شبه جزيرة العرب
*
الفصل الأول: شبه جزيرة العرب
هي أكبر شبه جزيرة في العالم، يبلغ متوسط عرضها سَبعمائة ميل، ومنتهى طولها ألف ومائتا ميل، ومساحتها تبلغ حوالي مليون مربع١.
ويطلق العرب عليها -تجاوزًا- اسم جزيرة العرب٢؛ يرون البحار والأنهار تكاد تحيط بها من جميع أقطارها وأطرافها، فالخليج العربي، والبحر العربي، والبحر الأحمر تحدها من الشرق والجنوب والغرب، ويكمل الفرات الحد الشرقي. كما يكمل النيل الحد الغربي؛ ليلتقيا بالحد الشمالي وهو البحر المتوسط. وهذا التحديد الذي يقول به الهمداني يدخل بلاد الشام كلها، والبادية التي بين العراق والشام، وبادية سيناء في جزيرة العرب٣، وهو يتفق مع التحديد الذي قال به "هيرودوت" حيث اعتبر النيل الحد الغربي لقارة آسيا وجعل صحراء مصر الشرقية كما هي معروفة الآن جزءًا من الجزيرة العربية٤، والفارق بين تحديد الهمداني وهيرودوت أن الأول لم يدخل صحراء مصر الشرقية في جزيرة العرب. وبتحديد الهمداني أخذ بعض الجغرافيين المحدثين٥، ويختلف الجغرافيون في الحد الشمالي؛ فمنهم من يجعله صحراء النفود، وبذلك يخرجون بادية الشام من جزيرة العرب، غير أن طبيعة الأرض الجيولوجية تدخل بادية الشام وسيناء فيها، إذ إنها جزء لا يختلف من حيث طبيعته الصحراوية وخواصه عن سائر أنحاء بلاد العرب٦.
_________________
(١) ١ حافظ وهبة: جزيرة العرب في القرن العشرين ص١. L.D. Stamp. Asia A Renional adn Economic Geogrophy. P. ١٣٣. ٢ الهمداني: صفة جزيرة العرب ٤٦- ٤٧/ الآلوسي: بلوغ الأرب ١/ ١٨٧. ياقوت: معجم البلدان ١/ ١٠٠. ٣ الهمداني: ٤٧. ٤ هيردوت Herodotas، Book ١١-١٦-١٧ ٥ Stamp. of cit. p. ١٣٣ ٦ حتى: تاريخ العرب ١٧ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام ١/ ٨٦.
[ ١٣ ]
وعلى ذلك فحد جزيرة العرب من الشرق بحر عمان وخليج البصرة -خليج العرب- ونهر الفرات، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الغرب البحر الأحمر وبرزخ السويس -قناة السويس حاليًا- ومن الشمال البحر المتوسط.
وتحتل جزيرة العرب موقعًا ممتازًا بين قارات العالم الثلاث القديمة، فهي تقع في الركن الجنوبي الغربي من قارة آسيا، كما تتصل بالقارة الأفريقية في ركنها الشمالي الشرقي حيث برزخ السويس قديمًا وقناة السويس في الوقت الحاضر، كما أنها تشرف بحدها الشمالي على شرق البحر المتوسط الذي يصلها بقارة أوربا. أما من ناحية الخريطة الحضارية للعالم قبيل الإسلام؛ فإنها تقع عند نقطة التقاء الحضارتين السائدتين يومئذ وهما حضارة الفرس وحضارة والروم.
وإذا نظرنا نظرة عامة إلى خريطة بلاد العرب رأينا أنها أرَضون واسعة تنحدر تضاريسها من الغرب نحو الشرق، وهي مرتفعة في الغرب حيث جبال السراة١ الممتدة من سورية وفلسطين إلى اليمن. وهي توازي ساحل البحر الأحمر وتقترب منه في مواضع عديدة. ويتراوح ارتفاع هذه الجبال ما بين عشرة آلاف قدم وثلاثة آلاف قدم. فتبلغ قممها في الشمال -في مدين- وفي الجنوب -في اليمن وعسير- حوالي عشرة آلاف قدم، بينما تكون خلف مكة ثمانية آلاف قدم، وقرب المدينة تبلغ ثلاثة آلاف قدم٢، وتحصر بينها وبين ساحل البحر الأحمر أرض سهلية ضيقة تعرف بتهامة، تشرف عليها هذه المرتفعات وتنحدر إليها انحدارًا شديدًا قصيرًا، وسواحلها المهيمنة على البحر يصعب رسو السفن فيها لخلوها من المرافئ الصالحة، ولوجود الشعب المرجانية التي تمتد في بعض المواضع بعيدًا في البحر ٣.
وتتألف الأراضي الوسطى من هضبة تسمى نجد، وتختلف في الارتفاع ما بين ستة آلاف قدم إلى أربعة آلاف قدم ما بين عسير والطائف، وإلى ألفين ومائتي قدم عند العلا٤. وحد نجد الغرب واضح بجبال السراة. أما حدها الشرقي فهو غير واضح وربما امتد إلى قرب خليج العرب.
_________________
(١) ١ السراة: أعلى كل شيء. تاج العروس ١٠/ ١٧٤. البلدان ١٠/ ١٠٤- ٢٠٥. . Stamp. P. ١٣٤ K، S. Twlchell، Saudi Arabia. P ١٠ ٣ جورج فضلو: العرب والملاحة في المحيط الهندي ص٢٥. Twitchell. op. cit. p، ١٣٤
[ ١٤ ]
وتمتد في الأقسام الجنوبية من شبه الجزيرة سلاسل من الجبال متفاوتة الارتفاع تشرف على المنخفضات الساحلية، وتكثر في الوديان التي تفصل بين هذه السلاسل الجبلية وتأخذ مختلف الاتجاهات، حيث تمثل اتجاهات المياه والسيول. ويبلغ ارتفاع الجبل الأخضر الذي يقع في الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة، أي في عمان، زهاء عشرة آلاف قدم١.
وللحِرار أهمية خاصة في التشكيل الجغرافي للجزيرة العربية، وهي تكثر في شبه جزيرة العرب وخاصة في الأقسام الغربية. وتمتد حتى تتصل بالحرار التي في بلاد الشام في حوران ولا سيما في الصفاة٢، كما توجد في المناطق الشرقية الجنوبية من نجد، وفي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، وقد ذكر علماء العرب من المؤرخين والجغرافيين أسماء عدد منها، كما عثر السياح الأجانب على عدد منها٣.
والحرة أرض بركانية وجمعها حرار، يقال لها اللابة واللوبة٤ وقد تكونت من فعل البراكين، ويشاهد منها نوعان: نوع يتألف من فجوات البراكين نفسها، ونوع يتألف من حممها اللابة Lava التي كانت تقذفها فتسيل على جوانب الفتحة، ثم تبرد وتتفتت بفعل التقلبات الجوية، فتكون ركامًا من الأحجار البركانية التي تغطي الأرض بطبقات قد تكون رقيقة وقد تكون سميكة، وقد وصفها العلماء فقالوا: الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار٥، ويكون ما تحتها أرضًا غليظة من قاع ليس بأسود، وإنما سودها كثرة حجارتها وتدانيها. وتكون الحرة مستديرة فإذا كان لها امتداد مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع٦.
_________________
(١) ١ جواد على: ١/ ٨٧. Stamp: op. cit. p. ١٣٤ C،M. ٤٢-٤١٧ vol.P.P.Daughty، Travels in Arabia Deserta. ٣ جواد على: ١/ ٨٩ Allics Musil، in The Arabian Dsert ٤ البلدان ١٧/ ٢. لسان العرب ٢/ ٢٤٢. الطبراني ٣/ ٢٢١. ٥ البلدان ١٧/ ٣. المصباح المنير "طبع وزارة المعارف عام ١٩٢٠" ١/ ١٧٧١. ٦ الحرار: أنواء البراكين. اللابة أو اللوبة: المناطق التي غطتها حمم البراكين وسالت فوقها وجفت. الكراع: أعناق الحرار. انظر لسان العرب ٢/ ٢٤٢، ١٠/ ١٨٢. القاموس ٣/ ٧٨ المصباح المنير ٢/ ٧٢٩ "الكراع الأنف السائل من الحمة، وأكارع الأرض أطرافها، والواحد أيضًا كراع ومنه كراع الغميم أي طرفه".
[ ١٥ ]
وقد اشتهر كثير من مناطق الحرار بالخصب والنماء، وبكثرة المياه فيها؛ ولا سيما حرار المدينة التي استغلت استغلالًا جيدًا، ومنها خبير فكثرت قراها وكثر سكانها. حتى قيل إنها خير قرى عربية، غير أن ظهور العيون فيها بكثرة، جعلها موطنًا من مواطن الحمى. اشتهر أمرها في الحجاز، حتى قيل حمى خيبر١.
أما من الناحية الهدروجرافية فإن بلاد العرب في الوقت الحاضر في جملة البلاد التي تكاد تنعدم فيها الأنهار والبحيرات، ويندر سقوط الأمطار عليها؛ ولذلك صارت أكثر بقاعها صحراوية قليلة السكان. غير أنها كثيرة الأودية التي تسيل في بعضها المياه عند سقوط الأمطار، وبعضها طويل يسير في اتجاه ميل الأرض. كما أن بعضها الآخر وبخاصة التي تصب في البحر الأحمر قصير عميق المجرى شديد الانحدار، تنحدر فيه السيول بشدة إلى البحر فتضيع فيه، وربما كانت في بعض الأحيان خطرًا يهدد القوافل والمدن والأملاك، ويأتي على الناس بأفدح الخسائر ٢.
وليس في شبه جزيرة العرب نهر واحد بالمعنى المعروف من الأنهار ٣، وما فيها من جداول غير صالح للملاحة٤، فهي إما قصيرة سريعة الجريان شديدة الانحدار، أو ضحلة تجف في بعض المواسم. غير أن العلماء يستنتجون من اتجاه الأودية ومن وجود العاديات والخرائب وآثار السكنى على أطرافها، والترسبات التي تمثل قيعان الأنهار، أن هذه الأودية كانت في الحقيقة أنهارًا في يوم من الأيام، وأن جوانبها كانت مأهولة بالسكان زاخرة بالحياة، ويؤيد هذا الاستنتاج ما ورد في كتب اليونان والرومان من وجود أنهار طويلة في بلاد العرب، فقد ذكر هيرودوت اسم نهر دعاه كورس قال عنه: إنه من الأنهار العظيمة، وإنه يصب في البحر الأريتري ٥. ويقصد به البحر الأحمر.
_________________
(١) ١ البلدان ٨/ ٤١٠. كأن به إذ جئته خيبرية يعود عليه وردها وملالها قلت لحمى خيبر استعدي هالك عيالي فاجهدي وجدي وباكري بصالب وورد أعانك الله على ذا الجند ٢ حتى ص ٢٠ البتنوني الرحلة الحجازية ص ٢٥٩ "عن السيول انظر البلاذري فتوح البلدان والطبري، والأزرقي في أخبار السيول". ٣ الإصطخري: المسالك والممالك ص٢١. ٤ حتى ٣١. جورج فضلو. العرب والملاحة ص ٢٥. ٥ جواد علي ١/ ١٨. Hcrodotus: vol. l. p. ٢١٤
[ ١٦ ]
ويرى بعض العلماء أن المكان الذي ذكره هيرودوت هو وادي الحمض المار بشمالي قرح١. -على مسافة ٤٣ كيلو مترًا من الحجر-. وقد كانت عامرة فيما مضى بالزروع والبساتين وهي المعروفة ببساتين قرح، ويوجد بالقرب منها سقيا يزيد، أو قصر عنتر، كما تسمى في الوقت الحاضر على بعد ٩٨ ميلًا من شمال المدينة٢. كما ذكر بطليموس اسم نهر عظيم سماه lar زعم أنه ينبع من منطقة نجران، أي من الجانب الشرقي من السلسلة الجبلية، ثم يسير نحو الجهة الشمالية الشرقية مخترقًا بلاد العرب حتى يصب في الخليج العربي٣. ويرى بعض العلماء أن هذا النهر الذي يشير إليه بطليموس هو وادي الدواسر، والذي تمده بعض الأودية المتجهة من سلاسل جبال اليمن بمياه السيول٤.
