الفصل الأول: اقتحام المشركين للخندق وتصدي المسلمين لهم
المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين
المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين
بعد أن تم حفر الخندق ووصلت الأحزاب ونقض بنو قريظة العهد المبرم مع رسول الله ﷺ ونجم النفاق وقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ١.
ولكنهم لقتلهم وكثرة العدو وأحاطته بهم من كل مكان ثقل الأمر عليهم وأشتد البلاء حيث بين الله ﷾ ذلك الموقف بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ الآيات٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٢٢. ٢ سورة الأحزاب الآيتين ١٠، ١١.
[ ٢٨٥ ]
وقبل أن يتوجه ﷺ إلى المعسكر وكما هي عادته ﷺ كلما أراد أن يغزو ويحارب يجعل أميرًا على المدينة يقوم بشؤونها حتى يعود ﵊. وكان في هذه الغزوة قد أمّر ﵊ المهاجر الصابر الأعمى: عبد الله ابن أم مكتوم١ ﵁ ثم توجه إلى معسكره وبدأ المرابطة وحاصر أعداءُ الله المسلمين وقتًا ليس بالقصير وعرف المسلمون مَنْ يتربص بهم وراء هذا الحصار فقرروا مواصلة المرابطة في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب ويتحملون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل وتتسع ثغورها يومًا بعد يوم. لذلك قال ابن إسحاق:
فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال. إلا إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي.
قال ابن هشام: "ويقال: عمرو بن عبد بن أبي قيس":
قال ابن إسحاق: "وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب واسم أبي وهب - جعدة - المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر بن مرداس أخو بني محارب بن فهر تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم. حتى مروا
_________________
(١) ١ الأعمى صحابي جليل شهد القادسية واستشهد بها وقيل رجع إلى المدينة فمات بها. انظر ترجمته في: الإصابة ٣/٥٢٣، أسد الغابة ٤/١٢٧، المعارف لابن قتيبة ١٢٦.
[ ٢٨٦ ]
بمنازل بني كنانة فقالوا تهيأوا يابني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم اقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله أن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها". أ. هـ. ١
وبدأ الحصار واشتدت وطأته وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو فإن فرض الحصار وترقب نتائجه ليس من شيمهم وكانوا يحاولون شتى المحاولات لتحطيم هذا الحصار وهم في كل ذلك يفشلون أمام صمود المسلمين.
أما الحصار فقد اختلف فيه على أقوال:
(١) قال ابن كثير٢ قال ابن إسحاق: "فأقام رسول الله ﷺ مرابطًا وأقام المشركون يحاصرونه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا٣ بالنبل. وبه قال ابن جرير الطبري٤ وابن الأثير٥ وابن سيد الناس"٦.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٢٢٤. ٢ البداية والنهاية ٤/١٠٤. ٣ الرميا بكسر الراء والميم مشددتين وتخفيف الياء أي المراماة. ٤ تاريخ الأمم والملوك٣/٤٧، جامع البيان ٢١/١٢٨. ٥ الكامل لابن كثير ٢/١٢٤. ٦ عيون الأثر ٢/٦٠.
[ ٢٨٧ ]
(٢) أما ابن سعد فقد ساق في ذلك حديثًا ليبين بأن الحصار دام أربعًا وعشرين ليلة - إلا أن ظاهره الإرسال وهو من رواية ابن المسيب عن النبي ﷺ ١ وقد قال قبل ذلك أي ابن سعد وحُصر النبي ﷺ وأصحابه بضع عشرة ليلة٢.
والذي ذكره ابن سعد على ضوء الحديث المسند وهو أربع وعشرون ليلة هو مقارب للقائلين بأن الحصار كان شهرًا. وهو قول للواقدي٣. لكن قوله بأن المدة كانت بضع عشرة ليلة مغاير للقول الأول.
(٣) قال الحافظ٤: "وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يومًا".
(٤) قال ابن القيم٥: "إن الحصار دام شهرًا ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين".
(٥) قال القسطلاني٦: "وفي الروضة للنووي خمسة عشر يومًا - وهذا يقوي قول ابن سعد المتقدم بأن الحصار دام بضع عشرة ليلة".
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٧٣. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٦٩ ٣انظر المواهب اللدانية ٢/١١٢ ٤ فتح الباري ٧/٣٩٣. ٥ زاد المعاد ٣/٢٧٢. ٦ المواهب اللدانية ٢/١١٢.
[ ٢٨٨ ]
والصحيح هو ما جزم به ابن القيم بدليل الآثار الآتية. وكذلك وجد في إشعارهم ما يدل على ذلك.
أما الآثار فهي:
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة١ في قولـ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية قال٢ يعني الملائكة قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله ﷺ شهرًا الخ"٣. من حديث طويل. والأثر بهذا السند حسن لذاته إلى قتادة.
وقال ابن سعد ﵀: أخبرنا عارم بن الفضل٤ أخبرنا حماد بن زيد٥ عن يحيى بن سعيد
_________________
(١) ١ السند تقدمت تراجم رجاله. ٢ قال القائل في الأولى والثانية (قتادة) . ٣ جامع البيان ٢١/١٢٨. ٤ عارم بن الفضل: عارم لقب واسمه محمد بن الفضل البصري - ثقة ثبت - تغير بأخر عمره من صغار التاسعة مات سنة ثلاث أو أربع وعشرين بعد المائتين روى له (ع) . انظر: التقريب ٣١٥. ٥ حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري - ثقة ثبت - فقيه قيل إنه كان ضريرًا ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب - من كبار الثامنة- مات سنة تسع وسبعين وقيل سبع وتسعين وقيل سنة تسع وثمانين ومائة روى له (ع) . التقريب ٨٢.
[ ٢٨٩ ]
قال: قال سعيد بن المسيب١: "حاصر النبي ﷺ المشركون في الخندق أربعًا وعشرين ليلة " الحديث٢.
والأثر رجاله ثقات إلا أنه مرسل.
أما الاشعار الدالة على ذلك فقد جاء في السيرة النبوية ما يلي:
قال ضرار بن الخطاب بن مرداس٣ وكان أحد الفرسان الذين
حاولوا اقتحام الخندق وكان أيضًا أحد الشعراء المشهورين ولا يخفى ما للشعر من تأثير على النفوس في الحروب وغيرها.
_________________
(١) ١ سعيد بن المسيب بن حزن ابن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الاثبات الفقهاء الكبار من كبار - الثانية - اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين روى له (ع) . التقريب ١٢٦. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٧٣. ٣ ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشي كان أبوه الخطاب رئيس بني فهر في زمانه وكان يأخذ المرباع لقومه وكان ضرار يوم الفجار على بني محارب بن فهر وكان من فرسان قريش وشجعانهم وشعرائهم وهو أحد الأربعة الذين وثبوا الخندق قال الزبير بن بكار لم يكن في قريش أشعر منه ومن ابن الزبعرى وقد أسلم يوم الفتح ووهم من ظنه أخا لعمر بن الخطاب وممن وهم في ذلك الحلبي في سيرته ٢/٦٤٤ والحقيقة أنهما لا يلتقيان إلا في فهر بن مالك. انظر المعارف لابن قتيبة ٧٧، أسد الغابة ٣/٤٠.
[ ٢٩٠ ]
قال يوم الخندق شعرًا جاء فيه:
فأحجرناهم شهرًا كريتا١ وكنا فوقهم كالقاهرينا٢
ومن ذلك أيضًا ما جاء في شعر ابن الزبعرى٣ من قصيدة طويلة:
شهرًا وعشرا قاهرين محمدًا وصحابه في الحرب خير صحاب٤
فقد ذكر عشرًا زيادة على الشهر ولعله ضرورة شعرية حتى يستقيم الوزن وإلا فالثابت شهرًا.
_________________
(١) ١ أحجرناهم حصرناهم وشهرًا كريتا تامًا كاملًا قال في القاموس ١/١٥٥ سنة كريت تامة. ٢ السيرة النبوية ٢/٢٢٥. ٣ هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص القرشي السهمي الشاعر أمه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جمح وكان أشد الناس على رسول الله ﷺ في الجاهلية وعلى أصحابه بلسانه ونفسه وكان يناضل عن قريش ويهاجي المسلمين وكان من أشهر شعراء قريش. أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه. أسد الغابة ٣/١٥٩. ٤ السيرة النبوية ٢/٢٥٨.
[ ٢٩١ ]
المبحث الثاني: المبارزة
قال ابن إسحاق: "في سياق حديثه عن المناوشات التي حصلت بين الفريقين ثم تيمموا١ مكانًا ضيقًا٢ فضربوا خيلهم فاقتحمت٣ منه فجالت بهم في السبخة٤ بين الخندق وسلع.
وخرج علي بن أبي طالب -﵁- في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة٥ التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق٦ نحوهم٧ وهنا أحس الفريقان بالخطر وكانت هي الشرارة الأولى
_________________
(١) ١ تيمموا: قصدوا. النهاية في غريب الحديث ٥/٣٠٠. ٢ قال بعض المؤرخين -: "أن هذا المكان أغفله المسلمون ويمكن أن يقال أنه لصعوبة المكان وصلابته ولأن المنطقة كما هو معروف- أكثرها صخرية - كان هذا المكان ضيقًا والله أعلم". ٣ اقتحمت: اقتحم في الأمر رمي بنفسه فيه من غير رويّة. مختار الصحاح ٥٢٢. ٤ السبخة بالتحريك واحدة السباخ وهي الأرض الملحة النازة. معجم البلدان ٣/١٨٣. ٥ الثغرة: الثلمة وهي موضع المخافة من أطراف البلاد. النهاية في غريب بالحديث ١/٢١٣. ٦ العنق: بفتح العين والنون. نوع من سير الإبل والخيل وهو الوسط بين السريع والبطئ. ٧ السيرة النبوية ٢/٢٢٤.
[ ٢٩٢ ]
التي ألهبت حماس الفريقين فالمسلمون كان حماسهم يكمن في فرحهم بنجاح الخطة التي اتخذوها وهي -الخندق-.
والمشركون كان حماسهم لقتل بعض زعمائهم كما سيأتي وكانوا يحاولون جاهدين الانتقام وكانوا هم أشد خطرًا لأنهم هم المعتدون. كما أن المسلمين أصبحوا يطوقونهم في تلك الحالة - وهم داخل معسكر المسلمين- أمامهم في الثغرة وخلفهم في المعسكر.
مقتل عمرو بن عبدود:
قال ابن إسحاق: "وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا١ ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب فقال له ياعمرو: "إنك كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه قال له: أجل". قال له علي: "فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام" قال "لا حاجة لي بذلك". قال "فإني أدعوك إلى النزال" فقال له: "لم يأبن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك". قال له علي: "لكني والله
_________________
(١) ١ معلمًا: المعلم الذي يجعل له علامة يعرف بها.
[ ٢٩٣ ]
أحب أن أقتلك" فحمي١ عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره٢ وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي -﵁- وخرجت خيلهم منهزمةً حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
قال ابن إسحاق: "وقال علي رضوان الله عليه في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت رب محمد بصوابي
فصددت حين تركته متجدلًا كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المقطر بزّني أثوابي٣
لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب٤
قال ابن هشام: "وأكثر أهل الشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب"٥.
الآثار الدالة على ذلك:
قال الحاكم -﵀-: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار٦ حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق٧ قال: "كان عمرو بن عبدود
_________________
(١) ١ فحمى: أشتد غضبه. ٢ عقر البعير والفرس بالسيف (فانعقر) أي ضرب قوائمه. المختار الصحاح ٤٤٥. ٣ المقطر: هو الذي يلقي على قطره - وتقطر - تهيأ للقتال ورمي بنفسه من علو. وبزّني: سلبني ثيابي أو أي شيء كان معي. القاموس المحيط ٢/١١٩، ١١٦. ٤ هكذا جاء عند ابن إسحاق وفي الاكتفاء للكلاعي أبياتًا أخرى فراجعه ٢/١٦٨. ٥ السيرة النبوية ٢/٢٢٥. ٦ هو العطاردي. ٧ تقدم رجال السند.
[ ٢٩٤ ]
فارس قريش وكان قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، ولم يشهد أُحُدًا فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا ليرى مشهده فلما وقف هو وخيله قال له علي ياعمرو قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعوك رجل إلى خلتين إلا قبلت منه أحداهما فقال عمرو أجل. فقال علي -﵁- فإني أدعوك إلى الله -﷿- وإلى رسوله ﷺ، والإسلام فقال لا حاجة لي في ذلك قال فإني أدعوك إلى البراز فقال يابن أخي لم؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه فعقره ثم أقبل فجاء إلى علي وقال من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبي الله فقال إنه عمرو بن عبدود١ اجلس. فنادى عمرو ألا رجل فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه علي -﵁- وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نبهة وبصيرة والصدق منجا كل فايز
إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز٢
_________________
(١) ١ قال ﷺ ذلك لعلي لأن عمرًا كان فارسًا مشهورًا معمرًا قد جاوز التسعين فهو أدرى بالحرب وملابساتها. انظر: الطبقات الكبرى ٢/٦٨، السيرة النبوية ٢/٦٤١. ٢ عند البيهقي أنه قال هذه الأبيات ردًا على أبيات قالها عمرو سأوردها فيما بعد أن شاء الله.
[ ٢٩٥ ]
فقال له عمرو: من أنت؟ قال أنا علي قال ابن من؟ ابن عبد مناف؟ فقال أنا علي بن أبي طالب فقال عندك يا ابن أخي مِنْ أعمامك من هو أسن منك١؟ فانصرف فإني أكره أن أهريق دمك فقال علي لكني والله ما أكره أن أهريق دمك فغضب فسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبًا واستقبله علي بدرقته٢ فضربه عمرو في الدرقة فقدها٣. وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي -﵁- على حبل العائق فسقط وثار العجاج٤ فسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرف أن عليًا قتله وقال ﵁ شعرًا كان في آخره:
عبد الحجارة من سفاهة عقله٥ وعبدت رب محمد بصواب
ثم أقبل علي -﵁- نحو رسول الله ووجهه يتهلل فقال عمر بن الخطاب -﵁- هلا استلبت درعه فليس للعرب درعًا خيرًا منها.
_________________
(١) ١ أسن منك: أكبر منك. ٢ الدرقة هي الحجفة والجمع درق والدرق بالفتح الصلب من كل شيء. القاموس المحيط ٣/٣٣٠. ٣ فقدها: القذ الشق طولًا. المصدر السابق ١٠/٣٢٥. ٤ العجاج: الغبار والد خان أيضًا. مختار الصحاح ٤١٣. ٥ في بعض الروايات (رأيه) وكلاهما بمعنى.
[ ٢٩٦ ]
فقال: "ضربته فأتقاني بسؤته واستحييت ابن عمي أن استلبه١. وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق". أ: هـ٢.
وقد أورد البيهقي من طريق ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة حيث قال: "وخرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى من يبارز؟ فقال علي -﵁- أنا لها يانبي الله فقال إنه عمرو اجلس، ونادى عمرو ألا رجل وهو يؤنبهم"٣ ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إليّ رجلًا فقام علي فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس ثم نادى الثالثة فقال:
ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز؟
ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن٤ المناجز
زاد ابن كثير٥:
ولذاك أني لم أزل متسرعًا قبل الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
_________________
(١) ١ هكذا ثبت في كلا الروايات وهذا يرد على صاحب السيرة الحلبية حيث قال وعندي اشتباه في هذا لأن هذه الوقعة لعلي كانت يوم أحد مع طلحة بن أبي طلحة وهذا يرده نقله نفس الكلام من السهيلي. السيرة الحلبية ٢/٦٤٣. ٢ المستدرك للحاكم ٣/٣٢-٣٣، السنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠٨، ٩/١٣٢. ٣ التأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف. النهاية في غريب الحديث ١/٧٣. ٤ القرن: بكسر المثناة المعجمة وهو الكفؤ في الشجاعة. المختار ٥٣٢. ٥ البداية والنهاية ٤/١٠٦.
[ ٢٩٧ ]
قال فقام علي -﵁- فقال يا رسول الله: "أنا فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمرًا فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز
ذو١ نية وبص
_________________
(١) يرة والصدق منجا كل فايز إني لأرجو أن أق يم عليك نائحة الجنائز من ضربة نج لاء يبقى ذكرها عند الهزاهز وفي رواية أنه ﷺ أعطاه سيفه ذا الفقار وألبسه درعه الحديد وعممه بعمامته وقال: "اللهم أعنه عليه" وفي لفظ "اللهم هذا أخي وابن عمي فلا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين" ٢. فقال له عمرو من أنت؟ قال أنا علي قال ابن عبد مناف؟ قال أنا علي بن أبي طالب٣. فقال يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك وساق إلى قوله ١ كذا في الدلائل - وفي البداية ٤/١٠٦ (في) وفي موضع آخر ذو نبهة. ٢ ذكر هذا صاحب السيرة الحلية ٢/٦٤١. ٣ واسم أبي طالب - عبد مناف.
[ ٢٩٨ ]
وضربه على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرفنا أن عليًا قد قتله فثم يقول علي
أعليّ تقتحم الفوارس هكذا عني وعنهم أخروا أصحابي
اليوم تمنعني الفرار حفيظتي ومصمم في الراس ليس بنابي
إلى أن قال
عبد الحجارة من سفاهة رأيه وعبدت رب محمد بصوابي
قال ثم أقبل علي نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلل١.
قال ابن هشام وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان:
فرّ وألقى لنا رمح
_________________
(١) هـ لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظليم ما إن يحور عن المعدل ولم تلو ظهرك مستُأنسًا كان قفاك قفا فرعل وقال ابن هشام الفراعل صغار الضباع٢. زاد ابن سعد حيث قال: قال علي أنا أبارزه يا رسول الله فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه وعممه ١ الدلائل للبيهقي ٣/٤٣٩، البداية والنهاية ٤/١٠٦- ١٠٧، والروض الأنف ٣/٢٧٩. ٢ السيرة النبوية ٣/٢٦٢، بهامشها الروض الأنف ٣/٢٨٠.
[ ٢٩٩ ]
وقال: "اللهم أعنه عليه" ١.
وقال الزرقاني نقلًا عن الحاكم قال٢: سمعت الأصم قال سمعت العطاردي قال سمعت يحى بن آدم٣ يقول ما شبهت قتل علي عمرًا إلا بقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت﴾ ٤ الآية. والحديث يعتبر من الشواهد المقوية. وحديث قتل علي لعمرو ذكره غير واحد منهم: ابن سعد٥ كما أخرجه الطبري عن الزهري٦ مرسلًا وذكره ابن الأثير٧. وعزاه ابن سيد الناس لابن إسحاق٨، وقد ذَكَره علي المتقي الهندّي، وذكر بأن المحاملي أورده في أماليه وفيه زيادةٌ هذا نصها:
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٦٨. ٢ أي الحاكم، وانظر: المستدرك ٣/٣٦. ٣ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي أبو زكريا مولي بني أمية - ثقة حافظ فاضل - من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين (ع) . التقريب ٣٧٣. ٤ سورة البقرة الآية ٢٥. ٥ شرح المواهب اللدنية ٢/١١٥. ٦ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٨. ٧ الكامل ٢/١٢٤. ٨ عيون الأثر ٢/٦١.
[ ٣٠٠ ]
عن ابن عباس قال: "سَمِعْتُ عمر يقول جاء عمرو بن عبد ود فجعل يجول بفرسه حتى جاوز الخندق إلى أن قال: ﷺ: "اخرج يا علي" فقال له عمرو من أنت يا ابن أخي؟ قال أنا علي فقال إن أباك كان نديمًا لي لا أحب قتالك إلى أن قال عمرو إني نذرت أن أقتل حمزة فسبقني إليه وحشي ثم إني نذرت أن أقتل محمدًا قال علي: "فانزل فنزل فاختلفا في الضربة فضربه علي فقتله"١.
