مدخل
ما كادت الدولة التي أنشأها النبي -ﷺ- في يثرب تقوم، حتى بدأ بينها وبين خصومها صراع عنيف استعمل فيه اللسان كما استخدم فيه السيف، وقامت فيه الدبلوماسية بدورها إلى جانب القوة المسلحة، وظهرت فيه قوة الأحلاف القديمة بترابطها ومصالحها المشتركة. كما ظهرت آثار الخصومة القديمة بين القبائل والطوائف سواء في داخل المدينة أو خارجها. ولعب تشابك المصالح أو تعارضها دورًا مهمًا في توجيه الصراع وتقرير مصيره.
ولقد ظهر للدولة اليثربية خصوم في داخلها وفي خارجها. ولم يمضِ وقت كبير حتى اتفقت مصلحة الخصوم في الداخل والخارج. وتضافرت جهودهم على سحق قوة المدينة والقضاء عليها، وخنق الدين الجديد الذي قامت الدولة على أساسه. ومحاولة القضاء على صاحب هذا الدين حتى تعود الحالة إلى ما كانت عليه من قبل.
ولم يكن خطر الخصوم الداخليين بأقل أثرًا من خطر الخصوم الخارجيين؛ بل إنه أحيانًا يكون أشد على الدولة. فإنه يربك داخليتها ويفكك جبهتها ويجعلها عرضة للسقوط أمام أي هجوم خارجي. وقد تمثل هذا الخطر في طائفتين من طوائف يثرب. فأما الطائفة الأولى فهم اليهود الذين رحبوا بالنبي -ﷺ- أول الأمر ظنًّا منهم أنهم يستطيعون استمالته إلى جانبهم ليستفيدوا منه في تقوية مركزهم في يثرب وتدعيم مصالحهم بها؛ ولكن النبي -ﷺ- كان صاحب هدف أكبر من الأغراض المحلية. ومن هنا بدأ تعارض المصالح واضحًا بين الطرفين، فأخذ اليهود يكيدون للدين الجديد وللوحدة
الجديدة التي أقامها النبي -ﷺ- بين عرب يثرب، ثم اتصلوا بالعدو الخارجي ونظموا معه قوة كبيرة لسحق المدينة.
وأما الطائفة الثانية فكانوا جماعة من الأوس والخزرج دخلوا في الإسلام مراعاة لدخول عشائرهم، لكنهم كانوا مسلمين في الظاهر يستخفون بالكفر في باطنهم، وكان على رأس هذه الجماعة بعض الزعماء الذين فاتتهم مصالح عاجلة، وعجزوا عن مقاومة الوضع الجديد، وكان وجود هذه الجماعة غير المخلصة أمرًا بالغ الخطورة في كيان الدولة؛ لكن النبي -ﷺ- عالج الموقف بالحكمة والأناة، وَوَكَل أمر هذه الجماعة إلى عشائرها وقد ظل يتقي خطرها حتى ضعف أمرها شيئًا فشيئًا.
[ ٣٣٣ ]
وأما خصوم الدولة الخارجيون، فكانوا قريشًا ومن ارتبط بها من قبائل العرب على أساس المصلحة المشتركة. وقد عملت قريش منذ الهجرة على إحباط مشروعات النبي -ﷺ- في المدينة بالاتصال بالطوائف المناوئة في الداخل، كما عملت على كسر شوكة الدولة اليثربية بانتهاك حرمة أراضيها ثم بالهجوم عليها بغية سحقها وتدميرها. وقد شاركت القبائل الموالية لقريش في هذا العمل إما بمحاولة الإغارة على أطراف الدولة وإما بالمشاركة في جيوش قريش؛ لكن موقف القبائل كان دائمًا مرتبطًا بمصالحها وكان من الممكن تحويلها من جانب إلى آخر حسب مصالحها؛ ولذلك لم يكن موقف القبائل ثابتًا، وقد استطاع النبي -ﷺ- تدريجيًّا أن يحولها إلى جانبه، حتى إذا ما مضت ثماني سنوات كان موقف القبائل قد تعدل نهائيًّا لصالح يثرب. وفي كل أدوار هذا الصراع استخدم الطرفان المتنازعان -ونعني بهما المدينة ومكة التي هي العدو الأول وحولها التف كل الخصوم- كل ما يملكان من قوة مادية وأدبية، وكان النصر معقودًا لمن يستطيع أن يتفوق على الآخر في توجيه الأمور توجيهًا سليمًا مبنيًّا على إدراك قوي للموقف الداخلي والخارجي في المدينتين، وعلى فهم طبائع النفوس وتوجيهها لمصلحته.
[ ٣٣٤ ]
*
الفصل الأول: الصراع بين مكة والمدينة
قبل أن ندخل في تفاصيل هذا الصراع يحسن أن نلقي ضوءًا على الحالة الداخلية في كل من المدينتين، فإن الظروف الداخلية في كل منهما لعبت دورًا خطيرًا في هذا الصراع، وكان تنظيم الجبهة الداخلية من العوامل الحاسمة في تفوق إحداهما على الأخرى. ولم تكن الجبهة الداخلية في كل من المدينتين سليمة كل السلامة؛ بل كان في كل منهما نقطة ضعف خطيرة سببت لكل منهما متاعب كبيرة. وكان نجاح إحداهما في تسوية مشاكلها هو العامل الأكبر في تفوقها فيما قام بينهما من صراع.
[ ٣٣٥ ]
الحالة الداخلية في يثرب "المدينة"
كان في المدينة عنصران من عناصر الضعف، وكان لهما من الخطورة ما كان من شأنه القضاء على هذه الدولة الناشئة، لولا اليقظة الشديدة والسياسة المرنة التي عالج بها النبي -ﷺ- أمر هذين العنصرين.
فأما العنصر الأول من عناصر الضعف فهو وجود اليهود في المدينة. وقد كانوا عنصرًا كبيرًا وقوة خطيرة لا يستهان بها، وقد أجبرتهم الظروف على تقبل الوضع الجديد الذي نشأ بالهجرة، فحاولوا في أول الأمر التقرب إلى هذا الوافد الجديد لعلهم يستطيعون استمالته إلى جانبهم؛ فربما استطاعوا بمعاونته أن يحولوا الموقف الداخلي في يثرب لصالحهم، وقابل الرسول -ﷺ- تقربهم هذا بتقرب مماثل، فاعترف بهم عنصرًا في الدولة الجديدة، وأقرهم على وضعهم وديانتهم، ووضع بنودًا في دستور المدينة -الصحيفة- حددت وضعهم كعنصر عامل مشارك في الحقوق والواجبات، وعقد مع قبائلهم الكبرى عقودًا ألحقتها بالدولة؛ لكن موقف اليهود في أنفسهم كان تربصًا وانتظارًا لما يتبلور عنه الوضع الجديد. فما لبثوا أن رأوا الأمور تسير إلى وجهة غير التي قدروها، رأوا النبي يدعو إلى التوحيد ولكن ليس هو التوحيد الذي يؤمن به اليهود، فلقد اتخذ اليهود من رسالة التوحيد التي جاء بها موسى دينًا، ولكنهم ربطوها بجنسهم، فالله الواحد هو إله إسرائيل الذي اختارهم لنفسه من دون الناس واختاروه
[ ٣٣٥ ]
لأنفسهم من دون الآلهة، وبذلك كانوا يرون لأنفسهم ميزة على الناس. وكانوا حين تلم بهم شدة أو يحيط بهم الضعف والذل ينتظرون مجيء رسول أو مسيح ينقذهم من البؤس والشقاء، وقد تحولت عندهم هذه الأمنية إلى عقيدة راسخة، ويقول المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون: ملأت هذه القصة صحفًا كثيرة من صحف الأدب الإسرائيلي القديم والحديث. ولا تزال هذه العقيدة إلى اليوم راسخة في نفوس الطبقات المتدينة من اليهود. وإذا قام شخص وادعى أنه المسيح المنتظر الذي يحنون إليه منذ أزمان طويلة أنكروا ادعاءه وسفهوا قوله ورفضوا الإذعان إلى ما يدعوهم إليه. وكأن الأمة الإسرائيلية كانت ترمي بهذه الفكرة إلى غاية معنوية لا يريدون تحقيقها بوجه من الوجوه ١. ولقد نزل القرآن الكريم يندد باليهود ويذكر تناقضهم في أنفسهم ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة] فكأن غاية اليهود من أمنيتهم أن يجدوا من يأتي بما يهوون من سيطرة ونفوذ، لا بما تتطلبه الدعوة من إصلاح وخير يعم الناس جميعًا، ومن أجل ذلك كذبوا أنبياءهم، وعارضوا المسيح وحاربوا دعوته وسعوا إلى قتله؛ فإذا جاء محمد فدعا إلى هذا الإله الواحد الناسَ جميعًا بغض النظر عن أجناسهم، فإنه بذلك يزيل عن بني إسرائيل هذه الميزة التي يستفتحون بها على الآخرين. وإذن فلا تهادن بينهم وبين محمد الذي يسعى إلى تحطيم تلك القواعد المقررة التي سار عليها يهود، فقامت بينهم وبين النبي -ﷺ- محاجات ومجادلات ما لبثت أن اتخذت من جانبهم موقف التحدي والمعاندة، بل لم تلبث أن ورطتهم فيما لا يصح أن يتورط فيه ناس لهم دين سماوي وعندهم كتاب؛ فلقد كفروا بكل مبادئ التوحيد نكاية في محمد، فأعلنوا لقريش حين سألتهم أدينها خير أم ما يدعو إليه هذا الرجل؟ أن دينهم خير وأن الحق في جانبهم٢ وفي تورطهم في هذا الإثم الذي دفع إليه الحقد الأعمى بتفضلهم الأصنام على التوحيد، نزل القرآن يعيرهم ويندد بهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
وأمر آخر أثار حقد اليهود، وذلك هو أن محمدًا استطاع أن يؤلف بين الأوس والخزرج، وأن يجعل منهم كتلة قوية متماسكة تضاءل إلى جانبها وضع اليهود، ثم هو في كل يوم يدخل إلى المدينة من المهاجرين ممن جاءوا معه من مكة ومن يلحق بهم،
_________________
(١) ١ ولفنسون. ٢ ابن هشام ٣/ ٢٣٠.
[ ٣٣٦ ]
ومن يدخل في الإسلام من الأعراب ويهاجر ليقيم بالمدينة ما يزيد العرب بها قوة ويزيد اليهود بها ضعفًا، ويقضي على كل حلم يراود نفوسهم في استعادة مركزهم أو حتى الاحتفاظ بهذا المركز.
ثم إن المهاجرين المكيين ما لبثوا أن اقتحموا الميدان الاقتصادي والتجاري منه بنوع خاص، ولهم من الخبرة بشئون التجارة ما تضاءلت معها خبرة اليهود، وليس أبرع من تاجر قرشي في ذلك الوقت، فما لبثوا أن نظموا سوق المدينة وأجروا فيها التعامل على أسس جديدة جاء بها الإسلام، فلا ربًا ولا إرهاقًا ولا طرقًا ملتوية تذهب بأموال الناس، وبذلك نجحوا نجاحًا كبيرًا وجنوا أرباحًا لا بأس بها، وسيطروا -أو كادوا- على سوق المدينة. والمال وجمعه عنصر حساس عند اليهود يبيحون لأنفسهم في سبيله ما لا يباح من دين أو شرف؛ لذلك ما لبثوا أن تنكروا لعهودهم وأخلفوا مواثيقهم، وسعوا إلى تحطيم هذا الوضع الجديد في الداخل والخارج. فأما في الداخل فقد عملوا على إثارة الفتن والأحقاد القديمة بين الأوس والخزرج١. ثم قاموا يجادلون ويشككون في الدين الجديد، ويصدون عنه من يريد الدخول فيه٢. بل تطرقوا إلى المساس بالأشخاص والأغراض فأخذوا ينشرون قالة السوء، وانبري شعراؤهم ينظمون الشعر في هجاء محمد والمسلمين والتحريض على حربهم، ويشببون بنساء الأنصار٣، بل ائتمروا بالنبي -ﷺ- نفسه يريدون قتله٤. وأما في الخارج فقد اتصلوا بأعداء الدولة وكانوا عيونًا لهم على المسلمين٥ ثم تآمروا مع العدو وخانوا الدولة، وأوشكت مؤامراتهم وخيانتهم أن تقضي على المدينة قضاء تامًّا في غزوة الأحزاب٦.
ولقد عالج النبي -ﷺ- موقف اليهود في براعة وقدرة، وتغلب على حساسية الموقف التي كانت قائمة بمحالفة اليهود مع بعض بطون الأوس والخزرج، وكانت هذه المحالفات لا يزال لها أثر في هذه البطون؛ فكان لا بد أن يعمل النبي -ﷺ- حسابًا لشعورها، فترى النبي -ﷺ- يصانع اليهود مرة، ويجادلهم أخرى، ويصبر عليهم حتى تحين فرصة فيقلم أظفارهم، ثم يرى نفسه مضطرًّا آخر الأمر إلى التخلص منهم نهائيًّا.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٨٣، ١٨٤. ٢ نفسه ٢/ ١٣٥، ١٧٠- ٢٠١. ٣ نفسه ٣/ ٤٣- ٤٣٦. ٤ نفسه ٢/ ١٩١. ٥ ابن هشام ٢/ ٤٢٣، ٤٢٤. ٦ نفسه ٣/ ٢٢٩-٢٣٠، ٢٣٧.
[ ٣٣٧ ]
أما العنصر الثاني من عناصر الضعف فقد كان ممثلًا في طائفة من عرب المدينة من الأوس والخزرج، ومن بعض المتهودة، ومن رجال بعض البطون اليهودية الصغيرة دخلوا في الإسلام ظاهريًّا، فعرفوا بالمنافقين١.
وكان رأس هذه الطائفة رجل من زعماء الخزرج هو عبد الله بن أبي بن سلول من بني الحبلى. وقد رأى هذا الرجل أن هجرة الرسول -ﷺ- قد فوتت عليه مصلحة عاجلة كادت تصل إليه؛ ذلك أن الأوس والخزرج قد تصالحوا بعد يوم بعاث واتفقوا على أن يملكوا عليهم رجلًا منهم، وكان عبد الله هذا هو الزعيم الذي وقع عليه الاختيار، فإنه كان قد لزم الحياد في مراحل الصراع الأخير بين القبيلتين، وفعلًا استعد قومه لتوليته مقاليد الرياسة؛ فلما كانت الهجرة تغير الوضع وفات عبد الله ما كان يريد وينتظر، من أجل هذا ضغن على النبي -ﷺ- وعلى الوضع الجديد كله، والتف حوله طائفة ممن شايعه، كما التف حوله اليهود لاتفاق مصلحة الطرفين٢.
وقد عملت طائفة المنافقين على خلق المتاعب في المدينة، غير أن خصومة هؤلاء المنافقين تختلف عن خصومة اليهود وإن اتحدت مصلحة الطرفين في مناوأة النبي -ﷺ- فالمنافقون من عرب يثرب يرتبطون بعشائرهم برابطة الدم والقرابة، وليس من السهل التخلص منهم بإخراجهم من يثرب كما فعل النبي -ﷺ- باليهود، كما أنه من الصعب التخلص منهم بالقتل وإلا تعرضت المدينة لحرب العصبية، وتعرض النبي -ﷺ- لأن يقال: إنه يقتل أصحابه، وفي هذا إضعاف لمركز الدعوة الإسلامية بين القبائل، لو شن العدو دعاية من هذا النوع، فقد كان المنافقون يظهرون الإسلام، فهم في الظاهر مسلمون ومن أصحاب محمد، وقد استشعر النبي -ﷺ- هذا الحرج حين أشار عليه عمر بن الخطاب بقتل عبد الله بن أُبَي بعد أن سعى بالفتنة بين المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق، وقال النبي -ﷺ- لعمر: " فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"٣، وقد استعان النبي -ﷺ - على هذه الطائفة بعشائرها التي كانت تدرك موقف هؤلاء المنافقين وتقدر حلم النبي -ﷺ- بهم رعاية لخاطر عشائرهم، وقد جعلت هذه
_________________
(١) ١ نافق الرجل إذا أظهر الإسلام لأهله وأضمر غير الإسلام وأقام مع أهله. ومحل النفاق القلب. القاموس مادة: ن ف ق. ٢ السمهودي ١/ ١٥٥. ٣ ابن هشام ٣/ ٢٣٥.
[ ٣٣٨ ]
العشائر من نفسها وازعًا يرد فتن هؤلاء المنافقين ويكبح جماحهم. وقد نجحت سياسة النبي -ﷺ- هذه إلى حد كبير، وخير شاهد على ذلك ما أورده ابن إسحاق من استعداد عبد الله بن عبد الله بن أبي لقتل والده لو أمره النبي - ﷺ- بذلك، وأن قومه كانوا هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، وحين تذاكر النبي -ﷺ- وعمر موقف عبد الله بن أبي وتعنيف قومه له قال: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته"١.
وموقف المنافقين كان شديد الخطورة على كيان الأمة الداخلي؛ لكنه لم يصل إلى الحد الذي وصل إليه موقف اليهود، فقد كان المنافقون حقًّا يخذلون الدولة في المواقف الحرجة، ولا يتعاونون تعاونًا صادقًا عند الخطر. كما حدث من عبد الله بن أُبي حين خذل جيش المدينة ورجع بالمنافقين من غزوة أحد٢ وكما تخاذل المنافقون في غزوة الأحزاب٣. لكن هذه المواقف لم تكن في خطورة الاتصال بالعدو وتمهيد الطريق له لدخول المدينة والقضاء على أهلها كما فعل اليهود؛ فقد كان المنافقون يعتبرون أنفسهم أهل البلد، وهم إن لم يدافعوا عنها حمية للدين قاتلوا من أجل أحسابهم وأعراضهم، ولذلك كان النبي -ﷺ- يستشيرهم حين يدهم المدينة داهم، فقد استشار عبد الله بن أبي في غزوة أحد، وقد أشار عبد الله برأي صحيح، إذ إن الموقف كان يمس وطنه٤، كما قاتل بعض المنافقين قتالًا رائعًا في هذه الغزوة، وخير مثل لهم في هذا الموقف رجل يسمى: قزمان، أبلى بلاءً شديدًا وقتل وأشرف على الموت وجعل بعض المسلمين يبشره بالجنة قال: بماذا أبشر؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت٥. وقد ظل خطر المنافقين على الدولة كبيرًا ما ظل اليهود في يثرب؛ إذ إنهم كانوا على صلة دائمة بهم، بل إن اليهود هم الذين أَزْكَوا النفاق في يثرب فلما تم تطهير يثرب من اليهود ضعف أمر النفاق، وأصبح النبي -ﷺ- لا يخشى خطر هذه الطائفة.
هذه هي المتاعب التي واجهت النبي -ﷺ- في جبهته الداخلية، وقد تغلب عليها بمنتهى اليقظة والحزم، وزاوج في التغلب عليها -بين اللين والشدة حتى استقام له الأمر.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٣٣٧. ٢ نفسه ٣/ ٨. ٣ نفسه ٢٣١، ٣٧٨. ٤ الواقدي ١٦٤، ١٦٥. ٥ ابن هشام ٣/ ٣٧، ٣٨.
[ ٣٣٩ ]
الحالة الداخلية في مكة
أما الحالة الداخلية في مكة فكانت نقط الضعف فيها أشد وأعمق، وكان التغلب عليها أكثر صعوبة مما كان عليه الأمر في يثرب.
وأول هذه الأمور، هو الهجرة وما ترتب عليها بالنسبة للوضع الداخلي في مكة؛ فقد هاجر كثير من المسلمين إلى الحبشة وإلى يثرب. ولم يكن كل من هاجر مغمورًا أو غير محسوس الأثر في قومه؛ وإنما كان كثير منهم صاحب نشاط وأثر محسوس في الحياة العامة، فحرمت مكة بخروجهم من عناصر طيبة كانت ذات قيمة كبيرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وأقفلت بالهجرة كثير من دور مكة وأظهر المكيون ألَمًا وحسرة على قفل هذه الدور. ثم إن كل بطن من البطون بل ربما كل أسرة من الأسر المكية قد تأثرت بهذه الهجرة التي قام بها المسلمون، فلم تبق أسرة إلا ومنها أب أو ابن أو أخ يعيش في غربته مهاجرًا، وليس أشد قسوة من فراق الأهل والأحبة، والشعور بما أصاب البيت من التفكك والتعادي. وخصوصًا في بيئة مثل البيئة العربية التي تقوم على الترابط القبلي وتحكمها نوازع العصبية، وفي مدينة مثل مكة تحرص أشد الحرص على وحدة القبيلة -قريش- فيها، وقد عمل ملأُ قريشٍ جاهدًا منذ أن صار أمر مكة إلى قريش على أن يحتفظ بوحدة القبيلة ويصونها من التفكك، ووقف بكل قوته في وجه كل ما من شأنه أن يؤدي إلى إراقة الدماء أو الوقوع في الثارات بين البطون القرشية؛ لذلك اتهم أهل مكة النبي -ﷺ- بأنه سعى إلى تحطيم هذه الوحدة وفرق بين الناس، على أنه مهما يكن تعصب أهل مكة لوضعهم العام، فإن الشعور بالتأثم كان يملأ نفوس الأفراد؛ فإنه لا يفر الإنسان من وطنه وأهله إلا لظلم وقع به أو إرهاق عجز عن تحمله ولم يطق دفعه عن نفسه، وهكذا كان إحساس قريش بظلمها للمسلمين على الرغم من محاولتهم إلقاء التبعة على النبي -ﷺ- وكان هذا الشعور الداخلي من عوامل إضعاف الروح المعنوية، وقد أخذ يشتد مع الأيام.
ثم إن هناك المستضعفين من المسلمين الذين لم يستطيعوا فرارًا وحبسوا في مكة هؤلاء كانوا من غير شك يثيرون العطف ويعذبون الضمير العام في مكة، وفي الوقت نفسه كانت عواطفهم وأمانيهم مع إخوانهم المسلمين، وكانوا يدافعون عن تصرفات المسلمين في المدينة تجاه قريش، ويكونون دعاية لهم بين أهل مكة١. بل منهم من استطاع الفرار وجعل من نفسه ومن على شاكلته من المسلمين الفارين حربًا على المكيين؛ يقطعون طريقهم ويستولون على ما تصل إليه أيديهم من متاجرهم ويقتلون من يقدرون على قتله منهم٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٤٢. ٢ نفسه ٣/ ٣٢٣.
[ ٣٤٠ ]
ثم بنو هاشم في مكة وهم عشيرة النبي -ﷺ- الأقربون، وقد حموه ودافعوا عنه طول مدة إقامته في مكة بعد البعثة إلى أن هاجر، وتحملوا الشدة والمقاطعة في سبيل نصرته بدافع العصبية، وحين اعتزم عقد البيعة الكبرى مع أهل المدينة لم يُخْفِ أمرها عن عمه العباس؛ بل إن العباس حضر هذه البيعة ليستوثق لابن أخيه وليطمئن على موقف أهل المدينة منه، ولقد كان العباس عينًا للنبي -ﷺ- على أهل مكة يكتب له بكل تحركاتهم واستعداداتهم ضده، وكان من بمكة من المسلمين يلتقون به وكان لهم عونًا على إسلامهم، وكان يذيع بين أهل مكة أخبار انتصارات النبي -ﷺ- على خصومه، وهو بذلك يضعف الروح المعنوية عند أهل مكة، ومن غير شك كان له دور كبير في تسليم أهل مكة في عام الفتح سنة ٨هـ١. كما كان هوى بني هاشم من غير شك مع محمد وأمانيهم في نصره، وكانت قريش تعلم هذا فيهم٢، ولكنها لم تكن تستطيع أن تفعل شيئًا. فلو فرضت عليهم الهجرة وأخرجتهم من مكة فإنها بذلك تزيد من عدد محمد وتكثر من عدد الحانقين عليها، وتحرم كذلك من رجال لهم نشاط اقتصادي كبير مثل العباس بن عبد المطلب، ومن رجال موالين لها منهم من أمثال أبي لهب بن عبد المطلب، وإن أبقت عليهم كانوا عينًا لمحمد عليها ولم تجد قريش حلًّا لهذا الوضع فاحتملته على ما هو عليه.
ثم إن مكة تعتمد في حياتها الاقتصادية على تسيير قوافلها وبخاصة نحو الشمال، وها هي دوريات يثرب ثم قواتها تهدد هذا الطريق وتتصدى للقوافل فتوقف نشاطها فتحدث في مكة الضائقة الاقتصادية؛ الأمر الذي يضعف قدرتها يومًا بعد يوم.
كل هذه العوامل هزت الجبهة المكية في الداخل هزًّا شديدًا، ولم يجد زعماء قريش -على ما بذلوا من جهد- حلًّا لها وبقيت أسباب ضعف يزداد على الأيام.
هذه هي الحالة الداخلية في كل من المدينتين المتعاديتين. أثناء الصراع الذي نشب بينهما واستمر ثماني سنوات، وكتب له أن ينتهي نهاية سعيدة بفتح مكة فتحًا سلميًّا والإبقاء على قوى العرب سليمة.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٣/ ١٠٩، ١١٠. ٢ ابن هشام ٢/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٩٦.
[ ٣٤١ ]
*
بداية الصراع بين المدينتين
حين أنشأ النبي -ﷺ- دولته في يثرب، كان يدرك أن عدوه الأكبر هو قريش، وأنها سوف لا تتأخر عن مناوأته، وسوف لا تصبر طويلًا على هذه الدولة التي أنشئت
[ ٣٤١ ]
على طريق تجارتها إلى الشام، ولقد قدرت قريش مقدار الخطر الذي يتهددها من وراء هجرة المسلمين إلى يثرب، ومبايعة أهل المدينة للنبي -ﷺ- واستشعرت ما سيترتب على هذا الوضع من نتائج ستجر إلى الحرب بين البلدين بمجرد أن علمت ببيعة العقبة الكبرى؛ فقد ذهب رجال قريش إلى منازل أهل المدينة بمنى في صبيحة يوم البيعة يقولون لهم: "يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم"١، وقد تحرشوا فعلًا بأهل المدينة حين تأكد لهم الخبر وقبضوا على أحدهم وهو سعد بن عبادة الخزرجي، وكادوا يفتكون به لولا أن منعه بعض سادة قريش لجوار بينه وبينهم٢. كان النبي -ﷺ- يدرك هذا؛ ولذلك وضع نصًّا خاصًّا بقريش في الصحيفة واعتبرها عدو المدينة الأول، وحرم على أهل الصحيفة أن يجير مالًا لقريش ولا نفسًا، وكان يقصد من وراء هذا النص إلى إفهام قريش أن مكة لا تستطيع أن تمر بتجاراتها إلا إذا هادنت الدولة الجديدة واعترفت بالوضع الجديد.
وقد بدأت سرايا المدينة فعلًا تتجه إلى الطرق الرئيسية التي تمر منها قريش بتجاراتها إلى الشام. وتواجه قوافل قريش بقصد إفهامها حقيقة الموقف، وإن كانت لم تصادر هذه القوافل أو تتحرش بها. كما أنها أخذت تتصل بالقبائل الضاربة على جنبات هذه الطرق وتعقد معها أحلافًا، وبذلك تحرم قريش من الاستعانة بهذه القبائل أو اللجوء بقوافلها إلى حمايتها إذا هددت بالاعتداء عليها أو مصادرتها. ولم يزد الأمر عن هذه المظاهرات العسكرية طوال عشرة أشهر من بدء تسيير دوريات المدينة وسراياها، وقد ردت قريش من جانبها بتعزيز الحراسة على قوافلها وتسيير دوريات بأعداد أكبر من قوة المسلمين، وكانت الدوريات تتقابل وتتواقف دون أن يحدث بينها قتال٣.
لكن سرية كان يقودها أحد المهاجرين هو عبد الله بن جَحْش خرجت على رأس سبعة عشر شهرًا من مهاجر النبيﷺ- إلى يثرب واتجهت إلى مكان يعرف ببطن نخلة بين مكة والطائف، وكانت مهمة هذه السرية استطلاع حال قريش والوقوف على أخبارها، ولم يكن من أغراضها القتال، إذ إن أمر النبي -ﷺ- إلى رجال السرية خلا من
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٥٧. ٢ نفسه ٥٨/ ٥٩. ٣ ابن هشام ٢/ ٢٢٤، ٢٣٠.
[ ٣٤٢ ]
كل إشارة إلى القتال، ثم إن عدد رجال هذه السرية كان قليلًا لا يتجاوز الثمانية، الأمر الذي يقطع بأن مهمتها كانت استطلاعية محضة، ولكنها لقيت قافلة صغيرة لقريش قادمة من الطائف تحمل بعض التجارة، فتصرف رجال السرية على مسئوليتهم، وهاجموا هذه القافلة وقتلوا رجلًا من رجالها وأسروا رجلين، وكان في آخر يوم من شهر رجب سنة ٢هـ، وهو من الأشهر الحرم التي تحرم العرب فيها القتال.
انتهزت قريش هذه الفرصة للتشهير بمحمد وبالمسلمين، وإظهارهم بمظهر المعتدي الذي لا يراعي الحرمات، فقامت بدعاية كبيرة لإثارة الرأي العام العربي. وقد كان لدعايتها صدى كبير وأثر ملموس حتى في المدينة نفسها، فقد كثر الجدل والنقاش بين المسلمين أنفسهم، وأنكروا على رجال السرية محاربتهم في الشهر الحرام، ودافع هؤلاء عن أنفسهم بأن ما حدث كان في أول يوم من شعبان. ووقف النبي -ﷺ- العير والأسيرين وقال لرجاله: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" واشتد الموقف ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة٢.
وهنا نزل القرآن الكريم يرد على دعاية قريش: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وسُري على المسلمين بنزول القرآن بهذا الأمر، وقبض النبي -ﷺ- العير والأسيرين حتى فادتهما منه قريش٣.
كانت هذه السرية مفترق طرق في سياسة الإسلام؛ فإن القرآن الكريم يجيب المشركين على تساؤلهم عن القتال في الشهر الحرام، ويقرهم على أنه أمر كبير؛ لكن هناك ما هو أكبر منه، فالصد عن سبيل الله والكفر به أكبر من القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام -الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا- وإخراج أهله منه أكبر من القتال في الشهر الحرام والقتل فيه، وفتنة المرء عن دينه بالوعد والوعيد والإغراء والتعذيب أكبر
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٣٨- ٢٤٠. ٢ نفسه ٣٤١، الواقدي ٨، الطبري ٢/ ١٢٥، ١٢٦. ٣ ابن هشام ٢/ ٢٤١، ٢٤٢.
[ ٣٤٣ ]
من القتل في الشهر الحرام وفي غير الشهر الحرام. وقريش والمشركون الذين ينعون على المسلمين هذا العمل في الشهر الحرام لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا. فإذا كانت قريش تعد القتال في الشهر الحرام من الكبائر، فماذا تقول عن ارتكابها لهذه الكبائر كلها: تصد عن سبيل الله وتكفر به، وتخرج أهل المسجد الحرام منه وتفتنهم عن دينهم، وتحبس الضعفاء وتعذبهم؟ إنه لا جناح على من تقع عليه أوزارها وكبائرها هذه إن هو قاتلها في الشهر الحرام، وحق واجب على كل من يرى غيره يحاول فتنته عن دينه أو يصده عن سبيل الله أن يقاتل في سبيل الله. ومن هنا شرع الجهاد في الإسلام ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج] ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة] ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
وكانت هذه السرية كذلك مفترق طرق في سياسة المسلمين إزاء قريش؛ فقد بدأ المسلمون بعدها يفكرون تفكيرًا جديًّا في وقف قريش عند حدها، واتخاذ موقف الشدة الصريح معها، ذلك أن قريشًا حاولت إثارة شبه جزيرة العرب كلها على محمد وأصحابه، حتى أيقن النبي -ﷺ- أن لم يبق في مصانعتها أو الاتفاق معها رجاء؛ لذلك اعتزم أن يقف من اعتداءاتها على حدود دولته، بتمرير تجارتها على أراضيها وإدلالها عليه بالقوة موقفًا صارمًا. فما لبث حين علم بخروج قافلة كبيرة من قوافلها إلى الشام بقيادة أبي سفيان- أن خرج لسد هذا الطريق ومصادرة هذه القافلة، فلم يلحق القافلة ولكنه اصطدم بقوات قريش التي جاءت لنجدتها، فكانت موقعة بدر على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة.
