨) رقم (١٧١٨٦) شاكر. وأخرجه الطبري أيضًا في تاريخه ٣/ ١٠١، ١٠٩، بنفس السند، وهي رواية ضعيفة من أجل محمد بن حميد وسلمة بن الأبرش، وعنعنة ابن إسحاق بالإضافة لكونه مرسلًا. وأخرجه ابن إسحاق بدون سند. ابن هشام ٢/٥٢٩.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع لتلقي رسول الله ﷺ عند رجوعه من تبوك
المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع١ لتلقي النبي ﷺ عند رجوعه من تبوك
١٩٤- قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، عن السائب بن يزيد، يقول: أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع نتلقى رسول الله ﷺ، وقال سفيان - مرة -: "مع الصبيان"٢.
_________________
(١) ١ ثنية الوداع: ثنية الوداع هي الواقعة في بداية طريق أبي بكر الصديق (سلطانة)، فإذا كنت خارجًا من المدينة باتجاه الشمال يكون يسارك اليوم جبل سلع، وإلى يمينك بداية طريق العيون فإذا كنت داخلًا المدينة من الشمال فإن جبل سلع على يمينك وعلى يسارك بداية طريق العيون، ثم بداية طريق سيد الشهداء المؤدي إلى أُحد. انظر: المعالم الأثيرة ٨١. ٢ صحيح البخاري مع الفتح (٨/١٢٦-١٢٧) رقم (٤٤٢٦) . والحديث أخرجه أبو داود رقم (٢٧٧٩) والترمذي رقم (١٧١٨) وأحمد في المسند (٢٤/٤٩٨ رقم [١٥٧٢١] أرناؤوط)،،ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/٢٢٤-٢٢٥ رقم (٦٨١، ٦٨٢) تحقيق السلمي، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (١/٣٥٨) وأبو زرعة في تاريخه (١/٤١٨) رقم ٩٩٨)،وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/٣٧٩) رقم (٢٤٢١)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١١/١١٣، رقم: ٤٧٩٢)، والطبراني في الكبير (٧/١٤٨) رقم (٦٦٥٣)، والبيهقي في السنن (٩/١٧٥)، وفي الدلائل (٥/٢٦٥) كلهم من طريق الزهري به.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
المبحث السادس: في سرية أسامة بن زيد إلى أُبْنَى١.
١٩٥- قال أبو داود الطيالسي: حدثنا صالح بن أبي الأخضر٢، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة، قال: "أمرني٣ النبي ﷺ
_________________
(١) ١ بضم الأول، وسكون الباء وفتح النون، وفي آخره ألف مقصورة، بوزن (حُبْلى) قيل: هي موضع بناحية البلقاء من الشام، وقيل هي بين فلسطين والبلقاء، قالوا: وهي التي بعث إليها رسول الله ﷺ زيدًا أبا أسامة مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فاستشهدوا بمؤتة من أرض البلقاء، وعلى هذا يكون موقعها الآن في شرقي الأردن، قرب مؤتة، وفي فلسطين قرية تدعى (يبنة، أو يبنى) على الساحل، فهل تكون هي؟ انظر: هذا الكلام في المعالم الأثيرة لمحمد شراب ١٦-١٧. ٢ هو صالح بن أبي الأخضر اليمامي، مولى هشام بن عبد الملك، نزل البصرة، ضعيف يعتبر به، من السابعة، مات بعد الأربعين، ع، التقريب ٢٧١. ٣ كان هذا البعث كما قال ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٦٦) في شهر صفر بعد رجوع النبي ﷺ من حجة الوداع،،ذكر ابن حجر: أن تجهيز هذا الجيش كان يوم السبت في آخر شهر صفر، الفتح (٨/١٢٥) ومما يجدر ذكره أن هذا الجيش لم يخرج إلا في شهر ربيع الأول في عهد أبي بكر. انظر: تاريخ خليفة ٧.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
أن أُغير على أُبْنَى صباحًا وأحرِّق"١.
_________________
(١) ١ مسند أبي داود الطيالسي ٨٧ رقم (٦٢٥) . وقد أخرج هذه الرواية من طريق صالح بن أبي الأخضر: ابن أبي شيبة في المصنف ج١٢ ص٦٦٣ رقم (٤١٠١٨) و١٢/٣٩١ رقم (٤١٠٩٧) وابن سعد في الطبقات ٤/٦٦، وأحمد في المسند (٣٦/١١٨ رقم [٢١٧٨٥] أرناؤوط) وأبو داود في السنن رقم (٢٦١٦) وابن ماجه رقم (٢٨٤٣) والبيهقي في السنن (٩/٨٣)، وفي معرفة السنن والآثار له (١٣/٢٣٨ رقم ١٨٠٣٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/٢٠٨) . قال الألباني في ضعيف سنن أبي داود رقم (٥٦٢): "ضعيف"، وقال في ضعيف سنن ابن ماجه رقم (٦٢٤): "ضعيف". وأخرجه الشافعي في الأم (٤/١٧٤) من غير طريق صالح بن أبي الأخضر، فقال: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد، قال: فذكره. وفيه ضعف لإبهام من أخبر الشافعي، وقد أخرجه من غير طريق صالح الأخضر الواقدي في المغازي (٣/١١١٨)، عن عروة مرسلًا، ومن طريق الواقدي أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/٢٤٨) . وعَقدُ النبي ﷺ الإمرة لأسامة بن زيد على هذا البعث ثابت في صحيح البخاري رقم (٤٤٦٩) ومسلم رقم (٢٤٢٦) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄، إلا أنه لم يذكر في الحديث وجهة هذا البعث، لا إلى أُبنى ولا إلى غيرها، لكن لا شكّ أن البعث هو البعث الذي كان رسول الله يريد أن يوجهه إلى أُبْنى من أرض الشام، ولذلك ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/١٥٢) عند شرحه لهذا الحديث: أنّ الرسول ﷺ قال لأسامة: "سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأَغِر صباحًا على أُبنى وحرِّق عليهم..".
