الفصل الرابع: في بيان ما آل إليه أمر هوازن وثقيف بعد المعركة
المبحث الأول: في قدوم وفد هوازن إلى الجعرانة مسلمين
المبحث الأول: في قدوم وفد هوزان إلى الجعرانة مسلمين
بعد انصراف رسول الله ﷺ من الطائف توجه إلى الجعرانة وكان بها السبايا والغنائم، فأخر قسم الغنائم بضع عشرة ليلة، رجاء أن تقدم هوزان مسلمة، فيرد إليهم ما أخذ منهم، ولما لم تقدم في هذه المدة أخذ ﷺ في توزيع الغنائم.
ثم قدمت وفود هوزان بعد ذلك فأعلنت إسلامها، وطلبت من رسول الله ﷺ أن يرد إليها ما فقدته من السبايا وأموال، فقال لهم رسول الله ﷺ: "أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم، وكان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا فإنا نختار سبينا".
يدل على ذلك الأحاديث الآتية:
أ- حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري وغيره وهذا سياق البخاري:
حدثنا يحيى١ بن بكير حدثنا الليث عن عقيل٢ عن ابن شهاب٣ عن عروة أن
_________________
(١) ١ هو يحيى بن بكير المخزومي مولاهم المصري (تهذيب التهذيب ١١/٢٣٧) . ٢ عقيل - بالضم - ابن خالد بن عقيل - بالفتح (تهذيب التهذيب ٧/٢٥٥) . ٣ هو محمد بن مسلم الزهري.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه١ أن النبي ﷺ حين جاء وفد هوزان٢ مسلمين٣.
_________________
(١) ١ وفي لفظ عند البخاري وأحمد والبيهقي "عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه". وعند البخاري أيضًا: "وعن ابن شهاب ذكره عروة أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه". وعنده عند البيهقي "عن ابن شهاب: حدثني عروة بن الزبير أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه". ٢ قال النووي: "الوفد الجماعة المختارة للتقدم للقاء العظماء واحدهم وافد". اهـ قال الزرقاني: "وكأنه استعمال عرفي، وإلا ففي اللغة أن الوفد القادم مطلقًا مختارًا للقاء العظماء أم لا، راكبا أم لا، قال في القاموس: وفد إليه وعليه يفد وفدا ووفودا ووفادة وإفادة قدم، وورد نحوه في الصحاح وغيره". إهـ وقال القسطلاني: "وكان ابتداء الوفود على النبي ﷺ بعد رجوعه من الجعرانة في آخر سنة ثمان وما بعدها" إهـ. وقال ابن إسحاق: "بعد غزوة تبوك" إهـ. وقال ابن هشام: "كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود" إهـ. قال القسطلاني: "وقد سرد محمد بن سعد "في الطبقات" الوفود وتبعه الدمياطي في "السيرة" له وابن سيد الناس ومغلطاي والحافظ زين الدين العراقي ومجموع ما ذكر يزيد على الستين" إهـ. قال الزرقاني: "والمتبادر من مثل هذه العبارة أن الوفود لا يبلغون السبعين عرفا، وقد سردهم الشامي فزادوا على المائة، فلعل الجماعة اقتصروا على المشهورين، أو الآتين لترتيب مصالحهم، وذكر المصنف خمسا وثلاثين روما للإيجاز" إهـ. (انظر المواهب اللدنية للقسطلاني١/٢٤٣ وشرح المواهب للزرقاني ٤/٢ والقاموس للفيروز آبادي ١/٣٤٦ ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي ص ٧٢٩-٧٣٠ وسيرة ابن هشام ٢/٥٥٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/٢٩٩-٣٥٩ ولم يذكر وفد هوزان كما قال ابن حجر (الفتح: ٨/٣٣) . ٣ وفي لفظ عند البخاري وأحمد والبيهقي "أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوزان مسليمين" إلخ. قال ابن حجر: "ساق الزهري هذه القصة من هذا الوجه مختصرة وقد ساقها موسى ابن عقبة في "المغازي" مطولة ولفظه: ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها السبي يعني سبي هوزان، وقدم عليه وفد هوزان مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا، وبايعوا ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازي الأقوام، فقال: "سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم فأي الأمرين أحب إليكم: السبي أم المال؟ قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا في بعير، فقال: "أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين، فكلموهم وأظهروا إسلامكم"، فلما صلى النبي ﷺ الهاجرة، قاموا فتكلموا خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم قام رسول الله ﷺ حين فرغوا فشفع لهم وحض المسلمين عليه وقال: "قد رددت الذي لبني هاشم عليهم". ثم قال ابن حجر: "فاستفيد من هذه القصة عدد الوفد وغير ذلك مما لايخفى، وقد أغفل محمد بن سعد - لما ذكر الوفود - وفد هوزان هؤلاء مع أنه لم يجمع أحد في الوفود أكثر مما جمع. وممن سمي من وفد هوزان زهير بن صرد وأبو مروان - ويقال أبو ثروان أوله مثلثة بدل ميم، ويقال أبو برقان بموحدة وقاف - وهو عم النبي ﷺ ذكره ابن سعد". وعند ابن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تعيين الذي خطب لهم في ذلك وهو زهير بن صرد (فتح الباري ٨/٣٣، ودلائل النبوة للبيهقي٣/٥٤ أ. وعند ابن سعد "وقدم وفد هوزان على النبي ﷺ وهم أربعة عشرة رجلا ورأسهم زهير بن صرد (الطبقات الكبرى ٢/١٥٣ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٧٥) .
[ ٢ / ٤٤٨ ]
فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم١، فقال لهم: معي من ترون٢، وأحب الحديث إلي أصدقه٣، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال٤، وقد كنت استأنيت٥ وكان النبي ﷺ انتظرهم٦ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن النبي ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختاروا سبينا، فقام في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله٧، ثم قال: "أما بعد فإن
_________________
(١) ١ عند أبي داود "أن يرد إليهم أموالهم" دون ذكر السبي. قال صاحب عون المعبود: "كذا في النسخ الحاضرة، وفي رواية البخاري أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم" (عون المعبود ٧/٣٥٧) . ٢ وفي لفظ عند البخاري: "إن معي من ترون". والمعنى: أن معي من ترون من السبايا غير التي قسمت بين الغانمين وبوب البخاري في كتاب الوكالة بقوله: "باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز، لقول النبي ﷺ لوفد هوزان حين سألوه المغانم، فقال النبي ﷺ "نصيبي لكم". وعند ابن إسحاق من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال رسول الله ﷺ: "أما ما لكم لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، والحاصل أن النبي ﷺ أجابهم برد ما عنده ﷺ في ملكه. عون المعبود ٧/٣٥٧ وانظر ص (٤٤٣) . ٣ قوله: "وأحب الحديث إلي أصدقه"، مبتدأ وخبر، والمعنى: فالكلام الصادق، والوعد الصادق أحب إلي فما قلت لكم هو كلام صادق، وما وعدتكم به فعلي إيفاؤه (المصدر السابق ٧/٣٥٧) . ٤ وفي لفظ عند البخاري "إما المال وإما السبي". ٥ وفي لفظ عند البخاري والبيهقي "وقد كنت استأنيت بهم". وعند البخاري والبيهقي أيضا وأحمد "وقد استانيت بكم". واستأنيت: بالمثناة قبل الألف المهموزة الساكنة ثم نون مفتوحة وتحتانية ساكنة أي انتظرت وأخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم، وكان النبي ﷺ قد ترك السبي بغير قسمة وتوجه إلى الطائف فحاصرها ثم رجع عنها إلى الجعرانة ثم قسم الغنائم هناك، فجاءه وفد هوزان بعد ذلك فبين لهم أنه أخر القسم بضع عشرة ليلة ليحضروا فأبطأوا. (فتح الباري ٥/١٧١ و٨/٣٤ وهدي الساري ص: ٨٢ وعون المعبود ٧/٣٥٧-٣٥٨) . ٦ وفي لفظ عند البخاري وأحمد والبيهقي "كان أنظرهم رسول الله بضع عشرة ليلة". وعند البخاري أيضا "وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم آخرهم بضع عشرة ليلة". ٧ وعند أحمد "فأثنى على الله ﷿ بما هو أهله".
[ ٢ / ٤٤٩ ]
إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين١، وإني أردت أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب٢ ذلك فليفعل، ومن أحب أن يبقى على حظه حتى نعطيه إياه من أوّل ما يفئ٣ الله علينا فليفعل"، فقال الناس: طيبنا٤ يا رسول الله لهم٥، فقال لهم:
_________________
(١) ١ وفي لفظ للبخاري وأحمد والبيهقي "فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين" قال ابن حجر: "قال ابن بطال: كان الوفد رسلًا من هوزان، وكانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم، فشفعهم النبي ﷺ فيهم، فإذا طلب الوكيل أو الشفيع لنفسه ولغيره فأعطي ذلك فحكمه حكمهم، وقال الخطابي: فيه أن إقرار الوكيل على موكله مقبول؛ لأن العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقيده أبو حنيفة ومحمد بالحاكم". وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: لا يصح إقرار الوكيل على الموكل، قال ابن حجر: "وليس في الحديث حجة للجواز لأن العرفاء ليسوا وكلاء وإنما هم كالأمراء عليهم، فقبول قولهم في حقهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حق من هو حاكم عليه". (فتح الباري ٤/٤٨٤) . ٢ يطيب: بضم أوله وفتح الطاء المهملة، وتشديد التحتانية المكسورة، والمعنى فمن أحب منكم أن يعطيه عن طيب نفس منه من غير عوض فليفعل. (المصدر السابق ٨/٣٤ وعون المعبود ٧/٣٥٨ وقال السهيلي: "عوض رسول الله ﷺ من لم تطب نفسه بالرد مما كان بيده واستطاب نفوس الباقين، وذلك أن المقاسم كانت قد وقعت فيهم فلا يجوز للإمام أن يمن على الأسرى بعد القسم، ويجوز له ذلك قبل المقاسم، كما فعل النبي ﷺ بأهل خيبر حين من عليهم، وتركهم عمالا للمسلمين في أرضهم التي افتتحوها عنوة" (الروض الأنف ٧/٢٨١) . ٣ يفيء: بفتح أوله ثم فاء مكسورة وهمزة بعد التحتانية الساكنة، أي يرجع إلينا من مال الكفار من خراج أو غنيمة أو غير ذلك، ولم يرد الفيء الاصطلاحي وحده (فتح الباري ٥/١٧٨) . وقال ابن الأثير: "أراد بما يفيئه الله عليه: الخمس الذي جعله الله له من الفيء خاصة دون الناس، فإنه يعطي كل من أخذ منه شيئًا عوضه من ذلك". (جامع الأصول ٨/٤٠٩) . قال ابن حجر: "واستدل بالحديث على القرض إلى أجل مجهول، لقوله "حتى نعطيه من أوّل ما يفيء الله علينا" (فتح الباري ٤/٤٨٤) . ٤ طيبنا: بتشديد التحتانية وسكون الباء الموحدة، أي رضينا بذلك. وفي رواية موسى بن عقبة "فأعطى الناس ما بأيديهم، إلا قليلًا من الناس سألوا الفداء" وفي رواية عمرو بن شعيب "فقال المهاجرون: "ما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقال الأقرع بن حابس: "أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: اما أنا وبنو فزارة فلا". وقال عباس بن مرداس: "أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله". قال: فقال رسول الله ﷺ: "من تمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه". (فتح الباري ٨/٣٤ ودلائل النبوة للبيهقي٣/٥٤أوانظر: حديث عمرو بن شعيب ص (٤٤١) . قال ابن قيم الجوزية: "ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يده ثم ردها بعد ذلك" (زاد المعاد ٣/٤٧٦) . ٥ وفي لفظ عند البخاري والبيهقي "قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم". وفي لفظ عند البخاري أيضا وأحمد "قد طيبنا ذلك لرسول الله ﷺ".
[ ٢ / ٤٥٠ ]
"إنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم١ أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه أنهم طيبوا٢ وأذنوا وهذا الذي بلغنا من سبي هوزان.
هذا آخر قول الزهري، يعني فهذا الذي بلغنا.
_________________
(١) ١ عرفاؤكم: بالمهملة والفاء جمع عريف بوزن عظيم، وهو القائم بأمر طائفة من الناس، يلي أمورهم ويتعرف أحوالهم، سمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرف بها من فوقه عند الاحتياج. قال ابن حجر: قال ابن بطال: "في الحديث مشروعية إقامة العرفاء؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه". قال: "والأمر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التواكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط، فإذا أقام على كل قوم عريفًا لم يسع كل أحد إلا القيام بما أمر به". وقال ابن المنير: "في الحاشية: يستفاد منه جواز الحكم بالإقرار بغير إشهاد، فإن العرفاء ما أشهدوا على كل فرد فرد شاهدين بالرضاء، وإنما أقر الناس عندهم وهم نواب الإمام فاعتبر ذلك، وفيه أن الحاكم يرفع حكمه إلى حاكم آخر مشافهة فينفذه إذا كان كل منهما في محل ولايته. ثم عقب ابن حجر على هذا فقال قلت: وقع في سير الواقدي أن أبارهم الغفاري كان يطوف على القبائل حتى يجمع العرفاء واجتمع الأمناء على قول واحد". ثم قال ابن حجر: "وفي الحديث أن الخبر الوارد في ذم العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء، لأنه محمول - إن ثبت - على أن الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الإنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية ثم قال والحديث المذكور: أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معد يكرب رفعه: "العرافة حق ولابد للناس من عريف، والعرفاء في النار". ولأحمد وصحّحه ابن خزيمة من طريق عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة رفعه "ويل للأمراء، وويل للعرفاء". قال الطيبي: "وقوله: "والعرفاء في النار" ظاهر أقيم مقام الضمير يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن الوقوع في المحذور المفضي إلى العذاب، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، [سورة النساء، الآية:١٠]، فينبغي للعاقل أن يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار". قال ابن حجر: "ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الأمراء بما توعد به العرفاء، فدل على أن المراد بذلك الإشارة إلى أن كل من يدخل في ذلك لا يسلم، وأن الكل على خطر، والاستثناء مقدرا في الجميع. وأما قوله "العرافة حق" فالمراد به أصل نصبهم، فإن المصلحة تقتضيه، لما يحتاج إليه الأمر من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي، كما دل عليه حديث الباب" (فتح الباري ١٣/١٦٩-١٧٠) . قلت: حديث أبي داود المشار إليه أخرجه أبو داود في سننه ٢/١٩ كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب في العرافة، بلفظ "إن العرافة حق ولا بد للناس من العرفاء، ولكن العرفاء في النار". قال المنذري: "في إسناده مجاهيل" (عون المعبود ٨/١٥٣)، والحديث عند أبي داود باللفظ المذكور ليس من طريق المقدام بن معد يكرب كما قال ابن حجر - ﵀ -، ويخرج قول الطيبي: أقيم الظاهر مقام الضمير على لفظ أبي داود هذا، وحديث أحمد في المسند ٢/٣٥٢ وعباد بن أبي علي قال فيه ابن حجر في التقريب ١/٣٩٣ "مقبول". ٢ طيبوا: بفتح الطاء المهملة وتشديد التحتانية، أي حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك، يقال طيبت نفسي بكذا إذا حملتها على السماح به من غير إكراه فطابت بذلك. قال ابن حجر: "وتقدم في غزوة حنين ما يؤخذ منه أن نسبة الإذن وغيره إليهم حقيقة، ولكن سبب ذلك مختلف فالأغلب الأكثر طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير عوض، وبعضهم رده بشرط التعويض" (فتح الباري ١٣/١٦٩) .
[ ٢ / ٤٥١ ]
والحديث رواه البخاري أيضا عن سعيد بن عفير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب به١.
ورواه البخاري أيضا وأبو داود كلاهما من طريق سعيد٢ بن أبي مريم حدثنا الليث به٣.
ورواه البخاري أيضا والنسائي والبيهقي الجميع من طريق موسى ابن عقبة عن ابن شهاب عن الزهري به٤.
ورواه البخاري أيضا وأحمد والبيهقي الجميع من طريق ابن أخي الزهري٥ عن عمه به٦.
رواه البيهقي أيضا من طريق يحيى بن بكير وعبد الله٧ بن صالح المصريّين أن الليث بن سعد حدثهما قال: حدثني عقيل ابن شهاب به.
ثم قال عقب هذا الحديث في "السنن الكبرى" رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير٨.
وفي "دلائل النبوة" بعد أن ساقه قال: رواه البخاري في الصحيح عن سعيد بن عفير وعبد الله٩ بن يوسف عن الليث١٠.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (١٠٨) . ٢ هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري (تهذيب التهذيب ٤/١٧) . ٣ أبو داود: السنن ٢/٥٧ كتاب الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال. ٤ النسائي: في السنن الكبرى مختصرا بقصة العرفاء كما في تحفة الأشراف للمزي ٨/٣٧٣ حديث. (١١٢٥١) . ٥ ابن أخي الزهري هو: محمد بن عبد الله بن مسلم (التقريب ٢/١٨٠) . ٦ أحمد: المسند ٤/٣٢٦، والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٦٤. ٧ عبد الله بن صالح: هو المعروف بكاتب الليث (التقريب ١/٤٢٣) . ٨ ٦/٣٦٠. ٩ عبد الله بن يوسف التنسي - بمثناة ونون ثقيلة بعدها تحتانية ثم مهملة- أبو محمد (التقريب ١/٤٦٣ وتهذيب التهذيب ٦/٨٦) . ١٠ ٣/٥٤أ. قال ابن حجر: في "النكت الظراف" بعد أن ذكر مواضع هذا الحديث في صحيح البخاري. قلت: ذكر البيهقي في "الدلائل" أن البخاري أخرجه عن عبد الله بن يوسف عن الليث، ولم أره أنا فيه أهـ. (انظر النكت على هامش تحفة الأشراف للمزي ٨/٣٧٣) . قلت: وقد تتبعت مواضع هذا الحديث في صحيح البخاري حسبما ذكره المزي في "تحفة الأشراف" والنابلسي "في الذخائر" وعبد الله الغنيمان في "دليل القاري" فلم أجد البخاري روى هذا الحديث عن عبد الله بن يوسف. (انظر تحفة الأشراف ٨/٣٧٣ حديث ١١٢٥١) وذخائر المواريث ٣/٩٥ حديث (٦٢٠١) ودليل القاري ص ٣١ حديث (١٢٩) الرقم العام والخاص (٢) .
[ ٢ / ٤٥٢ ]
ب- ما رواه ابن إسحاق وغيره من حديث عمرو بن شعيب وهذا سياقه:
عن ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن وفد هوزان أتوا١ رسول الله ﷺ وقد أسلموا، فقالوا: "يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك، قال: وقام رجل٢ من هوزان، ثم أحد بني سعد بن أبي بكر، يقال له: زهير٣ يكنى أبا صرد فقال:
يا رسول الله٤ إنما في الحظائر عماتك وخالاتك
_________________
(١) ١ وعند النسائي: "قال كنا عند رسول اله ﷺ إذ أتته وفد هوزان، فقالوا: يا محمد إنا أصل وعشيرة، وقد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك". وعند أحمد: "قال شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين وجاءته وفود هوزان، فقالوا: يا محمد إنا أصل وعشيرة فمنّ علينا من الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك". وعند الطبري: "قال أتى وفد هوزان رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة، وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة". وعند البيهقي "قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحنين فلما أصاب من هوزان ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوزان بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا يا رسول الله لنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك". ٢ وعند الطبري "فقام رجل من هوزان - أحد بني سعد بن بكر، وكان بنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله ﷺ - يقال له: زهير بن صرد وكان يكنى بأبي صرد". ٣ زهير - بضم الزاي وفتح الهاء وسكون التحتية- ابن صرد - بضم الصاد وفتح الراء ودال مهملات، مصروف ليس معدولًا - السعدي الجشمي أبو صرد، وقيل: أبو جرول، سكن الشام وقدم على رسول الله ﷺ في وفد قومه من هوزان (أسد الغابة لابن الأثير ٢/٢٦٢، وكتاب المغني لابن طاهر الهندي ص ٤٦ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٤/٤) وصرف (صرد)؛ لأنه اسم جنس، وليس علما، قال الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل في الكلام على العلم المعدول، قوله: "العلم المعدول"، أي: عدلا تقديريا فإن طريق العلم بعدل هذا النوع سماعه غير مصروف مع علة العلمية فقط، فيقدر فيه العدل لئلا يترتب المنع على علة واحدة فلو سمع مصروفا لم يحكم بعدله، كأدد، وكذا غير العلم من اسم الجنس كنغر وصرد إلخ (حاشية الخضري ٢/١٠٧) . ٤ وعند البيهقي في "الدلائل " وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك "وعند الطبري" فقال رسول الله: "نساؤنا عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كفلنك"، وعند الواقدي في المغازي ٣/٩٤٩-٩٥٠ "وكان في الوفد عم النبي ﷺ من الرضاعة، قال: يومئذ: يا رسول الله إنما في هذه الحظائر من كان يكفلنك من عماتك وخالتك وحواضنك، وقد حضناك في حجورنا وأرضعناك بثدينا، ولقد رأيتك مرضعا فما رأيت مرضعًا خيرا منك، ورأيتك فطيمًا فيما رأيت فطيمًا خيرًا منك، ثم رأيتك شابًا، فما رأيت شابًا خيرًا منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك فامنن علينا من الله عليك فقال رسول الله ﷺ: قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسم السبي وجرت فيهم السهمان". الحديث، وعنده أيضا "ويقال: أن أبا الصرد زهير بن صرد قال يومئذ: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعماتك وبنات عماتك، وخالاتك وبنات خالاتك وأبعدهن قريب منك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي إنهن حضنك في حجورهن وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن، وأنت خير المكفولين".