ونشير هنا إلى نقطة مهمة لم يلتفت إليها المؤرخون من قبل، وهي اشتراك الأنصار لأول مرة في هذه الغزوة، فإن السرايا الثمانية الأولى التي وقعت من قبل كانت كلها من المهاجرين١، ولم يبدأ اشتراك الأنصار إلا في غزوة بدر سنة ٢ هـ. فما تفسير ذلك الموقف؟
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٢٤، ٢٣٨، ٢٣٩، ابن سعد ٣/ ٤٥- ٤٨، جوامع السيرة ١٠١- ١٠٦.
[ ٣٤٤ ]
لقد وضع النبي -ﷺ- الصحيفة وكان طرفها الأول المهاجرين، والطرف الثاني الأنصار، وكانت من بنودها ألا تُجَارَ قريش ولا أموالها. وكان على الطرفين الالتزام بنصوص هذه الصحيفة، والدفاع عن الدولة من الاعتداء عليها؛ لكن الأنصار حين بايعوا النبي -ﷺ- بيعة العقبة الكبرى اشترطوا على أنفسهم أن يحموه ما دام في المدينة١، ولم يشترطوا على أنفسهم أن يقاتلوا معه خارج حدود مدينتهم. وكان موقف الأنصار مختلفًا عن موقف المهاجرين بالنسبة لقريش؛ فإن المهاجرين كانوا في حالة حرب معلنة بينهم وبين أهل مكة بما عذبوهم وضيقوا عليهم، وبما أوقعوا عليهم من حصر اقتصادي حتى اضطروهم إلى الهجرة، وهم حين هاجروا استولت قريش على أموالهم، ثم إن بعضهم كان لا يزال محبوسًا في مكة يلاقي العذاب والإعنات.
أما بالنسبة للأنصار فلم تكن هناك حرب معلنة بين الطرفين، ولم يكن هناك إلا ما تفرضه بنود الصحيفة من عدم إجارة قريش أو تجارتها، ومن أمر الدفاع عن الدولة الجديدة، ولم يكن الأمر قد تبلور في نفوس الأنصار إلى ما يوضح الاعتداء على حقوق السيادة للدولة وأن انتهاك حرمة أراضيها هو نوع من الاعتداء عليها؛ فقد كان القوم حديثي عهد بهذا النوع من التنظيم، ولم يعرفوا من قبل غير التنظيم القبلي أساسًا للحكم، فلم يدركوا بعد معنى سيادة الدولة ولا معنى الحدود السياسية لها، ولذلك وقفوا موقفًا سلبيًّا إزاء مرور تجارة قريش بأرض الدولة اليثربية وتمسكوا بشروط بيعة العقبة. وكان النبي -ﷺ- يدرك هذا الوضع تمامًا. فلم يطلب من الأنصار الاشتراك في السرايا الأولى، حتى جاءت الحوادث فأدت بطبيعتها إلى اشتراك الأنصار في الوقوف في وجه قريش؛ ذلك أن قريشًا تحدت أهل المدينة ومنعتهم من زيارة الكعبة والدخول في مكة، فقد كان سعد بن معاذ سيد الأوس صديقًا لأحد سادات مكة وهو أمية بن خلف، وكان هذا ينزل على سعد عند مروره بالمدينة، كما كان سعد ينزل عليه إذا ذهب إلى مكة. وقد ذهب سعد إلى مكة معتمرًا ونزل على أمية ثم طلب إليه أن ينتهز فرصة يطوف فيها بالكعبة وعند الطواف لقيه أبو جهل بن هشام، فلما عرفه هدده بالقتل لولا جوار أمية له. وزاد سعد على تهديد أبي جهل بأن قال له: "أما والله لئن منعتني هذا
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤.
[ ٣٤٥ ]
لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك إلى الشام"١ وهكذا أدى تحدي قريش لأهل المدينة إلى أن يقفوا مع المهاجرين في منع قريش من المرور في حدود إقليمهم. بما أدى إلى موقعة بدر ثم ما تلاها بعد ذلك من مواقع.
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٧٢.
[ ٣٤٦ ]
موقعة بدر سنة ٢ هـ:
صممت قريش على تحديها للدولة اليثربية بتمرير تجارتها في أراضيها منتهكة بذلك حق السيادة اليثربية. فكان لزامًا على النبي -ﷺ- أن يقف موقفًا حازمًا يحفظ على دولته حدودها ويصون كرامتها. وإلا تعرضت للمهانة في الخارج والداخل. فقد كان في خارجها وعلى حدودها قبائل لم توادع النبي -صلى لله عليه وسلم- وهي على علاقات طيبة مع قريش ترتبط بها وترى من مصلحتها تفوقها. إذ إنها تستفيد من رحلاتها التجارية. كما كان الوضع الداخلي في يثرب مضطربًا بوجود اليهود الذين رأوا أمر محمد يستقر ولواء الإسلام يرتفع فبدأوا يقلبون له ظهر المجن ويعملون على الوقيعة به. وطبيعي أنه لو ترك حبل اليهود على غاربهم في المدينة أن يستفحل أمرهم ويثيروا الفتن التي يسعون لإثارتها. وليس يكفي في عرف الدقة السياسية التحذير منهم والتنبيه لكيدهم؛ بل لا بد من إشعارهم أن للمسلمين من القوة ما يمكنهم من إخماد أية فتنة واجتثاث أصولها.
خرج أبو سفيان في أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة في تجارة كبيرة لقريش يقصد الشام، وخرج النبي -ﷺ- إلى موضع يسمى: العشيرة، لمصادرتها؛ لكن أبا سفيان فاته، فعزم على انتظارها في عودتها١ ولما تحين فرصة انصرافها من الشام بعث عيونه يقتصون خبرها ثم ندب المسلمين للخروج، وخرج على رأسهم من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان سنة ٢هـ، فبراير سنة ٦٣٤م ٢. وكانت عدة من خرج مع النبي -ﷺ- إلى هذه الغزوة سبعة عشر وثلاثمائة رجل، منهم ستة وثمانون من المهاجرين وواحد وستون من الأوس والباقون من الخزرج٣ وانطلقوا مسرعين خوف أن يفلت منهم أبو سفيان، وهم يحاولون حيثما مروا أن يقفوا على أخباره.
_________________
(١) ١ العشيرة: موضع من ناحية ينبع بين مكة والمدينة. ياقوت ١٣/ ١٢٧، ابن هشام ٣/ ٢٣٤- ٢٣٦. ٢ التوفيقات الإلهامية من ١ "في ٢٠ فبراير سنة ٦٢٤ حدثت موقعة بدر". ٣ ابن هشام ٢/ ٣٣٢، ٣٣٨، ٣٥٤، ابن حزم: جوامع السيرة ١١٤، ١١٥.
[ ٣٤٦ ]
أما أبو سفيان، فكان قد اتصل به خروج النبي لاعتراض قافلته حين رحلتها إلى الشام، فخاف أن يعترضه المسلمون حين أوبته، فجعل من ناحيته يتجسس أخبارهم؛ فلما ترامى إليه خبر خروجهم. استأجر رجلًا من قبيلة غفار بعثه مسرعًا إلى مكة ليستنفر قريشًا لنجدة أموالها. ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها؛ فقد كان لكل منها نصيب من هذه القافلة حتى قُوِّم ما فيها بخمسين ألف دينار. وهو مبلغ عظيم في ذلك الوقت١، ثم إنها كانت معتزمة إيقاف نشاط المسلمين وضربهم.
على أن أمر قريش بمكة لم يكن جميعًا نحو سياسة العدوان التي اتخذتها نحو النبي -ﷺ- والمسلمين؛ فقد كانت هناك طائفة تشعر بما ظلمت قريش المسلمين من أهلها حتى اضطرتهم إلى الهجرة، وكانت هذه الطائفة تتردد بين النفير والقعود، كما أن العصبية العشائرية كانت تفعل فعلها، فبنو هاشم في مكة كان هواهم مع محمد، وبنو عبد مناف جميعًا كانت العصبية العشائرية تقوم في نفوسهم، وهم وإن سايروا إجماع القبيلة كانوا يودون لو يترك أمر محمد للظروف العامة فإن انتصر على العرب كان ذلك فخرهم، وهم لذلك كانوا مترددين لم ينشطوا للخروج والاستعداد له نشاط باقي البطون القرشية٢.
وقد بدت روح العصبية العشائرية واضحة فيما كان من خلاف بين موقف عتبة بن ربيعة بن عبد شمس من بطن عبد مناف وأبي جهل بن هشام من بني مخزوم؛ إذ كان الأول يريد تجنب القتال، وكان الثاني يتهمه بممالأة ابن عمه محمد، وينفس على بني عبد مناف أن تكون فيهم نبوة ورياسة٣.
وهكذا لم تكن قريش تؤمن بسلامة موقفها إيمانًا يذكي روحها المعنوية ويشعرها بسلامة القضية التي تقاتل من أجلها؛ ومن أجل ذلك رجع بعض بطونها فلم يشهد القتال، وكان بين زعمائها من الخلاف والتحاسد ما جعل وحدتها مفككة أمام عدوها، ولكنها مع ذلك كانت معتدة بقوتها مزهوة بعدتها.
أما المسلمون فقد انطلقوا حتى إذا كانوا قرب بدر جاءهم الخبر بأن قريشًا قد خرجوا من مكة ليمنعوا عيرهم؛ إذ ذاك تغير وجه المسألة فلم يبق هؤلاء المسلمون أمام أبي سفيان وغيره والثلاثين أو الأربعين رجلًا معه لا يملكون مقاومة محمد وأصحابه،
_________________
(١) ١ الواقدي ١٧، ١٨. ٢ انظر الواقدي ٢٩- ٣٧. ٣ نفسه ٢٠، ٣٠، ٣٧، ٤٥- ٤٧.
[ ٣٤٧ ]
وإنما هي مكة خرجت كلها وعلى رأسها أشرافها للدفاع عن تجارتها، وإرغام المسلمين على الاعتراف بقوتها وقدرتها على تمرير هذه التجارة في أراضيهم على رغم أنوفهم.
لقد أصبح الموقف بالنسبة للنبي -ﷺ- غاية في الحرج والدقة؛ فلقد خرج ليواجه تجارة وحامية قليلة فلم يأخذ للحرب أهبتها، ولم يتزود بما يكفي من عتاد وسلاح، وكذلك تخلف عنه كثير من أصحابه فلم يخرجوا ظنًّا منهم أنه لا يلقى حربًا. وكذلك لم يكن متثبتًا من موقف الأنصار بإزاء هذا الوضع الجديد. أيقاتلون أم يتمسكون بموقفهم السابق من عدم المجازفة بالاشتباك مع قريش؟
وهب أن المسلمين أدركوا أبا سفيان وتغلبوا على رجاله واستاقوا إبله وما عليها، فلن تلبث قريش أن تدركهم يحفزها حرصها على مالها وتؤازرها كثرة عديدها وعددها، وأن توقع بهم وأن تسترد الغنيمة أو تموت دونها، ولكن إذا عاد محمد إلى المدينة من حيث أتى طمعت قريش وطمع يهود المدينة فيه، واضطر إلى اتخاذ موقف المصانعة، واضطر أصحابه إلى احتمال أذى اليهود والمشتركين معهم بالمدينة مثلما احتملوا من أذى قريش في مكة. ثم ماذا عن الدولة الجديدة وسيادتها وحدودها؟ إنها سوف تهدد تهديدًا خطيرًا قد يذهب بحرمتها ويجعلها غرضًا للمعتدين؛ بل قد يقضي عليها نهائيًّا.. وهيهات إن هو وقف هذا الموقف أن تعلو كلمة الله.
عند ذلك استشار أصحابه وأوضح لهم الموقف؛ فأدلى كبار المهاجرين برأيهم، وأظهروا طاعتهم واستعدادهم للتضحية مهما عظمت. لكن النبي -ﷺ- كان يريد رأي الأنصار؛ ولذلك ظل يكرر: "أشيروا علي أيها الناس" فأدرك سعد بن معاذ زعيم الأوس وحامل لواء الأنصار في هذه الغزوة أن النبي -ﷺ- يريدهم، فقام يجيب عن الأنصار قال: "لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" ١. فسُرَّ رسول الله -ﷺ- بقول سعد ونشطه ذلك، فقال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني انظر إلى مصارع القوم" ٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٥٤. ٢ نفسه ٢/ ٢٥٤.
[ ٣٤٨ ]
وبهذه المشاورة وهذا التصريح من زعيم الأنصار اطمأن النبي -ﷺ- إلى موقفه وضمن اتحاد طرفي الصحيفة عن سياسة واحدة تجاه الأوضاع الخارجية أصبحت منذ ذلك اليوم تطبق تطبيقًا عمليًّا. ولم يعد النبي -ﷺ- بعد ذلك في حاجة إلى التفكير في موقف أهل المدينة تجاه سياسته الخارجية وتدعم بذلك مركز الدولة إلى حد كبير.
نشط المسلمون وتقدموا إلى وادي بدر، وهو وادٍ به آبار ومياه كان موسمًا للعرب، ومحطة تجارية تنزلها القوافل في ذهابها وعودتها إلى الشام، وكان المسلمون يتوقعون لقاء القافلة هناك. لكن الوضع ما لبث أن تغير، فقد عرف أبو سفيان خروج المسلمين ونزولهم على ماء بدر، فساحل بقافلته وأفلت١. وأصبح المسلمون وهم ينتظرون قدوم القافلة، فإذا الأخبار تصلهم أنها فاتتهم، وأن الذين على مقربة منهم هم مقاتلة قريش. فلم تعد الغنيمة إذن هي التي تنتظرهم وإنما هو القتال، والقتال الشديد غير المتكافئ، فقريش قد جاءت بعدتها وعتادها في ثلاثة أضعافهم من الرجال وما يفوقهم خمسين ضعفًا من الخيل٢؛ ولذلك كان على المسلمين أن يوطنوا أنفسهم على الشدة وأن ينتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصر فيها إلا لمن ملأ الإيمان بالنصر قلبه، إلا أن بعض المسلمين قد تخوف القتال بعد أن ذهب الأمل في الغنيمة، فبدأ يجادل النبي -ﷺ- كي يعودوا إلى المدينة، ولا ضرورة للقاء مقاتلة قريش وهي أكثر منهم عدة وعددًا، وهذا البعض لم يدرك بطبيعة الحال معنى الدفاع عن الحدود؛ وإنما كانت نظرته سطحية قبلية؛ ولذلك نزل القرآن يوضح المسألة ويثبت المسلمين ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال] . وبذلك قضى على التردد واستعاد المسلمون روحهم المعنوية، ووضحت لديهم أغراض القتال.
وقريش هي الأخرى ما حاجتها إلى القتال وقد نجت تجارتها؟ أليس خيرًا لها أن تترك المسلمين يرجعون من رحلتهم بخفي حنين؟ هكذا فكر أبو سفيان وبذلك أرسل إلى قريش يطلب إليهم الرجوع، وهو يتخوف على قومه من لقاء المسلمين، ويشاركه في هذا التخوف كثير من زعماء الجيش المكي، فلقد خرج سادات قريش جميعًا إلى القتال، فلو
_________________
(١) ١ نفسه ٢٥٧. ٢ الواقدي ٢٦: "خرجوا بتِسْعمائة وخمسين مقاتلًا وقادوا مائة فرس بطرًا ورياء الناس".
[ ٣٤٩ ]
أصابهم المسلمون فظفروا بهم قتلًا أو أسرى، فماذا يكون الحال في مكة؟ وإلى أي حد تبلغ المصيبة؟! إن قريشًا تقدم على قتال قوم في بلادهم بغيًا عليهم١، وعلى قتال قوم قد ظلموا وأوذوا في أنفسهم وأموالهم وأخرجوا من ديارهم بغير حق، وهم جميعًا يتحدثون عن الموت حديثهم عن الحياة الخالدة الناعمة. وإنهم لينظرون من ورائه جنة عالية ونعيمًا مقيمًا. فهم إذن قوم مستميتون مستقتلون، يحفزهم الإحساس بالظلم ويدعوهم النعيم الذي ينتظرهم، وليس أشد بأسًا في القتال من مؤمن مظلوم.
وهكذا كانت الروح المعنوية في كل من الجيشين حين تقدما للقتال واستطاع النبي -ﷺ- أن يسبق عدوه إلى ميدان القتال، وبذلك اختار لرجاله أفضل المواقع، ثم عدل صفوفهم وبث فيهم الحمية وبشرهم بالنصر وبأن الملائكة ستشد أزرهم؛ وقد أظهر المسلمون منتهى النظام والطاعة والتفاني في محبة قائدهم، وبذلك عوضوا النقص في عددهم وعدتهم. أما قريش فلم تحسن اتخاذ مواقعها، كما كانت التفرقة تسود قوادها، ولم يستطعيوا جمع أمرهم على واحد يلزمهم طاعته، فما لبثوا حين اصطدموا بالمسلمين، أن بطش بهم هؤلاء بطشة شديدة، وتيمموا رؤساء قريش يقتلونهم ويأسرونهم، فارتبكت صفوف قريش وولوا منهزمين بعد أن تركوا في ميدان القتال سبعين قتيلًا كان منهم معظم زعماء مكة، كما تركوا في أيدي المسلمين سبعين أسيرًا، وتركوا كثيرًا من أمتعتهم وأموالهم ودوابهم وقعت غنيمة في أيدي المسلمين. وهكذا كانت هزيمة تامة ساحقة٢.
وتعد معركة بدر على صغرها وعلى قلة الجيوش المتقابلة فيها؛ من المعارك الحاسمة في التاريخ، فقد استقر بها أمر المسلمين في جزيرة العرب، وقد ثبتت دعائم الدولة اليثربية التي كانت مقدمة لوحدة شبه الجزيرة العربية. كما كانت مقدمة لإمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف هي من أعظم ما عرف التاريخ من إمبراطوريات. وأقرت حضارة في العالم لا تزال ذات أثر عميق في حياة الإنسانية.
تركت بدر آثارًا عميقة بمكة والمدينة على السواء: فأما في مكة فقد عادت قريش مهزومة مخذولة، قد قتل سادتها وأسر كثير من رجالها وفيهم عدد من ذوي المكانة، وقد تركت الهزيمة في نفوس القرشيين حرصًا شديدًا على الثأر من محمد والمسلمين يوم تتهيأ لهم الفرصة لهذا الثأر، وقد حرصوا على أن تكون فرصة الثأر قريبة وأن تعد
_________________
(١) ١ الواقدي ٣٧، ٤٥. ٢ انظر ابن هشام ٢/ ٣٦٦، ٣٦٧، الواقدي ٧٠- ٧٣.
[ ٣٥٠ ]
لها قريش العدة قبل أن تخمد نارها في الصدور، فما كادت ترجع حتى اجتمع رجالها في دار الندوة فاتفقوا على التنازل عن أرباح قافلة أبي سفيان، ووقفها على إعداد جيش قوي لغزو محمد والثأر منه، وقد قدر هذا الربح بخمسين ألف دينار وهذا مبلغ كبير في تلك الأيام١. ثم إنها أخذت تعد أحابيشها وتتصل بحلفائها، كما تتصل بيهود المدينة ممن امتلأت نفوسهم حقدًا على محمد وامتلأت قلوبهم خوفًا من علو أمره.
أما أثر بدر في المدينة؛ فقد كان أوضح وأكثر اتصالًا بحياة محمد والمسلمين معه، فقد شعر اليهود والمشركون والمنافقون بعد بدر بمزيد قوة المسلمين، ورأوا هذا الرجل الذي جاءهم فارًّا من مكة منذ عامين يزداد سلطانه ويكاد يكون صاحب الكلمة في أهل المدينة جميعًا. وكان اليهود قد بدأ تذمرهم من قبل بدر وبدأت مناوشتهم للمسلمين، ولم يحل دون انفجار العداوة بين الطرفين إلا عهد الموادعة الذي كان بين الفريقين. على أنه ما كان المسلمون يعودون منتصرين من بدر حتى جعلت طوائف المدينة الأخرى تتغامز وتأتمر، وحتى أخذت تغري بهم وترسل الأشعار في شتمهم والتحريض عليهم. وهكذا انتقل ميدان الثورة من مكة إلى المدينة؛ غير أنه لم تعد هنا دعوة محمد هي وحدها التي تحارب؛ وإنما هو سلطانه ونفوذ كلمته وعلو أمره الذي أصبح موضع الخوف وسبب الائتمار به والتفكير في اغتياله، وما كان محمد لتخفى عليه خافية من هذا كله، وجعلت النفوس من جانب المسلمين ومن جانب اليهود تمتلئ بالغل والضغينة شيئًا فشيئًا، وجعل كل فريق يتربص بالآخر.
وكان المسلمون إلى يوم بدر يخشون مواطنيهم من أهل المدينة، فلا يستطيعون رد الاعتداء بالشدة على من يعتدي عليه منهم، فلما عادوا منتصرين امتلأت نفوسهم بالجرأة، ووجدوا أن مصلحتهم تقتضيهم رد العدوان وتأديب المعتدين، وإلقاء الرعب في قلوب من تحدثهم أنفسهم بإفساد أمور الدولة الإسلامية الناشئة في يثرب، فقتلوا بعض رجال من اليهود كانوا يحرضون على الدولة ويتصلون بالعدو٢، وكذلك استطاعوا أن يخرجوا إحدى قبائل اليهود من المدينة وهم بنو قينقاع عندما تحدت المسلمين وأظهرت العداء٣، وكانت هذه القبيلة اليهودية تساكن المسلمين بداخل المدينة، وكان وجودها يشكل خطرًا على كيان المدينة لو هددت بهجوم خارجي وحدثتهم نفوسهم الخيانة،
_________________
(١) ١ الواقدي ١٥٧، ابن هشام ٣/ ٤. ٢ ابن هشام ٢/ ٤٤٠، ٤٤١، الواقدي ١٤٤- ١٥١. ٣ نفسه ٤٢٦- ٤٢٩، الواقدي: ١٣- ١٤١.
[ ٣٥١ ]
وحين خلت المدينة في داخلها من هؤلاء اليهود، زال عنها وجود عنصرين متحاقدين في داخلها، وبذلك أصبحت أقدر على مواجهة احتمال الهجوم الذي كانت قريش تستعد له لتثأر ليوم بدر.
[ ٣٥٢ ]
موقعة أحد سنة ٣هـ:
بدت الحالة الداخلية هادئة في المدينة بعد النصر الذي أحرزه المسلمون في بدر، وبعد إجلائهم بني قينقاع، وانكمشت الطوائف الأخرى من غير المسلمين، وخفتت أصوات المعارضة، بعد مقتل المحرضين على المسلمين من اليهود، وفزع اليهود وذلوا بعد أن أهدر النبي -ﷺ- دماء كل من تحدثه نفسه بالفتنة منهم١. وكان من الممكن أن يستمر هذا الهدوء فترة طويلة لولا أن أبا سفيان بمكة لم يطق صبرًا على عار بدر. ولم يطق أن يظل قابعًا في مكة دون أن يعيد إلى أذهان العرب أن قريشًا لا تزال لها قدرتها على الضرب والغزو؛ لذلك ما لبث بعد شهر أن جمع مائتين من رجال مكة وخرج بهم مستخفين، حتى إذا ما وصلوا منطقة المدينة ليلًا نزل على بني النضير في حصن زعيمهم سلام بن مشكم حيث قراه وسقاه وبطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته هذه، فأغاروا على ناحية العريض فحرقوا بها بيتين ونخلًا ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له يعملان في حرث لهما فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين٢. وندب النبي -ﷺ- أصحابه فخرجوا في أثر أبي سفيان حتى بلغ قرقرة الكدر على نحو أربعة وعشرين ميلًا من المدينة ٣، وأبو سفيان ومن معه جادون في الفرار يتزايد خوفهم فيلقون ما يحملون من زادهم من السويق، فإذا مر به المسلمون أخذوه، ولذلك سميت هذه الغزوة غزوة السويق٤، وقد انقلب فرار أبي سفيان عليه بعد أن كان يحسب أن الغزوة ترفع من شأن قريش بعد مصاب بدر.
أما القبائل المحيطة بالمدينة وبخاصة التي تنتشر على جانبي طريق التجارة فقد بدأت ترى ما يتهدد مصالحها من تزايد قوة المسلمين، ومن تعادل هذه القوة وقوة مكة تعادلًا تخشى نتائجه؛ فقد أصبح طريق الشاطئ وهو الطريق المعبد المعروف مهددًا،
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٤٤١. ٢ قراه: ضيَّفه، بطن له من خبر الناس: أعلمه من سرهم، ابن هشام ٢/ ٤٢٢. ٣ ياقوت ٦٦/ ٤٤١. ٤ ابن هشام ٢/ ٤٢٢، ٤٢٣.
[ ٣٥٢ ]
وأصبحت تجارة قريش إلى الشام معرضة للتوقف التام، فإذا حدث هذا فإن هذه القبائل تتعرض لخسارة اقتصادية شديدة، فأما القبائل التي تعيش قريبًا من الساحل فقد حالفت النبي -ﷺ- فزاد بذلك تهديده للطريق التجاري، وأما القبائل الأخرى فقد ملأ الرعب قلوبها بعد بدر، وإن كانت قد حاولت التجمع للنيل من المدينة محاولات لم تصمد فيها، فإنها كانت ما تكاد تسمع بخروجه إليها حتى تنخلع قلوبها وتتفرق في رءوس الجبال، ومسالك الصحراء.
وكان على قريش أن تحاول إيجاد وسيلة للتخلص من هذا الحصار وإلا تعرضت لشر ما تتعرض له مدينة مثل مكة تعيش على التجارة. وقف صفوان بن أمية يومًا في قريش يقول: "إن محمدًا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا نأكل رءوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه ما لنا بها بقاء وإنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف وفي الشتاء إلى أرض الحبشة١ فقرروا أن يسلكوا طريق العراق، وبعثوا قافلة تبلغ قيمتها مائة ألف درهم٢، ولكن النبي -ﷺ- ما كاد يعلم بأمرها حتى أرسل إليها سرية اعترضتها عند ماء من مياه نجد يسمى: القردة، ففر الرجال واستولى المسلمون على الأموال، وأسروا دليل القافلة الذي أسلم حين وصل إلى المدينة وأقام بها٣.
زاد هذا الحادث قريشًا حنقًا على محمد وطلبًا للثأر منه؛ فإنها إن لم تثأر لكرامتها من هزيمة بدر، وإن لم تفتح لنفسها طريق التجارة إلى الشام هوت مكانة مكة الاقتصادية ومكانتها الأدبية إلى حيث لا تقوم لها بعد ذلك قائمة؛ لذلك أخذت تعد نفسها وتتصل بالقبائل لتشاركها في الهجوم على المدينة، كما استنفرت معها من اتبعها من الأحابيش، وأصرت النسوة من قريش على أن يسرن مع الغزاة يحمسنهم ويحفزنهم ويذكرنهم قتلى بدر، وخرجت قريش معها عدد من نسائها وعلى رأسهن هند زوج أبي سفيان قائد الحملة، وهي أشدهن على الثأر حرقة أن قتل أبوها وأخوها وعمها يوم بدر، وكانت عدة الجيش ثلاثة آلاف مقاتل مزودين بأفضل ما قدروا عليه من عدة وسلاح، يمتطون ثلاثة آلاف بعير وقادوا مائتي فرس، ومن بين رجالهم سبعمائة دارع،
_________________
(١) ١ الواقدي ١٥٥. ٢ نفسه ١٥٦. ٣ ابن هشام ٢/ ٤٣٠.
[ ٣٥٣ ]
وقصدوا المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار الندوة١. فلما أجمعوا المسير كتب العباس بن عبد المطلب إلى النبي -ﷺ- يصف له جمعهم وخروجهم إليه، كذلك خرج وفد من خزاعة -وقد كانت خزاعة تميل إلى النبي ﷺ وتخلص له- فأخبروا النبي -ﷺ- الخبر٢ واقتربت قريش من المدينة وأطلقت خيولها وإبلها ترعى زروع يثرب المحيطة بها، ثم قدمت فنزلت بجوار أحد.
وعقد النبي -ﷺ- مجلسًا عامًّا دعا إليه أهل الرأي من المسلمين ومن المتظاهرين بالإسلام، وجعلوا يتشاورون كيف يلقون عدوهم، وكان رأي كبار الرجال من أهل التجربة أن يتحصنوا بالمدينة ويقاتلوا فيها. لكن الشباب من المسلمين أخذتهم الحماسة ورأوا في بقائهم بالمدينة أمرًا قد تعده قريش وتفهمه قبائل العرب نوعًا من الجبن عن لقاء العدو فيكون ذلك مجرئًا عليهم غيرهم، وأرادوا أن يحققوا نصرًا مثل الذي حققه المسلمون يوم بدر، وناصرهم على هذا الرأي رجال سمت روحهم الدينية فطلبوا الشهادة أو يجاهدوا في الله فيدحروا من كفر به. واشتد الجدال وظهرت الكثرة الواضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدو وملاقاته، وقال لهم النبي -ﷺ-: " إني أخاف عليكم الهزيمة" ومع ذلك أبوا إلا الخروج؛ فلم يكن له إلا أن ينزل على رأيهم، وكانت الشورى أساس نظامه في هذه الحياة إلا أن يكون وحيًا يوحى من عند الله.
وحين دخل بيته يلبس سلاحه ويتخذ عدة الحرب، اشتد الجدل بين القائلين بالتحصن بالمدينة وبين القائلين بالخروج وقال لهم أولئك: "لقد رأيتم رسول الله يرى التحصن بالمدينة فقلتم ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره، والأمر ينزل عليه من السماء فردوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوًى أو رأيًا فأطيعوه٣".
وتراجع الداعون للخروج عن إصرارهم، وحين خرج النبي في عدة حربه ألقوا الأمر إليه ليبقى إذا أراد البقاء، فقال الرسول -ﷺ: "وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، وما ينبغي لنبي إذا لبس لامته -عدة حربه- أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، انظروا ما آمركم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم" ٤. وهكذا وضع محمد إلى جانب الشورى مبدأ النظام، فإذا تم للكثرة رأي بعد البحث والتفكير، لم يكن لها أن تنقضه لهوى أو لغاية، بل يجب أن ينفذ الأمر،
_________________
(١) ١ الواقدي ١٥٨، ١٥٩. ٢ الواقدي ١٦٠. ٣ الواقدي ١٦٧، ابن هشام ٣/ ٧. ٤ الواقدي ١٦٧، ١٦٨.
[ ٣٥٤ ]
على أن يوكل التنفيذ إلى من يحسنه، ويوجهه إلى حيث يتحقق له النجاح، وعلى الجماعة أن تلتزم الطاعة والنظام.
