١- النبوة والوحي:
إسلام ورقة بن نوفل:
نقل الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة (١) حديث النبيّ ﷺ أنه لما توفي ورقة قال: "لقد رأيت القسّ – وهو رجل الدين النصراني – في الجنّة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني" رواه أبو نُعيم والبيهقي في الدلائل الصحيح: قال أبو نُعيم: فهذا منقطع. وقال ابن كثير (٢): مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل (٣) .
علاقة ورقة بالإسلام:
يقول مونتجمري واط: "ومن الأفضل الافتراض بأن محمدًا كان قد عقد صلات مستمرة مع ورقة منذ وقت مبكر، وتعلّم أشياء كثيرة، وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيرًا بأفكار ورقة، وهذا يعود بنا إلى طرح مشكلة العلاقة بين الوحي الذي نزل على محمد والوحي السابق له".
الصحيح: توضح رواية البخاري أن لقاءً واحدًا تم بين الاثنين، وأنه احتاج إلى تدخل من خديجة ﵂ - ابنة عم ورقة.
وقد فتر الوحي ومات ورقة بعد ثلاث سنوات من بدء الوحي ووقوع اللقاء، وبقي الرسول ﷺ يتلو ما يتنزل من قرآن ثلاثًا وعشرين سنة حتى كمل التنزيل في عصر يوم الجمعة بعرفات في ذي الحجة سنة١٠هـ.
_________________
(١) كتابه "السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة" ص٨٤
(٢) البداية والنهاية ٣/٩.
(٣) أبو نعيم: الدلائل ١٥٨ – ١٥٩.
[ ٥٩ ]
علاقة الإسلام ببحيرى الراهب:
يقول المستشرقون أن النبي ﷺ تعلّم من بحيرى الراهب. وقصة بحيرى لا تثبت أمام النقد الحديثي، ولو افترضنا جدلًا أنها وقعت فإن اللقاء بينهما لا يعدو الساعة أو الساعتين، وعمر النبيّ ﷺ اثنتا عشرة سنة. ولو حدثت قصة اللقاء لأثارت جدلًا في قريش. لكننا لا نجد صدى لها مما يؤكد بطلانها. وماذا يتحمل صبي في الثانية عشرة من عمره عن بحيرى؟ وقد اجتمع به بحضور قريش ساعة من زمان؟
وأما الأخذ عن التوراة والإنجيل فإن التوراة والإنجيل لم يترجما كاملين إلى العربية إلا بعد قرنين من عصر الرسالة (١) وكان يهود المدينة في عصر الرسالة يقرؤون بالعبرانية، وإن كان ورقة قد ترجم شيئًا من إنجيل العبرانيين. ولو افترضنا جدلًا أنهما ترجما في عصر الرسالة فإن أمِّيَّته الثابتة تحول دون إفادته منهما. وكلنا يعلم أن أحدًا من المشركين لم يشكك في أمِّيّة النبيّ ﷺ مع توافر الدواعي لذلك عندهم؛ تكذيبًا للقرآن، وتشكيكًا بصدق النبي ﷺ. وأقوى سند في قصة بحيرى ما أخرجه الترمذي وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي قائلًا: "أظنه موضوعًا وبعضه باطل".
الرد على مونتجمري واط في تفسير تغاير أسلوب القرآن والحديث:
وأن ذلك يعود إلى أن مصدر الحديث هو العقل ومصدر القرآن هو "اللاشعور". وإذا قبلنا هذه الفكرة المستوحاة من مدرسة التحليل النفسي،
_________________
(١) ابن النديم: الفهرست١/٣٣.
[ ٦٠ ]
فإنَّ كل إنسان يمتلك مستويين؛ مستوى للوعي ومستوى للاوعي، فلماذا لم ينجم عن ذلك وجود أسلوبين متغايرين كل التغاير عند الأدباء والشعراء بحيث تسقط المعايير الأدبية النقدية التي تكشف عن الافتعال في الشعر والنثر الفني لأن الخصائص الأسلوبية الفردية متمايزة، بحيث يكتشف الناقد أن قائل البيت هو امرؤ القيس، وكان الظن عند فلاسفة غربيين كبار أن تغييب الوعي (العقل) بالمخدرات يفضي إلى التماس مع منطقة اللاوعي حيث يتجلى الإبداع الحر بعيدًا عن قيود العقل وكوابحه. وقد جربوا ذلك، ووضعوا أجهزة تسجيل لكلامهم من خلال منطقة "اللاوعي"، فلم يحصلوا على إبداع!! مع العلم أن منطقة "اللاوعي" افتراضية وليست حقيقية علمية. وفي الإسلام اعتبرت النفس واحدة وإن كانت تتحول من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة إلى النفس المطمئنة تبعًا لما تتلقاه من مؤثرات تربوية تقوى أحد جانبيها من الخير أو الشر.