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وحواضنك١ اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا٢ للحارث بن أبي شمير، أو النعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين، قال: فقال رسول الله ﷺ: "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ "٣. فقالوا: "خيرتنا يا رسول الله بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نسائنا وأبناءنا٤ فهو أحب إلينا، فقال لهم: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس٥، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فتكلموا٦ بالذي أمرهم به، فقال
_________________
(١) ١ الحواضن: جمع حاضنة وهي التي تقوم بتربية الصبي والحضانة: بالفتح فعلها، والحضن: بالكسر الجنب وهما حضنان. (اللسان ١٦/١٧٨-٢٧٩ ومختار الصحاح ص ١٤٢) . ٢ قال ابن هشام: "ويروي ولو أنا ما لحنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان ابن المنذر" أهـ. قلت: "وهي رواية البخاري في التاريخ الصغير". والملح: بالفتح والكسر: الرضع والممالحة المراضعة (النهاية لأبن الأثير ٤/٣٥٤، والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٧٩) . وعند الطبراني في معجمه الكبير: ٥/٣١٢ ولو أنا لحقنا الحارث بن أبي شمر والنعمان ابن المنذر، ثم نزل بنا منه إلخ. ٣ وعند النسائي: فقال: "اختاروا من أموالكم أو من نسائكم وأبنائكم"، فقالوا: "قد خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بل نختار نساءنا وأبناءنا". وعند أحمد:"فقال: اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم، قالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، نختار أبناءنا" وعند البيهقي "نساؤكمو أبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحبابنا وبين أموالنا أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا". ٤ وعند أحمد "بل ترد علينا نساؤنا وأبناؤنا بالبناء للمفعول، وعند الطبري: "بل ترد علينا أموالنا ونساؤنا" ولفظ (أموالنا خطأ) والصواب "أبناءنا ونساءنا" لأنه خيرهم بين الأموال والأحساب دون الجمع بينهما. ٥ وعند النسائي "فإذا صليت الظهر فقوموا فقولوا: إنا نستعين برسول الله على المؤمنين، أو المسلمين في نسائنا وأبنائنا" وعند أحمد "فإذا صليت بالناس الظهر" وعند الواقدي "وإذا صليت الظهر بالناس فقولوا: إنا لنستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله". ٦ عند النسائي: "قاموا فقالوا ذلك". وعند أحمد: "قال: ففعلوا". وعند الطبراني: "قاموا فكلموه بما أمرهم رسول الله ﷺ". وعند البيهقي: "قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله ﷺ". وعند الواقدي: " قاموا فتكلموا بالذي أمرهم رسول الله ﷺ". فقالوا: "إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله".
[ ٢ / ٤٥٤ ]
رسول اله ﷺ: "وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"، فقال المهاجرون: "وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم١. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أن وبنو فزازة فلا. وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله٢. قال: يقول عباس بن مرداس لبنو سليم: وهنتموني٣، فقال رسول الله - ﷺ -: "أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي٤، فله بكل إنسان ست فرائض٥، من أول سبي أصيبه، فردوا إلى الناس أبنائهم ونسائهم" الحديث.
والحديث رواه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق مختصرا عقب حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة.
ورواه النسائي وأحمد كلاهما من طريق حماد بن سلمة بتمامه.
ورواه الطبري من طريق سلمة بن الفضل الأبرش.
والبيهقي من طريق يونس بن بكير كلاهما عن ابن إسحاق بتمامه.
ورواه أيضا أحمد من طريق إبراهيم بن سعد.
والبيهقي من طريق يونس بن بكير.
_________________
(١) ١ وعند الطبراني: "وقالت الأنصار مثل ذلك". ٢ وعند النسائي: "فقامت بنو سليم فقالوا: كذبت ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ". وعند أحمد: "قالت بنو سليم: لا ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ". وعند البيهقي: "فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ". ٣ وهنتموني: أضعفتموني وفي القاموس المحيط ٤/٢٧٦: وهنه وأوهنه ووهنه: أضعفه. ٤ وعند النسائي: فقال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن تمسك من هذا الفيء بشيء فله علينا ستة فرائض من أوّل شيء يفئه الله ﷿ علينا". وعند أحمد: "فمن تمسك بشيء من الفيء فله علينا ستة فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا". وعند الطبراني: "فله ست قلائص من أول فيء نصيبه" وعند الواقدي: "وتمسكت بنو سليم مع الأقرع بالسبي، فجعل رسول الله ﷺ الفداء ست فرائض، ثلاث حقاق وثلاث جذاع". ٥ الفرائض: جمع فريضة: يريد به: البعير المأخوذة في الزكاة سمي به فريضة، لأنه الواجب على رب المال، ثم سمي البعير فريضة في غير الزكاة. (جامع الأصول ٨/٤٠٩) .
[ ٢ / ٤٥٥ ]
والطبراني من طريق محمد بن سلمة الباهلي ثلاثتهم عن ابن إسحاق إلى قوله "نسائهم وأبنائهم"١.
ورواه البخاري في "التاريخ الصغير" من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق إلى قوله "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"٢.
وأورده الهيثمي، ثم قال: "رواه أبو داود باختصارٍ كثير، ورواه أحمد، ورجال أحد إسناديه ثقات"٣. اهـ.
والحديث رواه النسائي أيضا تاما كما بينت ذلك.
ويشهد له حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم٤.
ج-ما رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة من حديث زهير بن صرد وهذا سياقه من المعجم الصغير قال:
٢١٠-حدثنا عبيد الله٥ بن رماحس القيسي برمادة الرملة٦ سنة أربع وسبعين ومائتين، حدثنا أبو عمر زياد٧ بن طارق وكان قد أتت عليه٨ عشرون ومائة
_________________
(١) ١ الطبراني المعجم الكبير ٥/٣١٢. ٢ التاريخ الصغير ص ٥ ورواه الواقدي أيضا في مغازيه ٣/٩٤٩-٩٥٤. وتقدم تخريجه برقم (١٣٠) ص ٢٢٧ وتحت حديث رقم (١٨٠) ص ٣٧١. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٨٧-١٨٨. ٤ تقدم الحديث في ص ٤٣٥. ٥ عبيد الله بن رماحس - بضم الراء وفتح الميم وكسر الحاء المهملة وفي آخره سين مهملة- الجشمي- بضم الجيم وفتح الشين المعجمة - القيسي الرمادي الرملي. قال الذهبي: روى عن زياد بن طارق، وعنه الأمير بدر الحمامي، وأبو القاسم الطبراني، وأحمد بن إسماعيل بن عاصم، وأبو سعيد بن الأعرابي والحسن بن زيد الجعفري، ومحمد بن إبراهيم بن عيسى المقدسي. ثم قال الذهبي: وكان معمرا، رأيت للمتقدمين فيه جرحا، وما هو بمعتمد عليه (ميزان الاعتدال ٢/٩٠و٣/٦ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٥٧٧مع الإصابة، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٢/٣٥و٣٦ ومعجم البلدان لياقوت ٣/٦٦ وتاريخ بغداد ٧/١٠٥و١٠٦ وقد حصل في هذه الترجمة خطأ مطبعي في معاجم الطبراني الثلاثة وغيرها، في كلمة (رماحس) فوقعت في المعجم الصغير (رما حبيب) وفي الكبير (رماحي) وفي الأوسط (رماجس) بالجيم، وكذا في لسان الميزان لابن حجر. وفي شرح المواهب اللدنية (دماحش) والصواب ما أثبتناه. ٦ هي رمادة فلسطين كما في معجم البلدان. وفي شرح المواهب الدنية (بزيادة الرملة) الزاي والياء وهو خطأ. ٧ زياد بن طارق بن أبي جرول، نكرة لا يعرف، تفرد عنه عبيد الله ابن رماحس (ميزان الإعتدال ٢/٩٠) . وقال ابن حجر: "وقد ضبطه الدارقطني في المؤتلف والمختلف بفتح الزاي وتشديد الياء، فكان ينبغي إفراده. ثم قال: وقال أبو منصور البارودي في كتاب "معرفة الصحابة" أنه مجهول" (لسان الميزان ٢/٤٩٥) . ٨ في المعجم الكبير: "وكان قد لبث عليه عشرون ومائة سنة".
[ ٢ / ٤٥٦ ]
سنة سمعت أبا جرول زهير١ بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين يوم هوزان وذهب يفرق السبي والشاء٢ أتيته وأنشأت أقول هذا الشعر:
أمنن علينا رسول الله في كرم
فإنك المرء نرجوه وننتظر٣
أمنن على بيضة قد عاقها قدر
مملها في دهرها غير٤
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن
على قلوبهم الغَمَّاء والغَمَر٥
إن لم تداركهم نعماء تنشرها
يا أرجح الناس حلما حين يختبر٦
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك تملأه من مخضها الدرر٧
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر٨
لاتجعلنا كمن شالت نعماته
واستبق منه فإنا معشر زهر٩
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر١٠
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص (٤٤١) وعلى أنه يكنى أبا صرد أيضًا. ٢ في المعجم الكبير: "وذهب يفرق الشبان والسبي". والظاهر أنه خطأ؛ لأن الشبان من جملة السبي. ٣ أمنن: بهمزة مضمومة فميم ساكنة فنون مضمومة فأخرى ساكنة، أي: أحسن إلينا من غير طلب ثواب ولا جزاء. (ورسول الله) منادى بحرف نداء محذوف، (والمرء) بفتح الميم وبالراء والهمزة (وأل) لاستغراق أفراد الجنس أي أنت المرء الجامع للصفات المحمودة المتفرقة في الرجال. (بيضة) أهل العشيرة، و(غير) بكسر المعجمة وفتح الياء: تغير حال وانتقالها من صلاح لفساد. (الدهر) نصب معمول (أبقت)، (وهتافا) بفتح الهاء وفوقية وفاء أي ذا هتف أي صوت مشتمل على (حزن) بفتحتين. (والغماء) بفتح المعجمة وشد الميم أي الحزن لأنه يغطي السرور. (والغمر) بفتح المعجمة وتكسر وميم مفتوحة وراء: الحقد. (إن لم تداركهم نعماء تنشرها) عليهم هلكوا فجواب إن محذوف أو شرط في (أبقيت) فلا حذف. (ترضعها) بفتح الفوقية: و(مخضها) بفتح الميم وسكون المعجمة: لبنها الخالص، و(الدرر) بكسر المهملة وفتح الراء الأولى: كثرة اللبن وسيلانه جمع درة. (يزينك) بفتح الياء وكسر الزاي، و(تذر) أي تترك. (شرح المواهب اللدنية ٤/٤-٥) (لاتجعلنا) بتشديد النون، و(شالت) ارتفعت، (والنعامة) باطن القدم، ومعنى شالت نعامته أي هلك. (وزهر) بضمتين. والأزهر من الرجال: الأبيض النير الحسن وهو أحسن البياض كأنه له بريقا (اللسان ٥/٤٣٠) . ١٠ "النعماء" بفتح النون وإسكان العين وميم والمد: النعمة. (إذ كفرت) بالبناء للمجهول، وكفران النعمة: جحدها وسترها وعدم الاعتراف بها لمسديها، و(مدخر) بميم مضمومة فمهملة مشددة فمعجمة مفتوحتين فراء.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
فألبس العفو من قد كنت ترضعه من أمهاتك إن العفو مشتهر١
يا خير من مرحت كمت الجياد له عند الهياج إذا ما استوقد الشرر٢
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه هذى البرية إذ تعفو وتنتصر٣
فاعفو عفا الله عما أنت راهبه يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر٤
قال: فلما سمع النبي ﷺ هذا الشعر، قال ﷺ: "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". وقالت قريش: "ما كان لنا فهو لله ولرسوله"، وقالت الأنصار: "ما كان لنا فهو لله ولرسوله". لم يرو عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد. تفرد به عبيد الله٥.
ومن طريقه رواه الخطيب في تاريخه٦.
_________________
(١) (فألبس) بفتح الهمزة وكسر الموحدة، (إن العفو مشتهر) أي حسنه بين الناس. (مرحت) بفتح الميم والراء والحاء المهملة: نشطت و(كمت) بضم الكاف وسكون الميم وفوقية جمع كميت و(الجياد) بكسر الجيم و(الهياج) بكسر الهاء وخفة التحتية وجيم: القتال، والكميت من الخيل بين الأسود والأحمر. (انظر: المصباح المنير ٢/٦٥٤-٦٥٥) . (نؤمل) نرجو، و(تلبسه) بضم الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة، (هذى البرية) إشارة للنسوة التي طلب العفو عنهن. ووقع في المعجم الكبير للطبراني: (هادي البرية) بهاء ودال مهملة وهو منادي أي يا هادي البرية، (إذ تعفو وتنتصر) أي فتجمع بين الحسنين النصر والعفو. (فاعفو) بواو الإشباع أو حكي لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح. وفي المعجم الكبير للطبراني "فاعف" بحذف الواو و(راهبه) بموحدة أي خائفة، والظفر: الفوز (شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٤/٥) . وقد وردت بعض هذه الأبيات من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند الطبراني في المعجم الكبير ٥/٣١٢ من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، والبيهقي في الدلائل ٣/٥٤-٥٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق. وساق السهيلي هذه الأبيات في الروض الأنف ٧/٢٨٠. ثم قال: لم يذكر ابن إسحاق شعر زهير في النبي ﷺ يوم حنين في رواية البكائي، وذكره في رواية إبراهيم بن سعد عنه. قلت: "وهذه الرواية ساقها ابن عبد البر في الاستيعاب ١/٥٧٥-٥٧٧ مع الإصابة من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق". ٥ المعجم الصغير: ١/٢٣٦-٢٣٧. والكبير: ٥/٣١١-٣١٢. والأوسط ٢/٢٤٤ رقم ٧٧ "مجمع البحرين". ٦ تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي٧/١٠٥-١٠٦.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
قال الهيثمي: "رواه الطبراني في ثلاثة، وفيه من لم أعرفهم"١.
والحديث أعله الذهبي بالجهالة، والانقطاع، أما الجهالة: فقد قال عن عبيد الله بأنه لم يعرف فيه جرحا ولا تعديلا، وقال عن زياد بأنه نكرة لا يعرف.
وأما الانقطاع فقد قال في أثناء ترجمة عبيد الله: ثم رأيت الحديث الذي رواه، له علة قادحة.
قال أبو عمر بن عبد البر في شعر زهير: "رواه عبيد الله بن رماحس عن زياد بن طارق، عن زياد بن صرد بن زهير، عن أبيه، عن جده زهير ابن صرد، فعمد عبيد الله إلى الإسناد وأسقط رجلين منه، وما قنع بذلك حتى صرح بأن زياد بن طارق قال حدثني زهير، كذا في معجم الطبراني وغيره بإسقاط اثنين من سنده"٢.
ورد هذا ابن حجر فقد نقل قول الذهبي هذا، ثم قال: "وهذا الذي قاله المؤلف٣ تحكم لا دليل له عليه ولا له فيما حكاه عن ابن عبد البر ترجمة قائمة".
وسياقه يقتضي أن هذا كلّه كلام ابن عبد البر، وليس كذلك، بل من قوله، فعمد عبيد الله إلى آخر الترجمة، قاله المؤلف من عند نفسه بانيا على صحة ما حكاه ابن عبد البر.
ثم ساق ابن حجر بإسناده إلى كتاب "الاستيعاب" لابن عبد البر أنه قال: "زهير بن صرد الجشمي السعدى من بني سعد بن بكر وقيل يكنى أبا جرول كان رئيس قومه وقدم على رسول الله ﷺ في وفد هوزان إذ فزع من حنين فساق أبو عمر القصة، ثم أسندها من طريق ابن إسحاق، ثم قال في آخره إلا أن في الشعر بيتين لم يذكرهما محمد بن إسحاق في حديثه، وذكرهما عبيد الله بن رماحس عن زياد بن طارق عن زياد بن صرد بن زهير بن صرد عن أبيه عن جده زهير بن صرد أبي جرول أنه حدثه هذا الحديث" انتهى كلام ابن عبد البر.
ثم قال ابن حجر: "فهذا كما تراه حكاه ابن عبد البر مرسلا ولم يسق إسناده إلى
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٨٦-١٨٧. ٢ ميزان الاعتدال ٣/٦. ٣ يريد الذهبي.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
عبيد الله بن رماحس حتى يعلمثم قال: والحديث رواه عن عبيد الله الستة١ الذين ذكرهم المؤلف٢، وأبو بكر محمد ن أحمد بن محمويه العسكرية وأبو الحسين أحمد بن زكريا، وعبيد الله بن علي بن خواص، فهؤلاء عدد من الثقات رووه عن عبيد الله بن رماحس أنه قال: حدثنا زياد قال سمعت أبا جرول زهير بن الصرد، فالظاهر أن قولهم أولى بالصواب، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد لا سيما وهو لم يسم.
ثم أورد ابن حجر عدة طرق لهذا الحديث عن الطبراني وغيره من العلماء كلها تدور على عبيد الله بن رماحس، ثم قال في نهاية تلك الطرق فكملت ذلك عندي عدة من رواه عن عبيد الله بن رماحس غير الطبراني أربعة عشر نفسا".
ثم قال: "فالحديث حسن الإسناد، لأن راوييه مستوران لم يتحقق أهليتهما ولم يجرحا، ولحديثهما شاهد قوي٣، وصرحا بالسماع، وأما رميا بالتدليس لا سيما تدليس التسوية الذي هو أفحش أنواع التدليس، إلا في القول الذي حكيناه آنفا عن ابن عبد البر، ولا يثبت ذلك إن شاء الله".اهـ. كلام ابن حجر بتصرف٤.
وخلاصة القول في هذا أن ابن حجر يرى أن الحديث متصل وأنه من ثلاثيات الطبراني٥ وهو حسن بالمتابعة، وأن ما قاله ابن عبد البر عن هذا الحديث بأنه منقطع قول بدون برهان. وأن ما بناه الذهبي على قول ابن عبد البر في تضعيف هذا الحديث غير سديد.
ما رواه ابن سعد والطبري من مرسل سعيد بن المسيب وهذا سياقه عند الطبري: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا
_________________
(١) ١ انظر حديث (٢١٠) تعليقه (٥) ص ٤٤٤. ٢ يريد الذهبي. ٣ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن إسحاق انظر ص ٤٤١-٤٤٤. (لسان الميزان ٤/٩٩-١٠٤ وفتح الباري ٨/٣٤ والإصابة ١/٥٥٣ والاستيعاب ١/٥٧٥-٥٧٧ مع الإصابة، والمواهب اللدنية ١/٢٣٤-٢٣٥، وشرح المواهب ٤/٤-٦) . ٥ أي أن بينه وبين النبي ﷺ فيه ثلاثة أنفس.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وأموالنا، فقال النبي ﷺ: "إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذَرَارِيَّكم، ونساءكم، وإما أموالكم"، قالوا: ما كان نعدل بالأحساب شيئا.
فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده منهم شيء، فطابت نفسه أن يرده فليفعل ذلك، ومن لا، فليعطنا، وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه"، فقالوا: يا نبي الله رضينا وسلمنا، فقال: "إني لا أدري، لعل منكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا" فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا ١.
والحديث رواه عبد الرزاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير غير أنه فصل قول كل واحد عن الآخر، وهذا سياقه:
فقال: قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ سبى يومئذ ستة آلاف سبي من امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله ﷺ: أبا سفيان بن حرب.
ثم قال: قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير قال لما رجعت هوزان إلى رسول الله ﷺ قالوا: أنت أبر الناس وأوصلهم، وقد سبي أموالنا ونساؤنا، وأخذت أموالنا، فقال رسول الله ﷺ: "إني كنت استأنيت بكم ومعي من ترون، وأحب القول إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما المال، وإما السبي" فقالوا: "يا رسول الله: أما إذا خيرتنا بين المال وبين الحسب، فإنا نختار الحسب- أو قال: ما كنا نعدل بالحسب شيئا – فاختاروا نسائهم وأبناءهم، فقام رسول الله ﷺ وخطب في المسلمين، "فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا مسلمين، أو مستسلمين وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب، وإني قد رأيت أن تردوا إليهم أبناءهم ونساءهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكتب علينا حصته من ذلك حتى نعطيه من بعض ما يفيئه الله علينا فليفعل، قال: فقال المسلمون: طيبنا ذلك لرسول الله ﷺ، قال: إني لا أدري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فأمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا،
_________________
(١) ١ جامع البيان ١٠/١٠٢، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٥. وتقدم برقم (١٠٧) .
[ ٢ / ٤٦١ ]
فلما رفعت العرفاء إلى رسول الله ﷺ أن الناس قد سلموا ذلك وأذنوا فيه، رد رسول الله ﷺ إلى هوزان نساءهم وأبناءهم وخير رسول الله ﷺ نساء كان أعطاهن رجالا من قريش بين أن يلبثن عند من عنده، وبين يرجعن إلى أهلن".
قال الزهري: "فبلغني أن امرأة منهم كانت تحت عبد الرحمن بن عوف فخيرت فاختارت أن ترجع إلى أهلها وتركت عبد الرحمن، وكان معجبا بها، وأخرى عند صفوان بن أمية فاختارت أهلها".
