الفصل الأول: موقف قريش من هذه الغزوة
المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين
المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين:
علمت قريش بخروج رسول الله ﷺ وأصحابه إلى مكة فأفزعها الخبر، وأقضى مضجعها، لكن كيف وصل الخبر إلى قريش؟
لم أر أحدًا من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه النقطة، ولم أقف على رواية تشير إلى ذلك إلا ما ورد في حديث ابن عباس عند الخرائطي فقد جاء فيه ما نصه: "لما توجه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي ردته قريش عن البيت وهو عام الحديبية، فلما سار رسول الله مرحلتين أو (ثلاث) قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه فقال له رسول الله ﷺ: "يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟ " فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا وسمى الليلة التي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسير فيها إلى مكة، وقريش في أنديتها حول البيت، إذ صرخ صارخ من أعلي أبي قيبس بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم ودانيهم وهو يقول:
هبوا فأخبركم مَنّى صحابته سيروا إليه وكونوا معشرًا كرما
بعد الطواف وبعد السعي في مهل وأن يجوِّزهم من مكة الحَرَما
شاهت وجوهكم من معشر نكل لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما
فما هو إلى أن سمع القوم ذلك، حتى ارتجت مكة، وقال١ أبو سفيان في جماعة معه فاجتمعوا عند الكعبة وتعاقدوا ألا تدخل عليهم مكة في عامهم، فقال رسول
_________________
(١) ١ قال: يعني: مال. انظر ترتيب القاموس ٣/٧١٨.
[ ١٠٨ ]
الله ﷺ: أما الهاتف الذي سمعت سلفع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله"١.
فهذه الرواية أشارت إلى كيفية وصول خبر خروج النبي ﷺ وأصحابه إلى قريش لكن في سندها من هو متهم بالوضع، وقد تقدم الكلام عليها.
والحاصل أن خبر توجه المسلمين إلى مكة قد بلغ قريشًا فأخذت تعد العدة لصد رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت. فقد روى الواقدي أن كفار قريش قد توافدوا وجمعوا الأموال يطعمون بها من ضوى إليهم من الأحابيش، فكان يطعم في أربعة أمكنة في دار الندوة لجماعتهم، وكان صفوان بن أمية يطعم في داره، وكان سهيل بن عمرو يطعم في داره، وكان عكرمة بن أبي جهل يطعم في داره، وكان حويطب بن عبد العزى يطعم في داره٢ ا. هـ
قلت: هذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ٣.
وقد أشار إلى استعداد قريش وخروجها حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم فقد جاء فيه من طريق سفيان بن عيينة ما نصه: "وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه قال: إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك"٤.
وجاء في حديثهما أيضًا من طريق ابن إسحاق ما نصه: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم"٥.
وقد ذكر الواقدي٦ وابن سعد٧ أن خالد بن الوليد كان في مائتي فارس.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٣٧) . ٢ مغازي الواقدي ٢/٥٨٢. ٣ سورة الأنفال الآية: ٣٦. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩، وتقدم سنده برقم (١٨) . ٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٦ مغازي الواقدي ٢/٥٨٢. ٧ الطبقات الكبرى ٢/٩٥.
[ ١٠٩ ]
وخرجت قريش بمجموعها في أشرها وبطرها حتى نزلت بلدح.
ففي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير: "بعد أن ذكر خروج النبي ﷺ قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح وإلى الماء فنزلوا عليه"١.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٢، لوحة ٢١٩، وتقدم الحديث برقم (٥٥) .
[ ١١٠ ]
المبحث الثاني: تحرشات قريش بالمسلمين وموقف المسلمين حيالها:
نزلت قريش ببلدح وجعلت تترقب أخبار المسلمين - والحقد قد أخذ بمجامع قلوبها - إذ كيف يستقر لها قرار أو يهدأ بها بال وهي ترى المسلمين يداهمونها في عقر دارها - ولما علمت بنزول المسلمين في الحديبية أخذت ترسل مجموعات من فرسانها علهم يصادفون غرة من المسلمين يحققون فيها بعض مآربهم المشينة.
(٦٢) قال مسلم: حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ فأخذهم سلمًا فاستحياهم١، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢.٣
وأخرجه أبو داود٤ عن موسى بن إسماعيل عن حماد به نحوه، إلا عنده "من جبال التنعيم٥ عند صلاة الفجر".
وأخرجه الترمذي٦ من طريق سليمان بن حرب عن حماد به نحوه، وزاد: "عند صلاة الصبح".
_________________
(١) ١ ذكر ابن عبد البر: أن هؤلاء الذين أعتقهم الرسول ﷺ سموا العتقاء وإليهم ينسب العتقيون. الدرر: ٢٠٧. وكذلك قاله ابن خلدون في تاريخه ٢/٣٥. ٢ سورة الفتح الآية: ٢٤. ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ١٣٣. ٤ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٦٨٨. ٥ التنعيم: بالفتح ثم السكون وكسر العين المهملة وياء ساكنة وميم: موضع بمكة في الحل وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة، وقيل على أربعة، وسمي بذلك لأن جبلًا عن يمينه يقال له التنعيم، وآخر عن شماله يقال له الناعم، والوادي نعمان. معجم البلدان ٢/٤٩. ٦ سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٢٦٤.
[ ١١٠ ]
وأخرجه أحمد١ عن يزيد بن هارون عن حماد به نحوه.
وأخرجه٢ عن عفان عن حماد به نحوه، وزاد: "عند صلاة الفجر".
وقد ذكر بعض تحرشاتهم أيضًا حديث سلمة بن الأكوع ﵁ عند مسلم، فقد جاء فيه ما نصه: "قال: لما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت٣ شوكها، فاضطجعت في أصلها فأتى أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم، قال: فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًاَ٤ في يدي قال: قلت: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا شربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات٥، يقال له: مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف٦ في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٧ الآية.
وقد أشار إلى تحرشات قريش كذلك حديث عبد الله بن مغفل عند أحمد:
(٦٣) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد٨ بن الحباب قال حدثني حسين٩ بن
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/١٢٢، ١٢٤. ٢ مسند أحمد ٣/٢٩٠. ٣ كسحت شوكها: أي كنس شوكها. ترتيب القاموس ٥/٤٧. ٤ ضغثًا: أي حزمة. النهاية ٣/٩٠. ٥ العبلات: بنو أمية الأصغر بن عبد الشمس. جمهرة أنساب العرب: ٧٥. ٦ مجفف: أي عليه تجفاف، وهو شيء من سلاح يترك على الفرس يقيه الأذى، وقد يلبسه الإنسان أيضًا، وجمعه: تجافيف. النهاية ١/٢٧٩. ٧ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ١٣٢، وقد تقدم طرف من أوله برقم (٥٤) وهناك تخريجه. ٨ زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسن العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر منه وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ثلاث ومائتين: م، الأربعة. تقريب: ١١٢. ٩ الحسين بن واقد المروزي أبو عبد الله القاضي، ثقة له أوهام، مات سنة تسع ويقال سبع وخمسين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٧٥، تهذيب التهذيب ٢/٣٧٣.
[ ١١١ ]
واقد قال: حدثني ثابت١ البناني عن عبد الله٢ بن مغفل المزني قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغضان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لعلي رضي الله تعالى عنه: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فأخذ سهيل بن عمرو بيده: فقال: ما نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف قال: اكتب باسمك اللهم" فكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله" فكتب فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله ﷿ بأبصارهم فقدمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ: هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟ فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٣.
وقال أبو عبد الرحمن: قال حماد بن سلمة في هذا الحديث عن ثابت بن أنس، وقال حسين بن واقد عن عبد الله بن مغفل وهذا هو الصواب عندي إن شاء الله٤ ا. هـ
والحديث أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين بن واقد عن أبيه به، وذكره المزي في الأطراف وزاد: ورواه أبو بكر بن أبي داود عن محمد بن عقيل بهذا الإسناد٥.
_________________
(١) ١ ثابت بن أسلم البناني - بضم الموحدة ونونين مخففتين - أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة بضع وعشرين وله ست وثمانون: ع. تقريب: ٥٠. ٢ عبد الله بن مغفل - بمعجمة وفاء ثقيلة - ابن عبيد بن نهم - بفتح النون وسكون الهاء - أبو عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت الشجرة ونزل البصرة، ومات سنة سبع وخمسين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ١٩٠. ٣ مسند أحمد ٤/٨٦. ٤ مسند أحمد ٤/٨٧. ٥ تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ٧/١٧٢.
[ ١١٢ ]
وأخرجه الحاكم١ من طريق الحسين بن واقد به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إذ لا يبعد سماع ثابت من عبد الله بن مغفل، وقد اتفقا على إخراج حديث معاوية بن قرة، وعلى حديث حميد بن هلال عنه وثابت أسن منهما.
وساق الهيثمي٢ الحديث ثم قال: رجاله رجال الصحيحين.
قلت: الحديث بهذا الإسناد صحيح، فرجاله رجال الصحيح كما قال الحاكم والهيثمي، وزيد بن الحباب قال عنه أحمد٣ كان صدوقًا لكن كان كثير الخطأ، وقال ابن معين٤: كان يقلب حديث الثوري، لكن وثقه ابن معين مرة، ووثقه الدارقطني وابن ماكولا٥.
ورجح الذهبي٦ توثيقه فقد رمز له بـ (صح) .
وخطؤه محمول على بعض روايته عن الثوري، وهذا الحديث ليس منها.
قال ابن عدي: "له حديث كثير وهو من أثبت مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والذي قال ابن معين عن أحاديثه عن الثوري إنما له أحاديث عن الثوري يستغرب بذلك الإسناد وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها"٧ ا. هـ
وقد تابعه علي بن الحسين بن واقد عند النسائي، وهو صدوق يهم٨.
وقد ذكر ابن إسحاق أيضًا بعض تلك التحرشات قال:
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/٤٦٠. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٥. ٣ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٣. ٤ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٤. ٥ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٤. ٦ ميزان الاعتدال ٢/١٠٠. ٧ تهذيب التهذيب ٣/٤٠٤. ٨ التقريب: ٢٤٥.
[ ١١٣ ]
(٦٤) حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة١ مولى ابن عباس عن ابن عباس: أن قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين رجلًا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدًا فأخذوا أخذًا فأتي بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل٢.
هذا الحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لأن شيخ ابن إسحاق غير معروف.
_________________
(١) ١ عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة سبع ومائة، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ٢٤٢. ٢ سيرة ابن هشام ٣/٣١٤.
[ ١١٤ ]
الفصل الثاني: في الحوار الذي دار بين الرسول ﷺ وقريش
المبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين
المبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين:
علم بديل بن ورقاء الخزاعي بنزول رسول الله ﷺ وأصحابه الحديبية، فقدم إليه في نفر من قومه وقص عليه ما رأى من حال قريش وما سمع من أخبارهم وأنهم عازمون على صده عن البيت، وبعد أن سمع رسول الله ﷺ حديث بديل أخبره بالهدف الذي خرجوا من أجله وأنهم لا يريدون حرب أحد، إنما جاءوا لزيارة البيت فحسب.
ولما وقف بديل على أخبار رسول الله ﷺ وأصحابه رجع إلى قريش يعلمهم بذلك، وكان بديل يهدف من وراء سعيه إلى الوفاق بين الطرفين وتحاشي الصدام، ولم يكن رسولًا لأحد من الفريقين كما زعم بعضهم١، وسياق قصته يأبى ذلك.
وقد جاء خبر بديل في حديث المسور ومروان:
ففيه من طريق معمر بعد أن ذكر نزول المسلمين وقصة البئر قال: فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة٢ نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي٣ نزلوا
_________________
(١) ١ ذكر صاحب القول المبين في سيرة سيد المرسلين: ٢٦٧ وغيره أن بديلًا أرسل من قبل قريش. ٢ عيبة نصح: العيبة زنبيل من أدم أو موضع الثياب وكنى بها هنا عند الصدور التي هي موضع السر. ترتيب القاموس ٣/٣٥١، النهاية ٣/٣٢٧. ٣ قال ابن حجر: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة ترجع أنسابهم إليهما. فتح الباري ٥/٣٣٨.
[ ١١٥ ]
أعداد١ مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم٢ الحرب، وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا٣، وإن هم أبوا والذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: أنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذووا الرأي فيهم هات ما سمعته، يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم٤.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر نزول المسلمين الحديبية، وقصة البئر قال: "فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان".
وقوله لبشر بن سفيان تقدم في صدر الرواية ونصه: "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة " قال: "فرجعوا إلى قريش فقالوا: "يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه فاتهموهم"، قال محمد - يعني ابن إسحاق - قال الزهري: "وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله ﷺ مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان بمكة، قالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب"٥ الحديث.
_________________
(١) ١ الأعداد: جمع عد الماء الدائم الذي له مادة لا انقطاع لها. لسان العرب ٤/٢٧٦. ٢ نهكتهم: أضنتهم وبالغت في الإضرار بهم. ترتيب القاموس ٤/٤٥٢. ٣ جموا: استراحوا وكثروا. النهاية ١/٣٠١. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) وهناك تخريجه. ٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه، والكلام عليه.
[ ١١٦ ]
المبحث الثاني: رسل النبي ﷺ إلى قريش:
كانت قريش قد استثارت القبائل من حولها وألبتها على رسول الله ﷺ بدعوى: أنه اعتدى عليها في عقر دارها وفي الحرم، وكانت العرب تعظم البيت وتجل قريشًا لمكانتها من البيت.
وأراد رسول الله ﷺ أن يبطل تلك الدعاوى التي وجهتها قريش ضده، ويكسب تلك القبائل أو على الأقل يخفف من حدتها وحماسها ضده، فأرسل من قبله رسلًا ليبلغوا قريشًا بمرأى ومسمع من الناس: أنه لم يأت لقتالهم، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته، ورسل النبي ﷺ هم:
خراش بن أمية ﵁:
جاء خبر إرساله إلى قريش في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق: فبعد أن ذكر قصة ابن مسعود قال: "وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
عثمان بن عفان ﵁:
وفي حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق أيضًا بعد قصة خراش قال: "فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان، قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان بن عفان ﵁ حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف٢ خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان ورؤساء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ قال فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل ".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٢٤، تقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه. ٢ الرديف: الراكب خلف الراكب. ترتيب القاموس ٢/٣٢٥.
[ ١١٧ ]
وفي حديث سلمة بن الأكوع من طريق موسى بن عبيدة الربذي قال: قال إياس عن أبيه: فاشتد البلاء على من كان في يد المشركين من المسلمين، قال: فدعا رسول الله ﷺ عمر فقال: يا عمر هل أنت مبلغ عني إخوانك من أسارى المسلمين؟ فقال: لا يا نبي الله، والله مالي بمكة من عشيرة١، غيري أكثر عشيرة مني فدعا عثمان فأرسل إليهم، فخرج حتى جاء عسكر المشركين فعيبوا به وساءوا إليه القول، ثم أجاره أبان بن سعيد بن العاص ابن عمه، وحمله على السرج٢، وردفه فلما قدم قال: يا ابن أمي مالي أراك متحسفًا؟ أسبل، قال: وكان إزاره إلى نصف ساقه، فقال له عثمان: هكذا إزرة صاحبنا فلم يدع أحدًا من أسارى المسلمين بمكة إلا أبلغهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
هذا الحديث في سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، لكن هذا الجزء منه يتقوى بحديث المسور ومروان السابق، وهو حسن.
وقد أخرجه البيهقي عن عروة مرسلًا.
(٦٥) قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ﵀ قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثني أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود قال: عروة بن الزبير في نزول النبي ﷺ الحديبية قال: وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إليه، فقال: يا رسول الله: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل إلى عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وأنه مبلغ لك ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا عمارًا وأدعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله ﷿ وشيك أن يظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان تثبيتًا يثبتهم، فانطلق عثمان
_________________
(١) ١ عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون أو قبيلته. ترتيب القاموس ٣/٢٣١. ٢ السرج: رحل الدابة. لسان العرب ٣/١٢١. ٣ تاريخ ابن أبي شيبة ١، لوحة: ٦٠، وسيأتي سنده مع طرف من أوله برقم (٦٦) .
[ ١١٨ ]
بن عفان ﵁ فمر على قريش ببلدح، فقالت قريش أين؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الله جل ثناؤه وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارًا، فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس فأجاره وردفه أبان حتى جاء مكة " ثم ذكر رسل قريش وما دار بين سهيل وبين رسول الله ﷺ، وذكر البيعة ثم قال: "وقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به، فقال رسول الله ﷺ: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص، قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا، فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت، فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيمًا سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله ﷺ ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، قال المسلمون: رسول الله كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنًا١.
هذا الأثر مرسل، وفي سنده ابن لهيعة ضعيف، وأبو علاثة لم أجد ترجمته لكن أصله ثابت من حديث المسور ومروان السابق دون ما في آخره.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ١١٩ ]
المبحث الثالث: رسل إلى النبي ﷺ
المبحث الثالث: رسل قريش إلى النبي ﷺ:
كان الحامل لأولئك الذين وقفوا إلى جانب قريش هو إشاعة قريش أن رسول الله ﷺ وأصحابه إنما جاءوا للاعتداء عليها في عقر دارها، وبالتالي الاعتداء على البيت الحرام، ولما بعث النبي ﷺ رسله إليهم وأوضحوا لهم هدف المسلمين، وأنه لا يعدوا زيارة البيت ونحر الهدي.
عند ذلك تغير موقف حلفاء قريش منها، ورأوا أنه لا ينبغي صد الهدي عن محله ووجهوا اللوم إليها، فلما رأت قريش ذلك أحست أن الأمر لم يعد في صالحها، وأنه لا بد من عمل تستعيد به حماس حلفائها أو تسكتهم على الأقل فبدأت تبعث الرسل من قبلها إلى المسلمين لتظهر بمظهر الإنصاف، ولعلهم يرجعون إليها قولًا يقلب الموقف لصالحها
[ ١١٩ ]
لكن الأمور كانت تجري على خلاف ما تتوقع قريش، فكلما بعثت رسولًا رجع يعظم شأن المسلمون ويؤكد الهدف الذي جاءوا من أجله الأمر الذي أثار حفيظتها حتى وقفت ذلك الموقف من بعض رسلها.
ورسل قريش هم١:
عروة بن مسعود الثقفي:
جاء خبر إرساله في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ففيه من طريق معمر: بعد أن ذكر قصة بديل قال: "فقام عروة بن مسعود فقال: "أي قوم ألستم بالوالد٢؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أني استنفرت٣ أهل عكاظ فلما بلحوا٤ علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني قالوا: بلى؟ قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل٥، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابًا٦ من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر٧ اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد٨ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم بكلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم
_________________
(١) ١ اتبعت في ترتيبهم ما في حديث المسور ومروان من طريق معمر؛ لأنه أصح شيء في الموضوع، وفي رواية ابن إسحاق جعل مكرز بن حفص أول رسل قريش، لكن الظاهر أنه لم يرد الترتيب؛ لأنه قال في جواب النبي ﷺ له: «فقال له: مثل ما قال لأصحابه» وهذا يفيد أن غيره قد سبقه. والله أعلم. ٢ أي أنكم حي قد ولدوني بالجملة، لكون أمي منكم، فعند ابن إسحاق عن الزهري: أن أمه سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف. فتح الباري ٥/٣٣٩. ٣ الاستنفار: الاستنجاد والاستنصار. النهاية ٥/١٩٢. ٤ بلحوا: أي أبوا، يقال: بلح الرجل إذا انقطع من الأعياء فلم يقدر أن يتحرك، كأنهم قد أعيوا عن الخروج معه وإعانته. النهاية ١/١٥١. ٥ انظر قوله لبديل ص: ١١٦. ٦ أشوابًا: أخلاطًا لأن الشوب: الخلط. ترتيب القاموس ٢/٧٧٢. ٧ البظر: - بفتح الباء -: الهنة التي تقطعها الخافظة من فرج المرأة عند الختان. النهاية ١/١٣٨. ٨ جاء في رواية عبد العزيز الأمامي عن الزهري في هذا الحديث أن اليد المذكورة: أن عروة كان تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. فتح الباري ٥/٣٤٠.
[ ١٢٠ ]
على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل١ السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر٢ ألست أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكًا قد يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها"٣.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق:
"فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى أسيتكم بنفسي، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش٤ الناس ثم جئت بهم لبيضتك٥ لتفضها٦، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا غدًا. قال:
_________________
(١) ١ نعل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل القراب. النهاية ٥/٨٢. ٢ غدر: معدول عن غادر للمبالغة. النهاية ٣/٣٤٥. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم طرف من أوله برقم (٣٥) وهناك تخريجه. ٤ أوباشً: جموعًا من قبائل شتى. النهاية ٥/١٤٦. ٥ لبيضتك: أي أهلك وعشيرتك. النهاية ١/١٧٢. ٦ لتفضها: لتكسرها، السابق ٣/٤٥٣.
