الفصل الأول: دور اليهود في هذه الغزوة
المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم
المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم.
إن الحقد الذي تمكن في قلوب اليهود على البشرية عامة وعلى المؤمنين خاصة قديم يرافق هذا الحقد عناد وصلف وكبرياء. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم أهل السيادة في الأرض حيث قالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ١ الآية.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قالوا: أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم ما يوافق هدفهم وحرفوه٢. ونجد أكبر شاهد على حقدهم وكراهيتهم للمؤمنين قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ " ٣ الآية.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية رقم ١٨. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٣٤. ٣ سورة المائدة الآية ٨٢.
[ ٨٥ ]
أما كراهتهم للعرب خاصة فهو واضح بالقرآن والسنة ذلك أن القرآن حكى لنا أنهم يستبيحون أكل أموال العرب وليس عليهم سبيل في ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية أي: "إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن الله قد أحلها لنا. أقول: ولكن الله ﷾ كفانا شرهم والمجادلة معهم عند ادعائهم هذا وذلك بتمام الآية السابقة حيث قال ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون َ﴾ " ٢.
قال ابن كثير: "أي: وقد اختلقوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة. فإن الله قد حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت٣. ومع هذا فإننا إذا أردنا أن نتعرض لحقدهم وغرورهم الذي وضحه القرآن لطال بنا البحث ولكن أردنا التنويه بخبثهم ودسهم وعدم انصياعهم مع أنه واضح للعيان".
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ٧٥. ٢ سورة آل عمران الآية ٧٥. ٣ تفسير ابن كثير ١/٣٧٤.
[ ٨٦ ]
فهذه أم المؤمنين صفية١ بنت حيي بن أخطب تقول عن أبيها وعمها عندما جاء الرسول ﷺ إلى المدينة يحمل النور معه. وكان أهل الكتاب يعرفون علامات مبعثه وصفاته ولكن العمى عمى القلب فهذا حيي بن أخطب وهو القطب الدوار والخصم الألد الذي حرك أعداء هذا الدين لهذه الغزوة وأثار كوامن٢ قريش وألبهم ضد المسلمين وضد حامل هذه الرسالة الصافية صلوات الله وسلام عليه. تحدث أم المؤمنين فتقول فيما رواه ابن إسحاق:
قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حُدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه".
_________________
(١) ١ صفية بيت حيى بن أخطب أم المؤمنين سبيت في غزوة خيبر واصطفاها النبي ﷺ فأسلمت وأعتقها وتزوجها وجعل عتقها مهرها. توفيت ﵂ سنة ٥٢هـ وذلك في خلافة معاوية ﵁، وأوردها الذهبي فيمن مات سنة خمسين. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، ودول الإسلام ١/٣٧، سمط النجوم العوالي ٣/١٥٩. ٢ كوامن: هو كل ما اختفى من الأحاسيس والمشاعر والأحقاد. مختار الصحاح ٥٧٩.
[ ٨٧ ]
قالت: "فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء١ في بني عمرو بن عوف قالت غدا٢ عليه أبي حيي بن أخطب٣ وعمي أبو ياسر٤ مغلسين٥
_________________
(١) ١ قباء: بالضم وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وأول ما نزل الرسول ﷺ عند مقدمه من مكة فيه وأقام به الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وركب يوم الجمعة يريد المدينة فجمع في مسجد بني سالم بن عوف فكانت أول جمعة جمعت في الإسلام. معجم البلدان ٤/٣٠١. ٢ غدا: أي ذهب أول النهار نقيض الرواح وقد غدا يغدوا والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والجمع غدوات. النهاية في غريب الحديث ٣/٤٦، مختار الصحاح ٤٦٩. ٣ حيي بن أخطب بن سعية، وقيل سعنة بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران ﵇ وهو من سبط لاوي بن يعقوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، أسد الغابة ٥/٤٩٠، الإصابة ٤/٣٤٦، كلهم ذكر ترجمته عند ذكر صفية أم المؤمنين - ﵂ وأرضاها -. ٤ أبو ياسر بن أخطب لم يرد ذكره منفردًا بل مقترنًا بأخيه وبكونهما عدوين لدودين للنبي ﷺ. انظر: السيرة النبوية ١/٥١٤، ٥١٩، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٦٠. ٥ مغلسين: الغَلَس بفتحتين ظلمة آخر الليل والتغليس السير بغلس. مختار الصحاح ٤٧٨.
[ ٨٨ ]
قالت فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس". قالت: "فأتيا كالين١ كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت٢ إليهما كما كنت أصنع فوالله ما ألتفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب أهو هو قال: نعم والله قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت"٣.
والحديث بهذا الإسناد - منقطع - لأن عبد الله بن أبي بكر بن حزم روى عن مجهول - الواسطة بينه وبين صفية -.
والحديث وإن كان منقطعًا فالآيات والواقع الملموس من هذه الطائفة تؤيده وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث في أكثر من آية منها علي سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا
_________________
(١) ١ كالين: كلّ الرجل والبعير من المشي يكل كلالًا وكلالة أي أعيا مختار الصحاح ٥٧٦. ٢ هششت: الهشاشة بالفتح الارتياح والخفة للمعروف. المصدر السابق ٦٩٥. ٣ السيرة النبوية ١/٥١٨- ٥١٩، ٢/٢٤١، الاكتفاء ١/٤٧٣، وفاء الوفاء ٢٦٩.
[ ٨٩ ]
يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
قال ابن كثير: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا - بتشديد الواو التي بعد العين - عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون٢ الطفيف والخط الدنيوي السخيف فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم"٣.
وقال الطبري عند تفسير هذه الآية: "واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يامحمد إذ أخذ الله ميثاقهم ليبين للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم وهو التوراة والإنجيل وأنك لله رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم. يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨. ٢ دون: بالضم نقيض فوق وهو الخسيس. القاموس المحيط ٤/٢٢٣- ٢٢٤. ٣ تفسير ابن كثير ١/٤٣٦.