قال الزهري: "فأخبرني سعيد بن المسيب قال: قسم رسول الله ﷺ ما قسم بين المسلمين ثم اعتمر من الجعرانة بعد ما قفل من غزوة حنين، ثم انطلق إلى المدينة، ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة١. ما رواه ابن أبي شيبة من مرسل عبد الله بن عبيد وهذا سياقه:
٢١١- حدثنا عبيد الله٢ بن موسى قال: أنا موسى٣ عن أخيه عبد الله٤ بن عبيد أن نفرا من هوزان جاءوا بعد الوقعة، فقالوا: يا رسول الله إنا نرغب في رسول الله ﷺ، قال: في أي ذلك ترغبون أفي الحسب أم في المال؟
قالوا: بل في الحسب والأمهات والبنات، وأما المال فسيرزقنا الله، قال: أما أنا فأرد ما في يدي وأيدي بني هاشم من عورتكم، وأما الناس فسأشفع لكم إليهم، إذا صليت إن شاء الله، فقوموا وقولوا كذا وكذا، فعلمهم ما يقولون، ففعلوا ما أمرهم به، وشفع لهم ولم يبق أحد من المسلمين إلا رد ما في يده من عورتهم غير الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، امسكا الأموال التي في أيديهما ٥.
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق ٥/٣٨٠-٣٨٢. المشهور أن الأمير على تلك الحجة كان عتاب بن أسيد. انظر تفسير ابن كثير ٢/٣٣٢ وص (٧٢٣) . ٢ عبيد الله بن موسى بن أبي المختار تقدم في حديث (٧٠) . ٣ موسى بن عبيدة - بضم أوله - ابن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتح الراء والموحدة ثم المعجمة، أبو عبد العزيز المدني، ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدا من صغار السادسة (ت١٥٣) / ت ق. (التقريب ٢/٢٨٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٣٥٦-٣٦٠) . ٤ عبد الله بن عبيدة بن نشيط، أخو الذي قبله ثقة من الرابعة قتلته الخوارج بقديد سنة (١٣٠) / خ (التقريب ١/٤٣١ وتهذيب التهذيب ٥/٣٠٩) . ٥ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٩١ب.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
والحديث مرسل، وفيه موسى بن عبيد وهو ضعيف.
وهذه الآثار يقوي بعضها بعضًا وتعتضد بالأحاديث السابقة واللاحقة.
ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر في إعطاء عمر بن الخطاب جارية من سبي هوزان وهذا سياقه:
٢١٢- حدثني أبو طاهر١ أخبرنا عبد الله بن وهب حدثنا جرير ابن حازم أن أيوب٢ حدثه أن نافعا حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام فكيف ترى؟ قال: "اذهب فاعتكف يوما" ٣. قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون أعتقنا رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقالوا: أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس. فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارة فخل سبيلها ٤.
والحديث رواه البخاري من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم الجاهلية، الحديث وفيه: "قال: وأصاب عمر جاريتين٥ من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال فمن رسول الله ﷺ على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا؟
_________________
(١) ١ أبو طاهر: هو أحمد بن عمرو بن السرح - بمهملات - المصري التهذيب ١/٦٤. ٢ هو أيوب السختياني (تهذيب التهذيب ١/٣٩٧ و١٠/٤١٣) . ٣ سياتي الكلام على نذر عمر الإعتكاف في الأحكام تحت حديث (٢٧١) ص ٦١٨. ٤ مسلم: الصحيح ٣/١٢٧٧ كتاب الإيمان: باب النذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦/٣٣٨ من طريق الحسن بن سفيان ثنا أبو طاهر ثنا ابن وهب ثنا جرير بن حازم به. ثم قال: "رواه مسلم في الصحيح عن أبي طاهر واستشهد به البخاري". ٥ في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ أعطاه جارية فقط، قال ابن حجر: "يجمع بين الروايات بأن عمر أعطى إحدى جاريتيه ابنه عبد الله بن عمر، كما هو في رواية ابن إسحاق" (فتح الباري٨/٣٦) وانظر رواية ابن إسحاق حديث (٢١٣) ص٤٥٥.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
فقال: "من رسول الله ﷺ على السبي، قال: اذهب فأرسل الجاريتين". الحديث١.
فقد روى الحديث هنا مرسلا بإسقاط ابن عمر، ثم قال: ورواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في النذر.
ثم أعاد حديث حماد بن زيد في المغازي مرسلا أيضا ثم اتبعه برواية معمر عن أيوب موصولا، ولكن في قصة النذر فقط.
ثم قال: وقال بعضهم: حماد٢ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر.
ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم٣ اهـ.
قال ابن حجر: "كذا رواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع مرسلا ليس فيه ابن عمر، وسيأتي في المغازي أن البخاري نقل أن بعضهم٤ رواه عن حماد بن زيد موصولا، وهو عند مسلم وابن خزيمة لكن في القصة الثالثة المتعلقة بعمرة الجعرانة، لا في جميع الحديث"٥.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٤/٧٤ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه والحديث اشتمل على ثلاث مسائل: نذر عمر بن الخطاب الاعتكاف في الجاهلية، واعطاه جاريتين من سبي هوزان، وعمرة رسول الله ﷺ مكن الجعرانة. ٢ حماد: هنا هو ابن زيد، فإنه ذكر عقبه رواية حماد بن سلمة وهي مخالفة لسياقه. (فتح الباري ٨/٣٥) . ٣ البخاري: الصحيح ٥/١٢٧ كتاب المغازي، باب ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا إلخ. وانظر سياق الحديث تحت رقم (٢٧١) . ورواه مسلم في الصحيح ٣/١٢٧٨ كتاب الإيمان، باب نذر الكافر وما فيه إذا سلم عقب رواية جرير بن حازم من طريق عبد الرزاق عن معمر به، وقال: اعتكاف يوم، ثم ذكر بمعنى حديث جرير بن حازم. ورواه أحمد في مسنده ٢/٣٥ عن عبد الرزاق عن معمر به ولفظه: "قال: لما قفل النبي ﷺ من حنين سأل عمر عن نذر كان نذره في الجاهلية، اعتكاف يوم فأمره به، فانطلق عمر بين يديه، قال: وبعث معي بجارية كان أصابها يوم حنين، قال: فجعلتاها في بعض بيوت الأعراب حين نزلت فإذا أنا بسبي حنين قد خرجوا يسعون ويقولون: أعتقنا رسول الله ﷺ قال: فقال عمر لعبد الله: اذهب فأرسلها، قال: فذهبت فأرسلتها". ٤ هذا البعض المبهم هو أحمد بن عبدة الضبي، انظر ص (٤٥٤) . ٥ رواه مسلم في الصحيح ٣/١٢٧٨ كتاب الأيمان، باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم، وابن خزيمة في صحيحه ٣/٣٤٧ كلاهما عن أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها، قال: وكان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية. ثم ذكر نحو حديث جرير بن حازم ومعمر عن أيوب، لفظ مسلم.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وذكر هنا١ أن معمرا وصله أيضا عن أيوب، ورواية معمر وصلها في المغازي وهو في قصة النذر فقط٢.
وذكر في المغازي أيضا أن حماد بن سلمة رواه موصولا٣، وهو أيضا في النذر فقط.
وقال في المغازي هكذا ذكر البخاري حديث حماد بن زيد عن أيوب مرسلا مختصرا، ثم عقبه برواية معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولا تاما.
وقد عاب الإسماعيلي جمعهما٤ لأن قوله: "لما قفلنا من حنين" لم يقع في رواية حماد بن زيد أي الرواية الأولى المرسلة.
والجواب أن البخاري إنما نظر إلى أصل الحديث لا إلى النقص والزيادة في ألفاظ الرواة.
وإنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن روايته مرجوحة، لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فيه فوصلوه، بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه عنه موصولا٥، كما أشار إليه البخاري أيضًا هنا٦.
على أن رواية حماد بن زيد وإن لم يقع فيها ذكر القفول من حنين صريحا لكنه فيها ضمنا كما سأبينه، وقد وقع في رواية بعضهم، ما ليس عند معمر أيضا مما هو ادخل في المقصود الباب كما سأبينه، فأما بقية اللفظ الرواية الأولى٧ فقد ساقها في فرض
_________________
(١) ١ يريد في كتاب فرض الخمس ٤/٧٤. ٢ انظر: الرواية في تعليقه (٣) من ص ٤٥٢. ٣ وراوية حماد بن سلمة أخرجها أحمد في مسنده ٢/١٥٣. فقال حدثنا عبد الصمد وعفان قالا: ثنا حماد بن سلمة أنا أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁: سأل رسول الله ﷺ بالجعرانة فقال: "إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام". قال عبد الصمد: "ومعه غلام من سبي هوزان فقال له: اذهب فاعتكف، فذهب فاعتكف فبينما هو يصلي إذ سمع الناس يقولون: أعتق رسول الله سبي هوزان، فدعا الغلام فأعتقه. ٤ يعني رواية حماد بن زيد ورواية معمر. ٥ هو أحمد بن عبدة الضبي، انظر ص ٤٥٢ تعليقة (٤) . ٦ يريد في المغازي. ٧ يريد رواية حماد بن زيد.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الخمس بلفظ "أن عمر قال لرسول الله - ﷺ -: أنه كان عليَّ اعتكاف ليلة١ في الجاهلية فأمره أن يفي به.
قال: "وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة". الحديث.
وكذا أورده الإسماعيلي٢ من طريق سليمان٣ بن حرب وأبي ربيع الزهراني وخلف بن هشام كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع "أن عمر كان عليه اعتكاف ليلة في الجاهلية، فلما نزل النبي ﷺ بالجعرانة سأله عنه، فأمره أن يعتكف" لفظ أبي الربيع.
ثم قال ابن حجر: قلت: "وكان نزول النبي ﷺ بالجعرانة بعد رجوعه من الطائف بالاتفاق، وكذا سبي حنين إنما قسم بعد الرجوع منها، فاتحدت رواية حماد بن زيد ومعمر معنى، وظهر رد ما اعترض به الإسماعيلي".
وأما رواية من رواه عن حماد بن زيد موصولا فأشار إليه البخاري بقوله: "وقال بعضهم عن حماد إلخ" فالمراد بحماد بن زيد، فإنه ذكر عقبه رواية حماد بن سلمة وهي مخالفة لسياقه٤.
والمراد بالبعض المبهم: أحمد بن عبدة الضبي، كذلك أخرجه الإسماعيلي من طريقه فقال: أخبرني القاسم هو ابن زكريا حدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "كان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي - ﷺ - فأمره أن يفي به".
وكذا أخرجه مسلم وابن خزيمة٥ عن أحمد بن عبدة وذكرا فيه إنكار ابن عمر عمرة الجعرانة، ولم يسق مسلم لفظه٦.
_________________
(١) ١ لفظ الحديث "اعتكاف يوم". ٢ الإسماعيلي: هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، تقدم ٣ سليمان بن حرب الأزدي، الواشحي - بمعجمة ثم مهملة - البصري ثقة إمام حافظ، وأبو ربيع الزهراني هو: سليمان بن داود العتكي ثقة، وخلف بن هشام بن ثعلب البغدادي المقري ثقة (انظر تهذيب التهذيب ٣/١٥٦ و٤/١٧٨ و١٩٠، والتقريب ١/٢٢٦ و٣٢٢ و٣٢٤) . ٤ رواية حماد بن سلمة عند أحمد انظر ص ٤٥٣ تعليقه (٣) . ٥ انظر: الرواية في ص ٤٥٣ تعليقة (١) . ٦ فتح الباري ٦/٢٥٢-٢٥٣ و٨/٣٥-٣٦.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وفي هدي الساري قال: قال الدارقطني حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر أصاب جاريتين من سبي حنين، وفي أوله أن عمر قال: نذرت نذرا هكذا أخرجه مرسلا.
ووصل حديث النذر حماد بن سلمة وجرير بن حازم وجماعة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر وهو صحيح.
ووصل حديث الجاريتين جرير بن حازم عن أيوب وقول حماد أصح١.
ثم عقب ابن حجر على هذا فقال: قلت: "إذا صح أصل الحديث صح قول من وصله وقد بين البخاري الخلاف فيه، وقد قدمناه أنه في مثل هذا يعتمد على القرائن والله الموفق"٢.اهـ.
ما أخرجه أحمد والطبري من طريق ابن إسحاق وهذا لفظ أحمد:
٢١٣- حدثنا يعقوب٣ ثنا أبي٤ عن ابن إسحاق حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: "أعطى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب جارية من سبي هوزان فوهبها لي فبعثت بها إلى أخوالي من بني جمح٥ ليصلحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها٦ إذا رجعت إليها، قال: فخرجت من المسجد حين فرغت فإذا الناس يشتدون فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: رد علينا رسول الله ﷺ أبناءنا ونساءنا، قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح فاذهبوا فخذوها، فذهبوا فأخذوها ٧.
والحديث في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق لكن ذكر قبله مرسل أبي وجزة السعدي ثم ذكر عقبه حديث عبد الله بن عمر، فقال: وحدثني أبو وجزة٨ يزيد بن
_________________
(١) ١ يعني الإرسال. وحماد: يعني ابن زيد. ٢ هدي الساري ص٣٦٤ ٣ هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. ٤ هو إبراهيم بن سعد. ٥ جمح: بضم الجيم وفتح الميم وفي آخره حاء مهملة هو: جمح بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النصر (اللباب في تهذيب الأنساب ١/٢٩١) . ٦ أن أطأها بملك اليمين. ٧ مسند أحمد ٢/٦٩ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٨. ٨ ثقة تقدم في حديث (١٢٢) .
[ ٢ / ٤٦٧ ]
عبيد السعدي: أن رسول الله ﷺ أعطى علي بن أبي طالب ﵁ جارية، يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر، وأعطى عثمان بن عفان جارية، يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر بن الخطاب جارية فوهبها لعبد الله بن عمر ابنه.
ثم قال ابن إسحاق: "فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: "بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح" الحديث١.
قال ابن إسحاق: "وأما عيينة بن حصن، فأخذ عجوزا من عجائز هوزان، وقال حين أخذها: أرى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها.
فلما رد رسول الله ﷺ السبايا بست فرائض، أبى أن يردها، فقال له زهير أبو صرد: خذها عنك، فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد٢، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد٣، ولا درها بماكد٤، فردها بست فرائض حين قال هل زهير ما قال: "فزعموا أن عيينة لقي الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك فقال: إنك والله ما أخذتها بيضاء٥ غريرة، ولا نصفا وثيرة".
وقال رسول الله ﷺ لوفد هوزان، وسألهم عن مالك بن عوف٦ ما فعل؟ فقالوا هو في الطائف مع ثقيف، فقال رسول الله ﷺ: "أخبروا مالكًا أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل"، فأتى مالكا بذلك، فخرج إليه من
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٠ وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٨٧ والروض الأنف للسهيلي٧/٢٤٣ ودلائل النبوة للبيهقي ٣/٥٥ ب. (ولا ثديها بناهد) أي مرتفع يقال نهد الثدي، إذا ارتفع عن الصدر وصار له حجم. (بواجد) أي: أن زوجها لا يحزن عليها إذا ذهبت لأنها عجوز لا ولد فيها ومع ذلك فهي سيلطة اللسان فهو لا يحبها. (ولا درها بماكد) أي دائم، والموكد: التي يدوم لبناها ولا ينقطع. (بيضاء غريرة) الغريرة هي الشابة الحديثة التي لم تجرب الأمور (ولا نصفا وثيرة) النصف بالتحريك: المرأة بين الحداثة والمسنة، والوثيرة من النساء السمينة. (النهاية لابن الأثير ٣/٣٥٥ و٤/٣٤٨-٣٤٩ و٥/١٣٥ و١٥٦، الروض الأنف للسهيلي ٧/٢٨٤ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٢/١٥٢، و٣/٢٠٠. ٦ هو رئيس هوزان في غزوة حنين.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الطائف، وقد كان مالكا خاف ثقيف على نفسه أن يعملوا أن رسول الله ﷺ قال له ما قال، فيحبسوه فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له، فأتى به إلى الطائف، فخرج ليلا، فجلس على فرسه، فركض حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس، فركبها، فلحق برسول الله ﷺ، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، فأسلم فحسن إسلامه.
فقال مالك بن عوف حين أسلم:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجْتُدِى١ ومتى تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالسِّمَهْرِيّ وضرب كل مهند٢
فكأنه ليث على أشباله وسط الهَباء خادر في مرصد٣
فاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وتلك القبائل: ثمالة، وسلمة٤، وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم.
_________________
(١) ١ إذا اجتدي: أي إذا طلب منه شيء. ٢ عردت أنيابها: قويت واشتدت، والسمهري: الرمح والمهند السيف. ٣ الهباءة: الغبار يثور عند اشتداد الحرب، والخادر: الأسد في عرينه، وهو حينئذ أشد ما يكون بأسا على أشباله، يصفه بالقوة، والمرصد: المكان يرقب منه، يصفه باليقظة. (القاموس المحيط ١/٢٩٤ و٣١٣ و٣٤٩ و٢/١٨ و٥٢ و٤/٤٠٢) . ٤ قال السهيلي: "هكذا تقيد في النسخة (سلمة) بكسر اللام، والمعروف من قبائل قيس: سلمة بالفتح إلا أن يكون من الأزد، فإن ثمالة المذكورين معهم حي من الأزد، وفهم من دوس، وهم من الأزد أيضًا". وأمهم: جديلة وهي من غطفان بن قيس بن عيلان، على أنه لا يعرف من الأزد سلمة بكسر اللام في الأنصار، وهم من الأزد، (الروض الأنف ٧/٢٨٥-٢٨٦) . وثمالة: بضم الثاء المثلثة، اسمه عوف بن أسلم بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث. وفهم: هم فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. (اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٤٤٨ و١/٢٤١-٢٤٢ و٢٦٣) .
[ ٢ / ٤٦٩ ]
فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي:
هابت الأعداء جانبنا ثم تغزونا بني سلمة
وأتانا مالك بهم ناقضا للعهد والحرمة
وأتونا في منازلنا ولقد كنا أولى نقمة١
والحديث رواه الطبري عن ابن إسحاق دون شعر مالك بن عوف.
ثم قال في نهاية الحديث: "هذا آخر حديث أبي وجزة"٢.
فهو يشير إلى أن هذا الحديث رواه ابن إسحاق عن أبي وجزة ولكنه في سيرة ابن هشام وكذا عند الطبري فصل بين حديث أبي وجزة بحديث عبد الله بن عمر، فالقسم الأول من حديث أبي وجزة إلى وأعطى عمر بن الخطاب جارية، فوهبها لعبد الله بن عمر.
وتمامه: وأما عيينة بن حصن الخ.
وعلى هذا فالحديث مرسل فإن أبا وجزة من صغار التابعين فقد ذكره ابن حجر في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين٣.
والأحاديث المتقدمة تدل على أن رسول الله ﷺ أخر قسم الغنائم بعد انصرافه عن الطائف ووصوله إلى الجعرانة بضع عشرة ليلة ثم وزع الغنائم بعد ذلك، ثم قدمت عليه وفود هوزان بعد أن تم توزيع السبايا والأموال بين المسلمين.
فسألوا رسول الله ﷺ أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فأجابهم رسول ﷺ إلى أن يرد إليهم إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، فاختاروا سبيهم، فرده عليهم بعد أن استطاب نفوس المسلمين في ذلك٤.
كما تدل الأحاديث أيضا على جواز استرقاق العرب كغيرهم من سائر الكفار من الأعاجم من يهود ونصارى وغير ذلك، وهو قول جمهور العلماء.
وقد أشرت إلى هذه المسألة في رسالتي غزوة بني المصطلق٥ فلا حاجة إلى إعادة القول في هذه المسألة هنا.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٠-٤٩٢. الروض الأنف ٧/٢٤٣-٢٤٥. ٢ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٧-٨٩. ٣ انظر: التقريب (٢/٣٦٨، و١/٥) . ٤ انظر: ص: (٣٧٣) . ٥ ص: (٣٥٩-٣٦٢) .
[ ٢ / ٤٧٠ ]
المبحث الثاني: في إيفاد ثقيف جماعة منهم إلى المدينة للتفاوض مع الرسول ﷺ
كان من أمر ثقيف أنّ رسول الله ﷺ لما حاصر الطائف واستعصت عليه انصرف عنها إلى الجعرانة، فطلب منه الصحابة أن يدعوا على ثقيف.
فقال: "اللهم اهد ثقيفا".
وفي لفظ: "اللهم اهد ثقيفا واكفنا مؤنتهم".
وعند الواقدي: "اللهم اهد ثقيفا وأت بهم" ١.
وقد سبق إسلام مالك بن عوف النصري الذي كان فيه إضعاف لمعنويات ثقيف حيث صار مالكا جنديا من جنود الإسلام فضايق ثقيفا وشدد عليها، حتى وصف أبو محجن الثقفي هذا الفعل من مالك بأنه نقض للذي كان بينهم وبينه ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم٢، واستاءت ثقيف لذلك وصار الأمر يزداد عليها شدة يوما بعد يوم، فكان أول من فكر في خلاص ثقيف من هذه الأزمة التي كانوا هم السبب في إيجادها عروة بن مسعود الثقفي، فقد كان هو وسلمة بن غيلان بجرش يتعلمان صنعة العرادات والمنجنيق والدبابات، ولم يشهد حنينا ولا حاصر الطائف، وإنما قدما وقد انصرف رسول اله ﷺ عن الطائف، فنصبا المنجنيق والعارادات والدبابات وأعدا للقتال، ثم ألقى الله في قلب عروة الإسلام وغيره عما كان عليه٣.
وفيما يلي ما نقله ابن إسحاق في هذا الصدد قال:
٢١٤- وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف.
وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (١٧٠) وانظر مغازي الواقدي ٣/٩٣٧. ٢ انظر: "ص (٤٥٧) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٧٨ ومغازي الواقدي ٣/٩٦٠ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/٣١٢ و٥/٥٠٣ ودلائل النبوة لأبي نعيم ص ٤٦٦-٤٦٨) .
[ ٢ / ٤٧١ ]
مسعود الثقفي، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ - كما يتحدث قومه - إنهم قاتلوك، وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة١ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: "يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم٢.
-وكان فيهم كذلك محببا مطاعا - فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه، لمنتزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية٣ له، وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجلا منهم، يقال له أوس بن عوف٤، أخو بني سالم بن مالك.
وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم، من بني عتاب بن مالك، يقال له وهب بن جابر٥".
فقيل لعروة: "ما ترى في دمك؟ " قال: "كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم٦ فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه:
_________________
(١) ١ نخوة الامتناع: "أي كبر وعجب، وأنفة وحمية (النهاية ٥/٣٤) . ٢ قال ابن هشام: "ويقال من أبصارهم". ٣ العلية: "بضم العين وكسرها وتشديد التحتية: "الغرفة". وعند الواقدي وابن سعد "حتى إذا طلعت الفجر أوفى على غرفة فأذن بالصلاة". (القاموس المحيط٤/٣٦٦ ومختار الصحاح ص٤٥٣ وشرح المواهب اللدنية٤/٧) . ٤ أوس بن عوف بن جابر بن سفيان بن عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط من جشم بن ثقيف، كذا نسبه ابن حبان في الصحابة، وقال: "كان في وفد ثقيف"، وزعم أبو نعيم: "أنه: "هو أوس بن حذيفة، نسب إلى عوف أحد أجداداه، وليس كذلك لاختلاف النسبين، وعند الدارمي أن قاتله: "أوس بن أبي أوس الثقفي وأوس ابن أبي أوس هو أوس بن حذيفة"، وانظر ترجمة أوس والخلاف في ذلك في حديث (٢٢١) ص ٤٧٢ و(الإصابة ١/٨٦ وأسد الغابة ١/١٧٤) . وقال الواقدي: "والأثبت عندنا أن قاتله أوس بن عوف" (المغازي ٣/٩٦١، وطبقات ابن سعد ٥/٥١٠. ٥ في شرح المواهب ٤/٧: "وهب بن جارية". ٦ وعند ابن سعد "فرماه رجل من بني مالك يقال له أوس بن عوف، فأصاب أكحله فلم يرقأ دمه، وقام غيلان بن سلمة وكنانة بن عبد ياليل والحكم بن عمرو بن وهب ووجوه الأحلاف، فلبسوا السلاح وحشدوا، فلما رأى عروة ذلك"، قال: "قد تصدقت بدمي على صاحبه لأصلح بذلك بينكم، وهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي"، وقال: "ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ" (الطبقات الكبرى ١/٣١٢و٥/٤٠٥) .
[ ٢ / ٤٧٢ ]
"إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين١ في قومه" ٢.
هكذا ساقه ذلك ابن إسحاق بدون سند، وذكر أن عروة بن مسعود أدرك رسول الله ﷺ قبل أن يدخل المدينة.
قال ابن كثير: "هكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة بن مسعود ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق". وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد". والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق٣.
وذكره ابن حجر والزرقاني عن موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود عن عروة بن الزبير٤.
وأورده الهيثمي في المجمع فقال:
٢١٥- وعن عروة بن الزبير قال: "لما أنشأ الناس الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على رسول الله ﷺ فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ: "إني أخاف أن يقتلوك"، قال: "لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه مسلمًا فرجع عشاءا فجاء ثقيف يحيونه، فدعاهم إلى الإسلام، فاتهموه وأغضبوه وأسمعوه٥، فقتلوه، فقال رسول الله ﷺ: "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه". ثم قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وروى عن الزهري نحوه، وكلاهما مرسل وإسنادهما حسن"٦.
_________________
(١) ١ قال السهيلي: "قوله: "كمثل صاحب ياسين في قومه". يحتمل أن يريد به المذكور في سورة ياسين، الذي قال لقومه: " (اتبعوا المرسلين) فقتله قومه، واسمه حبيب بن مري، ويحتمل أن يريد صاحب الياس، وهو اليسع، فإن إلياس يقال في اسمه ياسين أيضا". (الروض الأنف ٧/٣٧١) . (سيرة ابن هشام ٢/٥٣٧-٣٣٨ والروض الأنف ٧/٣٣١-٣٣٢ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٩٦) . (البداية والنهاية ٥/٢٩ ودلائل النبوة للبيهقي ٣/٧٤ب) . (الإصابة٢/٤٧٧ وشرح المواهب٤/٦ والمعجم الكبير للطبراني١٧/١٤٧-١٤٨) . ٥ في الإصابة: "فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصوه وأسمعوه من الأذى فلما كان من السحر قام على غرفة له فأذن فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله" وبه يظهر المعنى وكذا في المعجم الكبير للطبراني ١٧/١٤٨. ٦ مجمع الزوائد ٩/٣٨٦ والمعجم الكبير للطبراني ١٧/١٤٧-١٤٨ ودلائل النبوة للبيهقي ٣/٧٤، والخصائص الكبرى للسيوطي ٢/١٤٤-١٤٦".
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وذكر ابن سعد أن عروة قدم المدينة على رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة تسع من الهجرة، فأسلم فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، ونزل على أبي بكر الصديق، فلم يدعه المغيرة بن شعبة حتى حوله إليه١".
وقال الواقدي: "وهو الأثبت"٢.
وروى الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ قال:
٢١٦- حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبيدة بن فضيل بن عياض ثنا عبد الله٣ بن معاذ الصنعاني عن معمر٤ عن عثمان٥ الجزري عن مقسم٦ عن ابن عباس قال: "بعث رسول الله ﷺ عروة بن مسعود إلى الطائف، فرماه رجل بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ: " ما أشبه هذا بصاحب ياسين" ٧".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه أبو عبيدة٨ بن الفضيل وهو ضعيف"٩. وقد تداول هذه القصة أصحاب المغازي والسير في كتبهم".
ثم إن ثقيفا أقامت بعد قتل عروة بن مسعود أشهرا ثم تشاوروا فيما بينهم على نبذ الخلافات التي كانت بينهم، وعلى أن يتحدوا جميعا على أمر يأمنون فيه على
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٥٠٣". ٢ مغازي الواقدي ٣/٩٦١-٩٦٢". ٣ عبد الله بن نشيط - بفتح النون بعدها معجمة - الصنعاني، صاحب معمر، صدوق، تحامل عليه عبد الرزاق، من التاسعة (ت١٩٠) /ت ق (التقريب ١/٤٥٢ وفي تهذيب التهذيب ٦/٣٨ قال ابن حجر: "ذكر ابن خلفون أنه مات سنة (١٨١) . ٤ معمر: "هو ابن راشد (تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٣) . ٥ عثمان الجزري كذا في مجمع الزوائد وقد استدركه - حمدي عبد المجيد السلفي المحقق لمعجم الطبراني - على الهيثمي، بأنه مجهول". والذي وجدته أنا في شيوخ معمر وتلاميد مقسم هو (عبد الكريم الجزري) . انظر تهذيب التهذيب ٦/٣٧٣-٣٧٥، فالله أعلم". ٦ مقسم هو ابن بجرة ويقال: "ابن نجدة أبو القاسم صدوق يرسل تقدم في حديث (٧٥) . ٧ المعجم الكبير للطبراني ١١/٤٠٧-٤٠٨. ٨ قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/٥٤٩، "فيه لين"، وقال ابن الجوزي: "ضعيف"، وقد وثقه الدارقطني، فلا يلتفت إلى كلام ابن الجوزي". اهـ وساق ابن حجر كلام الذهبي هذا وزاد: "وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج حديثه في صحيحه وكذلك الحاكم ولم يذكره أحد ممن صنف في الضعفاء". ثم قال ابن حجر: "وسلف ابن الجوزي في تضعيف أبي عبيدة الجوزقاني" لسان الميزان ٧/٧٩". ٩ مجمع الزوائد٩/٣٨٦.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
أنفسهم وأموالهم وذلك بأن يبعثوا وفدا إلى رسول الله ﷺ للتفاوض معه على الدخول في الإسلام، وذلك أنهم تيقنوا أن لا طاقة لهم بحرب القبائل من حولهم وقد أسلمت وبايعت، وأخذ أمر الإسلام يعلو يوما بعد يوم، وأن دولة الأصنام قد أخذت طريقها في الأفول".
قال ابن إسحاق: "ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا".
٢١٧- حدثني يعقوب١ بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: "أن عمرو٢ بن أمية أخا بني علاج، كان مهاجرا لعبد بن عمرو (لشيء كان بينهم) ٣ - وكان عمرو بن أمية من أدهى العرب - فمشى إلى عبد ياليل ابن عمرو، حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك: "اخرج إلي، قال: "فقال عبد ياليل للرسول ويك! أعمرو أرسلك إلي؟ "
قال: "نعم، وها هو واقفا في دارك٤، فقال: "إن هذا لشيء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، فخرج إليه، فلما رآه رحب به فقال له عمرو: "إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه كان من أمر هذا الرجل٥ ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها٦، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم".
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في التقريب ٢/٣٧٦ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٢ وهو ثقة". ٢ قال ابن حجر: "له ذكر في مغازي ابن إسحاق لما أسلمت ثقيف، وأنه بنى عند مصلى رسول الله ﷺ بالطائف حيث كان يحاصرها مسجدا". وقد اختلف في اسمه ففي مختصر السيرة هكذا". وعند الأموي في المغازي عن ابن إسحاق أبو أمية بن عمرو بن وهب (الإصابة ٢/٥٢٤ و٤/١١) . وانظر ص ٢٨٣". ٣ ما بين القوسين من شرح المواهب ٤/٧ والذي في سيرة ابن هشام "الذي بينهما سيء" ولا يظهر منه المراد". ٤ عند الواقدي: "وكان عبد ياليل يحب صلحه ويكره أن يمشي إليه فقال عبد ياليل: "إن هذا شيء ما كنت أظنه بعمرو، وما هو إلا عن أمر قد حدث وكان أمرا سوءا ما لم يكن من ناحية محمد". ٥ يريد رسول الله ﷺ. ٦ عند الواقدي: "وقد أسلمت العرب كلها وليست لكم بهم طاقة، وإنما نحن في حصننا هذا، ما بقاؤنا فيه وهذه أطرافنا تصاب! ولا نأمل من أحد منا يخرج شبرا واحدا من حصننا هذا، فانظروا في أمركم! قال عبد ياليل: "قد والله رأيت ما رأيت، فما استطعت أن أتقدم بالذي تقدمت به، وإن الحزم والرأي الذي في يديك" (المغازي ٣/٩٦٢) .
[ ٢ / ٤٧٥ ]
فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينهما، وقال بعضهم لبعض: "أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب١، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا، كما أرسلوا عروة٢ فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وكان سن عروة٣ بن مسعود، وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: "لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل: "الحكم٤ بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل٥ بن غيلان بن سلمة ابن معتب٦".
ومن بني مالك: "عثمان٧ بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان، أخا بني يسار، وأوس٨ بن عوف، أخا بني سالم بن عوف ونمير٩ بن خرشة بن ربيعة١٠ أخا بني الحارث فخرج بهم عبد ياليل١١ وهو ناب١٢ القوم وصاحب أمرهم١٣، ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة ابن مسعود، لكي يشغل كل رجل منهم
_________________
(١) ١ وعند ابن كثير نقلا عن موسى بن عقبة قال: "كان الوفد بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل - وهو رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد (البداية والنهاية ٥/٣٠)، وهو أيضا قول الواقدي، وعد فيهم سفيان ابن عبد الله، وجعل رئيسهم وصاحب أمرهم (عبد ياليل) بدل كنانة ابن عبد ياليل) (المغازي للواقدي ٣/٩٦٣) . وعند ابن سعد أن الوفد السبعون رجلا من الأحلاف وبني مالك، فيهم عبد ياليل وابناه كنانة وربيعة، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة، والحكم بن وهب بن معتب، وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة بن ربيعة، وهؤلاء الستة رؤساؤهم". ثم قال: "وقال بعضهم: "كانوا جميعا بضعة عشرة رجلا، وهو أثبت (الطبقات الكبرى ١/٣١٣ و٥/٥١١) . ٢ كذا قال ابن إسحاق بأن عبد ياليل ممن وفد على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف وقال موسى بن عقبة وابن الكلبي وأبو عبيدة وغيرهم، إنما الذي وفد ابنه مسعود ابن عبد ياليل". قال ابن عبد البر: "وهو الصحيح" (أسد الغابة ٣/٥١٢) وقد ذكر ابن حجر عبد يايليل فمن غلط فيه من الصحابة فقال: "ذكره ابن حبان في الصحابة وقال: "كانت له صحبة وكان من الوفد، وقال غيره إنما هذا لولد مسعود". (الإصابة ٢/٤٣٢ و٣/١٥٨) . وقال الزرقاني: "لكن صاحب الإصابة وغيره ترجموا مسعود بن عمرو وقالوا: "إنه أخو عبد يايليل لابنه، ولم يذكروا لابنه ترجمة". (شرح المواهب ٤/٧) وانظر ترجمة مسعود بن عمرو (الإصابة ٣/٤١٢ و١/٣٠٧ في ترجمة أخيه حبيب". ٣ ناب القوم: "سيدهم (القاموس المحيط ١/١٣٥) . ٤ وعند الواقدي "وهو رأسهم وصاحب أمرهم، لكنه أحب أن يرجعوا أن يسهل كل رجل رهطه". ٥ السرب: "المسلك والطريق (النهاية ٢/٣٥٦) . ٦ عند الواقدي "كما خرج عروة بن مسعود إلى النبي ﷺ". ٧ عند الطبري "وكان في سن عروة". وفي النهاية ٢/٤١٢: "يقال فلان سن فلان، إذا كان مثله في السن". ٨ انظر ترجمته في الإصابة ١/٣٤٧". ٩ المصدر السابق ٢/١٤٥". ١٠ وعند الواقدي: "وهؤلاء الأحلاف رهط عروة". ١١ انظر ترجمته في الإصابة ٢/٤٦٠، وانظر ص ٤٦٧ تعليقة (٢) . ١٢ المصدر السابق ١/٨٦". ١٣ المصدر السابق ٣/٥٧٤
[ ٢ / ٤٧٦ ]
إذا رجعوا إلى الطائف رهطه، فلما دنوا إلى المدينة، ونزلوا قناة١، ألفوا بها المغيرة بن شعبة، يرعى في نوبته ركاب رسول الله ﷺ، - وكانت رعيتها نوبا على أصحابه ﷺ- فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيّين، وضبر٢ يشتد يبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، بأن يشرط لهم رسول الله ﷺ شروطا ويكتتبوا من رسول الله ﷺ كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: "أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدثه٣، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية٤، ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده٥، كما يزعمون".
_________________
(١) ١ قناة: "بالفتح واد بالمدينة يأتي من الطائف ويمر بالعاقول ثم يمضي شمالا في موازاة الحرة، ثم يمر بقبور الشهداء جنوب جبل أحد". معجم البلدان ٤/٤٠١ والمدينة بين الماضي والحاضر للعياشي ص ٤٩٠". وعند الواقدي: "فلما كانوا بوادي قناة مما يلي دار حرض نزلوا فيجدون نشرا من الإبل، فقال قائلهم: "لو سألنا صاحب الإبل لمن الإبل، وخبرنا خبر محمد فبعثوا عثمان بن أبي العاص، فإذا هو المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ" وانظر معالم الجزيرة للبلادي ص ٢٥٧". وحرض: "بضمتين واد صغير في أرض الزبير بن العوام يسيل من بعض جبال الضليعات الحمر والدقاقات حتى يصب في قناة، والحرض هو الإشنان". معجم البلدان ٢/٢٤٢ والمدينة بين الماضي والحاضر للعياشي ص ٤٩١ و٤٩٣". ٢في القاموس المحيط٢/٧٤:ضبر الفرس والمقيد يضبر ضبرا وضبرانا جمع قوائمه ووثب". ٣ وعند الواقدي "فقال أبو بكر: "أقسمت بالله عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ بخبرهم حتى أكون أنا أخبره - وكان رسول الله ﷺ قد ذكرهم ببعض الذكر - فأبشره بمقدمهم، فدخل أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ فأخبره، والمغيرة على الباب، ثم خرج إلى المغيرة فدخل المغيرة على النبي ﷺ وهو مسرور، فقال يا رسول الله، قدم قومي يريدون الدخول في الإسلام بأن تشرط لهم شروطا، ويكتبون كتابا على من وراءهم من قومهم وبلادهم، فقال رسول الله ﷺ: "لا يسألون شرطا ولا كتابا أعطيته أحدا من الناس إلا أعطيتهم فبشرهم! فخرج المغيرة راجعا فخبرهم ما قال لهم رسول الله ﷺ وبشرهم". ٤ وعند الواقدي "فكل ما أمرهم المغيرة فعلوا إلا التحية، فإنهم قالوا: "أنعم صباحا ودخلوا المسجد فقال الناس: "يا رسول الله، يدخلون المسجد وهم مشركون؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الأرض لا ينجسها شيء". ٥ وفي زاد المعاد نقلا عن موسى بن عقبة فقال المغيرة بن شعبة: "يا رسول الله أنزل قومي علي فأكرمهم، فإني حديث الجرح فيهم، فقال رسول الله ﷺ: "لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن" وكان من جرح المغيرة في قومه أنه كان أجير الثقيف، وأنهم أقبلوا من مصر حتى إذا كانوا ببعض الطريق، عدا عليهم وهم نيام، فقتلهم ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "أما الإسلام فنقبل، وأما المال فلا فإنا لا نغدر" وأبى أن يخمس ما معه، وأنزل رسول الله ﷺ وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلوا، وكان رسول الله ﷺ إذا خطب لا يذكر نفسه، فلما سمعه وفد ثقيف، قالوا: "يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ﷺ، ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغه قولهم، قال: "فإني أول من شهد أني رسول الله" (زاد المعاد ٣/٥٩٦) وذكر نحو هذا الواقدي وأصل قصة إسلام المغيرة في الصحيح انظر ص ٤٩٦ تعليقة (٢) .
[ ٢ / ٤٧٧ ]
فكان خالد بن سعيد بن العاص، هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم، وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات١ لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحد بعد مقدمهم، فأبى أن يدعها شيء مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلموا بتركها من سفائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ: "أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه٢، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا
_________________
(١) ١ اللات: "قال ابن كثير: "كانت اللات صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تبعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش". قال ابن جرير: "وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا: "اللات يعنون مؤنثة منه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا". وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللات: "بتشديد التاء وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه". ثم قال ابن كثير: "وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر ابن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف". (تفسير بن كثير ٤/ ٢٥٣و٢٥٤) إهـ". قلت: "جعل مكان اللات مسجدا: "جاء عند أبي داود وابن ماجه والطبراني والحاكم من حديث محمد بن عبد الله بن عياض عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم" (سنن أبي داود ٢/١١٨ كتاب الصلاة باب في بناء المساجد، وسنن ابن ماجه ١/٢٤٥كتاب المساجد، باب أين يجوز بناء المساجد والمعجم الكبير للطبراني ٩/٣٩، والمستدرك للحاكم ٣/٦١٨، والحديث فيه محمد بن عبد الله بن عياض الطائفي، وقال ابن حجر: "مقبول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "لا يعرف (التقريب ٢/١٧٩ وتهذيب التهذيب ٩/٢٧١ وميزان الإعتدال ٣/٦٠٢". ٢ وعند ابن قيم الجوزية: "فقال كنانة بن عبد ياليل لرسول الله ﷺ: "هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ " قال: "نعم، أن انتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم"، وأنه سأل رسول الله ﷺ أن يرخص لهم الزنى، والربا والخمر، "فأبى عليهم رسول الله ﷺ". وقال: "هي عليكم حرام وتلا الآيات الواردة في ذلك فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: "ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا نكاتبه على ما سألناه، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: "نعم لك ما سألت، أرأيت الربة - يعنون اللات- ماذا نصنع فيها؟ قال: "اهدموها" قالوا: "هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: "ويحك يا ابن عبد ياليل، ما أجهلك إنما الربة حجر، فقالوا: "إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقالوا لرسول الله ﷺ: "تول أنت هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا، قال: "فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها" فكاتبوه (انظر زاد المعاد ٣/٥٩٦-٥٩٧)، ومغازي الواقدي (٣/٩٦٦-٩٦٧) .
[ ٢ / ٤٧٨ ]
صلاة فيه، فقالوا: "يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت دناءة١".
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم، أمر عليهم عثمان٢ بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن٣، فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله، إني قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن"٤".
والحديث رواه الطبري من هذا الطريق٥".