وتقدم النبي -ﷺ- بالمسلمين متجهًا إلى أحد حيث عسكرت قريش، ورفض أن تنضم إليه كتيبة من اليهود كانوا حلفاء لعبد الله بن أبي بن سلول، حذر أن توقع الاضطرابات في نفوس الجيش، كما رفض أن يدعو الأنصار حلفاءهم من يهود١، وموقف اليهود مشكوك فيه بعد الذي ظهر من خيانتهم وبعد ما امتلأت به النفوس من حقد، وفي الطريق انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وعاد إلى المدينة محتجًّا بأنه خالف رأيه واتبع رأي الغلمان ممن لم يحسنوا استخدام الرأي٢، وكذلك همت طائفتان أخريان من الأنصار أن تتراجعا متأثرتين بتراجع عبد الله بن أبي لولا أن ذكرتا إيمانهما فصبرتا٣، وبقي الرسول -ﷺ- في سبعمائة من المسلمين ليقاتلوا ثلاثة آلاف من أهل مكة كلهم موتور وكلهم على ثأره حريص.
وفي ساحة أحد اختار النبي -ﷺ- لرجاله. موقعًا استراتيجيًّا قويًّا، فاحتمى بظهره إلى أحد، وجعل العدو في مواجهته، ووضع خمسين من الرماة على مرتفع يقال له: جبل عينين، ليسدوا الطريق على خيالة قريش فلا تستطيع الالتفاف بجيش المسلمين وشدد عليهم الأمر ألا يفارقوا مكانهم إن كانت للمسلمين أو عليهم، وإنما همهم أن ينضحوا الخيل بالنبل حتى لا تأتي الجيش من خلفه٤.
وفي تشديد النبي -ﷺ- على الرماة، وفي تراجع بعض الناس عنه، وفي المناقشات التي دارت قبل الخروج، ما يبرز أن الجبهة يوم أحد لم تكن متماسكة، فقد رأينا كيف أن المسلمين لم يكونوا موحدي الكلمة في الاستعداد لمقابلة العدو والتهيؤ لخوض غمار المعركة، لقد كانت كلمتهم موحدة في بدر، وكان أمرهم جميعًا، وكانوا مثال الطاعة والنظام، والحرص على تنفيذ أمر القيادة، كما كانوا يقدرون قوة العدو ويدركون تفوقه عليهم، ويعدون أنفسهم للصبر والشدة، وتمتلئ نفوسهم مع ذلك باليقين بالنصر، والثقة بموعود الله أن تكون إحدى الطائفتين واستعدادهم ليخوضوا وراء نبيهم إن هو استعرض بهم البحر.
_________________
(١) ١ الواقدي ١٦٨، ابن هشام ٣/ ٨. ٢ الواقدي: نفسه. ٣ انظر سورة آل عمران ١٢٣. ٤ ابن هشام ٣/ ١٠.
[ ٣٥٥ ]
وها هم أولاء في يوم أحد تختلف كلمتهم، فمنهم من يرى البقاء بالمدينة والتحصن بها وهؤلاء الكبراء وأصحاب الرأي وعلى رأسهم النبي -ﷺ- نفسه، ومنهم من يرى الخروج ومناجزة العدو حيث هو بظاهر المدينة، وكان هؤلاء هم الأكثرية، وقد أنستهم حماستهم أن يقدروا قيمة العدو، ويعملوا حسابًا لتفوقه العددي، وأن يدركوا ما تضطرب به نفسه من الحقد والحرص على الثأر ليوم بدر، ولم يتفهموا تحذير النبي -ﷺ- لهم حين خاف عليهم نتيجة الاندفاع في الحماسة والاستخفاف بقوة العدو. ومع ذلك فقد وضح أن هذه الحماسة كانت فورة غمرت النفوس، ثم لم تثبت على محك الحوادث، ذلك أنهم ما كادوا يذكرون بأنه كان يجب عليهم أن يردوا الأمر للنبي -ﷺ- حتى تراجعوا عن موقفهم المتشدد في الخروج، ولم يكن الموقف يحتمل التراجع من جانب القيادة؛ وإلا تعرضت الروح المعنوية العامة للانهيار نتيجة للتردد والتراجع في اتخاذ القرارات، وبرغم ما حرص عليه النبي -ﷺ- من توحيد الصفوف على قرار واحد صدر عن الجماعة، وبرغم حرصه على المحافظة على الروح المعنوية عالية بين رجاله، وبرغم ما وعدهم به من النصر على العدو ما صبروا واستجابوا لروح الطاعة والنظام وحرصوا على تنفيذ أوامر القيادة، برغم كل ذلك؛ فإنه ما كاد الجيش يخرج إلى ظاهر المدينة للقاء العدو حتى تراجع عبد الله بن أبي بثلث الناس مستجيبًا لتحريض حلفائه من اليهود، وحتى بعض المخلصين من المؤمنين اهتزت نفوسهم وتسرب الخوف إلى قلوبهم، وهمت طائفتان منهم أن تتراجعا١، لقد أدرك النبي -ﷺ- هذا الضعف بين صفوفه فحرص على إمداد رجاله بالصبر واليقين والاعتصام بالإيمان، والثقة في نصر الله الذي آتاهم حين قاتلوا في بدر وكانوا أقل من ذلك عددًا وأضعف عدة، ونزل القرآن يثبت المسلمين ويصور موقفهم: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران] .
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٩٦.
[ ٣٥٦ ]
من ذلك ندرك السر في تشديد النبي -ﷺ- على الرماة ألا يبرحوا أماكنهم مهما يكن الموقف من نصر أو هزيمة، وتكرار هذا التشديد مع توضيح الموقف لهم، ليدركوا أهمية محافظتهم على موقفهم بالنسبة لموقف الجيش كله، ثم إشهاده الله عليهم إثارة لإيمانهم لما يفرضه عليهم من طاعة تامة١.
ثم إنه لم يدخر وسعًا في تنظيم رجاله تنظيمًا عسكريًّا بارعًا ليعوضهم عن قلتهم، فتخير لهم أفضل المواقف إستراتيجية في ميدان القتال، وسد الثغرات على العدو حتى لا ينفذ من خلفهم، ثم إنه عمل على إثارة حمية رجاله وتنبيه روح البطولة فيهم؛ فقد مد يده بسيف وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه؟ " وتسابق إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة الأنصاري، فقال: "وما حقه يا رسول الله؟ " فقال النبي -ﷺ-: "أن تضرب به العدو حتى ينحني". وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل وأنه أخرج عصابة الموت، فأخذ السيف وأخرج عصابته فاعتصب بها، وجعل يتبختر بين الصفين على عادته إذ يختال عند الحرب، فلما رآه النبي -ﷺ- يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"٢.
هكذا كانت الجبهة اليثربية.
أما الجبهة المكية فقد بدت في هذا اليوم أكثر تماسكًا. قيادتها موحدة وكلمتها جميع، وحرصها على الثأر من المسلمين شديد، وقد ظاهرها كثرة في العدد وقوة في التسليح، ولديها قوة كبيرة من الفرسان، وخلف الجيش النسوة يحفظن الرجال ويحمسنهم، وكل واحدة منهن قد وعدت مولى لها بالخير الكثير، إن أدرك لها الثأر من قتلة الأحبة.
وهكذا وقفت في ميدان القتال قوتان غير متكافئتين لا في العدد ولا في العدة، يحرك القوة الكبرى ثأر لا يهدأ من يوم بدر في نفوس ثائرة، ومركز أدبي ومادي أوشك على الانهيار. ويحرك الصغرى عامل الدفاع عن الوطن أن تنتهك حرمته، وعامل الدفاع عن العقيدة ودين الله. فأما المطالبون بالثأر فقد كانت تؤيدهم الكثرة والعدة وتدفعهم الحفيظة، وأما المدافعون فقد بدأ بعض الخلل في صفوفهم، ولكن عوضته في
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٩٤. ابن كثير ٤/ ٢٥. إمتاع ١/ ١٢٤، ١٢٥. ٢ ابن هشام ٢/ ١١، ١٢.
[ ٣٥٧ ]
أول المعركة مهارة القيادة ودقة التنظيم، وثورة الإيمان في نفوس بعض أبطال المسلمين ممن سمت نفوسهم حتى ليرون ألا تقف قوة أمام سيوفهم، وكان هذا قمينًا أن يتم عليهم النصر. لولا ذلك الخلل الذي وصل إلى بعض النفوس فأطمعها في الدنيا وأغراها بحب العاجلة، فذهلت عن أمر نبيها فأفسدت على الفئة المؤمنة موقفها. فقد حمل المسملون في أول المعركة حملة شديدة على العدو وتناولوا حملة لوائه بالقتل حتى قتلوا منهم تسعة على التوالي، فتراجعت قوات قريش وانكشفت حتى دخل المسلمون معسكرهم، وكادوا يذيقونهم هزيمة أشد من يوم بدر. لولا أن شغلوا بالغنيمة يجمعونها، وخالف الرماة الأوامر المشددة، فتركوا مواقفهم ونزلوا يشاركون في جمع الغنائم ظنًّا منهم أن الهزيمة قد تمت على العدو، وعند ذلك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد قائد خيل قريش، فنفذ من الثغرة التي كان يسدها الرماة، ودار خلف جيش المسلمين وأوقع الخلل في صفوفه، وعاد المنهزمون من قريش حين رأوا خيلهم تقاتل بين المسلمين، فألحقوا بهم هزيمة شديدة وقتلوا منهم سبعين رجلًا منهم عدد من الأبطال من بينهم حمزة عم النبي -ﷺ- بطل ذلك اليوم، ووصل العدو إلى النبي -ﷺ- نفسه بعد أن تفرق عنه رجاله منهزمين، وأصابه بجراحات شديدة، وتعرضت حياته للخطر لولا أن دافع عنه رجال من المهاجرين والأنصار فدوه بحياتهم.
وفشلت كل محاولة من النبي -ﷺ- لرد هزيمة المنهزمين، وإعادة تسوية الصفوف فقد ابتلعت الكثرة من قريش هذا العدد القليل من المسلمين بعد أن فقدوا النظام واختلت صفوفهم، وفي تصوير هذا الموقف نزل القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ١ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران- ١٥٥] .
_________________
(١) ١ تحسونهم: تقتلونهم، تفسير الطبري ٧/ ٢٨٧.
[ ٣٥٨ ]
أما قريش فقد طارت بنصرها فرحًا، وحسبت نفسها انتقمت أشد الانتقام ليوم بدر. حتى صاح أبو سفيان يخاطب المسلمين: يومٌ بيومِ بدرٍ والموعد العام المقبل. ولقد أسرفت قريش في نكايتها بالمسلمين وفي إظهار حقدها وتشفيها، فمثلت بالقتلى: جدعت الأنوف وصلمت الآذان وبقرت البطون، وبلغ الحقد بهند زوج أبي سفيان أن لاكت كبد حمزة عم النبي -ﷺ- بعد أن بقرت بطنه وجدعت أنفه وصلمت أذنيه واتَّخَذَتْ من هذه وغيرها من قتلى المسلمين قلائد وأقراطًا ومسكًا -أساورَ١ وكثيرًا من الفظائع التي تبرأ أبو سفيان من تبعتها وأعلن أنه لم يأمر بها وبلغ من شناعة ما فعلت وفعل النسوة معها، بل ما فعل الرجال كذلك -وإن لم يسخط على من فعلها- فقال يخاطب المسلمين: "إنه كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت"٢.
وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها، ولم تشأ أن تهاجم المدينة فتحتلها وتقضي عليها، مكتفية بأن تنال من ثمار النصر أقربها وأيسرها على ما جرت عليه العادة عند القبائل العربية في حروبها.
وانصرف المسلمون إلى المدينة وعلى رأسهم النبي -ﷺ- بعد أن دفنوا قتلاهم والحزن يثقل نفوسهم، لما أصابهم من هزيمة بعد نصر ومن مذلة وهوان بعد ظَفَر عزيز لا ظفر مثله؛ وذلك لاختلافهم ومخالفتهم أوامر النبي -ﷺ- وانبعاثهم وراء عرض الدنيا في الوقت الذي يقاتلون فيه لإعلاء الحق وإقرار المثل العليا.
وكان على النبي -ﷺ- بعد الهزيمة أن يعالج الموقف من نواح متعددة: عليه أولًا أن يعالجه من الناحية النفسية عند المسلمين، وقد أوشكت الهزيمة أن تقتل الروح المعنوية فيهم، وأوشك الشعور بالإثم أن يذل نفوسهم، ويصغر أقدارهم في نظر أنفسهم؛ فلقد خالفوا رأي النبي -ﷺ- وكبار المسلمين، وأصروا على الخروج للقاء العدو وهم يتحرقون شوقًا للقائه وإلحاق الهزيمة به كما أذاقوه إياها يوم بدر، وها هم الآن يذوقون مرارة الهزيمة نتيجة عصيانهم وفشلهم، ولقد كانوا يتمنون الموت ويطلبون الشهادة قبل لقاء العدو، فلما عاينوا الموت فروا منه وازورت نفسهم عن الشهادة، بل إن بعضهم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ [آل عمران] ولقد كانوا
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٤١. ٢ نفسه ٤٥.
[ ٣٥٩ ]
يعتزون بأنهم جند الله يقاتلون لإعلاء كلمته وينتصرون بتأييده، فإذا الدينا تصرفهم بعرضها عن غايتهم العظمى فيخسرون النصر الذي أوشكوا أن ينالوه، وما أدراهم أن الله لم يغضب عليهم لعصيانهم وطمع نفوسهم فيخسرون الآخرة أيضًا.
كان على النبي -ﷺ- أن يعالج هذه النفوس وإلا وصلت الهزيمة إلى قرارتها وأصبح من الصعب إقالتها من عثرتها، وكان عليه كذلك أن يعالج الموقف الداخلي في المدينة نفسها، فقد أخذت الطوائف الأخرى من أهل المدينة من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون السرور لما كان من هزيمته وأصحابه، وأظهر اليهود القول السيئ في النبي -ﷺ- وراحوا يشككون في نُبوته، كما أخذ المنافقون يخذلون عنه أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنه١.
ولو بقيت هزيمة أحد هي الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش فإن أمر محمد وأصحابه ليشرف على الأُفُول، ولتضعضع سلطانه بيثرب بعد أن أصبح صاحب الكلمة العليا فيها بعد بدر.
وماذا عن قريش؟ إنها لو رجعت بنصرها كما كسبته. لربما رجعت إلى المدينة فهاجمتها، والمسلمون مضعضعون من الهزيمة لم يستردوا نفوسهم من آثارها، ولو أنها لم ترجع واكتفت بما نالت لكان المسلمون عرضة لاستخفافها وإرسال دعاية السخرية والاستهزاء بهم في أنحاء الجزيرة كلها، ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء القبائل على المدينة والاستخفاف بها ومهاجمتها.
كان على النبي -ﷺ- أن يعالج الموقف من جميع هذه النواحي: فأما من الناحية النفسية عند المسلمين؛ فإنه عفا عن كل مسيء في المعركة ولم يحمل أحدًا بعينه ممن حضرها نتائجها، بل جعل المسئولية عامة.
ثم إن القرآن الكريم نزل مواسيًا للمسلمين معالجًا لجرح نفوسهم مذكيًا الروح المعنوية فيهم، مذكرًا إياهم بأن الحرب سجال والأيام دول. وأنهم لكي ينتصروا لا بد أن تكون لديهم القدرة على مواجهة الهزيمة، فإن القدرة على تقبل الهزيمة أقوى أنواع الانتصار. ثم يثير فيهم العظة المستفادة من هذه المعركة حتى يستعدوا لما بعدها من أيام ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا
_________________
(١) ١ إمتاع ١/ ١٦٥.
[ ٣٦٠ ]
يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران] .
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران] .
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران] .
وهكذا عاون القرآن الكريم في شفاء نفوس المسلمين حتى عادت إليها سلامتها. كما حرص النبي -ﷺ- على أن يرد إليها سريعًا شجاعتها ويشعرها ويشعر من حولها أنها لا تزال قادرة على الضرب والغلب ومواجهة العدو، وأن ما حدث في المعركة إن هو إلا حالة عارضة لم تؤثر بأي حال من الأحوال على جوهر نفوس المسلمين ولا على شجاعتهم، وأن قوتهم الضاربة لا تزال قادرة على خوض غمار الحرب واستئناف القتال من جديد في عزم وثقة بالنصر.
لذلك، وليتحوط لرجوع قريش لضرب المدينة واحتلالها، أمر النبي -ﷺ- فأذن مؤذن في المسلمين بطلب العدو، في الغد من يوم أحد على ألا يخرج إلا من حضر القتال.
وتحامل المسلمون على جراحاتهم، وقد استردوا روحهم المعنوية، فلم يتخلف منهم أحد، وحتى من أثقلته جراحه لم يرد أن يفوته من أمر القتال شيء، وأظهروا من الصبر والجلد وشجاعة النفس ما يعتبر مثلًا فذًّا في تاريخ الحروب١.
بلغ النبي -ﷺ- حمراء الأسد -على ثمانية أميال من المدينة- وكان أبو سفيان ورجاله قد وصلوا الروحاء -على سبعة وسبعين ميلًا- وقد صدق تقدير النبي -ﷺ-
_________________
(١) ١ انظر ابن هشام ٣/ ٥٢، ٥٣.
[ ٣٦١ ]
فإن قريشًا قد تلاومت على ترك الفرصة تفلت من يديها بعد أن أوقعت الهزيمة بالمسلمين فأجمعت على الرجعة، وقالوا: أصبنا حد أصحابه -محمد- وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم١.
وأراد النبي -ﷺ- أن يوهن نفوس المكيين ويضعف عزيمتهم، فأوحى إلى رجل من خزاعة -وكانت خزاعة مسلمها ومشركها هواها مع النبي ﷺ، تناصحه وتود نصره- أن يخذِّلها عنه ويلقي إليها أن النبي -ﷺ- والمسلمين قد خرجوا لقتالها وقد رجع إليهم من تخلف عن القتال، واستعدوا استعدادًا كبيرًا وفعل الخزاعي ما كلف به، فخارت عزيمة أبي سفيان وأجمع على الرجوع إلى مكة؛ ولكنه كلف نفرًا من العرب كانوا يريدون المدينة أن يخذلوا المسلمين عن مطاردته، ثم رحل عائدًا إلى مكة. وبقي النبي -ﷺ- ثلاثة أيام يوقد النيران ليعلم قريشًا أنه ينتظرها، وليشعر القبائل بقوته وعزمه، ثم عاد إلى المدينة٢ وقد استرد كثيرًا من مكانة المسلمين وأعاد إلى نفوسهم كثيرًا من شجاعتها واطمئنانها.
_________________
(١) ١ نفسه ٣/ ٥٤. ٢ ابن هشام ٣/ ٥٤- ٥٦، إمتاع ١/ ١٦٧- ١٧٠.
[ ٣٦٢ ]
آثار موقعة أحد:
حين عاد المسلمون من حمراء الأسد إلى المدينة، وجدوها قد تنكر كثير من أمرها، وإن بقى سلطان النبي -ﷺ- فيها السلطان الأعلى، فلقد رفع كثير من اليهود والمنافقين رءوسهم ضاحكين شامتين بالمسلمين، ثم تجرءوا فأخذوا يدبرون المكائد ويحيكون المؤمرات، حتى لقد تطور الأمر إلى حَبك مؤامرة لقتل النبي -ﷺ- نفسه، وكان من نتيجتها أن حاصر النبي -ﷺ- إحدى قبائل اليهود وهم بنو النضير وأخرجهم من المدينة.
كذلك بدأت القبائل العربية تتحرش بالمسلمين وتكيد لهم، وتجرأت فاستدرجت بعض رجالهم وقتلتهم أو باعتهم لقريش. وأخذت بعض القبائل تتجمع للإغارة على المدينة، لكن النبي -ﷺ- كان دائم الحذر يحرص دائمًا على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره، لإقرار هيبة الدولة في نفوس هؤلاء البدو، وكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمته، بل كان يقظًا سريع الحركة، ما يكاد يسمع بتجمع أعدائه حتى يفجأهم قبل أن يستكملوا أمرهم، فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم،
[ ٣٦٢ ]
فالهجوم عنده أقوى وسائل الدفاع، وتحطم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود لها. ولقد سار المسلمون على هذه السياسة التي رسمها النبي -ﷺ- من بعده، فلم يجعلوا أرض الإسلام ميدان قتالٍ أبدًا. بل كانوا دائمًا ينقلون خطوط القتال إلى أرض العدو نفسه حتى يشغلوه في نفسه عنهم، ولم تصبهم الهزائم إلا بعد أن تخلوا عن خطة اليقظة والنشاط واستكانوا للدعة والتواكل والانتظار.
وقد أتاحت هذه الظروف للدولة اليثربية فرصة الاستقرار، كما أن إخراج بني النضير، واستيلاء المسلمين على أراضيهم ونخيلهم، أدى إلى تحسن حالة المسلمين الاقتصادية في يثرب؛ فقد وزعت الأراضي على المهاجرين فاستقلوا بأمر معاشهم واستغنوا عن معونة الأنصار فتحسنت حالة الطرفين جميعًا، كما ضعف أمر النفاق، وخفت قوة المعارضة الداخلية في المدينة، وكانت الفترة التي تلت خروج بني النضير فترة سكينة وطمأنينة استراح إليها المسلمون. واستطاعوا بعد أن استدار العام أن يخرجوا إلى بدر استجابة لوعد أبي سفيان يوم أحد، لكن قريشًا لم تكن في حالة من القوة تمكنها من الوفاء بوعدها، فلم تذهب إلى بدر واكتفت بأن تتظاهر بالخروج، وترسل تهدد المسلمين. وفي بدر استفاد المسلمون من تجارة الموسم فربحوا، كما جدد النبي -ﷺ- عهوده مع القبائل التي وادعته من قبل، وكان من نتيجة تخلف قريش وخروج المسلمين أن انمحت آثار أحد واستقر سلطان المسلمين في هذه المنطقة وتدعمت هيبتهم، وامتد نفوذهم نحو الشمال حتى دومة الجندل التي كانت المسافة بينها وبين دمشق حوالي مائة ميل١.
وآن لمحمد بعد كل ذلك أن يستقر بالمدينة عدة أشهر متتابعة وجد فيها فسحة ليقوم بإتمام التنظيم الاجتماعي لهذه الدولة الإسلامية الناشئة في دقة وحسن سياسة، ويوحي إليه ربه منه ما يوحي، ويقر هو ما يتفق وتعاليم الوحي وأمره، ويضع من تفاصيل ذلك ما كان موضع التقديس من أصحابه، وما أشربته نفوسهم لتحمله بعد ذلك للدنيا. فيكون منارها وهاديها عدة قرون متتالية تستقر به حضارة لم يعرفها العالم من قبل.
ترى أكان أعداء محمد تاركيه آمنًا في جماعته يضع لها هذا التنظيم دون أن يدخلوا معه في جولة فاصلة يحشدون لها كل قوتهم وما يستطيع أن يصل إليه مكرهم وكيدهم، ليقروا مصيره ومصيرهم بعد هذا الصراع الدامي الذي أوشك أن يدمر كل
_________________
(١) ١ ابن هشام ١٦٠- ٢٣٦.
[ ٣٦٣ ]
قوتهم المادية والمعنوية، والذي رأوا نتائجه تتجه إلى مصلحة محمد وتوشك أن تقر سلطان دولته في هذه المنطقة الحيوية من شبه جزيرة العرب إقرارًا نهائيًّا.
وكان اليهود الذين أخرجهم محمد من المدينة أبصرَ خصومِ محمد بتعاليمه وبتقدير مصير دعوته. وكانوا أكثر تقديرًا لما يصيبهم من انتصاره واستقرار دولته، ولما كان خصوم محمد قد عجزوا عن القضاء عليه فرادى؛ فقد فكر اليهود من بني النضير وأهل خيبر في تكوين جبهة قوية يجتمع لها كل الخصوم، حتى تكون الجولة فاصلة مع هذا الرجل، وعلى هذا عقدوا العزم، وأخذوا على عاتقهم تدبير هذا الأمر وإعداده ليكون يوم الأحزاب.
[ ٣٦٤ ]
غزوة الأحزاب أو الخندق:
اختمرت فكرة تأليب العرب على المسلمين في يثرب، في نفوس اليهود من بني النضير الذين لجأوا إلى خيبر بعد إجلائهم عن المدينة. وأرادوا لها أن تكون محاولة نهائية ومعركة حاسمة يخوضونها ضد محمد. وفي سبيل ذلك لم يدخروا جهدًا من حيلة أو مكر أو مال، وحتى تعاليم التوراة داسوها في سبيل هذا الغرض.
وتنفيذًا لهذه الفكرة خرج نفر منهم، من بينهم حيي بن أخطب النضري وسلام بن أبي الحقيق وأخوه كنانة. ومعهم جماعة من يهود خيبر، حتى قدموا على قريش بمكة يحرضونها على قتال محمد، لكن قريشًا كانت قد بدأت تمل الحرب وبدأت جبهتها الداخلية تتضعضع وأخذ الحصار الاقتصادي يؤثر فيها تأثيرًا كبيرًا، جعلها تفكر في إعادة النظر في موقفها تجاه الدولة اليثربية التي أخذت عليها طريق تجارتها، وأثبتت حتى الآن أنها قادرة على الثبات والنمو؛ لذلك بدت مترددة غير واثقة من سلامة موقفها، ومن إحراز النصر على محمد، وظهر ذلك جليًّا من أسئلتها التي وجهتها لليهود، فقد سألتهم: أدينها خير أم دين محمد؟ وقد أجابها اليهود على ذلك بأن دينها خير من دينه وأنها أولى بالحق منه١. وبهذه الإجابة تنكر اليهود لمبادئ التوراة وكفروا بالوحدانية جريًا وراء حقدهم ومصالحهم، وقد نعى القرآن عليهم هذا الموقف ودمغهم بالكفر وأوجب عليهم اللعنة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
وفي موقف اليهود هذا وتفضيلهم الوثنية على التوحيد، يقول ولفنسون المؤرخ اليهودي: "وكان واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٢٢٩، ٢٣٠.
[ ٣٦٤ ]
الأمر إلى إجابة مطلبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين كانوا منذ قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية. كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلًا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف معهم الخصومة"١
ثم أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييًّا عن قومه من بني النضير، فقال: "تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. وسألوه عن قريظة فقال: "أقاموا بالمدينة مكرًا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم٢. ومازالوا بقريش يسهلون لها الأمر ويرغبونها حتى أخذوا وإياها موعدًا بعد أشهر يكونون قد جمعوا لها فيها الأحزاب من كل قبائل العرب.
ثم خرج أولئك النفر من يهود من عند قريش ليتموا جولتهم في تأليب باقي قبائل العرب. خرجوا إلى غطفان، وبني مرة، وفزارة، وأشجع، وسليم، وبني سعد، وكل من له عند المسلمين ثأر يحرضونهم على الأخذ بثأرهم، ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد٣ ويحمدون لهم وثنيتهم ويعدونهم النصر لا محالة.
ولما جاء الموعد المضروب خرجت الأحزاب التي جمعها اليهود لحرب المسلمين، وقد بلغ جيشهم عشرة آلاف مقاتل مسلحين أفضل تسليح تملكه القبائل العربية في ذلك الوقت، ولديهم قوة كبيرة من الخيالة٤ وكانت القيادة العليا لأبي سفيان.
وبلغت أنباء هذا المسير محمدًا والمسلمين في المدينة ففزعوا له، إذ لم تكن المدينة تملك من القوة ما تستطيع به مواجهة هذا الحشد الكبير وبخاصة أن بطونًا منها لا تزال على شركها، ثم إن النبي -ﷺ- لم يكن يطمئن تمامًا إلى بني قريظة وهم القبيلة الباقية
_________________
(١) ١ ولفنسون ١٤٣- ١٤٤. ٢ الواقدي ٢٩٠. ٣ ابن هشام ٣/ ٢٣٠. الواقدي ٧٩٠. الطبري ٧/ ٢٢٣. ٤ ابن هشام ٣/ ٢٣٥. الطبري ٢/ ٢٤٦. إمتاع ١/ ٢١٠- ٢١٩.
[ ٣٦٥ ]
من اليهود، ولم يكن يكفي التحصن بالمدينة وحدها، ولا بد من اتخاذ خطة أحكم لمواجهة المواقف، وقد جاء الحل من اقتراح تقدَّم به سلمان الفارسي، فقد أشار بحفر خندق حول المدينة١.
ووافق هذا الاقتراح هوىً في نفس النبي -ﷺ- لسببين: الأول أنه يعوق تقدم العدو في هجوم عام، والثاني أنه يبرز نية النبي -ﷺ- السلمية، فإنه لم يكن راغبًا في الحصول على مجد عسكري وإنما كانت الحرب عنده وسيلة لا غاية، فهو مع دقة تنظيمه ومهارته في القيادة يريد تسويد مبدأ السلم ما دام له عن القتال مندوحة، وكان تجمع كل هذه القبائل فرصة ليعلنهم جميعًا بنيته السلمية، ولكن في حيطة القائد وحذر المحارب، وَسَارَعَ فأمر بالبدء في حفر الخندق في شمال المدينة وهي الجهة التي يمكن أن تؤتى منها المدينة، أما باقي الجهات فهي حرات يصعب منها الهجوم ويسهل الدفاع، وعمل المسلمون بجد حتى أتموا حفر الخندق في ستة أيام، وحين أقبلت جموع العدو فوجئت بالخندق، فاستنكرت هذه الوسيلة التي لم تكن تعرفها من وسائل الدفاع واتهمت النبي -ﷺ- والمسملين بالجبن، وقد وقف النبي -ﷺ- بقواته من وراء الخندق، وكانت عدة من معه ثلاثة آلاف على قول بعض المصادر٢ وتسعمائة على قول بعضها الآخر٣.
ولما لم تجد الأحزاب سبيلًا إلى اجتياز الخندق اكتفوا بتبادل الرمي بالنبال ريثما يفكرون في خطة لمعالجة هذا الموقف.
واستطاع حيي بن أخطب أن يؤثر على بني قريظة، فأعلن هؤلاء قطع حلفهم مع النبي -ﷺ- واستعدوا لمعاونة الأحزاب بفتح الطريق أمام جيوشهم أن تدخل المدينة من ناحية بني قريظة٤ وهي جهة لم يشملها الخندق، ولكن النبي استطاع بمهارة أن يثبت الشك بين طوائف الأحزاب؛ فقد اتصل بغطفان وفاوضها على التراجع نظير ثلث ثمار المدينة، وإذا كان هذا الاتفاق لم يتم فإنه ثبط همم الغطفانيين، وألهب حماس الأنصار٥، ثم بذر الشك بين اليهود والأحزاب٦، وبذلك تفككت جبهة العدو،
_________________
(١) ١ الطبري ٢/ ٢٢٤. إمتاع ١/ ٢١٩، ٢٢٠. ٢ ابن هشام ٣/ ٢٣٠ الطبري ٢/ ٢٣٧. إمتاع ١/ ٢٢٤. ٣ جوامع السيرة ١٨٧. ٤ ابن هشام ٣/ ٢٣٦- ٢٣٨. ٥ نفسه ٣/ ٢٣٩. ٦ نفسه ٣/ ٢٤٧- ٢٥٠.
[ ٣٦٦ ]
والواقع أن هذه الجبهة كانت تحمل في ثناياها عوامل التفكك، فقد كانت أغراض الحلفاء غير متفقة، فقريش تريد أن تقضي على الدولة اليثربية بالقضاء على محمد والمسلمين، وغطفان إنما قدمت مأجورة فقد وعدها اليهود ثمار سنة من خيبر١ والقبائل الأخرى جاءت مشايعة وليس لها غرض واضح، واليهود كانوا يبغون استعادة سلطانهم بالمدينة وليس من غرضهم أن تقع يثرب في يد قريش أو إحدى القبائل الكبيرة، وإلا جرُّوا على أنفسهم خصمًا جديدًا قد يطمع في الاستيلاء على هذه المنطقة الخصيبة، ومن هنا كان التفكك بين صفوف الأحزاب، فوق أن وحدة القيادة لم تكن تامة فكل زعيم على جماعته لا تخضع خضوعًا مطلقًا لقيادة أبي سفيان. فما كادت عوامل الشك والريبة تأخذ طريقها إلى قلوب الزعماء حتى انفض جمعهم، وأعانت الطبيعة على انهزامهم وتراجعهم، فقد كان الجو شتاء والبرد قارسًا، وهَبَّتْ عاصفة شديدة وهطلت أمطار لا عهد لهم بمثلها، فانجفلوا جميعًا راجعين لبلادهم٢.
