الفصل الأول: أحداث وقعت بالحديبية لم يتعين وقت وقوعها
المبحث الأول: قصة كعب بن عجرة ونزول آية الفدية
المبحث الأول: قصة كعب بن عجرة ونزول آية الفدية:
ورد في ذلك حديث كعب بن عجرة، وقد رواه عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل ورواه عنهما عدة رواة، ورواه عن كعب أيضًا أبو وائل، ومحمد بن كعب القرظي ويحيى بن جعدة ورجل من الأنصار وعطاء.
رواية ابن أبي ليلى عن كعب:
(١٢٥) قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سيف قال: حدثني مجاهد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أن كعب بن عجرة حدثه قال: وقف عليَّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت١ قملًا، فقال: أيؤذيك هوامك٢؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك، أو قال: "احلق" قال: فيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ ٣ إلى آخرها، فقال النبي ﷺ: "صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك٤ بما تيسر"٥.
_________________
(١) ١ يتهافت: يتساقط. النهاية ٥/٢٦٦. ٢ الهوام: - بتشديد الميم - جمع هامه وهي ما يدب من الأخشاش، وبينت الرواية أن المراد بها هنا القمل. انظر: فتح الباري ٤/١٤. ٣ سورة البقرة الآية: ١٩٦. ٤ انسك: اذبح. النهاية ٥/٤٨. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٥.
[ ٢٠٢ ]
وأخرجه من طريق سيف: مسلم١ وأحمد٢ بنحوه.
وأخرجه البخاري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به بنحوه إلا أن فيه: "فأمر أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية "٣.
ومن طريق ابن أبي نجيح أخرجه أحمد٤ بمثله.
وأخرجه البخاري من طريق أيوب عن مجاهد به بلفظ: "أتي علي النبي ﷺ زمن الحديبية، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة، قال أيوب: لا أدري بأي هذا بدأ"٥.
ومن طريق أيوب أخرجه مسلم٦ وأحمد٧ بنحوه.
وأخرجه البخاري٨ من طريق أبي نجيح وأيوب كلاهما عن مجاهد به مختصرًا.
وأخرجه من طريق أبي بشر عن مجاهد به قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون قال: وكانت لي وفرة٩ فجعلن الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي ﷺ فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، وأنزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٢. ٢ مسند أحمد ٤/٢٤٣. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر ١٨١٧ - ١٨١٨، كتاب المغازي:٤١٥٩. ٤ مسند أحمد ٤/٢٤٢ - ٢٤٣. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩٠. ٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٠. ٧ مسند أحمد ٤/٢٤١. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المرضى: ٥٦٦٥. ٩ الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. النهاية ٥/٢١٠. ١٠ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩١.
[ ٢٠٣ ]
ومن طريق أبي بشر أخرجه الترمذي١ وأحمد٢ بنحوه.
وأخرجه البخاري من طريق عبد الله بن عون عن مجاهد به، قال: أتيته "يعني النبي ﷺ" فقال: ادن، فدنوت، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قلت: نعم، قال: فدية من صيام أو صدقة أو نسك"٣.
ومن طريق ابن عون أخرجه مسلم وزاد في أوله: قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٤، الآية، وسائره بنحو لفظ البخاري.
وأخرجه البخاري من طريق حميد بن قيس عن مجاهد به مختصرًا وزاد في آخره: "أو انسك بشاة"٥.
وأخرجه مسلم من طريق ابن أبي نجيح وأيوب وحميد وعبد الكريم الجزري كلهم عن مجاهد به: "أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة وهو محرم وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: "أيؤذيك هوامك هذه؟ " قال: نعم، قال: "فاحلق رأسك وأطعم فرقًا بين ستة مساكين (والفرق ثلاثة آصع) أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة".
قال ابن أبي نجيح: "أو اذبح شاة"٦.
وأخرجه الترمذي٧ من طريقهم، كلهم به فذكره بمثله، وأخرجه مسلم من طريق أبي قلابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية فقال له: آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ: "احلق رأسك ثم اذبح شاة نسكًا أو صم ثلاثة أيام أو أطعم
_________________
(١) ١ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٢٩٧٣. ٢ مسند أحمد ٤/٢٤١. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب كفارة الأيمان: ٦٧٠٨. ٤ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨١. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٤. ٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٣. ٧ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٩٥٣.
[ ٢٠٤ ]
ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين" ١.
وأخرجه من طريقه أبو داود٢ وأحمد٣ بمثله.
وأخرجه أحمد٤ من طريقه في موضع آخر وأسقط فيه الواسطة بينه وبين كعب بن عجرة، قال ابن حجر: الصواب أن بينهما واسطة وهو ابن أبي ليلى على الصحيح٥.
وأخرجه أبو داود٦ من طريق الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أصابني هوام في رأسي "فذكر الحديث وفي آخره: "أو أطعم فرقًا من زبيب"٧.
وأخرجه٨ من طريق عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن به، في هذه القصة زاد: أي ذلك فعلت أجزأك". وأخرجه النسائي٩ وأحمد١٠ من طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن به وفيه: "أو أطعم ستة مساكين مدين١١ لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأك".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٤. ٢ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٦. ٣ مسند أحمد ٤/٢٤٢. ٤ مسند أحمد ٤/٢٤١. ٥ فتح الباري ٤/١٣. ٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٦٠. ٧ في هذه الرواية: "من زبيب" وفي رواية شعبة عند مسلم: "من تمر" وفي رواية بشر بن عمر "نصف صاع حنطة" وفي رواية شعبة عند أحمد "نصف صاع من طعام". قال ابن حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات لأنها في قصة واحدة، في مقام واحد في حق رجل واحد. نقله ابن حجر ثم قال: المحفوظ عن شعبة أنه قال: في الحديث: "نصف صاع من طعام" والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة، لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود وفي سندها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم، ولم يختلف فيه على أبي قلابة". فتح الباري ٤/١٧. ٨ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٦١. ٩ سنن النسائي ٥/١٩٥، مع شرح السيوطي وحاشية السندي. ١٠ مسند أحمد ٤/٢٤١. ١١ لا منافاة بين ما في هذه الرواية "مدين لكل مسكين" وبين الروايات السابقة، لأن المدين تساوي نصف صاع. قال ابن الرفعة: والصاع أربعة أمداد باتفاق. الإيضاخ والتبيان في معرفة المكيال والميزان: ٦٣.
[ ٢٠٥ ]
وقد أخرجه أحمد١ من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى به، ومرة من طريق الشعبي عن كعب، لكن قال ابن حجر٢: الصواب أن بينهما ابن أبي ليلى.
رواية عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة:
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل قال: "جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حملت٣ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى " أو "ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى تجد شاة؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع"٤.
وأخرجه عن آدم عن شعبة به فذكر نحوه وزاد فيه: "قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة "٥ الحديث.
وأخرجه مسلم٦ وابن ماجه٧ وأحمد٨ من طريق شعبة به نحوه، زاد في رواية أحمد: "نصف صاع من طعام".
وأخرجه مسلم من طريق زكريا بن أبي زائدة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به: "أنه خرج مع النبي ﷺ فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليه فدعا
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٢٤٣. ٢ فتح الباري ٤/١٣. ٣ قال هنا: "حملت إلى رسول الله ﷺ" وفي رواية زكريا بن أبي زائدة الآتية: "فأرسل إليه فدعا الحلاق "، والروايات السابقة من طريق ابن أبي ليلى تفيد أن النبي ﷺ هو الذي جاء إلى كعب، ففي طريق سيف عن مجاهد "وقف علي رسول الله ﷺ" ومن طريق أبي بشر عن مجاهد: "فمر بي رسول الله ﷺ"، وقد جمع ابن حجر بين ما يظهر في هذه الرواية من تعارض فقال: والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مر به أولًا فرآه على تلك الصورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته، فنقل واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضحه قوله في رواية ابن عون السابقة حيث قال فيها: فقال: أدن، فدنوت" فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مر به، وهو يوقد تحت القدر. (من فتح الباري ٤/١٤ بتصرف يسير) . ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٦. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٥١٧. ٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٥. ٧ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣٠٧٩. ٨ مسند أحمد ٤/٢٤٢.
[ ٢٠٦ ]
الحلاق، فحلق رأسه ثم قال: هل عندك نسك؟ قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكينين صاع، فأنزل الله ﷿ فيه خاصة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ ﴾ . ثم كانت للمسلمين عامة١.
وأخرجه أحمد٢ من طريق سليمان بن قرم عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به، فذكر نحو رواية ابن أبي زائدة وزاد: "فوقع القمل في رأسي ولحيتي، وحاجبي وشاربي"، وفي آخره: "لكل مسكين نصف صاع من تمر".
وأخرجه أحمد٣ من طريق الشعبي عن عبد الله بن معقل عنه.
رواية أبي وائل عن كعب بن عجرة:
قال النسائي: أخبرني أحمد٤ بن سعيد هو الرباطي قال: أنبأنا عبد الرحمن٥ بن عبد الله الدشتكي، قال: أنبأنا عمرو٦ - هو ابن أبي قيس - عن الزبير٧ - وهو ابن عدي - عن أبي وائل٨ عن كعب٩ بن عجرة قال: أحرمت فكثر قمل رأسي، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاني وأنا أطبخ قدرًا لأصحابي، فمس رأسي بإصبعه فقال: "انطلق فاحلقه وتصدق على ستة مساكين" ١٠، هذا السند لا بأس به.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٨٦. ٢ مسند أحمد ٤/٢٤٣. ٣ مسند أحمد ٤/٢٤٣. ٤ أحمد بن سعيد بن إبراهيم الرباطي المروزي، أبو عبد الله الأشقر، ثقة حافظ، مات سنة ست وأربعين ومائتين: خ، د، ت، س. تقريب: ١٢. ٥ عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي - بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح المثناة - أبو محمد الرازي المقري ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائتين: الأربعة /ز/. تقريب: ٢٠٤. ٦ عمرو بن أبي قيس الرازي الأزرق، كوفي نزل الري صدوق له أوهام من الثامنة: خت، الأربعة. تقريب: ٢٦٢. ٧ الزبير بن عدي الهمداني اليامي - بالتحتانية - أبو عبد الله الكوفي، ولي قضاء الري، ثقة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة: ع. تقريب: ١٠٦. ٨ شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة: ع. تقريب: ١٤٧. ٩ كعب بن عجرة الأنصاري المدني، أبو محمد صحابي مشهور، مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون سنة: ع. تقريب: ٢٨٦. ١٠ سنن النسائي ٥/١٩٥، مع شرح السيوطي وحاشية السندي.
[ ٢٠٧ ]
رواية محمد بن كعب عن كعب بن عجرة:
قال ابن ماجه: حدثنا عبد الرحمن١ بن إبراهيم ثنا عبد الله٢ بن نافع عن أسامة٣ بن زيد عن محمد٤ بن كعب عن كعب بن عجرة قال: "أمرني النبي ﷺ حين آذاني القمل أن أحلق رأسي وأصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين وقد علم أن ليس عندي ما أنسك"٥.
هذا الإسناد حسن، وأسامة بن زيد أخرج له مسلم.
رواية رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة:
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث٦ عن نافع٧ أن رجلًا من الأنصار أخبره عن كعب بن عجرة - وكان قد أصابه في رأسه أذى فحلق - فأمره النبي ﷺ أن يهدي بقرة"٨.
هذا الإسناد فيه رجل مجهول، قاله المنذري٩.
رواية يحيى بن جعدة عن كعب بن عجرة:
قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن بكر١٠ أنا ابن جريج١١، أخبرني عمرو١٢ بن
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، أبو سعيد لقبه دحيم - مصغرًا - ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، مات سنة خمس وأربعين ومائتين وله خمس وسبعون سنة: خ، م، د، س، ق. تقريب: ١٩٨، تهذيب التهذيب ٦/١٣١. ٢ هو: عبد الله بن نافع الصائغ. ٣ أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يهم، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة وهو ابن بضع وسبعين سنة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٢٦. ٤ هو: محمد بن كعب القرظي. ٥ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣٠٨٠. ٦ هو: ابن سعد. ٧ هو: مولى ابن عمر. ٨ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٩. ٩ مختصر سنن أبي داود ٢/٣٦٧ مع تهذيب السنن. ١٠ محمد بن بكر بن عثمان البرساني - بضم الموحدة وسكون الراء ثم مهملة - أبو عثمان البصري، صدوق يخطئ، مات سنة أربع ومائتين: ع. تقريب: ٢٩١. ١١ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين ومائة أو بعدها، وقد جاوز السبعين، وقيل جاوز المائة، ولم يثبت: ع. تقريب: ٢١٩. ١٢ عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم ثقة ثبت، مات سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٢٥٩.
[ ٢٠٨ ]
دينار عن يحيى١ بن جعدة عن كعب بن عجرة: "أن النبي ﷺ أمر كعبًا أن يحلق رأسه من القمل، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين أو اذبح"٢.
هذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، إلا يحيى بن جعدة، وهو ثقة.
رواية عطاء لقصة كعب بن عجرة:
قال ابن جرير ابن المثنى٣ قال: ثنا سويد٤ قال: أخبرنا ابن المبارك عن يعقوب٥ قال: سألت عطاء٦ عن قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال: إن كعب بن عجرة مر به النبي ﷺ "٧ الحديث معنى ما سبق.
وأخرجه من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء ان النبي ﷺ كان بالحديبية عام حبسوا بها وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له: كعب بن عجرة فقال النبي ﷺ: أيؤذيك هوامك "٨ الحديث.
وأخرجه من طريق مالك٩ بن أنس عن عطاء١٠ بن عبد الله الخراساني أنه
_________________
(١) ١ يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة: د، تم، س، ق. تقريب: ٣٧٤. ٢ مسند أحمد ٤/٢٤٢. ٣ هو: محمد بن المثنى. ٤ سويد بن نصر بن سويد المروزي أبو الفضل لقبه الشاه، راوية ابن المبارك ثقة، مات سنة أربعين ومائتين وله تسعون سنة: ت، س. تقريب: ١٤١. ٥ يعقوب بن القعقاع بن الأعلم الأزدي الخراساني أبو الحسن، ثقة من العاشرة: د، س. تقريب: ٣٨٧. ٦ عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، وقيل إنه تغير بآخره ولم يكن ذلك منه: ع. تقريب: ٢٣٩. ويحتمل أن يكون عطاء هو الخراساني فقد صرح باسمه ابن جرير، وروى عنهما جميعًا. وقال الشيخ أحمد شاكر: "الظاهر أنه عطاء بن أبي رباح ويحتمل أن يكون عطاء بن عبد الله الخراساني، لأن الحديث مرة جاء من روايته". تفسير ابن جرير ٤/٧٥ حاشية. ٧ تفسير ابن جرير ٤/٥٧. ٨ تفسير ابن جرير ٤/٥٨ ٩ مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة: ع. تقريب: ٣٢٦. ١٠ عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو عثمان واسم أبيه ميسرة، وقيل عبد الله صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، ولم يصح أن البخاري أخرج له: م، الأربعة: ٢٣٩.
[ ٢٠٩ ]
قال: أخبرني شيخ بسوق الكوفة عن كعب بن عجرة جاءني رسول الله ﷺ وأنا أنضج تحت قدر لأصحابي "١.
هذه الأسانيد ضعيفة، فطريق يعقوب وطريق ابن جرير مرسلة.
وطريق مالك بن أنس فيها راو مبهم.
قال الشيخ أحمد شاكر٢: هذا الإسناد ضعيف لإرساله لأن عطاء يحكي قصة في عهد رسول الله ﷺ لم يدركها، ولم يذكر من حدثه بها.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٤/٦٦. ٢ تفسير ابن جرير ٤/٥٧ حاشية.
[ ٢١٠ ]
المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنؤ كذا
المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنوء كذا:
(١٢٦) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية - على أثر سماء كانت من الليلة - فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء١ كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب"٢.
وأخرجه٣ عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك به مثله.
وأخرجه مسلم٤ عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به مثله.
وأخرجه أبو داود٥ عن القعنبي عن مالك به فذكره بمثله.
وأخرجه مالك٦ بهذا اللفظ
_________________
(١) ١ الأنواء: هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، وإنما سميت نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءًا: أي نهض وطلع، وقيل أراد بالنوء الغروب، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع. النهاية في غريب الحديث ٥/١٢٢. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان: ٨٤٦. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الاستسقاء: ١٠٣٨. ٤ صحيح مسلم، كتاب الإيمان: ١٢٥. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الطب: ٣٩٠٦. ٦ الموطأ، كتاب الاستسقاء: ٤.
[ ٢١٠ ]
وأخرجه أحمد١ عن إسحاق عن مالك به فذكره بمثله.
وفي روايتهم جميعًا "إثر سماء كانت من الليل".
وأخرجه البخاري عن خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني صالح بن كيسان به قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ ثم ذكر الحديث"، وفيه: "وأما من قال مطرنا بنجم كذا "٢ وسائره مثله.
وأخرجه النسائي٣ عن قتيبة عن سفيان عن صالح به، فذكره بمعناه وليس فيه ذكر للحديبية.
وأخرج الواقدي حديثًا لأبي قتادة ﵁ يفيد أن سبب هذا الحديث هو كلام صدر من ابن أبي بن سلول قال:
(١٢٧) حدثنا ابن أبي سبرة٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت أبا قتادة يقول: سمعت ابن أُبَيْ يقول - ونحن بالحديبية ومطرنا بها - فقال ابن أُبَيْ: هذا نوء الخريف مطرنا بالشَّعْرَى٦.