[ ٩٠ ]
ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك فكتموا أمرك وكذبوا بك واشتروا به ثمنًا قليلًا".
يقول: "وابتاعوا بكتابهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك عوضًا منه خسيسًا قليلًا من عوض الدنيا ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ "١.
ثم أورد الطبري - ﵀ - حديثًا يؤيد ما سبق. حيث قال: حدثنا بشر٢ قال حدثنا يزيد٣ قال حدثنا سعيد٤ عن قتادة٥ ذكر لنا أن أعداء الله اليهود يهود خيبر٦ أتوا نبي الله ﷺ فزعموا أنهم راضون
_________________
(١) ١ جامع البيان ٤/٢٠٢. ٢ هو: بشر بن معاذ العقدي بفتح المهملة والقاف أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة مات سنة بضع وأربعين ومائتين. روى له (ت س ق) . تهذيب التهذيب ١/٤٥٨. ٣ يزيد بن زريع بتقديم الزامي مصغرًا - البصري - أبو معاوية (ثقة ثبت) من الثامنة مات اثنتين وثمانين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٨٢. ٤ سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري (ثقة حافظ) . له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة مات سنة ١٥٧، وقيل ١٥٦. روى له (ع) . التقريب ١٢٤. ٥ قتادة بن دعامة ثقة. وقد تقدم ص ٦٧. ٦ خيبر الموضع المذكور في غزاة النبي ﷺ وهي ناحية على ثمانية برد شمال المدينة يطلق هذا الاسم على الولاية وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون وبها نخل ومزارع. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، وهي تبعد عن المدينة شمالًا بـ ١٧٠ كيلو متر.
[ ٩١ ]
بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم نبي الله ﷺ بما لم يفعلوا فأنزل الله ﷾ قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ الآية.
والحديث بهذا السند إلى قتادة حسن ولم يسم قتادة من ذكر له ذلك. ومن الجدير بالإشارة أن اليهود يحقدون أشد الحقد على النبي ﷺ قبل أن يعرفوه حتى أنهم عندما ما سمعوا أوصافه قال بعضهم لبعض: اقتلوه ويشهد لذلك ما رواه ابن سعد من سند منقطع من أعلاه حيث قال: أخبرنا عمرو بن عاصم٢ الكلابي أخبرنا همام٣ بن يحي عن إسحاق٤ بن عبد الله أن أم٥ النبي ﷺ لما دفعته إلى
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨. وانظر: تفسير الطبري ٤/٢٠٨. ٢ عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي أبو عثمان البصري (صدوق) في حفظه شيء من صغار التاسعة ت ٢١٣. روى له (ع) . التقريب ٢٦٠. ٣ همام بن يحيى بن دينار العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة أبو عبد الله أو أبو بكر البصري - ثقة - ربما وهم من السابعة مات سنة ١٦٤هـ. روى له (ع) . التقريب ٣٦٥. ٤ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو يحيى (ثقة حجة) من الرابعة ت (١٣٢) (١٣٤) وقيل بعدها. روى له (ع) . التقريب ٢٩. ٥ أم النبي ﷺ هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة وقد توفيت بالابواء وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان ١/٧٩. قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا قال أنها سميت بالابواء لتبوء السيول بها وقد ماتت بها آمنة وهي راجعة من المدينة وقد ذهبت لزيارة أخواله ﵊. الطبقات الكبرى ١/٥٩، السيرة النبوية ١/١٩٦، الروض الأنف ١/١٩٤.
[ ٩٢ ]
السعدية١ التي أرضعته قالت لها احفظي ابني وأخبرتها بما رأت فمر بها اليهود فقالت إلا تحدثوني عن ابني هذا؟ فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا وصفت أمه قالت فقال بعضهم لبعض: "اقتلوه فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيمًا لقتلناه"٢ أ. هـ وليس ذلك بمستبعد عن قوم وصفهم الله في كتابه بأنهم يقتلون أنبياءهم.
مما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح بعض الأدلة التي جاءت مبينة لما يعرف به اليهود على مدى الأزمان من حقد دفين وعداوة ظاهرة للأمة الإسلامية ونبيها المصطفى ﷺ.
ذلك الحقد الذي أعمى قلوبهم وأحرقها وشتت شملهم في الدنيا حيث نفاهم ﷺ من المدينة وذلك بقوة الله التي تسانده حيث أخبر تعالى
_________________
(١) ١ هي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي ﷺ وهي من هوازن كما في الإصابة في تمييز الصحابة ٤/٢٨٤. قال ابن القيم في الزاد ١/٨٣ واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة. ٢ الطبقات الكبرى ١/١١٣، ١٢٠، ١٥٣، ١٥٥، ١٥٩، السيرة النبوية ١/٥٤٦ وما بعدها.
[ ٩٣ ]
عن ذلك فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن حقدهم ودسائسهم أن نبين طوائف اليهود الذين تمركزوا في المدينة منذ زمن طويل وهذه الطوائف هي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة وكل طائفة من هذه الطوائف كان لها موقف مع النبي المصطفى ﷺ، وكانت كلها مواقف تنضح بالحقد والكراهية.
وكان من موقف بني قينقاع كما قال الحافظ٢ ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر جمع يهود بني قينقاع في سوقهم فقال: يايهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر.
_________________
(١) ١ سورة الحشر الآية ٢. ٢ فتح الباري ٧/٣٣٢ بتصرف.
[ ٩٤ ]
فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلناك لتعلمن أنا نحن الناس١. فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الآيتان٢. وهكذا يظهر أن أول من نقض العهد من اليهود هم بنو قينقاع٣.
