الفصل الأول: الأحكام المستنبطة من غزوة المريسيع
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الإسلام قبل بدء القتال
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الإسلام قبل بدء القتال
إن النصوص تدل بظاهرها على أن المدعوين قبل القتال على قسمين:
القسم الأول: قوم لم تبلغهم الدعوة، فهؤلاء تجب دعوتهم قبل قتالهم حتى تقوم عليهم الحجة، ويدل لذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: "ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط حتى دعوهم"١، وحديثه أيضا في بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه، عبادة الله" الحديث٢
القسم الثاني: قوم بلغتهم الدعوة وعلموا بها، فهؤلاء تستحب دعوتهم
_________________
(١) ١ مسندأحمد١/٢٣١، وشرح معاني الآثار للطحاوي٣/٢٠٧ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٧، ومجمع الزوائد للهيثمي ٥/٣٠٤، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. قلت: رجال أحمد والطحاوي والبيهقي في هذا الحديث رجال الصحيح. ٢ البخاري٢/١٠١، كتاب الزكاة باب لا تؤخذ كرائم الناس، ومسلم١/٣٧، كتاب الإيمان، وأبو داود١/٣٦٦، والترمذي٢/٦٩، وابن ماجه١/٥٦٨، الجميع في كتاب الزكاة.
[ ٣٠٩ ]
من باب التأكيد وزيادة في إقامة الحجة عليهم، وتجوز الإغارة عليهم، بغتة، بدون تجديد دعوة لهم، اكتفاء بالدعوة السابقة التي قد بلغتهم، ويدل لذلك حديث ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء"، الحديث١
وحديث الصعب بن جثامة الليثي أن النبي ﷺ قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين، قال: "هم من آبائهم"، وفي لفظ: "إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين"، قال: "هم منهم"، وفي لفظ: سئل٢ النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم" ٣ وقد تقدم ذلك مفصلا في محله٤.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث، ص ٧٨. ٢ السائل هو:الصعب نفسه كما هي رواية الترمذي، انظر سنن الترمذي ٣/٦٦، كتاب السير ما جاء في النهي عن قتل النساء والصبيان. ٣ البخاري٤/٤٨، كتاب الجهاد، باب أهل الديار يبيتون، ومسلم٥/١٤٤، وأبو داود ٢/٥٠، في باب قتل النساء، والنسائي في الكبرى ٤/١٨٤، تحفة الأشراف للمزي، وابن ماجه٢/٩٤٧ باب الغارة والبيات، الجميع في الجهاد والترمذي ٣/٦٦، وأحمد ٤/٣٨ و٧١ و٧٢ و٧٣. ٤ انظر ص ٧٦ وما بعدها.
[ ٣١٠ ]
المبحث الثاني: مشروعية قسمة الغنائم بين المقاتلين
ورد في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قسم سبايا بني المصطلق وأن جويرية بنت الحارث وقعت في سهم ثابت بن شماس أو ابن عم له. الحديث١
وفي حديث أبي سعيد الخدريس ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله
_________________
(١) ١ تقدم ص ١١٣ وما بعدها.
[ ٣١٠ ]
ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل".الحديث١
وقد بينت الأحاديث الأخرى كيفية القسمة.
فعند البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ: "جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما" ٢.
وفي لفظ: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما"، قال٣: "فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإذا لم يكن له فرس فله سهم"٤.
وأورده مسلم بلفظ: "أم رسول الله ﷺ قسم في النفل٥ للفرس سهمين وللرجل سهما"٦.
وعند أبي داود: أن رسول الله ﷺ: "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه"٧.
والأحاديث صريحة في أن للفرس سهمين ولصاحبه سهما، فيكون للفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد.
وبهذا قال الجمهور من العلماء لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه في حكم العزل، ص ٣٣١. ٢ البخاري ٤/٢٥ كتاب الجهاد، باب سهام الفرس، و٥/١١٣، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. ٣ القائل: فسره نافع هو: عبيد الله بن عمر العمري، الراوي عنه. قاله ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٨٤. ٤ انظر ص ٣١٠. ٥ النفل بالتحريك: الغنيمة وجمعه أنفال، والنفل بالسكون وقد يحرك الزيادة. النهاية لابن الأثير ٥/٩٩، قلت: وهو في الحديث بالتحريك. ٦ مسلم ٥/١٥٦ كتاب الجهاد. ٧ سنن أبي داود ٢/٦٩ كتاب الجهاد باب في سهمان الخيل، وابن ماجه ٢/٩٥٢، فيه باب قسمة الغنائم.
[ ٣١١ ]
ذلك. وخالف الأحناف فقالوا: للفارس سهمان فقط سهم له وسهم لفرسه، واحتجوا بما رواه أبو داود من حديث مجمع١ بن جارية الأنصاري أن رسول الله ﷺ: "أعطى للفارس سهمين وأعطى الراجل سهما" ٢.
وقد أجاب ابن حجر عن هذا الحديث بأن في إسناده ضفعا٣ ثم قال: "ولو ثبت فيكون معناه: أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين، غير سهمه المختص به".
وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الإسناد فقال: (للفرس) .
ثم قال ابن حجر: "وللنسائي٤ من حديث الزبير "أن النبي ﷺ ضرب له أربعة أسهم وسهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته"٥.
والقول الراجح في هذا هو ما ذهب إليه الجمهور لقوة أدلتهم في ذلك.
_________________
(١) ١ مجمع: بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة ابن جارية بن عامر الأنصاري، الأوسي، المدني، صحابي، (ت في خلافة معاوية أبي سفيان) /د ت ق. التقريب ٢/٢٣٠. ٢ انظر الحديث في سنن أبي داود ٢/٦٩ كتاب الجهاد وقال عقبه: "حديث أبي معاوية أصح والعمل عليه". (يعني وفيه أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له وسهمين لفرسه) . ٣ لأن فيه يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري، المدني، مقبول من الرابعة/ د. التقريب ٢/٣٧٧. ٤ انظر الحديث في سنن النسائي ٦/١٩٠ كتاب الخيل باب سهمان للخيل، ولفظه: "ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهما للزبير وسهما لذي القربى، لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير، وسهمين للفرس" والحديث حسن. ٥ فتح الباري ٦/٦٨، وانظر سبل السلام للصنعاني ٤/٥٨، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٩٩- ٣٠٠.
[ ٣١٢ ]
المبحث الثالث: صحة جمع العتق صداقا
المبحث الثالث: صحة جعل العتق صداقا
تقدم في حديث عائشة ﵂ أن جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار وقعت في سهم ثابت بن قيس أو ابن عم له، فكاتبته على
[ ٣١٢ ]
نفسها وجاءت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فقال لها رسول الله ﷺ: "هل لك في خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت: قد فعلت١.
وعند الطحاوي: حدثنا أحمد٢ بن داود قال: حدثنا يعقوب٣ بن حميد قال: ثنا سليمان٤ بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد عن ابن عون٥ قال: كتب إليَّ نافع أن النبي ﷺ أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق، فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، أخبرني بذلك عبد الله ابن عمر، وكان في ذلك الجيش.
ثم قال الطحاوي: "فقد روي هذا عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا، ثم قال هو من بعد النبي ﷺ في مثل هذا، أنه يجدد لها صداقا.
حدثنا بذلك سليمان٦ بن شعيب، قال: ثنا الخصيب٧، قال: ثنا
_________________
(١) ١ تقدم الحديث، ص ١١٣، وما بعدها، وانظر ص ٣١٠. ٢ أحمد بن داود بن موسى السدوسي، أبو عبد الله، عن مسدد وأبي الربيع وغيرهما، وعنه الطحاوي وثقه ابن يونس. انظر كشف الأستار عن رجال معاني الآثار للسندي، ص ٣. ٣ يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، نزيل مكة، وقد نسب لجده، صدوق ربما وهم، من العاشرة (ت٢٤٠ أو٢٤١) /عخ ق. التقريب ٢/٣٧٥. ٤ سليمان بن حرب الأزدي الواشحي بمعجمة، ثم مهملة، البصري القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ، من التاسعة (ت ٢٢٤) وله ثمانون سنة /ع. المصدر السابق ١/٣٢٢. ٥ ابن عون هو: عبد الله بن عون بن أرطبان. تقدمت ترجمته مع بقية رجال الإسناد. ٦ سليمان بن شعيب بن سليمان بن سليم بن كيسان الكلبي، أبو محمد المصري، عن خصيب بن ناصح وأبيه، وعنه الطحاوي، وثقه العقيلي. (ت٢٧٨) كشف الأستار عن رجال معاني الآثار للسندي، ص ٤٣، ولسان الميزان لابن حجر٣/٩٦. ٧ الخصيب بفتح المعجمة وكسر المهملة ابن ناصح الحارثي البصري، نزيل مصر، صدوق يخطئ من التاسعة (ت ٢٠٨) / س. التقريب ١/٢٢٣، وكشف الأستار عن رجال معاني الآثار للسندي، ص ٣١.
[ ٣١٣ ]
حماد بن سلمة عن عبيد الله١، عن نافع عن ابن عمر مثل ذلك. فهذا عبد الله بن عمر ﵄ قد ذهب إلى أن الحكم في ذلك بعد رسول الله ﷺ على غير ما كان لرسول الله ﷺ.
فيحتمل أن يكون ذلك سماعا سمعه من النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون دله على ذلك المعنى الذي استدللنا به نحن على خصوصية رسول الله ﷺ في ذلك٢ بما وصفنا دون الناس"٣.
قلت: هذا الحديث الذي أيد به الطحاوي الخصوصية لا ينهض لفصل النزاع وذلك للاحتمال الموجود فيه. وحديثه الأول٤ صريح في أن النبي ﷺ أعتق جويرية وجعل عتقها صداقها. والأصل في ذلك الإقتداء به ﷺ في ذلك حتى تثبت الخصوصية، وهذا الحديث فيه الاحتمال المذكور يبطل الاستدلال، بخلاف جعل العتق صداقا فإن الأحاديث صريحة في ذلك.
فعند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والطحاوي: "أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها"٥.
_________________
(١) ١ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، أبو عثمان، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين / ع. التقريب ١/٥٣٧. ٢ استدل الطحاوي على الخصوصية، بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [سورة الأحزاب، من الآية: ٥٠] . قال: فلما أباح الله لنبيه أن يتزوج بغير صداق، كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، ومن لم يبح الله له أن يتزوج على غير صداق، لم يكن له أن يتزوج على العتاق، الذي ليس صداق. وهذه الآية التي استدل بها الطحاوي على الخصوصية، استدل بها أيضا ابن القيم على عدم الخصوصية، انظر ص ٣١٧. ٣ شرح معاني الآثار ٣/٢٠- ٢١. ٤ انظر ص ٣١٣. ٥ البخاري٧/٧ كتاب النكاح باب من جعل عتق الأمة صداقها، ومسلم٤/١٤٦ كتاب النكاح وأبو داود ١/٤٧٤ فيه باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها والترمذي ٤/٢٥٧ فيه أيضا. والطحاوي فيه ٣/٢٠.
[ ٣١٤ ]
وفي لفظ عند البخاري: "سبي النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها فقال ثابت١ لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها"٢.
وفي لفظ عند مسلم: "تزوج صفية وأصدقها عتقها"٣.
وفي لفظ عند البخاري من حديث أنس أيضا قال: صلى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس، ثم قال: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". الحديث
وفيه: "وكان في السبي صفية، فصارت إلى دحية٤ الكلبي، ثم صارت إلى النبي ﷺ، فجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز٥ بن صهيب لثابت: يا أبا محمد أنت قلت لأنس: ما أصدقها؟ فحرك ثابت رأسه تصديقا له"٦.
ولفظ مسلم أن دحية قال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: "يا نبي أله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير ما تصلح إلا لك" قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، قال: "وأعتقها وتزوجها" فقال ثابت: "يا أبا حمزة٧: ما أصدقها" قال: "نفسها أعتقها وتزوجها"٨.