هذا الحديث ضعيف جدًا فيه الواقدي، وفيه شيخه سبرة يقول ابن حجر: رموه بالوضع.
_________________
(١) ١ المسند ٤/١١٧. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٤٧. ٣ سنن النسائي ٣/١٦٥ مع شرح السيوطي وحاشية السندي. ٤ هو: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة - بفتح المهملة وسكون الموحدة - ابن أبي رهم بن عبد العزى القرشي العامري المدني، قيل اسمه: عبد الله، وقد ينسب إلى جده، رموه بالوضع، وقال مصعب الزبيري: كان عالمًا، مات سنة اثنتين وستين ومائة: ق. تقريب: ٣٩٥. ٥ إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة مولاهم المدني متروك، مات سنة أربع وأربعين ومائة: د، ت، ق. تقريب: ٢٩. ٦ مغازي الواقدي ٢/٥٩٠.
[ ٢١١ ]
المبحث الثالث: مشروعية الصلاة في الرحال:
(١٢٨) قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر١ بن أبي شيبة ثنا إسماعيل٢ بن
_________________
(١) ١ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل، الكوفي ثقة حافظ صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: خ، م، د، س، ق. تقريب: ١٨٧. ٢ إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن علية، ثقة حافظ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وثمانين: ع. تقريب: ٣٢.
[ ٢١١ ]
إبراهيم عن خالد١ الحذاء عن أبي المليح٢ بن أسامة قال: خرجت إلى المسجد في ليلة مطيرة فلما رجعت استفتحت فقال أبي٣: من هذا؟ قال: أبو المليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ: "صلوا في رحالكم"٤.
وأخرجه أحمد٥ عن إسماعيل وسفيان ووكيع كلهم عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المليح فذكرا الحديث بنحوه.
وفي رواية وكيع قال عن أبي المليح عن أبيه ولم يذكر قصة خروجه للمسجد.
وأخرجه٦ ابن سعد عن عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن خالد به فذكر الحديث بنحوه.
وهذا الحديث صحيح، فسنده متصل برواية الثقات، وقد صححه ابن حجر٧.
وأخرجه أبو داود وزاد فيه: "في يوم الجمعة"، لكن في سنده انقطاع:
(١٢٩) قال: حدثنا نصر بن علي٨ قال سفيان٩ بن حبيب: خُبّرنا عن
_________________
(١) ١ خالد بن مهران أبو المنازل - بفتح الميم وقيل: ضمها وكسر الزاي - البصري الحذاء - بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة - قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم وقيل: لأنه كان يقول: أحذ على هذا النحو، وهو ثقة يرسل، وقد أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه قد تغير لما قدم من الشام وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان، مات سنة إحدى وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٩٠١، تهذيب التهذيب ٣/١٢٠. ٢ أبو المليح بن أسامة بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي اسمه عامر وقيل: زيد وقيل زياد ثقة، مات سنة ثمان ومائة، وقيل بعدها: ع. تقريب: ٤٢٨، تهذيب التهذيب ١٢/٢٤٦. ٣ أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيش الهذلي البصري، والد أبي المليح، صحابي تفرد ولده عنه: الأربعة. تقريب: ٢٦. ٤ سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة: ٩٣٦. ٥ مسند أحمد ٥/٧٤. ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥. ٧ فتح الباري ٢/١١٣. ٨ نصر بن علي بن علي الجهضمي ثقة ثبت طلب للقضاء فامتنع، مات سنة خمسين ومائتين أو بعدها: ع. تقريب: ٣٥٧. ٩ سفيان بن حبيب البصري، البزار أبو محمد وقيل غير ذلك ثقة، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقيل بعد ذلك وهو ابن ثمان وخمسين سنة: بخ، الأربعة. تقريب: ١٢٨.
[ ٢١٢ ]
خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ زمن الحديبية في يوم الجمعة وأصابهم مطر لم يبل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم١.
وأخرجه الحاكم٢ بهذا السياق من طريق نصر بن علي عن سفيان عن خالد الحذاء به.
وسند أبي داود فيه انقطاع بين سفيان بن حبيب وخالد الحذاء قال سفيان خُبّرنا عن خالد بالبناء للمفعول.
قال صاحب عون المعبود: "المخبر لسفيان بن حبيب لم يعرف"٣.
لكن جاء في سند الحاكم عن سفيان عن خالد الحذاء، ولم أرَ أحدًا وصف سفيان بالتدليس.
وقد ذكر المزي٤ أن سفيان بن حبيب روى عن خالد الحذاء.
وصحح هذه الزيادة الحاكم٥ ووافقه الذهبي٦ والألباني٧.
وقد جاء عند أبي داود٨ وأحمد٩ من طريق قتادة عن أبي المليح أن ذلك كان يوم حنين، فلعلها وقعت مرة أخرى بحنين والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٠٥٩. ٢ المستدرك ١/٢٩٣. ٣ عون المعبود ١/٤١٠. ٤ تهذيب الكمال ١، لوحة ٣٦٥، ٥١٠. ٥ المستدرك ١/٢٩٣. ٦ تلخيص الذهبي للمستدرك ١/٢٩٣ مع المستدرك. ٧ إرواء الغليل ٢/٣٤٢. ٨ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ١٠٥٧. ٩ مسند أحمد ٥/٧٤ - ٧٥.
[ ٢١٣ ]
المبحث الثالث: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية
المبحث الرابع: نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية:
(١٣٠) قال الحارث بن محمد بن أبي أسامة ثنا العباس١ بن الفضل ثنا حرب٢ بن شداد ثنا يحيى بن أبي كثير عن النحاز٣ بن جُدَىْ الحنفي عن سنان٤ بن سلمة بن المحبق الهذلي عن أبي٥ قال: مر بنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية وأمر بالقدور أن تكفأ من لحوم الحمر الأهلية٦.
هذا الحديث منكر: تفرد به العباس بن الفضل عن حرب بن شداد، والعباس قد ضعفه غير واحد، وكذبه ابن معين، وقد خالف فيه، فقد رواه الثقات عن حرب بن شداد وذكروا أن ذلك كان يوم خيبر:
قال الإمام أحمد: ثنا أبو داود٧ الطيالسي قال: ثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن النحاز الحنفي أن سنان بن سلمة أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بلحوم حمر الناس يوم خيبر وهي في القدور فأكفئت٨.
وأخرجه أيضًا عن عبد الصمد٩ بن عبد الوارث عن حرب بن شداد به بنحو حديث أبي داود١٠.
_________________
(١) ١ العباس بن الفضل بن العباس بن يعقوب أبو عثمان الأزرق، ضعيف من التاسعة، كذبه ابن معين: تمييز. تقريب: ١٦٦، وقال البخاري وأبو حاتم ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يخطئ ويخالف. تهذيب التهذيب ٥/١٢٨. ٢ حرب بن شداد اليشكري أبو الخطاب البصري، ثقة مات سنة إحدى وستين ومائة: خ، م، د، ت، س. تقريب: ٦٦. ٣ نحاز بن جدي الحنفي عن سنان بن سلمة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه أمر بقدور فأكفئت كان فيها من لحوم حمر الناس. التاريخ الكبير ٢/٤/١٣٢، وذكره ابن حبان في الثقات: نحاز بن جدي الحنفي بمثل ما عند البخاري. الثقات ٧/٥٤٢، وترجم له ابن أبي حاتم فقال: نجاز بن جري الحنفي، الجرح والتعديل ٤/١/٥١٢. ٤ سنان بن سلمة بن المحبق البصري الهذلي، ولد يوم حنين، فله رواية وقد أرسل أحاديث، مات في آخر إمارة الحجاج: م، د، س، ق. تقريب: ١٣٧ - ١٣٨. ٥ سلمة بن المحبق، وقيل هو: ابن ربيعة بن صخر الهذلي أبو سنان، صحابي سكن البصرة: د، س، ق. تقريب: ١٣١. ٦ بغية الباحث عن زوائد الحارث، لوحة: ٦٠. ٧ سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث، مات سنة أربع ومائتين: خت، م، الأربعة. تقريب: ١٣٣. ٨ مسند أحمد ٣/٤٧٦. ٩ عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم التنوري - بفتح المثناة وتثقيل النون المضمومة - أبو سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، مات سنة سبع ومائتين: ع. تقريب: ٢١٣. ١٠ مسند أحمد ٣/٤٧٦.
[ ٢١٤ ]
وأخرجه الطبراني من طريق عمرو١ بن مرزوق عن حرب بن شداد به بنحو لفظ أبي داود٢.
والحديث صحيح له شواهد كثيرة في الصحيحين.
ففي البخاري من حديث ابن عمر:
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله حدثنا عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ: "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية" ٣.
وأخرجه من طريق سالم عن ابن عمر بلفظ: "أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم وعن لحوم الحمر الأهلية"٤.
وأخرجه مسلم٥.
وفي الصحيحين أيضًا من حديث علي٦ بن أبي طالب، وجابر٧ ابن عبد الله، وعبد الله٨ بن أبي أوفى، والبراء٩ بن عازب، وابن عباس١٠، وسلمة١١ بن الأكوع، وأبو ثعلبة١٢ الخشني، وأنس١٣ بن مالك.
فهؤلاء كلهم رووا حديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية وصرحوا بأن ذلك النهي كان في غزوة خيبر، وقد روى الحديث غيرهم أيضًا من الصحابة١٤.
_________________
(١) ١ عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري، ثقة له أوهام، مات سنة أربع وعشرين ومائتين: خ، د. تقريب: ٢٦٢. ٢ المعجم الكبير ٧/٥٤ - ٥٥. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٨. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٥. ٥ صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٤. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٦، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٢. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢١٩، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٦ - ٣٧. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٢٠، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٦ - ٢٧. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٢٦، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٩ - ٣١. ١٠ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٢٧، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٢. ١١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩٦، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٣. ١٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٥٢٧، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٢٣. ١٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٩٨ - ٤١٩٩، وفي صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح: ٣٤ - ٣٥. ١٤ انظر مرويات غزوة خيبر لعوض الشهري ص٢٣٠.
[ ٢١٥ ]
الفصل الثاني: تحلل النبي ﷺ وأصحابة من الإحرام
المبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق وذكر مادار بينهم
المبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق، وذكر ما دار بينهم:
كان من جملة الشروط التي أملتها قريش وأصرت عليها، أن يرجع المسلمون عامهم ذلك ولا يصلوا إلى البيت.
وبعد أن وقع الاتفاق على الصلح، ومن ضمنه هذا الشرط قام رسول الله ﷺ وأصحابه فنحروا هديهم، وكانوا قد ساقوه معهم من المدينة وحلقوا وقصر بعضهم فدعا رسول الله ﷺ لمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة:
(١٣١) قال البخاري: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك"١.
وأخرجه البغوي٢ من طريق محمود به بهذا اللفظ.
وأخرجه أحمد من حديث المسور ومروان ونص على أنه كان في الحديبية:
قال حدثنا عبد الرزاق به عن المسور ومروان قالا: قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره من ذي الحليفة وأحرم منها بالعمرة، وحلق بالحديبية في عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١١. ٢ شرح السنة ٧/٢٨٥. ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٧.
[ ٢١٦ ]
وقد أشار إلى أمر النبي ﷺ لأصحابه بذلك وما دار بينهم حديث المسور ومروان الطويل: فقد جاء فيه من طريق معمر ما نصه:
"فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعى حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا"١.
وأخرجه من طريق ابن إسحاق٢ بنحوه.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق بنحوه وزاد فيه: "فلما رأى الناس أنه قد فعل ذلك قاموا ففعلوا فنحروا وحلق بعضهم وقصر بعض، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للمحلقين، فقيل: يا رسول الله والمقصرين، فقال رسول الله ﷺ: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثًا، قيل: يا رسول الله وللمقصرين، فقال: وللمقصرين "٣.
هذه الزيادة عند البيهقي، قد رواها عدد من الصحابة رضوان الله عليهم:
١ - فقد وردت من حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد:
(١٣٢) قال: حدثنا عبد الرزاق٤ أنا معمر٥ عن أيوب٦ عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال يوم الحديبية: "اللهم اغفر للمحلقين، فقال رجل: والمقصرين، فقال: اللهم اغفر للمحلقين، فقال: وللمقصرين، حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا ثم قال: وللمقصرين"٧.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٢ المسند ٤/٣٢٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٣ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٤. ٤ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير، عمى في آخر عمره، فتغير وكان يتشيع، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وله خمس وثمانون: ع. تقريب: ٢١٣. ٥ معمر بن راشد. ٦ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون - أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون: ع. تقريب: ٤١. ٧ مسند أحمد ٢/٣٤، ١٥١.
[ ٢١٧ ]
سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيح.
٢ - ومن حديث ابن عباس ﵄ عند الإمام أحمد وغيره:
(١٣٣) قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد١ قال: قال محمد - يعني ابن إسحاق -: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ: "يرحم الله المحلقين"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "يرحم الله المحلقين"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "يرحم الله المحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "والمقصرين"، قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ قال: "لم يشكوا"، قال: فانصرف رسول الله ﷺ"٢.
وأخرجه أبو يعلى٣ من طريق يزيد بن هارون به فذكره بمثله إلا أن عنده: "ظاهرت لهم بالترحم" ولم يقل في آخره "فانصرف ".
وأخرجه الطحاوي٤ من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن إدريس كلاهما عن ابن إسحاق به مثله.
وأخرجه من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن ابن جريج عن مجاهد قال: قلت لابن عباس لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة، قال: لأنهم لم يشكوا".
هذا الإسناد حسن؛ لأن مداره على ابن إسحاق وقد صرح بالسماع لكن الحديث صحيح لشواهده، من حديث ابن عمر السابق وحديث جابر الآتي وغيرهما:
٣- وقد أخرجه الطحاوي من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
_________________
(١) ١ يزيد بن هارون. ٢ مسند أحمد ١/٣٥٣. ٣ مسند أبي يعلى /٣/ لوحة: ٢٧١. ٤ شرح معاني الآثار ٢/٢٥٥ - ٢٥٦، مشكل الآثار ٢/١٤٤.
[ ٢١٨ ]
(١٣٤) قال: حدثنا عبيد١ بن رجال ثنا محمد٢ بن يوسف ثنا أبو قرة٣ موسى بن طارق عن زمعة٤ بن صالح عن زياد٥ بن سعد عن أبي الزبير٦ أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "حلق رسول الله ﷺ يوم الحديبية وحلق ناس كثير من أصحابه حين رأوه حلق، وأمسك آخرون، فقالوا: والله ما طفنا بالبيت فقصروا، فقال رسول الله ﷺ: يرحم الله المحلقين، فقال رجال: والمقصرين يا رسول الله، فقال ﷺ: يرحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: والمقصرين"٧.
وأخرجه الطبراني٨ عن مفضل٩ ثنا علي بن زياد اللحجي، قال ذكر زمعة به نحوه وفيه اختصارٌ من آخره.
هذا الحديث حسن لشواهده من حديث ابن عمر وابن عباس السابقين لأن في سنده زمعة بن صالح ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، لكن قال ابن معين مرة:
_________________
(١) ١ عبيد بن رجال المصري، أحد مشايخ الطحاوي الذين روى عنهم وكتب وحدث، ذكره ابن يونس في علماء مصر وقال: عبيد بن محمد بن موسى البزار المؤذن يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الرجال، مولى لقريش، يروي عن زيد بن بشر، توفي في شوال يوم الأربعاء لعشر خلون منه سنة أربع وثمانين ومائتين. مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، لوحة: ٣٣٣، كشف الأستار: ٧١. ٢ محمد بن يوسف الزبيدي - بفتح الزاي وكسر الموحدة أبو حمه بضم المهملة وفتح الميم الخفيفة - صاحب أبي قرة صدوق، مات في حدود الأربعين ومائتين: د. تقريب: ٣٢٥، وهناك محمد بن يوسف الزيادي، ذكر ابن حجر أن ابن عساكر أفرده عن الزبيدي، ثم قال ابن حجر: ويظهر أنه هو - يعني الزبيدي - وكلاهما يروي عن أبي قرة. ٣ موسى بن طارق اليماني أبو قرة - بضم القاف - الزبيدي - بفتح الزاي - القاضي، ثقة يغرب، من التاسعة: س. تقريب: ٣٥١. ٤ زمعة بسكون الميم - ابن صالح الجندي - بفتح الجيم والنون - اليماني نزيل مكة أبو وهب ضعيف وحديثه عند مسلم مقرون، من السادسة: م، ق، ت، س، ق. تقريب: ١٠٨، وقد وقع في مشكل الآثار «ربيعة» ولم أجد ترجمته بهذا الاسم بعد البحث الطويل، ثم تبين لي أنه محرف عن (زمعة)، كما ورد في سند الطبراني وفي ترجمة شيخه وتلميذه في تهذيب المزي. والحمد لله. ٥ زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة كان أثبت أصحاب الزهري، من السادسة: ع. تقريب: ١١٠. ٦ هو: محمد بن مسلم بن تدرس. ٧ مشكل الآثار ٢/١٢٤. ٨ مجمع البحرين ٢/ لوحة: ١٥٢. ٩ مفضل بن محمد بن إبراهيم بن مفضل بن عامر بن شراحيل الجندي الشعبي صاحب أبي حمه، نقل الحاكم عن أبي علي الحافظ أنه قال: ما كان إلا ثقة مأمونًا، وقال ابن حجر: روى عنه أحمد بن جعفر المقري اليماني وأبو القاسم الطبراني وأبو حاتم بن حبان، وابن عدي وابن المقري، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثمائة بمكة. لسان الميزان ٦/٨٢.
