الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق".
الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول حفر الخندق
إن الشورى من الأمور التي أمر الله بها نبيه ﷺ وذلك لما يلي:
(أ) لتأليف قلوب أصحابه.
(ب) وليقتدي به من بعده.
(جـ) وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك١.
وغالبًا ما يفعل ذلك في الحروب تطييبًا لقلوبهم وأخذًا بما يتضح أنه الأولى من آرائهم وتجاربهم. وتنشيطًا لهم فيما يفعلونه٢.
لذلك قال تعالى مخالطبًا رسوله ﷺ وممتنًا عليه وعلى المؤمنين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية ١٣٤. ٢ تفسير القرآن العظيم ١/٤٢٠، عارضة الأحوذي ٧/٢٠٨. ٣ سورة آل عمران الآية ١٥٩.
[ ١٣٣ ]
حدث ذلك أولًا في بدر كما هو معروف وشاورهم في أحد١. هل يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. وشاورهم يوم الخندق أولًا: بالنسبة لخطة الدفاع وهي ما نحن بصدده. ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب بثلث تمر المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه رؤساء الأنصار وذلك بدليل الحديث الذي رواه البزار٢ حيث قال: "حدثنا عقبة بن سنان٣ ثنا عثمان الغطفاني٤ ثنا محمد بن عمرو٥
_________________
(١) ١ أي غزوة أحد. ٢ هو أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري البزار (أبو بكر) محدث فقيه. ولد سنة ٢١٠هـ. وارتحل في الشيخوخة ناشرًا لحديثه فحدث بأصبهان عن الكبار وببغداد ومصر ومكة والرملة. وأدركه أجله فمات سنة ٢٩٧هـ. من تصانيفه شرح موطأ مالك والمسند. انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٣٤، السير ١٣/٥٥٤. ٣ عقبة بن سنان بن عقبة بن سنان بن سعد بن جابر بن محمد بن محصن الهدادي بفتح هاء وخفة دال كما في المغني صفحة ٨٤. بصري. روى عن غسان بن مضر وعثمان بن عفان الفطفاني. سمع منه أبي في الرحلة الثالثة ثنا عبد الرحمن قال: "سئل أبي عنه فقال: صدوق". الجرح والتعديل ٦/٣١١. ٤ عثمان بن عثمان الغطفاني أبو عمرو القاضي البصري صدوق ربما وهم من الثامنة. روى له (م د س) . انظر: التقريب٢٣٥. ٥ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة ثبت. مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح. روى له (ع) . التقريب ٣١٣.
[ ١٣٤ ]
عن أبي سلمة١ عن أبي هريرة٢ قال: "جاء الحارث الغطفاني٣ إلى رسول الله ﷺ" فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة٤ وإلا ملأناها عليك٥ خيلًا ورجالًا" فقال: "حتى استأمر٦ السعود سعد بن عبادة٧ وسعد بن معاذ
_________________
(١) ١ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة. مات سنة ٩٤، وقيل بعدها. وكان مولده بضع وعشرون. روى له (ع) . التقريب ٤٠٩. ٢ أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه فقيل عبد الرحمن بن صخر وقيل غير ذلك. التقريب ٤٣١، التهذيب ١٢/٢٦٢، أسد الغابة ٥/٣١٥. ٣ قائدة بني مرة وسيأتي فيما بعد. ٤ بالمثناة الفوقية وهو التمر المعروف وفي بعض المراجع - ثمر- بالمثلثة وهي تعم التمر وغيره. انظر في ذلك البداية والنهاية ٤/١٠٤، أسد الغابة ٢/٢٨٤. ٥ في مجمع الزوائد ٦/١٣٢ ملأتها. ٦ بمعنى استشر والسعود جمع سعد وهو هنا يريد السعدين بن معاذ وابن عبادة واستشارته ﷺ لهما يدل على فضلهما لدى رسول الله ﷺ ولدى قومهما لذلك قال ابن الأثير عند ترجمة سعد بن عبادة: جاء الخبر أن قريشًا سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف مخالف. قال فظنت قريش أنه يعني سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد هذيم من قضاعة فسمعوا الليلة الثانية قائلًا. يا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزر جيين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدي وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف ٧ هو سعد بن عبادة بن سليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي. أحد النقباء واحد الأجواد، ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرًا والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فلدغته حية، ذكر ذلك ابن سعد وقيل: إن الرسول ﷺ رده لاستنابته على المدينة فلم يتمكن من الخروج إلى بدر حكاه السهيلي عن ابن قتيبة وممن ذكره فيمن شهد بدرًا عروة والبخاري وابن أبي حاتم والطبراني. قال ابن كثير: "وقد وقع في صحيح مسلم ما يشهد لذلك ثم" قال: "والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ". الطبقات الكبرى ٣/٦١٤، وأسد الغابة ٢/٢٨٣، البداية والنهاية ٣/٣١٩، الإصابة ٢/٣٠.
[ ١٣٥ ]
يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية١ من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:"
يا حار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدًا لا يغدرُ
إن تغدوا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينبت في أصول السخبرِ
وأمانة النهدي حيث لقيتها مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ٢
_________________
(١) ١ الدّنيّة بتشديد التحتانية وهي الخصلة الحقيرة المذمومة من الدنو. مختار الصحاح ٢١٢. ٢ في البيت الأول - يا حار - وهو منادي مرخم حارث والبيت الأول موحد في أغلب الروايات إلا أن آخره في الديوان - لم يغدر - بكسر الراء وهو الأولى ليتناسب مع البيتين الآخرين. أما بالنسبة للثاني فهناك اختلاف لا يغير المعنى ففي الشطر الأول مثلًا من عاداتكم - في الديون - منكم شيمة وفي الشطر الأخير منه - واللؤم- في الديوان والغدر - وهو مكسور القافية والسخبر شجر تألفة الحيات فتكسن في أصوله. الواحدة سخبرة قال ابن الأثير وقد ورد ذلك في حديث ابن الزبير حيث قال لمعاوية: لا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السخبر، أما البيت الثالث فهو غير واضح المعنى لكن يوضحه ما جاء في أسد الغابة حيث قال: وأمانة المري ما استودعته) وقد بين ابن الأثير أن سبب هذه الأبيات غير السبب المذكور في الحديث وأنه حدث هذا عندما أرسل النبي ﷺ مع الحارث دعاة: يدعون قومه للإسلام فغدروا بهم فقال حسان هذه الأبيات قلت ولا يمنع أن تكون هذه الأبيات تكررت في الحادثين. انظر في كل ذلك: ديوان حسان ١/١٣٧، ٢/١٢٧، أسد الغابة ١/٣٤٣، الإصابة ١/٢٨٦، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤٩.
[ ١٣٦ ]
قال: فقال الحارث: "كف عنا يامحمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه".
قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان ولم نسمعه إلا من عقبة"١.
والحديث بهذا السند يعتبر حسنًا لذاته وقد ذكره ابن الأثير عند ترجمة سعد بن مسعود٢ الأنصاري وكذا ذكره الحافظ٣.
أما الهيثمي٤ فقد قال: "رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة
_________________
(١) ١ كشف الأستار ٢/٣٣٢، الإصابة ٢/٣٦. ٢ أسد الغابة ٢/٢٩٤. ٣ الإصابة ٢/٣٦. ٤ الهيثمي هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي - نور الدين أبو الحسن محدث حافظ وافق العراقي في السماع ولازمه وتوفي بالقاهرة في رمضان ٨٠٧هـ. من تصانيفه مجمع الزوائد، موارد الضمآن في زوائد ابن حبان، كشف الأستار عن زوائد البزار، الضوء اللامع للسخاوي ٥/٢٠٠.
[ ١٣٧ ]
قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا محمد شاطرنا تمر المدينة" فقال: "حتى استأمر السعد فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع١ وسعد بن خيثمة٢ بن مسعود٣ فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث قد سألكم أن تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا" فقالوا: "يارسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟
_________________
(١) ١ سعد بن الربيع بن عمر بن أبي زهير بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي عقبى بدري نقيب كان أحد نقباء الأنصار قاله عروة وابن شهاب وابن عقبة وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وقتل في أحد. أسد الغابة ٢/٢٧٧، الإصابة ٢/٢٦، الاستبصار ١١٤. وهناك سعد بن الربيع - رجل آخر ولكنه يعرف بابن الحنظلية قال فيه الحافظ قال أبو حاتم: "استشهد بأحد قال وفيه نظر ولعله أراد الذي قبله وأما هذا فذكر ابن سعد أنه شهد الخندق". انظر: الإصابة ٢/٢٧ عند ترجمته. ولكن بحثت في الطبقات لابن سعد فلم أجده لأن ابن سعد قد ذكر واحدًا بهذا الاسم وهو الذي قتل في أحد إلا أن يكون ذكره في غير الطبقات فالله أعلم. ٢ سعد بن خثيمة بن الحارث الأنصاري الأوسي يكني أبا خثيمة وهو عقبي بدري قتل في بدر. الاستبصار ٢٦٥، أسد الغابة ٢/٢٧٥. ٣ سعد بن مسعود الأنصاري قال ابن الأثير والحافظ: إنه شهد الخندق وأنه كان ضمن من استشارهم يومئذ. أسد الغابة ٢/٢٩٤ولكنه ذكر سعد بن خثيمة مع أنه ذكر قبل أنه قتل في بدر. انظر: الإصابة ٢/٣٦
[ ١٣٨ ]
فرأينا نتبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا. فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى فقال رسول الله ﷺ: "هو ذا تسمعون ما" يقولون. قالوا غدرت يا محمد".
فقال حسان١ بن ثابت ﵁:
يا حار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدًا لا يغدرُ
وأمانة المري٢ حين لقيتها كسر الزجاجة صدعها لا يجبرُ
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينبت في أصول السخبرِ
ثم قال الهيثمي: "رواه البزار والطبراني ورجالهما فيهم محمد بن عمرو حديثه حسن وبقية رجاله ثقات"٣.