ومن آثار السدود والنواظم التي ترجع إلى ما قبل الإسلام يمكن الاستدلال على أن العرب كانوا على علم واسع بتنظيم أمور الإرواء، والاستفادة من مياه الأمطار والسيول والأنهار، كما تدل كثرة المصطلحات في اللهجات العربية الشمالية والجنوبية على معرفة العرب بأنواع الآبار، والسدود، والمساك، والنحايت وغير ذلك من الوسائل التي استخدمت للحصول على الماء ٥.
وإذا كانت البحار تحيط بجزيرة العرب؛ فإن الجو البحري لم يستطع أن يخفف من حدة الحرارة فيها أو يتغلب على جفافها، فإن الأبخرة المتصاعدة من البحر لا تكاد تصل إلى أواسط الجزيرة العربية، إذ إن الرياح السمائم الشديدة الحر تقاومها مقاومة شديدة، وتمنعها في الغالب من الوصول إلى أواسط شبه الجزيرة ٦، على أن الأقسام
_________________
(١) ١ البلدان ١٥/.٣٢- ٣٢١ "وكانت من أسواق العرب في الجاهلية وزعم بعضهم أن بها كان هلاك عاد قوم هود، ما يدل على أنها من المواضع القديمة في بلاد العرب". ٢ "إصطبل عنتر" وهبة: ٢- البلدان ١٠/ ٢٢٨. ٣ جواد علي ١/ ٩٨. ٤ وهبة ٥٤. ٥ بئر سك= ضيقة الخرق وقيل الضيقة المحفر من أولها إلى آخرها (لسان ٤٠/ ٤٤ والمسك، والمساك الموضع الذي يمسك الماء) (اللسان ١٢/ ٣٧٨) . جواد علي: ١/ ١٠١. ٦ حتى ٩. جواد علي ١/ ٨٦.
[ ١٧ ]
الجنوبية كثيرة المطر، تجلبه إليها الرياح الموسمية. ولأهل اليمن عناية بتصريف المياه والانتفاع بها منذ زمن بعيد، وقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان في اليمن من حضارة وعمران وخصب ورخاء فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ] . أما بقية بلاد العرب فتتكون من صحار، وسهول تغلب عليها الطبيعة الصحراوية.
وتدل البحوث والدراسات التي قام بها السياح والعلماء عن بلاد العرب. على أن تغييرًا كبيرًا طرأ على جوها، وأن هذا الجفاف الذي نعهده الآن في هذه البلاد لم يكن على النحو الذي كانت عليه في العصور التي سبقت الإسلام، وأن ذلك الجفاف أثر تأثيرًا كبيرًا في شبه جزيرة العرب. فجعل أكثر بقاعها صحاري جرداء؛ كما أثر في حالة سكانها، فقاوم نشوء المجتمعات الكبرى وأثر تأثيرًا خطيرًا في تاريخ الأمة العربية، وفي حدوث الهجرات١.
ويرى العلماء أن الرياح الغربية الباردة المشبعة بالرطوبة كانت تصل إلى أرض شبه الجزيرة العربية وتنزل المطر عليها، وأن هذه البقاع الصحراوية كانت خضراء آهلة بالسكان، فمثلًا المنطقة الواقعة بين العلا، ومُعان من المناطق الصحراوية الآن، وقد كانت من مناطق الغابات المكتظة بالأشجار المملوءة بالحيوانات المفترسة٢.
وكانت جبال الطائف تمون مكة بالأخشاب الصالحة للبناء والوقود؛ كذلك المنطقة الواقعة بين مكة وعرفة كانت حتى القرن السادس عشر الميلادي مغطاة بالأشجار وبالعوسج والسلم، وهي من الشجيرات الصحراوية، وقد عرف وادي القرى -الذي لا بد أن يكون قد سمي بذلك لكثرة القرى فيه -بكثرة بساتينه ومياهه وقراه، وهو طريق عالمي قديم تسلكه القوافل في طريقها بين الشام واليمن، أما اليوم فقد جفت ينابيعه وفقد أكثر قراه، واضطر أهله إلى الهجرة أو إلى المعيشة المتنقلة كما يفعل الأعراب٣. كما أن المسافة بين اليمن والشام كانت عامرة بالقرى زاخرة بالحياة، حتى إن المسافر لم يكن في حاجة إلى التزود ٤، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك في حديثه
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٩٧ وانظر عن تغيير المناخ ١. Hnzayyin، Aradia and the far East. P.P٢-٤ ٢ Op. Cit. P.٥ ٣ البلدان ١٥/ ٣٣٨. ٤ الإصطخري ٢١.
[ ١٨ ]
على السبئيين: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ] ١. وهناك أمثلة تاريخية كثيرة ذكرت عن أقوام هلكت كعاد وثمود وأصحاب الأيكة٢، ومدن ذكرها الكتاب اليونانيون والرومان لم يبق لها أثر، وكتابات عثر عليها السياح في مواضع صحراوية مهجورة٣. كل ذلك يدل على مدى التغيير الذي طرأ على بلاد العرب -سواء أكان من الناحية المناخية أم من الناحية الجيولوجية ٤- فأدى إلى مقاومة الحضارة، ومنع نشوء المجتمعات الكبرى بها، وحول أراضيها إلى بقاع صحراوية، وطبع الحياة فيها بطابع الرحلة والانعزالية الاجتماعية والسياسية. ويميل كثير من السياح وعلماء طبقات الأرض الذين جابوا أنحاء شبه الجزيرة إلى تأييد القول بظهور الجفاف في الألف الثاني قبل الميلاد٥.
_________________
(١) ١ تفسير النسفي ٣/ ٢٤٧. ٢ القرآن الكريم: الفجر: ٦- ٩. الأعراف: ٣٣-٧٩. الشعراء: ١٤١-١٥٩الشمس:١١-١٥. ٣ جواد علي: ١/ ١١٥. ٤ Huzyyin، oit. P.٥ ٥ جواد علي: نفسه.
[ ١٩ ]
*
أقسام شبه الجزيرة العربية
قسم العرب جزيرتهم تقسيمًا مسايرًا لطبيعتها الجغرافية إلى خمسة أقسام، وهي: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن. وزاد الإصطخري وابن حوقل ثلاثة أصقاع هي بادية العراق، وبادية الجزيرة، وبادية الشام١.
ويجمل الهمداني أقوال الجغرافيين العرب عن هذا التقسيم فيما يلي:-
فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزولها وتوالدوا فيها على خمسة أقسام عند العرب في أشعارها وأخبارها: تهامة - الحجاز- نجد- العروض- اليمن. وذلك أن جبل السراة، وهو أعظم جبال العرب وأذكرها، أقبل من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام، فسمته العرب حجازًا؛ لأنه حجز بين الغور وتهامة وهو هابط، وبين نجد
_________________
(١) ١ الإصطخري: ٢٠- ٢١. القلشقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٢٤٥.
[ ١٩ ]
وهو ظاهر. فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وكنانة وغيرها، ودونها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبها وغار من أرضها: الغور؛ غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله. وصار ما دون ذلك الجبل من شرقيه من صحاري نجد إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها: نجدًا، ونجد تجمع ذلك كله.
وصار الجبل نفسه سراته، وهوالحجاز، وما احتجز به في شرقيه من الجبال وانحاز إلى ناحية فيد والجبلين إلى المدينة، وراجعًا إلى أرض مذحج من تثليث وما دونها: حجازًا، والحجاز يجمع ذلك كله.
وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما: العروض، وفيها نجد وغور لقربها من البحر، وانخفاض مواضع منها ومسايل أودية فيها، والعروض يجمع ذلك كله.
وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء، وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان، وما يلي ذلك: اليمن، وفيها التهائم والنجد. واليمن تجمع ذلك كله.
هذا إجمال تقسيم الجزيرة تقسيمًا طبيعيًّا كما يراه جغرافيو العرب. والقسم الذي يهمنا الحديث عنه في هذا البحث هو الحجاز؛ ولذلك نعرض له بشيء من التفصيل:
_________________
(١) ١ الهمداني: صفحة ٤٧- ٤٨.
[ ٢٠ ]
الحجاز
يقول الجغرافيون العرب: إن الحجاز هو الجبال الحاجزة بين الأرض العالية نجد وبين الساحل الواطئ تهامة، فهو إذن الجبال الممتدة من خليج العقبة إلى عسير. لكن اسم الحجاز في العرف يشمل تهامة أيضًا، وقد عد بعض العلماء تبوك وفلسطين من أرض الحجاز١. طول الحجاز من الشمال إلى الجنوب حوالي ٧٠٠ ميل، وعرضه من الشرق إلى الغرب ٣٥٠ ميلًا٢. وتعد جبال السراة العمود الفقري لشبه جزيرة العرب. ويجعلها الجغرافيون العرب قاعدة لتقسيماتهم، كما أشرنا من قبل، وتتصل السلاسل بسلسلة جبال الشام المهيمنة على البادية، وبعض قمم هذه الجبال الحجازية
_________________
(١) ١ البلدان: ٣/ ٢١٨ "مطبعة السعادة بالقاهرة". ٢ وهبة: ١٤.
[ ٢٠ ]
مرتفعة وقد تتساقط الثلوج عليها كجبل دباغ الذي يرتفع ٢.٣٠٠ م عن سطح البحر. وجبل وتر، وجبل شيبان. وتنخفض هذه السلاسل عن دنوها من مكة فتكون القمم في أوطأ ارتفاع لها، ثم تعود بعد ذلك للعلو، فتصل في اليمن إلى مستوى عال حيث تتساقط الثلوج على قممها١. ومن جبال الحجاز الجبال الواقعة في منطقة الطائف ومكة والمدينة، وجبال الطائف يبلغ علوها ستمائة متر، وجبل كَرَا في الطريق بين مكة والطائف ويبلغ علوه مائتي متر. وجبل رضوى بين المدينة وينبع ويرتفع إلى مائتي متر، وقد قال عنه ياقوت: إنه جبل منيف ذو شعاب وأودية، وإنه كثير المياه والأشجار٢. وقد ذكر الشعراء جبل رضوى كثيرًا. واتخذه العرب مثلًا للعزة والرسوخ٣.
أما منطقة السهول الواقعة بين جبال السراة والبحر الأحمر فهي سهول ضيقة في الغالب، تعرف بتهامة، تتغير في الاتساع من الجنوب إلى الشمال، فتكون عند اليمن حوالي ٤٠ ميلًا، ثم تأخذ في الضيق حتى تبلغ أقصى ضيق لها عند العقبة٤، وهذه السواحل حارة رطبة في الغالب غير صحية في بعض الأماكن ٥. ويطلق على أقسام التهائم الغور، أو السافلة لانخفاض بقاعها ٦، ويقال القسم الشمالي من الحجاز أرض مدين وحَسْمى نسبة إلى سلسلة الجبال المسماة بهذا الاسم ٧. وهو ما يلي أيلة إلى الجنوب، وتتخللها أودية محصورة بين التيه وأيلة من جهة، وأرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل بقرب خيبر من جهة أخرى. وكانت تسكنها في الجاهلية قبائل جذام ٨.