[ ٢١٩ ]
صويلح الحديث، وقال عمر بن علي: هو جائز الحديث مع الضعف الذي فيه، وقال ابن عدي: ربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به١.
وأخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بسياق آخر:
(١٣٥) قال: حدثنا هشام٢ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم٣ الأنصاري عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية، إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة٤.
وأخرجه٥ ابن سعد من طريق هشام الدستوائي به فذكره بمثله.
وأخرجه الطحاوي من طريق علي٦ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به، ولفظه: أن رسول الله ﷺ عام الحديبية حلق، وحلق أصحابه غير رجلين من الأنصار ورجل من قريش٧.
وأخرجه من طريق الأوزاعي٨ عن يحيى بن أبي كثير به ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر يوم الحديبية للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة٩.
وأخرجه البيهقي من طريق هشام الدستوائي عن يحيى به، ولفظه: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية غير رجلين قصرا ولم يحلقا١٠.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٣/٣٣٨. ٢ هشام بن أبي عبد الله - سنبر - بمهملة ثم نون ثم موحدة - وزن جعفر - أبو بكر البصري الدستوائي - بفتح الدال وسكون السين المهملتين، وفتح المثناة ثم مد - ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة: ع. تقريب: ٣٦٤. ٣ أبو إبراهيم الأشهلي المدني مقبول من الثالثة، قيل إنه عبد الله بن أبي قتادة، ولا يصح: ت، س. تقريب: ٣٩٢، وفي تهذيب التهذيب ١٢/٢، وروى عن أبي سعيد حديث: "اللهم اغفر للمحلقين ". ٤ مسند أبي داود: ٢٩٥. ٥ الطبقات الكبرى ٢/١٠٤. ٦ علي بن المبارك الهنائي - بضم الها وتخفيف النون ممدود - ثقة، كان له عن ابن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار السابعة: ع. تقريب: ٢٤٨. ٧ مشكل الآثار ٢/١٤٦، شرح معاني الآثار ٢/٢٥٦. ٨ هو: عبد الرحمن بن عمرو. ٩ مشكل الآثار ٢/١٤٦، شرح معاني الآثار ٢/٢٥٦. ١٠ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٤.
[ ٢٢٠ ]
هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، لأن مدراه على أبي إبراهيم، وقال عنه أبو حاتم: لا يدرى من هو؟ ١.
ورمز له ابن حجر بـ "مقبول" ويعني بعد المتابعة لأنه من المرتبة السادسة، التي يقول فيها: "من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة لفظ "مقبول" حيث يتابع وإلا فلين الحديث٢، قلت: ولم يتابع على هذا الحديث إلا رواية الأوزاعي عند الطحاوي، وعجز رواية هشام عند أبي داود، فهي ثابتة من حديث ابن عمر وابن عباس السابقين، والله أعلم.
وهناك أحاديث أخرى أشارت أيضًا إلى تحلل النبي ﷺ وأصحابه - في الحديبية - بالنحر والحلق، فقد أشار إلى ذلك حديث ابن عباس ﵄:
(١٣٦) قال البخاري: حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا"٣.
ذكر ابن حجر أنه رأى الحديث في جميع النسخ بلفظ: "فقال ابن عباس". قال: وهو يقتضي سبق كلام يعقبه قوله: "فقال ابن عباس" ثم ذكر أنه وجده في "كتاب الصحابة" لابن السكن كاملًا ولفظه: "قال حدثني هارون بن عيسى حدثنا الصنعاني هو محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم، فقال: قال رسول الله
ﷺ من عرج أو كسر أو حبس، فليجزئ مثله وهو في حل. "قال فحدثت أبا هريرة، فقال: صدق، وحدثته ابن عباس فقال: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عامًا قابلًا"، قال ابن حجر: "فعرف بهذا السياق القدر الذي حذفه البخاري من هذا الحديث، والسبب في حذفه أن الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري إلى أن
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل ٤/٢/٣٣٢. ٢ تقريب التهذيب: ١٠. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨٠٩.
[ ٢٢١ ]
قال: فاقتصر البخاري على ما هو من شرط كتابه مع أن الذي حذفه ليس بعيدًا من الصحة، فإن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك، وإلا فالواسطة بينهم وهو - عبد الله بن رافع - ثقة وإن كان البخاري لم يخرج له١ ا. هـ
وقد أشار إلى ذلك أيضًا حديث ابن عمر ﵄:
(١٣٧) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر ﵄ ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، وإنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا مع النبي ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هديه وحلق رأسه وأشهدكم أني أوجبت العمرة إن شاء الله، فأنطلِقُ فإن خلي بيني وبين البيت طفت، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ، وأنا معه فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فلم يحل منهما حتى دخل يوم النحر وأهدى، وكان يقول: لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة٢.
ومن هذا الوجه أخرجه النسائي٣ والبيهقي٤ بنحوه.
وهذه الرواية تفيد أن نافعًا لم يشهد القصة، وإنما أخبره بذلك عبد الله وسالم ابنا عبد الله بن عمر، لكن رواية موسى بن إسماعيل عن جويرية أفادت أنّ نافعًا قد شهد القصة ونصها:
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع أن بعض بني عبد الله قال: لو أقمت العام فإني أخاف ألا تصل إلى البيت، قال: "خرجنا مع النبي ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هداياه وحلق وقصر أصحابه، وقال أشهدكم أني قد أوجبت عمرة "٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٤/٧. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨٠٧. ٣ سنن النسائي ٥/١٩٨، مع شرح السيوطي وحاشية السندي. ٤ السنن الكبرى ٥/٢١٦. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر ١٨٠٨، كتاب المغازي: ٤١٨٥.
[ ٢٢٢ ]
وقد أخرجه البخاري أيضًا من طرق أخرى غير طريق جويرية وكلها تفيد شهود نافع للقصة.
فأخرجه من طريق١ أيوب عن نافع أن ابن عمر ﵄ دخل ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال، فيصدوك عن البيت فلو أقمت فقال: خرج رسول الله ﷺ فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبين البيت، أفعل كما فعل رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
وأخرجه من طريقه٢ أيضًا بلفظ: قال عبد الله بن عبد الله بن عمر لأبيه: "أقم فإني لا آمن أن تصد عن البيت " الحديث بنحوه.
ومن طريق أيوب أخرجه مسلم٣ وأحمد٤ بنحوه.
وأخرجه البخاري من طريق٥ الليث عن نافع أن ابن عمر ﵄ أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ.
وأخرجه من طريق الليث مسلم٦ والنسائي٧ بنحوه.
وأخرجه البخاري من طريق٨ موسى بن عقبة عن نافع قال: "أراد ابن عمر ﵄ الحج عام حجة الحَروريَّة٩ في عهد ابن الزبير ﵄ فقيل
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٣٩. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٩٣. ٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨٣. ٤ مسند أحمد ٢/٤. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٦٤٠. ٦ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨٢. ٧ سنن النسائي ٥/١٥٨، مع شرحه السيوطي وحاشية السندي. ٨ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٧٠٨. ٩ ذكر ابن حجر أن بين هذه الرواية وبين رواية جويرية «ليالي نزل الحجاج بابن الزبير» تغاير، قال: لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمى ابن الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين وذلك في آخر آيام ابن الزبير، إما أن يحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج وأتباعه حرورية لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحق، وإما أن يحمل على تعدد القصة. فتح الباري ٣/٥٥٠
[ ٢٢٣ ]
له: إن الناس كائن بينهم قتال ".
وأخرجه من طريق١ مالك عن نافع: "أن عبد الله بن عمر ﵄ حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة قال: "إن صُددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ".
وأخرجه مالك٢ ومسلم٣ بنحوه، وأحمد٤ مختصرًا.
وأخرجه البخاري من طريق٥ عمر بن محمد العمري قال: وحدث نافع أن عبد الله٦ وسالمًا كلما عبد الله بن عمر ﵄ فقال: "خرجنا مع النبي ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه".
وأخرجه البيهقي٧ من هذا الطريق بنحوه وزاد "ثم رجع".
وأخرجه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع أنه أهلّ وقال: "إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ حين حالت كفار قريش بينه، وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٨.
وأخرجه مسلم٩ من هذا الطريق بأطول من هذا اللفظ.
وأخرجه أحمد١٠ من طريق عبيد الله بن عمر وعبد العزيز بن أبي رَوّاد كلاهما عن نافع بأطول منه.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨٠٦ - ١٨١٣، كتاب المغازي: ٤١٨٣. ٢ الموطأ، كتاب الحج: ١٠٠. ٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨٠. ٤ مسند أحمد ٢/٦٣. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المحصر: ١٨١٢. ٦ جاء في هذه الرواية عبد الله - بالتكبير - وفي رواية جويرية السابقة عبيد الله - بالتصغير - وذكر البيهقي أن عبد الله أصح. السنن الكبرى ٥/٢١٦. لكن ابن حجر قال: ليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلم أباه في ذلك، ولعل نافعًا حضر كلام عبد الله - المكبر - مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيد الله - المصغر - مع أخيه سالمًا، أيضًا بل أخبراه بذلك، فقص عن كل ما انتهى إليه علمه. فتح الباري ٤/٥. قلت: وهو توجيه حسن. والله أعلم. ٧ السنن الكبرى ٥/٢١٦. ٨ صحيح البخاري مع الفتح: ٤١٨٤. ٩ صحيح مسلم، كتاب الحج: ١٨١. ١٠ مسند أحمد ٢/١٥١.
[ ٢٢٤ ]
سبق أن رأينا أن أول رواية عن نافع لهذا الحديث - وهي رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية - تفيد أن نافعًا لم يشهد القصة، وإنما سمعها من ابني عبد الله بن عمر. وبقية الروايات عن نافع تفيد أنه شهد القصة وقد وجه ذلك ابن حجر فقال: والذي يترجح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلما به أباهما وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام، وأما بقية القصة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول وعلى تقدير أن يكون نافعًا لم يسمع شيئًا فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله بن عمر: سالم وعبد الله، وهما ثقتان لا مطعن فيهما" ١.
ثم ذكر أنه لم ينبه على ذلك أحد من شرّاح البخاري قبله.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٤/٥.
[ ٢٢٥ ]
المبحث الثاني: عدد الهدي الذي نحره المسلمون في عمرة الحديبية:
نحر النبي ﷺ وأصحابه في هذه العمرة سبعين بدنة، فقد ورد التصريح بذلك في حديث جابر، وحديث أنس بن مالك، وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم التالية:
(١٣٨) قال الدارمي: أخبرنا يعلى١ ثنا سفيان٢ عن أبي الزبير٣ عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة، فقال رسول الله ﷺ: "اشتركوا في الهدي"٤.
وأخرجه ابن حبان٥ من طريق عبد الرحمن٦ بن مهدي عن سفيان به، فذكر نحوه
_________________
(١) ١ يعلى بن عبيد بن أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، مات سنة بضع ومائتين وله تسعون سنة: ع. تقريب: ٣٨٧. ٢ هو: سفيان بن سعيد الثوري. ٣ هو: محمد بن مسلم بن تدرس. ٤ سنن الدارمي ٢/٧٨. ٥ موارد الظمآن: ٢٤٣. ٦ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين: ع. تقريب: ٢١٠.
[ ٢٢٥ ]
خرجه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن مهدي ويعلى بن عبيد ويحيى بن آدم كلهم عن سفيان به١.
وأخرجه ابن سعد٢ عن محمد٣ بن عبد الله الأسدي عن سفيان به، فذكره بنحوه.
وأخرجه أحمد من طريق أبي الزبير بسياق آخر:
(١٣٩) قال: حدثنا سليمان٤ بن داود ثنا عبد الرحمن٥ بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر: فذكر قصة بيعة العقبة ثم قصة بيعة الحديبية، وقال: نحرنا يومئذ سبعين من البدن لكل سبعة جزور"٦.
وأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر ﵁:
قال: حدثنا أبو معاوية٧، ثنا الأعمش٨ عن أبي سفيان٩ عن جابر قال: ساق رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعين بدنة، قال فنحر البدنة عن سبعة١٠.
وأخرجه ابن سعد١١ عن أبي معاوية الضرير ومحمد١٢ بن عبيد، كلاهما عن الأعمش به فذكر نحوه، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: "وكنا يومئذ ألفًا وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى".
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني ٢/٢٤٤. ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣. ٣ محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ثلاث ومائتين: ع. تقريب: ٣٠٤. ٤ سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبو أيوب البغدادي الهاشمي الفقيه ثقة جليل قال أحمد بن حنبل: يصلح للخلافة، مات سنة تسع عشرة ومائتين: عخ الأربعة. تقريب: ١٣٣ ٥ عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، مولى قريش، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا، ولي خراج المدينة فحمد، مات سنة أربع وسبعين ومائة وله أربع وسبعون سنة: خت، م، الأربعة: تقريب: ٢٠١. ٦ مسند أحمد ٣/٣٩٦. ٧ محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير الكوفي، ثقة عمي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره، مات سنة خمس وتسعين ومائة وله اثنتان وثمانون، وقد رمي بالإرجاء: ع. تقريب: ٢٩٥. ٨ هو: سليمان بن مهران. ٩ هو: طلحة بن نافع. ١٠ مسند أحمد ٣/٣١٦. ١١ الطبقات الكبرى ٢/١٠٢. ١٢ محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، الكوفي ثقة يحفظ، مات سنة أربع ومائتين: ع. تقريب: ٣١٠.
[ ٢٢٦ ]
وأخرجه أحمد أيضًا من طريق سليمان بن قيس اليشكري عن جابر ﵁:
قال: حدثنا عفان١ حدثنا أبو عوانة٢ حدثنا أبو بشر٣ عن سلميان٤ بن قيس عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة"٥.
وأخرجه ابن سعد٦ عن عفان به فذكره بمثله.
وأخرجه٧ عبد بن حميد عن أبي الوليد٨ عن أبي عوانة به فذكره بمثله.
حديث جابر هذا حسن بمجموع طرقه.
فطريق أبي الزبير عند الدارمي فيه يعلى بن عبيد قال ابن حجر: حديثه عن سفيان الثوري فيه لين، وتابعه محمد بن عبد الله الأسدي عند ابن سعد، ويقول ابن حجر فيه أيضًا: قد يخطئ في حديثه عن سفيان لكن تابعهما عبد الرحمن بن مهدي عند ابن حبان وهو ثقة ثبت.
وفي هذا السند أيضًا لم يصرح أبو الزبير بالسماع من جابر، وهو مدلس٩، ولكن تابعه في الطريق الثاني عند أحمد وابن سعد وأبو سفيان عن جابر. وأبو سفيان أيضًا لم يصرح بالسماع وهو مدلس١٠، لكن روايته تجبر رواية أبي الزبير، وتدل على أن للحديث أصلًا.
_________________
(١) ١ عفان بن مسلم الباهلي. ٢ وضاح - بتشديد المعجمة ثم مهملة - ابن عبد الله اليشكري - بالمعجمة - الواسطي البزار أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومائة: ع. تقريب: ٣٦٩. ٣ جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وحشية - بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية - ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، مات سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٥٥. ٤ سليمان بن قيس اليشكري - بفتح التحتانية بعدها معجمة - البصري ثقة، مات قديمًا قبل الثمانين: ت، ق. تقريب: ١٣٥. ٥ مسند أحمد ٣/٣٥٣، ٣٦٤. ٦ الطبقات الكبرة ٢/١٠٣. ٧ مسند عبد بن حميد ٢/ لوحة: ١٤٢. ٨ هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري ثقة ثبت، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون: ع. تقريب: ٣٦٤. ٩ انظر: جامع التحصيل: ١٢٦، ١٣٠، وطبقات المدلسين لابن حجر: ٣٢. ١٠ انظر: جامع التحصيل: ١٣٠، طبقات المدلسين لابن حجر: ٢٣، ٢٨.
[ ٢٢٧ ]
قال ابن حجر: "ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس، صار حديثهما حسنًا لا لذاته، بل بالمجموع"١.
أما طريق سليمان بن قيس اليشكري عند أحمد، فهو منقطع، لأن أبا بشر لم يسمع من سليمان، قاله البخاري٢.
ويشهد لحديث جابر أيضًا حديث أنس بن مالك عند ابن سعد:
(١٤٠) قال ابن سعد: أخبرنا محمد٣ بن عبد الله الأنصاري أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة عن كل سبعة بدنة٤.
هذا الحديث في سنده ابن أبي عروبة٥ وقتادة٦ لم يصرح واحد منهما بالسماع، وهما مدلسان لكن كل منهما في هذا الإسناد ثبت فيمن يروي عنه.
فابن أبي عروبة يروي عن قتادة وهو من أثبت أصحاب قتادة فيه، قاله٧ ابن أبي خيثمة، وأبو حاتم، وأبو رزعة، وكذلك قتادة قال: أبو حاتم٨ أثبت أصحاب أنس الزهري ثم قتادة.
ويشهد له حديث جابر السابق، فالحديث حسن إن شاء الله.