_________________
(١) ١ حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بفتح المهملة والراء الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد شاعر رسول الله ﷺ مشهور ت سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة. وذلك في خلافة علي ﵁ وقد عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. قال ابن الأثير وكذلك عاش أبوه ثابت وجده المنذر وأبو جده حرام عاش كل واحد منهم مائة عشرين سنة ولا يعرف في العرب مثلهم أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل واحد منهم مائة وعشرين. وقد وهب له النبي ﷺ جاريته سيرين أخت مارية فولدت له عبد الرحمن بن حسان. أسد الغابة ٢/٤. ٢ يقصد الحارث بن عوف المري. ٣ مجمع الزاوئد ٦/١٣٢- ١٣٣. انظر: الإصابة ٢/٣٦.
[ ١٣٩ ]
وقد أشار إلى ذلك ابن حزم١ ألا أنه ذكر السعدين فقط٢ كما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق مطولًا وأنه ﷺ بعث إلى السعدين بعد أن حصلت المراوضة٣ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح وأخيرًا تناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا٤.
أما ما جاء في الحديث السابق الذي ذكره الهيثمي وذكر فيه السعود٥ وساق خمسة منهم، فقد رجعت إلى تراجمهم فوجدت أن هناك تناقضا ظاهرًا حيث تدل الرواية التي ذكرها الهثيمي أنهم كانوا جميعًا ضمن الصحابة الذين حضروا الغزوة أما الحقيقة فهي تدل على أن سعد
_________________
(١) ١ جوامع السيرة ١٨٨. ٢ ابن معاذ وابن عبادة. ٣ المراوضة: هي ما يجري بين المتبابعين من الزيادة والنقصان. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/٢٧٦. ٤ البداية والنهاية ٤/١٠٤. ٥ جاء ذكر السعود في شعر حسان حيث قال: أروني سعودًا كالسعود التي سمت بمكة من أولاد عمرو بن عامر أقاموا عماد الدين حتى تمكنت قواعده بالمرهفات البواترقال أبو جعفر بن حبيب أراد بالسعود سبعة وهم أربعة من الأوس وثلاثة من الخزرج. الإصابة ٢/٢٥.
[ ١٤٠ ]
بن الربيع مثلًا قد استشهد في غزوة أحد وقد ساق ابن الأثير حديثًا يدل على ذلك١ وقد تقدمت ترجمته.
أما سعد بن خيثمة فقد استشهد ببدر ذكر ذلك ابن إسحاق٢ وغيره.
أما سعد بن مسعود فقد ذكر الحافظ أن له ذكرًا في حديث الطبراني٣ المذكور ثم ساق الحديث إلى أن قال قال ابن الأثير في ذكر سعد بن خيثمة نظر لأنه استشهد ببدر. والخندق كانت بعدها بثلاث سنين، ثم قال لا يلزم من الغلط في سعد بن خيثمة الغلط في سعد بن مسعود فإن ثبت الخبر فهو من كبار الأنصار بحيث كان يستشار في ذلك الوقت٤.
وهكذا تمت هذه المشاروة مع السعدين كما جاء ذلك في حديث البزار الذي يعتبر أقوى حديث في الباب على ضوء إسناده٥.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٢/٢٧٨. ٢ السيرة النبوية ١/٦٩٠، أسد الغابة ٢/٢٧٥، الإصابة ٢/٣٦. ٣ تقدم في ص ١٣٨. ٤ الإصابة ٢/٣٦. ٥ تقدم وهو يعتبر حسنًا لذاته.
[ ١٤١ ]
ولم تتم تلك الصفقة التي كان يحلم بها الحارث بن عوف وعيينة بن حصن كما في بعض الروايات.
أما المشاورة الثانية الني حصلت في هذه الغزوة فقد حصلت عندما سمع النبي ﷺ ما أجمع عليه كفار قريش ومن تابعهم على المسير إلى المدينة فاستشار الصحابة ﵃ وتمخضت تلك المشاورة عن رأي سديد أدلى به سلمان١ ﵁ حيث أشار بحفر الخندق لكي يحول بين العدو وبين المدينة٢.
ولم يرد في ذلك حديث صحيح غير أن الطبري قال: "حدثت عن محمد بن عمر٣ قال كان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سلمان الفارسي أبو عبد الله يقال أنه مولى رسول الله ﷺ ويعرف بسلمان الخير كان أصله من فارس من رامهرمز من قرية يقال لها جئ، ويقال بل كان أصله من أصبهان قال ابن عبد البر وقد ذكرته في التمهيد وذكرت حديث إسلامه بتمامه وكان إذا قيل له ابن من أنت؟ قال أنا سلمان بن الإسلام من بني آدم وقد تخلف عن رسول الله ﷺ في بدر وأحد بسبب الرق فأشار عليه ﷺ بالمكاتبة وقد عاش ثلاثمائة سنة وكان من المعمرين وكان له ثلاث بنات. انظر: الاستيعاب حاشية الإصابة ٢/٥٦، أسد الغابة ٢/٣٢٨- ٣٣٢ ٢ زاد المعاد ٣/٢٧١، السيرة الحلبية ١/٦٣١. ٣ هو الواقدي شيخ ابن سعد وقد تقدم.
[ ١٤٢ ]
وهو يومئذ حر"١، وقال يا رسول الله: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٢.
والواقدي وصفه أهل الحديث بأنه متروك الحديث مع سعة علمه.
وبذلك قال ابن هشام٣ ونقله عنه ابن كثير٤ وبه قال ابن الأثير٥. وقد نقل الحافظ في الفتح حيث قال: وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر٦ قال: "قال سلمان للنبي ﷺ: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٧.
لقد كان الخندق ذا أهمية عظمى ذلك لأن المسلمين عندما بحثوا خطة الدفاع عن المدينة كانوا يفكرون في
_________________
(١) ١ لأنه قبل ذلك كان مملوكًا حتى أمره النبي ﷺ بالمكاتبة وبذلك تحرر من الرق ولازم الرسول ﷺ. ٢ مغازي الواقدي ٢/٤٤٥، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤، جامع البيان ٢١/١٣٠ ٣ السيرة النبوية ٢/٢٢٤. ٤ البداية والنهاية ٤/٩٥. ٥ الكامل ٢/١٢٢. ٦ هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر المهملة وسكون النون المدني أبو معشر وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته - ضعيف - أسن واختلط مات سنة ١٧٠هـ. انظر: التقريب ٣٥٦. ٧ فتح الباري ٧/٣٩٢- ٣٩٣.
[ ١٤٣ ]
إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب المتفوقة عددًا وعدة في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وشل حركتها على النحو الواسع الذي تريد تلك القوة الباغية.
ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعي أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية١.
ولقد حفر الخندق في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة لأن هذا المكان هو أصلح موقع يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لابد لأي غاز يريد المدينة من أن يتجه إليها ذلك لأن الجهات الأخرى محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة كالجبال وغيرها والتي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد٢.
وعندما قرر الرسول ﷺ حفر الخندق - بعد المشاورة - أمر بنقل النساء والذراري إلى الآطم٣ الحصينة حتى لا يصيبهم مكروه.
_________________
(١) ١ غزوة الأحزاب لمحمد باشميل ١٤٧. ٢ المصدر السابق ١٤٩. ٣ الأطم بضمة وضمتين القصر وكل حصن مبني بالحجارة وكل بيت مربع مسطح. القاموس ٤/٧٤.
[ ١٤٤ ]
لأنه كان يتخوف عليهم من اليهود - بني قريظة - حيث كانت منازلهم مما يلي العوالي١ وكانوا قد مالؤوا الأحزاب ووافقوهم على نقض العهد الذي ابرموه مع النبي ﷺ. فقد روى الطبراني حيث قال: "حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي٢ البغدادي ثنا عثمان بن يعقوب العثماني٣ ثنا محمد بن طلحة٤ التميمي عن محمد بن سهل بن أبي حثمة٥ عن هرير٦ بن عبد الرحمن بن رافع٧ بن خديج٨ عن أبيه عن
_________________
(١) ١ العوالي بالفتح جمع العالي ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال وقيل ثلاثة (وهو الصحيح) . انظر: مراصد الإطلاع ٢/٩٧٠. ٢ هو محمد بن عبد الله العدوي يعرف بالقرمطي. روى عنه أبو القاسم الطبراني. انظر: تاريخ بغداد ٤٣٣. ٣ لم أجد له ترجمة. ٤ محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عثمان ابن عبيد الله التميمي المعروف بابن الطويل وجده عثمان هو أخو طلحة أحد العشرة صدوق يخطئ من الثامنة. مات سنة ثمان ومائة. روى له (س ق) . التقريب ٣٠٢. ٥ محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الأوسي قال الحافظ ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا وذكره ابن حبان في الثقات. تعجيل المنفعة ٣٦٥. ٦ هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني - مقبول - من الخامسة التقريب ٣٦٣. قال الذهبي وقال الازدي يتكلمون في حديثه وقد وثقه ابن معين وابن حبان. الميزان ٤/٢٩٥. ٧ عبد الرحمن بن رافع قال ابن أبي حاتم روى عن أبيه رافع. وروى عنه ابنه هرير. الجرح والتعديل ٥/٢٣٢. ٨ رافع بن خديج بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري صحابي جليل أول مشاهده أحد ثم الخندق. مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وقيل قبل ذلك. التقريب٩٩، الاستيعاب ٢/٥٩.
[ ١٤٥ ]
جده قال: "لما كان يوم الخندق لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه" فقال: "إن ألمَّ بكن١ أحد فالمعن بالسيف" فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان - أحد بني جحاش٢على فرس حتى كان في أصل الحصن ثم جعل يقول للنساء انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي ﷺ فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له ظهير بن رافع٣ فقال: "يا نجدان ابرز فبرز إليه فحمل عليه فرسه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ". هذا الحديث قال فيه الهيثمي بعد إيراده.
رواه الطبراني وقال: "ورجاله ثقات٤. وقد رواه ابن جرير في تاريخه بسنده من طريق ابن إسحاق"٥.
_________________
(١) ١ إن ألم بكن أي إذا حصل ذلك وهو دخول أي غريب عنهم اليهن. ٢ في مجمع الزاوئد حشاش واثبت ما في المعجم الكبير. ٣ ظهير بن رافع قال ابن قدامة وشهد ظهير العقبة الثانية ولم يشهد بدرًا وشهد أحدًا مع أخيه مظهر بن رافع ولم يذكر متى مات. الاستبصار ٢٣٩ ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٣، وهو في المعجم الكبير ٤/٣١٨حديث ٤٣٧٨. ٥ تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٧٠- ٥٧١.