[ ٢ / ٨٤٠ ]
الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن كل أعمال الورى يعتريها النقص والتقصير إلا ما رحم ربي، وحسبي أني اجتهدت فلم آلُ، وسأذكر في هذه الخاتمة مقتطفات تشتمل على أهمّ ما ورد في الرسالة:
١- بعد جمعي لمرويات الإمام الزهري وضعت لها أرقامًا متسلسلة بلغت (١٩٥) روايةً من غير المكرر، وهذا العدد من المرويات ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول من الروايات مسندة إلى النبيصلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة الذين عاشوا تلك الأحداث، وعدد تلك الروايات (٧٩) رواية.
القسم الثاني من الروايات موقوفة على التابعين، وعددها (٣٨) رواية.
القسم الثالث من الروايات موقوفة على الزهري نفسه وعددها (٧٣) رواية.
٢- أن الروايات المرسلة سواء تلك التي أرسلها كبار التابعين أو التي أرسلها الزهري كثير منها قد وصلها كبار المحدثين من غير طريق الزهري، وقد ذكرت أمثلة لذلك في المبحث الأخير من الباب الأول مما يدل على القيمة العلمية الكبيرة لمرويات الزهري.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
٣- أن مرويات الزهري شملت جزءًا كبيرًا من مغازي رسول الله ﷺ وسراياه؛ فقد قارنتها بمغازي ابن إسحاق فوجدتها تمثل ٩٠% تقريبًا من المغازي، وقرابة ٨٠% من السرايا.
٤- عندما تعرضت لمدلول كلمتي (السير والمغازي) عند المؤرخين تبين لي - والله أعلم - أن كلمة (السيرة) إذا أطلقت فإنه يراد بها العهدين المكي والمدني، أما كلمة (المغازي) فيراد بها في الغالب عند إطلاقها مغازي رسول الله ﷺ في المدينة.
٥- عندما تعرضتُ لتعريف الغزوة والسرية والبعث في القرون الأولى تبين لي أنهم لم يكونوا يفرقون بين الغزوة والسرية، وأنهم قد يطلقون على السرية غزوة، وأن التعريف الذي يفرق بينهما إنما هو اجتهاد من المتأخرين، وأن المعنى المقصود عند المتقدمين هو المعنى اللغوي وهو القصد والطلب.
٦- أن الإمام الزهري كان آية في الحفظ والذكاء والتمسك بالسنة مما جعله يتبوأ مكانة عالية بين أقرانه.
٧- أنه قد استقى علمه من بعض الصحابة ﵁ وكبار التابعين الثقات الأثبات الذين كان لهم دور كبير في تنمية ثقافته وغزارة علمه، كما أن تلاميذه الذين أخذوا عنه كانوا أيضًا من كبار العلماء كمعمر، وموسى بن عقبة وابن إسحاق والأخيران إمامان في المغازي.
٨- أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربع قد نقلوا كثيرًا من مرويات الزهري في المغازي لإمامته في الحديث
[ ٢ / ٨٤٤ ]
والمغازي.
٩- أن روايات محمد بن عمر الواقدي يستشهد بها في غير الأحكام الشرعية لإمامته في هذا الفنّ.
١٠- أنه بعد الاستقراء لمرويات الزهري وجدتها موافقة لما عند غيره من أهل المغازي والحديث، إلا ثلاث مسائل:
الأولى: تتعلق بقتلى المشركين وأسراهم يوم بدر، فقد ذكر الزهري أن القتلى أكثر من السبعين، والأسرى مثل ذلك، ورواية الصحيحين تذكر سبعين قتيلًا وسبعين أسيرًا، وما في الصحيحين أصحّ، علمًا بأنه قد وافق ما في الصحيحين في بعض رواياته.
الثانية: تتعلق بتاريخ غزوة بني النضير، فقد ذكر المؤرخون أنها كانت في السنة الرابعة، تبعًا لابن إسحاق، أما الزهري فقد ذكر أنها كانت قبل أحد، وذكرت أن الصواب هو قول الزهري.
الثالثة: تتعلق بمقتل مرحب اليهودي، فقد أخرج مسلم أن الذي قتله علي بن أبي طالب ﵁ بينما الزهري يذكر في رواية مرسلة أن الذي قتله هو محمد بن مسلمة، وما في صحيح مسلم أصحّ، علمًا بأن الزهري قد ذكر في رواية أخرجها سعيد بن منصور عنه أن قاتل مرحب علي بن أبي طالب، ولكنها رواية ضعيفة السند.
