الفصل الأول: تحقيق لاسم الغزوة وموقعها
المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية
المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية:
بعد أن تم اختياري «لمرويات غزوة الحديبية» موضوعًا لبحثي كانت أول قضية استوقفتني هي: اختلاف الذين كتبوا عن مغازي رسول الله ﷺ «في عنوان هذه الحادثة» .
فنرى بعضهم عنون لها بـ «أمر الحديبية» ١ وبعضهم بـ «قصة الحديبية» ٢، ومنهم من سماها ببعض القضايا التي وقعت فيها مثل: «عمرة الحديبية» ٣، أو «صلح الحديبية» ٤، وفريق آخر سماها بـ «غزوة الحديبية» ٥.
وكان لزامًا علي أن أختار لها عنوان مناسبًا من تلك العناوين المطروحة لكن وجدت أمامي سؤالًا يطرح نفسه، وهو: لماذا اخترت هذا العنوان دون غيره؟
وللجواب على هذا السؤال وأمثاله قررت أن يكون اختياري للعنوان ناتجًا عن دراسة وتحليل لتلك العناوين المطروحة لأنه لم يوضع واحد منها إلا باعتبار ما.
فأقول وبالله التوفيق:
بعد دراسة وتأمل لتلك العناوين رأيت أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: «غزوة الحديبية» وذلك للأمور التالية:
_________________
(١) ١ انظر: سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨، والمواهب اللدنية ٢/١٧٩ مع شرح الزرقاني. ٢ انظر: تاريخ الطبري ٢/٧١، وزاد المعاد ٣/٢٨٦. ٣ انظر: الدرر لابن عبد البر ص ٢٠٤، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ٣٤٨. ٤ انظر: تاريخ خليفة ابن خياط ص ٨١، وكتاب صلح الحديبية لمحمد باشميل. ٥ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٣٩، ومغازي الواقدي ٢/٥٧١، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ اليعقوبي ٢/٥٤، وعيون الأثر ٢/١١٣، وجوامع السيرة ص٢٠٧ وغيرها.
[ ١٤ ]
أولًا: أنه موافق لاصطلاح أهل السير والمحدثين.
قال الزرقاني: "وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحهم غالبًا أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة (غزوة) وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو (سرية) أو (بعثًا) "١.
ثانيًا: ما يحمله لفظ (غزوة) من إيحاءات عميقة تعطى الحادثة اعتبارًا خاصًا في شعور المسلم ولا توجد في مثل لفظ (قصة) و(أمر) ذلك لأن لفظ (غزوة) أصبح ملازمًا لشخص رسول الله ﷺ فلا تكاد ترى أو تسمع هذه اللفظة حتى يسرح بك الخيال من وراء تلك الأجيال المتعاقبة لترى تحركات رسول الله ﷺ وأصحابه الأبرار يزلزلون الطغاة وأتباعهم.
ثالثًا: شمول هذا العنوان لجميع تحركات الرسول ﷺ في هذه الحادثة ابتداء من إحرامه بالعمرة ومرورًا بالبيعة والصلح إلى رجوعه للمدينة.
رابعًا: ورود عدة أحاديث تصرح بأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها (غزوة) ومن تلك الأحاديث ما يلي:
حديث سلمة بن الأكوع ﵁:
(١) قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا حماد بن مسعده عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فذكر خيبر٢، والحديبية، ويوم حنين٣، ويوم القرد٤، قال يزيد: ونسيت بقيتهم"٥.
_________________
(١) ١ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/٣٨٧. ٢ لفظ خيبر: بلسان اليهود الحصن، وصار يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخيل كثيرة، فتحها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، وتقع شمال المدينة بحوالي (١٦٤) كيلًا. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، ونسب حرب: ٣٥٦، ومرويات غزوة خيبر لعوض الشهري: ٨. ٣ حنين: قال ياقوت: "يجوز أن يكون تصغير الحنان وهو الرحمة تصغير ترخيم، ويجوز أن يكون تصغير الحن، وهو حي من الجن، قال السهيلي: سمي بحنين بن قانيه بن مهائيل، قال: وأظنه من العماليق، حكاه عن أبي عبيد البكري، وهو اليوم الذي ذكره الله ﷿ في كتابه الكريم، وهو قريب من مكة، وقيل: واد قبل الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز، وقال الواقدي: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا". انظر: معجم البلدان ٢/٣١٣. ٤ يعني غزوة ذي قرد: وهو ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، وكان رسول الله ﷺ انتهى إليه لما خرج في طلب عيينة بن حصن حين أغار على لقاحه. معجم البلدان ٤/٣٢١. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٧٣.
[ ١٥ ]
وأخرجه أحمد١ عن حماد بن مسعدة.
حديث أبي قتادة ﵁:
(٢) قال مسلم٢: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية هو ابن سلام أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية، قال: فأهلوا بعمرة غيري (الحديث) .
حديث أنس بن مالك عند ابن جرير:
(٣) قال: حدثنا أحمد بن المقدام٣، قال: ثنا المعتمر٤ قال: سمعت أبي٥ يحدث عن قتادة٦ عن أنس٧ بن مالك قال: "لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٨ أو كما شاء الله فقال النبي ﷺ: "لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعًا"٩.
هذا حديث صحيح فرجاله رجال الصحيح وأحمد بن المقدام طعن فيه أبو داود بسبب مزاح كان فيه، وقد تعقبه ابن عدي١٠ بأنه لا يؤثر فيه، وبين ابن حجر١١ أيضًا وجه عدم تأثير طعن أبي داود فيه.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٥٤. ٢ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٢، وسيأتي تخريجه برقم (٣٨) . ٣ أحمد بن المقدام أبو الأشعت العجلي، البصري، صدوق صالح الحديث، طعن أبو داود في مروءته، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وله بضع وتسعون سنة: خ، ت، س، ق. تقريب: ١٦. ٤ معتمر بن سليمان التيمي أبو المعتمر البصري يلقب بالطفيل، ثقة، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقد جاوز الثمانين: ع. تقريب: ٣٤٢. ٥ سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين: ع. تقريب: ١٣٤. ٦ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٢٨١. ٧ أنس بن مالك بن النضر الأنصار الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة: ع. تقريب: ٣٩. ٨ سورة الفتح آية: ١. ٩ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩. ١٠ تهذيب التهذيب ١/٨٢. ١١ هدي الساري: ٣٨٧.
[ ١٦ ]
وقال عنه الذهبي١: "أحد الأثبات المسندين، واحتج به البخاري وغيره"٢.
وفي السند عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس٣، لكنها غير مؤثرة على صحة الحديث، لأن أصله في صحيح مسلم٤، سوى ما في أوله، ويشهد له الحديثان السابقان.
_________________
(١) ١ هدي الساري: ٣٨٧. ٢ ميزان الاعتدال ١/١٥٨. ٣ هدي الساري: ٣٨٧. ٤ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ١٢٤.
[ ١٧ ]
المبحث الثاني: تحقيق لاسم الحديبية وموقعها
المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها
المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها:
(أ) ضبط لفظ الحديبية:
الحديبية: بالتصغير - هي بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مخففة أو مشددة على خلاف:
فأهل العراق على تخفيفها، ونقله النووي عن الشافعي وأهل اللغة، وبعض أهل الحديث"١.
وقال السهلي: "التخفيف هو الأعرف عند أهل العربية، ونقله البكري عن الأصمعي"٢.
وقال أبو جعفر النحاس: "سألت كل من لقيت ممن وثقت بعمله من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا على أنها مخففة"٣.
وقال أحمد بن يحيى: "لا يجوز غير التخفيف"٤.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٢٥٣. ٢ انظر: معجمك البلدان ٢/٢٢٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١. ٣ تاج العروس ١/٢٠٤ - ٢٠٥، الروض الأنف ٦/٤٧٥. ٤ المصباح المنير ١/١٧٠.
[ ١٧ ]
وأهل المدينة يثقلونها، وكذلك أكثر الفقهاء والمحدثين١.
وحكى ياقوت عن الشافعي ﵁ أنه قال: الصواب: "تشديد الحديبية، وتخفيف الجعرانة، وأخطأ من نص على تخفيفها، وقيل كل صواب"٢.
قلت: الظاهر أن الكل صواب، فقد قال النووي: "وهما وجهان مشهوران" ا. هـ٣
وقال ابن حجر: "والحديبية بالتخفيف والتثقيل لغتان ا. هـ٤
(ب) سبب تسمية ذلك الموضع بالحديبية:
قال ياقوت: "هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها" ا. هـ٥
وكذلك قال ابن حجر: هي بئر سمي بها المكان ا. هـ٦
وقال الخطابي: "إن الحديبية اسم لشجرة حدباء في ذلك الموضع وصُغِّرت وسُمِّي بها المكان، نقله عنه ياقوت"٧.
وحكاه ابن حجر٨ بصيغة التمريض.
وقال الزبيدي: "جزم المتأخرون أنها قريبة من قهوة الشميسى، ثم أطلق على الموضع"ا. هـ٩
قلت: القول الأول: يشهد له ما في حديث البراء: "كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة "١٠.
ولا يبعد أن تكون البئر سميت بالشجرة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١، تاج العروس ١/٢٠٤ - ٢٠٥. ٢ انظر: معجم البلدان ٢/٢٢٩. ٣ تهذيب الأسماء واللغات ١/٢: ٨١. ٤ فتح الباري ٧/٤٣٩. ٥ معجم البلدان ٢/٢٢٩. ٦ فتح الباري ٥/٣٣٤. ٧ انظر: معجم البلدان ٢/٢٢٩. ٨ فتح الباري ٥/٣٣٤. ٩ تاج العروس ١/٢٠٥. ١٠ انظر حديث رقم (٥٣) .
[ ١٨ ]
المطلب الثاني: موقع الحديبية وهل من الحل أو الحرام
المطلب الثاني: موقع الحديبية، وهل هي من الحل أو من الحرم؟
(أ) موقعها:
قال ياقوت: "بين الحديبية ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل".اهـ١ وقال النووي: "إنها على نحو مرحلة من مكة"٢.
وقال في المصباح: "تقع على طريق جدة دون مرحلة"٣.
وقال صاحب صحيح الأخبار: "فإن جزت وادي فاطمة أتيت الموضع الذي يقال له اليوم الشميسي، وكان يقال له في الزمن القديم: الحديبية."اهـ٤
وقال صاحب نسب حرب: "تقع غرب مكة على بعد (٢٢كيلًا) على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي لأنه يقال: إن رجلًا يدعى الشميسي حفر بئرًا هناك فغلب اسمه عليها، وبالقرب منها من الغرب أقامت أمانة العاصمة حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وفي الحديبية اليوم مسجد الرضوان يقال: إنه بني مكان البيعة".اهـ٥
أفادت هذه النقول أن الحديبية تقع في الناحية الغربية من مكة كما صرح بذلك صاحب (نسب حرب) وهو مفهوم قول صاحب (المصباح) وصاحب (صحيح الأخبار) لأن جدة تقع في الجهة الغربية من مكة لكن الواقع أن الحديبية لا تحاذي بمكة من الجهة الغربية، بل تنحرف إلى جهة الشمال وقد أشار إلى ذلك ياقوت حيث ذكر: "أنها ليست في طول الحرم، ولا في عرضه، بل تقع في زاوية الحرم".اهـ٦
أما المسافة التي بين الحديبية وبين مكة فقد ذكر ياقوت أنها مرحلة، والمرحلة تقدر بـ (٤٠ كيلو مترًا) كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام٧.
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٢/٢٢٩. ٢ تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢: ٨١. ٣ نقله الزبيدي: تاج العروس ١/٢٠٥. ٤ صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار ٢/١٣٨. ٥ نسب حرب: ٣٥٠. ٦ معجم البلدان ٢/٢٢٩. ٧ تيسير العلام ١/٤٨٣.
[ ١٩ ]
لكن نرى صاحب (نسب حرب) يقول: "إن بينهما (٢٢كيلو مترًا)، وهناك فرق شاسع بين القولين.
لكن الظاهر أن المتقدمين لا يريدون التحديد الدقيق، وإنما يقصدون التقدير التقريبي للمسافة. لذلك نرى النووي يقول: إنها على نحو مرحلة. وصاحب المصباح يقول: دون مرحلة.
أما صاحب (نسب حرب) فإنه يريد التحديد الدقيق للمسافة، وما ذكره هو المعروف اليوم.
وقد ذكر المتأخرون أنه قد غلب على مكان الحديبية اسم (الشميسي) فصار المكان يعرف بهذا الاسم، لكن ذكر صاحب (نسب حرب) أنها توجد، ثم حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وهذا يعني أن المكان لا زال يعرف أنه مكان الحديبية.
(ب) هل الحديبية من الحل أو من الحرم؟
عند مالك أن الحديبية جميعها من الحرم١.
وقال الشافعي: "الحديبية موضع من الأرض منه ما هو في الحل، ومنه ما هو في الحرم"٢.
وقال ياقوت: "وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم، وهو أبعد الحل من البيت"٣.
وقال ابن القيم: "والحديبية في الحل باتفاق الناس".
وقد قال الشافعي: "بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، ومراده: أن أطرافها من الحرم، وإلا فهي من الحل باتفاقهم" ا. هـ٤
_________________
(١) ١ ذكره الزبيدي: تاج العروس ١/٢٠٥. ٢ الأم ٢/١٥٩. ٣ معجم البلدان ٢/٢٢٩. ٤ زاد المعاد ٣/٣٨٠.
[ ٢٠ ]
قلت: الظاهر أن ما ذهب إليه الشافعي وياقوت هو الأرجح، وأما ما حكاه ابن القيم من الاتفاق على أن الحديبية كلها من الحل، فغير مسلم، لأن مالكًا يرى أنها من الحرم كلها، والشافعي وغيره يرون أن بعضها من الحرم.
وقد حمل ابن القيم قول الشافعي على أنه يقصد أن أطرافها من الحرم، لكنه لم يبين مساحة هذه الأطراف، وعلى افتراض أنه يقصد ذلك، فإن هذه الأطراف يطلق عليها بعض الحديبية، والله أعلم.
[ ٢١ ]
الفصل الثاني: سبب الغزوة وتاريخها
المبحث الأول: سبب الغزوة
المبحث الأول: سبب الغزوة:
درج كثير من أهل المغازي على جعل السبب في خروج المسلمين لهذه الغزوة رؤيا رآها النبي ﷺ قبيل خروجه، وملخصها: أن رسول الله ﷺ رأى أنه دخل البيت هو وأصحابه وطافوا به، وحلق بعضهم وقصر البعض، وأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا.
وأول من أثبت هذا السبب - حسب علمي - هو الواقدي١، ثم تابعه كثير ممن كتب في المغازي كاليعقوبي٢، والمقريزي٣، الزرقاني٤، وصاحب تاريخ الخميس٥، والشيخ محمد بن عبد الوهاب٦، وغيرهم.
وقد تردد كثيرًا في إثبات تلك الرؤيا سببًا للغزوة، لأن أول من أثبتها - كما أشرت - هو الواقدي، بينما أغفلها من هو أثبت منه كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما.
لكن بعد البحث والتتبع وجدت ما يشهد لها ويدل على أن لها أصلًا وذلك من القرآن والحديث:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٥٧٢. ٢ تاريخ اليعقوبي ٢/٥٤. ٣ امتاع الأسماع ١/٢٧٤. ٤ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٧٩. ٥ تاريخ الخميس ٢/١٧٩. ٦ مختصر سيرة الرسول ﷺ: ٢٦١. ٧ سورة الفتح الآية: ٢٧.
[ ٢٢ ]
وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية هو التساؤل الذي حصل حول الرؤيا.
فقد روى ابن جرير ذلك عن مجاهد وابن زيد:
(٤) قال ابن جرير: حدثنا محمد١ بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم٢ قال: ثنا عيسى٣، وحدثني الحارث٤ قال ثنا الحسن٥ قال: ثنا ورقاء٦ جميعًا عن ابن أبي نجيح٧ عن مجاهد٨ في قوله "الرؤيا بالحق" قال: أرى النبي ﷺ بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد ﷺ؟ "٩.
سند هذا الأثر حسن إلى مجاهد لكنه مرسل.
(٥) وقال ابن جرير: حدثني يونس١٠، قال: أخبرنا ابن وهب١١ قال: قال
_________________
(١) ١ محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد العتكي - بفتح المهلمة والمثناة - أبو جعفر البصري، صدوق، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين: م، د. تقريب: ٣١٣. ٢ هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها: ع. تقريب: ١٥٥. ٣ عيسى بن ميمون الجرشي - بضم الجيم وفتح الراء والمعجمة - ثم المكي أبو موسى يعرف بابن داية - تحتانية خفيفة - ثقة من السابعة: خد. تقريب: ٢٧٢. ٤ الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي صاحب المسند، رمز له الذهبي بكلمة (صح) - وهي كما قال ابن حجر أنه اعتمد توثيقه - وقال الذهبي: كان عارفًا بالحديث حافظًا، تكلم فيه بلا حجة، وقال الدارقطني هو عندي صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن حزم، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ميزان الاعتدال ١/٤٤٢، لسان الميزان ٢/١٥٧. ٥ الحسن بن موسى الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، مات سنة تسع أو عشر ومائتين: ع. تقريب: ٧٢. ٦ ورقاء بن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين: ع. تقريب ٣٧٩. قال أحمد بن حنبل: ثقة صاحب سنة، توفي سنة نيف وستين ومائة ﵀. تذكرة الحفاظ ١/٢٣٠. ٧ عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم، ثقة، رمي بالقدر وربما دلس، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة أو بعدها: ع، تقريب: ١٩١. ٨ مجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الموحدة - ابو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون: ع. تقريب: ٣٢٨. ٩ تفسير ابن جرير ٢٦/١٠٧. ١٠ يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري، ثقة، مات سنة أربع وستين ومائتين، وله ست وتسعون سنة: م، س، ق: تقريب: ٣٩٠. ١١ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة، حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة: ع، تقريب: ١٩٣.
[ ٢٣ ]
ابن زيد١: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾، قال لهم النبي ﷺ: "إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين" فلما نزل بالحديبية، ولم يدخل ذلك العام، طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياه؟ فنزلت الآية٢.
سند هذا الأثر صحيح إلى ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد ضعيف، ضعفه ابن معين، وابن المديني، وأحمد والنسائي، وغيرهم٣.
لكن معنى الأثرين ثابت من حديث المسور ومروان ففيه من رواية معمر عند البخاري: "فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى: فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به٤.
وفي حديثهما من رواية ابن إسحاق عند أحمد بسند حسن "وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا "٥.
فالآية وما في حديث المسور ومروان تدل على أنه قد حصل للنبي ﷺ رؤيا خرج المسلمون إثرها لهذه الغزوة.
لكن الأثر الذي رواه ابن جرير عن مجاهد يُعَكِّرُ على جعل هذه الرؤيا سببًا لخروج المسلمين إذ فيه: "أن الرؤيا حصلت للرسول ﷺ بالحديبية"، وذلك بعد خروج المسلمين.
لكن إذا تأملنا حديث المسور ومروان نرى في رواية معمر قول عمر: "أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ ".
_________________
(١) ١:هوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، ضعيف، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة: ت، ق. تقريب: ٢٠٢. ٢ تفسير ابن جرير ٢٦/١٠٧. ٣ ميزان الاعتدال ٢/٥٦٤. ٤ انظر ص:١٧١. ٥ انظر ص: ١٧٢.
[ ٢٤ ]
وفي رواية ابن إسحاق: "وقد كان المسلمون خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها النبي ﷺ".
فكلام عمر يدل على أن الرسول ﷺ كان يحدثهم بذلك قبل مجيئهم للحديبية، وما في رواية ابن إسحاق يفيد أن المسلمين خرجوا بعد الرؤيا.
لذلك حمل بعض العلماء الرؤيا التي يشير إليها الأثر الموقوف على مجاهد أنها رؤيا ثانية.
قال الزرقاني: "وأما ما رواه الفارابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: "أري النبي ﷺ وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾ فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيرًا له من الله ثانيًا فلا يصلح جعلها سببًا لخروجه من المدينة"١.
_________________
(١) ١ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٧٩.
[ ٢٥ ]
المبحث الثاني: تاريخ خروج المسلمين لغزوة الحديبية
استعمل النبي ﷺ على المدينة قبل خروجه نميلة بن عبد الله الليثي على قول ابن هشام١، وابن٢ سيد الناس ومن تبعهما.
وذكر الواقدي٣، وابن٤ سعد ومن تبعهما أنه استعمل ابن أم مكتوم، وهناك قول ثالث٥: أنه استعمل أبارهم كلثوم بن الحصين.