[ ١٢١ ]
وأبو بكر ﵁ خلف رسول الله ﷺ قاعد فقال: امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها، ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد قال يقرع يده، ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله لا تصل إليك، قال: ويحك ما أفظك١ وأغلظك٢، قال فتبسم رسول الله ﷺ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أغدر هل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبسُق بساقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في مُلكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم"٣.
وجاء خبر إرساله أيضًا في مرسل عروة بن الزبير من طريق ابنه هشام:
قال فيه: "ثم قالوا لعروة بن مسعود: انطلق إلى محمد ﷺ ولا تونين٤ من ورائك، فخرج عروة حتى أتاه" فذكر قوله لرسول الله ﷺ وجواب رسول الله ﷺ له بنحو ما في حديث المسور ومروان، ثم قال: "فرجع عروة إلى قريش فقال: تعلمن والله ما على الأرض قوم أحب إلي منكم إنكم لإخواني وأحب الناس إلي، ولقد استنصرت لكم الناس في المجامع، فلما لم ينصروكم أتيتكم بأهلي حتى نزلت معكم إرادة أن أوسيكم والله ما أحب الحياة بعدكم تعلمن أن الرجل قد عرض نصفًا فاقبلوه، تعلمن إني قد قدمت على الملوك ورأيت العظماء فأقسم بالله أن رأيت ملكًا ولا عظيمًا أعظم في أصحابه منه أن يتكلم رجل منهم حتى يستأذنه، فإن هو أذن له تكلم وإن لم
_________________
(١) ١ الفظ: الغليظ الجانب السيء الخلق القاسي الخشن الكلام. ترتيب القاموس ٣/٥٠٥. ٢ الغليظ: من الغلظة وهي ضد الرقة. السابق ٣/٤١٠. ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه والكلام عليه. ٤ لا تونين: أي لا تقصرن، ومن ونى تونيه: إذا لم يجد في العمل. ترتيب القاموس ٤/٦٦١.
[ ١٢٢ ]
يأذن له سكت، ثم أنه ليتوضأ فيبتدرون يصبونه على رؤوسهم يتخذونه حنانًا١"٢.
وأشار إلى قصة عروة بن مسعود حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة:
(٦٦) قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة قال: حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: بعثت قريش خارجة ابن كوز " فذكر قصة، وقال: "ثم أرسلوا عروة بن مسعود فجاءه فقال: يا محمد ما هذا الحديث تدعوا إلى ذات الله ثم جئت قومك بأوباش الناس من تعرف ومن لا تعرف، لتقطع أرحامهم وتستحل حرمتهم ودماءهم وأموالهم، فقال: إني لم آت قومي إلا لأصل أرحامهم ليبدلهم الله بدين خير من دينهم ومعايش خير من معايشهم فرجع حامدًا يحسن الثناء"٣.
سند هذا الحديث ضعيف، لضعف موسى بن عبيدة.
ووردت قصته مع المغيرة بن شعبة في حديث المغيرة عند ابن أبي شيبة:
(٦٧) قال: ثنا وكيع٤ عن إسماعيل٥ عن قيس٦ عن المغيرة٧ بن شعبة أنه كان قائمًا على رأس رسول الله ﷺ بالسيف، وهو ملتثم، فجعل عروة - يعني ابن مسعود الثقفي - يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه فقال له المغيرة: لتكفن يدك أو لا ترجع إليك يدك، والمغيرة متقلدًا سيفًا فقال عروة لرسول الله ﷺ: من هذا؟ قال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: "أجل يا غدر ما غسلت رأسي من غدرتك"٨.
_________________
(١) ١ حنانًا: أي بركة، الحنان: الرزق والبركة. النهاية ١/٤٥٢. ٢ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦، وتقدم الكلام على سنده رقم (١١) . ٣ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة ٦٠. ٤ وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، بضم الراء وهمزة ثم مهملة - أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ، عابد مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنة: ع. تقريب: ٣٦٩. ٥ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت، مات سنة ست وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٣٣. ٦ قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم، ويقال له رواية وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروى عن العشرة، مات بعد التسعين أو قبلها، وقد جاوز المائة وتغير: ع. تقريب: ٢٨٣. ٧ المغيرة بن شعبة بن مسعود بن معتب الثقفي، صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية، وولى أمر البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح: ع. تقريب: ٣٤٥. ٨ المطالب العالية، لوحة: ٣٠٤.
[ ١٢٣ ]
وأخرجه ابن حبان١ من طريق وكيع به فذكره بمثله، إلا عنده "يتناول لحية النبي ﷺ ويجذبه ".
وقد أورد ابن حجر هذا الحديث في المطالب العالية من طريق ابن أبي شيبة ثم قال: هذا الإسناد في غاية الصحة، وهو في صحيح البخاري من طريق الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة في الحديث الطويل في قصة الحديبية، وفيه إرسال وهذا أحسن اتصالًا ولهذا استدركته٢.
وقد أشار إلى قصة عروة أيضًا مرسل علي بن زيد بن جدعان عند أبي يعلى:
(٦٨) قال: حدثنا حوثرة٣ بن أشرس ثنا حماد٤ بن سلمة عن علي٥ بن زيد بن جدعان: أن عروة بن مسعود الثقفي قال لقومه زمن الحديبية: أي قوم أني قد رأيت الملوك وكلمتهم، فابعثوني إلى محمد ﷺ فأكلمه، فأتاه بالحديبية فجعل يكلم النبي ﷺ ويتناول لحية النبي ﷺ والمغيرة بن شعبة شاك٦ في السلاح على رأس رسول الله ﷺ فقال له المغيرة: كف يدك من قبل ألا تصل إليك، فرفع عروة رأسه فقال: أأنت هو؟ والله إني لفي غدرتك ما خرجت منها بعد، فرجع عروة إلى قومه فقال: أي قوم إني قد رأيت الملوك وكلمتهم ما رأيت مثل محمد ﷺ قط، ما هو بملك ولكن رأيت الهدى معكوفًا وما أراكم مصيبكم إلا قارعة٧، فانصرف ومن تبعه من قومه فصعد سور الطائف فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فرماه رجل بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ: "الحمد الله الذي جعل فينا مثل صاحب ياسين "٨.
_________________
(١) ١ موارد الظمآن: ٤١١. ٢ المطالب العالية ٤/٢٣٥. ٣ حوثرة بن أشرس بن عون بن المجشر بن حريث بن الربيع العدوي، أبو عامر روى عن عقبة بن أبي الصهباء، وعامر بن يساف، وسويد بن أبي حاتم، وأبي الأشهب وأبي عوانة وحماد بن سلمة، والبراء بن يزيد الغنوي، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة. الجرح والتعديل ١/٢/٢٨٣. ٤ حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة سبع وستين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٨٢. ٥ علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جده، ضعيف مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل قبلها: بخ، م، الأربعة. تقريب: ٢٤٦. ٦ شاك السلاح: أي حديده. ترتيب القاموس ٢/٧٧٨. ٧ قارعة: داهية تفجعكم. ترتيب القاموس ٣/٥٩٨. ٨ إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث، من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥.
[ ١٢٤ ]
وأورد ابن حجر هذا الأثر في المطالب العالية وعزاه لأبي يعلى ثم قال: هذا مرسل أو معضل وأصله في البخاري أيضًا من حديث المسور ومروان دون ما في آخره والذي في آخر خطأ، فإن عروة إنما رمي بالسهم عقب غزوة الطائف بعد أن رحل النبي ﷺ فجاء إليه عروة فأسلم، ورجع إليه فقتلوه ثم أسلموا بعد١ ا. هـ
قلت: وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
ويؤيد كلام ابن حجر بأن إسلام عروة كان متأخرًا عن الحديبية ما أخرجه الطبراني في مرسل عروة بن الزبير.
(٦٩) قال حدثنا محمد٢ بن عمرو بن خالد الحراني ثنا أبي ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: لما أنشأ الناس الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على رسول الله ﷺ مسلمًا فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ: " إني أخاف أن يقتلوك " فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه عشاء فجاءته ثقيف يحيونه فدعاهم إلى الإسلام، فاتهمومه وأغضبوه وأسمعوه ما لم يكن يحتسب، ثم خرجوا من عنده حتى إذا أسحروا وطلع الفجر، قام على غرفة في داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقال رسول الله ﷺ: "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه"٣.
وأخرجه عمر بن شبة قال: حدثنا الحزامي٤ قال حدثنا ابن وهب٥ قال: أخربنا ابن لهيعة به فذكره مختصرًا٦.
وأخرجه ابن شبة عن الزهري مرسلًا.
(٧٠) قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد٧ بن فليح عن
_________________
(١) ١ المطالب العالية ٤/٢٣٦. ٢ هو: أبو علاثة، وصرح الطبراني هنا بالسماع منه ورأيت بينهما في موضع آخر واسطتان فلا أدري لعله وقع سقط في السند. انظر الحديث (٥٥) . ٣ المعجم الكبير ١١/١٤٧ - ١٤٨. ٤ هو: إبراهيم بن المنذر. ٥ هو: عبد الله بن وهب. ٦ تاريخ المدينة ٢/٤٧١. ٧ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي المدني، صدوق يهم، مات سنة سبع وتسعين ومائة: خ، س، ق. تقريب: ٣١٥، تهذيب التهذيب ٩/٤٠٦.
[ ١٢٥ ]
موسى١ بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما صدر أبو بكر ﵁ وقد أقام الناس حجهم، فقدم عروة بن مسعود على النبي ﷺ فأسلم ثم استأذن رسول الله أن يرجع إلى قومه فقال: "إني أخاف أن يقتلوك" فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ، فرجع إلى الطائف فقدم عشاء فجاءته ثقيف فحيوه فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصوه واتهموه وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاهم عليه، وخرجوا من عنده حتى إذا أسحر الفجر قام على غرفة له في داره فأذن بالصلاة وتشهد فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: حين بلغه قتله: "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه"٢.
وأخرجه أبو نعيم٣ من طريق إبراهيم بن المنذر به نحوه.
وأخرجه الطبراني: قال: حدثنا الحسن٤ بن هارون بن سليمان الأصبهاني ثنا محمد بن إسحاق المسيبي٥، ثنا محمد٦ بن فليح به فذكر نحوه٧.
وأخرجه عمر بن شبة عن الليث بن سعد مرسلًا:
(٧١) قال: حدثنا الحزامي حدثنا ابن وهب قال: حدثني الليث بن سعد أن عروة بن مسعود استأذن رسول الله ﷺ أن يأتي قومه"٨ الحديث.
ذكر الهيثمي حديث عروة ثم قال: وروى عن الزهري نحوه، وكلاهما مرسل، وإسنادهما حسن٩ ا. هـ
_________________
(١) ١ موسى بن عقبة أبي عياش - بتحتانية ومعجمة - الأسدي مولى آل الزبير ثقة فقيه إمام في المغازي لم يصح أن ابن معين لينه، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ٣٥٢. ٢ التاريخ المدينة ٢/١٧٠. ٣ معرفة الصحابة: ع، لوحة: ١٢٦. ٤ الحسن بن هارون بن سليمان بن داود بن بهرام السلمي الخزاز، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وقد كف بصره يكنى أبا علي، حدث عن أبي بكر بن أبي شيبة وعثمان بن أبي شيبة والمسيبي وداود بن رشيد وعبيد الله ابن عمر القوارايري. ذكر أخبار أصبهان ١/٢٦٢. ٥ محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيبي، من ولد المسيب بن عابد المخزومي المدني، صدوق، مات سنة ست وثلاثين ومائتين: م، د. تقريب: ٢٨٩. ٦ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي المدني، صدوق يهم، مات سنة سبع وتسعين ومائة: خ، س، ق. تقريب: ٣١٥، تهذيب التهذيب ٩/٤٠٦. ٧ المعجم الكبير ١٧/١٤٨. ٨ تاريخ المدينة ٢/١٧١. ٩ مجمع الزوائد ٩/٣٨٦.
[ ١٢٦ ]
قلت: هذا الحديث وإن كان مرسلًا إلا أنه قد ارتفع إلى درجة الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه.
قال ابن الصلاح ثم إعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن كان يصح مخرجه من وجه آخر١ ا. هـ
وهذا الحديث قد صح مخرجه من غير وجه، سيما وأنه من مراسيل عروة بن الزبير وقد كان متحريًا في روايته فلا يحدث الناس إلا بما وثق من رواته كما صرح بذلك: قال ابن عدي: حدثنا عبد الملك٢ بن محمد سنة اثنتين وتسعين ومائتين نا الربيع٣ بن سليمان أنا الشافعي٤ أخبرني عمي محمد٥ بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمع سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به قد حدث عمن لا أثق به٦.
وأخرجه ابن عبد البر قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم٧ بن شاكر قال حدثنا
_________________
(١) ١ علوم الحديث لابن الصلاح: ٤٩. ٢ عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الجرجاني، المعروف بالاسترباذي، كان مقدمًا في الفقه والحديث، وكانت الرحلة إليه في أيامه، وكان أحد أئمة المسلمين من الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتورع وضبط وتيقظ، قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: كان أبو نعيم أحد الأئمة وما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة مثله، كان يحفظ الموقوفات والمراسيل، كما نحفظ نحن المسانيد، مات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. تاريخ جرجان: ٢٩٩، تاريخ بغداد ١٠/٤٢٨، تذكرة الحفاظ ٣/٨١٦. ٣ الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي، ثقة، مات سنة سبعين ومائتين وله ست وتسعون سنة: الأربعة. تقريب ١٠١، تذكرة الحفاظ ٢/٥٨٦. ٤ محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن عبد المطلب المطلبي أبو عبد الله الشافعي، المكي نزيل مصر، مات سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة: خت، الأربعة. تقريب: ٢٨٩. ٥ محمد بن علي بن شافع المطلبي المكي، وثقه الشافعي، من السابعة: د، س. تقريب: ٣١٢. ٦ مقدمة الكامل لابن عدي: ٩٢ - ٩٣. ٧ إبراهيم بن شاكر بن الخطاب بن شاكر بن الخطاب اللحائي اللجام، من أهل قرطبة يكنى أبا إسحاق، كان رجلًا صالحًا ورعًا حافظًا للحديث، وأسماء الرجال عارفًا بهم، وقد روى عنه ابن عبد البر وأثنى عليه. الصلة لابن بشكوال ١/٨٩.
[ ١٢٧ ]
محمد١ بن يحيى بن عبد العزيز قال: حدثنا أسلم٢ بن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سليمان فذكره بمثله وزاد في آخره: "فلا أحدث به"٣.
وهذا القول صحيح الإسناد إلى عروة.
وقال ابن عبد البر تعليقًا على هذا الخبر: هذا فعل أهل الورع والدين، كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ ولو كان الناس على هذا المذهب كلهم لم يحتج إلى شيء مما نحن فيه٤.
الحليس بن علقمة الكناني:
أشار إلى قصة إرسال قريش للحليس المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر: فبعد أن ذكر قصة عروة بن مسعود قال: "فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: "هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له"، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت"٥.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق أشار إلى القصة، وصرح باسمه قال: "فبعثوا الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوا الهدي"، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لما رأى فقال: يا معشر قريش قد رأيت مالا يحل صده،
_________________
(١) ١ محمد بن يحيى بن عبد العزيز يعرف بابن الخراز روى عن أسلم بن عبد العزيز القاضي، وغيره، وروى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن شاكر، وأبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي. جذوة المقتبس: ٩٩، بغية الملتمس: ١٤٥. ٢ أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله بن خالد بن حسن بن الجعد بن أسلم بن أبان بن عمرو مولى عثمان بن عفان، يكنى أبا الجعد، ولي قضاء الجماعة بالأندلس لعبد الرحمن الناصر، قال الحميدي: له رحلة وكان جليلًا من القضاة، ثقة من الرواة، مات سنة عشر وثلاثمائة. انظر قضاة قرطبة ص ١٠٦، وجذوة المقتبس: ١٧٢، وترتيب المدارك: ٥/١٩٤. ٣ التمهيد ١/٣٨. ٤ التمهيد ١/٣٩. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم طرف من أوله مع تخريجه برقم (٣٥) .
[ ١٢٨ ]
الهدي في قلائده١ قد أكل أوتاره٢ من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك "٣.
ووردت قصته أيضًا في مرسل عروة بن الزبير من طريق الزهري: فبعد أن ذكر قصة عروة بن مسعود قال: "ودعوا رجلًا من بني الحارث بن عبد مناة٤ يقال له: الحليس فقالوا: انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به؟ فخرج الحليس وهو من قوم يعظمون الهدي، فبعثوا الهدي في وجهه.
قال ابن شهاب: "فاختلف الحديث في الحليس: فمنهم من يقول: جاء فقال له مثل ما قال لبديل وعروة ومنهم من قال: لما رأى الهدي رجع إلى قريش فقال: لقد رأيت أمر لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت٥ فابصروا بصركم، فقالوا: اجلس"٦.
وجاء في حديث عروة أيضاَ من طريق ابن هشام ما نصه: بعد أن ذكر نزول الرسول ﷺ الحديبية قال: "فلما سمعت به قريش أرسلوا إليه أخا بني حليس وهو من قوم يعظمون الهدي فقال: ابعثوا الهدي فلم يكلمهم كلمة، وانصرف من مكانه إلى قريش فقال: يا قوم القلائد والهدي والبدن فحذرهم وعظم عليهم فسبوه وتجهموه٧، وقالوا: إنما أنت أعرابي جلف٨، لا نعجب منك، ولكن نعجب من أنفسنا إذ أرسلناك"٩.
وقد روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن الحليس قد غضب من فعل قريش وهددهم:
_________________
(١) ١ القلائج: جمع قلادة، وهي ما وضع في العنق، ترتيب القاموس ٣/٦٧٤. ٢ أوتاره: جمع وتر - محركة - وهو: شرعة القوس ومعلقها. ترتيب القاموس ٤/٥٧٠. ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه والكلام عليه. ٤ الحارث بن عبد مناة هو: ابن كنانة، انظر جمهرة أنساب العرب: ١٨٨، وإذن فلا تنافي بين هذه الرواية والتي قبلها. ٥ عنت: أي مشقة وهلاك. النهاية ٣/٣٠٦. ٦ تقدم سنده برقم (٣٣) . ٧ تجهموه: استقبلوه بوجوه كريهة. ترتيب القاموس ١/٥٤٩. ٨ الجلف بالكسر، الرجل الجافي. ترتيب القاموس ١/٥١٧. ٩ انظر سنده برقم (١١) ص:
[ ١٢٩ ]
(٧٢) قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا: مه، كف عنا يا حليس، حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به"١.
وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه مرسل.
مكرز بن حفص بن الأخيف:
ورد خبر إرسال قريش له في حديث المسور ومروان.
ففيه من طريق معمر بعد أن ذكر قصة عروة والحليس قال: "فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مكرز وهو رجل فاجر" فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو"٢.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: "ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أحد بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ "٣.
سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحفص:
ورد خبر إرسال قريش لسهيل بن عمرو إلى النبي ﷺ في حديث المسور ومروان، لكن جاء ذكره بمفرده وورد في بعض الأحاديث أن قريشًا أرسلت معه حويطب بن عبد العزى وحفصًا هذا:
ففي حديث المسور ومروان من طريق معمر بعد أن ذكر قصة مكرز بن حفص
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣١٢. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم طرف من أوله مع تخريجه برقم (٣٥) . ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) .
[ ١٣٠ ]
قال: "فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو وقال معمر١: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: "لقد سهل لكم من أمركم"، قال الزهري٢ في حديثه، فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب"٣ الحديث.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني الزهري أن قريشًا أرسلت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحة إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي ﷺ قال: "لقد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ تكلما وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح"٤ الحديث.
وفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام أن قريشًا بعثت مكرز بن حفص مع سهيل: فبعد أن ذكر قصة عروة بن مسعود قال: "فلما سمعوا مقالته أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ومكرز بن حفص فقالوا: انطلقوا إلى محمد فقاضياه"٥.
وقد تقدم في حديث المسور ومروان من طريق معمر٦ أن مكرزًا ذهب قبل سهيل وفي أثناء حديثه مع النبي ﷺ قدم سهيل بن عمرو، وهذا في البخاري فالأخذ به أولى.