_________________
(١) ١ حتى: ٢١. الواسعي: تاريخ اليمن: ٨٠. ٢ البلدان: ٩/ ٥١ الإصطخري: ٢٥. ٣ قال حسان: لنا حاضر نعم وماض كأنه شماريخ رضوى عزة وتكرما وقال أبو العلاء: وقد نطحت بالجيش رضوى فلم تنل ولزت برايات الخميس قباء ٤ Twitchell. op. cit. P. ١١ ٥ Ibid. p. ١٤ ٦ البلدان: ١٤/ ٢١٧، ٥/ ٦٣. ٧ البلدان: ٧/ ٢٥٨- ٢٥٩. ٨ نفس المصدر.
[ ٢١ ]
أودية الحجاز:
وفي الحجاز أودية تسيل من الحرار صوب الشرق والغرب إلى نجد من ناحية. وتهامة فبحر القلزم -البحر الأحمر- من ناحية أخرى. وأعظم أودية الحجاز وادي إضم، ويسمى اليوم وادي الحمض الذي سبق الإشارة إليه؛ وهو يسيل من الجنوب الشرقي لحرة خيبر، ويسير نحو الجنوب الغربي حتى يقارب يثرب. حيث تتصل به أودية فرعية منها وادي العقيق، ويتصل به كذلك وادي القرى، وهو يستمد مياهه من السيول التي تنحدر إليه من العيون التي عند خيبر، ثم يتجه غربًا حيث يصب في البحر الأحمر جنوب قرية الوجه١. وعند هذا المصب بقايا قرية يونانية قديمة وبقايا معبد يعرف عند الأهالي باسم: كصر كريم٢ وهي من بقايا المستعمرات اليونانية التي اتخذها التجار اليونانيون عند ساحل البحر لحماية سفنهم من القرصان وللاتجار مع الأعراب، ولتموين سفنهم بما تحتاج إليه من ماء وزاد. ويبلغ طول وادي الحمض زهاء ٩٠٠ كيلو متر٣.
ويبدأ وادي الرُّمة بالحجاز عند حرة فدك من التقاء بضعة أودية، ثم يتجه نحو الشرق حتى يصل إلى القصيم. ويبلغ طوله أكثر من ٩٥٠ كيلو مترًا ٤.
ومن أودية الحجاز وادي الصفراء، وهو واد كثير النخل والزرع في طريق الحاج سلكه رسول الله -ﷺ- غير مرة، وبينه وبين بدر مرحلة، وعليه قرية الصفراء، وهي قرية كثيرة النخل والزرع وماؤها عيون تجري إلى ينبع، وهي لجهينة والأنصار ولبني فهر ونهد ورضوى ٥.
ووادي القرى واد مهم يقع بين تيماء وخيبر؛ ويمر به طريق القوافل القديم الذي كان شريانًا من شرايين الحركة التجارية في العالم القديم، ويقال له وادي الديدبان ٦.
_________________
(١) ١ البلدان: ٢/ ٢١٥، ٧/ ٣٠٥. وهبة: Twitchell. op. cit p.١١ ٢ عن جواد علي: ١/ ١٠٠. Morits، S، ٢٣ ٣ Ibid. ٢٤. ٤ البلدان: ٩/ ٧٢، ويقال له بطن الرمة. وهبة: ٢٠. الهمداني: ١٤٤. ٥ الهمداني: ١٤٤ البلدان: ١٢/ ٤١٢. وهبة: ١٥. ٦.Daughty، op. oit.vol.l،P، ١٨٩
[ ٢٢ ]
وكان عامرًا جدًّا تكثر فيه المياه، وتشاهد فيه إلى اليوم آثار المدن والقرى١، التي كانت متصلة على طول الطريق من سبأ إلى الشام٢، وقدعثر فيه على كتابات كثيرة لِحيانية ومعينية وسبئية وغيرها٣.
_________________
(١) ١ البلدان: ١٥/ ٣٣٨، ١٩، ٣٤٥. ٢ انظر الآية ١٨ من سورة سبأ. ٣ جواد علي: ١/ ١٣٠.
[ ٢٣ ]
مدن الحجاز:
ويشتمل الحجاز على مدن وقرى كثيرة أهمها مصرًا بلاد العرب: مكة والمدينة أويثرب، كما توجد به الطائف وخيبر، ووادي القرى.
والاعتبارات الجغرافية والاقتصادية هي التي ساعدت على نشوء هذه المدن الحجازية فالحجاز -كما قلنا- إقليم جبلي مساير للبحر الأحمر من الجنوب إلى الشمال، من اليمن إلى فلسطين، وكان يمر به أحد طريقي التجارة البريين الهاميين بين الشرق والغرب مبتدئًا من مواني اليمن مخترقًا تهامة والحجاز، مارًّا بمكة ويثرب. حتى يصل إلى أيلة على خليج العقبة، ثم مواني البحر المتوسط. والتجارة بين الشرق والغرب هامة جدًّا وضرورية، وذلك لاختلاف المناخ بين أقطار الشرق الهندي والغرب الأوربي، مما استتبع اختلاف الغلات وحاجة كل منهما إلى منتجات الآخر، وفي هذا نجد سر الأهمية الكبيرة التي اتفقت لِتَدْمُر المدينة القديمة الواقعة في البادية، فكانت تحمي القوافل وتضمن سلامة المواصلات١. وأصبح العرب، بعد أن خرب الرومان تدمر، سادة مطلقين لتلك الطرق بالتدريج، وقد أعانهم معرفتهم بالبادية ودروبها وتعودهم الحياة فيها، على أن يتصرفوا تصرف السادة في تلك البقاع بلا منازع، كما مكنتهم تربيتهم للإبل -وهي الحيوان الوحيد القادر على السير في الصحراء مدة طويلة- من نقل المتاجر والقيام على تنظيم القوافل؛ والإبل معروفة منذ أقدم الأزمنة التاريخية
_________________
(١) ١ جورج فضلو: الملاحة في المحيط الهندي: ٥٨.
[ ٢٣ ]
في الجزيرة العربية؛ فقد وجدت رسومها على النقوش١. وتحدثت عنها التوراة٢. وتنظيم القوافل استتبع اتخاذ محطات ومنازل لإراحتها وتزويدها بما تحتاج إليه من ماء. ومن البديهي أنه عندما تريد قافلة أن تنزل لتريح دوابها، لابد أن تختار مكانًا مناسبًا يتوافر فيه الخصب والماء لتجد الإبل ما تطعمه ولتتزود القافلة بالماء، كذلك يتوفر فيه حصانة الموقع حتى تطمئن إلى حراسة الأموال والتجارة التي معها. وعلى مر الزمن صارت محطات هذه القوافل ومنازلها مدنًا شيئًا فشيئًا، وكانت أغلب هذه المدن في الحجاز، وأهمها:
_________________
(١) ١ انظر جواد علي ج١ النقش بين صفحتي ٣٩٢- ٣٩٣، ج٢٠ بين ص ٢٩٨- ٢٩٩، ٣٠٢- ٣٠٣. ٢ التوراة: سفر القضاء إصحاح: ٥-٦.
[ ٢٤ ]
مكة:
وتقع في واد على شكل سهل منبسط محاط بجبال ذات شعاب١ تحيط بالوادي إحاطة كاملة. وقد أغنت على مر الزمن عن بناء سور لحماية المدينة. فمن الممكن للقافلة التي تنزل في هذه البقعة أن تتحصن في هذه الشعاب بواسطة حراسها، كما يوجد بها بئر يستقي منه المسافر وهو بئر زمزم. وبمكة وجد البيت الحرام الذي عاصر أولية هذه المدينة بل إنه -كما تقول الروايات- هو أول بناء فيها، وقد أكسبها حرمة وقدسية وجعلها مهوى أفئدة العرب جميعًا، الأمر الذي ضمن لها التفوق على غيرها من مدن الحجاز. وإذن فكل ما تتطلبه القافلة المسافرة في بلاد قاحلة متوافر فيها.
_________________
(١) ١ الإصطخري: ٢١. البلدان ١٨/ ١٨١- ١٨٨. وهبة: ٢٣.
[ ٢٤ ]
الطائف:
وتقع على بعد خمسة وسبعين ميلًا إلى الجنوب الشرقي من مكة، على ربوة عالية يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر خمسة آلاف قدم، على ظهر جبل غزوان١. وتحف بها وديان كثيرة تسيل فيها المياه في موسم الأمطار، وحولها عيون وآبار كثيرة، وهي خصيبة تنبت الأشجار والفواكه والحبوب إلى الوقت الحاضر، كما أن جوها لطيف بالنسبة لعلوها، فاعتدال الجو وخصوبة التربة حببا إلى المسافر أن ينزل فيها وإلى المستعمر أن ينتجعها.
_________________
(١) ١ البلدان: ١٣/ ٩ الإصطخري: ٢٤ وهبة: ٣٥.
[ ٢٤ ]
يثرب:
وتقع على بعد ثلاثمائة ميل إلى الشمال من مكة، كما تبعد ينبع عن مينائها على البحر الأحمر مائة وثلاثين ميلًا١. وهي في أرض بركانية بين حرتين، وقد اشتهرت بالخصب والنماء، وفي شمالها جبل أحد. ومن أوديتها وادي العقيق الذي تصب فيه مياه عذبة، كما أن المزارع تحيط بها من جميع الجهات ماعدا الجهة الغربية٢ والمسافر يجد فيها كما يجد المقيم حاجته من زاد وأمن.
ونحن لا نستطيع تحديد أولية هذه المدن فهي من أقدم العصور، ولا شك أن التجارة كان لها شأن كبير في إقامة هذه المدن وظهورها، وخاصة مكة التي تعتمد اعتمادًا كليًّا في حياتها على ما يجلب لها من الخارج لعدم وجود الزراعة بها، فموقع الحجاز بين الشام واليمن، وكونه ممرًّا واستراحة للقوافل، ساعد على أن تقوم به هذه المدن التجارية. وفي أجزاء كثيرة من العالم، في أوربا وأفريقيا وآسيا عرف التاريخ مدنًا قامت للتجارة، وكانت كل مدينة من هذه المدن ذات نظام سياسي مستقل، عرف في التاريخ باسم الدول المدينية.
وأظهر مثل لهذه الدولة المدينية، المدن اليونانية في التاريخ القديم، والمدن الإيطالية في العصور الوسطى مثل: جنوه، والبندقية، وفلورنسة.
وكانت مكة والمدينة -يثرب- من هذا النوع من المدن. وكانت مكة لموقعها المتوسط بين الشام واليمن٣، وعلى طريق التجارة، مركزًا هامًّا جدًّا، بل إنها في القرن السادس الميلادي كانت أهم المراكز التجارية في شبه جزيرة العرب٤، وأما المدينة -يثرب- فلا بد من أنها كانت منافسة لمكة لوقوعها على نفس الطريق، غير أن وحدة السكان في مكة ووجود البيت الحرام بها، جعلها أقدر من يثرب على التفوق التجاري والثقافي وأظهر في التنظيم الإداري -كما سوف نبين فيما بعد- وإن كانت
_________________
(١) ١ البلدان: ١٧/ ٨٢- ٨٨. الإصطخري: ٢٣. وهبة: ١٦.،Twitchsll op. cit، p.١٢ ٢ البتنوني: الرحلة الحجازية: ١٦١. ٣ البلدان: ١٨/ ١٨٧. ٤ Husayyin، op. cit. p. ١٤٢- ١٤٣
[ ٢٥ ]
يثرب تتفوق من الناحية الزراعية لوجود زراعات حولها تعتمد على العيون الكثيرة١، على أن المدينتين غير قادرتين بمواردهما الخاصة على إعاشة سكانهما؛ فهما يجلبان الميرة من المدينتين الواقعتين على ساحل البحر الأحمر والصالحتين لتكونا مرأفين لهما، وهما ينبع ميناء المدينة وجدة ميناء مكة.
