الفصل الأول: الخائضون في الإفك وتنفيذ الحد
المبحث الأول: التحقيق فيمن تولي كبر الإفك
المبحث الأول: التحقيق فيمن تولى كبر الإفك
إن الحق الذي لا مرية فيه ولا شبهة، أن الذي تولى كبر الإفك١ هو: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وبذلك تظاهرت الروايات عن عائشة ﵂، وهي صاحبة القصة.
فقد بوب البخاري بقوله: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية:١١] .
ثم ساق بسنده: حدثنا أبو نعيم٢، حدثنا سفيان٣ عن معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١] . قالت: "
_________________
(١) ١ الإفك: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه فالإفك إذا هم الحديث المقلوب. انظر تفسير الشوكاني ٤/ ١٢. ٢ أبو نعيم هو الفضل بن دكين، الكوفي، الملائي، بضم الميم بعدها لام خفيفة مشهور بكنيته، مولى تيم، ثقة ثبت، من التاسعة، (ت ٢١٨ وقيل ٢١٩) وهو من كبار شيوخ البخاري/ ع. التقريب ٢/ ١١٠. ٣ سفيان هو الشوري.
[ ٢٢٧ ]
عبد الله بن أبي ابن سلول"١. وعنده أيضا من رواية صالح بن كيسان عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول"٢.
وفي رواية فليح بن سليمان والليث عن يونس٣ عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول"٤.
وعند مسلم من رواية يونس ومعمر كلاهما عن الزهري "وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول"٥.
فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وما كنا بحاجة إلى الكلام في هذا وتثبيته بالأدلة والبراهين، بعد أن استفاض أن صاحب هذه المقالة الخبيثة هو عبد الله بن أبي ابن سلول، لولا ورود ما يشير إلى أن حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ممن تولى كبره أيضا.
وذلك أيضا فيما رواه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه٦ ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة٧.
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ٨٤ كتاب التفسير. ٢ المصدر السابق ٥/ ٩٦ كتاب المغازي، باب حديث الإفك. ٣ تقدمت ترجمته مع بقية تراجم رجال الأسانيد. ٤ البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا و٦/ ٨٤ كتاب التفسير باب قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ . ٥ صحيح مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة. ٦ يستوشيه: الأصل فيه: استخراج الحديث باللطف والسؤال والبحث عنه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/ ١٩٠. ٧ البخاري ٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله تعالى: ﴿إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ . ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٣ تفسير سورة النور.
[ ٢٢٨ ]
وعند أحمد والطبري من رواية هشام المذكورة: "وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره ومسطح وحسان وثابت"١.
وورد عند البخاري ومسلم: حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي٢، أنبأنا شعبة٣، عن الأعمش٤ عن أبي الضحى٥ عن مسروق، قال: "دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بريبة وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل٦
قالت: "لست كذاك"٧.
قلت: "تدعين مثل هذا يدخل عليك"، وقد أنزل الله ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ . فقالت: "وأي عذاب أشد من العمى".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٨٩. ٢ هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب لجده، وقيل هم إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، (ت١٩٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ١٤١. ٣ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، أبو بسطام، بكسر الموحدة وسكون المهملة، الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا من السابعة، (ت١٦٠) / ع. التقريب ١/ ٣٥١. ٤ الأعمش مدلس وقد عنعن ولكن لا تضر عنعنته هنا، لأن الراوي عنه شعبة، وقد قال كفيتكم تدليس الأعمش وأبي إسحاق وقتادة، قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ١٧٦: فإذا جاء حديثهم من طريق شعبة، بالعنعنة حمل على السماع جزما. ٥ مسلم بن صبيح مصغرا الهمداني أبو الضحى الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة (ت١٠٠) /ع. المصدر السابق٢/ ٢٤٥. ٦ هذا البيت من جملة أبيات قالها حسان يعتذر إلى عائشة، والمراد بالحصان هنا العفيفة، والرزان: الملازمة موضعها التي لا تتصرف كثيرا، وامرأة رزان إذا كانت ذات ثبات ووقار وعفاف وكانت رزينة في مجلسها، وما تزن بريبة: أي ما تتهم، وغرثى: أي جائعة، والغوافل: جمع غافلة يريد أنها لا ترتع في أعراض الناس، انظر ديوان حسان بن ثابت ص ٣٢٤ ٧ لست كذلك: بل اغتبت وخضت في قول أهل الإفك.
[ ٢٢٩ ]
وقالت: "وقد كان يرد عن رسول الله ﷺ"لفظ البخاري١.
قلت: الذي يظهر في هذا المقام أن الذي بدأ بالكلام في الإفك وكان يصول فيه ويجول هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يجمع الناس في بيته ممن هم على شاكلته في الخبث والنفاق وكان يذيع ذلك ويردده مع عصابته وأهل بيته، ولما انتشر الكلام في ذلك من قبلهم، وكانوا يتناقلونه فيما بينهم، أثر ذلك في بعض المؤمنين فانزلقوا معهم، وصاروا يتكلمون بذلك مع من تكلم، ويرددون قول الإفك والنفاق دون وعي وإدراك لما يقصده ابن أبي من وراء ذلك.
فقد روى إسحاق بن راهويه: أخبرنا يحيى٢ بن آدم نا ابن أبي زائدة٣ وهو يحيى بن زكرياء عن محمد٤ بن عمرو عن يحيى٥ بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره عن عائشة قالت: لما قال أهل الإفك ما قالوا دخل علي رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ هؤلاء الآيات وكان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته عبد الله بن أبي ابن سلول٦.
وأورد الطبري الأحاديث التي يفهم منها أن حسان بن ثابت ومسطحا وحمنة ممن تولى كبر الإفك ثم عقب بقوله: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك كان عبد الله بن أبي، وذلك أنه
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ٨٨ تفسير سورة النور ومسلم ٧/ ١٦٣ كتاب فضائل الصحابة. ٢ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكرياء مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة (ت٢٠٣) / ع. التقريب ٢/ ٣٤١. ٣ يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الهمداني، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن من كبار التاسعة (ت١٨٣ أو ١٨٤) /ع. المصدر السابق ٢/ ٣٤٧. ٤ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ١٩٦. ٥ يجيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، أبو محمد أو أبو بكر، المدني، ثقة من الثالثة، (ت١٠٤) /م عم. المصدر السابق ٢/ ٣٥٢. ٦ مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ق ١٣٥ ب وتفسير الطبري ١٨/ ٨٩.
[ ٢٣٠ ]
لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم عبد الله بن أبي ابن سلول"١. وأورد عن ابن زيد أنه قال: "أما الذي تولى كبره منهم فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها". وقال ابن القيم أثناء شرحه لقصة الإفك: "ولما قدم صفوان لعائشة، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ورأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه"٢.
وقال ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ الآية. فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن إلى أن قال: " ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث". وقال ذلك مجاهد وغير واحد.
ثم قال: "وقيل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ: "هاجهم ٣ وجبريل معك" ٤ انتهى.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٨/ ٨٩ وانظر فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٢. ٢ زاد المعاد ٢/ ١٢٦ وانظر تفسير مجاهد بن جبير. سورة النور، ص ٤٢٧ ومسند أبي يعلى ٤/ق، ٤٤٧.أ ٣ الحديث في صحيح مسلم ٧/ ١٦٣ (كتاب فضائل الصحابة) ونصه: "حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عدي" وهو ابن ثايت قال: سمعت البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان بن ثابت: "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك" ومن طريق الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة أنشدك الله هل سمعت النبي ﷺ يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ اللهم أيده بروح القدس"، قال أبو هريرة: "نعم". ومن طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه أن حسان بن ثابت كان ممن كثر على عائشة فسببته فقالت: "يا ابن أختي دعه فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ". ٤ تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦٨ و٢٧٢.
[ ٢٣١ ]
وقال ابن حجر أثناء شرحه للآية المذكورة ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: "هو عبد الله بن أبي وبه تظاهرت الروايات عن عائشة من قصة الإفك المطولة"١.
وقال تحت قول مسروق "تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ ٢ قال: "وهذا مشكل لأن ظاهره أن المراد بقوله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ هو حسان بن ثابت، وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أبي وهو المعتمد"٣، انتهى.
قلت: وسيأتي أيضا موقف الزهري مع الوليد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك عندما قالا: الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب فغضب الزهري وقال: "هو عبد الله بن أبي ابن سلول" وساق بسنده إلى عائشة أنها قالت: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبي"٤.
وبهذا يتضح أن الذي تفوه به وتولى عبأه وتبعته هو عبد الله بن أبي. وهو الذي ترجح عند المحققين من أهل العلم٥. ويؤيده أن الآية الكريمة هددت الذي تولى كبره بالعذاب العظيم قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٥٢. ٢ تقدم الحديث، ص ٢٢٩. ٣ فتح الباري ٨/ ٤٥٢ و٤٨٥. ٤ انظر ص ٢٦١ وما بعدها. ٥ انظر الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي ١٢/ ٢٠٠ وروح المعاني للألوسي ١٨/ ١٠٥- ١٠٦ وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان ٦/ ٣٣٠.
[ ٢٣٢ ]
وهذا التهديد يتناسب مع نفاق عبد الله بن أبي، وأما من ذكر من الصحابة المشهود لهم بالخير ولبعضهم بالجنة، فإنهم لا يدخلون في هذا الوعيد كما هو ظاهر، وإنما هؤلاء يدخلون في مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، [سورة النور الآية: ١٢] .
فهذا عتاب للمؤمنين الذين تورطوا وانخدعوا بدعايات النفاق وأكاذيب المرجفين، والآيات التي تضمنت قصة الإفك واضحة في سياقها ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، وهذا هو مطلع هذه الآيات وسياقها ثم ذكرت أن الذي تولى كبره من هذه العصبة واحد منهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، ولا شك أن هذا الأسلوب القرآني في سباقه ولحاقه يدل على واحد معين من هذه العصبة، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول، كما في الصحيح وغيره بخلاف ما قد يفهم من بعض الروايات التي ألحقت حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش بابن أبي في تولي كبر الإفك، فهؤلاء جماعة والآية تشير إلى واحد من عصبة الإفك، فالتعبير (بالذي) وإعادة الضمير إليه مفردا مرتين في قوله: ﴿كِبْرَهُ﴾ وقوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع ذكر العصبة سابقا واضح في أن المراد واحد بعينه من هذه العصبة هو الذي تولى كبره وعظمه١.
وقد وضحته الروايات الصحيحة المتضافرة أنه رأس النفاق ابن سلول، وبهذا التقرير يندفع الإشكال وتتضح الحال، ويظهر أن هؤلاء الصحابة الأجلاء لا يصلح منهم أن يكون هو المراد بهذا التولي لكبر الإفك.
وإذا درسنا الآيات وتأملنا سياقها سياقًا ولحاقًا اتضح أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ليس مرادا بتولي كبر الإفك، لأن العتاب الذي عوتب به هؤلاء، نصت عليه الآيات في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، ولا شك أن صفة الإيمان ثابتة لحسان ومسطح وحمنة، ومنتفية عن عبد الله بن أبي ابن سلول، وإن كان في الظاهر مسلما، فيكون هذا العتاب لهؤلاء المؤمنين الذين تورطوا في هذه الدعاية السيئة
_________________
(١) ١ انظر روح المعاني للألوسي ١٨/ ١٠٥- ١٠٦.
[ ٢٣٣ ]
غفلة منهم وانخداعا ببهرج النفاق وزخرف قوله، يوضح ذلك تعقيبه جل شأنه على قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١٤]، بقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ١ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية: ١٥]، فهذه الآية توضح أن هؤلاء المؤمنين خدعوا بهذه الأكاذيب وسرت فيهم أراجيف المنافقين وأباطيلهم فصاروا يرددون قول أهل الزيغ والنفاق دون وعي وإدراك لمقصد المنافقين من وراء هذا القول الشنيع.
وبهذا يكون الذي تولى كبر الإفك وحمل لواءه وإشاعته بين الناس هو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق.
وأما ذكر بعض الروايات لحمنة وحسان ومسطح مع عبد الله بن أبي ابن سلول، فيفسر ذلك على أنهم ذكروا من باب التبعية لا أنهم تولوا كبر الإفك أصالة، وإنما الذي تولاه هو ابن أبي ابن سلول المنافق، لكنهم حين قالوا بقالته ذكروا معه تبعا، والله أعلم٢.
_________________
(١) ١ تلقونه: بفتح التاء وتشديد اللام، وهو من التلقي وإحدى التائين فيه محذوفة وهي القراءة المشهورة، وكانت عائشة تقرأ ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بكسر اللام وضم القاف مخففا، وتقول: الولق- بفتح الواو وسكون اللام بعدها قاف- الكذب. وقد وردت القراءة الأخيرة عن عائشة في صحيح البخاري ٦/ ١٠٠ من كتاب التفسير وهذا سياقه حدثني يحيى حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وتقول: الولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم من غيرها بذلك لأنه نزل فيها. ٢ انظر مجمع الزوائد للهيثمي٧/ ٧٧وتفسير سورة النور للمودودي، ص١٢٦- ١٢٧.
[ ٢٣٤ ]
المبحث الثاني: إقامة الحد على القاذفين
ذكر البخاري: تحت قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، [سورة آل عمران، من الآية: ١٥٩] .
[ ٢٣٤ ]
"وشاور١ عليا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة، فسمع منهما٢ حتى نزل القرآن٣ فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم٤، ولكن حكم بما أمره الله"٥.
قال ابن حجر: قوله: "فجلد الرامين"لم يقع في شيء من طرق حديث الإفك في الصحيحين ولا أحدهما.
وهو عند أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزلت برائتي قام رسول الله ﷺ على المنبر فدعا بهم وحدهم"، وفي لفظ: "فأمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم"، وسموا في رواية أبي داود: مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش.
قال الترمذي: "حسن٦ لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق من هذا الوجه". ثم قال ابن حجر: "قلت: ووقع التصريح بتحديثه٧ في بعض طرقه"٨.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: أما أصل مشاورتهما فذكره البخاري موصولا في هذا الباب باختصار، وتقدم في سورة النور في قصة الإفك. انظر فتح الباري ١٣/ ٣٤٢ وانظر الحديث في البخاري ٩/ ٩١ كتاب الاعتصام و٦/ ٨٤ باب ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ . ٢ الضمير لعلي وأسامة. قال ابن حجر: فسمع كلامهما ولم يعمل بجميعه حتى نزل الوحي، فلم يعمل بما أومأ إليه علي من المفارقة في قوله: (والنساء سواها كثير)، وعمل بقوله: (وسل الجارية) فسألها. وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة ولكنه أذن لها في التوجه إلى بيت أبيها. فتح الباري ١٣/ ٣٤٢. ٣ هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [بسورة النور، من الآية: ١١] . ٤ قوله: (إلى تنازعهم) قال ابن بطال عن القابسي: كأنه أراد تنازعهما فسقطت الألف، لأن المراد أسامة وعلي، وقال الكرماني: القياس أن يقال تنازعهما إلا أن يقال أن أقل الجمع اثنان. أو أراد بالجمع علي وأسامة ومن معهما أو من وافقهما على ذلك. المصدر السابق ١٣/ ٣٤٢. ٥ صحيح البخاري ٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ . ٦ في النسخة الموجودة بأيدينا (حسن غريب) . ٧ الضمير لابن إسحاق ووقع تصريحه بالتحديث عن شبخه عبد الله بن أبيبكر عند البيهقي كماذكر ذلك العراقي، ووقع أيضا في سيرة ابن هشام. انظر السيرة٢/٢٩٧. ٨ فتح الباري ١٣٠/٣٤٢.
[ ٢٣٥ ]
قلت: الحديث الذي أشار إليه ابن حجر أنه عند أحمد وأصحاب السنن هو: حدثنا محمد بن بشار ثنا ابن أبي عدي١ عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة٢ بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: "لما نزل عذري٣ قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن٤، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم"٥.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق" قال العراقي٦ بعد أورد قول الترمذي هذا: "قلت: قد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند البيهقي".
قال الشارح: "فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، لأن المشهور قبول حديث ابن إسحاق، إلا أنه مدلس فإذا صرح بالتحديث كان حديثه مقبولًا"٧.