[ ١٤٦ ]
وقال الهيثمي بعد إيراد هذا الحديث: "عن الزبير بن العوام أن رسول الله ﷺ خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له فارع" الحديث إلا أنه قال بعد سياقه لهذا الحديث رواه البزار وأبو يعلي باختصار وإسناد هما ضعيف.
ومع ذلك فالمتن فيه اضطراب حيث إن آخره يخالف أوله فقد ذكر أن رسول الله ﷺ أولًا خرج إلى الخندق ثم قال بعد ذلك: ثم خرج إلى أحد. ويظهر من ذلك أنه حصل التباس من خروجه إلى أحد خروجه إلى الخندق ثم قال الهيثمي١ مؤكدًا ذلك:
وقد تقدم الحديث من رواية صفية في وقعة أحد. وهو عند البزار٢ أن ذلك كان في أحد والمشهور أن هذه القصة كانت في الخندق.
أما كونه ﷺ جعلهم في أطم يقال له فارع فهو صحيح بدليل ما جاء في صحيح مسلم٣ عن عبد الله بن الزبير وفيه أنه كان هو وعمر بن أبي سلمة في أطم حسان يوم الخندق مع النسوة الخ كذلك روى
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٣٣- ١٣٤. ٢ كشف الأستار ٢/٣٣٣- ٣٣٤. ٣ صحيح مسلم ٤/١٨٧٩، كتاب فضائل الصحابة.
[ ١٤٧ ]
هذا الحديث أحمد١ في مسند الزبير ثم أورد الهثيمي بعد ذلك حديثًا آخر بهذا المعنى ولفظه عن عروة:
أن النبي ﷺ أخذ نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة وكان حسان بن ثابت رجلًا جبانًا فأدخله مع النساء فأغلق الباب فجاء يهودي فقعد على باب الأطم فقالت صفيه بنت عبد المطلب: إنزل يا حسان إلى هذا العلج٢ فاقتله فقال ما كنت لأجعل نفسي خطرًا لهذا العلج فائتزرت بكساء وأخذت فهرا٣ فنزلت إليه فقطعت رأسه الخ الحديث.
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ولكنه مرسل"٤.
قال السمهودي: "وروى الإمام أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: "كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق أي وهو المسمى بفارع
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ١/١٦٦. ٢ العلج: بكسر العين المهملة قال في مختار الصحاح بوزن العجل: الواحد من كفار العجم والجمع علوج واعلاج وعلجه بوزن عنبة. مختار الصحاح ٤٤٩. ٣ الفهر: بكسر الفاء الموحدة هو الحجر قدر ما يدق به الجوز أو يملأ الكف ويؤنث. القاموس المحيط ٢/١١٢. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٤.
[ ١٤٨ ]
فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان انزل فاسلبه" فقال: "مالي بسلبه حاجة"١.
وهذا الحديث وهو رفع النساء والذراري في الآطام رواه ابن جرير في تاريخه٢ وقد روى الطبراني هذه القصة عن صفية في غزوة أحد كما تقدم.
إلا أن الهيثمي قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات"٣.
ثم عقب السمهودي قائلًا: "والمذكور في كتب السير أن هذه القصة كانت في الخندق وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع وأن صفية ﵂ لما فرغت من قتل اليهودي رجعت إلى الحصن فقالت لحسان: "انزل
_________________
(١) ١ وفاء الوفاء ١/٢١٥. ٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٠. ٣ مجمع الزوائد ٦/١١٥.
[ ١٤٩ ]
فاسلبه١ فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل" قال: "مالي بسلبه حاجة يابنت عبد المطلب"٢ أ. هـ. كلام السمهودي.
وهذه القصة صحيحة لتظافر الأدلة التي يقوي بعضها بعضًا يؤيدها أن اليهود إنما غدروا في غزوة الخندق ولم يكن لهم ذكر في أحد.
أما بالنسبة لهذه التهمة التي وجهت ضد حسان بن ثابت وهي الجبن فقد دفعها بعض العلماء لذلك قال السهيلي: "مجمل هذا الحديث عند الناس أن حسانًا كان جبانًا شديد الجبن وقد دفع بعض العلماء هذا وانكره وقال: لو صح هذا. لهجي به حسان فإنه كان يهاجي الشعراء وكانوا يردون عليه فما عيره أحد بجبن. وإن صح فلعل حسان كان معتلًا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال وهذا أولى ما تأول".
ثم قال: "وممن أنكر أن يكون هذا صحيحًا أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في كتابه الدرر٣ وهذا هو الحق والله أعلم فإن شعر حسان كان أشد
_________________
(١) ١ السلب هو أخذ ما يكون على المقتول أو معه من سلاح وثياب ودابة وغيرها النهاية في غريب الحديث ٢/٣٨٧. ٢ وفاء الوفاء ١/٣١٥. ٣ الروض الأنف ٣/٣٨١، وفي الاستيعاب ١/٤٠٥. قال: وقال اكندا هل الخبار والسير: إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة كرهت ذكرها لنكارتها.
[ ١٥٠ ]
على الأعداء من وقع النبل، وذلك واضح من المهاجاة التي وقعت بينه وبين شعراء قريش كابن الزبعرى وغيره، حتى أن الرسول ﷺ كان ينصب له منبرًا في المسجد١ يقوم عليه قائمًا يفاخر عن رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ" وكان يقول للنبي ﷺ لأسلنك كما تسل الشعرة من العجين٢ ولو كان هذا حقًا لهجاه به اعداؤه.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٢/٤. ٢ النهاية في غريب الحديث ٢/٣٩٢، والحديث في البخاري. انظر: فتح الباري ٧/٣٤٦، ورواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٣٤ فضائل حسان.
[ ١٥١ ]
الفصل الثاني: تواضعه ﷺ ومباشرته الحفر بنفسه
كان صلوات الله عليه وسلامه المثل الأعلى في التواضع، وذلك لحسن أخلاقه التي مدحه الله به، وهذا حاله ﷺ في السلم والحرب على السواء. وتواضعه ﵊ في هذا الموضع قليل من كثير.
أما بالنسبة لما كان منه في هذه الغزوة فقد روى البخاري في ذلك حديثًا عن جابر بن عبد الله ﵁ وهذا نصه:
قال البخاري - ﵀ -: حدثنا خلاد بن يحى١ حدثنا عبد الواحد٢ بن أيمن٣ عن أبيه قال: "أتيت جابرًا -﵁- فقال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا فأخذ
_________________
(١) ١ خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي أبو محمد الكوفي نزيل مكة - صدوق - رمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري من التاسعة مات سنة ٢١٧هـ. ٢ عبد الواحد بن أيمن المخزومي مولاهم أبو القاسم المكي لا بأس به من الخامسة روى له - خ م س - التقريب ٢٢١. ٣ أيمن الحبشي المكي والد عبد الواحد - ثقة - من الرابعة روى له البخاري وأبو داود في الناسخ والمنسوخ. التقريب ٤٠.
[ ١٥٥ ]
النبي ﷺ المعول١ فضرب فعاد كثيبًا٢ أهيل أو أهيم"٣ فقلت يا رسول الله: "ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت عندي شعير وعناق٤. فذبحتُ العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة٥ ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي٦ قد كادت تنضج
_________________
(١) ١ المعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر والجمع المعاول، مختار الصحاح ٤٦٣. ٢ الكثيب: الرمل المستطيل المحدودب. النهاية في غريب الحديث ٤/١٥٢. ٣ الشك من الراوي قال الحافظ في الفتح ٧/٣٩٧، وفي رواية الإسماعيلي أهيل بغير شك، وكذا عند يونس، وفي رواية أحمد - كثيبا يهال قال والمعنى أنه صار رملًا يسيل ولا يتماسك قال تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أي رملًا سائلًا، وأما أهيم فقال عياض: ضبطها بعضهم بالمثلثة وبعضهم بالمثناة وفسرها بأنها تكسرت. والكدية جاءت في رواية أبي ذر الكيدة بفتح الكاف وسكون التحتانية قيل هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض وفي رواية الإسماعيلي فعرضت كدية - كما هنا- وهي بضم الكاف وتقديم الدال على التحتانية. وزاد في روايته - فقال رشوها بالماء فرشوها- فتح الباري ٧/٣٩٦. ٤ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٩٥، والعناق الأنثى من الماعز ما لم يتم له سنة، النهاية ٣/٣١١. ٥ البرمة: هو القدر مطلقًا وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. النهاية ١/١٢١. ٦ الأثافي: هي حجار ثلاث يوضع عليها القدر. مختار الصحاح ٨٤.
[ ١٥٦ ]
فقلت: طعيم١ لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: كم هو فذكرت له: "فقال كثير طيب". قال: قل لها: "لا تنزع البرمة ولا الخبر من التنور٢ حتى آتي". فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار. فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم قالت: هل سألك قلت: نعم. فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا" ٣ فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر٤ البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف٥ حتى شبعوا وبقي بقية. قال: "كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة" ٦.
_________________
(١) ١ بالتصغير للقلة. لأنه حصل في رواية سعيد بن ميناء التي تلي هذه أن جابر ﵁ لما جاء وأخبر امرأته فقالت بك وبك فقال قد فعلت الذي قلت. قال الحافظ في رواية يونس قال: "فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله -﷿-". فتح الباري ٧/٣٩٨. ٢ التنور: الذي يخبز فيه ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ مختار الصحاح ٧٩. ٣ فيه دليل على كثرتهم ومعنى لا تضاغطوا: أي لا تتزاحموا. ٤ أي يغطى. ٥ أي يغرف مرقًا من البرمة. ٦ فتح الباري ٧/٣٩٥.
[ ١٥٧ ]
كما رواه أيضًا أحمد١ والنسائي٢ والبيهقي٣.