_________________
(١) ١ البلاذري: فتوح البلدان: ١/ ١٢- ١٦.
[ ٢٦ ]
المناخ:
وتختلف مناطق الحجاز من الناحية المناخية، كما تختلف من الناحية الطبيعية؛ فهناك مناطق جدباء شديدة الحرارة شحيحة المياه، محاطة بالجبال يعيش أهلها على ما يجلب إليها من الرزق جلبًا من الخارج، ومن هذه المناطق منطقة مكة التي تقوم في واد غير ذي زرع١ والتي كانت تعتمد في حياتها على ما يجلب إليها من الخارج، وكان أهلها يرون في حرمة البيت الحرام الذي يقوم فيها، وهوى أفئدة الناس إليهم، سبب معاشهم وأمنهم وحرمتهم؛ ولذلك لم يسرعوا إلى متابعة محمد -ﷺ- لما بعث فيهم نبيًّا يدعو إلى الإسلام، مخافة حرمانهم من هذه الميزات التي يستمتعون بها ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص] .
كما أنها كانت شديدة الحرارة يهرع أهلها إلى الظلال وإلى أكنان الجبال التي تحيط بها يحتمون بها من الحر٢، وهذا ما أعطى أهمية كبرى لجبال مكة. كذلك كانت مكة شحيحة المياه، وهذا ما جعل مهمة السقاية، وهي توفير الماء للحجاج، فضيلة عظيمة في نظر أهلها٣، وهذا يجعلنا ندرك الحفاوة البالغة التي أسبغت على رواية حفر بئر زمزم بها٤.
_________________
(١) ١ انظر الآية ٣٧ من سورة إبراهيم. ٢ انظر الآية ٨١ من سورة النحل. ٣ انظر الآية ١٩ من سورة التوبة. ٤ ابن هشام: ١/ ١٢١- ١٢٣، ١٤٥- ١٦٤.
[ ٢٦ ]
على أنه كانت هناك أجزاء أخرى تجود فيها التربة وتنزل الأمطار التي قد يبلغ من غزارتها أن تتوالى الصواعق وتتهدم البيوت١ وتخرب الطرق. وتنبت من كل زوج وصنف من الزروع والأشجار، وقد تحدث القرآن الكريم في آيات عديدة منوهًا بما ينزل الله من الأمطار ويفجر من العيون، وما ينبت من الزروع والأشجار من أعناب ونخيل ورومان وزيتون وحبوب وكلأ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ ٢ [الأنعام] وهذه الآيات يوجهها القرآن ويخاطب بها أهل الحجاز بل وأهل مكة في الدرجة الأولى، وهي تشير إلى ما كان في الحجاز نفسه، وفي الأنحاء المجاورة لمكة بنوع خاص، من مناطق تجود فيها التربة وتغزر الأمطار وينبت الزرع والأشجار، والآيات وإن لم تعين هذه المناطق كما عينت منطقة مكة بالبيت الحرام، فإنها معينة واقعيًا وهي الطائف وأرباضها، والوديان التي بين مكة وجدة، ويثرب٣ وأرباضها، فهذه المناطق لا تزال تحتفظ إلى الآن بكثير من الينابيع٤ والوديان وتتمتع بخضرة السهول وجنات النخيل والأعناب ومختلف الفواكه والزروع.
إلا أن الجفاف الذي لحق بلاد العرب جميعًا -والحجاز منها- قد جعل أغلب أراضيها صحراء جرداء، وباعد بين مراكز الاستقرار بها. وقد أثر ذلك تأثيرًا كبيرًا على الحياة الاجتماعية، والسياسية في شبه الجزيرة العربية، وعاق نشر المجتمعات الكبرى بها، ومن ثم اعتمدت في حياتها السياسية والاجتماعية على النظام القبلي، سواء في البادية، أو في البلاد التي قامت بها ممالك وحكومات منظمة، أو في المدن السياسية City states التي نشأت على طرق التجارة مثل مكة والمدينة، وأصبحت القبيلة هي وحدة المجتمع العربي بوجه عام.
_________________
(١) ١ البخاري ٤/ ١٩٥ الأغاني ٢/ ٣٢٣، ٣٢٧. هيكل: في منزل الوحي: ٤١٣. ٢ وانظر أيضًا: الأنعام: ١٤١، والنحل ١٠، ١١ والمؤمنون ١٨، ١٩، والروم ٤٨- ٥١، ويس ٣٣- ٣٤، وق ٧- ١١، والواقعة ٦٣- ٧٠، وعبس ٢٤- ٣٢. وكل هذه الآيات مكية. ٣ عن الطائف انظر البلدان ١٣/ ٠٩ عن يثرب ١٧/ ٧٢ وما بعدها. ٤ البلاذري ١/ ١٦، ١٧ انظر عن خصب مكة: أسد الغابة١/ ١٠١.
[ ٢٧ ]
القبيلة العربية
مدخل
الفصل الثاني: القبيلة العربية
لم تكن بلاد العرب قبل ظهور الإسلام دولة عربية بالمعنى الذي نفهمه الآن من الدولة، فإن الدولة State من حيث هي نظام منفصل عن الجماعة ومستقل عنها في وظيفته؛ ومن حيث إن لهذا النظام سلطانًا يخضع له الناس، لم يكن موجودًا في بلاد العرب. وإنما كانت الدولة عندهم هي الجماعة في جملتها، ولم تكن هيئة لها نظامها الخاص ولا كانت لها أرض محددة، فليس هناك موظفون يدبرون شئون الجماعة بالمعنى الذي نعرفه في الدولة، بل كان هناك كيان اجتماعي طبيعي بالغ درجة النماء عرف باسم القبيلة يقوم فيه رؤساء العشائر والبطون برعاية شئون الجماعة، ويذكر الرحالة دوتي Daughly أنه رأى في أهل البادية في هذا القرن العشرين من لا يصور الدولة إلا على أنها قبيلة ويقيس قوتها بما تملك من الإبل١.
وكذلك الحال بالنسبة للمدن، فلم تكن المدينة Polis هي الوحدة السياسية كما كان الحال عند اليونان. بل كانت القبيلة هي هذه الوحدة مثل قريش في مكة وثقيف في الطائف، وقد جرى عرف العرب على الانتساب إلى القبائل لا إلى المدن، بل لم يعرف الانتساب إلى المدن إلا في القرن الثاني للهجرة.
أما مفهوم الأمة عندهم، فلم تكن تتميز عن الأسرة إلا أنها أكبر، وكانت اللُّحمة التي تؤلف بين أفرادها هي نفس اللحمة التي تربط بين أفراد الأسرة ونعني لُحمة الدم، فكانت وحدة الجماعة تقوم على تقديس الدم، وعلى تقديس هذه اللحمة تقديسًا تلقائيًّا دون حاجة إلى قوة من خارج تقهر الجماعة على التماسك، وكان الاشتراك في النسب،
_________________
(١) ١.Danghty، oppcit. Vol. I. P. ٢٣٠
[ ٢٩ ]
أو الاعتقاد بهذا الاشتراك -وهما من حيث النتائج العملية شيء واحد- بمثابة الروح التي تجعل القبيلة كالجسد الحي١.
وقد وجد نظام حضري تام في أطراف الجزيرة العربية. فقد قامت ممالك اليمن في الجنوب، كما قامت مملكة الحيرة في الشمال الشرقي، ومملكة غسان في الشمال الغربي، لكن القبيلة كانت وحدة النظام السياسي والاجتماعي في هذه الممالك، فلم تنصهر الجماعة فيها في شعب واحد كالشعب المصري أو الشعب الروماني مثلًا، وإنما ظلت القبائل وحدات قائمة متمسكة بكيانها.
من كل ذلك نرى أن الفكرة القبلية هي جوهر الحياة السياسية والاجتماعية، ثم ضاعت منها القوة السياسية، وظلت وحدة المجتمع العربي في الإسلام.
والقبيلة العربية مجموعة من الناس، كانت تؤمن بوجود رابطة تجمعهم تقوم على أساسين: من وحدة الدم، ووحدة الجماعة. وفي ظل هذه الرابطة نشأ قانون عرفي ينظم العلاقة بين الفرد والجماعة على أساس من التضامن بينهما في الحقوق والواجبات، وهذا القانون العرفي كانت القبيلة تتمسك به أشد التمسك في نظامها السياسي والاجتماعي على السواء.
_________________
(١) ١ انظر: فلهوزن: تاريخ الدولة العربية "ترجمة أبو ريدة" ص ٣-٤.
[ ٣٠ ]
النظام السياسي للقبيلة العربية
مدخل
النظام السياسي للقبيلة العربية:
كانت الروح الديمقراطية تسود المجتمع القبلي، فكان لكل قبيلة رئيس يقال له السيد أو شيخ القبيلة، وأحيانًا يطلقون عليه -تجوزًا- الأمير أو الملك. وهذا السيد تنتخبه القبيلة، ولكنه لم يكن انتخابًا بالمعنى المفهوم لدينا الآن؛ وإنما كان اختيارًا تلقائيًّا، فكل رجل في القبيلة فاق الآخرين في الفضائل التي منها الشجاعة والجود والغيرة وسعة الثروة وسداد الرأي وكمال التجربة مع كبر السن، يمكنه بهذه الصفات الممتازة الكفيلة بتحقيق مصالح القبيلة، أن يكون سيد قبيلته، وأن يكون الواجب أن
[ ٣٠ ]
يكون شيخ القبيلة من صريح نسبها، لنفور طباع العرب من أن يحكم في القبيلة أحد من غيرها١، وقد راعى النبي -ﷺ- ذلك حين كانت تأتيه وفود القبائل، فكان يسود على كل قبيلة رجلًا منها ويجعله عليها لامتناع طباعهم أن يسودهم غيرهم٢.
كما يجب أن يكون شيخ القبيلة من أقوى بطونها وأذكرها شرفًا وأكثرها عصبية، حتى يكون له من الانتصار بعصبيته والاعتزاز بهم ما يمكن له من الرياسة ومن إطاعة القبيلة له واحترامها لرأيه٣. فإذا مات هذا السيد أو فقد بعض الصفات انتقلت السيادة إلى الآخر الذي تكتمل له، وهذا معنى القول بأن القبيلة تختار سيدها.
وكما يتجلى المظهر الديمقراطي في اختيار شيخ القبيلة وهو رأس حكومتها، كذلك يتجلى في رقابة الجماعة على هذا الرئيس، وهذه الرقابة تتمثل فيما يسمونه مشيخة القبيلة، أو مجلسها الذي يجمع رجالها بفضائلهم الذاتية.
ولقد كانت مشيخة القبيلة هي الركن السامي حقًّا في نظام القبيلة العربية. إذ إن سلطة رئيس القبيلة كانت محدودة بواسطة هذا المجلس الذي يمثل الرأي العام في القبيلة.