والحديث المشار إليه عند البيهقي: هو أخبرنا أبن عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس٨ محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة
_________________
(١) ١ ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم، وعبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن حزم وقد تقدمت ترجمتهما. ٢ عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زررة الأنصارية، المدنية، أكثرت عن عائشة ثقة من الثالثة، (ت قبل المائة) . ويقال بعدها/ع. التقريب ٢/ ٦٠٧. ٣ تريد الآيات الدالة على براءتها مما رماها به أصحاب الإفك. ٤ هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، إلى آخر الآيات النازلة في ذلك. ٥ الترمذي ٥/ ١٧ تفسير سورة النور وابن ماجة ٢/ ٨٥٧ في الحدود، باب حد القذف وأبو داود فيه ٢/ ٤٧١ ومصنف عبد الرزاق ٥/ ٤١٩ وأحمد ٦/ ٦١. ٦ هو الإمام الحافظ الحجة المحدث الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين ابن عبد الرحمن بن أبي بكر العراقي الشافعي. صاحب الألفية في علم الحديث وصاحب التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح (ت٨٠٦) مقدمة التبصرة والتذكرة شرح ألفية العراقي ١/٩ و١٨. ٧ طرح التثريب شرح التقريب ٨/ ٧٢. ٨ أبو العباس: محمد بن يعقوب هو الأصم وقد تقدمت ترجمته مع بقية رجال الإسناد.
[ ٢٣٦ ]
﵂ قالت: "لما تلا رسول الله ﷺ القصة التي نزل بها عذري على الناس نزل رسول الله ﷺ فأمر برجلين وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد قال: وكان رماها عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رموها بصفوان بن المعطل السلمي". وكذلك رواه محمد بن أبي عدي عن محمد بن إسحاق١.
والحديث أورده أبو داود من طريق ابن أبي عدي وهذا نصه:
حدثنا قتيبة٢ بن سعيد الثقفي ومالك٣ بن عبد الواحد المسمعي، وهذا حديثه أن ابن عدي حدثهم عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزل عذري قام النبي ﷺ على المنبر فذكر ذاك وتلا- تعني القرآن- فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم"٤.
ومن طريق محمد بن مسلمة وهذا نصه: حدثنا النفيلي٥، ثنا محمد ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، بهذا الحديث ولم يذكر عائشة٦، قال: فأمر
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٥٠ كتاب لحدود، باب ما جاء في حد قذف المحصنات. ٢ قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة، ثقة ثبت، من العاشرة، (ت٢٤٠) /ع. التقريب٢/ ١٢٣. ٣ مالك بن عبد الواحد المسمعي أبو غسان البصري ثقة من العاشرة، (ت٢٣٠) / م د. المصدر السابق ٢/ ٢٢٥. ٤ سنن أبي داود ٢/ ٤٧١ كتاب الحدود باب في حد القذف. ٥ هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل أبو جعفر النفيلي، الحراني، ثقة حافظ من كبار العاشرة (ت٢٣٤) / خ عم. المصدر السابق ١/ ٤٤٨. ٦ قال صاحب عون المعبود: والحديث أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/ ١٧٤. قال ابن الصلاح: "ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث – فيما حكاه الخطيب أبو بكر – أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرة ناقصا ومرة أخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا، خلافا لمن رد من أهل الحديث مطلقا، وخلافا لمن رد الزيادة منه ومن قبلها من غيره". انظر مقدمة ابن الصلاح ص ١١١- ١١٢ مع التقييد والإيضاح.
[ ٢٣٧ ]
برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة.
قال النفيلي: "ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش"١.
قلت: وقد صرح ابن إسحاق أيضا بتسميتهم في (مغازيه) في حديث عائشة الطويل في سياق قصة الإفك مصرحا بالتحديث وهذا نصه:
حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه٢، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة٣، ثم ساق الحديث وفي آخره "قال رسول الله ﷺ: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك"، قالت: "قلت: بحمد الله"، ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم"٤.
وأورده ابن جرير الطبري في التاريخ من هذه الطريق٥.
والحديث عند البزار من حديث أبي هريرة وفيه التصريح بتسميتهم أيضا وهذا نصه: عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق". الحديث
وفيه: "وكان رسول الله ﷺ يجيء فيقوم على الباب فيقول: "كيف تيكم" حتى جاء يوما فقال: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله عذرك"، فقالت: "بحمد الله لا بحمدك"، وأنزل الله في ذلك عشر آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، قال: "فحد رسول الله ﷺ مسطحا وحمنة وحسان"٦.
_________________
(١) ١ سنن أي داود ٢/ ٤٧١ كتاب الحدود باب في حد القذف. ٢ هو عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حج، ثقة من الثالثة/ع. التقريب ١/ ٣٩٢. ٣ تقدمت ترجمتهم. ٤ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧- ٣٠٢. ٥ ٢/ ٦١١- ٦١٦ وأورده في التفسير أيضا مختصرا ١٨/ ٩٣. ٦ مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٢٣٠.
[ ٢٣٨ ]
قال الهيثمي: "فيه محمد١ بن عمرو وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات. فهذان الحديثان صريحان في إقامة الحد على هؤلاء المذكورين تطهيرا لما علق بهم من درن مقالة أهل الإفك والافتراء، وكلا الحديثين حسن لذاته".
وعلى هذا فلا يلتفت إلى قول من قال بأن الحد لم يقم عليهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار٢. فهذان الحديثان من أبين البينات في ذلك.
وإنما الخلاف قائم في إقامة الحد على عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن الحديثين المذكورين لن يتعرضا لذكره أصلا، في إقامة الحد عليه أو عدمه.
وقد ورد عند الطبري من طريق هشام بن عروة عن أبيه التصريح بأن ابن أبي لم يسم في أهل الإفك، وهذا نص الحديث: حدثنا عبد الوارث٣ بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي٤، قال ثنا أبان العطار٥، قال: ثنا هشام بن عروة - عن عروة - أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: "كتبت إلي تسألني في الذين جاؤا بالإفك، وهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وأنه لم يسم منهم أحد٦ إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله"٧.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمرو بن علقمة بم وقاص الليثي تقدمت ترجمته. ٢ قائل هذا هو الماوردي. انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١. ٣ عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، أبو عبدة، صدوق، من الحادية عشرة، (ت٢٥٢) / م ت س ق. التقريب ١/ ٥٢٧. ٤ هو عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، العنبري، مولاهم، التنوري، أبو سهل صدوق، ثبت في شعبة، من التاسعة، (ت٢٠٧) /ع. المصدر السابق١/ ٥٠٧. ٥ أبان بن يزيد العطار، البصري، أبو يزيد، ثقة، له أفراد، من السابعة، (ت في حدود ١٦٠) / خ م د ت س. المصدر السابق ١/ ٣١. ٦ يريد لم يسم منهم أحد فيمن أقيم عليه الحد غير هؤلاء، ولا يريد أن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يذكر فيمن قال الإفك، بل هو الذي تولى كبره كما صرحت الأحاديث بذلك. ٧ تفسير الطبري ١٨/ ٨٦.
[ ٢٣٩ ]
وعند البخاري من رواية صالح بن كيسان: قالت عائشة: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول".
قال عروة: "أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره، ويستمعه ويستوشيه".
وقال عروة أيضا: "لم يسم من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى"١. ومن خلال هذه الأحاديث الصحيحة التي لم تتعرض لذكر عبد الله بن أبي ابن سلول فيمن أقيم عليه الحد، وإنما اقتصرت على ذكر الثلاثة المصرح بهم فيها جزم من جزم من العلماء بأن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يقم عليه الحد وذكروا عدة أشياء في وجه الحكمة في ترك إقامة الحد عليه، ومن الذاهبين إلى هذا:
القرطبي فإنه بعد أن ذكر ما ظاهره أن عبد الله بن أبي أقيم عليه الحد عقب بقوله: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح وحمنة بنت جحش، ولم يسمع بحد لعبد الله ابن أبي، ثم أورد حديث أبي داود٢ في إقامة الحد على هؤلاء الثلاثة دون عبد الله بن أبي ابن سلول، ثم أشار إلى وجه الحكمة في عدم إقامة الحد عليه فقال: قال علماؤنا: "وإنما لم يحد عبد الله بن أبي، لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه، مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد، إذ مقصوده إظهار القاذف وبراءة المقذوف كما قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾،" [سورة النور الآية: ١٣] ٣.
وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٩٦ كتاب المغازي باب حديث الإفك. ٢ تقدم حديث أبي داود ص ٢٣٧. ٣ آية ١٣ من سورة النور، وهي: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .
[ ٢٤٠ ]
لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود: "إنها كفارة لمن أقيمت عليه" كما في حديث١ عبادة بن الصامت ثم قال القرطبي أيضا: "ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه"٢ كما في صحيح مسلم٣.ا؟
٢- ابن القيم: وهذا نص كلامه:
قال: "ولما جاء الوحي ببراءة عائشة ﵂ أمر رسول الله ﷺ بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، ثم ذكر وجه الحكمة في ذلك. فقال:
أ- قيل لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد.
ب- وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه.
ج- وقيل: الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
_________________
(١) ١ الحديث في كتاب الحدود عند البخاري ٨/ ١٣٣ ومسلم فيه ٥/ ١٢٦- ١٢٧ وهذا لفظ البخاري عن عبادة بن الصامت قال: "كنا عند النبي ﷺ في مجلس، فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا"، وقرأ هذه الآية كلها، "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه". قلت: الآية هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، الخ. [سورة الممتحنة، من الآية: ١٢] . ٢ تفسير القرطبي ١٢/ ٢٠١- ٢٠٢. ٣ انظر الحديث في صحيح مسلم.
[ ٢٤١ ]
د- وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته عليه، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا، وهي تأليف قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعا فيهم، رئيسا عليهم، فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده، ثم قال في ختام كلامه: ولعله ترك لهذه الوجوه كلها، فجلد مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرا لهم وتكفيرا، وترك عبد الله بن أبي إذ فليس هو من أهل ذلك"١.ا؟
وقد وردت آثار تدل على أن عبد الله بن أبي ابن سلول ممن أقيم عليه الحد ولكنها كلها ضعيفة لا تقوم بمثلها الحجة، وفيما يأتي سردها وبيان ما فيها من ضعف:
حديث عبد الله بن عمر عند الطبراني فقد ساق قصة الإفك مطولا وفيه: "لما أنزل الله براءة عائشة قال النبي ﷺ: "يا عائشة قد أنزل الله عذرك"، فقلت: "بحمد الله لا بحمدك"، فتلا عليها رسول الله ﷺ سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه خبرها وعذرها وبراءتها فقال رسول الله ﷺ: "قومي إلى البيت" فقامت وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فأمر أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله ﷿ من البراءة لعائشة، ونزل رسول الله ﷺ، وبعث إلى عبد الله ابن أبي المنافق فجيء به فضربه النبي ﷺ حدين، وبعث إلى حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا ووجي في رقابهم، قال ابن عمر: "إنما ضرب النبي صلى الله عليه
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/ ١٢٧- ١٢٨ قال ابن حجر فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١ بعد أن نقل قول ابن القيم هذا: "وفاته أنه ورد أن ابن أبي ذكر فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أويس عن حسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في (الإكليل) مرسلا، وفيه رد على الماوردي حيث صحح أنه لم يحدهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار، وقيل: حدهم، وما ضعفه هو الصحيح المعتمد".
[ ٢٤٢ ]
وسلم حدين لأن من قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حدان"١ قال الهيثمي: "فيه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي وهو كذاب"٢.
ما رواه الطبراني أيضا عن سعيد بن جبير قال: "جلد النبي ﷺ حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي ومسطحا وحمنة بنت جحش كل واحد ثمانين جلدة في قذف عائشة"٣.
قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: والحديث مرسل والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند المحققين من أهل العلم.
ما رواه الحاكم في (الإكليل) من رواية أبي أويس٤ عن الحسن٥ بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلا. أن ابن أبي ممن جلد الحد٦ والحديث فيه علة الإرسال كالحديث الذي قبله.
وخلاصة القول: أن في إقامة الحد على عبد الله بن أبي ابن سلول قولين لأهل العلم.
الأول: أنه لم يقم عليه حد في ذلك وقد نصره القرطبي وابن القيم، وبينا الحكمة في ترك حده، كما سبق٧.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٧- ٢٤٠. ٢ انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ١/ ٢٥٣ فقد وصفه بأنه يأتي بالأباطيل، وأنه يضع الحديث، وبأنه كذاب، وذكر له عدة أحاديث من أباطيله، وفي نهاية ترجمته قال: قلت: مجمع على تركه. ٣ مجمع الزوائد ٧/ ٨٠. ٤ هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس المدني، قريب مالك، وصهره، صدوق يهم، من السابعة (ت ١٦٧) / م عم. التقريب. ٥ الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد المدني، صدوق يهم، وكان فاضلا، ولي إمرة المدينة للمنصور، من السابعة (ت١٦٨) / س. المصدر السابق ١/ ١٦٦. ٦ فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١ وهذا الحديث أورده ابن حجر ردا على ابن القيم في جزمه بأن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يقم عليه الحد. ٧ انظر ص ٢٣٩ وما بعدها.
[ ٢٤٣ ]
الثاني: أنه أقيم عليه الحد مع من حد من الصحابة وأشار إلى هذا القول ابن حجر في الفتح ومستند هذا القول هو هذه الروايات التي لا تخلو كل منها من مقال. والمسألة محتملة، ولكن أكثر أهل العلم أنه لم يقم عليه حد. والله أعلم.
[ ٢٤٤ ]
الفصل الثاني: مواقف بعض الصحابة من حادثة الإفك
المبحث الأول: صفوان المعطل
المبحث الأول: صفوان بن المعطل
أ- نسبه:
هو صفوان بن المعطل١ بن رحضة٢ بن المؤمل بن خزاعي بن محاربن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي الذاكوني٣، يكنى أبا عمرو٤.
_________________
(١) ١ المعطل: بضم الميم وفتح العين المهملة، وبالطاء المهملة، المفتوحة الثقيلة. ٢ وعند ابن حزم رخصة بدل رحضة) ثم ساق بقية نسبه كسياق ابن الكلبي. قال المعلق: والمعروف في أسمائهم (رحضة) . قلت: الظاهر أن هذه الكلمة صحفت من رحضة إلى (رخصة) بأن تكون النقطة تقدمت قليلا فصارت رخصة. ٣ في اللباب لابن الأثير ١/ ٥٣١، الذكواني: نسبة إلى ذكوان وهم بطن كبير من سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. وهو ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم، ينسب إليه خلق كثير منهم: صفوان بن المعطل بن رحضة بن المؤمل بن خزاعي بن محارب بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمي الذكواني. ٤ أسد الغابة ٣/ ٣٠ نقلا عن ابن الكلبي.
[ ٢٤٧ ]
وساق نسبه إلى خليفة إلى مرة، وأسقط (المؤمل) ١.
ب- أول مشاهده:
في أسد الغابة نقلا عن ابن الكلبي: أنه أسلم قبل المريسيع وشهدها٢.
وقال الواقدي: "شهد صفوان الخندق فما بعدها"٣.
قلت: الراجح ما ذهب إليه ابن الكلبي، ويسانده أن في حديث الإفك، "قالت عائشة وكان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب".
فهذا يدل على تقدم إسلامه، لأن نزول الحجاب كان في السنة الرابعة على المشهور٤.
وأما شهوده غزوة المريسيع فهذا مما لا ينبغي النزاع فيه لأن ما حصل له مع عائشة في هذه الغزوة أمر مصرح به في أصح الصحيح.
وأما الواقدي فقد تناقض في هذا وذلك أنه يرى تقدم غزوة المريسيع على غزوة الخندق.
وقد ذكر حديث الإفك في غزوة المريسيع وفيه قصة صفوان مع عائشة، فقوله هنا بأن صفوان شهد الخندق فما بعدها، أكبر دليل على تناقضه٥.
ج- وفاته:
اختلف العلماء في سنة وفاته والمشهور منها ما يأتي:
قال ابن إسحاق: "قتل في غزوة أرمينية شهيدا سنة تسع عشرة، في خلافة عمر بن الخطاب، وكان أمير الجيش يومئذ عثمان بن أبي
_________________
(١) ١ طبقات خليفة ص ٥١. ٢أسد الغابة٣/٣٠وفتح الباري٨/٤٦١،وتعجيل المنفعة لابن حجر ص:١٢٦- ١٢٨. ٣ المصادر السابقة. ٤ انظر ص ٩٤ مما تقدم. ٥ انظر مغازي الواقدي ١/ ٤٠٤ و٢/ ٤٤٠.
[ ٢٤٨ ]
العاص الثقفي"، وتبعه على هذا أبو أحمد١ في الكنى، وابن السكن وابن الأثير، وابن كثير٢.
وقال خليفة بن خياط وابن سعد: "مات في أواخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين"٣، وتبعهما السهيلي٤.
وعند الواقدي والطبري، مات سنة ستين بشمشاط٥٦.