وبذلك نجت المدينة من خطر شديد كان يتهددها، وكان تراجع الأحزاب هزيمة تمت بدون قتال، والهزيمة آتية لا عن طريق تحطيم الجيوش المعادية وإنما عن طريق تحطيم وحدتها وعن طريق بذر الشك بين رجالها، حتى لم يعد في الإمكان بعد هذا اليوم أن يتجمع خصوم المدينة على هذه الصورة، فقد أصبحت قريش تشك في ولاء القبائل العربية، كما أصبحت القبائل نفسها تشك في قدرة قريش وفي إمكانها التغلب على المسلمين، وقد أدرك النبي -ﷺ- ذلك تمام الإدراك حين قال: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا ونحن نسير إليهم" ٣، كما أدرك رجاله هذا الموقف كذلك، ويتجلى ذلك في قول سعد بن معاذ زعيم الأوس الذي جرح في هذه المعركة: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخروجوه، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرَّ عيني من بني قريظة"٤، وحين رجعت الأحزاب حاصر النبي بني قريظة حتى استسلموا فأوقع بهم عقوبة الإعدام جزاء خيانتهم العظمى.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ٢١٤. هيكل: حياة محمد: ١٣٦. ولفنسون ١٤٣. ٢ ابن هشام ٣/ ٢٥٠، ٢٥١. ٣ البخاري ٥/ ١١٠. ٤ نفسه ١١٢، ١١٣. ابن هشام ٣/ ٢٤٤.
[ ٣٦٧ ]
وبذلك خلصت المدينة للإسلام وتخلصت من أعدائها الداخليين؛ فقد ذل النفاق في المدينة وأصبح المنافقون يخشون رفع رءوسهم. ولم يعد النبي -ﷺ- في حاجة كبيرة إلى التفكير فيهم.
[ ٣٦٨ ]
نتيجة الصراع
أدى هذا الصراع المسلح بين النبي -ﷺ- وقريش إلى نتائج مهمة، فلقد ضعفت جبهة مكة ضعفًا ظاهرًا بعد أن استنفذت كل إمكانياتها الحربية والسياسية، وأصبحت تجارتها في حكم المتوقفة، فلحقتها لذلك أضرار مادية جسيمة، كما أن القبائل العربية بدأت تراجع موقفها بالنسبة لاستمرار تحالفها مع قريش أو التقرب للقوة الجديدة التي ظهرت في يثرب والتي استطاعت حتى الآن أن تصمد لخصومها، وأن توقع بهم الهزائم وتحول الموقف إلى جانبها.
أما جبهة المدينة فقد ازدادت قوة وخصوصًا بعد أن أجلى النبي -ﷺ- قبائل اليهود أو قضى عليها، كما أن النفاق قد ضعف ولم يعد يسبب للنبي -ﷺ- قلقًا، كذلك تحسنت الحالة الاقتصادية عند المسلمين بعد أن وضعوا أيديهم على أراضي اليهود في يثرب وبعد ما غنموه من غنائمَ ثم إن خطر العدو لم يعد مباشرًا بالنسبة للمدينة، فقد انحسرت القوة عن خصومها وقبعوا في معكسرين: أحدهما في الجنوب وهو معكسر قريش في مكة، والآخر في الشمال وهو معكسر اليهود في خيبر، ولم يعد من اليسير قيام الاتصال بين هذين المعسكرين والتعاون بينهما مرة أخرى بعد تراجع الأحزاب عن يثرب.
غير أن هذا الصراع وإن كان قد أدى إلى تفوق يثرب وإضعاف قوة خصومها، إلا أنه شغل النبي -ﷺ- عن التفرغ لنشر دعوته، كما أنه حال بينها وبين التغلغل في القبائل العربية، وبخاصة تلك التي شاركت في الصراع، فإن الحرب بطبيعتها تثير الحفيظة وتزكي التعصب في النفوس وتمنع من التفكير الهادئ السليم، وفي مثل جو الحرب لا تنشر المبادئ، ولذلك نزل القرآن يأمر النبي -ﷺ- باللين والصبر واستعمال الحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] والدعوة بالحسنى وتهيئة جو السلم والطمأنينة هو سبيل أصحاب الرسالات والدعوات والإصلاح في كل زمان ومكان وهذا الجو هو الذي سعي إليه النبي -ﷺ- وهو الذي التزمه طيلة الدور المكي من حياة الرسالة، وهو حين دخل الحرب بعد هجرته دخلها مضطرًّا، وألزم موقفها إلزامًا ومع ذلك فلم يفكر فيها
[ ٣٦٨ ]
ولم يسعَ وراء مجد عسكري قط، وكان يقدم دعوة السلم قبل أن يدخل في القتال، حتى إذا ما استنفد وسائل السلم قاتل مكرهًا، ثم قاتل في أضيق الحدود، فلم يسرف على خصومه بعد نهاية المعركة. لم يجهز على جريح، ولم يقتل طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا ولا معتزلًا لقتال، وفي المرات التي قسا فيها على بعض خصومة كانت القسوة ضرورة لا محيص عنها.
فلما تحول الموقف بعد الأحزاب إلى صالح الدولة اليثربية وأصبح في إمكان النبي -ﷺ- أن يأخذ في يده موقف المبادأة، سعى إلى تهيئة جو السلم وتسويد مبدأ السلام، فمد يده إلى خصومه وأظهر منتهى المرونة والتسامح حتى تم بينه وبين قريش صلح الحديبية.
[ ٣٦٩ ]
صلح الحديبية
في شهر شوال من سنة ٦هـ، أعلن النبي -ﷺ- في أصحابه أنه قد نوى زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، ودعاهم للتأهب لتأدية هذه الزيارة مبشرًا إياهم بأنه رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام محلِّقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون١، وفي الوقت نفسه بعث إلى الأعراب من حول المدينة ليشاركوا في هذه الزيارة٢، وكانت حكمة النبي -ﷺ- في دعوة الأعراب ممن ليسوا على الإسلام لمشاركة المسلمين في هذه الزيارة أن يؤكد لقريش أنه جاء معتمرًا ولم يجئ غازيًا بدليل أنه يوجد في صفوفه من العرب من ليس على دينه، وليؤكد لهم أن زيارة البيت الحرام فريضة عند المسلمين كما هي فريضة عند العرب، وأن المسلمين يعظمون البيت الحرام كما تعظمه العرب بل هم أشد له تعظيمًا وأكبر عندهم حرمة، وليؤكد لهم كذلك أن مكة سوف لا تفقد مكانتها التي تنالها من مقام البيت فيها، والتي تحرص قريش على بقائها وإلى جانب ذلك يكسب الرأي العربي إلى صفه، فهو يعظم الحرمات ويحرص على المقدسات، ولا يجانب الناس بل يسالمهم، وهو يحرص على الوحدة بين العرب ويعمل لها، وأن التَفَتُّت وجو الحرب ليس من صنعه بل هو من صنع خصومه الذين أرغموه عليه إرغامًا، بمحاربته وصده عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس جميعًا وأمنًا، وليكشف موقف قريش العدائي ليظهر خروجها عن المهمة التي كانت وكلت إليها. والتي تحصل من ورائها على مركزها بين العرب، وهي رعاية البيت الحرام وتهيئته للزائرين سواء منهم
_________________
(١) ١ ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح] ابن هشام ٣/ ٣٦٧. إمتاع ١/ ٢٧٤. ٢ ابن هشام ٣/ ٣٥٥.
[ ٣٦٩ ]
العاكف والباد، إذ هي صدته وأصحابه عن زيارة البيت وأداء الفريضة التي هي حق للجميع.
واستجاب المسلمون لنداء نبيهم، والفرحة تملأ قلوبهم، المهاجرون منهم والأنصار على السواء، أما المهاجرون فقد طردوا من وطنهم وحرموا من بلدهم ظلمًا وعدونًا ستة أعوام، حالت فيها قريش بينهم وبين زيارة هذا الوطن وألزمتهم جو العداوة والحرب، وأما الأنصار فقد حرموا من زيارة البيت الحرام الذي كان مهوى نفوس العرب جميعًا، كما تَحملوا جو الحرب بما فيه من إعنات ومن ضياع للأنفس والأموال، وها هي الفرصة تأتي ليعود المهاجرون إلى وطنهم زائرين وليعاودوا الاتصال ممن تركوا فيه من الأهل والإخوان، وليطفئ الأنصار حنينهم إلى بيت الله الحرام، وليخرجوا من جو الحرب إلى جو السلام.
وأما الأعراب؛ فقد ظنوا أنها مغامرة يقوم بها المسلمون أن يزوروا مكة وأن قريشًا سوف تنتهزها فرصة للقضاء عليهم، ولن يصدها عن ذلك الشهر الحرام، ولا البيت الحرام، فقد لجت في الخصومة وبلغت بها إلى الشوط الأبعد الذي ليس بعده صلح ولا مسالمة، واعتبروا أن هذه سفرة بلا عودة، وعلى عادة الأعراب من الحذر أبطأوا فلم يستجيبوا لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم١.
وفي أول ذي القعدة -أول الأشهر الحرام- من سنة ٦ هجرية٢ خرج النبي -ﷺ- في ألف وأربَعمائة٣ من أصحابه متجهًا إلى مكة، يسوق أمامه الهدي سبعين بدنة وقد قلدها وأشعرها توكيدًا لنيته السلمية وقصده زيارة البيت٤. ولم يحمل أحد من هؤلاء الرجال سلاحًا إلا ما يحمله المسافر من سيف في غمده ٥.
وعلمت قريش بمسيرة النبي -ﷺ- والمسلمين إلى مكة فتشاور زعماؤها في الأمر، وعلى الرغم من مظهر السلم الذي سار به النبي -ﷺ- وعلى الرغم من إعلانه نيته في العمرة وندائه بهذا بين العرب، فإن زعماء قريش أوجسوا خيفة من هذه الزيارة، فلربما تكون مكيدة أراد بها محمد أن يدخل مكة، وحتى إذا لم تكن مكيدة وكانت عمرة عادية فإن قريشًا قدرت ما يكون لو أن المسلمين اختلطوا بأهل مكة وحادثوهم وزال جو
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٣٥٦. إمتاع ١/ ٢٧٦. ٢ ابن سعد ٣/ ١٣٩. إمتاع ١/ ٢٧٥. ٣ ابن هشام: نفسه. ابن سعد: نفسه. ٤ ابن هشام ٣/ ٣٥٦. ابن سعد ٣/ ١٣٩. ٥ ابن سعد: نفسه. إمتاع ١/ ٧٥.
[ ٣٧٠ ]
التوتر بين الفريقين، واتصل المهاجرون بأهليهم والتقوا معهم؛ فإن الدماء عند ذلك تحن والأرحام تتقارب، ويحس السواد من أهل مكة بالحنين نحو أهليهم وذوي أرحامهم، ويحسون بمقدار الظلم الذي وقع عليهم بطردهم من وطنهم والتفرقة بينهم وبين أهليهم، وإذن لا بد أن يكسب محمد الجولة عليهم، ثم إن هناك عددًا من المسلمين حبسهم أهلهم بمكة وحالوا بينهم وبين الهجرة، وهم يعذبونهم بقصد فتنتهم، فماذا لو دخل المسلمون مكة فاتصلوا بهؤلاء المستضعفين وعملوا على تحريرهم من الظلم والإعنات الذي هم فيه. ووجد هؤلاء المعذبون ملجأ وملاذًا عند إخوانهم، إذن فستكون الحرب الأهلية في مكة، أو هي الفرقة والضعف، ورجال محمد في مكة يستطيعون أن ينتهزوا الفرصة للاستيلاء عليها.
وإذن فمهما يكن غرض محمد ومظهره؛ فلا بد من الحيلولة بينه وبين دخوله مكة، مهما يكن الأمر ومهما يكن الثمن، حتى ولو كانت الحرب في الأشهر الحرام أعنف الحرب، على ذلك صمم زعماء قريش ومن أجل ذلك أعدوا جيشًا قويًّا بلغ عدد فرسانه مائتين، وقدموه للقاء محمد ومنعه من دخول مكة.
وتقدمت فرسان قريش على رأسها خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى كراع الغميم على نحو عشرة أميال من مكة١. وعلم النبي -ﷺ- بمسيرة جيش قريش لمنعه، فأخذه الأسى لموقف قريش ولددها في الخصومة مع أن ما بينها وبينه من لحمة الدم والقرابة كان خليقًا أن يجعلها تقاربه وتنتصر له. بدل أن تخاصمه هذه الخصومة العنيفة التي أعمتها عن موقف الحكمة، وأبعدتها عن الحلم الذي اشتهرت به بين العرب، فقال: "يا ويح قريش!! لقد أهلكتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة" ٢.
وبينما كان محمد يفكر في أمر قريش ويستعرض موقفها، كان فرسانها منه على مرأى النظر، يدل منظرهم على أنه لا سبيل للمسلمين إلى دخول مكة إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحامًا، ولكن محمدًا ما جاء محاربًا؛ وإنما جاء لتقرير مبدأ السلم ولذلك مال بأصحابه وسلك طريقًا آخر تجنب به قوات قريش وأوصلهُ إلى الحديبية،
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٣٥٦. إمتاع ١/ ٣٧٨. ابن سعد ٣/ ١٣٩. ٢ ابن هشام ٣/ ٣٥٦، ٣٥٧.
[ ٣٧١ ]
وهي أقرب حدود الحرم إلى مكة١، وهناك نزل بأصحابه ينتظر ما يكون من قريش. وفكرت قريش أن ترسل إلى المسلمين من يستطلع حالهم من ناحية ومن يحاول صدهم عن دخول مكة بدون حرب من ناحية أخرى، وأرادت أن تشرك القبائل المجاورة لمكة وأن تشرك الأحابيش، حتى إذا ما كان الموقف يتطلب قتالًا وقفوا معها وأعانوها، وقدرت أن محمدًا قد يسيء إلى الرسل الذين ترسلهم إليه من رجالها ومن رجال القبائل ومن الأحابيش فيحفظهم هذا فيتحمسون لنصرة قريش.
لكن محمدًا أحسن مقابلة الرسل الذين أرسلتهم قريش من خزاعة ومن ثقيف ومن الأحابيش٢، واستطاع أن يقنعهم بالحجة مرة، وبالمظهر العملي مرة أخرى -كما فعل مع سيد الأحابيش؛ فإنه أطلق الهدي أمامه٣- بنيته السلمية وبأنه جاء معتمرًا للبيت ولم يجئ غازيًا ولا معتديًا حتى لقد اشمأز بعض هؤلاء الرسل من تصرف قريش ومن عنتها، كما فعل الحليس سيد الأحابيش، فقد قال لقريش حين عاد من عند محمد: "يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء به أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد"٤. وبذلك كسب محمد هذه الجولة من قريش، وألزمها بأن تدخل معه في مفاوضات سلمية؛ وإلا ظهرت بمظهر المتعنت أمام حلفائها وأمام العرب.
وبالرغم من مناوشات قريش ومن اعتداءات سفهائها على المسلمين، ومحاولتهم النيل منهم؛ فقد التزم المسلمون جانب السلم وسود النبي -ﷺ- كلمة التقوى٥، وكان المسلمون أحق بها وأهلها، وكلمة التقوى تساوي كلمة السلم، وهو المبدأ الإسلامي الذي جاء يقابل مبدأ الجاهلية وهو الحمية التي تقابل العصبية -حمية الجاهلية-.
ولما جاء رسول قريش وهو سهيل بن عمرو مفوضًا لعقد الصلح أظهر النبي -ﷺ- كثيرًا من المرونة والتساهل، ولم يحفل بالشكليات بل كان همه في المسألة جوهرها، حتى لقد أغضب موقفه اللين كثيرًا من رجاله وأثار اعتراضهم٦، وحتى اندفع عمر بن
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٣٥٧. امتاع ١/ ٢٨٤. ٢ ابن هشام ٣/ ٣٥٩- ٣٦٢. إمتاع ١/ ٢٨٦- ٢٨٨. ٣ ابن هشام ٣/ ٣٦٠. إمتاع ١/ ٢٨٨. ٤ نفسه ٣/ ٢٦٠. إمتاع ١/ ٢٨٦. ٥ ابن هشام ٣/ ٢٦٣. إمتاع ١/ ٢٩٠. ٦ ابن هشام ٣/ ٣٦٥- ٣٦٧.
[ ٣٧٢ ]
الخطاب يقول للنبي -ﷺ- معترضًا: "يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟! ألسنا على الحق؟! فلِم نعطي الدنية في ديننا؟! ١".
لم يحفل النبي -ﷺ- بالشكليات التي تمسك بها رسول قريش، ولم يساير حماسة رجاله، وقدم كثيرًا من التسهيلات حتى تم عقد الصلح بين الطرفين، وكانت أهم شروطه٢:
١- أن يرجع محمد والمسلمون عن دخول مكة هذا العام، على أن يعودوا في العام القادم فتخلي لهم قريش مكة ثلاثة أيام يؤدون فيها العمرة.
٢- أن تعقد بين الطرفين هدنة مدتها عشر سنوات في قول، وسنتان -في قول آخر وهو ما نرجحه- يأمن كل من الطرفين صاحبه، ويكف بعضهم عن بعض، وأن بينهم عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال٣.
٣ - أنه من أراد من القبائل الدخول في حلف محمد دخل، ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل، على أنه يسري على المُتَحَالِفِين ما يسري على المتعاقدين.
٤- أنه من جاء محمدًا من أهل مكة بدون إذن وليه ردَّه إليهم ومن جاء إلى قريش من أصحاب محمد لم يردوه.
والشرط الأخير هو الذي أثار اعتراض المسلمين وأغضبهم، لكن النبي -ﷺ- أمضى العقد واعتبر الوصول إلى السلم هدفًا يصغر إلى جانبه كل شيء، وعدَّه فتحًا مبينًا، ونزل القرآن الكريم بهذا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح] .
والحقيقة أن الحديبية كانت فتحًا مبينًا لا يقل في أثره وعظمته عن أكبر معارك الإسلام، وإذا كانت بدر قد ثبتت قواعد الدولة الناشئة؛ فإن الحديبية قد فتحت أمامها المجال لتصل إلى الهدف الذي كان النبي يرمي إليه، وهو توحيد العرب في دولة واحدة، تكون نواة لدولة إسلامية كبرى تشمل الإنسانية وتحقق رسالة العدالة والخير لبني الإنسان على الأرض، وانفتح بصلح الحديبية المجال أمام النبي -ﷺ- ليتابع إبلاغ رسالته للناس جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها.
_________________
(١) ١، ٢ نفسه. ٣ عيبة مكفوفة: أن يكف بعضهم عن بعض، الإسلال: السرقة الخفية، الإعلال: الخيانة.
[ ٣٧٣ ]
وقد أتاح صلح الحديبية للنبي -ﷺ- أن يوجه نظره إلى إكمال خطته في إقرار الأمن للمسلمين في جزيرة العرب، والقضاء على كل عناصر المقاومة التي تقف في سبيل توحيد الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام ثم الاتجاه بالدعوة إلى العالم الخارجي، إلى المجال الإنساني؛ فإن محمدًا لم يُرسَل للعرب وحدهم، وإنما أرسل بشيرًا ونذيرًا للناس كافة.
وقد أظهر محمد من بُعد النظر ودقة التقدير ما تفوَّق به على خصومه، وما فاق به تفكير أصحابه على السواء، فإن شروط عهد الحديبية وإن بدت لأول وهلة في مصلحة قريش، فإن الأيام ما لبثت أن كشفت عن أن النبي -ﷺ- قد ذهب فيها بالنصيب الأوفر، وحقق فيها وبواسطتها أهدافه الكبرى، فقد أتاح هذا العهد لمحمد والمسلمين أن يدخلوا مكة في العام القادم آمنين مطمئنين، وأخلت لهم قريش البلد الحرام١، وقد كان لهذا أثره الخطير في مكة نفسها. فإن أهلها رأوا من تضامن المسلمين وترابطهم وتعاونهم وتعاطفهم وحسن نظامهم والتفاهم بينهم واقتدائهم بنبيهم، ما جعلهم يدركون أن مثل هذه الجماعة لا يمكن الوقوف في وجهها، وليس من أمل في التغلب عليها، حتى لقد كانت عمرة القضاء قضاء تامًّا على روح العناد والمقاومة في قريش، وحتى لقد أدرك عقلاؤها أنه من الخير الانضمام إلى محمد، يتمثل ذلك في إسلام خالد بن الوليد، وخالد رجل له مكانته العظيمة في قريش فهو بطلها المعلم وفارسها في يوم أحد. وكان خالد قائدًا بصيرًا يدرك أين تكون الكفة الراجحة، ولقد أدرك خالد هذا في عمرة القضاء فلم يلبث أن أعلن إسلامه. وبعث بهداياه إلى النبي -ﷺ٢ ولم يسلم خالد في صمت بل قال على ملأ من قريش: "لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بشاعر ولا ساحر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحق على كل ذي لب أن يتبعه٣. ولقد هم أبو سفيان أن يثور بخالد ويؤلب قريشًا لقتله، فقال عكرمة بن أبي جهل: "مهلًا يا أبا سفيان، أنتم تقتلون خالدًا على رأي رآه، وهذه قريش كلها قد بايعت عليه. والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم٤.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٤٢٤- ٤٢٧. ٢ الواقدي ٣١١. ٣ نفسه. ٤ ابن هشام ٣/ ٣١٩.
[ ٣٧٤ ]
وهكذا كانت عمرة القضاء التي هي شرط من شروط صلح الحديبية فتحًا لقلوب أهل مكة وأبصارهم، وكما أسلم خالد أسلم رجلان آخران لهما أهمية ولهما خطورة وهما: عمرو بن العاص داهية قريش الذي لا يقل بصرًا بالأمور عن خالد، وعثمان بن طلحة حارس الكعبة١، وبإسلام هؤلاء الثلاثة أسلم عدد كبير من أهل مكة وأصبحت مكة في حكم البلد الذي فتح أبوابه للدعوة الإسلامية، ولم يبق إلا أن تفتح أبوابها وتسلم القيادة للمسلمين.
كما أن هذا الصلح قد أتاح لبعض القبائل فرصة الدخول في عقد محمد وبالانضمام إلى صفوفه صراحة. وبخاصة قبيلة خزاعة التي كان جزء كبير من الأحابيش الذين كانت تعتمد عليهم من بطونها٢، وبذلك ضم محمد جزءًا كبيرًا من هذه القوة إلى جانبه وأضعف بذلك مركز قريش الحربي إلى حد كبير. ثم إن الهدنة قد أتاحت لمحمد فرصة العمل بحرية وهو آمن، بعد أن أمن جناحه الجنوبي من ناحية قريش، فانصرف في اطمئنان ليقضي على القوة الأخرى المعادية التي كانت تقوم في جناحه الشمالي، وهي قوة اليهود الذين تركزوا في خيبر والذين أخذوا يَعُدون العدة ويعملون على تكوين حلف يهودي يضم يهود خيبر ووادي القرى وتيماء، لتكوين قوة كبيرة من اليهود لمهاجمة المدينة دون اعتماد على القبائل العربية التي فشلت في مهاجمة المدينة في موقعة الأحزاب.
وقد استطاع أن يهاجم خيبر وينتصر عليها وعلى حصونها القوية، على الرغم مما بذله اليهود من مقاومة عنيفة مستميتة٣، وبالقضاء على قوة اليهود في خيبر أمن النبي -ﷺ- جناحه الشمالي، وبدأت القبائل التي كانت تناوئ المدينة تراجع موقفها وتسعى للانضمام إلى النبي -ﷺ- حتى لم يمض عامان إلا والإسلام قد انتشر انتشارًا سريعًا في هذه القبائل وحتى انضمت إليه انضمامًا كاملًا لدرجة أنه عند فتح مكة في عام ٨هـ، كان رجال هذه القبائل يؤلفون القوة الكبرى في الجيش الذي تقدم لفتح مكة. فقد قدمت سليم ألف فارس، وقدمت مزينة ألف مقاتل، كما قدمت جهينة ثمانمائة، وقدمت بنو كعب وبنو ليث وأشجع وغفار أكثر من ألفي مقاتل، وهكذا بعدت القبائل عن قريش بالدرجة التي تقربت منها من النبي -ﷺ٤، وكانت هذه الأعداد الضخمة من
_________________
(١) ١ إمتاع ١/ ٣٤١- ٣٤٤. ٢ ابن هشام ٣/ ٣٦٦. ٣ ابن هشام ٣/ ٣٨٧ وما بعدها. ٤ إمتاع ١/ ٣٦٤- ٣٧٣. جوامع السيرة ٢٧٧.
[ ٣٧٥ ]
الرجال دليلًا على مدى انتشار الإسلام بين هذه القبائل انتشارًا كبيرًا فاق كل عدد وصل إليه المسلمون في السنوات السابقة منذ البعثة إلى عهد الحديبية، ثم إن الشرط الأخير الذي أرضت به قريش غرورها والذي غضب من أجله المسلمون وعارضوه، ما لبث أن ظهر أنه في غير مصلحة قريش وأنه كان وبالًا عليها والرسول -ﷺ- حين قبله كان سياسيًّا بعيد النظر، وكان حكيمًا عالمًا بما يصلح الدولة في داخلها، فإنه ليس من مصلحة الدولة أن يكون بين صفوفها من لا يؤمن بمبادئها، ومن كان هواه مع أعدائها، وكانت قريش قصيرة النظر حين حبست بعض المسلمين في مكة ومنعتهم من الهجرة وعملت على فتنتهم عن دينهم بالقوة؛ فقد استمسك هؤلاء بدينهم برغم تعذيب قريش، وكانوا نقطة ضعف داخل الدولة المكية، كانوا طابورًا خامسًا -كما نعبر عنه في عصرنا الحديث- وكانوا إلى جانب ذلك يعذبون ضمير أهل مكة ويشعرونهم بالإثم دائمًا، وخصوصًا إذا قدرنا قوة عصبية الأرحام، وذوي القربى، وإذا كان الزعماء يرضون هذا لمصلحة الدولة كما ظنوا ويرغمون العامة على قبول عملهم وتساعدهم على ذلك حالة الحرب، فإن عواطف الناس كانت في غير هذا الصف، وخصوصًا بعد أن أشاع صلح الحديبية جوًّا من السلم وأتاح للعواطف أو الرأي أن تنفس عن نفسها، وكان النبي -ﷺ- يرى أن مصلحة دولته تقتضيه أن يتخلص من خصوم مبدئها أو على الأقل لا يتمسك بهم بين صفوفه؛ لذلك وافق على ألا يرجع إليه من يخرج من صفوفه إلى العدو.
على أنه لم يخرج من صفوف المسلمين أحد إلى مكة، وخرج من صفوف قريش بعض المسلمين فارين إلى النبي -ﷺ- فلما ردهم النبي -ﷺ- إلى مكة كانوا وبالًا عليها، وأصدق شاهد على ذلك قصة أبي بصير بن أسيد حليف بني زهرة، فإنه بعد صلح الحديبية فر إلى المدينة، فكتب أولياؤه إلى النبي -ﷺ- يطلبون رده، وأرسلوا إلى النبي -ﷺ- رجلين يعودان به؛ فسلمه النبي للرجلين وفاء بشروط الصلح، فلما كان في بعض الطريق احتال على الرجلين حتى أخذ من أحدهما سيفه فقتله به، وفر الآخر إلى المدينة ولحق به أبو بصير، فقال للنبي -ﷺ-: يا رسول الله، وفت ذمتك، وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي، فقال رسول الله -ﷺ-: "ويل أمه، محش حرب لو كان معه رجال" فخرج أبو بصير حتى نزل بمكان يقال له العيص على ساحل البحر، وكان طريق قريش إلى الشام، فسمع به من كان بمكة من المسلمين فلحقوا به، حتى كان في عصبة من المسلمين قريب من ستين أو سبعين رجلًا وكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه، ولا يمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت فيهم قريش إلى رسول الله -ﷺ-
[ ٣٧٦ ]
يسألونه بأرحامهم إلا آواهم، فلا حاجة لهم به، ففعل رسول الله -ﷺ- فقدموا عليه المدينة، وهكذا جر هذا الشرط وبالًا على قريش فقد تكونت ضدها عصابة خطيرة خرجت عن التبعية لها، وكذلك لم تدخل في تبعية المدينة فلم تكن تُسْأل عنها ولا عن أعمالها، فألحقت بقريش ضررًا فادحًا دعاهم إلى أن يرجوا النبي -ﷺ- أن يئوي هذه الجماعة وأن يقبل إلغاء هذا الشرط١.
وهكذا أثبتت الحديبية بُعد نظر النبي -ﷺ- وسلامة تقديره، وكانت آية من آيات السياسة الحكيمة والدبلوماسية الفذة، حتى اعتبرت فتحًا مبينًا فاق في كل نتائجه أعظم الفتوح الحربية؛ فإنه لم يفتح البلاد وحدها وإنما فتح العقول والقلوب للدين الجديد ومهد للفتح الأعظم بعد ذلك بسنتين، وهو فتح مكة فتحًا سلميًّا، وانضمامها إلى الدولة الإسلامية، وما أعقب ذلك من توحيد العرب، ودخول الناس في دين الله أفواجًا.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٣٧٣. إمتاع ٣/ ٣٠٤، ٣٠٥.
[ ٣٧٧ ]
*
الفصل الثاني: الصراع بين المسلمين واليهود
لا شك أن اليهود في المدينة كانوا على علم بما تم بين النبي -ﷺ- وبين الأوس والخزرج من اتفاق في بيعة العقبة الكبرى، ولم يكن في مقدورهم أن يمنعوا هذا الاتفاق أو يقفوا ضده، فإن القوة في المدينة كانت في يد العرب، وكانوا يستطيعون أن يدخلوا في المدينة من شاءوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم، وكانت حالة يثرب الداخلية تتطلب عنصرًا خارجيًّا يستطيع أن يوحد بين عناصرها المختلفة، ويقيم بينها نوعًا من التوازن يعيد إليها السلام الذي حرمته زمنًا طويلًا بتنازع طوائفها المختلفة وكان اليهود يرصدون الأحوال ويراقبون تطور الحوادث، ولم يدُرْ في خلدهم في أول الأمر أنه سيحدث ما يوجه الأمور ضد مصالحهم، بل لعلهم كانوا يعتقدون أن قدوم الرسول -ﷺ- إلى يثرب في مصلحتهم؛ فقد ظنوا أن في مقدورهم استمالته إليهم وإدخاله في حلفهم، فإنه يدعو إلى ديانة تتفق في جوهرها مع عقائدهم، ولو أفلحوا في ضمه إليهم لربما استطاعوا أن يعيدوا إلى أنفسهم مركز التفوق في يثرب، وربما استطاعوا به بعد توحيد بطون المدينة وجعلها كتلة واحدة أن يجعلوا منها مدينة قوية، تستطيع أن تسيطر على الحركة الاقتصادية وتنافس مكة وتتغلب عليها، وربما تمكنوا من تأليب جزيرة العرب حتى تقف في وجه النصرانية التي تغلبت على اليهود وأجلتهم عن فلسطين.