أما البيهقي فقد أخرج هذا الحديث من رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: قلت لجابر: "حدثني بحديث عن رسول الله ﷺ أرويه عنك فقال جابر: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم الخندق نحفر فيه فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم شيئًا ولا نقدر عليه فعرضت في الخندق كدية فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت هذه كدية٤ قد عرضت في الخندق فرششنا عليها الماء فقام رسول الله ﷺ وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول أو المسحاة ثم سمى ثلاثًا ثم ضرب فعادت كثيًا أهيل"٥ الحديث.
قال الحافظ: "وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب" قال: "لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠-٣٠١. ٢ سنن النسائي ٦/٤٣ باب غزوة الترك والحبشة والرواية ليست عن جابر وإنما هي عن رجل من الصحابة. ٣ دلائل النبوة ٣/٤١٧. ٤ هكذا وردت في أشهر الروايات، ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني (كندة) بنون، وعند ابن السكن: كتدة: بمثناة من فوق، قال عياض لا أعرف لهما معنى، فتح الباري ٧/٣٩٧. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٢٣.
[ ١٥٨ ]
الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ فجاء فأخذ المعول ثم قال: "بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إن لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة".
قال الحافظ: "وقد أخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه"١.
وهناك أحاديث صحيحة تبين بوضوح مباشرته ﷺ الحفر ونقل التراب مع صحابته ﵃ من ذلك ما روي البخاري ونصه:
قال البخاري٢ ﵀: حدثنا مسلم بن إبراهيم٣ حدثنا شعبة٤ عن أبي إسحاق٥ عن
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٧. ٢ صحيح البخاري ٥/٤٧ كتاب المغازي باب غزوة الخندق. ٣ هو الأزدي الفراهيدي. -ثقة- روى (ع) من التاسعة مات سنة ٢٢٢هـ. التقريب ٣٣٥. ٤ هو ابن الحجاج بن الورد الواسطي ثم البصري - ثقة حافظ متقن - روى له (ع) من السابعة مات سنة ستين ومائة. التقريب ١٤٥. ٥ أبو إسحاق هو: عمرو بن عبد الله السبيعي بكسر المهملة وكسر الموحدة مكثر ثقة عابد روى له (ع) من الثالثة مات سنة تسع وعشرين ومائة. التقريب ٢٦٠-٢٦١.
[ ١٥٩ ]
البراء١ ﵁ قال: "كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو إغبر بطنه٢. يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علين
_________________
(١) ا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علين ا إذا أرادوا فتنة أبين ا قال البراء: "ويرفع بها صوته أبينا أبينا" ٣. كما رواه مسلم٤ وأحمد٥ والدارمي٦ والروياني٧ بزيادة (ينقل في زنبيل٨) وأخرجه الخطيب٩ كما أورده الحافظ في عدة مواضع من ١ البراء بن عازب. الصحابي الجليل استصغر يوم بدر، أبو عمارة صحابي ابن صحابي أحاديثه ٣٠٥ توفي بالكوفة سنة ٧٢هـ. ٢ كذا وقع بالشك: بالغين المعجمة فيهما فأما التي بالموحدة فواضح من الغبار، وأما التي بالميم فقال الخطابي إن كانت محفوظة فالمعنى وارى التراب جلدة بطنه. الفتح ٧/٣٩٩. ٣ فيه دليل على تواضعه ﷺ، وانشراح صدره ومجاراته لأصحابه فيما هو حلال وطيب. ٤ صحيح مسلم ٣/١٤٣٠ باب غزوة الأحزاب وهي الخندق. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/٢٨٢/٢٨٥-٢٩١/٣٠٠/٣٠٢/٣٠٣. ٦ سنن الدارمي ٢/٢٢١. ٧ في المسند ١/٢٢٧ رقم (٣١٧) . ٨ الزنبيل: بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة وهو مرادف للعرق والمكتل. انظر الفتح ٤/١٦٩، والهدي لابن القيم حيث جاء فيه (والمكتل هو الزنبيل والقفة) ٣/١٧٨. ٩ تاريخ بغداد ١١/٢٨٩
[ ١٦٠ ]
الفتح١.
وهذا الحديث يدل بجلاء على مشاركته ﷺ لهم وعلى تواضعه وقد جاء عند أحمد٢ عن أم سلمة٣ - ﵂- قالت: "ما نسيت قوله يوم الخندق وهو يعاطيهم اللبن وقد أغبر شعر صدره وهو يقول: "اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة". الحديث.
كما جاء في الرواية الثانية للبراء عند البخاري حيث قال: حدثني أحمد بن عثمان٤ حدثنا شريح بن مسلمة٥ قال حدثني
_________________
(١) ١ الفتح ٦/٤٦، ١٦٠، ٧/٢٤٧، ٣٩٩، ١١/٥١٥، ١٣/٢٢٢. ٢ مسند الإمام أحمد ٦/٢٨٩. ٣ أم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية زوج النبي ﷺ، وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقد ولدت له سلمة وعمر ودرة وزينب، وتوفي عنها فخلف عليها رسول الله ﷺ سنة اثنين من الهجرة بعد وقعة بدر وعاشت بعد ذلك ستين سنة، ت سنة اثنتين وستين وقيل قبلها. انظر الاستيعاب ٤/٤٧٢، أسد الغابة ٥/٥٨٨، والعبر للذهبي ١/٤٨. ٤ أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الحادية عشرة مات سنة ٢٦١هـ، روى له (خ م س ق) . التقريب ١٥. ٥ شريح بن مسلمة التنوخي الكوفي - صدوق - من قدماء العاشرة مات سنة ٢٢٢هـ، روى له (خ س) التقريب ١٤٥.
[ ١٦١ ]
إبراهيم بن يوسف١ قال حدثني أبي٢ عن أبي إسحاق قال سمعت البراء يحدث قال: "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر٣ فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علين
_________________
(١) ا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علين ا إذا أرادوا فتنة أبين ا قال:" ثم يمد صوته بآخرها"٤. هكذا جاء أيضًا في هذه الرواية مباشرته ﷺ لنقل التراب الناتج من الحفر فلقد كان ﷺ مدرسة للأخلاق الكريمة الفاضلة المستقاة من القرآن ١ إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي صدوق يهم من السابعة مات سنة ١٩٨هـ، روى له (خ م د ت س) التقريب ٢٤. ٢ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي وقد ينسب لجده - ثقة - من السابعة مات سنة ١٥٧هـ، روى له (ع) التقريب ٣٨٨. ٣ قال الحافظ: "وليس كذلك فإن صفته ﷺ أنه كان دقيق المسربة - أي الشعر- الذي في الصدر إلى البطن. قال فيمكن الجمع بأنه كان مع دقته كثيرًا أي لم يكن منتشرًا بل كان مستطيلًا والله أعلم". فتح الباري ٧/٤٠١. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٧، والفتح ٧/٣٩٩.
[ ١٦٢ ]
الكريم يصدق ذلك قول عائشة - ﵂ - عندما سئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن١.
وسيرته ﷺ مليئة بأمثال ذلك.
لذلك قال ابن هشام: "فلما سمع بهم رسول الله ﷺ، وما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا وأبطأ عن رسول الله ﷺ، وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن.
أما المسلمون فكانوا لا يستأذنون إلا عند الضرورة فإذا قضوا حاجاتهم رجعوا إلى ما كانوا فيه من عمل رغبة في الخير واحتسابًا له وقد أنزل الله في ذلك قرآنا يتلى فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك الآية﴾ ٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٥١٣، وأبو داود في التطوع ٢٦، والترمذي في السير ٦٩، والنسائي في قيام الليل ٢، وابن ماجه في الأحكام ١٤. ٢ سورة النور الآية ٦٢.
[ ١٦٣ ]
حيث نزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله ﷺ ١.
ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون ويذهبون بغير إذن من النبي ﷺ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "٢.
وهذه الآيات عامة ساقها ابن هشام وغيره للاستدلال بها على الفريقين. وعامة في الاستئذان سواء في الحرب أو في السلم وهي في الحقيقة نزلت كما قال ابن كثير٣ في الذين يستأذنون في الخروج من الجمعة وغيرها.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٢١٦. ٢ سورة النور الآية ٦٣. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/٣٠٦.
[ ١٦٤ ]
الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها
والمعجزات التي وقعت في أثناء ذلك
إن المصاعب والمشاكل تعترض حتى الأعمال السهلة، وفي أوقات السلم فكيف بعمل شاق ومجهود ضخم وكيف بعمل يكمن فيه درءُ الخطر القادم والمحدق بالمسلمين وبالمدينة التي تؤويهم إلا أن نصر الله لعباده يتجلى عندما ينصروه ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.
إنه عندما علم المسلمون بتكتل الأحزاب وتهيؤهم للخروج لغزو المدينة بقوة كبيرة عندها فكر المسلمون في خطة الدفاع وهي (الخندق) وكانت ناجحة للغاية. وكانوا يعملون فيه بجد حتى ينتهوا منه قبل وصول العدو، وفعلًا شمروا عن ساعد الجد وبدأو بداية المدافع المستميت ولكن اعترضتهم مشاكل منها - الكدية -. تلك التي جعلتهم يذهبون للرسول ﷺ ويخبرونه بأمرها - وذلك لأنها استعصت عليهم - ويجيء ﷺ ويضربها فتعود رملًا سائلًا وقد ورد ذلك عند البخاري حيث قال: حدثنا خلاد بن يحى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: "أتيت جابرًا ﵁
_________________
(١) ١ سورة الحج جزء من الآية ٤٠.
[ ١٦٧ ]
فقال: "إنا يوم الخندق نحفر - فعرضت كدية شديدة١ - فجاءوا النبي ﷺ" فقالوا: "هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا. فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم". الحديث٢.
الحديث رواه أيضًا أحمد٣ بزيادة رشوها بالماء - والنسائي٤ بلفظ مرادف- عرضت لهم صخرة - والبيهقي٥.
وأخرجه البيهقي٦ بسنده عن أيمن المخزومي وفيه قال أيمن المخزومي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "كنا يوم الخندق نحفر فعرضت كذانة٧، وهي الجبل"، الحديث.