_________________
(١) ١ ثابت هو ابن أسلم البناني: بضم الموحدة ونونين مخففين. تقدمت ترجمته. ٢ البخاري ٥/ ١٠٩، كتاب المغازي باب غزوة خيبر. ٣ مسلم ٤/١٤٦ كتاب النكاح. ٤ دحية بكسر دال وسكون مهملة وبمثناة تحتية، وعند ابن ماكولا بفتح دال دحية ابن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صحابي جليل نزل المزة ومات في خلافة معاوية /د. التقريب ١/٢٣٥. ٥ عبد العزيز بن صهيب بالتصغير البناني بضم الموحدة ونونين مخففين، البصري، ثقة من الرابعة، (ت ١٣٠) / ع. المصدر السابق ١/٥١٠. ٦ ٥/١٠٩ كتاب المغازي باب غزوة خيبر. ٧ أبو حمزة: كنية أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ. ٨ صحيح مسلم ٤/١٤٥- ١٤٦ كتاب النكاح.
[ ٣١٥ ]
فهذه الألفاظ كلها صريحة في صحة جعل العتق صداقا، ومع هذا كله فقد صرفها بعض العلماء عن ظاهرها وأولها بتأويلات بعيدة فيها تكلف، من تلك التأويلات: دعوى الخصوصية لرسول الله ﷺ، كما تقدم في قول الطحاوي١، ومنها أنه ﷺ لما أعتقها وجبت له عليها قيمتها فصح به العقد. ومنها أن هذا شيء قاله أنس بن مالك من قبل نفسه، لما لم يعلم أن رسول الله ﷺ ساق صداقا الخ.
والذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة بالذات هو العمل بنا نصت عليه الأحاديث وهي صريحة في هذا، لأن الأصل عدم الخصوصية، ولأن الراوي أعرف بتأويل ما روى، فما كان لأنس أن يقول شيئا من قبل نفسه، لا سيما أنه قد ورد عند الطبراني٢ وأبي الشيخ٣ عن صفية نفسها قالت: "أعتقني وجعل عتقي صداقي"٤.
وهذا يوافق ما قاله أنس ﵁، وصاحب القصة أدرى بها من غيره.
وقد تعرض لهذه المسألة ابن القيم في زاد المعاد أثناء كلامه على الأحكام الفقهية في غزوة خيبر وأيد القول بصحة جعل العتق صداقا، ورد على القائلين بغيره.
وهذا نص كلامه: "ومنها٥ جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقا لها، ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهود ولا ولي غيره، ولا لفظ إنكاح ولا
_________________
(١) ١ انظر ص ٣١٤. ٢ هو الحافظ الإمام العلامة الحجة، بقية الحفاظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ابن مطير اللخمي الشامي الطبراني، مسند الدنيا، وصاحب المعاجم الثلاثة. ولد عام (٢٦٠) وتوفي عام (٣٦٠) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٩١٢- ٩١٧. ٣ هو حافظ أصبهان ومسند زمانه الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري صاحب المصنفات السائرة، المعروف بأبي الشيخ، ولد سنة (٢٧٤) وتوفي سنة (٣٦٩) المصدر السابق ٣/٩٥٤- ٩٤٧. ٤ فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/١٢٩. ٥ أي من الأحكام الفقهية المأخوذة من غزوة خيبر.
[ ٣١٦ ]
تزويج، كما فعل رسول الله ﷺ بصفية، ولم يقل هذا قط خاص بي، ولا أشار إلى ذلك مع علمه بإقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم، ولا رسول الله ﷺ من الإقتداء به في ذلك، والله سبحانه لما خصه في النكاح بالموهوبة قال: ﴿خَالَصَةً لَّكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينِ﴾ فلو كانت هذه خالصة له دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تهب نفسها للرجل لندرته وقلته أو مثله في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له، وإقتداؤها به، فكيف سكت عن منع الإقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز؟ هذا شبه المحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الإقتداء به في ذلك، فيجب المصير إلى إجماعهم وبالله التوفيق".
ثم أيد بالقياس الصحيح أيضا فقال: والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك، فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها، فله أن يسقط حقه من ملك الرقبة، ويستبقي ملك المنفعة أو نوعا منها، كما لو أعتق عبده وشرط عليه أن يخدمه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبة ملكه، واستثنى نوعا من منفعته لم يمنع من ذلك في عقد البيع، فكيف يمنع منه في عقد النكاح؟.
ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وكان إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة
جعلها زوجة وسيدها كان يلي نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها.
ولما كان من ضرورته١ عقد النكاح ملكه لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا
_________________
(١) ١ الضمير في (ضرورته) يعود على الوطء وفي (ملكه) وبه يعود على العقد، والقياس الذي ذكره ابن القيم خلاصته: أن السيد أعتق الرقبة واستثنى جزء من المنفعة وهو الزواج بعقد، وهذا يصح في البيع. ففي النكاح من باب أولى. والسيد هو الذي يلي عقد نكاح أمته لغيرهن وقد صار النكاح إليه فهو الذي يعقد لنفسه ضرورة؛ لأن الانتفاع بالوطء لا يمكن إلا بطريق العقد وهو يملكه، فصح منه توليه لنفسه.
[ ٣١٧ ]
به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة، والله أعلم١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد٢/١٦٠ و١/٤٣ و٤/٢٧، وانظر سبل السلام للصنعاني٣/١٤٨، ونيل الأوطار للشوكاني٦/١٧٥-١٧٦، وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/٣٨٨- ٣٩٠.
[ ٣١٨ ]
المبحث الرابع: مشروعية القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن
إن من عدالة الإسلام وسماحته ومراعاة للحقوق الإنسانية، أن المرء إذا كان لديه أكثر من زوجة فإنه يأمره ويطالبه العدل بينهن في المأكل والمشرب والملبس والمبيت لأن لكل واحدة منهن حقا، ومن ثم فإنه إذا أراد السفر ببعضهن أرشده الإسلام إلى القرعة بينهن ليكون ذلك أدعى إلى رضى الجميع وعدم وقوع بغضاء وشحناء بينهن لأنه لو اختار واحدة منهن بدون قرعة لكان في ذلك شقاق ونزاع مع بقية الزوجات، لاستوائهن في هذا لحق، فكانت القرعة حاسمة لهذا كله.
ولما كانت غزوة بني المصطلق أقرع رسول الله ﷺ بين نسائه كعادته فأصابت القرعة عائشة فخرج بها ﷺ معه، ودلت الأحاديث الصحيحة أن عائشة ﵂ خرجت وحدها في هذه الغزوة ولم تخرج معه ﷺ امرأة سواها، وأما ما ورد من خروج أم سلمة في هذه الغزوة أيضا فإنه لا يصح.
فعند ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع
[ ٣١٨ ]
بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله ﷺ"١.
وعند البزار من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق". الحديث
قال الهيثمي: "رواه البزار وفيه محمد بن عمرو٢ وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات٣ ونسبه السيوطي للبزار وابن مردويه وقال بسند حسن"٤.
وبوب البخاري بقوله: "باب حمل الرجل امرأته في الغزوة دون بعض نسائه"، ثم ذكر طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي ﷺ. فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع النبي ﷺ بعدما أنزل الحجاب"٥.
قال ابن حجر: "قوله باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه "ذكر فيه طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو ظاهر فيما ترجم له، وسيأتي شرح حديث الإفك تاما في التفسير، وفيه التصريح بأن حمل عائشة معه كان بعد القرعة بين نسائه"٦. اهـ.
قلت: ومعلوم أن قصة الإفك كانت في غزوة بني المصطلق، وبهذا التقرير يتضح أن عائشة كانت وحدها في غزوة بني المصطلق، ولذا فقد قال ابن حجر
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٧، وانظر مسند أبي يعلى ٤/٤٥٠ و٥/٥٥٥، وانظر ص ٢٠٦، من هذه المسألة. ٢ هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي. تقدمت ترجمته. ٣ مجمع الزوائد ٩/٢٣٠. ٤ الدر المنثور ٥/٢٧. ٥ البخاري ٤/٢٧، كتاب الجهاد والسير باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه. ٦ فتح الباري ٦/٧٨، وقع في فتح الباري الطبعة السلفية "قبل أن ينزل الحجاب" وهو خطأ مطبعي لأن أحاديث الإفك صريحة في وقوع هذه الحادثة بعد نزول الحجاب. وهو كذلك في الفتح، النسخة الحلبية ٦/٤١٨.
[ ٣١٩ ]
أثناء شرحه لحديث الإفك: "قوله: (فخرج سهمي)، هذا يشعر بأن عائشة كانت في تلك الغزوة وحدها، لكن عند الواقدي١ من طريق عباد بن عبد الله عن عائشة أنها خرجت معه في تلك الغزوة أيضا أم سلمة، وكذا في حديث ابن عمر، وهو ضعيف"٢.
ثم قال: "ولم يقع لأم سلمة في تلك الغزوة ذكر، ورواية ابن إسحاق٣ من رواية عباد ظاهرة في تفرد عائشة بذلك، ولفظه "فخرج سهمي عليهن، فخرج بي معه"٤.اهـ. وأما حكم العمل بالقرعة فالجمهور من العلماء على القول بذلك.
والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبارها٥. والأحاديث ترد عليهم فإنها صريحة في ذلك.
_________________
(١) ١ انظر الحديث في مغازي الواقدي، ٢/٤٢٦. ٢ انظر الحديث في مجمع الزوائد للهيثمي، ٩/٢٣٧، ونسبه للطبراني وقال: فيه إسماعيل ابن يحيى بن عبيد الله التيمي وهو كذاب. ٣ انظر حديث ابن إسحاق، ص ٣١٨، وانظر سيرة ابن هشام، ٢/٢٩٧. ٤ فتح الباري ٨/٤٥٨، وانظر حاشية، ص ٢٠٦، من هذه الرسالة. ٥ انظر شرح صحيح النووي على مسلم ٥/٦٢٩ و٦٤١، وزاد المعاد لابن القيم ١/٥٥، وفتح الباري ٥/٢٩٣- ٢٩٤، وسبل السلام للصنعاني ٣/١٦٥، ونيل الأوطار للشوكاني ٦/٢٤٥، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٦/١٧٦.
[ ٣٢٠ ]
المبحث الخامس: جواز خروج النساء في الغزوات وغيرها
تقدم في حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعد ما أنزل الحجاب".الحديث١
_________________
(١) ١ انظر سياق حديث الإفك ص ٢٠٥ وما بعدها. وانظر صحيح البخاري ٥/٩٦ كتاب المغازي باب حديث الإفك.
[ ٣٢٠ ]
وفي حديث الربيع١ بنت معوذ عند البخاري قالت: "كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم نخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة"٢.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم٣ ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى"٤.
وعند البخاري ومسلم من حديث أنس أيضا قال: "لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ" الحديث
وفيه: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان٥ أرى خدم٦ سوقهما تنقلان القرب على متونهما٧ ثم تفرغانه في أفواههم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم" الحديث٨
_________________
(١) ١ الربيع: بالتصغير والتثقيل. بنت معوذ باسم الفاعل ابن عفراء بفتح المهملة وسكون الفاء الأنصارية النجارية من صغار الصحابة. /ع. التقريب ٢/٥٢٩٨. ٢ البخاري ٤/٢٧-٢٨ كتاب الجهاد والسير باب مداواة النساء الجرحى في الغزو و٧/١٠٦ كتاب الطب باب هل يداوي الرجل والمرأة أو المرأة الرجل وأحمد ٦/٣٥٨. ٣ أم سليم بالتصغير بنت ملحان بن خالد الأنصارية والدة أنس بن مالك، يقال: اسمها سهلة، أو رميلة، أو رميتة أو مليكة، أو أنيثة، وهي الغميصاء، أو الرميصاء بالتصغير زوج أبي طلحة الأنصاري، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، (ت في خلافة عثمان) / خ م د ت س. التقريب ٢/٦٢٢. ٤ مسلم٥/١٩٦ كتاب الجهاد والسير، وأبو داود٢/١٧ كتاب الجهاد باب في النساء يغزون والترمذي ٣/٦٨ كتاب السير باب ما جاء في خروج النساء في الحرب. ٥ شمر إزاره رفعه، وشمر في الأمر خف فيه، وجد واجتهد. انظر النهاية لابن الأثير ٢/٥٠٠ ومختار الصحاح ص ٣٤٦. ٦ الخدم: الخلخال. النهاية لابن الأثير٢/١٥. ٧ متونهما: متنا الظهر: مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم، يذكر ويؤنث، مختار الصحاح ص ٦١٤ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/٢٦٩. ٨ البخاري ٤/٢٧ كتاب الجهاد والسير باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال و٥/٣١ كتاب المناقب باب مناقب أبي طلحة و٥/٨٢ كتاب المغازي - غزوة أحد باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ ومسلم ٥/١٩٦ كتاب الجهاد والسير.