وقد قيل إن الرسول ﷺ لما أذن لعلي في مبارزة عمرو دعا الله وقال اللهم أعنه عليه بعد أن عممه وأعطاه سيفه ذا الفقار وكل ذلك بدون إسناد وذكروا أيضًا أن عليًا قال: قال رسول الله ﷺ يوم الخندق اللهم أنك أخذت عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا علي فلا تدعني فردًا وأنت خير الوارثين" أ: هـ. هكذا ذكره في كنز العمال٢وعزاه إلى الديلمي.
مقتل نوفل المخزومي:
قال ابن سعد: "ثم أًجْمع رؤساؤهم أن يغدوا يومًا فغدوا جميعًا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطَلَبوا مضيقًا من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى
_________________
(١) ١ كنز العمال ١٠/٤٥٦- ٤٥٧. ٢ كنز العمال ١٠/٤٥٦- ٤٥٧.
[ ٣٠١ ]
النبي ﷺ وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها قالو فمن هناك إذًا، فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب وهبيرة بن ابي وهب وعمرو بن عبد ود وذكر المبارزة إلى أن قال: وولي أصحابه١هاربين وظفرت بهم خيولهم٢وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقه باثنين"٣.
وقال البيهقي: "وذكر ابن إسحاق خروجهم ودعاء عمرو إلى البراز على وجه آخر في الإسناد الذي ذكرناه فقال: "وكان ممن خرج يوم الخندق هبيرة بن أبي وهب٤المخزومي وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة فَخَرَج إليه الزُّبير بن العَوام ﵁ فضرَبه فشقَّه باثنتين حتى فل في سيفه فلا٥ فانصرف وهو يقول:
أني امرؤ احمي واحتمي عن النبي المصطفى الأمي
_________________
(١) ١ يرجع الضمير في قوله - وولي أصحابه - إلى عمرو بن عبدود. ٢ الضمير محتمل الرجوع إلى خيل المسلمين وقد يكون راجعا إلى خيل الكفار. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٦٨. ٤ هو زوج أم هانئ - أخت على ﵁-. ٥ فل: أي في سيفه كسر. مختار الصحاح ٥١٢.
[ ٣٠٢ ]
قال الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية: "وَبَرز نوفل بن عبد الله المخزومي فقتله الزبير بن العوام بالسيف حتى شقه اثنين فقطع سرجه حتى خلص إلى كاهل الفرس فقيل: ما رأينا سيفًا مثل سيفك قال ما هو السيف ولكنها الساعد" أ. هـ. ١
وقال ابن سيد الناس نقلًا عن ابن عائذ قوله: "واقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه فرد إليهم رسول الله ﷺ أنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم أن تدفنوه ولا أرب٢ لنا في ديته وقيل أعطوه في جثته عشرة آلاف"٣.
وقال ابن كثير: "وقد ذكر موسى بن عقبة أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حيث قتل وعرضوا عليه الدية فقال إنه خبيث
_________________
(١) ١ شرح المواهب ٢/١١٥. ٢ الأرب: الحاجة. مختار الصحاح ١٣. ٣ عيون الأثر ٢/٦٠.
[ ٣٠٣ ]
خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه".
قال: وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق حيث قال: "وخرج نوفل المخزومي فسأل المبارزة فذكر خروج الزبير إليه وقتله".
ثم قال: "وقد ذكر ابن جرير أن نوفلًا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يامعشر العرب فنزل إليه علي فقتله وطلب المشركين رمته١. من رسول الله ﷺ بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئًا ومكنهم من أخذه إليهم. قال وهذا غريب من وجهين" أ. هـ. ٢ولم يبين وجه الغرابة.
ثم إن ابن جرير رواه عن الزهري والزهري رواه مرسلًا فهو ضعيف. لأن الآثار التي وردت كلها على اختلاف مراتبها تبين أن قاتله الزبير إلا أن يكونا اشتركا في قتله فالله أعلم.
على ضوء ما سبق نرى أن هناك اختلافًا حول قاتل نوفل:
_________________
(١) ١ رمته: جيفته. ٢ البداية والنهاية ٤/١٠٧.
[ ٣٠٤ ]
(أ) فالأكثر أن الذي قتله الزبير وذلك بصريح الآثار وكثرة القائلين بذلك وقد تقدموا.
(ب) المعارض لهذا الرأي هو الطبري وقد تقدم قوله كما يفهم ذلك من كلام ابن الأثير١ وإن كان لم يصرح.
والحق أن قاتله هو الزبير وذلك لما يأتي:
قال ابن جرير كما في كنز العمال: حدثنا أبو كريب٢ حدثنا وكيع٣ عن سفيان عن عبد الكريم الجزري٤ عن عكرمة٥ قال لما كان يوم الخندق قام رجل من المشركين
_________________
(١) ١ الكامل ٢/١٢٤ حيث قال بعد أن ذكر المبارزة وقتل علي عمرًا قال وقتل من المشركين اثنان قتل أحدهما علي. ٢ محمد بن العلاء بن كريب الهمذاني - أبو كريب- الكوفي مشهور بكنيته - ثقة حافظ - من العاشرة- مات سنة ٢٤٩. وهو ابن سبع وثمانين سنة (ع) التقريب ٣١٤. ٣ وكيع بن الجراح بن فليح الرؤاسي بضم الراء ثم المهملة أبو سفيان الكوفي - ثقة حافظ- عابد من كبار التاسعة مات في آخر أو أول سنة ١٩٧. وله سبعون سنة (ع) . التقريب ٣٦٩. ٤ عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد مولى بني أمية وهو الخضرمي بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة - ثقة - من السادسة مات سنة ١٢٧ (ع) التقريب ٢١٧. ٥ عكرمة هو مولى ابن عباس وقد تقدم.
[ ٣٠٥ ]
فقال من يبارز فقال رسول الله ﷺ: "قم يا زبير" فقالت صفية يا رسول الله واجدى١ فقال رسول الله ﷺ: "قم يا زبير" فقام فقال رسول الله ﷺ: "أيهما علا صاحبه قتله" فعلاه الزبير فقتله ثم جاء النبي ﷺ بسلبه فنفله إياه٢. والحديث على ضوء هذا السند مرسل ورجاله ثقات.
الاختلاف حول بيع جيفة الكافر:
أ- الكثيرون من أهل المغازي والسير يذكرون بأن الرسول ﷺ لم يأخذ الدية - في الكافر الذي قتل في الخندق - بل دفعه إليهم وقال بأنه خبيث الجثة وتؤيدهم الآثار التالية:
قال المتقي الهندي وعزاه لابن أبي شيبة: "عن عكرمة أن نوفلًا أو ابن نوفل تردى به فرسه يوم الخندق فقتل فبعث أبو سفيان إلى النبي ﷺ بديته مائة من الإبل فأبي النبي ﷺ وقال "خذوه فأنه خبيث الدية خبيث الجثة" ٣.
_________________
(١) ١ واجدي من الوجد وهو الحزن وهو - بالجيم المعجمة - وفي المنتخب واحدى بالحاء المهملة ولعل الظاهر بالجيم المعجمة لأن صفية كان لها ابن آخر وحضر غزوة الخندق وكان يسمى - السائب - المعارف لابن قتيبة ٩٦. ٢ كنز العمال ١٠/٤٥٥. ٣ كنز العمال ١٠/٤٥٥.
[ ٣٠٦ ]
وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا نصر بن باب١ حدثنا حجاج عن الحكم٢ عن مقسم٣ عن ابن عباس أنه قال قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين فأعطوه بجيفته مالًا فقال رسول الله ﷺ أدفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجثة الدية فلم يقبل منهم شيئًا"٤. والحديث ضعيف لوجود نصر بن باب فيه. قال ابن كثير: "وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة٥ عن
_________________
(١) ١ نصر بن باب أبو سهل الخراساني المروزي روى عن داود بن أبي هند وإبراهيم الصائغ وعنه أحمد وابن المديني ومحمد بن رافع. قال الذهبي: "تركه جماعة" وقال البخاري: "يرمونه بالكذب" وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء" وقال ابن حبان: "لا يحتج به" وقال أحمد: "ما كان به بأس إنما انكروا عليه حين حدث عن إبراهيم الصائغ قيل توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة". انظر: ميزان الاعتدال ٤/٢٥٠ ٢ الحكم بن عتيبة بالمثناة ثم الموحدة مصغرًا أبو محمد الكندي الكوفي - ثقة ثبت - فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة مات سنة ١١٣ أو بعدها وله نيف وستون (ع) . التقريب ٨٠. ٣ مقسم بكسر أوله ابن بجرة بضم الموحدة وسكون الجيم ويقال نجدة بفتح النون والدال أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى ابن عباس للزومه له - صدوق وكان يرسل من الرابعة مات سنة أحدى ومائة وماله في البخاري إلا حديث واحد روى له الجماعة إلا مسلمًا. التقريب ٣٤٦. ٤ مسند الإمام أحمد ١/٢٤٨- ٢٧١. ٥ حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخره من كبار الثامنة. مات سنة ١٦٧ روى له (خت م ع) . التقريب ٨٢.
[ ٣٠٧ ]
حجاج وهو ابن ارطأة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رجلًا من المشركين قتل يوم الأحزاب فبعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك١ اثني عشر ألفًا فقال رسول الله ﷺ لا خير في جسده ولا في ثمنه٢.
وقد رواه الترمذي حيث قال: حدثنا محمود بن غيلان٣ حدثنا أبو أحمد٤ حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم"٥. قال الترمذي: "غريب لا نعرفه إلا من حديث الحكم". ولعل استغراب الترمذي أتى بسبب أبي حمد الزبيري فإنه يخطئ في حديث الثوري والرواية هنا عنه.
_________________
(١) ١ كذا عند البيهقي وعند ابن كثير (نعطيهم) . ٢ البداية والنهاية ٤/١٠٧، انظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٣٣. ٣ محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي نزيل بغداد - ثقة - من العاشرة مات سنة ٢٣٩ وقيل بعد ذلك روى له (خ م ت ق س) . التقريب ٣٣٠. ٤ محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي أبو أحمد الزبيري الكوفي - ثقة ثبت - إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري من التاسعة مات سنة ٢٠٣. روى له (ع) التقريب ٣٠٤ ٥ سنن الترمذي ٣/١٢٩، وفي الميزان ٣/٦١٥ قال: حسنه الترمذي وهو غريب.
[ ٣٠٨ ]
أما كلام أهل المغازي في ذلك فهو كما قال البيهقي: "وذكر ابن إسحاق في موضع آخر من هذا الكتاب عقب قتل الزبير لنوفل - أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق". إلى أن قال: "وبعث المشركون إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال ﷺ: "هو لكم لا نأكل ثمن الموتى" أ. هـ. ١
وقال الديار بكري: "وفي معالم التنزيل: طلب المشركون جيفة نوفل بالثمن فقال رسول الله ﷺ: "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" ٢.أ. هـ:
(ب) في مقابل القائلين بعدم جواز بيع جيفة الكافر واعتمادهم على الآثار الواردة جاء عند الحاكم ما يخالف ذلك حيث أورد بسنده حديثًا يدل على الجواز وأخذ الدية.
حيث قال ﵀: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب٣ حدثنا أحمد بن عبد الجبار٤
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٤٠. ٢ تاريخ الخميس ١/٤٨٨. ٣ هو النيسابوري الأصم تقدم. ٤ هو العطاردي تقدم.
[ ٣٠٩ ]
حدثنا يونس بن بكير١ عن محمد بن عبد الرحمن٢ عن الحكم بن عتيبة عن مقسم٣ عن ابن عباس ﵄ قال: "قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه٤ فأبى رسول الله ﷺ حتى أعطوه الدية"٥
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
درجة الحديث:
الحديث ضعيف لضعف ابن أبي ليلى ثم إن الحكم ثبت أنه لم يرو عن مقسم إلا خمسة أحاديث ليس هذا منها قال الذهبي: "حسنه الترمذي".
وقال عبد الحق٦ في أحكامه وابن القطان٧: "إسناده ضعيف"
_________________
(١) ١ يونس بن بكير أيضا تقدم. ٢ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن - صدوق سيئ الحفظ جدًا من السابعة مات سنة ثمان وأربعين ١٤٨ روى له الأربعة. التقريب ٣٠٨. ٣ الحكم ومقسم تقدمت ترجمتهما. ٤ يواروه: يدفنوه من ذلك قوله تعالى ﴿فأواري سوأة أخي﴾ المائدة الآية ٣١. ٥ المستدرك للحاكم ٣/٣٢. ٦ عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد الحافظ العلامة الحجة أبو محمد الأزدي الأشبيلي ويعرف أيضا بابن الخراط من مؤلفاته الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم والأحكام الكبرى وغير ذلك ت سنة ٥٨٢. تذكرة الحفاظ ٤/١٣٥٠. ٧ هو علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى الكتامي ويعرف بابن القطان أبو الحسن محدث عارف بالرجال من أهل فارس قرطبي الأصل. من تصانيفه شرح أحكام عبد الحق وبيان الوهم والإيهام في الحديث ت سنة ٦٢٨. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧.
[ ٣١٠ ]
ومنقطع لا سماع للحكم من مقسم إلا لخمسة أحاديث ما هذا منها وضعفاه من جهة ابن أبي ليلى وقول الترمذي أولى١.
ثم أن هناك اضطرابًا في الإسناد فقد جاء عند الترمذي بسند فيه ابن أبي ليلى وجاء فيه أن الرسول ﷺ رفض ديته وقال أنه خبيث الدية خبيث الجثة.
وعلى ذلك:
تبين أن الصحيح هو:
عدم جواز بيع جيفة الكافر أو أخذ ديته قال الحافظ أثناء شرحه لتبويب البخاري حيث قال (باب طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن) ثم قال قوله (ولا يؤخذ لهم ثمن) قال: "أشار به لحديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبي النبي ﷺ أن يبيعهم" ثم قال: وذكر ابن إسحاق في المغازي: "أن المشركين سألوا النبي ﷺ أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فقال النبي ﷺ: "لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده"٢.
_________________
(١) ١ الميزان ٣/٦١٥. ٢ فتح الباري ٦/٢٨٢.
[ ٣١١ ]
وبهذا وغيره مما تقدم يتضح أن الرسول ﷺ لم يأخذ مقابل جثة نوفل لا دية ولا ثمنًا بل إنه أعطاهم وقال إنه خبيث الدية خبيث الجثة وفي رواية قال: "لعنه الله ولعن ديته" ١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٠٧، عيون الأثر ٢/٦٠.
[ ٣١٢ ]
المبحث الثالث: القتلى من الجانبين
أولًا: القتلى من المسلمين:
استمرت المعركة والحصار مضروب فما مضت أسابيع ثلاثة على ذلك الحصار المضروب حتى دب القنوط والتخاذل في صفوف المهاجمين على حين بقيت جبهة المدافعين عن حوزة الدين الإسلامي - سليمة لم تثلم ورغم كثرة الأعداء وتحرشاتهم ومناوشاتهم المستمرة طيلة تلك المدة إلا أنه لم يقتل من المسلمين إلا عدد قليل وهم:
١- سعد بن معاذ سيد الأوس وحامل لوائهم يوم الخندق١ وقد أفردت لبلائه في هذه الغزوة فصلًا خاصًا.
٢-أنس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم ابن عامر بن زاعورا بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس وزاعورا هو أخو عبد الأشهل كذا نسبه ابن الكلبي وهو أخو مالك وعمير والحارث بني أوس. قال ابن الأثير: "شهد أحدًا وقتل يوم الخندق" قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: "رماه خالد
_________________
(١) ١ أنظر ترجمته في: أسد الغابة ٢/٢٩٦، الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٣٧، الطبقات الكبرى ٣/٤٢٠.
[ ٣١٣ ]
بن الوليد بسهم فقتله ولم يشهد بدرًا"١. وذلك بدليل ما أورده الهيثمي حيث قال: "عن ابن شهاب قال استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ٢ بن أوس بن عبد عمرو الخ" ثم قال: "رواه الطبراني٣ ورجاله رجال الصحيح"٤.
وقال ابن سعد: "وكان فيمن قتل أيضًا في أيام الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بني عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد"٥.
٣- عبد الله بن سهل الأشهلي:
قال ابن الأثير: "عبد الله بن سهل بن رافع الأنصاري ثم الأشهلي من بني زعوراء بن عبد الأشهل وقيل أنه من غسان وهو حليف لبني عبد الأشهل" وقال:
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/١٢٢، والاستيعاب ١/١٩٨. ٢ هو أنس بن أوس وليس في ترجمته - معاذ - وانظر: المصدر السابق، البداية والنهاية ٤/١١٦. ٣ المعجم الكبير ١/٢٦٥ حديث ٧٧٠. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٤٢. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٧٠.
[ ٣١٤ ]
"ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا من الأنصار من بني عبد الأشهل وحلفائهم ثم قال مرة أخرى وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل من المسلمين يوم الخندق عبد الله بن سهل من بني عبد الأشهل والله أعلم"١.
٤- ثعلبة بن عنمة٢ بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي شهد العقبة في البيعتين وشهد بدرًا وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة قتل يوم الخندق شهيدًا قاله ابن إسحاق قتله هبيرة بن أبي وهب المخزومي٣. وقد روى الزهري أثرًا مرسلًا ونصه: "استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ إلى قوله ومن الأنصار ثم من بني سلمة ثعلبة بن غنمة الخ٤".
وقد ذكره ابن سعد وهناك جاء اسمه ثعلبة بن عنمة بالعين المهملة٥.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٣/١٧١، والاستيعاب ٣/٥٦. ٢ هكذا عند ابن الأثير وابن كثير في البداية والنهاية ٩/١١٦، السيرة النبوية ٣/٢٢٢ بالغين المعجمة. ٣ أسد الغابة ١/٢٤٤. ٤ وقد تقدم الأثر وحكم الهيثمي عليه قريبًا. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٧٠ وقال بأن قاتله هبيرة بن أبي وهب.
[ ٣١٥ ]
كما ذكر ذلك ابن كثير وجاء في اسمه - ثعلبة بن غنمة بالغين المعجمة والنون١.
٥- طفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي عقبي بدري استشهد يوم الخندق هذا ما قاله ابن الأثير٢. وذكره ابن كثير أيضًا٣ ولم يذكره ابن سعد أثناء ذكره لمن استشهد ولكنه ذكره في طبقات البدريين من الأنصار وأن الذي قتله يوم الخندق هو وحشي٤.
٦- كعب بن زيد النجاري:
قال ابن الأثير: "شهد بدرًا قاله ابن شهاب وابن إسحاق وابن الكلبي" وقال ابن الكلبي: "قتل يوم الخندق" وقال الواقدي: "قتله ضرار بن الخطاب يوم الخندق
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١١٦. ٢ أسد الغابة ٣/٥٦. ٣ البداية والنهاية ٤/١١٦، والسيرة النبوية ٣/٢٢٢. ٤ الطبقات الكبرى ٣/٥٧٣، السيرة الحلبية ٢/٦٤٨.
[ ٣١٦ ]
وبه قال ابن سعد"١ وقال ابن إسحاق: "أصابه سهم غرب يوم الخندق فقتله" وبقول ابن إسحاق هذا قال ابن كثير٢.
قال ابن الأثير: "ويذكرون أن الذي أصابه أمية بن ربيعة بن صخر الدؤلي وكان قد نجا يوم بئر معونة"٣.
٧ - ٨ سليط وسفيان بن عوف الأسلمي. وساق البزار حديثًا بسنده وفيه أن رسول الله ﷺ بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلمي طليعة يوم الأحزاب فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء إلتفت عليهم خيل لأبي سفيان فقاتلا حتى قتلا فأتيَ بهما رسول الله ﷺ فدفنا في قبر واحدًا فهما الشهيدان القرينان٤.
وقال الهيثمي: "رواه البزار وفيه جماعة لم أعرفهم"٥ وقال حبيب الرحمن الأعظمي٦ قلت: "وقال الحافظ في الإصابة: في سنده من لا يعرف".
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٧٠. ٢ البداية والنهاية ٤/١١٦. ٣ أسد الغابة ٤/٢٤١. ٤ كشف الأستار ٢/٣٣٣. ٥ مجمع الزوائد ٦/١٣٥. ٦ محقق كشف الأستار قال ذلك في ٢/٣٣٢.