قلت: الراجح في هذا ما ذهب إليه ابن إسحاق وموافقوه، وذلك لأن في حديث الإفك، التصريح من عائشة ﵂ "بأنه قتل شهيدا في سبيل الله"٧.
فهذا يدل على أن وفاته كانت قبل وفاة عائشة ﵂. وعائشة إنما توفيت في ستة سبع وخمسين، والأكثر على أنها توفيت سنة ثمان وخمسين، وعلى كل حال فالذي ينبغي الجزم به أن وفاته قبل وفاة عائشة لهذا الحديث الصحيح.
_________________
(١) ١ أبو أحمد هو الحاكم الكبير محدث خراسان الإمام الحافظ الجهبذ، محمد بمن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري، الكرابيسي، صاحب التصانيف، ومؤلف كتاب الكنى، سمع ابن خزيمة والباغندي وغيرهما، وعنه الحاكم أبو عبد الله صاحب المستدرك وصاعد بن محمد القاضي وغيرهما. (ت٣٧٨) تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٩٧٦-٩٧٨. ٢ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر٢/١٨٧ وأسد الغابة لابن الأثير٣/٣٠ والكامل له ٢/٥٦٣، والبداية والنهاية٧/ ٩٦-٩٧، والإصابة٢/١٩٠،وفتح الباري٨/٤٦١، وتعجيل المنفعة، ص ١٢٧ ثلاثتها لابن حجر. ٣ تاريخ خليفة بن خياط، ص ٢٢٦ وتعجيل المنفعة، ص ١٢٨. ٤ الروض الأنف، ٦/ ٤٣٧- ٤٣٨. ٥ شمشاط: بكسر أوله وسكون ثانية وشين مثل الأولى، وآخره طاء مهملة، مدينة بالروم على شاطئ الفرات من أعمال خرتبرت، وهي غير سمساط: بسينين مهملتين، وكلتاهما على الفرات، إلا أن سمساط بالإهمال من أعمال الشام وشمشاط بالإعجام في طرف أرمينية. معجم البلدان لياقوت ٣/ ٣٦٢ و٢/ ٣٥٥. ٦ تاريخ الإسلام للذهبي ٢/ ٢٦٦ والإصابة لابن حجر ٢/ ١٩١. ٧ البخاري ٦/ ٨٩، كتاب التفسير باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب التوبة.
[ ٢٤٩ ]
د- سبب تأخره عن الجيش:
روى البزار من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق، فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها فذهبت في طلبها" الحديث وفيه "فلما رجعت عائشة لم تر العسكر، قال: وكان صفوان بن المعطل السلمي، يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإداوة، أحسبه قال: فيحمله، قال: فتظر فإذا عائشة فغطى أحسبه قال وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها" الحديث
قال الهيثمي: "رواه البزار١ وفيه محمد بن عمرو٢ وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات"٣.
ونسبه السيوطي للبزار أيضا وابن مردويه وساق المتن بدون تردد، وقال: "بسند حسن"٤.
ورد عند أبي داود أن سبب تأخره هو غلبة النوم عليه.
وهذا نصه: حدثنا عثمان٥ بن أبي شيبة أخبرنا جرير٦ عن
_________________
(١) ١ البزار: هو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل، سمع من هدبة بن خالد وعبد الأعلى بن حماد وغيرهم، وعنه: عبد الباقي بن قانع وأبو الشيخ وخلق، (ت٢٩٢) . تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٥٣- ٦٥٤. ٢ هو ابن علقمة بن وقاص الليثي. ٣ مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٠. ٤ الدر المنثور ٥/ ٢٧. ٥ عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ، شهير، وله أوهام، وقيل كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة (ت٢٣٩) خ م د س ق. التقريب ٢/ ١٣. ٦ جرير بن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة، الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، وقيل كان في آخر عمره يهم من حفظه، (ت ١٨٨)، ع. المصدر السابق ١/ ١٢٧.
[ ٢٥٠ ]
الأعمش١ عن أبي صالح٢ عن أبي سعيد٣، قال: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان ابن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أما قولها يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين٤، وقد نهيتها، قال: فقال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس" وأما قولها يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، قال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصوم٥ امرأة، إلا بإذن زوجها". وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل٦ بيت عرف لنا
_________________
(١) ١ هو سليمان بن مهران، تقدمت ترجمته. ٢ أبو صالح السمان ذكوان الزيات المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة من الثالثة، (ت١٠١) . ع: المصدر السابق ١/ ٢٣٨. ٣ أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري، وله ولأبيه صحبة استصغر يوم أحد ثم شهد ما بعدها وروى الكثير، مختلف في وفاته، ع: المصدر السابق ١/ ٢٨٩. ٤ قال صاحب عون المعبود ٧/ ١٢٩:أي تقرأ بسورتين طويلتين في ركعة أو في ركعتين وقد نهيتها عن تطويل القراءة وإطالة الصلاة، وفي مسند أبي يعلى ٢/ ١٢١: "فإنها تقرأ بسورتي" بالإضافة إلى ياء المتكلم والإفراد، فقال رسول الله ﷺ: "لا تقرأي سورته" وفي مشكل الآثار ٢/ ٤٢٤:فإنها تقوم بسورتي التي أقرأها فتقرأ بها وقد وجهها الطحاوي بقوله: يحتمل أن يكون صفوان ظنها إذا قرأت سورته التي يقوم بها، لا يحصل لهما جميعا إلا ثواب واحد، فيريدها أن تقرأ غير ما يقرأ فيحصل لهما ثوابان، فأعلمه رسول الله ﷺ أن ذلك يحصل له بها ثوابا، لأن قراءة كل واحد لها غير قراءة الآخر إياها". وعند أحمد في المسند ٣/ ٨٥:فإنها تقرأ بسورتي فتعطلني. ٥ المراد به صوم التطوع إذا كان زوجها حاضرا، لأن حق الزوج مقدم على نفل العبادة، أما إذا كان غائبا عنها فلها أن تصوم، لحديث: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه" البخاري٧/٢٧كتاب النكاح باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا. ٦ قوله: "فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك"، أي فإنا أهل صنعة لا ننام الليل، وذلك أنهم كانوا يسقون الماء في طول الليل، ولذا قال: لا نكاد نستيقظ: أي إذا رقدنا آخر الليل. عون المعبود ٧/ ١٣٠.
[ ٢٥١ ]
ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس١، قال: "فإذا استيقظت فصل"٢.
قال أبو داود: "رواه حماد٣ - يعني ابن سلمة - عن حميد٤ أو ثابت٥ عن أبي٦ المتوكل٧".
قلت: والحديث بهذا الإسناد: عند أحمد وابن حبان والطحاوي وأبي يعلى
_________________
(١) ١ وعند أحمد: فإني ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك بثقل الرؤوس قال: "فإذا قمت فصل". مسند أحمد ٣/ ٨٤- ٨٥. ٢ قوله: "فإذا استيقظت فصل"، قال في عون المعبود ٧/ ١٣٠- ١٣١: "ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده ومن لطف نبيه ﷺ ورفقه بأمته، ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع، واستيلاء العادة، فصار كالشيء المعجوز عنه، وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه، فعذر فيه ولم يثرب عليه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض، وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام، فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس، دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه، ولا يراعي هذا من حاله، ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك، مع زوال العذر بوقوع التنبيه والإيقاظ ممن يحضره ويشاهده. قلت: وهذا هو الظاهر الذي ينبغي في حقه لأنه لا يمكن أن يتخلف صفوان عن الصلاة مع رسول الله ﷺ بدون عذر وذلك لما عرف من حرص الصحابة على الخير واتباع هدى نبيهم، وخاصة صلاة الصبح التي قال فيها رسول الله ﷺ: "من صلى البردين دخل الجنة"، صحيح البخاري ١/ ١٠٠ باب فضل صلاة الفجر. وكان رسول الله ﷺ يتفقد أصحابه ويسأل عنهم، فيبعد أن يتخلف صفوان عن صلاة الصبح مرارا ولا يفطن له رسول الله ﷺ والصحابة. وقد ورد في مسند أحمد ٥/ ٣١٢ أنه سأل النبي ﷺ عن الساعة التي تكره فيها الصلاة فقال رسول الله ﷺ: "إذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت فصل فإن الصلاة محضورة ومتقلبة"،فهذا يدل على أنه كان يصلي الصبح في وقتها. ٣ حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة، (ت١٦٧)، خت م عم. التقريب ١/ ١٩٧. ٤ حميد بن أبي حميد الطويل ثقة مدلس من الخامسة، (ت ١٤٢؟) ع: التقريب. ٥ ثابت بن أسلم البناني أبو محمد البصري، ثقة عابد من الرابعة (ت بضع وعشرين بعد المائة) ع: التقريب ١/ ١١٥. ٦ هو علي بن داود ويقال دؤاد بضم الدال بعدها واو بهمزة أبو المتوكل الناجي بنون وجيم. مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة، (ت١٠٨)، ع: المصدر السابق ٢/ ٣٦. ٧ سنن أبي داود ١/ ٥٧٢، كتاب الصيام باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها.
[ ٢٥٢ ]
والحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي١.
وبهذه المتابعة التي ذكرها أبو داود علم بأن الحديث صحيح لا مطعن فيه، وأنه لا معارضة بينه وبين حديث أبي هريرة المتقدم٢، المصرح بأن صفوان كان يتخلف عن الناس، فيصيب القدح والجراب والإداوة فيحمله ويعطيه أهله، لأنه يقال: إن سبب تأخره عن الجيش هو غلبة النوم ثم بعد استيقاظه يمر بمكان تعريس الجيش فإذا وجد شيئا من المتاع حمله حتى يقدم به على صاحبه. غير أن أبا بكر البزار قد طعن في حديث أبي داود هذا سندا ومتنا.
وهذا معنى كلامه:
قال: "أما من حيث السند فإن الأعمش مدلس، ولم يقل حدثنا أبو صالح، فأحسب أنه أخذه من غير ثقة وأمسك عن ذكر الواسطة فصار الحديث ظاهر إسناده حسن، وكلامه منكر لما فيه".
وأما من حيث المتن: "فإنه ورد فيه أن صفوان بن المعطل كانت له زوجة، وأنه كان لا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس".
وفي هذا كله مخالفة لما ثبت في حديث الإفك المتفق على صحته، وفيه: أن رسول الله ﷺ مدح صفوان وأثنى عليه وذكره بخير٣، وفيه أيضا قال: عروة: "قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله! فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف٤ أنثى قط، قالت: ثم
_________________
(١) ١ صحيح ابن حبان ٣/ ٣٣، ومشكل الآثار ٢/ ٤٢٤، ومسند أبي يعلى٢/١٢١ و/١٣٤، والمستدرك١/٤٣٦، ومسند أحمد٣/٨٠ و٨٤. ٢ انظر ص ٢٥٠. ٣ تقدم ذلك في حديث الإفك في قوله ﷺ: «ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا» . انظر ص ٢١٥. وفي هذا رد على ما أورده ابن حجر في الإصابة، وفي تعجيل المنفعة منسوبا إلى أبي يعلى والبغوي من حديث الحسن عن سعيد مولى أبي بكر أن النبي ﷺ قال: «دعوا صفوان بن المعطل فإنه طيب القلب خبيث اللسان» . انظر: الإصابة ٢/ ١٩١، وتعجيل المنفعة، ص ١٢٨. ٤ كناية عن بعده من النساء وأنه ما لمس ثوب امرأة قط، فضلا عن غيره، لأن الكنف هو الثوب الساتر.
[ ٢٥٣ ]
قتل بعد ذلك في سبيل الله"١.
وقد أجاب العلماء عن اعتراض البزار على هذا الحديث بما يأتي:
أ- من حيث السند: أجاب ابن حجر بقوله: "وما أعله به ليس بقادح، فإن ابن سعد صرح في روايته٢ بالتحديث بين الأعمش وأبي صالح، وأما رجاله: فرجال الصحيح.
وأيضا فإن للحديث متابعا ثم، أورد المتابعة التي ذكرها أبو داود عقب حديث الأعمش، ثم قال: وهذه متابعة جيدة تؤذن بأن للحديث أصلا، وغفل من جعل هذه الطريق الثانية علة للطريق الأولى٣.
وأشار إلى حديث أبي داود هذا في الإصابة وقال: إسناده صحيح٤. وفي تعجيل المنفعة قال: بسند جيد"٥.
وأجاب صاحب عون المعبود بقوله: "والحاصل أن أبا صالح ليس بمتفرد بهذه الرواية عن أبي سعيد، بل تابعه أبو المتوكل عنه. ثم الأعمش ليس بمتفرد أيضا، بل تابعه حميد أو ثابت وكذا جرير ليس بمتفرد بل تابعه حماد بن سلمة.
ثم قال: وفي هذا كله رد على الإمام أبي بكر البزار"٦.
وقال الألباني: "أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وأحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين"٧.
_________________
(١) ١ الحديث المشار إليه في البخاري ٥/ ٩٨ و١٠٠، ٦/ ٨٩ ومسلم ٨/ ١١٥ و١١٨ و١١٩. ٢ لم أجد هذه الرواية في طبقات ابن سعد الكبرى المطبوعة المتداولة. ٣ فتح الباري ٨/ ٤٦٢. ٤ الإصابة ٢/ ١٩١. ٥ تعجيل المنفعة ص ١٢٨. ٦ عون المعبود ٧/ ١٣١. ٧ انظر المجلد الأول من سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت حديث رقم ٣٩٥.
[ ٢٥٤ ]
ب- وأما من حيث المتن:
فأجاب ابن القيم بقوله: "اعتراض البزار على هذا الحديث بحديث الإفك، فيه نظر، فلعله تزوج بعد ذلك"١.
وأجاب ابن حجر بعدة أجوبة لا تسلم من الاعتراض.
ثم قال: "والذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور في قصة الإفك، ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، وهذا جمع لا اعتراض عليه، إلا ما جاء عند ابن إسحاق أن صفوان كان حصورا، لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصحيح.
وعند الطبراني من حديث ابن عباس: "أنه كان لا يقرب النساء""٢.
وفي الإصابة بعد أن أورد حديث أبي داود، قال عقبه: ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الإفك: "إن صفوان بن المعطل قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط".
وقد أورد هذا الإشكال قديما البخاري ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد بذلك، ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يجاب بأنه تزوج بعد ذلك"٣.
قلت: حديث ابن إسحاق مرسل رواه عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن رسول الله ﷺ، ومحمد هذا من الرابعة٤.
وحديث الطبراني: أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "فيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل متروك"٥.
وإشكال البخاري المشار إليه، أورده في التاريخ الصغير، وهذا نصه:
_________________
(١) ١ تهذيب السنن ٧/ ١٢٩ على هامش عون المعبود. ٢ فتح الباري ٨/ ٤٦٢. ٣ الإصابة ٢/ ١٩١. ٤ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٦، وانظر التقريب ٢/ ١٤٠. ٥ مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٦، وانظر التقريب ١/ ٧٥.
[ ٢٥٥ ]
حدثني الأويسي١، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح عن ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة: "والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، يعني صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني - ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله"، هذا في قصة الإفك.
ثم عقب على هذا بقوله: قال أبو عوانة٢ وأبو حمزة٣ عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد، جاءت امرأة صفوان بن المعطل النبي ﷺ فقالت: "إن صفوان يضربني"٤.
وخلاصة القول في هذا ما أجاب به ابن القيم وابن حجر من أن النفي المذكور في حديث عائشة في قصة الإفك يحمل على ما قبل قصة الإفك، وأن حديث أبي داود ومجيء زوجة صفوان تشكوه يحمل على أنه تزوج بعد ذلك، وبهذا يلتئم شمل الأحاديث ومتى أمكن الجمع فهو أولى من الترجيح.
موقفه من حسان بن ثابت:
روى ابن إسحاق: حدثني محمد٥ بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن ثابت٦ بن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان
_________________
(١) ١ عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح الأويسي، أبو القاسم المدني، ثقة من كبار العاشرة، خ د ت ق كن. المصدر السابق١/٥١٠. ٢ وضاح بتشديد المعجمة ثم مهملة ابن عبد الله اليشكري، بفتح التحتية وبشين معجمة وضم كاف الواسطي، البزاز أبو عوانة مشهور بكنيته ثقة ثبت، من السابعة (ت١٧٥ أو١٧٦) ع. التقريب ٢/ ٣٣١. ٣ هو محمد بن ميمون المروزي، أبو حمزة السكري، ثقة فاضل، من السابعة (ت١٦٧ أو١٦٨) ع. المصدر السابق ٢/ ٢١٢. ٤ تاريخ البخاري الصغير، ص ٢٥. ٥ محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد من الرابعة (ت١٢٠) على الصحيح، ع: التقريب ٢/ ١٤٠. ٦ ثابت بن قيس بن شماس أنصاري خزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي ﷺ بالجنة واستشهد باليمامة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد، خ د س. المصدر السابق ١/ ١١٦.