قال ابن هشام: "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور٤ بن مخرمة عن أبي عون٥ قال كان من أمر بني فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب٦ لها فباعته بسوق بني قنيقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٣٥٠، السيرة النبوية ٢/٤٧. ٢ سورة آل عمران الآيتان ١٢، ١٣. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٢٩، فتح الباري ٧/٣٣٠. ٤ عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أبو محمد المدني المخرمي بسكون المعجمة وفتح الراء الخفيفة - ليس به باس - ت ١٧٠. روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة. تهذيب التهذيب ٥/١٧١. ٥ أبو عون هو: محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد الثقفي الكوفي الأعور - ثقة - من الرابعة ت ١١٦. روى له (خ م د ت س) . تهذيب التهذيب ٩/٣٢٢. ٦ الجلب: بفتحتين فعل بمعنى مفعول وهو ما يجلبه الإنسان من بلد إلى بلد وذلك من التجارة. المصباح المنير ١٢٧.
[ ٩٥ ]
انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديًا وشدت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع"١ وأثر ابن هشام فيه انقطاع من أسفله ومن أعلاه.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه" وكان ذلك في شوال بعد وقعة بدر وأراد قتلهم فاستوهبهم منه كبير المنافقين٢.
وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات٣. قال ابن حزم: "وهم قوم عبد الله بن سلام٤ - مخفف - وكانوا في طرف المدينة٥ وكانوا سبعمائة مقاتل"٦.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٤٨. ٢ هو: عبد الله بن أبي بن سلول ونفاقه مشهور. انظر: البداية والنهاية ٤/٤. ٣ أذرعات بالفتح ثم السكون وكسر الراء وعين مهملة وألف وتاء بلد في إطراف الشام تجاور أرض البلقاء. مراصد الإطلاع ١/٤٧. ٤ عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري كان حليفا لهم من بني قينقاع وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉ وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه رسول الله ﷺ حين أسلم عبد الله. أسد الغابة ٣/١٧٦. ٥ انظر رسالة - طوائف ليهود الثلاث في المدينة- لأكرم حسين السندي. ٦ جوامع السيرة ١٥٤.
[ ٩٦ ]
ثم نقض العهد بعد ذلك بنو النضير وكان رئيسهم حيي بن أخطب والمشهور في كتب السيرة أن الرسول ﷺ نهض بنفسه إلى بني النضير مستعينًا بهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري١ الذي نجا من حادثة بئر معونة.
فلما كلمهم ﷺ قالوا: "نعم فقعد رسول ﷺ مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرهم" فاجتمع بنو النضير وقالوا: "من رجل يصعد على ظهر البيت فيلقي صخرة على محمد فيقتله فيريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسول الله ﷺ فقام ولم يشعر بذلك أحد من أصحابه ممن كانوا معه فلما استلبثه أصحابه ﵃ قاموا فرجعوا إلى المدينة واتوا رسول الله ﷺ فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه بما أرادته اليهود وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم"٢.
_________________
(١) ١ هو: عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة يكنى أبا أمية. أسلم قديمًا وكان أول مشاهده بئر معونة وكان صاحب نجدة. أسد الغابة ٤/٨٦، الاستيعاب ٣/٢٤٨. ٢ جوامع السيرة ١٨١، السيرة النبوية ٢/١٩٠.
[ ٩٧ ]
لكن ابن حجر أورد غير هذا حيث قال: وروى ابن مردويه١ قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر٢ عن الزهري أخبرني عبد الله٣ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه إلى أن قال: فلما كانت غزوة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم٤ فأجمع بنو النضير على الغدر فأرسلوا إلى النبي ﷺ أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك٥ ويلقاك ثلاثة من علمائنا فإن آمنوا بك اتبعناك
_________________
(١) ١ هو أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر الاصبهاني أبو بكر (محدث) حافظ مفسر مؤرخ ت لست بقين من رمضان عام ٤١٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٠٨. ٢ هو معمر بن راشد الازدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن (ثقة ثبت) فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا وكذا فيما حدث بالبصرة من كبار السابعة مات سنة ١٥٤ وهو ابن ثمان وخمسين. روى له (ع) . التقريب ٣٤٤. ٣ عبد الله بن كعب وليس بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري المدني ثقة يقال له رؤية. مات سنة سبع أو ثمان وتسعين ٩٨هـ. روى له (خ م د س ق) . تهذيب التهذيب ٥/٣٦٠. ٤ هكذا في الأصل والمناسب يغرونهم. ٥ الغدر ضد الوفاء غدره وبه كنصر وضرب وسمع. القاموس ٢/١٠٣.
[ ٩٨ ]
ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصل إليهم قال ابن حجر: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم"١.
أما بنو قريظة فكان سبب محاصرتهم وقتلهم ما وقع منهم من نقض عهد النبي ﷺ ومما لأتهم٢ لقريش وغطفان ومطاوعتهم لعدو الله وعدو رسوله حيي بن أخطب حتى أنه لم يزل بسيدهم كعب بن أسد يفتله في الذروة والغارب٣ حتى نقض عهده وأخلف وعده٤. وكان مصير هذه الطائفة أن نزلت على حكم الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ومواليه فحكم فيهم أن يقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم٥ فقال ﷺ: "قضيت بحكم الله"٦.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٣١. ٢ مالأه بالمد ساعده على الأمر وشايعه. القاموس المحيط ١/٣٠. ٣ أي يدور من وراء خديعته. القاموس المحيط ٤/٢٩. ٤ السيرة النبوية ٢/٢٤٠، سمط النجوم العوالي ٢/١١٥، زاد المعاد ٢/١٣٠. ٥ السيرة النبوية ٢/٢٤٠، جوامع السيرة ١٩٥.. ٦ وذلك من حديث صحيح رواه أبو سعيد الخدري. انظر: صحيح البخاري ٥/٩٣ (باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة) .
[ ٩٩ ]
أما يهود خيبر فقد نقضوا العهد وخرج إليهم ﷺ في بقية المحرم سنة سبع وحاصرهم حتى فتحها وغنم ما فيها١.