وجاء في حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة وغيره أن قريشًاَ بعثت مع سهيل بن عمرو حويطب بن العزى وحفصًا:
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: هذا موصول إلى معمر بالإسناد المذكور أولًا، وهو مرسل، ولم أقف على من وصله لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع قال: "بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى » وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب. فتح الباري ٥/٣٤٢. قلت: حديث سلمة عند ابن أبي شيبة ضعيف، انظر: حديث رقم (٧٣)، وأما حديث عبد الله بن السائب عند الطبراني فلم أقف عليه لعدم وجود القسم الذي هو فيه من المعجم الكبير. ٢ هو موصول بالإسناد المذكور أول الحديث، وإنما اعترض حديث عكرمة في أثنائه. فتح الباري ٥/٣٤٢. ٣ تقدمت الإشارة إليه ص: ٤ تقدمت الإشارة إليه ص: ٥ تقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) وهناك الكلام عليه. ٦ انظر ص:
[ ١٣١ ]
(٧٣) قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحفصًا إلى النبي ﷺ ليصالحوه فلما رآهم النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو قال: قد سهل لكم من أمركم القوم ماتون١ إليكم بأرحامهم وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية، لعل الله يلين قلوبهم فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية قال: فجاءوا فسألوا الصلح"٢.
وأخرجه ابن جرير٣ عن محمد بن عمارة، ومحمد٤ بن منصور، كلاهما عن عبيد الله بن موسى به مثله وقال فيه: "حفص بن فلان ".
سند هذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن عبيدة.
ووقع عند البيهقي في مرسل عروة: "بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص"٥.
وهذا الأثر ضعيف لأنه مرسل، وفي سنده إلى عروة ضعف، ومكرز بن حفص لم يذهب مع سهيل بن عمرو كما سبق بيانه.
_________________
(١) ١ ماتون: أي متوسلون إليكم بقرابة. ترتيب القاموس ٤/١٩٨. ٢ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦٠. ٣ تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٧٧. ٤ محمد بن منصور بن داود الطوسي، نزيل بغداد أبو جعفر العابد، ثقة، مات سنة أربع أو ست وخمسين ومائتين، وله ثمان وثمانون سنة: د، س. تقريب: ٣٢٠. ٥ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٧.
[ ١٣٢ ]
الفصل الثالث: بيعة الرضوان
المبحث الأول: سبب هذه البيعة
المبحث الأول: سبب هذه البيعة:
اشتهرت هذه البيعة بيعة الرضوان لأن الله ﷾ أخبر أنه قد رضي عن أصحابها.
(٧٤) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة قال: قال سلمة: بينما نحن قائلون زمن الحديبية نادى منادي رسول الله ﷺ، يا أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس صلوات الله عليه قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة سمرة، قال: فبايعناه، وذلك قوله الله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ "١.
وأخرجه ابن أبي حاتم٢ عن أحمد٣ بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن موسى به نحوه.
سند هذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، لكن يشهد له حديث جابر الآتي٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٢٦/٨٦. ٢ تفسيير ابن كثير ٤/١٩١. ٣ أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد البصري، صدوق، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين: ق. تقريب: ١٦. ٤ انظر حديث رقم (٨٤) .
[ ١٣٣ ]
(٧٥) أما سبب هذه البيعة فما رواه ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله١ بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة"٢.
وأخرجه ابن جرير والبيهقي كلاهما من طريق ابن إسحاق: قال ابن جرير٣: حدثنا ابن حميد٤ قال: حدثنا سلمة٥ عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر فذكره.
وقال البيهقي٦: أخبرنا أبو عبد الله٧ الحافظ حدثنا أبو العباس٨ محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد٩ بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس١٠ عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكر نحوه.
هذا الأثر مرسل وسنده إلى عبد الله بن أبي بكر حسن.
وأخرج البيهقي بسنده إلى عروة بن الزبير أثرًا ذكر فيه سبب احتباس قريش لعثمان بن عفان:
فبعد أن ذكر قدوم وفد قريش على رسول الله ﷺ للمفاوضة قال: "فكلموا رسول الله ﷺ ودعوا إلى الصلح والموادعة، فلما لان بعضهم لبعض وهم على ذلك لم
_________________
(١) ١ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة: ع. تقريب: ١٦٩. ٢ سيرة ابن هشام ٣/٣١٥. ٣ تفسير ابن جرير ٢٦/٨٦. ٤ هو: محمد بن حميد الرازي. ٥ هو: سلمة بن الفضل الأبرشي. ٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٨. ٧ هو محمد بن عبد الله الحاكم. ٨ أبو العباس محمد بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، قال عنه الذهبي: "الإمام المفيد الثقة محدث المشرق"، نقل عن الحاكم أنه قال: "حدث في الإسلام ستًا وسبعين سنة، ولم يختلف في صدقه وصحة سماعة"، ونقل عنه أيضًا أنه قال: سمعت محمد بن الفضل بن خزيمة قال: "سمعت جدي إمام الأئمة"، وسئل عن كتاب المبسوط للشافعي فقال: "اسمعوه من أبي العباس الأصم، فإنه ثقة"، مات سنة ست وأربعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠. ٩ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي أبو عمر الكوفي، ضعيف وسماعه للسيرة صحيح، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين وله خمس وتسعون سنة. تقريب: ١٤. ١٠ يونس بن بكير الشيباني.
[ ١٣٤ ]
يستقم لهم ما يدعون إليه من الصلح وقد أمن بعضهم بعضًا وتزاوروا فبينما هم كذلك وطوائف من المسلمين في المشركين لا يخاف بعضهم بعضًا ينتظرون الصلح والهدنة إذ رمى رجل من الفريقين رجلًا من الفريق الآخر، فكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان أتاهم من أصحاب رسول الله ﷺ ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا"١ الحديث.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٨، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٦٥) وهناك الكلام عليه.
[ ١٣٥ ]
المبحث الثاني: مكان البيعة:
أخبر الله ﷾ أن تلك البيعة وقعت تحت الشجرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ١.
وقد أشار إليه حديث نافع عند البخاري:
(٧٦) قال: حدثنا شجاع بن الوليد سمع النضر بن محمد حدثنا صخر عن نافع قال: "إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم٢ للقتال فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر"٣.
وأخرجه البخاري تعليقًا من حديث ابن عمر ولم يذكر الشجرة.
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية: ١٨. ٢ يستلئم: يلبس لأمة الحرب، وهي أداته. النهاية ٤/٢٢١. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٨٦.
[ ١٣٥ ]
(٧٧) قال: قال١ هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمري أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال٢: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ، قال: فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع٣.
والشجرة المشار إليها هي سمرة، كما صرح بذلك حديث جابر٤ وغيره.
وقد ورد ذكر الشجرة في حديث سعيد بن المسيب عن أبيه، وبين فيه أنهم قد نسوا مكانها من السنة التي تلي عام الحديبية:
(٧٨) قال البخاري: حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون قلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل، نسيناها فلم نقدر عليها.
فقال سعيد: "إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم! "٥.
وأخرجه من طريق أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب عن أبيه: "أنه كان ممن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها من العام المقبل فعميت علينا"٦.
وأخرجه مسلم من طريق أبي عوانة عن طارق بن سعيد بن المسيب قال: "كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين
_________________
(١) ١ هكذا أخرجه البخاري معلقًا، وذكر ابن حجر أن الإسماعيلي قد وصله، انظر فتح الباري ٧/٤٥٦. ٢ يظهر أن سبب إرسال عمر لابنه في هذا الحديث غير السبب المذكور في حديث نافع السابق، وقد جمع بينهما ابن حجر فقال: ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنهم فبدأ بكشف حالهم فوجدهم يببايعون فبايع وتوجه إلى الفرس فأحضرها وأعاد حينئذ الجواب لأبيه. فتح الباري ٧/٤٥٦. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٨٧. ٤ انظر الحديث رقم (٢٣ - ٢٤) . ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٣. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي ٤١٦٤.
[ ١٣٦ ]
فخفي علينا مكانها، فإن كان تبين لكم فأنتم أعلم"١.
وأخرجه البخاري من طريق٢ سفيان عن طارق به مختصرًا.
وأخرجه مسلم من طريق٣ سفيان به مختصرًا أيضًا.
وقد ورد في حديث سعيد بن المسيب هذا عن أبيه أن الصحابة رضوان الله عليهم قد خفي عليهم مكان الشجرة من العام التالي لعام الحديبية، لكن يرد عليه ما في حديث جابر ﵁: "ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة" ٤.
والظاهر أن عدم معرفة والد سعيد بن المسيب ومن كان معه لمكان الشجرة لا ينافي معرفة غيرهم من الصحابة لمكانها، مثل جابر بن عبد الله ﵄ وغيره٥، وأيضًا يشهد لذلك ما في أثر نافع:
(٧٩) قال ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب٦ بن عطاء أخبرنا عبد الله٧ بن عون عن نافع٨ قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت٩.
وسند هذا الأثر صحيح كما ذكر ابن حجر١٠.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٧. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٥. ٣ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٧٨. ٤ انظر الحديث رقم (٢٠) . ٥ قد أشار إلى هذا الجمع ابن حجر، انظر: فتح الباري ٧/٤٤٨. ٦ عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبو نصر العجلي مولاهم البصري، نزيل بغداد، صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العباس يقال: دلسه عن ثور، مات سنة أربع، ويقال: سنة ست ومائتين: عخ، م، والأربعة. تقريب: ٢٢٢. ٧ عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري، ثقة، ثبت، فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، مات سنة خمسين ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ١٨٤. ٨ نافع بن عبد الله مولى ابن عمر. ٩ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠. ١٠ فتح الباري ٧/٤٤٨.
[ ١٣٧ ]
المبحث الثالث: على أي شيء كانت البيعة:
لما أشيع مقتل عثمان ﵁ دعا رسول الله ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم للبيعة فهبوا إليه جميعًا ليبايعوه، لم يتخلف منهم سوى رجل واحد - يقال كان منافقًا - وهو الجد بن قيس كما في حديث جابر: "فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره١.
نعم تسابق الصحابة رضوان الله عليهم لمبايعة رسول الله ﷺ، فعلى أي شيء كانت تلك البيعة يا ترى؟ حتى استحقت تلك المبادرة؟
سئل الصحابة رضوان الله عليهم هذا السؤال فأجابوا عنه بما يلي:
(أ) أجاب سلمة بن الأكوع ﵁ بأنهم بايعوا على الموت:
(٨٠) قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن يزيد ين أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت"٢.
وأخرجه محمد بن مسلمة٣ القعنبي عن حاتم به مثله.
وأخرجه المكي٤ بن إبراهيم بن أبي عبيد عن سلمة من حديث ذكر فيه عدد المرات التي بايعها.
وأخرجه مسلم٥ عن قتيبة بن سعيد عن حاتم وعن إسحاق بن إبراهيم عن حماد بن مسعدة كلاهما عن يزيد عن سلمة مثله.
وأخرجه الترمذي٦ والنسائي٧ كلاهما عن قتيبة عن حاتم به مثله.
وأخرجه أحمد٨ عن صفوان عن يزيد عن سلمة فذكر مثله.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٩، ومسند الحميدي ٢/٥٣٧، وتقدم الحديث برقم (٢٤) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٩. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأحكام: ٧٢٠٦. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩٦٠. ٥ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٨٠. ٦ سنن الترمذي، كتاب السير: ١٥٩٢. ٧ سنن النسائي ٧/١٤١. ٨ مسند أحمد ٤/٥١.
[ ١٣٨ ]
وأخرجه١ عن المكي بن إبراهيم بسنده عند البخاري ولفظه.
وأخرجه٢ عن حماد بن مسعده عن يزيد عنه بنحو لفظ المكي بن إبراهيم.
وجاء عن عبد الله بن زيد ﵁ ما يؤيد جواب سلمة ﵁:
(٨١) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن الحنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ"٣.
وأخرجه٤ من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن يحيى به، ذكر نحوه وزاد "وكان شهد معه الحديبية".
وأخرجه مسلم٥ من طريق وهيب به مثله.
(ب) وأجاب معقل بن يسار وجابر بن عبد الله ﵃ بأنهم بايعوا على عدم الفرار:
(٨٢) قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتم يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: "لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر"٦.
وقال مسلم أيضًا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت"٧.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٥٤. ٢ مسند أحمد ٤/٤٧. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩٥٩. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٦٧. ٥ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٨١. ٦ صحيح مسلم كتاب الإمارة: ٧٦، وتقدم تخريجه برقم (٢٥) . ٧ صحيح مسلم كتاب الإمارة: ٦٧، وتقدم تخريجه برقم (٢٣) .
[ ١٣٩ ]
وأخرجه من طريق سفيان عن أبي الزبير:
(٨٣) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن عيينة ح.
وحدثنا ابن نمير حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: لم نبايع رسول الله ﷺ على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر"١.
أخرجه الترمذي٢ عن أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة به مثله.
وأخرجه النسائي٣ عن قتيبة عن سفيان به مثله.
وأخرجه أحمد٤ والحميدي٥ كلاهما عن سفيان به مثله، وصرح أبو الزبير بالسماع من جابر عندهما وعند النسائي.
وأخرج الترمذي الحديث عن جابر من طريق آخر بسياق آخر:
(٨٤) قال: حدثنا سعيد٦ بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا عيسى٧ بن يونس عن الأوزاعي٨ عن يحيى٩ بن أبي كثير عن أبي سلمة١٠ عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، قال جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نفر ولم نبايعه على الموت١١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإمارة: ٦٨. ٢ سنن الترمذي، كتاب السير: ١٥٩٤. ٣ سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي ٧/١٤٠. ٤ مسند أحمد ٣/٣٨١. ٥ مسند الحميدي ٢/٥٣٦. ٦ سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة، ربما أخطأ مات سنة تسع وأربعين ومائتين: خ، م، د، ت، س. تقريب: ١٢٧. ٧ عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي - بفتح السين وكسر الموحدة - أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل إحدى وستين ومائة: ع. تقريب: ٢٧٣. ٨ عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، مات سنة سبع وخمسين ومائة: ع. تقريب: ٢٠٧. ٩ يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٣٧٨. ١٠ أبو سلمة عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة أربع وتسعين وكان مولده بضع وعشرين: ع. تقريب: ٤٠٩، تهذيب التهذيب ١٢/١١٥. ١١ سنن الترمذي، كتاب السير: ١٥٩١.
[ ١٤٠ ]
قال أبو عيسى: "وقد روى هذا الحديث عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: "قال جابر بن عبد الله، ولم يذكر فيه أبو سلمة"١.
قلت: يعني أن الحديث جاء من وجه آخر منقطعًا لأن يحيى بن أبي كثير لم يدرك جابر بن عبد الله.
قال أبو حاتم: "وأبو زرعة والبخاري وغيرهم لم يدرك أحدًا من الصحابة إلا أنس بن مالك فإن رآه رؤية ولم يسمع منه"٢ ا. هـ
وهنا قد تعارض الإرسال والوصل لكن الأرجح وصله، فالذي رواه عنه الترمذي موصولًا هو سعيد بن يحيى الأموي ثقة، وثقه ابن المديني بل قال: "إنه أثبت من أبيه ووثقه النسائي وغيره"٣.
أما الطريق الذي فيه الإرسال ففيه انقطاع بين الترمذي وعيسى بن يونس، ورواه الترمذي أيضًا بصيغة التمريض، وإذا ترجح وصله فهناك علة في السند، وهي أن يحيى بن أبي كثير رواه بالعنعنة وهو مدلس٤، لكن لا يضر تدليسه هنا؛ لأن أصل الحديث ثابت عند مسلم عن جابر وغيره، وقد تقدمت قريبًا٥.
وفيه من حديث عبد الله بن مغفل:
(٨٥) قال أحمد: حدثنا وكيع عن أبي جعفر٦ الرازي عن الربيع٧ ابن أنس عن أبي العالية٨ الرياحي أو عن غيره عن عبد الله بن مغفل وكان أحد الرهط الذين نزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ الخ، قال:
_________________
(١) ١ م، السابق ٤/٤/١٤٩. ٢ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ٣٦٩. ٣ تهذيب التهذيب ٤/٩٧ - ٩٨. ٤ جامع التحصيل: ١٢٨. ٥ انظر الحديث رقم (٨١، ٨٢) . ٦ أبو جعفر الرازي التميمي مولاهم، مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، أصله من مرو وكان يتجر إلى الري، صدوق سيء الحفظ خصوصًا عن مغيرة، مات سنة ستين ومائة: بخ، الأربعة. تقريب: ٣٩٩. ٧ الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، رمي بالتشيع، مات سنة أربعين ومائة أو قبلها: الأربعة. تقريب: ١٠٠. ٨ رفيع - بالتصغير - ابن مهران أبو العالية الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: ١٠٤.
[ ١٤١ ]
إنني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظل به النبي ﷺ وهم يبايعونه فقالوا، "نبايعك على الموت؟ قال: لا، ولكن لا تفروا"١.
ذكره الهيثمي وقال: "رواه الطبراني وإسناده جيد إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو عن غيره"٢.
قلت: شك الربيع بن أنس في شيخه الذي روى عنه يوجب ضعف الحديث، لجهالة الشيخ الذي يحتمل أنه روى عنه غير أبي العالية.
لكن عجز الحديث الذي هو موضع الشاهد ثابت من أحاديث أخرى صحيحة تقدمت قريبًا.
(جـ) وقد سئل نافع على أي شيء كانت البيعة؟ فأجاب بأنها كانت على الصبر:
(٨٦) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعناه تحتها كانت رحمة من الله فسألنا نافعًا على أي بايعهم؟ على الموت؟ فقال: لا، بايعهم على الصبر٣.
بينت هذه الروايات الشيء الذي بايع عليه رسول الله ﷺ الصحابة يوم الحديبية، لكن رأينا في بعضها أنه بايعهم على الموت، وفي بعضها بايعهم على عدم الفرار وفي بعضها على الصبر، فكيف التوفيق بينها؟
الواقع أنه لا خلاف بين هذه النصوص كما بين ذلك بعض العلماء:
قال الترمذي: قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: "لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر"٤ ا. هـ
وقال ابن حجر: "لا تنافي بين قولهم، بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكر نافع وعدل إلى قوله: "بل بايعهم على الصبر" أي على الثبات سواء أفضى ذلك
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٥/٥٤. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٦. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩٥٨. ٤ سنن الترمذي ٤/١٥٠.
[ ١٤٢ ]
إلى الموت أو لا، والله أعلم"١ ا. هـ
قلت: ويؤيد توجيه ابن حجر ما ورد في مرسل الشعبي الآتي في قصة أبي سنان وفيه: "قال يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، قال: فبايعه رسول الله ﷺ وجاء الناس فجعلوا يقولون نبايعك على بيعة أبي سنان"٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/١١٨. ٢ سيأتي في المبحث التالي.
[ ١٤٣ ]
المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان:
ورد في بعض الروايات أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، إلا أنه قد عرف بهذه الكنية اثنان من بني أسد أحدهما: أبو سنان محصن أخو عكاشة بن محصن، والآخر أبو سنان بن وهب، ولذلك وقع خلاف أيهما المراد هنا، وقد ذكر بعضهم في ذلك غير أبي سنان الأسدي، وسوف يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله.
(٨٧) قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله١ بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر٢ قال: إن أول من بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي٣.
وقد أخرجه ابن هشام٤ عن وكيع به بمثله.
وأخرجه البيهقي من طريق سفيان٥ بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "لما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك فقال النبي ﷺ: "علام تبايعني"؟ فقال أبو سنان ﵁: على ما في نفسك " هذا أبو سنان الأسدي.
وأورده ابن سيد الناس من طريق عاصم الأحول:
قال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي عروبة٦ ثنا علي٧ بن المنذر ثنا محمد٨ ابن فضيل عن عاصم٩ عن عامر١٠ قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان
_________________
(١) ١ عبد الله بن نمير - بنون مصغرًا - الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة: ع. تقريب: ١٩٢. ٢ عامر بن شراحبيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه، فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين سنة: ع. تقريب: ١٦١. ٣ الطبقات الكبرى ٢/١٠٠. ٤ سيرة ابن هشام ٣/٣١٦. ٥ سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعين سنة: ع. تقريب: ١٢٨. ٦ الحسين بن محمد بن أبي معشر، مودود السلمي الحراني صاحب التاريخ، كان أول طلبه لهذا الشأن سنة ست وثلاثين ومائتين، قال ابن عدي: كان عارفًا بالرجال وبالحديث وكان مع ذلك مفتي أهل حران، شفاني حين سألته عن قوم من المحدثين، وقال الذهبي: كان من نبلاء الثقات، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٧٤. ٧ علي بن المنذر الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة ست وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٢٤٩. ٨ محمد بن فضيل بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، عارف، رمي بالتشيع، مات سنة خمس وتسعين ومائتين: ع. تقريب: ٣١٥، تذكرة الحفاظ ١/٣١٥. ٩ عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ١٥٩. ١٠ هو: الشعبي.