وكانت مشيخة القبيلة تتألف من أصحاب الرأي فيها، وهنا نجد الكفاية والفضائل الذاتية هي المرجع، فشاعر القبيلة من أفراد هذا المجلس، بل هو في مقدمة رجاله، إذ إنه الذي يتغنى بمناقب القبيلة، ويرثي موتاها، ويهجو أعداءها، ويدفع عنها بلسانه، وسلاحه هذا أمضى من سلاح السيف وأفتك في الخصم من السهام٤؛ ولذلك كانت القبيلة تفرح إذا نبغ فيها شاعر وتعتز به وتحفظ شعره، وكانوا يجعلون موهبة الشعر من صفات الكمال، فالرجل إذا كان شاعرًا شجاعًا كاتبًا سابحًا راميًا دعي الكامل لوجود
_________________
(١) ١ ابن الأثير: أسد الغابة ١/ ١٣٦. ٢ نفسه: ١/ ١٨٣- ١٨٤. ٣ ابن خلدون: المقدمة ١٤٨- ١٥٠. انظر الضبي: المفضليات: القصيدة ١٠٤ حيث يقول معاوية بن مالك سيد بني كلاب: إني امرؤ من عصبة مشهورة حشد لهم مجد أشد تليد ألفوا أباهم سيدًا وأعانهم كرم وأعمام لهم وجدود ٤ انظر: أسد الغابة ٢/ ٤-٦.
[ ٣١ ]
هذه الخصال فيه١. وكذلك الخطيب، وهو لسان القبيلة في منافراتها ومناظراتها٢. ثم حكامها الذين يفصلون في الأقضية بين الناس ويحكمون بينهم إذا تشاجروا في الفضل والنسب والمواريث والدماء، وكان لكل قبيلة حكم أو أكثر؛ لأنه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فكانوا يحكمون أهل الشرف والصدق والأمانة والرياسة والسن والتجربة والمعرفة بالعرف، ثم كان من رجال المجلس الشجعان المشهورون بالفروسية. وبعض الأفراد من أصحاب المكانة كالكاهن والعراف والقصاص. هذا بالإضافة إلى شيوخ العشائر وكبار السن في القبيلة ممن اكتملت لهم تجارب الحياة. كل هؤلاء يمثلون مشيخة القبيلة، ومن اجتماعهم تكون السلطة التي يرجع إليها سيد القبيلة.
ولهذه الهيئة أندية٣ ومجامع للمداولة في شئون الحرب والسلم والفصل في الخصومات ودفع الديات وكل ما يهم القبيلة. وفي ذلك يقول مهلهل في رثاء كليب:
نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس
تكلموا في أمر كل عظيمة لو كنت حاضر جمعهم لم ينبسوا
ولم يكن لمجلس القبيلة موعد معين يجتمع فيه، وإن كانت العادة أنهم يجتمعون مساء في المنازل التي يحل بها رئيس القبيلة للسمر، وكلما دعت الضرورة إلى الاجتماع. ولم يصلنا شيء يذكر -ويا للأسف- من المناقشات التي كانت تجري في هذه المجالس القبلية؛ لأنه لم يكن هناك مدونات تسجل فيها أحاديث القوم ومناقشاتهم؛ لأن طبيعة هذه المجالس لم تكن تحتمل هذا. وإن كانوا يتناقشون ويتحاورون في كل ما يهمهم، وكثيرًا ما كان يخطب الخطباء، أو ينشد الشعراء قصائدهم التي نظموها، وفي أثناء ذلك يدلي سادتهم بحكمهم وتجاربهم في الحياة، وهذا يجعلنا نتصور مقدار ما كان لهذه المجالس من وقار ومنزلة كبرى يقضي بها العرف. وإلى ذلك يشير زهير بن أبي سلمى إذ يقول في مدح هرم بن سنان٤:
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ٢٥. ٢ اليعقوبي ١/ ٢١٤، ٢١٧. ٣ النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم: ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥/ ٢١٠، وانظر سورة مريم ٧٣. النمل ٢٩- ٣٢. العنكبوت ٢٩. ٤ ديوان زهير "طبع دار الكتب" ١١٣.
[ ٣٢ ]
وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
وكانت قرارات هذه المجالس نافذة؛ فجميع أفراد القبيلة في الغالب يذعنون لها ولا يشذون عليها.
كما أن القيد الثاني الذي يحد من سلطة رئيس القبيلة هو أن الرياسة لم تكن وراثية، وإنه لمن النادر أن تجد في قبيلة بقاء السيادة في ثلاثة أفراد متعاقبين، ويفلسف ابن خلدون هذا الوضع فيقول: إن الرياسة تأتي من قوة العصبية وشرف النسب والخلال الكريمة. وهذه خلال تضعف من الابن إلى الحفيد، حتى إذا كان الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها، وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو أمر موجب لهم منذ النشأة بمجرد انتسابهم، فيربأ بنفسه عن أهل عصبته ويرى الفضل له عليهم، وثوقًا بما ربى فيه، وجهلًا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال التي منها التواضع لهم والأخذ بمجامع قلوبهم، فيحتقرهم بذلك؛ فينتقضون عليه ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب١. وإلى ذلك يشير عامر بن الطفيل أحد سادات العرب في الجاهلية٢:-
وإني إن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
وشيخ القبيلة هو الذي يقودها في حروبها، ويقسم غنائمها، ويستقبل وفود القبائل الأخرى، ويعقد الصلح والمحالفات، ويقيم الضيافات؛ ولذلك كان لا بد من أن تتوافر فيه صفات الشجاعة والكرم والنجدة وحفظ الجوار وإغاثة المعوز والضعيف، ولابد من أن يتحمل أكبر قسط من جرائر القبيلة وما تدفعه من ديات، كما كان عليه أن يصلح ذات البين فيها ويلم شعثها ويعمل على حفظ وحدتها، مستعينًا في
_________________
(١) ١ ابن خلدون: المقدمة ص ١٥٣- ١٥٤. ٢ المسعودي: مروج الذهب٢/ ٥٥ "طبع القاهرة ١٩١٨".
[ ٣٣ ]
ذلك بشيوخها وأصحاب الشرف فيها، وجريًا على مبدأ ممارسة السلطان ممارسة جماعية، ودون أن تكون لديه هيئة إدارية أو تنفيذية أو قضائية. كما يجب أن يكون حليمًا متسامحًا. وهكذا نرى أن شيخ القبيلة ليس ملكًا متسلطًا عليها، بل هو أب أكبر لكل أفرادها. وإلى ذلك يشير معاوية بن مالك سيد بني كلاب ١:
نعطي العشيرة حقها وحقيقها فيها، ونغفر ذنبها ونسود
وإذا تحملنا العشيرة ثقلها قمنا به، وإذا تعود نعود
وإذا نوافق جرأة أو نجدة كنا، سمي بها العدو نكيد
بل لا نقول إذا تبوأ جيرة إن المحلة شعبها مكدود
وللزعماء في هذه المجالس القبلية أثر خطير في الحياة، فبحنكتهم السياسية وبحكمتهم وكفايتهم تقرر الأمور، ورب كلمة من زعيم أو هفوة منه تثير حربًا أو تسبب كارثة له ولقبيلته أو للحلف الذي يتزعمه؛ ذلك أن أعصاب رجال البادية مرهفة حساسة تثيرها الكلمة ولا سيما إذا كانت تتعلق بالشرف والجاه.
وشيخ القبيلة إذا كان ضعيفًا أثر ضعفه في قبيلته، وإذا كان قويًّا أثرت قوته في القبيلة، وقد تقوم الزعامة بما تعجز عنه الكثرة وبما ينوء به عدد القبيلة؛ ولهذا تكون مكانة القبيلة أو الحلف بمكانة الرئيس، ولهذا أيضًا نجد قبائل تظهر فجأة فتجتاح القبائل الأخرى وتتزعمها، ونجد قبيلة تتضاءل وتنهار فجأة فتتجزأ وتذوب أو تذبل؛ لأن زعيمها ضعيف الشخصية خائر القوى٢.
ولشيخ القبيلة حقوق أدبية ومادية، فأما الأدبية فأهمها توقيره واحترام شخصه ورأيه٣، كما أنه له الإمرة العامة على الجند. أما حقوقه المادية، فقد كان له في كل غنيمة تغنمها القبيلة المرباع وهو ربع الغنيمة، والصفايا وهو ما يصطفيه لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، والنشيطة وهو ما أصيب من مال العدو قبل اللقاء، وكذلك
_________________
(١) ١ المفضليات: القصيدة ١٠٤ ص١٥٥. ٢ جواد علي: ٤/ ٢١٥- ٢١٦. ٣ ابن خلدون: المقدمة ص ١٤٣.
[ ٣٤ ]
الفضول وهو ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة. وقد أجمل ذلك عبد الله بن عنمة الضبي في رئاسة بسطام بن قيس سيد شيبان:
لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
وهذه كلها حقوق الرياسة في الجاهلية١. كما كان العزيز منهم ينفرد بالحمى لنفسه كما فعل كليب بن ربيعة سيد بني تغلب٢.
على أن المظهر السياسي للقبيلة يظهر في الحرب أكثر من ظهوره في السلم؛ فالقبيلة تعيش متفرقة بمراعيها وحالتها الخاصة، إلى أن تشتبك مع قبيلة أخرى في حرب، وهنا يتجلى المظهر السياسي؛ فإن عشائرها وبطونها تتجمع كلها تحت لواء واحد، كما تجتهد في أن تجد لها حلفاء من القبائل الأخرى؛ لتتقوى بهم على عدوها، لذلك كانت الحرب هي مظهر الحياة السياسية بين القبائل لما تتطلبه من جهود خاصة وتبعيات تجعل كل أفراد القبيلة يشعرون بحاجتهم إلى التجمع والتضامن، ولما يلابسها من أحداث سياسية خاصة توجب اتصال القبيلة بغيرها من القبائل.
_________________
(١) ١ ابن الأثير: الكامل ١/ ٣٧٥ وحاشيتها. العقد الفريد ٥/ ٢١٣ الآلوسي ١/ ٢٩٣. ٢ العقد الفريد: ٥/ ٢١٣- ٢١٤. الأغاني ٥/ ٣٤ - ٦٤ الآلوسي ٢/ ٣١- ٣٦.
[ ٣٥ ]
التشكيل الاجتماعي للقبيلة العربية:
كانت القبيلة العربية وحدة الحياة الاجتماعية كما كانت وحدة الحياة السياسية. وكانت كل قبيلة تؤمن بوجود رابطة تجمع بين أفرادها على أساس من وحدة الدم ووحدة الجماعة. وفي ظل هذه الرابطة وفي ظل القانون العرفي الذي نشأ على أساسها: انقسم المجتمع القبلي إلى طبقات اجتماعية ثلاث:
١- طبقة الأحرار أبناء القبيلة الصرحاء١: وهم الذين يجمع بينهم الدم الواحد والنسب المشترك.
٢- طبقة الموالي: وهم من انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار من غير أبنائها عن طريق الجوار أو الحلف أو العتقاء من الأرقاء فيها.
_________________
(١) ١ العقد الفريد: ٥/ ٢٢٩.
[ ٣٥ ]
٣- طبقة الأرقاء: وهم المجلوبون عن طريق الشراء، أو أسرى الحروب.
ولكل من هذه الطبقات منزلته في السلم الاجتماعي، فنحن أمام مجتمع طبقي تفصل بين طبقاته حدود واضحة.