بعد أن رأينا طباع اليهود وأن ديدنهم الحقد والعداوة للإسلام والمسلمين مهما كلفهم ذلك وأنهم لا زالوا ولن يزالوا يكيدون للمسلمين ويقتلونهم متى سنحت الفرصة لهم فهم مهما اضطهدوا فعندما يفيقون يكون أول عمل لهم هو ضد المسلمين فقط.
ولا أدل على ذلك أن يهود أسبانيا عندما طردهم فرديناد ملك أسبانيا أنقذ السلطان بيازيد الثاني يهود أسبانيا من إبادة محققة وقدمت لهم الحكومة العثمانية جميع الحقوق وأصبحوا في حالة مرضية للغاية فما عليهم إلا أن يدفعوا الجزية ويعيشوا في أمن واطمئنان.
على الرغم من كل ما قدمته الحكومة العثمانية وولاتها فقد توجه اليهودي دافيد روبيني عام ٥٠٥هـ إلى البابا كليمنت السابع وعرض عليه مشروع محالفة عسكرية مسيحية يهودية ضد المسلمين تقضي بما يلي:
(١) إنهاء العداء القائم بين المسيحيين واليهود على حساب المسلمين.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٨١، فتح الباري ٧/٤٦٤، جوامع السيرة ٢١١.
[ ١٠٠ ]
(٢) تعاون جيوش أوروبا مع جموع الشعب اليهودي الذين يقيمون داخل الدولة العثمانية للانقضاض عليها من الداخل وغزوها من الخارج واحتلال أرضيها.
(٣) تتولى الدولة المسيحية تزويد اليهود الذين يقيمون داخل الدولة الإسلامية بالأسلحة التي تساعدهم في الانقضاض على المسلمين١.
هذه هي أخلاق اليهود من قديم الزمان ولازالت هي أخلاقهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وأخيرًا:
قال الأستاذ محمد عزة دروزة: "ولليهود في العهد المدني شأن كبير متعدد النواحي لأنهم أول من اصطدم مع النبي ﷺ ولقد شغلوا في القرآن المدني حيزًا واسعًا منذ بدء تنزيله" ثم قال: "ولعل من الدلائل على أنهم أول من اصطدم مع النبي ما جاء في الآيات الأولى من البقرة التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول فقد جاء في أولها: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ " ٢.
_________________
(١) ١ السياسة اليهودية ١٩٥- ١٩٦. ٢ سورة البقرة الآية ١٤.
[ ١٠١ ]
فقد قال جمهور المفسرين: "إن شياطينهم هم اليهود ويدل هذا بوضوح على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق وشجعوهم في مواقف الخداع"١.
_________________
(١) ١ سيرة الرسول ٢/١٢١.
[ ١٠٢ ]
المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض
لما نفدت حيل اليهود وأصبح مكرهم مكشوفًا وعجزهم واضحًا لجأوا إلى كفار قريش -ليدللوا بذلك على جبنهم وذلهم- لجأوا محرضين كفار قريش ليشنوا حربًا عامة على المسلمين في المدينة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. وقد أعطوا العهود والمواثيق لكفار قريش أنهم سيكونون معهم محاولين بذلك تغطية الذلة والجبن الذي هو من أخلاقهم دائمًا وأبدًا.
تكون الوفد من بني النضير ومن بني وائل، وحيكت المؤامرة في خيبر وانطلق بعدها الوفد يضم: سلام بن أبي الحقيق النضري - أبا رافع - وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري.
ومن بني وائل هوذة بن قيس الوائلي، وأبو عامر الوائلي، ووحوح بن عامر الوائلي كل هؤلاء توجهوا إلى مكة يرأسهم حيي بن أخطب الذي أعمى قلبه الحقد والحسد، وكان أهل مكة ينتظرون بفارغ الصبر من يشد من عزمهم ويساعدهم على حرب محمد ﷺ وأصحابه ﵃.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٣٠.
[ ١٠٣ ]
سار الوفد حتى وصل مكة فسألهم أهلها: من أهدى أنحن أم محمد؟ وبينوا لهم صفة الطرفين قريش، ومحمد ﷺ، وكانت صفة محمد التي عيب بها هي: أنه كان يعيب آلهتهم وينفرهم من عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار. فكان رد أولئك اليهود في صالح الكفار ولكن كان الفشل حليفهم حيث رد عليهم القرآن وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١.
ثم ما لبثوا أن فاتحوهم في الموضوع الذي جاءوا من أجله فسر كفار قريش بذلك أكثر وأكثر ونشطوا له فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقد قيل إنهم أعطوهم تمر خيبر سنة كاملة مقابل ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم ضده. وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا فيه وأجابوهم.
وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن إسحاق٢ المتقدم. أما ابن سعد فقال: مشيرًا إلى جم غفير من العلماء الذين نقل عنهم الواقدي قالوا: "لما
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٥١. ٢ السيرة النبوية ٢/٢١٤.
[ ١٠٤ ]
أجلى رسول ﷺ، بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعدًا. ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليمًا ففارقوهم على مثل ذلك"١. أما الحافظ فقد نقل ذلك من مغازي موسى بن عقبة وقال: "خرج حيي بن أخطب بعد قتل٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشًا على حرب رسول الله ﷺ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أنهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك"٣ الخ.
أما ابن جرير٤ فقد ساق القصة بسنده إلى ابن إسحاق وفيها بين مدللًا بذلك على ذهاب أولئك اليهود إلى كفار قريش وإلى غطفان وتحريضهم على حرب النبي ﷺ وأصحابه ﵃. وقد أورد الخبر نفسه في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٦٥- ٦٦. ٢ قد بينت أنه لم يحصل قتل بل جرت مصالحة مع بني النضير وتم إجلاؤهم. ٣ فتح الباري ٧/٣٩٣. ٤ جامع البيان ٢٠/١٢٩.
[ ١٠٥ ]
كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١. عن ابن عباس رضي الله عنهما٢. وقد أورده ابن هشام٣ عن يزيد بن رومان. وكلها آثار مقطوعة لكنها تتقوي بما جاء في ذلك من شواهد والقرآن يؤيد ذلك بوضوح.