[ ٣١٧ ]
٩- وقد تفرد ابن دريد١ بقوله: "ومنهم سنان بن صيفي الخزرجي شهد بدرًا والعقبة وقتل يوم الخندق".
ثانيًا: القتلى من المشركين:
رغم كثرة المناوشات التي قامت بها جموع الأحزاب ورغم كثرتهم ومع ذلك فقد قتل منهم ثلاثة فقط٢ وقيل أربعة٣ وهم:
١- من بني عبد الدار:
منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار. أصابه سهم فمات منه بمكة.
وقال ابن هشام هو: "عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق"٤.
٢- ومن بني مخزوم:
نوفل بن عبد الله بن المغيرة.
اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك٥.
_________________
(١) ١ الاشتقاق ٤٦٥. وانظر ترجمته في الطبقات الكبرى ٣/٥٧٢، أسد الغابة ٢/٣٥٩. ٢ هذا ما اتفق على إيراده المؤرخون وأهل المغازي. ٣ ذكر الرابع وانفرد به ابن هشام. السيرة النبوية ٣/٢٥٣. ٤ كذلك انفرد ابن هشام بهذه التسمية والبقية يقولون أن اسمه (منبه) . ٥ البداية والنهاية ٤/١١٦.
[ ٣١٨ ]
قال في تاريخ الخميس: "وفي روضة الأحباب: اقتحم الخندق نوفل حين الفرار فسقط فيه فرماه المسلمون بالحجارة فصرخ يا معشر العرب قتله أحسن من هذه"١.
وقد تقدم الخلاف في قاتله فقيل إنه بعد تورطه وصراخه قتله علي ﵁ وقيل إن الزبير قتله مبارزة وعلى كلا الحالين فقد هلك، ولأهميته لدى المشركين فقد بعثوا لشراء جسده ليدفنوه فأعطاهم الرسول ﷺ وقال لا خير في جسده ولا في ثمنه.
٣- ومن بني عامر:
عمرو بن عَبْدُود العامري. قتله علي مبارزة وقد سبق ذكرها.
هؤلاء الثلاثة أتفق أهل المغازي والسير على إيرادهم في القتلى والقائلون بذلك هم:
ابن إسحاق٢ وابن سعد٣ وابن جرير٤ وابن الأثير٥ وابن كثير٦.
_________________
(١) ١ تاريخ الخميس ١/٤٨٧. ٢ السيرة النبوية ٢/٢٥٣. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٦٨- ٧٠. ٤ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٩. ٥ الكامل ٢/١٢٤. ٦ البداية والنهاية ٤/١١٦.
[ ٣١٩ ]
٤- حسل بن عمرو. انفرد بذكره ابن هشام حيث قال: وحدثني الثقة أنه حُدث عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "قتل علي يومئذ عمرو بن عبدود وابنه حسل بن عمرو"١.
هؤلاء الذين قتلوا من المشركين رغم كثرتهم ويمكن أن نرجع سبب قلة القتلى من الجانبين إلى أن: "وجود الخندق كان له سبب مباشر بعد الله. ذلك لأن المشركين تخوفوا من هذه المكيدة ولم يقتل إلا من اقتحم أو اقترب كما فعل نوفل وعمرو بن ود. والخندق في الحقيقة نصر من الله حيث ألهمهم الله إلى حفره وأعانهم على سرعة إنجازه فكان حاجزًا حصينًا ولكي يبين الله سبحانه لأعداء المسلمين من منافقين وكفار أن النصر بيد الله وليست بالكثرة وأنه متى كان الله سبحانه مع فئة ولو قليلة تكون لها الغلبة في النهاية ذلك لأن هذه الفئة القليلة تقاتل عن عقيدة سامية ومبدأ عظيم ألا وهو الإسلام".
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٢٥٣.
[ ٣٢٠ ]
الفصل الثاني: اشتداد المعركة يمنع المسلمين من الصلاة
اشتدت المعركة وهذا طبيعى ما دام قد قتل من فرسان المشركين وصناديدهم أربعة تقريبًا وذلك خلال غارة سريعة. مما زاد من حقدهم علاوة على الذي دفعهم للمجيء من مَكَّة وغيرها من بلدان الأحزاب لمحاصرة المسلمين والقضاء عليهم.
لكنهم ولله الحمد وجدوا غير ما يتوقعون. علمًا بأن المسلمين شغلوا من الخلف وذلك من قبل اليهود فقد حصل منهم التعرض والتحرش بالنساء والذراري. ولما طال الحصار أخذ اليهود قبحهم الله يرسلون إمدادات للأحزاب.
ذكر ذلك صاحب السيرة الحلبية فقال:
أن دورية مسلحة من الأنصار خرج رجالها ليدفنوا ميتًا لهم فصادفوا قافلة من عشرين بعيرًا محملة تمرًا وشعيرًا وتبنًا. فأخذها المسلمون وخفف الله بها عليهم من ضائقة المجاعة التي كانوا يعانونها١.
مما جعل الهزائم تتوالى على الأحزاب. إلا أنهم زادوا من نشاط خيلهم فكانت الخيول تطوف بأعداد كبيرة كل ليلة حول الخندق حتى الصباح فتخلفها أعداد طول النهار وأصحابها يطمعون في أخذ المسلمين على حين غرة وذلك لأن خالد بن الوليد كان في هذه الغزوة قائدًا
_________________
(١) ١ السيرة الحلبية ٢/١٠٧.
[ ٣٢٣ ]
للفرسان كما كان في غزوة أحد وهو يطمع كما فعل في أحد أن يصيب غرة من المسلمين ولكن هيهات "لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين"١.
وبعد قتل فرسانهم المشهورين في الهجمة الأولى تابعوا التحركات رجاء الانتقام لصناديد الكفر لذلك قال ابن سعد:
فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يومًا ويغدو خالد بن الوليد يومًا ويغدو عمرو بن العاص يومًا ويغدو هبيرة بن أبي وهب الذي نجا من الكرة الأولى يومًا ويغدو ضرار بن الخطاب الفهري يومًا فلا يزالون يجيلون خيلهم يتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ ويقدمون رماتهم فيرمون٢.
قال ابن سعد: "وبعد قتل أصحابهم اتعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبئون أصحابهم وفرقوا كتائبهم ونحوا٣ إلى رسول الله ﷺ كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا من مواضعهم ولا صلى رسول الله ﷺ ولا أصحابه ظهرًا ولا
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب الأدب ٨٣، مسلم في كتاب الزهد ٦٣، وأبو داود في الأدب ٢٩، وابن ماجة في الفتن ١٣، والدارمي في الرقاق ٦٥، وأحمد ٢/١١٥، ٣٧٩. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٦٧. ٣ عند ابن سيد الناس جهزوا.
[ ٣٢٤ ]
عصرًا ولا مغربًا ولا عشاء حتى كشفهم الله فرجعوا متفرقين إلى منازلهم وعسكرهم وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله ﷺ وأقام أسيد بن الحضير١ على الخندق في مائتين من المسلمين وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة من المسلمين فناوشوهم ساعة ومع المشركين وحشي٢ فزرق٣ الطفيلَ بن النعمان من بني سلمة بمزراقه فقتله وانكشفوا وصار رسول الله ﷺ إلى قبته فأمر بلالًا فأذن وأقام الظهر فصلى ثم أقام بعد كل صلاة إقامة إقامة وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من
_________________
(١) ١ أسيد بضم الهمزة هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك الأنصاري الأوسي الأشهلي يكنى أبا يحيى وأسلم أسيد قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير بالمدينة وكان إسلامه بعد العقبة الأولى وقبل الثانية وكان أبو بكر الصديق ﵁ يكرمه ولا يقدم عليه أحد. وقد اختلف في شهوده بدرًا ولكنه شهد أحد وما بعدها توفي ﵁ سنة عشرين في شعبان ودفن بالبقيع. انظر: أسد الغابة ١/٩٢. ٢ وحشي هو قاتل حمزة وهو ابن حرب الحبشي أبو دسمه وهو من سودان مكة وهو مولى لطعيمة بن عدي وقيل مولى جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي وشرك في قتله مسيلمة الكذاب يوم اليمامة وكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام وبعد أن ضاقت عليه الدنيا عندما فتحت مكة جاء إلى رسول الله ﷺ مسلمًا ولكن الرسول قال له بعد أن أسلم وشرح له قصة قتل حمزة. غيب عني وجهك قال ولم ير وجهي حتى قبضه الله، وقد مات وهو مخمور. انظر: أسد الغابة ٥/٨٣- ٨٤. ٣ زرقه رماه والمزراق رمح قصير قاله في القاموس ٣/٢٤٠.
[ ٣٢٥ ]
الصلوات وقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى يعني العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا"١.
وقد نقل ابن العربي٢ خلافًا في الصلاة الوسطى وأي صلاة كانت على الآتي:
١- إنها الظهر قاله زيد بن ثابت.
٢- إنها العصر قاله علي في أحدي روايتيه.
٣- إنها المغرب قاله البراء.
٤- إنها العشاء الآخره.
٥- إنها الصبح قاله ابن عباس وابن عمرو أبو أمامة والرواية الصحيحة عن علي.
٦- إنها الجمعة.
٧- إنها غير معنية.
قال: "وكل قول من هذه الأقوال مستند إلى ما لا يستقل بالدليل.
فأما من قال إنها الظهر فلأنها أول صلاة فرضت.
وأما من قال إنها العصر فتعلق بحديث علي ﵁ شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٦٨- ٦٩. ٢ في أحكام القرآن ١/٢٢٥.
[ ٣٢٦ ]
وأما من قال إنها المغرب فلأنها وتر بين أشفاع.
وأما من قال إنها الصبح فلأنها في وقت متوسط بين الليل والنهار قاله ابن عباس١ ومالك وقال غيرهما هي مشهودة٢ والعصر وإن كانت مثلها فتزيد الصبح عليها بوجهين أحدهما: أنها أثقل الصلوات على المنافقين. والثاني: إن في الموطأ عن عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين".
قال: "وهذا يدل على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر ويعارض حديث علي ﵁ ويبين أن المراد أنها كانت وسطى بين ما فات وبقي".
وأما من قال إنها الجمعة فلأنها تختص بشروط زائدة وهذا يدل على شرفها وفضلها.
وأما من قال إنها غير معينة فلتعارض الأدلة وعدم الترجيح وهذا هو الصحيح٣.
_________________
(١) ١ في الأصل قدم مالك على ابن عباس. ٢ مشهودة من الملائكة وقد قال تعالى عن القرآن ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ . ٣ أحكام القرآن ١/٢٢٥.
[ ٣٢٧ ]
قال: "وهذا هو الصحيح فإن الله خبأها في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان وخبأ الساعة التي في يوم الجمعة وخبأ الكبائر في السيئات ليحافظ الخلق على الصلوات ويقوموا جميع شهر رمضان ويلزموا الذكر في يوم الجمعة كله ويجتنبوا جميع الكبائر والسيئات"١.
أقول: "رحم الله ابن العربي كيف يرجح أن الصلاة الوسطى مبهمة مع صريح الأدلة التي جاءت في الصحيحين وغيرهما وقد صرحت أنها صلاة العصر، ولذلك ذكر الحافظ ابن كثير كل الأقوال في ذلك وتبين من خلال ما نقله أنها صلاة العصر٢
وقد جاء التصريح بأن الصلاة الوسطى هي العصر في هذه الغزوة حيث قال ﷺ شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وقد جاء عند البخاري ما يقوي ذلك حيث قال: حدثنا إسحاق٣ حدثنا روح٤ حدثنا هشام٥ عن محمد٦ عن عبيدة٧ عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "ملأ
_________________
(١) ١ أحكام القرآن ١/٢٢٦. ٢ انظر: تفسير القرآن العظيم ١/٢٩٠- ٢٩١. ٣ إسحاق بن منصور السلولي بفتح المهملة واللامين مولاهم أبو عبد الرحمن صدوق. ٤ روح بن عبادة بن العلاء بن حسان القبس أبو محمد البصري - ثقة -. ٥ هشام بن حسان الأزدي القردوسي بالقاف وضم الدال أبو عبد الله البصري-ثقة-. ٦ محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة البصري ثقة ثبت عابد كبير القدر. ٧ عبيدة بن عمر السلماني تابعي كبير مخضرم ثقة ثبت.
[ ٣٢٨ ]
الله عليهم بيوتهم وقبرهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ١.
وقد أخرج هذا الحديث المصرح بتعيين الصلاة الوسطى كل من: مسلم٢ وأبو داود٣ والترمذي٤ وابن ماجة٥ والدارمي٦ وعبد بن حميد٧ وأحمد٨ ورواه الطبراني٩ عن ابن عباس بلفظ ادخل الله قبورهم نارًا.
وقد أخرجه النسائي١٠ عن عبيدة عن علي به، إلا أنه لم يرد عنده ذكر الأحزاب. وفي هذا الحديث تصريح بأن الذي فات من الصلوات وتأخرت عن وقتها هي صلاة العصر وذلك بدليل قوله: "حتى غابت الشمس" وبدليل الحديث الذي رواه أحمد حيث قال:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٥/٩٢ كتاب المغازي باب غزوة الخندق. ٢ صحيح مسلم ١/٤٣٦ كتاب المساجد باب التغليظ في تفويت صلاة العصر. ٣ سنن أبي داود مع معالم السنن للخطابي ١/٢٨٧ كتاب الصلاة. ٤ سنن الترمذي ٤/٢٨٦ أبواب التفسير سورة البقرة. ٥ سنن ابن ماجة ١/٢٢٤ كتاب الصلاة. ٦ سنن الدارمي ١/١٢٥ كتاب الصلاة. ٧ من المنتخب لعبد بن حميد ١/١٥٥ حديث (٧٧) . ٨ مسند أحمد ١/٧٩، ٨١، ١١٣، ١٢٢، ١٢٦، ١٣٥، ١٣٧، ١٤٦، ١٥٠، ١٥٢، ٤٠٤، ٤٥٦. ٩ المعجم الكبير للطبراني ١٠/٣٦٠. ١٠ سنن النسائي ١/٢٣٦ باب المحافظة على صلاة العصر.
[ ٣٢٩ ]
حدثنا أبو معاوية١ حدثنا الأعمش عن مسلم٢ عن شتير بن شكل٣ عن علي قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا ثم صلاها بين العشائين المغرب والعشاء"٤.
وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية والنسائي٥ من طريق
عيسى بن يونس٦ كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن شتير بن شكل عن حميد عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ مثله٧.
وقد رواه مسلم أيضًا من طريق شعبة بن الحكم٨ بن عتيبة عن
_________________
(١) ١ أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي عمي وهو صغير (ثقة) احفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره. ٢ مسلم بن صبيح بالتصغير الهمداني أبو الضحى الكوفي العطار مشهور بكنيته (ثقة) فاضل. ٣ شتير بمثناة مصغرًا ابن شكل بفتح المعجمة والكاف العبسي بموحدة الكوفي يقال إنه أدرك الجاهلية (ثقة) . ٤ مسند أحمد ١/٧٩. ٥ سنن النسائي ١/٢٣٦. ٦ عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة أخو إسرائيل كوفي نزل الشام مرابطًا (ثقة) مأمون. ٧ صحيح مسلم ١/٤٣٧ كتاب المساجد. ٨ الحكم بن عتيبة أبو محمد الكندي وقد تقدم.
[ ٣٣٠ ]
يحيى الجزار١ عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ مثله٢.
ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به.
قال الترمذي: "ولا يعرف سماعه منه"٣.
قال الإمام ابن كثير: وقال ابن أبي حاتم٤ حدثنا أحمد٥ بن سنان حدثنا عبد الرحمن٦ بن مهدي عن سفيان٧ عن عاصم٨ عن زر٩ قال قلت لعبيدة سل عليًا
_________________
(١) ١ يحي بن الجزار العُرنى بضم المهملة وفتح الراء ثم نون الكوفي. ٢ صحيح مسلم ١/٤٣٧. ٣ أي سماع حسن البصري لا يصح من علي. انظر: تفسير ابن كثير ١/٢٩١. ٤ ابن أبي حاتم تقدم في ص ١١٤. ٥ أحمد بن سنان بن أسد بن حيان بكسر المهملة بعدها موحدة أبو جعفر القطان الواسطي (ثقة) حافظ. التقريب ١٣. ٦ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري (ثقة ثبت) حافظ عارف بالرجال والحديث قال ابن المديني ما رأيت أعلم منه من التاسعة مات سنة ١٩٨ وهو بن ثلاث وسبعين سنة (ع) . التقريب ٢١٠. ٧ سفيان هو الثوري كما في القواعد المفيدة في معرفة أسماء الرجال المذكورين في جامع الإمام البخاري ص ٩ وقد تقدمت ترجمته في ص ٢٤٠. ٨ هو عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري (ثقة) من الرابعة لم يتكلم فيه إلا القطان وكان بسبب دخوله الولاية مات بعد سنة ١٤٠ (ع) التقريب ١٥٩. ٩ زر بكسر أوله وتشديد الراء ابن حبيش بمهملة وموحدة ومعجمة مصغر ابن حباشة بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة: الأسدي الكوفي أبو مريم (ثقة) جليل مخضرم مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة (ع) . التقريب ١٠٦.
[ ٣٣١ ]
عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: "كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارًا" ١.
ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي به٢.
وقال: "حديث يوم الأحزاب وشغل المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ روي عن جماعة من الصحابة وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر" قال٣ وقد رواه مسلم أيضًا من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب رضي الله عنهما٤.
وقد جاء عند البخاري٥ في كتاب الدعوات: عن علي ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ يوم الخندق فقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس وهي صلاة العصر" وقد عقب الحافظ على ذلك قائلًا وقوله في هذه الرواية: "وهي صلاة العصر".
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ١/٢٩١. ٢ جامع البيان ٢/٥٥٨. ٣ أي ابن كثير. ٤ تفسير القرآن العظيم ١/٢٩١. ٥ البخاري مع فتح الباري ١١/١٩٤ كتاب الدعوات باب الدعاء على المشركين.
[ ٣٣٢ ]
جزم الكرماني بأنه مدرج في الخبر من قول بعض رواته:
قال: "وفيه نظر فقد تقدم في الجهاد من رواية عيسى بن يونس، وفي المغازي من رواية روح بن عبادة، وفي التفسير من رواية يزيد بن هارون، ومن رواية يحي بن سعيد كلهم عن هشام كذلك، ولكن بلفظ "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وكذا أخرجه من طريق شتير بن شكل عن علي ومن طريق مرة عن عبد الله بن مسعود مثله سواء وأصرح من ذلك ما أخرجه من حديث حذيفة مرفوعًا "شغلونا عن صلاة العصر" وهو ظاهر في أنه من نفس الحديث١. قال٢ وروى أحمد والترمذي من حديث سمرة رفعه "الصلاة الوسطى صلاة العصر" ومن طريق كهيل٣ بن حرملة سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ وفينا أبو هاشم٤ بن عتبة فقال: "أنا أعلم لكم فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ" ثم خرج إلينا فقال "أخبرنا أنها صلاة العصر". ومن طريق عبد العزيز
_________________
(١) ١ فتح الباري ١١/١٩٥ كتاب الدعوات باب الدعاء على المشركين. ٢ قال ابن حجر. ٣ هو كهيل بن حرملة النميري. الجرح والتعديل ٧/١٧٣. ٤ هو أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي العبشمي قيل اسمه خالد، وقيل مهشم وقيل هشام صحابي من مسلمة الفتح مات في خلافة عثمان (ت س ق) التقريب ٤٣٠، الاستيعاب ٤/٣٣٣.
[ ٣٣٣ ]
بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال أرسلني أبو بكر وعمر أسأله وأنا غلام صغير فقال هي العصر.
ومن حديث أبي مالك١ الأشعري رفعه الصلاة الوسطى صلاة العصر.
قال وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله.
وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال كان في مصحف عائشة: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر"٢.