[ ١٤٣ ]
الأسدي، قال: "يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، فبايعه رسول الله ﷺ وجاء الناس فجعلوا يقولون: نبايعك على بيعة أبي سنان" ١.
هذا الأثر صحيح بمجموع طرقه إلى الشعبي وهو مرسل.
وجاء في حديث ابن عمر عند الطبراني "أبو سنان بن محصن":
(٨٨) قال الطبراني: حدثنا أحمد٢ ثنا محمد٣ بن عبد الله بن عبيد ابن
_________________
(١) ١ عيون الأثر في المغازي والسير ٢/١٢٥. ٢ أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التستري، قال عنه الذهبي الحافظ الحجة، وقال الحافظ بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر التستري، وقال الحاكم: سمعت جعفر بن أحمد المراغي يقول: أنكر عبدان الأهوازي حديثًا مما عرض عليه لابن زهير، فدخل عليه وقال: هذا أصلي ولكن من أين لك ابن عون (لعله ابن عوف كما في هذه الرواية) عن الزهري عن سالم؟ فما زال عبدان يعتذر إليه ويقول: يا أبا جعفر إنما استغربت حديثك، مات سنة عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٥٧ - ٧٥٨. ٣ محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق، من الحادية عشرة: د، س، ق. تقريب: ٣٠٥.
[ ١٤٤ ]
عقيل ثنا يعقوب١ بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز٢ بن عمران عن محمد٣ بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن سالم٤ عن أبيه٥ قال: ودعا رسول الله ﷺ يوم الحديبية الناس للبيعة، فقام أبو سنان بن محصن فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بالسيف بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان٦.
قال الطبراني: "لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب"٧.
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز ابن عمران، وهو متروك"٨.
قلت: وفيه أيضًا محمد بن عبد العزيز شيخ عبد العزيز بن عمران، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك٩.
وقد عد ابن رجب١٠ بيتهم في البيوت التي اشتهرت بالضعف.٣
_________________
(١) ١ يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: ٣٨٧. ٢ عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفًا بالأنساب، مات سنة سبع وتسعين ومائة: ت. تقريب: ٢١٥. ٣ محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، روى عن أبيه والزهري وغيرهما، ولي القضاء بالمدينة، قال البخاري: محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف القاضي، منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال في التمييز: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم ثلاثة أخوة محمد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم. لسان الميزان ٥/٢٥٩ - ٢٦٠. ٤ سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ١١٥. ٥ عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، استصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان أشد الناس اتباعًا للأثر، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي تليها: ع. تقريب: ١٨٢. ٦ مجمع البحرين بزوائد المعجمين ١/٢، لوحة: ٢٤٠. ٧ مجمع البحرين بزوائد المعجمين ١/٢/لوحة: ١٤١. ٨ مجمع الزوائد ٦/١٤٦. ٩ لسان الميزان ٥/٢٦٠. ١٠ شرح علل الترمذي: ٥٢٧.
[ ١٤٥ ]
وهذا الحديث مع ضعف سنده في متنه نكارة أيضًا، ففيه أن أول من بايع أبو سنان بن محصن، وأبو سنان بن محصن مات قبل ذلك في حصار بني قريظة١.
وقد ظن الواقدي أن المشار إليه في الروايات السابقة هو هذا فوهّم قائله، وقال٢: إن أول من بايع بيعة الرضوان هو سنان بن أبي سنان وتبعه على ذلك أبو هلال العسكري٣ وابن سيد الناس٤، وكأنه لم تبلغهم الراويات التي وردت عن الشعبي وغيره تصرح بأن المذكور في البيعة هنا هو أبو سنان بن وهب، والروايات هي:
(٨٩) قال ابن عبد البر: ذكر الحلواني٥ عن أبي أسامة٦ عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي، فقال له رسول الله ﷺ: علام تبايع؟ قال: على ما في نفسك فبايعه وتتابع الناس فبايعوه٧.
(٩٠) وقال أيضًا: ذكر أبو العباس٨ محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا هناد بن السري٩ قال حدثنا أبو بكر١٠ بن عياش عن عاصم عن زر١١ قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب١٢.
_________________
(١) ١ الإصابة ١١/١٨١. ٢ مغازي الواقدي ٢/٦٠٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٠٠. ٣ كتاب الأوائل: ١٧٠. ٤ عيون الأثر ٢/١٢٥. ٥ الحسن بن علي بن محمد الهذلي أبو علي الخلال الحلواني. ٦ هو: حماد بن سلمة. ٧ الاستيعاب ١١/٣١٣ مع الإصابة. ٨ أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم النيسابوري السراج، صاحب المسند والتاريخ، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، مات في ربيع الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٣١. ٩ هناد بن السري - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وله إحدى وتسعون سنة: عخ، م، الأربعة. تقريب: ٣٦٥. ١٠ أبو بكر بن عياش الأسدي. ١١ زر: بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرًا - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة: ع. تقريب: ١٠٦. ١٢ الاستيعاب ١١/٣١٤.
[ ١٤٦ ]
قال ابن حجر: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن زر بن حبيش فذكر مثله١.
وذكر ابن حجر أن طريق زر بن حبيش وطريق الشعبي كلاهما صحيح٢.
فهذا الحديث حسن لغيره وإن كان مرسلًا إلا أنه قد اختلف مخرجه فدل على أن له أصلًا وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح بقوله: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر٣.
وهنا قد صح مخرجه من وجهين فارتفع إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة وهي: رجحان القول بأن أول من بايع هو أبو سنان بن وهب الأسدي، وليس أبو سنان بن محصن لهذا الحديث ولأن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه أبو سنان بن محصن ضعيف جدًا لا يقوى على المعارضة والروايات التي قالت: أبو سنان الأسدي تفسرها هذه الرواية، والله أعلم.
ذكر ابن حجر: أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: "أول من بايع تحت الشجرة أبو سفيان بن الحارث" ٤.
وقد تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه فقال: أبو سنان بن وهب وهو الصواب وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان: عبد الله" ٥ ا. هـ
وقد أورد السفاريني على قصة أبي سنان بن وهب - من كونه أول من بايع - ما روى مسلم في حديث سلمة أنه أول من بايع: ثم أجاب عن ذكل بقوله: "والجمع بينهما: بأن أبا سنان أول من بايع مطلقًا، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان"٦.
_________________
(١) ١ الإصابة ١١/١٨١. ٢ الإصابة ٤/٢٦٤. ٣ علوم الحديث لابن الصلاح: ٤٩. ٤ الإصابة ١١/١٧١. ٥ الإصابة: ١١/١٧١. ٦ شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.
[ ١٤٧ ]
المبحث الخامس: ما ورد في فضل أصحاب البيعة:
قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض"، وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة١.
وفيه من حديث أم مبشر عند مسلم:
(٩١) قال: حدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله: فانتهرها فقال: حفصة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ٢، فقال النبي ﷺ: قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣.٤
وأخرجه أحمد٥ عن حجاج به مثله.
وأخرجه البيهقي٦ من طريق حجاج به مثله.
وأخرجه ابن ماجه من حديث حفصة ﵂:
(٩٢) حدثنا أبو بكر٧ بن أبي شيبة ثنا معاوية٨ عن الأعمش٩ عن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٤، وتقدم تخريجه برقم (٢٠) . ٢ سورة مريم الآية: ٧١. ٣ سورة مريم الآية: ٧٢. ٤ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: ١٦٣. ٥ مسند أحمد ٦/٢٤٠. ٦ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢٣١. ٧ هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي، ثقة، حافظ، صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: خ، م، د، س، ق. تقريب: ١٨٧. ٨ هو: شيبان بن عبد الرحمن النحوي. ٩ هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة، حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، مات سنة سبع وأربعين ومائة، وكان مولده أول إحدى وستين سنة: ع. تقريب: ١٣٦.
[ ١٤٨ ]
أبي سفيان١ عن جابر٢ عن أم مبشر٣ عن حفصة٤ قال: قال النبي ﷺ: "إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله تعالى ممن شهد بدرًا والحديبية".
قالت قلت: يا رسول الله أليس قد قال الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ ٥؟ قال: "ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٦.٧
وأخرجه أحمد٨ وأبو يعلى٩ وإسحاق١٠ بن راهويه كلهم من طريق الأعمش به فذكروا نحوه.
وأخرجه ابن أبي عاصم١١ عن أبي بكر بن أبي شيبة به نحوه.
وأخرجه١٢ أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، كلاهما عن عبد الله بن إدريس عن الأعمش به نحوه.
قال البوصيري١٣: حديث حفصة صحيح رجاله ثقات، إن كان أبو سفيان سمع من جابر بن عبد الله.
قلت: كأنه يشير إلى الخلاف في سماع أبي سفيان من جابر:
_________________
(١) ١ هو: طلحة بن نافع الواسطي أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة، صدوق من الرابعة: ع. تقريب: ١٥٧. ٢ جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن حرام - بمهملة وراء - الأنصاري ثم السلمي - بفتحتين - صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين: ع. تقريب: ٥٢. ٣ أم مبشر الأنصاري، امرأة زيد بن حارثة، يقال: اسمها جهينة بنت صيفي بن صخر، صحابية مشهورة: م، س، ق. تقريب: ٤٧٦. ٤ حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث، وماتت سنة خمس وأربعين: ع. تقريب: ٤٦٧. ٥ سورة مريم آية: ٧١. ٦ سورة مريم آية: ٧٢. ٧ سنن ابن ماجه، كتاب الزهد: ٤٢٨١. ٨ مسند أحمد ٣/٢٨٥. ٩ مسند أبي يعلى ٦، لوحة ٦٤٢. ١٠ مسند إسحاق، لوحة: ٢٣٢. ١١ كتاب السنة ٢/٤١٤. ١٢ المصدر السابق ٢/٤١٥. ١٣ مصباح الزجاجة، لوحة: ٢٧٢.
[ ١٤٩ ]
فقد قال شعبة وابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هو صحيفة١ ا. هـ
وقال أبو خالد يزيد الدالاني: "لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث"٢ ا. هـ
لكن قد أثبت البخاري سماعه من جابر:
قال البخاري: نا مسدد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر٣.
وقال البخاري أيضًا: قال علي: سمعت عبد الرحمن قال: قال لي هشيم: عن أبي العلاء أيوب قال: قال أبو سفيان: كنت أحفظ وكان سليمان اليشكري يكتب، يعني عن جابر٤ ا. هـ
فهذا البخاري قد أثبت سماع أبي سفيان من جابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث صحيحًا على رأي البوصيري.
وقال الألباني٥: "اسناده جيد على شرط مسلم".
قلت: نعم هذا الحديث صحيح، ولا يضره تدليس الأعمش٦ وأبي سفيان٧.
فقد قال ابن عدي٨ عن الأعمش: "أحاديثه عن أبي سفيان مستقيمة، وأيضًا فاصل الحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث أم مبشر السابق".
وأخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله مختصرًا:
_________________
(١) ١ شرح علل الترمذي: ٤٩٧. ٢ شرح علل الترمذي ٤٩٧. ٣ التاريخ الكبير ٢/٢/٣٤٦. ٤ المصدر السابق. ٥ ظلال الجنة في تخريج السنة ٢/٤١٤ مع كتاب السنة لابن أبي عاصم. ٦ جامع التحصيل: ٢٢٨. ٧ جامع التحصيل: ٢٤٥. ٨ هدي الساري: ٤١١.
[ ١٥٠ ]
(٩٣) قال: حدثنا قتيبة١ بن سعيد ويزيد٢ بن خالد الرملي، أن الليث٣ حدثهم عن أبي الزبير٤ عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"٥.
وأخرجه الترمذي٦ عن قتيبة به فذكره بمثله.
وأخرجه أحمد٧ عن حجين٨ ويونس٩، كلاهما عن الليث به مثله.
قال الترمذي:١٠ هذا حديث حسن صحيح.
قلت: نعم هو حديث صحيح ولا تضره عنعنة أبي الزبير وإن كان مدلسًا لأنه من رواية الليث بن سعد وقد أعلم له على ما سمعه من جابر.
قال العلائي: قال سعيد بن أبي مريم ثنا الليث بن سعد قال: "جئت أبا الزبير فدفع إليّ كتابين، فانقلبت بهما ثم قلت في نفسي لو أني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر قال: سألته فقال: منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي"١١.
وقال العلائي تعقيبًا على ذلك، ولهذا توقف جماعة من الأئمة عن الاحتجاج بما لم يروه الليث عن أبي الزبير١٢.
_________________
(١) ١ قتيبة بن سعيد بن جميل - بفتح الجيم - ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني - بفتح الموحدة وسكون المعجمة - يقال اسمه يحيى، وقيل علي، ثقة ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة: ع. تقريب: ٢٨١. ٢ يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب - بفتح الهاء - الرملي أبو خالد، ثقة عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين أو بعدها: د، س، ق. تقريب: ٣٨١. ٣ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة: ع. تقريب: ٢٨٧. ٤ هو محمد بن مسلم بن تدرس - بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء - الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس مات سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٣١٨. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب السنة: ٤٦٥٣. ٦ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٨٦٠. ٧ مسند أحمد ٣/٣٥٠. ٨ حجين بن المثنى اليمامي، أبو عمير سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة، مات سنة خمسين ومائتين أو بعدها: خ، م، د، ت، س. تقريب: ٦٥، تهذيب التهذيب ٢/٢١٦. ٩ يونس بن محمد بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، مات سنة سبع ومائتين: ع. تقريب: ٣٩٠. ١٠ سنن الترمذي ٥/٦٩٥. ١١ جامع التحصيل: ١٢٦. ١٢ المصدر السابق.
[ ١٥١ ]
ومن جملة ما ورد في فضلهم أيضًا ما ورد في قصة حاطب من حديث جابر عند مسلم:
(٩٤) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: "يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية"١.
وأخرجه الترمذي٢ عن قتيبة به فذكره بمثله.
وأخرجه أحمد من طريق الليث٣ وابن جريج٤ كلاهما عن أبي الزبير عنه بمثله.
ومن طريق ابن جريج صرح أبو الزبير بالسماع من جابر.
ومما ورد في فضلهم أيضًا ما رواه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله ﵄:
(٩٥) قال حدثنا محمود٥ بن غيلان حدثنا أزهر٦ السمان عن سليمان٧ التيمي عن خداش٨ عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر "٩.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق خداش مطولًا:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: ١٦٢. ٢ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٨٦٤. ٣ مسند أحمد ٣/٣٤٩. ٤ مسند أحمد ٣/٣٢٥. ٥ محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقيل بعد ذلك: خ، م، ت، س، ق. تقريب: ٣٣٠. ٦ أزهر بن سعد السمان، أبو بكر الباهلي، بصري ثقة، مات سنة ثلاث ومائتين وهو ابن أربع وتسعين: خ، م، د، ت، س. تقريب: ٢٦. ٧ هو: سليمان بن طرخان التيمي. ٨ خداش بن عياش العبدي البصري، لين الحديث من السابعة: ت. تقريب: ٩٢. ٩ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٨٦٣.
[ ١٥٢ ]
(٩٦) قال: حدثنا محمد١ بن هارون الفلاس المخرمي حدثنا سعيد٢ بن عمرو الأشعثي حدثنا محمد٣ بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة، إلا صاحب الجمل الأحمر"، قال فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا تعال فبايع، قال: أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع٤.
هذا الحديث بهذا اللفظ منكر، والمعروف ما روي من طريق قرة بن خالد عن أبي الزبير عند مسلم: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر"٥.
لأنه من طريق قرة بن خالد، وقد قال عنه ابن حجر: ثقة ضابط.
أما الحديث الآخر فهو من طريق خداش بن عياش، وقد ذكر الترمذي أنه لا يعرفه٦.
وقال ابن حجر: "لين الحديث، وإذا خالف الضعيف الثقة فحديثه الضعيف منكر"، قال ابن حجر: "فإن خولف الراوي بأرجح يقال له المحفوظ ومقابله يقال به الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف، ومقابله يقال له: المنكر"٧.
وفيه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد:
_________________
(١) ١ محمد بن هارون أبو جعفر الفلاس المخرمي يلقب شيطا، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه ببغداد وهو من الحفاظ الثقات، وقال الدارقطني: ثقة حافظ، مات سنة خمس وستين ومائتين. الجرح والتعديل ٤/١/١١٨، تاريخ بغداد ٣/٣٥٣. ٢ سعيد بن عمرو بن سهل الكندي الأشعثي أبو عثمان الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائتين: عس. تقريب: ١٢٤. ٣ محمد بن ثابت العبدي أبو عبد الله البصري، صدوق، لين الحديث، من الثانية: د، ق. تقريب: ٢٩٢. ٤ تفسير ابن كثير ٤/١٨٨. ٥ انظر الحديث: رقم (٥٢) . ٦ تهذيب التهذيب ٣/١٣٧. ٧ نخبة الفكر: ٣٥ مع نزهة النظر.
[ ١٥٣ ]
(٩٧) قال: حدثنا يحيى١ عن محمد٢ بن أبي يحيى قال: حدثني أبي٣ أن أبا سعيد حدثه أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: "لا توقدوا نارًا بليل" فلما كان بعد ذلك قال: " أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم"٤.
وأخرجه ابن أبي شيبة٥ ومسدد٦ كلاهما عن يحيى به مثله.
وأخرجه النسائي٧ وأبو يعلى٨ كلاهما من طريق يحيى به نحوه إلا عند أبي يعلى "فلن يدرك قوم بعدكم بمدكم ولا بصاعكم".
وأخرجه الحاكم من طريق يحيى به وقال: "صحيح الإسناد"٩ ووافقه الذهبي١٠، والألباني١١.
وذكر الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد ثم قال: "ورجال ثقات"١٢.
وحسنه ابن حجر١٣
قلت: هذا الإسناد حسن كما قال ابن حجر فأبو يحيى هو سمعان الأسلمي لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي لا بأس به١٤.
وفيه من حديث مالك بن ربيعة السلولي عند الطبراني:
_________________
(١) ١ يحيى بن سعيد بن فروخ - بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة - التميم أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن، حافظ إمام قدوة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله ثمان وسبعون سنة: ع. تقريب: ٣٧٥. ٢ محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني واسم أبي يحيى سمعان، صدوق مات سنة سبع وأربعين ومائة: د، تم، س، ق. تقريب: ٣٢٤. ٣ هو: سمعان أبو يحيى الأسلمي مولاهم المدني، لا بأس به من الثالثة: الأربعة. تقريب: ١٣٧. ٤ مسند أحمد ٣/٢٦. ٥ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٦١. ٦ إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: ١٠٥. ٧ السنن الكبرى للنسائي، لوحة: ١١٩. ٨ مسند أبي يعلى: ١، لوحة: ١١٦. ٩ المستدرك ٢/٢٦. ١٠ م، السابق حاشية. ١١ سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٦٢. ١٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٥. ١٣ فتح الباري ٧/٤٤٣. ١٤ تهذيب التهذيب ٤/٢٣٨.
[ ١٥٤ ]
(٩٨) قال: حدثنا محمد١ بن الحسين بن مكرم ثنا يحيى٢ ابن محمد بن السكن ثنا إسحاق٣ بن إدريس ثنا يحيى٤ بن بريد ابن مالك بن ربيعة السلولي ثنا بريد٥ بن مالك بن ربيعة عن أبيه٦ أنه شهد مع رسول الله ﷺ يوم الشجرة ويوم الهدي معكوفًا قبل أن يبلغ محله، وأن رجلًا من المشركين قال: يا محمد ما يحملك على أن تدخل علينا هؤلاء ونحن لهم كارهون، قال: "هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد ﵃"٧.
وذكره في مجمع الزوائد٨ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه إسحاق بن إدريس وهو متروك.
قلت: بل وصف ابن معين إسحاق هذا بالكذب والوضع، فهذا الإسناد ضعيف جدًا.
وقد شمل فضل هذه البيعة عثمان بن عفان ﵁ مع أنه كان غائبًا عنها، وذلك أن رسول الله ﷺ قد بايع له بإحدى يديه:
.