إضافة إلى ذلك فقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٤. قال: يعني غزوة الأحزاب، وبني قريظة وكان سببها:-
أن نفرًا من اليهود منهم.
كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم٥، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عامر من بني وائل، وكلهم يهود٦ هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٥١. ٢ جامع البيان ٥/١٣٥. ٣ السيرة النبوية ٢/٢١٤. ٤ سورة الأحزاب الآية ٨. ٥ كثير من أهل المغازي لم يذكروا ابن مشكم هذا. ٦ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
[ ١٠٦ ]
وخرجوا في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله ﷺ وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم١.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال:" وسببها لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من كبرائهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين ﵂، وعظيمهم سلام بن مشكم ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرضونهم على حرب رسول الله ﷺ".
وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله أي ونكون معكم على عداوته فقال أبو سفيان: مرحبًا وأهلًا وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد"٢.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث مطولًا في سبب الغزوة. ٢ السيرة الحلبية ٢/٦٢٨.
[ ١٠٧ ]
وهكذا نرى أن أصحاب السير قد أطبقوا على ذكر هذا السبب وعلى ذكر هذا الوفد إلا أن بعضهم يذكر اسمًا لم يذكره الآخر وبعضهم قد يذكر الكنية ولا يذكر الاسم، وقد يحصل في ذلك لبس، وتفاديًا لذلك اللبس جئت بأقوال أهل السير والمغازي ليتبين الأمر ويتضح المراد ويبدو من استعراض كلام الحلبي أنه ذكر رئيس زعماء الوفد وفرق بين زعيمهم وسيدهم وعظيمهم وفي دلائل النبوة للبيهقي طرف من هذا١.
مما سبق يظهر بوضوح أن هذا الوفد قد تكون في خيبر فعلًا وكان اليهود هم المتزعمين لذلك الموقف المخزي، وهو موقف لا يستغرب منهم فتاريخهم مليء بالكيد والدسائس لغيرهم عمومًا ولأهل الإسلام خصوصًا.
إلا أن الغريب٢ وجود بني وائل في هذا الوفد، ولعل سبب تمالؤهم مع اليهود يرجع إلى أن اليهود لما جاءوا إلى خيبر، وكان بنو وائل يسكنونها قبلهم وجاء اليهود ومعهم الأموال وأخذوا في تنميتها وسيطروا بواسطة تلك الأموال على أولئك الضعفاء فأغروهم بذلك وأخرجوهم معهم ولعلهم ضغطوا عليهم بذلك.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٤٢٨. ٢ ذلك لأن القرطبي قال في الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨. قال بعد أن ذكر الوفد (وكلهم يهود) فلعلهم كانوا قبل ظهور دعوة الإسلام معتنقين دين اليهود فصاروا منهم ولم أجد من ذكرهم في اليهود غيره والله أعلم.
[ ١٠٨ ]
المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين
إن القبائل التي قام اليهود بزيارتها وإغرائها على قتال المسلمين كانت من أشهر قبائل العرب وأقواها يتمثل ذلك في قريش وغطفان. أما غير هاتين القبيلتين فكان تابعًا لهما. لذلك قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش١ حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم٢ ومن تبعهم من
_________________
(١) ١ قريش: قبيلة عظيمة اختلف في أصل تسميتها ونسبتها فقالوا: قريش من القرش وهو الكسب والجمع، وقالوا: التقريش التفتيش فكان يقرش أي: فهر بن مالك عن خلة كل ذي خلة فيسدها بفضله فمن كان محتاجًا أغناه ومن كان عاريًا كساه. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم إلى غير ذلك. القاموس المحيط ٢/٢٨٣، معجم قبائل العرب ٣/٩٤٧. ٢ الأحابيش: بطن اختلف فيه فقال ابن قتيبة هم بنو المصطلق والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة. اجتمعوا بذنب حبشي - وحبشي بالضم جبل بأسفل مكة - فتحالفوا بالله أنا ليد على غيرنا ما سجاليل وأوضح نهار وما أرسى حبشي مكانه. وقال حماد الراوية إنما سموا بذلك لاجتماعهم والتحابش هو التجمع في كلام العرب. وقال الجوهري: "بطن من قريش ". وقال أبو الفداء: "هم من بطون كنانة بن خزيمة ثم قال وليسوا من الحبشة كما يتوهم بعضهم". القاموس المحيط ٢/٢٦٧، تاج العروس والمعارف ٢٦٩، معجم قبائل العرب ١/٥.
[ ١٠٩ ]
بني كنانة١، وأهل تهامة٢، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد٣.. الخ.
وقد أورد الطبري خبرًا من طريق ابن إسحاق باللفظ نفسه ٤ إلا أنه مرسل ثم أورد خبرًا آخر وفيه قال:
حدثني محمد بن عمرو٥ قال حدثنا أبو عاصم٦ قال حدثنا عيسى٧
_________________
(١) ١ كنانة بن خزيمة قبيلة عظيمة من العدنانية وتنقسم إلى عدة بطون منها قريش بل أن ابن قتيبة قال: "أن النضر بن كنانة هو أبو قريش". المعارف ٣١، معجم قبائل العرب ٣/٩٩٦. ٢ ينسبون إلى تهامة وهي الساحل قال ابن قتيبة وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك الأراك والمرخ فقد اتهمت والتهمان فرع من قحطان. المصدر السابق ١/١٣٤. ٣ السيرة النبوية ٢/٢١٩- ٢٢٠. ٤ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣. ٥ محمد بن عمرو الباهلي البصري أبو بكر قدم بغداد وحدث بها ت ٢٤٩هـ في شهر المحرم وصف بأنه ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٣/١٢٧. ٦ أبو عاصم النبيل هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيباني البصري - ثقة ثبت - روى له (ع) ت سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها. التقريب ١٥٥. ٧ عيسى بن ميمون المعروف بابن داية الجرشي بضم الجيم وفتح الراء المعجمة ثم المكي أبو موسى - ثقة - من السابعة. روى له أبو داود في الناسخ والمنسوخ. التقريب ٢٧٢.