قال٣: "وروى ابن المنذر من طريق مقسم ٤عن ابن عباس قال "شغل الأحزاب النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غابت الشمس" فقال:
_________________
(١) ١ أبو مالك الأشعري هو الحارث بن الحارث الأشعري الشامي صحابي يكنى أبا مالك تفرد بالرواية عنه أبو سلام وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا. التقريب ٥٩، الاستيعاب ٤/٣٠٨. ٢ فتح الباري ٨/١٩٥ وفيه رد على ابن العربي حيث ذكر فيما تقدم أن في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. ٣ قال أي الحافظ ابن حجر. ٤ مقسم هو مولى ابن عباس وهو صدوق وقد تقدم.
[ ٣٣٤ ]
"شغلونا عن الصلاة الوسطى" ثم ساق الاختلاف حول الصلاة الوسطى ثم قال: "وشبهة من قال أنها الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه". قال الترمذي: "هو قول أكثر علماء الصحابة". وقال الماوردي: "هو قول جمهور التابعين".
وقال ابن عبد البر: "هو قول أكثر أهل الأثر".
وبه قال من المالكية ابن حبيب١ وابن العربي وابن عطية٢، ويؤيده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب: "نزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" فقرأناها ما شاء الله ثم نسخت فنزلت "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فقال رجل فهي إذن صلاة العصر فقال "أخبرتك كيف نزلت"٣.
_________________
(١) ١ هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي العباسي الأندلسي القرطبي المالكي (أبو مروان) الفقيه المشهور صدوق ضعيف الحفظ كثير الغلط من كبار العاشرة مات سنة ٢٣٩. التقريب ٢١٨. ٢ ابن عطية هو عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي أبو محمد ت سنة ٥٤٦هـ. وذلك في كتابة المحرر الوجيز ٢/٢٣٥. وانظر ترجمته في السير ١٩/٥٨٧. ٣ فتح الباري ٨/١٩٦.
[ ٣٣٥ ]
وهذه الأحاديث على اختلاف طرقها وكثرتها جاءت خاصة بصلاة العصر وأنها هي الوسطى وقد استطرد في ذلك ابن جرير١ عند تفسير آية المحافظة على الصلوات.
كما أنه ورد عند البخاري حديث آخر عن عمر مشابه لحديث علي ومصرح بأن الذي فاتهم من الصلوات هي العصر حيث قال ﵀:
حدثنا معاذ بن فضالة٢ قال حدثنا هشام٣ عن يحي عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر ابن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش فقال: "يارسول الله ما كدت اصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب" قال النبي: "والله ما صلينا فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب"٤.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢/٥٥٣- ٥٧٢. ٢ معاذ بن فضالة الزهراني أو الطفاوي أبو زيد البصري - ثقة - من العاشرة وهو من كبار شيوخ البخاري مات سنة ٢١٠ روى له البخاري. التقريب ٣٤٠. ٣ هشام بن أبي عبد الله سنبر بمهملة ثم نون ثم موحدة أبو بكر البصري الدستوائي بفتح الدال وسكون سين مهملتين وفتح المثناة ثم مد - ثقة ثبت - وقد رمي بالقدر. التقريب ٣٦٤. ٤ صحيح البخاري ٥/٩٢ كتاب المغازي.
[ ٣٣٦ ]
وقد أورده البخاري على عادته في عدة أماكن١ كما رواه مسلم٢ والترمذي٣ والنسائي٤ قال الحافظ:
وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي: "أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله"٥.
أما النسائي فلم يصرح بأن ذلك كان يوم الخندق٦.
أما الترمذي فقد روى حديث ابن مسعود الذي ذكره الحافظ إلا أن فيه أن المشركين شغلوا النبي ﷺ وأصحابه عن أربع صلوات وهذا نصه:
قال الترمذي ﵀:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٢/٦٨ كتاب المواقيت، ٢/٧٢، ٢/١٢٣ كتاب الأذان، ٢/٤٣٤ كتاب الخوف. ٢ صحيح مسلم ١/٣٤٨ كتاب المساجد. ٣ سنن الترمذي ١/١١٦. ٤ سنن النسائي ١/٢٩٧. ٥ فتح الباري ٢/٦٩. ٦ سنن النسائي ١/٢٩٧.
[ ٣٣٧ ]
حدثنا هناد١ حدثنا هشيم٢ عن أبي الزبير٣ عن نافع٤ بن جبير بن مطعم عن أبي عبيدة٥ بن عبد الله بن مسعود قال: قال عبد الله بن مسعود: "إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء".
قال الترمذي وفي الباب عن أبي سعيد وجابر.
قال أبو عيسى: "حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله" قال وهو الذي اختاره بعض أهل العلم في الفوائت أن
_________________
(١) ١ هناد بن السرى بتشديد النون بعدها ألف وكسر الراء الخفيفة ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي (ثقة) . التقريب ٣٦٥. ٢ هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي خازم بمعجمتين الواسطى (ثقة ثبت) كثير التدليس والإرسال الخفي. التقريب ٣٦٥. ٣ هو محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي (صدوق) إلا أنه يدلس. التقريب ٣١٨. ٤ نافع بن جبير بن مطعم النوفلي أبو محمد أو أبو عبد الله المدني (ثقة فاضل) . التقريب ٣٥٥. ٥ أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفي (ثقة) من كبار الثالثة والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه مات سنة ثمانين. التقريب ٤١٦.
[ ٣٣٨ ]
يقيم الرجل لكل صلاة إذا قضاها وإن لم يقم أجزأه وهو قول الشافعي١.
وبذلك قال ابن عبد البر فقد بين أن الذي فاتهم يوم الأحزاب إنما هي أربع صلوات قال أبو عمر بعد أن ساق اختلاف الأئمة حول قضاء الفوائت هل يؤذن ويقيم لكل صلاة أم يقيم فقط أم لا يؤذن ولا يقيمالخ.
وقال: روى هذا الخبر عن النبي ﷺ أبو سعيد الخدري وابن مسعود٢ أما حديث ابن مسعود فقد رواه الترمذي وقد تقدم وبين الترمذي هناك أنه لا بأس به، وقال: "إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود وقد أكد ذلك الحافظ"٣.
أما حديث أبي سعيد الخدري فقد رواه أحمد بسند رجاله ثقات وقد أثبته ابن عبد البر وكلا الطريقين٤ عن ابن أبي ذئب٥ عن المقبري٦
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ١/١١٥ باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ. ٢ التمهيد ٥/٢٣٤- ٢٣٧. ٣ التقريب ٤١٦. ٤ أي الطريق التي رواه بها أحمد والطريق التي أخرجه بها ابن عبد البر. ٥ هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري الحارث المدني (ثقة فاضل) . التقريب ٣٠٨. ٦ هو سعيد بن أبي سعيد بن كيسان المقبري أبو سعد المدني ثقة من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة مات في حدود العشرين وقيل قبلها وقيل بعدها. التقريب ١٢٢.
[ ٣٣٩ ]
عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري وفيه أن رسول الله ﷺ دعا بلالًا فأقام فصلى الظهر ثم أقام العصر ثم أقام المغرب ثم أقام العشاء وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ ١.
وقد اختلف العلماء في ذلك على ما يلي:
١- مالك والشافعي والأوزاعي وأصحابهم قالوا فيمن فاتته صلاة أو صلوات حتى خرج وقتها أنه يقيم لكل واحدة إقامة ولا يؤذن.
٢- الثوري قال ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة.
٣- أبو حنيفة وأصحابه قالوا: "من فاتته صلاة واحدة صلاها بأذان وإقامة فإن لم يفعل فصلاته تامة".
٤- قال محمد بن الحسن إذا فاتته صلوات فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي ﷺ يوم الخندق فحسن وإن أذن وأقام لكل صلاة فحسن ولم يذكر خلافًا.
٥- أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود بن علي قالوا يؤذن ويقيم لكل صلاة فاتته على ما روي عن النبي ﷺ إذ نام عن الصلاة وهذا هو الراجح ثم عقب قائلًا:
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/٤٩.
[ ٣٤٠ ]
حجة من قال إنه يقيم لكل صلاة فاتته ولا يؤذن لها أن رسول الله ﷺ حبس يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل ثم أقام لكل صلاة ولم يؤذن. وروى هذا الخبر عن النبي ﷺ أبو سعيد الخدري وابن مسعود وقد تقدم١.
ثم أورد٢ حديث ابن مسعود كما ورد عند الترمذي بنفس السند إلا أنه قال هكذا قال هشيم في هذا الحديث فأذن ثم أقام فصلى الظهر فذكر الأذان للظهر وحدها قال: "وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة٣ عن هشيم سواء. وخالفه هشام الدستوائي" فقال "فيه فأمر بلالًا فأقام فصلى الظهر ولم يذكر أذانًا للظهر ولا لغيرها".
ثم ذكر ﵀ سندًا آخر له ولكنه عن أبي عبيدة وقد ثبت أنه لم يسمع من أبيه وفيه فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأقام فصلى الظهر وفي آخره ثم طاف علينا فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم"٤ إلا أنه لم يصرح عند أحمد بأن ذلك كان يوم الخندق وعلى كل حال وعلى ضوء ما تقدم فالحديث منقطع.
_________________
(١) ١ التمهيد ٥/٢٣٤- ٢٣٧. ٢ أي ابن عبد البر. ٣ المصنف ٢/٧٠. ٤ مسند أحمد ١/٤٢٣.
[ ٣٤١ ]
أقول: "وفي هذا دليل على أن الذي فاتهم من الصلوات أربع وهذا لا ينطبق على العشاء لأن وقتها ممتد قال الحافظ١: "لأن العشاء لم تكن فاتت".
قال: قال اليعمري٢: "من الناس من رجح ما في الصحيحين وصرح بذلك ابن العربي" فقال: "إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها رسول الله ﷺ واحدة هي العصر" قلت: "ويؤيده حديث علي في مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" قال: "ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام".
قال وهذا أولى. قلت٣: "ويقربه روايتي أبي سعيد وابن مسعود وليس فيهما تعرض لقصة عمر بل فيهما أن قضاءه وقع بعد خروج وقت المغرب٤. وهذا أولى بمعنى أنه إذا لم نرجح ما في الصحيحين فالمصير إلى الجمع أفضل خروجًا من المعارضة".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٢/٦٩. ٢ هو ابن سيد الناس وقد تقدم. ٣ أي الحافظ ابن حجر. ٤ فتح الباري ٢/٧٠.
[ ٣٤٢ ]
قال الحافظ١: "وقد اختلف في سبب تأخير النبي ﷺ الصلاة ذلك اليوم؟. فقيل كان ذلك نسيانًا واستبعد أن يقع ذلك من الجميع ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة٢ أن رسول الله ﷺ صلى المغرب فلما سلم قال: "هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ قالوا لا يارسول الله فصلى العصر ثم صلى المغرب": قال: "وفي صحة هذا الحديث نظر لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله ﷺ لعمر "والله ما صليتها". ويمكن الجمع بينهما بتكلف.
وقيل كان عمدًا لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب لاسيما وقد وقع عند أحمد٣ والنسائي٤ من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فرجالًا أو ركبانا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٢/٦٩. ٢ أبو جمعة الأنصاري أو الكناني اسمه حبيب بن سباع ويقال جنبذ بضم الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة ابن سباع صحابي سكن الشام ثم مصر مات بعد السبعين. التقريب ٣٩٩، الاستيعاب ٤/١٨٧. ٣ مسند أحمد ٣/٤٩. ٤ سنن النسائي ٢/١٧. ٥ سورة البقرة جزء من آية ٢٣٩.
[ ٣٤٣ ]
وكونهم تركوها عمدًا هو الأقرب كما ذكر ذلك الحافظ لأنهم شغلوه ﷺ فلم يمكنوه من ذلك لأنه قد بلغ الضيق والجهد والكرب والخوف بهذه الصفوة المباركة شأوا بعيدًا إلى درجة أنهم في تلك اللحظات الأخيرة من محنة الغزو المرعب جاءوا إلى النبي ﷺ وأفصحوا له بصراحة عما يعانونه من شدة الخوف والضيق والكرب فقالوا له يارسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله قال نعم قولوا: "اللهم أستر عوراتنا وآمن روعاتنا". وهذا الحديث رواه أحمد١ وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبي عامر وقد حسنه الألباني٢.
وخلاصة القول أن فوات الصلاة أو الصلوات عليهم في تلك الأيام كانت قبل نزول الأمر بصلاة الخوف وقد صرح بذلك الحافظ٣ وغير واحد. وأن نزولها كان في غزوة ذات الرقاع٤.
وقد نقل الحافظ الاختلاف فيها وأثبت أنها بعد الخندق كما ذكر
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/٣. ٢ حاشية فقه السيرة للغزالي ٢٢٩. ٣ فتح الباري ٧/٤٢١- ٤٢٤. ٤ غزوة ذات الرقاع ذكرها ابن سعد قبل الخندق ولكن الراجح ما رجحه البخاري وبعده الحافظ وصاحب أضواء البيان.
[ ٣٤٤ ]
ذلك ابن عبد البر١ ورجح ذلك الشنقيطي٢ حيث قال: "واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بان غزوة ذات الرقاع قبل خيبر" قال: "والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي ﷺ حين خيبر مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع".
وقد قال البخاري ﵀: "باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلًا وهي بعد خيبر لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر ثم قال ﵀: بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد الخندق".
_________________
(١) ١ التمهيد ٥/٢٣٤. ٢ أضواء البيان ١/٣١٠- ٣١٢.
[ ٣٤٥ ]
الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة
كان سعد بن معاذ -﵁- من السابقين الأولين لاعتناق هذا الدين الحنيف بل أنه بإسلامه أسلم قومه بني عبد الأشهل وقد أسلم -﵁- على يد أول سفير أرسله رسول الله ﷺ إلى المدينة كان ذلك على يد مصعب بن عمير -﵁ وأرضاه-.
وقد شهد سعد رضي الله تعالى عنه بدرًا وكان له الموقف المشجع والشهير والذي حمده عليه رسول الله ﷺ. حيث قال للرسول ﷺ بعد كلام جميل فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا أنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله. قال فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه١.
وقال ابن الأثير: "ومقاماته في الإسلام مشهورة وكبيرة ولو لم يكن له إلا يوم بدر لكفى"٢. أما دوره في هذه الغزوة فهو عظيم حيث أنه ﵁
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٣/٢٦٢. ٢ أسد الغابة ٢/٢٩٨- ٢٩٩.
[ ٣٤٩ ]
جاهد في الله حق جهاده حتى ضحى في النهاية بنفسه في سبيل الله وفي سبيل إعلاء دينه حيث مات شهيدًا من آثار رمية رماه بها أحد المشركين أيام غزوة الأحزاب، وسلم نفسه ﵁ لله راضيًا مرضيًا.
بعد أن حكم في بني قريظة حيث كانت مشاعر التغيظ في أفئدة المسلمين نحوهم قد بلغت ذروتها. وعن مشاركته في الخندق يقول ابن إسحاق:
وحدثني أبو ليلي عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة١ أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة٢ قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد٣ بها ويقول:
_________________
(١) ١ أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري المدني ويقال اسمه عبد الله - ثقة - من الرابعة. قال البخاري عبد الله بن سهل سمع من عائشة. التقريب ٤٢٤، تهذيب التهذيب ١٢/٢١٥. ٢ مقلصة: "قصيرة قد ارتفعت يقال تقلص الشيء إذا ارتفع وانقبض. مختار الصحاح ٥٤٨، النهاية في غريب الحديث ٤/١٠٠ حيث قال ومنه حديث عائشة أنها رأت على سعد درعًا مقلصة. أي مجتمعة منضمة. ٣ هكذا في سيرة ابن هشام ٢/٢٢٦ ثم قال الشراح في الهامش: "يرقد يسرع وفي سائر الأصول: "يرقل: "والظاهر أنها كما في الأصل: "يرقد - قال في القاموس المحيط أثناء شرحه لكلمة (الرقد) والأرقداد الأسراع. وهو مصدر. انظر القاموس ١/٢٩٥. وكما قال السهيلي أن يرقد بمعنى يسرع - الروض الأنف ٣/٢٨٠ ويمكن أن تكون (يرقل) إلا أنها بعيدة بناء على ما ذكره صاحب القاموس حيث قال في ٣/٣٨٦ في كلمة الرقلة وأرقل أسرع: "على وزن أفعل. ويمكن أن تكون (يرفل) بالفاء المعجمة الموحدة بناء على ما ذكره صاحب القاموس حيث قال في ٣/٣٨٦ في كلمة - رفل - وأرفل جر ذيله وتبختر أو خطر بيده. وقد جاء في غزوة أحد أن أباد جانة كما قال ابن إسحاق كان رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب وأنه خرج عصابة حمراء فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين فلما رآه ﷺ قال أنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. انظر البداية والنهاية ٤/١٥ والله أعلم.
[ ٣٥٠ ]
"لبث قليلًا يشهد الهيجاء حمل١ لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت أمه٢ إلحق بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ٣ مما هي عليه قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل٤
_________________
(١) ١ ورد في بعض الأصول (جمل) بالجيم المعجمة ويبدو أنه تصحيف والحق أنه حمل بن سعد بن حارثة بن معقل بن عليم بن جناب الكلبي. انظر: "الروض الأنف للسهيلي ٣/٢٨٠، فقه السيرة للغزالي هامش صفحة ٣٢٧. ٢ اسمها كبشة بنت رافع وهذا يدل على تضحيتها وفدائها حيث تحث ابنها على الإسراع إلى الجهاد في سبيل الله. وانظر ترجمتها في الاستيعاب ٤/٤٦٠. ٣ أسبغ: "أكمل وأطول. ٤ الأكحل عرق في الذراع ويسمى عرق الحياة وهو في وسط الذراع ويقال أن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النساء إذا قطع لم يرقأ الدم. انظر النهاية في غريب الحديث ٤/١٥٤، فتح الباري ٧/٤١٣.
[ ٣٥١ ]
رماه كما حدثني عاصم بن قتادة١ حبان٢ بن قيس بن العرقة٣ أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال له سعد: "عرق الله وجهك في النار٤ اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله٥ لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة"٦. والحديث حسن على ضوء هذا السند.
وقد أورده الهيثمي بسياق أطول مما هنا وفيه تفسير لبعض الغريب وهذا نصه: "وعن عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس فسمعت وئيد الأرض من ورائي يعني حس الأرض قالت فإذا أنا بسعد
_________________
(١) ١ قد تقدمت ترجمته. ٢ قال السهيلي في الروض ٣/٢٨٠ والذي رمى سعدًا هو حبان بن قيس وقد قيل في الذي رماه غير ذلك وسيأتي. ٣ العرقة اسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم سميت العرقة لطيب ريحها وهي جدة خديجة أم أمها هالة وتكنى أم فاطمة. الروض الأنف ٣/٢٨٠. ٤ وفي مكان آخر أن قائل هذا الدعاء هو النبي ﷺ. ٥ الضمير يرجع إلى الجرح الذي حصل له من الرمية التي رمي بها ﵁. ٦ السيرة النبوية ٢/٢٢٧.
[ ٣٥٢ ]
بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه١ قالت فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد قالت وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم قالت فمر وهو يرتجز٢.
قالت: "فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له تعني المغفر فقال عمر ما جاء بك لعمري إنك لجريئة وما يؤمنك ألا يكون تحوز٣ قالت فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قال٤ فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله فقال ويحك يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز والفرار إلا إلى الله تعالى قالت ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له
_________________
(١) ١ المجن: "هو الترس لأنه يواري حامله أي يستره والميم زائدة. النهاية في غريب الحديث ١/٣٠٨. ٢ قولها يرتجز إشارة إلى البيت الذي قاله وثبت عند ابن إسحاق وهو: "لبث قليلًا يشهد الهيجا حمل. ٣ ذكر ابن الأثير في مادة (حوز) ومعناه التنحي إلى مكان آمن كما في قوله تعالى: " ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ النهاية لابن الأثير بتصرف ١/٤٥٩. ٤ احسب أن بدل قال قلت حتى تعود لعائشة كسابقه.