١١- أن الزهري قد ذُكر عنه التدليس، ولذلك وضعه الحافظ ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين بحيث لا يقبل إلا إذا صرّح بالتحديث، ولكن بالرجوع إلى الكتب القديمة تبين أن العلماء قد قبلوا
[ ٢ / ٨٤٥ ]
عنعنته وذلك لإمامته وجلالة قدره، وقد أخرج له البخاري ومسلم وجميع المحدثين دون أن ينظروا في عنعنته مما يدلّ على أن وضع الحافظ له في هذه المرتبة فيه نظر.
١٢- أن الزهري كان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، يدل على ذلك مقولته المشهورة أمام الخليفة الوليد بن عبد الملك في قصة الذي تولى كبر الإفك على عائشة ﵂.
١٣- براءة الزهري مما اتهم به من النصب ومحاباته لبني أمية.
١٤- لم يثبت لدي أن للزهري كتابًا مفردًا للمغازي ينسب إليه، لكنه أحد الأئمة الثقات في رواية السيرة والمغازي. ﵀ رحمة واسعة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
مصادر ومراجع
ثبت المصادر والمراجع
القرآن الكريم
؟ إبراهيم بن إبراهيم القريبي
مرويات غزوة بني المصطلق. نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
مرويات غزوة حنين وحصار الطائف. نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
؟ ابن الأثير: أبو الحسن علي بن محمد الجزري (ت ٦٣٠هـ)
أسد الغابة في معرفة الصحابة. تحقيق: محمد إبراهيم، ومحمد عاشور، دار الشعب بالقاهرة.
؟ ابن الأثير: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ت ٦٠٦هـ)
جامع الأصول في أحديث الرسول ﷺ، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، نشر مكتبة الحلواني وغيرها ١٣٨٩هـ.
النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، نشر المكتبة الإسلامية.
؟ أحمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١هـ)
المسند؛ تحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف، مصر.
المسند؛ تحقيق شعيب الأرناؤوط ورفاقه، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ مؤسسة الرسالة.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
فضائل الصحابة، تحقيق: وصي الله بن عباس، نشر مركز البحث العلمي، وإحياء التراث الإسلامي جامعة أم القرى، بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ.
العلل ومعرفة الرجال، تحقيق وتخريج: وصي الله بن عباس، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ، المكتب الإسلامي.
؟ الأزرقي: أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد.
أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، مطابع دار الثقافة، مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، ١٣٩٨هـ.
؟ إسحاق بن راهويه: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي (ت ٢٣٨هـ)
المسند، تحقيق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان بالمدينة، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.
؟ ابن إسحاق محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم (ت ١٥١هـ)
السير والمغازي، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.
السيرة النبوية، تهذيب ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا، وآخرين، الطبعة الثانية، ١٣٧٥ هـ، مطبعة الحلبي، مصر.
؟ إسماعيل بن محمد التيمي، أبو القاسم الأصبهاني الملقب بقوام السنة (ت٥٣٥هـ) .
[ ٢ / ٨٥٠ ]
دلائل النبوة، تحقيق مساعد بن سليمان الراشد، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض. ١٤١٢هـ.
دلائل النبوة، تحقيق: محمد بن محمد الحداد، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، دار طيبة للنشر والتوزيع.
؟ الأعظمي: محمد مصطفى.
مغازي رسول الله ﷺ لعروة بن الزبير برواية أبي الأسود عنه، نشر مكتب التربية لدول الخليج العربي، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠١هـ.
دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، نشر المكتب الإسلامي، ١٤١٣هـ.
؟ أكرم ضياء العمري.
السيرة النبوية الصحيحة، نشر مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة،١٤١٢ هـ.
بحوث في تاريخ السنة المشرفة، الطبعة الخامسة، ١٤١٥هـ، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.
؟ الألباني: محمد ناصر الدين.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي ١٣٩٩هـ.
تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي، الطبعة السابعة ١٩٧٦م، دار الكتب الحديثة.
[ ٢ / ٨٥١ ]
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، ونشر الدار السلفية بالكويت، والمكتبة الإسلامية عمّان، الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة ١٣٩٨هـ، والمكتبة الإسلامية الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ، ومكتبة المعارف بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.
صحيح الجامع الصغير وزياداته، نشر المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ.
صحيح سنن أبي داود، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
صحيح سنن الترمذي، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
صحيح سنن النسائي، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
صحيح سنن ابن ماجه، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
ضعيف سنن أبي داود، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
ضعيف سنن النسائي، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
ضعيف سنن ابن ماجه، نشر مكتب التربية العلمي لدول
[ ٢ / ٨٥٢ ]
الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
؟ الأنصاري: حماد بن محمد.
إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مكتبة المعلا، الكويت.
بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة.
؟ الباكري: حسين بن أحمد.
مرويات غزوة أحد، رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية، ١٣٩٩ هـ - ١٤٠٠ هـ، مطبوعة على الآلة الكاتبة.
؟ البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (ت ٢٥٦هـ)
الأدب المفرد: ترتيب وتقديم: كمال يوسف الحوت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ عالم الكتب بيروت.
التاريخ الصغير، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.
التاريخ الكبير، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، مصور عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند.
الجامع الصحيح مع فتح الباري، لابن حجر الطبعة السلفية، القاهرة ١٣٨٠ هـ، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
البزار: أبو بكر: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق (ت ٢٩٢هـ)
البحر الزخار، تحقيق محفوط الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.
؟ البغوي: الحسين بن مسعود الفراء (ت ٥١٦هـ) .