قال الزرقاني٦: "يحتمل أنه استخلف نميلة وأبارهم على المصالح والإمام ابن أم مكتوم".
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨. ٢ عيون الأثر ٢/١١٣. ٣ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٥. ٥ نقله الزرقاني عن البلاذري، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨٠. ٦ المصدر السابق.
[ ٢٥ ]
ثم خرج رسول الله ﷺ وأصحابه للغزوة، وذلك في يوم الاثنين مستهل ذو القعدة من السنة السادسة، وسأورد ما يثبت هذا التحديد إن شاء الله.
(أ) ما ورد في التحديد بالسنة السادسة:
(٦) قال البيهقي: "أخبرنا أبو الحسين بن الفضل بن القطان١ ببغداد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه٢ النحوي، قال: حدثنا يعقوب٣ بن سفيان قال: أخبرنا ابن المنذر٤ قال: حدثنا عبد الله بن نافع٥ قال: حدثني نافع٦ بن أبي نعيم عن نافع٧ مولى ابن عمر قال: "كانت الحديبية سنة ست بعد مقدم النبي ﷺ المدينة في ذي القعدة"٨.
سند هذا الأثر حسن، فابن المنذر تكلم فيه أحمد لأنه خلط في القرآن، ولكونه قدم إلى ابن أبي دؤاد، لكن وثقه ابن معين والنسائي وابن وضاح، وأبو حاتم والدارقطني، ورجح الذهبي توثيقه فقد رمز له بـ (صح)، وقال الساجي: "له مناكير لكن تعقبه الخطيب" وقال ابن حجر: "اعتمده البخاري، وانتفى من حديثه"٩، وفي
_________________
(١) ١ محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق القطان، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. تاريخ بغداد ٢/٢٤٩. ٢ عبد الله بن محمد بن جعفر بن درستويه بن المرزبان النحوي، نقل الخطيب تضعيفه عن اللالكائي، والبرقاني ثم رده ونقل توثيقه عن أبي سعد الحسين بن عثمان الشيرازي، وعبد الله بن منده الحافظ، توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، تاريخ بغداد ٩/٤٢٨. ٣ يعقوب بن سفيان الفارسي أبو يوسف الفسوي، صاحب المعرفة والتاريخ، قال ابن حجر: ثقة حافظ، توفي سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعد ذلك: س، ق. تقريب: ٣٨٦. ٤ هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق، تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، مات سنة ست وثلاثين ومائتين: خ، ت، س، ق. تقريب: ٢٣. ٥ عبد الله بن نافع الصائغ المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، مات سنة ست ومائتين وقيل بعدها: بخ، م، الأربعة. تقريب: ١٩١. ٦ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني، مولى بني ليث أصله من أصبهان، وقد ينسب لجده، صدوق ثبت في القراءات، مات سنة تسع وستين ومائة: فق. تقريب: ٣٥٥٠. ٧ نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك: ع. تقريب: ٣٥٥. ٨ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٢. ٩ تاريخ بغداد ٦/١٨٠ - ١٨١، ميزان الاعتدال ١/٦٧، هدى الساري: ٣٨٨.
[ ٢٦ ]
السند أيضًا نافع بن أبي نعيم، قال أحمد: "ليس بشيء في الحديث، لكن وثقه ابن معين"، وقال ابن سعد: "كان ثبتًا"، وقال أبو حاتم: "صدوق صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن المديني وابن عدي والدارقطني: "لا بأس به"١، فتوثيق هؤلاء مقدم على قول من جرحه، لا سيما والجرح غير مفسر السبب، وبقية رجال السند كلهم ثقات، فالأثر حسن إلى نافع، وقد أرسله نافع لكن معناه ثابت من حديثي ابن عمر التاليين:
(٧) قال ابن حجر: "روى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: "كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع"٢.
هذه الرواية صريحة في أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وحديث البخاري الآتي يثبت أنها كانت في السنة التي تلي عام الحديبية.
(٨) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج" ٣.
وأخرجه من طريق٤ محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به مثله.
فهذا الحديث يفيد تصريحًا أن النبي ﷺ اعتمر عمرة القضية في العام الذي يلي عام الحديبية مباشرة، والحديث الذي قبله صريح في أن هذا العام الذي اعتمر فيه عمرة القضية هو السنة السابعة.
وإذا ثبت أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وأنها في السنة التي تلي عام الحديبية، فالحديبية إذن في السنة السادسة بلا شك.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ٤/٢٤٢، تهذيب التهذيب ١٠/٤٠٧. ٢ فتح الباري ٧/٥٠٠. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٠١. ٤ صحيح البخاري مع الفتح: كتاب المغازي: ٤٢٥٢.
[ ٢٧ ]
الإجماع على أنها كانت في السنة السادسة:
قال النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" ا. هـ١
وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ا. هـ٢
وقال ابن حجر: "كانت الحديبية في سنة ست بلا خلاف" ا. هـ٣
وقد شذ ابن الديبع فقال: "كانت في السنة الخامسة"٤، ولكن لا مستند له في ذلك.
(ب) التحديد بشهر ذي القعدة ورد فيه ما يلي:
(٩) قال البخاري حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁: "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحًا إلا في القرب"٥.
وأخرجه في كتاب الصلح٦ والمغازي٧ بهذا الإسناد مطولًا.
وأخرجه من طريق٨ شعبة، ومن طريق٩ سفيان بن سعيد، كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء مختصرًا لم يذكر العمرة.
وأخرجه أحمد١٠ عن حجين وأسود بن عامر كلاهما عن إسرائيل به مطولًا.
وأخرجه الدارمي١١ عن محمد بن يوسف عن إسرائيل به مطولًا.
_________________
(١) ١ المجموع شرح المهذب ٧/٧٨. ٢ البداية والنهاية ٤/١٦٤. ٣ التلخيص الحبير ٤/٩٠. ٤ حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ٢/٦٠٩. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٤٤. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٩. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي ٤٢٥١. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٨. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٠. ١٠ مسند أحمد ٤/٢٩٨. ١١ سنن الدارمي ٢/٢٣٧.
[ ٢٨ ]
وأخرجه الترمذي١ عن عباس بن محمد الدوري عن إسحاق بن منصور السلولي عن إسرائيل به مختصرًا، ولفظه: قال: "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة".
وأخرج بعضه في كتاب البر والصلة٢، وفي كتاب المناقب٣ من طريق إسرائيل أيضًا، وليس في ذكر للعمرة.
وأخرجه البخاري من غير طريق إسرائيل بسياق آخر مختصرًا: قال: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال: "سألت مسروقًا وعطاء ومجاهد فقالوا: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج، قال وسمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين"٤.
وأخرجه بهذا السند في كتاب الجزية والموادعة٥ مطولًا، ولم تذكر فيه العمرة.
حديث أنس ﵁:
(١٠) قال البخاري حدثنا حسان بن حسان حدثنا همام عن قتادة: سألت أنسًا ﵁: كم اعتمر النبي ﷺ. قال: "أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة٦ إذ قسم غنيمة - أراه حنين - قلت كم حج؟ قال: واحدة"٧.
وأخرجه٨ عن هدبة عن همام به بلفظ: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته، عمرته من الحديبية" نحوه
_________________
(١) ١ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٩٣٨. ٢ سنن الترمذي، كتاب البر والصلة: ١٩٠٤. ٣ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧٦٣. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٨١. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية والموادعة: ٣١٨٤. ٦ الجعرانة - بكسر أوله -: هي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. معجم البلدان ٢/١٤٢. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٧٨. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٨٠.
[ ٢٩ ]
وأخرجه بهذا الإسناد في المغازي١ بمثله، وفي الجهاد٢ مختصرًاَ ذكر عمرة الجعرانة فقط.
وأخرجه مسلم عن٣ هداب - هو هدبة٤ - به فذكر نحوه، وفيه: "من الحديبية أو زمن الحديبية".
وأخرجه عن٥ محمد بن المثنى عن عبد الصمد عن همام به نحو لفظ هدبة.
وأخرجه أبو داود٦ عن أبي الوليد الطيالسي وهدبة، كلاهما عن همام به نحوه.
وأخرجه البخاري عن أبي الوليد٧ به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية.
وأخرجه الترمذي٨ عن إسحاق بن منصور عن حبان بن همام به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية.
وأخرجه أحمد٩ عن عفان عن همام به، بمثل لفظ حسان بن حسان.
حكى ابن كثير والعيني الإجماع على إنها في ذي القعدة:
قال ابن كثير: "كان الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف
"١٠.
وقال العيني: "وكان خروجه من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ١١.
قلت: قد وردت عن عروة بن الزبير رواية بأن غزوة الحديبية كانت في شوال، ونص الرواية:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٤٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٣٠٦٦. ٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٢١٧. ٤ قال ابن حجر: أخرجه مسلم عن هداب، وهو هدبة المذكور، فتح الباري ٣/٦٠٢. ٥ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٢١٨. ٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٩٩٤. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب العمرة: ١٧٧٩. ٨ سنن الترمذي، كتاب الحجر: ٨١٥. ٩ المسند ٣/٢٤٥. ١٠ البداية والنهاية ٤/١٦٤. ١١ عمدة القاري ١٤/٦.
[ ٣٠ ]
(١١) قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة١ قال: حدثنا هشام٢ عن أبيه٣ قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية، وكانت الحديبية في شوال"٤، الحديث.
أخرجه يعقوب بن سفيان من طريق آخر: قال: حدثنا إسماعيل٥ ابن الخليل عن علي٦ بن مسهر قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان، وكانت الحديبية في شوال"٧.
وأخرجه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان٨ به.
سند هذا الأثر صحيح إلى عروة، وهو مرسل.
وقد اعتبر العلماء هذه الرواية عن عروة شاذة.
فقد حكاها ابن القيم عنه ثم عقب عليها بقوله: "وهذا وهم وإنما كانت غزوة الفتح في رمضان" ٩.
كما أوردها ابن كثير من طريق يعقوب بن سفيان، وعقب عليها بقوله: وهذا غريب جدًا عن عروة١٠.
_________________
(١) ١ هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، أبو أسامة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين: ع. تقريب: ٨١. ٢ هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله ثمانون سنة: ع. تقريب: ٣٦٤. ٣ عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أواخر خلافة عمر الفاروق: ع. تقريب: ٢٣٨. ٤ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة، ٥٦. ٥ إسماعيل بن الخليل الخزاز - بمعجمات - أبو عبد الله الكوفي، ثقة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين: خ، مد. تقريب: ٣٣. ٦ علي بن مسهر - بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء - القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، مات سنة تسع وثمانين ومائة: ع. تقريب: ٢٤٩. ٧ المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨. ٨ دلائل النبوة، ٢، لوحة: ٢١٢. ٩ زاد المعاد ٣/٢٨٧. ١٠ البداية والنهاية ٤/١٦٤.
[ ٣١ ]
وقال ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان، واعتمر في شوال وشذ بذلك"١.
قلت: وقد وردت عن عروة رواية أخرى توافق الجمهور:
(١٢) قال البيهقي: قال: يعقوب٢: قال حسان٣ بن عبد الله: عن ابن لهيعة٤ عن أبي الأسود٥: "أن رسول الله ﷺ تجهز يريد العمرة، وتجهز معه ناس كثير، وذلك في ذي القعدة سنة ست"٦.
هكذا ذكر البيهقي هذه الرواية موقوفة على أبي الأسود لكن ابن القيم وابن كثير صرحا بأن أبا الأسود رواها عن عروة بن الزبير.
قال ابن القيم: "وقد قال أبو الأسود عن عروة: أنها كانت في ذي القعدة على الصواب"٧.
وقال ابن كثير: بعد أن حكى قول الجمهور: "وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: أنها في ذي القعدة سنة ست"٨.
كما جزم ابن حجر حيث قال: وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور٩.
وسند هذا الأثر ضعيف لأنه معلق فبين البيهقي ويعقوب بن سفيان واسطتان١٠.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٢ هو يعقوب بن سفيان. ٣ حسان بن عبد الله بن سهل الكندي أبو علي الواسطي، نزيل مصر، صدوق يخطئ، مات سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين: خ، س، ق. تقريب، تهذيب التهذيب ٢/٢٥٠. ٤ هو: عبد الله بن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري، صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرونًا، مات سنة أربع وسبعين ومائة، وقد ناف على الثمانين: م، د، ت، ق. تقريب: ١٨٦. ٥ هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، أبو الأسود المدني يتيم عروة، ثقة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ٣٠٨. ٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٢. ٧ زاد المعاد ٣/٢٨٧. ٨ البداية والنهاية ٤/١٦٤. ٩ فتح الباري ٧/٤٤٠. ١٠ انظر حديث رقم (٦) .
[ ٣٢ ]
وفي سنده ابن لهيعة ضعفه الحفاظ في غير رواية العبادلة عنه، أما روايتهم عنه فقد صححها١ بعضهم، وليست هذه منها، وهو مرسل أيضًا لكن معناه ثابت من الروايات السابقة.
(جـ) تحديد خروجه يوم الاثنين:
تحديد خروجه ﷺ بيوم الاثنين ذكره بعض أهل المغازي وغيرهم:
قال الواقدي: "وخرج رسول الله ﷺ من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة "٢.
وقال ابن سعد: "وركب راحلته القصواء وخرج وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة "٣.
وقال القسطلاني: "خرج ﵇ يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة". ا. هـ٤
ولم أرَ في كتب المغازي أو غيرها أحدًا يذكر خلاف ذلك، بل حكى العيني الإجماع على ذلك:
قال العيني: "وكان خروجه ﷺ يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف"٥.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ٢/٤٥٧. والعبادلة هم: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، المصدر السابق ٤٨٢، وسير أعلام النبلاء ٨/٢٠. ٢ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٩٥. ٤ المواهب اللدنية ٢/١٧٩. ٥ عمدة القاري ١٤/٦.
[ ٣٣ ]
الفصل الثالث: إعداد النبي ﷺ وأصحابه للخروج إلى الحديبية
المبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية
المبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية:
كانت عداوة قريش للمسلمين لا تخفى على من له أدنى علم بأحداث الجزيرة في ذلك الوقت، فآخر هجوم قامت به على المدينة - كان قبل سنة فقط من خروج المسلمين لهذه الغزوة١ - حشدت فيه كل قواها المادية والمعنوية مستهدفة القضاء على المسلمين، وإبادة خضرائهم، لكن الله ردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، فغيظهم على المسلمين يزداد يومًا بعد يوم، ومن المستحيل أن يمكنوا المسلمين من الدخول إلى مكة عن رضى منهم وطواعية، بل لن يتوانوا في الإيقاع بهم إن وجدوا سبيلًا إلى ذلك.
وكان النبي ﷺ وأصحابه على علم بعداوة قريش وحنقها لذلك فقد أخذوا أهبتهم وحيطتهم قبل خروجهم من المدينة.
قال ابن إسحاق: "واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب"٢ ا. هـ
_________________
(١) ١ كان ذلك في غزوة الخندق، وهي في سنة خمس على الراجح. انظر: مرويات غزوة الخندق لإبراهيم عمير مدخلي ص ٣٥ - ٥٠. ٢ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨.
[ ٣٤ ]
كذا ذكره ابن إسحاق دون سند، لكن أشارت إليه آيات سورة الفتح - ولا شك أن القرآن هو أول مصادر السيرة النبوية١ - قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ٢.
فقد ورد في تفسير هذه الآية ما يلي:
(١٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمرو وقال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ قال: أعراب المدينة جهينة ومزينة استتبعهم لخروجه إلى مكة قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوا فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل"٣.
وسند هذا الأثر صحيح إلى مجاهد، وهو مرسل، لكن يشهد له مرسل قتادة التالي.
(١٤) قال ابن جرير حدثنا بشر٤ قال: ثنا يزيد٥ قال: ثنا سعيد٦ عن قتادة٧ قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾، قال: ظنوا بنبي الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم٨.
_________________
(١) ١ انظر مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة: ٢٣. ٢ سورة الفتح الآية: ١١ - ١٢. ٣ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٧، ورجال الاسناد تقدمت تراجمهم، انظر حديث رقم (٤) . ٤ بشر بن معاذ العقدي - بفتح المهملة والقاف - أبو سهل البصري الضرير، صدوق، مات سنة بضع وأربعين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٤٥. ٥ يزيد بن زريع - بتقديم الزاي مصغرًا - البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة: ع. تقريب: ٣٨٢. ٦ هو: سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف لكنه كثير التدليس، واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة، مات سنة ست، وقيل سبع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ١٢٤. ٧ قتادة بن دعامة. ٨ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٨.
[ ٣٥ ]
وسنده صحيح إلى قتادة لشاهدة من الحديث السابق.
وقد ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: أنهم كانوا على استعداد لقتال من اعترض سبيلهم، وهذا يفيد أنهم قد حملوا السلاح، يقول في الحديث: "فقال النبي ﷺ أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله "١.
وكان مع المسلمين خيل كذلك لكن لم أقف على شيء في عددها سوى ما ذكر ابن سعد قال: وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرسًا من خيل المسلمين٢.
وليس فيما ذكر ابن سعد تحديد لعدد الخيل بل يفهم من كلامه أنها كانت أكثر مما ذكر، لأن (من) في قوله من خيل المسلمين تبعيضية٣.
وإذن فالنبي ﷺ قد استعد بالرجال كما ذكر ابن إسحاق وبالسلاح، وهو مفهوم حديث المسور ومروان وبالخيل كما ذكر ابن سعد، وقد نص على ذلك كله حديث سلمة بن الأكوع يقول فيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل ٤
وهذا الحديث ضعيف لأنه من طرق موسى بن عبيدة الربذي، وقد ضعفه الحفاظ لكن يستأنس به مع ما سبق من الشواهد وأقوال أصحاب المغازي.
وقد ذكر الواقدي أنهم خرجوا بغير سلاح وأورد أثرين عن عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة يفيدان أن النبي ﷺ أبى أن يحمل السلاح.
_________________
(١) ١ انظر ص ١٢٥. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٩٥. ٣ وقد ذكر صاحب السيرة الحلبية أنه كان مع المسلمين مائتا فرس ٢/٦٩٠، وتبعه محمد باشميل، صلح الحديبية: ١٢٦. ٤ تاريخ ابن أبي شيبة: لوحة ٦٠، وسيأتي برقم (٣٢) .
[ ٣٦ ]
(١٥) قال الواقدي: فقال عمر بن الخطاب ﵁: "أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه، ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال رسول الله ﷺ: "ما أدري ولست أحب أحمل السلاح معتمرًا"١.
(١٦) وقال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو حملنا السلاح معنا فإن رأينا من القوم ريبًا كنا معدين لهم، فقال رسول الله ﷺ: "لست احمل السلاح، إنما خرجت معتمرًا" ا. هـ٢
وهذان الأثران ضعيفان، إذ لا أسانيد لهما، وقول الواقدي مرجوح لمخالفته غيره من أهل المغازي.
وقد أخرج ابن جرير بإسناده إلى ابن أبزى رواية يثبت فيها خلاف ما ذكر الواقدي من جواب الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب:
(١٧) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد٣ قال: حدثنا يعقوب القمي٤ عن جعفر٥ - يعني ابن أبي المغيرة - عن ابن أبزى٦ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع٧، قال: فبعث النبي ﷺ إلى المدينة فلم يدع فيها كراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول الله ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣. ٢ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣. ٣ محمد بن حميد بن حبان الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين: د، ت، ق. تقريب: ٢٩٥، وانظر: التاريخ الكبير ١/١/٦٩، ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠. ٤ يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعري، أبو الحسن القمي - بضم القاف وتشديد الميم - صدوق يهم، مات سنة أربع وسبعين ومائة: خت، الأربعة. تقريب: ٣٨٦. ٥ جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي - بضم القاف - قيل اسم أبي المغيرة دينار، صدوق يهم، من الخامسة: بخ، د، ت، س، فق. تقريب: ٥٦. ٦ سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي، ثقة من الثالثة: ع. تقريب: ١٢٣. ٧ الكُراع: اسم لجميع الخيل. النهاية ٤/١٦٥.
[ ٣٧ ]
حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.٢
هذا الحديث مرسل، وسنده إلى ابن أبزى ضعيف، لأن فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعفه أبو حاتم وغيره واتهمه أبو زرعة وغيره بالكذب٣.
وفي هذا الحديث - في الشطر الأخير منه - نكارة نبّه عليها بعض العلماء:
فقد نقله ابن كثير عن ابن جرير ثم قال: رواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدًا ﵁ لم يكن أسلم بل قد كان طليعة للمشركين كما ثبت في الصحيح ولا يجوز أن يكون عمرة القضاء، لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام القابل، فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه، فإن قيل فيكون يوم الفتح.
فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديًا، وإنما جاء محاربًا مقاتلًا في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم ا. هـ٤
وقال ابن حجر: وفي صحته نظر؛ لأن خالدًا لم يكن أسلم في الحديبية، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت في الحديبية، فلو كانت في عمرة القضية لأمكن، مع أن المشهور أنهم فيها لم يمانعوه ولم يقاتلوه٥ ا. هـ
قلت: التحقيق أن ما ذكره ابن كثير هو الأظهر، من أنه ليس في الحديبية، ولا في عمرة القضية، ولا في الفتح، وآفته ابن حميد قال عنه الذهبي: وهو مع إمامته منكر الحديث صاحب عجائب ا. هـ٦
_________________
(١) ١ سورة الفتح آية: ٢٤. ٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٧٢، تفسير ابن جرير ٢٦/٩٥. ٣ ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠، تهذيب التهذيب ٩/١٢٧. ٤ تفسير ابن كثير ٤/١٩٣. ٥ الكافي الشافي بتخريج أحاديث الكشاف ٢/٣٤٢ حاشية الكشاف. ٦ سير أعلام النبلاء ١١/٥٠٣.
[ ٣٨ ]
المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية
المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين في غزوة الحديبية:
وردت نصوص كثيرة تشير إلى عدد المسلمين في هذه الغزوة جاء في بعضها أنهم كانوا بضع عشرة مائة، وورد في بعضها تحديد عددعم لكنها اختلفت فيه اختلافًا كبيرًا.
وسأورد تلك النصوص ثم أذكر التوفيق بينها إن شاء الله:
(أ) ما ورد بأنهم كانوا بضع عشرة مائة:
(١٨) قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قائلًا: "خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه " الحديث١.
(ب) التحديد بألف وثلاثمائة:
(١٩) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا شعبة عن عمرو - يعني ابن مره - حدثني عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين٢.
وأخرجه البخاري٣ تعليقًا قال: قال عبيد الله بن معاذ به فذكره.
وأخرجه ابن سعد٤ عن أبي داود الطيالسي عن شعبة به قال في أوله: "سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله ﷺ وكان قد شهد بيعة الرضوان " ثم ذكر نحو لفظ مسلم.
وأخرجه البيهقي٥ من طريق أبي دواد الطيالسي بمثل لفظ ابن سعد.
(جـ) ما ورد في التحديد بألف وأربعمائة:
(٢٠) قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه برقم (٣٥) . ٢ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٥. ٣ صحيح البخاري، كتاب المغازي: ٤١٥٥. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٨. ٥ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣.
[ ٣٩ ]
عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة"١.٢
وأخرجه٣ عن قتيبة بن سعيد عن سفيان به مختصرًا بلفظ: "كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة".
وأخرجه مسلم٤، وأحمد٥، والحميدي٦، والبيهقي٧، كلهم من طريق سفيان به نحو لفظ علي بن المديني، وليس عند أحمد: "ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة".
وأخرجه البخاري٨ من طريق الأعمش قال حدثني سالم بن أبي الجعد عن جابر، فذكر في الحديث قصة تفجر الماء من بين أصابع النبي ﷺ وفي آخر: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف٩ وأربعمائة.
وأخرجه مسلم١٠ والبيهقي١١ كلاهما من طريق الأعمش به مختصرًا بلفظ: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة، زاد البيهقي: "أصحاب الشجرة".
وأخرجه البيهقي عن طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة١٢.
وأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر، فذكر عدد البدن التي نحروها ثم قال: "فقلنا لجابر، كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة، بخيلنا ورجالنا"١٣.
_________________
(١) ١ الشجرة هي السمرة التي وقعت البيعة تحتها، انظر الحديث رقم (٢٣ - ٢٤) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٤. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٤٠. ٤ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧١. ٥ مسند أحمد ٣/٣٠٨. ٦ مسند الحميدي ٢/٢١٤. ٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٤. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأشربة: ٥٦٣٩. ٩ قال ابن حجر: كذا لهم بالرفع والتقدير: نحن يومئذ ألف وأربعمائة، ويجوز النصب على خبر كان، الفتح ١٠/١٠٢. ١٠ صحيح مسلم، كتاب الأمارة: ٧٤. ١١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣. ١٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٤. ١٣ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٤.
[ ٤٠ ]
(٢١) وقال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية أربع١ عشر مائة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لن نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير٢ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا"٣.
وأخرجه عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به بلفظ: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة "٤ الحديث بنحوه.
وأخرجه٥ أحمد عن أبي أحمد عن إسرائيل به، فذكر نحو لفظ مالك بن إسماعيل.
وأخرجه٦ عن وكيع عن إسرائيل به مختصرًا.
وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن رجا، وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به، فذكره٧ بنحو لفظ عبيد الله بن موسى عند البخاري.
وأخرجه البخاري من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق بسياق آخر:
(٢٢) قال حدثنا فضيل بن يعقوب حدثنا الحسن بن محمد بن أعين أبو علي الحراني، حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال: أنبأنا البراء بن عازب ﵄ أنهم كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا رسول الله ﷺ فأتى البئر، وقعد على شفيرها، ثم قال: "ائتوني من مائها فأتي به فبصق فدعا ثم" قال: "دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا"٨.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: قيل: إنما عدل الصحابي عن قول ألف وأربعمائة إلى قوله أربع عشرة مائة، للإشارة إلى أن الجيش كان منقسمًا إلى المئات، وكانت كل مائة ممتازة عن الأخرى، إما بالنسبة إلى القبائل، وإما بالنسبة إلى الصفات. الفتح ٧/٤٤٤. ٢ شفير كل شيء حرفه. النهاية ٢/٤٨٥. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٧. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠. ٥ مسند أحمد ٤/٢٩٠. ٦ مسند أحمد ٤/٢٩٠، ٣٠١. ٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥١.
[ ٤١ ]
(٢٣) وقال مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كان يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت١.
وأخرجه أحمد٢، والدارمي٣، كلاهما من طريق الليث به مثله إلا عند الدارمي "تحت الشجرة وهي ثمره".
وأخرجه مسلم من طريق ابن جرير بسياق آخر وصرح أبو الزبير بالسماع.
(٢٤) قال حدثنا محمد بن حاتم حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابرًا يسأل كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعنها وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره٤.
وأخرجه ابن سعد٥ من طريق وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة " في حديث طويل.
(٢٥) وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر٦.
وأخرجه٧ من طريق يونس عن الحكم به.
وأخرجه خليفة بن الخياط٨ عن عبد الوهاب عن خالد الحذاء به، بنحوه، وقال في آخره: "وهم يومئذ ألف وأربعمائة".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٧. ٢ مسند أحمد ٣/٣٥٥. ٣ سنن الدارمي ٢/٢٢٠. ٤ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٩. ٥ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠. ٦ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٦. ٧ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٦. ٨ تاريخ خليفة: ٨١.
[ ٤٢ ]
وأخرجه ابن سعد١ من طريق يزيد بن زريع عن خالد الحذاء به نحوه، وفي آخره: "قلنا لمعقل كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة رجل".
وأخرجه٢ من طريق وهيب عن خالد الحذاء به نحوه وفي آخره قلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة.
(٢٦) وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح، وحدثنا إسحاق بن إباهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار العجلي ح، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه اخبرنا أبو علي الحنفي عبد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها " الحديث٣.
وأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة به مطولًا.
وأخرجه ابن سعد٥ عن موسى بن مسعود النهدي عن عكرمة به مختصرًا.
وأخرجه البيهقي٦ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل، وكلاهما عن عكرمة بن مختصرًا.
(٢٧) وقال يحيى بن معين: حدثنا شبابة٧ قال: حدثنا شعبة٨ عن قتادة٩
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٩٩. ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠. ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٣٢. ٤ مسند أحمد ٤/٨٤. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٩٨. ٦ دلائل النبوة، لوحة: ٢١٩. ٧ شبابة بن سوار المدائني أصله من خراسان يقال: كان اسمه مروان مولى بني فزارة، ثقة حافظ، رمي بالإرجاء، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومائتين: ع. تقريب: ١٤٣. ٨ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، وكان عابدًا مات سنة ستين ومائة: ع. تقريب: ١٤٥. ٩ قتادة بن دعامة السدوسي.
[ ٤٣ ]
عن سعيد١ بن المسيب عن أبيه٢ قال: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة٣.
والحديث أخرجه البيهقي٤ من طريق يحيى بن معين به نحوه.
رجال هذا الإسناد رجال الصحيحين، ولا تضره عنعنة قتادة؛ لأن أصله في الصحيح من حديث البراء وجابر ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع السابق.
(د) ما ورد في التحديد بألف وخمسمائة:
(٢٨) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز ابن مسلم حدثنا حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "عطش الناس يوم الحديبية، والنبي ﷺ بين يديه ركوة٥ فتوضأ فجهش٦ الناس نحوه، فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور٧ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كان خمس عشرة مائة"٨.
وأخرجه٩ من طريق محمد بن فضيل عن حصين عن سالم به نحوه، وعنده "فجعل الماء يفور ".
_________________
(١) ١ سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن محزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين: ع. تقريب: ١٢٦. ٢ المسيب بن حزن - بفتح المهلمة وسكون الزاي - ابن وهب المخزومي، أبو سعيد له ولأبيه صحبة، عاش إلى خلافة عمر ﵁: خ، م، د، س. تقريب: ٣٣٧. ٣ تاريخ يحيى بن معين ١/٣٢١. ٤ دلائل النبوة ٢/٢١٤. ٥ الركوة: إناء صغير يشرب فيه الماء والجمع ركاء. النهاية ٢/٢٦١. ٦ الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان ويلجأ إليه. النهاية ١/٣٢٢. ٧ يثور: ينبع بقوة وشدة. النهاية ١/٢٢٨. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٦. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٢.
[ ٤٤ ]
وأخرجه مسلم من طريق١ عبد الله بن إدريس وخالد الطحان، كلاهما عن حصين به مختصرًا بلفظ: قال: لو كان مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
وأخرجه مختصرًا أيضًا من طريق٢ عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة؟ فقال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا ألفًا وخمسمائة.
وأخرجه أحمد من طريق٣ عبد العزيز بن مسلم عن حصين به نحوه.
وأخرجه من طريق٤ شعبة عن حصين وعمرو بن مرة، كلاهما عن سالم عن جابر بألفاظ متقاربة وفيه اختصار.
وأخرجه ابن سعد٥ من طريق عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: "سألت جابر بن عبد الله كم كنتم يوم الشجرة. قال: كنا ألفًا وخمسمائة وذكره بنحو رواية حصين عند البخاري.
وأخرجه البيهقي٦ من طريق حصين به مختصرًا ولفظه: قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، لنا خمس عشرة مائة.
وفيه من حديث جابر أيضًا:
(٢٩) قال البخاري حدثنا الصلت قال: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة: "قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة، فقال لي سعيد: حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية٧.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٣. ٢ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٢. ٣ مسند أحمد ٣/٣٢٩. ٤ مسند أحمد ٣/٣٦٥. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٩٨. ٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٣.
[ ٤٥ ]
وأخرجه خليفة١ عن يزيد بن زريع به بلفظ: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله يقول: كانوا أربع عشرة مائة، قال: نسي جابر كانوا ألفًا وخمسمائة.
وأخرجه٢ من طريق قرة عن قتادة عن سعيد قال: وَهَمَ جابر ﵀، هو حدثني أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة.
وأخرجه البيهقي٣ من طريق قرة عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كانوا الذين شهدوا بيعة الرضوان قال: خمس عشرة مائة قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وَهَمَ هو حدثني أنهما كانوا خمس عشرة مائة.
(هـ) التحديد بسبعمائة:
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد٤ بن هارون قال: أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة الحديث٥.
سند هذا الحديث حسن، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
(و) التحديد بألف وخمسمائة وخمسة وعشرين:
(٣٠) قال ابن جرير: حدثني محمد٦ بن سعد قال: حدثني أبي٧ قال:
_________________
(١) ١ تاريخ خليفة بن خياط: ٨١. ٢ تاريخ خليفة بن خياط: ٨١. ٣ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٣. ٤ ستأتي ترجمته مع بقية رجال السند انظر ص: ٩٥. ٥ المسند ٣/٣٢٣، وسيأتي الحديث برقم (٣٦)، وهناك يكون تخريجه والكلام على سنده. ٦ هو: محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، قال الخطيب: كان لينًا في الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به، توفي سنة ست وسبعين ومائتين. تاريخ بغداد ٥/٣٢٢ - ٣٢٣، لسان الميزان ٥/١٧٤. قلت: محمد بن سعد هذا غير كاتب الواقدي صاحب الطبقات، فالأخير ثقة، وكانت وفاته سنة ثلاثين ومائتين، وعمر ابن جرير آنذاك ست سنوات فقط. ٧ هو: سعيد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، قال أحمد فيه: جهمي، ثم قال: ولو لم يكن هذا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك. تاريخ بغداد ٩/١٢٦ - ١٢٧، لسان الميزان ٣/١٨.
[ ٤٦ ]
حدثني عمي١ قال: حدثني أبي٢ عن أبيه٣ عن ابن عباس٤ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين٥.
وقد عزا ابن حجر٦ هذا الحديث لابن مردويه وذكر أنه موقوف على ابن عباس.
وسند هذا الحديث مسلسل بالضعفاء، فأولهم محمد بن سعد شيخ ابن جرير، قال عنه الخطيب: كان لينًا في الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به٧، وعطية العوفي الراوي عن ابن عباس قال عنه يحيى بن معين: صالح، وضعفه أحمد والنسائي وجماعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ضعيف، ورجح الذهبي تضعيفه٨.
أما الثلاثة الآخرون فهم ضعاف بالمرة٩.
وقد عدهم (أي عطية وأولاده) ابن رجب في البيوت التي اشتهرت بالضعف١٠.
_________________
(١) ١ هو الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال ابن حبان: يروي الأشياء لا يتابع عليها لا يجوز الاحتجاج بخبره، وضعفه أبو حاتم والنسائي ابن سعد، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وذكره العقيلي في الضعفاء. الجرح والتعديل ١/٢/٤٨، لسان الميزان ٢/٢٧٨. ٢ الحسن بن عطية بن سعد العوفي، ضعيف من السادسة: د. تقريب: ٧٠. وقال البخاري: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. التاريخ الكبير ١/٢/٣٠١، الجرح والتعديل ١/٢/٣٦. ٣ عطية بن سعد بن جنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - العوفي الجدلي - بفتح الجيم والمهملة - الكوفي أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا، مات سنة إحدى عشرة ومائة: بخ، د، ت، ق. تقريب: ٢٤٠. ٤ عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد، مات سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة: ع. تقريب: ١٧٨. ٥ تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٧١. ٦ الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف ٤/٣٤٠ مع الكشاف. ٧ انظر ترجمته الصفحة السابقة. ٨ ميزان الاعتدال ٣/٧٩ - ٨٠. ٩ انظر تراجمهم. ١٠ شرح علل الترمذي: ٥٢٤.
[ ٤٧ ]
تنبيه:
أورد ابن القيم هذا السند وقال عنه: "وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهم التفسير وغيره عن ابن عباس، وهو إسناد معروف متداول بين أهل العلم وهم ثقات١.
قلت: قول ابن القيم ﵀ "وهم ثقات" وهمٌ منه، فلم يوثق أحد من رجال هذا الإسناد، وقد رأينا أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم.
(ز) التحديد بألف وخمسمائة وأربعين:
(٣١) قال البلاذري: "حدثني الحسين٢ بن الأسود قال: حدثني أبو بكر٣ بن عياش عن الكلبي٤ عن أبي صالح٥ عن ابن عباس قال: قسمت خيبر على ألف وخمسمائة سهم، وثمانين سهمًا، وكانوا ألفًا وخمسمائة وثمانين رجلًا الذين شهدوا الحديبية، فيهم ألف وخمسمائة وأربعون، والذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب بأرض الحبشة أربعون رجلًا"٦.
سند هذا الحديث ضعيف جدًا، وربما كان موضوعًا، ففيه الكلبي وهو متهم بالكذب، وفيه أبو صالح باذام ضعْف لا سيما في رواية الكلبي عنه، قال ابن معين: "ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء"٧.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق ٢/٢٧٩. ٢ الحسن بن علي بن الأسود العجلي، أبو عبد الله الكوفي، نزيل بغداد صدوق يخطئ كثيرًا لم يثبت أن أبا داودا روى عنه من الحادية عشرة: ت. تقريب: ٧٤. ٣ أبو بكر بن عياش - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي، الكوفي، المقرئ الحناظ - بمهملة ونون - مشهور بكنيته والأرجح أنها اسمه، وفي اسمه عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، مات سنة أربع وتسعين ومائة، وقيل قبل ذلك سنة أو سنتين، وقد قارب المائة: ع. تقريب: ٣٩٦. ٤ محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض، مات سنة ست وأربعين ومائة: ت، فق. تقريب: ٢٩٨. ٥ هو: باذام - بالذال المعجمة ويقال آخره نون - أبو صالح مولى أم هانئ، ضعيف مدلس، من الثالث: الأربعة. تقريب: ٤٢. ٦ فتوح البلدان: ٣٢. ٧ تهذيب التهذيب ١/٤١٦.
[ ٤٨ ]
(حـ) التحديد بألف وسبعمائة:
(٣٢) قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبيد الله١ بن موسى عن موسى٢ ابن عبيدة عن إياس٣ بن سلمة عن أبيه٤ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، فنحرنا مائة بدنة، ونحن سبع عشرة مائة، ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنة جمل، فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه٥.
وأخرجه ابن سعد٦ بسند ابن أبي شيبة مثله، وفيه: "ونحن بضع عشرة مائة".
سند هذا الحديث ضعيف جدًا لضعف موسى بن عبيدة، قال عنه أحمد: لا يكتب حديثه، وضعفه النسائي٧، وابن عدي وغيرهم.
(ط) التحديد بألف وثمانمائة:
(٣٣) قال ابن أبي شيبة: حدثنا خالد٨ بن مخلد قال: حدثنا عبد الرحمن٩ بن عبد العزيز الأنصاري قال: حدثني ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير:
_________________
(١) ١ عبيد الله بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، أبو محمد ثقة كان يتشيع، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم واستصغر في سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين على الصحيح: ع. تقريب: ٢٢٧. ٢ موسى بن عبيدة بضم أوله ابن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتح الراء والموحدة ثم معجمة - أبو عبد العزيز المدني ضعيف لا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة: ت، ق. تقريب: ٣٥١. ٣ إياس بن سلمة بن الأكوع الأسلمي أبو سلمة ويقال: أبو بكر المدني ثقة، مات سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة: ع. تقريب: ٤٠. ٤ هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، أبو مسلم أو أبو إياس شهد بيعة الرضوان، مات سنة أربع وستين: ع. تقريب: ١٣١. ٥ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦٠. ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٢. ٧ ميزان الاعتدال ٤/٢١٣. ٨ خالد بن مخلد القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقيل بعدها: خ، م، كد، ت، س، ق. تقريب: ٩٠. ٩ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي، أبو محمد المدني الأمامي - بالضم - صدوق يخطئ، مات سنة اثنتين وستين ومائة، وهو ابن بضع وسبعين: م. تقريب: ٢٠٦.
[ ٤٩ ]
أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة "١ الحديث.
هذا طرف من حديث طويل في قصة الحديبية وهو مرسل:
وسنده إلى عروة ضعيف أيضًا: حيث تفرد به خالد بن مخلد القطواني، وقد قال عنه أحمد: له مناكير٢، وقال ابن حجر صدوق يتشيع، وله أفراد٣.
قلت: وهذا من إفراده، وفيه عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري: قال عنه أبو حاتم مضطرب الحديث٤، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ٥، وقد خالف هذا الأثر الروايات الصحيحة.
التوفيق بين النصوص
عندما يستعرض القارئ النصوص الواردة بتحديد عدد الذين شهدوا غزوة الحديبية من المسلمين، يجد الفرق بينها واسعًا، والبون شاسعًا، فمن تلك النصوص ما يحدهم بسبع مائة، ومنها ما يحدهم بألف وثمانمائة، وهناك نصوص تذكر تحديدات أخرى بين هذين العددين، فلذلك لا بد من وقفة مع تلك النصوص حتى يتبين العدد الحقيقي لجيش المسلمين في هذه الغزوة.
عند اختلاف النصوص يصار التوفيق بينها إما بالجمع إن أمكن، وإلا بالترجيح عند تعذر الجمع.