وتحديد الهدي بسبعمائة جاء أيضًا في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق عند أحمد وغيره:
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد
_________________
(١) ١ نخبة الفكر ص: ٥١ - ٥٢ مع نزهة النظر. ٢ التاريخ الكبير ٢/٢/٣١، تهذيب التهذيب ٤/٢١٤. ٣ محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، مات سنة خمس عشرة ومائتين: ع. تقريب: ٣٠٦. ٤ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣. ٥ انظر: جامع التحصيل: ١٢١، طبقات المدلسين لابن حجر: ٢١. ٦ انظر: جامع التحصيل: ١٢٤، ١٣٠، وطبقات المدلسين لابن حجر: ٣١. ٧ تهذيب التهذيب ٤/٦٣ - ٦٤. ٨ م، السابق ٨/٣٥٥.
[ ٢٢٨ ]
بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور١ بن مخرمة ومروان٢ بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة "٣.
وأخرجه الدارقطني من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به مختصرًا ولفظه: "أن النبي ﷺ ساق يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعمائة رجل"٤.
وأخرجه البيهقي٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني الزهري به، فذكره بمثل لفظ أحمد.
سند هذا الحديث حسن فقد صرح ابن إسحاق بالسماع من الزهري في رواية البيهقي، وتقدم الكلام على الحديث.
ويلاحظ أن ابن إسحاق قال: "وكان الناس سبعمائة رجل" وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح عن عدد أصحاب الحديبية، وتقدم الكلام٦ عنه فليراجع.
وقال ابن إسحاق أيضًا: "فكانت كل بدنة عن عشرة"، وهذا مغاير لما تقدم "في حديث جابر وأنس من أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن سبعة، ويؤيد ما في حديث جابر وأنس ما ورد عند مسلم عن جابر:
(١٤١) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مالك ح وحدثنا يحيى بن يحيى (واللفظ له) قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" ٧.
_________________
(١) ١ المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد المناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين: ع. تقريب: ٣٣٧. ٢ مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا يثبت له صحبة: خ، الأربعة. تقريب: ٣٣٢. ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤ وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٤ سنن الدارقطني ٢/٢٤٣. ٥ السنن الكبرى ٥/٢٣٥. ٦ انظر ص: ٨٧ وما بعدها. ٧ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٣٥٠.
[ ٢٢٩ ]
وهو في الموطأ١ بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو داود٢ عن القعنبي عن مالك به مثله.
وأخرجه الترمذي٣ عن قتيبة عن مالك به مثله.
وأخرجه ابن ماجه٤ من طريق عبد الرزاق عن مالك به مثله.
وأخرجه أحمد٥ عن عبد الرزاق وروح كلاهما عن مالك به مثله.
وأخرجه ابن سعد٦ عن إسحاق بن عيسى عن مالك به مثله.
وأخرجه البيهقي٧ من طريق قتيبة عن مالك به مثله.
فهذا الحديث في مسلم وغيره وقد نص على أن الصحابة رضوان الله عليهم في الحديبية نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وكذلك حديث جابر وأنس السابقان ورد فيهما أنهم نحروا البدنة عن سبعة والتعارض بين هذه الأحاديث وما في حديث ابن إسحاق ظاهر، وابن إسحاق قد تفرد بذكر البدنة عن عشرة.
قال البيهقي٨: "وأما ما في حديث الزهري عن عروة فإن محمد بن إسحاق بن يسار تفرد بذكر البدنة عن عشرة فيه".
وقد ذكر البيهقي رواية معلقة عن سفيان تفيد أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن عشرة، أوردها بصيغة التمريض: قال: "وقد روي عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: "نحرنا يوم الحديبية البدنة عن عشرة"٩.
ثم تعقبها بقوله: "ولا أحسبه إلا وهمًا، فقد رواه الفريابي عن الثوري وقال: البدنة عن سبعة"١٠.
_________________
(١) ١ موطأ مالك، كتاب الضحايا: ٩. ٢ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الضحايا: ٢٨٠٩. ٣ سنن الترمذي، كتاب الأضاحي: ١٥٠٢. ٤ سنن ابن ماجه، كتاب الأضاحي: ٣١٣٢. ٥ مسند أحمد ٣/٢٩٣. ٦ الطبقات الكبرى: ٢/١٠٣. ٧ السنن الكبرى ٥/٢١٦. ٨ السنن الكبرى ٥/٢٣٦. ٩ السنن الكبرى ٥/٢٣٦. ١٠ السنن الكبرى ٥/٢٣٦.
[ ٢٣٠ ]
قلت: نعم، المحفوظ من رواية سفيان "البدنة عن سبعة" فقد أخرجها الدارمي١ عن يعلى بن عبيد وابن حبان٢ من طريق ابن مهدي، وابن سعد٣ عن محمد بن عبد الأسدي، كلهم عن سفيان، وفيها "البدنة عن سبعة"٤.
وقد حاول ابن خزيمة التوفيق بين حديث جابر ورواية ابن إسحاق من حديث المسور ومروان حيث قال: فقول جابر: "اشتركنا في الجزور سبعة وفي البقرة سبعة" يريد بعض أهل الحديبية، وخبر المسور ومروان: "اشترك عشرة في بدنة" أي سبعمائة وهم نصف أهل الحديبية لا كلهم"٥.
قلت: هذا الجمع يتجه لو كان الهدي الذي ساقوه في غزوة الحديبية أكثر من سبعين بدنة، لكن نصت رواية ابن إسحاق هذه وحديث جابر وحديث أنس السابقان على أن النبي ﷺ إنما ساق سبعين بدنة فقط، وأما ما ورد في حديث سلمة بن الأكوع: "أن النبي ﷺ نحر في الحديبية مائة بدنة"٦ فهو ضعيف.
والتحقيق: أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا بالحديبية البدنة عن سبعة، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، أما رواية ابن إسحاق فهي شاذة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي ٢/٧٨. ٢ موارد الظمآن: ٢٤٣. ٣ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣. ٤ انظر حديث رقم (١٣٨) . ٥ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٩١. ٦ انظر حديث سلمة بن الأكوع برقم (٣٣) .
[ ٢٣١ ]
المبحث الثالث: قصة جمل أبي جهل:
وكان في جملة ما نحر النبي ﷺ في هديه - يوم الحديبية - جمل لأبي جهل كان من غنائم بدر:
(١٤٢) قال أبو داود: حدثنا النفيلي١ حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد
_________________
(١) ١ عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل - بنون وفاء مصغرًا - أبو جعفر النفيلي الحراني ثقة، حافظ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين: خ، الأربعة. تقريب: ١٨٨.
[ ٢٣١ ]
بن إسحاق ح، وحدثنا محمد١ بن المنهال، حدثنا يزيد٢ بن زريع عن ابن إسحاق - المَعْنى - قال: عبد الله - يعني ابن أبي نجيح - حدثني مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله٣ ﷺ جملًا كان لأبي جهل في رأسه برة٤ من فضة، قال ابن المنهال: بُرة من ذهب، زاد النفيلي: يغيض بذلك المشركين٥.
وأخرجه ابن خزيمة عن ابن إسحاق من طريقين صرح في أحدهما بالسماع من ابن أبي نجيح:
قال ابن خزيمة: ثنا الفضل٦ بن يعقوب الجزري ثنا عبد الأعلى٧ عن محمد بن عبد الله بن أبي نجيح به، ولفظه: أهدى رسول الله ﷺ جمل أبي جهل في هديه عام الحديبية وفي رأسه برة من فضة، كان أبو جهل أسلمه يوم بدر٨.
وقال: حدثنا محمد٩ بن عيسى نا سلمة١٠ قال محمد: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح به فذكر نحوه، إلا أنه لم يذكر أنه أسلمه يوم بدر، وزاد "ليغيظ المشركين بذلك"١١.
وأخرجه الحاكم١٢ من طريق عياش بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح به فذكر نحوه.
_________________
(١) ١ محمد بن المنهال الضرير أبو عبد الله أو أبو جعفر البصري التميمي، ثقة حافظ، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين: خ، م، د، ت. تقريب: ٣٢٠. ٢ يزيد بن زريع - بتقديم الزاي مصغرًا - البصري أبو معاوية ثقة ثبت، مات سنة اثنتين ومائة: ع. تقريب: ٣٨٢. ٣ قال صاحب عون المعبود: «كان حقه أن يقول: في هداياه، فوضع المظهر موضع المضمر» ٢/٧٩. ٤ البرة: حلقة تجعل في أنف البعير. النهاية ١/١٢٢. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٧٤٩. ٦ الفضل بن يعقوب البصري، المعروف بالجزري - بجيم وزاي وراء - صدوق مات سنة ست وخمسين ومائتين: د، ق. تقريب: ٢٧٦. ٧ هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي. ٨ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٨٦. ٩ محمد بن عيسى بن زياد الدامغاني أبو الحسن نزيل الري، مقبول من العاشرة: س. تقريب: ٣١٤. ١٠ هو: سلمة بن الفضل الأبرش. ١١ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٨٧. ١٢ المستدرك ١/٤٦٧.
[ ٢٣٢ ]
وأخرجه أحمد١ من طريق ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح فذكر نحوه.
وأخرجه ابن جرير٢ من طريق سلمة عن ابن إسحاق به نحوه.
وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به، فذكر نحوه وزاد: وعليه خشاش من ذهب، وهي الزمام، قال: وذلك أن الزمام يكون في اللحم، والخشاش يكون في العظم، وما فعل ذلك إلا ليغيظ به قريشًا٣.
وأخرجه أحمد من طريق جرير بن حازم عن ابن أبي نجيح:
قال: حدثنا حسين٤ ثنا جرير٥ بن حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أهدى في بدنه بعيرًا كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة"٦.
قال الحاكم بعد أن ساقه من طريق ابن إسحاق: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٧.
قلت: نعم هذا الحديث صحيح دون قوله: "برة من ذهب" فقد صرح ابن إسحاق بالسماع في سند ابن خزيمة والحاكم، وقد تابع ابن إسحاق في ابن أبي نجيح جرير بن حازم عند أحمد في سند رجاله ثقات.
وأخرج أحمد هذا الحديث من طريق مقسم عن ابن عباس:
_________________
(١) ١ المسند ١/٢٦١. ٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٨١. ٣ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٥. ٤ الحسين بن محمد بن بهرام التميمي أبو أحمد، أو أبو علي المروذي - بتشديد الواو وبذال معجمة - نزيل بغداد، ثقة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين أو بعدها بسنة أو سنتين: ع. تقريب: ٧٥، وهناك الحسين بن الوليد القرشي النيسابوري، روى عن جرير، وروى عنه أحمد وهو ثقة أيضًا. تهذيب التهذيب ٢/٣٧٤. وإنما أثبت ذاك لأن أحمد صرح باسم أبيه قبل هذا الحديث وبعده. ٥ جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه مات سنة سبعين ومائة بعدما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه: ع. تقريب: ٥٤. ٦ مسند أحمد ١/٢٧٣. ٧ المستدرك ١/٤٦٧.
[ ٢٣٣ ]
(١٤٣) قال حدثنا وكيع ثنا سفيان١ عن ابن أبي ليلى٢ عن الحكم٣ عن مقسم٤ عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أهدى في بدنه جملًا كان لأبي جهل برته من فضة"٥.
وأخرجه ابن ماجه٦ من طريق وكيع به مثله.
وأخرجه أحمد عن مؤمل عن سفيان به بلفظ: "أهدى رسول الله ﷺ مائة بدنة فيها جمل أحمر لأبي جهل، في أنفه برة من فضة"٧.
وأخرجه الطبراني من طريق أبي نعيم٨ وأبي عاصم٩، كلاهما عن سفيان به فذكره بمثله١٠ دون قوله: "أحمر".
وأخرجه أحمد من طريق زهير بن محمد عن ابن أبي ليلى بسياق آخر في حديث:
(١٤٤) قال: حدثنا يحيى١١ بن آدم ثنا زهير١٢ عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: نحر رسول الله ﷺ في الحج
_________________
(١) ١ هو: سفيان الثوري. ٢ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، الكوفي القاضي، أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدًا، مات سنة ثمان وأربعين بعد المائة: الأربعة. تقريب:٣٠٨. ٣ الحكم بن عتيبة - بالمثناة ثم موحدة مصغرًا - أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، مات سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها وله نيف وستون: ع. تقريب: ٨٠. ٤ مقسم - بكسر أوله - ابن بجره - بضم الموحدة وسكون الجيم - ويقال: نجده - بفتح النون وبدال - أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، صدوق وكان يرسل، مات سنة إحدى ومائة، وما له في البخاري سوى حديث واحد: خ، الأربعة. تقريب: ٣٤٦. ٥ مسند أحمد ١/٢٣٤. ٦ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣١٠٠. ٧ مسند أحمد ١/٢٦٩. ٨ هو: الفضل بن دكين الكوفي، واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولاهم الأحول، أبو نعيم الملائي - بضم الميم - مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة ثمان عشرة وقيل تسع عشرة ومائتين: ع. تقريب: ٢٧٥. ٩ هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني. ١٠ المعجم الكبير ١١/٣٧٨. ١١ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكريا مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، مات سنة ثلاث ومائتين: ع. تقريب: ٣٧٣. ١٢ زهير بن محمد التميمي أبو المنذر الخراساني، سكن الشام ثم الحجاز، رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه، مات سنة اثنتين وستين ومائة: ع. تقريب: ١٠٨.
[ ٢٣٤ ]
مائة بدنة، نحر بيده منها ستين، وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر، فأكل منها وحسا من مرقها، ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها١.
وأخرجه البيهقي٢ من طريق زهير بن محمد به فذكره مختصرًا ابتدأ من قوله: " نحر يوم الحديبية " الخ.
هذا السند ضعيف فمداره على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال عنه الإمام أحمد: "مضطرب الحديث"، وقال يحيى القطان: "سيئ الحفظ جدًا"، وقال شعبة: "ما رأيت أسوأ من حفظه"، وقال يحيى بن معين: "ليس بذاك"، وقال الدارقطني: "رديء الحفظ كثير الوهم"٣، وقال الذهبي٤: "صدوق سيئ الحفظ"، والإسناد مع ذلك منقطع فالحكم بن عتيبة لم يسمع الحديث من مقسم، قال يحيى القطان وشعبة وأحمد وغيرهم: "أحاديث الحكم عن مقسم كتاب إلا خمسة أحاديث"، قال يحيى القطان هي: "حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزيمة الطلاق، وجزاء الصيد، وإتيان الحائض"٥.
قلت: فالحديث الذي نحن بصدده ليس من الخمسة التي سمعها الحكم من مقسم، وأيضًا فالمتن الوارد بهذا الإسناد فيه اضطراب يشعر بسوء حفظ ابن أبي ليلى، كما قال الأئمة: "فقد جاء في إحدى روايات سفيان عنه: "أن رسول الله ﷺ أهدى مائة بدنة" بينما في رواية زهير بن محمد عنه: "أن رسول الله ﷺ نحر يوم الحديبية سبعين بدنة".
وعند ابن ماجه من رواية أخرى لسفيان عن ابن أبي ليلى فيها أن جمل أبي جهل كان مع الهدي الذي ساقه النبي ﷺ في حجته:
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/٣١٤. ٢ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٤. ٣ انظر: ميزان الاعتدال ٣/٦١٤، تهذيب التهذيب ٩/٣٠١ - ٣٠٣. ٤ ميزان الاعتدال ٣/٦١٣. ٥ سير أعلام النبلاء ٥/٢١٠، تهذيب التهذيب ٢/٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ٢٣٥ ]
(١٤٥) قال ابن ماجه: حدثنا القاسم١ بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله٢ بن داود ثنا سفيان قال: "حج رسول الله ﷺ ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر من المدينة وقرن مع حجته عمرة، واجتمع ما جاء به النبي ﷺ وما جاء به عليٌّ مائة بدنة، منها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فنحر النبي ﷺ بيده ثلاثًا وستين، ونحر علي ما غبر.
قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس٣.
وهذا الحديث ضعيف وإن كان قد تابع ابن أبي ليلى فيه محمد بن جعفر عن أبيه عن جابر.
فقد أخرجه الترمذي٤ من طريق سفيان عن جعفر به، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب، ثم قال: وسألت محمدًا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ورأيته لم يعد هذا محفوظًا، وقال إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلًا٥.
_________________
(١) ١ القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، أبو محمد البصري، نزيل بغداد ثقة من الحادية عشرة: ق. ٢٨٠. ٢ عبد الله بن داود بن عامر الهمداني، أبو عبد الرحمن الخُرَيبي - بمعجمة وموحدة مصغرًا - كوفي الأصل ثقة عابد، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري: خ، الأربعة. تقريب: ١٧٢. ٣ سنن ابن ماجه، كتاب المناسك: ٣٠٧٦. ٤ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٨١٥. ٥ سنن الترمذي ٣/١٧٠.
[ ٢٣٦ ]
المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم
المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدي في الحل أو في الحرم؟
صرحت بعض الروايات بأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا الهدي بالحديبية، لكن الحديبية منها ما هو في الحل، ومنها ما هو من الحرم، وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل، وأفادت بعض الروايات أيضًا أنه ﷺ نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه، وقد جاء في حديث ناجية ﵁ أن رسول الله ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم، وسوف أسرد النصوص مرتبة على هذا النحو، مع مناقشتها وبيان ما ترجح لي في ذلك إن شاء الله٠
[ ٢٣٦ ]
قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية "١.
وقال مسلم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾، مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا"٢.
وأخرجه البيهقي من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ثم ذكر الحديث وفيه: "وأصحاب محمد ﷺ قد خالطوا الحزن والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم "٣.