_________________
(١) ١ محمد بن الحسين بن مكرم أبو بكر البغدادي ثم البصري، قال إبراهيم بن فهد ما قدم علينا بغداد أعلم بالحديث من ابن مكرم، وسئل الدارقطني عنه فقال: ثقة، مات بالبصرة في ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٢/٢٣٣، تذكرة الحفاظ ٢/٧٣٥. ٢ يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القرشي البزاز، البصري نزيل بغداد، صدوق، مات بعد الخمسين ومائتين: ح، د، س. تقريب: ٣٧٩. ٣ إسحاق بن إدريس الأسواري البصري، أبو يعقوب، قال البخاري: تركه الناس، قال أبو حاتم: ضعيف، وقال تركه علي بن المديني وسئل عنه أبو زرعة فقال: واهي الحديث ضعيف الحديث، روى عن سويد بن إبراهيم وأبي معاوية أحاديث منكرة، وقال ابن معين: كذاب يضع الحديث. التاريخ الكبير ١/١/٣٨٢، الجرح والتعديل ١/١/٢١٣، ميزان الاعتدال ١/١٨٤. ٤ يحيى بن بريد بن مالك بن ربيعة السلولي، سمع منه إسحاق بن إدريس، روى عن بريد بن مالك بن ربيعة عن أبيه: أنه شهد مع النبي ﷺ يوم الشجرة في التفسير. التاريخ الكبير ٢/٤/٢٦٤. ٥ بريد بن أبي مريم بن مالك بن ربيعة السلولي - بفتح المهلمة - البصري، ثقة من الرابعة: بخ، الأربعة: تقريب: ٤٣. ٦ مالك بن ربيعة أبو مريم السلولي صحابي دعا له النبي ﷺ: س. تقريب: ٣٢٦. ٧ مجمع البحرين بزوائد المعجمين ٢، لوحة: ٢٤١. ٨ مجمع الزوائد ٦/١٤٥.
[ ١٥٥ ]
(٩٩) قال الترمذي: حدثنا أبو زرعة١: حدثنا الحسن٢ بن بشر حدثنا الحكم٣ بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما أمر رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وكان عثمان بن عفان ﵁ رسولُ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله ﷺ فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خير من أيديهم لأنفسهم"٤.
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قلت: هذا الإسناد في الحكم بن عبد الملك ضعفه ابن معين وغيره.
وقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة منه ما يتابعه عليه الثقات، ومنه لا يتابعه٥ ا. هـ
وهذا الحديث مما تابعه عليه الثقات، فأصل الحديث ثابت من حديث ابن عمر عند البخاري، ومن حديث أبي سلمة عند أحمد:
(١٠٠) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان - هو ابن وهب - قال: "جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوم جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر إن سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي إمام حافظ ثقة مشهور، مات سنة أربع وستين بعد المائتين، وله أربع وستون سنة: م، ت، س، ق. تقريب: ٢٢٦. ٢ الحسن بن بشر بن سلم - بفتح المهلمة وسكون اللام الهمداني أو البجلي أبو علي الكوفي، صدوق يخطئ، مات سنة إحدى وعشرين بعد المائتين: خ، ت، س. تقريب: ٦٨. ٣ الحكم بن عبد الملك القرشي، البصري نزيل الكوفة، ضعيف من السابعة: بخ، ت/ ص/ ق. تقريب: ٨٠. ٤ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧٠٢. ٥ تهذيب التهذيب ٢/٤٣١.
[ ١٥٦ ]
الله قد عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت١ رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة، لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان. وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان"، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك٢.
(١٠١) وقال أحمد: حدثنا أبو قطن٣ ثنا يونس٤ - يعني ابن أبي إسحاق عن أبيه٥ عن أبي٦ سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان ﵁ من القصر وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء٧ إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وأنا معه فانتشد له رجال، قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة قال: "هذي يدي وهذه يد عثمان ﵁ فبايع لي فانتشد له رجال"٨ الحديث.
سند هذا الحديث صحيح رجاله على شرط مسلم.
_________________
(١) ١ هي: رقية ﵂. الإصابة ٦/٣٩٢. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة: ٣٦٩٨. ٣ هو: عمرو بن الهيثم بن قطن - بفتح القاف والمهملة - القطعي - بضم القاف وفتح المهملة - أبو قطن البصري، ثقة مات على رأس المائتين: بخ، م، الأربعة. تقريب: ٢٦٣. ٤ يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو إسرائيل الكوفي صدوق يهم قليلًا، مات سنة اثنتين وخمسين بعد المائة على الصحيح: ز، م، الأربعة. تقريب: ٣٩٠. ٥ هو: عمرو بن عبد الله السبيعي. ٦ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين /ع/. تقريب: ٤٠٩. ٧ حراء: بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال وهو معروف ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه. معجم البلدان ٢/٢٣٣. ٨ مسند أحمد ١/٥٩.
[ ١٥٧ ]
الفصل الرابع: في صلح الحديبية
المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته
المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته:
إننا حين نستعرض الأحداث والملابسات التي سبقت الصلح ووطّأت ذلك التوتر الناجم عن شوق المسلمين إلى البيت من جانب، وعن حمية قريش وحنقها على المسلمين من جانب آخر - حين نستعرض تلك الأحداث والملابسات نجد أن داعي الصلح وسببه قاسم مشترك بين الفريقين، فقد عرضت للمسلمين أحداث وطنت نفوسهم لقبول الصلح، كما عرضت للمشركين أحداث أخرى وملابسات ألجأتهم لقبول الصلح والرضا به.
(أ) السبب في ميل المسلمين إلى الصلح:
خرج المسلمون من المدينة وهم أشد ما يكونون شوقًا إلى البيت الحرام، ولقد كانوا عازمين على دخول مكة، وأداء نسكهم مهما كلفهم ذلك من ثمن، وفي الوقت نفسه كانوا حاسبين حساب قريش - لما كانوا يعلمونه من عدائها لهم وحنقها عليهم - ولذلك أخذوا أهبتهم لاجتياح كل ما من شانه أن يعوق طريق سيرهم، ولقد تجلى موقفهم بوضوح عندما أتاهم نبأ قريش وإعدادها لصدهم، فقد جاء في حديث المسور ومروان ما نصه: "حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذي يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتوا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين
[ ١٥٨ ]
وإلا تركناهم محروبين؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: فامضوا على اسم الله"١.
نلاحظ من خلال هذا النص حدة موقف المسلمين فرسول الله ﷺ يستشير أصحابه في الإغارة على أهالي أولئك الذين قاموا بتعزيز جانب قريش ثم يستقر رأيهم أخيرًا على قتال كل من حاول صدهم عن البيت.
كان هذا موقف المسلمين الذي استقر عليه رأيهم بعد المشورة، لكن رأينا بعد ذلك تصريحًا من رسول الله ﷺ يباين ذلك الموقف تمامًا.
يقول ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ".
بالمقارنة بين هذا النص والنص السابق نرى الفارق بينهما، ذلك أن النص السابق يشعر بالحزم والصرامة، أما الأخير فيوحي باللين والتسامح إلى حد بعيد.
فما الذي حول الموقف السابق يا ترى؟
هذه العبارة التي صدرت عن رسول الله ﷺ تحمل في غضونها السماحة واللين سبقها في الحديث ما نصه: "حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل، حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة "٢ الخ.
فهذا النص يفسر لنا الحامل لرسول الله ﷺ على ذلك التصريح الذي حول موقفه الأول، فما الذي جاء في هذا النص؟
جاء فيه حادثة بروك ناقته ﷺ، وإذن فبروك الناقة هو السبب في تحويل موقفه، ولا أعني ببروك ناقته البروك ذاته لكن أقصد ما وراء البروك وهو ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: "ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٨ - ٤١٧٩، وتقدم تخريحه برقم (٣٥) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢ وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) .
[ ١٥٩ ]
والذي حبس الفيل عن مكة هو الله سبحانه، وإذن فالله هو الذي حبس ناقة رسول الله ﷺ في الحديبية ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وحين أدرك رسول الله ﷺ ذلك الأمر أصدر التصريح الذي غير به موقفه الأول إلى ذلك الموقف السمح المتجاوب، فكان له الأثر الفعال في نجاح الصلح حيث كان الجانب الإيجابي في مقابل سلبيات قريش.
(ب) السبب في انصياع قريش للصلح:
أما السبب الذي ألجأ قريشًا لقبول الصلح والرضا به، فيرجع إلى بيعة الصحابة لرسول الله ﷺ مع ملابسات أخرى، وتوضيح ذلك:
لما هب الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله ﷺ فبايعوه على القتال حتى يفتح الله عليهم أو يموتوا كان قد حضر ذلك المشهد بعض رسل قريش، فأذهلهم الأمر ثم نقلوا تلك الصورة إلى قومهم، فأحدثت في أنفسهم هزة عنيفة جعلت منهم آذانًا صاغية لقبول الصلح، فقد جاء في مرسل عروة بن الزبير عند البيهقي ما نصه: "ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة ونادى منادي رسول الله ﷺ ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة فاخرجوا على اسم الله، فبايعوا فثاب المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على ألا يفروا أبدًا، فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح"١.
فهذا النص يبرز لنا مدى تأثير البيعة في نفوس المشركين.
وقد عزز أثر تلك البيعة ملابسات أخرى من قبل رسل المشركين أنفسهم:
فعروة بن مسعود حين رجع إلى قريش عظم لهم شأن رسول الله ﷺ وذكره لهم من أفعال الصحابة ما يبرهن على أنهم لن يسلموا رسول الله ﷺ لشيء أبدًا وأنهم سيبذلون نفوسهم دونه، ثم نصح قريشًا بقبول الهدنة، وأن يخلوا بين المسلمين وما جاءوا له.
فقد جاء في حديث المسور ومروان من رواية معمر ما نصه:
"فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على قيصر وكسرى
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢٢٨، وتقدم الكلام على سنده، انظر حديث رقم (٦٥) .
[ ١٦٠ ]
والنجاشي والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابة ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلى وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عند، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها"١.
وجاء في حديثهما من طريق ابن إسحاق نحو ما تقدم في رواية معمر وزاد: "ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم "٢.
وعروة بن مسعود له منزلته وشهرته في أوساطهم، حتى قال أكثر المفسرين المراد بالآية: ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٣ الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود٤.
لذلك كان لكلامه وقعة في نفوسهم وقد أشار إلى ذلك مرسل عروة بن الزبير عند ابن أبي شيبة فقد جاء فيه ما نصه: "فلما سمعوا مقالته أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ومكرز بن حفص فقالوا: "انطلقوا إلى محمد فإن أعطاكم ما ذكر عروة فقاضياه "٥.
وقال ابن حجر عن عروة بن مسعود: "وكانت له اليد الطولى في تقرير الصلح"٦.
وكان من بين رسل قريش الذين شنعوا عليها تلك الغطرسة أيضًا:
الحليس بن علقمة: فقد جاء خبره في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق قال: "فبعثوا الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوا الهدي، فلما رآه يسيل من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لما رأى فقال: يا معشر قريش قد رأيت مالا يحل صده عن البيت، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٢ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٣ سورة الزخرف الآية: ٣١. ٤ تفسير ابن كثير ٤/١٢٦ - ١٢٧. ٥ تقدم ص: ٦ الإصابة ٦/٤١٦.
[ ١٦١ ]
اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك "١.
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن أبي بكر: "أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاء معظمًا له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به"٢.
فهذا الموقف من رسل قريش معها - إلى جانب ما أحدثته البيعة في نفوسها من ذعر - كان السبب في انصياعها وقبولها الصلح.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٢٤، وتقدم طرف من أوله مع سنده برقم (٣٦) . ٢ تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٧٥، وتقدم سنده والكلام عليه برقم (٧٢) .
[ ١٦٢ ]
المبحث الثاني: الشروط التي تم عليها الصلح:
كانت قريش قد ألجأت إلى الصلح إلجاء لأنها لا تريد أن تعترف بالمسلمين كندٍ لها يواقفونها جنبًا إلى جنب، فيتحدث الناس بذلك عنها.
أما رسول الله ﷺ فكان يهدف من وراء الصلح إلى تحقيق مصالح للدعوة بعيدًا عن السمعة والأغراض الشخصية.
وما كانت تلك الشروط التي وقع عليها الصلح إلا صورة عاكسة لذينك الموقفين.
فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه:
"فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال النبي ﷺ: اكتب (باسمك اللهم)، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: (محمد بن عبد الله)، فقال النبي ﷺ: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب (محمد بن عبد الله) قال
[ ١٦٢ ]
الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فقال النبي ﷺ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٢ في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: والله إذا لم أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي ﷺ: فأجزه٣ لي، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك " ٤.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر الخلاف حول كتابه "بسم الله الرحمن الرحيم" و"محمد رسول الله" قال: فقال سهيل: ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة٥، وأنه لا إسلال ولا إغلال٦، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن
_________________
(١) ١ ضغطه: أي عصرًا وقهرًا، يقال: أخذت فلانًا ضغطة بالضم إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشي. النهاية ٣/٩٠. ٢ يرسف: الرسف والرسيف، مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. النهاية ٢/٢٢٢. ٣ أجزه لي: بصيغة الأمر من الإجازة أي أمض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك أو استثنيه من القضية. فتح الباري ٥/٣٤٥. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده وتخريجه حديث رقم (٣٥) . ٥ عيبة مكفوفة: العيبة مستودع الثياب، والمكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع مطوي على الوفاء بالصلح. وقيل: أراد بينهم موادعة، ومكامة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم ببعض. النهاية ٣/٣٢٧. ٦ لا إسلال ولا إغلال: الإسلال: السرقة الخفية، وقيل سل السيوف، والإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية. وقيل لبس الدروع. النهاية ٢/٣٩٢، ٣/٣٨٠.
[ ١٦٣ ]
مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب١.٢
وأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق به مختصرًا ذكر فيه بعض الشروط ولفظه: "أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال٣.
وفي مرسل عروة الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة: ذكر نحو رواية ابن إسحاق وبين فيه أبو أسامه معنى العيبة المكفوفة، والإسلال والإغلال، فقد جاء فيه ما نصه: "وكان في شرطهم أن بيننا للعيبة المكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، قال أبو أسامة: الإغلال الدروع، والإسلال السيوف، ويعني بالعيبة المكفوفة أصحابه يكفهم عنه - وأنه من أتاكم منا رددتموه علينا، ومن أتانا منكم لم نردده عليكم، فقال رسول الله ﷺ: ومن دخل معي فله مثل شرطي، فقالت قريش، ومن معنا فهو منا له مثل شرطنا، فقالت بنو كعب: نحن معك يا رسول الله، وقالت بنو بكر: نحن مع قريش "٤.
وقد وردت أحاديث أخرى ببعض تلك الشروط:
فمنها حديث البراء ﵁:
(١٠٢) قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب٥، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد
_________________
(١) ١ القرب: جمع قراب، وهو غمد السيف. ترتيب القاموي ٣/٥٢٩. ٢ مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٣ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٦٦. ٤ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٦، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١١) . ٥ هل كتب النبي ﷺ فعلًا أو هو من قبيل المجاز؟ انظر ص:
[ ١٦٤ ]
الله لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة " ١.
وأخرجه في المغازي٢ بنفس السند، وفي: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: ".
ومنها حديث ابن عمر ﵄:
(١٠٣) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر من العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا إلا سيوفًا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج، فخرج"٣.
وأخرجه٤ في المغازي عن محمد بن رافع بهذا السند وعن محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به.
ومنها أيضًا حديث أنس ﵁:
(١٠٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) قال سهيل: أما بسم الله فما ندري ما (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: أكتب (محمد رسول الله) قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ: اكتب (من محمد بن عبد الله) فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٩. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغاوي: ٤٢٥١، وتقدم تخريجة برقم (٩) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٧٠١. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٥٢.
[ ١٦٥ ]
فقالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا" ١.
وأخرجه أحمد٢ عن عفان به مثله، إلا أنه لم يذكر في آخره: "ومن جاءنا منهم ".
ملخص الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية:
(١) أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يصلوا إلى مكة.
(٢) يقضون عمرتهم من العام المقبل ويقيمون بمكة ثلاثة أيام.
(٣) لا يدخلون مكة بسلاح إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب.
(٤) من جاء النبي ﷺ من قريش بغير إذن وليه يرده عليهم، ومن جاء قريشًا من المسلمين لا ترده إليهم.
(٥) من أراد أن يدخل في عقد النبي ﷺ وعهده دخل فيه، وله مثل شرطه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، وله مثل شرطها.
(٦) أن بينهم عيبة مكفوفة.
(٧) أنه لا إسلال ولا إغلال.
(٨) توضع الحرب بينهم عشر سنين.
وهذا التحديد بعشر سنين ورد في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن٣.
وقد جاء في حديث ابن عمر عند ابن عدي وغيره أن مدة الهدنة كانت أربع سنين.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩٣. ٢ مسند أحمد ٣/٢٦٨. ٣ انظر الكلام على سنده حديث رقم (٣٦) .
[ ١٦٦ ]
(١٠٥) قال ابن عدي: أخبرنا القاسم١ بن مهدي قال: ثنا يعقوب٢ بن كاسب قال: ثنا عبد الله بن نافع٣ عن عاصم٤ بن عمر عن عبد الله٥ بن دينار عن ابن عمر قال: كانت الهدنة بين النبي ﷺ وأهل مكة عام الحديبية أربع سنين٦.
وأخرجه الطبراني٧ من طريق عبد الله بن نافع بع نحوه.
وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات٨.
وقال ابن حجر: سندع ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح٩.
قلت: هو كما قال ابن حجر منكر لأن مداره على عاصم بن عمر وقد قال البخاري: منكر الحديث وضعفه غير واحد١٠، وقد خالف حديثه هذا ما ثبت في رواية ابن إسحاق.
_________________
(١) ١ القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي الحافظ، من شيوخ ابن عدي ضعيف، وقال ابن عدي: كان بعض شيوخ مصر يضعفه، وكان رواية للحديث جماعًا له، وهو عندي لا بأس به، وقال الدارقطني: متهم بالوضع، توفي سنة أربعين وثلاثمائة. ميزان الاعتدال ٣/٣٧٢، لسان الميزان ٤/٤٦١. ٢ يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، وقد ينسب لجده، صدوق ربما وهم، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين: عخ، ق. تقريب: ٣٨٦. ٣ هو: الصائغ. ٤ عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عمر المدني ضعيف من السابعة: ت، ق. تقريب: ١٥٩. ٥ عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، مات سنة سبع وعشرين ومائة: ع. تقريب: ١٧٢. ٦ الكامل لابن عدي ٢،٢، لوحة: ١٩٠. ٧ مجمع البحرين ٢، لوحة: ٢٤١. ٨ مجمع الزوائد ٦/١٤٦. ٩ فتح الباري ٥/٣٤٣. ١٠ انظر: تهذيب التهذيب ٥/٥١.
[ ١٦٧ ]
المبحث الثالث: كاتب الصلح وشهوده:
أ - كاتب الصلح:
كان الذي كتب عقد الصلح بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش يوم الحديبية هو علي بن أبي طالب، كما ثبت في الأحاديث والآثار التالية
[ ١٦٧ ]
(١٠٦) قال عبد الرزاق: عن عكرمة١ بن عمار قال: أخبرنا أبو زميل٢ سماك الحنفي أنه سمع ابن عباس يقول: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب٣.
الحديث صحيح بهذا الإسناد، فعكرمة بن عمار وأبو زميل ثقتان أخرج لهما مسلم.
(١٠٧) وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر٤ قال: سألت عنه الزهري فضحك وقال: هو علي بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء قالوا: عثمان بن عفان يعني بني أمية٥.
هذا الأثر أرسله الزهري، لكن يشهد هل حديث ابن عباس السابق وغيره.
(١٠٨) وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد٦ قال: حدثنا سلمة٧ عن محمد بن إسحاق عن بريدة٨ بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد٩ بن كعب القرظي
_________________
(١) ١ عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي، أصله من البصرة صدوق يغلظ، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، مات سنة تسعو وخمسين ومائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ٢٤٢، تهذيب التهذيب ٧/٢٦١. ٢ سماك بن الوليد الحنفي أبو زميل - بالزاي مصغرًا - اليمامي ثم الكوفي ليس به بأس، من الثالثة: بخ، م، الأربعة. تقريب: ١٣٧. ٣ المصنف لعبد الرزاق ٥/٣٤٣. ٤ معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين: ع. تقريب:٣٤٤. ٥ المصنف لعبد الرزاق ٥/٣٤٣. ٦ هو: محمد بن حميد الرازي. ٧ هو: سلمة بن الفضل الأبرش. ٨ بريدة بن سفيان الأسلمي المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض، من السادسة: س. تقريب: ٤٣. ٩ محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي المدني، كان قد نزل الكوفى مدة، ثقة عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال ولد في عهد النبي ﷺ فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم ينبت من سبي قريظة، مات سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٣١٦.