شرح السنة، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، ١٣٩٩هـ.
معالم التنزيل بهامش تفسير الخازن، دار الفكر، بيروت.
؟ البكري: عبد الله بن عبد العزيز البكري (ت ٤٨٧هـ)
معجم ما استعجم، حققه وضبطه مصطفى السقا، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣هـ، عالم الكتب، بيروت.
؟ البلادي: عاتق بن غيث.
معجم قبائل الحجاز، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ، دار مكة للطباعة والنشر والتوزيع.
معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، دار مكة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ.
؟ البلاذري: أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر (ت ٢٧٩هـ)
أنساب الأشراف، تحقيق محمد حميدان، دار المعارف مصر.
فتوح البلدان، مراجعة وتعليق: محمد رضوان، دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٢هـ.
؟ البوصيري: أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر الكناني
[ ٢ / ٨٥٤ ]
(ت٨٤٠هـ)
إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي، الطبعة الأولى،١٤٢٠هـ، دار الوطن الرياض.
؟ البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين (ت٤٥٨هـ) .
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.
السنن الكبرى، دار الفكر بيروت.
معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار الوعي حلب، وغيره.
؟ الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (ت ٢٧٩هـ)
سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة، مطبعة البابي الحلبي، الطبعة الثانية، ١٣٩٨هـ.
الشمائل: إخراج وتعليق: محمد عفيف الزعبي، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ دار العلم للطباعة والنشر جدة.
؟ ابن تغري بردي: أبو الحسن جمال الدين يوسف الأتابكي (ت٨٧٤هـ)
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبع دار الكتب
[ ٢ / ٨٥٥ ]
المصرية ١٣٨٣هـ.
؟ ابن الجارود: أبو محمد عبد الله بن علي النيسابوري (ت٣١٧هـ)
المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله ﷺ مع كتاب غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود لأبي إسحاق الحويني، نشر دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.
؟ ابن الجعد: أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري (ت ٢٣٠هـ)
مسند ابن الجعد، تحقيق: عبد المهدي بن عبد القادر، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ، مكتبة الفلاح الكويت.
؟ ابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت ٥٩٧ هـ)
صفة الصفوة، تحقيق: محمود فاخوري، خرج أحاديثه: محمد رواس قلعجي، دار الوعي حلب، الطبعة الأولى، ١٣٨٩هـ.
المنتظم في تاريخ الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا وأخيه مصطفى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.
؟ الجوهري: أبو نصر إسماعيل بن أحمد (ت ٣٩٣هـ)
الصحاح: تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤هـ، دار العلم للملايين، بيروت.
؟ ابن أبي حاتم: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (ت٣٢٧هـ) .
تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
المراسيل بعناية شكر الله بن نعمة الله قوجاني، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ مؤسسة الرسالة.
الجرح والتعديل، دار الكتب العلمية بيروت، مصور عن الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند ١٣٧١هـ.
؟ حاجي خليفة: مصطفى بن عبد الله (ت ١٠٦٧هـ)
كشف الظنون، نشر دار الفكر، بيروت ١٤٠٢هـ.
؟ حارث بن سليمان الضاري.
الإمام الزهري وأثره في السنة، منشورات مكتبة بسام الموصل العراق، ١٤٠٥هـ.
؟ حافظ محمد عبد الله الحكمي
مرويات غزوة الحديبية، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة.
؟ الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله (٤٠٥ هـ)
المستدرك على الصحيحين، نشر دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.
؟ ابن حبان: أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد (٣٥٤هـ)
صحيح ابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لعلاء الدين الفارسي) تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ مؤسسة الرسالة بيروت.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
الثقات، طبع دائرة المعرف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ
؟ ابن حجر: أبو الفضل أحمد بن علي (٨٥٢هـ)
رفع الإصر عن قضاة مصر، تحقيق: حامد عبد المجيد، ومحمد المهدي أبي سنة، المطبعة الأميرية، القاهرة ١٩٥٧م.
النكت على كتاب ابن الصلاح، تحقيق: ربيع بن هادي المدخلي، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة.
الإصابة في تمييز الصحابة، نشر دار الكتاب العربي.
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.
تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، تحقيق عاصم بن عبد الله القريوتي، الطبعة الأولى، مكتبة المنار.
تغليق التعليق على صحيح البخاري، تحقيق سعيد بن عبد الرحمن موسى القزقي، المكتب الإسلامي، دار عمار الأردن، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ
تقريب التهذيب، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد، سوريا حلب، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.
التلخيص الحبير، تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني، المدينة المنورة، ١٣٨٤هـ
[ ٢ / ٨٥٨ ]
تهذيب التهذيب، دار صادر، بيروت، مصور عن الطبعة الأولى مجلس دائرة المعارف العثمانية الهند ١٣٢٥هـ.
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الطبعة السلفية، ١٣٨٠هـ.
لسان الميزان، ط الثانية، دار الفكر.
المطالب العالية، بزوائد المسانيد الثمانية، المسندة، تحقيق: أبي بلال غنيم بن عباس بن غنيم، وأبي تميم ياسر بن إبراهيم، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ، دار الوطن الرياض.
مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، تحقيق: صبري عبد الخالق أبي ذر، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.
هدي الساري مقدمة فتح الباري (انظر الفتح) .