[ ١١٠ ]
وحدثني الحارث١ قال حدثنا الحسن٢ قال حدثنا ورقاء٣ جميعًا٤ عن ابن أبي نجيح٥ عن مجاهد٦ في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال عيينة بن بدر في أهل نجد ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ قال أبو سفيان قال وواجهتهم قريظة٧
_________________
(١) ١ الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي صاحب المسند سمع علي بن عاصم ويزيد بن هارون، وكان حافظًا عارفًا بالحديث عالي الإسناد بالمرة تُلكم فيه بلا حجة قال الدارقطني قد اختلف فيه وهو عندي صدوق وقال ابن حزم ضعيف ولينه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية ت ٢٨٢هـ. ميزان الاعتدال ١/٤٤٢. ٢ الحسن هو ابن موسى الأشيب أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها ثقة من التاسعة. مات سنة ٢٠٩هـ أو التي بعدها. التقريب ٧٢. ٣ ورقاء بن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن صدوق في حديثه عن منصور لين من السابعة. روى له (ع) . التقريب ٣٦٩. ٤ أي السند الأول المنتهى بعيسى والسند الثاني بورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح. ٥ عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم - ثقة - رمي بالقدر وربما دلس من السادسة ١٣١هـ أو بعدها. روى له (ع) . التقريب ١٩١. ٦ مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي -ثقة - إمام في التفسير وفي العلم من الثالثة ت سنة أحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون. روى له (ع) . التقريب ٣٢٨. ٧ جامع البيان ٢/١٢٩، وهذا الأثر بسند صحيح ورجاله ثقات.
[ ١١١ ]
أما السيوطي فقال: "المراد بالأحزاب القبائل التي أغراها زعماء اليهود الذين خرجوا يؤلبونهم١ على القتال وهم: قريش وغطفان٢ وبنو سليم٣ وبنو أسد٤ وفزارة٥ وأشجع"٦
_________________
(١) ١ التأليب: الألب بالفتح والكسر القوم يجتمعون على عداوة إنسان وقد تألبوا: أي تجمعوا. النهاية في غريب الحديث ١/٥٩. ٢ قبيلة نجدية لها ثلاثة أقسام وقد تقدمت في ص ٤٩. ٣ قبيلة عظيمة من قيس عيلان من العدنانية وتتفرع إلى عدة بطون وعشائر منها: أ- بنو ذكوان. ب- بنو بهثة بن سليم. انظر ذلك في: معجم قبائل العرب ٢/٥٤٣ ٤ بنو أسد هم أبناء أسد بن خزيمة وهي قبيلة عظيمة من العدنانية وهي ذات بطون كثيرة منها: أ - بنو كاهل. ب- بنو غنم. جـ- بنو ثعلبة. وكانت منازلهم مما يلي الكرخ من أرض نجد. المصدر السابق ١/٢١. ٥ فزارة بن ذبيان: بطن عظيم من غطفان من العدنانية وتنقسم إلى خمسة إفخاذ هي: أ- عدي. ب- سعد. جـ- شمخ. د- مازن. هـ- ظالم ومنهم: بنو العشراء وبنو غراب وكان من هذا البطن جماعة من العلماء والأئمة. معجم قبائل العرب ٣/٩١٨ ٦ أشجع: قبيلة من غطفان من قيس عيلان من العدنانية. كانت منازلهم بضواحي المدينة، وكان بالمغرب الأقصى منهم حي عظيم، وكانوا حلفاء للخزرج في الجاهلية وقد رجعوا عن دينهم أيام الردة وحاربهم أبو بكر - ﵁ - حتى عادوا من جديد إلى الإسلام. معجم قبائل العرب ١/٢٩.
[ ١١٢ ]
وبنو مرة١ حتى كان عدة من وافى الخندق من المشركين نحوًا من عشرة آلاف٢.
وفي الدر المنثور قال: "أخرج الفريابي٣، وابن أبي شيبة٤، وابن المنذر٥، وابن أبي حاتم٦ عن مجاهد به".
_________________
(١) ١ بنو مرة: من أقدم قبائل العرب وأصحها نسبًا وأشدها مراسا وأبعدها عن الحضارة. المصدر السابق ٣/١٠٧٠. ٢ الخصائص الكبرى ١/٥٦٥. ٣ هو محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء بعدها تحتانية وبعد الألف موحدة وهي من أعمال بلخ بخراسان نزيل قيسارية من ساحل الشام - ثقة فاضل - يقال أخطأ في حديث سفيان وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق من التاسعة. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. التقريب ٣٢٥، تذكرة الحفاظ ١/٣٧٦، معجم البلدان ١/٤٧٩، معجم المؤلفين ١٠/١٤٠. ٤ هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي - ثقة حافظ- صاحب تصانيف من العاشرة. ت سنة خمس وثلاثين ومائتين. روى له (خ م د س ق) . التقريب ١٨٧. ٥ هو الحافظ العلامة الفقيه الأوحد أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري شيخ الحرم وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها. وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا. مات سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٧٨٢، طبقات الشافعية ٣/١٠٢. ٦ قال ذلك في تفسيره وهو مخطوط صورته بالجامعة الإسلامية والموجود إلى سورة الرعد وابن أبي حاتم هو: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران التميمي الحنظلي أبو محمد عالم محدث عارف بالرجال فقيه أصولي متكلم. ولد سنة أربعين ومائتين. قال أبو الوليد الباجي ابن أبي حاتم ثقة حافظ. وقال الذهبي هو الإمام الحافظ الناقد ت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٨٢٩- ٨٣٢، معجم المؤلفين ٥/١٧٠.
[ ١١٣ ]
ثم قال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة١ به وهو أتم من غيره.