[ ٣٥٣ ]
خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فيخرجوا من صياصيهم١. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر بقبة من أدم٢ فضربت على سعد في المسجد"٣. أ. هـ. من حديث طويل ذكر فيه بني قريظة أيضًا.
وقد خرج حديث عائشة هذا الطبري٤ كما ذكره ابن كثير٥ وغيره من المؤرخين. قال الهيثمي قلت: "في الصحيح بعضه٦ ثم قال: "رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات".
وهو من زوائد عبد الله بن أحمد وهذا نصه:
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن نمير ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن
_________________
(١) ١ صياصيهم: "حصونهم. ٢ من أدم أي من جلد وقد جاء أنها خيمة رفيدة الأسلمية لأنها كانت تداوى فيها الجرحى. انظر: "البداية والنهاية ٤/١٢١. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٣٧. ٤ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٩- ٥٠. ٥ البداية والنهاية ٤/١٠٨. ٦ مجمع الزوائد ٦/١٣٨.
[ ٣٥٤ ]
العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب" ١. والحديث بهذا السند يعتبر صحيحًا والله أعلم.
قلت: "وذكره الألباني في الصحيحة٢ وعزاه إلى من تقدم ذكرهم".
وقال الحاكم: "سعد يكنى أبا عمرو وكان لواء الأوس معه يوم الخندق فرمي في أكحله بسهم فقطعه ونزف وذلك في سنة خمس من الهجرة" أ. هـ. ٣
وقال ابن الأثير: "ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله رماه حبان بن قيس بن العرقة وساق الكلام بمثل ما جاء في حديث عائشة المتقدم٤. كما ذكر ذلك البيهقي عن ابن إسحاق٥.
قال المقريزي في سياقه لحديث الخندق: "قال محمد بن مسلمة وغيره كان ليلنا بالخندق نهارًا وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه.. إلى أن قال:
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٦/٥٦، ١٤١ وهو في الأخيرة أتم. ٢ ١/١٠٣. ٣ المستدرك ٣/٢٠٥. ٤ الكامل ٢/١٢٤- ١٢٥. ٥ الدلائل ٣/٤٤١.
[ ٣٥٥ ]
"حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفًا شديدًا وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم وهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي في آخرين١ فتناوشوا يومًا بالنبل ساعة وهم جميعًا في وجه واحد وجاه قبة رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ قائم بسلاحه على فرسه فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله وقال خذها وأنا ابن العرقة فقال ﷺ عرق الله وجهه في النار ويقال بل رماه أبو أسامة الجشمي" أ. هـ. ٢
قال ابن الأثير: "وقيل إن الذي رمى سعدًا هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم"٣. قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: "ما أصاب سعدًا يومئذ بالسهم إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وقال في ذلك شعرًا ذكره ابن إسحاق حيث" قال: "وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرًا لعكرمة بن أبي جهل:
_________________
(١) ١ وقيل كان ثالثهم وحشي قاتل حمزة ﵁ في غزوة أحد. ٢ إمتاع الأسماع ١/٢٣٢. ٣ الكامل ٢/١٢٥.
[ ٣٥٦ ]
أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدًا مرشة لها بين أثناء المرافق عاند١
قضى نحبه منها سعيد فاعولت عليه مع الشمط العذاري النواهد٢
وكان قد قال ابن إسحاق: "رماه كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس بن العرقةالخ"٣. وبهذا القول قال الطبري٤.
أما ابن هشام فقد قال: "ويقال إن الذي رمى سعدًا: "خفاجة بن عاصم بن حبان٥. وعلى كل حال فالله أعلم أي ذلك كان فبالنسبة للقولين الذين ذكرهما ابن إسحاق فهما منقطعان والذين روى عنهما ابن إسحاق كلاهما ثقة إلا أنهما متأخران. فأحدهما من الطبقة الثالثة وهو عبيد الله بن كعب والثاني من الطبقة الرابعة وهو عاصم بن عمر بن قتادة".
_________________
(١) ١ العاند: "العرق الذي لا ينقطع منه الدم. ٢ النحب: "الموت وأعولت بكت بصوت مرتفع والشمط جمع شمطاء وهي التي خالط شعرها الشيب والعذارى الأبكار والنواهد جمع ناهد وهي التي ظهر نهدها". السيرة النبوية ٢/٢٢٧. ٣ انظر: "السيرة النبوية ٢/٢٢٧. ٤ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٩. ٥ السيرة النبوية ٢/٢٢٨.
[ ٣٥٧ ]
أما رأي ابن هشام فقد ورد بصيغة التمريض فهو متنف وبعيد. والراجح مع القائلين بأنه - حبان بن العرقة - لكثرتهم أما من قال أنه أبو أسامة الجشمي فلعله شارك إلا أنه ينتفي لتحديدهم الرمية في الأكحل.
قال ابن الأثير: "فلما قال سعد ما قال انقطع الدم وقد أعطاه الله ما طلب فاندمل جرحه واستمر يجاهد مع رسول الله ﷺ في تلك الغزوة"١.
قال ابن كثير: "وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك. فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذرايهم حتى أن الرسول ﷺ قال له لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة" ٢.
هذا جانب من جهاد سعد بن معاذ ﵁ وهو جانب مشرق حقًا يدل لذلك دعاءه عندما أصيب في أكحله وقد روى البخاري حديثًا اشتمل على بعض ما تقدم وفيه زيادة حسنة وهذا نصه: "قال البخاري ﵀:
_________________
(١) ١ الكامل ٢/١٢٥. ٢ البداية والنهاية ٤/١٠٨.
[ ٣٥٨ ]
"حدثنا زكريا بن يحي١ حدثنا عبد الله بن نمير٢ حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار" فقال: "قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم قال النبي ﷺ فأين: "فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد قال فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم". قال هشام: "فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: "اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب
_________________
(١) ١ زكريا بن يحي بن زكريا بن أبي زائدة الوادعي أبو زائدة الكوفي صدوق من الحادية عشرة روى له (خ) التقريب ١٠٨. ٢ عبد الله بن نمير بنون مصغرًا همداني أبو هشام الكوفي - ثقة صاحب حديث- من أهل السنة من كبار التاسعة مات سنة ١٩٩هـ. التقريب ١٩٢.
[ ٣٥٩ ]
فأفجرها واجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته١ فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم". فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو٢ جرحه دمًا فمات منها ﵁". أ. هـ. ٣
ورواه أحمد بأخصر من هذا٤ عن ابن نمير وتقدم في أول هذا المبحث: "وقد ساق الترمذي حديثًا يبين معاناة سعد من ذلك الجرح ولما دعا الله استمسك حتى أقر الله عينه في بني قريظة ووفى له ما طلب مات ﵁.
قال أبو عيسى ﵀:
_________________
(١) ١ انفجرت من لبته: "اللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة هي موضع القلادة من الصدر وهو مشكل حيث أنه الأكحل بعيد عن لبته إلا أن الحافظ بين ذلك حيث قال: "وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل إلى صدره فأنفجر من ثم. انظر: "الفتح ٧/٤١٥ وعن سبب الانفجار قال الحافظ بين سبب ذلك في مرسل حميد بن هلال عند ابن سعد ولفظه: "أنه مرت به عنز وهو مضطجع فأصاب ظلفها الجرح فانفجر حتى مات". انظر: فتح الباري ٧/٤١٥. ٢ يغذو بغين وذال معجمتين أي يسيل. ٣ صحيح البخاري ٥/٥١، فتح الباري ٧/٤١١- ٤١٥. ٤ مسند الإمام أحمد ٦/٥٦.
[ ٣٦٠ ]
"حدثنا قتيبة حدثنا الليث١ عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله أو أبجله٢ فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فتركه فنزفه٣ الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: "اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه فحكم أن يقتل رجالهم وتستحي نساؤهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله أصبت حكم الله فيهم، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات"٤. ورواه مسلم٥ بأخصر من هذا وفيه فحسمه رسول الله ﷺ بمشقص٦ وفيه بدل انتفخت ورمت ورواه أحمد٧ والدارمي٨ وقد
_________________
(١) ١ هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري - ثقة ثبت - فقيه إمام مشهور من السابعة مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. التقريب ١٨٧. ٢ شك من الراوي وكلاهما يصح فالأكحل تقدم بيانه والأبجل قال فيه صاحب القاموس هو عرق غليظ في الرجل وفي اليد بإزاء الأكحل. القاموس ٣/٣٣٢. ٣ النزف: "هو السيلان بكثرة. ٤ سنن الترمذي ٣/٧١، ٧٢ وقال هذا حديث حسن صحيح. ٥ صحيح مسلم ٤/١٧٣١ كتاب السلام. ٦ المشقص: "هو حديد طويل غير عريض كنصب السهم. انظر: "القاموس ٢/٣٠٦. ٧ مسند الإمام أحمد ٣/٣١٢، ٣٥٠، ٣٨٦. ٨ سنن الدارمي ٢/١٥٦.
[ ٣٦١ ]
أورده ابن كثير١ بهذا اللفظ وعزاه للإمام أحمد.
فضله ﵁:
كان ﵁ في أثناء حياته ملازمًا لرسول الله ﷺ لم يخرج إلى غزوة إلا خرج سعد معه فنجده في الغزوات المشهورة والعظيمة مثل بدر وما قام به من دور فيها مشهور وفي غزوة أحد كان له دوره المشرف وجاءت غزوة الخندق حيث أراد الله له الحسنى فضرب أروع الأمثلة.
وحتى بعد أن رمي في أكحله استمر مجاهدًا في سبيل الله حتى حقق الله ما طلب وشفى قلبه من اليهود الذين خذلوا دين الله وخذلوا رسوله في وقت عصيب ولكن الله ﷾ رد كيدهم في نحورهم، وحكم فيهم سعد ﵁ فأخذوا وقتلوا تقتيلًا على مرأى ومسمع من المسلمين وذلك انتقام من الله جزاء بعض ما فعلوه.
عقب ذلك كله مات ﵁ راضيًا مرضيًا. ويظهر فضله ويبرز للعيان بعد موته ونعمت النهاية التي جاهد في حياته لنيلها يتمثل ذلك في اهتزاز العرش لموته روى الإمام مسلم ﵀ حيث قال:
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٢٠، التفسير ٤/٤٧٨.
[ ٣٦٢ ]
حدثنا عبد بن حميد١ أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج٢ أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "إهتز لها عرش الرحمن" الحديث٣.
كما رواه البخاري٤ والترمذي٥ والنسائي٦ ولفظه " تحرك له العرش" - ولم يذكر فيه سعد - وابن ماجه٧ وأحمد٨.
ما قاله العلماء حول تفسير هذا الحديث:
قال النووي: "وقد اختلف العلماء في تأويله. فقالت طائفة هو على ظاهره واهتزاز العرش تحركه فرحًا بقدوم سعد وجعل الله في العرش تمييزًا
_________________
(١) ١ عبد بغير إضافة ابن حميد بن نصر أبو محمد - ثقة حافظ ت ٢٤٩هـ. التقريب ٢١٩. ٢ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي - ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل. التقريب ٢١٩. ٣ صحيح مسلم ٤/١٩١٥ كتاب فضائل الصحابة. ٤ صحيح البخاري مناقب الأنصار ١٢، الفتح ٧/١٢٢. ٥ سنن الترمذي ٥/٣٥٣ المناقب. ٦ سنن النسائي ٤/١٠١. ٧ سنن ابن ماجه المقدمة ١/٥٦. ٨ مسند أحمد ٣/٢٤، ٢٣٤، ٤/٤٥٢، ٦/٣٢٩، ٤٥٦.
[ ٣٦٣ ]
حصل به هذا ولا مانع منه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١الآية. وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار".
وقال آخرون المراد اهتزاز العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة فحذف المضاف والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول ومنه قول العرب فلان يهتز للمكارم لا يريدون اضطراب جسمه وحركته وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها٢.
وكانت هذه المنقبة العظيمة له عند موته.
كما أن منزلته ﵁ في الجنة عظيمة وذلك لما قدمه من تضحيات وفداء في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته ونصر دينه فوفاه الله ما وعده لذلك قال البخاري ﵀: "حدثنا مسدد٣ حدثنا يحي بن سعيد٤ عن سفيان٥ قال حدثني أبو إسحاق٦ قال سمعت البراء بن
_________________
(١) ١ سورة البقرة جزء من الآية ٧٤. ٢ صحيح مسلم وشرحه للنووي ٤/١٩١٥. ٣ مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبو الحسن - ثقة - حافظ من العاشرة ت سنة ثمان وعشرين بعد المائتين ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقبه. التقريب ٣٣٤. ٤ يحي بن سعيد هو القطان وهو ثقة وقد تقدم. ٥ سفيان هو الثوري وقد تقدم. ٦أبو إسحاق هو السبيعي ثقة وقد تقدم.
[ ٣٦٤ ]
عازب ﵄ قال أُتَي رسول الله ﷺ بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه فقال رسول الله ﷺ: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا؟ " ١.
كما رواه مسلم٢ والترمذي٣ والنسائي٤ وابن ماجه٥ والإمام أحمد٦. هذا جانب من دوره ﵁ في سبيل نصر هذا الدين حتى إنه وفي آخر أيامه وبعد إصابته في أكحله صبر وصابر واحتسب وهانت نفسه في سبيل الله ودعا بدعائه المشهور وأبقاه الله حتى نفذ حكم الله في أعداء الله وأعداء رسوله وما مات حتى قرت عينه ورضي قلبه من أولئك اليهود الذين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
أما حكمه ﵁ في بني قريظة فكان قويًا ومؤثرًا وقاطعًا لدابر أي محاولة أخرى من قبل اليهود حيث صدر الحكم ممن يرجون
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب ص ١٢، بدء الخلق ب ٨، والفتح ٦/٣١٩. ٢ صحيح مسلم ٤/١٩١٦ فضائل الصحابة. ٣ سنن الترمذي ٣/١٣٣، ٥/٣٥٢. ٤ سنن النسائي ٨/١٩٩. ٥ سنن ابن ماجه ١/٥٥- ٥٦. ٦ مسند الإمام أحمد ٣/١١١، ١٢٢، ٢٠٧.
[ ٣٦٥ ]
ويأملون منه المساعدة وهذه حكمة الله حيث أهلكهم بحكم سعد ﵁ وكانوا حلفاؤه ومواليه ولكنه ﵁ أطلق كلمته المشهورة "قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم"١.
قال ابن سعد: "وبعد أن حكم فيهم مرت عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات"٢قال ابن إسحاق وقالت أمه حين احتمل سعد على نعشه تندبه:
ويل أم سعد سعدا صرامة وجدا
وسؤددًا ومجدا وفارسًا معدا
سدبه مسدا يقدها ما قدا٣
قال ابن كثير: "وكانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة ثم استطرد مبينًا حديث عائشة ﵂ حيث قالت: "ثم دعا سعد فقال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال فانفجر
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٢٤. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٧٨، فتح الباري ٧/٤١٥. ٣ يقدها يقطعها. انظر: "السيرة النبوية ٢/٢٥٢.
[ ٣٦٦ ]
كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ" قالت عائشة: "فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر" قالت: "فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وانا في حجرتي وكانوا كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١. قال علقمة فقلت يا أمه فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما آخذ بلحيته٢. قال ابن كثير وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة.
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية الأخيرة. ٢ البداية والنهاية ٤/١٢٤، الصحيحة للألباني ١/١٠٥.
[ ٣٦٧ ]
الفصل الرابع: دور نعيم بن مسعود الأشجعي في هذه الغزوة
إن دور نعيم –﵁- في هذه الغزوة عظيم. خاصة إذا عرفنا أنه في أول أيام دخوله في الإسلام. وقد اشتهر هذا الدور عند المؤرخين.
بيد أني رغم ذلك لم أجد سندًا يؤكده ويؤيده، ولكنه مستفيض عند المؤرخين وقد كان دوره حاسمًا في القضية حيث شتت الله شملهم، وفرق جمعهم، وأرسل الله عليهم الريح، وجنودًا من عنده – وكان السبب في زعزعة الأحزاب هو نعيم بعد الله ﷿-.
قال ابن إسحاق عن هذا الدور: "ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن منقذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري الجهاد ١٥٧، المناقب ٢٥، الإستبانة٦، وأخرجه مسلم في الجهاد ١٨، ١٩، الزكاة ١٥٣، وأبو داود في الجهاد ٩٢، والسنة ٢٨، كما أخرجه الترمذي في الجهاد ٥، وابن ماجه في الجهاد ٢٨، وأخرجه أحمد في مسنده ١/٨١، ٩٠، ١١٣، ١٢٦، ١٣١، ١٣٤، ٢/٣١٢، ٣١٤، ٣/٢٢٤، ٢٩٧، ٣٠٨، ٦/٣٨٢، ٤٥٩، انظر: فتح الباري ٦/١٥٧- ١٥٨ حيث قال الحافظ ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي ﷺ الحرب خدعه في غزوة الخندق. وانظر: فتح الباري ٦/٦١٨ كتاب المناقب، ١٢/٢٨٣.
[ ٣٧١ ]
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية؛ فقال يا بني قريظة قد عرفتم وُدِّي إياكم وخاصةَ ما بيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشًا وغطفانَ ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره.
وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره. فليسوا كأنتم.
فإن رأوا نهزة١ أصابوها؛ وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه. فقالوا له لقد أشرت بالرأي.
قال٢: "ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن
_________________
(١) ١ النهزة اختلاس الشيء بسرعة والأصل - فرصة. ٢ أي ابن إسحاق.
[ ٣٧٢ ]
معه من رجال قريش قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقًا أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموا عني، فقالوا نفعل قال تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلًا واحدًا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، فقالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني قالوا نفعل فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم"١.
هذا ما تناقله أهل السير عن نعيم، وبعضهم يذكر ما لا يذكره الآخر وبعضهم يزيد وبعضهم ينقص.
أما الواقدي فقد ذكر القصة باستفاضة وهذا كلامه:
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٣/٢٢٩- ٢٣٠.
[ ٣٧٣ ]
قال: "حدثنا عبد الله بن عاصم الأشجعي عن أبيه١ قال: "قال نعيم بن مسعود: "كانت بنو قريظة أهل شرف وأموال، وكنا قومًا عربًا لا نخل لنا ولا كرم، وإنما نحن أهل شاة وبعير؛ فكنت أقدم على كعب بن أسد فأقيم عندهم الأيام أشرب من شرابهم وآكل من طعامهم ثم يحملونني تمرًا على ركابي ما كانت. فأرجع إلى أهلي، فلما سارت الأحزاب إلى رسول الله ﷺ سرت مع قومي وأنا على ديني".
وقد كان رسول الله ﷺ عارفًا فأقامت الأحزاب ما أقامت حتى أجدب الجناب وهلك الخف والكراع ٢وقذف الله ﷿ في قلبي الإسلام وكتمت قومي إسلامي، فأخرج حتى آتي رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء، وأجده يصلي فلما رآني جلس ثم قال ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: "إني جئت أصدقك وأشهد أن ما جئت به حق فمرني بما شئت يا رسول الله فوالله لا تأمرني بأمر إلا مضيت له، قومي لا يعلمون إسلامي ولا غيرهم". قال: "ما استطعت أن تخذل الناس فخذل"؛ قال: "قلت أفعل ولكن يا رسول الله أقول؟ فاذن لي، قال: "قل ما بدا لك فأنت في
_________________
(١) ١ لم أجد لهما ترجمة. ٢ يريد بالخف الإبل وفي بعض النسخ الحافر وهو الخيل.
[ ٣٧٤ ]
حلّ"، قال فذهبت حتى جئت بني قريظة فلما رأوني رحبوا وأكرموني وحيوا وعرضوا علي الطعام والشراب، فقلت إني لم آت لشيء من هذا وإنما جئتكم نصبًا بأمركم وتخوفًا عليكم لأشير عليكم برأي، وقد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم فقالوا قد عرفنا ذلك وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والبر، قال: "فاكتموا عني قالوا نفعل قال إن أمر هذا الرجل بلاء – يعني النبي ﷺ – صنع ما قد رأيتم ببني قيقناع وبني النضير وأجلاهم عن بلادهم بعد قبض الأموال".