وقد جاء في حديث المسور أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل:
(١٤٦) قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود٤، حدثنا سفيان٥ بن بشر الكوفي، قال: حدثنا يحيى٦ بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: "أن رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم"٧.
وهذا الحديث حسن رجال سنده ثقات غير سفيان بن بشر ترجم له العيني ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكن صحح له ابن الجوزي حديثًا تفرد بوصله وقال: ما علمنا أحدًا طعن في سفيان بن بشر٨، وفي السند أيضًا ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ١٧٠١، وتقدم برقم (٨) . ٢ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٧، وسيأتي تخريجه حديث رقم (١٥٥) . ٣ السنن الكبرى ٥/٢١٧. ٤ هو: أبو إسحاق بن أبي داود سليمان بن داود البُرلُّسي، الأسدي، وعنه أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي، وكان حافظًا ثقة، مات بمصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ويعرف بابن أبي داود. وذكره ابن يونس وقال: كان ثقة من حفاظ الحديث. معجم البلدان ١/٤٠٢. ٥ سفيان بن بشر الكوفي، ابن أيمن بن غالب الأسدي، أبو الحسن الكوفي عن شريك وعنه ابن أبي داود، قال ابن يونس في الغرباء قدم مصر وحدث بها، وتوفي بمصر في شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين. مباني الأخبار، لوحة: ٢٢٣. ٦ يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني - بسكون المهملة - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة: ع. تقريب: ٣٧٥. ٧ شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢. ٨ التعليق المغني على الدارقطني ٢/١٩٤، مع سنن الدارقطني.
[ ٢٣٧ ]
ولكن ورد هذا اللفظ في حديث المسور ومروان الطويل عند الإمام أحمد١ والبيهقي، وصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ونصه: "وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم" ٢.
وقد ورد عن عطاء أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحرم:
(١٤٧) ففي مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة٣ عن عطاء: "أن منزل النبي ﷺ يوم الحديبية في الحرم"٤.
لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يقوى على معارضة الحديث السابق.
وإذا تقرر أن النبي ﷺ كان نازلًا في الحل، فقد ورد في بعض النصوص أنه نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه:
جاء في حديث أنس السابق من طريق الحكم بن عبد الملك عند البيهقي "أن أصحاب رسول الله ﷺ ذبحوا هديهم في أمكنتهم".
وهذا يقيد ما أطلق من طريق ابن أبي عروبة، فيكون المقصود بالحديبية منزل النبي ﷺ منها وهو في الحل، والله أعلم.
ويدل لذلك أيضًا أثر مجاهد عند البيهقي:
(١٤٨) قال: حدثنا أبو عبد الله٥ الحافظ وأبو بكر أحمد٦ بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد٧ بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن عمر٨ بن ذر عن مجاهد قال: "اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة منها العمرة التي صد فيها الهدي، فراسل رسول الله ﷺ أهل مكة فصالحوه على
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٢٦. ٢ السنن الكبرى ٥/٢١٥. ٣ هو: حماد بن سلمة. ٤ الجوهر النقي ٥/٢١٧ مع السنن الكبرى للبيهقي. ٥ هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري. ٦ أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن إسحاق الصنعاني، روى عنه أحمد بن الفرج بن الحجاج، وذكر ابن الثلاج أنه سمع منه في سنة خمس وعشرين وثلثمائة. تاريخ بغداد ٤/٩٠. ٧ محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم أبو العباس الأصم، وكان يكره أن يقال له الأصم، قال الحاكم وهو محدث عصره بلا مدافعة، وقال: حدث في الإسلام ستًا وسبعين سنة، لم يختلف في صدقه وصحة سماعه ووصفه الذهبي بالإمام المفيد الثقة محدث المشرق. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠. ٨ عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني - بالسكون - المرهبي، أبو ذر الكوفي ثقة، رمي بالإرجاء، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك: خ، د، ت، س، فق، التقريب: ٢٥٣.
[ ٢٣٨ ]
أن يرجع عنهم في عامه ذلك، قال: فنحر رسول الله ﷺ الهدي بالحديبية، حيث حلّ عند الشجرة وانصرف١.
وهذا الأثر مرسل، لكن يشهد له الحديث السابق.
وقد أشار إلى أن رسول الله ﷺ نحر الهدي في الحل، أثر مجمع بن يعقوب عن أبيه عن ابن سعد:
(١٤٩) قال: حدثنا إسماعيل٢ بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع ابن يعقوب عن أبيه٣ أنه قال: لما صدر٤ رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث الله ريحًا عاصفًا٥ فاحتملت أشعارهم فألفتها في الحرم٦.
هذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لأنه مرسل، فوالد مجمع بن يعقوب يحكي قصة في زمن النبي ﷺ لم يشهدها ولم يذكر من حدثه بها، لكن تشهد لهذا الأثر في المعنى الروايات السابقة، فمضمونها أن النبي ﷺ نحر هديه في المكان الذي نزل فيه، وكان منزله في الحل على الصحيح، والله أعلم.
وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أن النبي ﷺ نحر في الحل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، والحرم كله محله عند أهل العلم٧.
وقد أخرج النسائي حديثًا لناجية بن جندب يفيد أن النبي ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم.
(١٥٠) قال: أخبرنا أحمد٨ بن سليمان قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال:
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٥/٣١٧. ٢ إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبي أويس أخطأ في أحاديث من حفظه، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، م، د، ت، ق. تقريب: ٣٤. ٣ هو: يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، مقبول من الرابعة. د. تقريب: ٣٨٧، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين. الثقات ٧/٦٤٢. ٤ صدر: الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده. النهاية ٣/١٥. ٥ ريح عاصف: شديد الهبوب. النهاية ٣/٢٤٨. ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٤. ٧ الأم ٢/١٥٩. ٨ أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، ثقة حافظ، مات سنة إحدى وستين ومائتين: س. تقريب: ١٣.
[ ٢٣٩ ]
أنا إسرائيل١ عن مجزأة٢ قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي أنه أتى النبي ﷺ حين صد الهدي فقال: يا رسول الله ابعث به معي فأنا أنحره في الحرم، قال: وكيف؟ قال: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، قال: فدفعه رسول الله ﷺ إليه فانطلق به حتى نحره في الحرم٣.
وأخرجه أبو نعيم٤ من طريق عمرو بن محمد العنقري عن إسرائيل به نحوه.
وأخرجه الطحاوي من طريق مخول٥ بن راشد به قال: أتيت النبي ﷺ حين صد الهدي فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلأنحره في الحرم، قال: وكيف تأخذ به؟ قلت: آخذ به في أودية لا يقدرون علي فيها، فبعثه معي حتى نحرته في الحرم٦.
سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيحين، ما عدا شيخ النسائي أحمد بن سليمان وقال عنه ابن حجر: ثقة حافظ.
وهذا الحديث يشهد للروايات السابقة من وجه ويخالفها من وجه:
فمفهوم الحديث يفيد أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل، وهذا يؤيد الروايات السابقة، ومنطوق الحديث يفيد أنهم نحروا الهدي في الحرم، وهذا يخالف الروايات السابقة ظاهرًا، لكن يجمع بينها بأن الرسول ﷺ بعث مع ناجية بعض الهدي لا كله، وظاهر كلام٧ ابن حجر على هذا الجمع ويؤيده أيضًا ما روي عن جابر أن النبي ﷺ بعث من هديه بعشرين بدنة، عند المروة مع رجل من أسلم٨.
_________________
(١) ١ هو: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. ٢ مجزأة - بفتح أوله وسكون الجيم وفتح الزاي بعدها همزة مفتوحة - ابن زاهر الأسلمي الكوفي ثقة، من الرابعة: خ، م، س. تقريب: ٣٢٩. ٣ السنن الكبرى للنسائي، لوحة: ٥٤. ٤ معرفة الصحابة ٢/ لوحة: ٢٢٤. ٥ مخول - بوزن محمد - وقيل بكسر أوله وتخفيف الواو - ابن راشد أبو راشد بن أبي مجالد النهدي الكوفي الحناط - بمهملة ونون - ثقة، نسب إلى التشيع، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ٣٣١. ٦ شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢. ٧ فتح الباري ٤/١١. ٨ ذكره الواقدي، المغازي ٢/٦١٥، وذكره الزرقاني وعزاه لابن سعد دون إسناد، شرح الزرقاني على المواهب ٢/٢٠٩، ولم أجده في طبقات ابن سعد.
[ ٢٤٠ ]
الفصل الثالث: أحداث وقعت للمسلمين في طريقهم للمدينة
المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح
المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح:
كانت مدة إقامة المسلمين بالحديبية بضعة عشر يومًا، ويقال عشرين ليلة على قول الواقدي١ وابن سعد٢.
وعن ابن عائذ: "أن رسول الله ﷺ أقام في غزوته هذه شهرًا ونصفًا"٣.
والذي يبدو: أن الواقدي وابن سعد أرادا تحديد مدة إقامته ﷺ في الحديبية، أما ابن عائذ فقصد الزمن الذي استغرقته غيبة النبي ﷺ منذ خروجه من المدينة إلى عودته إليها، والله أعلم.
وبعد أن تحلل المسلمون من عمرتهم تلك، قفلوا راجعين إلى المدينة، فلما كان من الليل عدلوا عن الطريق للنوم ووكلوا بلالًا بحراستهم، فنام بلال ولم يوقظهم إلا حر الشمس، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁:
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٦١٦. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٩٨. ٣ نقله ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/١٢٣، ونقله الزرقاني، شرح الزرقاني على المواهب ٢/٢١٠.
[ ٢٤١ ]
(١٥١) قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جامع١ بن شداد سمعت عبد الرحمن٢ بن أبي علقمة سمعت عبد الله٣ بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فقال رسول الله ﷺ: "من يكلؤنا"٤؟ فقال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون"، قال: ففعلنا، قال: "فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي"٥.
وبنحو هذا اللفظ أخرجه أحمد٦ عن يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي شيبة٧ عن غندر، وابن جرير٨ من طريق أبي بحر٩ عبد الرحمن بن عثمان، وابن عبد البر١٠ من طريق محمد بن جعفر غندر، كلهم عن شعبة به.
وأخرجه النسائي بأطول من هذا:
قال: أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار عن محمد١١ قال: ثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فذكر أنهم نزلوا دهاسًا من الأرض - يعني بالدهاس الرمل - فقال رسول الله ﷺ: "من يكلؤنا"، فقال بلال: أنا يا رسول الله، قال: "إذًا ننام" فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ ناس فيهم فلان وفلان
_________________
(١) ١ جامع بن شداد المحاربي، أبو صخرة الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة سبع، ويقال سنة ثمان وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٥٣. ٢ عبد الرحمن بن أبي علقمة أو ابن علقمة، يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين: د، س. تقريب: ٢٠٧. ٣ عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة وفاء - بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة وأمّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين أو في التي بعدها بالمدينة: ع. تقريب: ١٨٩. ٤ يكلؤنا: يحرسنا، الكلاءة الحفظ والحراسة. النهاية ٤/١٩٤. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الصلاة: ٤٤٧. ٦ مسند أحمد ١/٣٨٦. ٧ المصنف ٢/٦٤. ٨ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩. ٩ عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، أبو بجر البكراوي ضعيف، مات سنة خمس وتسعين ومائة: د، ق. تقريب: ٢٠٦. ١٠ التمهيد ٥/٢٥٢. ١١ هو: ابن جعفر غندر.
[ ٢٤٢ ]
وفيهم عمر، واستيقظ النبي ﷺ فقال: "افعلوا ما كنتم تفعلون" ففعلنا قال: "كذلك فافعلوا لمن نام أو نسي": قال: فضلت ناقة رسول الله ﷺ فطلبتها فوجدت حبلها قد تعلق بشجرة فجئت بها فركب فسرنا.
وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي اشتد ذلك عليه، وعرفنا ذلك فيه فتنحى منتبذًا١ خلفنا فجعل يغطي رأسه ويشتد عليه حتى عرفنا أنه قد أنزل عليه، فأتانا وأخبرنا أنه إنما أنزل عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٢.
وأخرجه أحمد٣، وابن أبي شيبة٤ كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة به.
وأخرجه البزار٥ عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر به، كلهم لنحو لفظ النسائي.
سند هذا الحديث صحيح، رجاله رجال الصحيحين ما عدا عبد الرحمن بن أبي علقمة، ولم يطعن فيه أحد٦، وقد ذكره ابن حبان٧ في ثقات التابعين، وقال الهيثمي٨ عن الحديث: رجاله موثقون، وابن أبي علقمة من جملتهم، وقال الألباني٩ عن الحديث: إسناده صحيح.
وقد أخرج النسائي وغيره الحديث من طريق المسعودي عن جامع ابن شداد بسياق آخر:
(١٥٢) قال النسائي: أخبرنا سويد١٠ بن نصر قال: أنا عبد الله١١ عن
_________________
(١) ١ منتبذًا: متنحيًا، والانتباذ: التنحي. ترتيب القاموس ٤/٣١١. ٢ السنن الكبرى، لوحة: ١١٩. ٣ مسند أحمد ١/٤٦٤. ٤ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦. ٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ١/٢٠٢. ٦ انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٢/٢/٢٧٣، تهذيب الكمال ٢/ لوحة: ٨٠٥، تهذيب التهذيب ٦/٢٣٣. ٧ الثقات ٥/١٠٦. ٨ مجمع الزوائد ١/٣١٩. ٩ إرواء الغليل ١/٢٩٣. ١٠ سويد بن نصر بن سويد المروزي، أبو الفضل، لقبه الشاه راوية ابن المبارك ثقة، مات سنة أربعين ومائتين: ت، س. تقريب: ١٤١. ١١ هو: عبد الله بن المبارك.
[ ٢٤٣ ]
المسعودي١ عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال عبد الله: لما رجع النبي ﷺ زمان الحديبية قال: "من يحرسنا الليلة" قال عبد الله: أنا، قال: "إنك تنام" ثم قال رسول الله ﷺ "من يحرسنا الليلة"؟ قال: وسكت القوم، فقلت: أنا، قال: "فأنت إذًا" قال: فحرستهم حتى إذا كان في وجه الصبح أدركني ما قال رسول الله ﷺ فنمت، فما استيقظت إلا بحرِّ الشمس على أكتافنا، فقام رسول الله فصنع كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ: "لو شاء الله ألا تناموا عنها لم تناموا عنها، ولكن أراد أن تكون سنة لمن بعدكم لمن نام أو نسي"٢.
وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن المسعودي به، فذكر نحو هذا اللفظ وزاد: "قال: ثم إن ناقة رسول الله ﷺ وإبل القوم تفرقت، فخرج الناس في طلبها، فجاؤوا بإبلهم إلا ناقة رسول الله ﷺ، فقال عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ: "خذها هنا"، فأخذت حيث قال لي فوجدت زمامها قد التوى على شجرة ما كانت لتحلها إلاّ يد، قال: فجئت بها النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيًا لقد وجدت زمامها ملتويًا على شجرة ما كانت لتحلها إلا يد، قال: ونزلت على رسول الله ﷺ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.
وساق أبو داود الطيالسي حديث شعبة والمسعودي معًا.
قال: حدثنا شعبة والمسعودي عن جامع بن شداد به، قال: وحديث المسعودي أحسن، قال: كنا مع رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية فعرسنا٤ فقال: "من يحرسنا لصلاتنا"، وقال شبعة: "من يكلؤنا" قال بلال: أنا، قال المسعودي في حديثه: "إنك تنام"، ثم قال: "من يحرسنا لصلاتنا"، فقال ابن مسعود قلت: أنا، فقال رسول الله ﷺ: "إنك تنام"، قال: فحرستهم "٥ الحديث بسياق المسعودي.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، صدوق اختلط قبل موته، ضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، مات سنة ستين، وقيل: خمس وستين ومائة: خت، الأربعة. تقريب: ٢٠٥. ٢ السنن الكبرى، لوحة: ١١٩. ٣ مسند أحمد ١/٣٩١. ٤ فعرسنا: من التعريس: وهو نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية ٣/٢٠٦. ٥ مسند أبي داود: ٤٩ - ٥٠.
[ ٢٤٤ ]
وأخرجه البيهقي١ من طريق أبي داود به مثله.
وأخرجه من طريق يونس بن بكير عن المسعودي به، قال فيه: لما أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية جعلت ناقته تثقل فتقدمنا فأنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فأدركنا رسول الله ﷺ وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنها أنزلت عليه فبينما نحن ذات ليلة إذ عرسنا، فقال رسول الله ﷺ: "من يحرسنا"؟ فقلت: أنا يا رسول الله "٢ الحديث.
وأورد الهيثمي رواية المسعودي هذه ثم قال: وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط في آخر عمره٣.
قلت: وقد قال عنه الذهبي سيء الحفظ٤، وقد خالف في روايته فذكر أن الذي قام بحراسة المسلمين تلك الليلة عبد الله بن مسعود، والمحفوظ عن جامع بن شداد ما رواه شعبة أن الذي قام بحراسة المسلمين تلك الليلة إنما هو بلال، أما ما في رواية المسعودي فهو شاذ؛ لأنه خالف من هو أوثق منه، والله أعلم.
وقد أخرج البيهقي الحديث من طريق زافر بن سليمان٥ عن شعبة به، وذكر أن القصة كانت في غزوة تبوك٦.