[ ٢٥٦ ]
فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث ابن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: "ما هذا؟ " قال: "أما أعجبك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله"، قال له عبد الله بن رواحة: "هل علم رسول الله ﷺ بشيء مما صنعت؟ " قال: "لا والله"، قال: "لقد اجترأت، أطلق الرجل"، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله ﷺ، فدعا حسانا وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: "يا رسول الله: آذاني١ وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته"، فقال رسول الله ﷺ لحسان: "أحسن يا حسان، أتشوهت* على قومي، أن هداهم الله للإسلام"، ثم قال: "أحسن يا حسان في الذي أصابك"، قال: "هي لك يا رسول الله"٢ والحديث أخرجه ابن جرير الطبري من هذه الطريق٣.
وأشار ابن حجر إلى هذا الحديث في (تعجيل المنفعة) وقال: "سنده صحيح"٤، وقال في الإصابة: "وقصة صفوان مع حسان مشهورة ذكرها يونس بن بكير في زيادات المغازي موصولة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قعد صفوان بن المعطل لحسان فضربه بالسيف قائلا:
تلق ذباب السيف مني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر
فجاء حسان إلى النبي ﷺ فاستعداه على صفوان فاستوهبه الضربة فوهبها له.
_________________
(١) ١ يريد قول حسان: أمس الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد إلى آخر ما ذكر من الأبيات، ويريد بالجلابيب (الغرباء) وبيضة البلد أي:منفردًا لا يدانيه أحد، وعندها اعترضه صفوان فضربه بالسيف وهو يقول: تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٤- ٣٠٥. (*) أتشوهت على قومي: أي أقبحت ذلك من فعلهم حين سميتهم بالجلابيب من أجل هجرتهم إلى الله وإلى رسوله» . ٢ المصدر السابق ٢/ ٣٠٥. ٣ تاريخ ابن جرير ٢/ ٦١٨. ٤ تعجيل المنفعة، ص١٢٨.
[ ٢٥٧ ]
ثم قال: وذكرها موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري نحوه، وزاد أن سعد بن عبادة كسا صفوان حلة فقال رسول الله ﷺ: "كساه الله من حلل الجنة"١، وفي سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وتعجيل المنفعة أن هذا حديث ابن إسحاق وليس من الزيادات".
والحديث بهذا السياق الذي ذكره ابن حجر عند الطبراني، وفيه: زيادة وهي "أن النبي ﷺ عوض حسان بن ثابت في ضربته حائطا من نخل عظيم وجارية رومية، ويقال قبطية تدعى سيرين٢ فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن الشاعر، وباع هذا الحائط من معاوية في ولايته بمال عظيم"، قال الهيثمي بعد إيراده: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن بعض هذا يخالف ما في الصحيح"٣.
وقال ابن إسحاق: "حدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله ﷺ أعطى حسان في ضربته بيرحاء وهي قصر بني حديلة٤ اليوم بالمدينة وكانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها على آل رسول الله ﷺ فأعطاها رسول الله ﷺ حسان في ضربته، وأعطاه سيرين أمة قبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان"٥.
قلت: هذا مخالف لما ثبت في الصحيحين من أن الذي أعطى حسان هذا المال هو أبو طلحة وذلك لقرابته منه.
_________________
(١) ١ الإصابة ٢/ ١٩١. ٢ سيرين هي أخت مارية سرية الرسول ﷺ أهداهما له المقوقس صاحب الإسكندرية، أسد الغابة٧/ ١٦٠. ٣ مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٤- ٢٣٦. ٤ حديلة: قال ابن حجر: "هو بالمهملة مصغرا، ووهم من قاله بالجيم، وبنو حديلة بالمهملة مصغرا، بطن من الأنصار وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وكان قصر بني حديلة حائطا لأبي طلحة يقال لها بيرحاء" وأن هذا القصر نسب إليهم بسبب المجاورة لكونهم كانوا ساكنين في تلك البقعة، وإلا فالذي بنى القصر هو معاوية بن أبي سفيان بعد أن اشترى حصة حسان بن ثابت منه. وصار هذا القصر فيما بعد للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. انظر فتح الباري ٥/ ٣٨٨ قلت: كان هذا القصر في مكان قصر المدينة الموجود حاليا. ٥ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٦.
[ ٢٥٨ ]
وهذا نص الحديث: حدثنا إسماعيل١ قال حدثني مالك عن إسحاق٢ بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس٣ بن مالك ﵁ يقول: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة٤ المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أنزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، [سورة آل عمران، من الآية: ٩٢]، قام أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله"، قال رسول الله ﷺ: "بخ ذلك مال رابح٥، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، قال أبو طلحة: "أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه
٦، هذا لفظ البخاري في التفسير وبين حديث أنس الآخر أن أبا طلحة جعلها لحسان بن
_________________
(١) ١ إسماعيل هو ابن أبي أويس، وهو إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله بن أبي أويس المدني، أخطأ في أحاديث من حفظه من العاشرة، (ت٢٢٦) خ م د ت ق. قلت: تابعه يحيى بن يحيى بن بكير التميمي الحنظلي عند مسلم ٣/ ٧٩، كتاب الزكاة. ٢ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني، أبو يحيى، ثقة حجة، من الرابعة، (ت١٣٢) وقيل بعدها، ع. التقريب ١/ ٥٩. ٣ أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، (ت٩٢ وقيل٩٣)،ع. التقريب١/ ٨٤. ٤ من جهة الشمال تجاه باب عثمان بن عفان مع ميل إلى الغرب. ٥ رويت هذه اللفظة "رايح ورابح ورائح" قال ابن حجر: "رابح من الربح، ورايح أو رائح بمعنى أن أجرها يروح ويغدو عليه. فتح الباري ٣/ ٣٢٦. ٦ البخاري ٦/ ٣١ كتاب التفسير باب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ و٢/ ١٠٢ كتاب الزكاة باب الزكاة على الأقارب و٣/ ٩٠ كتاب الوكالة، باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، و٤/ ٦ كتاب الوصايا باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه و٤/ ٧ باب من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه و٤/ ١٠ (باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز) من كتاب الوصايا و٧/ ٩٥ كتاب الأشربة باب استعذاب الماء ومسلم ٣/ ٧٩ كتاب الزكاة وأبو داود ١/ ٣٩٢ فيه باب في صلة الرحم.
[ ٢٥٩ ]
ثابت وأبي بن كعب وهذا نصه: حدثنا محمد١ بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي٢ عن ثمامة٣ عن أنس ﵁ قال: "فجعلها لحسان وأبي، وأنا أقرب إليه٤، ولم يجعل لي منها شيئا"٥.
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، البصري، القاضي، ثقة من التاسعة، (ت٢١٥) / ع. التقريب ٢/ ١٨٠. ٢ هو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، صدوق، كثير الغلط، من السادسة، خ ت ق. المصدر السابق ١/ ٤٤٥. ٣ ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، قاضيها، صدوق من الرابعة، ع: المصدر السابق١/١٢٠.وهذا الحديث عند مسلم من طريق محمد بن حاتم حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس، صحيح مسلم٣/٧٩. وعند أبي دلود من طريق موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة الخ. سنن أبي داود ١/ ٣٩٢. ٤ انظر تخريج الحديث، ص ٢٠٩. ٥ وهذه القرابة بين أبي طلحة وحسان وأبي بينها محمد بن عبد الله الأنصاري المترجم له في هذا السند. فقال: أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان هو:ابن ثابت بن المنذر بن حرلم، يجتمعان إلى حرام، وهو الأب الثالث، وأبي: هو ابن كعب بن قيس ابن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو يجمع حسان وأبا طلحة وأبيا. قال الأنصاري: "بين أبي وأبي طلحة ستة آباء"، انظر سنن أبي داود ١/ ٣٩٢- ٣٩٣ كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، وصحيح لبخاري ٤/ ٦ كتاب الوصايا باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه وفي حديث الباب: تصريح أنس بن مالك بأنه أقرب إلى أبي طلحة من حسان وأبي بن كعب، وقد وقع عند البخاري ٤/ ٦ من كتاب الوصايا باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه "قال أنس: فجعلها لحسان وأبي وكانا أقرب إليه مني" وقد أورد ابن حجر عدة روايات مصرحة بهذا، ثم وجه قول أنس هذا بأن الذي يجمع أبا طلحة وأنسا، هو النجار، لأنه من بني عدي بن النجار، وأبو طلحة وأبي بن كعب من بني مالك بن النجار فلهذا كان أبي بن كعب أقرب إلى أبي طلحة من أنس. انظر فتح الباري ٥/ ٣٨٠- ٣٨١. وأما حديث الباب فقد تعرض له أثناء شرحه له في كتاب التفسير وبين أن المزي أغفل التنبيه على هذه الطريق، ولكنه لم يتعرض لتوجيه قول أنس بأنه أقرب إلى أبي طلحة من حسان وأبي بن كعب فالله أعلم. انظر فتح الباري ٨/ ٢٢٤.
[ ٢٦٠ ]
المبحث الثاني: موقف علي بن أبي طالب
ورد في حديث الإفك أن رسول الله ﷺ استشار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في فراق أهله، فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: "يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا"، وأما علي بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك"١.
وعند ابن إسحاق: فأما أسامة فأثنى علي خيرا، وقاله: ثم قال: "يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل"، وأما علي فإنه قال: "يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية، فإنها ستصدقك"، فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا، ويقول: "اصدقي رسول الله ﷺ"٢.
وبهذا وجدت عائشة ﵂ على علي ﵁ ووصفته بأنه كان مسيئا في حقها - حيث إنه لم يقل كما قال أسامة بن زيد، روى البخاري: حدثني عبد الله٣ بن محمد قال: أملى علي هشام٤ ابن يوسف من حفظه قال: "أخبرني معمر عن الزهري قال: قال لي الوليد٥ بن عبد الملك: "أبلغك أن عليا كان في من قذف عائشة؟ " قلت: لا - ولكن قد أخبرني رجلان من قومك
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٨/ ١١٥، كتاب التوبة، والبخاري ٣/ ١٥١، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا. ٢ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١. ٣ عبد الله بن محمد بن جعفر الجعفي، أبو جعفر البخاري، المعروف بالمسندي، ثقة حافظ، جمع المسند، من العاشرة (ت٢٢٩) /خ ت. التقريب ١/ ٤٤٧. ٤ هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة من التاسعة (ت١٩٧) /خ عم. المصدر السابق ٢/ ٣٢٠. ٥ الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، المعروف بالوليد الأول، الخليفة الأموي (ت٩٦؟) وتقدمت ترجمة بقية رجال الإسناد.
[ ٢٦١ ]
أبو سلمة١ بن عبد الرحمن وأبو بكر٢ بن عبد الرحمن بن الحارث - أن عائشة ﵂ قالت لهما: كان علي مسلما٣ في شأنها، فراجعوه٤ فلم يرجع، وقال: مسلما* بلا شك فيه، وعليه وكان في أصل العتيق كذلك"٥.
قال ابن حجر: "المراجعة وقعت مع هشام بن يوسف فيما أحسب، وذلك أن عبد الرزاق رواه عن معمر فخالفه، فرواه بلفظ (مسيئا) . كذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرجين".
وزعم الكرماني أن المراجعة وقعت في ذلك عند الزهري، قال وقوله: فلم يرجع أي: فلم يجب بغير ذلك، قال: "ويحتمل أن يكون المراد، فلم يرجع الزهري إلى الوليد، ثم قال ابن حجر قلت: ويقوي رواية عبد الرزاق، ما في رواية ابن مردويه بلفظ: "أن عليا أساء في شأني والله يغفر له".
وقال ابن التين: "روى (مسيئا) وفيه بعد".
_________________
(١) ١ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه إسماعيل، ثقة مكثر من الثالثة (ت٩٤)، وكان مولده سنة بضع وعشرين /ع. المصدر السابق ٢/ ٤٣٠. ٢ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل اسمه محمد وقيل المغيرة، وقيل أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل أبو بكر اسمه وكنيته، ثقة فقيه، عابد، أحد الفقهاء السبعة، من الثالثة (ت٩٤) وقيل غير ذلك/ ع. المصدر السابق ٢/ ٣٩٨، وإنما قال الزهري من قومك أي من قريش: لأن أبا بكر بن عبد الرحمن مخزومي، وأبا سلمة زهري: يجمعهما مع بني أمية رهط الوليد مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فتح الباري ٧/ ٤٣٧. ٣ قال ابن التين: "قوله مسلما: بكسر اللام، وضبط أيضا بفتحها والمعنى متقارب، عقب عليه ابن حجر بقوله: كون مسلما بكسر اللام وفتحها معناهما متقارب فيه نظر، لأن رواية الفتح تقتضي سلامته من ذلك، ورواية الكسر تقتضي تسليمه لذلك". المصدر السابق٧/ ٤٣٧. ٤ من قوله فراجعوه فلم يرجع إلى آخر الحديث ليس من أصل الحديث على حسب المتن الذي اعتمده وإنما هذا موجود في النسخة التي شرح عليها ابن حجر. (*) قال القسطلاني في إرشاد الساري ٦/ ٣٤٣ قوله (مسلما) بكسر اللام المشددة، ولأبي ذر (مسلما) بفتحها. وقوله (بلا شك فيه) لا بلفظ مسيئا. وكان في أصل العتيق مسلما (كذلك) لا مسيئا. ٥ صحيح البخاري ٥/ ١٠٠ (كتاب المغازي باب حديث الإفك) .
[ ٢٦٢ ]
ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "بل هو الأقوى من حيث نقل الرواية، وقد ذكر عياض أن النسفي١رواه عن البخاري بلفظ: (مسيئا) ".
وقال: "وكذلك رواه أبو علي بن السكن عن الفربري".
وقال الأصيلي٢ بعد أن رواه بلفظ: " (مسلما): كذا قرأناه والأعراف غيره"٣.
قلت: وقد أورد صاحب (الدر المنثور) ما يقوي لفظ: (مسيئا) .
قال: أخرج البخاري٤ وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل) عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبي".
قال: "فقال لي فما كان جرمه قلت: حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنهما سمعا عائشة تقول: "كان مسيئا في أمري"٥.
وقد بينت رواية ابن مردويه سبب هذه المقالة الصادرة من الوليد قال الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور، مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن معقل بن الحجاج الحافظ العلامة أبو إسحاق النسفي، قاضي نسف وعالمها ومصنف المسند الكبير والتفسير وغير ذلك، وحدث بصحيح البخاري عنه (ت٢٩٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٨٦. ٢ هو الحافظ الثبت العلامة أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأندلسي، أخذ صحيح البخاري عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، قال القاضي عياض قال الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي ولم أر مثله. (ت٣٩٢) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ١٠٢٤. ٣ فتح الباري ٧/ ٤٣٧. ٤ تقدم حديث البخاري في ص ٢٦١ من هذه الرسالة. ٥ الدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٢.
[ ٢٦٣ ]
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١١]، جلس ثم قال: "يا أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ " قال: "قلت في نفسي: "ماذا أقول؟ لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شرا، ولئن قلت نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرا، قلت: لا"، قال: فضرب بقضيبه على السرير ثم قال: "فمن فمن؟ " حتى ردد ذلك مرارا، قلت: "لكن عبد الله بن أبي"١.
وقد جاء عن الزهري أيضا: أن هشام٢ بن عبد الملك، كان يعتقد هذا أيضا، فقد أخرج يعقوب بن شيبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي٣، ثنا عمي٤. قال: دخل سليمان٥ بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: "يا سليمان ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، من هو؟ قال: "ابن أبي". قال: "كذبت هو علي"، قال: "أمير المؤمنين أعلم بما يقول"، فدخل الزهري، فقال: "يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ " قال: "ابن أبي"، قال: "كذبت هو علي"، فقال: "أنا أكذب، لا أبا لك٦، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت".
حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة: "أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي (فذكر له قصة مع هشام وفي آخرها - نحن هيجنا الشيخ) "٧.