طبقة الأحرار الصرحاء:
وهي الطبقة التي يعتبر أفرادها بنية القبيلة: فهم أبناؤها الذين يجمعهم نسب واحد ودم مشترك لم تلحقه هجنة. وكانت هذه الطبقة تتمتع بحقوق مدنية كثيرة، يقابلها كثير من الواجبات، نظمها القانون العرفي على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة، فالحر يتمتع بحماية القبيلة حيًّا وميتًا، فهي المسئولة عن أي جريرة يرتكبها أحد أبنائها، وعليها واجب الانتصار له مظلومًا، والوقوف إلى جانبه ظالمًا، وكان يكفي أن يستغيث فإذا السيوف مصلتة والرماح مشرعة، وإذا الدماء تتصبب لأقل الأسباب:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانَا١
وهكذا تسبغ القبيلة حمايتها كاملة عليه حيًّا، أما حمايته ميتًا، فإنها تأخذ بثأره إذا قتل ولا تترك دمه يطل٢: كما أن للحر أن يتصرف في بعض شئون القبيلة، وتقر القبيلة هذا التصرف، وكان أهم حق له في هذه الناحية هو حق الإجارة، وهو أبرز حقوق المواطنة في القبيلة العربية وأخطرها، إذ إنه يدخل في القبيلة أفرادًا ليسوا منها فيلحقهم بها ويحملها تبعاتهم، فكل حر في القبيلة أجار رجلًا آخر من قبيلة أخرى أو من قبيلته، يتعين على القبيلة أن تقر ذلك: ولو كان المجير صغيرًا أو كان امرأة ما دام من صميمها٣. ويصبح لهذا الجار ما لأفراد القبيلة من حقوق، كما أن عليه ما عليهم من واجبات، وكانت حماية هذا الجار فرضًا على القبيلة كلها، تدافع عنه وتقاتل طلبًا لثأره كما تقاتل طلبًا لثأر الصريح منها، وكان يبلغ بها الأمر أن تُقيد من القاتل حتى وإن كان من صرحائها٤، أو تأخذ منه الدية٥، على أن الناس كانوا يعرفون
_________________
(١) ١ ديوان الحماسة ١/ ٥. ٢ نفسه ١/ ٣٤٢. ٣ ابن هشام ٢/ ٢٣- ٢٤. العقد الفريد ٥/ ١٧٢. ٤ الأغاني: ٣/ ٤٩- ٦٠. ٥ البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٧٣- ٧٤.
[ ٣٦ ]
أقدارهم؛ فلا يجيرون إلا إذا كانوا قادرين، فإنهم يعلمون أنه قد يجر إلى إثقال كاهل القبيلة بمسئوليات ضخمة منها فقد المال والعرض والحياة١. كما أن العرب الأحرار في القبيلة كانوا يستطيعون الانتقال من قبائلهم إلى قبائل أخرى يجاورونها، بخلاف الرقيق الذي كان مملوكًا ليس له حرية التصرف في نفسه.
وإزاء تلك الحقوق التي يتمتع بها الحر، فإن عليه أن يتضامن مع قبليته، ويعمل من أجلها، ولا يتصرف إلا في حدود النطاق الجماعي الذي يحفظ عليها وحدتها، فلا يخرج على إجماعها، ولا يحملها ما لا تطيق، وعليه من أجل ذلك أن يرفع من إحساسه بالرابطة الجماعية وأن يهدر في سبيلها كل نزعة فردية أو انفصالية من نفسه؛ فهو يضحي لها بنفسه كما يضحي بماله فهي حياته وكيانه، وهو مع اعتزازه بشخصيته وحريته، يعيش لها وتحت إطارها٢، وخير مايصور ذلك قول دريد بن الصمة٣:
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت غويت؛ وإن ترشد غزية أرشد
فإذا حدث لسبب من الأسباب أن تصرف في انفصالية فردية خارج ذلك النطاق الجماعي، أو سلك سلوكًا معيبًا من شأنه أن يسيء إلى سمعة القبيلة بين القبائل، كان من حق القبيلة أن تتحلل من العقد الاجتماعي القائم بينه وبينها، فتهدر حقوقه عليها وتتخلي عن حمايته ونصرته، فتطرده من حماها، وتعلن بين القبائل أنها خلعته، أو بعبارة أخرى سحبت منه الجنسية القبلية -كما نقول بتعبيرنا الحديث- فلم تعد مسئولة عنه ولا سائلة أيضًا. وكان إعلان الخلع أمرًا خطيرًا بالنسبة للأفراد؛ فإن الخليع يخرج من حمى قبيلته ليجد نفسه في موقف ضيق ووضع شاذ، فلقد سحبت منه الجنسية القبلية وأصبح فردًا منفصلًا عن قبيلته في مجتمع لا يؤمن بالانفصالية الفردية. وفرص الحياة
_________________
(١) ١ ابن الأثير: الكامل ١/ ٣٤٢ العقد الفريد ٥/ ١٤٧. عن الجوار. انظر. الأغاني ٢/ ١٢٦، ٣/ ٥٩، الآلوسي: بلوغ الأرب ٣/ ١٣٣، ١٤٤. ٢ يشعر الإنسان حين يقرأ الشعر الجاهلي، أن الشاعر في الغالب اندمجت شخصيته في قبيلته حتى كأنه لا يشعر لنفسه بوجود خاص، وخير مثل معلقة عمرو بن كثلوم. وقل أن نعثر على شعر جاهلي ظهرت فيه شخصية الشاعر ووصف فيه ما يشعر به وجدانه، وأظهر فيه أنه يحس لنفسه بوجود مستقل عن قبيلته. ٣ ديوان الحماسة ١/ ٣٣٧. الأصمعيات. "طبع المعارف" ص ١١٣. العقد الفريد ٥/ ١٦٩.
[ ٣٧ ]
في الصحراء محدودة، ومن المستحيل أن يعيش الفرد فيها إلا مرتبطًا بجماعة، ولا يرى الخليع في هذه الحالة أمامه إلا أحد طريقين: إما أن يلجأ إلى قبيلة أخرى يعيش في حماها جارًا لها أو مولى من مواليها، أو أن يلجأ إلى الصحراء ليتخذ من الغزو والسلب وقطع الطرق وسيلة للحياة وأسباب الرزق، معتمدًا على قوته الشخصية في فرض نفسه وإثبات وجوده في مجتمع قطع كل صلة بينه وبينه١.
ومن أهم الواجبات التي تقع على أفراد القبيلة: الأخذ بالثأر ممن سولت له نفسه من القبائل الأخرى أن يعتدي على أحد أبنائها، مهما كلف ذلك من جهد ومال ودماء، ولم يكونوا بطبيعة الحال يفرقون بين القتل العمد والقتل الخطأ أو الضرب الذي يفضي إلى الموت، أي أنهم لم يعرفوا القصد الجنائي ولم يتبينوا النية الإجرامية، ولكنهم كانوا يعالجون القتل بالقتل، حتى صار الأخذ بالثأر عقيدة ثابتة، ولقد كانت مسألة الأخذ بالثأر من المسائل الهامة في حياة القبيلة العربية قبل الإسلام، والغرض منها حمياتها، فالقبيلة إذالم تأخذ بثأرها تسقط بين القبائل. ومن هنا نجد أن الحرص على الأخذ بالثأر لا يعدله حرص على شيء آخر، وهذا أمر طبيعي وضروري في مجتمع لا تحكمه حكومة منظمة تقيم الحدود وترعى القانون بسلطانها؛ وإنما كان المجتمع يعتمد في صيانة حقوقه على قوة الأفراد والجماعات، فمن لم يستطيع الانتصاف لنفسه؛ لم يجد قوة تنتصف له؛ ولذلك فإن الاحتفاظ بوحدة القبيلة والأخذ بالثأر كان أمرًا مقدسًا أشبه بأن يكون نظامًا دينيًّا من أن يكون نظامًا عاديًّا. وكان على الثائر أن يدرك ثأره أو يموت دونه، وفي هذه الحالة ينتقل واجب إدراك الثأر إلى ابنه أو حفيده٢. ولقد كان العرف يجعل الثائر يلتزم باتخاذ شارات خاصة؛ فهو يبتعد عن كل ملذات الحياة؛ فلا يقرب النساء ولا يتطيب أو يتدهن٣، ولا يشرب الخمر٤،
_________________
(١) ١ انظر ابن الأثير ١/ ٣٥٩، ابن هشام ١/ ١٠٢- ١٩٩، الروض الأنف ١/ ١٢٠-١٢١، أنساب الأشراف ١/ ١٠٠- ١٠١، الآلوسي- ٣/ ٢٧- ٢٩. ٢ الأغاني: ٢/ ٩٩، ٣/ ٦٠٤- ٦٠٥. العقد الفريد ٥/ ١٧٥. ٣ العقد الفريد ٥/ ١٧٦، ٢١٥، ابن هشام ٢/ ٤٢٢. ٤ انظر قصيدة تأبط شرًّا، ديوان الحماسة ١/ ٣٤٦ وحاشيتها: حلت الخمر وكانت حرامًا وبلأي ما ألمت تحل
[ ٣٨ ]
ولا يقول الشعر إلا في هجاء أو رثاء، ويظل على هذه الحال أيامًا وشهورًا وأحيانًا أعوامًا، فإذا أخذ ثأره حل له ما حرمه على نفسه، فنظام الثأر كان هامًّا جدًّا في حياة القبائل العربية قبل الإسلام، ولقد قاومه الإسلام مقاومة شديدة؛ ولكنه لم يمت، ولتأصله في نفوس العرب ظل يحيا في المجتمع العربي حتى يومنا هذا.
وكان العرب يعتقدون أن المقتول إذا لم يدرك ثأره ينبعث على قبره طائر اسمه الهامة ينادي بثأره شاكيًا الظمأ، ولا يسكت حتى يُؤخذ ثأره:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني ١
له هامة تدعو، إذا الليل جنها بني عامر، هل للهلالي ثائر؟
وكان الأمر ينتهي بالثائر إلى ثلاث حالات:
إما أن يثار ولي الدم من القاتل أو من عشيرته، وإما أن يأخذ الدية، وإما أن يعفو.
وعند أخذ الدية يلاحظ مكانة الرجل المقتول، فالرجل الحر الشريف غير المولى. ومتوسط الدية مائة من الإبل٢. ودية الحليف نصف دية الصريح٣. أما دية السادة فقد تصل إلى الخمسمائة وإلى الألف٤. على أن هناك نوعًا من الدية يعرف بدية الخفارة، وهي أنه إذا أجار شخص شخصًا آخر فقتل جواره ولم يمنعه، كان عليه أن يدفع لوليه سبعين عُشراء -وهي الناقة التي مضي على حملها عشرة أشهر ٥.
وكانت العرب تعيب من يأخذ الدية ويرضى بها دون درك ثأره وشفاء غيظه، إذ إنها تعتبر الاكتفاء بالدية دليلًا على الجبن والخوف من القاتل؛ ولذلك لم تكن الدية تقبل إلا عند الشعور بالضعف، أو عند التفاني بين القبائل، أو إيثار السلم، كما فعلت قريش في حرب الفجار، فيقوم الصلح على أساس حساب القتلى، ودفع دية الزيادة.
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ١٠٥. ٢ نفسه ٦٣، ٦٥. ٣ نفسه ١٩، ٤٠. ٤ العقد الفريد ٥/ ١٤٨. الآلوسي ٣/ ٢٢- ٢٤. ٥ الأغاني ٤/ ١٥٥.