لكن هناك خطوة أولى يجب البدء بها، وهي معرفة درجة كل من تلك النصوص، هل كلها في درجة المقبول الذي يعمل به، أو بينها ما هو مردود فيطرح.
ومن خلال الدراسة السابقة لأسانيد تلك النصوص، رأيت أن بعضها لا يعول عليه لضعفه الشديد وهي الروايات التالية:
رواية ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين، ورواية ألف وخمسمائة وأربعين ورواية
_________________
(١) ١ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦١. ٢ تهذيب التهذيب ٣/١١٧. ٣ انظر ترجمته في الصفحة السابقة. ٤ الجرح والتعديل ٢/٢/٢٦٠. ٥ انظر ترجمته في الصفحة السابقة.
[ ٥٠ ]
ألف وسبعمائة، ورواية ألف وثمانمائة.
وكذلك التحديد بسبعمائة مردود أيضًا وإن ورد في رواية سندها حسن، إلا أنه من كلام ابن إسحاق أحد رواة الحديث، لذلك استبعد العلماء هذا التحديد: قال ابن حزم: وقد قال بعضهم كانوا سبعمائة، وهذا وهم شديد البتة١.
وقال ابن القيم: "وغلط غلطًا بينًا من قال: كانوا سبعمائة وعذرهم أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنهم كانوا ألفًا وأربعمائة" ا. هـ٢
وقال ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطًا من قول جابر: "فنحرنا البدنة عن عشرة "وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلًا" ا. هـ٣
قلت: الثابت عن جابر: "أنهم نحروا البدنة عن سبعة" وذكر البيهقي رواية عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عنه "أنهم نحروا البدنة عن عشرة" لكن اعتبرها البيهقي وهمًا٤.
فالتحقيق أن هذا التحديد من كلام ابن إسحاق كما قال ابن حجر، والدليل على ذلك أن كلًا من معمر وسفيان بن عيينة قد تابع ابن إسحاق في شيخه الزهري ولم يذكر واحد منهما هذا التحديد، بل ورد عنهما أن المسلمين كانوا بضع عشرة مائة، وإذا ثبت أنه من كلام ابن إسحاق فلا يعول عليه لمخالفته النصوص الصحيحة.
بقي أمامنا التحديد بألف وثلاثمائة، وألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة، وهذا التحديد قد وردت به نصوص صحيحة، لا يمكن ردها، لذلك حاول العلماء التوفيق بينها، وسلكوا في ذلك طريقين:
_________________
(١) ١ جوامع السيرة: ٢٠٧. ٢ زاد المعاد ٣/٢٨٨. ٣ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٤ السنن الكبرى ٥/٢٣٦، وسيأتي الكلام عليها، انظر ص:
[ ٥١ ]
(أ) طريق الترجيح:
وقد سلك هذا الطريق البيهقي، حيث رجح رواية ألف وأربعمائة.
فقد أخرج رواية ألف وأربعمائة عن جابر ثم عقب عليها بقوله: وهذه الرواية أصح، فلذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه ا. هـ١
ونقل ذلك عنه ابن حجر قال: "وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية ألف وأربعمائة أصح".اهـ٢
ومال إلى الترجيح أيضًا ابن القيم: فقد ذكر رواية ألف وأربعمائة عن جابر ثم قال عقبها: "والقلب إلى هذا أميل"٣.
(ب) طريق الجمع:
وقد جنح بعض العلماء إلى الجمع بين تلك النصوص، فقد ذكر النووي الرواية الثلاث: ألف وثلاثمائة، وألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة، ثم قال: ويمكن أن يجمع بينها بأنهم كانوا أربعمائة وكسر، فمن قال أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد، أو لغير ذلك ا. هـ٤
وممن ذهب إلى الجمع أيضًا ابن حجر، فقد ذكر نحو كلام النووي وزاد عليه، فبعد أن ذكر الروايات الثلاث قال: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه.
ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث براء "ألفًا وأربعمائة أو أكثر أما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألفًا وثلاثمائة، فيمكن حمله على ما اطلع عليه هو، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢١٤. ٢ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٣ زاد المعاد ٣/٢٨٨. ٤ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٢.
[ ٥٢ ]
والزيادة عليه من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ا. هـ١
قلت: الظاهر أن مسلك التوفيق بين النصوص إن أمكن أولى من الترجيح، لا سيما والنصوص الواردة في العدد المذكور صحيحة كلها، وتوجيه ابن حجر ممكن وظاهر، فيجب الأخذ به، وقد تضمن ما ذكر النووي.
وأما رواية "بضع عشرة مائة" فيمكن حملها على أحد الأعداد الثلاثة، لأن البضع يصدق على العدد من ثلاثة إلى عشرة، والله أعلم.
وهناك قول لموسى بن عقبة٢ والواقدي٣ وابن سعد٤: أن المسلمين كانوا ألفًا وستمائة، وهو اجتهاد منهم في مقابل النص، ولم يذكروا مستندًا لذلك، فلا يلتفت إليه، ولم أذكره مع ما سبق لأنه لم يرد مسندًا.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٢ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٣ المغازي للواقدي ٢/٥٧٤. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.
[ ٥٣ ]
الفصل الرابع: نزول المسلمين بذي الحليفة وما عملوه بها
المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة
المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة:
خرج رسول الله ﷺ ومن معه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من الأعراب١، فلما انتهى إلى ذي الحليفة نزل بها وصلى بها الظهر:
(٣٤) قال مسلم: "حدثنا إبراهيم بن دينار حدثنا حجاج بن محمد الأعور مولى سليمان بن مجالد قال: قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية٢.
وأخرجه٣ أحمد بن طريق ابن جريج به مثله.
لم يعين في حديث جابر هذا الصلاة التي صلوها بذي الحليفة، لكن ذكر الواقدي٤ وابن سعد٥ أنهم صلوا بها صلاة الظهر.
ثم أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، وساقوا الهدي:
_________________
(١) ١ انظر سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨. ٢ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٠. ٣ مسند أحمد ٣/٣٢٥. ٤ مغازي الواقدي ٢/٥٧٣. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.
[ ٥٤ ]
(٣٥) قال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعره١ وأحرم بالعمرة"٢.
هذا طرف من حديث المسور ومروان الطويل في قصة الحديبية، أورده البخاري هنا مختصرًا من طريق معمر، وقد أخرجه٣ من طريقه بطوله في كتاب الشروط إلا أنه حذف من أوله الإهلال بالعمرة ومن طريقه أيضًا٤ أخرج جزءًا منه في كتاب المحصر.
ومن طريق معمر أيضًا أخرجه٥ أبو داود بطوله إلا أنه وقع فيه اختصار نبه عليه الخطابي بسنده من طريق معمر هذه فذكره بتمامه٦.
ومن طريق معمر أيضًا أخرجه أحمد٧ بتمامه.
وأخرج النسائي٨ طرفًا من أوله.
وأخرجه البخاري من طريق٩ سفيان بن عيينة عن الزهري به فذكر أوله فقط.
ومن طريقه أخرج أبو داود١٠ وأحمد١١ طرفًا من أوله.
وأخرجه البخاري من طريق١٢ عقيل عن الزهري به قال فيه: "يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ" ثم ذكر جزءًا من آخره.
_________________
(١) ١ أشعره: إشعار البدن أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك علامة لها تعرف به أنها هدي. النهاية ٢/٤٧٩. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٩٤ - ١٦٩٥. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١١. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٦٥. ٦ معالم السنن ٣/١٥٩، مع سنن أبي داود. ٧ مسند أحمد ٤/٣٢٨. ٨ سنن النسائي ٥/١٧٠. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩. ١٠ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الحج: ١٧٥٤. ١١ مسند أحمد ٤/٣٢٣. ١٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧١١ - ٢٧١٢.
[ ٥٥ ]
وأخرجه من طريق١ ابن أخي الزهري عن عمه به، فذكر جزءًا من وسطه.
والحديث أخرجه أحمد بن طريق ابن إسحاق عن الزهري مطولًا بسياق آخر:
(٣٦) قال: حدثنا يزيد٢ بن هارون أنا محمد٣ بن إسحاق عن الزهري٤ به قالا: "خرج النبي ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة"٥ الحديث، وفيه زيادات ستأتي في مظانها.
ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن هشام، وصرح عنده بالسماع من الزهري.
قال ابن هشام٦ قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري به، فذكره بطوله.
وأخرجه البيهقي٧ من طريقه أيضًا، وصرح فيه بالسماع من الزهري:
فقد ساقه بسنده إلى يونس٨ بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري به مختصرًا.
واللفظ الوارد من طريق ابن إسحاق حسن، فقد صرح بالسماع من الزهري عند ابن هشام والبيهقي، وابن إسحاق إذا صرح بالسماع فحديثه حسن، كما قرر ذلك الذهبي وابن حجر:
قال الذهبي: بعد أن نقل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه: "والذي يظهر لي
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغاوي: ٤١٨٠ - ٤١٨١. ٢ يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين: ع. تقريب: ٣٨٥. ٣ محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس رمي بالتشيع والقدر، مات سنة خمسين ومائة، ويقال بعدها: خت، م، الأربعة. تقريب: ٢٩٠، تهذيب التهذيب ٩/٣٨. ٤ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أبو بكر الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين: ع. تقريب: ٣١٨. ٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣. ٦ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨، والواسطة بين ابن هشام وابن إسحاق هو زياد البكائي، وهو ثبت في المغازي، انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٩، تقريب: ١١٠. ٧ السنن الكبرى ٥/٢٣٥، دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩. ٨ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، مات سنة تسع وتسعين ومائة: خت، م، ت، ق. تقريب: ٣٩٠، تهذيب التهذيب ١١/٤٣٤.
[ ٥٦ ]
أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما تفرد به ففيه نكارة فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به الأئمة١، والله أعلم ا. هـ
وقال الذهبي عنه أيضًا: "كان أحد أوعية العلم حبرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المتقن، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضى"٢ ا. هـ
وقال ابن حجر: "ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن، إذا صرح بالتحديث وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان، ومن ذكر معه"٣ ا. هـ
وحديث المسور ومروان ظاهره الإرسال، لأن المسور ومروان لم يشهد أحد منهما القصة.
أما المسور فقدومه للمدينة كان في السنة الثامنة بعد الفتح، وهو ابن ست سنين٤، بينما كانت الحديبية في السنة السادسة.
وأما مروان بن الحكم فلم تثبت له صحبة٥.
لكن جاء من طريق عقيل عند البخاري٦: "يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ فهذه الطريق أوضحت أن المسور ومروان سمعا الحديث من بعض الصحابة، وجهالة الصحابي لا تضر"٧؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
وقد وقع في أثناء القصة ما يفيد أنهما سمعاها من عمر بن الخطاب ﵁، فقد جاء في الحديث: قال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ
وقد عقب ابن حجر على هذه العبارة بقوله: "هذا مما يقوي أن الذي حدث المسور ومروان بقصة الحديبية، هو عمر"٨ انتهى.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ٣/٤٧٥. ٢ تذكرة الحفاظ ١/١٧٣. ٣ فتح الباري ١١/١٦٣. ٤ الإصابة ٩/٢٠٤. ٥ تهذيب التهذيب ١٠/٩١، تقريب التهذيب: ٣٣٢. ٦ تقدم ص: ٥٥. ٧ تقريب النووي ١/٢٠٧، مع شرحه تدريب الراوي. ٨ فتح الباري ٥/٣٤٦.
[ ٥٧ ]
المبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عينا على مكة
المبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عينًا إلى مكة:
وردت قصة إرسال بسر بن سفيان إلى مكة في حديث المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم من طريق سفيان بن عيينة ومن طريق محمد بن إسحاق، فقد جاء في حديثهما من طريق سفيان ما نصه: "فلما أتى ذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بالعمرة، وبعث عينًا١ له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط٢ أتاه عينه "٣.
هكذا جاء في رواية سفيان "عينًا من خزاعة، ولم يسمه، لكن ورد التصريح باسمه في رواية ابن إسحاق حيث قال: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان٤، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك"٥.
وربما يتوهم أن الشخص المذكور في رواية ابن إسحاق، غير المشار إليه في رواية سفيان لأن ابن إسحاق قال في نسبته (الكعبي) بينما ذكر في رواية سفيان أنه من (خزاعة) .
وقد جاء أيضًا في رواية ابن إسحاق أنه لقي النبي ﷺ بـ (عسفان) بينما في رواية سفيان لقيه بـ (غدير الأشطاط) .
والتحقيق: أن الشخص المذكور في رواية ابن إسحاق هو عين المشار إليه في رواية سفيان، وبيان ذلك:
أما من حيث نسبته: فخزاعة وكعب، اسمان لمسمى واحد، لأن قبيلة كعب هذه هي الأزدية ويطلق عليها خزاعة.
قال صاحب اللباب: وهو في معرض التعريف بقبيلة كعب: "قبيلة كبيرة من الأزد، إنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام
_________________
(١) ١ عينًا أي: جاسوسًا. النهاية ٣/٣٣١. ٢ غدير الأشطاط: بفتح أوله وإسكان ثانيه بعدها مهملة وألف وطاء أخرى، على وزن أفعال - تلقاء الحديبية وهو المذكور في حديث الحديبية. معجم ما استعجم ١/١٥٣. قلت: جاء في رواية معمر عند أحمد أنه قريب من عسفان. انظر ص ٥٩. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩، وتقدم تخريجة حديث رقم (٣٥) . ٤ عسفان: محطة تاريخية بين مكة والمدينة على ثمانين كيلًا من مكة. نسب حرب: ٣٧٠. ٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم تخريجة حديث رقم (٣٦) .
[ ٥٨ ]
سيل العرم، وأقاموا بمكة"١.
وأما من حيث المكان الذي لقي النبي ﷺ فيه، فهو متحد أيضًا، لأن غدير الأشطاط موضع في عسفان أو قريب منه، ففي حديث المسور ومروان من طريق معمر: "حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريب من عسفان "٢.
وفي مرسل عروة من طريق الزهري: "حتى نزل رسول الله ﷺ غديرًا بعسفان يقال له (غدير الأشطاط) فلقيه عينه بغدير الأشطاط "٣.
فمن قال: "غدير الأشطاط" إنما قصد تحديد الموضع الذي نزل فيه النبي ﷺ.
ومن قال: "عسفان" أراد الجهة أو الناحية واكتفى به لشهرته دون الآخر.
فالحاصل أنه لا خلاف بين رواية ابن إسحاق ورواية سفيان وأن المسمى في رواية ابن إسحاق هو عين المشار إليه في رواية سفيان.
لكن يلاحظ أن ابن إسحاق سماه "بشرًا" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، والمشهور عند أهل المغازي كالواقدي٤ وابن سعد٥، وغيرهم أن اسمه "بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة، وبهذا سماه أيضًا الذين ترجموا للصحابة كأبي نعيم٦ وابن عبد البر٧ وابن الأثير٨ وابن حجر٩، ونصبوا على أنه المذكور في حديث المسور ومروان في قصة الحديبية.
قال ابن حجر في ترجمته: "وضبطه ابن ماكولا وغيره بضم الموحدة وسكون المهملة وكذا رأيت عليه علامة الإهمال في الأصل المعتمد من كتاب الفاكهي"١٠.
_________________
(١) ١ اللباب في تهذيب الأنساب ١/٤٣٩. ٢ مسند أحمد ٤/٣٢٨، وتقدم تخريجه حديث رقم (٣٥) . ٣ هذه الجملة من حديث طويل وتقدم سنده مع طرف من أوله، انظر حديث رقم (٣٣) . ٤ مغازي الواقدي ٢/٥٧٢ - ٥٧٣. ٥ الطبقات الكبرة ٢/٩٥. ٦ معرفة الصحابة ١، لوحة: ١٠٠. ٧ الاستيعاب ١/٣٠٩، مع الإصابة. ٨ أسد الغابة ١/٢١٦. ٩ الإصابة ١/٢٤٥. ١٠ الإصابة ١/١٤٦، وانظر الإكمال لابن ماكولا ١/٢٦٩.
[ ٥٩ ]
ويفهم من صنيع ابن هشام أنه قد وقع خلاف في اسمه فقد تعقب ما في رواية ابن إسحاق بقوله١: "ويقال: بسر" لكن الراجح ما في كتب التراجم لأنها أقرب للضبط من رواية ابن إسحاق، ولاتفاقها مع ما في كتب المغازي، ولا سيما وقد حكى ابن حجر عن ابن إسحاق ما يؤيد قول الجمهور.
قال ابن حجر: "وأما الذي بعثه النبي ﷺ عينًا لخبر قريش فاسمه "بسر" كذا سماء ابن إسحاق، وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح"٢ ا. هـ
وجاء خبره في مرسل عروة من طريق الزهري لكن سماه "ناجية": ونص عبارته: "وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم "٣.
وما في هذا الأثر لا يقوى لمعارضة رواية ابن إسحاق لكونه مرسلًا وأيضًا في إسناده إلى عروة ضعف.
وقد أورده ابن حجر ثم تعقبه بقوله: "كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بعثه مع الهدي كما صرح به ابن إسحاق وغيره، وأما الذي بعثه عينًا لخبر قريش فاسمه بسر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق "٤.
وقد ساق الخرائطي بسنده حديثًا إلى ابن عباس ذكر فيه قصة العين الذي بعثه النبي ﷺ إلى مكة عام الحديبية، وسماه بشر بن سفيان العتكي:
(٣٧) قال الخرائطي: حدثنا عبد الله٥ بن محمد البلوي، قال: قال عمارة٦ ابن زيد ثنا عبد الله٧ بن العلاء عن الزهري عن عبد الله٨ بن الحارث بن عبد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣٠٩. ٢ فتح الباري ٥/٣٣٤. ٣ تاريخ ابن أبي شيبة لوحة: ٦١، وانظر سنده حديث رقم (٣٣) . ٤ فتح الباري ٥/٣٣٤. ٥ عبد الله بن محمد البلوي عن عمارة بن زيد قال الدارقطني: يضع الحديث، وقال الذهبي: روى عنه أبو عوانة في الاستسقاء، حديثًا موضوعًا. ميزان الاعتدال ٢/٤٩١، وقال ابن حجر: هو صاحب رحلة الشافعي طولها ونمقها وغالب ما فيها مختلق. لسان الميزان ٣/٣٣٨، وقال ابن عراق: كذبه ابن الجوزي، تنزيه الشريعة المرفوعة ١/١٠٧. ٦ عمارة بن زيد عن أبيه قال الأزدي: كان يضع الحديث، ميزان الاعتدال ٣/١٧٧، لسان الميزان ٤/٢٧٨. ٧ عبد الله بن العلاء بن زبر - بفتح الزاي وسكون الموحدة - الدمشقي الربعي، ثقة، مات سنة أربع وستين ومائة، وله تسع وثمانون: خ، الأربعة. تقريب: ١٨٤. ٨ عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبو محمد المدني أمير البصرة، له رواية ولأبيه وجده صحبة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، مات سنة تسع وتسعين وقيل أربع وثمانين: ع. تقريب: ١٧٠.
[ ٦٠ ]
المطلب عن أبيه١ عن ابن عباس قال: "لما توجه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي ردته قريش عن البيت وهو عام الحديبية، فلما سار رسول الله ﷺ مرحلتين أو ثلاثة قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: "يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا - وسمى الليلة التي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسير فيها إلى مكة - وقريش في أنديتها٢ إذ صرخ صارخ من أعلى أبي قبيس٣ بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم ودانيهم وهو يقول:
هبوا فأخبركم مَنّى صحابته سيروا إليه وكونوا معشرًا كرما
بعد الطواف وبعد السعي في مهل وأن يجوِّزهم من مكة الحَرَما
شاهت وجوهكم من معشر نكل لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما
فما هو إلا أن سمع القوم ذلك حتى ارتجت مكة و"قال"٤ أبو سفيان في جماعة من أشراف قريش، منهم عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية في جماعة منهم فاجتمعوا عند الكعبة، وتعاقدوا ألا تدخل عليهم مكة في عامهم هذا، وتركتهم يجمعون لك، فقال رسول الله ﷺ: "أنا الهاتف الذي سمعت سَلْفَع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله إن شاء الله، فسر إلى مكة فلتسمع أخبار قريش وانظر ما هو فاعلون، ثم تعود إلي يكسبك الله بذلك أجرًا".