لعل هذه الآمال كلها كانت تجول في نفوس اليهود في يثرب حين قدم النبي -ﷺ- إليها؛ ولذلك أحسنوا استقباله وبادر هو إلى رد تحيتهم بمثلها وإلى توثيق صلاته بهم، فتحدث إلى رؤسائهم وتقرب إلى كبرائهم، وربط بينه وبينهم برابطة المودة باعتبارهم أهل كتاب موحدين، وبلغ من ذلك أن كان يصوم يوم صومهم١، وكانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس قبلة أنظارهم ومثابة بني إسرائيل جميعًا٢، وقامت علاقة طيبة بين أصحابه من المهاجرين وبين اليهود حتى ليغشون مجالسهم ويذهبون إلى بيوت مدارسهم يتحدثون إليهم، ويسألونهم ويسمعون منهم، ويرون التوارة تصدق القرآن والقرآن يصدق الترواة٣. وما كانت الأيام لتزيد النبي -ﷺ- والمسلمين باليهود أو لتزيد اليهود بهم إلا مودة وقربى، حتى وصل الأمر بينهم إلى عقد معاهدة صداقة
_________________
(١) ١ الموطأ ١٤٧، ١٤٨. ٢ ابن هشام ٢- ٣٧ "هامش الروض". ٣ تفسير الطبري ٢/ ٣٨١، ٣٨٢.
[ ٣٧٩ ]
وتحالف وتقرير لحرية الاعتقاد؛ ولئن لم يشترك في توقيع هذه المعاهدة بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع فإنهم لم يلبثوا أن وقعوا بينهم وبين النبي -ﷺ- صحفًا مثلها. وبهذه الصحيفة التي قررت حرية العقيدة وحرية الرأي وحرمة المدينة وحرمة الحياة وحرمة المال وتحريم الجريمة، استقرت الأحوال في يثرب وأصبحت حرمًا لأهلها، عليهم أن يدافعوا عنها، وأن يتكافلوا فيما بينهم لاحترام ما قررت هذه الوثيقة من الحقوق، وبدت المدينة وكأنما تسير إلى ما كان ينشده لها أهلها من هدوء وتقدم، وبدأ النبي -ﷺ- يمثل فيها روح النظام والاستقرار، وكان هو القدوة في حسن المعاملة والتواضع والعدل، وقد ترك ذلك في النفوس عميق الأثر، حتى لقد أقبل كثيرون على الإسلام، وزاد المسلمون في المدينة شوكة وقوة، وأخذ النبي -ﷺ- يتجه إلى بناء دولته وضمان الأمن لها في الداخل والخارج، ونجحت السرايا التي أرسلها إلى ما حول المدينة في تأمين ريفها وعقد المحالفات لها مع القبائل الضاربة على جنباتها.
هنالك بدأ اليهود يفكرون من جديد في موقفهم من محمد وأصحابه لقد عقدوا معه عهدًا، وكانوا يطمعون في ضمه إلى صفوفهم ليزدادوا به قوة؛ ولكنه أصبح هو أقوى منهم، وإنه ليتجه بقوته إلى المجال الخارجي، ويعمل على توسيع نطاق دعوته ونفوذه، أفيتركونه يمد سلطانه وينشر دعوته على هذا المدى الواسع، ويكتفون بالأمن في جواره أمنًا يمكِّن لمصالحهم المادية أن تتسع؟ لعلهم كانوا يقنعون بذلك لو أمنوا أن دعوته لا تمتد إلى اليهود ولا تفشو في عامتهم، على حين تقتضيهم تعاليمهم ألا يعترفوا بنبي من غير بني إسرائيل.
لكن رجلًا من علمائهم وأحبارهم هو عبد الله بن سلام القينقاعي١ لم يلبث حين اتصل بالنبي -ﷺ- أن أسلم هو وأهل بيته وجابَهَ اليهود بإسلامه ودعاهم إلى الإسلام٢، وهنا أجمع اليهود أمرهم أن يكيدوا لمحمد وينكروا نبوته. وما أسرع أن اجتمع إليهم من بقي على الشرك من الأوس والخزرج، ومن دخل في الإسلام منهم بظاهره جريًا وراء مغنم أو إرضاء بصحبة لم يقوَ على مخالفتها.
وهنا بدأت حروب جدل بين النبي -ﷺ- واليهود كانت أكثر لددًا ومكرًا من حرب الجدل التي كانت بمكة بينه وبين قريش؛ فقد حشد اليهود لها ما استطاعوا من أنواع الدسيسة والنفاق، وما كان لديهم من علم بأخبار الأنبياء والمرسلين، يهاجمون بها محمدًا ورسالته وأصحابه من المهاجرين والأنصار. دسُّوا من أحبارهم من أظهر إسلامه وأخذ يجالس المسلمين ويظهر الورع والتقوى، ثم يلقي على النبي -ﷺ- من الأسئلة ما يحسبه يثير الشكوك والريب ويزعزع في نفوس المسلمين عقيدتهم به
_________________
(١) ١ أسد الغابة: ٣/ ١٧٦. ٢ ابن هشام: ٣/ ٢٥ "هامش الروض".
[ ٣٨٠ ]
وبرسالته، ويتعنتون ويأتون باللبس، ليلبسوا الحق بالباطل وكان القرآن يجيبهم فيما يسألون عنه١. وانضم إليهم جماعة المنافقين من الأوس والخزرج ليسألوا ويشاركوا في الوقيعة بين المسلمين٢ وكانوا يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم، وفطن المسلمون لأمر خصومهم وعرفوا غاية سعيهم؛ فلما رأوا جماعة منهم بالمسجد ذات يوم يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، أمر النبي -ﷺ- بهم فأخرجوهم من المسجد إخراجًا عنيفًا٣؛ لكن هذا لم يثن اليهود عن سعيهم ووقيعتهم بين المسلمين، وغاظهم أن يجتمع أمر الأوس والخزرج على الإسلام وتقوم الألفة بينهم عليه، فأرادوا أن يثيروا الأحقاد القديمة ليوقعوا بينهم العداوة والبغضاء. مر أحدهم -شاس بن قيس- على نفر من الأوس والخزرج من أصحاب رسول الله -ﷺ- في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، وأمر فتى شابًّا من اليهود -كان معه- أن يجلس بينهم وأن ينتهز فرصة يذكر فيها يوم بعاث وما كان من الأوس والخزرج فيه. وتكلم الفتى فذكر القوم ذلك اليوم وتنازعوا وتفاخروا واختصموا، وكاد الشر يقع بينهم لولا أن سمع النبي -ﷺ- فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه، فذكرهم بما ألف الإسلام بين قلوبهم وجعلهم إخوانًا متحابين، ومازال بهم حتى بكى القوم وعلموا أنها من نزغات الشيطان وكيد عدوهم٤.
وبلغ الجدل بين محمد واليهود مبلغًا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه، فقد نزل إحدى وثمانون آية من سورة البقرة، كما نزل قسم كبير من سورة النساء، وكله يذكر هؤلاء اليهود، وإنكارهم ما في كتابهم، ويلعنهم لكفرهم وإنكارهم أشد اللعنة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ، وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة] ٥.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٤، ٣٥. ٢ نفسه ٢٧- ٢٩. ٣ نفسه ٢٩. ٤ ابن هشام ٢/ ٣٩، ٤٠. ٥ انظر تفسير الطبري ٢/ ٣٣٣، ابن هشام ٢/ ١٩٠، ابن كثير ١/ ٢٣٠.
[ ٣٨١ ]
وبلغ الجدل بين المسلمين واليهود حدًّا كان يصل أحيانًا إلى الاعتداء بالأيدي، وحسبك لتقدر هذا أن تعلم أن أبا بكر، على ما عرف عنه من دماثة الخلق ولين الطبع وطول الأناة، تحدث إلى يهودي يدعى: فنحاص، يدعوه إلى الإسلام، فرد فنحاص بقوله: "والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان غنيًّا عنا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا".
وفنحاص يشير هنا إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] ولم يطِق أبوبكر صبرًا على هذا الجواب فغضب وضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا، وقال: "والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله". وشكا فنحاص أمره إلى النبي -ﷺ- وأنكر ما قاله لأبي بكر فنزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران] ١.
ولم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج، ولم يكفهم فتنة الناس عن دينهم ومحاولة ردهم إلى الشرك دون تهويدهم، وصدهم من يريد الإسلام من المشركين، بل حاولوا فتنة النبي -ﷺ- نفسه؛ ذلك أن أحبارهم وأشرافهم وسادتهم ذهبوا إليه وقالوا: "يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم وإنا إن اتبعناك اتبعتك يهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة؛ أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك؟ " فأبي ذلك النبي -ﷺ- فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة] ٢.
ثم أخذوا في أسئلة منكرة، عن الساعة ومتى ميعادها؟ وعن وحدانية الله أهي حقيقة؟ وإذا كان الله قد خلق الخلق فمن خلق الله. ومن هذه الأسئلة التي يقصد بها التشكيك والتضليل بقصد الفتنة والبلبلة٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٨٧. ٢ ابن هشام ٢/ ١٩٦، ١٩٧. المائدة ٤٩، ٥٠. ٣ ابن هشام ٢/ ١٩٨- ٢٠٢.
[ ٣٨٢ ]
وحين ضاق اليهود ذرعًا بمحمد فكروا في أن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلته قريش عن مكة، فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا إلى بيت المقدس وكان مقامهم به، وأنه إن يكن رسولًا حقًّا فجدير به أن يصنع صنيعهم وأن يعتبر المدينة وسطًا في هجرته بين مكة وبيت المقدس، لكن محمدًا أدرك ما يرمون إليه، وأوحى الله إليه على رأس سبعة عشر شهرًا من مقامه بالمدينة أن يجعل قبلته المسجد الحرام بيت إبراهيم وإسماعيل ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة] .
وأنكر اليهود ما فعل، وأدركوا أن هذا العمل ينطوي على موقف خطير. فإن اتخاذ القبلة إلى بيت الله الحرام بمكة فيه جذب كبير لقلوب العرب، فإن الكعبة محط أنظارهم وموضع تقديسهم وإكبارهم فإذا اتخذها محمد قبلته كان في ذلك إرضاء للروح العربية، وقد يؤدي هذا إلى انجذاب العرب نحو الدين الذي يتخذ قبلتهم قبلته، وفيه كذلك تقرب لمكة التي كانت في عداء مع محمد، وقد يؤدي هذا إلى تقارب وجهة النظر بين قريش والنبي -ﷺ- فيلتئم شمل قريش ومن خلفها العرب مع النبي -ﷺ- فيضيع اليهود في غمرة هذا الاجتماع؛ لذلك أنكروا هذا وحاولوا فتنة النبي -ﷺ- مرة أخرى بقولهم: إنهم يتبعونه إن هو رجع إلى قبلته الأولى، فنزل القرآن الكريم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة] .
في هذا الوقت الذي اشتد فيه الجدل بين محمد واليهود، وفد على المدينة وفد من نصارى نجران عدتهم ستون راكبًا، فيهم أشرافهم ومن يئول إليه أمرهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، ولعل هذا الوفد إنما جاء إلى المدينة في هذا الوقت طمعًا في أن يزيد الخلاف شدة بين النبي -ﷺ- واليهود، حتى يبلغ به حد العداوة، فيريح النصرانية المتاخمة في الشام واليمن من دسائس اليهود
[ ٣٨٣ ]
وعدوان العرب على السواء، واجتمعت الأديان الثلاثة الكبرى بمجيء هذا الوفد وبجداله النبي -ﷺ- وبقيام ملحمة كلامية عنيفة بين اليهودية والمسيحية والإسلام.
فأما اليهود فكانوا ينكرون رسالة عيسى ومحمد إنكارًا فيه عنت وفيه مكابرة، ويزعمون أن عزيرًا ابن الله. وأما النصارى فيقولون بالتثليث وبألوهية عيسى، وأما محمد فيدعو إلى توحيد الله توحيدًا مطلقًا، وأن الرسالات جميعًا تمثل وحدة روحية واحدة من أزل الوجود إلى أبده، وكان اليهود والنصارى يسألونه عمن يؤمن بهم من الرسل فيقول كما نزل القرآن:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة] وينكر عليهم أشد الإنكار كل ما يلقي أية شبهة على وحدانية الله، ويذكر لهم أنهم حرفوا الكلم مما في كتبهم عن مواضعه، وأنهم غيروا مبادئ الرسل والنبيين الذين يقرون لهم بالنبوة، وأن ما جاء به موسى وعيسى ومن سبقهم لا يختلف في شيء عما جاء هو به؛ لأن ما جاءوا به جميعًا هو الحقيقة الخالدة التي تتكشف لكل من نزه نفسه عن الخضوع لغير الله، ونظر في الكون نظرة سامية فوق أهواء الدنيا مجردة عن الخضوع الأعمى للأوهام ولما وجد عليه آباءه وأجداده، ثم يلقي عليهم الصيغة التي أنزل الله عليه:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنَ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران] .
فماذا يمكن لليهود والنصارى أن يقولوا في هذه الدعوة؛ فأما النفس التي كرمت بالعقل، وأما الروح الخالصة الصادقة فلا تستطيع إلا أن تؤمن بهذا دون غيره، لكن للحياة البشرية جانبها المادي الذي يجعل الإنسان يضعف لإغراء المادة فيخضع لها، هذا الجانب المادي المصور في المال والجاه والسلطان وفي كاذب الألقاب هو الذي جعل أبا حارثة أكبر نصارى نجران علمًا ومعرفة يدلي إلى رفيق له بأنه مقتنع بما يقول محمد، فلما سأله رفيقه: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ كان جوابه: "ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى"١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٠٥.
[ ٣٨٤ ]
دعا النبي -ﷺ- اليهود والنصارى إلى هذه الدعوة أو يلاعن النصارى، أما اليهود فقد كان بينه وبينهم عهد الموادعة؛ لكن النصارى خافوا عاقبة الملاعنة ورأوا ألا يلاعنوه، وأن يتركوه على دينه ويرجعوا على دينهم، لكنهم رأوا حرص النبي -ﷺ- وأصحابه على العدل فطلبوا إليه أن يبعث معهم رجلًا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا عليها من أقوالهم، وبعث معهم النبي -ﷺ- أبا عبيدة بن الجراح ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه١.
وهكذا اشتد النفور بين المسلمين واليهود في المدينة وكثرت بينهم المخاصمات وبدت الكراهية والبغضاء، حتى نزل القرآن ينهى المسلمين عن الاختلاط باليهود واتخاذ بطانة لهم منهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران] ٢. ونزل يحذرهم من القعود معهم والدخول في مجالات دينية: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء] . فنجم عن ذلك أزمة بين المسلمين واليهود جعلت تشتد يومًا بعد يوم. ولم يمض أكثر من ثمانية عشر شهرًا من قدوم النبي -ﷺ- إلى يثرب حتى تلبد الجو بالغيوم الكثيفة بين الطرفين، وجعل كل فريق يتواصى بالحذر والنفور من الفريق الآخر. وقد استمرت هذه الأزمة الشديدة إلى يوم موقعة بدر.
رأينا -من قبل- أن الصحيفة التي كتبها النبي -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار على رأس سنة من قدومه إلى يثرب، ووادع فيها اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، قد ذكرت البطون اليهودية الصغيرة التي كانت في ذلك الوقت قد اندرجت في البطون العربية وصارت تعد منها بحسب العرف القبلي، ولذلك ذكرتها الصحيفة لا بأسمائها، ولكن بأسماء البطون العربية التي تتبعها، أما قبائل اليهود الثلاث الكبرى
_________________
(١) ١ نفسه ٢١٥. انظر هيكل: حياة محمد من ص: ٢١٨- ٢٣٥. ٢ ابن هشام ٢/ ١٨٦، ١٨٧.
[ ٣٨٥ ]
وهي: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فلم يجئ لها ذكر في الصحيفة، وإن كان قد وُضِعَ بند عام يسمح بإلحاق هذه القبائل
فيما بعد: "وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم" ثم وقعت بين النبي -ﷺ- وبين هذه القبائل عهود أشار إليها المؤرخون وإن لم يذكروا نصها١، ويبدو أن نصوصها لم تكن تختلف عن الجوهر العام لنص الصحيفة، والأرجح أن هذه القبائل اليهودية لم تعاقد النبي -ﷺ- في وقت واحد، فقد ذكرت المصادر أن بني قينقاع حين أجلاهم النبي -ﷺ- بعد بدر كانوا هم أول من نقض العهد؛ ذكر الواقدي وابن سعد أن اليهود بعد مقتل كعب بن الأشرف وإهدار دم اليهود، فزعوا وجاءوا إلى النبي -ﷺ- يقولون: "لقد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من سادتنا، قتل غيلة بلا جرم، ولا حدث علمناه" فقال رسول الله -ﷺ-: "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نالنا بالأذى وهجانا بالشعر، ولا يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف" ودعاهم رسول الله -ﷺ- إلى أن يكتب بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه كتابًا.
وقد كان مقتل كعب بن الأشرف بعد جلاء بني قينقاع، وقبل موقعة أحد، ومن ذلك يتبين أن بني قينقاع كانوا هم أول من تعاقد مع النبي -ﷺ- من القبائل اليهودية الكبرى، ولهذا ما يرجحه، فإن بني قينقاع كانوا حلفاء الخزرج، وكانت بطون الخزرج كلها قد دخلت في الإسلام، ثم إنهم كانوا يساكنون المسلمين في داخل المدينة، فكان الوضع لذلك يقتضيهم أن يتعاقدوا مع النبي -ﷺ- والمسلمين، أما بنو النضير وبنو قريظة فكانوا يسكنون في منطقة العوالي خارج المدينة وعلى طرف الحرة الشرقية، فكانت مساكنهم لذلك بعيدة، كما كانوا في منعة من حصونهم وآطامهم. ثم إن البطونَ التي كانت قريبة منهم من العرب بطونٌ أوسية، هي التي عرفت بأوس الله، وقد تأخر إسلام هذه البطون إلى ما بعد موقعة الخندق، فلم يكن هناك ما يحمل هؤلاء اليهود على الإسراع في معاقدة النبي -ﷺ- حتى إذا كان حادث كعب بن الأشرف وهو من زعماء بني النضير، وإهدار النبي -ﷺ- دم اليهود، وجدوا أنفسهم مهددين من جانب المسلمين
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٤٢٧، ٣/ ٢٢٦، ٢٢٧. الواقدي ١٣٨، ١٥٠، ٢٨٧، ٢٩٢. ابن سعد ٣/ ٦٧، ٧٣، ٩٩، ١٠٩. ٢ الواقدي: ١٥٠. ابن سعد: ٢/ ٧٣.
[ ٣٨٦ ]
الذين اشتدت شوكتهم بعد انتصارهم في بدر؛ فاضطروا إلى الدخول في حلف مع النبي -ﷺ.
ولعل المعاهدات التي وقعها النبي -ﷺ- مع هذه القبائل لم تكن تشترط عليها أن تشارك معه في القتال، وهذا أمر طبيعي بعد أن فسدت الأمور بين المسلمين واليهود كما أشرنا إليه من قبل. فلم يكن النبي -ﷺ- يثق باليهود حتى يشترط عليهم أن يشاركوا معه في الحرب، والدليل على ذلك أن اليهود لم يشاركوا فعلًا في حروب النبي -ﷺ- وأن النبي -ﷺ- رفض الاستعانة بهم حين عرض رجال الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود في يوم أحد١، ونحن لا نوافق على ما ذهب إليه ولفنسون وغيره من أن النبي -ﷺ- قد غضب على بني النضير لعدم اشتراكهم معه في موقعة أحد٢؛ لأن بني النضير كانت قد بدت الخيانة منهم وممالأة العدو من قَبْلِ أحد. فإن أبا سفيان بن حرب قد نزل على سلام بن مشكم سيد بني النضير في غزوة السويق بعد بدر فقراه وسقاه وبطن له خبر الناس -أعلمه سرهم-٣. فلم يكن النبي -ﷺ- يقبل -والحالة هذه- أن يشتركوا في جيشه حتى لا يتعرض لخيانتها في ميدان القتال.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٨. الواقدي ١٦٨. ٢ ولفنسون ١٢١- ١٣٥. ٣ ابن هشام ٢/ ٤٢٢- ٤٢٤.
[ ٣٨٧ ]
إجلاء بني قينقاع:
كانت النيات قد فسدت بين المسلمين واليهود كما بينا، وكان اليهود قد بدءوا يناوشون المسلمين، ويحرضون عليهم ويدسون بينهم حتى فاضت النفوس بالعداوة، وجعل كل من الطرفين يتربص بالآخر. حتى إذا كانت غزوة بدر وانتصر المسلمون فيها انتصارًا كبيرًا على قريش، ساء اليهود هذا النصر فبدأت طوائفهم تتغامز بالمسلمين، وتغري بهم، وتحرض عليهم، حتى فاضت النفوس أي فيض، ولم ينقص الموقف إلا الشرارة التي تشعل الحريق، وكان بنو قينقاع يقيمون بداخل المدينة، وفي حيهم يقوم سوق عرف باسمهم، وكانوا صاغة يعملون في صناعة الحلي، ولإقامتهم بين المسلمين كانوا أكثر قبائل اليهود احتكاكًا، وكان وجودهم هذا مما يثير حفائظهم كما كان يشكل في الوقت نفسه خطرًا على كيان المدينة اليثربية أو فوجئت بهجوم خارجي وحدثتهم أنفسهم بالخيانة، ثم إنهم كانوا أشداء لعدم اعتمادهم على الحصون كبقية اليهود، فأغرتهم قوتهم بتحدي المسلمين فلما قدمت امرأة من الأنصار إلى سوقهم لتبيع بعض
[ ٣٨٧ ]
حليها، وجلست إلى صائغ منهم، عبث بها بعض رجالهم، فأخذت الغيرة رجلًا من المسلمين، فشد على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، واستعدوا لمنازلة المسلمين. فلما ذهب إليهم النبي -ﷺ- يحذرهم عاقبة هذا العمل منهم، ويطلب إليهم التزام العهد، قالوا: "لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس"١. عند ذلك لم يبق من سبيل لعدم مقاتلتهم، وإلا تعرض المسلمون وتعرض سلطانهم للخطر.
عند ذلك أمر النبي -ﷺ- بحصارهم، فحاصرهم المسلمون خمسة عشرة يومًا، اضطروا بعدها إلى النزول على حكم محمد والتسليم بقضائه، وانتهت مشاورات النبي -ﷺ- وأصحابه بإجلائهم عن المدينة.
وبخروج بني قينقاع خلت المدينة في داخلها من اليهود، وزال عنها خطر وجود عنصرين متحاقدين في داخلها، وبذلك أصبحت أقدر على مواجهة الاحتمالات الخارجية.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٤٢٦. ٢ هشام ٢/ ٢٦ "هامش الروض".
[ ٣٨٨ ]
إجلاء بني النضير
كان بنو النضير أقوى القبائل اليهودية بالمدينة، وكانت حصونهم غاية في المناعة والقوة وكانوا يعتدون بها ويعتقدون أنها قادرة عل حمايتهم، وكان العرب من حولهم يرون أنها أمنع من أن تقتحم، كما كانوا يملكون أفضل الأراضي الزراعية وأفضل النخيل، وكان زعماؤهم قد أظهروا العداوة للنبي -ﷺ- من يوم قدومه إلى المدينة، وظهر الحسد والبغضاء والإصرار على العداوة منهم١.
فلما انتصر المسلمون يوم بدر انطلق شاعرهم كعب بن الأشرف يرسل الأشعار في هجاء المسلمين والتحريض عليهم، وذهب إلى مكة يرثي أصحاب القليب -قتلى قريش- ويحرض قريشًا على المسلمين، حتى فاضت نفوس المسلمين بالغيظ منه والحقد عليه؛ لذلك أمر النبي -ﷺ- بقتله. ثم إن زعيم بني النضير سلام بن مشكم آوى أبا سفيان في غزوة السويق وأطلعه على أسرار المسلمين، فكأن الخيانة في بني النضير قد ولدت مبكرة حتى إذا ما كانت معركة أحد وهزم فيها المسلمون، وبدأت القبائل العربية تتحرش بهم، حتى استدرجت عددًا منهم، وقتلتهم في الرجيع وبئر معونة -كما سنشير إليه فيما بعد - بدأ يهود بني النضير يدبرون مؤامرة خطيرة للتخلص من النبي -ﷺ-
_________________
(١) ١ هشام ٢/ ٢٦ "هامش الروض".
[ ٣٨٨ ]
والقضاء على الوضع القائم في يثرب كله، مستعينين في ذلك بتلك الجماعة المنافقة بزعامة عبد الله بن أبي، وقد بدأ النبي -ﷺ- يحس بهذا الموقف في المدينة، لذلك فكر تفكيرًا سياسيًّا بعيدًا عن مرامي الرأي، فرأى ألا شيء خير من أن يستدرجهم ليكشف عن نياتهم.
حين قتل عامر بن الطفيل زعيم بني عامر رجال النبي -ﷺ- الذين ذهبوا إلى منطقة نجد للدعوة إلى الإسلام في بئر معونة -مكان بين حرة بني سليم وبلاد بني عامر شرقي المدينة- نجا منهم رجل هو عمرو بن أمية الضمري الذي قابل في طريقه رجلين من بني عامر فقتلهما ثأرًا بأصحابه، ولم يعلم أن معهما كتاب عهد من رسول الله -ﷺ- واقتضاه أن يدفع ديتهما. وذهب النبي -ﷺ- إلى منازل بني النضير- وكانوا حلفاء لبني عامر- في عشرة من كبار أصحابه، وطلب إليهم أن يعاونوا في دفع دية القتيلين، وأظهر اليهود الغبطة لقدومه إليهم، والاستعداد للتعاون، ولكن حين تبسط معهم وجلس إلى جوار بيت من بيوتهم، ائتمروا بينهم أن يصعد أحدهم إلى أعلى الدار فيلقي على النبي -ﷺ- صخرة تقتله، وأحس النبي بدقة ملاحظته روح التآمر فيهم، فقام يوهمهم أنه ذاهب لبعض حاجته وترك أصحابه وذهب توًّا إلى المدينة، وحين أبطأه أصحابه رجعوا إلى المدينة وقد أدرك اليهود أن تآمرهم قد اكتشف.
وما كان النبي -ﷺ- يصل إلى المدينة ويجتمع بأصحابه حتى أرسل اليهود أحد رجاله وهو محمد بن مسلمة الأوسي يقول لهم: "اخرجوا من بلادي. لقد نقضتم العهد الذي جعلت بينكم بما هممتم به من الغدر بي، لقد أجلتكم عشرًا فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه" وأبلست بنو النضير فلم يجدوا لهذا الكلام دفعًا.
لكن عبد الله بن أبي -رأس المنافقين وكبيرهم- أرسل إليهم يقول: "لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين ممن أطاعني من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم".
وهنا نقف على أبواب مؤامرة خطيرة يدبرها اليهود والمنافقون في المدينة.
ها هم بنو النضير يأتمرون بالنبي -ﷺ ليقتلوه غدرًا، فلما انكشفت خطتهم، أعلن المنافقون عن المؤامرة كاملة، فإذا جبهة متكاملة تعلن خروجها، وتستعد للحرب، وتعلن في صراحة أن لديها القوة الكافية من عشائرها ومن غيرها من العرب الآخرين، وأن لديها الحصون والقلاع تحتمي بها، وأنها على استعداد لخوض غمار الحرب حتى الفناء.
[ ٣٨٩ ]
إذن فقد كان تقدير النبي -ﷺ- صادقًا وكانت شكوكه في محلها، أن المدينة مهددة بالحرب الأهلية يثيرها اليهود والمنافقون ومن ينضم إليهم من الأعراب القريبين، وإذن فهو الخطر الداهم الذي لو سكت عليه النبي -ﷺ- لكان في ذلك القضاء على دولته، فقد أصبح الأعداء يحيطون بها في الداخل والخارج، ولكي يتغلب على هذا الموقف فلا بد من العمل السريع الحاسم، ولا بد من شجاعة وشدة يتذرع بها المسلمون، فقد أخذت اليهود في التجهز للحرب، فرمت حصونها ونقلت إليها الحجارة وشحنتها بالمؤن والذخيرة، واطمأنت إلى قوتها وإلى القوة الخارجية التي يعدها عبد الله بن أبي.
وأسرع النبي -ﷺ- فحاصرهم، واشتبك معهم في القتال عشرين يومًا أظهر فيها اليهود كثيرًا من البسالة، واستماتوا في الدفاع عن حصونهم ودورهم، ولم ينسحبوا من دار إلا بعد أن ييأسوا من الدفاع عنها فيخربوها. وطال حصار الحصون حتى ظن المسلمون استحالة إخراجهم منها، فأمر النبي -ﷺ- بقطع نخيلهم وتحريقها حتى ييئسهم من فائدة المقاومة أو يضطرهم للخروج لقتال المسلمين في معركة مكشوفة.
أما عبد الله بن أبي ومن معه، فقد استطاع النبي -ﷺ- أن يحول بينهم وبين الاتصال باليهود، فقد أحكم الحصار، فلم يجرؤ عبد الله على التقدم لتنفيذ وعده لليهود، وأذهلته وأصحابه القوة التي واجه بها المسلمون الموقف، وملأ الرعب نفوسهم حينما رأوا النبي -ﷺ- يأخذ اليهود بالشدة فيحرق بيوتهم ويقطع نخيلهم وينكل بهم؛ لذلك جبنوا عن أن يتقدموا للمشاركة في القتال، بعد أن حيل بينهم وبين الوصول إلى حصون اليهود، ويئس اليهود من عونهم، فطلبوا مصالحة النبي -ﷺ- فصالحهم على الخروج، لكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال وطعام وشراب ليس لهم غيره.
وارتحل اليهود فمنهم من نزل بخيبر ومنهم من ارتحل إلى الشام وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من غلال وسلاح، ولكن الأرض التي تركوها كانت أفضل ما غنم المسلمون وأنفع، فقد جعلها النبي -ﷺ- للمهاجرين دون الأنصار الذين لم يجدوا في صدورهم حرجًا وآثروا بها المهاجرين، وبذلك استغنى المهاجرون عن معونة الأنصار فتحسنت الحالة الاقتصادية عند الطرفين.
أما المنافقون، فقد ضعف أمرهم بعد أن انكشف أمرهم ودمغوا بالجبن والعار، ولم يعاقبهم النبي -ﷺ- ولكنه لم يعد يفكر في أمرهم كثيرًا. وفي شأن بني النضير وتآمر المنافقين معهم نزلت سورة كاملة من سور القرآن هي سورة الحشر.
[ ٣٩٠ ]
وبخروج بني النضير، ضعف شأن اليهود بالمدينة، ولكن بقيت لهم جولة أخرى يدبرها بنو النضير بتجميع الأحزاب١.
_________________
(١) ١ عن إجلاء بني النضير: انظر ابن هشام ٣/ ١٩١- ١٩٧. الواقدي ٢٨٢- ٢٩٠. ابن سعد ٣/ ٩٨- ١٠٠.