[ ٣٢١ ]
وفي حديث أم عطية١ الأنصارية ﵂ قالت: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى"٢.
وفي هذه النصوص تبرز بوضوح كامل قيمة المرأة في المجتمع المسلم، فإنها فيه عضو فعال، فها هي الأحاديث الصحيحة تصرح بأن المرأة على عهد رسول الله ﷺ تشارك في الحرب، كما أنها في السلم سيدة البيت ومربية أجيال، فليس في الإسلام حظر للمرأة أن تشارك الجيش أعباءه في القتال، بل في ذلك حث لها على سقي الماء ومداواة الجرحى وتمريض المرضى، وأكثر من ذلك فقد ورد في حديث أنس بن مالك، أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها فرآها أبو طلحة٣ فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله ﷺ: "ما هذا الخنجر"، قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين، بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا٤ من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ: يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن ٥.
ولكن كل ذلك مقيد بقيود الإسلام وشروطه التي تهدف إلى صيانة المرأة عن الابتذال والسفور، والخروج عن حد الاعتدال، لتكون لقمة سائغة لكل جسد شهواني، كما تدعو إليه حضارة الغرب والشرق اليوم، ويقلدهم في ذلك أذنابهم من أبناء المسلمين، الذين اغتروا بهذه الدعايلت الزائفة، التي يروجها
_________________
(١) ١ أم عطية: هي نسيبة بالتصغير، ويقال بفتح أولها، بنت كعب، ويقال بنت الحارث، صحابية مشهورة، ثم سكنت البصرة. / ع. التقريب ٢/٦١٦. ٢ مسلم ٥/١٩٩ كتاب الجهاد وابن ماجه ٢/٩٥٢ فيه باب العبيد والنساء يشهدون مع المسلمين وأحمد ٥/٨٤. ٣ أبو طلحة هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، (ت ٣٤) وقال أبو زرعة: عاش بعد النبي ﷺ أربعين سنة، /ع. التقريب ١/٢٧٥. ٤ تريد الذين فروا في غزوة حنين ممن أسلم يوم فتح مكة. ٥ صحيح مسلم ٥/١٩٦ كتاب الجهاد والسير.
[ ٣٢٢ ]
دعاة الباطل والإلحاد، بغية الانجراف في تياراتهم المنحرفة الضالة، التي تهدف إلى خلخلة البناء الإسلامي من أساسه الأول وهو الأسرة، وقوام الأسرة في الإسلام، هو المرأة المسلمة، فإذا خرجت وانتهكت الحرمات، وتبرجت تبرج الجاهلية الأولى، فقد وصل دعاة تحرير المرأة إلى مبتغاههم الخبيث.
فنسأل الله أن يرزق المسلمين البصيرة في دينهم، والتنبه لمخاطر أعدائهم، وما يدبرونه لهم من مكايد.
[ ٣٢٣ ]
المبحث السادس: ثبوت إقامة الحد على القاذفين
تقدم الحديث الوارد في ذلك عند أصحاب السنن وأحمد وغيرهم من حديث عائشة ﵂. ومن حديث أبي هريرة ﵁، وهو أن رسول الله ﷺ لما نزل القرآن ببراءة عائشة، أمر بحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، فضربوا حدهم.
والخلاف في عبد الله بن أبي ابن سلول فالأكثر على أنه لم يقم عليه حد، وقد تقدم تحقيق ذلك في مبحث إقامة الحد على القاذفين١
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٣٤ وما بعدها.
[ ٣٢٣ ]
المبحث السابع: جواز استرقاق العرب
إن الأحاديث الواردة في ذلك من الكثرة والشهرة بمكان، وهو أمر معلوم في عهد رسول الله ﷺ وصحابته من بعده.
وسأقتصر على إيراد الأحاديث الواردة في غزوة بني المصطلق وهي:
أولًا: حديث عبد الله بن عمر عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياق مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا سليم بن أخضر عن ابن عون
[ ٣٢٣ ]
قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ" قال يحيى: أحسبه قال (جويرية) أو قال البتة١ ابنة الحارث. وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ثم قال مسلم: وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون بهذا الإسناد مثله وقال: "جويرية بنت الحارث ولم يشك"٢.
ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل". الحديث٣
ثالثًا: حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها" الحديث
وفيه "فلقد أعتق بتزويجه مائة من أهل بيت بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها"٤.
وبهذه الأحاديث وغيرها قال جمهور العلماء بجواز استرقاق العرب كغيرهم من سائر الكفار من الأعاجم من يهود ونصارى وغير ذلك.
وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ملك من العرب رقيقا فوهب وباع
_________________
(١) ١ قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ٤/٣٣٠: أما قوله أو البتة فمعناه: أن يحيى بن يحيى قال: "أصاب يومئذ بنت الحارث، وأظن شيخي سليم بن أخضر سماها في روايته: جويرية، أو أعلم ذلك، وأجزم به، وأقول ألبتة، وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه إما ظنا وإما علما". ٢ تقدم تخريج الحديث في حكم الدعوة قبل القتال ص ٧٨. ٣ سيأتي تخريجه في حكم العزل ص ٣٣١. ٤ أبو داود٢/٣٤٧ كتاب العتق وأحمد٦/٢٧٧ والبيهقي٩/٧٤ وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وتقدم الحديث ص ١١٣ وما بعدها.
[ ٣٢٤ ]
وجامع وفدى وسبى الذرية"، ثم أورد جملة أحاديث منها حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد١ قال ابن حجر: "هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب، وهي مسألة مشهورة، والجمهور على أن العربي إذا سبى جاز أن يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقا".
وذهب الأوزاعي٢ والثوري٣ وأبو ثور إلى أن على سيد الأمة تقويم الولد ويلزم أبوه بأداء القيمة ولا يسترق الولد أصلا. وقد جنح المصنف إلى الجواز، وأورده الأحاديث الدالة على ذلك. الخ٤.
وقال الشافعي: "وإذا قوتل أهل الحرب من العجم جرى السبا على ذراريهم ونسائهم ورجالهم لا اختلاف في ذلك وإذا قوتلوا وهم من العرب، فقد سبا رسول الله ﷺ بني المصطلق وهوازن وقبائل من العرب، وأجرى عليهم الرق، حتى من عليهم بعد. فاختلف أهل العلم بالمغازي، فزعم بعضهم أن النبي ﷺ لما أطلق سبي هوازن قال: "لو كان تاما على أحد من العرب سبي لتم على هؤلاء، ولكنه أسار وفداء"، فمن أثبت هذا الحديث زعم أن الرق لا يجري على عربي بحال، وهذا قول الزهري وسعيد٥ بن المسيب والشعبي ويروى عن عمر بن الخطاب، وعمر٦ بن
_________________
(١) ١ البخاري ٣/١٢٩ كتاب العتق. وانظر ص ٢٢٣. ٢ هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل من السابعة (ت ١٥٧) /ع. التقريب. ١/٤٩٣. ٣ هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الفقيه صاحب الشافعي ثقة من العاشرة، (ت ٢٤٠) / م د ق. المصدر السابق ١/٣٥. الضمير يعود على جواز تزوج الأمة وذلك أنه لا يجوز للحر تزوج الأمة إلا إذا عجز عن مهر حرة وخشي العنت وهو الوقوع في الزنا. كما صرحت بذلك آية سورة النساء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، [سورة النساء، من الآية: ٢٥] . ٤ فتح الباري ٥/١٧٠. ٥ سعيد بن المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون لزاي تقدمت ترجمته. ٦ عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت ابن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعد مع الخلفاء الراشدين، من الرابعة (ت ١٠١) وله ٤٠ سنة ومدة خلافته سنتان ونصف. / ع. التقريب ٢/٥٩.
[ ٣٢٥ ]
عبد العزيز، ثم قال: أخبرنا سفيان١ عن يحيى٢ بن يحيى الغساني عن عمر بن عبد العزيز، قال: وأخبرنا سفيان عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "لا يسترق عربي".
قال الربيع٣: "قال الشافعي ولولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا" ثم قال: "وأخبرنا ابن أبي ذئب٤ عن الزهري عن ابن المسيب أنه قال في المولى ينكح الأمة يسترق ولده، وفي العرب ينكحها لا يسترق ولده، وعليه قيمتهم".
قال الربيع: "رأى الشافعي أن يأخذ منهم الجزية وولدهم رقيق ممن دان دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان" ثم قال الشافعي: "ومن لم يثبت الحديث عن النبي ﷺ ذهب إلى أن العرب والعجم سواء، وأنه يجري عليهم الرق حيث جرى على العجم".انتهى كلام الشافعي٥.
قلت: الحديث لم يثبت كما بين ذلك البيهقي والشوكاني قال البيهقي: بعد أن أورد كلام الشافعي هذا: "وأما الرواية فيه عن النبي ﷺ، فإنما ذكرها الشافعي - في القديم عن محمد بن عمر الواقدي٦، عن موسى بن
_________________
(١) ١ سفيان: هو ابن عيينة. ٢ هو ابن قيس بن حارثة الغساني، أبو عثمان الشامي، ثقة من السادسة، (ت ١٣٣) /د. المصدر السابق ٢/٣٦٠. ٣ الربيع بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي ورواية كتبه عنه. ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٧٠) . /د س ق. المصدر السابق ١/٢٤٥. ٤ هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي، العامري أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة (ت ١٥٨) /ع. التقريب ٢/١٨٤. ٥ كتاب الأم ٤/١٨٦ كتاب الجهاد. ٦ قال فيه البخاري: "محمد بن عمر الواقدي، قاضي بغداد، عن مالك ومعمر، متروك الحديث". انظر كتاب الضعفاء الصغير للبخاري ص٢٧٥. وفي التاريخ الكبير ١/١٧٨ قال عنه: "سكتوا عنه، تركه أحمد وابن نمير"، وقال فيه النسائي: "متروك الحديث"، وفي موضع آخر قال: "الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة، فذكر منهم الواقدي ببغداد"، انظر كتاب الضعفاء والمتروكين ص ٣٠٣ و٣١٠. وساق ترجمته الذهبي في ميزان الاعتدال٣/٦٦٦ وختمها بقوله: "واستقر الإجماع على وهم الواقدي". وفي تذكرة الحفاظ١/٣٤٨ قال: "محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، مولاهم، أبو عبد الله المدني، الحافظ البحر، لم أسق ترجمته لاتفاقهم على ترك حديثه، وهو من أوعية العلم، لكنه لا يتقن الحديث، وهو رأس في المغازي والسير، ويروي عم كل ضرب". وقال فيه في ديوان الضعفاء والمتروكين ص ٢٨٣ قال النسائي: "يضع الحديث"، وقال ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة، والبلاء منه". وقال ابن حجر في التقريب ٢/١٩٤: "محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، متروك مع سعة علمه، من التاسعة، (ت ٢٠٧) /ق". وانظر تهذيب التهذيب ٩/٣٦٣- ٣٦٨. وقال ناصر الدين الألباني بعد أن نقل قول الذهبي الأخير وقول ابن حجر هذا قلت: "ولذلك فلا ينبغي أن يغتر أحد بما ذهب غليه ابن سيد الناس في مقدمة كتابه عيون الأثر" من توثيق الواقدي، فإنه خلاف ما عليه المحققون من الأئمة قديما وحديثا، ولمنافاته علم المصطلح الذي ينص على وجوب تقديم الجرح المفسر على التعديل، وأي جرح أقوى من الوضع؟! وقد اتهمه به أيضا الشافعي وأبو داود وأبو حاتم وقال أحمد: "كذاب".ا؟ـ انظر دفاع عن الحديث والسيرة في الرد على البوطي ص ٢١.