_________________
(١) ١ فتح االباري ٧/ ٤٣٧. ٢ هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الأموي، (ت١٢٥؟) . ٣ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله الإمام المشهور صاحب المذهب (ت٢٠٤)، التقريب ٢/ ١٤٣ خت م عم. ٤ هو محمد بن علي بن شافع المطلبي، المكي وثقه الشافعي، من السابعة، د س، المصدر السابق ٢/ ١٩٢. ٥ سليمان بن يسار الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة (ت بعد المائة وقيل قبلها) /ع. المصدرالسابق١/٣٣١. ٦ قوله: لا أبا لك: قال في النهاية: هذا اللفظ أكثر ما يذكر في المدح، أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذم كما يقال: لا أم لك. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ١٩. قلت: وهنا يحمل قول الزهري على الذم، لأنه صدر منه في حالة الغضب. ٧ فتح الباري ٧/ ٤٣٧، والدر المنثور ٥/ ٣٢.
[ ٢٦٤ ]
عذر علي بن أبي طالب في ذلك:
قال النووي: "الذي قاله علي ﵁ هو الصواب في حقه ﷺ، لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي ﷺ في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج النبي ﷺ بهذا الأمر، وتقلقه، فأراد راحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره".ا؟ـ١.
وقال ابن قيم الجوزية: "ولما استشار النبي ﷺ أصحابه في فراق أهله فأشار عليه ﵁ أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، لأنه لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص رسول الله ﷺ من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء"٢.
وقال ابن حجر: "هذا الذي قاله علي ﵁ حمله عليه ترجيح جانب النبي ﷺ لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان ﷺ شديد الغيرة٣، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها".
ثم أورد ما ذكره ابن أبي جمرة في هذا: فقال: وقال الشيخ أبو محمد* بن أبي جمرة: "لم يجزم علي بالإشارة بفراقها، لأنه عقب بذلك بقوله: "وسل الجارية تصدقك" ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي ﷺ فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها، لأنه كان
_________________
(١) ١ شرح مسلم ٥/ ٦٣٤. ٢ زاد المعاد ٢/ ١٢٦. ٣ الغيرة بفتح الغين: مصدر قولك "غار الرجل على أهله يغار غيرا وغيرة وغارا ومعناه الحميةوالأنفة".انظر: مختار الصحاح ص:٤٨٦،والنهاية لابن الأثير٣/٤٠١. (*) هو عبد الله بن أبي جمرة محدث مقرئ من آثاره: مختصر الجامع الصحيح للبخاري، وشرح بهجة النفوس في سفرين، (ت٦٩٩؟)، معجم المؤلفين لكحالة ٦/ ٤٠.
[ ٢٦٥ ]
يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة"١.
وبهذا اتضح عذر علي ﵁ وأنه على خلاف ما وصفه به الوليد وهشام بل وعلى خلاف ما ثبت عن عائشة ﵂ فإنها لم تقل كان علي ممن تولى كبر الإفك وإنما قالت: كان مسيئا في شأني، حيث إنه لم يجزم ببراءتها كما جزم أسامة بن زيد بذلك٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/ ٤٦٨. ٢ قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٣٧: "وكأن بعض من لا خير فيه من الناصبة تقرب إلى بني أمية بهذه الكذبة فحرفوا قول عائشة إلى غير وجهه لعلمهم بانحرافهم عن علي فظنوا صحتها، حتى بين الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك".
[ ٢٦٦ ]
المبحث الثالث: موقف بريرة
ورد ذكرها في حديث الإفك عندما استشار الرسول ﷺ عليا في شأن عائشة ﵂، فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك"، قالت عائشة: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة"، فقال: "أي بريرة١ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " الحديث٢
ورغم هذا كله فقد استشكل العلماء وجودها في قصة الإفك وذلك لأن قصة الإفك متقدمة، وكان شراء عائشة لبريرة ومكاتبتها متأخرين وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بما يأتي:
أ- قال ابن القيم: "وقد استشكل وجود بريرة في هذا الحديث وذلك أن بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة، وكان العباس عم رسول الله ﷺ إذ ذاك في المدينة، والعباس إنما قدم المدينة بعد
_________________
(١) ١ بريرة: بفتح الموحدة، وكسر الراء الأولى وسكون التحتانية. ٢ انظر الحديث في صحيح مسلم ٨/ ١١٥ كتاب التوبة وصحيح البخاري ٣/ ١٥١، كتاب الشهادات.
[ ٢٦٦ ]
الفتح، ولهذا قال له النبي ﷺ، وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها فأبت أن تراجعه، يا عباس ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها، ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة، وهذا الذي ذكروه إن كان لازما فيكون الوهم من تسمية الجارية بريرة، ولم يقل علي سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية تصدقك، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى ما بعد الفتح ولم ييأس منها زال الإشكال"١.
قلت: ما أشار إليه من قصة رسول الله ﷺ مع عمه العباس هو ما رواه البخاري عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا"، فقال النبي ﷺ لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه"٢.
ب- وقال ابن حجر في أثناء شرحه لحديث الإفك تحت قوله: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة - قد قيل: إن تسميتها هنا وهم، لأن قصتها كانت بعد فتح مكة"، ثم أشار إلى حديث ابن عباس الآنف الذكر، ثم عقب بقوله: "ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رق مواليها، وأما قصتها معها في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدة، أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصة الإفك، وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير بعد عتقها".
ثم قال ابن حجر: "وجزم البدر الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية ببريرة مدرج من بعض الرواة، وأنها جارية أخرى " ثم قال: "وأخذ هذا من ابن القيم٣ الحنبلي٤".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/ ١٢٩. ٢ صحيح البخاري ٧/ ٤٢ كتاب الطلاق باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة. ٣ انظر قول ابن القيم ص ٢٦٦. ٤ فتح الباري ٨/ ٤٦٩.
[ ٢٦٧ ]
قلت: كلام البدر الزركشي المشار إليه هذا نصه:
"فإنه بعد أن ذكر نزول القرآن ببراءة عائشة مما رميت به وجلد الذين قذفوها قال عقب ذلك: تنبيه جليل على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري أحدهما١ قول علي ﵁ "وسل الجارية تصدقك" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة ".
وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك.
ويدل عليه أنها لما أعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته، فقال لها النبي ﷺ "لو راجعته" فقلت: أتأمرني؟ فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي ﷺ: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح.
والمخلص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنا منه أنها هي. وهذا كثيرا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث، وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق.
ومن نظائره ما وقع في الترمذي وغيره٢ من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش"، فذكر الراهب وقال في آخرها: "
_________________
(١) ١ وثانيهما هو وجود سعد بن معاذ في غزوة بني المصطلق، ومراجعته لسعد بن عبادة في شأن أهل الإفك. ٢ انظر سنن الترمذي ٥/ ٢٥٠ كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
[ ٢٦٨ ]
فرده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك١ والزبيب"٢.
فهذا من الأوهام الظاهرة، لأن بلالا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ وبعد أن أسلم بلال، وعذبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وأيام، ولعل بلالا لم يكن ولد. ولما خرج في المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع عمه أبي طالب، إنما كان مع ميسرة"٣.ا؟
قلت: أورد ابن حجر استشكال٤ البدر الزركشي، ثم عقب بقوله: وأجاب غيره بجواز أنها كانت تخدم عائشة بالأجرة، وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة. ثم قال ابن حجر: هذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ٥.
وبين هذا الغير في موضع آخر٦ بأنه تقي الدين السبكي٧.
والخلاصة: أن البدر الزركشي ذكر ثلاثة أوهام تتعلق بحديث الإفك، وهم في ذكر بريرة، ووهم في ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة ومحاورته مع سعد بن عبادة، ووهم في سماع مسروق من أم رومان، أم عائشة التي هي إحدى من روى قصة الإفك، ثم كر على الوهمين الأخيرين بما يدفعهما.
_________________
(١) ١ الكعك: خبز معروف فارسي، معرب. القاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٣١٧، ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي، ص ٥٧٢ ٢ في حديث الترمذي: الزيت. انظر سنن الترمذي ٥/ ٢٥٠ كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ ٣ الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة، ص ٤٧- ٥٠. ٤ تقدم ص ٢٦٧. ٥ فتح الباري ٨/ ٤٦٩ و٩/٤٠٩. ٦ فتح الباري ٨/ ٤٦٩ و٩/ ٤٠٩. ٧ هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، تقي الدين السبكي، الخزرجي الأنصاري، أبو الحسن الدمشقي الشافعي، صاحب كتاب (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) في الرد على ابن تيمية، وكمل على شرح المهذب للنووي في خمس مجلدات وهو والد تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب صاحب كتاب (طبقات الشافعية الكبرى)، (ت٧٥٦) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن محمد بن علي تلميذ الذهبي، ص ٣٩- ٤٠.
[ ٢٦٩ ]
أما الوهم المتعلق ببريرة، فلم يدفعه بشيء، بل نظر له بوهم لا شك فيه، وهو ما وقع في حديث الترمذي في قصة ذهاب الرسول ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام، وما حصل له مع الراهب، وما كان من أمر عمه له بالرجوع إلى مكة، وما كان من قصة أبي بكر وبلال، وتزويد الراهب له، بالكعك والزيت، فهذا الصنيع منه يدل على أنه جازم بأن ذكر بريرة في حديث الإفك، مدرج من بعض الرواة، وأن الجارية التي أرادها علي بن أبي طالب غير بريرة، مولاة عائشة ﵂. فظن هذا الراوي أنها هي، غير أنه في ختام كلامه على هذه الأوهام الثلاثة، قال: "فهذه ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح، فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين، وقد تقدم ما يدفع الكل".
لكن المتتبع لكلامه يجد أنه تقدم له ما يدفع وهمين فقط. وهما: الوهم في ذكر سعد بن معاذ، والوهم في سماع مسروق من أم رومان.
أما الوهم المدعى في بريرة، فلم يسبق له ما يدفعه كما يفهم من كلامه وتعميمه، بل الذي سبق له يدل على جزمه بهذا الوهم كما نظر لذلك بالوهم المذكور في قصة ذهاب الرسول ﷺ إلى الشام، وقد مر قريبا١.
ولعل هذا الصنيع منه هو الذي حمل ابن حجر، فقال عنه: إنه جازم بهذا الوهم كما سبق ذكره٢.
ولكنني أستشعر من صنيعه أنه متردد في الجزم بهذا الوهم أيضا، لأن قوله: "هو ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين" دليل على ما أقول.
هذا على فرض أن هناك تعارضا بين قصة مغيث وزوجته، وبين ذكر بريرة في قصة الإفك، ولكن يظهر للمتأمل أن لا وجود للتعارض أصلا، لأن
_________________
(١) ١ انظر: ص ٢٦٨، وما بعدها. ٢ انظر: ص ٢٦٧.
[ ٢٧٠ ]
رؤية ابن عباس لمغيث وهو يطوف في سكك المدينة متابعا لزوجه بريرة، وهي كارهة له، لا يدل على عدم وجود صلة بين عائشة وبريرة قبل ذلك، لأن بريرة مولاة للأنصار وهي موجودة حتما في المدينة، قبل هجرة العباس وابنه، فما المانع من وجود صلة وثيقة بينها وبين عائشة أم المؤمنين، بل مجيئها إلى عائشة تستعينها في فكاك رقبتها يدل دلالة واضحة على تقدم الصلة بينهما، ومعروف أن الناس يتسابقون إلى خدمة بيت رسول الله ﷺ، فلتكن بريرة إحدى الخدم في بيت عائشة بالأجرة، أو بغيرها، ونكون قد سلمنا من توهيم العلماء وتغليط الحفاظ، وتكلفات الجمع التي ذكرت في هذا الصدد خاصة أن ذكر بريرة في حديث الإفك ثابت في أصح الصحيح في البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب السنة وتظافرت الروايات على ذكرها، مما يدفع أي ريب في وجودها في هذه الحادثة، ومساءلة الرسول ﷺ لها والله أعلم.
[ ٢٧١ ]
المبحث الرابع: موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجه
قال البخاري: "لما أخبرت عائشة بالأمر١ قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي، فأذن لها وأرسل معها الغلام"٢.
"وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"٣.
قال ابن حجر: قوله: "وقال رجل من الأنصار "الخ وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني
_________________
(١) ١ أي: بأمر الإفك. ٢ قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٣٤٤:هو موصول بالسند قبله. قلت: والسند الذي قبله هو:حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط. ٣ البخاري ٩/ ٩٢ كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ .
[ ٢٧١ ]
في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري١ في طرق حديث الإفك من طريق عطاء٢ الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة٣.
وأشار ابن حجر أيضا إلى هذا في تفسير سورة النور أثناء شرحه لحديث الإفك، فقال: وفي رواية هشام عن عروة: "قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد"".
وزاد عطاء الخراساني عن الزهري هنا قبل قوله فقام: "وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: "أما سمعت ما يتحدث الناس؟ " فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"، ثم أشار إلى ما علقه البخاري بقوله: "وقال رجل من الأنصار"٤.
وقال: فيستفاد معرفته من رواية عطاء هذه٥. قلت: وقد رواه الواحدي أيضا موصولا من طريق عطاء المذكور ولفظه: عن الزهري عن عروة أن عائشة
_________________
(١) ١ أبو بكر الآجري هو محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الإمام المحدث القدوة، مصنف كتاب الشريعة في السنةوغير ذلك (ت٣٦٠) تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٩٣٦. ٢ عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله، صدوق يهم كثيرا ويدلس، من الخامسة، (ت ١٣٥) لم يصح أن البخاري أخرج له/ م عم. التقريب ٢/ ٢٣. وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٣ نقل توثيقه عن ابن معين وأبي حاتم وابن سعد والدارقطني وقال النسائي: ليس به بأس، ونقل تضعيفه عن البخاري وابن حبان، وقال شعبة: كان نسيا. وفي ميزان الاعتدال ٣/ ٧٣- ٧٥ نقل توثيقه عن أحمد والعجلي ويعقوب بن شيبة، علاوة على من ذكرهم ابن حجر، ونقل تضعيفه عن العقيلي وابن حبان ولم يرتض ذلك، ونقل عن النرمذي أنه قال في كتاب العلل: "قال محمد - يعني البخاري-: "ما أعرف لمالك رجلا يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني"، قلت: "ما شأنه؟ " قال: "عامة أحاديثه مقلوبة". ثم قال الترمذي معقبا على هذا: "عطاء ثقة"، روى عنه مثل مالك ومعمر، ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه". ا؟ـ. لم أجد هذا في العلل الموجود بأيدينا وبهذا التقرير يكون قول ابن حجر في عطاء: " صدوق يهم كثيرا" فيه نظر. والظاهر أنه ثقة قد وثقه أجلة أئمة النقد. أمثال أحمد وابن معين وأبي حاتم والدارقطني والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم. ٣ فتح الباري ١٣/ ٣٤٤. ٤ تقدم ص ٢٧١. ٥ فتح الباري ٨/ ٤٧٠.
[ ٢٧٢ ]
﵂ حدثته بحديث الإفك وقالت فيه: "وكان أبو أيوب١ الأنصاري حين أخبرته امرأته٢ وقالت: "يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ " قال: "وما يتحدثون؟ " فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم".
قالت: "فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١٦] ٣.
ورواية ابن إسحاق التي أشار إليها ابن حجر فيما تقدم٤، هذا نصها: قال ابن إسحاق: حدثني أبي٥ إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: "يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ " قالت: "لا والله ما كنت لأفعله" قال: "فعائشة والله خير منك"، قالت: "فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١١] .
_________________
(١) ١ أبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي ﷺ حين قدم المدينة عليه، مات غازيا بالروم سنة خمسين وقيل بعدها/ ع. التقريب ١/ ٢١٣. ٢ هي أم أيوب الأنصارية الخزرجية، زوج أبي أيوب الأنصار، وهي بنت قيس بن سعد، وكان أبوها خال زوجها./ د ق. المصدر السابق ٢/ ٦١٩. ٣ أسباب النزول للواحدي، ص ٢١٨. ٤ انظر ص ٢٧١. ٥ هو إسحاق بن يسار المدني، والد محمد صاحب المغازي، ثقة من الثالثة/مد. التقريب ١/ ٦٢.
[ ٢٧٣ ]
وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١٢]، أي فقالوا: كما قال أبو أيوب وصاحبته". الحديث ١.
وأخرجه من طريق الطبري وابن كثير٢.
وفي الدر، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا الحديث٣ وأما رواية الحاكم فقال ابن حجر فيما تقدم٤ إنها من طريق ابن إسحاق، وقال في موضع٥ آخر بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق: وللحاكم من طريق أفلح٦ مولى أبي أيوب ونحوه٧.