وقال الألباني: "ضعيف ذكره ابن هشام عن ابن إسحاق معضلا، والجملة الأخيرة وصلها أبو داود وأحمد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص مرفوعا نحوها،
_________________
(١) ١ عند الواقدي: "فقالوا: "يا محمد، أما الصلاة فسنصلي، وأما الصيام فسنصوم، وتعلموا فرائض الإسلام وشرائعه". ٢ عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان بن عبد الله بن همام الثقفي أبو عبد الله نزيل البصرة، أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله رسول الله ﷺ على الطائف، وأقره أبو بكر زمن خلافته ثم استعمله عمر بن الخطاب على البحرين وعمان سنة خمس عشرة ثم سكن البصرة، حتى مات بها سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفا عن الردة، خطبهم فقال: "كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أولهم ارتدادًا". (أسد الغابة ٣/٥٧٩-٥٨١ والإصابة٢/٤٦٠ وشرح المواهب٤/٧-٨، والاستيعاب ٣/٩١ ووقع في شرح المواهب "عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبيد ابن درهمان" ولعله خطأ". ٣ وذكر موسى بن عقبة "أن وفدهم كانوا إذا أتو رسول الله خلفوا عثمان ابن أبي العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله ﷺ، فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن، فإن وجده نائما، ذهب إلى أبي بكر الصديق فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام وأحبه رسول الله ﷺ حبا شديدا (زاد المعاد ٣/٥٩٦، والبداية والنهاية ٥/٣١) والطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٥٠٨) . (السيرة النبوية لابن هشام ٢/٥٣٨-٥٤٠، الورض الأنف ٧/٣٣٢-٣٣٥، وزاد المعاد٣/٥٩٥-٥٩٧، والبداية والنهاية ٥/٢٩-٣١ وتاريخ الخميس٢/١٣٤-١٣٦، وشرح المواهب ٤/٦-٨ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/٣١٢-٣١٤ و٥/٥٠٨ ومغازي الواقدي ٣/٩٦٠-٩٦٨) . ٥ تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٧-٩٩".
[ ٢ / ٤٧٩ ]
ورجاله ثقات، لكن الحسن وهو البصري مدلس وقد عنعنه١".
قلت: "الحديث المشار إليه عند أبي داود وأحمد وهو أيضا عن أبي داود الطيالسي والطبراني وهذا سياقه عند أبي داود:
٢١٨- حدثنا أحمد٢ بن علي بن سويد - يعني ابن منجوف - اخبرنا أبو داود٣ عن حماد بن سلمة عن حميد٤ عن الحسن٥ عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد٦ ليكون أرق لقلوبهم٧، فاشترطوا عليه أن لا يحشروا٨ ولا يعشروا وألا يجبوا، فقال رسول الله ﷺ: "لكم أن تحشروا ولا
_________________
(١) ١ تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٥٠". ٢ أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف - بنون ساكنة ثم جيم وآخره فاء - أبو بكر السدوسي، صدوق، من الحادية عشرة (ت ٢٥٢) /خدس". التقريب ١/١٨ وتهذيب التهذيب ١/٤٨) . ٣ هو سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي". (تهذيب التهذيب ٤/١٨٢) . ٤ حميد بن أبي حميد الطويل أبو عبيدة تقدم في حديث (٢٢) . ٥ الحسن بن أبي الحسن أبو سعيد البصري تقدم في حديث (١٥٦) . ٦ عند الطيالسي "أنزلهم في قبة في المسجد". ٧ قوله: "ليكون أرق لقلوبهم" أرق هاهنا: "اسم تفضيل من أرقه إرقاقا بمعنى ألانه وإِلاَنَةً، وهو عند سيبويه قياس من باب أفعل مع كونه ذا زيادة، ويؤيد كثرة السماع كقولهم هو أعطاهم للدينار وأولاهم، للمعروف، وهو عند غيره سماع مع كثرته، قاله الرضي في شرح الكافية". فالمعنى أي ليكون إنزالهم المسجد أكثر وأشد إلانة وترقيقا لقلوبهم بسبب رؤيتهم حال المسلمين وخشوعهم وخضوعهم واجتماعهم في صلواتهم وفي عباداتهم لربهم (عون المعبود ٨/٢٦٧) . ٨ أن لا يحشروا: "أي لا يجمعوا، والمراد به: "جمعهم إلى الجهاد، والنفير إليه، ولا يعشروا: "أي لا يؤخذ عشر أموالهم، وقيل: "أرادوا الصدقة الواجبة، ولا يجبوا: "بالجيم وتشديد الباء الموحدة، وأصل التجبية: "أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: "هو أن يضع يده على ركبتيه وهو قائم، وقيل: "هو أن ينكب على وجهه باركا، وهو السجود". والمراد بقوله (لا يجبوا) أي أنهم لا يصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع، لأنه ﷺ قال لهم في الجواب "ولا خير في دين ليس فيه ركوع" والأفعال كلها مبنية للمجهول". ويشبه أن يكون النبي ﷺ إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة لأنهما لم يكونا بعد واجبين في العاجل، لأن الصدقة إنما تجب بحول الحول، والجهاد إنما يجب بحضور العدو، وأما الصلاة فهي واجبة في كل يوم وليلة في أوقاتها المؤقتة فلم يجز أن يشترطوا تركها". وقد سئل جابر بن عبد الله عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد؟ فقال: "علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا انظر الحديث (٢٢٠) . (جامع الأصول لأبن الأثير ٨/٤١٣-٤١٤ وعون المعبود لشمس الحق العظيم آبادي ٨/٢٦٧-٢٦٨) وروى الإمام أحمد في المسند ٥/٢٢٤، والطبراني في الكبير ٢/٣٢ من حديث بشير بن الخصاصية قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه قال: "فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأن أودي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام وأن أصوم شهر رمضان وأن أجاهد في سبيل الله، الحديث وفيه فقلت: "أما الصدقة والجهاد فلا أطيقهما قال: "فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حرك يده ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة فيم تدخل الجنة" قال: "فبايعته عليهن كلهن". قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٤٢ رجال أحمد موثقون، قال ابن الأثير في النهاية ٣/٢٣٩-٢٤٠ فلم، يحتمل لبشير ما احتمل لثقيف، ويشبه أن يكون إنما لم يسمح له لعلمه أنه يقبل إذا قيل له وثقيف كانت لا تقبله في الحال، وهو واحد وهم جماعة فأراد أن يتألفهم ويدرجهم عليه شيئا فشيئا".
[ ٢ / ٤٨٠ ]
تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع"١.
والحديث رواه أحمد وأبو داود الطيالسي والطبراني الجميع من طريق حماد بن سلمة به٢".
والحديث من رواية الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص، قال المنذري: "وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص٣". وكذا قال ابن حجر".
وجزم علي بن المديني بسماع الحسن من عثمان بن أبي العاص٤".
وما ذكره ابن إسحاق وغيره في شأن وفد ثقيف قد جاء أكثره مفرقا في أحاديث كثيرة فيها الصحيح والحسن والضعيف وهي:
ما رواه مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله وهذا سياقه عند مسلم:
٢١٩- حدثنا يحيى بن يحيى٥ وإسماعيل بن سالم قالا: "أخبرنا هشيم عن أبي بشر عن سفيان عن جابر بن عبد الله أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: "إن أرضنا أرض باردة، فكيف بالغسل؟ فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا". قال ابن سالم في روايته: "حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود٢/١٤٦كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب ما جاء في خبر الطائف". ٢ أحمد: "المسند ٤/٢١٨ وزاد في آخر الحديث "قال عثمان بن أبي العاص يا رسول الله: "علمني القرآن واجعلني إمام قومي". وأبو داود الطيالسي كما في منحة المعبود ١/٢٥ وزاد في آخر الحديث قال أبو داود: "قال ابن فضالة: "سمعت الحسن يزيد في هذا الحديث أن ثقيفا قالت: "سنعطيكها على قماة فيها". والطبراني: "المعجم الكبير ٩/٤٥". ٣ عون المعبود ٨/٢٦٨ وانظر تهذيب التهذيب لأبن حجر ٢/٢٤٤". ٤ العلل لابن المديني ص ٥٤". ٥ يحيى بن يحيى هو النيسابوري أبو زكريا، وإسماعيل بن سالم: "هو الصائغ البغدادي، وهشيم: "هو ابن بشير". وأبو بشر: "هو جعفر بن إياس ابن أبي وحشية، وأبو سفيان: "هو طلحة بن نافع الإسكاف".
[ ٢ / ٤٨١ ]
وقال: "إن وفد ثقيف، قالوا: "يا رسول الله"١".
قال النووي: "قوله قال ابن سالم في روايته حدثنا هشيم قال حدثنا٢ أبو بشر هذا فيه فائدة عظيمة من دقائق هذا العلم ولطائفه، وهي مصرحة بغزارة علم مسلم رحمه الله تعالى، ودقة نظره، وهي أن هشيما - رحمه الله تعالى - مدلس، وقد قال في الرواية المتقدمة، عن أبي بشر".
والمدلس إذ قال "عن" لا يحتج به إلا إذا أثبت سماعه ذلك الحديث من ذلك الشخص، الذي عنعن عنه، فبين مسلم أنه ثبت سماعه من جهة أخرى".
وهي رواية ابن سالم فإنه قال فيها: "أخبرنا أبو بشر٣". اهـ".
والحديث رواه أبو داود الطيالسي قال: "حدثنا هشيم عن أبي بشر به، ولفظه "أن أهل الطائف قالوا يا رسول الله إن أرضنا أرض باردة، فما يجزئنا من غسل الجنابة؟
فقال رسول الله ﷺ: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا" ٤.
رواه الإمام أحمد من طريق أبي زبير عن جابر، فقال: "حدثنا موسى٥ ثنا ابن لهيعة٦ عن ابن الزبير٧ قال سألت جابر عن الغسل، قال: "أتت ثقيف النبي ﷺ فقالت: "إن أرضنا باردة، فكيف تأمرنا بالغسل؟
فقال النبي ﷺ: " أما أنا فأصب على رأسي ثلاث مرات ولم يقل غير ذلك "٨.
وأورده الهيثمي عن أنس بن مالك ثم قال: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح٩". بلفظ: "أن وفد ثقيف قالوا: يا رسول الله إن أرضنا أرض باردة فما يكفينا من غسل الجنابة؟ قال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/ ١٥٩ كتاب الحيض". ٢ في المتن "أخبرنا". ٣ شرح النووي على صحيح مسلم ١/٦٢٤". ٤ منحة المعبود ١/٦٠". ٥ موسى بن داود الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي، نزيل بغداد، قاضي طرسوس صدوق فقيه زاهد، له أوهام، من صغار التاسعة (ت ٢١٧) م د س ق (التقريب ٢/٢٨٢ وتهذيب التهذيب ١٠/٣٤٢) . ٦ عبد الله بن لهيعة صدوق تقدم في حديث ٠ ٦٤) . ٧ محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي، صدوق تقدم في حديث (١٠٩) . ٨ مسند الإمام أحمد ٣/٣٤٨ والفتح الرباني ٢/١٣١". ٩ مجمع الزوائد ١/٢٧١".
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وأخرج أحمد أيضا من طريق أخرى فقال: "حدثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل بن مهلهل عن مغيرة عن شباك عن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا، فقلنا: "إن أرضنا باردة فسألناه أن يرخص لنا في الطهور فلم يرخص لنا وسألناه أن يرخص لنا في الدباء١ فلم يرخص لنا فيه، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة فأبى وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله" الحديث٢".
قال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله ثقات"٣.
ما رواه أبو داود وأحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵄ وهذا سياقه عند أبي داود قال:
٢٢٠- حدثنا الحسن٤ بن الصباح أخبرنا إسماعيل٥ يعني بن عبد الكريم - حدثني إبراهيم٦ - يعني بن عقيل بن منبه- عن أبيه٧ عن وهب٨ قال: "سألت
_________________
(١) ١ الدباء: "القرع واحدها دباءة، ووزن الدباء: "فعّال، ولامه همزة لأنه لا يعرف انقلاب لامه عن واو أو ياء، قاله الزمخشري وأخرجه الهروي في هذا الباب على أن همزته زائدة". أخرجه الجوهري في المعتل على أن همزته منقلبة، وكأنه أشبه". ونهاهم عن الدباء، أي عن الإنتباذ فيه لأنه تسرع تسرع الشدة فيه فيؤدي إلى السكر (النهاية لابن الأثير ٢/٩٦) . ٢ تقدم تخريجه برقم (١٤٧) . ٣ مجمع الزوائد (٤/٢٤٥) . ٤ الحسن بن الصباح البزار - آخره راء - أبو علي الواسطي نزيل بغداد، صدوق يهم، وكان عابدا فاضلا، من العاشرة (ت ٢٤٩) هكذا قال عنه ابن حجر، وفي ميزان الاعتدال رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة". وقد روى عنه (خ د ت س) كما في هدي الساري لابن حجر وتهذيب التهذيب له، وسير أعلام النبلاء للذهبي والخلاصة للخزرجي". وسقطت علامة النسائي من ميزان الاعتدال وتذكرة الحفاظ كلاهما للذهبي وفي تقريب التهذيب الطبعة المصرية بزيادة مسلم". والظاهر أن الذي أخرج له هو البخاري والأربعة سوى ابن ماجه كما قال ابن حجر في هدي الساري (انظر التقريب ١/١٦٧ وتهذيب التهذيب ٢/٢٨٩-٢٩٠ وسير أعلام النبلاء ٢/٢٦٢ وميزان الاعتدال ١/٤٩٩ وتذكرة الحفاظ ٢/٤٧٦ وهدي الساري ص ٣٩٧ والخلاصة ١/٢١٤) . ٥ إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه - بالموحدة - أبو هشام الصنعاني، صدوق من التاسعة / د فق (التقريب ١/٧٢، وتهذيب التهذيب ١/٣١٥) . ٦ إبراهيم بن عقيل بن معقل الصنعاني، صدوق من الثامنة / د (التقريب ١/٤٠ وتهذيب التهذيب ١/١٤٦) . ٧ هو عقيل بن معقل بن منبه اليماني، ابن أخي وهب، صدوق، من السابعة/ د (التقريب ٢/٢٩ وتهذيب التهذيب ٧/٢٥٥) . ٨ وهب بن منبه بن كامل اليماني، أبو عبد الله الأبناوي - بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون- ثقة من الثالثة، (ت سنة بضع عشرة ومائة / خ م د ت س فق (التقريب ٢/٣٣٩ وتهذيب التهذيب ١١/١٦٦-١٦٨) .
[ ٢ / ٤٨٣ ]
جابر عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: "اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولاجهاد، وأنه سمع النبي ﷺ يقول: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" ١. والحديث حسن لذاته".
ورواه أحمد قال ثنا حسن٢ ثنا ابن لهيعة٣ ثنا أبو الزبير قال: "سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت". الحديث٤".
ما رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وغيرهم من حديث أوس بن حذيفة وهذا سياقه عند أحمد قال: "
٢٢١- حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد الله٥ بن عبد الرحمن الطائفي عن عثمان٦ بن عبد الله بن أوس٧ الثقفي عن جده أوس بن حذيفة قال: "كنت في الوفد
_________________
(١) ١ أبو داود: "السنن ٢/١٤٦ كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب ما جاء في خبر الطائف". ٢ الحسن بن موسى الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة من التاسعة (ت ٢٠٩ أو ٢١٠) / ع (التقريب ١/١٧١ وتهذيب التهذيب ٢/٣٢٣، ومسند أحمد ٣/٣٣٧". ٣ ابن لهيعة: "هو عبد الله بن لهيعة، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، تقدمت ترجمتهما". ٤ المسند ٣/٣٤١". ٥ عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب أبو يعلى الطائفي الثقفي صدوق يخطأ ويهم تقدم في حديث (٤٥) . ٦ عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي الطائفي مقبول من الثالثة/ د ق (التقريب ٢/١١ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٤٣:محله الصدق وثقه ابن حبان وفي تهذيب التهذيب ٧/١٢٩ ذكره ابن حبان في الثقات له عند أبي داود وابن ماجه حديث في وفد ثقيف". وانظر: " (الخلاصة للخزرجي٢/٢١٧) وقد سقطت علامة أبي داود من التقريب الطبعة المصرية". ٧ أوس بن حذيفة وهو أوس بن أبي أوس، واسم أبي أوس حذيفة، وهو والد عمرو بن أوس الثقفي، روى عن النني ﷺ وعن علي بن أبي طالب وعنه ابنه عمرو وابن ابنه عثمان بن عبد الله، والنعمان بن سالم وجماعة". وفي مسند أحمد ٣/٨: "أوس بن أوس الثقفي وهو أوس بن حذيفة". وقال البخاري في (التاريخ الكبير ٢/ ١٥-١٦): "أوس بن حذيفة الثقفي والد عمرو ابن أوس، ويقال: "أوس بن أبي أوس، ويقال أوس بن أوس ١٠ هـ". وكذا قال ابن حبان في الصحابة". وقال أبو نعيم في معرفة الصحابة: "اختلف المتقدمون في أوس هذا: "فمنهم من قال: "أوس بن حذيفة، ومنهم من قال: "أوس بن أبي أوس وكنى أباه، ومنهم من قال أوس ابن أوس". وأما أوس بن أوس الثقفي، وقيل أوس بن أبي أوس، فروى عنه الشاميون، قال: "وتوفي أوس بن حذيفة سنة (٤٩)، وقال ابن حجر: "أوس بن أبي أوس: "هو أوس ابن حذيفة وأن أوس بن أوس: "غير أوس بن أبي أوس". وإنما قيل في أوس بن أوس هذا: "أوس بن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس: "أوس بن أوس خطأ". والتحقيق أنهما اثنان". تهذيب التهذيب ١/٣٨١-٣٨٢ والإصابة ١/٧٩-٨٢ و١/١٣٣ وكذا فرق المزي بينهما في تحفة الأشراف ٢/٢و٤ وأن أوس بن أوس ابن أبي أوس هو أوس بن حذيفة".
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الذين أتو النبي ﷺ أسلموا من ثقيف١، من بني مالك أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة٢ انصرف إلينا، ولا نبرح٣ حتى يحدثنا ويشتكي قريشا ويشتكي أهل مكة ثم يقول: "لا سواء٤ كنا بمكة مستذلين ومستضعفين فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب علينا ولنا٥ فمكث عنا ليلة لم يأتينا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء٦، قال: "قلنا ما أمكثك عنا يا رسول الله؟
_________________
(١) ١ وعند أبي داود"قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله ﷺ بن مالك في قبة له"، وعند ابن ماجه "فنزلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة" وعند أبي داود الطيالسي "قال: "قدمنا وفد ثقيف على النبي ﷺ، فنزل الأحلافيون على المغيرة وأنزل المالكيين قبته" وكذا عند أبي نعيم "وعند الطبراني" قدمنا على رسول الله ﷺ، وفد ثقيف فأنزل عليه في قبة له، فنزل إخواننا من الأحلاف على المغيرة بن شعبة". ٢ وعند أبي داود "قال كان كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام" وعند ابن ماجه "فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه، حتى يراوح بين رجليه". وعند أبي نعيم "فكان يأتينا بعد العشاء الآخرة فيحدثنا". وعند أبي داود الطيالسيي"قال وكان رسول الله ﷺ يأتينا فيحدثنا بعد العشاء الآخرة حتى يراوح بين قدميه من طول القيام" وعند ابن سعد "وكان ينصرف إليهم بعد العشاء الآخرة فيحدثهم قائما على رجليه، يرواح بين قدميه مما قد مل من القيام". ٣ وعند أحمد أيضا "فلا يبرح يحدثنا ويشتكي قريشا" وعند أبي داود الطيالسي "فكان أكثر ما يحدثنا اشتكاء قريش" وعند أبي داود وابن ماجه "وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش". وعند ابن سعد "وأكثر ما يحدثهم اشتكاء أهل مكة وقريش". وعند الطبراني "وكان أكثر حديثه تشكية قريش" وعند أبي نعيم "فكان أكثر ما اشتكى قريشا". ٤ لا سواء: "أي حالنا الآن غير ما كانت عليه قبل الهجرة (عون المعبود ٤/٢٧١) وعند أبي داود أيضا "لا أنسى" "والمعنى لا أنسى أذيتهم وعداوتهم". ٥ وعند أبي داود الطيالسي "فلما قدمنا المدينة انتصفنا من القوم، فكانت سجال الحرب علينا ولنا". وعند أبي داود وابن ماجه "وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا". وعند ابن سعد "وكانت الحرب بيننا وبينهم سجالا". وعند الطبراني "فلما أتينا المدينة كانت الحرب سجالا علينا ولنا". والسجال: "مرة لنا ومرة علينا (النهاية ٢/٣٤٤) . ٦ وعند أبي داود "فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا لقد أبطأت عنا الليلة". وعند ابن ماجه "فلما كان ذات ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه". وعند أبي داود الطيالسي "فاحتبس عنا ليلة عن الوقت الذي كان يأتينا فيه ثم أتانا، فقلنا يا رسول الله احتبست عنا الليلة عن الوقت الذي كنت تأتينا فيه". وعند ابن سعد "فاحتبس عنا ذات ليلة فقلنا: "يا رسول الله ما حبسك عنا الليلة؟ ". وعند الطبراني "فأبطأ علينا ذات ليلة فأطول فقلنا يا رسول الله لقد أبطأت".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قال: "طرأ١ علي حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه". قال فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ، حين أصبحنا، قال: "قلنا كيف تحزبون القرآن؟ ٢".
قالوا: "نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة وحزب مفصل٣ من قاف حتى يختم"٤.
والحديث رواه أبو داود وابن ماجه وأبو داود الطيالسي والطبراني وأبو نعيم كلهم من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي به٥.