قال: فرجع بشر بن سفيان إلى مكة فبينا هو يطوف بالبيت إذ رأته قريش فهتفت به فجاءهم فقالوا له: يا بشر هل عندك علم من محمد أتراه يريد الدخول إلى مكة في عامه؟ فقلت: إنما أنا كواحد منكم ولقد سمعت الهاتف الذي هتف بكم يؤذنكم بذلك وما أرى ذلك حقًا، قالوا: بلى يا بشر إنه لكائن، هذا هُبَلْ حركنا لنصرته، والمحاماة عليه، وما جربنا عليه كذبًا قط، وليعلمن محمد إن جاءنا أنها الفيصل
_________________
(١) ١ الحارث بن نوفل بن عبد المطلب الهاشمي المكي، صحابي نزل البصرة، مات في آخر خلافة عثمان: س. تقريب: ٦١. ٢ أنديتها: الأندية جمع نادي: وهو مجتمع القوم. انظر: النهاية ٥/٣٦. ٣ أبو قبيس: بلفظ التصغير كأنه تصغير قبس النار: وهو اسم الجبل المشرف على مكة، وجهه إلى قيقعان ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيها، وقيقعان من غربيها، قيل سمي باسم رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس لأنه أول من بنى فيه قبة، وقيل سبب تسميته غير ذلك. انظر: معجم البلدان ١/٨٠. ٤ هكذا في الأصل و«قال» تأتي بمعنى «مال» ويعبر بها عن التهيؤ للأفعال والإستعداد لها، ترتيب القاموس ٣/٧١٨.
[ ٦١ ]
بيننا وبينه، قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتًا وهو يقول:
شاهت وجوه رجال حالفوا صنما وخاب سعيهم ما أقصر الهمما
ما خير في حجر لا يستجيب لهم إذا دعوا حوله ولا هم صمما
إني قتلت عدو الله سلفعة شيطان أوثانكم سحقًا لمن ظلما
وقد أتاكم رسول الله في نفر وكلهم محرم لا يسفكون دما١
هذا الحديث قد ذكره ابن حجر في الإصابة٢ - عند ترجمة بشر بن سفيان العتكي - مختصرًا.
وكذلك ذكره السيوطي٣ والزرقاني٤ مختصرًا.
والحديث ضعيف جدًا وربما كان موضوعًا، فإن في سنده شيخ الخرائطي عبد الله بن محمد البلوي، وشيخ البلوي عمارة بن زيد، وقد رمي كل منهما بوضع الحديث.
وقد ورد في هذا الحديث أن اسم الرجل - الذي بعثه النبي ﷺ عينًا إلى مكة - "بشر بن سيفيان العتكي".
والعتكي: نسبة إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن مزيقيا ابن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد٥.
وهذا مغاير لما في حديث المسور ومروان فإن فيه: "الخزاعي" و"الكعبي" وقد بينت أن كلا النسبتين إلى قبيلة كعب التي تنتسب إلى كعب بن عمرو بن ربيعة - وهو لحي - بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد٦.
_________________
(١) ١ هواتف الجنان، لوحة ٦١ - ٦٢. ٢ الإصابة ١/٢٥٠. ٣ الخصائص الكبرى ٢/٤٧. ٤ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨٢. ٥ اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٣٣٢. ٦ المصدر السابق ١/٤٣٩.
[ ٦٢ ]
والعتيك وكعب كلاهما من الأزد، ويجمعهما الجد الخامس وهو "عامر بن حارثة" لكن النسبة إلى أحدهما تغاير النسبة إلى الأخر.
ولعله وقع تحريف في حديث ابن عباس عند الخرائطي، فحرفت نسبة الرجل من "الكعبي" إلى "العتكي".
لكن صنيع ابن حجر يوهم أنهما رجلان، فقد عقد ترجمة باسم "بسر بن سفيان" الخزاعي"١ وأشار إلى انه المذكور في حديث الحديبية، ثم عقد ترجمة باسم "بشر بن سفيان العتكي"٢ وذكر معه حديث الخرائطي هذا عن ابن عباس.
ولعل ابن حجر اعتمد في إثبات هذه الترجمة على حديث الخرائطي هذا، والحقيقة أنه حديث واه جدًا لا يعتمد عليه في شيء وقد سبق بيان علته.
_________________
(١) ١ الإصابة ١/٢٤٥. ٢ الإصابة ١/٢٥٠.
[ ٦٣ ]
الفصلُ الخامسُ: إرسالُ النبيِّ ﷺ لبعضِ أصحابِه إلى غيقةَ وقصةُ أبي قتادةَ ﵁
ورد في حديث أبي قتادة عند البخاري وغيره إشارة إلى أن النبي ﷺ أرسل بعض أصحابه إلى جهة غيقة، ولم أر أحدًا من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه الحادثة بقليل أو كثير اللهم إلا إلماحة سريعة من ابن حجر حيث قال: "وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء١ - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا - أخبره بأن عدوًا من المشركين بوادي غيقة٢ يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهر طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو فاستمر حلالًا"٣ ا. هـ
ذكر ابن حجر أن هذا ملخص القصة، لكنه لم يشر إلى المصدر الذي استفادها منه ولم أجد إلى الآن شيئًا عن هذه الحادثة سوى ما ذكر، ولعله ورد عنها تفصيل أكثر في رواية المطلب عند سعيد بن منصور، فقد ذكر ابن حجر طرفًا منها حيث قال: "وبين المطلب مكان صرفهم ولفظه": "خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا بلغنا الروحاء"٤ ا. هـ
_________________
(١) ١ الروحاء - بفتح الراء المهملة وسكون الواو ثم حاء مهملة ممدودة -: محطة في صدر وادي الصفراء على طريق مكة من المدينة على (٧٣كيلًا) مشهورة «ببئر الروحاء» . نسب حرب: ٣٦١. ٢ غيقة: هو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء - قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلب يصب فيه ماء رضوى وهو يصب في البحر. فتح الباري ٤/٢٣. ٣ فتح الباري ٤/٢٣. ٤ فتح الباري ٤/٢٣. وقد فتشت عن سنن سعيد بن منصور فوقفت على جزأين منها ولم أجد فيها رواية المطلب هذه، ثم قيل لي إن سائر الكتاب مفقود، فنسأل الله أن يأتي به إنه على كل شيء قدير.
[ ٦٤ ]
وقد جاءت الإشارة إلى هذه القصة - كما أسلفت في بعض طرق حديث أبي قتادة من رواية ابن عبد الله عنه وهي:
(أ) طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة: يشير فيه إلى وصول خبر العدو إلى النبي ﷺ.
(٣٨) قال البخاري: حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة قال: "انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم، وحدث النبي ﷺ أن عدوًا من المشركين يغزوه، فانطلق النبي ﷺ فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت١ عليه فطعنته فأثبته٢ واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع٣، فطلبت النبي ﷺ أرفع٤ فرسي شأوًا٥ وأسير شأوًا فلقيت رجلًا من بني غفار في جوف الليل فقلت أين تركت النبي ﷺ فقال: تركته بتعهن٦ وهو قائل٧ السقيا٨، فقلت يا رسول الله إن أهلك يقرأون ﵇ ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم، قلت: يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضله فقال: "للقوم كلوا وهم محرمون"٩.
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا بصورة الإرسال لأن عبد الله بن أبي قتادة لم يشهد القصة١٠.
ومن هذا الوجه أخرجه مسلم١١ وأحمد١٢ وزادا تسمية الموضع الذي فيه
_________________
(١) ١ حملت عليه: الحملة الكرة في الحرب، وحملت عليه أي كررت عليه. ترتيب القاموس ١/٧١٢. ٢ أثثبته: أي حبسته وجعلته ثابتًا مكانه لا يفارقه. النهاية ١/٢٠٥. ٣ نقتطع أي نؤخذ وينفرد بنا. النهاية ٤/٨٢. ٤ أرفع فرسي: أي أسرع به، يُقال: ارفع دابتك أي: أسرع بها. النهاية ٢/٢٤٤. ٥ شأوًا: الشأو الشوط والمدى. النهاية ٢/٤٣٧. ٦ بتعهن: بكسر أوله وهائه وتسكين العين وآخره نون - اسم عين ماء سمي به موضع على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة. وقد روى فيه تعهن بفتح أوله وكسر هائه - وبضم أوله. معجم البلدان ٢/٣٥. ٧ قائل السقيا: أي سيقيل بالسقيا. فتح الباري ٤/ ٢٥. ٨ السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا. معجم البلدان ٢/٣٥. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢١. ١٠ فتح الباري ٤/٢٣. ١١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٩. ١٢ المسند ٥/٣٠١.
[ ٦٥ ]
العدو فعندهما: "وحدث رسول الله ﷺ أن عدوًا بغيقة ".
وأخرجه مسلم١ أيضًا من طريق عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن أبي قتادة بصورة الإرسال.
وقد أخرجه البخاري من طرق أخرى وفيها تصريح عبد الله بسماعه من أبيه:
فأخرجه من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به يقول فيه: "أن أباه حدثه" وأشار فيه إلى موضع العدو وإرسال النبي ﷺ لبعض أصحابه إليهم.
(٣٩) قال: حدثنا سعيد بن الربيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى ابن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: "انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبئناه بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته فحملت عليه "٢ الحديث بنحوه.
وأخرجه من طريق عثمان بن موهب وأشار فيه إلى الطريق الذي سلكوه إلى العدو:
قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان بن موهب قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا ٣ أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا٤ فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: "يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا فنزلنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٤. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢٢. ٣ إما على أن (إلا) بمعنى (لكن) وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، وإما على مذهب من يقول: علي بن أبو طالب. فتح الباري ٤/٢٩ - ٣٠. ٤ الأتان: الأنثى من الحمر. النهاية ١/ ٢١.
[ ٦٦ ]
فكلوا ما بقي من لحمها"١.
وأخرجه مسلم٢ والبيهقي٣ من طريق عثمان بن موهب به بنحوه، وعند البيهقي: "حاجًا أو معتمرًا".
وأخرجه النسائي٤ من طريق عثمان أيضًا إلا أنه لم يشر إلى ذهابهم من طريق الساحل.
هذه بعض طرق حديث أبي قتادة التي تطرقت لقصة غيقة، وهي طرق لرواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وقد جاءت أيضًا رواية لعبد الله من طريق أبي حازم، وروى الحديث عن أبي قتادة أيضًا غير عبد الله لكن لم يرد في شيء منها ذكره لقصة غيقة، لكن لا بأس من الإشارة إلى تخريجها لأنها تعرضت لقصة أبي قتادة بمعنى الروايات السابقة.
١ - فطريق أبي حازم لرواية عبد الله بن أبي قتادة أخرجها البخاري من طريق فضيل٥ بن سليمان، وفليح٦ بن سليمان، ومحمد٧ بن جعفر كلهم عن أبي حازم به.
وأخرجه مسلم٨ من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم به.
٢ - رواية نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة:
أخرجها: البخاري٩، ومسلم١٠، وأبو داود١١، والنسائي١٢، والترمذي١٣، كلهم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢٤. ٢ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٠ - ٦١. ٣ السنن الكبرى ٥/١٨٩. ٤ سنن النسائي ٥/١٨٦. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٨٥٤. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة: ٥٤٠٦. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة: ٥٤٠٧. ٨ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٣. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩١٤. وكتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩٠. ١٠ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٧. ١١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٢. ١٢ سنن النسائي ٥/١٨٢. ١٣ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٨٤٧.
[ ٦٧ ]
من طريق مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع عن أبي قتادة.
وأخرجها البخاري من طريق عمرو١ بن الحارث عن أبي النضر عن نافع وصالح مولى التوأمة كلاهما عن قتادة.
وأخرجها البخاري٢ ومسلم٣ من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن أبي قتادة.
٣ - رواية عطاء بن يسار عن أبي قتادة:
أخرجها البخاري٤ ومسلم٥ والترمذي٦ كلهم من طريق مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي قتادة.
وقد وردت قصة أبي قتادة في حديث أبي سعيد الخدري عند البزار وغيره بسياق آخر:
(٤٠) قال البزار: حدثنا محمد٧ بن عثمان العقيلي وإسماعيل٨ بن بشر ابن منصور السليمي قالا: ثنا عبد الأعلى٩ بن عبد الأعلى عن عبيد الله١٠ بن عمر
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩٢. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٨٢٣. ٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٦. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩١. ٥ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٨. ٦ سنن الترمذي: ٨٤٨. ٧ محمد بن عثمان بن بحر العقيلي - بالضم - أبو عبد الله البصري، ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب، وقال ابن حجر صدوق يغرب، من العاشرة: س. تقريب: ٣١٠، تهذيب التهذيب ٩/٣٣٥. ٨ إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي - بفتح المهلمة وبعد اللام آخر الحروف التحتانية - بصري يكنى أبا بشر صدوق تكلم فيه للقدر، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله إحدى وثمانون: د، س، ق. تقريب: ٣٢. ٩ عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي - بالمهملة - أبو محمد وكان يغضب إذا قيل له أبو همام، ثقة، مات سنة تسع وثمانين ومائة: ع. تقريب: ١٩٥، ميزان الاعتدال ٢/٥٣١. ١٠ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة ﵂ على الزهري عن عروة عنها. مات سنة بضع وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٢٢٦.
[ ٦٨ ]
عن عياض١ بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد٢ الخدري قال: "بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابة محرمين حتى نزلوا عسفان، فإذا هم بحمار وحش وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يُبِدُّوا٣ أبصارهم فيعلم، فرآه أبو قتادة فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه الرمح، فقال: ناولونيه، فقالوا: ما نعينك عليه فحمل عليه فعقره فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله بين أظهرنا وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه فلم ير به بأسًا، قال: فأحسبه قال: هل معكم منه شيء شك عبيد الله"٤.
قال البزار: "لا نعلم أسند عبيد الله عن عياض إلا هذا ولا عنه إلا عبيد الله"٥.
وأخرجه ابن حبان٦ من طريق محمد بن عثمان العقيلي به نحوه وزاد "بعسفان بثنية٧ الغزال".
وأخرجه الطحاوي٨ من طريق عياش٩ بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى به نحوه.
الحديث صحيح رجاله كلهم رجال الصحيحين إلا شيخي البزار العقيلي والسليمي، وقال ابن حجر عن كل منهما صدوق، وتابعهما عياش بن الوليد في شيخهما عبد الأعلى، وعياش ثقة روى له البخاري.
_________________
(١) ١ عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح - بفتح المهلمة وسكون الراء بعدها مهملة - القرشي العامري المكي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المائة: ع. تقريب: ٢٧٠. ٢ هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري أبو سعيد الخدري، له ولأبيه صحبة، استصغر بأحد ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل سنة أربع وسبعين: ع. تقريب: ١١٩. ٣ أي يعطوا أبصارهم حظها من النظر. انظر: النهاية ١/١٠٥. ٤ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/١٨. ٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/١٨. ٦ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ٢٤٤. ٧ ثنية الغزال: ريع بين حرتين يشرف على عسفان من الشمال يأخذه الطريق العام بين مكة والمدينة، يعتبر بوابة بين شمال الحجاز وجنوبه، كانت تعرف بغزال. نسب حرب: ٣٤٣. ٨ شرح معاني الآثار ٢/١٧٣. ٩ عياش بن الوليد الرقام أبو الوليد البصري، ثقة، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، د، س. تقريب: ٢٦٩.
[ ٦٩ ]
تنبيه: وقد جاء في حديث أبي سعيد هذا أن النبي ﷺ بعث أبا قتادة الأنصاري على الصدقة بينما في حديث أبي قتادة السابق: أن النبي ﷺ بعثه إلى العدو الذي أتاه خبره جهة غيقة.
وقد جمع بين هذا الاختلاف صاحب الأوجز: حيث قال: "والأوجه عندي أن أبا قتادة لم يخرج معه ﷺ بل بعثه أهل المدينة إليه ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة فلحقه ﷺ قبل الروحاء فبعثه النبي ﷺ إلى ساحل البحر لكشف العدو، فالتقوا معه بالقاحة ثم بعثه ﷺ لأخذ الصدقة لأنه لم يكن محرمًا فرجع بعسفان جمعًا بين الروايات" ا. هـ١
_________________
(١) ١ أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٦/٣٥٢.
[ ٧٠ ]
الفصل السادس: ما حدث للمسلمين بعسفان
المبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش
المبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش:
كان النبي ﷺ قد بعث بسر بن سفيان الكعبي الخزاعي من ذا الحليفة عينًا له إلى مكة، فسار بسر إلى قريش يتحسس أخبارهم ونواياهم إزاء المسلمين، وبعد أن وقف على أخبارهم وافى بها رسول الله ﷺ بعسفان.
ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: "فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش١ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين٢، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله"٣.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند أحمد:
"وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي
_________________
(١) ١ الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا، والتحبش التجمع، وقيل: حالفوا قريشًاَ تحت جبل يسمى حبشيًا، فسموا بذلك. النهاية ١/٣٣٠. ٢ محروبين: مسلوبين منهوبين. النهاية ١/٣٥٢. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٩، وتقدم تخريجه برقم (٣٥) .
[ ٧١ ]
فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ١ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليه عنوة٢ أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم٣ قال رسول الله ﷺ: يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام، وهو وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة"٤"٥.
وفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام:
"فخرج رسول الله حتى إذا كان بعسفان لقيه رجل من بني كعب، فقال يا رسول الله: إنا تركنا قريشًاَ وقد جمعت لك أحابيشها تطعمها الخزير٦ يريدون أن يصدوك عن البيت، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا تبرز من عسفان لقيهم خالد بن الوليد طليعة لقريش فاستقبلهم على الطريق، فقال رسول الله ﷺ هاهنا فأخذ بين سورعتين يعني - شجرتين - فمال عن ستر الطريق حتى نزل الغميم فلما نزل الغميم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد: فإن قريشًا قد جمعت لكم " وذكر نحو حديث المسور ومروان إلى أن قال: "فقال المقداد٧ وهو في رحله: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"٨.
_________________
(١) ١ العوذ المطافيل: يريد النساء والصبيان. النهاية ٣/٣١٨. ٢ العنوة: أي قهرًا وغلبة. النهاية ٣/٣١٥. ٣ كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز، بين مكة والمدينة، وهو أمام عسفان بثمانية أميال، وهذا الكراع جبل أسود في طرف الحرة يمتد إليه. معجم البلدان ٤/٤٤٣. ٤ السالفة: صفحة العنق وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادهما عن الموت، لأنهما لا تنفردان عما يليهما إلا بالموت، وقيل: أراد حتى يرفق بين رأسي وجسدي. النهاية٢/٣٩٠. ٥ تقدم تخريجه والكلام على سنده، انظر حديث رقم (٣٦) وهو في المسند ٤/٣٢٣. ٦ الخزير: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة، وقيل غير ذلك. النهاية ٢/٢٨. ٧ كذا ورد هنا: أن المقداد قال هذه المقالة في الحديبية، والمشهور أنه قال ذلك في غزوة بدر، انظر مرويات غزوة بدر لأحمد العليمي ص ١٤٣. ٨ تاريخ ابن أبي شيببة، لوحة: ٥٦ وتقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (١١) .
[ ٧٢ ]
المبحث الثاني: صلاة الخوف بعسفان:
جاء في حديث أبي عياش الزرقي ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف، لكن لم يرد فيه تحديد الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله ﷺ نزل عسفان في أكثر من غزوة فقد وقع خلاف في تعيين الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة. وسأورد حديث أبي عياش ثم أذكر الخلاف مع الترجيح إن شاء الله:
(٤١) قال أبو داود: حدثنا سعيد١ بن منصور حدثنا جرير٢ بن عبد الحميد عن منصور٣ عن مجاهد بن أبي عياش٤ الزرقي قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضرت صلاة العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعًا فسلم عليهم جميعًا فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم٥.
هذا الحديث لم يروه فيما أعلم عن أبي عياش غير مجاهد، ولا عن مجاهد إلا منصور بن المعتمر، ورواه عن منصور عدة رواة هم:
_________________
(١) ١ سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وقيل بعدها: ع. تقريب: ١٢٦. ٢ جرير بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف ويكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يهم في حفظه، مات سنة ثمان وثمانين ومائة وله إحدى وسبعون سنة: ع. تقريب: ٥٤. ٣ منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عثاب بمثلثة ثقيلة ثم موحدة - الكوفي، ثقة ثبت، كان لا يدلس من طبقة الأعمش، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ٣٤٨. ٤ أبو عياش الأنصاري صحابي روى حديثًا في صلاة الخوف، وقيل: اسمع زيد بن الصامت أو ابن النعمان، وقيل اسمه: عبيد أو عبد الرحمن بن معاوية، شهد أحدًا وما بعدها، مات بعد الأربعين: د، س. تقريب: ٤٢٠. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ٢١٥.
[ ٧٣ ]
(١) جرير بن عبد الحميد: أخرجه عنه سعيد١ بن منصور، وأخرجه من طريقه الحاكم٢ والطبراني٣ والبيهقي٤.