وقال السيوطي بعد أن ذكر الطريق المتقدمة: "وأخرج الواحدي٨ وابن عساكر الحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب، أن أم أيوب قالت: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، الحديث"٩
وهكذا ذكر الشوكاني بعد أن ساق الطريق الأولى، التي عند السيوطي
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢- ٣٠٣. ٢ تفسير الطبري ١٨/ ٩٦ وتاريخه ٢/ ٦١٧ وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٣. ٣ الدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٣. ٤ انظر ص ٢٧١. ٥ فتح الباري ٨/ ٤٧٠. ٦ أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أبو عبد الرحمن، وقيل أبو كثير، ثقة مخضرم، من الثانية، (ت ٦٣) / م مد. التقريب ١/ ٨٣. ٧ طالعت المستدرك فلم أجد هذه الرواية فلعلها في الإكليل فإن ابن حجر كثيرا ما ينسب إليه. ٨ كذا هو في الدر الواحدي وصوابه: (الواقدي) كما في رواية الشوكاني، وكما هو أصل الحديث من هذه الطريق عند الواقدي، وأما الواحدي فقد أخرج الحديث من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة كما تقدم، ص ٢٧٢، وانظر أسباب النزول له، ص ٢١٨. ٩ الدر المنثور ٥/ ٣٣.
[ ٢٧٤ ]
قال: "وأخرج الواقدي والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب فذكر نحوه١ فهذا ظاهر في أن للحاكم روايتين: إحداهما من طريق ابن إسحاق، والأخرى ليست من طريقه".
وحديث الواقدي المشار إليه هو: حدثني ابن أبي٢ حبيبة عن داود٣ بن الحصين عن أبي سفيان٤ عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، ثم ساق قريبا من ألفاظ حديث ابن إسحاق٥ المتقدم٦.
فهذه ثلاث روايات وردت في هذا الباب:
الأولى: رواية ابن إسحاق وفيها الإبهام المذكور (عن بعض رجال بني النجار) .
الثانية: رواية الحاكم والواقدي وابن عساكر من طريق أفلح مولى أبي أيوب وهي موصولة عند الواقدي، وأما رواية الحاكم وابن عساكر فلا نستطيع الجزم بوصلها أو عدمه إلا بعد الإطلاع على تاريخ ابن عساكر والإكليل للحاكم.
الثالثة: رواية أبي بكر الآجري والواحدي من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي موصولة عند الواحدي.
_________________
(١) ١ فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٥- ١٦. ٢ إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، الأشهلي، مولاهم أبو إسماعيل المدني، ضعيف، من السابعة، (ت ١٦٥) وهو ابن ٨٢ سنة، / دت س. التقريب ١/ ٣١. ٣ داود بن الحصين الأموس، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، من السادسة (ت ١٣٥) /ع. المصدر السابق ١/ ٢٣١. ٤ أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، قيل اسمه وهب، وقيل قزمان، ثقة من الثالثة / ع. المصدر السابق ٢/ ٤٢٩. ٥ تقدم ص ٢٧٣. ٦ مغازي الواقدي ٢/ ٤٣٤.
[ ٢٧٥ ]
فهذه الروايات بمجموعها يقوي بعضها بعضا ويكون الحديث على أقل تقدير حسنا لغيره.
وهذه الأحاديث المتعاضدة تبرز موقف أبي أيوب وزوجه من حادثة الإفك، وهو موقف جدير بالتنويه، ذلك لأن بعض الناس وقعوا في شرك هذه الدسيسة السيئة والفرية الذميمة فأخذوا يشيعونها دون وعي لأبعادها السيئة، أما أبو أيوب وزوجه فقد نفياها واعتبراها بهتانا عظيما، وأوضحا أن أقل رتبة في الورع والاستقامة من عائشة وصفوان لا يقع في مثل هذه السفاسف. فكيف بأم المؤمنين وزوج سيد الخلق أجمعين، فرضي الله عن أبي أيوب وزوجه وأرضاهما.
ولقد أنصفتهما عائشة ﵂ فنوهت بموقفهما النزيه الشريف من هذه الفرية وكأنها تعرض بمن وقع في حبائل هذه الفتنة العمياء.
وأنزل الله سبحانه فيما أنزل في كتابه: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى موقف أبي أيوب وزوجه، وقولهما ذلك كما أثبتت ذلك الروايات السابقة، وعلى هذا جرى عامة المفسرين فإنهم حين يفسرون قوله سبحانه ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يذكرون هذه روايات المتعلقة بموقف أبي أيوب وزوجه على أن المراد بهذه الإشارة القرآنية هو أبو أيوب الأنصاري وزوجه والله أعلم.
[ ٢٧٦ ]
المبحث الخامس: النزاع بين الأوس والخزرج
حصل نزاع شديد بين الحيين الأوس والخزرج بين يدي رسول الله ﷺ، حين خطب في الناس يستعذر من ابن أبي، فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي".
فقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال: "أنا أعذرك منه
[ ٢٧٦ ]
يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
فرد عليه سعد بن عبادة سيد الخزرج بقوله: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله".
فقام أسيد بن حضير ابن عم١ سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة:"كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين".
فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. وسوف أسرد الروايات المتعلقة بهذا الشجار مبينا السبب الدافع لسعد بن عبادة على مقالته، ومحاولا بعد ذلك تحليلها حسب الإمكان. فأقول: إن السبب الدافع لسعد ابن عبادة على ما جرى منه هو قول سعد بن معاذ: "إن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك"، فأثرت هذه الكلمة في سعد بن عبادة تأثيرا شديدا، ذلك لأنه رأى أن فيها هضما لحقه بحكم أنه سيد الخزرج ويريد سعد بن معاذ أن يتحكم فيهم، مما يجعله يتهم سعد بن معاذ بأن فعله هذا لم يكن نصرة لرسول الله ﷺ، وإنما أراد بذلك الانتقام من الخزرج لما كان بينهم من العداوة قبل الإسلام، وهذه الروايات المتعلقة بذلك:
فقد صرحت عائشة بأن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله الحديث، وفيه فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: ليس ابن عمه لحما، ولكنهما يجتمعان في امرئ القيس لأن سعد بن معاذ هو ابن النعمان بن امرئ القيس، وأسيد بن حضير ابن سماك وابن عتيك بن امرئ القيس (الفتح ٨/ ٤٧٤، والإصابة ١/ ٤٩ و٢/ ٣٧، وأسد الغابة ١/ ١١١ و٢/ ٣٧٣) .
[ ٢٧٧ ]
قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد ابن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله".
فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين". فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا الحديث ١.
وفي لفظ: "وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية"٢.
وعند الواقدي: "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله"٣.
ما رواه البخاري في المغازي: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها ثم ساق الحديث
وفيه: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله ابن أبي وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي " فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: "أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا٤ من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٨/ ١١٦ و١١٨ من كتاب التوبة، وانظر سياق حديث الإفك، ص ٢٠٥ وما بعدها. ٢ صحيح مسلم ٨/ ١١٦ و١١٨ من كتاب التوبة، وانظر سياق حديث الإفك، ص ٢٠٥ وما بعدها. ٣ مغازي الواقدي، ٢/ ٤٣١. (من) تبعيضية والأخرى بيانية، فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
[ ٢٧٨ ]
قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه١ وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل"، وهذا محل الشاهد٢.
وعند ابن إسحاق من رواية عباد بن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة "فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا"٣ا؟.
وعند ابن إسحاق بن راهويه والطبري من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره أيضًا قال: خرجت عائشة تريد المذهب ومعها أم مسطح وكان مسطح بن أثاثة ممن قال، وكان رسول الله ﷺ خطب الناس قبل ذلك فقال: "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني؟ " فقال سعد بن معاذ: "أي رسول الله إن كان منا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك"، فقال سعد بن عبادة: "يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن٤ في الجاهلية وأحن٥ لم تحلل٦ لنا من صدوركم" فقال ابن معاذ: "الله أعلم ما أردت".
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "قوله: (من فخذه) بعد قوله: (بنت عمه)، إشارة إلى أنها ليست بنت عمه لحما لأن سعد بن عبادة يجتمع معها في ثعلبة: فهو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة الخ" وهي الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة. الخ، انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٢ و٧/ ١٢٦ من كتاب المناقب. ٢ كتاب المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٨- ٩٩. ٣ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٠ غير أن ابن إسحاق صرح بوقوع المحاورة بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة، ولم يذكر في حديثه سعد بن معاذ أصلا. ٤ ضغائن: جمع ضغينة وهي: الحقد والعداوة والبغضاء. النهاية لابن الأثير ٣/ ٩١. ٥ الإحن: جمع أحنة: وهي الحقد والبغضاء. المصدر السابق ١/ ٢٧. ٦ لم تحلل لنا من صدوركم: أي لم تزل كامنة لنا في صدوركم.
[ ٢٧٩ ]
فقام أسيد بن حضير فقال: "يا ابن عبادة إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقينن وتدفع عنهم"، وكثر اللغط في المسجد، ورسول الله ﷺ جالس على المنبر، فما زال النبي ﷺ يومئ بيده إلى الناس ههنا وههنا حتى هدأ الصوت" الحديث١
وقد صرح إسحاق بن راهويه في روايته بتحديث ابن حاطب لمحمد٢ بن بشر العبدي، ولكن الذي يظهر أنه سقط من السند شيخ محمد بن بشر العبدي وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ويكون هو الذي قال: حدثنا ابن حاطب، كما هو مصرح به عند الطبري في هذا الحديث.
ويقوي هذا أن محمد بن بشر العبدي من التاسعة، وابن حاطب من الثالثة فبينهما ست طبقات٣.
وفي إسناد الطبري شيخه سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو متكلم فيه٤. ولكن ما يدل عليه هذا الحديث، ثابت عند البخاري وابن إسحاق، كما أوضحت ذلك٥.
خلاصة القول في ذلك:
من المعلوم أن سعد بن عبادة رئيس قبيلة الخزرج، التي منها عبد الله بن أبي ابن سلول، وأن سعد بن معاذ رئيس الأوس، وقد جرى بين السعدين ﵄ نزاع أمام رسول الله ﷺ، قال: "من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي". الحديث.
فقام سعد بن معاذ فقال:"يا رسول الله إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
_________________
(١) ١ مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤، وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. ٢ في الأصل (محمد بن بسر العبدي) والتصحيح من إسناد الطبري. ٣ انظر التقريب ٢/ ١٤٧ و٣٥٢. ٤ انظر المصدر السابق ١/ ٣١٢، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٢٣- ١٢٤ وميزان الاعتدال ٢/ ١٧٣. ٥ انظر، ص ٢٧٨- ٢٧٩.
[ ٢٨٠ ]
وفي هذه الكلمة من سعد بن معاذ إغفال لقيادة سعد بن عبادة لقومه الخزرج، وسبب هذا الإغفال -فيما يبدو - هو تأثر سعد بن معاذ من ألم رسول الله ﷺ من هذه الفرية على أهله.
غير أن هذا السبب الحامل لسعد بن معاذ على مقالته لم يكن ليجدي نفعا في تهدئة انفعال سعد بن عبادة الذي رأى في هذا الإغفال هضما لحقه وتنقصا لقبيلته، فقال فورا: "كذبت١ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله"، فأثارت هذه الكلمة أيضا أسيد بن حضير ابن عم سعد ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق٢ تجادل عن المنافقين".
وكانت هذه الكلمة القوية من أسيد بن حضير سببا في احتدام الصراع العنيف الذي دار بين الفريقين (الأوس والخزرج) وارتفعت الأصوات من كلا الجانبين وكثر اللغط وكادت تكون كارثة، تقر بها أعين الحاقدين على الإسلام وأهله، لولا أن الله سلم. ولقد كان رسول الله ﷺ حكيما في معالجة الموقف، فما زال بالحيين يخفضهم وينهاهم عن هذه العصبيات الجاهلية، التي أرسل لهدمها حتى هدأ القوم وعادوا إلى صوابهم راشدين.
وكان في ذلك انتصار للمسلمين وانكسار لأعداء الله من المنافقين والمشركين.
_________________
(١) ١ قوله: (كذبت) أجاب ابن التين نقلا عن الداودي أن معنى ذلك أن رسول الله ﷺ لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله. قال ابن حجر: "وهو حمل جيد". فتح الباري ٨/ ٤٧٣. ٢ قوله: (فإنك منافق) الخ أجاب المازري عن هذا بما يأتي: أ- أن ذلك وقع من أسيد على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد بن عبادة، عن المجادلة عن ابن أبي وغيره، ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. ب- أو أراد أن سعد بن عبادة كان يظهر المودة للأوس ثم ظهر منه في هذه القصة ضد ذلك، فأشبه حال المنافق، لأن حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، ولم يرد بذلك نفاق الكفر، قال: ولعل هذا هو السبب في ترك إنكار النبي ﷺ عليه. انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٣- ٤٧٤.
[ ٢٨١ ]
الفصل الثالث: فوائد في المصطلح مستنبطة من حديث الإفك
المبحث الأول: الإنتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث
المبحث الأول: الانتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث
تقدم في أول حديث الإفك أن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها مما قالوا: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها "١.
ومن هنا انتقد على الزهري هذا في كونه لم يفرد حديث كل واحد منهم على الآخر.
وقد أجاب العلماء عن هذا بما يأتي:
أ- أجاب النووي بقوله: "هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا مانع منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين، فإذا
_________________
(١) ١ انظر الحديث، ص ٢٠٥.
[ ٢٨٥ ]
ترددت اللفظة من هذا الحديث، كونها عن هذا أو ذاك لم يضر، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان".
وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب، جاز الاحتجاج به.
وقال أيضا في أثناء تعداد فوائد الحديث١: إحداها: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه، وهذا وإن كان فعل الزهري وحده٢، فقد أجمع المسلمون على قبوله منه، والاحتجاج به٣.
ب- وأورد أحمد بن عبد الرحيم العراقي قول النووي هذان وزاد: وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه انتقد هذا على الزهري قديما، وقال: "كان الأولى أن يذكر حديث كل منهم بجهته".
ثم عقب العراقي بقوله: "ولا درك على الزهري في شيء منه، لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات"٤.
ج- ونقل ابن حجر قول عياض هذا الذي ذكره العراقي، ثم عقب بقوله: "وقد تتبعت طرق الحديث فوجدته من رواية عروة على انفراده، ومن رواية علقمة بن وقاص على انفراده، وفي سياق كل منهما مخالفات ونقص وبعض زيادة لما في سياق الزهري عن الأربعة".
ثم قال: "وأما رواية سعيد بن المسيب وعبيد الله فلم أجدهما إلا من رواية الزهري عنهما".
ثم ذكر أن الحديث رواه جماعة عن عائشة غير مشايخ الزهري الأربعة.
وذكر أيضا أنه رواه جماعة من الصحابة غير عائشة ﵂، ثم
_________________
(١) ١ حديث الإفك. ٢ قلت: وهو صنيع ابن إسحاق والواقدي، أيضا. انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠ ومغازي الواقدي ١/ ٤٠٤ ٣ شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٢٨- ٦٢٩ و٦٤١. ٤ طرح التثريب ٨/ ٤٧.
[ ٢٨٦ ]
أشار إلى الذين خرجوا هذه الروايات من العلماء. انتهى باختصار من فتح الباري ٨/ ٤٥٦ وفيما يلي تخريجه:
أولًا: رواية الحديث من طريق الزهري عن مشايخه الأربعة:
أ- رواية صالح بن كيسان عنه. أخرجها البخاري في المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٦ و٦/ ٦٤ التفسير، باب ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرا﴾ و٨/ ١١٤ كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل لعمر الله و٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وأخرجها مسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة، وأحمد في مسنده ٦/ ١٩٧ و١٩٨، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٧ أو ٤/ ق ٤٥٠ ب.
ب- رواية فليح بن سليمان عنه: أخرجها البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا، ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة وابن شيبه في تاريخ المدينة ١/ ١٠١ وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٤ و٤/ ق ٤٤٧ أ.
ج- رواية معمر بن راشد عنه: أخرجها مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي٥/١٧ وعبد الرزاق في المصنف ٥/٤١٠ حديث الإفك وأحمد في المسند ٦/١٩٤ وإسحاق بن راهويه في مسنده ٤/ ق ١٢٧ ب والطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٠.
د- رواية يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري: أخرجها البخاري ٣/ ١٤٧ كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدا فقال لا نعلم إلا خيرا و٤/ ٢٧ كتاب الجهاد والسير باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه و٦/ ٦٤ من تفسير سورة يوسف باب قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ و٦/٨٤ تفسير سورة النور باب: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ و٨/١١٤كتاب الأيمان والنذور باب قول الرجل لعمر الله ٩/١١٦، كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ و٩/ ١٢٧ من كتاب التوحيد باب قول النبي ﷺ: "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة"
[ ٢٨٧ ]
ومسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٧ كتاب التفسير وأبو داود ٢/ ٥٣٦ كتاب السنة باب في القرآن.