وقد شذ زافر بن سليمان بذلك، والمحفوظ عن شعبة ما سبق من رواية الثقات مثل يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر وغيرهم أن ذلك كان في غزوة الحديبية، أما زافر بن سليمان فقد قال عنه ابن حبان: كثير الغلط واسع الوهم، على صدق فيه٧، وقال ابن حجر: صدوق كثير الأوهام ا. هـ
فلعل هذا من أوهامه، والله أعلم.
وقد وردت أحاديث أخرى تفيد أن قصة نومهم عن صلاة الصبح وقعت في غير
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٢/٢١٨. ٢ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٦. ٣ مجمع الزوائد ١/٣١٩. ٤ ميزان الاعتدال ٢/٥٧٤. ٥ زافر: بالفاء ابن سليمان الإيادي أبو سليمان القهستاني - بضم القاف والهاء وسكون المهملة - سكن الري ثم بغداد وولي قضاء سجستان، صدوق كثير الأوهام من التاسعة: ت، ق. تقريب: ١٠٥. ٦ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٦. ٧ ميزان الاعتدال ٢/٦٣ - ٦٤.
[ ٢٤٥ ]
الحديبية أيضًا: منها حديث أبي هريرة عند مسلم١ أنها وقعت للمسلمين عند رجوعهم من خيبر، ومنها مرسل زيد بن أسلم عند مالك٢ أنها وقعت لهم بطريق مكة.
ومنها مرسل عطاء بن يسار٣ أنها كانت في غزوة تبوك.
وقد حاول بعض العلماء التوفيق بين هذه النصوص:
فذهب ابن عبد البر إلى أن القصة واحدة، وأن الصحيح وقوعها في غزوة خيبر. ثم حمل بعض النصوص عليها وضعف البعض الآخر، فبعد أن ذكر مرسل زيد بن أسلم قال: وقد جاء معناه متصلًا مسندًا من وجوه صحاح ثابتة في نومه ﷺ عن صلاة الصبح في سفره، روى ذلك جماعة من الصحابة وأظنها قصة لم تعرض له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار، والله أعلم.
إلا أن بعضها فيه: مرجعه من خيبر، كذا قال ابن شهاب عن سعيد بن المسيب في حديثه هذا، وهو أقوى ما يروى في ذلك، وهو الصحيح إن شاء الله، وقول زيد بن أسلم في حديثه هذا بطريق مكة ليس بمخالف لأن طريق خيبر وطريق مكة من المدينة يشبه أن يكون واحدًا، وربما جعلته القوافل واحدًا، وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل، وليس مما يعارض ابن شهاب، وفي حديث ابن مسعود "من يوقظنا، فقلت: أنا أوقظكم" وليس في ذلك دليل على أنها غير قصة بلال لأنه لم يقل له: أيقظنا، ويحتمل أنه لا يجيبه إلى ذلك، ويأمر بلالًا، وقال ابن مسعود في هذا الحديث: زمن الحديبية - وهو زمن واحد في عام واحد لأنه منصرفه من الحديبية مضى إلى خيبر في عامه ففتحها الله عليه" ٤ اهـ. هكذا قال ابن عبد البر - ﵀ - وقد نقل ابن حجر ﵀ بعض كلامه هذا - في محاولة الجمع - ثم قال: ولا يخفى ما فيه من تكلف ورواية عد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه٥ ا. هـ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: ٣٠٩. ٢ الموطأ، كتاب وقوت الصلاة: ٢٦. ٣ ذكره ابن عبد البر، التمهيد ٥/٢٠٦، وابن حجر، فتح الباري ١/٤٤٨، وهو في مصنف عبد الرزاق ١/٥٨٨، وليس فيه تصريح أنها في غزوة تبوك فلعل ابن عبد البر، وابن حجر وقفا على نسخة غير التي بين أيدينا. ٤ التمهيد ٥/٢٠٤ - ٢٠٦. ٥ فتح الباري ١/٤٤٩.
[ ٢٤٦ ]
قلت: يعني ابن حجر برواية عبد الرزاق مرسل عطاء بن يسار١، لكنه لا يرد على ابن عبد البر؛ لأنه قد ضعفه حيث قال: وقد قال عطاء بن يسار أنها كانت في غزوة تبوك، وهذا لا يصح والآثار الصحاح على خلاف قوله مسندة ثابتة، وقوله مرسل٢.
لكن محاولة ابن عبد البر لتوحيد القصة، غير مجدية فإن كان قد أعل حديث زيد بن أسلم وحديث عطاء بن يسار بالإرسال، فإن حديث ابن مسعود صحيح لا يمكن رده بحال، وقد صرح فيه بأن الحادثة وقعت أثناء رجوعه من غزوة الحديبية، والحديبية تقع جنوب المدينة قريب من مكة، فالقادم منها إلى المدينة يتجه شمالًا، بينما تقع خيبر شمال المدينة فالقادم منها إلى المدينة يتجه جنوبًا فلا يمكن أن يكون طريقهما من المدينة أو إلى المدينة واحدًا، وما ذكره ابن عبد البر ﵀ بعيدٌ جدًا وعذره في ذلك أنه لا يعرف تلك الأماكن، لأنه لم يخرج عن الأندلس كما قال الحميدي٣.
وقد جنح ابن القيم - فيما يفهم من صنيعه - إلى كون الحادثة وقعت مرة واحدة، وترجيح كونها في خيبر: فبعد أن ذكر قصة نومهم عن الصلاة في غزوة خيبر قال: وروي أن هذه القصة كانت مرجعهم من الحديبية، وروي أنها كانت مرجعهم من غزوة تبوك " اهـ٤.
هكذا حكى قصة الحديبية وتبوك بصيغة التمريض، ثم عاد مرة أخرى فذكر حديث ابن مسعود في قصة نومهم عن الصلاة في الحديبية ثم أعله بالاضطراب، فبعد أن ذكره من طريق شعبة قال: لكن اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن جامع: إن الحارس فيها كان ابن مسعود، وقال غندر عنه: إن الحارس كان بلالًا، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سليمان عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحديبية، فدل على وهم وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة من ذلك، وبالله التوفيق٥.
_________________
(١) ١ صرح بذلك في المصدر السابق ص ٢٨٦. ٢ التمهيد ٥/٢٠٦. ٣ جذوة المقتبس ٣٦٧. ٤ زاد المعاد ٣/٣٥٦. ٥ زاد المعاد ٣/٣٥٦.
[ ٢٤٧ ]
قلت: ما حكاه ابن القيم عن ابن مهدي والمعتمر بن سليمان وجعله سببًا في اضطراب الحديث لم يسنده ابن القيم ولم يعزه لأحد ممن سبقه، ولم أرَ أحدًا - بعد بحث طويل - سوى ابن القيم يذكر أن ابن مهدي أو المعتمر بن سليمان قد روى هذا الحديث عن شعبة، وكذلك لم يذكر أحد ممن رواه عن شعبة أن ابن مسعود حرسهم تلك الليلة، ولم يرد أيضًا عن شعبة أن القصة وقعت في غزوة تبوك إلا من رواية زافر بن سليمان عنه، وقد بينا شذوذه في ذلك.
والمحفوظ عن شعبة هو ما رواه الثقات وهم محمد بن جعفر غندر، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، فهؤلاء كلهم رووا عنه أن الحادثة وقعت عند رجوع المسلمين من غزوة الحديبية، وأن الذي حرسهم تلك الليلة هو بلال، وعلى هذا فإن ثبت ما ذكره ابن القيم عن ابن مهدي والمعتمر يكون من قبيل الشاذ، ولا يعل به الحديث، والله أعلم.
والتحقيق: أن ما ورد من اختلاف بين حديث ابن مسعود في قصة الحديبية، وغيره محمول على تعدد القصة، كما رجح ذلك النووي١ وجنح إليه ابن كثير٢ والزرقاني٣، وابن حجر٤، بل قال السيوطي: "ولا يجمع إلا بتعدد القصة"٥.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم ٥/١٨١ - ١٨٢. ٢ البداية والنهاية ٤/٢١٣. ٣ شرح الزرقاني على الموطأ ١/٤٧. ٤ فتح الباري ١/٤٤٩. ٥ تنوير الحوالك ١/٣٣.
[ ٢٤٨ ]
المبحث الثاني: نزول سورة الفتح:
انصرف المسلمون من الحديبية وفي نفوسهم ما فيها بسبب صد قريش لهم عن البيت، وقد علم الله ذلك منهم - وهو العليم بالسر وأخفى - فأنزل على رسوله ﷺ سورة الفتح يبشرهم فيها بأنهم لم يخسروا سفرتهم تلك، وأن ذلك الصلح كان فتحًا، وأنهم قد انقلبوا بمغفرة من الله ورضوان، وذلك أسمى ما تصبو إليه نفوسهم، فيالها من بشارة!
(١٥٣) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره - وعمر بن الخطاب يسير
[ ٢٤٨ ]
معه ليلًا - فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ، ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر بن الخطاب: "ثكلتك أمك يا عمر، نزرت١ رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك"، قال عمر: "فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت٢ أن سمعت صارخًا يصرخ بي" قال: "فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، وجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه" فقال: "لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.٤
وأخرجه من طريق محمد٥ بن مسلمة القعنبي وإسماعيل٦ بن أبي أويس كلاهما عن مالك به مثله وتكرر عندهما لفظ: "ثم سأله فلم يجبه" مرتين.
هذا الحديث ظاهره الإرسال، وهو مما انتقده الدارقطني على البخاري، وقد أجاب عنه ابن حجر فقال: "بل ظاهر رواية البخاري الوصل، فإن أوله وإن كان صورته صورة المرسل فإن بعده ما يصرح بأن الحديث لأسلم عن عمر ففيه بعد" قوله: "فسأله عمر عن شيء فلم يجبه"، فقال عمر: "نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك"، قال عمر: "فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، وساق الحديث على هذه الصورة حاكيًا لمعظم القصة عن عمر فكيف يكون مرسلًا، هذا من العجب٧، والله أعلم.
قلت: وقد جاء الحديث من طرق أخرى لغير البخاري يصرح فيها أسلم بأخذه هذا الحديث عن عمر: فأخرجه الترمذي من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك به، وفيه: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره " ٨.
_________________
(١) ١ نزرت: ألححت عليه. النهاية ٥/٤٠. ٢ نشبت: أي لبثت. النهاية ٥/٥٢. ٣ سورة الفتح الآية: ١. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٧. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٨٣٣. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٥٠١٢. ٧ هدي الساري ٣/٣٧. ٨ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٢٦٢.
[ ٢٤٩ ]
وأخرجه البزار١ من طريق ابن عثمة به، قال فيه: "سمعت عمر"، وذكره.
وأخرجه٢ من طريق عبد الرحمن بن غزوان به، وقال فيه: "عن عمر" وذكر الحديث.
ثم قال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك ولا رواه عن مالك إلا محمد بن خالد بن عثمة، وعبد الرحمن بن غزوان"٣ اهـ.
وابن غزوان هذا يكنى بأبي نوح وقد روى عنه أحمد هذا الحديث متصلًا.
قال: ثنا أبو نوح عن مالك به قال فيه٤: عن عمر بن الخطاب ﵁ وذكر نحوه.
وأخرجه ابن عبد البر من طريق محمد بن حرب عن مالك به قال فيه عن عمر أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره "٥ الحديث بنحوه.
ثم قال ابن عبد البر: "وهكذا رواه مسندًا روح بن عبادة ومحمد بن خالد بن عثمة جميعًا أيضًا عن مالك كرواية محمد بن حرب سواء ذكره النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك"٦ اهـ.
وذكر ابن حجر أن الدارقطني أورد في غرائب مالك من طريق ابن غزوان وابن عثمة ويزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب وإسحاق الحنيني، ثم قال ابن حجر: "فهؤلاء خمسة رووه عن مالك بصريح الاتصال"٧ اهـ
قلت: وقد أشار ابن عبد البر - كما سبق - إلى أن روح بن عبادة رواه متصلًا عن مالك، فيصبح الذين رووه عن مالك بصريح الاتصال ستة، والله أعلم.
(١٥٤) قال البخاري: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا؟ فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
_________________
(١) ١ مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢. ٢ مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢. ٣ مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢. ٤ مسند أحمد ١/٣١. ٥ التمهيد ٣/٢٦٤ - ٢٦٥. ٦ التمهيد ٣/٢٦٤ - ٢٦٥. ٧ فتح الباري ٨/٥٨٣.
[ ٢٥٠ ]
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١، قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة ثم رجعت فذكرت له فقال: أما ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ فعن أنس، وأما "هنيئًا مريئًاَ" فعن عكرمة٢.
وأخرجه أبو عوانة من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به، فذكر نحوه وفيه، قال شعبة: فأتيت الكوفة فحدثتهم بهذا الحديث عن قتادة عن أنس فلما رجعنا إلى البصرة سألت عنه قتادة فقال: أما الأول: فتح الحديبية، فهو عن أنس، وأما هذا قول أصحابه: "هنيئًا لك" هذا عن عكرمة٣.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي٤ أيضًا بنحو لفظ أبي عوانة.
وأخرجه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة به، فذكره بمعنى ما سبق وفيه: قال: فظننت أنه كله عن أنس فأتيت الكوفة فحدثت عن قتادة عن أنس ثم رجعت فلقيت قتادة بواسط فإذا هو يقول: أوله عن أنس، وآخره عن عكرمة، قال: فأتيتهم بالكوفة فأخبرتهم بذلك٥.
وأخرجه الخطيب٦ من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي عن حجاج به مثله.
وفي هذا الحديث أدرج قتادة رواية عكرمة في رواية أنس وساقهما مساقًا واحدًا، لكن شعبة بين أخيرًا ما رواه عن أنس وما رواه عن عكرمة من الحديث.
وذكر الخطيب أن أحمد - في روايته عن حجاج - لم يبين رواية قتادة عن أنس من روايته عن عكرمة٧، والواقع أنه قد بين كما سبق، فلعله لم يقف عليها.
وأخرجه الخطيب من طريق أبي معشر الرؤاسي عن شعبة به، وفصل قتادة رواية كل منهما على حدة، ولفظه: "قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية نزلت عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، قال قتادة: عن عكرمة: فقال أصحاب النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية: ٥. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٢. ٣ مسند أبي عوانة ٤/٢٥٠. ٤ السنن الكبرى ٩/٢٢٢، دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٧. ٥ المسند ٣/١٧٣. ٦ المدرج، لوحة: ٦٤ - ٦٥. ٧ المدرج، لوحة: ٦٣.
[ ٢٥١ ]
هنيئًا لك يا رسول الله ما أعطاك الله فما لنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١.
وقد روى الحديث عن قتادة غير شعبة، وأدرج رواية عكرمة في رواية أنس دون تمييز بينهما.
فأخرجه الترمذي من طريق معمر بن راشد عن قتادة عن أنس ﵁ قال: نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٢، مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ: "لقد نزلت علي آية أحب إلى مما على الأرض، ثم قرأها النبي ﷺ عليهم"، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وأخرجه أحمد٤ وابن حبان٥ وابن جرير٦ والخطيب٧ كلهم من طريق معمر به نحوه.
وأخرجه أحمد من طريق همام٨ عن قتادة عن أنس قال: "لما انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية نزلت عليه هذه الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ الحديث.
وأخرجه أبو عوانة من طريق٩ همام به فذكر نحوه.
وأخرجه أبو عوانة أيضًاَ من طريق١٠ شيبان عن قتادة عن أنس بنحوه.
وأخرجه ابن جرير١١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس فذكر نحوه.
_________________
(١) ١ المدرج، لوحة: ٦٥. ٢ سورة الفتح الآية: ٢. ٣ سنن الترمدي، كتاب التفسير: ٣٢٦٣. ٤ مسند أحمد ٣/١٩٧. ٥ موارد الظمآن: ٤٣٦. ٦ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠. ٧ المدرج، لوحة: ٦٣. ٨ مسند أحمد ٣/١٢٢، ١٣٤. ٩ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٧ - ٢٤٨. ١٠ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٧ - ٢٤٨. ١١ تفسير ابن جرير: ٢٦/ ٦٩.
[ ٢٥٢ ]
وأخرجه الخطيب١ من طريق همام وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس فذكره.
وأخرجه من طريق حجاج عن شعبة عن قتادة عن عكرمة وأنس بن مالك فذكره بنحوه٢.
ثم قال الخطيب: "قصة نزول أول هذه السورة حسب عن قتادة عن أنس".
وأما قصة نزول قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾، إلى آخر الآية فهي عن قتادة عن عكرمة لا عن أنس٣ ا. هـ
وقد روى شعبة وغيره عن قتادة حديث أنس بانفراده فأخرجه البخاري من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة به.
(١٥٥) قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: "سمعت قتادة عن أنس ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال الحديبية"٤.
وأخرجه أبو عوانة من طريق غندر٥ وعبد الرحمن٦ بن زياد الرصاصي وأبي النضر٧ هاشم بن القاسم كلهم عن شعبة به نحوه.
وأخرجه الخطيب٨ من طريق الثلاثة المتقدمين ومن طريق عبد الله ابن خيران ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ كلهم عن شعبة به نحوه.
وأخرجه مسلم٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . مرجعه من الحديبية فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا"، وساق سنده إلى سليمان التيمي وهمام وشيبان، وقال: جميعًا عن قتادة عن أنس نحو حديث ابن أبي عروبة.
_________________
(١) ١ المدرج، لوحة: ٦٢ - ٦٣. ٢ المدرج لوحة: ٦٢ - ٦٣. ٣ المدرج لوحة: ٦٢ - ٦٣. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٣٤. ٥ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩. ٦ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩. ٧ مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩. ٨ المدرج لوحة: ٦٣ - ٦٤. ٩ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٦٧.