؟ حسان بن ثابت الأنصاري ﵁.
ديوان حسان بن ثابت، شرحه وكتب هوامشه: عبد أمهنا، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
؟ حسين عطوان.
رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجريين الطبعة الأولى ١٩٨٦م دار الجيل.
؟ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت ٤٥٦هـ)
جمهرة أنساب العرب، مراجعة لجنة من العلماء طبع دار
[ ٢ / ٨٥٩ ]
الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ.
جوامع السيرة، تحقيق: إحسان عباس وناصر الدين الأسد، ومراجعة: أحمد محمد شاكر، إدارة إحياء السنة باكستان.
؟الحميدي: أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت ٢١٩هـ)
مسند الحميدي: تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.
؟ابن خزيمة: أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١هـ) .
صحيح ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ.
؟الخشني: أبو ذر محمد بن مسعود (ت ٦٠٤هـ)
شرح السيرة النبوية رواية ابن هشام، تصحيح: بولس برونلة، دار الكتب العلمية بيروت.
الإملاء المختصر في شرح غريب السير، تحقيق: عبد الكريم خليفة، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار النشر، عمان الأردن.
؟الخطابي: أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (ت ٣٨٨هـ) .
معالم السنن، طباعة وتصحيح: محمد راغب الطباخ، حلب، الطبعة الأولى، ١٣٥٢هـ.
؟الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت (ت٤٦٣هـ) .
تاريخ بغداد، دار الفكر للطباعة والنشر بيروت.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
تقييد العلم، تحقيق: يوسف العش، نشر دار إحياء السنة النبوية، الطبعة الثانية، ١٩٧٤م.
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٣هـ.
الكفاية في علم الرواية، تصحيح: السيد هاشم الندوي وغيره، طبع دائرة المعارف العثمانية الدكن، الهند.
؟ابن خلكان: أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت ٦٨١هـ) .
وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.
؟خليفة بن خياط: شباب العصفري (ت ٢٤٠هـ)
تاريخ خليفة، تحقيق: أكرم ضياء العمري، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ.
؟الخليلي: أبو يعلى الخليل بن عبد الله (ت ٢٣٤هـ) .
الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تحقيق: محمد سعيد بن عمر إدريس، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ.
؟ابن أبي خيثمة: أحمد بن أبي خيثمة (ت ٢٧٩هـ)
تاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثالث، مخطوط فيلم رقم (٥٧٢) بالجامعة الإسلامية.
؟الدارقطني: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي (ت ٣٨٥ هـ) .
[ ٢ / ٨٦١ ]
سنن الدارقطني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن للطباعة ١٣٨٦هـ.
؟الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام أبو محمد (ت٢٥٥هـ)
سنن الدارمي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ دار الريان مصر ودار الكتاب بيروت لبنان.
؟أبو داود السجستاني: سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ) .
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية، وأيضًا المطبوع مع عون المعبود طبع المطبعة العربية، لاهور باكستان.
؟أبو داود الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود (ت ٢٠٤هـ) .
مسند أبي داود الطيالسي، دار المعرفة، بيروت لبنان.
؟الدوري: عبد العزيز الدوري.
بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، الطبعة الثانية، دار المشرق، بيروت ١٩٩٣م.
؟الدولابي: أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد (ت ٣١٠ هـ) .
الكنى والأسماء، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ.
؟ابن الديبع الشيباني: عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت ٩٤٤هـ) .
[ ٢ / ٨٦٢ ]
حدائق الأنوار، ومطالع الأسرار، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري.
؟الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ)
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، نشر دار الكتاب (قسم السيرة والمغازي) .
تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، نسخة مصورة عن النسخة المحفوظة في مكتبة الحرم المكي.
تلخيص المستدرك بحاشية المستدرك للحاكم.
سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وغيره، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥هـ.
العبر في خبر من غبر، تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت الطبعة الأولى، ١٣٨٢هـ.
؟الرامهرمزي: الحسن بن عبد الرحمن (ت ٣٦٠هـ)
المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، دار الفكر الطبعة الأولى ١٣٩١هـ.
؟ابن رجب الحنبلي: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد (ت٧٩٥هـ) .
شرح علل الترمذي، تحقيق: همام عبد الرحيم سعيد، مكتبة المنار الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
الزبير بن بكار (ت ٢٥٦هـ) .
جمهرة نسب قريش وأخبارها، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة دار العروبة.
؟الزبيدي: محمد بن مرتضى الحسيني (ت ١٢٠٥هـ)
تاج العروس من جواهر القاموس، دار مكتبة الحياة، بيروت.
؟أبو زرعة الدمشقي: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري (ت ٢٨١هـ)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني، بدون ذكر دار نشر أو سنة طبع.
؟الزرقاني: محمد عبد الباقي بن يوسف (ت ١١٢٢هـ)
شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، ١٣٩٣هـ.
؟ابن زنجويه: حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخراساني النسائي، الأزدي (ت ٢٥١هـ) .
كتاب الأموال، تحقيق: شاكر ذيب فياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، مركز الملك فيصل للبحوث الإسلامية.
؟الساعاتي: أحمد بن عبد الرحمن البنا (١٣٧٨هـ)
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد، نشر دار الشهاب، القاهرة.
؟السبكي: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي
[ ٢ / ٨٦٤ ]
الزبير بن بكار (ت ٢٥٦هـ) .