هـ- رواية محمد بن إسحاق عن الزهري ٢/ ٢٩٧ من سيرة ابن هشام والطبري من هذه الطريق في التفسير ١٨/٩٢ والتاريخ ٢/٦١١.
ثنايًا: رواية الحديث عن عروة على انفراده أخرجها البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق هشام بن عروة عنه و٦/ ٨٤ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ من طريق الزهري عنه و٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من طريق هشام بن عروة عنه. وكتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ من طريق هشام عنه. ومسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة من طريق هشام بن عروة عنه. والترمذي ٥/١٣ كتاب التفسير وأحمد في المسند ٦/٥٩ من طريق هشام بن عروة عنه. وابن إسحاق٢/٢٩٦ سيرة ابن هشام من طريق الزهري عنه. والطبري في التاريخ ٢/٦١٠- ٦١١.
ثالثًا: رواية الحديث عن علقمة بن وقاص على انفراده، أخرجها إسحاق ابن راهويه في مسنده ٤/ق ١٣٤ ب و٤/ق١٣٥ب من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنه. والطبري في التفسير ١٨/ ٩٤ من هذه الطريق.
رابعًا: روابية الحديث عن عائشة من غير مشايخ الزهري:
أ- أخرجه البخاري ٣/١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر عنها.
ب- وأخرجه ابن إسحاق من طريق يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، سيرة ابن هشام ٢/٢٩٧. وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في حد القذف ٢/٤٧١، والترمذي ٥/١٧ في تفسير سورة
[ ٢٨٨ ]
النور وابن ماجه ٢/ ٨٥٧ كتاب الحدود باب حد القذف. الجميع من طريق ابن إسحاق الثانية. مختصرا.
ج- وأخرجه عبد بن حميد في مسنده ٢/ق ١٥٩ من طريق أبي عوانة عن عمر بن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن أبيه عن عائشة.
د- وأخرجه الطبراني من طريق الأسود بن يزيد عنها ٩/٢٣٠ مجمع الزوائد للهيثمي.
خامسًا: رواية الحديث عن جماعة من الصحابة غير عائشة - ﵂ -:
١- أخرجه البخاري عن عبد الله بن الزبير في الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا عقب رواية فليح بن سليمان عن هشام بن عروة ولم يسق لفظه ٣/ ١٥٤.
ومن حديث أم رومان ٤/١٢٠ كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ و٥/١٠٠ كتاب المغازي باب حديث الإفك و٦/٦٤ تفسير سورة يوسف باب قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ و٦/٨٧ باب قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
٢- وأبو دواد الطيالسي من حديث أم رومان أيضا ٢/١٣١منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، وأحمد في مسنده ٦/٣٦٧.
٣- وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي اليسر١ ٩/٢٣٦ و٩/٢٣٧ مجمع الزوائد للهيثمي والدر المنثور للسيوطي ٥/ ٢٩.
٤- وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة٩/٢٣٠ مجمع الزوائد للهيثمي.
٥- وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأبي اليسر٥/ ٢٧و٥/٢٩ الدر المنثور للسيوطي.
فهذه طرق هذا الحديث التي عثرت عليها.
_________________
(١) ١ أبو اليسر بفتح التحتانية والمهملة هو كعب بن عمرو بن عباد، السلمي، بالفتح الأنصاري، صحابي، بدري جليل، (ت٥٥) بالمدينة/بخ م عم. التقريب٢/ ١٣٥.
[ ٢٨٩ ]
المبحث الثاني: الخلاف في سماع مسروق من أم رومان
تفرد البخاري دون مسلم بحديث مسروق عن أم رومان من طريق حصين بن عبد الرحمن وقد أورده بثلاث صيغ وهي:
أ- صيغة التحديث: حدثنا موسى١ حدثنا أبو عوانة٢ عن حصين٣ عن أبي وائل٤ قال: حدثني مسروق٥ بن الأجدع قال حدثتني أم رومان٦ وهي أم عائشة قالت: "بينا أنا وعائشة أخذتها الحمى، فقال النبي ﷺ: "لعل في حديث تحدث؟ " قالت: "نعم"، وقعدت عائشة،
_________________
(١) ١ موسى بن إسماعيل المنقري، بكسر الميم، وسكون النون وفتح القاف أبو سلمة التبوذكي، بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة، مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، ولا التفات إلى قول ابن خراش: تكلم الناس فيه، (ت٢٢٣) /ع. التقريب ٢/ ٢٨٠. ٢ هو وضاح بن عبد الله اليشكري تقدمت ترجمته. ٣ حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل بالتصغير الكرفي، ثقة، تغير حفظه في الآخر، من الخامسة، (ت ١٣٦) وله ٩٣ سنة/ ع. المصدر السابق ١/ ١٨٢. ٤ أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة، مخضرم، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة/ع. المصدر السابق ١/ ٣٥٤. ٥ مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة، فقيه عابد مخضرم من الثانية، (ت٦٢ ويقال ٦٣) /ع. التقريب ٢/ ٢٤٢ وهو ابن أخت البطل الكرار عمرو بن معدي كرب الزبيدي مصغرا، وكان أبوه أفرس فارس باليمن، سماه عمر بن الخطاب مسروق بن عبد الرحمن، وقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" الأجدع شيطان" انظر طبقات ابن سعد ٦/ ٧٦ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٤٩ وتهذيب التهذيب ١٠/ ١٠٩- ١١٢. والحديث الوارد في تسمية والده عبد الرحمن عند أحمد١/٣١ وابن سعد٦/٧٦. ٦ أم رومان الفراسية زوج أبي بكر الصديق، وأم عائشة وعبد الرحمن ن صحابية، يقال اسمها زينب، وقيل دعد، زعم الواقدي ومن تبعه أنها ماتت في زمن النبي ﷺ ونزل قبرها. والصحيح أنها عاشت بعده، ورواية مسروق عنها مصرح بالسماع منها في صحيح البخاري، وليست بخطأ كما زعم بعضهم والله أعلم /خ. التقريب ٢/ ٦٢١.
[ ٢٩٠ ]
قالت: "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، [سورة يوسف، من الآية: ١٨] ١.
والحديث من هذه الطريق بهذه الصيغة في التاريخ الصغير للبخاري٢ وفي مسند الطيالسي، تحت رقم (٢٤٩٧) ٣.
ب- صيغة (سألت) حدثنا محمد٤ بن سلام أخبرنا ابن فضيل٥، حدثنا حصين عن شقيق عن مسروق قال:" سألت أم رومان وهي أم عائشة لما قيل فيها ما قيل، قالت: "بينما أنا مع عائشة جالستان، إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار، وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل"، قالت: " فقلت: لم؟ " قالت: إنه نمى"٦ ذكر الحديث.
فقالت عائشة: "أي حديث؟ " فأخبرتها، قالت: "فسمعه أبو بكر، ورسول الله ﷺ؟ " قالت: "نعم"، فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى٧ بنافض، فجاء النبي ﷺ فقال: "ما لهذه؟ " قلت: "حمى أخذتها من أجل حديث تحدث به"، فقعدت، قالت: "والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، فالله المستعان على ما تصفون"، فانصرف النبي صلى
_________________
(١) ١ البخاري كتاب التفسير ٦/ ٦٤ باب قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ سورة يوسف آية:١٨ و٥/ ١٠٠ كتاب المغازي باب حديث الإفك وهو أتم سياقا. ٢ تاريخ البخاري الصغير ص ٢٢. ٣ منحة المعبود بترتيب مسند الطيالسي أبي داود، للبنا الشهير بالساعاتي ٢/ ١٣١. ٤ هو البيكندي. تقدمت ترجمته ٥ هو محمد بن فضيل بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي، الضبي، مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، من التاسعة، (ت٢٩٥) /ع. التقريب ٢/ ٢٠٠. ٦ نمى ذكر الحديث بالتشديد معناه: بلغ الحديث على وجه الإفساد والنميمة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٢١. ٧ حمى بنافض: أي برعدة شديدة، كأنها نفضتها أي حركتها. المصدر السابق٥/٩٧.
[ ٢٩١ ]
الله عليه وسلم فأنزل الله ما أنزل فأخبرها فقالت: "بحمد الله لا بحمد أحد"١. والحديث بهذا الإسناد وبهذه الصيغة عند البخاري في تاريخه الصغير٢.
ج- صيغة (العنعنة) حدثنا محمد٣ بن كثير أخبرنا سليمان٤ عن حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت: "لما رميت عائشة خرت٥ مغشيا عليها"٦ والحديث بهذا الإسناد وبهذه الصيغة عند البخاري في تاريخه الصغير٧.
وهو عند أحمد أيضا بهذه الصيغة من طريق أبي جعفر الرازي٨ وعلي بن عاصم٩ عن حصين١٠. وعلى هذا فالبخاري يرى أن مسروقا سمع من أم رومان قطعا وأنها عاشت بعد النبي ﷺ، ولذلك فقد أورد في تاريخه الصغير الرواية المصرحة بسماع مسروق من أم رومان.
_________________
(١) ١ البخاري٤/١٢٠ كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ . ٢ انظر ص ٢٢. ٣ محمد بن كثير العبدي، البصري، ثقة، لم يصب من ضعفه، من العاشرة (ت٢٢٣) وله ٩٠ سنة/ ع. التقريب ٢/ ٢٠٣. ٤ سليمان بن كثير العبدي، البصري، أبو داود وأبو محمد، لا بأس به في غير الزهري، من السابعة، (ت ١٣٣) /ع. المصدر السابق ١/ ٣٢٩. ٥ خرت مغشيا عليها: أي سقطت مغمى عليها. النهاية لابن الأثير٢/٢١ و٣/٣٦٩. ٦ البخاري ٦/ ٨٧- ٨٨ كتاب التفسير باب قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ٧ انظر، ص ٢٢. ٨ أبو جعفر الرازي، التميمي مولاهم، مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، وأصله من مرو، صدوق سيء الحفظ، خصوصا عن مغيرة، من كبار السابعة، (ت في حدود ١٦٠٩ /بخ عم. التقريب ٢/ ٤٠٦. ٩ علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التميمي مولاهم، صدوق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع من التاسعة، (ت٢٠١) وقد جاوز التسعين/د ت ق. المصدر السابق٢/٣٩. ١٠ مسند أحمد ٦/ ٣٦٧.
[ ٢٩٢ ]
ثم أورد بعد ذلك حديث علي بن زيد الوارد فيه أن أم رومان ماتت في زمن النبي ﷺ فقال: "وروى علي١ بن زيد عن القاسم٢، ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ، ثم عقب بقوله: وفيه نظر، وحديث مسروق أسند"٣.
قال ابن حجر: "يعني أصح إسنادا وهو كما قال". انتهى٤.
وقد صرح بسماع مسروق من أم رومان.
وجزم جماعة من العلماء٥ بأن مسروقا لم يدرك أم رومان اعتمادا على رواية علي بن زيد هذه المصرحة بأن أم رومان ماتت زمن النبي ﷺ، وكان قدوم مسروق إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ، ومن ثم وهم البخاري في إدخاله هذه الحديث في الصحيح وتصريحه فيه بأن مسروقا سمع من أم رومان.
وقد انتصر لقول البخاري هذا ابن القيم وابن حجر وردا على القائلين بغيره.
وهذا نص كلام ابن القيم قال: "ومما وقع في حديث الإفك: أن في
_________________
(١) ١ علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان بضم الجيم وسكون الدال المهملة، التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف من الرابعة (ت ١٣١) وقيل قبلها /بخ م عم. المصدر السابق ٢/ ٣٧. ٢ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة قال أيوب: "ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة" (ت ١٠٦) على الصحيح / ع. المصدر السابق٢/١٢٠. ٣ تاريخ البخاري الصغير، ص ٢٢ والحديث في طبقات ابن سعد وهذه نصه: "أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن القاسم بن محمد قال: لما دليت أم رومان في قبرها"، قال رسول الله ﷺ: "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان" وفي حديث عفان: "ونزل رسول الله ﷺ قبرها" ٨/ ٢٧٦. ٤ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٣٧٣. ٥ سيأتي تسمية بعضهم في كلام ابن حجر، ص ٢٩٦.
[ ٢٩٣ ]
بعض طرق البخاري عن أبي وائل١: عن مسروق قال: "سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني"٢.
قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله ﷺ، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، وقال: "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه".
قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها للقي رسول الله ﷺ وسمع منه، ومسروق إنما قدم المدينة بعد موت رسول الله ﷺ، قالوا: وقد روى مسروق عن أم رومان حديثا غير هذا، فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع.
قالوا: ولعل مسروقا قال: سئلت أم رومان فتصحفت على بعضهم سألت لأن بعض الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. ثم عقب بقوله: وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في صحيحه، وقد قال إبراهيم الحربي٣ وغيره: إن مسروقا سألها وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة٤، وأم رومان أقدم من حدث عنه.
قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله ﷺ ونزوله في قبرها فحديث لا يصح وفيه علتان تمنعان صحته.
_________________
(١) ١ هو شقيق بن سلمة الأسدي. ٢ هذا الجمع بين "سألت أم رومان فحدثتني" لم يرد في البخاري مجموعا في حديث واحد. انظر سياق الحديث، ص ٢٩٠ وما بعدها. ٣ هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق، البغدادي أحد الأعلام روى عن أبي نعيم وعبد الله بن صالح العجلي، ومسدد وطبقتهم. وتفقه على الإمام أحمد فكان من جلة أصحابه، وعنه ابن صاعد وأبو بكر القطيعي وخلق ولد سنة ١٩٨ وتوفي سنة ٢٨٥هـ. تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٥٨٤- ٥٨٦. ٤ وكانت وفاته سنة (٦٣) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٤٩- ٥٠ وتهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ١١١.
[ ٢٩٤ ]
إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه.
والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي ﷺ، والقاسم لم يدرك زمن رسول الله ﷺ، فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس يرويه البخاري في صحيحه ويقول فيه مسروق: سالت أم رومان فحدثتني، وهذا يرد أن يكون اللفظ سئلت، وقد قال أبو نعيم١ في كتاب معرفة الصحابة قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله ﷺ وهو وهم". انتهى كلام ابن القيم٢.
_________________
(١) ١ هو الحافظ الكبير محدث العصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق ابن موسى، أبو نعيم الأصبهاني، صاحب كتاب معرفة الصحابة وحلية الألياء، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب المستخرج على البخاري والمستخرج على مسلم، وغيرها. أجاز له مشايخ الدنيا وعمره ست سنين، منهم أبو العباس الأصم وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي وغيرهم سمع من أبي القاسم الطبراني وأبي بكر الآجري وأبي الشيخ بن حيان وعنه الخطيب البغدادي وهبة الله بن محمد الشيرازي وأبو صالح المؤذن. ولد سنة ٣٣٦هـ وتوفي سنة ٤٣٠هـ. تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ١٠٩٢- ١٠٩٧. ٢ زاد المعاد ٢/ ١٢٩ وانظر إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ٧/ ١٧٨، وساق ابن كثير حديث مسروق من طريق أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم عن حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان وقال عقبه: تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين، وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به، وفي لفظ أبي عوانة حدثتني أم رومان، وهذا صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ﷺ، قال الخطيب: "وقد كان مسروق يرسله فيقول: سئلت أم رومان ويسوقه، فلعل بعضهم كتب سئلت بألف اعتقد الراوي أنها وسألت فظنه متصلا، قال الخطيب وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته".كذا قال والله أعلم. ورواه بعضهم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عن أم رومان فالله أعلم. انظر تفسير ابن كثير٣/٢٧٢. قلت: رواية مسروق عن ابن مسعود أوردها المزي في تهذيب الكمال٩/١٣١ يؤيد بها قول الخطيب بأن مسروقا لم يدرك أم رومان. وردها ابن حجر بقوله: وهذه الرواية شاذة وهي من المزيد في متصل الأسانيد. انظر فتح الباري ٧/ ٤٣٨.
[ ٢٩٥ ]
وأورد ابن حجر هذا الاعتراض على حديث مسروق في خمسة من كتبه وبين أن المتصدر في هذا القول هو الخطيب١ البغدادي، وتبعه في ذلك جماعة من العلماء منهم: ابن عبد البر٢ والسهيلي٣ وابن سيد الناس٤ والحافظ المزي٥ والذهبي٦ والعلائي٧ وآخرون.
وذكر أن مما أعل به الخطيب حديث مسروق كون حصين اختلط فلعله حدث به بعد اختلاطه.