[ ٣٢٦ ]
محمد بن غبراهيم بن الحارث عن أبيه عن السلولي١ عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لو كان ثابتا ٢ على أحد من العرب سباء بعد اليوم لثبت على هؤلاء، ولكن إنما هو أسار وفداء".
وهذا إسناد ضعيف لا يحتج بمثله.
وأما الرواية فيه عن عمر بن الخطاب ﵁ فهي رواية منقطعة٣.
ثم قال: وجريان الرق على سبايا بني المصطلق وهوازن صحيح ثابت، والمن عليهم بإطلاق السبايا تفضل.
ثم أورد حديث أبي سعيد الخدري وحديث عائشة٤، وأحاديث أخرى تؤيد القول بجواز استرقاق العرب٥.
_________________
(١) ١ السلولي: بفتح المهملة وتخفيف اللام. اثنان في التقريب بهذا النسب أحدهما عبد الله ابن ضمرة وهو من الثالثة، والثاني أبو كبشة السلولي الشامي من الثانية وكلاهما ثقة، ولم أهتد إلى الراوي عن معاذ منهما بعد البحث. انظر المصدر السابق ١/٤٢٤ و٢/٤٦٥. ٢ في الحديث عند الشافعي "لو كان تاما". انظر ص ٣٢٥. ٣ لأنها من رواية عامر بن شراحيل الشعبي عن عمر بن الخطاب، قال ابن حجر: وروايته عنه مرسلة. انظر تهذيب التهذيب ٥/٦٦. ٤ انظر حديث أبي سعيد وعائشة ص ٣٢٤. ٥ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٣.
[ ٣٢٧ ]
قلت: وفي الحديث علة أخرى غير الواقدي، وهو موسى بن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث١.
وأورد الشوكاني حديث معاذ الآنف الذكر ثم قال: فيه الواقدي وهو ضعيف جدا ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد٢ بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي. ومثل هذا لا تقوم به حجة٣.ا؟ـ.
قلت: وأورد مجد الدين ابن تيمية٤ حديث ابن عمر في الإغارة على بني المصطلق وسبي ذراريهم، ثم قال عقبه: وهو دليل على استرقاق العرب٥. وبوب في موضع آخر من المنتقى بقوله: "باب جواز استرقاق العرب".
ثم أورد أحاديث تؤيد ما بوب عنه، ومنها حديث عائشة ﵂ في وقوع جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس أو ابن عم له.
وقال عقبه: "رواه أحمد٦ واحتج به في رواية محمد بن الحكم"٧، وقال: "لا أذهب إلى قول عمر: ليس على عربي ملك، قد سبى النبي ﷺ العرب في غير حديث وأبو بكر وعلي حين سبى بني ناجية"٨.
قال الشوكاني: "استدل المصنف بأحاديث الباب على جواز استرقاق
_________________
(١) ١ انظر التقريب٢/٢٨٧وتهذيب التهذيب١٠/٣٦٨-٣٦٩،وميزان الاعتدال٤/٢٢٠. ٢ هو يزيد بن عياض بن جعدية بضم الجيم والمهملة بينهما ساكنة. الليثي أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد ينسب لجده، كذبه مالك وغيره، من السادسة. /ت ق. التقريب ٢/٣٦٩ وانظر ميزان الاعتدال ٤/٤٣٦- ٤٣٧. ٣ نيل الأوطار ٨/٧- ٨. ٤ هو الشيخ الإمام علامة عصره المجتهد المطلق أبو البركات شيخ الحنابلة، مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، المعروف بابن تيمية (ت ٦٥٢) مقدمة نيل الأوطار للشوكاني ١/١٣- ١٤. ٥ منتقى الأخبار ٧/٢٤٥ و٨/٤ مع نيل الأوطار. ٦ انظر مسند أحمد ٦/٢٧٧ وانظر ص ١١٣ وما بعدها من هذه الرسالة مما تقدم. ٧ هو محمد بن الحكم المروزي، الأحول، ابن عم أبي طالب، صاحب أحمد. ثقة فاضل، من الحادية عشرة (ت ٢٢٣) /خ. التقريب ٢/١٥٥. ٨ منتقى الاخبار ٧/٢٤٥ و٨/٤ مع نيل الأوطار.
[ ٣٢٨ ]
العرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، كما حكاه الحافظ في كتاب العتق من فتح الباري. ثم قال الشوكاني: وبنو ناجية من قريش"١.
وخلاصة القول في هذا هو جواز استرقاق العرب لا فرق بين ذكورهم وإناثهم وهو قول جمهور العلماء٢.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٨/٧- ٨. ٢ انظر شرح النووي على مسلم ٣/٦١٤ و٤/٣٣١ وفتح الباري ٥/١٧٠- ١٧٣ وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٥ ونيل الأوطار ٧/٢٤٦ و٨/٧- ٨.
[ ٣٢٩ ]
المبحث الثامن: حكم من قذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه
المبحث الثامن: حكم من قذف عائشة - ﵂ -
قال ابن تيمية في الصارم المسلول تحت عنوان: حكم من سب عائشة:
"قال القاضي١ أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف. وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد. وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم. ثم ذكر بعض الوقائع التي قتل فيها من رماها ﵂ بعد نزول القرآن ببراءتها"٢.
وقال ابن القيم: "اتفقت الأمة على كفر قاذفها"٣.
وقال ابن كثير - تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية: ٢٣]:
_________________
(١) ١ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء الحنبلي شيخ الحنابلة صاحب التصانيف وفقيه عصره، كان إماما لا يدرك قراره ولا يشق غباره، ولي قضاء الحريم، وجميع الطائفة معترفون بفضله ومغترفون من بحره. انظر العبر في خبر من غبر للذهبي ٣/٢٤٣- ٢٤٤. ٢ الصارم النسلول على شاتم الرسول ص ٥٦٥- ٥٦٧ وص ٥٧١. ٣ زاد المعاد ١/٤١.
[ ٣٢٩ ]
"أجمع العلماء قاطبة على أن من سب عائشة ﵂ بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن"١.
وقال بدر الدين الزركشي: "من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها"٢.
وقال السيوطي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١] الآيات: قال: "نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن، قال العلماء: قذف عائشة كفر لأن الله سبح نفسه عند ذكره٣، فقال: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد٤.
وقال النووي أثناء تعداد فوائد حديث الإفك: "الحادية والأربعون: براءة عائشة من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله- صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا إكرام من الله تعالى لهم"٥.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٢٧٦. ٢ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص ٥٢. ٣ الضمير في (ذكره) يعود على قصة الإفك. ٤ الإكليل في استنباط التنزيل ص ١٦٠ وانظر المحلى لابن حزم ١٣/٥٠٤ والشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض٢/٣٠٩ والروض الأنف للسهيلي ٦/٤٤٩-٤٥٠ وكتاب محمد الخرشي على مختصر خليل ٥/٣١٦. والإقناع لشرف الدين الحجاوي الحنبلي ٤/٢٩٩ وكشاف القناع عن متن الإقناع لمنصورر ابن يونس البهوتي الحنبلي ٦/١٧١، وأحكام المرتدين في الشريعة الإسلامية للدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي ص ١١١. ٥ شرح صحيح مسلم للنووي ٥/٦٤٣.
[ ٣٣٠ ]
المبحث التاسع: حكم العزل
ورد في حديث أبي سعيد الخدري من طريق ابن محيريز١ أنه قال: "دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه، فسألته عن العزل٢، قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟! فسألناه عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" هذا لفظ البخاري في المغازي وفي كتاب العتق نحو هذا٣.
وفي كتاب النكاح: عن ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "أو إنكم لتفعلون؟ " - قالها ثلاثا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة"٤.
وفي كتاب القدر عن عبد الله بن محيريز الجمحي أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي ﷺ جاءه رجل٥ من الأنصار فقال: يا رسول الله إنا نصيب سبيا ونحب المال، كيف ترى في العزل؟
_________________
(١) ١ ابن محيريز بالتصغير هو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب الجمحي المكي، كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد، من الثالثة، (ت ٩٩٩ وقيل بعدها /ع. التقريب ١/٤٤٩. ٢ العزل: هو نزع الذكر بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج، خشية أن تحمل المرأة. ٣ كتاب العتق باب من ملك من العرب رقيقا ٣/١٢٩ وكتاب المغازي ٥/٩٦ باب غزوة بني المصطلق من خزاعة. ٤ باب العزل ٧/٢٩. ٥ قوله: جاء رجل من الأنصار: قال ابن حجر: "تقدم في غزوة المريسيع وفي كتاب النكاح من صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "سألنا رسول الله ﷺ، وأخرجه النسائي من طريق ابن محيريز أن أبا سعيد وأبا صرمة أخبراه أنهم أصابوا سبايا قال: فتراجعنا في العزل فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فلعل أبا سعيد باشر السؤال وإن كان الذين تراجعوا في ذلك جماعة" الخ. فتح الباري ١١/٤٩٥.
[ ٣٣١ ]
فقال رسول الله ﷺ: "أو إنكم تفعلون ذلك؟ لا عليكم إلا تفعلوا فإنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة" ١.
وحديث أبي سعيد هذا أورده مسلم بألفاظ متعددة٢.
وهو أيضا عند أبي داود والنسائي وابن ماجة وأحمد٣.
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينْزل"، لفظ البخاري وابن ماجة٤،وزاد مسلم: "لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن"٥.
وفي لفظ عند مسلم من حديث جابر أيضا "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا"٦.
وفي لفظ قال جابر: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية لي وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ: "إن ذلك لن يمنع شيئا أراده الله"، قال فجاء الرجل فقال: يا رسول الله إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ: "أنا عبد الله ورسوله" ٧.
وهذه الأحاديث التي ظاهرها جواز العزل، ورد ما يعارضها فعند مسلم وأحمد من حديث جدامة٨ بنت وهب قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ البخاري ٨/١٠٤ باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ . ٢ صحيح مسلم ٤/١٥٧- ١٦٠ كتاب النكاح. ٣ انظر سنن أبي داود ١/٥٠٠- ٥٠١ والنسائي ٦/٨٩ وابن ماجة ١/٦٢٠ الجميع في كتاب النكاح باب العزل وأحمد ٣/٦٣ و٦٨ و٧٢. ٤ البخاري ٧/٢٩ كتاب النكاح باب العزل وابن ماجة فيه ١/٦٢٠. ٥ صحيح مسلم ٤/١٦٠ كتاب النكاح. ٦ المصدر السابق ٤/١٦٠. ٧ المصدر السابق ٤/١٦٠. ٨ جدامة بمضمومة ودال مهملة. بنت وهب ويقال جندل، الأسدية، أخت عكاشة ابن محصن لأمه صحابية لها سابقة وهجرة، قال الدارقطني: من قالها بالذال المعجمة صحف /م عم. التقريب ٢/٥٩٣.
[ ٣٣٢ ]
وسلم في أناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة١، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا"،ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ: "ذلك الوأد الخفي" زاد عبيد الله في حديثه عن المقرئ٢: وهي ﴿وَإِذَا المُوْؤُودَةُ٣ سُئِلَت﴾ ٤.
وبسبب هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض اختلف العلماء في حكم العزل. فذهب ابن حبان وابن حزم إلى تحريمه أخذا بحديث جدامة هذا وما في معناه.