[ ٣٩١ ]
القضاء على بني قريظة:
استطاع رجال بني النضير الذين نزلوا في خيبر أن ينالوا منزلة كبيرة فيها، واستطاعوا أن يغزوا قريشًا بحرب النبي -ﷺ- وأن يجمعوا لها الأحزاب من القبائل العربية، حتى هاجموا المدينة بجيش قوي عدته عشرة آلاف به قوة كبيرة من الفرسان؛ لكن النبي استطاع أن يتجنب القتال المواجه، كما استطاع أن يوقف تقدم العدو بالخندق الذي حفره حول المنطقة التي تمكن منها اقتحام المدينة، وهي الناحية الشمالية والشمالية الغربية والشرقية، أما باقي الجهات فكان حرارًا يصعب منها الهجوم، وأعانت بنو قريظة بما قدمت للمسلمين من أدوات الحفر من مساح وكرازين ومكاتل، وتركت ناحية العوالي لم يخندق من ناحيتها اعتمادًا على الحصون اليهودية بها، إذ إن قريظة بقيت على ولائها ولم يبد منها ما يكشف عن نية سيئة، ولم تستطع جيوش الأحزاب اجتياز الخندق، ولم يكن الوقت يسمح بالحصار الطويل، إذ كان الوقت شتاء باردًا وليس للقبائل المهاجمة من الاستعداد ما تتقي به البرد للقيام على حصار طويل، لذلك تباحثوا في خطة للظفر السريع أو الانسحاب وخاف حيي بن أخطب النضري مجمِّع الأحزاب أن تفشل خطته، فعمد إلى بني قريظة يغريهم بفتح الطريق أمام جيوش الأحزاب ولم يقبل كعب بن أسد زعيم قريظة في أول الأمر أن ينقض عهده مع الرسول -ﷺ- ولكن حييًّا ما زال به يقول له: "ويلك يا كعب! قد جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أُحد، قد عاهدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه"١. وقال كعب: "جئتني والله بذُل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء! ويحك يا حيي!! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً٢. ولم يزل حيي به حتى نقض كعب عهده مع النبي -ﷺ- ولكن بعد أن أعطاه حيي عهدًا وميثاقًا لئن رجعت الأحزاب ليدخلن معه حصنه فيصيبه ما أصابه.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٢٣٦. ٢ نفسه.
[ ٣٩١ ]
خافت قريظة، وبدأت تتحرش بالمسلمين وتتوسل رجالها لإخافتهم وتهديد حصونهم التي كان فيها نساؤهم وذراريهم حتى تشغلهم عن مواجهة العدو١. لكن النبي -ﷺ- استطاع أن يبث بذور الشك بين رجال الأحزاب وأن يفرق بينهم، وحتى فسدت نفوسهم واضطروا إلى رفع الحصار عن المدينة.
وما كاد النبي -ﷺ- يتأكد من رجوع جيوش الأحزاب حتى أمر رجاله بحصار بني قريظة، واندفع المسلمون يحكمون الحصار عليهم ليوقعوا بهم الجزاء الطبيعي، لقومٍ نقضوا عهدهم واتصلوا بالعدو وعرضوا الدولة للزوال.
واعتصم اليهود بحصونهم، فلم يستطيعوا أن يخرجوا منها ولو مرة واحدة للقاء المسلمين، وحاول كعب بن أسد أن يغريهم بقتال المسلمين ولكن نفوسهم كانت قد ضعفت وقلوبهم خلعت، فقد رأوا مصير من كان أقوى منهم من قبائل اليهود، وعرض عليهم أن يسلموا ويبايعوا النبي -ﷺ- ولكنهم رفضوا وصمموا على النزول على حكم محمد ظنًّا منهم أن حلفاءهم من الأوس لن يسلموهم إن أراد بهم محمد شرًّا، وأنهم لن يكونوا أسوأ حظًّا من غيرهم من بني قينقاع أو بني النضير، وفاتهم أن جنايتهم أكبر من أن تغتفر وأنه لا عقوبة على الخيانة العظمى إلا الإعدام، كما فاتهم أنهم لم يقبلوا نصح الأوس حين ذهبوا إليهم يطلبون منهم التمسك بالعهد، وأنهم أهانوا زعيمهم سعد بن معاذ الذي بلغ به الحقد عليهم أن تمنى على الله ألا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة. وحين نزلوا على حكم النبي -ﷺ- رضوا بأن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وحين كلم الأوس سعدًا في أن يحسن في مواليه، كما فعل عبد الله بن أبي مع بني قينقاع، قال: "لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم"٢.
وأصدر سعد حكمه بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء٣، ونفِّذ حكم سعد فقتل من الرجال كل من بلغ الحلم وسبيت الذراري وقسمت الأموال. وقتل مع القوم حيي بن أخطب الذي وفى لكعب بن أسد بما شرط على نفسه.
إن تبعة دم بني قريظة تقع على رأس حيي وعليهم معه، فقد نقضوا العهد
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٢٤٦. ٢ ابن هشام ٣/ ٢٥٨. ٣ نفسه ٢٥٨، ٢٥٩.
[ ٣٩٢ ]
وعرضوا الدولة للضياع، والمسلمين للفناء، وهو حكم داخل فيما نسميه الآن بالخيانة العظمى، فلم يكن النبي -ﷺ- قاسيًا عليهم قسوة ليس ما يبررها، ولقد وفَّى لهم بعهدهم من قبل وأحسن إليهم ولو استمروا على الوفاء لما أصابهم ما أصابهم.
وبالانتهاء من بني قريظة انتهت كل المشاكل الداخلية في المدينة وأصبح النبي -ﷺ- يعمل حر الإرادة مطمئنًا إلى سلامة جبهته الداخلية اطمئنانًا يكفل له أن يولي المجال الخارجي كل عنايته.
وهكذا انتهى الموقف العصيب الذي واجهته المدينة بنجاح تام غير ميزان القوى تغيرًا تامًّا، وأتاح النبي -ﷺ- أن يفكر في خطوات يقرر بها مبدأ السلم الذي يسعى إليه.
[ ٣٩٣ ]
فتح خيبر والقضاء على قوة اليهود في جزيرة العرب:
لقد كان يعادي محمدٌ قوتين كبيرتين تلتف حولهما كل القوى في شبه جزيرة العرب، فأما القوة الأولى فهي قريش في مكة، بما لها من نفوذ أدبي ومادي، وأما القوة الثانية فهي قوة اليهود بما لها من نفوذ وذكاء وقدرة على الدس والوقيعة، وقد اتحدت مصالح القوتين على حربه والقضاء عليه. وقد استطاع محمد أن يثبت أمام القوتين وأن يخرج من حربه معهما -مجتمعينِ- قويًّا، حتى لقد أصبح زمام المبادأة في يده، وقد استطاع ببعد نظره، وحسن سياسته، وما أظهر من مرونة وكياسة أن يعقد مع قريش عهد الحديبية، فأمِن به قريشًا وأمن الجنوب كله؛ لكنه لم يأمن من ناحية الشمال، حيث تجمعت فلول اليهود في خيبر، وأخذت تسعى لتأليف كتلة يهودية منهم، ومن يهود وادي القرى وتيماء لغزو يثرب، وإذا كان اليهود قد استطاعوا تأليف الأحزاب حتى ساقوا لحرب المدينة عشرة آلاف مقاتل في غزوة الخندق؛ فليس ببعيد عليهم ولا ممتنع أن يستعينوا بقبائل الشمال، أو أن يستعينوا بقوى خارجية فارسية أورومية لضرب المسلمين ضربة ساحقة نهائية. واليهود أشد من قريش عداوة لمحمد؛ لأنهم أحرص على دينهم من قريش، ولأنهم أكثر منها مكرًا ودسيسة، وليس من اليسير أن يوادعهم محمد بصلح كصلح الحديبية ولا أن يطمئن إليهم، وقد سبقت بينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها؛ فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا وجدوا فرصة مناسبة أو استطاعوا أن يستعينوا بقوى خارجية. وإذن فلا بد من القضاء على قوة اليهود قضاء أخيرًا حتى لا تقوم لهم من بعد قائمة ببلاد العرب، ولابد من أن يسارع محمد إلى ذلك، حتى لا يتاح لهم الوقت للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد والموالية لهم. وكذلك
[ ٣٩٣ ]
فَعَلَ، فإنه لم يقم بالمدينة بعد عودته من الحديبية إلا قليلا حتى أمر الناس بالتجهز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية إلا أن يكون غازيًا متطوعًا ليس له من الغنيمة شيء١.
وقد حرص محمد على ذلك حتى لا يكون معه أحد غير مطمئن إلى قوة نفسه وسمو روحه، وبعد تفكيره عن الكسب المادي؛ فليس الغنيمة قصده، وأن ما ينتظر من قتال أمام حصون خيبر لا تثبت له إلا النفوس المطمئنة المؤمنة، التي تسامت عن المادة والرغبة فيها، فإن النفوس المتعلقة بالمادة لا تثبت أمام الامتحان العسير. ولقد كانت تجربة الأحزاب كافية ليدرك الناس أن النفوس لا تباع رخيصة أمام متاع الحياة، فإن غطفان وغيرها من الأعراب يوم الأحزاب لم يثبتوا على حصار يثرب، فقد كانوا يريدون غنيمة سهلة، فلما لم يستطيعوا تحقيقها، أو لما بدا لهم أن تحقيقها أمر يحتاج إلى الصبر وبذل النفس، تضعضعت قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، ورضوا أن يعودوا من الغنيمة بالإياب، ومحمد لا يريد أن يضم إلى صفوفه مثل هؤلاء الناس من طلاب الغنيمة، وهو يتوقع الحصار الطويل، والقتال أمام خيبر أشد القتال.
انطلق المسلمون في ألف وأربعمائة ومعهم مائتا فرس٢ مسرعين نحو خيبر، فقطعوا الطريق بينها وبين المدينة في ثلاثة أيام، لم تكد خيبر تحس بهم أثناءها حتى باتوا أمام حصونها.
على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون من جانبهم أن يغزوهم محمد، ولذلك كانوا دائمي النشاط والتدبير، ولقد عرض بعضهم أن يسارعوا إلى تكوين كتلة يهودية منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء، ويهاجموا المدينة مستميتين دون اعتماد على البطون العربية التي فشلت من قبل في اقتحامها، وعرض آخرون أن يدخلوا في حلف مع محمد لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين والأنصار منهم بنوع خاص بعد ما قام به حيي واليهود من تأليب العرب للقضاء على المدينة؛ لكن النفوس من الجانبين كانت ملأى، حتى لقد سبق المسلمون قبل الخروج لخيبر بقتل سلام بن أبي الحقيق واليسير بن رزام من زعماء خيبر تمهيدًا للغزو، وحرمانًا لليهود من زعيمين كبيرين لهما رأي وتدبير، ولذلك كان اليهود على اتصال دائم بغطفان، وكان هؤلاء حلفاء دائمين لهم كحلف قريش مع الأحابيش، ولذلك استعانوا بهم أول ما ترامى إليهم اعتزام محمد غزوهم، ولكن النبي -ﷺ- كان سريعًا إلى الحيلولة دون اتصال
_________________
(١) ١ الواقدي ٣١٢. ابن سعد ٣/ ١٥٢. ٢ إمتاع ١/ ٣٢٧.
[ ٣٩٤ ]
غطفان باليهود، فقد سارعت جيوش المسلمين، فحالت بين غطفان وبين خيبر، كما أن النبي -ﷺ- وعد الغطفانيين بشيء من الغنائم إن تم له النصر على اليهود. على أن غطفان كانت قد بدأت تعيد النظر في موقفها من عداء محمد بعد الأحزاب، وبعد أن تأكد لديها أن الموقف قد تحول إلى جانبه وبخاصة بعد الحديبية حيث سالمته قريش، فلم يكن زعماء غطفان جادين في معاونة خيبر، ولم يعودوا حريصين على الارتباط بها، كذلك كانت القبائل العربية كلها في منطقة الحجاز ونجد قد بدأت تنظر إلى الموقف نظرة جديدة، وكان موقفها في غزوة خيبر موقف تربص وانتظار لما تسفر عنه نتيجة المعركة، فلقد انتصر محمد على قريش وثَبَتَ لها ولكل حلفائها، وأجبرها آخر الأمر على قبول الأمر الواقع وتوقيع صلح الحديبية. ومهما بدت قريش في ثوب من العزة بأن حالت بين محمد وبين دخول مكة؛ فإنها قد انكشفت حين اشترطت على نفسها أن تخلي له مكة من العام القادم ثلاثة أيام يطوف بالبيت فيها، ولم يبق من عدو شديد البأس غير خيبر ذات الحصون المنيعة.
كانت جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأسًا وأوفرها مالًا، وأكثرها سلاحًا، وأعظمها دربة على القتال، لذلك وقفت شبه الجزيرة العربية كلها متطلعة إلى هذه الغزوة، حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها، ولمن يتم الغلب فيها، وكان كثيرون يتوقون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها على الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال، وكان المسلمون يدركون هذا الموقف تمام الإدراك، ويقدرون نتائجه حق التقدير، لذلك ذهبوا مستقتلين لا يعرف التردد سبيلًا إلى نفوسهم، وكان النبي -ﷺ- يدرك أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد وربما حدثت نكسة أعادت لأعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله والهجوم عليه، ثم إنه كان يدرك أنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه جزيرة العرب فستظل المنافسة بين دين موسى والدين الجديد حائلًا دون تمام الغلب له، وحائلًا دون تمام الوحدة التي يعمل لها ويسعى لإقرارها، ومن أجل ذلك حرص على ألا يدخل في صفوفه رجل يخشى أن ينخذل أو يُشِيع الضعف في نفوس المسلمين، ومع أنه كان يستطيع أن يزيد عدد جيشه لو أباح لراغبي الغنيمة من الأعراب أن ينضموا إلى صفوفه، فقد كان فتح خيبر يبشر بمغنم كبير، لكنه ما كان يهتم بكثرة العدد الذي لا غناء فيه، وإنما كان يريد جيشًا مؤمنًا بأهدافه مقدرًا للظروف، وموطنًا النفس على الصبر والشدة، يريد سيوفًا تحركها قوة النفس وتمنعها عزة الإيمان أن تغمد أو تنتصر، ولا يريد سيوفًا يسلها جشع النفس، ثم يغمدها الحرص على الحياة.
[ ٣٩٥ ]
وكان جيش محمد كما أراد، قليلًا بعدده، كثيرًا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم.
وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق حربية: منطقة الوطيح والسلالم وفيها أدخل اليهود أموالهم وعيالهم، ومنطقة الكتيبة وأدخلوا فيها ذخائرهم، ومنطقة النطاة وفيها دخل المقاتلة ورجال الحرب وحولهم دار القتال الأول.
استبسل اليهود استبسالًا عظيمًا في القتال، ولم يرتدوا عن شبر من الأرض بعد قتال شديد عنيف، واستمر القتال أيامًا عديدة حتى قلَّت المئونة عند المسلمين وأجهدوا إجهادًا شديدًا، مما جعل النبي -ﷺ- يتجه إلى الحصون التي بها الأموال والمؤن، وفي هجمات قوية استطاع أن يوفر لرجاله ما هم في حاجة شديدة إليه من التموين بفتح بعض الحصون مثل حصن الصعب بن معاذ، فقد وجدوا فيه كثيرًا من التموينات أغنت المسلمين ومكنتهم من مواصلة القتال.
وبعد قتال عنيف سقطت حصون خيبر وسلمت منطقة الكتيبة منها دون قتال، ووقع كثير من السبي والغنائم في أيدي المسلمين.
لم يُجْلِ النبي -ﷺ- أهل خيبر عنها بل أبقاهم للقيام على زراعة أرضها مناصفة؛ لأنه لم يكن لديه من العمال الزراعيين من يقوم على زراعة أرضها، وكانت منطقة غنية خصيبة، ولا شك أن اليهود أقدر على زراعتها والقيام على استثمارها، ثم إن النبي -ﷺ- كان في حاجة إلى رجاله؛ لأن الدولة مازالت تحوطها المخاطر وهي في أشد الحاجة إلى كل قادر على حمل السلاح. كما أنه لا يصح أن تترك مثل هذه الأرض الخصبة بدون استغلال، بينما الدولة في حاجة إلى المئونة والمال، ثم إن قوة اليهود قد قضى عليها بعد هذا النصر، ولم تعد لهم شوكة يخاف منها.
فقد سالم يهود فدك، ويهود وادي القرى، على ما سالم عليه يهود خيبر، أما يهود تيماء فقد أذعنوا وقبلوا دفع الجزية بدون قتال، وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبي -ﷺ- وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة١.
وبانتهاء سلطان اليهود تغير الموقف تغيرًا نهائيًّا في جزيرة العرب لصالح المسلمين، وأتم النبي -ﷺ- خطته لإحكام الحصار حول مكة، والحقيقة أن مكة بعد غزوة خيبر أصبحت كالثمرة الناضجة تستعد للسقوط.
_________________
(١) ١ انظر عن غزوة حنين: ابن هشام ٣/ ٣٧٨- ٤١٠. الواقدي ٣١٢- ٣٢٠. ابن سعد ٣/ ١٥٢- ١٦٣. إمتاع ١/ ٣١٠- ٣٣٢.
[ ٣٩٦ ]
*
الفصل الثالث: الصراع بين المدينة والقبائل العربية
لم يبد من القبائل العربية أي نشاط ضد المدينة في السنتين الأوليين من الهجرة، وكان نشاط النبي -ﷺ- في هذه الفترة متجهًا نحو القبائل التي كانت تقيم إلى جنبات طريق التجارة المار بغربي المدينة، فاتجهت السرايا الأولى التي أرسلها النبي -ﷺ- أو قام هو على رأسها إلى هذه الجهات. وقد استطاع في خلال هذه المدة أن يعقد محالفات مع بعض هذه القبائل فوادعته بنو ضمرة وهم فرع من بني بكر بن عبد مناة١، وبنو مدلج وهم بطن من كنانة٢ كانوا حلفاء لبني ضمرة٣، كما وادع جهينة وكانت جهينة حليفة للخزرج من أهل المدينة في الجاهلية كما كانت حليفة لقريش، وقد استمرت جهينة على موادعتها للطرفين طوال مدة الصراع بين مكة والمدينة، وبقيت على الحياد٤ حتى تحولت إلى جانب المسلمين نهائيًّا بعد موقعة الأحزاب، وبدخول هذه القبائل في حلف النبي أصبح عامة أهل الساحل في موادعة معه٥. كما كانت خزاعة معه، وكانت عيبة لرسول الله مسلمها ومشركها لا تكتم عنه شيئًا من أمر عدوه، كما كانت دائمًا تكتب له بخبر قريش وما تبيت له، حتى إذا كان صلح الحديبية أعلنت انضمامها نهائيًّا، كما رأينا من قبل.
لكن موقف القبائل تجاه المدينة قد بدأ يتغير بعد موقعة بدر وانتصار المسلمين فقد أحست القبائل بعد انتصار النبي -ﷺ- على قريش وأخذه طريق التجارة إلى الشام وإلى العراق عليها، ومنع قوافلها من المرور، بأن مصالحها الاقتصادية معرضة للضرر، وكانت القبائل التي تعيش بين مكة والمدينة وعلى جنبات الطرق التجارية تستفيد من التعامل مع قوافل قريش، كما كانت تشارك فيها بنصيب، إذا عملت قريش على خلق شبكة اقتصادية منها ومن قبائل الحجاز ونجد وسيطرت بذلك على قوافل التجارة المارة بين الشمال والجنوب، كما أنها نظمت الأسواق التجارية حول مكة، وكانت القبائل تجد في هذه الأسواق مجالًا لتصريف حاصلاتها، كما كانت تتزود منها بما تحتاج إليه، كما
_________________
(١) ١ جمهرة أنساب العرب ١٧٥. ٢ نهاية الأرب ٤١٦. ٣ ابن سعد ٣/ ٤٦، ٤٧. ٤ نفسه ٣/ ٤٤. ٥ الواقدي ١٥٥.
[ ٣٩٧ ]
أوضحنا ذلك في فصل الحياة الاقتصادية في مكة. وكان توقف قوافل قريش يؤدي إلى الإضرار بمصالح هذه القبائل، كما تؤدي حالة الحرب بين مكة المدينة إلى إرباك قريش، وهذا يؤدي بدوره إلى إضعاف النشاط التجاري في الأسواق الموسمية حول مكة. من أجل ذلك وقفت القبائل العربية التي كانت تعيش إلى شمالي مكة في منطقة الحجاز ومنطقة نجد الغربية موقفًا عدائيًّا من الدولة اليثربية واعتبرت وجودها ضارًّا بمصالحها. وحتى القبائل التي كانت على صلات ودية بيثرب قبل الإسلام كسليم ومزينة وغطفان، تحولت إلى موقف العداء لها، وأخذت تناوئها وحاولت شن الغارات عليها.
وحفلت الفترة ما بين بدر وأحد بتحرشات هذه القبائل ضد المدينة، ولذلك اتجهت سرايا النبي -ﷺ- كلها في هذه الفترة إلى منطقة سليم وغطفان تضرب على أيدي هذه القبائل، وتفرق كل اجتماع منها لغزو المدينة أو النيل من أطرافها١.
وبعد أُحد اشتد نشاط القبائل ضد المدينة واتسعت دائرته، وتنوعت وسائله، فقد تجرأت القبائل على حرب المدينة والنيل من المسلمين بعد هزيمتهم في أحد أمام قريش، وكانت بدر قد أوجدت العرب في قلوبهم، لكنهم بعد أحد بدءوا يستعيدون شجاعتهم ويكيدون للمدينة ويستعدون لضربها، لكن النبي -ﷺ- كان حذرًا دائمًا يبث عيونه في منطقة القبائل فتأتيه بأخبار تحركاتها وتجمعاتها، فيسرع في إرسال سراياه لضربها قبل أن تكمل استعدادها ويشتد جمعها، وعلى الرغم من قلة رجال السرايا التي كان يرسلها النبي -ﷺ- إلا أنها كانت تفاجئ القبائل وتدهمها على غرة منها فتشتت تجمعاتها، وتستولي على إبلها وأغنامها وتوقع بمن تصل إليه من رجالها.
وكان أول ما بلغ النبي -ﷺ- بعد شهرين من أحد أن طليحة وسلمة بن خويلد وكانا على رأس بني أسد، يحرضان قومهما ومن أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة؛ ليصيبوا من أطرافها؛ وليغنموا من نَعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم، وإنما شجعهم على ذلك اعتقادهم أن المسلمين لا يزالون مضعضعين من أثر أحد، فما كاد هذا الخبر يبلغ مسامع النبي -ﷺ- حتى عقد لأحد رجاله -سلمة بن عبد الأسد- لواء سرية تبلغ عدتها مائة وخمسون رجلًا منهم كثير من كبار المسلمين وشجعانهم وأمرهم أن يسيروا ليلًا ويكمنوا نهارًا وأن يسلكوا طريقًا غير مطروق حتى لا يطلع أحد على
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٤٢١، ٤٢٥، ٤٢٩. ابن سعد ٣/ ٧٠- ٧٤.
[ ٣٩٨ ]
خبرهم، فيفجئوا العدو بالإغارة على غرة منه، ونفذ رجال السرية هذه التعليمات وباغتوا الأعداء على حين غفلة فأوقعوا بهم هزيمة سريعة ألجأتهم إلى الفرار فطاردوهم وظفروا بما معهم غنيمة للمسلمين١.
وكذلك اتصل بالنبي -ﷺ- بعد ذلك أن خالد بن سفيان بن نبيح اللحياني الهذلي، زعيم لحيان من هذيل مقيم بنخلة أو بعرنة -من أرض هذيل- وأنه يجمع الجموع ليغزوه. فدعا النبي -ﷺ- إليه أحد رجاله -عبد الله بن أنيس- ممن اشتهروا بالفطنة والشجاعة، وبعثه يتجسس حتى يقف على جلية الخبر، وسار عبد الله حتى التقى بخالد، واستطاع أن يوهمه بأنه سمع تجمعه لمحمد، فجاء ينضم إليه. فلما تأكد من صحة ما علم المسلمون غافله حتى إذا وجد منهم غرة قتله. وعاد إلى المدينة فأخبر النبي -ﷺ- وهدأت بنو لحيان بعد موت زعيمها زمنًا، عادت بعده تفكر في الثأر عن طريق الحيلة والغدر.
ثم دبروا أمر الثأر عن طريق رهط من عَضْل والقارة من بني الهون ابن خزيمة، وهي قبيلة تجاور بني لحيان، قدموا على النبي -ﷺ- يقولون له: إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يعلموننا شرائعه ويقرئوننا القرآن. وكان النبي -ﷺ- يبعث من أصحابه كلما دعى إلى ذلك ليؤدوا هذه المهمة الدينية السامية، وليكونوا دعاة له، وفي الوقت نفسه يكونون عيونًا للدولة على خصومها؛ لذلك بعث ستة من كبار أصحابه خرجوا مع الرهط، حتى إذا بلغوا ماء لهذيل بناحية تُدعى الرجيع، غدروا بهم، واستصرخوا هذيلًا عليهم، ولم يرع هؤلاء الرجال الستة وهم في رحالهم إلا الرجال وبأيديهم السيوف قد غشوهم، ودافع المسلمون عن أنفسهم حتى قتل منهم ثلاثة واستأسر الثلاثة الآخرون. فأما أحدهم فتخلص من قيده ودافع عن نفسه حتى قتل. وأما الآخران فقد باعتهما هذيل إلى قريش غدرًا، وثأرًا بمن قتل من رجالها يوم بدر٢.
ولم يكن حزن المسلمين قد خفَّ على من قتل من أصحابهم يوم الرجيع ولم تكن أشعار حسان بن ثابت يرسلها في رثاء هؤلاء الرجال قد خفتت أنغامها الحزينة- حين فوجئ المسلمون بحادث هو أنكى عليهم من غدر هذيل، وأشد ألَمًا للمسلمين وإثارة لعواطفهم، ذلك هو غدر بني عامر بوفد آخر من المسلمين بلغت عدته أربعين رجلًا، وقتلهم في بئر معونة، وهي مكان على طرف حرة بني سليم بينهم وبين بلاد بني عامر.
_________________
(١) ١ الواقدي ٢٦٤- ٢٦٨. ٢ ابن هشام ٣/ ١٦٠- ١٨٣. ابن سعد ٣/ ٩٦- ٩٨.
[ ٣٩٩ ]
فقد قدم على المدينة أحد سادات بني عامر، وهو أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، فعرض عليه النبي -ﷺ- الإسلام، فلم يسلم، ولكنه لم يظهر للإسلام عداوة. وقال: "يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. وخاف النبي -ﷺ- على أصحابه من أهل نجد وخشى أن يغدروا بهم كما غدرت هذيل، لكن أبا براء قال: "أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا بأمرك". وكان أبو براء رجلًا مسموع الكلمة في قومه لا يخشى أحدٌ أجاره أن يعتدى عليه، ولم يعرف عنه الغدر ولا الخيانة ولا إخفار الذمة. وكان صادقًا في وعده، لكن سيدًا آخر من سادات بني عامر وهو عامر بن الطفيل ابن أخيه أخفر عمه، واستعدى على وفد المسلمين بطونًا من بني سليم، بعد أن رفضت بنو عامر إخفار عمه، فأحاطوا بالمسلمين وقتلوهم إلا رجلًا منهم هو عمرو بن أمية الضمري أسره عامر بن الطفيل ثم خلى عنه حين علم أنه من كنانة١.
كان لهذين الحادثين وقع أليم في نفس النبي -ﷺ- دعاه إلى زيادة الحيطة والحذر في معاملة القبائل، واتخاذ الشدة معها، إذ إن مثل هذه الأمور لو تكررت، استخفت العرب بشأن المسلمين وتجرأت القبائل عليهم، وعند ذلك يرفع النفاق رأسه في المدينة، ويجد اليهود لهم مجالًا لإيقاع الفتنة والائتمار بالنبي -ﷺ- وبالمسلمين، وربما جرَّ ذلك إلى تكتل أعدائهم عليهم في الخارج، نتيجة لروح الاستخفاف التي تثيرها أمثال هذه الجرأة على المسلمين، وقد كاد هذا يتم فعلًا، فقد تآمر المنافقون واليهود في المدينة على حياة الرسول وإثارة الحرب الداخلية في المدينة مما أدى إلى إجلاء بني النضير كما قدمنا.
ولهذا فإنه حين ذهب بعد ذلك إلى وادي بدر تنفيذًا لوعد أبي سفيان بالحرب يوم أحد، ورأى من بني ضمرة شيئًا من التردد في الاستمرار في حلفهم معه، أظهر لهم الشدة والقوة، فقد جاءه مخشى بن عمرو الضمري -وهو الذي وادعه من قبل على بن ضمرة- وهو منتظر قدوم قريش فقال: "يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ " وأدرك النبي -ﷺ- ما وراء هذا التساؤل فقال: " نعم يا أخا بني ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك". وأعاد هذا الرد إلى الرجل صوابه، ورأى ما في هذا الإنذار من تصميم من النبي -ﷺ- على إقرار هيبة المسلمين. فقال: "لا والله يا محمد، ما لنا بذلك من حاجة"٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ١٨٣. ٢ ابن هشام ٣/ ٢٢٢.
[ ٤٠٠ ]
كذلك اتصل بالنبي -ﷺ- بعد عودته إلى المدينة أن جماعة من غطفان يجمعون له يريدون حربه، فخرج بنفسه على رأس أربعمائة من أصحابه إلى محالهم بمكان يقال له: ذات الرقاع -وهو موضع في وادي القرى على طريق تبوك- ففر الأعراب من وجهه، فاستاق من وجد من أموالهم ونسائهم وعاد إلى المدينة١.
وما كاد يستقر بالمدينة حتى علم أن القبائل الضاربة على تخوم الشام، تتحرك وأنها تتحرش بتجارة المسلمين التي أخذت تتجه نحو الشمال بعد أن أصبحت تجارة قريش نحو هذه الجهة في حكم المتوقفة؛ لذلك خرج في ألف من رجاله إلى دومة الجندل وهي واحة على الحدود بين الحجاز والشام، وتقع على الطريق بين البحر الأحمر والخليج العربي، وبينها وبين دمشق ثماني مراحل -حوالي مائة ميل- ولم يقاتل النبي -ﷺ- القبائل التي خرج لقتالها؛ لأنها ما كادت تسمع باقترابه حتى فرت تاركة للمسلمين غنائم من أموالها حملها المسلمون إلى يثرب٢.
وبعد خمسة أشهر من خروجه لدومة الجندل، تجمع بنو المصطلق وهم حي من خزاعة كانوا حلفاء لبني مدلج وكانوا ينزلون على ماء لهم يقال له: المريسيع في ناحية قديد إلى الساحل٣، وكانوا بطنًا من البطون التي تكون حلف الأحابيش مع قريش، فخرج إليهم النبي في قوة كبيرة من رجاله، واستطاع أن يحيط بهم، فلم يقاتلوا طويلًا حتى قتل منهم عشرة ووقع سائرهم في الأسر، وسبى النبي نساءهم وذراريهم وغنم أموالهم. لكنه رأى أن يصطنعهم ليوهن حلف الأحابيش ويحرم قريشًا من هذه القوة التي تستعين بها دائمًا في حروبها، فخلى عن أسراهم ورد لهم نساءهم وذراريهم، ثم أصهر إليهم بأن تزوج جويرية بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار، بذلك ضمن ولاءهم له وحرمان قريش من عونهم٤.
من كل ذلك نرى مقدار ما وصل إليه نفوذ المسلمين، وما بلغ إليه سلطانهم وخوف القبائل إياهم، ونلاحظ هنا أن نفوذ الدولة امتد كثيرًا إلى الشمال حتى قارب تخوم الشام، كما نلاحظ أن قوات المسلمين التي كانت تتجه إلى هذه المنطقة كانت أكثر
_________________
(١) ١ ابن سعد ٣/ ١٠٢، ١٠٣. ٢ نفسه ٣/ ١٠٣، ١٠٤. ٣ ياقوت ١٧/ ١١٨. ٤ ابن سعد ٣/ ١٠٥، ١٠٦.
[ ٤٠١ ]
عددًا وأكبر من أن تكون سرايا عادية؛ وذلك لأن هذه القوات كانت تقترب من حدود بلاد تخضع لنفوذ دولة قوية هي دولة الروم، وأنه من المحتمل أن تشتبك مع قوات الغساسنة في بادية الشام.