(٢) سفيان الثوري٥: أخرجه عنه عبد الرزاق٦، وأخرجه من طريقه أيضًا أحمد٧ والطحاوي٨ والطبراني٩.
(٣) ورقاء بن عمرو اليشكري١٠: أخرجه عنه أبو داود الطيالسي١١، وأخرجه من طريقه أيضًا الطبراني١٢ والبيهقي١٣.
(٤) شعبة بن الحجاج: أخرجه من طريقه أحمد١٤ والنسائي١٥ والطبراني١٦.
(٥) عبد العزيز بن عبد الصمد١٧:
_________________
(١) ١ سنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من الجزء الثالث: ٢١٣. ٢ المستدرك ١/٣٣٧. ٣ المعجم الكبير ٥/٢٤٧. ٤ السنن الكبرى ٣/٢٥٦. ٥ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون: ع. تقريب: ١٢٨. ٦ مصنف عبد الرزاق ٢/٥٠٥. ٧ مسند أحمد ٤/ ٥٩ - ٦٠. ٨ شرح معاني الآثار ١/٣١٨. ٩ المعجم الكبير ٥/٢٤٣. ١٠ ورقاء بن عمرو اليشكري أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين، من السابعة: ع. تقريب: ٣٦٩. ١١ منحة المعبود بترتيب مسند الطيالسي أبو داود ١/١٥٠. ١٢ المعجم الكبير ٥/٢٤٦. ١٣ السنن الكبرى ٣/٢٥٤. ١٤ مسند أحمد ٤/٦٠. ١٥ سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي ٣/١٧٦. ١٦ المعجم الكبير ٥/٢٤٤. ١٧ عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أبو عبد الله البصري، ثقة حافظ مات سنة سبع وثمانين ومائة، ويقال بعد ذلك: ع. تقريب: ٢١٥.
[ ٧٤ ]
أخرجه من طريقه النسائي١.
(٦) شيبان بن عبد الرحمن النحوي٢: أخرجه من طريقه ابن جرير٣.
(٧) زائدة بن قدامة٤: أخرجه من طريقه الطبراني٥.
(٨) علي بن صالح بن حي٦: أخرجه من طريقه الطبراني٧.
(٩) جعفر بن الحارث٨ الواسطي: أخرجه من طريقه الطبراني٩.
(١٠) إسرائيل بن يونس١٠: أخرجه من طريقه الطبراني١١.
(١١) داود بن عيسى الكوفي: وفي روايته صرح مجاهد بالسماع من أبي عياش الزرقي:
_________________
(١) ١ سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي ٣/١٧٧. ٢ شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب منسوب إلى نحو بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، مات سنة أربع وستين ومائة: ع. تقريب: ١٤٨. ٣ تفسير ابن جرير ٩/١٣١. ٤ زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت، ثقة ثبت صاحب سنة، مات سنة ستين ومائة. وقيل بعدها: ع. تقريب: ١٠٥. ٥ المعجم الكبير ٥/٢٤٣. ٦ علي بن صالح بن صال بن حي الهمداني أبو محمد، ويقال: أبو الحسن، ثقة عابد، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وقيل بعدها: م، الأربعة. تقريب: ٢٤٦، تهذيب التهذيب ٧/٣٣٢. ٧ المعجم الكبير ٥/٢٤٥. ٨ جعفر بن الحارث بن جميع بن عمرو الواسطي الأشهب، صدوق كثير الخطأ، من السابعة: تمييز. تقريب: ٥٥، تهذيب التهذيب ٢/٨٩. ٩ المعجم الكبير ٥/٢٤٦. ١٠ إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، مات سنة ستين ومائة، وقيل بعدها: ع. تقريب: ١/٣١. ١١ المعجم الكبير ٥/٢٤٧.
[ ٧٥ ]
أخرجه من طريقه الطبراني١.
والحديث صحيح بسند أبي داود، فرجاله رجال الصحيح لكن مجاهدًا لم يصرح بالسماع من أبي عياش، وقد أنكر بعض العلماء سماعه من أبي عياش، ورماه بالتدليس: فقد نقل العلائي٢ عن الترمذي قوله: لا يعرف سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي.
وذكر ابن حجر أن القطب الحلبي حكى عن الترمذي قوله في العلل: ومجاهد معلوم التدليس فعنعنته لا تفيد الوصل".
ثم تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم أر من نسبه إلى التدليس، نعم إذا ثبت قول ابن معين أن قول مجاهد: خرج علينا علي ليس على ظاهره، فهو عين التدليس، إذ هو معناه اللغوي وهو الإبهام والتغطية، وقد قال ابن خراش أحاديث مجاهد عن على مراسيل بم يسمع منه شيئًا"٣ ا. هـ
قلت: وإن ثبت عن مجاهد التدليس فقد أمن تدليسه هنا؛ لأن الطبراني٤ قد أخرج الحديث من طريق صرح فيه مجاهد بالسماع من أبي عياش وفي سند الطبراني بكر بن سهل الدمياطي، ضعفه النسائي، وقال الذهبي: مقارب الحال٥.
وشيخ الطبراني داود بن عيسى الكوفي: لم أقف على ترجمته.
لكن البيهقي أخرج الحديث ثم قال: وهذا إسناد صحيح وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش٦ ا. هـ
ولم يذكر البيهقي السند كاملًا لكن ذكر الزيلعي أن البيهقي أخرجه في المعرفة بلفظ "حدثنا أبو عياش"، قال: وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش٧.
وقد حكى المنذري عن البيهقي أنه قال: "هذا الإسناد صحيح إلا أن بعض أهل العلم يشك في سماع مجاهد من أبي عياش، ثم ذكر أن البيهقي أخرجه بإسناد جيد عن
_________________
(١) ١ المعجم الكبير ٥/٢٤٥. ٢ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ٣٣٧. ٣ تهذيب التهذيب ١٠/٤٤. ٤ المعجم الكبير ٥/٢٤٥. ٥ ميزان الاعتدال ١/٣٤٥. ٦ السنن الكبرى ٣/٢٥٧. ٧ نصب الراية ٢/٢٤٨.
[ ٧٦ ]
مجاهد قال حدثنا أبو عياش، ثم قال المنذري: وسماعه منه متوجه؛ فإنه ذكر ما يدل على أن مولد مجاهد سنة عشرين وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين، وقيل إلى بعد الخمسين"١ ا. هـ
وقد صحح هذا الحديث الحاكم٢، ووافقه الذهبي٣، وقال البيهقي٤: "هذا إسناد صحيح". وكذلك قال ابن كثير:٥ "هذا إسناد صحيح وله شواهد" ا. هـ، وقال ابن حجر في ترجمة أبي عياش: "روى عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، أخرج حديثه أبو داود والنسائي بسند جيد"٦.
وقد أفاد حديث أبي عياش هذا أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف؛ لكنه لم يسم الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله قد نزل بعسفان في غزوة بني لحيان وفي غزوة الحديبية، فقد وقع خلاف في تحديد الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة.
فقد أورد ابن كثير حديث أبي عياش في غزوة بني لحيان، ثم قال: "وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم"٧ ا. هـ
وقد تابع ابن كثير على ذلك الساعاتي حيث قال: "وعسفان أول غزوة شرعت فيها صلاة الخوف ويقال لها: غزوة بني لحيان، وسببها ما نقله ابن كثير في تاريخه"٨.
ويظهر من كلام صاحب المنهل العذب المورد، أنه قد تابع ابن كثير أيضًا على ذلك، فقد ذكر أن صلاة النبي ﷺ بعسفان كانت في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة٩.
_________________
(١) ١ مختصر سنن أبي داود مع تهذيب السنن ٢/٦٤. ٢ المستدرك ٣/٣٣٨. ٣ التلخيص بهامش المستدرك ٣/٣٣٨. ٤ السنن الكبرى ٣/٢٥٧. ٥ تفسير ابن كثير ١/٥٤٨. ٦ الإصابة ١١/٢٧٣. ٧ البداية والنهاية ٤/٨٣. ٨ بلوغ الأماني ٧/٤ مع الفتح الرباني. ٩ المنهل العذب المورود ٧/١٠٠.
[ ٧٧ ]
وهذا التاريخ الذي حدد به هو تاريخ غزوة بني لحيان نقله ابن هشام١ وابن كثير٢ عن ابن إسحاق.
وذكر الواقدي٣ وابن سعد٤ وابن الجوزي٥ أن صلاة الخوف بعسفان كانت في غزوة الحديبية، إلا أن ظاهر كلام ابن سعد يفيد أنها صلاة الظهر وهو مخالف لحديث أبي عياش.
وقد نقل ابن حجر عن الواقدي انه روى بإسناده حديثًا عن خالد بن الوليد يصرح فيه بأن صلاة عسفان كانت في غزوة الحديبية ونصه:
(٤٢) عن خالد بن الوليد قال: "لما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان، فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى الظهر بأصحابه أمامنا فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة خوف"٦. الحديث.
فهذه الرواية صرحت بأن الحادثة كانت في غزوة الحديبية، ومعنى الرواية عمومًا متفق مع حديث أبي عياش إلا أنها زادت تحديد الغزوة، وهذه الزيادة وإن كانت ضعيفة من الناحية الحديثية، لأنها بدون سند، ولمجيئها من طريق الواقدي وهو متروك٧ عند المحدثين، لكن يستأنس بها لأمرين:
أولًا: لأنها في المغازي، وقد قال ابن حجر: "والواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي، فهو مقبول عند أصحابنا"٨.
ولم يخالف هذا خبرًا صحيحًا ولا خالف غيره من أهل المغازي، نعم خالفه ابن كثير، لكن ابن كثير انفرد بذلك وهو وهم منه ﵀ وسيأتي بيانه إن شاء الله.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٢٧٩. ٢ البداية والنهاية ٤/٨١. ٣ مغازي الواقدي ٢/٥٨٢. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٩٥. ٥ الوفاء بأحوال المصطفى ٢/٦٩٧. ٦ فتح الباري ٧/٤٢٣. ٧ قال الذهبي: استقر الإجماع على وهن الواقدي، الميزان ٣/٦٦٦، وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه. تقريب: ٣١٣. ٨ التلخيص الحبير ٢/٢٩١.
[ ٧٨ ]
ثانيًا: ورد ما يشهد لهذه الزيادة في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق ابن إسحاق عند أحمد ففيه ما نصه: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم"١.
فهذه الرواية تفيد أمرين:
الأول: أن النبي ﷺ نزل عسفان في غزوة الحديبية.
الثاني: أن خالد بن الوليد خرج لملاقاة النبي ﷺ في هذه الغزوة.
ولم يذكر أحدًا من أهل المغازي أن خالد بن الوليد قد لقي النبي ﷺ بهذا المكان في غير غزوة الحديبية.
وقد رجح ابن حجر٢ والكاندهلوي٣ أيضًا على أن صلاة عسفان هذه كانت في غزوة الحديبية.
وهذا هو الراجح عندي لما سبق من الأدلة.
ولأن النبي ﷺ لم يلق أحدًا من كفار قريش في غزوة بني لحيان، كما ذكر ذلك أهل المغازي.
قال ابن سعد بعد أن ذكر انصراف النبي ﷺ من غزوة بني لحيان: "ثم خرج رسول الله ﷺ حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم، ولم يلقوا كيدًا"٤.
وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعد منصرفه من غزوة بني لحيان: "نزل عسفان وبعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا وراح رسول الله ﷺ قافلًا"٥.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وسبق تخريجه برقم (٣٦) . ٢ فتح الباري ٧/٤٢٣. ٣ حاشية بذل المجهود في حل أبو داود ٦/٣٢٩. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٧٩. ٥ سيرة ابن هشام ٣/٢٨٠.
[ ٧٩ ]
وذكر نحوه ابن كثير أيضًا١، وبهذا يتبين أن ما ذهب إليه ابن كثير وهم منه ﵀.
تنبيه:
يلاحظ أن ابن سعد ذكر أن النبي ﷺ بعث عشرة فوارس بينما ذكر ابن إسحاق أنه بعث فارسين.
وقد جمع بينهما الزرقاني: "بأنه ﷺ بعث الفارسين أولًا، ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه"٢.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/٨١. ٢ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٤٧.
[ ٨٠ ]
المبحث الثالث: بيان أن ابتداء مشروعية صلاة الخوف كان في غزوة الحديبية:
ثبت أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الخوف في أكثر من غزوة، غير أنه لم يرد في شيء من النصوص الثابتة تعيين للغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف أولًا.
نعم ساق الواقدي بسنده حديثين: أحدهما حديث أبي عياش الزرقي في عسفان زاد في آخره ما نصه: "وذكر أبو عياش أنه أول ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف"١.
وهذه الزيادة ضعيفة لأن الواقدي تفرد بها.
(٤٣) والحديث الثاني: حديث جابر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ أول صلاة خوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنين٢، ثم قال الواقدي عقب هذا الحديث: وهذا أبين عندنا.
وهذا الحديث أيضًاَ ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.
ثم إن هذا الحديث لا يتمشى مع تحديد الواقدي لزمن كل من ذات الرقاع والغزوة التي صلى فيها بعسفان: ذلك أنه جعل ذات الرقاع في السنة الخامسة،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٥٨٣. ٢ مغازي الواقدي ٢/٥٨٣.
[ ٨٠ ]
وصلاة عسفان جعلها في غزوة الحديبية - وهو صحيح - وقد اتفق أهل المغازي وهو في جملتهم على أن غزوة الحديبية كانت سنة ست١، فكيف يقول:"بينهما أربع سنين"؟.
ولعدم وجود نص ثابت صريح في تعيين الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف أول مرة، فقد وقع خلف في تحديد تلك الغزوة:
فجمهور أهل المغازي يجعلون أول غزوة وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع٢.
والحقيقة أن أهل المغازي لم يصرحوا بأن صلاة الخوف بذات الرقاع أول صلاة وقعت - إلا ما ذكره الواقدي وقد بينا ضعفه - وإنما قدموا غزوة ذات الرقاع على غزوة الحديبية التي وقعت فيها صلاة عسفان فلزم من صنيعهم أن تكون صلاة الخوف بذات الرقاع أول صلاة وقعت، ولم يكن لأهل المغازي معتمد في تقديم ذات الرقاع، لذلك فقد اختلفوا في تحديد زمنها اختلافًا كبيرًا.
فعند ابن إسحاق٣ أنها كانت في جمادى الأولى سنة أربع للهجرة.
وذهب الواقدي٤ وابن سعد٥ وابن حبان٦ إلى أنها في المحرم سنة خمس.
وتردد موسى بن عقبة في زمنها فلا يدري أكانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أحد أو بعدها٧.
وأما أبو معشر السندي فيرى أنها بعد بني قريظة والخندق٨.
_________________
(١) ١ انظر الكلام على تاريخها ص: ٢ انظر: مغازي الواقدي ١/٣٩٦، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٦١، وسيرة ابن هشام ٣/٣٠٤، وتاريخ ابن جرير الطبري ٢/٣٩. ٣ سيرة ابن هشام ٣/٢٠٣. ٤ مغازي الواقدي ١/٣٩٥. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٦١. ٦ صحيح ابن حبان ١/٢٥٧. ٧ فتح الباري ٧/٤١٧. ٨ فتح الباري ٧/٤١٧.
[ ٨١ ]
وذهب البخاري١ - وتبعه ابن القيم٢ وابن كثير٣ وابن حجر٤ - إلى أن غزوة ذا الرقاع متأخرة عن غزوة الحديبية، بل وعن غزوة خيبر، وبذلك تكون صلاة عسفان أول صلاة وقعت لأنها في غزوة الحديبية، كما سبق بيانه.
وما ذهب إليه البخاري ومن تبعه متعين لما يلي:
أولًا: ورد في صحيح البخاري أن أبا موسى الأشعري ﵁ شهد غزوة ذات الرقاع:
(٤٤) قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت٥ أقدامنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا"٦.
وقد جاء في حديث آخر أن أبا موسى ﵁ لم يصحب النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر ونصه:
(٤٥) قال البخاري: حدثني إسحاق بن إبراهيم سمع حفص بن غياث حدثنا بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا"٧.
وإذا كان أبو موسى الأشعري ﵁ قد شهد الغزوة كما في الحديث الأول، ولم يلق النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما في الحديث الثاني، فيلزم من ذلك تأخر غزوة ذات الرقاع عن خيبر، وإذا كانت بعد خيبر فهي بعد الحديبية من باب أولى.
ثانيًا: جاء في حديث عند أبي داود أن أبا هريرة شهد هذه الغزوة:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: باب غزوة ذات الرقاع. ٢ زاد المعاد ٣/٢٥٣. ٣ البداية والنهاية ٤/٨٣. ٤ فتح الباري ٧/٤١٩. ٥ نقبت أقدامنا: أي رقت جلودها ونفطت من المشي. النهاية ٥/١٠٢. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٢٨. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٣٣.
[ ٨٢ ]
(٤٦) قال أبو داود: حدثنا الحسن١ بن علي حدثنا أبو عبد الرحمن٢ المقري حدثنا حيوة٣ وابن لهيعة٤ قالا: أخبرنا أبو الأسود٥ أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد ٦ ثم ذكر صفة صلاتهم.
سند هذا الحديث صحيح، فهو من رواية أحد العبادلة عن ابن لهيعة٧، وقد جاء أيضًا مقرونًا بحيوة بن شريح المصري، وهو ثقة ثبت كما قال ابن حر، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه أبو داود من وجه آخر، وصرح فيه باسم الغزوة.
(٤٧) قال أبو داود: حدثنا محمد٨بن عمرو الرازي حدثنا سلمة٩ حدثني محمد١٠ بن إسحاق عن محمد١١ بن جعفر بن الزبير، ومحمد١٢ بن الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل، لقي جمعًا من غطفان " ١٣ الحديث.
هذا الحديث حسن في سنده سلمة بن الفضل متكلم فيه ضعفه النسائي، ووثقة ابن معين وابن سعد، وهذا الحديث من روايته عن ابن إسحاق وقد قال عنه
_________________
(١) ١ الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال الحلواني - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين: خ، م، د، ت، ق. تقريب: ٧١. ٢ عبد الله بن يزيد المكي، أبو عبد الرحمن المقري أصله من البصرة أو الأهواز، ثقة فاضل أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: ع. تقريب: ١٩٤، تهذيب التهذيب ٦/٨٣. ٣ حيوة - بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو - ابن شريح بن صفوان التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، مات سنة ثمان وقيل تسع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ٨٦. ٤ عبد الله بن لهيعة. ٥ هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي. ٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٢٤٠. ٧ انظر ص: ٨ محمد بن عمرو بن بكر الرازي أبو غسان زنيج - بزاي ونون وجيم - مصغرًا ثقة، مات في آخر سنة أربعين، أو أول التي بعدها أي بعد المائتين: م، د، ق. تقريب: ٣١٣. ٩ سلمة بن الفضل الأبرشي - بالمعجمة - مولى الأنصار قاضي الري، صدوق كثير الخطأ، مات بعد التسعين ومائة، وقد جاوز المائة: د، ت، فق. تقريب: ١٣١. ١٠ محمد بن إسحاق بن يسار. ١١ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٢٩٢. ١٢ هو أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود يتيم عروة، وهو ثقة. انظر: تهذيب التهذيب ٩/٣٠٧. ١٣ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٢٤١.
[ ٨٣ ]
ابن جرير: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل١.
وفيه أيضًا ابن إسحاق لم يصرح بالسماع لكن يشهد له الحديث السابق.
فهذان الحديثان أفادا أن أبا هريرة شهد غزوة ذات الرقاع مع النبي ﷺ وأبو هريرة ﵁ لم يصحب النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما في الحديث الآتي:
(٤٨) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان٢ حدثنا وهيب٣ ثنا خثيم٤ - يعني ابن عراك - عن أبيه٥ أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي ﷺ بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة على المدينة قال: "فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بكهيعص، وفي الثانية ويل للمطففين، قال: فقلت ويل لفلان إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص، قال: فلما صلى زودنا شيء حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي ﷺ خيبر قال: فكلم النبي ﷺ المسلمين فأشركونا في سهامهم"٦.
هذا الحديث حسن في سنده خثيم مختلف فيه، وثقه النسائي وابن حبان، وقال العقيلي: "ليس به بأس"، وقال الأزدي: "منكر الحديث"٧ وقد رجح الذهبي٨ توثيقه حيث رمز له بـ (صح) .