وعلل ابن حزم ذلك بأن الأحاديث الدالة على الإباحة، متمشية مع أصل الإباحة، وحديث حدامة دال على التحريم، فصح أن حديثها ناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك في أنها قبل البعث وبعد البعث، وهذا أمر متيقن، لأنه إذا أخبر ﵊ أنه الوأد الخفي، والوأد محرم، فقد نسخ الإباحة المتقدمة بيقين، فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت، وأن النسخ المتيقن قد بطل فقد ادعى الباطل، وقفى ما لا علم له به، وأتى بما لا دليل عليه.
وأيد ذلك بما ورد في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم٥
_________________
(١) ١ الغيلة: بالكسر الاسم من الغيل بالفتح، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع. النهاية لابن الأثير ٣/٤٠٢. ٢ المقرئ هو عبد الله بن يزيد المكي، أبو عبد الرحمن القصير أصله من البصرة أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفا وسبعين سنة، من التاسعة (ت ٢١٣) وقد قارب المائة وهو من كبار شيوخ البخاري /ع. التقريب ١/٤٦٢. ٣ سورة التكوير آية:٨ والموؤودة هي البنت كان في الجاهلية إذا ولد لأحدهم بنت دفنها في التراب وهي حية. يقال وأدها يئدها وأدا فهي موؤودة. النهاية لابن الأثير ٥/١٤٣ ومختار الصحاح ص ٧٠٥ والقاموس المحيط ١/٤٣٢- ٣٤٣. ٤ صحيح مسلم ٤/١٦١ كتاب النكاح وأحمد ٦/٣٦١ و٤٣٤. ٥ انظر الحديث في صحيح مسلم ٤/١٥٩.
[ ٣٣٣ ]
قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: "لا عليكم ألا تفعلوا ذلك فإنما القدر"، قال ابن سيرين١ - قوله: "لا عليكم أقرب إلى النهي"٢.
وذهب الجمهور إلى جواز العزل عن الزوجة الحرة بإذنها وعن السرية بدون إذن والخلاف في الزوجة المملوكة هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة والخلاف طويل بين العلماء، واستدل الجمهور على الجواز بالأحاديث المتقدمة التي ظاهرها الجواز. وأجابوا عن حديث جدامة وما في معناه بأن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه - وأجيب عن قوله في حديث جدامة "ذلك الوأد الخفي" أنه ليس صريحا في التحريم، لأن التحريم للوأد المحقق الذي هو قطع حياة محققة، والعزل وإن شبهه ﷺ به فإنما هو قطع لما يؤدي إلى الحياة والمشبه دون المشبه به، وإنما سماه وأدا لما تعلق به من قصد منع الحمل.
وهناك أجوبة أخرى فيها أخذ ورد فلا نطيل الكلام فيها ونكتفي بالإشارة إلى أماكنها لمن أراد الوقوف عليها٣.
وخلاصة القول في هذا الباب هو جواز العزل وأحاديث جابر بن عبد الله على اختلاف ألفاظها صريحة في جواز ذلك وأصرح منها حديثه عند مسلم وأبي داود ولفظه: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها"، فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها"٤.
_________________
(١) ١ هو محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة، البصري، ثقة ثبت عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة (ت ١١٠) /ع. التقريب ٢/١٦٩. ٢ كتاب المحلى لابن حزم ١١/٢٩٠- ٢٩٢. ٣ انظر معاني الآثار للطحاوي٣/٣٠-٣٥ وشرح مسلم للنووي٣/٦١٢ وزاد المعاد لابن القيم٤/٢٠-٢٣ وتهذيب السنن له٦/٢١٤ (عون المعبود)، وفتح الباري ٩/٣٠٥-٣١٠ وسبل السلام للصنعاني٣/١٤٥-١٤٦ ونيل الأوطار للشوكاني ٦/٢٢٢-٢٢٤ وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/٢٩٧-٣٠٢. ٤ صحيح مسلم ٤/١٦٠ وسنن أبي داود ١/٥٠١ كتاب النكاح باب العزل.
[ ٣٣٤ ]
ففيه التصريح من رسول الله ﷺ لهذا السائل بالإذن بفعل العزل إن أحب ذلك، ثم بين له أن فعله هذا لا يرد شيئا قدره الله ﷿ وأنه إذا أراد شيئا كان ولا محالة.
[ ٣٣٥ ]
المبحث العاشر: متى شرع التيمم
قال البخاري: حدثنا عبد الله١ بن يوسف قال أخبرنا٢ مالك عن عبد الرحمن٣ بن القاسم عن أبيه عن عائشة٤ زوج النبي ﷺ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء٥ - أو بذات الجيش٦ - انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل
_________________
(١) ١ عبد الله بن يوسف التنيسي: أبو محمد الكلامي، أصله من دمشق، ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ، من كبار العاشرة، (ت٢١٨) /خ د ت س. التقريب١/٤٦٣. ٢ مالك بن أنس إمام دار الهجرة أبو عبد الله (ت ١٧٩) /ع. المصدر السابق ٢/٢٢٣. ٣ عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، أبو محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من السادسة (ت ١٢٦) وقيل بعدها / ع. المصدر السابق ١/٤٩٥. ٤ تقدمت ترجمتها. ٥ البيداء: هو الشرف الذي قدام ذي الحليفة في الطريق من المدينة إلى مكة. انظر معجم ما استعجم للبكري ١/٢٩٠- ٢٩١. ٦ ذات الجيش: من المدينة على بريد وبينها وبين العقيق سبعة أميال. المصدر السابق ٢/٤٠٩-٤١٠ ويكون بين ذات الجيش والمدينة بالكيلوات ٢٠ كيلومترا.
[ ٣٣٥ ]
يطعنني١ بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم٢ فتيمموا".
فقال أسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته"٣.
قال ابن حجر: قوله: "في بعض أسفاره"، قال ابن عبد البر في التمهيد يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في الاستذكار، وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان.
ثم قال ابن حجر: "وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة ﵂، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا، فإن كان ما جزموا به ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين كما هو مبين في سياقهما"٤.
_________________
(١) ١ يطعنني: بضم العين في كل ما هو حسي، والمعنوي بالفتح، وحكي فيهما الفتح والضم. فتح الباري ١/٤٣٣. ٢ هي آية المائدة كما رجح ذلك ابن حجر وقال: وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم. قال: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ . وهذا سياق آية المائدة، أما آية النساء فسياقها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ . الآية: ٤٣. انظر: الحديث في البخاري ٦/٤٣ من تفسير سورة المائدة. وفتح الباري ١/٤٣٤. ٣ صحيح البخاري١/٦٢ كتاب التيمم، و١/٦٣ فيه، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا و٥/٧ كتاب الفضائل، باب فضل أبي بكر، و٥/٢٥ منه، باب فضائل عائشة و٦/٣٨ تفسير سورة النساء، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ و٦/٤٢ و٤٣ تفسير المائدة، باب قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ و٧/٢٠ كتاب النكاح باب استعارة الثياب للعروس وغيرها و٧/٣٥ فيه باب قول الرجل لصاحبه: هل عرستم الليلة وطعن الرجل ابنته في الخاصرة عند العتاب و٧/١٣٦ كتاب اللباس باب استعارة القلائد و٨/١٤٤ كتاب المحاربين، باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان وصحيح مسلم ١/١٩١- ١٩٢ (التيمم) وأبو داود ١/٧٦ والنسائي ١/١٣٣ و١٣٥ و١٤٠ وموطأ مالك١/٥٣ وصحيح ابن حبان٢/٢٣ و٤٣٩ و٤٤٠ الجميع في التيمم. ٤ فتح الباري ١/٤٣٢.
[ ٣٣٦ ]
قلت: وقد سبق الجميع - إلى هذا القول - الواقدي: فقد صرح في مغازيه بقوله: حدثني يعقوب١ بن يحيى بن عباد، عن عيسى٢ بن معمر بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعائشة ﵂، حدثينا يا أمه حديثك في غزوة المريسيع الحديث الطويل، وفيه "أن العقد سقط من عائشة مرتين في تلك الغزوة في المرة الألى كانت رخصة التيمم، وفي الثانية كانت قصة الإفك"٣.
قلت: رواية الواقدي لا تنهض لفصل النِّزاع، لأن الواقدي ضعيف في الحديث، ولوجود يعقوب بن يحيى، وعيسى بن معمر في السند، وأحدهما وصف بأنه مجهول الحال، والآخر لين، ولا متابع لهما.
وبهذا يكون الحديث ضعيفا بهذا الإسناد.
وأما ابن سعد فقد ذكر ذلك في (طبقاته) بدون إسناد٤، ويحتمل أن يكون عمدته في ذلك هي رواية الواقدي هذه، إذ هو شيخه ومعروف بملازمته له، حتى عرف بكاتب الواقدي، وعلى هذا نكون قد رجعنا إلى حديث الواقدي نفسه، وهو حديث ضعيف كما عرفت، والأحاديث الصحيحة في قصة الإفك مع كثرتها وتضافرها لم تشر أدنى إشارة إلى أن العقد سقط من عائشة مرتين في غزوة المريسيع، ولو وجد ذلك لما حصل الخلاف.
وأما ابن حبان فقد ذكر ذلك في ثقاته غير أنه فرق بين غزوة المريسيع، وغزوة بني المصطلق.
فجعل غزوة المريسيع في شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة سابقة على غزوة الخندق، وذكر فيها وقوع جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في الأسر وزواج رسول الله ﷺ منها، كما ذكر فيها قصة التيمم مقتصرا
_________________
(١) ١ يعقوب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، المدني مجهول الحال، من السادسة /ق. التقريب ٢/٣٧٧ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٨. ٢ عيسى بن معمر حجازي، لين الحديث، من السادسة / د. التقريب ٢/١٠٢. ٣ مغازي الواقدي ٢/٤٢٦. ٤ طبقات ابن سعد ٢/٦٥.
[ ٣٣٧ ]
على جزء من حديث الباب١، ولم يتعرض فيها لقصة الإفك. وهذا نص كلامه زيادة في الإيضاح.
قال ﵀: "ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة المريسيع في شعبان قصد بني المصطلق من خزاعة على ماء لهم قريب من الفرع، فقتل منهم رجالهم وسباهم، وكان فيمن سبى جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، تزوجها رسول الله ﷺ، وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها.
وفي هذه الغزوة سقط عقد عائشة، فأقام رسول الله ﷺ بالناس عل التماسه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فنَزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
فبعثوا البعير الذي كانت عليه، فوجدوا العقد تحته"٢.اهـ.
وذكر غزوة بني المصطلق في السنة السادسة من الهجرة، بقوله: ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، وذلك أنه بلغه أن بني المصطلق تجمعوا وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث. ثم ساق القصة وفيها وقوع جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس ومكاتبتها له ثم زواجها من رسول الله ﷺ بعد ذلك. ثم ساق حديث الإفك بطوله ولم يذكر فيه قصة التيمم أصلًا٣.
ويرد على ابن حبان بما يأتي:
أولًا: تفريقه بين غزوة المريسيع وغزوة بني المصطلق، وهي غزوة واحدة تحمل اسمين غزوة (المريسيع) باسم الماء الذي وقعت فيه المعركة، وغزوة بني المصطلق باسم القبيلة.
ولذا فقد بوب البخاري بقوله: "باب غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع".
_________________
(١) ١ انظر الحديث ص ٣٣٥ وما بعدها. ٢ ثقات ابن حبان ١/٢٦٣- ٢٦٤. ٣ ثقات ابن حبان ١/٢٨٨- ٢٩٥.
[ ٣٣٨ ]
ثم قال: وقال النعمان١ بن راشد عن الزهري: "كان حديث الإفك في غزوة المريسيع"٢.