_________________
(١) ١ هذه رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي والكدية القطعة الغليظة. انظر هدي الساري ١٧٨. ٢ صحيح البخاري ٥/٤٥ وقد تقدم. ٣ مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠- ٣٠١، ٤/٣٠٣. ٤ سنن النسائي ٦/٤٣. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٢٣. ٦ دلائل النبوة ٣/٤٢٣. ٧ الكذانة ككتانة حجارة رخوة كالمدر واكذوا صاروا فيها و(الكذكذة) الحمرة الشديدة وكذّ خشن. القاموس ١/٣٧١ وهذا التفسير لا يستقيم مع ما هو معلوم من وقوف هذه الصخرة في طريقهم.
[ ١٦٨ ]
وأخرجه كذلك مطولًا من طريق كثير بن عبد الله١ عن أبيه٢ عن جده٣ وفي أوله "خط رسول الله ﷺ الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا حتى نشاور رسول الله ﷺ فأرسلنا إليه سلمان"٤. الحديث.
وهذا الحديث مداره على كثير هذا وهو ضعيف عند الجمهور كما قال الهيثمي وحسن الترمذي حديثه.
وقد أخرج الطبري هذا الحديث بسنده فقال: حدثنا ابن بشار٥ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة٦ قال ثنا كثير
_________________
(١) ١ لعله حصل خطأ في مطبوعة الفتح ٧/٣٩٧ حيث جاء (كثير بن عبد الرحمن) والصواب ابن عبد الله كما في التقريب (٢٨٥)، التهذيب ٨/٤١٢، وهو ضعيف من السابعة ونسبه بعضهم إلى الكذب. انظر: الميزان ٣/٤٠٦. ٢ هو عبد الله بن عمرو بن عوف بن يزيد المزني - مقبول - من الثالثة التقريب ١٨٣. ٣ عمرو بن عوف بن يزيد بن ملحة بكسر أوله ومهملة أبو عبد الله المزني صحابي مات في ولاية معاوية. روى له (خ ت ر ت ق) . انظر: التقريب ٢٦١، الاستيعاب ٣/٢٧٤. ٤ فتح الباري ٧/٣٩٨. ٥ هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر - بندار - ثقة - من العاشرة. مات سنة ٢٥٢. وله بضع وثمانون سنة. روى له (ع) . التقريب ٢٩١. ٦ محمد بن خالد بن عثمة بمثلثة ساكنة قبلها فتحة ويقال أنها أمه الحنفي البصري صدوق يخطئ من العاشرة. روى له - الأربعة - التقريب ٢٩.
[ ١٦٩ ]
بن عبد الله بن عمرو عوف المزني قال ثني أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله ﷺ الخندق عام ذكرت الأحزاب وفيه فحفرنا تحت دوبار١ حتى بلغنا الصرى٢ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة٣ فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان أرق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه"٤ الحديث.
قال الحافظ٥: "ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن فعند النسائي٦ قال في الضربات الثلاث ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " ٧.
_________________
(١) ١ هكذا جاءت العبارة ولعلها محرفة ودوبار لفظة فارسية معناها مرتين. وهذا التفسير أيضا ليس مفهوم ولا يتفق مع النص. جامع البيان ٢١/١٣٤. ٢ لم أقف لها على معنى ولعلها كما قال صاحب اللسان ١٤/٤٥٧ (الماء الذي طال استنقاعه) . ٣ المروة: حجارة بيض براقة - تورى النار - أو هي أصل الحجارة. القاموس ٤/٣٩٢. ٤ جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٥. ٥ فتح الباري ٧/٣٩٧. ٦ سنن النسائي ٦/٤٣. ٧ سورة الأنعام الآية ١١٥.
[ ١٧٠ ]
وهذا إسناد أحمد حيث قال ابنه عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر١ ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله٢ عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق" قال: "وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول" قال: "فشكوها إلى رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ" قال عوف وأحسبه قال: "وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة. فأخذ المعول فقال: بسم الله فضرب ضربة فكسر الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله أني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال: بسم الله فضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله أني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال بسم الله وضرب ضربة أخرى فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله أني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا"٣. الحديث
_________________
(١) ١ محمد بن جعفر الهذلي مولاهم المدني البصري المعروف - بغندر - ثقة صحيح الكتاب إلا فيه غفلة من التاسعة. مات سنة ٢٤٣هـ (ع) . التقريب ٢٩٣. ٢ هو ميمون أبو عبد الله البصري مولى ابن سمرة ضعيف وقيل اسم أبيه أستاذ وفرق بينهما ابن أبي حاتم من الرابعة سئل عنه يحيى بن سعيد فحمّض وجهه وقال زعم شعبة أنه كان فسلا وقال الأثرم عن أحمد أحاديثه مناكير وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود تكلم فيه. التقريب ٣٥٤، التهذيب ٢/٣٩٣. ٣ المسند ٤/٣٠٣، الفتح الرباني ٢١/٧٨.
[ ١٧١ ]
أما ابن إسحاق فقد قال: "وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله ﷺ وتحقيق نبوته. عاين١ ذلك المسلمون فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه إشتد عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله ﷺ فدعا بإناء من ماء فتفل٢ فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح٣ ذلك الماء على تلك الكدية. "فيقول من حضرها فوالذي بعثه بالحق نبيًا لانهالت٤حتى عادت كالكثيب لا يرد فأسًا ولا مسحاة"٥. قال ابن كثير: "هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه٦ وعند أحمد فأخذ المعول أو المسحاة٧ بالشك وعند الواقدي فأخذ الكرزين٨. وقد تتابعت المعجزات التي أجراها الله سبحانه لنبيه ﷺ في
_________________
(١) ١ عاين من المعاينة وهي المشاهدة. ٢ تفل: أي بصق. ٣ النضح: هو الرش. ٤ انهالت: تفتتت. ٥ السيرة النبوية ٢/٢١٧. ٦ البداية والنهاية ٤/٩٧. ٧ مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠. ٨ الكرزين: الفأس الكبيرة. القاموس ٤/٦٣.
[ ١٧٢ ]
أثناء حفر الخندق من ذلك: تكثير طعام جابر ﵁"، لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال: حدثني عمرو بن علي١ حدثنا أبوعاصم أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان٢ أخبرنا سعيد بن مينا ٣. قال: "سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصًا٤ شديدًا فانكفأت٥ إلى امرأتي٦ فقلت لها هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا.
_________________
(١) ١ عمرو بن علي بن حجر بن كنيز بنون وزاي أبو جعفر الفلاس الصيرفي الباهلي البصري ثقة حافظ من العاشرة ت سنة ٢٤٩هـ. روى له (ع) . التقريب ٢٦١. ٢ حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي - ثقة حجة - من السادسة. مات سنة ١٥١هـ. روى له (ع) . التقريب ٨٦. ٣ سعيد بن مينا مولى البختري بن أبي ذباب الحجازي مكي أو مدني. يكنى أبا الوليد - ثقة - من الثالثة. روى له (خ م د ت ق) . التقريب ١٢٦. ٤ الخمص هو ضمور البطن من الجوع، ومنه حديث (كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا) . أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئة الأجواف. النهاية في غريب الحديث ٢/٨٠. ٥ انكفأت رجعت. المصدر السابق ١٨٣. ٦ اسمها سهلية بنت مسعود. فتح الباري ٧/٣٩٧ ولم أجد لها ترجمة في كتب التراجم الأخرى.
[ ١٧٣ ]
فأخرجتْ إلي جرابًا١ فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن٢ فذبحتها وطحنتِ الشعير ففرغتْ إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: "لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه". فجئته فساررته فقلت: "يارسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك".
فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق إن جابرًا قد صنع سؤرًا٣ فحي هلا بكم فقال ﷺ لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ فجئتُ وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئتُ امرأتي فقالت بك وبك٤ فقلتُ قد فعلتُ الذي قلتِ فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك
_________________
(١) ١ الجراب والجريب مكيال قدر أربعة اقفزة. القاموس ١/٤٥. ٢ داجن أي سمينة وهي التي تترك في البيت ولا تفلت للمرعى ومن شأنها أن تسمن. النهاية ٢/١٠٢. ٣ سؤرا: أي طعامًا يدعو إليه الناس. واللفظة فارسية (وهي بالسين وليست بالصاد كما في بعض المصادر) النهاية في غريب الحديث ٢/٤٢٠. ٤ هذه خصومة تحصل في مثل هذه الحال خوفًا من الفضيحة لقلة الأكل وكثرة الأضياف. قال الحافظ وجاء في رواية يونس: أنه قال فلقيت من الحياء مالا يعلمه إلا الله ﷿ وقلت جاء الخلق على صاع من شعير وعناق فدخلت على امرأتي أقول افتضحت جاءك رسول الله ﷺ بالخندق أجمعين فقالت هل كان سألك كم طعامك فقلت: نعم! فقالت: الله ورسوله أعلم ونحن قد أخبرناه بما عندنا فكشفت عني غمًا شديدًا. فتح الباري ٧/٣٩٨.
[ ١٧٤ ]
ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال أدعُ خابزة فلتخبز معي١. واقدحي٢من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه. وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبزكما هو". الحديث٣.
الحديث رواه أيضا مسلم٤ عن سعيد بن مينا بنفس اللفظ والحاكم٥.
وعند البخاري من طريق أيمن المخزومي المتقدم وفي آخره (قال كلى هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ٦.
وقد أورده ابن تيمية٧ ضمن المعجزات٨.
_________________
(١) ١ كذا في الصحيح ٥/٤٧، الفتح ٧/٣٩٦، وفي البداية والنهاية ٤/٩٨ (فلتخبز معك) وهو الظاهر. ٢ القدح بفتح القاف وسكون الدال هو الغرف. القاموس المحيط ١/٢٤٢. ٣ صحيح البخاري ٥/٤٦ باب غزوة الخندق. ٤ صحيح مسلم ٣/١٦١٠ كتاب الأشربة. ٥ المستدرك ٣/٣١. ٦ فتح الباري ٧/٣٩٥. ٧ هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي شيخ الإسلام - تقي الدين -أبو العباس، محدث حافظ مفسر، فقيه. ولد في ربيع الأول ١٢ منه عام ٦٦١هـ. توفي في دمشق في ٢٠ ذو القعدة عام ٧٢٨. من مصنفاته السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية وغير ذلك من الكتب القيمة. تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦، شذرات الذهب ٦/٨٠. ٨ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/١٩٣.