[ ٦١ ]
٢- التشكيك بالرسالة:
الرد على مقولة أن الإسلام تعبير عن "اللاوعي" الجمعي العربي:
Arabic Collective Unconsciousness
مما يعني أنه انعكاس لثقافة مكتنزة في ضمير الأمة العربي، وتعبير عن آمالها وتطلعاتها في الوحدة والنهضة وتحقيق الذات.. وثمة من يذهب إلى أن الإسلام لم يأت بجديد، بل تبنى نظم الجاهلية في العبادة من حج وصوم وصدقة، وفي المعاملات من ديات وخُمس (أصله الربع من الغنائم يحوزه شيخ القبيلة) وشورى (تعود إلى ممارسات القبيلة في خيمة الشيخ) (١) ويتناسى
_________________
(١) راجع محاولات التشويه التي بذلها خليل عبد الكريم في مؤلفاته وخاصة: جذور الشريعة الإسلامية.
[ ٦١ ]
هؤلاء ما أحدثه الإسلام من نقلة هائلة في عالم العقيدة.. عن التشبيه والتمثيل والتعطيل. وحتى العبادات القديمة مثل الحج زمن إبراهيم (﵇)، الذي طرأ عليه تغيير وابتداع، فإن الإسلام أعاده إلى نقائه وأزال منه بدع الجاهلية وتحريفاتها التي ميزت قريشًا عن العرب وحققت لهم منافع اجتماعية واقتصادية واضحة مثل عدم الوقوف بعرفة بزعم أنهم أهل الحرم فلا يغادرون إلى الحل (عرفات) واحتكار بيع الثياب للحجاج بزعم أنهم الخمس، وأن ثياب الحجاج لا تصلح للطواف، وبإنكارهم أداء العمرة في موسم الحج حتى تتكرر مواسم التجارة، وإنكارهم التجارة في الحج (١)، وبحفاظهم على ٣٦٠ صنمًا حول الكعبة يمثلون القبائل، وبحفاظهم على صورة مريم وعيسى (﵇) وصورة إبراهيم يستقسم بالأزلام على جدران الكعبة، ويتناسون ما أحدثه الإسلام من ثورة على الاقتصاد الجاهلي القائم على الربا والاحتكار والميسر وما أحدثه من تغيير هائل في علاقات الرجال والنساء
والقصد من هذا التحريف والتشويه للحقيقة القول بأن الرسول ﷺ مصلح اجتماعي قاد العرب نحو الوحدة والنهضة معتمدًا على استلهام ذاكرتهم الجمعية مستوحيًا النظم المختلفة من تراث الجاهلية، فليس ثمة وحي يوحى وكتاب ينزل، بل كانت الأمة مهيأة للنهوض حال ظهور القائد وقد فعلت ضمن سنن الاجتماع وقوانين التاريخ العامة.
بيان أن القرآن رد على اتهام مشركي قريش للنبي ﷺ بأخذ العلم من مصادر أعجمية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا
_________________
(١) السايس، تفسير آيات الأحكام، ١/١٤٧، وقد اشتهرت نسبة الكتاب للسايس، والصحيح أن الكتاب لمؤلفين ثلاثة وهم محمد العرفة، وعبد السلام العسكري، وأحمد حميدة، وأما السايس فأشرف على تنقيحه فقط، كما في طبعة سنة ١٩٣٣م.
[ ٦٢ ]
يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] وقد بيّن الصحابي عبد الله بن مسلم الحضرمي أنه كان لهم صبيان عبدان يصقلان السيوف – يقرآن التوراة، هما يسار وخير، فمرّ بهما رسول الله ﷺ وهما يقرآن كتابًا لهما. فقال المشركون: "إنما يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية".
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: أن الغلامين كانا يقرآن بالعبرانية، وكانا صبيين، وأن صاحبهما أسلم، فهل كان ليسلم لو علم أن غلاميه مصدر القرآن؟
[ ٦٣ ]
٣- أخبار زائفة:
من المعروف أن النقد الحديثي أثبت عدم صحة قصة الغرانيق التي تزعم أن النبي ﷺ في أعقاب هجرة الحبشة الأولى صلّى في المسجد الحرام فقرأ: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى مع آيات من سورة النجم وأن المشركين لما سجد سجدوا معه لأنه أثنى على آلهتهم.
وقد بين فوك Fueck أن بعض المستشرقين صدق القصة وبعضهم كذبها حسب الهوى، وأما واط فزعم أن القصة صحيحة لأنها في غاية الغرابة!! تؤدي بعض الأخبار التي يرويها سيف بن عمر عن عصر السيرة النبوية إلى تشويه واضح لأحكام شرعية ولسلوك بعض الصحابة رضوان الله عليهم: فعندما يذكر سيف بن عمر بأن النبي ﷺ عين معاذ بن جبل على اليمن في سنة ١٠هـ قبل حجة الوداع، وأنه أباح له أخذ الهدايا من الناس، ومن الواضح أن هذا مخالف لتعاليم النبي (١) ﷺ.
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري ١٣/١٦٧، أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول، وابن الأثير، أسد الغابة ٤/٣٧٢، وانظر: موسى شاهين لاشين، فتح المنعم شرح صحيح مسلم ١/٩٤، وعبد الحميد محمود طهماز، معاذ بن جبل، ص٥١. مع أن تحريم أخذ الولاة والمصدقين للهدايا واضح في الأحاديث الصحيحة ابن حجر، فتح الباري ١٣/١٦٧.