قال ابن حجر: "وصله الجوزقي٣ والبيهقي في (الدلائل) من طريق حماد بن زيد عن النعمان بن راشد ومعمر عن الزهري عن عائشة فذكر قصة الإفك في غزوة المريسيع وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي إن قصة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع"٤٥.
وعند الطبراني من حديث سنان بن وبرة قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وإسناد الكبير حسن"٦.
وتقدم قول ابن حجر، بأن غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع٧.
_________________
(١) ١ النعمان بن راشد الجزري أبو إسحاق الرقي، مولى بني أمية، صدوق سيء الحفظ، من السادسة /خت م عم. التقريب ٢/٣٠٤. قلت: تابعه معمر بن راشد كما هو مصرح به في رواية الجوزقي والبيهقي. ٢ صحيح البخاري ٥/٩٦ كتاب المغازي. ٣ هو الحافظ الإمام الأوحد أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني، الجوزقي محدث نيسابور، وصاحب الصحيح المخرج على صحيح مسلم، روى عن أبي نعيم بن عدي الجرجاني وأبي العباس الدغولي ومكي بن عبدان، وخلق، (ت٣٨٨هـ) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠١٣- ١٠١٤. ٤ نعم أورد الطبري حديثا أن قصة عائشة كانت في عمرة القضاء وهذا نصه: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الواحد بن حمزة أن حديث عائشة كان في عمرة القضاء. انظر تاريخ الطبري ٢/٦١٩ والحديث فيه ثلاث علل: أ- ضعف ابن حميد الرازي. ب- عنعنة ابن إسحاق. ج- الانقطاع بين عبد الواحد وعائشة، لأنه من السادسة ولم يحضر القصة. انظر التقريب ١/٥٢٥. ٥ فتح الباري ١/٤٣٠. ٦ مجمع الزوائد ٦/١٤٢. ٧ انظر ص ٣٣٦.
[ ٣٣٩ ]
وبهذا يتضح أن غزوة المريسيع وغزوة بني المصطلق شيء واحد، أحدهما تفسير للأخرى.
ثانيًا: تصريحه في كلتا الغزوتين بأن جويرية بنت الحارث وقعت في الأسر، وتزويجها من رسول الله ﷺ بعد ذلك.
وهذا شيء غير معقول، إذ كيف يتزوجها في السنة الخامسة ثم يعود إلى الرق ويتزوجها مرة ثانية في السنة السادسة.
ثالثًا: قوله: "غزا رسول الله ﷺ بني المصطلق على ماء لهم قريب من الفرع"، هذا أيضا خطأ واضح.
لأن جميع من تكلم على هذه الغزوة قال: على ماء لهم قرب قديد، وبين قديد والفرع مسافة طويلة، لأن قديدا شمال مكة بـ ١١٤ كيلومترا، في حين أن الفرع يقع جنوب المدينة المنورة بـ ١٥٠ كيلومترا١. وبهذا يتضح وهم ابن حبان ﵀.
وأما عمدة ابن عبد البر في أن التيمم شرع في هذه الغزوة فهو حديث الباب٢ ووجه الدلالة منه قول عائشة فيه "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره"، ففسر السفر المذكور بأنه كان إلى غزوة بني المصطلق. وهذا نص كلامه:
بعد أن ساق حديث الباب٣ قال عقبه: "قال أبو عمر: هذا الحديث عندي أصح حديث روي في التيمم. والسفر المذكور فيه كان في غزوة المريسيع، إلى بني المصطلق ابن خزاعة في سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة خمس"٤.
قلت: الذي يظهر: أن التيمم وإن كان سببه هو ضياع عقد عائشة، إلا أن ذلك كان في غزوة أخرى غير غزوة بني المصطلق، وإنما اشتبه على بعض العلماء فصرح بأن ذلك في غزوة بني المصطلق، وذلك لاتحاد السبب بين قصة الإفك ورخصة التيمم، إذ كل منهما كان سببه ضياع العقد.
_________________
(١) ١ انظر نسب حرب لعاتق البلادي ص ٣٧٦- ٣٧٧. ٢ انظر ص ٣٣٥، وما بعدها. ٣ انظر ص ٣٣٥. ٤ الاستذكار ٢/٢.
[ ٣٤٠ ]
وفيما يأتي توجيه ذلك:
أ- قال ابن القيم بعد أن نقل قول ابن سعد١: ذكر الطبراني في (معجمه) من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى٢ بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه٣ عن عائشة قلت: "لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا فخرجت مع النبي ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي، حتى حبس التماسه الناس، ولقيت من أبي بكر ما شاء، وقال لي: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم. ثم قال: فهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر ولكن فيها٤ كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى"٥.
ب- وسبقه إلى هذا ابن سيد الناس فإنه بعد أن أورد حديث الطبراني، قال عقبه: "فهذه الرواية تقتضي أن الواقعتين كانتا في غزوتين".
ج- وقال ابن حجر: "اعتمد بعضهم في تعدد السفر على رواية الطبراني وهي صريحة في ذلك، ثم ساق الحديث وفي آخره "فقال أبو بكر لعائشة: إنك لمباركة ثلاثا"" ثم قال ابن حجر: "وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال"٦.
_________________
(١) ١ هذا نص كلام ابن سعد قال: وفي هذه الغزاة سقط عقد عائشة فاحتبسوا على كطلبه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها". انظر طبقات ابن سعد ٢/٦٥. ٢ يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام المدني، ثقة، من الخامسة (ت بعد المائة وله ٣٦ سنة) /ز عم. التقريب ٢/٣٥٠. ٣ هو عباد بن عبد الله. تقدمت ترجمته. ٤ الضمير يعود على غزوة بني المصطلق. ٥ زاد المعاد ٢/١٢٦. ٦ انظر: فتح الباري ١/٤٣٣، و٤٣٥.
[ ٣٤١ ]
قلت: وإن كان في ابن حميد من الكلام ما قد يؤدي إلى سقوطه عن درجة الاحتجاج١ فإنه توجد قرائن أخر تؤيد ما دل عليه هذا الحديث بغض النظر عن الاستدلال به. وهذه القرائن هي:
قول أسيد بن حضير في حديث الباب "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر"٢. فإنه صريح في أنها مسبوقة بغيرها من البركات، وأعظم بركة عرفت لعائشة هي نزول القرآن ببراءتها من مقالة أهل الإفك، ولا يمكن حمل قوله: "ما هي بأول بكتكم" على غزوة بني المصطلق، إذا كان يراد بالبركة السابقة نزول القرآن ببراءة عائشة من حادثة الإفك، لأن نزول القرآن ببراءتها كان في المدينة والقوم في "حضر" ونزول آية التيمم كان في سفر، والقوم محبوسون على غير ماء.
في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: "جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك، وللمسلمين فيه خيرا" لفظ البخاري٣.
وفيه أيضا من هذا الوجه "فوالله ما نزل بك أمر قط، إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة"٤.
_________________
(١) ١ قال فيه الذهبي في تذكرة الحفاظ: "ابن حميد من بحور العلم لكنه غير معتمد". انظر تذكرة الحفاظ ٢/٤٩٠ وميزان الاعتدال ٣/٥٣٠ وتهذيب التهذيب ٩/١٢٧. ٢ انظر ص ٣٣٥ وما بعدها. ٣ البخاري ١/٦٣ كتاب التيمم باب إذا لم يجد ماء والنسائي ١/١٤٠ فيه. ٤ البخاري ٥/٢٥ كتاب الفضائل باب فضل عائشة ﵂ و٧/٢٠ كتاب النكاح باب استعارة الثياب للعروس وغيرها ومسلم ١/١٩٢ وابن ماجة في التيمم والحميدي في مسنده ١/٨٨ وعبد بن حميد في مسنده أيضا ٢/١٩٤أ.
[ ٣٤٢ ]
وعند أبي داود فقال أسيد بن حضير: "يرحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعله الله للمسلمين ولك فيه فرجا"١.
وأعظم أمر نزل بعائشة تكرهه وكادت الأمة تهلك بسببه، ثم جاء الفرج بعد ذلك هي قصة الإفك، وفيها أعظم بركة هي نزول آيات تتلى إلى يوم القيامة، وهذه الروايات تصرح بأن شيئا مكروها لعائشة سبق آية التيمم، ولا ريب أن أعظم مكروه مر بها هو حادثة الإفك.
ولذا قال ابن حجر عقب رواية هشام بن عروة "إلا جعل الله لك منه مخرجا"الخ: "فهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوى قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري، فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق"٢.
ثم قال ابن حجر: "وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولا. وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، الحديث " ثم قال ابن حجر: "فهذا يدل على تأخرها٣ عن غزوة بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف".
وسيأتي في المغازي أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة٤ اهـ.
قلت: حديث ابن أبي شيبة المشار إليه هو: حدثنا عباد٥ بن العوام عن
_________________
(١) ١ أبو داود ١/٧٦ التيمم وانظر الحديث ص ٣٣٥ وما بعدها. ٢ لم أجد هذا في كتابيه المحبر والمنمق. ٣ الضمير للغزوة التي وقع فيها نزول آية التيمم. ٤ فتح الباري ١/٤٣٤- ٤٣٥. ٥ عباد بن العوام بن عمر الكلابي، مولاهم، أبو سهل الواسطي، ثقة، من الثامنة (ت ١٨٥) أو بعدها /ع. التقريب ١/٣٩٣.
[ ٣٤٣ ]
برد١ عن سليمان٢ بن موسى عن أبي هريرة٣ ﵁ قال: "لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيت النبي ﷺ فلم أجده، فانطلقت أطلبه فاستقبلته، فلما رأى الذي جئت له، فبال ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه"٤.
والحديث منقطع لأن سليمان بن موسى لم يدرك أحدا من الصحابة، قاله البخاري٥. وهذا حديث البخاري الذي أشار إليه ابن حجر أيضا: حدثنا محمد بن العلاء٦، حدثنا أبو أسامة٧ عن بريد٨ بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة٩ عن أبي موسى١٠ ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. الحديث١١ وهو بهذا الإسناد في فرض
_________________
(١) ١ برد بن سنان أبو العلاء الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق، رمي بالقدر، من الخامسة /بخ عم. المصدر السابق ١/٩٥. ٢ سليمان بن موسى الأموي، مولاهم، الدمشقي، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل، من الخامسة، /م عم. التقريب ١/٣٣١. ٣ أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل اختلف في اسمه واسم أبيه، فذهب الأكثر إلى أنه عبد الرحمن بن صخر، (ت ٥٧- ٥٩) /ع. المصدر السابق ٢/٤٨٤. ٤ مصنف ابن أبي شيبة ١/١٥٩. ٥ انظر كتاب جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ٢/٤٢٣- ٤٢٤. وسنن ابن ماجة ١/٥٨٤ باب زكاة العسل، ونيل الأوطار للشوكاني ٤/١٦٤. ٦ هو أبو كريب تقدمت ترجمته. ٧ هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، الكوفي، أبو أسامة، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، من كبار التاسعة (ت ٢٠١) / ع. التقريب ١/١٩٥ وقد صرح بالتحديث كما في الإسناد الذي بعده. ٨ بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، الكوفي، ثقة، يخطئ قليلا، من السادسة / ع. المصدر السابق ٢/٩٦. ٩ أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل اسمه عامر وقيل الحارث، ثقة من الثالثة (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك. / ع. المصدر السابق ٢/٣٩٤. ١٠ عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين، (ت ٥٠) وقيل بعدها / ع. المصدر السابق ١/٤٤١. ١١ البخاري ٥/٩٤ كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع.
[ ٣٤٤ ]
الخمس قال أبو موسى: "بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهم"، الحديث
وفيه "فركبنا سفينة، فأقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب عنده، فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ههنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم"١.
قال ابن حجر: "ومع هذا فقد ذكرها البخاري قبل خيبر، فلا أدري هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازي، أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين، كما أشار إليه البيهقي، على أن أهل المغازي مع جزمهم بأنها قبل خيبر، مختلفون في زمانها"٢.