مما تقدم يظهر بوضوح: "أن القبائل التي شاركت قريشًا وغطفانًا - وهما القبيلتان العظيمتان المتزعمتان لهذه الحرب- الأحابيش٢ وكنانة وأهل تهامة وهذه شاركت قريشًا بحكم جوارها لها فنهضوا لنصرتها.
وشارك مع غطفان بعض القبائل النجدية والتي هي في الحقيقة متفرعة عنها وتعتبر روافد لها.
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٥/١٨٧. ٢ نسبة إلى جبل في مكة يسمى (حبشي) وقد تقدموا.
[ ١١٤ ]
إضافة إلى بني قريظة الناقضين العهد حيث أحاطت هذه الفرق بالمسلمين من كل جهة.
وضاق المسلمون بهذا الحصار ذرعًا ووصفه الله بأبلغ وصف في قاله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ "١.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآيتان ١٠، ١١.
[ ١١٥ ]
الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة
الفصل الثاني بيان دور المنافقين في هذه الغزوة
هذا الفصل هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ١. والنفاق هو بالكسر فعل المنافق٢. وهو: إظهار الخير وإسرار الشر وهو أنواع:
(أ) اعتقادي: وهو الذي يخلّد صاحبه في النار.
(ب) عملي: وهو من أكبر الذنوب وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه٣.
هذا هو المنافق وهذا دوره دائمًا وأبدًا.
ذلك لأن قلبه مريض ونفسه خبيثة ولأنه يدخل في الأمور على قاعدة غير صلبه ثم يتعجل الأمور فيخيب ظنه ويغضب ربه.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ١٢. ٢ مختار الصحاح ٦٧٤. ٣ تفسير ابن كثير ١/٤٧.
[ ١١٩ ]
وسرعان ما يتهاوى كيانه فيصبح يضمر الشر لكل ما هو خبر ويظهر خلافه حتى يأمن مكر الناس وهو لا يعلم أن الله ﷾ عالم به وبما يحيكه وما يضمره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ١، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
هؤلاء هم المنافقون المتسترون بالإسلام.
إلا أن الله كشفهم في بعض غزوات الرسول ﷺ كما في أحد وبني المصطلق والخندق وغيرها. حيث كان ينزل القرآن أولًا بأول فيفضحهم.
وفي هذه الغزوة - الخندق - بالذات ظهر منهم النفاق حيث أظهر كثير منهم العداء مما زاد في تفاقم الأمر وخطورته.
حكى لنا القرآن ذلك الخطر وتلك الشدة فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٣.
أما بالنسبة لما فعلوه هذه المرة فقد روى الطبراني حيث قال:
_________________
(١) ١ سورة العلق الآية ١٤. ٢ سورة الأنفال الآية ٣٠. ٣ سورة الأحزاب الآية ١٠.
[ ١٢٠ ]
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل١ حدثني سعيد بن محمد الجرمي٢ حدثنا أبو تميلة٣ حدثنا نعيم بن سعيد العبدي٤ أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: "احتفر رسول الله ﷺ الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل: نعم. قال إمالا٥ فتقدم فدلنا عليه. فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت
_________________
(١) ١ عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن. ولد الإمام ثقة من الثانية عشرة. مات سنة ٢٩٠هـ. وله بضع وسبعون. روى له النسائي. التقريب ١٦٧. ٢ سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي - بفتح الجيم المعجمة وسكون الراء - الكوفي صدوق رمي بالتشيع. من كبار الحادية عشرة. روى له (خ م د ق) . التقريب ١٣٥، المغني في أسماء الرجال ١٨. ٣ هو يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم - أبو تميلة بمثناه فوقية مصغرًا المروذي مشهور بكنيته ثقة من كبار التاسعة. روى له الجماعة. التقريب ٣٨٠، تهذيب الكمال ٣٢/٢٢. ٤ نعيم لم أجد له ترجمة ولعل فيه تصحيف. ٥ قال في حاشية الصبان شارحًا لهذه الكلمة: "حذفت كان مع معموليها بعد أن في قولهم - أفعل هذا إمالا". أي إن كنت لا تفعل غيره فما عوض عن كان، ولا نافيه للخبر ومنه قوله: أمرعت الأرض لو أن مالا لو أن نوقا لك أو جمالا أو ثلة من غنم إمالا. التقدير: إن كنت لا تجد غيره. حاشية الصبان ١/٢٤٥.
[ ١٢١ ]
امرأته أن جيء فإن رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرجل يسعى فقال بأبي وأمي وله معزة١. ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي ﷺ: الجدي٢ من روائنا فذبح الجدي وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت وأدركت٣ وثردت فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال "بسم الله اللهم بارك فيها إطعموا".
فأكلوا منها حتى صدروا٤ ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم٥ وجاء أولئك العشرة٦ مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت٧ عليها وعلى أهل بيتها ثم مشوا إلى الخندق.
_________________
(١) ١ المعزة: هي الأنثى الماعز. مختار الصحاح ٤٥٧. ٢ الجدي: هو ولد المعزة. ٣ أدركت: أي نضجت طحينتها. ٤ صدروا أي شبعوا. ٥ في مجمع الزوائد ٦/١٣١- نغديكم - من الغداء وهو تصحيف لا يتلاءم مع ما قبله. ٦ في مجمع الزوائد ٦/١٣١ بعد العشرة - مكانه -. ٧ قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٩٧: في حديث الأكل سمو الله ودنّوا وسمتوا أي إذا فرغتم فادعوا بالبركة لمن طعمتم عنده والتسميت الدعاء.
[ ١٢٢ ]
فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها" فقال النبي ﷺ لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة قال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم"١.