وهذا معنى كلام الخطيب قال: "أخرج البخاري عن مسروق عن أم رومان - ﵂ - وهي أم عائشة طرفا من حديث الإفك وهو وهم، لم يسمع مسروق من أم رومان ﵂ لأنها توفيت في عهد رسول الله ﷺ وكان لمسروق حين توفيت ست سنين"، قال: "وخفيت هذه العلة على البخاري، وأظن مسلما فطن لهذه العلة، فلم يخرج له، ولو صح هذا لكان مسروق صحابيا لا مانع له من السماع من النبي ﷺ، والظاهر أنه مرسل، قال: ورأيته في تفسير سورة يوسف من الصحيح عن مسروق قال: سألت أم رومان" فذكره، قال: "وهو من رواية حصين عن شقيق، وحصين اختلط فلعله حدث به بعد اختلاطه، وقد رأيته في رواية أخرى٨ عنه عن
_________________
(١) ١ أورد ذلك في كتابه (المراسيل)، كما في تهذيب الكمال للمزي٩/١٣١ والإصابة لابن حجر ٤/ ٤٥١ وذكر ابن حجر في الإصابة أيضا أن أبا علي بن السكن سبق الخطيب إلى تعليل رواية مسروق هذه فقال في كتاب الصحابة في ترجمة أم رومان بأنها ماتت في حياة النبي ﷺ، ثم أشار إلى رواية البخاري عن حصين عن أبي وائل عن مسروق سألت أم رومان ثم قال: "هذا خطأ تفرد به حصين، ويقال إن مسروقا لم يسمع من أم رومان لأنها ماتت في حياة النبي ﷺ". الإصابة لابن حجر ٤/ ٤٥٢. ٢ انظر الاستيعاب ٤/ ٤٤٨- ٤٥٢. ٣ في الروض الأنف ٦/ ٤٤٠. ٤ في عيون الأثر ٢/ ١٠١. ٥ تهذيب الكمال ٩/ ١٣١. ٦ في تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٣٣٦. ٧ في جامع التحصيل في أحكام المراسيل ٢/ ٦٧٤. ٨ هذه الرواية أوردها العلائي في (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) فقال: ورواه أبو سعيد الأشج عن ابن فضيل فقال فيه: عن مسروق قال: "سئلت أم رومان وهي أم عائشة فذكر القصة" ٢/ ٦٧٥.
[ ٢٩٦ ]
شقيق عن مسروق قال: سئلت أم رومان فلعل قوله في رواية البخاري سألت تصحيف من سئلت". انتهى١.
ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "وعندي أن الذي وقع في الصحيح هو الصواب والراجح، وذلك أن مستند هؤلاء في انقطاع هذا الحديث٢، إنما هو ما روى علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف أن أم رومان ماتت سنة ست وأن النبي ﷺ حضر دفنها".
ثم قال ابن حجر: "وقد نبه البخاري في تاريخه الأوسط والصغير على أنها رواية ضعيفة، فقال في (فصل) من مات في خلافة عثمان قال علي بن زيد عن القاسم: ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ سنة ست"٣.
ثم قال البخاري: "وفيه نظر، وحديث مسروق أسند"٤.
قال ابن حجر: "يعني أصح إسنادا وهو كما قال٥، وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقا سمع من أم رومان وله خمس عشرة سنة، فعلى هذا يكون سماعه منها في خلافة عمر بن الخطاب لأن مولد مسروق كان في سنة الهجرة، ولهذا قال أبو نعيم الأصبهاني: "عاشت أم رومان بعد النبي ﷺ دهرا".
ثم قال ابن حجر: "ومما يدل على ضعف رواية علي بن زيد بن جدعان:
_________________
(١) ١ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٣٧٣. ٢ يعني حديث مسروق. ٣ هذه الرواية لعلها في التاريخ الأوسط، أما في التاريخ الصغير ففيه أن أم رومان توفيت في زمن النبي ﷺ بدون تحديد. انظر التاريخ الصغير للبخاري، ص ٢٢. ٤ المصدر السابق، ص ٢٢. ٥ وقال في الإصابة ٤/ ٤٥٢ أثناء رده على الخطيب ومن تبعه: "وأول من فتح هذا الباب صاحب الصحيح - يعني البخاري - فإنه ذكر رواية مسروق ورجحها على رواية علي بن زيد"، قال ابن حجر: "وهو كما قال، لأن مسروقا متفق على ثقته"، وعلي بن زيد متفق على سوء حفظه". قلت: وقال البخاري وأبو حاتم وابن خزيمة: "لا يحتج به". انظر ميزان الاعتدال ٣/ ١٢٧- ١٢٩.
[ ٢٩٧ ]
أ- ما ثبت في الصحيح م رواية أبي عثمان١ النهدي عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن الصديق ﵄ أن أصحاب الصفة٢ كانوا ناسا فقراء، فذكر الحديث في قصة أضياف أبي بكر، وفيه قال: قال عبد الرحمن: إنما هو أنا وأمي وامرأتي وخادم بيتنا. الحديث٣
وفي بعض طرقه عند البخاري في كتاب الأدب فلما جاء أبو بكر قالت له أمي: احتبست عن أضيافك. الحديث"٤
وأم عبد الرحمن هي أم رومان لأنه شقيق عائشة، وعبد الرحمن إنما أسلم بعد سنة ست، وقد ذكر الزبير بن بكار من طريق ابن عيينة عن علي بن زيد أن إسلام عبد الرحمن كان قبل الفتح، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان، فبان ضعف ما قال علي بن زيد في تقييده وفاة أم رومان بسنة ست، مع ما اشتهر من سوء حفظه في غير ذلك فكيف تعل به الروايات الصحيحة المعتمدة.
ب- ما رواه الإمام أحمد في مسنده أن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بي" فقال: "يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان" قالت: "قلت: يا رسول الله وما هو؟ " قال: " قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، [سورة الأحزاب، من الآيتان: ٢٨-٢٩] .
_________________
(١) ١ أبو عثمان النهدي بفتح النون وسكون الهاء، هو عبد الرحمن بن مل بلام ثقيلة والميم مثلثة، مشهور بكنيته، مخضرم من كبار الثانية، ثقة ثبت عابد، (ت ٩٥) وقيل بعدها وعاش ١٣٠ سنة وقيل أكثر/ ع. التقريب ١/ ٤٩٩. ٢ قال ابن حجر: "الصفة: مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر". انظر فتح الباري ٦/ ٥٩٥ وهدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ١٤٥. ٣ انظر: البخاري ٤/ ١٥٥ كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام. ٤ المصدر السابق ٨/ ٢٨ كتاب الأدب باب قول الضيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل و١/ ١٠٣ كتاب مواقيت الصلاة باب السمر مع الضيف والأهل.
[ ٢٩٨ ]
قالت: "فقلت: فإني أريد الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبا بكر وأم رومان، فضحك".
وهذا إسناد جيد، وأصله في الصحيحين١ بلفظ: "استأمري أبويك" ولم يسمهما، والتخيير كان في سنة تسع، والحديث دال على أن أم رومان كانت إذ ذاك موجودة، فبان وهم علي بن زيد ومن معه٢.
قلت: حديث أحمد المشار إليه هو: حدثنا محمد٣ بن بشر قال: ثنا محمد٤ بن عمرو ثنا أبو سلمة عن عائشة قالت: "لما أنزلت آية التخيير٥، قال: بدأ بعائشة فقال: "يا عائشة: إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتن٦ فيه
_________________
(١) ١ وهذا نصه في الصحيحين: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: " إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه"،قالت: ثم قال:"إن الله قال": ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِك﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: "ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة"، البخاري ٦/ ٩٧ تفسير سورة الأحزاب واللفظ له، ومسلم ٤/ ١٨٥- ١٨٦ من كتاب الطلاق. ٢ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص: ٣٧٣ وفتح الباري٧/ ٤٣٨ وتهذيب التهذيب١٢/٤٦٧-٤٦٩، وتقريب التهذيب٢/٦٢١ والإصابة ٤/٤٥٠-٤٥٢. ٣ محمد بن بشر العبدي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ من التاسعة، (ت ٢٠٣) /ع. التقريب ٢/ ١٤٧. ٤ محمد بن عمرو هو ابن وقاص الليثي، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن الزهري تقدمت ترجمتهما. ٥ هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، كما هو موضح في الحديث. ٦ فلا تفتاتن بفتح التاء الأولى وسكون الفاء، وكسر التاء الأخيرة بعدها نون مشددة مفتوحة يقال افتات فلان افتياتا إذا سبق بفعل شيء فاستبد برأيه فيه ولم يؤامر من هو أحق بالأمر فيه. المصباح المنير ٢/١٣٨ (مادة فوت) .
[ ٢٩٩ ]
بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان"، قالت: "أي رسول الله وما هو؟ "
قال: " قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ "، [سورة الأحزاب، الآيتان: ٢٨-٢٩] .
قالت: "إني أريد الله ورسول والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان"، قالت: "فضحك النبي ﷺ، ثم استقرأ١ الحجر" فقال: "إن عائشة قالت: كذا وكذا"، قال: "فقلن مثل الذي قالت عائش"٢.
قلت: الحديث رجاله رجال الجماعة إلا أن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص أخرج له البخاري مقرونا بغيره وتعليقا ومسلم في المتابعات، وهو حسن الحديث٣.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن اعتراض الخطيب ومن تبعه على البخاري في سماع مسروق من أم رومان يتلخص فيما يلي:
دعوى وفاة أم رومان في عهد الرسول ﷺ سنة ست أكثر تقدير.
أنه حصل تصحيف في الرواية فإن مسروقا كان يرسله فيقول: سئلت أم رومان فتصحف على بعضهم (سألت) .
_________________
(١) ١ استقرأ الحجر: أي تتبع أفرادها. المصدر السابق ١/ ١٦٠. ٢ مسند أحمد ٦/ ٢١١- ٢١٢. ٣ انظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٤٤١.
[ ٣٠٠ ]
اختلاط حصين١ بن عبد الرحمن الذي مدار الحديث عليه.
والجواب عن هذا أن يقال:
أما دعوى وفاة أم رومان في زمن النبي ﷺ سنة ست أو قبل ذلك فإنهم استندوا في ذلك على حديث علي بن زيد بن جدعان وفيه علتان: ضعف علي بن زيد والانقطاع بين القاسم بن محمد والرسول ﷺ لأن القاسم تابعي من كبار الثالثة كما هو معروف٢.
وعلى هذا فلا تقوم بالحديث حجة، كيف وقد عارضته أحاديث أخرى صحيحة ذكرت أن أم رومان كانت موجودة سنة تسع كما في قصة تخييره ﷺ بين نسائه، وذلك سنة تسع بالاتفاق، ذكر ذلك ابن حجر٣، وفي هذه القصة أن الرسول ﷺ عرض الأمر على عائشة وقال لها: لا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان، ولهذا جزم إبراهيم الحربي وأبو نعيم بأن وفاتها كانت بعد النبي ﷺ بزمن.
وأما دعوى التصحيف فإنها ضعيفة لأمرين:
الأول: أن في صحيح البخاري التصريح بالتحديث فدل على أن دعوى تصحيف سألت عن (سئلت) غير صحيحة.
الثاني: أن توهيم الثقات بدون حجة قاطعة باطل عند أهل العلم وهذا نوع من التوهيم بدون دليل.
_________________
(١) ١ قال عنه ابن حجر: "حصين بن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي متفق على الاحتجاج به، إلا أنه تغير في آخر عمره، وأخرج له البخاري من حديث شعبة والثوري، وزائدة وأبي عوانة، وأبي بكر بن عياش وأبي كدينة إلى أن قال: فأما شعبة والثوري وزائدة وهشيم فسمعوا منه قبل تغيره، وأما حصين بن نمير فلم يخرج له البخاري من حديثه سوى حديث واحد، وأما محمد بن فضيل ومن ذكر معه، فأخرج من حديثهم ما توبعوا عليه". انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٣٩٨. قلت: وهذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه ورد عن أبي عوانة ومحمد بن فضيل وسليمان بن كثير العبدي وعلي بن عاصم بن صهيب الواسطي وأبي جعفر الرازي التميمي خمستهم عن حصين بن عبد الرحمن. ٢ انظر ترجمته في: التقريب ٢/ ١٢٠. ٣ انظر: فتح الباري ٧/ ٤٣٨.
[ ٣٠١ ]
وأما اختلاط حصين بن عبد الرحمن فيجاب عنه من أوجه:
أ- أن يكون البخاري أخرج له قبل اختلاطه ثم طرأ عليه الاختلاط بعد ذلك، وهذا هو المظنون بالبخاري.
ب- أن يكون البخاري أخرج له ما تأكد من حفظه له دون ما فيه شبهة الاختلاط، وهذا لا مانع منه لأن الممنوع في رواية المختلط ما كانت بعد اختلاطه أو لم تعرف هل هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده، وتحري البخاري ومعرفته بعلل الحديث يرشداننا إلى أنه لا يروي عن مختلط إلا ما حفظه وكان ثابتا فيه.
ج- ما أجاب به ابن حجر في مقدمة الفتح في سياق أسماء من طعن فيهم من رجال الصحيح، قال: "وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم".
وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن١ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة"، يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
_________________
(١) ١ هو علي بن الفضل بن علي بن حاتم بن حسن بن جعفر الحافظ العلامة المفتي شرف الدين أبو الحسن ابن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي، ثم الإسكندراني المالكي، سمع صحيح البخاري من القاضي أبي عبيدة نعمة بن زيادة الله الغفاري عن عيسى بن أبي ذر الهروي. (ت٦١١؟) تذكرة الحفاظ للذهبي٤/١٣٩٠-١٣٩٢.
[ ٣٠٢ ]
قال الشيخ أبو الفتح١ القشيري في مختصره: "هكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك رواتهما"٢.
د- ما أجاب به ابن حجر أيضا عن الأحاديث المنتقدة جملة:
قال: "والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقدم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك، حتى كان يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك كله فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري، يقول: دعوا قوله ما رأى مثل نفسه".
وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا.
وروى الفربري٣ عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته.
وقال مكي٤ بن عبدان سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي
_________________
(١) ١ هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن دقيق العيد القشيري المنفلوطي الصعيدي، المالكي، والشافعي صاحب التصانيف منها العدة شرح العمدة والإلمام، وكتابا في علوم الحديث اسمه الاقتراح، ولد سن (٦٢٥هـ) وتوفي سنة (٧٩٢هـ) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٤٨١- ١٤٨٣. ٢ هدي الساري مقدمة فتح الباري الفصل التاسع، ص ٣٨٤. ٣ هو محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر أبو عبد الله الفربري، بفتح الفاء وكسرها، وسكون الموحدة وكسر الراء الثانية، راوية صحيح البخاري، وكان سماعه للصحيح مرتين: مرة بفربر سنة (٢٤٨) ومرة سنة (٢٥٣هـ)، كانت وفاته سنة (٣٢٠) فتح الباري ١/٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٧٩٨. ٤ مكي بن عبدان بن محمد بن بكر بن مسلم بن راشد، أبو حاتم التميمي محدث نيسابور، وراوي كتب مسلم بن الحجاج عنه. ولد سنة (٢٤٢هـ) وتوفي سنة (٣٢٥هـ) انظر كتاب التمييز لمسلم بن الحجاج، ص ١١٤ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٥٨٨ و٣/ ٨٢٢. وقد وقع في هدي الساري مقدمة فتح الباري (مكي بن عبد الله) وهو تحريف. انظر هدي الساري ص ٣٤٧.
[ ٣٠٣ ]
هذا على أبي زرعة١ الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته.
ثم قال ابن حجر: "فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة"٢ ا؟.
وبهذا التقرير الذي سقناه عن ابن حجر وغيره يتضح أن البخاري مقدم على غيره، من علماء هذا الشأن، لا سيما الخطيب البغدادي ومن تبعه، فيما أخرجه في كتابه الصحيح من المتون وفيمن أخرج لهم من الرواة، وذلك لتقدم البخاري في هذا الفن ودقة فهمه فيه، وبوجه أخص إذا نظرنا إلى مستند الخطيب ومن وافقه في توهيم البخاري، نجدهم استندوا إلى حجة ضعيفة وقد سبق بيان ضعفها، فبان رجحان قول البخاري هنا في سماع مسروق من أم رومان على قول الخطيب وموافقيه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة (ت ٢٦٤هـ) / م ت س ق. التقريب ١/ ٥٣٦. ٢ هدي الساري مقدمة فتح الباري الفصل الثامن، ص ٣٤٦- ٣٤٧.
[ ٣٠٤ ]