جمهرة نسب قريش وأخبارها، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة دار العروبة.
؟الزبيدي: محمد بن مرتضى الحسيني (ت ١٢٠٥هـ)
تاج العروس من جواهر القاموس، دار مكتبة الحياة، بيروت.
؟أبو زرعة الدمشقي: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري (ت ٢٨١هـ)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني، بدون ذكر دار نشر أو سنة طبع.
؟الزرقاني: محمد عبد الباقي بن يوسف (ت ١١٢٢هـ)
شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، ١٣٩٣هـ.
؟ابن زنجويه: حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخراساني النسائي، الأزدي (ت ٢٥١هـ) .
كتاب الأموال، تحقيق: شاكر ذيب فياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، مركز الملك فيصل للبحوث الإسلامية.
؟الساعاتي: أحمد بن عبد الرحمن البنا (١٣٧٨هـ)
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد، نشر دار الشهاب، القاهرة.
؟السبكي: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي
[ ٢ / ٨٦٥ ]
صامل السلمي، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، مكتبة الصديق الطائف.
؟سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني (ت ٢٢٧هـ)
سنن سعيد بن منصور، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥،
؟السفاريني: أبو العون شمس الدين محمد بن أحمد (ت ١١١٤هـ)
شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، الطبعة الأولى، ١٣٨٠هـ، المكتب الإسلامي دمشق.
؟ السمهودي: علي بن أحمد (ت ٩١١هـ) .
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية بيروت.
؟ السندي: أكرم حسين علي.
مرويات تاريخ يهود المدينة في عهد النبوة، رسالة ماجستير من قسم السنة، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٣٩٩هـ ـ١٤٠٠هـ.
؟السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي (ت ٥٨١هـ)
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر.
؟ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن
[ ٢ / ٨٦٦ ]
يحيى البصري (ت ٧٣٤هـ) .
عيون الأثر في فنون المغازي والسير، تحقيق: محمد العيد الخطراوي، ومحيي الدين مستو، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ، دار التراث المدينة المنورة.
؟السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١هـ)
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية، ١٣٨٥هـ دار الكتب الحديثة مصر.
حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، ١٣٨٧ هـ
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
ذيل طبقات الحفاظ؛ المطبوع مع تذكرة الحفاظ للذهبي، طبع دار الكتب العلمية بيروت.
؟ الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت ٢٠٤ هـ) .
الأم، طبع دار الشعب.
السنن المأثورة.
مسند الإمام الشافعي، ترتيب: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، والسيد عزت العطار الحسني، دار الكتب العلمية
[ ٢ / ٨٦٧ ]
بيروت ١٣٧٠هـ.
؟ الشامي: صالح أحمد الشامي.
من معين السيرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، المكتب الإسلامي بيروت.
؟ابن شبة: أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري (ت ٢٣٥هـ)
تاريخ المدينة المنورة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ.
؟ الشوكاني: محمد بن علي بن محمد (ت١٢٥٠هـ) .
البدر الطالع في محاسن ما بعد القرن السابع، الطبعة الأولى، ١٣٤٨هـ، مطبعة دار السعادة، القاهرة، مصر.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر للطبع والنشر والتوزيع، بيروت.
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، مكتبة التراث القاهرة.
؟ابن أبي شيبة: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ)
المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الخالق الأفغاني، ومختار أحمد الندوي، الدار السلفية ١٣٩٩هـ.
؟أبو الشيخ الأصبهاني: أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (ت٣٦٩هـ) .
أخلاق النبي ﷺ وآدابه، تحقيق: عصام الدين سيد، الطبعة
[ ٢ / ٨٦٨ ]
الأولى، ١٤١١هـ، نشر الدار المعربة اللبنانية.
؟ الصالحي: محمد بن يوسف الشامي (ت ٩٤٢هـ) .
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، تحقيق: عاد أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض. الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، لدار الكتب العلمية بيروت.
؟ الصفدي: خليل بن أيبك صلاح الدين (ت٧٦٤هـ) .
الوافي بالوفيات، تحقيق: هلمت ريتر، دار النشر فرانز شتايز بفسبادن.
؟الطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد (ت٣٦٠هـ)
المعجم الصغير مع الروض الداني، تحقيق: محمد شكور محمود، المكتب الإسلامي، دار عمار، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ.
المعجم الأوسط، تحقيق: أبي معاذ طارق بن عوض الله محمد، وأبي الفضل عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين ١٤١٥هـ.
المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، الجمهورية العراقية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إحياء التراث الإسلامي.
مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، مؤسسة الرسالة.
؟ الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير (ت ٣١٠هـ) .
[ ٢ / ٨٦٩ ]
تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان بيروت لبنان.
تهذيب الآثار، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة المدني القاهرة.
جامع البيان عن تأويل القرآن، مطبعة دار المعرفة ١٣٩٨هـ.
جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق: أحمد شاكر، وأخيه محمود شاكر، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر.
المنتخب من ذيل المذيل، المطبوع في نهاية تاريخ الطبري (الأمم والملوك) .
؟ الطحاوي: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي (ت٣٢١هـ) .
شرح معاني الآثار، تحقيق: محمد زهري النجار، طبع دار الكتب العلمية بيروت.