[ ٦٣ ]
في الوقت الذي تذكر كتب الحديث بوضوح محو النبي ﷺ لكل الصور داخل الكعبة المشرفة، فإن كتاب (أخبار مكة) للأزرقي يذكر أن النبي ﷺ وضع يده على صورة عيسى وأمه وأمر بمسح الصور الأخرى مما يخل بالموقف الشرعي من التصوير وبخاصة تصوير الأنبياء ومع وجود ذلك في مكان شريف للعبادة (١) .
ومن ذلك بلاغ للزهري يشير إلى أن النبي ﷺ همّ أن يتردى من الجبال لما أصابه من اضطراب عند مفاجأة الوحي الأولى له في غار حراء. والزهري إمام كبير، لكن الرواية تبقى ضعيفة حسب قواعد المحدثين لأنه تابعي صغير ولم يذكر سند الرواية.
_________________
(١) الأزرقي، أخبار مكة، ١/١٦٧، ١٦٨، والذهبي، السيرة النبوية، ط القدسي ص٣٦، وجواد علي، المفصل في تاريخ العرب ٦٧٢،٦٠٧.
[ ٦٤ ]
٤- السياسة الشرعية:
المعاهدة مع يهود المدينة تصلح للدراسة التأريخية، لكنها لا تصلح دليلًا شرعيًا لعدم ثبوتها حديثيًا.
فليس كل ما في الوثيقة على درجة واحدة من الصحة، لأن بعضها ورد بشكل أحاديث متفرقة في المصادر الحديثية مثل البخاري ومسلم، وبعضها أوردته كتب السيرة والتأريخ دون أسانيد أو بأسانيد معلولة.
[ ٦٤ ]
القول بأن المنافقين حركة سياسية، وأن المرتدين معارضة سياسية.
لأبي بكر ﵁ وهذا تزوير مكشوف للتاريخ، فالمرتدون التفوا حول مدعي النبوة بسبب العصبية القبلية، وحملوا السيف في وجه الدولة الإسلامية.. ومعظمهم ارتد عن الإسلام جملةً وتفصيلًا، والقليل منهم (بعض فروع تميم مثل بني يربوع وقوم مالك بن نويرة) امتنع عن دفع الزكاة مع البقاء على الإسلام، وهذا الامتناع هو ناجم عن تأويل – كما ورد عن الإمام الخطابي (ت٣٨٨هـ) للآية ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] . حيث رأوا أن الخطاب للنبي ﷺ فليس لأبي بكر أن يأخذ زكاتهم (١) . والقول بالتأويل للآية لم أجد له سندًا، وبين الخطابي والردة ما يقارب أربعة قرون! ولم ترفع حركات الردة أي شعارات تعبر عن معارضتهم لخلافة أبي بكر ﵁.
ومحاولة تزوير حقائق التأريخ وإعادة كتابته لخدمة أغراض مذهبية وسياسية لن تنجح، والصحيح الاعتراف بالحقيقة التاريخية والتزامها. ولا شك أن جهود الأخباريين ستنصب على حركة الردة وممهداتها المتمثلة في وفاة النبي ﷺ.
القول بأن الجهاد دفاع عن النفس بينما هو يمثل العقيدة العسكرية للأمة وهو استراتيجية ثابتة حتى قيام الساعة، ولكن التطبيق يتسم بالمرونة العالية. فهو يرتبط بالدولة فهي منظمة له أو تسمح به تبعًا لموازين القوى وأحوال
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري، وانظر موسى شاهين لاشين، فتح المنعم شرح صحيح مسلم ١/١١٣.
[ ٦٥ ]
المسلمين ومصالحهم، ونظرًا لتنوع أدواته فهي تختار آليات التنفيذ من الجهاد بالكلمة والمال والنفس، ويسع الأفراد ما لا يسع الدولة من التصرفات، ولكن ذلك مرتبط بإذن الدولة أيضًاً.
[ ٦٦ ]
٥- تطلعات لمستقبل دراسات السيرة:
نأمل أن يتم في هذا العقد بناء موسوعة السيرة النبوية على أسس علمية، وأن يتم وضعها على أسطوانة ليزر، وتكون ميسَّرة لأهل الأرض عن طريق الإنترنت.
نأمل أن يتم عرض – بإحكام – لأحداث السيرة عن طريق الوسائط المتعددة Multimedia صوتًا وصورة وكتابة وأن تسوّق على اسطوانة ليزر.
نأمل أن تصدر دراسات علمية موثقة عن السيرة تتسم بالقدرة التحليلية ودقة المعلومات وجودة العرض وتقوم بهذه المهام عادة مراكز البحث حيث يعجز الأفراد عن تنفيذ المشروعات الكبرى، وقد تبين هذا العجز خلال السنوات العشرين الماضية رغم المحاولات المشكورة التي قامت به شركات برمجة عديدة. ويمكن أن تتحد هذه الشركات في شركة واحدة وتدعم ماليًا لتنفيذ المشروع.
[ ٦٦ ]