وكان ابن أبي الحقيق قد سار فينا١ فاجتمعنا معه لنصركم وأرى الأمر قد تطاول كما ترون وأنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، أما قريش وغطفان فهم قوم جاءوا سيارة حتى نزلوا حيث رأيتم فإن وجدوا فرصة انتهزوها.
وإن كانت الحرب أو أصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم وأنتم لا تقدرون على ذلك البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وقد غلظ عليهم جانب محمد أجلبوا عليه أمس إلى الليل٢ فقتل رأسهم عمرو بن عبد وهربوا منه مجرحين وهم لا غناء بهم عنكم لما يعرفون
_________________
(١) ١ يريد الذي ذهب محرضًا ضمن الوفد اليهودي. ٢ اجلبوا: توعدوا بشر وأجلب على فرسه صاح. القاموس ١/٤٧.
[ ٣٧٥ ]
عندكم١، فلا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، تستوثقون به منهم ألا يناجزوا محمدًا، قالوا أشرت بالرأي علينا والنصح، ودعوا له وتشكروا وقالوا نحن فاعلون، قال ولكن اكتموا عني قالوا نعم نفعل.
ثم خرج إلى أبي سفيان بن حرب في رجال من قريش فقال: "يا أبا سفيان قد جئتك بنصيحة فاكتم عني قال أفعل. قال تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمدٍ، وأرادوا إصلاحه. ومراجعته أرسلوا إليه وأنا عندهم أنّا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلًا نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم يعنون بني النضير – ونكون معك على قريش حتى نردهم عنك، فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنًا فلا تدفعوا إليهم أحدًا، واحذروهم على أشرافكم، ولكن اكتموا عني ولا تذكروا من هذا حرفًا قالوا لا نذكره، ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إني رجل منكم فاكتموا عني واعلموا أن قريظة بعثوا إلى محمد وقال لهم مثل ما قال لقريش فاحذروا أن تدفعوا إليهم أحدًا من رجالكم، وكان رجلًا منهم فصدقوه٢.
_________________
(١) ١ يشير إلى أنهم أهل حلقة وسلاح. ٢ مغازي الواقدي ٢/٤٨١- ٤٨٢.
[ ٣٧٦ ]
وأرسلت اليهود عزال بن سموأل إلى أبي سفيان بن حرب وأشراف قريش إن ثواءكم١ قد طال، ولم تصنعوا شيئًا، وليس الذي تصنعون برأي، إنكم لو وعدتمونا يومًا تزحفون فيه إلى محمد فتأتون من وجه وتأتي غطفان من وجه ونخرج نحن من وجه آخر لم يفلت من بعضنا.
ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا بِرِهَانٍ٢ من أشرافكم يكونون عندنا فإنا نخاف إن مستكم الحرب٣ وأصابكم ما تكرهون شمرتم وتركتمونا في عقر دارنا وقد نابذنا٤ محمدًا بالعداوة، فانصرف الرسول إلى بني قريظة، ولم يرجعوا إليهم شيئًا، وقال أبو سفيان هذا ما قال نعيم، فخرج نعيم إلى بني قريظة فقال: "يا معشر بني قريظة أنا عند أبي سفيان حتى جاء رسولكم إليه يطلب منه الرهائن فلم يرد عليه شيئًا فلما ولى قال لو طلبوا مني عناقًا٥ ما رهنتها، أنا أرهنهم سراة أصحابي يدفعونهم إلى محمد يقتلهم، فارتأوا آراءكم حتى تأخذوا الرهن فإنكم إن لم تقاتلوا محمدًا" وانصرف أبو سفيان تكونوا على مواعدتكم الأولى. قالوا
_________________
(١) ١ طال ثواءنا: أي طال مقامنا. ٢ برهان: بكسر المعجمة فما بعدها من الرهن. ٣ في بعض المراجع ضرستكم الحرب. ٤ نابذنا: نبذ العهد إذا نقضه وألقاه إلى من كان بينه وبينه. النهاية ٥/٧. ٥ العتاق: الأنثى من أولاد المعز.
[ ٣٧٧ ]
نرجو ذلك يا نعيم؟ قال نعم قال كعب بن أسد فإنا لا نقاتله والله لقد كنت لهذا كارهًا، ولكن حيي رجل مشؤم".
قال الزبير بن باطا: "إنْ انكشفت قريش وغطفان عن محمد لم يقبل منا إلا السيف، قال نعيم لا تخش ذلك يا أبا عبد الرحمن. قال الزبير بلى والتوارة، ولو أصابت اليهود رأيها، ولحِمَ الأمر، لتخرجن إلى محمد ولا يطلبون من قريش رهنًا فإن قريشًا لا تعطينا رهنا أبدًا. وعلى أي وجه تعطينا قريش الرهن وعددهم أكثر من عددنا ومعهم كراع ولا كراع معنا وهم يقدرون على الهرب ونحن لا نقدر عليه؟ وهذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض تمر الأوس وتنصرف فأبى محمد إلا السيف فهم ينصرفون بغير شيء"١.
فلما كانت ليلة السبت كان مما صنع الله تعالى لنبيه أن قال أبو سفيان يا معشر قريش إن الجناب. قد أجدب، وهلك الكراع، والخف، وغدرت اليهود، وكذبت وليس هذا بحين مقام فانصرفوا، قالت قريش فاعلم علم اليهود، واستيقن خبرهم، فبعثوا عكرمة بن أبي جهل حتى جاء بني قريظة عند غروب الشمس مساء ليلة السبت فقال: "يا معشر اليهود
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٤٨٢.
[ ٣٧٨ ]
إنه قد طال المكث وجهد الخف والكراع وأجدب الجناب وإنا لسنا بدار مقامه. اخرجوا إلى هذا الرجل حتى نناجزه بالغداة، قالوا غدًا السبت لا نقاتل ولا نعمل فيه عملًا، وإنا مع ذلك لا نقاتل معكم إذا انقضى سبتنا حتى تعطونا رهانًا من رجالكم يكونون معنا لئلا تبرحوا حتى نناجز محمدًا. فإنا نخشى إن أصابتكم الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتدعونا وإياه في بلادنا ولا طاقة لنا به، معنا الذراري والنساء والأموال فرجع عكرمة إلى أبي سفيان فقالوا ما وراءك؟ قال أحلف بالله أن الخبر الذي جاء به نعيم حق لقد غدر أعداء الله، وأرسلت غطفان إليهم مسعود بن رخيلة في رجال منهم بمثل رسالة أبي سفيان فأجابوهم بمثل جواب أبي سفيان".
وقالت اليهود حيث رأوا ما رأوا منهم نحلف بالله إن الخبر الذي قال نعيم لحق، وعرفوا أن قريشًا لا تقيم فسُقِطَ في أيديهم.
فكر أبو سفيان إليهم وقال: "إنا والله لا نفعل إن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا"، فقالت اليهود مثل قولهم الأول وجعلت اليهود تقول الخبر ما قال نعيم وجعلت قريش وغطفان تقول الخبر ما قال نعيم، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء واختلف أمرهم، فكان نعيم يقول أنا خذلت بين
[ ٣٧٩ ]
الأحزاب حتى تفرقوا في كل وجه وأنا أمين رسول الله ﷺ على سره فكان صحيح الإسلام بعد١.
وهناك بعض الآثار نوردها كشواهد لهذه القصة وهي من منتخب كنز العمال.
وفي المنتخب قال: "عن إبراهيم بن صابر الأشجعي عن أبيه عن أمه٢ ابنة نعيم بن مسعود عن أبيها قال: "قال لي رسول الله ﷺ يوم الخندق "خذل عنا فإن الحرب خدعة"٣.
وفي موضع آخر قال: "عن عروة قال كان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له مسعود وكان نمامًا، فلما كان يوم الخندق بعث أهل قريظة إلى أبي سفيان أن ابعث إلينا رجالًا يكونون في آطامنا حتى نقاتل محمدًا مما يلي المدينة وتقاتل أنت مما يلي الخندق، فشق ذلك على النبي ﷺ أن يقاتل من وجهتين فقال لمسعود يا مسعود إنا نحن بعثنا إلى بني قريظة أن يرسلوا إلى
_________________
(١) ١ مغازي الراقدي ٢/٤٨٢. ٢ لم أجد أحدًا منهم في كتب التراجم التي بين يدي. ٣ المنتخب من كنز العمال حاشية مسند أحمد ٢/٢٩٤.
[ ٣٨٠ ]
أبي سفيان فيرسل إليهم رجالًا فإذا أتوهم قتلوهم فما عدا أن سمع ذلك من رسول الله ﷺ فما تمالك حتى أتى أبا سفيان فأخبره فقال صدق والله محمد ما كذب قط فلم يبعث إليهم أحدًا١.
ثم قال وعن عائشة قالت إن نعيم بن مسعود قال يا نبي الله إني أسلمت ولم أعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت، فقال إنما أنت فينا كرجل واحد فخادع إن شئت فإن الحرب خدعة٢.
سبت اليهود كان من عوامل التفرق والهزيمة:
قال الواقدي: "فحدثني موسى٣ بن محمد بن إبراهيم٤ عن أبيه قال لما قالت قريظة لعكرمة بن أبي جهل٥ ما قالت قال أبو سفيان بن حرب لحيي بن أخطب أين ما وعدتنا من نصر قومك؟ قد خلونا وهم يريدون الغدر بنا.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢/٢٩٥. قلت: هذه القصة غير ثابتة وسندها منقطع وقد ذكرها ابن قانع في معجم الصحابة ٣/١٤٨. ٢ المصدر السابق ٢/٢٩٥. ٣ موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أبو محمد المدني - منكر الحديث من السادسة مات سنة ١٥١هـ. روى له (ت ق) التقريب ٣٥٢. ٤ محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني - ثقة له أفراد من الرابعة مات سنة ١٢٠هـ على الصحيح (ع) . التقريب ٢٨٨. ٥ حيث أنه ذهب كسفير لقريش ليعرف خبر اليهود حول القتال.
[ ٣٨١ ]
قال حيي: "كلا والتوارة ولكن السبت قد حضر ونحن لا نكسر السبت فكيف ننصر على محمد وأصحابه إذا كسرنا السبت؟ فإذا كان يوم الأحد اغدوا على محمد وأصحابه بمثل حرق النار وخرج حيي بن أخطب حتى أتى بني قريظة فقال فداءكم أبي وأمي إن قريشًا قد اتهمتكم بالغدر واتهموني معكم وما السبت لو كسرتموه لما قد حضر من أمر عدوكم قال: "فغضب كعبد أسد ثم قال: "لو قتلهم محمد حتى لا يبقى منهم أحدًا ما كسرنا سبتنا، فرجع حيي إلى أبي سفيان بن حرب فقال١ ألم أخبرك يا يهودي إن قومك يريدون الغدر؟ قال حيي: "لا والله ما يريدون الغدر ولكنهم يريدون الخروج يوم الأحد فقال أبو سفيان وما السبت؟ قال يوم من أيامهم يعظمون القتال فيه وذلك أن سبطًا٢ منا أكلوا الحيتان يوم السبت فمسخهم الله قردة وخنازير".
قال أبو سفيان: "لا أراني أستنصر بإخوة القردة والخنازير، ثم قال أبو سفيان قد بعثت عكرمة بن أبي جهل وأصحابه إليهم فقالوا لا نقاتل حتى
_________________
(١) ١ القائل هو أبو سفيان. ٢ مشيرًا بذلك إلى قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (. الآية في سورة البقرة ٦٥.
[ ٣٨٢ ]
تبعثوا لنا بالرهائن من أشرافكم وقبل ذلك ما جاءنا عزال بن سموأل برسالتهم قال أبو سفيان: "أحلف باللات إن هو إلا غدركم".
وإني لأحسب أنك قد دخلت في غدر القوم. قال حيي والتوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء١ ما غدرت ولقد جئتك من عند قوم هم أعدى الناس لمحمد وأحرصهم على قتاله، ولكن ما مقام يوم واحد حتى يخرجوا معك، قال أبو سفيان لا والله ولا ساعة. لا أقيم بالناس انتظار غدركم، حتى خاف حيي بن أخطب على نفسه من أبي سفيان فخرج معهم من الخوف حتى بلغ الروحاء٢ فما رجع إلا متسرقًا لما٣ أعطى كعب بن أسد من نفسه ليرجعن إليه. فدخل مع بني قريظة حصنهم ليلًا. ويجد رسول الله ﷺ قد زحف إليهم ساعة ولت الأحزاب"٤.
قال ابن جرير: "وخذل الله بينهم وبعث الله ﷿ عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرودة فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم فلما انتهى إلى
_________________
(١) ١ طور سيناء: قال ياقوت وسيناء بكسر أوله ويفتح اسم موضع بالشام يضاف إليه الطور وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران ﵇ ونودي فيه وهو كثير الشجر. معجم البلدان ٣/٣٠٠. ٢ الروحاء مكان غرب المدينة على طريق مكة تبعد عن المدينة بحوالي سبعين كيلا. ٣ بكسر اللام. ٤ مغازي الواقدي ٢/٤٨٥.
[ ٣٨٣ ]
رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا"١.
هكذا جاءت هذه القصة في كتب المغازي وهي مشهورة جدًا ولكنها بدون إسناد يعتمد عليه إلا أن أهل المغازي والسير تناقلوها عن ابن إسحاق وقد ذكر ذلك الغزالي في فقه السيرة٢ فعلق عليه ناصر الدين الألباني حيث قال: "هذه القصة ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد وعنه ابن هشام. لكن قوله ﷺ الحرب خدعة صحيح متواتر عنه ﷺ وقد مر تخريجه٣.
وقال ابن كثير٤ عقب سرد القصة،: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة، وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل فإنه ذكر ما حاصله أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث فاتفق أنه مر برسول الله ﷺ ذات يوم عشاء فأشار إليه أن تعال فجاء فقال ما وراءك؟ فقال إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فينا جزوك، فقالت قريظة " نعم
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم والملوك ٢/٥١. ٢ فقه السيرة للغزالي ٣٣٢. ٣ في أول هذا المبحث. ٤ البداية والنهاية ٤/١١٣.
[ ٣٨٤ ]
فأرسلوا إلينا بالرهن. وقد ذكر فيما تقدم أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة قال فقال له رسول الله إني مسر إليك شيئًا فلا تذكره، قال إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح، وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم، فخرج نعيم بن مسعود عامدًا إلى غطفان وقال رسول الله ﷺ: "الحرب خدعة، وعسى أن يصنع الله لنا". فأتى نعيم غطفان وقريشًا فأعلمهم فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه واتفق ذلك ليلة السبت يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضًا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا١، قلت وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله ﷺ يريدون منه الصلح على أن يرد بني النضير إلى المدينة والله أعلم.
وقد ذكر أهل المغازي والسير والتفاسير وكل من تعرض لسيرته ﷺ وغزواته هذه القصة وممن ذكرها:
ابن إسحاق٢، والواقدي٣، وابن سعد٤، والبلاذري٥،
_________________
(١) ١ القائل هو ابن كثير. ٢ السيرة النبوية ٢/٢٢٩. ٣ مغازي الواقدي ٢/٤٨٠. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٥٦. ٥ أنساب الأشراف ١/١٦٥.
[ ٣٨٥ ]
والطبري١، والبيهقي٢، وابن عبد البر٣، والسهيلي٤، وابن الأثير٥، والكلاعي٦، وابن سيد الناس٧، وابن القيم٨، وابن كثير٩، والسمهودي١٠، والسيوطي١١، والقسطلاني١٢، وغيرهم.
كلمة عن نعيم: قال ابن الأثير: "هو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن حلاوة"١٣ بن سبيع بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان الغطفاني الأشجعي أبو سلمة، أسلم في وقعة الخندق، وهو الذي أوقع الخلاف بين قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق، وخذل بعضهم عن
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٤. ٢ دلائل النبوة ٣/٤١٥. ٣ الدرر ١٨٦- ١٨٧. ٤ الروض الأنف ٦/٢٧٧. ٥ الكامل ٢/١٢٥. ٦ الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء ٢/١٧٢. ٧ عيون الأثر ٢/٦٤. ٨ زاد المعاد ٢/١٣١. ٩ البداية والنهاية ٤/١١١- ١١٢. ١٠ وفاء الوفا ١/٢١٧. ١١ الدر المنثور ٥/١٩٢. ١٢ المواهب اللدنية ١/١١٣. ١٣ في بعض الراجع (خلاوة) بالخاء المعجمة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢٧٧، جوامع السيرة ١٩٠.
[ ٣٨٦ ]
بعض وأرسل الله عليهم الريح والبرد والجنود وهم الملائكة فصرف كيد الكفار عن النبي ﷺ، ولما أسلم واستأذن النبي ﷺ في أن يخذل الكفار قال له النبي ﷺ خذل ما استطعت فإن الحرب خدعة، رواه عنه ابنه سلمة١.
وقد نقل ابن الأثير رواية له عن ابنه سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول حين قرأ كتاب مسيلمة قال للرسولين فما تقولان أنتما قالا نقول كما قال: "فقال رسول الله ﷺ: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"، ومات نعيم في زمن خلافة عثمان وقيل بل قتل يوم الجمل قبل قدوم علي البصرة مع مجاشع بن مسعود السلمي وحكيم بن جبلة العبدي٢.
وبهذا القول قال الحافظ٣ إلا أنه لم يذكر أن قول الرسول ﷺ له: "خذل ما استطعت فإن الحرب خدعة" من رواية ابنه سلمة كما جزم هنا ابن الأثير. أما الذهبي٤ فلم يذكر ذلك ولكنه جزم برواية ابنه سلمة عنه وأنه توفي قبل الجمل.
_________________
(١) ١ أكثر المراجع لا تذكر رواية سلمة لهذا. ٢ أسد الغابة ٥/٣٣-٣٤، وانظر للزيادة في ترجمته ﵁: الاستيعاب ٤/٧٠ (ت ٢٦٥٨)، تجريد أسماء الصحابة ٢/١١١، تهذيب التهذيب ١٠/٤٦٦. ٣ الإصابة في تمييز الصحابة ٣/٥٦٨. ٤ تجريد أسماء الصحابة.
[ ٣٨٧ ]
وقال النووي: "نعيم بن مسعود كان يسكن المدينة، وهو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيس بن ثعلبة بن قنفذ بن خلاوة بن سبيع بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان الغطفاني الأشجعي الصحابي أبو سلمة"١.
_________________
(١) ١ تهذيب الأسماء واللغات ١/١٣١.
[ ٣٨٨ ]
الفصل الخامس: دور حذيفة بن اليمان في هذه الغزوة
الفصل الخامس: دور حذيفة –﵁- في هذه الغزوة
إن لحذيفة –﵁- دورًا عظيمًا كما كان لغيره من الصحابة -﵃- فقد جاهدوا في الله حق جهاده وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته.
لكن بعضهم اشتهر عن بعض بأعماله أو بمواقف خاصة وقفها تميزت وحفظت في السنة المطهرة.
وحذيفة واحد من أولئك الصحابة الذين تميزوا عن غيرهم في هذه الغزوة، فكانت له ميزة فريدة حيث كان أمين سر النبي ﷺ في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره نستشف ذلك من ترجمته التالية:
قال ابن الأثير: "حذيفة بن اليمان: "وحذيفة بن حسل ويقال حسيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان –أبو عبد الله- العبسي واليمان لقب (حسل بن جابر) .
[ ٣٩١ ]
وقال ابن الكلبي: "هو لقب جروة بن الحارث وإنما قيل له ذلك لأنه أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار فسماه قومه – اليمان- لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن.
روى عنه ابنه أبو عبيدة وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل وزيد بن وهب وغيرهم.
وهاجر إلى النبي ص فخيره بين الهجرة والنصرة فاختار النصرة وشهد مع النبي ﷺ أحدًا وقتل أبوه بها١.