[ ١٦٨ ]
عن علقمة١ بن قيس النخعي عن علي٢ بن أبي طالب ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: لا أعرف هذا ٣ الحديث.
سند هذا الحديث ضعيف جدًا؛ لأن فيه ابن حميد (هو محمد) بن حميد الرازي، قال الذهبي: منكر الحديث٤، وفي إسناده أيضًا بريدة بن سفيان، قال البخاري: فيه نظر، وسئل أحمد عن حديثه فقال: بليه، وقال الدارقطني: متروك٥.
لكن الحديث أصله في الصحيحين دون ما في آخره، ومما أشار إلى ذلك في الصحيح ما يلي:
(١٠٩) قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب ﵁ بينهم كتابًا فكتب: "محمد رسول الله" فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي: امحه، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: القراب بما فيه"٦.
وأخرجه٧ مسلم عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر به نحوه.
وأخرجه٨ عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به قال فيه: "كتب علي
_________________
(١) ١ علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة، ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين: ع. تقريب: ٢٤٣. ٢ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته، من السابقين الأولين، المرجح أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح: ع. تقريب: ٢٤٦. ٣ تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٧٩. ٤ سير أعلام النبلاء ١١/٥٠٣. ٥ ميزان الاعتدال ١١/٣٠٦، تهذيب التهذيب ١/٤٣٣. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ٢٦٩٨. ٧ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩١. ٨ صحيح مسلم، كتاب الجهاد: ٩٠.
[ ١٦٩ ]
بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله " الحديث بنحوه.
(ب) الشهود على الصلح:
أما الشهود على هذا العقد فقد سماهم حديث علي بن أبي طالب ﵁ عند ابن جرير:
فبعد أن ذكر الكاتب وما دار بين رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو وما اتفقوا عليه وقصة أبي جندل، قال: فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين: أبا بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأخيف، وهو مشرك أخا بني عام بن لؤي، وعلي بن أبي طالب "وهو كاتب الصحيفة"١.
سبق أن بينت ضعف هذا الحديث.
وقد ذكر الواقدي٢ وابن سعد٣ هؤلاء الشهود سوى عبد الله بن سهيل بن عمرو وعلي بن أبي طالب، وقالا: محمد بن مسلمة بدل محمود بن مسلمة، وزادا: عثمان بن عفان وأبا عبيدة بن الجراح، وحويطب بن عبد العزى وكان مشركًا آنذاك.
_________________
(١) ١ تاريخ ابن جرير الطبري ٢/٨٠، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (١٠٨) . ٢ مغازي الواقدي ٢/٦١٢. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٩٧.
[ ١٧٠ ]
المبحث الرابع: تألم عمر وبعض الصحابة من شروط قريش:
كان رسول الله ﷺ قد أخذ على نفسه ألا يرد خطة يعرضها عليه المشركون تهدف إلى تعظيم حرمات الله، ومن هذا المنطلق جعل يوافق على كل ما تمليه قريش من شروط بل كان يتنازل عما يريده هو إذا رأى تصلبًا من جانب قريش، فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: "فقال النبي ﷺ: "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: "أما الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا: "بسم الله الرحمن الرحيم"،
[ ١٧٠ ]
فقال النبي ﷺ: اكتب "باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن أكتب: "محمد بن عبد الله" فقال النبي ﷺ: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني" اكتب "محمد بن عبد الله"، قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها "١ الحديث.
فهذا النص يصور لنا مدى تسامح رسول الله ﷺ مع قريش، وقد استغلت قريش ذلك اللين من رسول الله ﷺ فجعلت تملي شروطها، يظهر منها الأجحاف في حق المسلمين الأمر الذي أثار حفيظة بعض المسلمين حتى فعل ما فعل:
ففي حديث المسور ومروان٢ السابق: "فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٣ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النبي ﷺ: فأجزه٤ لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٣ يرسف يتحامل برجله مع القيد. النهاية: ٢/٢٢٢. ٤ أجزه لي: من الإجازة: أي أمض لي فعلي فيه فلا أرده إليك أو أستثنيه من القضية. فتح الباري ٥/٣٤٥.
[ ١٧١ ]
الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ ليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري١: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا ".
وفي حديث المسور ومروان أيضًا من طريق ابن إسحاق: "فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه النبي ﷺ قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام وتراجعا، حتى جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ابن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله ﷺ؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر إلزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولم يضيعني، ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا "٢.
وفي موضع آخر٣ في رواية ابن إسحاق أيضًا: "وقد كان المسلمون خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: يا محمد قد لجّت٤ القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت فقام إليه فأخذ بتلبيبه٥ قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني، قال: فزاد الناس شرًا إلى ما بهم فقال رسول الله ﷺ: يا أبا جندل اصبر واحتسب
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: هو موصول إلى الزهري بالسند المذكور وهو منقطع بين الزهري وعمر، فتح الباري ٥/٣٤٦. ٢ مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٥، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٤ لجت: أي وجبت، قال ابن الأثير: هكذا جاءت مشروحًا ولا أعرف أصله. النهاية ٤/٢٣٣. ٥ أخذ بتلبيبه: أي أخذ بمجمع ثوبه الذي هو لابسه وقبض عليه يجره. النهاية ٤/٢٢٣.
[ ١٧٢ ]
فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهدًا وإنا لن نغدر بهم، قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه قال يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال: فظن١ الرجل بأبيه ونفذت القضية ".
وقد وردت قصة عمر في حديث سهل بن حنيف أيضًا:
(١١٠) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا يزيد بن عبد العزيز عن أبيه حدثنا حبيب بن ثابت قال: حدثني أبو وائل قال: كنا بصفين فقام سهل بن حنيف فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم فإنا كنا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: بلى، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية٢ في ديننا؟ أنرجع ولا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا، قال: فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له: مثل ما قال للنبي ﷺ، فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم"٣.
وأخرجه من طريق يعلى بن عبيد الطنافسي عن عبد العزيز عن حبيب قال: "أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين - ولو نرى قتالًا لقاتلنا فجاء عمر "٤ الحديث، دون قوله: "فقرأها رسول الله ﷺ على عمر ".
_________________
(١) ١ فظن: هكذا في الأصل - بالظاء المعجمة - والذي يقتضيه السياق أن تكون - بالضاد المعجمة - من الضنانة وهي البخل. ٢ الدنية: الخصلة المذمومة. النهاية ٢/١٣٧. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية: ٣١٨٢. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٤٤.
[ ١٧٣ ]
وأخرجه مسلم١ من طريق عبد الله بن نمير عن عبد العزيز بن سياه به فذكر نحوه وزاد في آخره: "فطابت نفسه ورجع".
وأخرجه أحمد٢ من طريق يعلى بن عبيد عن عبد العزيز به نحوه وذكر في أوله قصة.
وأخرجه البيهقي٣ من طريق يعلى بن عبيد وعبد الله بن نمير كلاهما عن عبد العزيز به فذكره بنحوه وزاد في آخره: "فطابت نفسه ورجع".
كانت هذه رواية حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل، وقد رواه عنه غيره:
فأخرجه البخاري من طريق الأعمش عن أبي وائل:
قال: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة قال: سمعت الأعمش قال: "سألت أبا وائل شهدت صفين؟ قال: نعم: فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفضعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا"٤.
وأخرجه٥ من طريق أبي عوانة عن الأعمش به نحوه، وزاد في آخره: وقال أبو وائل: "شهدت صفين وبئست صفين".
وأخرجه مسلم٦ من طريق أبي معاوية وجرير ووكيع كلهم عن الأعمش به نحوه.
وأخرجه أحمد٧ والحميدي٨ كلاهما من طريق ابن عيينة عن الأعمش به نحوه.
وأخرجه البخاري من طريق أبي الحصين عن أبي وائل:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسيرة: ٩٤. ٢ مسند أحمد ٣/٤٨٥. ٣ السنن الكبرى ٩/٢٢٢. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية: ٣١٨١. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: ٧٣٠٨. ٦ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٥. ٧ مسند أحمد ٣/٤٨٥. ٨ مسند الحميدي ١/١٩٧.
[ ١٧٤ ]
قال: حدثنا الحسن بن إسحاق حدثنا محمد بن سابق حدثنا مالك ابن مغول قال: سمعت أبا حصين قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل " وذكر بنحو من رواية الأعمش، وزاد في آخره: "ما نسد منها خصمًا إلا تفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له"١.
وأخرجه مسلم٢ من طريق أبي أسامة عن مالك بن مغول به نحوه.
وقد تحدث عمر ﵁ - نفسه - عما قاساه من عنت قريش يوم صلح الحديبية، جاء ذلك في حديثه عند ابن سعد.
(١١١) قال: أخبرنا موسى٣ بن مسعود النهدي أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل٤ عن ابن عباس قال: قال عمر٥ بن الخطاب: لقد صالح رسول الله ﷺ أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئًا لو أن نبي الله أمر علي أميرًا فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت ولا أطعت، وكان الذي جعل: أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردون ومن لحق بالكفار لم يردوه"٦.
وقد أورده السيوطي ثم عزاه لابن سعد، وقال: سنده صحيح٧.
قلت: الحديث حسن لأن في سنده موسى بن مسعود النهدي مختلف فيه، فقد ضعفه الترمذي وبندار وقال ابن خزيمة لا أحتج به، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم٨ بينما وثقة العجلي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أحمد: صدوق في حفظه شيء، وقال ابن معين: لم يكن من أهل الكذب، وقال ابن سعد: كان كثير
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب المغازي: ٤١٨٩. ٢ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٦. ٣ موسى بن مسعود النهدي - بفتح النون - أبو حذيفة البصري، صدوق سيء الحفظ وكان يصحف، مات سنة عشرين ومائتين أو بعدها وقد جاوز التسعين وحديثه عند مسلم في المتابعات: خ، د، ت، ق. تقريب: ٣٥٢. ٤ هو: سماك بن الوليد الحنفي. ٥ عمر بن الخطاب بن نفيل - بنون وفاء مصغرًا - ابن عبد العزى بن رباح - بتحتانية - ابن عببد الله بن قرط - بضم القاف - ابن رزاخ - براء ثم زاي خفيفة - بن عدي بن كعب القرشي العدوي أمير المؤمنين مشهور جم المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وولي الخلافة عشر ونصفًا: ع. تقريب: ٢٥٣. ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠١. ٧ نقله صاحب كنز العمال ١٠/٤٧٣. ٨ ميزان الاعتدال ٤/٢٢١، تهذيب التهذيب ١٠/٣٧٠، هدي الساري: ٤٤٦.
[ ١٧٥ ]
الحديث، ثقة إن شاء الله، حسن الرواية عن عكرمة بن عمار والثوري وزهير بن محمد١ ا. هـ
فإذا استعرضنا أقوال علماء الجرح والتعديل السابقة في موسى بن مسعود نجد أن الذين عدلوه أرسخ قدمًا وأطول باعًا في هذا المضمار من الذي جرحوه، ثم نجد أيضًا أن الذين جرحه لم يبينوا سبب التجريح اللهم إلا ما روي عن أحمد أنه قال: صدوق في حفظه شيء، فإذا حملنا تضعيفهم له على هذا الشيء اليسير في حفظه فلا يرد هذا الطعن على روايته عن عكرمة بن عمار؛ لأن ابن سعد قد نص على أن حديثه عن عكرمة بن عمار حسن، كما سبقت الإشارة إليه.
فالذي ترجح لي أن هذا الحديث حسن، والله أعلم.
وقد أشار عمر ﵁ إلى بعض ما حصل له أيضًا في حديثه عند البزار وغيره:
(١١٢) قال البزار: حدثنا محمد٢ بن المثنى قال حدثنا يونس٣ بن عبيد الله العميري قال: ثنا المبارك٤ بن فضالة عن عبيد الله٥ عن نافع٦ عن ابن عمر عن عمر أنه قال: اجتهدوا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل أرد أمر رسول الله ﷺ لرأيي وما آلوا٧ عن الحق أن رسول الله ﷺ كان يكتب كتابًا بينه وبين أهل مكة، فقال: اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فقالوا: لو نرى ذلك صدقناك بما تقول
_________________
(١) ١ المصادر السابقة. ٢ محمد بن المثنى بن عبيد العنزي - بفتح النون والزاي - أبو موسى البصري المعروف بالزمن مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، وكان هو وبندار كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة سنة اثنتين وخمسين بعد المائة: ع. تقريب: ٢٩١، ٣١٧. ٣ يونس بن عبيد الله العمير الليثي أبو عبد الرحمن البصري، صدوق من كبار العاشرة: كن. تقريب: ٣٩٠، وفي تهذيت التهذيب ١١/٤٤٢ «العمري»، وفي الجرح والتعديل ٤/٢/٢٤١ «العميري» . ٤ مبارك بن فضالة - بفتح الفاء وتخفيف المعجمة - أبو فضالة البصري صدوق يدلس ويسوي، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح: خت، د، ت، ق. تقريب: ٣٢٨. ٥ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري. ٦ نافع مولى ابن عمر. ٧ آلوا: أُقَصِّر وأُبطأ. ترتيب القاموس ١/١٧٣.
[ ١٧٦ ]
ولكن اكتب كما كنت تكتب "باسمك اللهم" فرضي رسول الله ﷺ وأبيت حتى قال: "تراني قد رضيت وتأبى أنت"، قال: فرضيت١.
قال البزار: "لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولم يشارك مباركًا في روايته عن عبيد الله في هذا الحديث أحد، وقد رواه غير عمر".
وأخرجه الطبراني عن علي٢ بن عبد العزيز عن يونس بن عبيد الله به قال: "أيها الناس اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول اله برأيي واجتهادًا، فوالله ما آلوا عن الحق وذلك يوم أبي جندل "٣ الحديث بنحوه.
وأخرجه أبو نعيم من طريق يونس بن عبيد الله عن مبارك به نحوه٤.
ذكر الهيثمي هذا الحديث في المجمع في موضعين منه قال في أحدهما: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح٥ ا. هـ
قلت: هذا وَهْمٌ منه ﵀ فمبارك ليس من رجال الصحيح، وسأنبه عليه فيما بعد إن شاء الله وأبين سببه.
وقال في الموضع الآخر: رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون، وإن كان فيه مبارك بن فضالة٦ ا. هـ
قلت: مبارك بن فضالة مختلف فيه، فقد ضعفه النسائي وغيره، ووثقه عفان وكان يحيى بن سعيد القطان يحسن الثناء عليه، واختلف قول ابن معين فيه، فمرة وثقه، ومرة قال: صالح، ومرة قال: ضعيف.
وقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا فإذا قال: حدثنا فهو ثقة، وقال أبو داود: شديد
_________________
(١) ١ مسند البزار ١، لوحة: ٤٤. ٢ علي بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور أبو الحسن البغوي شيخ الحرم، ومصنف المسند، قال الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم: صدوق، مقته النسائي لكونه كان يأخذ على الحديث، وقد اعتذر له الذهبي: بأنه كان فقيرًا مجاورًا، وقال إنه ثقة، مات سنة ست وثمانين ومائتين. تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٢ - ٦٢٣، الجرح والتعديل ٣/١٩٦، ميزان الاعتدال ٣/١٤٣. ٣ المعجم الكبير ١/٢٦. ٤ معرفة الصحابة ١، لوحة: ١٥. ٥ مجمع الزوائد ٦/١٤٦. ٦ مجمع الزوائد ١/١٧٩.
[ ١٧٧ ]
التدليس، فإذا قال: حدثنا فهو ثبت ووصفه أحمد بالتدليس أيضًا١.
وذكر ابن حجر أنه يدلس ويسوي٢.
وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة٣.
وذكر الذهبي أقوال العلماء فيه ثم قال: هو حسن الحديث، ولم يذكره ابن حبان في الضعفاء، وكان من أوعية العلم٤ ا. هـ
قلت: الذي يترجح لي في مبارك بن فضالة أن حديثه حسن إذا صرح بالسماع، وهذا الحديث لم يصرح فيه بالسماع لكن يشهد له ما في حديث المسور ومروان عند البخاري.
قال الهيثمي: "وهو في الصحيح بطوله، ولم أر فيه قوله: "يا عمر تراني قد رضيت وتأبى أنت"٥.
تنبيه:
سبق أن ذكرت قول الهيثمي عن الحديث: "رجاله رجال الصحيح".
وأشرت إلى أن في سند الحديث من ليس من رجال الصحيح، وهو مبارك بن فضالة، ووعدت ببيان سبب قول الهيثمي هذا، فأقول وبالله التوفيق سبب ذلك: أن السند الذي نقله الهيثمي مع الحديث في "كشف الأستار" ليس فيه مبارك بن فضالة وهذا نصه: "حدثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر "٦.
فهذا السند رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي: لكنه ليس بسند الحديث إنما هو سند حديث آخر - يسبق الحديث الذي نحن بصدده في "المسند" - وهو: "عن عمر أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: "تصيبني الجنابة من الليل، فأمره أن يتوضأ وضوءه للصلاة"٧.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ٣/٤٣١ - ٤٣٢. ٢ تقريب التهذيب: ٣٢٨. ٣ ميزان الاعتدال ٣/٤٣٢. ٤ سير أعلام النبلاء ٧/٢٨١ - ٢٨٤. ٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٨. ٦ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٣٨. ٧ مسند البزار ١، لوحة: ٤٤.
[ ١٧٨ ]
فلعل ما حصل هو سبق نظر من الهيثمي١ ﵀، أو أنه أخذه عن نسخة أخرى قد انقلب السند فيها.
فالحاصل: أن حكم الهيثمي على سند البزار إنما هو على السند المقلوب لا السند الأصلي، الذي فيه مبارك بن فضالة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ وقد تابعه على ذلك ابن حجر، انظر: زوائد مسند البزار، لوحة: ٢٠٢.
[ ١٧٩ ]
المبحث الخامس: موقف المسلمين من صلح الحديبية
المطلب الأول: وفاء المسلمين بالعهد
المطلب الأول: وفاء المسلمين بالعهد:
لقد تألم المسلمون كثيرًا ووجدوا في أنفسهم من بعض الشروط التي أملتها قريش، وجدوا في أنفسهم أنهم رأوا أن الرضا بها يعبر عن الضعف والاستكانة أمام الكفار بل صرح عمر ﵁ بذلك حين قال: "فعلام نعطي الدنية في ديننا إذن"١.
لكن رسول الله ﷺ قد رضي تلك الشروط ووقّع العقد مع قريش عليها، وصرح بأنه إنما يفعل ذلك بأمر الله٢، فليس أمام المسلمين إلا التسليم والرضا بما رضيه رسول الله ﷺ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣.
ولقد سلموا لأمر الله ورسوله تسليمًا يصاحبه الإيمان بأن الخير فيما اختاره الله، وقد ترجموا ذلك بأفعالهم، فقد رأينا في قصة أبي جندل٤ مع أبيه كيف ابتزه من بين ظهرانيهم وهو يستغيث فلا يستجاب له، وهذا أبو بصير يلحق بهم في المدينة ثم تسترجعه قريش من ثم فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: "ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلوا من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد
_________________
(١) ١ من حديث المسور ومروان. ٢ صرح بذلك في جوابه لعمر ص: ٣ سورة الأحزاب الآية: ٣٦. ٤ تقدمت قصته في المبحث السابق.
[ ١٧٩ ]
جربت به ثم جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا١، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله: قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم، قال النبي ﷺ: ويل أمه مِسْعَر٢ حرب، لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده عليهم فخرج حتى أتى سِيْفَ٣ البحر "٤.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق بسياق آخر فيه شيء من التفصيل:
يقول فيه ما نصه: "قالا: ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن بها، أفلت إليه أبو بصيرة عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، فكتب إلى رسول الله ﷺ فيه الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف وبعثا بكتابهما مع مولى لهما ورجل من بني عامر بن لؤي استأجروه ليرد عليهما صاحبهما أبا بصير، فقدما على رسول الله ﷺ فدفعا إليه كتابهما فدعا رسول الله ﷺ أبا بصير إن هؤلاء القوم قد صالحونا على ما قد علمت، وإنا لن نغدر فالحق بقومك، فقال: يا رسول الله تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني ويعبثون بي، قال رسول الله ﷺ: اصبر يا أبا بصير، واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين من المؤمنين فرجًا ومخرجًا، قال: فخرج أبو بصير وخرجا حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلسوا إلى سور جدار فقال أبو بصير للعامري أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال أنظر إليه، قال إن شئت، فاستلّه فضرب به عنقه وخرج المولى يشتد فطلع على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا رجل قد رأى فزعًا فلما انتهى إليه قال: ويحك مالك، قال: قتل صاحبكم صاحبي، فما برح حتى طلع أبو بصير متوشحًا٥ السيف، فوقف على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك، امتنعت بنفسي عن المشركين أن يفتنوني في ديني، وأن يعبثوا بي، فقال رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ ذعرًا: - بالضم - خوفًا. ترتيب القاموس ٢/٢٥٨. ٢ مسعر حرب: المسعر: ما تحرك به النار من آلة الحديد، يصفه بالمبالغة في الحرب والنجدة. النهاية ٢/٣٦٧. ٣ سيف البحر: أي ساحله. المصدر السابق ٢/٤٣٤. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٥ متوشحًا السيف: متقلده. ترتيب القاموس ٤/٦١٤.