عجزت القبائل منفردة أن تنال شيئًا من المدينة ولم تستطع أن تواجه سراياها وقواتها التي كانت تخرج لقتالها، فقد كان المسلمون يقاتلون على نظام وتعبئة بينما كانت القبائل تقاتل على غير نظام، وكانت قوات المسلمين تملك ناصية المبادأة دائمًا فلم تترك لعدوها فرصة لتنظيم نفسه، لكن خصوم المدينة ما لبثوا أن اتحدوا جميعًا لسحقها، فتجمعت قوات الأحزاب من قريش وغطفان وأشجع وسليم وأسد وغيرها، فهاجمت المدينة في جولة نهائية، ولكنها ارتدت عنها، وقد ازدادت فرقة وازدادت إدراكًا بعدم إمكانها القضاء عليها، كما أوضحنا ذلك في غزوة الأحزاب، واضطرت مكة إلى توقيع صلح الحديبية بعد ذلك، فأتاح ذلك للنبي -ﷺ- فرصة القضاء على قوة اليهود نهائيًّا في خيبر، وبذلك تغير الموقف نهائيًّا لصالح الدولة اليثربية، فبدأت القبائل تميل مع مصالحها، ولم يكد يمضي عام على فتح خيبر حتى كانت القبائل التي كانت تعادي المدينة، قد انضمت إليها، وبنفس الروح التي قاتلت بها يثرب، اتجهت إلى مكة، فكان جيش النبي -ﷺ- في فتح مكة يضم أكثر من ثمانية آلاف مقاتل من رجال هذه القبائل.
اطمأن النبي -ﷺ- إلى أن الموقف السياسي في جزيرة العرب قد تحول نهائيًّا إلى جانبه، بعد أن أمن جناح الدولة اليثربية الجنوبي بعقد صلح الحديبية مع قريش، وأمن جناحها الشمالي بالقضاء نهائيًّا على قوة اليهود في غزوة خيبر. وانفسح أمامه المجال ليعمل في هدوء واطمئنان؛ لتوسيع نشاط دعوته، والخروج بها إلى طورها العام بعد أن مرت بالطور الخاص في مكة ثم في المحيط العربي.
والحق أن الدعوة الإسلامية كانت قد بلغت يومئذ من النضج ما يجعلها دين الناس كافة، فهي لم تقف عند التوحيد وما يقتضيه من عبادات، بل انفرج ميدانها وتناولت من صور النشاط الاجتماعي، ما يوازي بينها وبين سمو فكرة التوحيد، وما يجعل صاحبها أدنى إلى بلوغ مراتب الكمال الإنساني، وإلى تحقيق المثل الأعلى للحياة؛ فقد نزل كثير من الأحكام الاجتماعية، وبدأت تظهر واضحة صورة المجتمع الإنساني الذي يريده صاحب الرسالة، مجتمَعًا فاضلًا تقوم العلاقات فيه على أساس المساواة والعدالة والإخاء، فرسم التشريع في حدود هذه المثل العلاقات العامة والخاصة في الجماعة الإنسانية، فقدرت الحقوق والواجبات ونظمت الأسرة وحددت
[ ٤٠٢ ]
المسئوليات، وطبقت القواعد تطبيقًا عمليًّا، وظهرت شخصية المجتمع الجديد مشرقة بما أمر الإسلام من البر والرحمة، وما دعا إليه من عمل الخير، وما في عباداته من رياضة النفس والطبع وقتل غرور القلب، بما جعله الكمال الطبيعي للأديان التي سبقت وجعل الدعوة إليه للناس كافة.
من أجل ذلك فكر النبي -ﷺ- في إرسال رسله إلى ملوك العالم المحيط بالجزيرة العربية يدعوهم وشعوبهم إلى رسالة الإسلام، وفي مقدمة هؤلاء الملوك هرقل قيصر الروم وكسرى ملك الفرس.
أرسل رسله تحمل كتبه إلى كسرى، وإلى النجاشي وإلى ملك عمان وملك اليمامة وملك البحرين والحارث الحميري ملك اليمن، وإلى هرقل قيصر الروم، والحارث الغساني ملك تخوم الشام، والمقوقس حاكم مصر. وانطلق هؤلاء الرسل كل إلى وجهته، فأوصلوا هذه الكتب إلى من أرسلت إليهم، فمنهم من قبل الدعوة وأسلم كأمير البحرين، ومنهم من رد ردًّا حسنًا دون أن يسلم، وكان هؤلاء هم الأكثرية، ومنهم من غضب ومزق الكتاب مثل كسرى الذي أرسل باذان علمله على اليمن أن يأتيه بهذا الرجل الذي ظهر في الحجاز؛ لكن باذان ما كان يتصل بالنبي -ﷺ- حتى أسلم وأبقاه النبي -ﷺ- على منصبه على أن يكون عامله على اليمن، وعاد رسل النبي جميعًا إليه سالمين إلا من أرسل إلى حاكم بصري فإن شرحبيل بن عمرو الجذامي عامل الروم على البلقاء عدا عليه فقتله١.
_________________
(١) ١ ابن سعد ٢/ ٢٢- ٢٩، ١٧٤.
[ ٤٠٣ ]
غزوة مؤتة:
كانت ناحية الشام وهذه الجهات الشمالية متجه أنظار النبي -ﷺ- بعد أن أمن الجنوب بعهده مع قريش، وبإسلام باذان عامل الفرس على اليمن، وقد استطاع النبي -ﷺ- بعد غزوة خيبر وإخضاع يهود وادي القرى وتيماء أن يمد نفوذه نحو الشمال، وكان يرى أن هذه الجهة المتاخمة لحدود دولته هي المنفذ الطبيعي لانتشار الدعوة إلى الإسلام إذا أريد خروجها عن حدود الجزيرة العربية، فالارتباط بين هذه الجهة والجزيرة العربية ارتباط طبيعي وقديم، وبها من العرب ما يقتضي توحيد العرب جميعًا ضمهم إلى الدولة العربية، إدخالهم في نطاقها، والغساسنة أمراء العرب وإن كانوا قد قاتلوا في صفوف
[ ٤٠٣ ]
الروم، وإن كانوا قد خضعوا لهم؛ فإن هذا الخضوع ليس لمصلحة العرب وإنما هو لمصلحة الروم في المقام الأول، ولقد بدا ذلك واضحًا حين غير الروم سياستهم نحو هذه المملكة العربية حين لم يعودوا في حاجة شديدة إلى خدماتها، وإذا كان أمراء الغساسنة يصانعون الروم لمصلحتهم كأمراء فإنه يجب التفرقة بين مصالح الأمراء ومصالح الشعوب إذا فضل الأمراء مصالحهم، ولقد أظهر الحارث الغساني من الحماس ما لم يظهره هرقل نفسه حين أرسل النبي -ﷺ- كتابه إليه، كما أن الروم قتلوا الأمير الغساني الذي أسلم، وقتل شرحبيل بن عمرو حاكم البلقاء رسول النبي -ﷺ- الذي أرسله إلى بصرى؛ لذلك رأى النبي -ﷺ أن يؤدب من غدر بدعاته، وفي الوقت نفسه يشعر العرب في هذه الجهات بقوة المسلمين، قوة تحفزهم على الانضمام إليهم بدافع العروبة، فجهز حملة من ثلاثة آلاف مقاتل على رأسهم مولاه زيد بن حارثة، فإن قتل فالقيادة لجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة الأنصاري، وخرج في الجيش خالد بن الوليد متطوعًا، وسارت الحملة إلى غايتها على حدود الشام، وقد خرج الناس يودعون الجيش ومشى النبي -ﷺ- نفسه معه حتى ظاهر المدينة، يوصي قواده ألا يقتلوا النساء ولا الشيوخ ولا الصبيان، وألا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار.
وكانت خطة الجيش أن يأخذ الأعداء على غرة، لكن أنباء مسيره كانت قد سبقته، فقام عمال هرقل بجمع القبائل للتصدي للمسلمين، وأمدهم هرقل بقوات من عنده، وتذهب بعض الروايات إلى أنه تقدم بقواته التي يبلغ عددها مائة ألف من الروم حتى نزل مآب من أرض البلقاء؛ ليكون قريبًا من جيوش أمرائه؛ ليمدها بالمعونة إذا لزم الأمر.
وتقدر المصادر العربية قوة الجيش التي اشتبكت مع المسلمين بمائة ألف، وهذا رقم كبير، لا يمكن الموافقة عليه، وكل ما يمكن تصوره أن قوة العدو كانت أكبر من قوة المسلمين أو أنها كانت أضعافها. فإن الحملة الإسلامية كانت مكونة من ثلاثة آلاف وأن أنباء مسيرها كانت معروفة، فلا يمكن أن يوجه إليها الروم مثل هذا العدد الحاشد من الجيوش، على أن هذه الأعداد الضخمة لم تستخدمها بيزنطة في قتالها مع الفرس وهم أقوى من العرب والصراع معهم كان صراعًا كبيرًا وخطيرًا، ولم يستخدم الروم هذه الأعداد إلا فيما بعد، عندما اشتبكوا مع الدولة الإسلامية اشتباكًا حقيقيًّا خطيرًا ثم إن عدد قتلى المسلمين كان قليلًا مما يظهر عدم كبر قوة العدو.
[ ٤٠٤ ]
على كل حال تقدم الجيش الإسلامي حتى بلغ معان، وهناك علم المسلمون بجموع العرب والروم لهم، فترددوا في الإقدام أو الانتظار حتى يكتبوا إلى النبي -ﷺ- فإما أن يمدهم بالرجال وإما أن يأمرهم بأمره فيمضون له، وكاد هذا الرأي يسود لولا أن تقدم عبد الله بن رواحة، وكان إلى جانب شجاعته وفروسيته شاعرًا، قال: يا قوم!! والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة.
وامتدت عدوى النخوة من الشاعر المؤمن الشجاع إلى الجيش كله، فقال الناس: صدق ابن رواحة، ومضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع العرب والروم بقرية يقال لها: مشارف، فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية مؤتة؛ لأنهم رأوها خيرًا من مشارف لحصانتها، وعند مؤتة حدثت المعركة التي أبدى فيها المسلمون غاية الشجاعة.
ما من شك في أن قوة العدو كانت أضخم كثيرًا من قوة الجيش الإسلامي، وإن لم تبلغ العدد الذي ذكره الأخباريون، وكان التكافؤ منعدمًا بين القوتين من حيث العدد ومن حيث عدة الحرب، ومع ذلك فقد أبدى المسلمون من الشجاعة وقوة الإيمان ما أذهل العدو نفسه وحال بينه وبين الالتفاف بالمسلمين وسحقهم، وإلا فأين يقع الآلاف الثلاثة من الجند من الخمسين ألفًا أو الستين أو حتى العشرين.
حمل زيد براية النبي -ﷺ- حملة صادقة واندفع في صدر العدو، وهو موقن بأن ليس من موته مفر، ولكنه موقن بأن الموت هو الشهادة في سبيل الله، وأن الشهادة هي الجنة، وليس الاستشهاد ودخول الجنة دون الظفر والنصر مكانًا، وحارب زيد حرب المستميت حتى مزقته رماح الأعداء، فتناول الراية جعفر بن أبي طالب وهو فتى الثالثة والثلاثين، تعدل وسامته وشجاعته واندفع في غمار العدو، حتى إذا أحيط به نزل عن فرسه فعقرها وقاتل راجلًا، ولكن للشجاعة مهما عظمت حدود بالنسبة للكثرة الساحقة، وخر جعفر بعد أن قطعت يداه وقدَّ نصفين دون أن يسلم الراية، فتناولها عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
[ ٤٠٥ ]
أقسمتُ يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة
ثم نزل فتقدم فقاتل فقتل:
ثم تناول الراية ثابت بن أرقم الأنصاري فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت! قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ الراية خالد، وكان الموقف يحتاج حقًّا إلى مواقف خالدية، لقد كان خالد قائدًا ماهرًا ومحركًا للجيوش لا نظيير له. أُلْهِم القيادة إلهامًا، فهو يستعين في مواقفها بكل ما عرفت الحرب من فن يستخدمه على السليقة وعلى البصيرة الملهمة فدار بالجيش دورة، ضم بها صفوفه، ثم قاتل به في غير اندفاع ومع ذلك في غير تراجع، وكان بذاته قدوة صالحة حتى لقد تكسر في يده تسعة سيوف، ومع ذلك لم يعرض رجاله لرماح العدو ولا لسيوفه تحيط بهم وتعمل فيهم، واستطاع أن يحتفظ بتوازن المعركة حتى جاء الليل، وفي الصباح عدَّل جيشه تعديلًا جديدًا، فجعل الميمنة ميسرة وجعل الميسرة ميمنة، وجعل المقدمة ساقة، والساقة مقدمة، ووضع في خلف الجيش عددًا من الرجال بالجمال والخيول يحدثون جلبة شديدة ويثيرون النقع ليوهم العدو أن مددًا قد جاءه، وأصبح الروم على تعبئتهم السابقة يرون وجوهًا غير الوجوه، ويرون خلف الجيش الإسلامي نفعًا ينبئ عن مدد جديد سوف يدخل المعركة.
وإذا كان المسلمون على قلتهم قد فعلوا ما فعلوا بالأمس؛ فكيف هم اليوم وقد جاءهم المدد وازداد العدد. لقد أحجم الروم عن الهجوم، وكذلك لم يهاجمهم خالد فقد كان يريد أن يخرج من المعركة غير المتكافئة بجيشه سليمًا، ويرعب العدو حتى لا يلاحقه في تراجعه، فلما اطمأن أن نجاح خطته تراجع بقوته وبَعُدَ بها حتى صارت في مأمن ثم عاد بالجيش إلى المدينة١.
استنكر المسلمون على الجيش أن يعود من غير أن ينتصر، وعيروا رجاله حتى أحرجوا بعضهم، وقالوا لهم: يا فرار. فررتم في سبيل الله؟ ولكن النبي -ﷺ- القائد البصير الذي يدرك معنى النصر الحقيقي، واسى الجيش ورد تعيير المسلمين، وقال: "بل هم الكرار إن شاء الله". ومع ذلك فقد وجد على أصحابه أشد الوجد، وكان عليه أن
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٤٣٩- ٤٧٧. ابن سعد ٣/ ١٧٢- ١٧٤.
[ ٤٠٦ ]
يعيد للمسلمين كرامتهم في هذه البلاد، فبعث عمرو بن العاص إلى قبائل الشمال يستنفرها إلى الشام، وذلك أن أمَّه كانت من قبائل تلك النواحي، فكان من اليسير عليه أن يتألفهم ثم أتبعه بالمدد فيه كبار المهاجرين عليهم أبو عبيدة ومعه أبو بكر وعمر، واستطاع عمرو أن يشتت جموع قبائل تخوم الشام ويرد للمسلمين هيبتهم في تلك الناحية١.
أحدثت هذه الأعمال أثرها. فبدأت القبائل المجاورة للمدينة والتي في شمالها تبعث وفودها للنبي -ﷺ- تعلن طاعتها وإذعانها، وإنه لكذلك إذا حدث ما كان مقدمة لفتح مكة، ولاستقرار الإسلام بها استقرارًا كان له أثر بالغ في إسلام العرب، وفيما أسبغ على مكة بعد ذلك من قدسية فاقت ما كان لها في الجاهلية وظلت خالدة على الزمان.
_________________
(١) ١ ابن سعد ٣/ ١٧٧- ١٧٩.
[ ٤٠٧ ]
*
عاد جيش المسلمين بعد موقعة مؤتة لا منتصرًا ولا منهزمًا، وترك انسحابه أثرًا مختلفًا عند المسلمين بالمدينة، وعند الروم، وعند قريش بمكة.
فأما أثره بالمدينة؛ فقد كان المسلمون يرجون أن يحقق الجيش نصرًا كالانتصارات التي حققها من قبل، وساءهم أن ينسحب من أمام الروم دون أن يلحق بهم هزيمة، ولم يشفع لرجال الجيش عندهم أن كان العدو أضعافهم كثرة وسلاحًا، واتهموهم بالفرار في سبيل الله١ وبالغ شباب المسلمين المتحمِّس في هذا الاتهام حتى أرهقوا كبار رجال الجيش حتى ليلزم أحدهم بيته؛ كي لا يؤذيه صبيان المسلمين وشبابهم بتهمة الفرار، لكن النبي -ﷺ- وهو القائد البصير كان يدرك أن الانسحاب السليم أمام العدو المتفوق نصرٌ لا يقل قيمة عن دحر العدو في ميدان القتال، ولعله قُدِّر لخالد بن الوليد ضبطه نفسه وتغليبه الحكمة والحذر على الاندفاع والمغامرة في قتال قد يهلك الجيش ويؤدي إلى كارثة شديدة الأثر على موقف المسلمين، ولذلك رد على اتهام المسلمين بقوله: "بل هم الكرار إن شاء الله"٢. ثم تلافى الموقف -كما ذكرنا من قبل- بما حفظ على المسلمين هيبتهم في الجبهة الشمالية وثبت سلطانهم.
وأما أثر الانسحاب عند الروم، فرحوا بانسحاب المسلمين وحمدوا الله أن لم يطل القتال بينهم، مع أن جيش الروم كان أضعاف جيش المسلمين، وسواء أكان فرح الروم راجعًا إلى ما أبداه خالد من الاستماتة في الدفاع والقوة في الهجوم، أم كان راجعًا إلى مهارته في توزيع جنوده وإيهام الروم بأن مددًا جاءه من المدينة، سواء أكان هذا أم ذاك فإن القبائل العربية المتاخمة للشام نظرت إلى فعال المسلمين بإعجاب شديد. حتى لقد أعلن أحد زعماء القبائل وهو فروة بن عرم الجذامي٣ -وكان قائدًا من جيش الروم- إسلامه فقبض عليه بتهمة الخيانة، وحوكم، ولم يقبل عند محاكمته أن يرجع عن إسلامه، فأعدم وكان لهذا أثره في ازدياد انتشار الإسلام بين قبائل نجد المتاخمة للعراق والشام، فدخل في الإسلام ألوف من سليم وأشجع وغطفان وعبس
_________________
(١) ١ ابن كثير ٤/ ٢٥٢. ابن هشام ٣/ ٤٣٩. ٢ ابن كثير ٤/ ٢٠٣. ابن هشام ٣/ ٤٣٨. ٣ ابن هشام ٤/ ٢٦١، ٢٦٢.
[ ٤٠٩ ]
وذبيان وفزارة، فكأن غزوة مؤتة كانت بابًا دخل منه الإسلام في قلوب هؤلاء الذين كانوا من قبل يناصبون المسلمين العداء.
أما أثر مؤتة في قريش فكان أن اعتبرها بعضهم هزيمة على سلطان المسلمين؛ ولذلك يجب أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل عهد الحديبية، ولتُعِدَّ قريش حربًا على المسلمين ومن في عهدهم دون أن تخشى قصاص محمد.
وكانت خزاعة قد دخلت في عهد النبي -ﷺ- ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة، سكنت بعد صلح الحديبية؛ فلما كانت مؤتة خُيِّل لقريش وحلفائها أن المسلمين قد قضي عليهم، ظن بنو بكر أن الفرصة سانحة ليصيبوا ثأرهم من خزاعة، وحرضهم على ذلك رجال من شباب قريش لم يقدروا الموقف تقديرًا صحيحًا، منهم عكرمة بن أبي جهل وبعض سادات قريش، وأمدوهم بالسلاح، وبيتت بنو بكر خزاعة ذات ليلة وهم على ماء لهم يسمى الوتير، فقتلوا منهم، وهزموهم حتى ألجأوهم إلى الحرم، وإلى دار بُديل بن ورقاء الخزاعي بمكة١.
وخرج عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة حتى وقف على النبي -ﷺ- وهو بالمسجد، فقص عليه نقض بني بكر وقريش العهد، وشكا إليه ما أصاب قومه، واستنصره بالعهد، فقال النبي -ﷺ: "نصرت يا عمرو بن سالم" ٢.
ثم خرج بديل بن ورقاء في جماعة من خزاعة حتى قدموا المدينة فأخبروا النبي -ﷺ- بما أصابهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم٣، وعند ذلك رأى النبي -ﷺ- أن ما قامت به قريش من نقض العهد، لا مقابل له إلا فتح مكة، وأنها فرصة لا يجب أن تفوت فقد كان فتح مكة هدفًا يعمل النبي -ﷺ- لتحقيقه منذ أمد بعيد، ويهيئ له في أناة وصبر، ولذلك أرسل إلى المسلمين في أنحاء الجزيرة ليكونوا على أهبة الإجابة لندائه من غير أن يعرفوا وجهته بعد هذا النداء.
أما رجال الملأ من قريش فقد أدركوا ما عرضهم له عكرمة ومن معه من الشباب من خطر، فهذا صلح الحديبية قد نقض، وهذا سلطان محمد في شبه الجزيرة يزداد بأسًا وقوة، وقد انضمت إليه قبائل التي كانت تقاتل في صفوف قريش من قبل، وإنه إن فكر في الانتصار لخزاعة من أهل مكة تعرضت مكة لأشد الخطر؛ لذلك أوفدوا
_________________
(١) ١ ابن هشام ٤/ ٥٥٤. ابن كثير ٤/ ٢٧٨. ٢ ابن هشام ٤/ ١٠- ١٢. ٣ نفسه ٤/ ١٢.
[ ٤١٠ ]
أبا سفيان بن حرب قائدهم وحكيمهم إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد في المدة، ولعل المدة كانت سنتين، فكانوا يريدونها عشرًا، ولقي أبو سفيان بديل بن ورقاء في الطريق، وبالرغم من أن بديلًا أنكر أنه لقي محمدًا؛ فإن أبا سفيان عرف أنه كان بالمدينة، ومن أجل ذلك آثر ألا يكون محمد أول من يلقى، فجعل وجهته بيت ابنته أم حبيبة زوج النبي -ﷺ.
ولم تستقبله ابنته استقبالًا حسنًا، ولما لقي النبي -ﷺ- وكلمه في العقد وإطالة مدته لم يرد النبي -ﷺ- عليه، ورفض كبار الصحابة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعلي أن يساعدوه، بل لقد أغلظ له عمر الجواب وقال: "أنا أشفع لكم إلى رسول الله!! فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به".
فانصرف محنقًا يفيض أسى مما لقي من هوان، وعاد إلى مكة يحمل لقومه نتيجة سفارته الفاشلة١، وقد أدرك أن الموقف تحول نهائيًّا إلى غير صالح مكة، وأخذ رجال مكة يتناقشون في موقف أصبح ميئوسًا منه.
أما النبي -ﷺ- فلم ير أن يترك لهم فرصة حتى يتجهزوا للقائه؛ لذلك أمر فنادى بالتجهز فاحتشد له جيش قوي لم تشهد الجزيرة مثله من قبل عدة ونظامًا، فلقد بلغت عدته أكثر من عشرة آلاف، وبلغت قوة الفرسان فيه أكثر من ألفين٢، وإذا كان جيش الأحزاب في موقعة الخندق قد بلغ مثل هذا العدد أو نحوه فإنه كان مفكك القيادة متنازع الأهواء، أما هذا الجيش فكان تحت قيادة موحدة حازمة، وكان هدفه واضحًا محددًا، ولم تكن القبائل التي اشتركت فيه مدفوعة بالكسب المادي مأجورة كما كانت حال غطفان في يوم الخندق. ولما اكتملت عدة الجيش أعلن النبي -ﷺ- أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد، ودعا الله أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش حتى لا تقف عن سيرهم على نبأ٣.
وتحرك الجيش الكبير في عدته التي لم تشهدها الجزيرة من قبل عدة وسلاحًا ونظامًا وحسن طاعة، يملأ نفوس رجاله الإيمان بأن لا غالب لهم من دون الله، وسار محمد على رأس هذا الجيش وكل تفكيره أن يدخل البلد الحرام من غير أن يريق قطرة
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ١٢- ١٤. ابن كثير ٤/ ٢٨٠، ٢٨١. ٢ إمتاع ١٧/ ٣٦٤، ٣٧٣. ٣ ابن هشام ٤/ ١٤.
[ ٤١١ ]
دم واحدة وبلغ مر الظهران -على أربعة فراسخ من مكة- دون أن يحس أي استعداد من قريش للقائه، فهل عميت الأخبار على قريش حقيقة؟ أم أنها كانت غافلة غير متوقعة قدوم محمد لغزوها، أم تراها كانت في اضطراب لا تستطيع معه أن تحسم أمرها؟ إننا إذا تتبعنا الحوادث فربما يمكن الوصول إلى تقرير الأمر تقريرًا صحيحًا.
وأول ما يطالعنا في هذا الشأن أن العباس بن عبد المطلب لقي النبي -ﷺ- بالجحفة ومعه أهله قد خرج إلى المدينة١، وحين لقي النبي -ﷺ- أرسل أهله إلى المدينة وعاد مع جيش المسلمين، ثم إن الأمر لم يقف عند العباس وحده، وإنما خرج رجال من بني هاشم: منهم من كان يعادي الإسلام عداء شديدًا من أمثال أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلقوا النبي -ﷺ- في الطريق وأخذوا منه الأمان لأنفسهم٢.
والأمر الثاني: هو أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد خرجوا من مكة والتقوا بالعباس الذي أوصل أبا سفيان للنبي -ﷺ- بعد أن أجاره، فأسلم أبو سفيان٣، وأعلن النبي -ﷺ- أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
والأمر الثالث: هو أن بعض رجال مكة قد استعدوا للقتال وجمعوا قوتهم في مدخل من مداخل مكة واشتبكوا مع قوات المسلمين، حتى هزموا وفروا٤.
ونحن إذا بحثنا هذه الأمور الثلاثة أمكننا أن نخرج برأي: فأما العباس بن عبد المطلب؛ فقد درج على أن يكتب للنبي -ﷺ- دائمًا يعلمه كل تحركات قريش ضده، فقد كتب له حين استعدت قريش لغزوه في موقعة أحد، وكتب بشأن استعدادها لغزوة الأحزاب، وتتحدث بعض المصادر أنه استأذن النبي -ﷺ- في الهجرة، بعد أُحُد وأن النبي -ﷺ- أمره بالبقاء في مكة، فإن بقاءه في مكة أكثر فائدة للمسلمين٥.
ثم ها هو يخرج للمدينة والجيش متجه إلى مكة لفتحها، مما يوحي بأن مهمته في البقاء بمكة قد انتهت، ثم إن العباس كان صديقًا شخصيًّا لأبي سفيان بن حرب وبينهما من الود ما يسمح بالتكاشف بين الرجلين إذا استقر رأي أبي سفيان على التسليم، وقد عرف عن العباس دائمًا البر بقومه والحرص على مصلحة قريش؛ ولذلك كان اهتمامه كبيرًا بأن يأخذ الأمان لقريش. ثم هل كان خروج بني هاشم إلى لقاء النبي -ﷺ- حين
_________________
(١) ١ ابن كثير ٤/ ٢٨٧. إمتاع ١/ ٣٦٧. ٢ ابن هشام ٤/ ١٨. إمتاع ١/ ٢٦٩. ابن كثير ٤/ ٢٨٧. ٣ ابن هشام ٤/ ١٨- ٢١. إمتاع ١/ ٣٦٨- ٣٧١. ٤ ابن هشام ٤/ ٢٦- ٢٧. ٥ أسد الغابة ٣/ ١١٠.
[ ٤١٢ ]
قدومه محض صدفة؟ أم أنهم كانوا على علم بنوايا النبي -ﷺ- نحو مكة وخروجه لفتحها؟ وإذا كانوا على علم فهل خفي هذا الأمر على قريش؟ ثم خروج الزعماء الثلاثة إلى حيث لقوا العباس، هل كان صدفة كما تصوره الروايات؟!
إننا إذا درسنا شخصيات هؤلاء الثلاثة نقطع بعدم الصدقة في هذا الخروج، فأبو سفيان كان قد أدرك الموقف حين ذهب إلى المدينة وفشلت سفارته في تأكيد العقد وزيادة المدة، وهو كقائد لقريش في صراعها قد أدرك أن الموقف في غير صالح مكة، ثم إن خروج قائد مثله للتجسس أمر فيه خطورة، إذ من المحتمل أن يقع في يد العدو ثم هي مغامرة لا مبرر لها إلا أن تكون لأمر مقصود، ولقاؤه مع العباس في مكان معين غادر العباس الجيش وذهب إليه في الليل أمر يوحي بتدبير متفق عليه، وحين لقي أبو سفيان العباس ركب معه مباشرة إلى النبي -ﷺ- ولم يلبث أن أسلم وقبل أن يكون داعية سلام.
وحكيم بن حزام رجل اشتهر منذ معركة بدر بأنه ضد الحرب١ وكان حريصًا على ألا يقع الاشتباك الأول بين المسلمين وقريش، وهو من قبل كان يعطف على موقف بني هاشم حتى كان يمدهم بالطعام حين كانوا محصورين بالشعب في مكة، ثم كان ضمن العاملين على نقض صحيفة المقاطعة، ثم هو ابن أخي خديجة زوجة النبي، فهو يرتبط به برابطة الصهر فوق رابطة القرابة.
ثم إن بديل بن ورقاء الخزاعي قد خرج يستنصر النبي -ﷺ- على قريش وهو لا بد عالم بنية النبي -ﷺ- في غزو مكة، وأبو سفيان كان يعلم عنه خروجه إلى -النبي ﷺ- فاستصحابه في هذه الليلة لا يمكن أن يكون للتجسس إذ كيف يتجسس بديل وقد طلب من النبي النصرة؟ وإذن فلا سبب لخروجه مع أبي سفيان غير تسهيل الاتصال بالنبي -ﷺ.
إذا تأملنا كل هذا؛ قطعنا بأن قريشًا كانت تتوقع الغزو، وأنها لم تستطع أن تعد قوة كافية لمواجهة المسلمين، وأنها كانت على خلاف من أمرها، بدليل أن بعض رجالها استعد للمقاومة، وقام بها فعلًا، ويعزز هذا ما روته المصادر من أن قريشًا بعثت أبا سفيان يتجسس الأخبار، وإن لقي محمدًا يأخذ لهم منه جوارًا، فإن رأى رقة من أصحابه آذنه بالحرب٢.
_________________
(١) ١ الواقدي ٤٥- ٤٧. ٢ إمتاع ١/ ٣٦٨.
[ ٤١٣ ]
وقد كان كبار الزعماء في قريش يرون التسليم دون قتال، وكان على رأيهم أكثرية قريش، والدليل على ذلك أن الذين اشتبكوا مع قوات المسلمين كانوا قلة وكان على رأسهم بعض الشباب وهم الذين أعانوا بني بكر من قبل، ولذلك فإن الثلاثة الذين خرجوا لا بد أنهم كانوا وفد التسليم وكانوا على اتفاق سابق مع العباس الذي خرج من مكة؛ ليمهد لهذا اللقاء، وكان النبي -ﷺ- على علم بهذا الأمر، ولذلك قال لأصحابه وهو بالجحفة: "ذهب كلبهم وأقبل درهم، هم سائلوكم بأرحكامكم، وأنتم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه"١، الأمر الذي يقطع بأن العباس أعلم النبي -ﷺ- بنية أبي سفيان والاتفاق معه.
ومع ذلك فقد اتخذ النبي -ﷺ- لدخول مكة أهبته وأعد للنصر كل عدته فقسم قواته إلى عدة فرق وأمرها أن تدخل مكة من كل مداخلها، وأمر رجاله بعدم القتال إلا إذا أكرهوا وحين بدا من بعض القادة ميل إلى العنف من أمثال سعد بن عبادة الأنصاري عزله عن القيادة وأحل ابنه محله٢. ودخلت قوات المسلمين مكة دون حرب، إلا ما كان من فرقة خالد بن الوليد التي تعرض لها من أجمعوا على القتال بقيادة عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمر الذين ما لبثوا أن تفرقوا بعد مناوشات بسيطة٣، وبدخول جيش النبي -ﷺ- مكة سقط معقل المقاومة الأكبر وعفا النبي -ﷺ- عن قريش عفوًا تامًّا٤، وحتى الذين منع عنهم الأمان لشدة خصومتهم ولؤم نكايتهم ما لبث أن منحهم إياه حين أعلنوا بالطاعة.