[ ١٧٥ ]
وفي رواية يونس "كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع".
وفي رواية أبي الزبير عن جابر "فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا فلما خرج رسول الله ﷺ ذهب ذلك"١.
قال السيوطي٢: "وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي٣ في الدلائل عن جابر هذا الحديث".
ورواه أحمد عن سعيد بن مينا وفيه قال: "فبرك وسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدروا أهل الخندق عنها"٤. أ. هـ.
عدد من أكل من مائدة جابر ﵁:
الرواية التي في الصحيحين أنهم ألف (وهم ألف) ٥.
وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة أو ثمانمائة".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٨. ٢ الدر المنثور ٥/١٨٧. ٣ دلائل النبوة ٣/٤٢٢. ٤ مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠. ٥ صحيح البخاري ٥/٤٧. باب غزوة الخندق.
[ ١٧٦ ]
وفي رواية عبد الواحد بن أيمن عند الإسماعيلي (كانوا ثمانمائة أو ثلاثمائة) .
وفي رواية أبي الزبير (كانوا ثلاثمائة) . قال الحافظ١: "والحكم للزائد لمزيد علمه لأن القصة متحدة".
وفي سياق الحديث عن المعجزات قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حُدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة٢ من تمر في ثوبي ثم قالت: "أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما" قالت: "فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي" فقال ﷺ تعالى: "يابنية ما هذا معك؟ " قالت فقلت: "يارسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه" قال: "هاتيه" قالت: "فصببته في كفّي رسول الله ﷺ فما ملأتهما". ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا٣ بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء، فاجتمع أهل
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣١٩. ٢ الحفنة: ملى الكفين من طعام. مختار الصحاح ١٤٥. ٣ دحا الشيء بسطه منه قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ . مختار الصحاح ٣/٣٠٠.
[ ١٧٧ ]
الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب١.أ. هـ.
قال ابن كثير٢: "هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع".
لقد تنوعت المعجزات له ﷺ فبعضها حدث في أثناء حفر الخندق وكانت عاجلة وبعضها حدث كما قال ﷺ بعد أعوام طويلة من وفاته ﷺ ولا زلنا نرى الكثير مما قال ونشاهد أعلام نبوته تباعًا لذلك روى الإمام مسلم حديثًا في ذلك وفيه قال: حدثنا ابن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة٣ قال: سمعت أبا نضرة٤ يحدث عن أبي سعيد الخدري٥ قال: "أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٢١٨، الروض الأنف ٦/٢٦٥. ٢ البداية والنهاية ٤/٩٩. ٣ هو سعيد بن يزيد بن مسلمة الازدي أبو سلمة البصري القصير ثقة من الرابعة. روى له (ع) ١٢٧. ٤ المنذر بن مالك بن قطعة بضم القاف وفتح المهملة العبدي العوقي بفتح المهملة والواو ثم قاف البصري أبو نضرة بنون ومعجمة ساكنة مشهور بكنيته - ثقة - من الثالثة. مات سنة ثمان أو تسع ومائة. روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة. التقريب ٣٤٧. ٥ هذه كنيته واسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري له ولأبيه صحبة وهو صحابي مشهور. التقريب ١١٩.
[ ١٧٨ ]
لعمار١ حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه يقول: بؤس ابن سميه تقتلك فئة باغية" ٢ كما رواه الترمذي٣ والطيالسي٤.
ولقد تحقق ما قاله ﷺ حيث قتل عمار في صفين مع علي ﵁ ولما قتله أصحاب معاوية ﵁ قال عمرو بن العاص: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة٥.
_________________
(١) ١ هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي بنون ساكنة ومهملة أبو اليقظان مولى بني مخزوم من السابقين الأولين بدري قتل بصفين مع على سنة سبع وثلاثين. التقريب ٢٥٠. ٢ صحيح مسلم ٤/٢٢٣٥. كتاب الفتن وأشراط الساعة. ٣ سنن الترمذي ٥/٣٣٣. مناقب عمار بن ياسر. ٤ منحة المعبود ٢/١٥٢. ٥ أسد الغابة ٤/٤٧.
[ ١٧٩ ]
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجازهم لحفره
لقد بدأ المسلمون في حفر الخندق في وقت عصيب - ذلك لأنهم يبادرون قدم العدو. وقد وكل ﷺ لكل أناس جزءًا من المكان المتفق على حفره وفي ذلك تنشيط لهم ودافع على المسابقة في إكمال ما يلزم كل طائفة علمًا بأنه ﷺ قد وضع يده معهم ليدفعهم ويرغبهم أكثر في ذلك فقد روى الطبراني:
عن عمرو بن عوف المزني أن رسول ﷺ خط الخندق من أحمر السبختين١ طرف بني حارثة عام حزّب الأحزاب٢ حتى بلغ المذابح٣
_________________
(١) ١ كذا في المجمع ٦/١٣٠ -أحمر السبختين- وفي بقية الكتب ورد غير ذلك- ولعله تصحيف فقد جاء عند الطبري في جامع البيان ٢١/١٣٣ - أحمر الشيخين- وفي تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥ أجم الشيخين، وفي دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠ الأجم - السمر- وهذا هو الحق لأن الا جم هي الحصون، وفيه (حتى توارت بآجام المدينة) أي حصونها واحدها أُجُم بضمتين. النهاية في غريب الحديث ١/٢٦. ٢ في الطبري عام -ذكرت الأحزاب- جامع البيان ٢١/١٣٣، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥. ٣ اختلف فيها كثيرًا، ولكن التحقيق سيأتي في نهاية هذا الفصل نقلًا عن ياقوت الحموي وغيره.
[ ١٨٣ ]
فقطع لكل - عشرة أربعين ذراعًا واحتج١ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلًا قويًا فقال المهاجرين: "سلمان منا وقالت الأنصار منا" فقال رسول ﷺ: "سلمان منا أهل البيت". الحديث٢.
قال الهيثمي٣: "رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. وقد كذبه الشافعي. وتركه أحمد". وفي الميزان عن ابن حبان - له عن جده نسخة موضوعة - وقال الشافعي وأبو داود: "هو ركن من أركان الكذب"٤.
وقد أورده ابن جرير الطبري٥ مطولًا ومداره على كثير هذا.
وعلى ذلك فهو ضعيف لضعف كثير إلا أنه يتقوى بما سيأتي من المتابعات والشواهد، مما يدل على أن له أصلًا.
وقد حصل اختلاف بين روايات هذا الحديث مع أن مدارها على واحد. فقد نقل الحافظ حيث قال:
_________________
(١) ١ عند الطبري في التفسير ٢١/١٣٤ -اختلف- وفي التاريخ ٣/٤٥ - (احتق) - وهو الأصح. انظر: لسان العرب ١٠/٤٩. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٦/٢٦٠ حديث (٦٠٤٠) وفيه (النسختين) بدل السبختين. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٣٠. ٤ تهذيب التهذيب ٨/٤٢١، سبل السلام ٣/٥٩. ٥ جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
[ ١٨٤ ]
وأخرجه البيهقي مطولًا من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وساق الحديث إلى أن قال:
وخط رسول الله ﷺ الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع -وفيه- فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا: حتى نشاور رسول الله ﷺ فأرسلنا إليه سلمان - وفيه- فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقال: إن البرقة الأولى اضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره- ففرح المسلمون واستبشروا١.
وهذه الرواية سبق في الفتح أنها للطبراني وفيها أن كل أربعين ذراع لعشرة من الناس٢ كذلك أورد ابن كثير هذه الرواية بلفظ "بين كل عشرة أربعين ذراعًا"٣.
وفي الدلائل للبيهقي: فلما وكل رسول الله ﷺ بكل جانب من الخندق قال المهاجرون يا سلمان احفر معنا. الحديث٤. وليس فيه تحديد الناس والأذرع.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٧. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٣٠. ٣ البداية والنهاية ٤/٩٩. ٤ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠.
[ ١٨٥ ]
ورواه ابن جرير: عن ابن بشار عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكره - وفيه- أن رسول الله ﷺ خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعًا. قال واحتق١ المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله ﷺ: "سلمان منا أهل البيت" قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا. الحديث٢.
ولقد حفروا ﵃ بجد ونشاط وكانت المسافة طويلة وشاقة حيث كان الحفر من طرف بني حارثة - وبنو حارثة- في طرف الحرة الشرقية - إلى المذاد- من طرف بني سلمة بعد جبل بني عبيد من بني سلمة٣.
وكان هذا مع ما كان بهم من الجوع وبدائية الأدوات التي كانوا يستخدمونها إلا أن اعتمادهم على الله ثم على قوة إيمانهم به وبرسوله
_________________
(١) ١ وهي عند ابن كثير هكذا -ومعناها- اختلفوا وتنازعوا. انظر: البداية والنهاية ٤/٩٩ ٢ جامع البيان ٢١/١٣٣-١٣٤، وقد تقدم رجال السند مترجمين في ص ١٦٩. ٣ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧.
[ ١٨٦ ]
وبمشروعية الدفاع عن الإسلام وعن النفس كل ذلك جعلهم ينجزون ما بدأوا فيه بسرعة فائقة إذا قيس بأعمال الآلات الحديثة اليوم.
أما بالنسبة لتحديد المكان المحفور على ضوء الأدلة فقد قال صاحب المواهب١ اللدنية: روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني أنه ﷺ خط الخندق من أحمر الشيخين وهما أطمان طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد٢.
ولقد عمل ﷺ بيده الشريفة مع المسلمين ليقوي نشاطهم وتزداد رغبتهم كما أنه ﷺ كان يبادلهم الأهازيج. لأن الشعر والتمثل به مما يزيد في النشاط. وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز٣ لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال:
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ٢/١٠٢، وهو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المالكي أبو عبد الله ت ١١٢٢. معجم المؤلفين ١٠/١٢٤. ٢ هذا ما قاله الزرقاني بالنسبة لهذا الحديث - بسند لا بأس به- ولم أطلع على الجزء من مسند الطبراني الذي فيه مسند - عمرو بن عوف-. ٣ نوع من الشعر - وقد جاء في حديث الوليد بن المغيرة حين قالت قريش للنبي ﷺ أنه شاعر فقال: "لقد عرفت الشعر رجزه وهزجه وقريضه فما هو به" والرجز: بحر من بحور الشعر وتسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزه فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر ويسمى قائله راجزًا. النهاية في غريب الحديث ٢/١٩٩.