وقد قتله المسلمون خطأ، أخرج ذلك ابن الأثير بسنده عن محمود بن لبيد٢ قال: "لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان –أبو حذيفة- وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان وهما شيخان كبيران فقال أحدهما لصاحبه لا أبالك ما تنظر٣؟ فوالله ما بقي لأحدنا من عمره إلا مثل ظمء حمار٤ إنما نحن
_________________
(١) ١ أسد الغابة (١/٣٩١) . ٢ هو صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة مات سنة ست وتسعين وقيل سنة سبع وتسعين وله تسع وتسعون سنة. روى له البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة. التقريب ٣٣٠. ٣ لعلها - ما ننتظر - لأنها جاءت هكذا في ترجمة ثابت بن وقش. أسد الغابة ١/٢٣٤. ٤ ظمء حمار: أي يسير لأنه ليس شيء أقصر ظمأ من الحمار. انظر: القاموس المحيط ١/٢٢.
[ ٣٩٢ ]
هامة١ اليوم أو غدًا، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله ﷺ. فأخذا أسيافهما ولحقا برسول الله ﷺ ودخلا في المسلمين ولا يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش٢ فقتله المشركون. وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين وهم لا يعرفونه فقتلوه فقال حذيفة أبي أبي. فقالوا والله ما عرفناه فصدقوا. فقال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"٣.
فأراد رسول الله ﷺ أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزاده٤ رسول الله ﷺ خيرًا٥.
قال ابن الأثير: "وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله ﷺ وسأله عمر بن الخطاب أفي عمالي أحد من المنافقين؟ قال نعم واحد، قال من هو قال لا أذكره قال حذيفة فعزله
_________________
(١) ١ هامة: قال الفيروز أبادي في كلمة (الهم) واستطرد حتى قال: والهم والهمة بكسرهما. الشيخ الفاني. انظر: القاموس المحيط ٤/١٩٢. ٢ هو ثابت بن وقش بن زعوراء الأنصاري كذا نسبه ابن مندة وأبو نعيم وقال أبو عمر ثابت بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل فزاد في النسب زغبة وهو الصحيح. انظر: أسد الغابة ١/٢٣٤، الاستيعاب ١/٢٧٩. ٣ هذا قول المؤمنين الصابرين الصادقين المصدقين فبمجرد قولهم له ما عرفناه صدقهم واستغفر لهم وتصدق بدية أبيه على المسلمين فطوبى له ذلك الفعل. ٤ لعله فزاده ذلك الفعل وهو تصدقه بدية أبيه على المسلمين - خيرًا ورفعة عند رسول الله ﷺ. ٥ أسد الغابة ٢/١٦.
[ ٣٩٣ ]
كأنما دل عليه. وكان عمر إذا مات ميت يسأل عن حذيفة فإنْ حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر، وإن لم يحضر حذيفة الصلاة عليه لم يحضر عمر"١.
وشهد حذيفة الحرب بِنَهَاوَنْد فلما قتل النعمان بن مقرن أمير ذلك الجيش أخذ الراية، وكان فتح همدان والري والدنيور على يده، وشهد فتح الجزيرة، ونزل نصيبين وتزوج فيها، وكان يسأل النبي ﷺ عن الشر ليتجنبه وأرسله النبي ﷺ ليلة الأحزاب على سرية ليأتيه بخبر الكفار، ولم يشهد بدرًا لأن المشركين اخذوا عليه الميثاق ألا يقاتلهم فسأل النبي ﷺ حل يقاتل أم لا، فقال ﷺ بل نفي لهم"٢ ونستعين بالله عليهم.
وسأل رجل حذيفة أيّ الفتن أشد؟ قال: "أن يُعرض عليك الخير والشر ولا تدري أيهما تركب، وكان موته ﵁ بعد قتل عثمان بأربعين ليلة سنة ست وثلاثين"٣.
أما بالنسبة لدوره العظيم في هذه الغزوة فقد قام ﵁ بدور استكشاف خطير، ودخل في وسط الصفوف صفوف الأعداء رغم احتراسهم
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/٣٩٠- ٣٩١. ٢ نفي لهم: من الوفاء بالعهد. ٣ أسد الغابة ١/٣٩٠ - ٣٩١ وانظر ترجمته ﵁ في: الاستيعاب ١/٢٧٦، والإصابة ١/٣١٧، الطبقات الكبرى ١/٢٥، سير أعلام النبلاء ٢/٣٦٠، تهذيب التهذيب ٢/٢١٩، صفوة الصفوة ١/٢٤٩، تاريخ الإسلام ٢/١٥٢، المعارف ١١٤، النجوم الزاهرة ١/٧٦، ٨٥، ١٠٢.
[ ٣٩٤ ]
وحراسهم المليئة قلوبهم بالحقد على المسلمين وخاصة بعد أن قتل بعض صناديدهم ورغم الظروف الخطيرة التي كانت تحيط به –﵁- فقد ذهب في رعاية الله وحفظه ودعا له الرسول ﷺ بالحفظ من بين يديه ومن خلفه واستجاب الله دعاء نبيه ﵊، ودخل حذيفة مع الأعداء وتوغل في صفوفهم حتى أشرف على القائد أبي سفيان، وحفظه الله ورجع إلى رسول الله ﷺ بأخبارهم ورحيلهم.
روى ذلك كله الإمام مسلم –﵀- حيث قال: "حدثنا زهير بن حرب١، وإسحاق٢ بن إبراهيم جميعًا عن جرير٣قال زهير: "حدثنا جرير عن الأعمش٤ عن إبراهيم٥ التيمي
_________________
(١) ١ زهير بن حرب بن شداد أبو خيثمة نزيل بغداد - ثقة ثبت - روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث. التقريب ١٠٨. ٢ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي أبو محمد بن راهوية المروزي- ثقة حافظ مجتهد - قرين أحمد. ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير. التقريب ٢٧. ٣ جرير بن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة الضبى الكوفي نزيل الري وقاضيها - ثقة - صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه. مات سنة ١٨٨هـ. تهذيب التهذيب ٢/٧٥. ٤ سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش - ثقة حافظ عارف بالقراءة - ورع لكنه يدلس من الخامسة. التقريب ١٣٦. ٥ إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي يكنى أبا أسماء الكوفي العابد ثقة إلا أنه يرسل ويدلس من الخامسة مات سنة ١٩٢هـ. وله أربعون سنة روى له الجماعة. التقريب ٢٤.
[ ٣٩٥ ]
عن أبيه١ قال كنا عند حذيفة فقال رجل: "لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت٢فقال حذيفة: "أنت كنت تفعل ذلك٣؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر٤، فقال رسول الله ﷺ: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال: "قم يا حذيفة فاتنا بخبر القوم". فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: "اذهب فاتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ" ٥،فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي
_________________
(١) ١ يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي ثقة يقال أنه أدرك الجاهلية من الثانية مات في خلافة عبد الملك روى له الجماعة. التقريب ٣٨٢. ٢ أبليت أي بالغت في نصرته كأنه أراد الزيادة على نصرة الصحابة رضوان الله عليهم شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٤١٤. ٣ استفهام إنكاري أي فعلنا ما نستطيع وهو ما لا تقدر عليه. المصدر السابق. ٤ القّر: هو البرد الشديد. ٥ ولا تذعرهم على: أي لا تفزعهم على ولا تحركهم علي وقيل معناه لا تنفرهم والمراد لا تحركهم عليك فإنهم إن أخذوك كان ذلك ضررًا علي لأنك رسولي وصاحبي (من صحيح مسلم) ٣/١٤١٤ هامش الصفحة.
[ ٣٩٦ ]
في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يُصْلَيْ ظهره١بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس٢ فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ﷺ "ولا تذعرهم عليّ" ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت٣، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائمًا حتى أصبحت٤ فلما أصبحت قال: "قم يا نومان" ٥.
قصة حذيفة هذه وذهابه إلى الكفار ودخوله بينهم صحيحة وذكرها أهل السير والمغازي، وهي عند بعضهم أتم من بعض والذي سقته هو ما جاء عند مسلم٦.
قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة: "هذه القصة صحيحة وسياقها هنا مركب من ثلاث روايات:
_________________
(١) ١ يصلى ظهره: يدفئه. ٢ كبد القوس: مقبضها وكبد كل شيء وسطه كما في القاموس ٧/٣٣٢. ٣ قررت: أي بردت. ٤ أصبحت: أي طلع الفجر. ٥ نومان: كثير النوم. ٦ صحيح مسلم ٣/١٤١٤- ١٤١٥.
[ ٣٩٧ ]
الأولى: عند الحاكم١ والبيهقي٢ في الدلائل من طريق عبد العزيز بن أخي حذيفة عن حذيفة، وقد ذكر ابن كثير لفظها في التاريخ٣.
الثانية: عند ابن هشام٤ عن محمد بن إسحاق بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن حذيفة. وكذلك أخرجها أحمد٥ من مسند حذيفة عن ابن إسحاق قال وظاهر إسناده الاتصال فهو صحيح.
الثالثة: أخرجها مسلم من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن حذيفة. ولها طريق رابعة أخرجها الحاكم في المستدرك"٦ من طريق بلال العبسي عن حذيفة وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وأخرجه البزار٧ وقال رجاله ثقات٨، وقد أخرجه بزيادة حسنة وهذا نصه: "قال حذيفة: "إن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب
_________________
(١) ١ المستدرك ٣/٣١. ٢ دلائل النبوة ٣/٤٦٣. ٣ البداية والنهاية ٤/١١٣- ١١٥. ٤ السيرة النبوية ٢/٢٣١، ٢٣٢. ٥ مسند الإمام أحمد ٥/٣٩٢، ٣٩٣. ٦ المستدرك ٣/٣١. ٧ كشف الأستار ٢/٣٣٥. ٨ فقه السيرة ٣٣٣، ٣٣٤.
[ ٣٩٨ ]
فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فأتاني رسول الله ﷺ وأنا جاثم"١ من النوم فقال يا ابن اليمان: "قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب فانظر إلى حالهم".
قلت: "يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياءً من البرد. قال: "انطلق يا ابن اليمان فلا بأس عليك من برد ولا حر حتى ترجع إليّ". قال فانطلقت حتى آتي عسكرهم فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله وقد تفرق الأحزاب عنه، فجئت حتى أجلس فيهم فحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه قال فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده فلبثت فيهم هنيهة ثم قمت فأتيت النبي ﷺ وهو قائم يصلي فأومئ إلي أن ادنو فدنوت حتى أرسل علي من الثوب الذي كان عليه ليدفئني، فلما فرغ من صلاته قال: "يا ابن اليمان اقعد ما خبر القوم؟ " قلت يا رسول الله: "تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار وقد صب الله عليهم من البرد مثل الذي صب علينا ولكنا نرجو من الله ما لا يرجون"أ: هـ٢.
_________________
(١) ١ جاثم: جثم لزم مكانه فلم يبرح. القاموس ٤/٨٧ وعند البيهقي جاثي. ٢ كشف الأستار ٢/٣٣٥، ٣٣٦.
[ ٣٩٩ ]
أما البيهقي فقد عقد لذلك بابًا حيث قال: "باب إرسال رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان –﵁- إلى عسكر المشركين، وما ظهر له في ذلك من أمارات النبوة بوقوفه ليلتئذ على ما أرسل على المشركين من الريح والجنود وتصديق الله ﷾ قول نبيه ﷺ فيما وعد حذيفة من حفظ الله إياه عن الأسر والبرد. ثم أورد القصة من خمس طرق":
الأولى: من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه وقد رواها بهذا الطريق الإمام مسلم١.
الثانية: من طريق بلال العبسي وقد شاركه في هذه الطريق الحاكم٢.
الثالثة: عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة وقد شاركه فيها الحاكم٣.
الرابعة: عن عمران بن سريع وقد ذكر ذلك أيضًا الحافظ٤.
الخامسة: عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب " أن رجلًا قال لحذيفة٥".
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٤٤٩، صحيح مسلم ٣/١٤١٤- ١٤١٥ كتاب الجهاد والسير. ٢ دلائل النبوة ٣/٤٥٠، المستدرك ٣/٣١. ٣ دلائل النبوة ٣/٤٥١، المستدرك ٣/٣١. ٤ دلائل النبوة ٣/٤٥١، والحافظ في الفتح ٧/٤٠٠ كتاب المغازي باب غزوة الخندق. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٥٤.
[ ٤٠٠ ]
وشيخه البيهقي في كل الطرق ماعدا الرابعة "أبو عبد الله الحافظ١" أما الطريق الرابعة فشيخه فيها أبو طاهر الفقيه٢.
والرواية التي جاءت من طريق ابن أخي حذيفة هي أتم وفيها زيادات حسنة قال البيهقي: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الدرابردي بمروٍ قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البوني حدثنا أبو حذيفة حدثنا عكرمة بن عمار عن محمد بن عبيد أبي قدامة الحنفي٣ عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا"٤ فقال حذيفة: "لا تمنوا ذلك٥ فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود".
وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا في أصوات ريحها
_________________
(١) ١ أبو عبد الله الحافظ هو الحاكم وقد تقدمت ترجمته. ٢ أبو طاهر الفقيه هو ابن محمش ذكر ذلك الذهبي في التذكرة ٣/١١٣٢ في ترجمة البيهقي ولم أجده الآن. ٣ تقدمت تراجم بعض رجال السند. ٤ هذا كلام من لم يعايش المحنة والابتلاء فهو يتكلم من مكان آمن. ٥ مشيرًا بذلك إلى قوله ﷺ لا تتمنوا لقاء العدو.
[ ٤٠١ ]
أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ، ويقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له فيأذن لهم فيتسللون ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا١ رسول الله ﷺ رجلًا رجلًا حتى مر علي وما عَليَّ جنة٢ من العدو ولا من البرد إلا مرط٣ لامرأتي ما يجاوز ركبتي قال فأتاني وأنا جاثي على ركبتي فقال: "من هذا؟ " قلت حذيفة فقال حذيفة؟ قال: "فتقاصرت بالأرض"، فقلت بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم، قال: "قم فقمت" فقال: "إنه كاين في القوم خبر فاتني بخبر القوم"، قال وأنا من أشد الناس فزعًا وأشدهم قرًا فخرجت فقال رسول الله ﷺ: "اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته"، قال فوالله ما خلق الله فزعًا ولا قرًا في جوفي٤ إلا خرج من جوفي فما أجد منه شيئًا".
_________________
(١) ١ أي استعرضنا واحدًا كأنه يتخير. ٢ الجنة السترة والوقاية ومنه حديث (والصوم جنة) . النهاية في غريب الحديث ١/٣٠٨. ٣ المرط: بكسر الميم وسكون الراء وهو الكساء ويكون من صوف وربما كان من الخزّ أو غيره. النهاية في غريب الحديث ٤/٣١٩. ٤ أراد بالجوف القلب. النهاية في غريب الحديث ١/٣١٦.
[ ٤٠٢ ]
قال فلما وليت قال: "يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئًا حتى تأتيني"، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الريش فأضعه على كبد قوسي لأرميه في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ لا تحدثن شيئًا حتى تأتيني؛ فأمسكت ورددت سهمي في كنانتي، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر، يقولون يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم بها ثم خرجت نحو النبي ﷺ فلما انتصف بي الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسًا أو نحو ذلك معتمين١ فقالوا أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملة٢ يصلي فوالله ماعدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف فأومأ إلي رسول الله ﷺ وهو يصلي فدنوت منه فأسبل علي شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه٣ أمر صلى فأخبرته
_________________
(١) ١ يشير بذلك إلى الملائكة وقد أرسلهم الله للتضييق على الكفار. ٢ في بعض الروايات أنه كان مشتمل بمرط أحدى نسائه. ٣ أي إذ نزل به مهم وقد روى هذا الإمام أحمد ٥/٣٨٨، النسائي ١/٢٨٩ وحزبه كلمة واحدة وليست مركبة من (حز) و(به) كما يتوهم البعض.
[ ٤٠٣ ]
خبر القوم وأخبرته أني تركتهم يترحلون فأنزل الله تعالى: ﴿َ يأيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية.
وهكذا نفذ حذيفة بن اليمان –﵁- ما أمره به النبي ﷺ، وهي مهمة شاقة ولكن دعاء النبي ﷺ له كان من الأسباب التي جعلته ينجح في تلك المهمة رغم ما صادف من مآزق وأهم مأزق واجهه عندما قال أبو سفيان لينظر امرؤ من جليسه، وهو تحفظ من أبي سفيان خوفًا من أن يكون داخل المعسكر أحد يتجسس لحساب المسلمين١ ولكنه لذكائه –﵁- تخلص من هذا المأزق حيث سارع إلى الرجل الذي بجانبه وبدأه بالسؤال قائلًا من أنت؟.
وبهذا العمل تمكن حذيفة من الخروج من المأزق الذي وقع فيه والذي كاد أن يوقعه في قبضة المشركين لو انكشف أمره٢، ثم سلط الله عليهم تلك الريح الهوجاء وأرسل عليهم ملائكته فزلزلتهم وجعلتهم يرتحلون، وفرق الله جمعهم وخذلهم وكفى الله المؤمنين شرهم ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ غزوة الأحزاب لباشميل ٢٦٥. ٢ السيرة الحلبية ٢/٦٥٣. ٣ سورة الحج الآية ٤٠.
[ ٤٠٤ ]
الفصل السادس: حصول النزاع بين الأحزاب وانهزامهم
المبحث الأول: هبوب الريح
المبحث الأول: "هبوب الريح
لقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المعركة وتناول مراحلها في عدة آيات من سورة الأحزاب.
وأول ما تحدث عنه القرآن هو نزول البلاء على المسلمين بوصول قوات الأحزاب، وإنعام الله على المسلمين بدحر١ تلك القوات، وتسليط الله الريح عليهم، وإزعاجهم بجنود من عنده لم يرها أحد، مما أدى إلى إجبارهم على الرحيل عن المدينة وفك الحصار عنها فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢ الآية.
ويعني القرآن الكريم بالجنود الذين جاءوا لحرب المسلمين قريش، وغطفان، وبني قريظة، أما الجنود الذي أشار القرآن إلى أن الله أرسلهم لإزعاج الأحزاب فقد ذكر كثير من أهل المغازي والتفاسير أنهم
_________________
(١) ١ دحره: طرده وأبعده. مختار الصحاح ١٩٩. ٢ سورة الأحزاب الآية ٩.
[ ٤٠٧ ]
(الملائكة)، ولم يثبت أنهم قاتلوا الأحزاب، ولكنهم أرسلوا للإزعاج والتضييق١. لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال: "حدثنا مسدد٢، حدثنا يحى بن سعيد عن شعبة قال: "حدثني الحكم٣ عن مجاهد عن ابن عباس –﵄- عن النبي ﷺ قال: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" ٤. كما رواه مسلم٥ وأحمد٦ كلهم عن ابن عباس.
وقد روى الإمام أحمد حديثًا بهذا المعنى عن أبي سعيد الخدري وهذا نصه: "قال ثنا أبو عامر٧ ثنا الزبير بن عبد الله٨ حدثني ربيح٩ بن أبي
_________________
(١) ١ غزوة الأحزاب لمحمد باشميل ٢٧٨. ٢ مسدد هو مسرهد الأسدي البصري ويقال أن مسدد هو لقب وقد تقدم. ٣ الحكم هو ابن عتيبة وقد تقدم. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٧. ٥ صحيح مسلم ٢/٦١٧. ٦ مسند الإمام أحمد ١/٢٢٣، ٣٢٤، ٣٤١، ٣٥٥، ٣٧٣. ٧ أبو عامر هو عبد الملك بن عمر القيس العقدي بفتح المهملة والقاف - ثقة - وقد تقدم. ٨ الزبير بن عبد الله بن أبي خالد الأموي مولاهم ويقال له ابن رهيمة - مقبول روى له أبو داود من المراسيل. التقريب ١٠٦. ٩ ربيح بمهملة وموحدة مصغرًا ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري المدني يقال اسمه سعيد وربيح لقب - مقبول -. التقريب ١٠٠.
[ ٤٠٨ ]
سعيد الخدري عن أبيه١ قال قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر قال نعم:"اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال فضرب الله ﷿ وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله ﷿ بالريح٢.