؟الطوسي: أبو جعفر الطوسي (ت ٤٦٠هـ) .
رجال الطوسي، تحقيق: محمد صادق بحر العلوم، المطبعة الحيدرية، النجف العراق.
؟ عادل عبد الغفور بن عبد الغني.
مرويات عروة بن الزبير في السير والمغازي، رسالة دكتوراه مطبوعة على الآلة الكاتبة، قدمت بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام ١٤١٣هـ.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
ابن أبي عاصم: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (ت ٢٨٧هـ)
الآحاد والمثاني، تحقيق: باسم فيصل الجوابرة، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ.
الجهاد، تحقيق: مساعد بن سليمان الراشد، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ، دار القلم بيروت.
كتاب السنة، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، ١٤٠٥هـ. المكتب الإسلامي.
؟ عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني (ت٢٩٠هـ)
السنة، تحقيق: محمد السعيد زغلول، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
السنة، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.
؟ ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري (ت ٤٦٣هـ)
الإنباه على قبائل الرواة، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ، لدار الكتاب العربي.
الاستيعاب في أسماء الأصحاب، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ لدار الكتب العلمية بيروت.
[ ٢ / ٨٧١ ]
التمهيد لما في الموطأ من السنن والمسانيد، تحقيق: مجموعة من العلماء، نشر وزارة الأوقاف المغربية.
جامع بيان العلم وفضله، دار الكتب العلمية بيروت.
الدرر في اختصار المغازي والسير. دار الكتب العلمية بيروت.
؟ عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٢١١هـ)
تفسير القرآن: تحقيق: مصطفى مسلم محمد، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، مكتبة الرشد.
المصنف: تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ
المغازي النبوية، تصنيف الإمام الزهري، مرويات الزهري من طريق معمر، مقتطفة من المصنف. أخرجها سهيل زكار، دار الفكر ١٤٠١ هـ.
؟ أبو عبيد القاسم بن سلاّم الهروي (٢٢٤هـ)
الأموال: تحقيق محمد خليل الهراس، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر٤ بالقاهرة، الطبعة الثانية. ١٤٠١هـ
؟ ابن عدي: أبو أحمد عبد الله بن عديّ الجرجانيّ (٣٦٥هـ)
الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق مجموعة من العلماء. دار الفكر. بيروت.
؟ ابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله (٥٧١هـ)
[ ٢ / ٨٧٢ ]
تاريخ دمشق: دراسة وتحقيق: محب الدين أبي سعيد عمرو بن غرامة العمروي. ١٤١٥ هـ دار الفكر، بيروت.
ترجمة الزهري، جمع شكر الله بن نعمة الله قوجاني، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ مؤسسة الرسالة.
؟ العلائي: صلاح الدين أبو سعيد بن خليل (ت ٧٦١هـ)
جامع التحصيل في أحكام المراسيل، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ نشر عالم الكتب.
؟ العليمي: أحمد محمد العليمي با وزير
مرويات غزوة بدر، مكتبة طيبة، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٠هـ.
؟ ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
؟ أبو عوانة: يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (٣٦١ هـ)
مسند أبي عوانة، نشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
؟ العيني: أبو محمد محمود بن أحمد (٨٥٥هـ)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار الفكر.
؟ ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس (ت٣٩٥هـ)
مجمل اللغة: تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، الطبعة الثانية
[ ٢ / ٨٧٣ ]
١٤٠٦هـ. مؤسسة الرسالة بيروت.
؟ الفاكهي: أبو عبد الله بن إسحاق (من علماء القرن الثالث الهجري) .
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تحقيق عبد الملك بن دهيش، مكتبة ومطبعة النهضة، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ.
؟ أبو الفرج الأصفهاني: علي بن الحسين بن محمد (ت٣٥٦هـ)
كتاب الأغاني: تحقيق: سمير جابر، الطبعة الثانية عام ١٤١٢هـ دار الكتب العلمية بيروت.
؟الفريابي: أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن (ت٣٠١هـ)
دلائل النبوة، تحقيق: عامر حسن صبري، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، دار حراء للنشر والتوزيع، مكة المكرمة.
؟ الفزاري: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث (ت١٨٦هـ) .
كتاب السير، تحقيق: فاروق حمادة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
؟ الفسوي: يعقوب بن سفيان (ت ٢٧٧هـ)
المعرفة والتاريخ، تحقيق: أكرم ضياء العمري، الطبعة الثانية، ١٤٠١هـ، مؤسسة الرسالة.
؟ ابن فهد: تقي الدين محمد بن فهد المكي.
لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، المطبوع مع تذكرة الحفاظ للذهبي، دار الكتب العلمية بيروت.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
الفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب (ت ٨١٧هـ)
القاموس المحيط، تحقيق: مكتب التراث في مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ.
؟ الفيومي: أحمد بن محمد الفيومي (٧٧٠هـ) .
المصباح المنير، مكتبة لبنان ١٩٩٠م.
؟ القلقشندي: أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله القلقشندي (ت٨٢١هـ) .
نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ دار الكتب العلمية بيروت.
؟ ابن القيم: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت ٧٥١هـ) .
زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية الطبعة الثامنة ١٤٠٥هـ.
؟ الكتاني: عبد الحي بن عبد الكبير.
فهرس الفهارس والأثبات، اعتناء: إحسان عباس، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ، دار الغرب الإسلامي بيروت.