[ ١٨٧ ]
حدثنا عبد الله بن محمد١ حدثنا معاوية بن عمرو٢ حدثنا أبو إسحاق٣ عن حميد٤ سمعت أنسًا ﵁ يقول: "خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا٥
ورواه مسلم من طريق محمد بن حاتم السمين بنفس اللفظ إلا أن فيه تقديمًا وتأخيرًا٦. قال الحافظ قوله: "فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر٧
_________________
(١) ١ هو المسندي وترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥. ٢ هو الأزدي المعنى -بفتح الميم وسكون المهملة- الكوفي أبو عمرو البغدادي، تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥. ٣ أبو إسحاق هو - الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث- ثقة حافظ من الثامنة روى له (ع) التقريب ٢٢. ٤ هو الطويل أبو عبيدة البصري اختلف في اسم أبيه -ثقة مدلس- من الخامسة- روى له (ع) التقريب ٨٤. ٥ صحيح البخاري ٥/٤٥ كتاب المغازي باب غزوة الخندق. ٦ صحيح مسلم ٣/١٤٣٢ كتاب الجهاد والسير. ٧ فتح الباري ٥/٣٩٤.
[ ١٨٨ ]
أقول: "إنه قد يفهم من كلام الحافظ أن الحاجة وحدها هي التي دفعتهم للعمل ولكنه واضح أن الرغبة في الأجر هي السمة الغالبة في ذلك وأن الحاجة مضافة إلى ذلك خصوصًا أولئك الذين مدحهم الله في أكثر من آية بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١ الآية.
أما قوله ﷺ: "اللهم إن العيش عيش الآخرة" فقد بين الحافظ سبب هذا القول وهو لما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك.
قال: "وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز:
والعن عضلًا والقارة هم كلفونا ننقل الحجارة
ثم قال: "والشطر الأول غير موزون ولعله" كان: "والعن الهي عضلًا والقارة".
وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جوابًا لقولهم: "نحن الذين بايعوا محمدًا" قال: "ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول" إذا قالوا ويقولون إذا قال.
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية الأخيرة.
[ ١٨٩ ]
قال: "وفيه أن إنشاد الشعر سبب للتنشيط في العمل وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز".
وقال في قوله: "على الجهاد ما بقينا أبدًا" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل - الجهاد - والأول اثبت١. وهذا الحديث ورد في عدة مواضع في صحيح البخاري٢.
أقول: "إن المسلم عليه أن يتأسى برسوله ﷺ فحينما يرى البذخ الذي فيه بعض الناس والفقر الذي فيه آخرون - يقول - اللهم إن العيش عيش الآخرة. لأنها كلمة ترتفع بالنفس عن الدنيا الفانية وإغراءاتها المذلة".
وقد جاء عند البخاري من طريق ثانية عن أنس وفيها قال البخاري ﵀: حدثنا أبو معمر٣ حدثنا عبد الوارث٤ عن
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٤-٣٩٥ كتاب الجهاد - باب غزوة الخندق. ٢ فتح الباري ٦/٤٥ كتاب الجهاد باب التحريض على القتال، ٦/٤٦، ٦/١١٧، ١٣/١٩٢ كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس. ٣ عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري واسم أبي الحجاج ميسرة ثقة ثبت - رمي بالقدر من العاشرة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين روى له (ع) التقريب ١٨٣. ٤ هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي بفتح المثناة وتشديد النون البصري - ثقة ثبت - رمي بالقدر ولم يثبت عنه - من الثامنة مات سنة ثمان ومائة. روى له (ع) . التقريب ٢٢٢.
[ ١٩٠ ]
عبد العزيز١ عن أنس رضي الله عنه٢ قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم٣ وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام ما بقينا أبدًا
قال: "يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة.
قال: "يؤتون بملئ كفِّى من الشعير فيصنع لهم بإهالة٤ سنخة٥ توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة٦ في الحلق ولها ريح منتن"٧ الحديث.
_________________
(١) ١ هو عبد العزيز بن صهيب البناني بموحدة ونونين البصري ثقة من الرابعة مات سنة ثلاثين ومائة روى له (ع) التقريب ٢١٥. ٢ أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. التقريب ٣٩. والاستيعاب ١/١٩٨. ٣ المتن هو الكتف (وقد جاء في رواية أخرى على أكتاف) وفي أخرى على أكتادنا وكلاهما بمعنى واحد) . ٤ الإهالة: بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. الدهن مما يؤتدم به وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم وقيل الدسم الجامد. النهاية في غريب الحديث ١/٨٤. ٥ السنخة: المتغيرة الريح وذلك لقدمها. النهاية ١/٨٤، وفتح الباري ٧/٣٩٥. ٦ بشعة: كريهة الطعم عند ازدرادها. فتح الباري ٧/٣٩٥. ٧ فتح الباري ٧/٣٩٢-٣٩٣.
[ ١٩١ ]
هكذا كان ﷺ وأصحابه في صراع دائم مع الدنيا وإغراءاتها ولم تجد إليهم سبيلًا بل كانوا على يقين تام بأن الآخرة أحسن وأولى ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ ١. وكانوا يعملون هذه الأعمال المجيدة الشاقة دفاعًا عن هذا الدين الحنيف وهم في حالة صعبة حيث الجوع والبرد القارس ومع ذلك كانت عزائمهم صلبة تكسر الصخور.
ومن أيقن مثلهم بخراب الدنيا وذهابها عمل لعمارة الآخرة ونسي الآلام كلها وتخطى كل العقبات.
وقد روى البخاري حديثًا آخر بمعنى مقارب لما سبق قال فيه:
حدثنا قتيبة٢ حدثنا عبد العزيز٣ عن أبي حازم٤ عن
_________________
(١) ١ سورة الضحى الآية ٤. ٢ قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني وبغلان من قرى بلخ وهي بفتح الموحدة وسكون المعجمة يقال: اسمه يحيى وقيل: علي -ثقة ثبت- من العاشرة مات سنة ٢٤٠هـ عن تسعين سنة (ع) التقريب ٢٨١. ٣ عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني -صدوق- كان يحدث من كتب غيره فيخطئ قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة (ع) التقريب ٢١٦. ٤ سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان -ثقة عابد- من الخامسة مات في خلافة المنصور (ع) التقريب ١٣٠.
[ ١٩٢ ]
سهل بن سعد١ ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب٢ على أكتادنا٣ فقال رسول الله ﷺ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار" الحديث٤.
كما رواه مسلم٥ والترمذي٦ والطبراني٧:
أما الأماكن الواردة في الخندق فقد اختلف فيها كثيرًا وقد يذكر البعض ما لا يذكره الآخر كما أنه يحدث في بعض الأحيان تصحيف لبعضها وخاصة المتشابهة في الحروف وسأذكر ما وجدته في كتب المؤرخين وبعد ذلك نستطيع المقارنة والحكم.
_________________
(١) ١ سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس له ولأبيه صحبة مشهور، وهو آخر من مات بالمدينة أحاديثه ١٨٨، الاستيعاب ٢/٢٢٤، وكشف المشكل من حديث الصحيحين ٢/٢٦٦. ٢ فيه دلالة على صغر سن سهل في ذلك الوقت وأنه كان ومن في مثل سنه مخصصين لنقل التراب المحفور. ٣ الكتد بتفح التاء وكسرها مجمع الكتفين وهو الكاهل. النهاية ٤/١٤٩. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٥، الفتح ٧/٣٩٢. ٥ صحيح مسلم ٣/١٤٣٢. ٦ سنن الترمذي ٥/٣٥٦ أبواب المناقب. ٧ المعجم الكبير ٦/٢٠٥.
[ ١٩٣ ]
قال الفيروز أبادي١: "فحفر ﷺ طولًا من أعلى وادي بطحان٢ غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى يوم العيد ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين غربي الوادي وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع وضرب قبته على موضع مسجد الفتح اليوم٣ والخندق بينهم وبين المشركين". أ. هـ.
وقد مر في الحديث الذي رواه كثير بن عبد الله المزني وفيه أن رسول الله ﷺ خط الخندق من أحمر (السبختين) وقد ظهر في الكلمة
_________________
(١) ١ المغانم المطابة ١٣٤ تحقيق الجاسر. ٢ بطحان بضم فسكون عند المحدثين وحكى أهل اللغة بطحان بفتح أوله وكسر ثانيه وهو: واد بالمدينة وهو أحد أوديتها الثلاثة: العقيق وبطحان وقناة. وقد روى الزبير بن بكار -بطحان على ترعة من ترع الجنة- انظر المغانم المطابة ٥٦، والنهاية في غريب الحديث ١/١٣٦. ٣ مسجد الفتح الذي يسمى حاليًا بهذا الاسم يقع على طرف جبل سلع في الشمال الغربي منه مطلًا على مسيل بطحان (أبي جيده) ويبعد عن المدينة بـ ٣ كيلوات المغانم المطابة ٩٥٨، وقد رد هذا - حمود التويجري- حيث قال لم يثبت أن النبي ﷺ أسس في المدينة مسجدًا سوى مسجده ومسجد قباء ومن زعم غير هذا فقوله بعيد من الصحة والذي يظهر أن هذه المساجد كانت من إنشاء المفتونين بالآثار ونسبتها إلى الأكابر ليكون لذلك موقع عند الجهال، مجلة البحوث الإسلامية ٢٧٩-٢٨٠ العدد الخامس محرم - جمادى الآخرة ١٤٠٠. قلت: وبالنظر إلى طبيعة المكان نجد أنه يقع في الجنوب الغربي وليس في الشمال كما قال صاحب المغانم المطابة. والله أعلم.