وإذا تقرر أن أبا هريرة ﵁ لم يلق النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما أفاد
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٤/١٥٤. ٢ عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصغار البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه وربما وهم، وقال ابن معين: انكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات سنة عشرين ومائتين: ع. تقريب: ٢٤٠، تهذيب التهذيب ٧/٢٣٤. ٣ وهيب - بالتصغير - ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره، مات سنة خمس وستين ومائة: ع. تقريب: ٣٧٢. ٤ خثيم - بمثلثة مصغرًا - ابن عراك بن مالك الغفاري المدني لا بأس به، من السادسة: خ، م، س. تقريب: ٩٢. ٥ عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد ابن عبد الملك بعد المائة: ع. تقريب: ٢٣٧. ٦ مسند أحمد ٢/٣٤٥. ٧ تهذيب التهذيب ٣/١٣٧. ٨ ميزان الاعتدال ١/٦٥٠.
[ ٨٤ ]
هذا الحديث وقد شهد غزوة ذات الرقاع كما في الحديثين السابقين فشهوده لها دليل ظاهر على تأخرها عن الحديبية وخيبر.
(٤٩) ثالثًا: قال البخاري: قال عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع"١.
هذا الحديث أورده البخاري معلقًا لكن بصيغة الجزم، وقد وصله أبو العباس السراج في مسنده وسمويه في فوائده٢.
قال ابن حجر في معرض كلامه على الحديث: "في التنصيص على أنها سابع غزوة من غزوات النبي ﷺ تأييد لما ذهب إليه البخاري من أنها كانت بعد خيبر، فإنه إن كان المراد الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها مطلقًا وإن لم يقاتل فإن السابعة منها تقع قبل أحد، ولم يذهب أحد إلى أن ذات الرقاع قبل أُحد إلا ما تقدم من تردد موسى بن عقبة، وفيه نظر، لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعيين أن تكون ذات الرقاع بعد بني قريظة، فتعين أن المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأولى منها بدر والثانية أحد، والثالثة الخندق، والرابعة قريظة، الخامسة المريسيع، والسادسة خيبر، فيلزم أن تكون ذات الرقاع بعد خيبر للتنصيص على أنها السابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي وهذه العبارة أقرب إلى إرادة السنة من العبارة التي وقعت عند أحمد بلفظ: "وكانت صلاة الخوف في السابعة" فإنه يصح أن يكون التقدير: في الغزوة السابعة كما يصح في غزوة السنة السابعة"٣ انتهى.
قلت: قد وقع عند أحمد التصريح بالسنة عن جابر ونصه: "غزا رسول الله ﷺ ست مرات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة"٤.
لكن في سنده ابن لهيعة، وهو متكلم فيه.
وقد تبين لنا من قصة أبي موسى الأشعري وأبي هريرة ﵄ ومن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٢٥. ٢ ذكر ذلك ابن حجر، انظر هدي الساري: ٥٢، وفتح الباري ٧/٤١٩. ٣ فتح الباري ٧/٤١٩. ٤ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني ٧/٧.
[ ٨٥ ]
جابر بن عبد الله ﵄ رجحان القول بتأخر غزوة ذات الرقاع عن غزوة الحديبية، فتكون صلاة الخوف في غزوة الحديبية أول صلاة وقعت.
وقد قال بعضهم إن غزوة ذات الرقاع وقعت أكثر١ من مرة، وأن التي صليت فيها صلاة الخوف غير التي شهدها أبو موسى ﵁، وهذا القول مردود لشهود أبي هريرة غزوة ذات الرقاع، وقد ذكر أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف فيها، وإنما صحب النبي ﷺ بعد فتح خيبر كما سبق بيانه.
وقد رد ابن القيم ﵀ القول بتعدد الغزوة: فقد أورد حديث أبي موسى وأبي هريرة ﵄ ثم قال: "وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهمًا ظاهرًا ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين، فمرة قبل الخندق، ومرة بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظها، أو تاريخها ولو صح لهذا القائل ما ذكر ولا يصح، لم يمكن أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى لما تقدم من قصة عسفان وكونها بعد الخندق، ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير منسوخ وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ﵀، لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق"٢ ا. هـ
قلت: جزم ابن القيم ﵀ هنا أن أول صلاة صلاها النبي ﷺ للخوف هي صلاة عسفان، وكأنه اعتمد في ذلك على ما في حديث أبي عياش من أن آية صلاة الخوف نزلت في شأن صلاة عسفان، وهو دليل ظاهر، وصلاة عسفان هذه وقعت في غزوة الحديبية كما سبق بيانه"٣.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤١٧، ٤١٩. ٢ زاد المعاد ٣/٢٥٢. ٣ انظر ص وما بعدها.
[ ٨٦ ]
المبحث الرابع: تنبية على أحاديث أوردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها
المبحث الرابع: تنبيه على أحاديث وردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها:
هناك أحاديث ذكرت فيها صفة صلاة الخوف، بعضها يتفق مع حديث أبي عياش في كيفية الصلاة، وبعضها يتفق معه في المكان الذي صليت فيه تلك الصلاة، ولذلك حمل بعض العلماء تلك الأحاديث على قصة عسفان مع حديث أبي عياش بناء على اتحاد القصة.
وبعد النظر والتأمل في تلك الأحاديث ومقارنتها بحديث أبي عياش تبين لي أنها مغايرة لما في حديث أبي عياش، وسأورد تلك الأحاديث وأبين وجه مخالفتها لحديث أبي عياش إن شاء الله.
أولًا: حديث جابر ﵁:
قال مسلم: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة فقاتلونا قتالًا شديدًاَ، فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم لاقتطعناهم١، فأخبر بذلك جبريل رسول الله ﷺ، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: إنهم ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صففنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة، قال: فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني فلما سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعًا فسلم عليهم رسول الله ﷺ"، قال أبو الزبير، ثم خص جابر أن قال كما يصلي أمراؤكم هؤلاء"٢.
هذه رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم وأخرجها أبو داود٣ الطيالسي وزاد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر بنخل ".
_________________
(١) ١ لاقتطعناهم: لأخذناهم منفردين، اقتطع الشيء إذا أخذه وانفرد به. النهاية ٤/٨٢. ٢ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٠٨. ٣ مسند أبي داود: ٢٤٠.
[ ٨٧ ]
وأخرجه مسلم١ من رواية عطاء عن جابر بمثله ولم يسم القوم الذين غزوهم.
وقد ذكر ابن كثير٢ وابن حجر٣ هذا الحديث في قصة عسفان على أنه متحد مع ما في حديث أبي عياش الزرقي.
والذي يظهر أن هذا الحديث يباين ما في حديث أبي عياش لأمور أهمها ما يلي:
(١) في حديث جابر هذا: "غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة"، بينما في حديث أبي عياش: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد ".
ولا شك أن هؤلاء المشركين هم كفار قريش، كما بينه حديث المسور ومروان بن الحكم من طريق ابن إسحاق عند أحمد فقد جاء فيه: "وهذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم"٤.
فصلاة الخوف في حديث جابر بسبب قوم جهينة، وصلاة الخوف في حديث أبي عياش بسبب كفار قريش.
(٢) يقول جابر في حديثه: "فقاتلونا قتالًا شديدًا"، ولم يثبت أن رسول الله ﷺ قاتل أحدًا من المشركين أثناء سيره لعمرة الحديبية.
(٣) يقول جابر في حديثه: "فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله ﷺ فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ".
ويقول أبو عياش في حديثه: "فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غزة لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر.
وبالتأمل في هذين النصين نستشف منهما تأخر قصة حديث جابر عن قصة
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٠٧. ٢ البداية والنهاية ٤/٨٢. ٣ فتح الباري ٧/٤٢٣. ٤ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .
[ ٨٨ ]
حديث أبي عياش وذلك أن حديث أبي عياش يفيد أن الآية التي بها شرعت صلاة الخوف نزلت في تلك الحادثة، وهو دليل على ابتداء مشروعية صلاة الخوف.
أما حديث جابر فقد ذكر فيه أن جبريل أخبر النبي ﷺ بما عزم عليه المشركون فقط فصلى صلاة الخوف وكأنه قد عرف حكمها قبل ذلك.
ثانيًا: حديث أبي هريرة ﵁:
قال النسائي: أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثني عبد الصمد ابن عبد الوارث قال: حدثني سعيد بن عبيد الهنائي قال: حدثنا عبد الله بن شقيق قال: حدثنا أبو هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ نازلًا بين ضَجَنَان وعسفان محاصر المشركين فقال المشركون: أن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة، فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يقسم أصحابه نصفين فيصلي بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فيصلي بهم ركعة ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك فيصلي بهم ركعة تكون لهم مع النبي ﷺ ركعة ركعة، وللنبي ركعتان"١.
وأخرجه الترمذي٢ بنحوه، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة٣.
وقد أورد ابن القيم٤ وابن كثير٥ حديث أبي هريرة هذا مع حديث أبي عياش في قصة عسفان، وكأنهما يريان اتحاد القصة فيهما، وكذلك ذكر ابن حجر أنه متفق مع ما في حديث أبي عياش، وقد ظهر لي بعد إمعان النظر في الحديثين عدم اتحادهما لما يلي:
(١) أن حديث أبي عياش يفيد أن كلتا الطائفتين ائتمت بالنبي ﷺ في وقت واحد، إلا في حالة السجود ينتظر الصف الثاني حتى يرفع الأول من السجود، ثم يسجد بينما في حديث أبي هريرة صلى بكل طائفة على حدة.
_________________
(١) ١ سنن النسائي ٣/١٧٤. ٢ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٠٣٥. ٣ سنن الترمذي ٥/٢٤٣. ٤ زاد المعاد ٣/٢٥١. ٥ البداية والنهاية ٤/٨٢.
[ ٨٩ ]
(٢) في حديث أبي عياش كانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان كذلك، بينما في حديث أبي هريرة: كانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعة واحدة.
(٣) جاء في حديث أبي هريرة ما يفيد أن العدو كان لغير جهة القبلة وذلك في قوله: " فيصلي بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم ".
ثالثًا: يقول ابن حجر في التلخيص الحبير١: "حديث صلاته بعسفان متفق عليه من حديث سهل بن أبي حثمة، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي عياش الزرقي" ا. هـ
قلت: حديث أبي عياش الزرقي صريح بأنه في صلاة عسفان، أما حديث سهيل بن أبي حثمة فغير ظاهر في ذلك لاختلاف كيفية الصلاة فيه عنها في حديث أبي عياش الزرقي، وهذا نص حديث سهل بن أبي حثمة:
قال البخاري: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة قال: "يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو، فيصلي بالذين معه ركعة ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين"٢.
هكذا أخرجه البخاري موقوفًا على سهل، ومن هذا الوجه أخرجه مسلم٣ وأبو داود٤.
وبالتأمل في صورة الصلاة في حديث سهل بن أبي حثمة نجدها تختلف عن صورة الصلاة في حديث أبي عياش بما يلي:
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير ٢/٧٥. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٣١. ٣ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٠٩. ٤ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٢٣٩.
[ ٩٠ ]
(١) في حديث أبي عياش كلتا الطائفتين ائتمت بالنبي ﷺ في آن واحد، بينما في حديث سهل ائتمت طائفة بالنبي ﷺ، والطائفة الأخرى وقفت تجاه العدو.
(٢) في حديث أبي عياش حصلت لكل من الطائفتين ركعتان مع النبي ﷺ، أما في حديث سهل، فصلت كل طائفة ركعة واحدة مع النبي ﷺ ثم أتمت لنفسها الركعة الثانية.
(٣) في حديث أبي عياش أن العدو كان في جهة القبلة بخلاف حديث سهل فقد حمله الجمهور١ على أن العدو كان لغير جهة القبلة.
ولعل حديث سهل في صفة صلاة غزوات ذات الرقاع؛ لأن صالح بن خوان الراوي عن سهل أخرج البخاري٢ وغيره الحديث من طريقه يرويه عمن شهد غزوات ذات الرقاع فذكر صورة الصلاة في حديث سهل هذا.
ومفهوم كلام ابن حجر في الفتح: أن حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة غزوات ذات الرقاع٣.
فلعل ما وقع في التلخيص الحبير وهم منه ﵀.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٢٤. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٢٩. ٣ انظر: فتح الباري ٧/٤٢٢.
[ ٩١ ]
الفصل السابع: عدول المسلمين إلى الحديبية
المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم الى الحديبية
المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم إلى الحديبية:
كان خالد بن الوليد - في خيل المشركين - قد قطع طريق المسلمين إلى مكة، فليس أمام المسلمين - إن هم تقدموا في طريقهم ذلك - إلا خوض معركة محققة مع خيل خالد بن الوليد، وكان رسول الله ﷺ حريصًا على تحاشي القتال مع قريش، ولذلك صرف أصحابه - بعد أن أمسى١ - إلى طريق آخر لا يمر على خيل خالد - أفضى بهم إلى ثنية أنزلتهم على الحديبية.
(٥٠) قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجائي ثنا محمد٢ بن معمر البحراني ثنا عبيد الله بن موسى (عن موسى) بن عبيدة عن عبد الله شيخ من أسلم٣ عن جندب بن ناجية أو ناجية٤ بن جندب، قال: "لما كنا بالغميم لقي رسول الله خبر قريش أنها بعثت خالد ابن الوليد في جريدة٥ خيل يتلقى رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ أن يلقاه، وكان بهم رحيمًا، فقال: "من رجل يعدلنا عن الطريق؟ فقال: أنا بأبي أنت فأخذتهم في طريق قد كان بها حزنا٦ فدافد٧
_________________
(١) ١ انظر الطبقات الكبرى ٢/٩٥. ٢ محمد بن معمر بن ربعي القيسي البصري البحراني - بالموحدة والمهملة - صدوق، مات سنة خمسين ومائتين: ع. تقريب: ٣١٩. ٣ في رواية الحسن بن سفيان عبد الله بن عمرو بن أسلم. ٤ ناجية بن جندب - هكذا جزم به الحسن بن سفيان - وهو: ناجية بن جندب ابن عمير بن يعمر الأسلمي، صحابي روى عنه مجزأة بن زاهر وغيره: س. تقريب: ٣٥٤. ٥ جريدة الخيل: قال في القاموس الجريدة خيل لا رجالة فيها (أي كلهم راكبون) . ترتيب القاموس ١/٤٧١. ٦ حزنا: الحزن المكان الغليظ الخشن. النهاية ١/٣٨٠. ٧ الفدافد: جمع فدفد، وهو المكان الصلب الغليظ المرتفع، ترتيب القاموس ٣/٤٥٦ - ٤٥٧.
[ ٩٢ ]
وعقاب فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح١ فألقى فيها سهمًا أو سهمين من كناته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا"٢.
وذكر ابن حجر أن الحديث أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله عن عبد الله بن عمرو بن أسلم عن ناجية بن جندب قال: كنا بالغميم فجاء رسول الله ﷺ خبر قريش أنها بعثت خالد بن الوليد في جريدة خيل "٣.
وقال ابن حجر أيضًا: "ووقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده، وكذا أخرجه ابن السكن" ا. هـ٤
وذكر ابن حجر أنه ورد في رواية ابن منده وابن السكن "ناجية بن جندب أو جندب بن ناجية" بالشك٥، مثل رواية الطبراني.
والحديث أخرجه أبو نعيم٦ من طريق الطبراني بسنده.
وهذا حديث ضعيف لأن في سنده موسى بن عبيدة الربذي ضعيف، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي٧ وابن حجر٨.
(٥١) وقال البزار حدثنا إسحاق٩ بن بهلول الأنباري حدثنا محمد١٠ ابن
_________________
(١) ١ النزح - بالتحريك -: البئر التي أُخذ ماؤها. النهاية ٥/٤٠. ٢ المعجم الكبير ٢/١٩٣ - ١٩٤. ٣ الإصابة ١٠/١٢٤. ٤ الإصابة ١٠/١٢٤. ٥ الإصابة ١٠/١٢٤. ٦ دلائل النبوة: ١٤٦. ٧ مجمع الزوائد ٦/١٤٤. ٨ الإصابة ١٠/١٢٤. ٩ إسحاق بن بهلول بن حسان، أبو يعقوب التنوخي الأنباري الحافظ الناقد، قال الخطيب: كان ثقة مات بالأنبار في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين ومائتين وله ثمان وثمانون سنة. تذكرة الحفاظ ٢/٥١٨. ١٠ محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك - بالفاء مصغرًا - الديلي مولاهم، المدني أبو إسحاق، صدوق، مات سنة ثمانين ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ٢٩٠.
[ ٩٣ ]
إسماعيل بن أبي فديك عن هشام١ بن سعد عن زيد٢ بن أسلم عن عطاء٣ بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله ﷺ: "إن عيون المشركين الآن على ضجنان٤، فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل٥؟ فقال رسول الله ﷺ حين أمسى: هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب٦؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنزل فجعلت الحجارة تنكبه٧ والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ: اركب، ثم نزل آخر فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ: اركب، ثم وقعنا على الطريق حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل قيل لهم: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٨،لا يجوز لأحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له، فجعل الناس يجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول الله ﷺ ونزلنا"٩.
وأخرجه ابن مردويه من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به مختصرًا ولفظه: "سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية يقال لها ذات الحنظل فقال رسول الله ﷺ: "ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ هشام بن سعد المدني، أبو عبادة أو أبو سعد، صدوق له أوهام ورمي بالتشيع، مات سنة ستين ومائة أو قبلها: خت، م الأربعة. تقريب: ٣٦٤، تهذيب التهذيب ١١/٣٩. ٢ زيد بن أسلم العدوي مولى عمر، أبو عبد الله أو أبو أسامة المدني، ثقة، عالم وكان يرسل، مات سنة ست وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ١١١. ٣ عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ٢٤٠. ٤ ضجنان - بالتحريك ونونين -: ورواه ابن دريد بسكون الجيم: قيل جبل على بريد من مكة، قال الواقدي: بينة وبين مكة خمسة وعشرون ميلًا. معجم البلدان ٣/٤٥٣. ٥ ذات الحنظل: هو الفج الذي من عين الدورقي إلى ثنية الحرم، تاريخ مكة وأخبارها ٢/٣٠١. ٦ الركاب: ككتاب: الإبل واحدتها راحلة. ترتيب القاموس ٢/٣٨٠. ٧ تنكبه: أي تصيب رجله. ترتيب القاموس ٤/٤٣٥. ٨ سورة البقرة الآية: ٥٨. ٩ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٧ - ٣٣٨. ١٠ نقله عن ابن كثير. تفسير ابن كثير ١/٩٩.
[ ٩٤ ]
قال البزار بعد أن أخرج الحديث: "لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل" ١.
لكن تعقبه ابن حجر بقوله: "وهو ثقة يحتمل له التفرد، وشيخه أخرج له مسلم، والإسناد كلهم على شرطه إلا أن هشامًا فيه لين"٢.
وذكر الهيثمي الحديث ثم قال: "رواه البزار ورجاله ثقات"٣.
قلت: نعم رجاله ثقات إلا هشام بن سعد الذي قال ابن حجر فيه: لين، قد اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل، فقد ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أحمد: "ليس محكم الحديث، وقال مرة لا يروى عنه"٤.
وقال ابن معين مرة صالح الحديث ليس بمتروك، وقال ابن المديني: صالح وليس بالقوي، وقال العجلي: "جائز الحديث حسن الحديث"، وقال أبو زرعة: "محله الصدق"، وقال الآجري عن أبي داود: "أثبت الناس في زيد بن أسلم"٥.فهذه أقوال الأئمة قد اختلف فيه جرحًا وتعديلًا لكن الذين جرحوه لم يبينوا سبب التجريح والقاعدة في اصطلاح المحدثين: "أن التعديل يقبل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور، ولا يقبل الجرح إلا مفسر السبب" ٦.
فالتعديل في هذه الحال مقدم على الجرح لأن الجرح غير مفسر السبب، نعم هناك تجريح مفسر ذكره الخليلي قال: أنكر الحفاظ حديثه في المواقع في رمضان من حديث الزهري عن أبي سلمة قالوا: إنما رواه الزهري عن حميد٧.
وهذا الجرح يقدح فيه من قبل حفظه، فإذا حملنا تضعيف من ضعفه على هذا السبب، فلا يرد على هذا الحديث لأنه من روايته عن زيد بن أسلم، وقد قال عنه أبو داود: أثبت الناس في زيد بن أسلم٨.
_________________
(١) ١ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٨. ٢ زوائد البزار، لوحة: ٢٤٧. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٤٤. ٤ تهذيب التهذيب ١١/٤٠. ٥ تهذيب التهذيب ١١/٤٠. ٦ تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي ١/٣٠٥. ٧ تهذيب التهذيب ١١/٤١. ٨ تهذيب التهذيب ١١/٤٠.