؟ ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (٧٧٤هـ) .
البداية والنهاية، مكتبة المعارف بيروت، الطبعة الثالثة ١٩٧٨م
تفسير القرآن العظيم، نشر دار المعرفة بيروت ١٣٨٨هـ.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
؟كحالة: عمر رضا
معجم قبائل العرب، الطبعة السادسة، ١٤١٢هـ، مؤسسة الرسالة بيروت.
؟ اللالكائي: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور (ت٤١٨هـ)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق: أحمد سعد حمدان الغامدي، نشر دار طيبة للنشر والتوزيع.
؟ ابن ماجه: أبو عبد الله بن يزيد القزويني (ت٢٧٣هـ) .
سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ١٣٩٥هـ.
؟ أبو مايلة: بريك بن محمد.
السرايا والبعوث النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع جدة.
؟ مالك بن أنس الأصبحي (ت١٧٩هـ)
الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.
؟ محمد باقشيش.
مغازي موسى بن عقبة (ت ١٤١هـ) جمع ودراسة وتخريج محمد باقشيش أبي مالك، نشر جامعة ابن زهر كلية الآداب
[ ٢ / ٨٧٦ ]
والعلوم الإنسانية، بأغادير المغرب.
؟ محمد محمد حسن شراب.
المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، دار القلم دمشق، الطبعة الأولى ١٤١١هـ.
؟ محمد بن صامل السلمي.
منهج كتابة التاريخ الإسلامي، دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.
؟ المروزي: محمد بن نصر (ت ٢٩٤هـ) .
تعظيم قدر الصلاة، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، مكتبة الدار بالمدينة المنورة.
؟ المزي: أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف (٧٤٢هـ)
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى.
؟ مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري (ت ٢٦١هـ) .
صحيح مسلم بشرح النووي، دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة الأولى ١٣٤٧هـ.
صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي.
؟ مصعب الزبيري: أبو عبد الله مصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري (ت٢٣٦هـ) .
[ ٢ / ٨٧٧ ]
نسب قريش، عناية: أ. ليفي بروفنسال. دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة.
؟ ابن معين: أبو زكريا يحيى بن معين (ت٢٣٣هـ) .
سؤالات ابن الجنيد لابن معين، تحقيق: أحمد محمد نور سيف، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
؟ المقريزي: تقي الدين أحمد بن علي (ت٨٤٥هـ) .
إمتاع الأسماع، تصحيح: محمود شاكر، لجنة التأليف والترجمة ١٩٤٠م القاهرة.
؟ ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري (٧١١هـ)
لسان العرب المحيط، دار لسان العرب، رتبه على حروف ألف باء: يوسف خياط.
؟ النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣هـ)
تفسير النسائي، تحقيق: صبري الشافعي، وسيد عباس الجليمي، مكتبة السنة بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ.
سنن النسائي (المجتبى) بشرح السيوطي، وحاشية السندي، المطبعة المصرية بالأزهر.
فضائل الصحابة، تحقيق: فاروق حمادة، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ، دار الثقافة، الدار البيضاء.
؟ أبو نعيم الأصبهاني: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن
[ ٢ / ٨٧٨ ]
مهران (ت٤٣٠هـ)
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، نشر دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٧٨هـ.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ. دار الكتب العلمية بيروت.
دلائل النبوة، تحقيق: محمد رواس قلعجي، نشر المكتبة العربية حلب. الطبعة الأولى ١٣٩٠هـ.
؟ النووي: أبو زكريا يحي بن شرف الدين (ت٦٧٦هـ) .
تهذيب الأسماء واللغات، عنيت بنشره وتحقيقه: مجموعة من العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، نشر دار الكتب العلمية بيروت.
شرح النووي على مسلم.
؟ ابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري (ت٢١٨هـ) .
السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ الشلبي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية، ١٣٧٥هـ.
؟ الهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر (ت٨٠٧هـ) .
كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية،
[ ٢ / ٨٧٩ ]
١٤٠٤هـ.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٢هـ.
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية بيروت.
؟ هارون رشيد: محمد إسحاق.
صحيفة المدينة، دراسة حديثية وتحقيق، رسالة ماجستير من كلية التربية، جامعة الملك سعود، ١٤٠٥هـ.
؟ الواحدي: أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري (ت٤٦٨هـ) .
أسباب النزول، تحقيق: سيد أحمد صقر، دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علوم القرآن، الطبعة الثالثة ١٤٠٧هـ.
؟ الواقدي: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي (ت ٢٠٧هـ)
مغازي الواقدي، تحقيق: مارسدن جونسن، عالم الكتب، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤هـ.
؟ ابن الوزير: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني (ت ٨٤٠هـ)
العواصم من القواصم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ، دار البشير عمان الأردن.
؟ ياقوت الحموي: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت ٦٢٦هـ)
معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ١٣٩٩هـ.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (ت ٢٨٤هـ) .
تاريخ اليعقوبي، دار صادر بيروت.
؟ أبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت ٣٠٧هـ) .
مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار الثقافة العربية دمشق وبيروت.
؟ يوسف هورفتش
المغازي الأولى ومؤلفوها، ترجمة: حسين نصار، الطبعة الأولى ١٣٦٩هـ، مطبعة مصطفى البابي وأولاده بمصر.
[ ٢ / ٨٨١ ]