[ ١٩٤ ]
بين قوسين تصحيف وأنها أجم الشيخين كما في الطبري١ والبيهقي٢ وعلى ذلك (فاجم الشيخين) الأجم: بضمتين: الحصن٣ والشيخان تثنية شيخ وهو موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله ﷺ ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. وقيل: هما اطمان سميا به لأن شيخًا وشيخة كانا يتحدثان هناك٤.
وقال العياشي: "جاء فيما ساقه السمهودي عن الطبراني ما سماهما فيه باجم الشيخين والبيهقي في دلائل النبوة سماهما - الاجم السمر٥ - وكل هذا ينطبق على الشيخين الاطمين المذكورين"٦.
ومن هنا بدأ مكان حفر الخندق وقد ورد في حديث - كثير - المتقدم خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة وعليه فقد ذكر السمهودي - ضمن المساجد- مسجد بني حارثة وقد ذكر العياشي٧ أن هذا المسجد يقع في طريق المستراح من الغرب أ. هـ.
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥. ٢ دلائل النبوة ٣/٤١٩. ٣ القاموس المحيط ٤/٧٣. ٤ معجم البلدان ٣/٣٨٠. ٥ دلائل النبوة ٣/٤١٨. ٦ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٣. ٧ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٣.
[ ١٩٥ ]
أقول: "والمستراح موضع معروف اليوم على يسار الذاهب إلى شهداء أحد ويبعد عن المسجد النبوي بحوالي ثلاثة كيلو مترات. وهذا يعني أن مكان الخندق بشكل عام كما يذكره المؤرخون من حرة واقم إلى حرة الوبرة وهما تسميان اليوم (بالشرقية والغربية) ".
لذلك قال العياشي١: "من هنا بدأ خط الخندق - وذلك حينما ذكر الاجم السمر- أو الشيخين - طرف بني حارثة التي عند القلعة التي تتوسط طريق الشهداء حتى تنتهي إلى المذاد من طرف بني سلمة أ. هـ. أما (المذاد) فقد حصل فيها اختلاف أيضا فقد ورد عند الهيثمي٢ (المداحج) بالدال المهملة وعند الطبري٣ وياقوت٤ أنها المذاد وقال ياقوت: هو بالفتح وأخره دال مهملة وهو اسم المكان من ذاده يذوده إذا طرده" قال ابن الأعرابي: "المذاد والمزاد بالزاي المعجمة - المرتفع موضع بالمدينة حيث حفر النبي ﷺ الخندق. وقيل: هو واد بين سلع وخندق المدينة. قال كعب بن مالك:
_________________
(١) ١ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٣٠. ٣ جامع اليبان ٢١/١٣٣ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥. ٤ معجم البلدان ٥/٨٨، النهاية في غريب الحديث ٤/٣١١.
[ ١٩٦ ]
من سره ضرب يرعبل بعضه بعضًا كمعمعة الإباء المحرق
فليات مأسدة تسل سيوفها بين المذاد وبين جزع الخندق أ. هـ. ١
وعليه فالمذاد ورد ذكره في هذا البيت كما ترى مما يدل على شهرته عندهم أما المداحج فلم أقف لها على ذكر في المصادر التي رجعت إليها ولعل فيها تصحيفًا.
وهناك موضعان ورد ذكرهما في الخندق وهما - الندى، الصرى٢- ولم أجد لهما ذكرًا في معالم المدينة إلا أن هناك ذكرًا لما يشابه الصرى حيث قال ياقوت: صرار، بكسر أوله وآخره مثل ثانيه وهي الأماكن المرتفعة التي لا يعلوها الماء يقال لها صرار، وصرار: اسم جبل وقيل موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق قاله الخطابي. أهـ٣.
أما بالنسبة للندى، ومع إني لم أجد لها ذكرًا في المواقع إلا أني وجدت في دلائل النبوة للبيهقي ما قد يوضح هذا الالتباس، وإن لم
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٥/٨٨، والنهاية في غريب الحديث ٤/٣١١. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٤، تاريخ الأمم والملوك فيه - الندى- وليس فيه الصرى ٣/٤٥. ٣ معجم البلدان ٣/٣٩٨.
[ ١٩٧ ]
يوضحه فهو لا يخلو من فائدة، وعليه فقد روى اليبهقي من طريق كثير ابن عبد الله المزني حديثًا، وفيه قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا فحفرنا حتى بلغنا الثّديّ١ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدّورة٢. الحديث.
وعلى ذلك فهذه الكلمة - الثدى- محتملة لما يأتي:
١- أنهم حفروا إلى ما يبلغ الثدى وفي هذا دلالة على عمق الخندق.
٢- ويحتمل أنها الثرى -بالثاء المعجمة والراء المهملة- ويكون فيها تصحيف.
والثرى بمعنى الندى٣، وتكون الندى لا تصحيف فيها. وهذا يدل على أنه ليس هناك مكان معروف يسمى الندى، وإنما الندى هو الجود وهو المطر والبلل٤، ويطلق على قطرات الماء التي تصبح على أوراق الأشجار. ولذلك قال الطبري والصرى هو الماء٥.
_________________
(١) ١ وهذا العمق قد يكون أكثر من متر لأن طول الرجل المتوسط متر ونصف فأكثر. ٢ دلائل النبوة ٣/٤١٩. ٣ القاموس المحيط ٤/٣٩٤. ٤ مختار الصحاح ٦٥٣. ٥ جامع البيان ٢١/١٣٤.
[ ١٩٨ ]
عقب ذلك قال السفاريني١:
وكان الخندق بسطة ونحوها وكان سلع الجبل خلف ظهورهم، والخندق من المذاد٢ إلى ذباب٣ إلى راتج٤.
وكان قد عمل فيه ﷺ، وأصحابه -﵃- مستعجلين. ثم قال في الهامش تعليقًا على هذه الأماكن:
المزاد: هو أطم لبني حرام غربي مساجد الفتح، وذباب: كغراب اسم جبل بالمدينة، وراتج: اسم أطم أيضًا. أهـ٥.
قال ابن سعد: "ولما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق، وكل بكل جانب منه قومًا
_________________
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي (أبو العون) شمس الدين محدث فقيه أصولي صوفي مؤرخ مشارك في بعض العلوم ولد عام ١١١٤هـ، وتوفي ١١٨٨هـ، من تصانيفه معارج الأنوار في سيرة النبي المختار. انظر معجم المؤلفين ٨/٢٦٢. ٢ هو المذاد: بالذال أخت الدال وهذا بدليل ما جاء في شعر كعب بن مالك وقد مر في هذا البحث في صفحة ١٩٧. ٣ ذباب: قال ياقوت ذكره الحازمي بكسر أوله وباءين جبل بالمدينة له ذكر في المغازي والأخبار معجم البلدان ٣/٣. ٤ راتج: بعد الألف تاء مثناه من فوق مكسورة وجيم: اطم من آطام بالمدينة وتسمى الناحية به. معجم البلدان ٣/١٢. ٥ شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد ١/١٩٩- ٢٠٠.
[ ١٩٩ ]
وكان المهاجرون من ناحية راتج إلى ذباب وكانت الأنصار من ذباب إلى جبل بني عبيد وكان سائر المدينة مشبكًا بالبنيان، فهي كالحصن وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم"١.
ويستنتج من هذا وذاك أن أقصى نقطة من الشرق بالنسبة للخندق هي راتج، وآخر نقطة من الغرب جبل بني عبيد، وفيما بينهما جرى الحفر.
أما المدة التي استغرقوها في أثناء الحفر ففيها أقوال:
١- قول ابن سعد "وفرغوا من حفره في ستة أيام، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام"٢.
٢ - وقول القسطلاني: "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبًا من
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٦٦- ٦٧. ٢ المصدر السابق ٢/٦٧.
[ ٢٠٠ ]
عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعًا وعشرين ليلة. وعند النووي في الروضة خمسة عشر يومًا. وعند ابن القيم في الهدي النبوي شهرًا". أهـ١.
٣ - وقول السمهودي: "وما تقدم من فراغ الخندق في ستة أيام هو المعروف لكن قال الحافظ ابن حجر إن في مغازي ابن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريبًا من عشرين ليلة ثم ساق الكلام كما ساقه القسطلاني ثم عقب قائلًا: "والذي في الهدي - وأقام المشركون شهرًا- أي يحاصرون. وكذا ما قاله في الروضة إنما هو في الحصار وكذا ابن عقبة إنما ذكر ذلك في الحصار" ثم قال: "لكن نقل ابن سيد الناس عن ابن سعد أن المدة في عمل الخندق ستة أيام ثم قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل أربعًا وعشرين"٢.
قال القسطلاني: "ولست بواثق من هذا التعقيب فإن الحافظ نقل أولًا عن ابن عقبة أن مدة الحصار عشرون يومًا ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر وتوهيم مثله لا ينبغي"٣.
_________________
(١) ١ المواهب اللدانية ١/١١٢. ٢ وفاء الوفاء ٤/١٢٠٨- ١٢٠٩، وذكره الحافظ في الفتح ٧/٣٩٤. ٣ المواهب اللدانية ١/١١٠.
[ ٢٠١ ]
٤- قول المقريزي: "إنهم فرغوا من حفره في ستة أيام"١.
٥- قول ابن الجوزي: "إن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة، وقيل أربعًا وعشرين ليلة ثم قال: وفرغوا من حفره في ستة أيام"٢.
ومن المعاصرين:
٦- محمد محمد أبو شهبة: "أثبت أنهم أتموا حفر الخندق في خلال ستة أيام"٣.
٧- أما عماد الدين خليل فقال: "وكان لتقسيم العمل وإسهام الرسول ﷺ فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية وشعورهم بعظم الخطر المحدق إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق. فضلًا عن تأميل الرسول ﷺ جنده بالنصر القريب في الأرض والأجر العريض في السماء.
_________________
(١) ١ الإمتاع ١/٢١٦. ٢ الوفاء بأحوال المصطفى ٦٩٣، التلقيح ٥٩. ٣ السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ٢/٢٢٩.
[ ٢٠٢ ]
وكان لهذه الأمور جميعًا الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد "اثنا عشر ألف ذراع"١. في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء.
_________________
(١) ١ هذه المسافة تقدر بستة كيلوات.
[ ٢٠٣ ]