[ ٩٥ ]
ومع ذلك فللحديث شاهد في المعنى من حديث جابر وحديث المسور ومروان لآتيين، فالحديث لا يقل عن درجة الحسن إن شاء الله.
(٥٢) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من يصعد الثنية ثنية المرار١، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل". قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر"، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ، فقال: "والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل٢ ينشد٣ ضالة له"٤.
وأخرجه٥ عن يحيى بن حبيب الحارثي عن خالد بن الحارث عن قرة به وفيه: "وإذا هو أعرابي ينشد ضاله له".
وفي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر ما نصه: "قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كان ببعض الطريق قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بالغميم٦ في خيل لقريش طليعة٧، فخذوا ذا اليمين فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل٨
_________________
(١) ١ ثنية المرار: مهبط الحديبية، والمرار: بقلة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت عنه مشافرها. معجم البلدان ٥/٩٢، مراصد الإطلاع ٣/١٢٥. ٢ قال القاضي: قيل هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق، شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٢٧. وقال الواقدي: هو رجل من بني ضمرة من أهل سيف البحر، مغازي الواقدي ٢/٥٨٥. قلت: يشهد لقول الواقدي ما في الطريق الآخر للحديث: «فإذا أعرابي»، وقائل ذلك هو جابر بن عبد الله، وهو من بني سلمة قوم الجد بن قيس، فلو كان صاحب القصة هو الجد بن قيس لصرح جابر باسمه، ولم يقل أعرابي. والله أعلم. ٣ ينشد ضالة: أي يطلبها ويعرفها. ترتيب القاموس ٤/٣٧١. ٤ صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ١٢. ٥ صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ١٣. ٦ حكى ابن حجر عن المحب الطبري أنه قال: يظهر أن المراد كراع الغميم، فتح الباري ٥/٣٣٥، قلت: قد صرح بذلك ابن إسحاق في روايته للحديث انظر ص: ١٠٠. ٧ طليعة الجيش: من يبعث ليطلع، طلع العدو، وجمعها طلائع. ترتيب القاموس٣/٨٨. ٨ حل: زجر للناقة إذا حثثتها على السير. النهاية ١/٤٣٣.
[ ٩٦ ]
حل، فألحت١، فقالوا: خلأت٢ القصواء٣، فقال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل٤، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة٥ يعظمون فيه حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية"٦.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند أحمد: قال: ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض٧ على طريق تخرجه عن ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال فسلك الجيش تلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته"٨.
وفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام: "فأخذوا ذات اليمين في ثنية تدعى الحنظل حتى هبط على الحديبية"٩.
_________________
(١) ١ ألحت: أي لزمت مكانها، من ألح على الشيء إذا لزمه وأصر عليه. النهاية ٤/٢٣٦. ٢ خلأت: بركت أو حرمت فلم تبرح. ترتيب القاموس ٢/٨٧. ٣ القصواء: ناقة رسول الله ﷺ، ويطلق عليها القصواء والجدعاء والعضباء، وهي صفات للشق في الأذن. قال البلاذري: حدثني الأعين ثنا الحسن بن موسى الأشهب عن يزيد بن عطاء مولى أبي عوانة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله قال: "كان لرسول الله ﷺ حمار يقال له عفير، وكانت لرسول الله ﷺ ناقته القصواء من نعم بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر، ويقال من نعم بني الحريش بن كعب، ابتاعها أبو بكر ﵁ بأربع مائة درهم، فأخذها النبي ﷺ منه بذلك الثمن، والثابت أنه وهبها له، فقبلها وهاجر عليها، ولم تزل عنده حتى مات، ويقال: ماتت في خلافة أبي بكر، وكانت تكون بالبقيع، ويقال: بنقيع الخيل وهي تسمى أيضًا: الجدعاء والعضباء. قاله الواقدي: أنساب الأشراف: ٥١١. وقال ابن جرير: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرنا الواقدي محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كانت القصواء من نعم بني الحريش ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمائة درهم وأخذها منه رسول الله ﷺ بأربعمائة، فكانت عنده حتى نفقت، وهي التي هاجر عليها، كانت حين قدم رسول الله ﷺ المدينة رباعية، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء، تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٤٢٢. ويؤيد كون هذه الصفات لناقة واحدة ما في حديث علي ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ يبلغ أهل مكة سورة براءة، ففي رواية ابن عباس ﵄ أنه ركل ناقة رسول الله ﷺ «القصواء»، وفي رواية جابر «العضباء» وفي رواية غيرهما «الجدعاء»، فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة لأن القضية واحدة، قاله ابن الأثير ٤/٧٤. ٤ حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله ﷿ عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها. فتح الباري ٥/٣٣٦. ٥ خطة: الخطة الأمر والحال والخطب. النهاية ٢/٤٨. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله رقم (٣٥) . ٧ الحمض: ما ملح وأمرّ من النبات، وهي كالفاكهة للإبل. ترتيب القاموس ١/٧٠٩. ٨ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٩ تاريخ ابن أبي شيبة: لوحة: ٥٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) .
[ ٩٧ ]
المبحث الثاني: نزول المسلمين الحديبية ومعجزة النبي ﷺ في تكثير ماء البئر:
لقد تحمل المسلمون صنوفًا من الأذى والتعب بسبب وعورة الطريق لكنهم نالوا جزاء ذلك - مغفرة الله تعالى - وهي غايتهم المنشودة، بل وغاية كل مسلم.
وبعد أن جازوا الثنية - وكان آخر الليل١ - هبطوا على الحديبية فلم يجدوا بها إلا ماء منقطعًا لم يقم شيئًا لعطشهم - وكانوا قد نزلوا في شدة الحر - فهرعوا إلى رسول الله ﷺ يشكون قلة الماء، وعندها ظهرت معجزة النبي ﷺ التي أكرمه الله بها حيث استحالت تلك البئر - التي قد نضب ماؤها أو كاد - عيونًا متدفقة:
ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر: بعد أن ذكر الثنية وبروك ناقة الرسول ﷺ قال: "ثم زجرها٢ فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد٣ قليل الماء يتبرضه٤ الناس تبرضًا فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجش بالري حتى صدروا عنه" ٥.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: "ثم قال للناس انزلوا فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه الناس، فأخرج سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه فنزل قليب٦ من تلك القلب، فغرزه في جوفه فجاش الماء بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن٧.٨
وفي من حديث البراء ﵁:
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٥١) رواية ابن مردويه. ٢ زجرها: حثها وحملها على السرعة. النهاية ٢/٢٩٦. ٣ الثمد: الماء القليل. النهاية ١/٢٢١. ٤ يتبرضه الناس: يأخذونه قليلًا قليلًا، والبرض الشيء القليل. النهاية ١/١١٩. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٦ القليب: البئر التي تُطوَ. النهاية ٤/٩٨. ٧ بعطن: العطن مبرك الإبل حول الماء، يقال عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى. النهاية ٣/٢٥٨. ٨ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .
[ ٩٨ ]
(٥٣) قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير١ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا"٢.
وأخرجه٣ عن عبيد الله بن موسى بن إسرائيل به، وزاد في أوله: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية".
وأخرجه٤ من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء فذكر نحوه، قال في أوله: "كانوا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة"، الحديث.
وأخرجه أحمد٥ عن أبي أحمد ووكيع، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.
وأخرجه ابن جرير٦ من طريق وكيع عن إسرائيل به مختصرًا.
وأخرجه البيهقي٧ من طريق عبد الله بن رجاء وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.
وفيه من حديث سلمة بن الأكوع ﵁:
(٥٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمار ح.
وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عن عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربعة عشرة مائة وعليها
_________________
(١) ١ شفير البئر: حافتها وحرفها، وشفير كل شيء حرفه. النهاية ٢/٤٨٥. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٧. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥١. ٥ مسند أحمد ٤/٢٩٠، ٣٠١. ٦ تفسير ابن جرير ٢٦/٧١. ٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩.
[ ٩٩ ]
وخمسون شاة لا ترويها قال: فقعد رسول الله على جبا١ الركيه٢، فإما دعا وإما بسق فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا"٣ الحديث.
وأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة بن عمار به نحوه.
وأخرجه البيهقي٥ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عكرمة بن عمار به مختصرًا وعنده "بزق فيها".
تنبيه:
جاء في حديث المسور ومروان: أن تكثير الماء كان بسبب وضع سهم النبي ﷺ في البئر، وفي حديث البراء وحديث سلمة أن ذلك بسبب مج النبي ﷺ أو بصاقه في البئر ودعائه.
والتحقيق أنه لا خلاف بين تلك الأحاديث لحصول ذلك كله من النبي ﷺ، فقد وردت روايات جمعت بين ذلك كله، وهي:
ما أخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه: "فأخذتهم في طريق قد كان بها حزنًا فدافد، وعقاب، فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح، فألقى فيها سهما أو سهمين من كنانته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إنني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا"٦.
وما أخرجه البيهقي من طريق أبي الأسود عن عروة:
(٥٥) قال: أخبرنا أبو عبد الله٧ الحافظ قال أخبرنا أبو جعفر٨ البغدادي
_________________
(١) ١ الجبا: بالفتح والقصر: ما حول البئر. النهاية ١/٢٣٧. ٢ الركية: البئر. النهاية: ٢/٢٦١. ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٣٢. ٤ مسند أحمد ٤/٤٨. ٥ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢١٩. ٦ المعجم الكبير ٢/١٩٤، وتقدم الحديث برقم (٥٠) . ٧ هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، قال الخطيب أبو بكر: أبو عبد الله الحاكم كان ثقة يميل إلى التشيع، مات في صفر سنة خمس وأربعمائة ﵀. تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩. ٨ محمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن جميل أبو جعفر البغدادي، سكن سمرقند وكان ثبتًا صحيح السماع حسن الأصول، سافر الكثير وكتب بالشام ومصر والحجاز واليمن، وليس للبغداديين عنه رواية؛ لأنه خرج من بغداد قديمًا، وحصل حديثه عند الخراسانيين، وأهل ما وراء النهر، قال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي: كتبنا عنه وكان ثقة في الحديث فاضلًا انتخب عليه أبو علي الحافظ النيسابوري، وكتب عنه الحفاظ، مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٣/٢١٧.
[ ١٠٠ ]
قال: حدثنا أبو علاثة محمد١ بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي٢ قال: قال حدثنا ابن لهيعة٣ قال حدثنا أبو الأسود٤ قال: قال عروة: فذكر خروج النبي ﷺ قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح٥، وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رآى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ والقوم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه، ثم مج فيه وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله ﵎ ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها"٦.
هذا الأثر مرسل، وسنده إلى عروة ضعيف لأن فيه ابن لهيعة ضعفه الحفاظ، وفيه أيضًا أبو علاثة لم أقف على ترجمته.
فهاتان الروايتان بينتا ما قد يظهر من تعارض بين تلك الأحاديث وإلى هذا الجمع جنح ابن القيم٧، وابن حجر٨.
_________________
(١) ١ أبو علاثة، لم أقف على ترجمته. ٢ عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد التميمي ويقال الخزاعي، أبو الحسن الحراني نزيل مصر، ثقة، مات سنة تسع وعشرين ومائتين: خ، ق. تقريب: ٢٥٩. ٣ هو: عبد الله بن لهيعة. ٤ هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي. ٥ بلدح: واد قبل مكة من جهة الغرب. معجم البلدان ١/٤٨٠. ٦ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢١٩ - ٢٢٠. ٧ زاد المعاد ٣/٢٩٨. ٨ فتح الباري ٥/٣٣٧.
[ ١٠١ ]
المبحث الثالث: من الذي نزل بالسهم في بئر الحديبية؟:
ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري وغيره أن الصحابة رضوان الله عليهم شكوا إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فأخذ سهمًا من كنانته وأعطاه بعض أصحابه ليغرزه في البئر١، بيد أنه لم يرد في شيء من الروايات الصحيحة
_________________
(١) ١ انظر: ص: ١٧٦ - ١٧٧
[ ١٠١ ]
تصريح باسم الصحابي الذي أعطاه رسول الله ﷺ السهم، لذلك فقد وقع خلاف بين أهل المغازي في اسم الصحابي الذي نزل بالسهم:
فذهب ابن إسحاق١ وابن عبد البر٢ ومن تبعهما إلى أن الذي نزل بسهم رسول الله ﷺ هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي:
(٥٦) قال ابن إسحاق: "فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم ابن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان ابن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
ونقل الهيثمي هذا الحديث عن ابن إسحاق ثم قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات٤.
وقال ابن إسحاق، وقد أنشدت أسلم أبياتًا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرًا ويمجدونكا
قال ابن هشام وروى:
إني رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق: فقال ابن ناجية:
قد علمت جارية يمانيه أني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذا رشاش واهية طعنتها تحت صدور العادية٥
وجزم الواقدي بأن الذي نزل بالسهم ناجية بن الأعجم، وذكر أن رجلًا من ولد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣١٠. ٢ الدرر لابن عبد البر: ٢٠٤. ٣ سيرة ابن هشام ٣/٣١٠. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٤٥. ٥ سيرة ابن هشام ٣/٣١١.
[ ١٠٢ ]
ناجية بن الأعجم يقال له: عبد الملك بن وهب الأسلمي أنشده الأبيات التي نسبها ابن إسحاق لناجية بن جندب١.
(٥٧) وأخرج الواقدي أيضًا عن الهيثم بن واقد عن عطاء٢ بن أبي مروان عن أبيه٣ قال: حدثني رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية٤ بن الأعجم - وكان ناجية بن الأعجم يحدث - يقول دعاني رسول الله ﷺ حين شكى إليه قلة الماء، فأخرج سهمًا من كنانته ودفعه إلي فقال: أنزل بالماء فصبه في البئر، وأثر مائهما بالسهم ففعلت"٥.
وهذا الحديث ضعيف.
(٥٨) وقال ابن حجر: "وأخرج الواقدي عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه حدثني أربعة عشر رجلًا من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية بن الأعجم هو الذي نزل في القليب القليل الماء يوم الحديبية بسهم رسول الله ﷺ"٦.
هذا الحديث ضعيف لمجيئة من طريق الواقدي.
وروى الواقدي عن خالد بن عبادة أنه هو الذي نزل بالسهم:
(٥٩) قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده عبيد٧ بن أبي عبيد قال: سمعت خالد٨ بن عبادة الغفاري يقول: أنا الذي
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٥٨٧ - ٥٨٨. ٢ عطاء بن أبي مروان الأسلمي، أبو مصعب المدني، نزيل الكوفة، واسم أبيه سعيد، وقيل عبد الرحمن، ثقة مات بعد الثلاثين ومائة: س. تقريب: ٢٣٩. ٣ أبو مروان الأسلمي، اسمه مغيث - بمعجمة مثلثة وقيل بمهملة ومثناة مشددة ثم موحدة - وقيل: اسمه سعيد، وقيل عبد الرحمن، له صحبة؛ إلا أن الإسناد إليه بذلك واه، وهو والد عطاء بن أبي مروان المدني: س. تقريب: ٤٢٥. وسماه ابن حجر في الإصابة: معتب بن عمرو. الإصابة ١٢/١٦. ٤ ناجية بن الأعجم الأسلمي ذكره ابن سعد في الصحابة، وقال: لا عقب له، وقال العطوي: عقد رسول الله ﷺ لأسلم لواءين يوم الفتح، أعطى أحدهما: ناجية بن الأعجم، والآخر بريدة بن الحصيب، وذكره ابن أبي حاتم وحكى عن أبيه أنه قال: لا أعرفه، وقال ابن شاهين في الصحابة، مات بالمدينة آخر خلافة معاوية. الإصابة ١٠/١٢٢. ٥ مغازي الواقدي ٢/٥٨٨. ٦ الإصابة ١٠/١٢٢. ٧ عبيد بن أبي عبيد واسم أبي عبيد كثير مولى أبي رهم - بضم الراء وسكون الهاء - مقبول، من الثالثة: د، ق. تقريب: ٢٢٩. ٨ خالد بن عبادة الفغاري قال ابن عبد البر: هو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية. الاستيعاب ٣/١٧٤ مع الإصابة.
[ ١٠٣ ]
نزلت بالسهم يومئذ في البئر١.
وهذا الحديث ضعيف أيضًا لمجيئه من طريق الواقدي.
ونقل البيهقي٢ عن موسى بن عقبة أن خالدًا هذا هو الذي نزل بالسهم.
وقال ابن عبد البر في ترجمته: وهو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية فماح في البئر فكثر ماؤها حتى روى الناس٣ الخ.
وقيل الذي نزل بالسهم البراء بن عازب:
(٦٠) قال الواقدي: حدثني سفيان٤ بن سعيد عن أبي إسحاق٥ الهمداني قال: سمعت البراء٦ بن عازب يقول: أنا نزلت بالسهم٧.
وهذا الحديث أيضًا ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.
وقيل أن الذي نزل بالسهم يومئذ بريدة بن الحصيب، نقل ذلك ابن حجر٨ ولم يعزه لأحد.
رأينا فيما مضى أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ﵃ يحكي أو يحكى عنه أنه قد نزل بالسهم يومئذ، لكن لم يرد عن واحد منهم خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه وترجيحه على ما عداه، ومن ثم لا يمكن الجزم بأن واحدًا منهم فعل ذلك دون الآخر، بل يحتمل أن الجميع قد اشتركوا في القضية.
وإلى ذلك جنح ابن حجر حيث قال: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره٩ ا. هـ
_________________
(١) ١ المغازي للواقدي ٢/٥٨٩. ٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٠. ٣ الاستيعاب ٣/١٧٤ مع الإصابة. ٤ هو: سفيان بن سعيد بن مسورق الثوري. ٥ هو: عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - مكثر ثقة عابد اختلظ بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٢٦٠. ٦ البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة، مات سنة اثنتين وسبعين: ع. تقريب: ٤٢. ٧ مغازي الواقدي ٢/٥٨٩. ٨ الإصابة ٣/٦٢. ٩ فتح الباري ٥/٣٣٧.
[ ١٠٤ ]
ويؤيده ما ورد في مرسل عروة: "فنزل فيها رجال يميحونها" ١.
ثم وجدت رواية عن البراء تؤيد ما ذهب إليه ابن حجر أيضًا وهي:
(٦١) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم٢ حدثنا سليمان٣ عن حميد٤ عن يونس٥ عن البراء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسيرة فأتينا على ركى ذمة - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيه ستة أنا سادسهم ماحة، فأدليت إلينا دلو رسول الله ﷺ على شفة الركى، فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ، قال البراء: فكدت٦ بإنائي هل أجد شيئًا أجعله في حلقي، فما وجت، فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها فقال: ما شاء الله أن يقول: فعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق، قال: ثم ساحت - يعني جرت نهرًا"٧.
وأخرجه٨ عن هدبة عن سليمان به نحوه.
وأخرجه يحيى بن معين٩ عن هاشم عن سليمان به نحوه.
وأخرجه الطبراني١٠ من طريق هدبة عن سليمان به نحوه.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٥٥) . ٢ هو: هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت، مات سنة سبع ومائتين، وله ثلاث وسبعون: ع. تقريب: ٣٦٢. ٣ سليمان بن المغيرة القيسي مولاهم البصري، أبو سعيد، ثقة، قال يحيى بن معين أخرج له البحاري مقرونًا وتعليقًا، مات سنة خمس وستين ومائة: ع. تقريب: ١٣٦. ٤ حميد بن هلال العدوني أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سرين لدخوله عمل السلطان، من الثالثة: ع. تقريب: ٨٥. ٥ يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم الثقفي مقبول من الرابعة: د، ت، س. تقريب: ٢٩٠. ٦ هكذا في المسند، ولم أقف له على معنى، وفي المعجم الكبير للطبراني «فكددت إنائي» وفي القاموس في مادة (ك د د) الكد الشدة والإلحاح والطلب، وكدّ نزع الشيء بيدة يكون في الجامد والسائل. ٧ مسند أحمد ٤/٢٩٢. ٨ مسند أحمد ٤/٢٩٢. ٩ تاريخ يحيى بن معين ١/٣٢٠. ١٠ المعجم الكبير ٢/١١.
[ ١٠٥ ]
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: هو في الصحيح باختصار كثير، رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح١.
قلت: بل فيه يونس بن عبيد لم يوثقه سوى ابن حبان٢.
ولم يرد في الحديث تصريح بأن القصة كانت في الحديبية، لكن سياقها ظاهر في اتحادها مع قصة الحديبية، والله أعلم.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٨/٣٠٠. ٢ تهذيب التهذيب ١١/٤٤٥.
[ ١٠٦ ]