وهكذا استطاع النبي -ﷺ- أن يكسب أكبر معركة في تاريخ الدعوة الإسلامية بغير حرب وبغير إراقة دماء.
وكان لفتح مكة صدى بعيد الأثر في الجزيرة العربية وآثار بعيدة المدى من الناحيتين الدينية والسياسية على السواء.
فأما من الناحية الدينية: فإن النبي -ﷺ- حين تم له دخول البلد الحرام بدأ بالكعبة فطاف بها سبعًا، ثم أمر فحطمت الأصنام المقامة جميعًا. ثم دخل الكعبة فأزال ما بها من صور وتماثيل٥. وبهذا قضى على الوثنية في معقلها الأكبر قضاءً رسميًّا. ثم إنه
_________________
(١) ١ نفسه. ٢ ابن هشام ٤/ ٢٦. ابن كثير ٤/ ٢٩٢. إمتاع ١/ ٣٧٥. ٣ ابن هشام: نفسه. ٤ نفسه ٣٢. ٥ ابن هشام ٤/ ٢٢- ٢٧. إمتاع ١/ ٣٨٣، ٣٨٤.
[ ٤١٤ ]
تتبع بيوت الأصنام في الحجاز وفي الجزيرة العربية كلها يرسل إليها من يحطمها ويعلن للقبائل جميعًا انتهاء عهد الوثنية١. ولم تقاوم القبائل هذا العمل وكان سكوتها يعني إقرار منها بزوال عهد الوثنية، بل إن كثيرًا من القبائل تولت أصنامها بنفسها. وقريش التي كانت في موضع الزعامة الدينية في الجزيرة العربية، لم تلبث أن اعتنقت الإسلام بعد دخول جيوش النبي -ﷺ- مكة. واستمسكت به ونصرته حين بدأت كثير من القبائل العربية ترتد عن الإسلام بعد وفاة الرسول -ﷺ.
أما الآثار السياسية؛ فمنها القريب ومنها البعيد: فأما الآثار القريبة: فقد حدثت بسرعة كبيرة لا تزيد على الأسبوعين عدًّا، وذلك أن قبائل ثقيف وهوازن وهي القبائل التي تقيم قريبًا من مكة وتملك مدينة الطائف قد رأت في فتح مكة، ضربة موجهة لها واعتقدت أن دورها قريب، فقد كانت الطائف مرتبطة بمكة ارتباطًا شديدًا في الجاهلية، ومن أجل ذلك تجمعت قبائل الطائف وقبائل هوازن واستعدت لضرب المسلمين، ولم يستطيع رجال ثقيف وهوازن أن يدركوا أن مكة حين ألقت لواء المعارضة إنما ألقته بعد أن آمنت بأن معارضاتها قد استنفدت كل إمكانياتها، وأن أهل مكة قد فتحت نفوسهم للإسلام قبل أن تفتح مدينتهم أبوابها لجيوش المسلمين، وأن الفتح لم يكن حربيًّا إلا في ظاهره، ومن أجل ذلك خرجت قوات مكة إلى جانب قوات النبي -ﷺ- للوقوف في وجه ثقيف وهوازن في معركة حنين٢، ثم في حصار الطائف بعد هزيمتها في حنين٣.
أما الآثار البعيدة: فإن قريشًا بعد أن القت لواء المعارضة لم يكن يوجد بين قبائل العرب من يستطيع حمله؛ فإن مكة تمثل النظام القديم في نظر الناس في الجزيرة العربية كلها، وهذه الزعامة القرشية كانت زعامة حقيقية قبل الإسلام، فإن الأمم في هذه العصور القديمة كانت تركز جميع مشاعرها القومية في الدين، وتجعله رمزًا
_________________
(١) ١ ابن هشام ٤/ ٦٤، ١٩٨. ٢ ابن هشام ٤/ ٦٨- ٩٢. ابن كثير ٤/ ٣٢٢- ٣٤٠. ٣ ابن هشام ٤/ ١٢٢- ١٣١. ابن كثير ٤/ ٣٤٥- ٣٥٢.
[ ٤١٥ ]
لشخصيتها وعنوانًا على ثقافتها العامة وتقاليدها، فالدين الوثني الذي كانت قريش تحميه كان عنوانًا للقومية العربية ورمزً لها، ولهذا كان تسليم قريش وتحولها إلى الإسلام أمرًا بالغ الأهمية، والنبي -ﷺ- كان يحس بهذا تمام الإحساس حين مال إلى السلم وتجنب أن يريق دماء المكيين مهاجمًا ومعتديًا؛ بل إنه حين انتصر على قريش لم يتبع معها ما يتبع عادة مع المغلوبين، بل قبل القرشيين في صفوفه دون شرط، وعفا عنهم وسماهم الطُّلَقَاءَ ومنحهم أعطيات من غنائم حنين وأراد بهذا أن يتألف قلوبهم فسموا: بالمؤلفة قلوبهم وهاتان التسميتان تدلان دلالة ظاهرة على سياسة النبي -ﷺ.
فلما انضمت مكة في العام الثامن الهجري في معسكر النبي -ﷺ- اقترن التسليم بتحطيم الأصنام كما قلنا وهذا التحطيم في ذاته عمل له معنى خطير، فهو تحطيم للدين القديم والنظام القديم، وتسامع الناس بهذا الفتح وهذا التحطيم وتحدثوا به، وكان لهذا نتائج بعيدة المدى، كانوا يتسامعون أن قريشًا مالت إلى النبي -ﷺ- وأصبحت من حزبه، وأصبح الحجاز كله بذلك لرجل واحد، وعرفت القبائل أن تغييرًا سياسيًا قد طرأ على النظام القديم، وتسامعت في نفس الوقت بأن هذا النبي الجديد قد حطم الآلهة ولم ينله أذى؛ فكان بقاؤه بعد تحطيم الأصنام يحمل في ذاته نوعًا من الدليل على صدق النبوة في نظر هؤلاء الوثنيين، ولهذا سارعت القبائل المختلفة إلى الاتصال السياسي بهذا النظام الجديد وسعى بعضها إلى الاتصال السياسي والديني في نفس الوقت بهذا الرجل الذي ظهر في الحجاز وخالوه ملكًا ظهر على صورة نبي فتوافدت الرسل ممثلة للقبائل على يثرب في العام الثامن والتاسع وبعض العاشر، حتى لم تبق قبيلة إلا أرسلت للنبي -ﷺ- وفدًا يعقد معه عهدًا١. هذه الوفود هي الصدى الملموس لنهاية الصراع بين النبي -ﷺ- ومكة على هذا النحو السعيد.
ثم إن هذه الخطوة الجديدة التي تحققت بقدوم الوفود أتاحت للنبي -ﷺ- أن يتجه لتحقيق خطوة أخرى كبيرة، فقد بدأ النبي -ﷺ- يتجه إلى ما وراء الحجاز، إلى شبه الجزيرة العربية كلها، وكان هذا التحول مقرونًا بالصدى الهائل الذي تجاوب في جزيرة العرب بعد فتح مكة.
_________________
(١) ١ ابن سعد: ٢/ ٥٦- ١٢١.
[ ٤١٦ ]
وبفتح مكة خرجت الدولة الإسلامية من نطاق المدينة -الدولة اليثربية- إلى نظام الدول الكبيرة الموحدة، فقد أصبحت الدولة الإسلامية العربية تتكون من المدينة ومكة والطائف وما بينها وحولها من قبائل، وأصبح هدف النبي -ﷺ- في توحيد العرب أمرًا محققًا، وكان فتح مكة خطوة كبيرة نحو هذا الهدف، تلتها خطوة أخرى لإقرار هذا التوحيد وتثبيت دعائمه، وهي أن النبي -ﷺ- أصدر في نهاية العام التاسع بيانًا سمي: "بيان براءة".
[ ٤١٧ ]
بيان براءة:
كان هدف النبي -ﷺ- في صراعه مع مكة توحيد العرب في دولة واحدة تحت راية الإسلام، وكان فتح مكة خطوة نحو تحقيق هذا الهدف؛ فبعد أن ألقت مكة لواء المعارضة لم يكن في الجزيرة العربية قوة أخرى تستطيع حمل هذا اللواء، ذلك لأن قريشًا كانت قد وصلت إلى مركز الزعامة الحقيقية في الجزيرة العربية من الناحية الاجتماعية والأدبية والدينية، وكانت في مركز التشريع للعرب. فكان دخولها في الإسلام وانضمامها إلى معسكر النظام الجديد يعني نهاية عهد معين هو عهد الوثنية كما كان ابتداء لاتجاه نظر النبي -ﷺ- إلى ما وراء مكة إلى شبه الجزيرة العربية كلها، ولم يكد هذا الفصل من حياة الدعوة الإسلامية يتم حتى اتصلت القبائل كلها بهذه الحكومة اليثربية الحجازية، فكأن النبي -ﷺ- قد تحول من مجال ضيق إلى مجال أوسع، وهذا التحول كان مقرونًا بالصدى الهائل الذي تجاوب في جزيرة العرب بعد فتح مكة هذا الصدى الذي أظهر العرب على أن الحكومة الجديدة صاحبة الدين الجديد قوة يجب الاتصال بها، فتتالت وفود القبائل في العام التاسع للهجرة، إلى أن رأى النبي -ﷺ- في آخر هذا العام الذي سمي بعام الوفود أن يقوم بعمل حاسم فيه استكمال لشيء ضروري للوضع الجديد، ذلك أنه وإن أرسلت القبائل وفودها تعلن إسلامها وخضوعها؛ إلا أنه بقيت أقلية لم تتصل بالمدينة، وبقي من بين رجال القبائل أناس لم يدخلوا في الإسلام وكان الوضع يقتضي أن تحدد هذه القبائل موقفها، فإما أن تدخل في النظام الجديد،
[ ٤١٧ ]
وإما أن تعتبر منفصلة عنه، والنظام الجديد دين ودولة، أو هو دولة قائمة على أساس الدين، والدخول في هذا النظام له ناحيتان:
بالنسبة للوثنيين من العرب يجب عليهم أن يعتنقوا الإسلام كمظهر لدخولهم في النظام الجديد وإقرارهم بالوحدة العربية.
وبالنسبة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، يجب أن يعلنوا ارتباطهم بالدولة الجديدة عن طريق الخضوع لها ودفع الجزية، والجزية ضريبة مالية يدفعها الرجال البالغون القادرون على الكسب ويعفى منها النساء والأطفال على أن تقوم الدولة بكفالة الحماية لهؤلاء لناس وإعطائهم حقوق الرعية، وتنفيذ القانون عليهم، مع إعفائهم من الخدمة العسكرية، وقد استمر هذا النظام بعد ذلك بالنسبة للبلاد التي فتحها المسلمون والتي كان أهلها يدينون بدين كتابي.
ولتحقيق ضم هذه الفئة القليلة التي أشرنا إليها وتحديد موقفها، أصدر النبي -ﷺ- في نهاية العام التاسع للهجرة بيانًا عُرِف ببيان براءة، وكان هذا البيان وحيًا، ولم يكن من كلام النبي -ﷺ- لأنه جاء من آيات قرآنية في صورة من سور القرآن الكريم وهي سورة التوبة، وقد بدئت بكلمة: براءة فسمي هذا البيان "بيان براءة" وقد أذاعه النبي -ﷺ- في مناسبة عامة يحضرها العرب من كافة أنحاء الجزيرة العربية، وفي يوم مشهود هو يوم الحج الأكبر، حيث اجتمع الحجيج كلهم في صعيد واحد عند جبل عرفات، وكان على الحج في هذا العام أبو بكر الصديق، لكن النبي -ﷺ- أرسل مندوبًا خاصًّا هو علي بن أبي طالب، وإرسال علي لهذا الغرض يعطي أهمية خاصة للموضوع، إذ إنه يعتبر مندوبًا خاصًّا لإذاعة حالة خاصة، ولم يُكَلَّف بذلك أبو بكر حتى لا يعتبر البيان مندرجًا في حالة عامة هي حالة الحج، ثم إن البيان كان نبذًا لعهود بين النبي -ﷺ- وبين بعض القبائل، وكان العرف يقضي بأن يقوم بنبذ صاحب العهد نفسه أو رجل من عصبته شديد القرابة به؛ ولذلك أرسل عليًّا لتلاوة هذا البيان وإعلان الناس به.
[ ٤١٨ ]
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ، اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ، أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
[ ٤١٩ ]
وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ
[ ٤٢٠ ]
الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة] .
أعلن البيان أن الله بريء من المشركين، وأنه لا عهود بينهم وبين الدولة الإسلامية وأن الذين سبقت لهم عهود محدودة بأجل معلوم؛ فلم ينقصوها شيئًا ولم يعينوا على المسلمين أحدًا، توفى إليهم عهودهم إلى مدتهم ثم لا تتجدد، ثم أجل المشركين فرصة أربعة أشهر ليفكروا في وضعهم، فإما أن يعلنوا إسلامهم وينضموا للدولة الجديدة، وإما يعتبروا خارجين عليها متمردين على نظامها.
ووجود فئة لا تدين بمبادئ الدولة الإسلامية ولا تخضع لقوانينها -أمر بالغ الخطورة في كيان الدولة الداخلي، وكان لا بد أن يخضع هؤلاء الناس لنظام الدولة أو يحاربوا بمعنى أن يوضعوا في حكم الأعداء، ولكنهم أعداء داخليون يترتب على عداوتهم خطر كبير على كيان الدولة، ومن هنا لم يقبل الإسلام منهم إلا الدخول فيه والخضوع له، وليس للمشركين ديانة تحترم ولا مثل تفرض هذا الاحترام كأصحاب الديانات السماوية الأخرى، فالإسلام قد اعترف بالديانات السماوية واعتبر الدين وحدة واحدة، وأن رسالة الإسلام إنما جاءت لتأكيد هذه الوحدة وتطهيرها مما علق بها، وتأكيد وحدانية الله التي جاءت بها، لذلك اعتبر أهل الكتاب داخلين في وحدة الدولة إذا ما أعلنوا خضوعهم لها ووفوا بالتزاماتهم نحوها، وكان على هذه الفئة القليلة من المشركين وأهل الكتاب أن تحدد موقفها؛ فإما إسلام وخضوع للدولة وإما تعرض للحرب الشاملة.
ثم أعلن البيان أن مكة بيتها وحرمها إسلاميًّا خالصًا لا يجوز أن يدخله مشرك، وأن الحج أصبح حجًّا إسلاميًّا بعد أن برئت الكعبة من الأصنام؛ ولذلك فيجب ألا يحج مشرك ولا يقرب المسجد الحرام، وإذا كانت الدولة قد حرصت على وحدتها بإعلان براءتها من المشركين، فهي كذلك لم تعد في حاجة إلى الذين دخلوا فيها من قبل بمظهرهم دون قلوبهم وهم الذين عرفوا بالمنافقين، وكان النبي -ﷺ- مضطرًا إلى مداراتهم حرصًا على الترابط الداخلي في دولته الناشئة؛ لأن سلطان العصبية كان قويًّا، فلو أنه قتلهم أو عاقبهم لربما جر ذلك إلى انتصار عشائرهم لهم، وبذلك يحدث تخلخل في صفوف الدولة، أما وقد رسخت أقدام الدولة واستقرت المبادئ في نفوس المسلمين وأصبحت بسلطانها أقوى من العصبية، فلم تعد هناك ضرورة للمداراة؛
[ ٤٢١ ]
ولذلك استمر البيان بعد ذلك يفضح المنافقين ويندد بهم تنديدًا شديدًا، وينذرهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، ويحذر المسلمين من مصانعتهم وودهم، ويعتبرهم عنصرًا ضارًّا في الدولة مفسدًا فيها، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وإذا كانوا في مظهرهم يبدون من المسلمين؛ لكنهم في حقيقتهم ليسوا منهم، وحتى لو أكدوا هذا وحلفوا عليه فإنما ذلك يكون منهم فرقًا حتى إذا ما وجدوا فرصة انتقضوا وكانوا عونًا على الدولة لا عونًا لها؛ ولذلك أنذرهم بأنهم إن أرادوا أن يكونوا مع المسلمين في توادهم وتراحمهم فعليهم أن يطهروا أنفسهم من النفاق وهو الكفر الباطن١.
والبيان في هذا الشأن يشرك الشعب في تصفية المجتمع، فإن الدولة لا تستطيع بأجهزتها مهما بلغت من الدقة أن تكشف عن خفايا نفوس الناس وأن تعرفهم معرفة مباشرة، وإنما يعرف الأفراد بعضهم بعضًا بالمخالطة والمكاشفة، والمجتمع السليم هو الذي يوجد فيه أفراد يشاركون الدولة مسئوليتها في تطهير المجتمع من الفئات الضارة المنحرفة المتغلغة فيه؛ ولذلك استعدى البيان المسلمين المؤمنين على هذه الفئة المنافقة؛ ليشعرها بالعزل الاجتماعي حتى تندرج بكليتها في النظام الجديد، أو تحس بوحدتها وانعزالها.
وقد آتى هذا البيان ثمرته فإن النبي -ﷺ- قد حج في العام العاشر حِجَّتَه الأخيرة. وهي الحجة التي حجها على النظام الكامل، وحج معه فيها حوالي مائة ألف حاج من العرب٢ لم يكن من بينهم مشرك واحد. ومعنى هذا أن البيان أحدث تأثيره المطلوب.
وفي هذه الفترة التي تقع بين إعلان براءة ووفاة النبي -ﷺ- طبق الرسول -ﷺ قانون براءة في حذر شديد وكياسة سياسية بارعة، وتجنب الاصطدام بالقبائل وإلا حرج كبرياءها وأثار عصبيتها؛ ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم وإعلان انضمامهم إلى حكومته، ويرسل معهم عند عودتهم معلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم، وهؤلاء المعلمون هم أول صنف من الدعاة وأول صنف من الولاة والعمال في الدولة الإسلامية، وعلى أيديهم دخلت القبائل في الإسلام وجمعت الصدقات من كافة القبائل ووزعت على الفقراء توزيعًا محليًّا ولم يرسل إلى يثرب إلا الفائض٣.
_________________
(١) ١ انظر سورة التوبة ٤٢- ١١٠. ٢ إمتاع ١/ ٥١٢. ٣ ابن هشام ٤/ ٢٧١.
[ ٤٢٢ ]
وهؤلاء الولاة الجباة المعلمون الأولون لم يشلوا يد رؤساء القبائل حين وقفوا إلى جوارهم، بل كانوا يتعاونون تعاونًا تامًّا، وفي بعض الأحيان كانوا يضعون أنفسهم في حمايتهم.
وبدخول القبائل في الإسلام على هذا النحو أصبحت الجزيرة العربية كلها تحت سلطان دولة واحدة ولأول مرة في تاريخ الجزيرة يتوحد العرب تحت سلطان دولة عربية واحدة ولم يخرج على نفوذ الدولة من قبائل العرب إلا ما كان منها تحت نفوذ الدول الكبرى على حدود الجزيرة في بادية العراق والشام، والحد الذي كان يشغل بال النبي هو الحد المتاخم لدولة الروم، وقد حدث من جانب عرب الغساسنة والقبائل الموالية للدولة الرومية ما استدعى من النبي -ﷺ- أن يوجه بعض الحملات الحربية؛ لتوطيد سلطان دولته وتأديب القبائل التي تهدد حدودها الشمالية، وقبل وفاته قام بحملة كبيرة اشتركت فيها معظم قبائل العرب وبلغت عدة رجالها ثلاثين ألفًا١، إذ قد وصل إلى سمعه إشاعة حشد الروم على حدود الدولة العربية، لكن النبي -ﷺ- حين وصل إلى تبوك لم يجد هذه الحشود المزعومة، فوادع المدن والقبائل على الحدود، وكان أمر هذه الحدود يشغله طيلة الفترة الأخيرة من حياته حتى أعد بعثًا عسكريًّا إلى هذه الجهة لم ينفذ إلا بعد وفاته.
وتوفي النبي -ﷺ- في أول العام الحادي عشر بعد أن حج بنفسه في نهاية العام العاشر حجته الإسلامية الوحيدة التي سميت فيما بعد بحجة الوداع وفيها أقر النبي -ﷺ- المبادئ العليا، وبين للناس أن الإسلام كرسالة وكمبادئ قد اكتمل، وأن به قد أكمل الله على الناس دينهم وأتم عليهم نعمته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٤/ ١٦٩- ١٨٤. ٢ ابن هشام ٤/ ٢٧٥- ٢٧٨.
[ ٤٢٣ ]
الخلافة الإسلامية وتثبيت دعائم الوحدة
مدخل
الخلافة الإسلامية وتثبيت دعائم الوحدة
كان موت النبي -ﷺ- دون أن يترك وصية عن طريق الحكم بعده أمرًا آثار كثيرًا من الخلاف، فكانت مشكلة النظام الذي يجب أن يقوم بعد وفاة النبي -ﷺ- أول مشكلة واجهها المسلمون، والمشكلة الثانية متصلة بالأولى وهي هل يستمر النظام الجديد كما كان أيام النبي -ﷺ؟ وهل يستمر العرب الذين انضموا إلى يثرب على الطاعة والحلف كما كانوا أم يعودون إلى ما كانوا عليه من قَبْل قبائل مستقة ومدنًا متفرقة على شكل دول قبلية ومدنية؟ وبحل هاتين المشكلتين تقررت الخلافة وتدعمت الوحدة واستقر النظام الجديد.
[ ٤٢٤ ]
مشكلة الخلافة:
اختلف الناس عندما علموا بموت النبي -ﷺ- واستسلموا إلى جميع الدوافع الغريزية التلقائية، فمنهم مكذب بموته، ومنهم هلع، ومنهم حريص على انتهاز الفرصة.
أما من لم يصدق الخبر فهو عمر بن الخطاب حتى هم أن يقتل من كان يروي الخبر، وأما من هلع فهو علي بن أبي طالب وأهل بيت النبي -ﷺ- الأقربون، وأما المنتهزون للفرصة فهم الأنصار، حملتهم العصبية على أن سارعوا إلى الاجتماع في إحدى السقائف المسماة سقيفة بني ساعدة. وقد كان لكل بطن من بطون القبيلة مكان أو سقيفة يجتمعون عندها إلا أن سقيفة بني ساعدة اشتهرت لاجتماع الأنصار عندها في هذا اليوم، وشرع الأنصار يختارون واحدًا منهم، وانتشر الخبر بالمدينة حتى بلغ الصحابة؛ فسارع ثلاثة منهم هم: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح في عدد من الصحابة، وأرادوا أن يعالجوا هذا الموقف الذي خلقه الأنصار بتسرعهم وتصرفهم المفاجئ دون أن يتفاهموا مع الأطراف الأخرى بالمدينة، ولم يلجأ الصحابة إلا إلى الحجة، ونجحوا في الحيلولة بين الأنصار وبين انفرادهم بأمر تقرير النظام الجديد، ولو تم للأنصار ما أرادوا لتعرضت الجماعة كلها لفتنة كبرى، والواقع أن تسرع الأنصار يومئذ كان مريبًا، وكان جنوحًا إلى العصبية، وقد سهل الأمر على الصحابة الثلاثة أن الأنصار كانوا منقسمين إلى عصبيات مختلفة وأن هذه العصبيات عملت عملها في هذا الموقف الحاسم، أما هذا الثالوث من الصحابة فكان صفًّا واحدًا يتبع رأيًا واحدًا، ولهذا انتهى الأمر بمناقشة بين الأطراف المجتمعة حول نظام الحكم، وفي أثناء المناقشة عرضت آراء
[ ٤٢٤ ]
كثيرة، فبعد أن كان الأنصار يريدون أن يولوا واحدًا منهم، اقترحوا أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، ولو تم هذا الاقتراح لكان من الواجب أن يتولى الخلافة اثنان، إلا أن الثلاثة رفضوا هذا الرأي في كياسة ذاكرين للأنصار فضلهم، واقترحوا رأيًا جديدًا وسارعوا بأخذ الأصوات عليه -وهذا التعبير حديث بل الأصح أن نقول: سارعوا إلى أخذ البيعة عليه- وسارع الناس إلى مد أيديهم وإلى مبايعة أبي بكر، وكان هذا الحل كما أرجف بعض الناس حلًّا جاء عفوًا دون تدبير وأنه جاء فلتة، وكان من الممكن أن يفضي إلى فتنة إلا أن الله وقى شرها، ومهما تختلف المذاهب الإسلامية في أمر هذه البيعة وفي الحكم على الثلاثة الذين تداركوا الموقف، وفي الأنصار الذين أرادوا أن يستبدوا بالأمر؛ فإن السقيفة قررت أمر الخلافة تقريرًا نهائيًّا وأصبحت سابقة قابلة للتطبيق، وحرص الناس على أتباعها ولو من الوجهة الشكلية إلى أن زالت الخلافة.
وهذا الحل الذي سارع الناس إلى الرضاء به يدل على أنهم كانوا يسلمون ضمنًا بأن النظام الجديد واجب البقاء، وأن النبي -ﷺ- وإن مات فإنه خلف فيهم دينًا وكتابًا يسيرون على هديه، وأن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فرضاء الناس يومئذ يعبر عن إرادة الاستمرار في ظل النظام الذي أنشأه النبي -ﷺ.
[ ٤٢٥ ]
الردة:
ولم يكد المسلمون ينتهون من هذه الأزمة حتى واجهوا أزمة أخرى أشد؛ فالأولى لم تكن تتطلب إلا شيئًا من الكياسة وحسن الرأي والوقوف على الحل الصحيح، أما الثانية وهي الردة فإنها كانت تتطلب إعداد الجيوش وتعبئة قوة المدينة الحربية والمعنوية، وفي أثناء هذه الأزمة ظهرت بطولة أبي بكر حتى كان ابنه محمد يقول مفاخرًا فيما بعد بأنه ابن فاقئ الردة وحتى قال بعض الناس: إنه لم ير أحدًا بعد رسول الله -ﷺ- أملأ بالحرب من أبي بكر، والسبب المباشر في هذه الأزمة هو موت النبي -ﷺ- فقد سبق إلى ظن الناس أنه لن يقوم مقامه أحد، وأن الفراغ الذي تركه أكبر من أن يسد، وأن النظام الجديد لا يمكن أن يدوم بعده، وأن الخطوة الجبارة التي خطاها الرسول -ﷺ- بالعرب خطوةٌ كانت تحتاج إلى دوام صاحبها، ولهذا سارع العرب برغم إعجابها بالروح القومي الذي بعثه النبي -ﷺ- وقلدت القبائل بعضها بعضًا، وانتشر الارتداد في كل مكان حتى لم تبق قبيلة إلا وفيها جماعة كبيرة مرتدة، وغالت بعض القبائل فأرادت أن يكون لها ما لقريش بمعنى أن يكون منها نبي كما كان من قريش نبي، وأن تجتمع إلى زعامتها كما اجتمعت إلى قريش، ولم يثبت على النظام الجديد إلا مثلث: المدينة
[ ٤٢٥ ]
ومكة والطائف، غير أن المرتدين بطبيعة حركتهم ولحسن حظ يثرب لم يكونوا ليتضامنوا فيما بينهم، فالأزمة في الواقع ترجع إلى النزوع إلى الاستقلال وإلى رفض التضامن، وكانت الهزيمة التي أصابت المرتدين آخر الأمر دليلًا على أن النظام الجديد قد أصبح قويًّا جارفًا، وعلى أن حركة الردة برغم عنفها وشمولها لم تستطع أن تنال من النظام الجديد شيئًا، ولولا أن المدينة كانت تمثل فكرة جديدة وتمثل ما انطوت عليه في الحقيقة نفوس العرب، ولولا أنها كانت تمثل القومية التي كانت حائرة غامضة في الجاهلية، ولولا أن جيش المدينة كان أقوى من كل قبيلة أو قبيلتين على حدة؛ لكانت تلك الأزمة نهاية للنظام اليثربي النبوي.
واستطاعت جيوش المدينة أن تظهر عزمها على تأييد النظام الجديد وأن ترد القبائل إلى الطاعة، بل إن جيوش المدينة قامت إلى جانب قمع المرتدين بعمل آخر إضافي في نفس الوقت، هو تطبيق قانون براءة تطبيقًا تامًّا، أو هو بحسب اللفظ الوارد في المصادر: استبراء رسمي من الدين الوثني، وكان الاستبراء هدفًا مهمًّا من الأهداف التي وضعتها جيوش الردة لنفسها، فالمدينة كانت تعلم أن جيوشًا لم تطأ من قبل من أقاليم الجزيرة إلا الحجاز، وأن نفوذها فيما وراء ذلك سطحي، وأن معظم القبائل لم تتصل بالمدينة،وإلا عن طريق المواثيق التي أبرمتها في عام الوفود وعن طريق عمال الصدقات الفقهاء الدعاة الجباة، فكانت الردة في الحقيقة فرصة لتطبيق الاستبراء تطبيقًا فعليًّا وإظهار قوة الجيش اليثربية، ولم تكن المدينة قد أوتيت تلك الفرصة من قبل، فقد كانت عاجزة عن مثل ذلك وإلا وقعت في حرج وظهرت بمظهر المعتدي وجرحت كبرياء القبائل.
ونحن إذا قرأنا الكتب التي كتبها أبو بكر وزود بها جيوش الردة، وجدنا فيها نية الاستبراء ظاهرة ووجدنا فيها لفظ الاستبراء الدال على أن أبا بكر كان يريد أن يطبق إعلان براءة فلا يصح أن نهمل الصلة بين لفظ الاستبراء الوارد في كتب أبي بكر وبين لفظ براءة الوارد في سورة براءة، ثم إننا نجد بعض زعماء الردة يحتجون على المدينة حين حاربتهم بأنهم لم يكونوا دخلوا الإسلام من قبل حتى يعدوا مرتدين ويطلبون لذلك أن يطبق عليهم قانون الاستبراء لا قانون الردة؛ فإذا نظرنا إلى الردة من هذه الناحية عرفنا أنها كانت أزمة ضارة نافعة، ثم إن مهمة المدينة أثناءها كانت يسيرة إلى حد ما؛ لتفرق الأعداء وعدم تضامنهم إطلاقًا، ولوجود جماعة في كل قبيلة موالية للمدينة، فهذه الأزمة لم تكن تحتاج في الواقع إلا إلى قدر من الإيمان وكان أبو بكر كفؤًا لها من هذه الناحية.
[ ٤٢٦ ]
وقد استغرقت الردة وقمعها نحو عام، فلما استهل العام الثاني عشر للهجرة كانت الوحدة العربية قد عادت أقوى مما كانت، وكان المجال في بدء هذا العام فسيحًا أمام النظام الجديد، وكانت القلوب يقظى قد استهوتها المبادئ الجديدة بما فيها من قومية ودين، وتكاد القومية تكون دافعًا أقوى من الدين على تحريك الشعوب وإنهائها، فمن الشعوب من غيَّر دينه أكثر من مرة وظل مع ذلك محتفظًا بقوميته، وكان إحساس العرب بوحدتهم وقوميتهم على يد الحكومة اليثربية أمرًا لم يُتَحْ لهم من قبل، وبهذا تمت الفكرة التي بدأها النبي -ﷺ- وحققها، فتأيدت وتدعمت على يدي أبي بكر، وتحقق للعرب إلى وحدة اللغة وتجانس النسب ووحدة الدم وحدة الدين ووحدة الدولة وكان ذلك حدثًا خطيرًا وخطوة جبارة تكاد تكون معجزة أقوى من المعجزة التي تلتها وهي معجزة الفتوح.
[ ٤٢٧ ]