قلت: الظاهر أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر لهذين الحديثين الصحيحين، وقد رجح هذا القول ابن القيم وابن كثير٣، وهو قول البخاري أيضا كما هو الظاهر من تبويبه، فقد قال: باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنَزل نخلا وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر ثم ساق الحديث المذكور.
واختار هذا القول أيضا محمد الأمين الشنقيطي فإنه قال أثناء كلامه على صلاة الخوف: "واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بأن غزوة ذات الرقاع
_________________
(١) ١ البخاري ٤/٧١ كتاب فرض الخمس باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين. ٢ فتح الباري ٧/٤١٧- ٤٢١. ٣ زاد المعاد ٢/١٢٣- ١٢٤ والبداية والنهاية ٤/٨٣.
[ ٣٤٥ ]
قبل خيبر، والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي ﷺ حين افتتح خيبر، مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع"، ثم ساق الحديثين المتقدمين١، ثم عقب بقوله: "فهذان الحديثان الصحيحان فيهما الدلالة الواضحة على تأخر ذات الرقاع عن خيبر، ثم ساق تبويب البخاري الآنف الذكر"٢ اهـ.
والذي يظهر أيضا أنها غزوة واحدة لا تتعدد فيها كما رجح ذلك ابن القيم٣.
وخلاصة القول أن الذي أرجحه في نزول آية التيمم أنها كانت في غزوة أخرى غير غزوة بني المصطلق، ولعلها غزوة ذا الرقاع التي رجح المحققون من أهل العلم تأخرها عن غزوة المريسيع، وهذا يتناسب مع قول أسيد بن حضير السابق٤ "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر".
ومع قوله أيضا لعائشة: "ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعله الله للمسلمين ولك فيه فرجا"٥. لأن كلا من آيات قصة الإفك، وآية التيمم نزلت سبب ما جرى لعائشة رضي اله عنها من ضياع عقدها، في المرة الأولى في غزوة بني المصطلق وتأخرت وحدها عن الجيش تبحت عنه حتى عثر عليها صفوان بن المعطل واحتملها على بعيره، ولم تنزل الآيات في شأنها إلا بعد قدومهم المدينة بمدة.
وجرى لها في غزوة ذات٦ الرقاع ضياع عقدها أيضا فاحتبس الرسول ﷺ والناس معه يبحثون عنه حتى شكى بعضهم عائشةعلى
_________________
(١) ١ انظر ص ٣٤٤ و٣٤٥. ٢ أضواء لبيان في إيضاح القرآن بالقرآن ١/٣١٠- ٣١١. ٣ زاد المعاد ٢/١٢٤. ٤ انظر ص ٣٣٦. ٥ انظر ص ٣٤٣. ٦ تقدم في ص ٣٤٣. أن محمد بن حبيب الأخباري جزم بذلك، وكذلك قال الحلبي بأن التيمم شرع في غزوة ذات الرقاع. انظر السيرة الحلبية ٢/٢٩٠ ولذلك ذهب جماعة من العلماء إلى أن البيداء أو ذات الجيش الوارد في الحديث أنها بين المدينة المنورة وخيبر، وهذا يؤيد أن هذه الغزوة التي شرع فيها التيمم غير غزوة بني المصطلق لأن غزوة بني المصطلق بين المدينة ومكة. لكن كون البيداء أو ذات الجيش من جهة خيبر فيه نظر. والله أعلم. انظر فتح الباري ١/٤٣٢.
[ ٣٤٦ ]
أبيها واغتم أبو بكر لذلك، لأن الناس كانوا على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم في هذه الأثناء في السفر، وهذا صريح في تعدد الغزوتين.
ويستأنس له بحديث الطبراني، وحديث ابن أبي شيبة المصرح فيه بقول أبي هريرة ﵁ "لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع"١.
وإسلامه كان في السنة السابعة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر الحديثين ص ٣٤١ و٣٤٣ وما بعدهما.
[ ٣٤٧ ]
الفصل الثاني: الدروس والعبر المستقاة من غزوة المريسيع
المبحث الأول: الحكمة في زواج الرسول ﷺ من جويرية
المبحث الأول: الحكمة في زواج الرسول ﷺ من جويرية
إن الحكمة تتجلى في موقفها أمام رسول الله ﷺ تذكر ما آل إليه أمرها وما تجده من المرارة والأسى على ما حل بقومها لأنها لا تعرف الذل والهوان، فهي ابنة سيد قومه، وقد رزئت بكارثة عظمى، فقتل زوجها ومقاتلة قومها وسبي النساء والذرية، ووقعت تحت ذل الرق والعبودية، فكاتبت على نفسها لتظفر بحريتها، ولكنها عجزت عن أداء كتابتها فجاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله المواساة والمساعدة على أداء كتابتها، فوقفت أمامه تعرفه بنفسها ومكانتها في قومها، فقالت: "يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك، أستعينك على كتابتي"، فرق رسول الله ﷺ لحالها وعرض عليها أن يؤدي عنها كتابتها ويتزوجها ليرفع من شأنها ويعوضها خيرا مما فقدته من العز والشرف والسنا لأن بقاء مثلها عند أحد أفراد الجيش مما يزيد الأسى في نفسها، ومن ناحية أخرى ليعيد ﷺ إلى قومها العزة والكرامة، فكان زواجه ﷺ منها سببا في إطلاقهم من قيود الأسر، وقد وقع ما أراده ﷺ فما أن تزوج جويرية حتى تسامع
[ ٣٥١ ]
المسلمون بذلك، ففكوا جميع الأسرى الذين بأيديهم من بني المصطلق، وقالوا: "أصهار رسول الله ﷺ"، وعادت الحرية إلى القبيلة بأكملها وصاروا محل عناية واحترام عند المسلمين.
وهكذا كان زواج رسول الله ﷺ من جويرية بركة على قومها وعزا لها ورفعة لقومها من الهوان الذي لحقهم، وبذلك يمكن لنا أن نستجلي بعض الحكمة في زواجه ﷺ منها.
[ ٣٥٢ ]
المبحث الثاني: تغلب الرسول ﷺ على المشكلات التي صاحبت هذه الغزوة
إن معالجة الرسول ﷺ لتلك السموم التي نفثها المنافقون في ساحة الجيش الإسلامي، ابتغاء تمزيق وحدته وتفريق كلمته، لتدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ محاط بالعناية من الله ﷿ وعلى أنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، [سورة النجم الآيتان: ٣-٤] .
لقد كان ما تفوه به ابن أبي من الكلام البذيء مسوغا كافيا لقتله، وإراحة الناس من شره، ولكن الرسول ﷺ لبعد نظره وتوفيق الله له، رأى أن المصلحة تقتضي التسامح والصفح عنه، فقابل تلك الأذية والقول اللاذع بصدر رحب وقلب واسع، فقد ضاقت نفس عمر بن الخطاب ذرعا بهذا المنافق ووسعه حلم الرسول ﷺ وصفحه الجميل عمن أساء إليه، يوضح ذلك ما ورد من قوله ﷺ عندما قال له عمر بن الخطاب ﵁: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال: "كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"١.
ولكن أذن بالسير فسار بالناس في ساعة لم يعهد له أن يسير في مثلها، وأمر بالسير المتواصل حتى لا يتمكن المنافقون من التجمع والخوض في حديث ابن أبي وترويجه بين الناس.
_________________
(١) ١ انظر ص ١٨٦ مما تقدم.
[ ٣٥٢ ]
ولقد توقع الناس أن رسول الله ﷺ سيعاقب المنافقين على سوء صنيعهم وعلى الأقل بقتل رأس الفتنة ابن أبي ولكن لم يقع شيء من هذا كله، ولقد جاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ فقال: "يا رسول الله إن كنت أمرت بقتل والدي فأنا الذي آتيك برأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر، فأدخل النار"، فكان الجواب النبوي "بل نترفق ونحسن صحبته ما بقي معنا"١.
لقد كان من آثار هذه المعاملة الحسنة أن قوم عبد الله بن أبي ابن سلول هم الذين أخذوا يعنفونه ويفضحون أمره ويأخذون على يديه، ولما بلغ رسول الله ﷺ هذا من فعلهم مع ابن أبي أرسل إلى عمر بن الخطاب فقال له: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته"، قال عمر بن الخطاب: "قد علمت والله لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"٢.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٢- ٢٩٣. ٢ المصدر السابق ٢/٢٩٣.
[ ٣٥٣ ]
المبحث الثالث: إبراز بشرية الرسول ﷺ
لقد كانت قصة الإفك فريدة في نوعها وضخامتها عن جميع المحن والمصائب التي واجهها رسول الله ﷺ في هذه الغزوة وفي غيرها. لأن الرسول ﷺ كان قد وطن نفسه لمواجهة كل بلية أو أذى يقوم به المنافقون لأنه على علم وبصيرة نافذة بمكايدهم وخستهم، إلا أنه لم يكن يتوقع منهم النيل من عرضه ورميه في أحب الناس إليه، لذا كانت حادثة الإفك لها أثرها ووقعها الثقيل على رسول الله ﷺ، لقد جاءت هذه القصة تحمل في طياتها إبراز بشرية الرسول ﷺ، وأنه يتأثر
[ ٣٥٣ ]
كغيره من بني الإنسان، وأنه لا يعلم الغيب وإنما الغيب لله وحده، إذ لو كان يعلم الغيب لجزم ببراءة ساحة أهله وكذب المفترين لأول وهلة، وأراح نفسه، وأراح غيره.
ولكنه مكث أكثر من شهر في قلق دائم والناس يموجون ويخوضون في ذلك، وهو لا يزيد على أن يشاور أصحابه وأتباعه في شأن أهله، ويطلب من ينجده بإيقاف هذا الحادث الأليم، ثم في آخر المطاف يذهب إلى زوجه يقول لها: "يا عائشة لقد سمعت ما يقول الناس، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده".
لقد كان هذا كله حاسما لما يخشى أن يقع فيه بعض المسلمين فيرفعون رسول الله ﷺ فوق منزلته التي أنزله الله إياها ويدعون له ما لم يدعه لنفسه، فكانت هذه الواقعة واضحة الدلالة على مشاركة الرسول ﷺ غيره في البشرية، وأنه لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه. وقد أوضح ذلك في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، [سورة الجن، الآيتان: ٢٧] .
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، [سورة الكهف، من الآية: ١١٠] .
وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، [سورة الأعراف الآية: ١٨٨] .
[ ٣٥٤ ]
المبحث الرابع: الوحي بيد الله يوحيه إلى رسوله متى شاء
إن قصة الإفك كان من نتائجها البيان القاطع بأن الوحي ليس خاضعا لأمنية الرسول ﷺ وإرادته، إذ لو كان لأمر كذلك، لكان من
[ ٣٥٤ ]
السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة منذ نشأتها وطفولتها، ويريح نفسه من ويلايتها ونتائجها. وذلك بأن يأتي بقرآن يبرئ به أهله ويطمئن به أصحابه، ويسكت به أهل القيل والقال، لأنه كان يعلم من أهله الاستقامة والبعد عن هذه الجريمة الشنعاء ولكنه لم يفعل ذلك لأنه لا يملكه وإنما الوحي بيد الله وحده. وقد نفى الله عنه ذلك في أحد مواقفه مع المشركين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢.
وظل شهرا كاملا يحمل بين جنبيه الألم الشديد، من جراء هذه الكارثة الفادحة ويصبر نفسه على ذلك ويطلب الفرج من الله ﷿.
وكان من تمام الحكمة الإلهية أن تأخر عنه الوحي هذه المدة كلها ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
وقد عالج ابن القيم هذه القضية معالجة طيبة. وفيما يأتي بعض مما أورده في هذا المقام.
قال: "واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس الوحي عن رسول الله ﷺ شهرا، لا يوحى إليه في ذلك شيء، وذلك لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق، وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته، والصديقين من عباده.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ١٥. ٢ سورة الحاقة، الآيات: ٤٤-٤٧. وفي هذه الآيات رد على الملحدين في كل زمان ومكان الذين يقولون بأن القرآن من كلام «محمد» وبأنه قصص وأساطير الأولين، وقد قص الله ذلك بقوله ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء الله لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ سورة الأنفال: آية ٣١.