[ ٢٥٣ ]
وأخرجه أبو عوانة١ وابن جرير٢ والخطيب٣ كلهم من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس نحو حديث سعيد بن أبي عروبة عند مسلم.
وقد أفرد محمد بن جعفر غندر وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة حديث عكرمة:
(١٥٦) فأخرجه ابن جرير٤ والخطيب٥ كلاهما من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال أصحاب رسول الله ﷺ: هنيئًا مريئًا لك يا رسول الله هذا لك فما لنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ .
وأخرجه الخطيب من طريق عبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله هنيئًا لك ما أعطاك ربك، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٦ الآية.
وقد أشار إلى نزول سورة الفتح حديث المسور ومروان:
(١٥٧) قال الحاكم: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي٧ ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل٨ حدثني أبي٩ ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن
_________________
(١) ١ مسند أبي عوانة ٤/٢٧٤. ٢ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩. ٣ المدرج، لوحة: ٦٤ ٤ المدرج، لوحة: ٦٤ ٥ المدرج، لوحة: ٦٤ ٦ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠. ٧ أحمد بن جعفر بن حمدان، أبو بكر القطيعي، صدوق في نفسه، مقبول تغير قليلًا، قال الخطيب: لم نر أحدًا ترك الاحتجاج به، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال ابن الصلاح: اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات، قال الذهبي: وهذا القول غلو وإسراف، وقد كان أبو بكر أسند أهل زمانه، وقال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك، وذكر البرقاني أنه ثقة صدوق لا يشك في سماعه، مات آخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وله خمس وتسعون. ميزان الاعتدال ١/٨٧، وجمع المعلمي أقوال النقاد فيه، ورجح أنه لم يكن منها ما يخدش في الاحتجاج به، التنكيل: ١/١٠١ - ١٠٣. ٨ عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن، ولد الإمام ثقة، مات سنة تسعين ومائتين وله بضع وسبعون: س. تقريب: ١٦٧. ٩ أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي، نزيل بغداد أبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقة حافظ فقيه حجة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين: ع. تقريب: ١٦.
[ ٢٥٤ ]
عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها"١.
وأخرجه البيهقي أيضًا من طريق ابن إسحاق، وصرح فيه بالسماع من الزهري، قال: أخبرنا أبو عبد الله٢ الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة في قصة الحديبية وفيها مدرجًا: "ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعًا، فلما كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح، من أولها إلى آخرها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.
قال الحاكم بعد أن ساق الحديث: "وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
قلت: الحديث صحيح لشواهده؛ لأن مداره على ابن إسحاق وحديثه حسن على الراجح من أقوال أهل العلم٤، والقصة يحكيها المسور ومروان ولم يشهد أحد منهما الحديبية، فالحديث مرسل لكن المسور صحابي ومرسل الصحابي حجة، والله أعلم.
وقد أشار إلى قصة نزول سورة الفتح أيضًا حديث مجمع بن جارية الأنصاري:
(١٥٨) قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى٥ حدثنا مجمع بن يعقوب بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن٦ بن
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/٤٥٩. ٢ هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري. ٣ السنن الكبرى ٩/٢٢٣، دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٣٨. ٤ انظر ص: ٩٧. ٥ محمد بن عيسى بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع البغدادي نزيل أَذَنَه ثقة فقيه كان أعلم الناس بحديث هيثم، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة: خت، د، تم، س، ق. تقريب: ٣١٤. ٦ عبد الرحمن بن يزيد بن جارية - بالجيم والتحتانية - الأنصاري أبو محمد المدني أخو عاصم بن عمر لأمه يقال: ولد في حياة النبي ﷺ، مات سنة ثلاث وتسعين: خ، الأربعة. تقريب: ٢١١، ذكره ابن إسحاق في ثقات التابعين. الثقات ٥/١١٠.
[ ٢٥٥ ]
يزيد الأنصاري عن عمه مجمع١ بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون٢ الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ، فخرجنا مع الناس نوجف، فوجدنا النبي ﷺ واقفًا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح"، فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا٣.
وأخرجه أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به فذكره وفيه: "فإذا الناس ينفرون الأباعر"٤.
وأخرجه ابن أبي شيبة٥ وابن سعد٦ كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن مجمع بن يعقوب به، وفيه: "فإذا الناس يوجفون٧ الأباعر".
وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مجمع به، وفيه: "فإذا الناس يرسمون٨ نحو رسول الله ﷺ "٩.
وأخرجه الحاكم أيضًا١٠ وابن جرير١١ والبيهقي١٢ كلهم من طريق محمد بن عيسى عن مجمع به مثله.
قال الحاكم: بعد أن أورده من طريق محمد بن عيسى: هذا حديث كبير
_________________
(١) ١ مجمع - بضم أوله وفتح الجيم وتشديد المكسورة - ابن جارية - بالجيم - بن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي، مات في خلافة معاوية: د، ت، ق. تقريب: ٣٢٩. ٢ يهزون: ينشطونها ويسرعون بها. النهاية ٥/٢٦٢، ترتيب القاموس ٤/٥٠٨. ٣ سنن أبي دواد مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٣٦. ٤ مسند أحمد ٣/٤٢٠. ٥ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٨. ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥. ٧ يوجفون: يحثونها على السير، أوجف دابته يوجفها إيجافًا: إذا حثها. النهاية٥/١٥٧. ٨ يرسمون: يسرعون، والرسم ضرب من السير سريع يؤثر في الأرض. النهاية ٢/٢٢٤. ٩ المستدرك ٢/٤٥٩. ١٠ المستدرك ٢/١٣١. ١١ تفسير ابن جرير ٢٦/٧١. ١٢ السنن الكبرى ٦/٣٢٥.
[ ٢٥٦ ]
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه١، ووافقه الذهبي٢.
وأخرجه من طريق ابن أبي أويس وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٣، وتعقبه الذهبي فقال: "لم يرو مسلم لمجمع شيئًا ولا لأبيه، وهما ثقتان"٤.
قلت: مجمع بن يعقوب وأبوه تُكِلم فيهما: فمجمع قال عنه الشافعي: شيخ لا يعرف٥، وأبو يعقوب جهّله القطان، نقل ذلك عنه الزيلعي ونص عبارته: "وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف روى عنه غير ابنه مجمع وابنه مجمع ثقة"٦.
قلت: أما مجمع فقول الشافعي فيه غير مُسلَّم، فقد قال المزي في ترجمته: روى عنه إسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن سويد الأنصاري القبائي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد العزيز بن يحيى المدني، وقتيبة بن سعيد ومحمد بن عيسى ومحمد بن معن الغفاري، ويونس بن محمد المؤدب وغيرهم.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس وكذلك قال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة٧ ا. هـ
وقد وثقه القطان كما سبق في معرض كلامه عن أبيه حيث قال: وابنه مجمع ثقة، وقول ابن معين ليس به بأس، يعني ثقة٨، وكذلك وثقه الذهبي كما مر معنا قريبًا، فمن هذه حاله كيف لا يكون معروفًا؟
وأما أبوه يعقوب بن مجمع فسبق أن جهله القطان لكن قال المزي: روى عنه ابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبد العزيز بن عبيد الله ابن حمزة بن صهيب وابنه مجمع بن يعقوب٩.
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/١٣١. ٢ تلخيص الذهبي على المستدرك ٢/١٣١ مع المستدرك. ٣ المستدرك ٢/٤٥٩. ٤ تلخيص الذهبي على المستدرك ٢/٤٥٩. ٥ نقله المنذري، مختصر سنن أبي داود ٤/٥٣. ٦ نصب الراية ٣/٤١٧. ٧ تهذيب الكمال ح٣/ ١٣٠٦. ٨ تاريخ يحيى بن معين ٤/٣٤٦، انظر النص رقم: ٤٨٥٦. ٩ تهذيب الكمال ٣/ لوحة: ١٥٥٤.
[ ٢٥٧ ]
وذكره ابن حبان١ في ثقات أتباع التابعين ووثقه الذهبي، وترجم له في الكاشف وقال وثق٢، ومثل هذا ليس بمجهول، وأيضًا فالحديث له شواهد من الأحاديث السابقة فهو صحيح، كما قال الحاكم، والله أعلم.
_________________
(١) ١ الثقات ٧/٦٤٢. ٢ الكاشف ٣/٢٩٣.
[ ٢٥٨ ]
المبحث الثالث: معجزة النبي صللى الله عليه وسلم في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام
المبحث الثالث: معجزة النبي ﷺ في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام:
تكررت معجزة النبي ﷺ بتكثير الماء في غزوة الحديبية فقد سبق ذكر المعجزة بتكاثر ماء البئر حين وضع فيها سهم النبي ﷺ، والنصوص التالية تفيد أنها قد حصلت للنبي ﷺ معجزة أخرى من هذا النوع، وذلك حيت وضع يده ﷺ في الإناء.
قال البخاري: حدثنا يوسف بن عيسى عن ابن فضيل حدثنا حصين عن سالم عن جابر ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة١ فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: "فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون"، قال: "فشربنا وتوضأنا"، فقلت لجابر: "كم كنتم يومئذ؟ " قال: "لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة"٢.
وأخرجه عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن مسلم عن حصين به فذكر نحوه وفيه: "فجعل الماء يثور من بين أصابعه"٣.
وأخرجه من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: "قد رأيتني مع رسول الله ﷺ وقد حضرتْ صلاة العصر وليس معنا ماء غير فضلة فجعل في إناء فأُتي النبي ﷺ به فأدخل يده فيه، وفرّج بين أصابعه ثم قال: "حي على أهل الوضوء البركة من الله"، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه فتوضأ الناس وشربوا فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه فعلمت أنه بركة".
_________________
(١) ١ الركوة: إناء صغير من جلد، يشرب فيه الماء، والجمع ركاء. النهاية ٢/٢٦١. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٢، وتقدم رقم (٢٨) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب: ٣٥٧٦.
[ ٢٥٨ ]
قلت لجابر: "كم كنتم يومئذ؟ " قال: "ألف١ وأربعمائة" تابعه عمرو بن دينار عن جابر"٢.
وأخرجه أحمد عن طريق عمرو بن مرة وحصين بن عبد الرحمن، كلاهما عن سالم عن جابر قال: "أصابنا عطش بالحديبية، فجهشنا٣ إلى رسول الله ﷺ وبين يديه تور٤ فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيها وقال: "خذوا بسم الله، قال: فجعل الماء يتخلل من بين أصابعه كأنها عيون، فوسعنا وكفانا"، وقال حصين في حديثه: "فشربنا وتوضأنا".
وهذه القصة مغايرة للقصة الأولى كما ذكر ذلك ابن القيم٥ وابن حجر٦ ووجه مغايرتها ظاهر: فالمعجزة في هذه وقعت في ماء كان في إناء، وسببها أن النبي ﷺ وضع يده في الإناء بينما المعجزة في تلك وقعت في البئر عندما وضع فيها سهم النبي ﷺ وصب فيه الماء الذي مج فيه رسول الله ﷺ.
وقد جمع بينهما ابن حجر فقال: "وكأنّ ذلك (أي ما في حديث جابر) كان قبل قصة البئر"٧ اهـ.
والذي يظهر لي: أن هذه القصة وقعت بعد قصة البئر أثناء رجوع المسلمين للمدينة لما يلي:
ورد في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم أن قصة تكثير الماء الذي في الإناء وقعت عقب معجزة النبي ﷺ في تكثير الطعام:
(١٥٩) قال حدثني أحمد بن يوسف الأزدي، حدثنا النضر (يعني ابن محمد اليمامي) حدثنا عكرمة (هو ابن عمار) حدثنا إياس بن سلمة عن أبيه قال: خرجنا
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "كذا لسهم بالرفع، والتقدير نحن يومئذ ألف وأربعمائة، ويجوز النصب على خبر كان". فتح الباري ١٠/١٠٢. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأشربة: ٥٦٣٩. ٣ الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان، ويلجأ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كأن يفزع الصبي إلى أمه. يقال: جهشت وأجهشت. النهاية ١/٣٢٢. ٤ تور: إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه. النهاية ١/١٩٩. ٥ زاد المعاد ٣/٢٩٨. ٦ فتح الباري ٥/٣٣٧. ٧ فتح الباري ٥/٣٣٧.
[ ٢٥٩ ]
مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا١، فأمر النبي ﷺ فجمعنا مزاودنا٢ فبسطنا له نطعًا٣ فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره٤ كم هو؟ فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا ثم حشونا جربنا٥ فقال نبي الله ﷺ "فهل من وضوء؟ " قال: "فجاء رجل بإداوة٦ له فيها نطفة فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا ندغفقه٧ دغفقة أربع عشرة مائة".
قال: "ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: "هل من طهور؟ " فقال رسول الله ﷺ: "فرغ الوضوء" ٨.
فهذا الحديث قد أفاد أن قصة تكثير الماء الذي في الإناء وقعت عقب معجزته ﷺ في تكثير الطعام.
وقد صرح حديث ابن عباس بأن حادثة تكثير الطعام كانت عند رجوع المسلمين من الحديبية:
(١٦٠) قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين٩ بن الفضل قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب١٠ قال: حدثنا القاسم١١ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس١٢ قال حدثنا إسماعيل١٣ بن إبراهيم بن عقبة ح.
_________________
(١) ١ ظهرنا: أي إبلنا، فالظهر الإبل التي يحمل عليها وتركب. النهاية ٣/١٦٦. ٢ المزاود: جمع مزود كمنبر، وعاء الزاد. ترتيب القاموس ٢/٤٩٠. ٣ النطع: بالكسر وبالفتح وبالتحريك وكعنب: من الأديم جمعه أنطاع. ترتيب القاموس ٤/٣٩١. ٤ لأحزره من الحزر وهو التقدير والخرص، ترتيب القاموس ١/٦٣١. ٥ جربنا جمع جراب: وهو المزود أو الوعاء. ترتيب القاموس ١/٤٦٦. ٦ الإداوة بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، وجمعه أداوي. النهاية ١/٣٣. ٧ ندغفقه: دغفق الماء صبه صبًا كثيرًا. ترتيب القاموس ٢/١٨٩. ٨ صحيح مسلم، كتاب اللقطة: ١٩. ٩ هو: محمد بن الحسين بن الفضل القطان. ١٠ محمد بن أبي عتاب البغدادي أبو بكر الأعين واسم أبيه طريف، وقيل: حسن بن طريف صدوق مات سنة أربعين ومائتين: مق، ت. تقريب: ٣١٠. ١١ القاسم بن عبد الله بن المغيرة، أبو محمد الجوهري مولى أم عيسى بنت علي بن عبد الله بن عباس، قال الدارقطني: "ثقة مأمون"، ووثقه الخطيب، مات يوم الجمعة غرة محرم سنة خمس وسبعين ومائتين وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائة. تاريخ بغداد ١٢/٤٣٣. ١٢ هو: إسماعيل بن عبد الله بن أويس. ١٣ إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة الأسدي مولاهم أبو إسحاق المدني، ثقة تكلم فيه بلا حجة من السابعة، مات في خلافة المهدي: خ، تم، س. تقريب: ٣١.
[ ٢٦٠ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل١ بن محمد بن الفضل الشعراني قال: حدثنا جدي٢ قال: ثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: قال ابن عباس لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية، كلمه بعض أصحابه فقالوا: "جهدنا وفي الناس ظهر، فانحره لنا فنأكل من لحومه ولندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل"، فقال رسول الله ﷺ: "ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ففعلوا ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله"، حدثه نافع بن جبير٣: "هذا لفظ إسماعيل وفي رواية ابن فليح قال موسى بن عقبة وحدثنيه نافع بن جبير" ٤.
وأخرجه البيهقي من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس:
(١٦١) قال: حدثنا أبو محمد عبد الله٥ بن يوسف الأصبهاني قال: أخبرنا أبو سعيد٦ بن الأعرابي حدثنا الحسن٧ بن محمد الزعفراني قال: حدثنا
_________________
(١) ١ إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني النيسابوري، من شيوخ الحاكم، وقال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ ثم قال: حدثني إسماعيل ثنا جدي ثنا عبيد الله العيشي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال رسول الله ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". غريب فرد. لسان الميزان ١/٤٣٤. ٢ الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي أبو محمد الشعراني من ذرية ملك اليمن باذام الذي أسلم بكتاب النبي ﷺ، روى عنه حفيده إسماعيل بن محمد بن الفضل وغيره، قال ابن أبي حاتم: "تكلموا فيه"، وقال ابن الأخرم: "صدوق غال في التشيع"، وقال الحكم: "ثقة لم يطعن فيه بحجة" وقال: "كان أديبًا فقيهًا عابدًا عارفًا بالرجال، كان يرسل شعره فلقب بالشعراني". تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٦. ٣ نافع بن جبير بن مطعم النوفلي أبو محمد أو أبو عبد الله المدني، ثقة فاضل مات سنة تسع وتسعين: ع. تقريب: ٣٥٥. ٤ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٢٢. ٥ عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بابويه - وقيل مامويه - الأصبهاني ساكن نيسابور، أبو محمد قدم بغداد حاجًا سنة تسعين وثلاثمائة، وحدث بها عن أبي العباس الأصم، ومحمد بن الحسن بن الخليل النيسابوريين وأبي سعيد بن الأعرابي ساكن مكة، وكان ثقة، مات بعد سنة أربعمائة بسنين كثيرة. تاريخ بغداد ١٠/١٩٨. ٦ أحمد بن محمد بن زياد أبو سعيد بن الأعرابي الإمام الحافظ الثقة الصدوق الزاهد له أوهام سمع من أحمد بن منصور الرمادي، والحسن بن علي بن عفان، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني وطبقتهم ومن بعدهم، توفي في ذي الحجة سنة أربعين وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة. لسان الميزان ١/٣٠٨. ٧ الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أبو علي البغدادي صاحب الشافعي وقد شاركه في الطبقة الثانية من شيوخه، ثقة، مات سنة ستين ومائتين أو قبلها بسنة: خ، الأربعة. التقريب: ٧١.