[ ١٨٠ ]
ويل أمه، مِحَش١ حرب، لو كان معه رجال، فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص "٢.
وأخرجه من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا فذكر قدومه المدينة المنورة بنحو ما في رواية ابن إسحاق ثم قال: "فبعث في أثره الأخنس بن شريق في رجلين من بني منقذ٣ أحدهما زعموا مولى، والآخر من أنفسهم اسمه جحش بن جابر وكان ذا جلد ورأي في أنفس المشركين، وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جعلًا٤، فقدما على رسول الله ﷺ فدفع أبا بصير إليهما فخرجا حتى إذا كانا بذي الحليفة سلّ جحش سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يومًا إلى الليل، فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم، قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إليه فلما قبض عليه ضربه حتى برد، ويقال: بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه حتى برد وطلب الآخر فجمز٥ مذعورًا مستخفيًا حتى دخل المسجد " وذكر نحو ما في رواية ابن إسحاق ثم زاد: "وجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله فقال خَمِّسْ يا رسول الله قال: إني إذا خمست لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، ثم اذهب حيث شئت، فخرج أبو بصير "٦.
وأخرجه٧ من طريق أبي الأسود عن عروة مرسلًا بنحو مرسل الزهري إلا أن فيه اختصار.
وقصة أبي بصير وردت موصوله كما سبق في حديث المسور ومروان من طريق معمر وابن إسحاق وصرح ابن إسحاق بالسماع فلا يضرها الإرسال.
فقصة أبي بصير هذه مع ما سبق من قصة أبي جندل ترسم لنا صورة واقعية لوفاء المسلمين بعهودهم إذ لم يحل بينهم وبين منع إخوانهم من قريش سوى الوفاء
_________________
(١) ١ مِحشّ حرب: يقال: حش الحرب إذا أسعرها وهيجها تشبيها بإسعار النار. النهاية ١/٣٨٩. ٢ السنن الكبرى ٩/٢٢٧، وتقدم الكلام على إسناده حديث رقم (٣٦) . ٣ بنو منقذ: بطن من بني عامر بن لؤي، وهو منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي. جمهرة أنساب العرب: ١٧٠ - ١٧١. ٤ الجعل الأجرة على الشيء فعلًا أو قولًا. النهاية ١/٢٧٦. ٥ فجمز: أي أسرع هاربًا من القتل. النهاية ١/٢٩٤. ٦ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٤٣. ٧ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٤٥.
[ ١٨١ ]
بالعهد، والوفاء وحده، وإلا فقد لحق بالمسلمين قبيل الصلح ناس من قريش ليسوا بأعز عليهم من أبي جندل وأبي بصير، وجاء في طلبهم بعض سادة قريش فلم يمكنهم رسول الله ﷺ منهم، كما بين ذلك حديث علي الآتي:
(١١٣) قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز١ بن يحيى الحراني حدثني محمد٢ - يعني ابن سلمة - عن محمد٣ بن إسحاق عن أبان٤ بن صالح عن منصور بن المعتمر عن ربعي٥ بن حراش عن علي بن أبي طالب قال: خرج عُبْدان إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية، قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "وما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا"، وأبى أن يردهم وقال: "هم عتقاء الله ﷿"٦.
وأخرجه البيهقي٧ من طريق عبد العزيز بن يحيى الحراني به فذكره بمثله.
وأخرجه الترمذي من وجة آخر بسياق آخر:
(١١٤) قال: حدثنا سفيان٨ بن وكيع قال: حدثني أبي٩ عن شريك١٠
_________________
(١) ١ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي الأصبع الحراني، صدوق ربما وهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: د، س. تقريب: ٢١٦. ٢ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم الحراني، ثقة، مات سنة إحدى وتسعين ومائة على الصحيح: ز، م، الأربعة. تقريب: ٢٩٩، تهذيب التهذيب ٩/١٩٣ - ١٩٤. ٣ محمد بن إسحاق بن يسار. ٤ أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وثقه الأئمة ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه، مات سنة بضع عشرة ومائة وهو ابن خمس وخمسين: خت، الأربعة. تقريب: ١٨. ٥ ربعي بن حراش - بكسر المهملة وآخره معجمة - أبو مريم العيسى الكوفي، ثقة عابد مخضرم، مات سنة مائة، وقيل غير ذلك: ع. تقريب: ١٠٠. ٦ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٠٠. ٧ السنن الكبرى ٩/٢٢٩. ٨ سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الرؤاسي الكوفي، كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، مات سنة سبع وأربعين ومائتين: ت، ق. تقريب: ١٢٩، تهذيب التهذيب ٤/١٢٤. ٩ وقع في الأصل عن «أ ُبَيْ» وهو تصحيف صححته من الأطراف للمزي ٧/٣٧١. ١٠ شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين بعد المائة: خت، م، الأربعة. تقريب: ١٤٥.
[ ١٨٢ ]
عن منصور عن ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب بالرحبة١ قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وناس من المشركين فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا، قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ: "يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله قلبه على الإيمان"، قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف٢ النعل، وكان قد أعطى عليًا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"٣.
وأخرجه أحمد٤ عن أسود بن عامر٥ عن شريك به مختصرًا ولم يذكر أن ذلك في الحديبية.
وقال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ربعي عن علي، قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم يكذب ربعي بن حراش في الإسلام كذبة، وأخبرني محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن أبي الأسود قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: منصور بن المعتمر أثبت أهل الكوفة"٦.
وقد نقل السيوطي٧ تصحيح هذا الحديث عن ابن جرير.
قلت: نعم الحديث صحيح، ولكن بمجموع طرقه.
_________________
(١) ١ الرحبة: بفتح الراء والمهلمة والموحدة - تنسب إلى خنيس بن سعد أخي النعمان ابن سعد جد أبي يوسف القاضي، يقال لها رحبة خنيس وهي محلة بالكوفة. معجم البلدان ٣/٣٣. ٢ خاصف النعل: الذي يخرزها، من الخصف وهو الضم والجمع. النهاية ٢/٣٨. ٣ سنن الترمذي، كتاب المناقب: ٣٧١٥. ٤ مسند أحمد ١/١٥٥. ٥ الأسود بن عامر الشامي، نزيل بغداد يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان ثقة، مات في أول سنة ثمان ومائتين: ع. تقريب: ٣٦. ٦ سنن الترمذي ٥/٦٣٤. ٧ جمع الجوامع ٢/٥٣.
[ ١٨٣ ]
ففي سند أبي داود شيخه عبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وهم، كما قال ابن حجر.
وفي سند الترمذي أيضًا شيخه سفيان بن وكيف صدوق إلا أنهم تركوا حديثه لما أدخل عليه وراقة ما ليس منه، لكن أخرج الحديث أحمد عن أسود بن عامر الشامي شاذان وهو ثقة.
وفي سند أبي داود أيضًا لم يصرخ ابن إسحاق بالسماع لكن تابعه وكيع بن الجراح عن شريك عن منصور عند الترمذي وشريك متكلم في حفظه، لكن قال ابن معين١: شريك صدوق ثقة، إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه.
وقال ابن عدي٢: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته.
قلت: قد روى عنه هنا أسود بن عامر الشامي، وهو ثقة كما قال ابن حجر.
وبقية رجال السند ثقات، فالحديث صحيح بمجموع طرقه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٤/٣٣٥. ٢ هدي الساري: ٤١٠.
[ ١٨٤ ]
المطلب الثاني: بيان أن امتناع النبي ﷺ عن رد المهاجرات ليس إخلالًا بالصلح:
ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق عقيل أن النبي ﷺ امتنع عن رد المهاجرات في الهدنة إلى قريش:
(١١٥) قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا١ منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ امتعضوا: أي غضبوا وشق عليهم. النهاية ٤/٣٤٢، ترتيب القاموس ٤/٢٦٢.
[ ١٨٤ ]
يومئذ - وهي عاتق١ - فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٢.٣
وأخرجه البيهقي٤ من طريق ابن عقيل به، فذكره بمثله.
(١١٦) وأخرجه ابن إسحاق عن عروة بسياق آخر مرسلًا:
قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري عن عروة بن الزبير قال: دخلت عليه وهو يكتب كتابًا إلى ابن أبي هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: إن رسول الله ﷺ كان صالح قريشًا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين، إذا هن امتحن بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهم إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، وإن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذالكم حكم الله بينكم والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم، إن هم فعلوا ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم، لرد رسول الله ﷺ النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقًا، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد " ٥.
_________________
(١) ١ عاتق: الجارية أول ما أدركت، أو التي لم تتزوج، أو التي بين الإدراك والتعنيس. ترتيب القاموس ٣/١٥٠ - ١٥١، النهاية ٣/١٨٧ - ١٨٩. ٢ سورة الممتحنة الآية: ١٠. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧١١ - ٢٧١٢. ٤ السنن الكبرى ٩/٢٢٨. ٥ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٦.
[ ١٨٥ ]
وأخرجه ابن جرير١ والبيهقي٢ كلاهما من طريق ابن إسحاق به مختصرًا.
وأخرجه البيهقي٣ أيضًاَ عن طريق ابن إسحاق عن الزهري وعبد الله بن بكر ابن حزم مرسلًا.
جاء هذا الحديث هنا من طريق ابن إسحاق مرسلًا وقد جاء موصولًا من طريق عقيل بن خالد الأيلي عند البخاري كما سبق قريبًا، وخالد ثقة ثبت كما قال ابن حجر٤، فالحكم هنا لمن وصله على الصحيح لأنها زيادة ثقة٥.
وقد جاء في هذا الحديث أن النبي ﷺ امتنع عن رد النساء اللاتي هاجرن إلى المدينة أثناء الهدنة، فهل يعد هذا الفعل نقضًاَ للعهد أم لا؟
الواقع أنه ليس في امتناعه ﷺ عن رد المهاجرات خروجًا عن المعاهدة للآتي:
أ - إما لأنهن غير داخلات في العهد أصلًا فقد ورد في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: "فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا "، فقد نص هنا على الرجال دون النساء.
(١١٧) وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان: "أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: رد علينا من هاجر من نسائنا فإن شرطنا أن من أتاك منا أن ترده علينا، فقال: "كان الشرط في الرجال، ولم يكن في النساء".
ذكر هذا الأثر ابن حجر ثم عقب عليه بقوله: وهذا لو ثبت كان قاطعًا للنزاع٦.
ب - وإما أن يكون العهد قد شملهن ثم نسخته في حقهن آية الامتحان وخصته بالرجال، فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق عقيل ما نصه:
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٢٨/٦٩. ٢ السنن الكبرى ٩/٢٢٨. ٣ السنن الكبرى ٩/٢٢٩. ٤ تقريب التهذيب: ٢٤٢. ٥ تقريب النواوي ١/٢٢١ - ٢٢٢ مع تدريب الراوي. ٦ فتح الباري ٩/٤١٩.
[ ١٨٦ ]
"وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرجن إلى رسول الله ﷺ يومئذ - وهي عاتق - فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها عليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ ١. الآية، والمراد منها قوله ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، وقد أشار أيضًا إلى نسخ المعاهدة في حق النساء حديث عبد الله ابن أبي أحمد عند ابن أبي عاصم:
(١١٨) قال حدثنا محمد٢ بن يحيى الباهلي ثنا يعقوب٣ بن محمد ثنا عبد العزيز بن عمران عن مجمع٤ بن يعقوب عن حسين٥ بن أبي لبابة عن عبد الله٦ بن أبي أحمد بن جحش قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان٧.
وأخرجه أبو نعيم٨ من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (١١٥) . ٢ انظر تاريخ أصبهان ٢/٣٠٦. محمد بن يحيى الباهلي لم أقف على ترجمته، وقد ساق ابن كثير هذا الحديث في تفسيره ٤/٣٥٠، بسند ابن أبي عاصم لكن قال فيه: «محمد بن يحيى الذهلي (بدل) الباهلي، وهو خلاف ما في كتاب (الآحاد والمثاني) لابن أبي عاصم، فإن فيه: الباهلي، وقد أخرج ابن أبي عاصم عن «الباهلي» حديثًا في كتاب السنة قال: حدثنا محمد بن يحيى أبو عمرو الباهلي » . وقال محقق الكتاب المحدث ناصر الدين الألباني ما نصه: "ومحمد بن يحيى أبو عمرو الباهلي لم أجد له ترجمة ويحتمل على بعد أن يكون هو محمد بن يحيى بن عبد الله أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الحافظ الإمام من شيوخ البخاري، ويكون ما في الكتاب «أبو عمر الباهلي» محرفًا عن «أبي عبد الله الذهلي» والله أعلم. ظلال الجنة ١/١٩١ مع كتاب السنة لابن أبي عاصم. قلت: والظاهر أن «الباهلي» هذا رجل آخر غير «الذهلي» فقد روى عنه ابن أبي عاصم في كتابه «الآحاد والمثاني» وفي كتابه «السنة» وذكره المزي في تهذيبه فيمن روى عن يعقوب بن محمد بن حميد الزهري شيخه في هذا الحديث، والله أعلم. ٣ يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: ٣٨٧. ٤ مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري، صدوق، مات سنة ستين ومائة: د، س. تقريب: ٣٢٩. ٥ الحسين بن السائب بن أبي لبابة - بضم اللام وموحدتين - بن عبد المنذر الأنصاري المدني مقبول من الثالثة: د. تقريب: ٧٣. ٦ عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي، ولد في حياة النبي ﷺ وروى عن عمر وغيره، وذكره جماعة في ثقات التابعين: د. تقريب: ١٦٧. ٧ الآحاد والمثاني، لوحة: ٦٤. ٨ معرفة الصحابة ١، لوحة ٣٤٢ - ٣٤٣.
[ ١٨٧ ]
عمران به فذكره بمثله.
وأورد ابن كثير١ وكذلك ابن حجر٢ وعزواه لابن أبي عاصم.
وذكره السيوطي٣ وقال: أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف.
قلت: نعم الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لأن فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك، وشيخ ابن أبي عاصم "الباهلي" لم أجد ترجمته.
وأخرجه عمر بن شبة من حديث أم كلثوم مطولًا.
(١١٩) قال: حدثنا محمد٤ بن يحيى أبو غسان قال: حدثني عبد العزيز بن عمران عن مجمع بن يعقوب الأنصاري عن الحسن ابن السائب بن أبي لبابة عن عبد الله بن أبي أحمد قال: قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط نزلت فيّ آيات من القرآن كنت أول من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله ﷺ قريشًا على أنه من جاء رسول الله ﷺ بغير إذن وليه رده إليه، ومن جاء قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه إليه، قالت: فلما قدمت المدينة قدم علي أخي الوليد بن عقبة، قالت: ففسخ الله العقد الذي بينه وبين المشركين في شأني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، قالت: ثم أنكحني رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وكان أول من نكحني، فقلت: يا رسول الله زوجت بنت عمك مولاك؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٥، فسلمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم٦ الحديث.
وهذا الإسناد أيضًا ضعيف؛ لأن فيه عبد العزيز بن عمران لكن أصل الحديث ثابت في صحيح البخاري من حديث المسور ومروان من طريق عقيل بن خالد الأيلي.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/٣٥٠. ٢ الإصابة ٧/٢٠٠. ٣ الدر المنثور ٦/٢٠٦. ٤ محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني أبو غسان المدني ثقة، لم يصب السليماني في تضعيفه من العاشرة: خ. تقريب: ٣٢٣. ٥ سورة الأحزاب الآية: ٣٦. ٦ تاريخ المدينة ٢/٤٩٢.
[ ١٨٨ ]
المبحث السادس: موقف قريش من الصلح
المطلب الأول: تخلى قريش عن أهم شروطها
المطلب الأول: تخلي قريش عن أهم شروطها:
كان الصلح في ظاهر شروطه لصالح قريش، حتى وجد المسلمون في أنفسهم من ذلك ما وجدوا، لكن رسول الله ﷺ حين قبل تلك الشروط كان يسير بتوجيه من الله العليم بما سيكون كيف يكون، فكان واثقًا كل الثقة أن كفته هي الراجحة، وإن ظهر للناس ما ظهر، وقد صرح بذلك في جوابه لعمر حين قال له عمر: "فعلام نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ فأجابه ﷺ بقوله: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري "١.
أما قريش فكان محركها في سيرها هو العُنجُهِيَّة وحب السمعة، وقد صرحوا بذلك في وصيتهم لسهيل بن عمرو حين بعثوه للمفاوضة حيث قالوا له: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا" ٢.
وعلى أساس من هذه الوصية بنى سهيل بن عمرو شروطه للصلح، فعندما قال له رسول الله ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" فقال سهيل: "والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضُغْطَة "٣.
وهكذا كان هدف قريش هو الحفاظ على سمعتها دون نظر للعاقبة ولذلك صارت شروطها وبالًا عليها حتى تخلت عن أهم تلك الشروط، فطلبت من النبي ﷺ أن يؤوي من جاءه من مكة مسلمًا ولا يرده إليها:
ففي حديث المسور ومروان من طريق معمر بعد أن ذكر قصة أبي بصير وقتله للذي جاء في طلبه من قبل قريش قال: قال النبي ﷺ: "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد" فلما ذكر ذلك عرف أنه سيرده عليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل
_________________
(١) ١ من حديث المسور ومروان من رواية معمر. ٢ من حديثهما من رواية ابن إسحاق. ٣ من حديث المسور ومروان من رواية معمر.
[ ١٨٩ ]
قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل١ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ - حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية٢، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا "بسم الله الرحمن الرحيم" وحالوا بينه وبين البيت"٣.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند البيهقي بعد أن ذكر قتل أبي بصير للذي جاء في طلبه قال: "فقال رسول الله ﷺ: "ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال" فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص٤، وكان طريق أهل مكة إلى الشام فسمع به من كان بمكة من المسلمين وبما قال رسول الله ﷺ فيه، فلحقوا به حتى كان في عصبة من المسلمين قريب من الستين أو السبعين، فكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه ولا تمر عليهم عير إلا اقتصعوها حتى كتبت قريش إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم لما آواهم فلا حاجة لنا بهم، ففعل رسول الله ﷺ فقدموا عليه المدينة"٥.
وأخرجه البيهقي أيضًا من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا مطولًا:
فبعد أن ذكر قتل أبي بصير للذي جاء في طلبه قال: وجاء أبو بصير بسلبه إلى
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: ظاهره انها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن ألأكوع ومن حديث أنس بن مالك أيضًا، وأخرجه أحمد والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل بإسناد صحيح، نزلت بسبب القوم الذي أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، فظفروا بهم فعفا عنهم النبي ﷺ فنزلت الآية. فتح الباري ٥/٣٥٦. ويؤيد ما قاله الحافظ ﵀ أن في الآية ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ وأبو بصير وجماعته لم يكونوا ببطن مكة، قاله صاحب الصحيح المسند من أسباب النزول: ١٤٧. قلت: الأحاديث التي أشار إليها ابن حجر في سبب نزول الآية تقدمت في مبحث، تحرشات قريش، انظر ص: ١٩٩ ٢ سورة الفتح الآية: ٢٤ - ٢٦. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) . ٤ العيص: - بالكسر ثم السكون وآخره صاد مهملة - هو موضع في بلاد بني سليم على ساحل البحر. معجم البلدان ٤/١٧٣. ٥ السنن الكبرى ٩/٢٢٧، وتقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (٣٦) .