ورواه ابن سعد عن الضحاك بن مخلد والفضل بن دكين وعبد الملك٦ بن
_________________
(١) ١ طرأ علي حزب من القرآن: "أي ورد وأقبل، يقال طرأ يطرأ مهموزا إذا جاء مفاجأة، كأنه فجأه الوقت الذي كان يؤدي فيه ورده من القراءة (النهاية ٣/١١٧، عون المعبود ٤/٢٧١) . وعند أبي داود وابن ماجه وأبي داود الطيالسي والطبراني "طرأ علي حزبي" وعند ابن سعد "أنه طرأ علي نفر من الجن، وبقي علي من حزبي شيء فكرهت أن أخرج من المسجد حتى أقرأه". ٢ وعند أبي داود الطيالسي "قال فلما أصبحنا سألنا أصحاب رسول الله ﷺ عن أحزاب القرآن كيف تحزبونه؟ فقالوا: "ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل". وعند ابن سعد: "فلما أصبحنا قلنا: "لأصحابه: "إن رسول الله ﷺ، حدّثنا أنه طرأ عليه نفر من الجنّ وبقي عليه حزب من القرآن فكيف كنتم تحزبون القرآن؟ ". فقالوا: "نحزبه ثلاث سور، خمس سور، سبع سور، تسع سور، احدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل ما بين قاف فأسفل". وعند أبي داود "قال أوس: "سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: "ثلاث وخمس إلخ". ٣ وعند أبي داود "وحزب المفصل وحده" والمراد بالحزب: "هو ما يجعله الإنسان على نفسه من قراءة أو صلاة، والحزب الطائفة، والمعنى أنهم كانوا يجعلون للقرآن منازل، فالمراد (بالثلاث) البقرة، وآل عمران، والنساء، فهذه السور الثلاث منزل واحد من سبع منازل القرآن، (وخمس) من المائدة إلى براءة، و(سبع) من يونس إلى النحل، و(تسع) من بني إسرائيل إلى الفرقان، و(إحدى عشرة) من الشعراء إلى ياسين و(ثلاث عشرة) من الصفات إلى الحجرات، و(حزب المفصل) من قاف إلى آخر القرآن، فعلم من هذا أن في عصر الصحابة كان ترتيب القرآن مشهور على هذا النمط المعروف الآن". (النهاية ١/٣٧٦ وجامع الأصول ٢/٤٧٦ وعون المعبود ٤/٢٧٢) . ٤ مسند أحمد ٤/٩ و٣٤٣". ٥ أبو داود: "السنن ١/٣٢١-٣٢٢ كتاب شهر رمضان باب في تحزيب القرآن وابن ماجه: "السنن ١/٤٢٧-٤٢٨ كتاب الإقامة، باب في كم يستحب يختم القرآن، وأبو داود الطيالسي: "كما في منحة المعبود ٢/٤ والطبراني: "المعجم الكبير ١/١٩٠، أبو نعيم: "حلية الأولياء ١/٣٤٧-٣٤٨". ٦ هو القيسي أبو عامر العقدي (تهذيب التهذيب ٦/٤٠٩) .
[ ٢ / ٤٨٦ ]
عمرو أبي عامر، ومحمد١ بن عبد الله الأسدي، قالوا: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الثقفي، قال: "حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس".
قال الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله وأبو عامر عن جده أوس ابن حذيفة٢".
وقال الضحاك بن مخلد عن عمه٣ عمرو بن أوس عن أبيه، الحديث٤".
والحديث مدراه على عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن شيخه عثمان بن عبد الله، وقد قال ابن حجر: "عن عبد الله بن عبد الرحمن "صدوق يخطئ ويهم"٥".
وقال عن عثمان بن عبد الله "مقبول"٦".
ولكن عبد الله بن عبد الرحمن قد وثقه ابن حبان والعجلي، وابن المديني فيما حكى ابن خلفون٧٨".
وعثمان بن عبد الله: "وثقه ابن حبان أيضا، وقال الذهبي: "محله الصدق٩".
وعلى كل حال فإن قسم الحديث الأول وهو ما يتعلق بوفود ثقيف، ثابت في الأحاديث المتقدمة والأحاديث المتقدمة والأحاديث الآتية وهي:
_________________
(١) ١ الظاهر أنه محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي أبو أحمد فإنه يروي عن سفيان الثوري، وقد ذكر ابن سعد أن محمدا هذا يروي عن سفيان بن سعيد". (الطبقات الكبرى ١/٤٨٨ و٥/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٩/٢٥٤) . ٢ تقدم في حديث (٢٢١) . ٣ والمعنى: "أن عبد الله بن عبد الرحمن الثقفي في رواية الضحاك حدث عن عثمان بن عبد الله عن عمه عمرو بن أوس عن أبيه أوس بن حذيفة وهو جد عثمان". والمعنى أن عثمان لم يرو عن جده مباشرة كما هو عند الباقين، وإنما روى عنه بواسطة عمرو بن أوس". وهذا لا مانع منه فقد يكون أخذ عثمان هذا الحديث عن عمه عمرو وعن جده، فكان تارة يرويه بواسطة وتارة بدون واسطة وقد ذكر ابن حجر أنه يروي عن جده أيضا". ٤ الطبقات الكبرى ٥/٥١٠-٥١١". ٥ انظر حديث (٢٢١) . ٦ انظر حديث (٢٢١) . ٧ هو: "الحافظ محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون الإمام المجود أبو بكر الأزدي، الأندلسي نزيل إشبيلية، ولد سنة (٥٥٥) ومات (٦٣٦) كان بصيرا بصناعة الحديث حافظا للرجال متقنا، له كتاب سماه (المنتقى) في رجال الحديث في خمسة أسفار، وله كتاب "المفهم في شيوخ البخاري ومسلم) وله غير ذلك (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٠٠) . ٨ تهذيب التهذيب ٥/٢٩٩". ٩ تهذيب التهذيب ٧/١٢٩ وميزان الإعتدال ٣/٤٣".
[ ٢ / ٤٨٧ ]
حديث أوس أيضا عند أحمد والنسائي وابن ماجه وغيرهم وهذا سياق أحمد:
٢٢٢- ثنا محمد١ بن جعفر قال ثنا شعبة عن النعمان٢ بن سالم قال: "سمعت أوسا٣ يقول: "أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فكنا٤ في قبة فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ فجاء رجل فساره٥ فقال: "اذهب٦ فاقتله".
ثم قال: "أليس٧ يشهد أن لا إله إلا الله، قال: "بلى، ولكنه يقولها تعوذا٨ فقال: "رده، ثم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها٩ حرمت علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها".
_________________
(١) ١ هو (غندر) . ٢ النعمان بن سالم الطائفي، روى عن جدته وعثمان بن أبي العاص وأوس بن أبي أوس، وعمرو بن أوس وغيرهم". وعنه شعبة وسماك بن حرب وحاتم بن أبي صغيرة وغيرهم، ثقة من الرابعة وقيل هما اثنان/م ع (التقريب ٢/٣٠٤، وتهذيب التهذيب ١٠/٤٥٣) . ٣ هو أوس بن أبي أوس وهو أوس بن حذيفة". انظر حديث (٢٢١) . ص ٤٧٢ تعليقة (٧) . ٤ وعند النسائي "فكنت معه في قبة فنام من كان في القبة غيري وغيره فجاء رجل فساره إلخ". وعند الدارمي "عن النعمان بن سالم قال: "سمعت أوس بن أبي أوس الثقفي، قال: "أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: "وكنت في أسفل القبة ليس فيها أحد إلا النبي ﷺ نائم، إذ أتاه رجل فساره الخ". وعند أبي داود الطيالسي "عن أوس بن أبي أوس الثقفي وكان في الوفد قال: "كنت مع النبي ﷺ في قبة وما من القوم أحد إلا أنا ثم غيري فجاء رجل فساره إلخ" كذا وقع والصواب وما من القوم أحد إلا نائم غيري، وعند أبي نعيم "عن أوس بن أوس الثقفي قال: "دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن في فبته في مسجد المدينة، فأتاه رجل فساره بشيء لا ندري ما يقول". ٥ ساره مسارة وسرارا بالكسر ناجاه (مختار الصحاح ص ٢٩٥) . ٦ وعند ابن ماجه: "اذهبوا به فاقتلوه" وعند أبي نعيم: "اذهب فقل لهم يقتلوه". ٧ وعند أحمد أيضا "أن أوسا قال: "إنا لقعود عند رسول الله ﷺ في الصفة وهو يقص علينا ويذكرنا إذ جاءه رجل فساره فقال: "اذهبوا فاقتلوه" قال: "فلما ولّى الرجل دعاه رسول الله ﷺ قال: "أيشهد أن لا إله إلا الله، قال رجل نعم نعم، يا رسول الله فقال: "اذهبوا فخلوا سبيله". وعند ابن ماجه "فلما ولى الرجل دعاه رسول الله ﷺ فقال: "هل يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: "نعم، قال: "اذهبوا فخلوا سبيله". وعند النسائي "فقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ ". قال: "يشهد، فقال رسول الله ﷺ: "ذره". ٨ ولكنه يقولها تعوذا: "أي إنما أقر بالشهادة لا جئا إليها لا معتصما بها ليدفع عنه القتل، وليس بمخلص في إسلامه (النهاية ٣/٣١٨) . ٩ وعند ابن ماجه "فإذا فعلوا ذلك، حرم علي دماؤهم وأموالهم". وعند أبي داود الطيالسي "فإذا شهدوها فقد منعوا دماؤهم واموالهم". أو قال: "قد منعوا إلا بحقها".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فقلت لشعبة: "أليس في الحديث ثم قال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال شعبة: "أظنها معها١ وما أدري٢".
والحديث صحيح وقد رواه النسائي وأبو داود الطيالسي والدارمي كلهم عن طريق شعبة عن النعمان بن سالم به٣".
ورواه أبو نعيم من طريق سماك بن حرب عن النعمان بن سالم به٤".
والحديث في هذه الطرق من رواية النعمان بن سالم قال: "سمعت أوسا بدون واسطة".
ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد الجميع من طريق حاتم بن أبي صغيرة قال: "حدثني النعمان بن سالم أن عمرو بن أوس أخبره عن أبيه٥ أوس، فوسط بين النعمان وأوس (عمرو بن أوس) وحاتم ثقة٦.
فيخرج على أن النعمان بن سالم حمل هذا الحديث عن عمرو بن أوس عن أبيه أوس.
ثم لقي أوسا بعد ذلك فحمله عنه مباشرة، فكان بعد ذلك تارة يروي الحديث عن أوس بواسطة ابنه عمرو بن أوس، وتارة يرويه عن أوس مباشرة، ولا مانع من هذا، خاصة أنّ عمرو بن أوس من شيوخ النعمان بن سالم أيضا٧".
ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث أوس الثقفي قال:
_________________
(١) ١ وعند الدارمي "قال شعبة وأشك: "أن محمدا رسول الله". ٢ مسند أحمد: "٤/٨-٩". ٣ النسائي: "السنن ٧/٧٤-٧٥ كتاب تحريم الدم، وأبو داود الطيالسي: "كما في منحة المعبود ١/٢٦". والدارمي: "٢/١٣٧ كتاب السير، باب في القتال على قول النبي ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". وعنده وعند الطيالسي "عن النعمان بن سالم قال: "سمعت أوس بن أبي أوس". ٤ حلية الأولياء١/٣٤٧-٣٤٨ وعنده عن النعمان بن سالم عن أوس بن أبي أوس". ٥ النسائي: "السنن ٧/٧٤-٧٥ كتاب تحريم الدم، وأحمد: "المسند ٤/٩ وابن ماجه: "السنن ٢/١٢٩٥ كتاب الفتن، باب الكف عمن قال: "لا إله إلا الله قال: "محمد فؤاد عبد الباقي في هذا الحديث إنه من زوائد ابن ماجه وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، لكن الحديث في النسائي أيضا موجود، وأشار في الزوائد إلى شيء من ذلك". ٦ انظر ترجمته في التقريب ١/١٣٧". ٧ انظر تهذيب التهذيب ١٠/٤٥٣".
[ ٢ / ٤٨٩ ]
٢٢٣- حدثنا قيس١ عن عمير٢ بن عبد الله بن عبد الملك٣ بن المغيرة الطائفي عن أوس الثقفي قال: "قدمنا على النبي ﷺ في وفد ثقيف فأقمنا عنده نصف شهر، فرأيته ينفتل عن يمينه وعن يساره"٤".
ورواه الطحاوي من طريق قيس بن الربيع به فقال: "عن أوس بن أوس، أو أوس بن أويس، قال: "أقمت عند رسول الله ﷺ نصف شهر فرأيته يصلي ويسلم عن يمينه وعن شماله٥".
قال ابن حجر: "وعندي أن أوسا هذا هو أوس بن أبي أوس الثقفي المتقدم ذكره في القسم الماضي، وهم في اسم أبيه قيس بن الربيع، وقد رواه شعبة عن النعمان بن سالم سمعت رجلا جده أوس بن أبي أوس، قال: "كان جدي يصلي فيأمرني أن أناوله نعليه ويقول رأيت رسول الله يصلي في نعليه٦".
ما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد والطبراني من حديث الشريد بن سويد وهذا سياقه عند مسلم قال:
٢٢٤- حدثني يحيى٧ بن يحيى أخبرنا هشيم - ح - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك٨ بن عبد الله، وهشيم بن
_________________
(١) ١ قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به تقدم في حديث (٢٧) . ٢ عمير بن عبد الله بن بشر الخثعمي الكوفي، ثقة من السادسة /مد (التقريب ٢/٨٦ وتهذيب التهذيب ٨/١٤٨) . ٣ عبد الملك بن المغيرة الطائفي من الرابعة، /مد ت (التقريب ١/٥٢٣ وفي تهذيب التهذيب ٦/٤٢٦) قال: "ذكره ابن حبان في الثقات". ٤ منحة المعبود ١/١٠٣-١٠٤، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا من صلاته يرى أنّ حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره" لفظ البخاري ولفظ مسلم "أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله" وبوب البخاري بقوله (باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال، وساق الحديث (صحيح البخاري ١/١٤٠ وصحيح مسلم ١/٣٩٢ كتاب صلاة المسافرين باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال) . ٥ شرح معاني الآثار ١/٢٦٩". ٦ الإصابة ١/١٣٣ و١/٧٩". ٧ هو ابن بكير أبو زكريا النيسابوري". ٨ شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي تقدم في حديث (٢٦) .
[ ٢ / ٤٩٠ ]
بشير عن يعلى١ عن عطاء عن عمرو٢ بن الشريد، عن أبيه قال: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم٣، فأرسل إليه النبي ﷺ "إنا قد با يعناك فارجع"٤.
والحديث رواه النسائي وابن ماجه وأحمد كلهم من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء به٥".
_________________
(١) ١ يعلى بن عطاء العامري الليثي الطائفي (تهذيب التهذيب ١١/٤٠٣) . ٢ عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي أبو الوليد الطائفي (تهذيب التهذيب ٨/٤٧) وعند النسائي وابن ماجه من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء عن رجل من آل الشريد يقال له عمرو عن أبيه الخ". ٣ الجذام: "داء تتآكل منه الأعضاء وتتساقط (النهاية لابن الأثير ١/٢٥١، والمعجم الوسيط ١/١١٣ والمصباح المنير ١/١١٥) . وعند أحمد: "قدم على النبي ﷺ رجل مجذوم من ثقيف ليبايعه، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "ائته فأخبره أنى قد بايعته فليرجع". وعند الطبراني: "ائته فاعلمه أنى قد بايعته فليرجع". ٤ صحيح مسلم ٤/١٧٥٢ كتاب السلام، باب بيعة من به عاهة". وفي معنى هذا الحديث قال النووي: "هذا الحديث موافق للحديث الآخر في صحيح البخاري" "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" ثم نقل عن القاضي عياض أنه قال: "وقد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في قصة المجذوم، فثبت عنه الحديثان المذكوران، وعن جابر أن النبي ﷺ أكل مع المجذوم وقال له: "كل ثقة بالله وتوكلا عليه". وعن عائشة قالت: "وكان لي مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي". قال: "وقد ذهب عمر - ﵁ - وغيره من السلف إلى الأكل مع المجذوم ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، والصحيح الذي قاله الأكثر ون ويتعين المصير إليه أنه لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، لا للوجوب وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز (شرح صحيح مسلم للنووي ٥/٨٧) . وزاد ابن حجر وجهًا ثالثًا؛ وهو الترجيح وقد سلكه فريقان: الأول: "رجح الأخبار الدالة على نفي العدوى، ورد الأحاديث الدالة على ثبوت العدوى". الثاني: "سلك في الترجيح عكس الفريق الأول، فرد الأحاديث الدالة على نفي العدوى، ورجح الأحاديث الدالة على ثبوت العدوى". ثم قال ابن حجر: "والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يسار إليها إلا مع تعذر الجمع، وهو ممكن فهو أولى". (فتح الباري ١٠/١٥٩-١٦٠) .اهـ". وأحسن ما قيل في أوجه الجمع بين هذه الأحاديث أن تحمل أحاديث الفرار من ذوي العاهات وما يفهم منه وجود العدوى على استعمال الأسباب وأن المسلم ينبغي له الابتعاد عما يتوقع أن يكون سببا في وقوع العلل به، وتحمل أحاديث نفي العدوى والأكل مع ذوي العاهات المعدية على أن السبب بذاته غير مؤثر إلا بتقدير الله ﷾". انظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٣٠٧-٣٠٨، وأطيب المنح في علم المصطلح لعبد الكريم مراد وعبد المحسن العباد ص ٢٢-٢٣) . ٥ سنن النسائي ٧/١٣٤ كتاب البيعة، باب بيعة من به عاهة. وسنن ابن ماجه ٢/١١٧٢ كتاب الطب، باب الجذام". ومسند أحمد ٤/٣٩٠".
[ ٢ / ٤٩١ ]
ورواه أحمد أيضا والطبراني كلاهما من طريق شريك بن عبد الله عن يعلى ابن عطاء به١".
والحديث مداره على هشيم وشريك وهما مدلسان وقد عنعناه٢".
ما رواه الطبراني من حديث عثمان ابن أبي العاص وهذا سياقه:
٢٢٥- حدثنا يحيى٣ بن أيوب العلاف المصري، ثنا سعيد٤ بن أبي مريم ثنا محمد٥ بن جعفر عن سهيل٦ بن أبي صالح عن حكيم٧ ابن حكيم بن عباد بن حنيف عن عثمان بن أبي العاص قال: "قدمت في وفد ثقيف حين وفدوا على رسول الله ﷺ فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ، فقالوا: "من يمسك لنا رواحلنا، وكل القوم أحب الدخول على النبي ﷺ وكره التخلف عنه، قال عثمان: "وكنت أصغر القوم، فقلت: "إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم، قالوا: "فذلك لك، فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: "انطلق بنا، قلت: "أين؟ فقالوا: "إلى أهلك فقلت ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه وقد أعطيتموني من العهد ما قد علمتم، قالوا: "فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئا إلا سألناه عنه، فدخلت فقلت يا رسول الله: "ادعوا الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال: "ماذا قلت؟ ".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٨٩ والمعجم الكبير للطبراني ٧/٣٨٠". ٢ ولكن الحديث في صحيح مسلم وقد قال النووي - ﵀ - في مقدمة شرح مسلم ١/٢٦: "واعلم أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثير منه في الصحيح بالطريقين جميعا فيذكر رواية المدلّس بعن ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الذي ذكرته". ٣ يحيى بن أيوب بن بادي - بموحدة وزن وادي - العلاف الخولاني، صدوق من الحادية عشر (ت ٢٨٩) / س (التقريب٢/٣٤٣ وتهذيب التهذيب١١/١٨٥) . ٤ سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم، ثقة ثبت فقيه". ٥ محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، ثقة من السابعة/ ع (التقريب ٢/١٥٠ وتهذيب التهذيب ٩/٩٤) . ٦ سهيل بن أبي صالح، ذكوان السمان أبو يزيد المدني، صدوق، تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا من السادسة مات في خلافة المنصور / ع (التقريب ١/٣٣٨ وتهذيب التهذيب ٤/٢٦٣) . وقال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ ١/١٣٧: "سهيل بن أبي صالح في عداد الحفاظ، وفي سير أعلام النبلاء ٥/٤٥٨ قال عنه الإمام المحدث الكبير الصادق". ٧ صدوق تقدم في حديث (١٩) .
[ ٢ / ٤٩٢ ]
فأعدت عليه القول، فقال: "لقد سألتني شيئا ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم١ وعلى من تقدم من قومك وأم الناس بأضعفهم" ٢.
فخرجت حتى قدمت عليه مرة أخرى، فقلت يا رسول الله اشتكيت بعدك، فقال: "ضع يدك اليمنى على المكان الذي تشتكي وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مرات" ٣ ففعلت فشفاني الله عز وجل٤".