[ ٣٥٥ ]
ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، ويظهر لرسوله ﷺ وللمؤمنين سرائرهم إلى أن قال: فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية نضجت، وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله ﷺ فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله ﷺ وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه المؤمنون، فورد عليهم ورود الغيث على الأرض، أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع، وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، فلو أطلع الله رسوله ﷺ على حقيقة
الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم١ وأضعافها بل أضعاف أضعافها"٢.
_________________
(١) ١ من الحكم التي ذكرها أيضا في حكمة تأخر لوحي قال: لتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها والافتقار إلى الله، والذل له وحسن الظن به والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين الخ. ٢ زاد المعاد ٢/١٢٧.
[ ٣٥٦ ]
المبحث الخامس: الحكم في كون رسول الله ﷺ لم يجزم ببراءة أهله كما جزم غيره من الصحابة
المبحث الخامس: الحكمة في كون رسول الله ﷺ لم يجزم ببراءة أهله كما جزم غيره١ من الصحابة
أورد هذا ابن القيم وأجاب عنه بقوله: "كان هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء لرسوله ﷺ، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه القصة أقواما، ويضع آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " إلى أن قال: "وأيضا فإن رسول الله ﷺ كان هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط، وحاشاه وحاشاها، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك، قال: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله
_________________
(١) ١ مثل ما قال أبو أيوب وزوجه ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.
[ ٣٥٦ ]
ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته وحسن ظنه بربه، وثقته به، وفىَّ١ مقام الصبر والثبات وحسن اعتناؤه بشأنه.
وأيضا: فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم، بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه بل يكون هو وحده المتولي لذلك٢.
_________________
(١) ١ وفىَّ: فعل ماضي. ٢ زاد المعاد ٢/١٢٧.
[ ٣٥٧ ]
الخاتمة:
تناول هذا البحث (مرويات غزوة بني المصطلق) جمعا وتحقيقا ودراسة ويقع في مقدمة وأربعة أبواب.
أما المقدمة: فقد اشتملت على أسباب اختياري لموضوع رسالتي في السيرة النبوية، ثم سبب تخصيصي غزوة بني المصطلق بالذات بهذه الدراسة، وقد أشرت في هذه المقدمة إلى أهمية علم التاريخ، وضرورة العناية بالسيرة النبوية خاصة، كما حللت أهم المصادر التي استقيت منها في هذا الموضوع.
وأما الباب الأول: فقد تناول نسب بني المصطلق وصلتهم النسبية بقبائل المدينة المنورة، محققا الخلاف الوارد في نسبهم، ومشيرا إلى أرجح الأقوال في نظري، مدعما ذلك بما أورده أهل هذا الفن من حجج وتعليلات، مع الإشارة إلى حجج المخالفين، ومناقشتها بإيجاز غير مخل، كما بحثت في تحقيق مواقعهم وديارهم التي كانوا يسكنونها وقد عانيت في ذلك عناء كبيرا، ولكنني بحمد الله وصلت إلى تحديد أماكنهم، وضبطها، مستعينا بالمراجع العلمية في هذا الباب قديما وحديثا، وانتهيت إلى نتيجة مرضية في ذلك حيث تم لي تحديدها بالأميال والكيلومترات، وانحصرت ديارهم فيما بين مر الظهران والأبواء.
وهذا التحديد والتفصيل لم أر من قام به قبلي.
وبعد ذلك تحدثت عن موقفهم من الدعوة الإسلامية، وتأخر إسلامهم بسبب تأثرهم بموقف قريش، فقد كانوا من الأحابيش الموالين لقريش، وقد تكتلوا معهم في موقعة أحد ضد المسلمين.
[ ٣٦١ ]
فكانوا ينتظرون ما تصنعه قريش مع رسول الله ﷺ وقد كانت لهم تحركات ضد المسلمين بينتها بجلاء في هذا الباب، كما تحدثت عن موقف المسلمين من هذه التحركات وبينت أيضا وجوب إنذار الكافرين أو عدم إنذارهم ناقلا في ذلك أقوال العلماء ومرجحا ما ظهر لي أنه الراجح بالدليل، كما رجحت أن بني المصطلق كانت قد بلغتهم الدعوة الإسلامية وأن عندهم الإنذار المسبق وبهذا يسقط الاعتراض الوارد على كون رسول الله ﷺ أخذهم على غرة.
وأشرت في هذا الباب إلى سبب هذه الغزوة محددا تاريخها مع وصف ما دار فيها من أحداث خطيرة، وما انتهت إليه من نتائج عظيمة ونصر للإسلام والمسلمين. مبينا موقف بني المصطلق بعد الغزوة كما رجحت وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة ورددت على القائلين بخلاف ذلك.
أما الباب الثاني: فقد تركز الحديث فيه عن دور المنافقين في بدء الدعوة الإسلامية بوجه عام وعن دورهم في هذه الغزوة بصفة خاصة. وقد حاولت أن أضع صورة وافية للدسائس والمكايد التي كان يقوم بها حزب النفاق من أجل عرقلة انتشار الدعوة الإسلامية، مبينا ظهور نشأة النفاق وأسبابه، ومواقف المنافقين في الغزوات التي سبقت هذه الغزوة مع الإشارة إلى خطورة النفاق وأضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين.
وقد حظي موقفهم في غزوة المريسيع بحديث واسع بينت فيه كل ما قاموا به من أعمال عدوانية وتخذيل في صفوف المسلمين. واستغلالهم الفرص التي يبثون فيها شبههم وأفكارهم السيئة ومن ذلك إثارتهم للعصبية الجاهلية في هذه الغزوة، ورفعهم للشعارات القبلية وما صاحب ذلك من فتن كادت تعصف ريحها بكثير من المسلمين، وأشرت إلى حكمة الرسول ﷺ في معالجة هذه السموم التي ينفثها المنافقون مع حلمه في عدم مؤخذة القائمين بذلك. وأسوأ عمل قام به المنافقون على الإطلاق في هذه الغزوة هو اختلاقهم لحادثة الإفك التي كان لها أثرها السيئ في نفوس المسلمين ووقعها الأليم في ساحة النبوة الطاهرة، وقد استغرق الحديث عن هذه الحادثة وقت طويلا، لتشعب رواياتها وكثرة أحداثها، وقد تكلمت على جميع الجوانب المتصلة بها من
[ ٣٦٢ ]
تخريج الروايات وتحقيقها مع الكلام على الأحكام الفقهية المستنبطة منها، وهو أمر لم أر أحدا من المؤرخين قام به في مكان واحد بهذه الصورة التي انتهيت إليها.
أما الباب الثالث: فقد كان بحثي فيه عن تخريج حديث الإفك، وعن الانتقاد الوارد على الزهري، في تلفيقه الحديث عن مشايخه الأربعة دون أن يفرد حديث كل واحد منهم على حدة، وبينت أن هذا جائز لا مانع منه لأن الكل ثقات وقد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم الآخر ثم حققت القول في الذي تولى كبر الإفك وأنه عبد الله بن أبي ابن سلول، كما بينت ما حصل للصحابة من مواقف متباينة في هذه الحادثة.
فكان منهم من نفاها من أصلها وصرح بأن هذا بهتان وكذب، وذلك مثل أسامة بن زيد وبريرة وأبي أيوب الأنصاري وزوجه. ومنهم من نفاها كذلك ولكنه أشار تلويحا على رسول الله ﷺ بفراق أهله لما رأى انزعاج رسول الله ﷺ بأمر مشكوك فيه فأراد راحة رسول الله ﷺ مما لحقه من هم وغم، وذلك هو علي بن أبي طالب ﵁، ومنهم من أثرت فيه دعايات المنافقين فانخرط في سلكهم قولا لا اعتقادا فصار يردد قول أهل النفاق دون وعي وإدراك لما يقصده المنافقون وذلك مثل حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ﵃، وقد بينت ذلك في محله بينا شافيا، كما بينت في هذا الباب النزاع الحاصل بين الأوس والخزرج، في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي هو أساس هذه الفتنة ورأسها، وبينت أيضا الانتقاد الوارد على البخاري في سماع مسروق من أم رومان ورجحت القول بسماعه منها مع ذكر وجهة المخالفين والرد عليها بأدلة مبسوطة في محلها.
وآخر أبواب الرسالة هو الباب لرابع: وقد أفردته للحديث عن الأحكام الفقهية الواردة في هذه الغزوة - هذا هو الفصل الأول منه - وعن العبر والحكم المستنبطة من هذه الغزوة وهذا هو الفصل الثاني من هذا الباب - فأما الأحكام الفقهية فقد بلغت عشرة أحكام تحدثت عن كل حكم منها بإيجاز واختصار غير مخل، مشيرا إلى الخلاف مستدلا لأقوال مرجحا الراجح بالدليل،
[ ٣٦٣ ]
ولم أطل في ذلك لأن البحث ليس فقهيا بالمعنى الدقيق، وإنما عرضت لذلك حسب ما اقتضته نصوص الروايات الدالة على بعض الأحكام الفقهية. وأما العبر فإنها كثيرة وقد تكلمت على خمس عبر منها مأخوذة من هذه الغزوة.
وأما الجديد في هذا الموضوع فيمكن إيجازه فيما يلي:
١- إن هذه الغزوة لم يفردها أحد بالتأليف قديما ولا حديثا وإنما تذكر ضمنا مع غيرها شأن المؤلفين في التاريخ عامة أو في السيرة النبوية خاصة وأحسن من تكلم فيها من المعاصرين محمد أحمد باشميل ضمن الأحداث الواقعة قبل غزوة الأحزاب، لكنه غير متقيد بتحقيق أو تدقيق ولم يستوعب الموضوع من جميع جوانبه.
٢- تحديد مساكن هذه القبيلة وضبطها بالأميال والكيلومترات.
٣- ذكر نبذة في نسبهم وصلتهم بقبائل المدينة المنورة.
٤- عقد مبحث في وجوب إنذار العدو أو عدم إنذاره بينت فيه مذاهب العلماء وأيدت القول الراجح بالدليل.
٥- تفصيل الكلام على حديث الإفك بكل جوانبه المتعلقة به، وهذا يعتبر جديدا وأحسن من تكلم على حديث الإفك ابن القيم في الزاد، ولكن ليس بهذا الاستقصاء الذي قمت به.
٦- عقد مبحث حول جواز استرقاق العرب أو عدمه - لأن له صلة بموضوعي - بينت فيه أقوال العلماء ونصصت على القول الراحج بدليله. وهذا جديد بالنسبة لهذه الغزوة.
٧- عقدت فصلا للأحكام المستنبطة من هذه الغزوة وخاصة حديث الإفك، وهذا وإن لم يكن جديدا بالمعنى الحقيقي، إلا أنه يوجد فيه بعض الأحكام أشار إليها بعض المؤرخين إشارة خاطفة وذلك مثل متى شرع التيمم، وصحة جعل العتق صداقا وغير ذلك.
[ ٣٦٤ ]
٨- منهجي في هذا البحث: هو أنني أورد الحديث ثم أترجم لرجاله، وإن كان هناك حديث آخر يؤيده أو يعارضه أورده أيضا، ثم أحكم بعد ذلك على الحديث بما تقتضيه تلك الدراسة صحة أو ضعفا بعد المناقشة والفحص.
وإذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فقد أترجم لرجاله من باب التعريف بهم لا للنقد فيهم، وأحيانا أقتصر على المتن أو جزء منه مجردا عن الإسناد، وذلك لاتفاق العلماء على توثيق رجالهما، وعلى أن كتابيهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿.
وهذا المنهج لم يسبقني أحد إليه في دراسة هذه الغزوة، وهو محاولة لتطبيق مناهج المحدثين في دراسة السيرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٣٦٥ ]