[ ٣٩ ]
طبقة الأرقاء:
كان في المجتمع العربي طبقة كبيرة من الأرقاء، وكانت كل قبيلة لا تخلو من أفراد من الرقيق من الرجال والنساء، البيض والسود على السواء. والمصدر الأصلي للرقيق هو الحرب، فالقبيلة التي تنتصر على الأخرى تأخذ الأسرى وتستعبدهم، وإلى جانب الحرب وجد الاتجار بالرقيق، وكان هذا النوع من الاتجار شائعًا، فكان العرب يأتون من شواطئ أفريقيا ويبيعونهم في أسواق العرب بالمال، وإذا لاحظنا أنهم يؤخذون بالعنف، تبينا أن الحرب والغزو والقوة هي السبب الأول، كما كانت القبائل المنتصرة تتصرف في بعض الأحيان في أسراها بالبيع١. وقد يغيرون على القوافل المسافرة إلى العراق أو إلى الشام ويتغلبون عليها ويأسرون من فيها ويسترقونهم، وكان هذا هو أصل رق سلمان الفارسي إذ خرج من العراق إلى الشام فاسترق وبيع لبعض يهود المدينة٢ وقد ألحقت القبائل بعض أبنائها بهؤلاء الأرقاء؛ فإن مقياس الشرف عند العربي ألا يجري في عروقه دم أجنبي، وأن يكون من أب عربي وأم عربية، ومن كان هنا حرصه على أن يحفظ لسلالته نقاء الدم وصفته وامتيازه، وفي سبيل هذا الحرص كان يرفض الاعتراف بأبنائه أو إلحاقهم بنسبه إذا جاءوا ثمرة لصلة غير متكافئة بينه وبين إمائه، ومن أجل ذلك أطلق المجتمع الجاهلي على أبناء الإماء من العرب الصرحاء اسم "الهجناء"، وكان أسوأ أبناء الإماء حظًّا في الحياة أبناء الإماء السود الذين سرى إليهم السواد من أمهاتهم وأطلق عليهم العرب اسم "الأغربة"٣.
وكانت طبقة العبيد من بيض وسود، ومن تجري في عروقهم شائبة من دمائهم من الهجناء والأغربة، في وضع اجتماعي سيئ، فقد سلبتهم الأرستقراطية العربية، المؤمنة إيمانًا عميقًا برابطة الدم، كل ما يمكن أن يكون لهم من حقوق، وفرضت عليهم من الواجبات ما أرهق كواهلهم وأهدر إنسانيتهم، وباعدت بينهم وبين الحياة الإنسانية الكريمة. وضيقت عليهم النطاق في حياة مهينة ذليلة على هامش المجتمع.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٢٣٤. ٢ أنساب الأشراف ١/٤٨٦- ٤٨٧. ٣ ديوان الحماسة ١/ ١٥٨ حاشية.
[ ٤٠ ]
فلقد كانت هذه الطبقة محرومة مما نسميه الآن الحقوق المدنية، فليس لها حقوق الملكية والمقاضاة، وليس للعبد أن يتزوج إلا بإذن سيده على أن يتزوج رقيقًا مثله. كذلك كان أفراد هذه الطبقة يزاولون في المجتمع العربي المهن والصناعات التي يستنكفها العربي الصميم، ففي البادية يرعون الماشية، ويقومون بخدمة المنزل، وفي الحواضر يقومون بممارسة الصناعات الموجودة هناك كالحدادة والنجارة والحلاقة والحجامة وغيرها، إذ إن العرب كانوا يأنفون من أمثال هذه الصناعات. وكان وجود هذه الطبقة أمرًا عامًّا في المجتمع القديم كله يحتمه الوضع الاقتصادي في ذلك الوقت.
على أن العبد كان يمكنه أن يسترد حريته، وذلك بأن يؤدي لسيده خدمة عظيمة، كأن ينقذه هو أو أهل بيته من هلاك محقق -وهذا في الغالب شرط الحرية- أو يظهر شجاعة نادرة في موقعة من المواقع، فتكون هذه الشجاعة شفيعة للتحرر، أو بأن يتفق مع سيده على أن يشتري حريته بالمال، وهذا ما يسمونه بالمكاتبة، والرقيق الذي يتحرر بهذا يقال له المكاتب١. أو بأن يوصي سيده بعتقه بعد وفاته تقربًا للآلهة، ويسمى هذا بالمدبر٢.
ولقد كان للوضع السيئ لهذه الطبقة أثر كبير في سرعة استجابتها للدعوة الإسلامية ونجاحها في أطوارها الأولى، إذ إن الأرقاء والموالي هم الذين سارعوا لتلبيتها؛ لأن الإسلام قام بثورة اجتماعية فسوى بين السيد والعبد لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات] وقول النبي -ﷺ-: "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". وقوله: "ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى". وقد أنعشت هذه المبادئ نفوس هؤلاء المستضعفين والمحرومين فلبوا الدعوة التي تنتشلهم من الوهدة التي كانوا فيها.
طبقة الموالي:
إن كلمة مولى كلمة مرنة في اللغة، إذ إنها تسع كل المتناقضات، فهي من باب المشترك اللفظي؛ ففي القاموس: الْوَلْيُ الدنو والقرب، والولاية: النصرة، واستولى
_________________
(١) ١ أنساب الأشراف ١/ ٤٨٧. ٢ المصباح المنير ١/ ٢٥٦ "طبع وزارة المعارف" أسد الغابة ١/ ٤٣- ٤٤.
[ ٤١ ]
عليه؛ غلب عليه وتمكن منه. والمولى الحليف. والمولى المعتق. والوليُّ المحب الصديق والنصير والملك.
والمولى يطلق على المالك والعبد، والمعتق، والصاحب والجار والحليف، وأولياء الرجل عصبته من إخوته وبني عمه وعشيرته، وتولاه اتخذه وليًّا١، وقد ذكرت كلمة مولى في القرآن الكريم كثيرًا، وأريد بها النصير أو الحليف: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج] .
هذا هو المعنى اللغوي للكلمة، ولكن الاصطلاح حدد معناها، ومع تحديد معناها نجدها شائعة وفيها شيء من الغموض؛ والمقصود من الموالي هم الجار والحليف المعتق.
الجوار: إذا سلك فرد من قبيلة مسلكًا شائنًا يضر بسمعة قبيلته؛ فإن القبيلة تخلعه، أو أنه هو يخلع نفسه منها إذا خاف على نفسه أن يثأر منه إذا كان قد قتل من القبيلة، أو أن يكون قد ضاق بحياته فيها، وعندئذ لا يقربه أحد، ولما كان لا يستطيع أن يعيش منفردًا فإنه يلجأ إلى قبيلة أخرى يتصل بها ويعيش في حماها على أساس الموالاة بالجوار. كذلك قد يجد المرء نفسه غريبًا في أرض قبيلة ويخاف على نفسه فيلجأ إلى طلب الجوار من أحد أبناء هذه القبيلة، وكذلك قد يخرج لطلب ثأر من قبيلة أخرى ويجد في نفسه ضعفًا عن أن يبلغ غايته فيلجأ إلى جوار أحد يحميه حتى يأخذ بثأره٢. وكما يجاور الأفراد تجاور القبائل أو البطون من ترى فيهم الحمية والعزة لحمايتها والاعتزاز بجوارها٣. وقد ورد في القرآن معنى الجوار على أنه نتيجة للضعف طلبًا للحماية والعزة٤. هذه هي الحالات التي تقوم فيها علاقة الجوار. أما كيف يتم عقد الجوار، إذا جاز لنا أن نطلق هذه التسمية على هذه العلاقة العرفية، فإن
_________________
(١) ١ المصباح المنير ٢/ ٩٧٢. ٢ الأغاني ١/ ٦٠٤- ٦٠٥ ابن الأثير ١/ ٣٤٢. ٣ ابن الأثير: نفسه: ٣٧٠. العقد الفريد: ٥/ ١٧٠- ١٧١.
(٢) الإسراء: ١١١. التحريم: ٤.
[ ٤٢ ]
الجوار كان يتم بالطلب الصريح والإجابة، أو بإتيان عمل يفهم منه قيام هذه الرابطة، فالمؤاكلة ودخول البيت ولمس الخيمة أو مجاروتها يقيم رابطة الجوار، وقد توسعوا في هذا فاعتبروا علوق الدلو بالدلو في بئر يلزم حرمة الجوار والذمة١، وإلى هذا أشار أبو تمام يخاطب ابن الزيات٢:
لي حرمة بك لولا ما رعيت وما أوجبت من حقها ما خلتها تجب
بلى، لقد سلفت في جاهليتهم للحق ليس كحقي نصره عجب
أن تعلق الدلو بالدلو القريبة أو يلامس الطنب المستحصد الطنبُ
وغالوا في الجوار حتى شمل الوحش والهوام٣، حتى إنهم كانوا يسمون بذلك مجير الجراد- مجير الغزال- مجير الذئب، ومن الأمثال: أحمى من مجير الجراد، قالوا هو مدلج بن سويد الطائي، وقد يكون هذا نوعًا من العزة وتحريم الصيد في أرض القبيلة. كما كان الجوار أحيانًا يعبر عن نوع من الفروسية والمرءوة الإنسانية، كإجارة كل ظعينة تمر بأرض القبيلة، ومثال ذلك ربيعة بن مكدم الكناني الذي ضربوا به المثل فقالوا: أحمى من مجير الظعن٤.
وحقوق الجار المترتبة على قيام الجوار تتلخص في قول هانئ بن مسعود سيد بني شيبان حين أجار النعمان بن المنذر: قد لزمني ذمامك، وأنا مانعك مما أمنع منه نفسي وأهلي وولدي، ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل٥. وكان المجير يعلن إجارته على ملأ من الناس؛ ليكونوا على بينة من الأمر، وبذلك يصبح المستجير في ذمته وحماه كأنه فرد من ذوي قرابته، يتمتع بكل حماية عائلية أو قبلية، وتجيز القبيلة
_________________
(١) ١ الأغاني: ٢/ ١٢٦، ٣/ ٥٩. ٢ الآلوسي: ١/ ١٣٣. ٣ العقد الفريد ٥/ ٢٢٤. ٤ الآلوسي: ١٤٤. ٥ الأغاني: ٢/ ١٢٦.
[ ٤٣ ]
ذلك إقرارًا لحق الفرد في الإجارة -كما أشرنا من قبل- ويصبح هذا الفرد واجب الحماية منهم جميعًا، فقد أصبح لهم جارًا، وحينئذ يتحاشى الناس الإساءة إليه حرمة لعصيبة مجيره، وقد كانت العرب تطلب بثأر الجار كما تطلب بثأر الصريح من أبنائها، وتقيد من القاتل حتى ولو كان من صرحائها، بل كانت تقاتل رعاية لحق الجار وحفاظًا على كرامته؛ وقد قتل كليب سيد ربيعة نتيجة لاعتدائه على حرمة الجوار، بأن قتل ناقة للبسوس جارة جساس بن مرة البكري١؛ وذلك لأنهم كانوا يرون في ذمة الجوار أمرًا خطيرًا فيه كرامتهم، بل وحياتهم ومماتهم٢.
وكما يحمي المجير جاره مادام في كنفه. فإن على الجار أن يلتزم حدود اللياقة في تصرفه فلا يسيء إلى سمعة القبيلة التي أجارته.
ورابطة الجوار رابطة مؤقتة وليست دائمة، فهي تحل نتيجة لخروج الجار من أرض القبيلة التي يحتمي بها، أو حين يرد المستجير على صاحبه جواره، ويبرئ له ذمته على ملأ من الناس، وعندئذ لا يتحمل المجير تبعات ما يقع عليه من اعتداء٣، أو إذا ارتكب الجار أمرًا مشينًا لسمعة القبيلة أو اعتدى على حرماتها٤. فإذا أرادوا إلغاء الجوار أجلوا الجار ثلاثة أيام يخرج فيها من أرض القبيلة٥، وقد ورد في القرآن الكريم آيات ذكر فيها الجوار بمفهومه عند العرب، وهو حماية الجار وإبلاغ المستجير مأمنه ومنع الاعتداء عليه٦.
فالجار إذن ليس من صلب القبيلة، وقد حدد العرف على النحو الذي بيناه حالات الجوار والمراسم التي تنظم قيام هذه العلاقة، وما يترتب عليها من التزامات بالنسبة للمجير والجار، وكيف تنتهي هذه العلاقة.