[ ١٩٠ ]
رسول الله ﷺ فقال: خَمِّسْ١ يا رسول الله قال: إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت، فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قد قدموا معه مسلمين من مكة، حيث قدموا فلم يكن طلبهم أحد، ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير حتى كانوا بين العيص وذي المروة٢ من أرض جهينة على طريق عيرات قريش، مما يلي سِيْفَ البحر، لا يمر بهم عِيْر لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وكان أبو بصير يكثر أن يقول:
الله ربي العليُّ الأكبر من يَنْصرِ الله فسوف يُنْصَرُ
قع الأمر على ما يُقْدَر
وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظَهْرَيْ قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام، وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانة ذلك يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار وأسلم وجهينة، وطوايف من الناس، حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل وهم مسلمون قال: فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عيرات لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل بن سهيل ومن معهما فيقدموا عليه وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابًا لا يصلح إقراره - فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله ﷺ خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من أن يأتي من ظن أن له قوة، هي أفضل مما خص الله به رسوله ﷺ من العون والكرامة٣، ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما
_________________
(١) ١ خمس: أي اجعله خمسة أقسام وخذ الخمس لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية (الأنفال آية ٤١) . ٢ ذي المروة: قرية بوادي القرى، وقيل بين خشب ووادي القرى. معجم البلدان ٥/١١٦. ٣ هذا الكلام فيه نظر، فالذين أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل هم بعض الصحابة، ولم يكن أحد منهم يظن أن له قوة أفضل مما خص الله بها نبيه من العون والكرامة بل كانوا يعتقدون أن طاعة رسول الله لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا.
[ ١٩١ ]
هنالك حتى مر بهم أبو العاص بن الربيع١، وكان تحته زينب بنت رسول الله ﷺ من الشام في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لصهر أبي العاص رسول الله ﷺ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند أبيها، وكان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم، فكلمت رسول الله ﷺ في ذلك فزعموا أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس فقال: إنا ناسبنا وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب بنت رسول الله ﷺ سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عندهم من الأسرى رد إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال، وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما أن يرجعوا إلا بلادهم وأهليهم ولا يعترضوا لأحد من قريش وعيراتها، فقدم كتاب رسول الله ﷺ زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا٢، وقدم أبو جندل على رسول
_________________
(١) ١ قصة أبي العاص هذه ذكرها ابن سعد في الطبقات ٢/٨٧، وابن جرير في تاريخه ٢/٨٣، وابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٧٨، فذكر هؤلاء وغيرهم من أهل المغازي أنها كانت في سرية زيد بن حارثة إلى العيص سنة ست، وذكرها ابن القيم في سرية زيد ثم أورد رواية موسى بن عقبة هذه وعقب عليها بقوله: وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش انبسطت عيراتها إلى الشام زمن الهدنة، وسياق الزهري للقصة بين ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة. قلت: يظهر من كلام ابن القيم ﵀ ترجيح أن الذين أخذوا عير أبي العاص هم أبو بصير وأصحابه لكن جاء في حديث عائشة ﵂ عند الحاكم أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة وأصحابه. قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم " وذكرت فداء زينب ﵂ لأبي العاص، ثم قالت: "ولم يزل أبو العاص مقيمًا على شركه حتى إذا كان قبيل فتح مكة، خرج بتجارة إلى الشام بأموال من أموال قريش أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلًا لقيته سرية لرسول الله ﷺ، وقيل إن رسول الله ﷺ كان هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص، قافلة من الشام، وكانوا سبعين ومائة راكب، أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأول سنة ست من الهجرة، فأخذوا ما في تلك العير من الأثقال وأسروا أناسًا من العير، فأعجزهم أبو العاص هربًا " المستدرك ٣/٢٣٦. وهذا الإسناد حسن قد صرح ابن إسحاق فيه بالسماع، وقال الألباني عن هذا الحديث: وإسناده جيد، فقه السيرة للغزالي ٣٦٦ حاشية. فالتحقيق أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة ومن معه لهذا الحديث، أما ما ذكره موسى بن عقبة فهو من مراسيل الزهري، ومراسيل الزهري كان يحيى بن سعيد لا يراها شيئًا، ويقول: هي بمنزلة الريح. تهذيب التهذيب ٩/٤٥١. ٢ هذا الفعل لم يثبت عن أبي جندل، لأن هذا الحديث من مرسلات الزهري، وهي ضعيفة، وعلى فرض ثبوته فهو محمول على عدم بلوغ النهي عن ذلك لأبي جندل، لأن قدومه للمدينة كان بعد هذه الحادثة، كما صرح بذلك هذا الحديث، وإنما شرعت الأحكام بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
[ ١٩٢ ]
الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش "١.
ثم ذكر فيه نبذة عن حياة أبي جندل بعد ذلك.
وأخرجه البيهقي أيضًا عن طريق٢ أبي الأسود عن عروة مرسلًا بنحو مرسل الزهري إلا أنه لم يذكر قصة أبي العاص.
رواية الزهري وغيره هذه مرسلة لكن أصل قصة أبي بصير وأبي جندل ثابت من حديث المسور ومروان السابق من طريق معمر وابن إسحاق.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٢، لوحة ٢٤٣، ٢٤٤. ٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٤٥.
[ ١٩٣ ]
المطلب الثاني: نقض قريش للعهد:
إن المؤمن الحق يعلم أنه محكوم في كل تصرفاته بأوامر الله ونواهيه ويشعر أنه مراقب في كل لحظة من لحظات حياته، مراقب من الله الذي يعلم السر وأخفى، ولذلك تجده وقافًا عند حدود الله مستشعرًا عظم المسئولية، وقد رأينا كيف وَفَّى الصحابة رضوان الله عليهم بالعهد - حين امتلأت قلوبهم بالإيمان - فردوا إخوانهم إلى قريش، وقلوبهم تكاد تتقطع أسىً وحسرة.
أما غير المؤمن فإنه محكوم بهواه وشهوته يدفعانه لارتكاب كل رذيلة، ولا يرعوي لشيء إلا أن تكون قوة ظاهر تدركها حواسه، وسوف نرى كيف أقدمت قريش على نقض العهد - حين ظنت أن أمرها سيخفى على رسول الله ﷺ - فأعانت حلفائها على حلفاء النبي ﷺ، كما أوضحت ذلك النصوص التالية:
(١٢٠) قال ابن كثير: وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم حدثاه جميعًا قالا: كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد
[ ١٩٣ ]
محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أبو الثمانية عشر شهرًا، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلًا بماء يقال له الوتير١، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا من أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ﷺ، وأن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير، حتى قدم على رسول الله ﷺ يخبر الخبر، وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها:
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا٢
قد كنتموا وُلْدا وكنا والدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر رسول الله نصرًا أيِّدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا إن سِيْم خسفًا٣ وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مُزْبِدا إن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كَداء٤ رَصَدا
وزعموا أن لست أدعوا أحدا فهم أذلّ وأقل عددا
هم بيتونا بالوَتِير هُجّدا وقتلونا ركعًا وسجدا
فقال رسول الله ﷺ: "نصرت يا عمرو بن سالم" فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء، فقال رسول الله ﷺ: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يُعمِّي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم٥.
وقد نقل ابن حجر٦ هذا الحديث عن مغازي ابن إسحاق أيضًا.
_________________
(١) ١ الوتير: هو ماء خزاعة، ويقع أسفل مكة. معجم البلدان ٥/٣٦٠. ٢ الأتلد: القديم. انظر: ترتيب القاموس ١/٣٧٤. ٣ الخسف: النقيصة. ترتيب القاموس ٢/٥٥. ٤ كداء: بفتح الكاف والمد. هي الثنية التي بأعلى مكة. تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢/١٢٣. ٥ البداية والنهاية ٤/٢٧٨. ٦ الإصابة ٧/١٠٧.
[ ١٩٤ ]
قال محمد بن إسحاق في المغازي: "حدثني الزهري به، فذكره إلا أنه اختصر القصة".
والحديث بهذا الإسناد حسن؛ لأن ابن إسحاق صرح فيه بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح.
وللحديث شواهد يرتفع بها إلى درجة الصحة، وهي:
حديث ابن عمر عند ابن حبان:
(١٢١) قال: حدثنا الحسين١ بن مصعب بمرو بقرية سلج٢، قال: حدثنا محمد٣ بن عمر بن الهياج، حدثني يحيى٤ بن عبد الرحمن الأرحبي حدثني عبيدة٥ بن الأسود حدثنا القاسم٦ بن الوليد عن سنان٧ بن الحارث بن مصرف عن طلحة٨ بن مصرف عن مجاهد عن ابن عمر قال: "كانت خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ، وكانت بنو بكر رهط بني كنانة حلفاء لأبي سفيان، قال: وكانت بينهم موادعة
_________________
(١) ١ الحسين بن محمد بن مصعب بن رزيق المروزي السنجي، قال ابن ماكولا: كان يقال: ما بخراسان أكثر حديثًا منه، ووصفه الذهبي بالحافظ البارع، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة. الإكمال ٤/٤٧٤، تذكرة الحفاظ ٣/٨٠١، طبقات الحفاظ:٣٣٤. ٢ هكذا في موارد الظمآن، والصواب: (سنج)، كما في الأنساب ٧/٢٦٦، ومعجم البلدان ٢/٢٦٤. ٣ محمد بن عمر بن هياج الهمداني الصائدي الكوفي، صدوق مات سنة خمس وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٣١٢. وقال النسائي: لا بأس به، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: كان ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب ٩/٣٦٢. ٤ يحيى بن عبد الرحمن بن مالك بن الحارث الأرحبي الكوفي، صدوق ربما أخطأ من التاسعة: ت، س، ق. تقريب: ٣٧٧. قال أبو حاتم: لا أرى في حديثه إنكارًا، يحدث عن عبيدة بن الأسود أحاديث غرائب، وقال الدارقطني: صالح يعتبر به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف. تهذيب التهذيب ١١/٢٥٠. ٥ عبيدة بن الأسود بن سعيد الهمداني الكوفي، صدوق ربما دلس، من الثامنة: د، ت، ق. تقريب: ٢٣١. قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر بحديثه إذا بين السماع، وكان فوقه ودونه ثقات. تهذيب التهذيب ٧/٨٦. ٦ القاسم بن الوليد الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، القاضي صدوق يغرب، مات سنة إحدى وأربعين ومائة: ق. تقريب: ٢٨٠، وثقه ابن معين والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. تهذيب التهذيب ٨/٣٤٠. ٧ سنان بن الحارث بن مصرف ابن أخي طلحة بن مصرف، روى عن طلحة بن مصرف، روى عنه محمد بن طلحة والقاسم بن الوليد. الجرح والتعديل ٢/١/٢٥٤، وذكره ابن حبان في الثقات ٦/٤٣٤. ٨ طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي - بالتحتانية - الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة اثنتي عشرة ومائة أو بعدها: ع. تقريب: ١٥٧.
[ ١٩٥ ]
أيام الحديبية، فأغارت بنو بكر على خزاعة في تلك المدة، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يستمدونه فخرج رسول الله ﷺ مددًا لهم في شهر رمضان "١ في حديث طويل.
هذا اللفظ حسن لشاهده من حديث ابن إسحاق السابق، وقد صرح فيه عبيدة ابن الأسود بالسماع، وبقية رجاله فيهم الثقة، وفيهم دونه وأقلهم حالًا يعتبر بحديثه.
حديث ميمونة ﵂ عند الطبراني:
(١٢٢) قال: حدثنا محمد٢ بن عبد الله القرمطي من ولد عامر بن ربيعة ببغداد، حدثنا يحيى٣ بن سليمان بن نضلة الخزاعي حدثنا عمي محمد بن نضلة عن جعفر٤ بن محمد عن أبيه٥ عن جده علي٦ بن الحسين، حدثتني ميمونة٧ بنت الحارث، زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ بات عندها في ليلتها فقام يتوضأ للصلاة فسمعته يقول في متوضئه: ليبك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت ثلاثًا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: ليبك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت ثلاثاَ، كأنك تكلم إنسانًا فهل كان معك أحد؟ فقال: هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشاَ أعانت عليهم بني بكر، ثم خرج رسول الله ﷺ فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدًا، قالت: فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية ما هذا
_________________
(١) ١ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ٤١٤. ٢ محمد بن عبد الله العدوي، يعرف بالقرمطي مدني الأصل، حدث عن بكر بن عبد الوهاب ويحيى بن سليمان بن نضلة، روى عنه محمد بن غالب، وأبو القاسم الطبراني، قال أبو القاسم: إنما نسبوا إلى القرامطة لأن النبي ﷺ رأى عامرًا جدهم يمشي فقال: إنه ليقرمط في مشيه. تاريخ بغداد ٥/٤٣٣ - ٤٣٤. ٣ يحيى بن سليمان بن نضلة الخزاعي المدني، روى عن مالك وسليمان بن بلال، وعنه ابن صاعد، وكان يفخم أمره، قال ابن عقدة: سمعت ابن خراش يقول: لا يسوى شيئًا، قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وسألته عنه فقال: شيخ حدث أيامًا ثم توفي، وقال ابن عدي: روى عن مالك وأهل المدينة أحاديث عامتها مستقيمة. الجرح والتعديل ٤/٢/١٥٤، ميزان الاعتدال ٤/٣٨٣، لسان الميزان ٦/٢٦١. ٤ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، مات سنة ثمان وأربعين ومائة: بخ، م، الأربعة. تقريب: ٥٦. ٥ محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٣١١. ٦ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، مات سنة ثلاث وتسعين وقيل غير ذلك: ع. تقريب: ٢٤٥. ٧ ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي ﷺ، قيل اسمها: برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة وتزوجها بسرف في سنة سبع، وماتت بها ودفنت سنة إحدى وخمسين على الصحيح: ع. تقريب: ٤٧٣.
[ ١٩٦ ]
الجهاز، فقالت: والله ما أدري، فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله ﷺ؟ قالت: والله لا علم لي، قالت: فأقمنا ثلاثًا ثم صلى الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشده، فذكرت الأبيات، ثم قالت: فقال رسول الله ﷺ: "ليبك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت ثلاثًا"١ الحديث.
قال الطبراني٢: "لم يروه عن جعفر إلا محمد بن نضلة، تفرد به يحيى بن سليمان ولا يروى عن ميمونة إلا بهذا الإسناد".
وقال الهيثمي٣: "رواه الطبراني في الصغير والكبير، وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة، وهو ضعيف".
قلت: يحيى بن سليمان بن نضلة قال ابن خراش: لا يسوي شيئًا.
وقال أبو حاتم: "شيخ - وهو من يكتب حديثه وينظر فيه"٤.
وقال ابن عدي: "روى عن مالك وأهل المدينة أحاديث عامتها مستقيمة"٥.
حديث عائشة ﵂:
(١٢٣) قال أبو يعلى: ﵀: ثنا عثمان٦ بن أبي شيبة ثنا عبد الله٧ بن إدريس عن حزام٨ بن هشام أخبرني أبي٩ عن عائشة١٠ قالت: رأيت رسول الله ﷺ غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: "لا
_________________
(١) ١ المعجم الصغير ٢/٧٣ - ٧٤. ٢ المعجم الصغير ٢/٧٣ - ٧٤. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٦٤. ٤ انظر: تقريب النواوي ١/٣٤٥ مع تدريب الراوي. ٥ انظر ترجمته. ٦ عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل كان لا يحفظ القرآن، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة: خ، م، د، س، ق. تقريب: ٢٣٥ - ٢٣٦. ٧ عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد، مات سنة اثنتين وتسعين ومائة، وله بضع وسبعون سنة: ع. تقريب: ١٦٧. ٨ حزام بن هشام بن حبيش الخزاعي من أهل قديد، روى عن أبيه وعمر بن عبد العزيز، روى عنه ابن إدريس ووكيع، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حزام بن هشام فقال: شيخ محله الصدق. الجرح والتعديل ١/٢/٢٩٨. ٩ هشام بن حبيش بن خالد بن الأشعر الخزاعي حجازي والد حزام بن هشام، روى عن عمر، وسراقة بن مالك، وعاءشة، روى عنه ابنه حزام، الجرح والتعديل ٤/٢/٥٣. ١٠ عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة، ففيه خلاف شهير، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح: ع. تقريب: ٤٧٠.
[ ١٩٧ ]
نصرني الله إن لم أنصر بني كعب"، قالت: وقال لي: قولي لأبي بكر وعمر يتجهزا لهذا الغزو، فجاءا إلى عائشة فقال: أين يريد رسول الله ﷺ؟ قال: فقالت: لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان من الدهر"١.
قال الهيثمي٢: "رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه عنها وقد وثقها ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: وقد وثقهما غير ابن حبان أيضًا، أما حزام فقال عنه ابن سعد٣ كان ثقة قليل الحديث، وقال أبو حاتم٤: شيخ محله الصدق، ووثقه يعقوب٥ بن شيبة صاحب المسند الكبير المعلل، وأما أبوه هشام بن خالد فقد ترجم له البخاري٦، وابن أبي حاتم٧، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذلك ابن سعد٨ قال: كان قليل الحديث، لكن وثقه يعقوب٩ ابن شيبة، فالحديث بهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن إن شاء الله.
حديث أبي هريرة ﵁ عند البزار ويشهد له في المعنى:
(١٢٤) قال: حدثنا عبد الواحد١٠ بن غياث أنبأ حماد بن سلمة عن محمد١١ بن عمرو عن أبي سلمة١٢ عن أبي هريرة١٣ أن قائد خزاعة قال:
_________________
(١) ١ مسند أبي يعلى ٤، لوحة ٣٩٩. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٦٢. ٣ الطبقات الكبرى ٥/٤٩٦. ٤ الجرح والتعديل ١/٢/٢٩٨. ٥ ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤، لوحة: ٢٧٥، ونقله صاحب تهذيب تاريخ دمشق ٤/١١٩ - ١٢٣، إلا أنه قال: ابن أبي شيبة، وهو وهم لأن ابن أبي شيبة عبسي، وهذا سدوسي، وقد ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ، وقال صاحب المسند الكبير المعلل ما صنف مسند أحسن منه، ولكنه ما أتمه، تذكرة الحفاظ ٢/٥٧٧. ٦ التاريخ الكبير ٢/٤/١٩٢. ٧ الجرح والتعديل ٤/٢/٥٣. ٨ الطبقات الكبرى ٥/٤٦٥. ٩ تاريخ دمشق ٤، لوحة: ١٧٥ في ترجمة ابنه حزام. ١٠ عبد الواحد بن غياث - بمعجمة ومثلثة - أبو بحر الصيرفي صدوق، مات سنة أربعين ومائتين، وقيل قبل ذلك: د. تقريب: ٢٢٢. ١١ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليث المدني، صدوق له أوهام ثبت، مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح، /ع/. تقريب: ٣١٣. ١٢ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. ١٣ أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة، ذكر ابن حجر الاختلاف في اسمه واسم أبيه، ثم ذكر أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه عبد الرحمن بن صخر، وذهب جمع من النسابين إلى أنه عمرو بن عامر، مات سنة سبع وقيل سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسبن وهو ابن ثمان وسبعين: ع. تقريب: ٤٣١.
[ ١٩٨ ]
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
انظر هداك الله نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
وقال البزار: "لا نعلمه رواه إلى حماد بهذا الإسناد"١.
قال الهيثمي٢ بعد أن ذكره في المجمع: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عمرو وحديثه حسن".
قلت: محمد بن عمرو هو ابن علقمة بن وقاص الليثي، أشار ابن حجر إلى أنه روى له الجماعة٣، لكن شيخ البزار عبد الواحد ليس من رجال الصحيح، إنما روى له أبو داود فقط، وقد وثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات٤.
وقد أشار ابن حجر إلى سند البزار هذا وقال: "وهو إسناد حسن موصول"٥.
والحديث قد أخرجه موسى بن عقبة مرسلًا بمعنى ما سبق، وسمى بعض من أعان بني بكر من قريش: قال: "ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان ابن أمية وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو " ٦
وأخرجه عبد الرزاق٧ من طريق مقسم مرسلًا ومطولًا ذكر فيه قدوم أبي سفيان المدينة لتجديد العهد.
وأخرجه ابن أبي شيبة٨ من طريق أبي سلمة مرسلًا أيضًاَ.
فهذا الحديث جاء موصولًا ومرسلًا وترجح لي وصله لأن طريق الوصل مستقيمة وسبق بيانها، والله أعلم .
_________________
(١) ١ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٤٢. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٦٢. ٣ رمز له ابن حجر بـ (ع) تقريب التهذيب: ٣١٣، وفي تهذيب التهذيب ٩/٣٧٥، وفي هدي الساري: ٤٤١. ٤ تهذيب التهذيب ٦/٤٣٨ - ٤٣٩. ٥ فتح الباري ٧/٥٢٠. ٦ المصدر السابق. ٧ المصنف ٥/٣٧٤. ٨ تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة:٧٢.
[ ١٩٩ ]