[ ٢٦١ ]
يحيى بن سليم١ الطايفي عن عبد الله٢ بن عثمان عن خيثم عن أبي الطفيل٣ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل مر٤ في صلح قريش - قال أصحاب رسول الله ﷺ: "يا رسول الله لو انتحرنا من ظهورنا فأكلنا لحومها وشحومها وحسونا من المرق، أصبحنا غدًا إذا غدونا عليهم وبنا جمام"، قال: "لا، ولكن إيتوني بما فضل من أزوادكم فبسطوا أنطاعًا، ثم صبوا عليها فضول ما فضل من أزوادهم فدعا عليهم رسول الله ﷺ بالبركة"، فأكلوا حتى تضلعوا شبعًا ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم" ٥.
هذا الحديث صحيح بمجموع طرقه.
وقد أفاد هذا الحديث أن معجزة تكثير الطعام إنما حصلت للنبي ﷺ أثناء رجوعهم من غزوة الحديبية ومعجزة تكثير الماء في الإناء وقعت بعد هذه المعجزة، كما هو صريح حديث سلمة السابق عند مسلم، ولا يتوهم أن العدو المشار إليه في رواية أبي الطفيل هم قريش، بل هو عدو آخر عرض للمسلين أثناء رجوعهم كما بين ذلك حديث سلمة عند مسلم فقد جاء فيه ما نصه: "قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلًا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم٦ المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه، قال سلمة، فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا ثم قدمنا المدينة "٧.
_________________
(١) ١ يحيى بن سليم الطائفي، نزيل مكة، صدوق سيء الحفظ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة أو بعدها: ع. تقريب: ٣٧٦. ٢ عبد الله بن عثمان بن خثيم - بالمعجمة والمثلثة مصغرًا - القاري المكي أبو عثمان صدوق، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ١٨١. ٣ عامر بن واثلة بن عبد الله أبو عمرو بن جحش الليثي أبو الطفيل، وربما سمي عمرًا، ولد عام أحد، ورأى النبي ﷺ وروى عن أبي بكر ومن بعده، وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره: ع. تقريب: ١٦٢. ٤ مر: أي مر الظهران: موضع على مرحلة من مكة، معجم البلدان ٥/١٠٤. ٥ دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٢٢ - ٢٢٣. ٦ وهم المشركون: هذه اللفظة ضبطوها بوجهين ذكرهما القاضي عياض وغيره، أحدهما: وهُمُ المشركون على الابتداء والخبر، والثاني: وهَمّ المشركون: أي هموا النبي ﷺ وأصحابه وخافوا غائلتهم، يقال: همنى الأمر وأهمني، وقيل: همني أذابني، وأهمني أغمني، وقيل معناه: همّ أمر المشركين النبي ﷺ خوف أن يبيتوهم لقربهم منهم. صحيح مسلم ٣/١٤٣٥ حاشية. ٧ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٣٢، وتقدم سند الحديث برقم (٣٦) .
[ ٢٦٢ ]
المبحث الرابع: نزول المسلمين بالأثايه:
(١٦٢) قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد١ الأحمر عن يحيى٢ بن سعيد عن شرحبيل٣ - هو ابن سعد - عن جابر قال: أقبلنا مع رسلو الله ﷺ حتى إذا كنا بالسقيا٤ قال معاذ: "من يسقينا في أسقيتنا؟ " قال: فخرجت في فتيان معي حتى أتينا الأثايه٥، فأسقينا واستقينا قال: فلما كان بعد عتمة٦ من الليل إذا رجل ينازعه بعيره الماء، فإذا رسول الله ﷺ فأخذت راحلته فأنختها فتقدم فصلى العشاء وأنا عن يمينه ثم صلى ثلاث عشرة ركعة٧.
وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد به فذكره وفيه: "فخرجت في فتية من الأنصار حتى أتينا الماء الذي بالأثاية وبينهم قريبًا من ثلاثة وعشرين ميلًا "، وفيه: فصلى العتمة وجابر فيما ذكر إلى جنبه ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة٨.
وأخرجه عبد الرزاق٩ عن ابن جريج١٠ عن يحيى بن سعيد عن مولى الأنصار عن جابر نحوه.
_________________
(١) ١ سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر الكوفي صدوق يخطئ، مات سنة تسعين ومائة أو قبلها وله بضع وسبعون سنة: ع. تقريب: ١٣٣. ٢ يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي ثقة ثبت، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها: ع. تقريب: ٣٧٦. ٣ شرحبيل بن سعد، أبو سعد المدني، مولى الأنصار صدوق اختلط بآخره، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد قارب المائة: بخ، د، ق. تقريب: ١٤٤. ٤ السقيا هكذا في إتحاف المهرة، وفي مصنف عبد الرزاق، وهي قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا. معجم البلدان ٣/٢٢٨، وقال حمد الجاسر: وتعرف السقيا اليوم: بأم البركة، لكثرة ما وقع فيها، منها كتاب المناسك للحربي: ٤٥٠ حاشية، ووقع في مصنف ابن أبي شيبة "الصهباء" ولعله تحريف فالصهباء يقول عنها ياقوت: اسم موضع بينه وبين خيبر روحه. معجم البلدان ٣/٤٣٥. أي أنها في شمال المدينة بينما السقيا في جنوبها على طريق مكة. ٥ الأثاية: موضع من طريق الجحفة بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخًا. معجم البلدان ١/٩٠. ٦ العتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو وقت صلاة العشاء الآخرة. ترتيب القاموس ٣/١٥١. ٧ مصنف بن أبي شيبة ٢/٤٩١، إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥. ٨ غاية المقصد، لوحة: ٦٨. ٩ مصنف عبد الرزاق ٢/٣٥. ١٠ هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين بعد المائة وقد جاوز السبعين: ع. تقريب:٢١٩.
[ ٢٦٣ ]
وأخرجه البزار من طريق يحيى بن سعيد١ الأموي عن يحيى بن سعيد به مختصرًا ولفظه: "أن رسول الله ﷺ صلى بعد العتمة ثلاث عشرة ركعة"، وقال البزار تفرد به يحيى الأموي٢.
وذكر الهيثمي هذا الحديث ثم قال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار باختصار وفيه شرحبيل بن سعد وثقه ابن حبان وضعفه جماعة٣.
وذكره البوصيري بسند ابن أبي شيبة ثم قال: وإسناده حسن٤ وكذلك حسنه ابن حجر٥.
وقال الساعاتي: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده صحيح ورجاله ثقات وهو من ثلاثيات أحمد رحمه الله٦.
قلت: كلام الساعاتي ﵀ فيه وهم، وسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله.
وسند الحديث مداره على شرحبيل بن سعد، وقد ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ولكن وثقه ابن حبان وحكى مضر بن محمد عن يحيى ابن معين أنه وثقه وقد خرج حديثه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وقال ابن عيينة: "لم يكن أحمد أعلم بالمغازي والبدريين منه"٧.
قلت: وهذا الحديث من أحاديث المغازي ولذلك حسنه البوصيري وابن حجر فهو كما قالا، والله أعلم.
تنبيه:
قول الساعاتي ﵀: "إن هذا الحديث من ثلاثيات أحمد، وهم منه ﵀، وسببه أنه وقع سقط في سند أحمد فهو في المطبوع من المسند هكذا:
_________________
(١) ١ يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد لقبه الجمل صدوق يغرب، مات سنة أربع وتسعين ومائة، وله ثمانون سنة: الأربعة. تقريب: ٣٧٥. ٢ كشف الأستار عن زوائد البزار ١/٣٤٩ - ٣٥٠. ٣ مجمع الزوائد ٢/٢٧٣. ٤ اتحاف الخيرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥. ٥ المطالب العالية ٤/٢٣٦. ٦ بلوغ الأماني ٢١/١٠٩، مع الفتح الرباني. ٧ تهذيب التهذيب ٤/٣٢١ - ٣٢٢.
[ ٢٦٤ ]
"حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد أن شرحبيل بن سعد أخبره عن جابر الحديث"١.
والناظر في هذا السند لأول وهله يظنه متصلًا؛ لأنه لم يوصف أحد من رواته بالتدليس، ولذلك قال الساعاتي ﵀ إنه من ثلاثيات أحمد، لكن بالتأمل في تواريخ وفيات رجال السند يتبين السقط، وقد رجعت إلى ثلاثيات المسند فلم أجده في مسند جابر ثم رجعت إلى غاية المقصد فتبين أن الساقط من السند شيخ أحمد وهو يزيد بن هارون وقد أثبته في تخريج الحديث، ويبدو أنه سقط على أحد النساخ"٢، والله أعلم.
_________________
(١) ١المسند ٣/٣٨٠. ٢وقد تنبه لهذا السقط ابن عثيم، مسند جابر: ٤٥١ - ٤٥٢.
[ ٢٦٥ ]
الفصل الرابع: فضل غزوة الحديبية ونتائجها
المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية
المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية:
لقد استحقت هذه الغزوة أن تقرن بغزوة بدر في الفضيلة، لما ترتب عليها من عز وانتصار للإسلام وذل وانكسار للكفر والنفاق.
قال ابن عبد البر: ليس في غزوات الرسول ﷺ ما يعدل بدرًا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية، هذا هو الراجح عندنا، وأما متكلموا الأشاعرة فقدموا أحدًا في الفضيلة والأول أولى١، والله أعلم.
ويكفيها فضلًا أنها كانت فتحًاَ مبينًا كما أخبر الله بذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ .
فقد بينت الأحاديث أن الفتح المشار إليه هو غزوة الحديبية:
ومن تلك الأحاديث حديث أنس بن مالك ﵁:
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: "سمعت قتادة عن أنس ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية"٢.
ومنها حديث البراء بن عازب ﵄:
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن
_________________
(١) ١ نقله السفاريني: ثلاثيات المسند ١/٢٧٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير ٤٨٣٤، وتقدم تخريجه برقم (١٥٥) .
[ ٢٦٦ ]
البراء ﵁ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية"١ الحديث.
وأخرجه ابن سعد من طريق أبي إسحاق عنه بلفظ: "أما نحن فنسمي الذي يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان"٢.
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄:
(١٦٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني يحيى بن حماد٣: قال ثنا أبو عوانة٤ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: "ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية"٥.
وأخرجه من طريق أبي عبيدة٦ المسعودي عن الأعمش به بلفظ: "ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية" ٧.
سند هذا الحديث فيه تدليس الأعمش وأبي سفيان، لكنه منجبر بشاهده من الحديثين السابقين في الصحيح.
ومنها ما أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير والزهري:
(١٦٤) قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان قال: أخبرنا أبو بكر٨ بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي أويس٩ قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي١٠
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠، وتقدم تخريجه برقم (٩) . ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥. ٣ يحيى بن حماد بن زياد الشيباني مولاهم البصري، ختن أبي عوانة، ثقة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، /خ، م، خد، ت، س، ق/. تقريب: ٣٧٤. ٤ هو: وضاح بن عبد الله اليشكري. ٥ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠. ٦ عبد الملك بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبيدة المسعودي ثقة من السابعة: م، د، س، ق. تقريب: ٢٢٠. ٧ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠. ٨ هو: محمد بن أبي عتاب الأعين. ٩ هو: إسماعيل بن أبي أويس. ١٠ هو: الفضل بن محمد بن المسيب.
[ ٢٦٧ ]
قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر١ البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن عروة قالوا: "وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعًا قال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: "ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية، ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله ﷺ: "بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله ﷿ عليهم وردكم سالمين غانمين، مأجورين، فهذا أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ "أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟ قال المسلمون: "صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله ﷿ وبالأمور منا، وأنزل الله ﷿ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٢.
هذا الحديث مرسل، لكنه يرتفع إلى درجه الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه، لا سيما ولبعضه شاهد من الأحاديث السابقة.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن محمد بن عبد الله. ٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٣٨.
[ ٢٦٨ ]
المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية:
لقد تمخضت هذه الغزوة عن نتائج عظيمة لم تتوافر في غزوة قبلها أو بعدها فيما أعلم، وأهمها ما يلي:
أولًا: ترتبت على الصلح آثار إيجابية ضخمة منها ما يلي:
أ - اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان المسلمين، فالمعاهدة دائمًا لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.
[ ٢٦٨ ]
ب - دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص١، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم بعد أن خابت ظنونهم إذ كانوا يتوقعون أنها القاضية على المسلمين، كما أخبر الله بذلك عنهم٢.
جـ - أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه.
يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله، كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك"٣ اهـ.
وعقب عليه ابن هشام٤ بقوله: "والدليل على قول الزهري: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف"٥ اهـ.
د - أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى٦.
ثانيًا: كسب المسلمون الذين شهدوا هذه الغزوة بسببها فوائد كثيرة - أخروية ودنيوية - وأهمها ما يلي:
_________________
(١) ١ كان إسلامهما عقب صلح الحديبية، انظر سيرة ابن هشام ٣/٢٧٦. ٢ قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ . سورة الفتح آية: ١٠ - ١١. ٣ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٢. ٤ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٢. ٥ جاء هذا العدد في حديث ابن عباس، صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي: ٤٢٧٦، وقد روي أنهم أكثر من ذلك، انظر مرويات غزوة فتح مكة لمحسن الدوم ص ٥٦ وما بعدها. ٦ أخذت بعض المعاني السابقة عن كتاب "سيرة الرسول" لمحمد عزة دروزة ٢/٢٩٢ - ٢٩٣، وكتاب "موسوعة التاريخ الإسلامي" لأحمد شلبي ١/٣٣٠ - ٣٣١، وكتاب "السيرة النبوية" لأبي شهبة: ٢٨٢.
[ ٢٦٩ ]
أ - فازوا برضى الله ﷿ عنهم.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ الآية١.
ب - أخبرهم النبي ﷺ: "أن الله قد غفر لهم".
ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ "فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر" ٢.
جـ - شهد لهم النبي ﷺ أنهم خير أهل الأرض.
ففي صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض " ٣.
د - بشرهم النبي ﷺ: بالنجاة من النار.
ففي صحيح مسلم من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها " ٤.
هـ - قسمت عليهم غنائم خيبر، ففي حديث مجمع بن جارية الأنصاري: "فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها النبي ﷺ على ثمانية عشر سهمًاَ، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا" ٥.
ثالثًا: شرعت في هذه الغزوة كثير من الأحكام والرخص التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين ومن أهمها ما يلي:
أ - شرعت فيها صلاة الخوف على الصحيح٦.
_________________
(١) ١ سورة الفتح آية: ١٨. ٢ تقدم برقم (٥٢) . ٣ تقدم برقم (٢٠) . ٤ تقدم برقم (٩١) . ٥ تقدم برقم (١٥٨) . ٦ انظر الكلام على ذلك ص: ١٤٣.
[ ٢٧٠ ]
ب - شرعت فيها الفدية لمن ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام١.
جـ - شرع فيها الصلح مدة معلومة عند حاجة المسلمين إليه٢.
د - شرع فيها التحلل للمحصر، وأنه لا يلزمه القضاء.
هـ - شرعت فيها رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر٣.
وشرع فيها قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها٤.
ز - نزل في هذه الغزوة تحريم نكاح الكفار من المسلمات، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٥.
قال ابن كثير: "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة " ٦.
ح - نزل فيها أيضًا الأمر بفسخ نكاح المشركات وعدم الاستمرار عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلاَتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ ٧ الآية.
وقد اشتملت مرويات هذه الغزوة على أحكام كثيرة غير هذه وسوف يأتي ذكر بعضها مع شيء من التفصيل في الباب الأخير إن شاء الله.
_________________
(١) ١ انظر الحديث رقم (١٢٥) . ٢ انظر الكلام على هذه المسألة ص: ٥٢٥. ٣ وردت الإشارة إلى أمر النبي ﷺ لأصحابه بالصلاة في الرحال في حديث ابن عمر في صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان: ٦٣٢، وفي صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: ٢٢ - ٢٤، وفي حديث جابر، صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: ٢٥. وأشار إليه حديث ابن عباس في المصدر السابق حديث رقم ٢٦ - ٣٠، ولم يعين في شيء من تلك الأحاديث الزمن الذي فعل النبي ﷺ فيه ذلك، وإنما ورد التعيين في حديث أبي المليح، فقد ذكر أنه وقع في الحديبية، وقد تقدم الحديث برقم (١٢٨)، وقد ورد في حديث أبي المليح أيضًا أنها حصلت لهم القصة في حنين وسبقت الإشارة إلى ذلك في ص: ٣٩٤، وغزوة الحديبية كانت قبل غزوة حنين، كما هو معلوم فابتداء مشروعية الصلاة فيها ظاهر، والله أعلم. ٤ انظر حديث رقم (١٥١) . ٥ انظر حديث رقم (١١٥) . ٦ تفسير ابن كثير ٤/٣٥١. ٧ انظر الحديث رقم (١١٥) .
[ ٢٧١ ]