قال الألباني في فقه السيرة٣ مشيرًا إلى هذا الحديث: "حديث حسن أخرجه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي سعيد الخدري" أهـ كلامه. كما روى البزار حديثًا آخر بسنده عن عكرمة حيث قال:
حدثنا عبد الله بن سعد٤ حدثنا حفص بن غياث٥ عن داود٦ عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أتت الصبا إلى الشمال ليلة الأحزاب
_________________
(١) ١ أبوه هو أبو سعيد الخدري الصحابي الجليل. ٢ مسند الإمام أحمد ٣/٣. ٣ فقه السيرة ٣٢٩. ٤ عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكى أبو عبد الرحمن المروزي نزيل مرو صدوق. التقريب ١٧٥. ٥ حفص بن غياث بمعجمة مكسورة ابن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي - ثقة فقيه - تغير حفظه قليلًا في الآخر. التقريب ٧٨- ٧٩. ٦ داود بن الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني - ثقة - إلا في عكرمة ورمي برأي الخوارج. التقريب ٩٥.
[ ٤٠٩ ]
فقالت مري ننصر رسول الله ﷺ فقالت الشمال إن الحرة١ لا تسري بالليل فكانت الريح التي نصر بها رسول الله ﷺ الصبا.
قال: "ورواه جماعة عن داود مرسلًا، ولا نعلم أحدًا وصله إلا حفص ورجل من أهل البصرة وكان ثقة يقال له خلف بن عمرو ثم قال الهيثمي رواه البزار ورجاله رجال الصحيح"٢.
قال الشوكاني٣: "أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال:
لما كان في ليلة الأحزاب جاءت الشمال للجنوب فقالت انطلقي فانصري الله ورسوله فقالت الجنوب إن الحرة لا تسري بالليل فغضب الله عليها وجعلها عقيمًا فأرسل عليهم الصبا فأطفأت نيرانهم وقطعت أطنابهم فقال رسول الله ﷺ نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
وقد أخرج ابن سعد عن سعيد بن جبير قال: "لما كان يوم الخندق أتى جبريل ﵇ ومعه الريح فقال حين
_________________
(١) ١ الحرة عكس المملوكة والأمة. ٢ القائل هو البزار في كشف الأستار ٢/٣٣٦. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٣٩.
[ ٤١٠ ]
أتى جبريل: "ألا أبشروا ثلاثًا"، فأرسل الله عليهم الريح فهتكت القباب، وكفأت القدور، ودفنت الرحال١، وقطعت الأوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد فأنزل الله تعالى: " ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٢.
وقد روى البيهقي في الدلائل حديثًا بهذا المعنى عن طريق زيد بن أسلم أن رجلًا قال لحذيفة: "أدركتم رسول الله ﷺ ولم ندركه إلى أن ذكر حذيفة ﵁ خبر انطلاقه إلى معسكر الكفار، وأنهم تجادلوا، وبعث الله عليهم الريح فما تركت لهم بناء إلا هدمته ولا إناء إلا أكفأته"٣.
قال الحافظ ومن طريق عمرو بن سريع عن حذيفة نحوه وفيه: "أن علقمة بن علاثة صار يقول يا آل عامر إن الريح قاتلني، وتحملت قريش وإن الريح لتغلبهم على بغض أمتعتهم٤. وقد تقدم في دور حذيفة أنه وجد الريح في معسكر بني عامر وأنها ما تجاوزهم شبرًا وأنهم يقولون يا آل عامر الرحيل الرحيل".
_________________
(١) ١ الرحال: جمع رحل وهو مركب يوضع على ظهر البعير. القاموس ٣/٣٨٣. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٧١. ٣ دلائل النبوة ٣/٤٥١. ٤ فتح الباري ٧/٤٠٠.
[ ٤١١ ]
الريح التي سلطها الله سبحانه على الأحزاب:
في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري١ ومسلم٢ وأحمد٣ وغيرهم أن الريح التي نصر بها رسول الله ﷺ هي (الصبا) . والصبا كما قال الحافظ: "هي بفتح المهملة وتخفيف الموحدة الريح الشرقية، وضدها الدبور وهي الريح الغربية ذلك لأنه حصل خلاف حول الريح التي نصرت رسول الله ﷺ فمع كون الأحاديث صرحت بأنها هي الصبا جاءت بعض الأحاديث بأن الحوار حصل بين الشمال، والجنوب، وحصل اختلاف حول التي أبت من نصر رسول الله ﷺ فقيل إن التي أبت هي الشمال وقيل إنها الجنوب".
لكن الحافظ بين أن هذا الخلاف ليس له معنى وأن الصبا والدبور متعاكسان يقابلان الشمال والجنوب وهذا كلامه:
الصبا: "يقال لها القبول بفتح القاف لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس، وضدها الدبور وهي التي أهلكت بها قوم عاد"٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٥/٤٧. ٢ صحيح مسلم ٢/٦١٧. ٣ مسند الأمام أحمد ١/٢٢٣، ٣٢٤، ٣٤١، ٣٥٥، ٣٧٣. ٤ فتح الباري ٢/٥٢١.
[ ٤١٢ ]
قال الحافظ ومن لطيف المناسبة: "كون القبول نصرت أهل القبول وكون الدبور أهلكت أهل الأدبار، وأن الدبور أشد من الصبا١ قال: "ولما علم الله رأفة نبيه ﷺ بقومه رجاء أن يسلموا سلط عليهم الصبا؛ فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين لما أصابهم بسببها من الشدة، ومع ذلك فلم تهلك منهم أحدًا ولم تستأصلهم".
ومن الرياح أيضا: "الجنوب والشمال فهذه الأربع تهب من الجهات الأربع، وأي ريح هبت من بين جهتين منها يقال لها النكباء بفتح النون وسكون الكاف بعدها موحدة ومد"٢.
وقال الحافظ في موضع آخر: "وقيل إن الصبا هي التي حملت قميص يوسف ﵇ إلى يعقوب ﵇ قبل أن يصل إليه وإنها هي التي تؤلف السحاب وتجمعه"٣.
وقال الهمداني٤: "رياح المشرق القبول وهي الصبا، ويقابلها من المغرب الدبور، والجنوب تهب من اليمن، ويقابلها الشمال، وما هب بين
_________________
(١) ١ فتح الباري ٢/٥٢١. ٢ فتح الباري ٢/٥٢١. ٣ فتح الباري ٦/٣٠١. ٤ هو: الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود بن سليمان بن عمرو بن الحارث الهمداني ويعرف بابن الحائك أبو محمد عالم أديب من مؤلفاته الأكليل في مفاخر قحطان وذكر اليمن ت ٣٣٤. معجم المؤلفين ٣/٣٠٤.
[ ٤١٣ ]
الجنوب والقبول يسمى النكباء، وما بين الجنوب والدبور الداجن، وما بين الشمال والدبور وهي مقابلة النكباء: "أزيب وساق الكلام إلى أن قال اثنتا عشرة ريحًا لاثني عشر برجًا١ وتبعه في هذا المسعودي"٢.
وهكذا يتبين أن لله ﷾ جنودًا أقوياء ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ٣، فقد سلط الله سبحانه هذا النوع من جنده فزلزلت الأعداء، وأزعجهم هذا الوضع وخاصة بعد أن حصل ما حصل من التخذيل بينهم وبين حلفائهم اليهود، وظن بعضهم ببعض سوءًا. ووصل الخلاف والتنافر بين الفريقين إلى درجة أصبح الحلف العسكري المعقود بينهما في حكم المنتهي وصار كل فريق يحمل الآخر مسؤولية انفصام عرى هذا الحلف.
عندئذ سلط الله عليهم القوة الإلهية. وقد فكرت عندئذ القيادة المشتركة للأحزاب في إنهاء الحصار المضروب على المدينة، والرجوع بجيوشها كلٌ إلى بلاده، وترك اليهود وشأنهم ليلقوا مصيرهم الرهيب، وفي النهاية وعندما أذن الله وأراد نصر أوليائه هبت على المنطقة التي يعسكر
_________________
(١) ١ صفة جزيرة العرب ٣٠٠. ٢ التنبيه والأشراف ص ١٦. ٣ سورة المدثر جزء من آية ٣١.
[ ٤١٤ ]
فيها الأحزاب رياح قوية كانت لقوتها تقتلع الخيام وتهد الأبنية وتكفأ القدور، ولا تترك نارًا تشتعل مما جعل أبو سفيان يقول: "يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام فقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل"١.
وقد بلغ من خوف القوم عندما توالت عليهم عوامل الهزيمة أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم – ليتعرف كل منكم أخاه وليمسك بيده حذرًا من أن يدخل بينكم عدو.
وقد حل عقال بعيره يريد أن يبدأ بالرحيل، فقال له صفوان بن أمية إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي، فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور المرتحلين حتى لا يدهموا من ورائهم، وأزاح الله عن المسلمين تلك الغمة، ولولا لطف الله وعنايته بهذا الدين منّة منه وفضلًا لساءت الحال وكان جلاء الأحزاب في ذي القعدة٢.
_________________
(١) ١ الاكتفاء ٢/١٧٥. ٢ نور اليقين ١٥٥.
[ ٤١٥ ]
حقيقة أنها نعمة، وأيما نعمة! حيث انقشعت الغمة، وخلص الله المسلمين من براثن المحنة، وقطف المؤمنون الصادقون ثمار صدقهم، وصبرهم، وثباتهم، مع نبيهم الحبيب ﷺ في تلك الليالي الرهيبة، المرعبة، التي زاغت فيها الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فقد أخذت جيوش الأحزاب في فك الحصار عن المدينة.
وأخذت كتائبهم تولي الأدبار تجر أذيال الخيبة والخسران لم تجن من غزوها الكبير هذا سوى التعب والنصب١ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢ ذلك؛ لأن المسلمين رغم قلتهم وقلة عتادهم فقد نصرهم الله؛ لأنهم كانوا يدافعون عن عقيدة سامية ارتضاها الله لهم، لا كما يدافع المسلمون اليوم عن الحزب والوطن والتراب ويزعمون أنهم ينصرون بسبب إخلاصهم لتلك المبادئ الفانية.
وهذا والله هو من أسباب الخذلان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) ١ غزوة الأحزاب لمحمد باشميل ٢٦٧. ٢ سورة الحج الآية ٤٠.
[ ٤١٦ ]
المبحث الثاني: "نتائج الغزوة
بالنظر في وقائع هذه الغزوة وبالرجوع والتفكير في مقدماتها وعندما ترى أو تسمع اجتماع تلك الجيوش الجرارة يحدوها الحقد والكراهية وترفرف عليها فكرة استئصال شوكة الإسلام والمسلمين. تلك الفكرة التي كان اليهود سببًا في رواجها وانتشارها بين جيوش الأحزاب عندما تنعم النظر في ذلك كله وترجع إلى المقاييس المادية – الأكثر يغلب الأقل- وتنسى قدرة الله ﷾.
تعلم علم اليقين أن عشرة آلاف أو أكثر تستطيع أن تهزم عدوها والذي كان يبلغ عدده على الأكثر وفي أغلب الأقوال ثلاثة آلاف.
بيد أن ابن إسحاق قال: "إنهم كانوا سبعمائة فقط"١.
وقال ابن حزم: "إنهم كانوا تسعمائة قال وهو الصحيح"٢ وقد تقدم الراجح أنهم كانوا ثلاثة آلاف. لكن الله سبحانه قوي عزيز فقد أمد هذه القلة بنصر من عنده، وأعانهم بجند من جنده، وزودهم بثبات وطمأنينة فهونّ أمامهم المصائب والمحن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد ٣/٢٧١، ورده عليه وقال هذا غلط من خروجه يوم أحد. ٢ جوامع السيرة ١٨٧.
[ ٤١٧ ]
عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١ الآية.
إذن فالمقاييس عنده تختلف، إذ أنها ليست على حسب الكثرة أو القوة، ولكن القلوب التي ملئت بتوحيده ﷾، وملئت بالتقوى التي تهون أمامها الدنيا وزخارفها أصبح الواحد منهم يتصور الجنة وكأنه ينظر إليها ومنهم من بشر بها وهو على قيد الحياة؛ فرخصت أنفسهم في سبيل الله لما أعد لهم سبحانه من نعيم مقيم، وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فكانوا يخرجون سراعًا مع النبي ﷺ ولا تهمهم قلتهم وكثرة عدوهم؛ لأن الله سبحانه كان يشد من أزرهم فيرسل معهم جندًا من جنوده الكثيرة، فقد أرسل معهم في بدر كما هو معلوم ملائكته فحاربت مع المسلمين.
وفي هذه الغزوة يخبر الله ﷾ أنه رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا ما أرادوا مما اجتمعوا عليه وذلك أنهم أرادوا في الواقع استئصال تلك القلة المباركة فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٩. ٢ سورة الأحزاب الآية ٢٥.
[ ٤١٨ ]
قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين لكانت هذه الريح أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، لكنه قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ١. فسلط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وأراء.
فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم٢ لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ﷺ بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه٣. فقال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ .
كان ذلك نتيجة واستجابة من الله لدعاء نبيه ﷺ على الأحزاب فقد دعا عليهم بدعاء رواه البخاري ﵀ حيث قال:
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٣٣. ٢ الحنق: الغيظ: مختار الصحاح ١٥٩. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٦- ٤٧٧.
[ ٤١٩ ]
حدثنا محمد١، أخبرنا الفزاري٢ وعبدة٣ عن إسماعيل٤ بن أبي خالد قال: "سمعت عبد الله بن أبى أوفى٥ ﵄ يقول دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم٦ ". كما رواه مسلم٧، وأبو داود٨ والترمذي٩، وابن ماجه١٠، وعبد بن حميد١١، وأحمد١٢.
_________________
(١) ١ محمد بن سلام بن الفرج السلمي مولاهم البيكندي أبو جعفر - ثقة ثبت -. التقريب ٣٠١. ٢ مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة ثم دمشق - ثقة حافظ - وكان يدلس أسماء الشيوخ. التقريب ٣٣٣. ٣ عبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي يقال اسمه عبد الرحمن - ثقة ثبت -. التقريب ٢٢٣. ٤ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي - ثقة ثبت - التقريب ٣٣. ٥ عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي صحابي جليل شهد الحديبية وعمر بعد النبي ﷺ دهرًا مات سنة سبع وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. التقريب ١٦٨، الاستيعاب ٣/٧. ٦ صحيح البخاري ٥/٩٢ كتاب المغازي، صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/١٠٦، ٦/١٢٠، ٧/٤٠٦. ٧ صحيح مسلم ٣/١٣٦٣ كتاب الجهاد. ٨ سنن أبي داود ٣/٩٦. ٩ سنن الترمذي ٣/١١٣. ١٠ سنن ابن ماجه ٢/٩٣٥. ١١ المنتخب من مسند عبد بن حميد ١/١٨٦ حديث رقم (٥٢٣) . ١٢ مسند الإمام أحمد ٤/٣٥٣،٣٥٥،٣٨١.
[ ٤٢٠ ]
وقد قال الحافظ أثناء شرحه لهذا الحديث: قوله: "اللهم منزل الكتاب الخ".
أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى قوله تعالى: " ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ١، وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة وتسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى وحيث يستقر في مكانه مع هبوب الريح وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر.
فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم قال وكلها أحوال صالحة للمسلمين.
ثم قال: "وروى الإسماعيلي٢ في هذا الحديث من وجه آخر أنه ﷺ دعا أيضًا فقال: "اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم". ثم قال: "ولسعيد بن منصور٣
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية ١٤. ٢ هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني ولد عام (٢٧٧) من تصانيفه الصحيح على شرط البخاري والفرائد والعوالي وغيرهما. انظر السير ١٦/٢٩٢. ٣ سعيد بن منصور بن شبه أبو عثمان الخراساني نزيل مكة ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به مات سنة (٢٢٧) التقريب ١٢٦.
[ ٤٢١ ]
من طريق أبي عبد الرحمن الحُبليِّ١ عن النبي ﷺ مرسلًا نحوه لكن بصيغة الأمر عطفًا على قوله " وسلوا الله العافية " في حديث آخر، فإن بليتم بهم فقولوا (اللهم) فذكره وزاد "وغضوا أبصاركم" واحملوا عليهم على بركة الله أهـ٢.
ثم كفى الله المؤمنين القتال، ونصر عبده، وأعز جنده؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده" رواه البخاري٣، ومسلم٤، وأبو داود٥، والنسائي٦، وابن ماجه٧، ومالك٨، وأحمد٩. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ . إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش١٠.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة –ثقة- وقد تقدم في ص ٢٧٣. ٢ فتح الباري ٦/١٥٧. ٣ صحيح البخاري ٥/٤٩ كتاب الجهاد. ٤ صحيح مسلم ٢/٩٨٠ كتاب الحج باب ما يقوله إذا قفل من سفر الحج وغيره. ٥ سنن أبي داود ٣/٢١٤ كتاب الجهاد. ٦ سنن النسائي القسامة ٣٤. ٧ سنن ابن ماجة ٢/٨٧٨ كتاب الديات. ٨ موطأ مالك ٢٤٣. ٩ مسند الإمام أحمد ١/٤٤٤، ٢/٥، ١٠، ١١، ١٥، ٢١، ٣٨، ٦٣. ١٠ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧.
[ ٤٢٢ ]
وهكذا حصل حيث أن المشركين لم يغزوا المسلمين بعدها بل غزاهم المسلمون في بلادهم. أشار إلى ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀ حيث قال: "حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان١ عن أبي إسحاق٢، عن سليمان بن صرد٣ قال: "قال النبي ﷺ يوم الأحزاب "نغزوهم ولا يغزوننا" ٤.
كما رواه أحمد٥.
وقد رواه البخاري من وجه آخر عن عبد الله بن محمد وقد صرح فيه بسماع أبي إسحاق له منه وفيه زيادة وهي كالآتي:
قال البخاري ﵀: حدثني عبد الله بن محمد٦، حدثنا يحى بن آدم٧، حدثنا إسرائيل٨
_________________
(١) ١ سفيان هو الثوري وقد تقدم. ٢ هو السبيعي وقد تقدم. ٣ سليمان بن صرد بضم المهملة وفتح الراء بن الجون الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابي قتل بعين الوردة سنة (٦٥هـ) وعين الوردة جهة كربلاء بالعراق. التقريب ١٣٤، والاستيعاب ٢/٢١٠. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٨. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/٢٦٢. ٦ هو المسندي. سمي بذلك لأنه كان يحب الإسناد ويرغب عن المرسلات وقد تقدم. ٧ هو يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي. وقد تقدم. ٨ إسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو سيف الكوفي ثقة تكلم فيه بلا حجة. التقريب ٣١.
[ ٤٢٣ ]
سمعت أبا إسحاق يقول: "سمعت سليمان بن صرد يقول: "سمعت النبي ﷺ يقول حين أجلى الأحزاب عنه الآن: "نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم١".
لذلك قال ابن كثير قال ابن إسحاق: "لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم". فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله ﷺ هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله تعالى مكة٢ كما رواه الطبراني٣. وقد أورده الهيثمي وقال رواه البزار ورجاله ثقات٤.
مما تقدم نرى أن هذه الغزوة كانت نتيجتها هي انتصار المسلمين، وانهزام أعدائهم، وتفرقهم، ورضاهم من الغنيمة بالإياب٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٥/٤٨. ٢ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧. ٣ المعجم الكبير ٧/١١٥. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٩. ٥ قال في مجمع الأمثال ١/٢٩٥، وأول من قاله امرؤ القيس بن حجر في قوله: ولقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب ويقال عند القناعة بالسلامة.
[ ٤٢٤ ]
وقد أخبر الرسول ﷺ بأنهم – أي الأحزاب – أو كفار قريش لا يغزوا المسلمين بعد هذه الغزوة وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ حيث حصل ذلك حتى فتح مكة تلك التي أخرجه كفارها في بداية ظهور الإسلام، وخرج منها خائفًا يترقب، ولكنه بقوة الله وتأييده رجع إليها فاتحًا رافعًا راية التوحيد، حامدًا ربه شاكرًا له.
[ ٤٢٥ ]