_________________
(١) ١ وعنه الطبراني أيضا من طريق محمد بن سعيد بن عبد الملك عن المغيرة بن شعبة قال: "قال عثمان بن أبي العاص- وكان شابًا- وفدنا على النبي ﷺ فوجدني أفضلهم أخذا للقرآن وقد فضلتهم بسورة البقرة، فقال النبي ﷺ: "قد أمرتك على أصحابك وأنت أصغرهم فإذا أممت فأمهم بأضعفهم فإن وراءك الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة". وأصل جعله أميرا على قومه وعلى أهل الطائف ثابت عند أحمد في مسنده ٤/٢١٨ وابن ماجه في سننه ١/٣١٦ كتاب إقامة الصلاة باب من أم قوما فليخفف، وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢/٥٤١ والطبراني في عدة مواضع من معجمه الكبير، وأشار إلى ذلك مسلم والترمذي (صحيح مسلم ١/٣٤٢ كتاب الصلاة باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام) . وسنن الترمذي ١/١٣٥ كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرا ولفظه عند مسلم "آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة". ٢ جعله إمام قومه في الصلاة والأمر بتخفيف الصلاة هذا الجزء ثابت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص نفسه". صحيح مسلم ١/٣٤١ - ٣٤٢ كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، وكذا عند أحمد في مسنده ٤/٢١-٢٢ و٢١٦-٢١٧-٢١٨ وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢/٥٤١، وأبو داود في سننه ٢/٢٣٤ كتاب الصلاة، باب أخذ الأجر على التأذين". والنسائي في سننه ٢/٢٠ كتاب الآذان، باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرا". ابن ماجه في سننه ١/٣١٦ كتاب الإقامة، باب من أم قوما فليخفف". وأبو داود الطيالسي: "كما في منحة المعبود ١/١٣٢ والطبراني في معجمه الكبير، وعند أبي داود والترمذي والنسائي وأحمد والطبراني "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا". وقال الترمذي بعد إخراجه: "حديث عثمان حديث حسن صحيح". والعمل على هذا عند أهل العلم: "كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرا، واستحب للمؤذن أن يحتسب في أذانه". وقد اختلف العلماء في أخذ المؤذن أجرا، والذي رجحه الشوكاني: "أن الأجرة إنما تحرم إذا كانت مشروطة، لا إذا أعطيها بغير مسألة (نيل الأوطار ٢/٦٥-٦٦ وتحفة الأحوذي ١/٦١٨-٦٢٠، وعون المعبود ٢/٢٣٥) . ٣ هذا الجزء من الحديث جاء ما يؤيده عند مسلم في صحيحه ٤/١٧٢٨ كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء من طريق نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: "أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". ٤ المعجم الكبير للطبراني ٩/٣٣ و٣٤، و٣٧، و٣٨، و٣٩-٤١، و٤٧، و٤٨، و٥٣". وقد عزا المحقق حمدي عبد المجيد السلفي تخريج حديث رقم (٨٣٤٠) إلى حديث (٨٣٣٨) وهو خطأ".
[ ٢ / ٤٩٣ ]
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير حكيم ابن حكيم بن عباد فقد وثق١".
حديث عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عند النسائي وأبي داود الطيالسي وهذا سياقه عند النسائي: "
٢٢٦- أخبرنا هناد٢ بن السري قال: "حدثنا أبو بكر٣ بن عياش عن يحيى٤ بن هانئ عن أبي حذيفة٥ عن عبد الملك٦ بن محمد بن بشير بن عبد الرحمن٧ بن علقمة الثقفي، قال: "قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ ومعهم هدية،
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد٩/٣٧١". ٢ هناد بن السري أبو السري الكوفي، ثقة". (التقريب ٢/٣٢١) . ٣ أبو بكر بن عياش - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي، الكوفي المقرئ، الحناط - بمهملة ونون - مشهور بكنيته، اختلف في اسمه". ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح من السابعة، (ت ١٩٤) وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين أخرج له البخاري والأربعة ومسلم في المقدمة، وقد سقطت علامة البخاري من التقريب الطبعة المصرية". (التقريب ٢/٣٩٩ وتهذيب التهذيب ١٢/٣٤ وهدي الساري ص ٤٥٥، وميزان الاعتدال (٤/٤٩٩) . ٤ يحيى بن هانئ بن عروة بن قعاص المرادي الكوفي أبو داود، ثقة من الخامسة، وروايته عن ابن مسعود مرسلة". د ت س (التقريب ٢/٣٥٩ وتهذيب التهذيب ١١/٢٩٣ والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٣٠٩ والمزي في الأطراف ٧/٢٠٤ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/١٩٥ والمعرفة والتاريخ للفسوي ٣/٢٣٨ كلهم قالوا: "يحيى بن هانئ وكذا في مسند الطيالسي، ووقع في سنن النسائي يحيى بن أبي هانئ". فلعل لفظة "أبي" مقحمة من النساخ". ٥ أبو حذيفة، غير منسوب، شيخ ليحيى بن هانئ بن عروة مجهول من السادسة، ويقال اسمه عبد الله بن محمد الكوفي /س (التقريب ٢/٤١٠ وفي تهذيب التهذيب ١٢/٦٩ روى عن عبد الملك بن نسير الكوفي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي في قدوم وفد ثقيف، وعنه يحيى بن هانئ بن عروة المرادي". ٦ عبد الملك بن محمد بن بشير - ضبط ابن ماكولا بشيرا بالنون والسين المهملة - الكوفي، روى عنه عبد الرحمن بن علقمة الثقفي في وفد ثقيف، وعنه أبو حذيفة مجهول من السادسة وقال البخاري: "لم يتبن لي سماع بعضهم من بعض". روى له النسائي هذا الحديث الواحد وقد اختلف فيه". قال ابن عدي: "ليس له إلا الشيء اليسير (التقريب ١/٥٢٢ وتهذيب التهذيب ٦/٤١٩، والتاريخ الكبير ٥/٤٣١ وميزان الاعتدال ٢/٦٦٣) وقال عبد الملك بن محمد لا يعرف ما روي عنه سوى أبي حذيفة عبد الله". ٧ عبد الرحمن بن علقمة ويقال ابن أبي علقمة الثقفي مختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ أن وفد ثقيف قدموا عليه ومعهم هدية، وقيل رواه عن عبد الرحمن بن أبي عقيل عن النبي ﷺ". وروى أيضا عن عبد الله بن مسعود وعنه أبو صخرة جامع بن شداد المحاربي وعبد الملك بن محمد بن بشير الكوفي، وعون بن أبي جحيفة، وفرق ابن أبي حاتم: "بين عبد الرحمن بن علقمة الرواي حديث وفد ثقيف، وبين عبد الرحمن بن علقمة الراوي عن ابن مسعود". فقال عن الأول روى عن النبي ﷺ، وقال عن الثاني عبد الرحمن بن علقمة الثقفي ويقال ابن أبي علقمة روى عن النبي ﷺ مرسلا، وروى عن ابن مسعود وعبد الرحمن بن أبي عقيل وجعل كل واحد منهما يروي عنه جامع بن شداد وعبد الملك ابن محمد بن بشير، فالله أعلم". غير أنه جعل حديث وفد ثقيف من رواية عبد الرحمن بن علقمة، وكذا عمل البخاري". والحاصل أن عبد الرحمن راوي حديث وفد ثقيف اختلف في صحبته، فقال الخطيب ذكره غير واحد في الصحابة". وقال ابن عبد البر: "في سماعه عن النبي ﷺ نظر، وقد ذكره جماعة في الصحابة ولا يصح له صحبة". (انظر: "التقريب ١/٤٩٢ وتهذيب التهذيب ٦/٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/٢٤٨-٢٧٣ والاستيعاب لابن عبد البر ٢/٤١٦- ٤١٨ وأسد الغابة ٣/٤٧٦-٤٧٧ والإصابة ٢/٤١٢ وتاريخ البخاري ٥/٢٥٠". وقد وقع في منحة المعبود "عن عبد الملك بن علقمة أبي علقمة الثقفي" والصواب "عن عبد الملك عن عبد الرحمن بن علقمة" أو ابن أبي علقمة". ووقع في ميزان الاعتدال ٢/٦٦٣". عن عبد الملك بن محمد بن بشير "عن عبد الرحمن عن علقمة". وفي الإصابة ٢/٤١١ أخرج ابن منده من طريق عون بن أبي جحيفة عن عبد الرحمن عن علقمة "والصواب" عن عبد الرحمن بن علقمة".
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فقال: "أهدية أم صدقة؟ ١ فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله ﷺ وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله ﷿".
قالوا: "لا، بل هدية، فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسائلونه٢ حتى صلى الظهر مع العصر٣".
والحديث رواه أبو داود الطيالسي عن أبي بكر بن عياش قال حدثنا يحيى بن هانئ به٤".
قال ابن حجر: "ورواه أيضا إسحاق بن راهويه ويحيى٥ الحِمَّاني في مسنديهما من طريق أبي حذيفة عن عبد الملك٦ بن محمد بن بشير عن عبد الرحمن بن علقمة قال: "قدم وفد ثقيف على النبي ﷺ". الحديث.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من هذا الوجه.
وذكره البخاري من طريق أبي حذيفة المذكور٧".اهـ.
_________________
(١) ١ وعند أبي داود الطيالسي "فقال: "أصدقة أم هدية؟ ". ٢ عند أبي داود الطيالسي "فسألوه فما زالوا يسألونه حتى ما صلوا الظهر إلا مع العصر". ٣ سنن النسائي ٦/٢٣٦ كتاب العمري". ٤ منحة المعبود ١/١٢٦-١٢٧". ٥ يحيى بن عبد الحميد بن بشمين - بفتح الموحدة وسكون المعجمة - الحماني - بكسر المهملة وتشديد الميم، الكوفي، حافظ إلاّ أنهم اتهموه بسرقة الحديث، من صغار التاسعة (ت٢٢٨) /م ع ويقال: "إنه أول من صنف المسند في الكوفة (التقريب ٢/٣٥٢ وتهذيب التهذيب ١١/٢٤٣ وميزان الاعتدال ٤/٣٩٢) . ٦ وقع في الإصابة "من طريق أبي حذيفة عبد الملك بن محمد بن بشير" وهو خطأ". والصواب من طريق أبي حذيفة عن عبد الملك". ٧ الإصابة ٢/٤١٢". وانظر: "التاريخ الكبير للبخاري ٥/٢٥٠-٢٥٢".
[ ٢ / ٤٩٥ ]
والحديث ضعيف؛ لما يأتي:
أ- جهالة أبي حذيفة وشيخه عبد الملك بن محمد".
ب- في سماع عبد الملك بن محمد من عبد الرحمن بن علقمة نظر، فقد قال البخاري: "عبد الملك بن محمّد بن بشير عن عبد الرحمن ابن علقمة عن النبي ﷺ، حديثه في الكوفيين، ولم يتبين سماع بعضهم من بعض"١".
ج- الاختلاف في صحبة عبد الرحمن بن علقمة، وإذا لم تثبت صحبته فيكون الحديث منقطعا".
قال المزي: "حديث قدوم وفد ثقيف على النبي ﷺ، رواه النسائي في العُمْرَى عن هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ ابن عروة عن أبي حذيفة عن عبد الملك بن محمد بن بشير، عن عبد الرحمن بن علقمة به".
رواه جماعة عن أبي بكر بن عياش هكذا، ولم يسموا "أبا حذيفة" ورواه أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن يزيد أبي خالد الأسدي، عن عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم٢".
ما رواه ابن ماجه من حديث عطية بن سفيان وهذا سياقه:
٢٢٧- حدثنا محمد٣ بن يحيى ثنا أحمد٤ بن خالد الوهبي، ثنا محمد بن إسحاق عن عيسى بن عبد الله بن مالك، عن عطية٥ بن سفيان بن عبد الله بن
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٥٣١". ٢ تحفة الأشراف ٧/٢٠٤ حديث (٩٧٠٧) وحديث أحمد بن يونس في المعرفة والتاريخ للفسوي ١/٢٨٨، وانظر الإصابة ٢/٤١١". ٣ محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، النيسابوري ثقة حافظ جليل، من الحادية عشرة (ت ٢٥٨) على الصحيح /خ ع". (التقريب ٢/٢١٧ وتهذيب التهذيب ٩/٥١١) . ٤ أبو سعيد الكندي صدوق، تقدم في حديث (٣٢) . ٥ عطية بن سفيان بن عبد الله بن ربيعةالثقفي، صدوق، من الثالثة وهم من عده صحابيًا /ق (التقريب ٢/٢٤ والإصابة ٣/١٦٧ و٢/٥٠٢) وفي تهذيب التهذيب ٧/٢٢٦ قال: "ذكره الطبراني في الصحابة لأن في روايته عن عطية بن سفيان قال قدم وفد ثقيف، هكذا وقع عنده مرسلًا، لم يقل عن وفد ثقيف فظنه الطبراني صحابيا فذكره في المعجم، وتبعه أبو نعيم وذكره في المعرفة، وقال: "فيه نظر". اهـ". (والحديث في المعجم الكبير للطبراني ١٧/١٦٩ ومجمع الزوائد ٢/٢٨) . ووقع في معجم الطبراني "عن عطية بن سفيان عن عبد الله" والصواب "عن عطية ابن سفيان بن عبد الله". فلظفة (ابن) حرفت إلى (عن) .
[ ٢ / ٤٩٦ ]
ربيعة، قال: "ثنا وفدنا الذين قدموا على رسول الله ﷺ، بإسلام ثقيف، قال: "وقدموا عليه في رمضان، فضرب عليهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا ما بقي عليهم من الشهر"١".
في الزوائد: "في إسناد محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن عيسى بن عبد الله، قال ابن المديني: "وتفرد بالرواية عنه". وقال: "عيسى ابن عبد لله مجهول٢".
قلت: "في سيرة ابن هشام والروض الأنف نحو هذا الحديث وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث وهذا سياقه:
حدثني عيسى٣ بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة عن بعض وفدهم قال: "كان بلال يأتينا - حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله ﷺ ما بقي من رمضان - بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله ﷺ فيأتينا وإنا لنقول: "إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: "قد تركت رسول الله ﷺ يتسحر، لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا٤ وإنا لنقول: "ما نرى الشمس كلها ذهبت بعد٥، فيقول: "ما جئتكم حتى أكل رسول الله
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه ١/٥٥٩ كتاب الصيام، باب فيمن أسلم في شهر رمضان". ٢ انظر تهذيب التهذيب ٨/٢١٧ والتقريب ٢/٩٩". وقال عيسى بن عبد الله بن مالك الدار وهو مالك بن عياض العمري مولاهم، وقال بعضهم: "عبد الله بن عيسى بن مالك وهو وهم". التقريب ٢/٩٩". ٣ وقع في سيرة ابن هشام والروض ألأنف: "حدثني عيسى بن عبد الله بن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي، فقوله: "عيسى بن عبد الله (بن عطية) خطأ والصواب: "عيسى بن عبد الله عن عطية، فحرف (عن) إلى (بن) فصار الاسمان اسما واحدا". ٤ قال ابن هشام "بفطورنا وسحورنا". ٥ تعجيل الفطر وتأخير السحور، ثابت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". ومن حديث زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى لصلاة، قلت، كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: "قدر خمسين آية صحيح البخاري ٣/٢٦ كتاب الصيام، باب كم قدر بين السحور وصلاة الفجر و٣٣ باب تعجيل الإفطار". وصحيح مسلم ٢/٧٧١ كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر".
[ ٢ / ٤٩٧ ]
- ﷺ - ١ ثم يضع يده في الجفنة فيلتقم منها"٢".
قال ابن حجر: "اختلف في هذا الحديث على ابن إسحاق اختلافا كثيرا فقال يونس بن بكير في زيادات المغازي، حدثني إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري حدثني عبد الكريم حدثني علقمة بن سفيان، قال: "كنت في الوفد من ثقيف فضربت لنا قبة فكان بلال يأتينا بفطرنا من عند رسول الله ﷺ". الحديث، وكذا أخرجه البغوي والطبراني من طريق يونس بن بكير٣".
وقال الطبراني: "تفرد به إسماعيل، وليس كما قال، فقد رواه البزار من رواية الضحاك بن عثمان عن عبد الكريم فقال: "عن علقمة بن سهيل الثقفي، وقال: "لا نعلم له غيره٤".
ورواه ابن إسحاق، فقال ابن عبد البر: "اضطربوا فيه". ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "قلت: "ورواه زياد البكائي عن ابن إسحاق عن عيسى عن عبد الله عن علقمة بن سفيان".
ورواه إبراهيم بن مختار عن ابن إسحاق عن عيسى عن سفيان٥ ابن عطية فقلبه".
وقال أحمد بن خالد الذهبي عن ابن إسحاق عن عيسى عن عطية حدثنا وفدنا، أخرجه ابن ماجه، ورواية أحمد بن خالد أشبه بالصواب، فإن عطية بن سفيان تابعي معروف، ولم أقف في شيء من طرقه على تسمية والد سفيان.
_________________
(١) ١ وعند الوقدي "وكان بلال يأتيهم بفطرهم، ويخيل إليهم أن الشمس لم تغب، فيقولون: "ما هذا من رسول الله إلا استبار لنا، ينظر كيف إسلامنا، فيقولون: "يا بلال، ما غابت الشمس بعد، فيقول بلال: "ما جئتكم حتى أفطر رسول الله ﷺ (مغازي الواقدي ٣/٩٦٨) . والاستبار: "الامتحان والاختبار ليعلم حقيقة الشيء (النهاية ٢/٣٣٣) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٥٤٠-٥٤١ والروض الأنف ٧/٣٣٥ والبداية والنهاية ٥/٣٢، وشرح المواهب ٤/٨". ٣ روى هذا الحديث في الأوسط فإني لم أجده في المعجم الكبير والصغير والذي وجدته في المعجم الكبير من غير طريق يونس بن بكير". وقد قال الهيثمي بعد إيراد هذا الحديث رواه الطبراني: "في الأوسط والكبير بنحوه، (وانظر سياق حديث الطبراني في الكبير ص ٤٨٧ تعليقة (٢) . ٤ انظر رواية البزار ١/٤٦٦-٤٦٧ من كشف الأستار. ٥ يعني هو عطية بن سفيان، فجعله سفيان بن عطية.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وقد نسبه ابن مندة وغيره فقالوا: "علقمة بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، وهذا هو نسب عطية التابعي: "ثم قال ابن حجر قلت: "قول الضحاك بن عثمان: "علقمة بن سهيل، أولى من قول إسماعيل: "علقمة بن سفيان، فإن علقمة في رواية ابن إسحاق محرف من عطية، بخلاف رواية عبد الكريم١". إهـ".
والحاصل أن ابن حجر رجح رواية أحمد بن خالد الذهبي وهي رواية ابن ماجه وفيها عيسى بن عبد الله مقبول".
والحديث أورده الهيثمي ثم قال: "رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، إلا أنه قال: "علقمة بن سفيان عن عبد الكريم عن علقمة، ولم أجد من اسمه عبد الكريم، وقد سمع من صحابي وبقية رجاله ثقات٢".
وهذه والأحاديث المتعلقة بقدوم وفد ثقيف وموقفهم من الإسلام، فيها الصحيح والحسن والضعيف كما مر ذلك مفصلا، وقد بقي علينا مما يتعلق بثقيف "هدم اللات" وكتاب رسول الله ﷺ لهم فيما يتعلق بيد "وج" وعضاهه، وفيما يأتي بيان ذلك:
_________________
(١) ١ الإصابة ٢/٥٠٢ و٣/١٦٧ وتهذيب التهذيب ٧/٢٢٦ وأسد الغابة ٤/٤٣-٤٤. ٢ مجمع الزوائد ٣/١٥٢ والمعجم الكبير للطبراني ١٧/١٦٩". وهذا سياق الحديث في المعجم الكبير: "حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي حدثنا محمد بن إسحاق عن عيسى بن عبد الله بن مالك عن عطية بن سفيان بن عبد الله قال: "قدم وفد من ثقيف على رسول الله ﷺ في رمضان فضرب لهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا معه". قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٨ رواه الطبراني في الكبير وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه". وقد وقع في المعجم الكبير للطبراني "عن عطية بن سفيان عن عبد الله" والصواب "عن عطية بن سفيان بن عبد الله"، بإسقاط "عن" بين سفيان وعبد الله، انظر حاشية ص ٤٨٤ تعليقة (٥) ما قاله ابن حجر حول حديث الطبراني هذا".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
(هدم اللات)
قال ابن إسحاق: "فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم١، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: "ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بما له بذي الهدم٢، فلما دخل المغيرة بن شعبة، علاها يضربها بالمعول٣، وقام قومه دونه - بنو متعب - خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا٤ يبكين عليها ويقلن:
_________________
(١) ١ قال الزرقاني: "كذا عند ابن إسحاق وغيره أن أبا سفيان والمغيرة ذهبا مع الوفد". وفي رواية أنهم تأخروا عنهم أياما حتى قدموا، وأن الوفد لما قدموا تلقاهم ثقيف فقصدوا اللات ونزلوا عندها فسألوهم ماذا جئتم به، فقالوا: "أتينا رجلًا فظًا غليظًا قد ظهر بالسيف وداخ له العرب قد عرض علينا أمورا شدادا: "هدم اللات، فقالت ثقيف: "والله لا نقبل هذا أبدا، فقال الوفد: "أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال فمكثوا يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فقالوا: "والله مالنا به من طاقة فارجعوا فأعطوه ما سأل، فقال الوفد: "فإنا قاضيناه وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس، وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، فاقبلوا عافية الله". فقالت ثقيف: "فلم كتمتمونا هذا الحديث؟ ". فقالوا: "أردنا أن ننزع من قلوبكم نخوة الشيطان - أي الكبر والعظمة - فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم رسل النبي ﷺ لهدم اللات". فإن صح هذا فيحتمل أنهم خرجوا من المدينة مصاحبين للوفد، ثم أخروهم في مكان لكي يستألف الوفد قومهم قبل قدومهما حتى لا يكون نزاع (شرح المواهب ٤/٩) . قلت: "والقول بأن أبا سفيان والمغيرة لم يخرجا مع الوفد هو قول موسى بن عقبة والواقدي". وعند موسى بن عقبة أيضا: "فقال كنانة بن عبد ياليل: "أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموهم القضية وخوّفوهم بالحرب والقتال، وأخبروهم أن محمدًا سألنا أمورًا أبيناها عليه، سألنا أن نهدم اللات" الخ". وأن رسول الله ﷺ أمر على الوفد الذي قدم لهدم اللات خالد بن الوليد". وعند الواقدي: "أن الذي قال: "أنا أعلم الناس بثقيف خوفوهم الحرب". هو عبد ياليل". وأن الوفد استأذن من النبي ﷺ أن ينالوا من الرسول ﷺ حتى يتمكنوا من إسلام قومهم فرخص لهم". (زاد المعاد ٣/٥٩٧ والبداية والنهاية ٥/٣٣ ومغازي الواقدي ٣/٩٦٩) . ٢ كذا "بذي الهدم". وقال الزرقاني: "بذي الهرم" بالهاء والراء وهو محل بالطائف (شرح المواهب ٤/٩) وكذا في البداية والنهاية لابن كثير ٥/٣٣". ٣ المعول: "بكسر الميم وإسكان المهملة وفتح الواو: "الفأس العظيمة يقطع بها الصخر، والجمع معاول (مختار الصحاح ص ٤٦٣) . ٤ حسر: "بضم الحاء وفتح السين المشددة وراء مهملات: "أي متكشفات". وعند موسى ابن عقبة "وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال، ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لأصحابه: "والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: "والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله فاعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرا حتى سووها بالأرض وجعل سادنها يقول: "ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: "دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله على اعتزاز دينه ونصرة رسوله: " (البداية والنهاية ٥/٣٣-٣٤، وشرح المواهب ٤/٩) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
لتبكين دفاع أسلمها الرضاع١
لم يحسنوا المصاع
قال ابن إسحاق: "ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس: "وآهالك آهالك٢ فلما هدمها المغيرة، وأخذ مالها وحليها٣ أرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموعة ومالها من الذهب والجزع٤، وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله ﷺ قبل وفد ثقيف، حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شيء أبدا فأسلما، فقال لهما رسول الله ﷺ توليا ما شئتما؟ فقالا: "نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: "وخالكما أبا سفيان بن حرب"، فقالا: "وخالنا أبا سفيان بن حرب".
فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله ﷺ أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسول الله ﷺ أبو مليح بن عروة أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية٥، فقال له رسول الله ﷺ: "نعم، فقال له قارب بن الأسود: "وعن الأسود يا رسول الله، فاقضه - وعروة والأسود أخوان لأب وأم - فقال رسول الله ﷺ: "إن الأسود مات مشركا، فقال قارب لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله، لكن تصل
_________________
(١) ١ سميت "دفاع" لأنها كانت تدفع عنهم، وتنفع وتضر على زعمهم "والرضاع" الئام، و"المصاع": "المضاربة بالسيوف، (القاموس المحيط ٣/٢١ و٣٠ و٨٥) . ٢ آهالك: "كلمة تقال في معنى التأسف والتحزن (مختار الصحاح ص ٣٤) . ٣ حليها: "بضم الحاء وكسر اللام والياء المشددة، جمع حلى بفتح فسكون، عطف خاص على عام (شرح المواهب ٤/٩) . ٤ الجَزْع والجِزْع: "الخرز اليماني الصيني، فيه سواد وبياض تشبه به الأعين (القاموس المحيط ٣/١٢) . ٥ عند ابن سعد فقال أبو مليح: "يا رسول الله إن أبي قتل وعليه دين مائتا مثقال ذهب فإن رأيت أن تقضيه من حلي الربة، يعني اللات، فعلت، فقال رسول الله ﷺ: "نعم" فقال قارب بن الأسود: "يا رسول الله وعن الأسود بن مسعود أبي فإنه ترك دينا مثقال دين عروة، فاقضه عنه من مال الطاغية".
[ ٢ / ٥٠١ ]
مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، إنما الدين علي، وإنما أن الذي أطلب به، فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية، فلما جمع المغيرة مالها، قال لأبي سفيان إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقضي عن عروة والأسود دينهما فقضى عنهما"١".
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤١-٥٤٢ والروض ألأنف ٧/٣٣٦-٣٣٧ وتاريخ الطبري ٣/٩٩-١٠٠ وأسد الغابة ٤/٣٧٥-٣٧٦ و٦/٢٩٩ والبداية والنهاية ٥/٣٢-٣٤ والإصابة ٣/٢١٩ و٤/١٨٤ ومغازي الواقدي ٣/٩٦٩-٩٧٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٥٠٤-٥٠٥".
[ ٢ / ٥٠٢ ]
(كتاب الرسول ﷺ لثقيف) .
قال ابن إسحاق: "وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم:
٢٢٨- بسم الله الرحمن الرحيم: "من محمد النبي، رسول الله، إلى المؤمنين: "عن عضاه١ وج وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي محمد، وإن هذا أمر النبي محمّد ﷺ، وكتب خالد بن سعيد: "بأمر الرسول محمّد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ﷺ" ٢".
هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد".
وقد جاء في "وج" أيضا حديث عروة بن الزبير عن أبيه عند أبي داود وأحمد والحميدي والبيهقي وهذا سياقه عند أبي داود:
_________________
(١) ١ عضاه: "بمهملة مكسورة ومعجمة وآخرها هاء، لا تاء - كل شجر ذي شوك "ووج" بفتح الواو وشد الجيم واد بالطائف، وغلط من قال بأنه بلد في الطائف، أي حصن من حصون الطائف". وسميت "وجا" بوج بن عبد الحق من العمالقة وقيل من خزاعة". (معجم البلدان ٥/٣٦١ والقاموس المحيط ١/٢١١ وشرح المواهب ٤/٩ و١٠ وفي المجاز بين اليمامة والحجاز ص: "٢٦٤، و٢٦٥ قال: "أما أودية الطائف فمن أبرزها وأنبهها ذكرا وادي "وج" وكانت المدينة تسمى باسمه قديما حتى أطيف حولها بسور فسميت الطائف، على ما جاء في الأخبار من تحصن ثقيف بمدينتهم حينما زاحمهم العرب على بلادهم". إ هـ". وانظر: "معجم المعالم الجغرافية للبلادي ص ٣٣١ وفي مسند أحمد ٦/٤٠٩ والحميدي ١/١٦٠ من طريق عمر بن عبد العزيز الأموي قال: "زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم أن رسول الله ﷺ خرج محتضنا أحد ابني ابنته وهو يقول: "والله إنكم لتجبنون وتبخلون وأنكم لمن ريحان الله ﷿ وأن آخر وطأة وطئها الله بوج". وقال سفيان - ابن عيينة - مرة "إنكم لتبخلون وإنكم لتجبنون" لفظ أحمد، والحديث أخرجه الترمذي في سننه٣/ ٢١٢ كتاب البر والصلة باب ما جاء في حب الوالد لولده "دون قوله ﵇" وإن آخر وطأة وطئها الله بوج". وقال حديث ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة، لا نعرفه إلا من حديثه، ولا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة". قلت: "وفيه أيضا محمد بن أبي سويد "مجهول" كما في التقريب ٢/١٦٨، وعند أحمد أيضا في مسنده ٤/١٧٢ من طريق سعيد بن أبي راشد عن يعلى بن مرة العامري الثقفي "أنه جاء حسن وحسين يستبقان إلى رسول الله ﷺ فضمهما إليه، وقال: "إن الولد مبخلة مجبنة وأن آخر وطأة وطئها الرحمن ﷿ بوج" وفيه سعيد بن راشد "مقبول" كما في التقريب ١/٢٩٥ وفسر وج بالطائف، والوطأة بالغزاة وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله ﷺ (تحفة الأحوذي ٦/٣٦-٣٨ الفتج الرباني ١٩/٤٤) ورواه ابن ماجه (٢/ ١٢٠٩)، كتاب الأدب". باب بر الوالد والإحسان إلى البنات من طريق سعيد بن أبي راشد بقصة الولد فقط". (سيرة ابن هشام ٢/٥٤٢-٥٤٣ والروض الأنف ٧/٣٣٧، وزاد المعاد ٣/٥٠١ والبداية والنهاية ٥/٣٤ وشرح المواهب ٤/٩-١٠) .
[ ٢ / ٥٠٣ ]
٢٢٩- حدثنا حامد١ بن يحيى أخبرنا عبد الله٢ بن الحارث عن محمد٣ بن عبد الله بن إنسان الطائفي عن أبيه٤ عن عروة بن الزبير عن الزبير قال: "لما أقبلنا٥ مع رسول الله ﷺ من لية٦ حتى إذا كنا عند السدرة٧ وقف رسول الله ﷺ في طرق قرن٨ الأسود حذوها٩، فاستقبل نخبا١٠ ببصره١١ مرة واديه١٢، ووقف حتى اتقف١٣ الناس كلهم، ثم قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرم الله،
_________________
(١) ١ حامد بن يحيى بن هانئ البلخي، أبو عبد الله، نزيل طرسوس، ثقة حافظ من العاشرة (ت ٢٤٢) /د (التقريب ١/١٤٦ وتهذيب التهذيب ٢/١٦٩) . ٢ عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي، أبو محمد المكي، ثقة، من الثامنة / م ع (التقريب ٢/١٧٥ وتهذيب التهذيب ٩/٢٤٨) . ٣ محمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي الطائفي، لين الحديث من السادسة / د (التقريب ٢/١٧٥ وتهذيب التهذيب ٩/٢٤٨) . ٤ عبد الله بن إنسان الثقفي، لين الحديث من السادسة /د (التقريب ١/٤٠٢ وتهذيب التهذيب ٥/١٤٩) . ٥ وعند أحمد والحميدي والبيهقي: "قال": "أقبلنا مع رسول الله ﷺ". ٦ لية: "بتشديد الياء وكسر اللام، من نواحي الطائف، مر به رسول الله ﷺ حين انصرافه من حنين يريد الطائف (معجم البلدان ٥/٣٠) انظر ص ٢٨٢". وفي المجاز بين اليمامة والحجاز ص ٢٤٣و٢٥٣و٢٥٥و٢٦٦ قال: "لية واد أعلاه لثقيف وأسفله لنصر، وتمتاز منطقة "لية" بجودة الرمان". ٧ السدرة: "شجرة النبق، وفي معجم البلدان ٥/٢٧٥-٢٧٦ قال: "مر رسول الله ﷺ من طريق يقال لها الضيقة ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة". ٨ القرن: "بفتح القاف وسكون الراء جبل صغير في الحجاز بقرب الطائف". ٩ حذوها: "أي مقابل السدرة (عون المعبود ٦/١١) . ١٠ نخب: "بالفتح ثم الكسر ثم باء موحدة، واد بالطائف". وقال الأخفش: "نخب بفتحتين واد بأرض هذيل، وقيل: "واد بالطائف على ساعة (معجم البلدان ٥/٢٧٥ والقاموس المحيط ١/١٣٠) وفي المجاز بين اليمامة والحجاز ٢٦٥-٢٦٦ قال: " (نخب) واد من أودية الطائف ينحدر شرقا بميل إلى الشمال جاعلا وادي "لية" وحمى "سيسد" يساره، وأعلاه "خشب" و"أم العراد" ويسيل فيه شعاب السداد الجنوبية، والردف وشعاب الحليفة الشمالية وينتظم قرى ومزارع إلى أن يفضي إلى ركبة". ١١ ببصره: "متعلق استقبل النبي ﷺ نخبا ببصره وعينه". ١٢ وقال مرة واديه: "أي وقال الراوي مرة أخرى (واديه) أي استقبل وادي الطائف وهو نخب، ووقف النبي ﷺ (عون المعبود ٦/١٢) . ١٣ اتقف: "مطاوع وقف، أي حتى وقفوا، يقال: "وقفته فوق واتقف، وأصله أوتقف على وزن افتعل، من الوقوف، فقلبت الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها ثم قلبت الياء تاء وأدغمت في تاء الافتعال، مثل وصفته فاتصف، ووعدته فاتعد". (النهاية ٥/ ٢١٦ وجامع الأصول ٩/٣٥٤ ولسان العرب ١١/٢٧٩) .
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وذلك قبل١ نزوله الطائف وحصاره لثقيف"٢".
والحديث أخرجه أحمد والحميدي كلاهما عن عبد الله بن الحارث ابن عبد الملك حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي عن أبيه به٣".
وأخرجه البيهقي من طريق الحميدي٤".
والحديث فيه علتان:
الأولى: "محمد بن عبد الله بن إنسان وأبوه عبد الله بن إنسان، فقد ساق البخاري هذا الحديث في ترجمة محمد بن إنسان، ثن قال: "ولم يتابع عليه".
وقال في ترجمة والده "عبد الله بن إنسان عن عروة بن الزبير عن أبيه"، روى عنه ابنه محمد "لم يصح حديثه"٥".
وقال أبو حاتم: "محمد بن عبد الله بن إنسان ليس بالقوي، وفي حديثه نظر ولم يذكر في عبد الله جرحا ولا تعديلا٦".
وقد لينهما ابن حجر كما تقدم٧.
الثانية: "الانقطاع بين عروة وأبيه، فقد قال ابن قيم الجوزية: "في سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه"٨.
وقال الدارقطني: "لا يصح سماعه من أبيه"٩.
_________________
(١) ١ قوله: "وذلك نزوله الطائف".".". الخ" قال في عون المعبود ٦/١٣: "ليس من قول أبي داود المؤلف ولا شيخه حامد بن يحيى، لأن أحمد بن حنبل أخرجه من طريق عبد الله بن الحارث وفيه هذه الجملة أيضا، فيشبه أن يكون هذا القول ما دون الزبير بن العوام الصحابي". قلت: "وكذلك أخرج الحميدي عن عبد الله بن الحارث وفيه الجملة المذكورة". ٢ سنن أبي داود ١/٤٦٨ كتاب المناسك". تحت باب في مال - الكعبة". ٣ مسند أحمد ١/١٦٥، ومسند الحميدي١/٣٤". ٤ السنن الكبرى ٥/٢٠٠ ٥ التاريخ الكبير ١/١٤٠و ٥/٤٥". ٦ الجرح والتعديل ٥/٨ و٧/٢٩٤". ٧ انظر حديث (٢٢٩) . ٨ زاد المعاد ٣/٥٠٨". ٩ تهذيب التهذيب ٧/١٨٥".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وهي علة قادحة تمنع صحة الحديث بمفردها، كيف وقد انضم إليها ضعف محمد بن إنسان وأبيه".
والخلاصة: "أنه ورد في "وج" حديثان:
الأول: "ما ذكره ابن إسحاق وهو بدون إسناد".
الثاني: "حديث عروة عن أبيه، وقد سمعت ما فيه".
ومن هنا اختلف العلماء في "وج" هل هو حرم أم لا، فذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس بحرم، وأن الحديث الوارد فيه ضعيف لا تقوم بمثله حجة، تفرد به عبد الله بن إنسان وهو ضعيف ولا متابع له".
قال الخطابي: "ولست أعلم لتحريمه وجها إلا أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله "وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، ثم عاد الأمر إلى الإباحة كسائر بلاد الحل، ومعلوم أن عسكر رسول الله ﷺ إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا أهلها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق، فدل ذلك على أنها حل مباح، وليس يحضرني في هذا وجه غير ما ذكرته"١.اهـ
قال في عون المعبود: "وفي ثبوت هذا القول أي كون تحريم "وج" قبل نزول الطائف نظر، لأن محمد بن إسحاق ذكر أن رسول الله ﷺ كتب لثقيف كتابا وفيه "تحريم صيد وج وعضاهه وكان ذلك بعد وقعة الطائف وبعد إسلام أهلها"٢". اهـ".
وقد صحح الشافعي حديث الباب وعمل بمقتضاه".
فقد أورد الذهبي الحديث في ترجمة عبد الله بن إنسان، ثم قال: "صحح الشافعي حديثه واعتمده٣".
قلت: "وصححه الساعاتي٤".
_________________
(١) ١ جامع الأصول ٩/٣٥٣-٣٥٤ والنهاية ٥/١٥٤-١٥٥". وعون المعبود ٦/١٣". ٢ المصدر السابق ٦/١٣-١٤". ٣ ميزان الاعتدال ٢/٣٩٣". ٤ الفتح الرباني ٢٣/٣٠٠".
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وقال ابن حجر: "سكت عليه أبو داود، وحسنه المنذري١".
وسكت عليه عبد الحق٢، فتعقبه ابن القطان٣ بما نقل عن البخاري أنه لم يصح وكذا قال الأزدي٤". اهـ٥".
وقال ابن تيمية - في أثناء كلامه عن الحرم المكي والمدني: "وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره، إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرما كما يسمي الجهال، فيقولون: "حرم المقدس، حرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه حرم مكة".
وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: "إلا في "وج" وهو واد بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم"٦".
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن جماهير العلماء على إباحة صيد "وج" وقطع شجره".
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "أكره صيد وج، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم، واختلفوا فيه على قول بحرمته، هل فيه جزاء كحرم المدينة، أو لا شيء فيه؟ ولكن يؤدب قاتله، وعليه أكثر الشافعية، ثم قال: "وحجة من قال بحرمة صيد "وج" ما رواه أبو داود".
وأحمد والبخاري في التاريخ، عن الزبير بن العوام - ﵁ -".
"أن النبي ﷺ قال: "صيد وج محرم" الحديث.
_________________
(١) ١ هو عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد الحافظ الكبير الإمام الثبت شيخ الإسلام زكي الدين أبو محمد المنذري الشافعي ثم المصري، له مختصر صحيح مسلم (٥٨١-٦٥٦) . (الذهبي: "تذكرة الحفاظ ٤/١٤٣٦-١٤٣٨) . ٢ تقدمت ترجمته في حديث (١٢٧) . ٣ هو أبو الحسن علي بن محمد الفاسي تقدمت ترجمته في حديث (٦٣) . ٤ هو الحافظ العلامة أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي، نزيل بغداد له مصنف كبير في الضعفاء، وهو قوي النفس في الجرح، وهاه جماعة بلا مستند طائل (ت ٣٧٤هـ) (الذهبي: "تذكرة الحفاظ ٣/٩٧٦) . ٥ التلخيص الحبير ٢/٢٨٠". ٦ مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/١١٧-١١٨".
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ثم ذكر ما قاله البخاري والذهبي وابن حجر في هذا الحديث، ثم قال: "فإذا عرفت هذا ظهر لك أن حجة الجمهور في إباحة صيد وج، وشجره كون الحديث لم يثبت، والأصل براءة الذمة١".
وبهذا يكون صيد وج وشجره حلالا، لعدم نهوض الدليل الدال على المنع من ذلك".
وخير ما نختم به هذا المبحث أن نذكر بعضا من الأحكام الفقهية التي ذكرها العلامة ابن قيم الجوزية فقال:
وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم، ثم قدم مسلما، لم يتعرض له الإمام، ولا لما أخذه من المال ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرض النبي ﷺ لما أخذ المغيرة من أموال الثقفيّين، ولا ضمن أتلفه عليهم، وقال "أما الإسلام فأقبل، أما المال فلست منه في شيء٢، ومنها جواز إنزال المشرك في المسجد٣، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه، وتمكينه من سماع القرآن، ومشاهدة أهل الإسلام وعبادتهم".
ومنها: "حسن سياسة الوفد، وتلطفهم حتى تمكنوا من إبلاغ ثقيف ما قدموا به فتصوروا لهم بصورة المنكر لما يكرهونه الموافق لهم فيما يهوونه حتى ركنوا إليهم واطمانوا فلما علموا أنه ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاؤوهم ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقروا به، ولا أذعنوا، وهذا من أحسن الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتي إلا مع ألباء الناس وعقلائهم".
ومنها: "أن المستحق لإمرة القوم وإمامتهم أفضلهم وأعلمهم بكتاب الله وأفقههم في دينه".
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/١٦٧ وانظر: "عون المعبود ٦/١٢-١٥ وشرح المواهب ٤/١٠". ٢ أصل القصة المغيرة هذه في صحيح البخاري ٣/١٧٠ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، وقد تقدم ص ٤٦٥ تعليقاته (٥) . ٣ في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ بعث خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد". الحديث ١/٨٣ كتاب الصلاة باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضا في المسجد".
[ ٢ / ٥٠٨ ]
ومنها: "هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيتا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله، وانفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير١، وهكذا حال المشاهد المبينة على القبور التي تعبد من دون الله، ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام، ويجب هدمها، ولا يصح وقفها، ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام، ويستعين بها على مصالح المسلمين، وكذلك ما فيها من الآلات، والمتاع والنذور التي تساق إليها".
يضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام، للإمام أخذها كلها وصرفها في مصالح المسلمين، كما أخذ النبي ﷺ أموال بيوت هذه الطواغيت، وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد، سواء من النذور لها، والتبرك بها، والتمسح بها، وتقبيلها واستلامها، هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه".
ومنها: "استحباب اتخاذ المساجد مكان بيوت الطواغيت، فيعبد الله وحده، لا يشرك به شيء في الأمكنة التي كان يشرك به فيها٢ وهكذا الواجب في مثل هذه المشاهد أن تهدم، وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون وإلا أقطعها الإمام هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم".
ومنها: "أن العبد إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتفل عن يساره، ولم يضره ذلك، ولا يقطع صلاته٣، بل هذا من تمامها وكمالها٤".
_________________
(١) ١ الحانوت: "دكان الخمار، ومحل التجارة وجمعه حوانيت، والحانة البيت الذي يباع فيه الخمر وهو الحانوت أيضا ويجمع على حانات". والمواخر والمواخير: "مجمع أهل الفسق والفساد". (المصباح المنير ١/١٩٠-١٩١والقاموس المحيط ١/١٤٦ والمعجم الوسيط ١/٢٠١، و٢/٨٥٧) . ٢ تقدم في الحاشية ص ٤٦٦ تعليقة (١) حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، في أمر رسول الله ﷺ له أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم". ٣ الحديث الوارد في هذا في صحيح مسلم وقد تقدم في حاشية ص ٤٨١ تعليقة (٣) . ٤ زاد المعاد ٣/٦٠٠-٦٠٢".
[ ٢ / ٥٠٩ ]