قال الهيثمي٢: "ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري٣ وهما ثقتان". إلا أن ابن جرير قد أورد أثرًا شاهدًا عن الحسن البصري لهذا الحديث قال فيه: "حدثنا بشر حدثنا هوذه٤ بن خليفة قال حدثنا عوف٥ عن
_________________
(١) ١ المعجم الكبير ١١/٣٧٦. ٢ معجم الزوائد ٦/١٣١. ٣ كذا في مجمع الزوائد وفي البداية والنهاية ٤/١٠٠، نعيم الغري بالغين المعجمة وفي معجم الكبير للطبراني كما تقدم آنفًا (العبدى) وكل هذه التراجم لم أقف عليها. ٤ هوذه بفتح الهاء وزيادة هاء في آخره: ابن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي البكراوي أبو الأشهب البصري الأصم نزيل بغداد صدوق من التاسعة. مات سنة ٢١٦. روى له ابن ماجه. التقريب ٣٦٥. ٥ عوف هو بن أبي جميلة الأعرابي العبدي البصري - ثقة - رمي بالقدر والتشيع من السادسة. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ١٤٧هـ. وله ست وثمانون. روى له الجماعة. التقريب ٢٦٦.
[ ١٢٣ ]
الحسن١ في قوله تعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٢. قال ظنونا مختلفة ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه يستأصلون٣ وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون٤. وأورد ابن كثير٥ هذا الخبر عن الحسن باللفظ نفسه. وهذا الأثر ينتهي إلى الحسن البصري فهو مقطوع".
كذلك أورد ابن جرير أثرًا آخر بسند آخر قال فيه: "حدثني يونس٦ قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد٧ قال: قال
_________________
(١) ١ الحسن بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس. قال البزار كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين خطبوا بالبصرة وهو رأس الطبقة الثالثة. مات سنة ١١٠هـ. وقد قارب التسعين. روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب ٦٩، تذكرة الحفاظ ١/٧١. ٢ سورة الأحزاب تكملة الآية ١٠. ٣ يُستأصلون: بضم التحتانية وسكون المهملة بالبناء للمجهول واستأصله قلعة من أصله. مختار الصحاح ١٨. ٤ جامع البيان ٢١/١٣٢. ٥ تفسير ابن كثير ٣/٤٧٢. ٦ يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري - ثقة - من صغار العاشرة. مات سنة ٢٦٤. وله ست وتسعون سنة. روى له (م س ق) . التقريب ٣٩٠. ٧ ابن زيد هو أسامة وهما اثنان وكلاهما شيخ لابن وهب أحدهما عدوي قال الحافظ توفي في زمن أبي جعفر المنصور وهو ضعيف، أما الليثي فقد توفي سنة ١٥٣هـ وهو صدوق وكلاهما مدنيان. تهذيب التهذيب ١/٢٠٧- ٢١٠.
[ ١٢٤ ]
"رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي ﷺ يافلان أرأيت إذ يقول رسول الله ﷺ: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأين هذا من هذا؟ وأحدنا لا يستطيع أن يخرج ليبول من الخوف" ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ . فقال: كذبت لأخبرن رسول الله ﷺ خبرك" قال: "فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ " قال: "كذب علي يارسول الله ما قلت شيئًا ما خرج من فمي قط. قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١. قال: "فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ "٢. والأثر فيه انقطاع في أعلى الإسناد.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن فليح٣ قال: "فلما أشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح. فلما رأى رسول الله ﷺ ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وأني لارجو أن
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية ٧٤. ٢ سورة التوبة الآية ٦٦. وذلك من تفسير الطبري ٢١/١٣٣. ٣ ابن فليح هو محمد بن فليح بن سلميان الأسلمي ابو عبد الله. روى عن موسى بن عقبة وعمرو مولى المطلب قال ابن معين: "ليس بثقة" وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه قال: "ما به ليس بذاك القوي". الجرح والتعديل ٨/٥٩.
[ ١٢٥ ]
أطوف البيت العتيق آمنا وان يدفع الله ﷿ إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﷿". وقال رجل ممن معه لأصحابه: "ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ها هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب للغائط والله ما يعدنا إلا غرورًا"١.
أما السيوطي فقد قال: "وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم٢ والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده وساق الحديث بطوله"٣. إلا أن مداره على كثير بن عبد الله وهو ضعيف.
وأخيرًا قال ابن إسحاق في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٤. ظن المؤمنون كل ظن ونجم
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٢. ٢ الحافظ الكبير كحدث العصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الشافعي محدث مؤرخ صوفي. توفي بأصبهان سنة ٤٣٠هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/١٠٩٢، السير ١٧/٤٥٣. ٣ الدر المنثور ٥/١٨٥. ٤ سورة الأحزاب الآية ٩.
[ ١٢٦ ]
النفاق حتى قال معتب بن قشير١ أخو بني عمرو بن عوف: "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط"٢.
وهكذا نرى من خلال هذه الآثار أن للمنافقين دورًا خطيرًا في هذه الغزوة بالذات ذلك لأنهم لا يظهرون إلا في أوقات الأزمات. أما عندما ينتصر المسلمون فلا يسمع لهم صوت. والقرآن الكريم فضحهم في أكثر من موطن ولكنا أردنا إيراد الآثار التي تبين أمرهم خاصة في هذه الغزوة الفاصلة٣.
_________________
(١) ١ معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة وليس له عقب شهد بدرًا وأحد كذلك قال ابن إسحاق. وقال ابن حجر: "ذكروه فيمن شهد العقبة وقيل أنه كان منافقًا وأنه الذي قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا وقيل أنه تاب. وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا وأثبت ابن عبد البر في الاستيعاب حاشية الإصابة انه شهد بدرًا وأحدًا والعقبة، وأنه قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وهناك ذكر بأنه معتب بن بشير - بالباء المعجمة –". الطبقات الكبرى ٣/٤٦٣، الإصابة ٣/٤٤٣. أما السهيلي فقد عنون ببراءة معتب فقال: قال ابن هشام وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين واحتج بأنه كان من أهل بدر. الروض الأنف ٣/٢٦٢ ٢ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٤٧٢. ٣ لأن الرسول (قال: (لن يغزوكم بعد عامكم هذا) .
[ ١٢٧ ]