_________________
(١) ١ ابن الأثير ١/ ٣١٤. ٢ نفسه ٣٤٢. العقد الفريد ٥/ ١٣٩- ١٥٠. ٣ ابن هشام ١/ ٣٩١- ٣٩٢،٣٩٦. ٤ ابن الأثير. نفسه ٣٤٣. ٥ النويري: نهاية الأرب ١٥/ ٣٥٨. ٦ انظر سورة التوبة ٦، المؤمنون ٨٨، الملك ٢٨، الجن ٢٢.
[ ٤٤ ]
الحليف:
هو جار بصفة لازمة، إذ إن صلته ليست مؤقتة كالجار؛ فالحلف جوار دائم، ولفظ الحلف فيه معنى القسم وكانت منزلة الحليف من حليفه كمنزلة القريب، حكمه حكم أفراد القبيلة إلا في حالة الدية، وهذا الحلف يسمى عند المسلمين ولاء الموالاة١. وكان في الجاهلية بين عربي وعربي، وهو في الإسلام بين عربي وغير عربي.
والحليف رجل حر انضم إلى قبيلة غير قبيلته؛ فمركزه الاجتماعي في القبيلة التي ينتمي إليها يلي مركز الحر الصميم فيها، وعليه من التبعات العامة ما على أفراد القبيلة الصرحاء؛ فإذا كان الحلف بين فرد وفرد صار الحليف مولى للرجل الذي حالفه، وأصبح كفرد من ذوي رحمه وقبيلته بالولاء، ويسمى الشخص الملتحق مولى الشخص الملتحق به، وكان أحيانًا يتبنى الرجل مولاه فينتسب له٢. وقد كان الرجلان يشهدان على أنفسهما ويعقدان الحلف بالمواثيق والأَيمان والعهود. وقد أورد الطبري في تفسيره مأثورًا عن الميثاق الذي يشهد عليه الملأ بين الملتحق والملتحق به: دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك٢.
وقد كان الحليف يرث حليفه إذا مات، بهذا الحلف في الجاهلية ثم استمر في الإسلام٤. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء] حتى نسخ بآيات الميراث ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال] . وكان قد جعل له السدس من جميع المال في أول الإسلام، ثم نسخ ونقل من الإرث إلى
_________________
(١) ١ المصباح المنير: ٢/ ٩٢٧. ٢ البخاري ٥/ ٨٢. الأغاني ٣/٥- ٤١. الروض الأنف ١/ ٣٩. ٣ جامع البيان: ٨/ ٢٧٥- ٢٧٦. ٤ البخاري: ٥/س ٨٢.
[ ٤٥ ]
الهبة وبقيت عليهم النصرة والنصيحة والرفادة والعقل والولاء والمشورة، ومن هنا ندرك عمق هذه الصلة وبلوغها حد النسب الصحيح، وكان الحليف كالصريح يخلع من القبيلة إذا أتى بعمل مشين. وكما يكون الحلف بين فرد وفرد، وبين فرد وقبيلة، كذلك كان يحدث كثيرًا أن يلتحق بطن أو عائلة من قبيلة بقبيلة أخرى، فيكون أفرادها موالي القبيلة الجديدة١، وتقطع تبعاتها إزاء وحدتها الأولى، وتنتقل إلى تبعات القبيلة الجديدة من حروب ودماء وعقل ومصالح مشتركة، ما عدا الميراث الذي كان يقوم عند الحلف الفردي. وفي كتب التاريخ والسير والتراجم أسماء كثيرين يذكرون، فيقال مثلًا: القرشي ولاء أو الثقفي ولاء، ويراد بذلك هذا الولاء الذي أشرنا إليه، وليس ولاء العبودية والرق.
وكذلك كانت تقوم المحالفات بين القبائل، فتحالف قبيلة قبيلة أخرى أو عدة قبائل. وهذا التحالف يشبه المعاهدات السياسية في الوقت الحاضر؛ فإذا أحست قبيلة بضعفها أمام القبائل القوية انضمت إلى قبيلة قوية لتحميها، وقد تمر الأجيال وتنسى القبائل المتحالفة أسماءها وشخصياتها، وتنضم تحت اسم واحد.
ويظن أن هذه المحالفات لعبت دورًا كبيرًا في تكوين القبائل العربية، إذ كانت تنضم العشائر الضعيفة إلى العشائر القوية الكبيرة؛ لتحميها وترد العدوان عنها، ويقول البكري: فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش واستضعاف القوي الضعيف؛ انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم٢. ومن القبائل التي تمثل ذلك خير تمثيل قبيلة تنوخ التي قامت على أساس حلف عقدته
_________________
(١) ١ الأغاني: ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣، ٣١٦ - ٣ / ٣٨. ابن الأثير ١/ ٣٧٠. ٢ البكري: معجم ما استعجم "طبعة السقا" ١/ ٥٣.
[ ٤٦ ]
بعض البطون الشمالية مع غيرها من قبائل الجنوب، واتخذت القبيلة اسمها من تنخ "تنأ" أي أقام واستقر، وكثر ماله، وذلك لاستقرارها في بادية العراق١.
وبمجرد أن تدخل القبيلة في حلف يصبح لها على أحلافها كل الحقوق؛ فهم ينصرونها على أعدائها، ويلبون دعوتها إذا اعتدي عليها، وقد تنفصل بعض القبائل عن الحلف لتنضم إلى حلف آخر يحقق لها مصالحها، ومن ثم كنا نرى أحلافًا تضعف وتحل محلها أحلاف أخرى، وقد انتشر التحالف بين القبائل العربية بصورة واسعة قبيل الإسلام، ولم تبق إلا قبائل قليلة لم تدخل في أحلاف؛ اعتمادًا على قوتها الذاتية وعلى بطولة أفرادها، ولذلك سميت هذه القبائل جمرات العرب٢ ولكنها كثيرًا ما كان يئول أمرها إلى أن تنهك في الحروب، أما القبائل المتحالفة فكانت تهاب فلا يعتدى عليها.
وانتشار المحالفات بين القبائل العربية كان إحساسًا من القبيلة العربية بأنها لا تستطيع أن تعيش: في مجالها الضيق وأنها بحاجة إلى غيرها من القبائل تؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكان هذا بدء نهضة قومية، استفاد منها الإسلام في توحيد العرب في أمة واحدة.
وقيام علاقة الحلف تقترن عادة بمراسيم وطقوس خاصة تحرص القبائل على اتباعها نظرًا لأهمية النتائج المرتبة عليها؛ فقد اتخذت الأحلاف صبغة دينية وطقوسًا خاصة، إذ كانوا يغمسون أيديهم في طيب أو دم، وربما أوقدوا نارًا عند تحالفهم ودعوا الله على مَن ينكث العهد بالحرمان من منافعها. وكانوا يقولون: الدم الدم، والهدم الهدم، لا يزيد العهد طلوع الشمس إلا شدًّا، وطول الليل إلا مدًّا، ما بلَّ بحر صوفه، وأقام رضوى في مكانه إن كان رضوى جبلهم وإلإ ذكروا ما يجاورهم من الجبال٣.
_________________
(١) ١ انظر عن أحلاف الأفراد والقبائل: الأغاني٢/ ٢٤٢- ٢٤٣، ٣١٦، ٣/ ٣٨. القلقشندي: نهاية الأرب ١٨٩. فجر الإسلام٤. الآلوسي ١/ ١١٨. بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ١٢٤. وانظر ابن الأثير ج١ عن أيام العرب وفيه كثير ذكر للمحالفات بين القبائل، دائرة المعارف الإسلامية عن تنوخ. المصباح المنير ١/ ١٠٧. ٢ المحبر ١٣٤. جواد ٤/ ٣١٦، العقد الفريد ٣/ ٣٣٦- ٣٣٧، ٣٦٧، المصباح المنير ١/ ١٤٩. شوقي ضيف: العصر الجاهلي ٥٨. ابن خلدون القسم الثالث ٣/ ٦٤. ٣ الجاحظ، الحيوان ٤/ ٣.
[ ٤٧ ]
ومن الأحلاف التي ذكرها التاريخ في مكة حلف المطيبين وحلف الأحلاف وحلف الفضول١. ومن أحلاف العرب المشهورة حلف الرباب٢ وهو بين خمس قبائل: ضبة وثور وعكل وتيم وعدي، وحلف عبس وعامر ضد بطن ذبيان وأحلافهم من تيم وأسد٣. وحلف الحُمْس بين قريش وكنانة وخزاعة٤ وكذلك حلف قريش والأحابيش، ثم إن الإسلام منع أن تقوم أحلاف جديدة، ولكنه أكد الأحلاف التي تمت في الجاهلية.
قال -ﷺ-: "لا حلف في الإسلام، وكل حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم، وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة" ٥.
العتق:
هو النوع الثالث من الولاء وهو يلي الحلف في درجته الاجتماعية. والمعتق عبد عتقه سيده لسبب من الأسباب، فإذا أصبح العبد معتقًا صار حرًّا، ولكن تبقى هناك صلة بينه وبين معتقه، وهذه الصلة تسمى الولاء، ويظل المعتق ينسب إلى معتقه فيقولون: فلان مولى فلان كما كانوا يقولون: زيد بن حارثة مولى رسول الله أي عتيقه١، وإن كانت أمة فهي مولاته، والجمع موال. وكان المولى أحيانًا ينسب إلى قبيلة المعتق فيقولون مثلًا: مولى بني هاشم، وأحيانًا يعبرون عن ذلك بقولهم: الهاشمي بالولاء، وقد كانوا أحيانًا يبيعون الولاء٢.
وكان بين الحر المعتق وبين سيده واجبات وحقوق؛ فعلى المعتق أن يساعد مولاه إذا ألمت به كارثة، أو إذا اعتدى عليه أحد، كما أن على المعتق أن يقوم بنصرة سيده. وبينما نرى الحليف يرث حليفه فإن المعتَق لا يرث سيده، وللسيد الحق
_________________
(١) ١ ابن هشام: ١/ ١٤٣- ١٤٤. ٢ ابن الأثير: ١/ ٣٧٦. ٣ العقد الفريد: ٥/ ١٤١. ٤ ابن الأثير: ١/ ٣٥٩. الآلوسي ١/ ٢٤٢- ٢٤٣ اليعقوبي ١/ ١٩٩- ٢٠٠. ٥ تفسير الطبري: ٨/ ٢٦٩- ٢٨٨ "يعني حلف الفضول". ٦ البخاري: ٥/ ٨٢. ٧ الأغاني: ٧/ ١٨٨. فجر الإسلام ٨٨- ٩٠.
[ ٤٨ ]
في أن يرث مولاه إذا مات من غير وارث. وكان يحدث في بعض الأحيان أن يتخذ المعتق مولاه ابنًا أي يتبناه، وفي هذه الحالة كانوا يطبقون ما يطبق بالنسب، بمعنى أنه لا يجوز لمعتق أن يتزوج من زوجة متبناه إذا طلقها أو مات عنها. وهذا هو الباب المفتوح لترقي طبقة العتقاء في السلم الاجتماعي. وقد ظلت هذه الحالة في الجاهلية حتى إذا جاء الإسلام ألغى نظام التبني هذا كله١، فرد المتبنين إلى آبائهم: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب] . ولقد كانت هذه العادة شديدة الاستحكام حتى احتاج أمر إبطالها إلى قوة نفسية خاصة مما جعل النبي -ﷺ- يقوم بذلك بنفسه ومع نفر من آل بيته، ومع ذلك فقد داخل النبي -ﷺ- كثير من الإشفاق، وداخل زينب بنت جحش -وهي ابنة عمته التي زوجها لمتبناه زيد، ثم طلقها زيد فتزوجها محمد ﷺ- وأهلها كثير من التردد حتى احتاج الأمر إلى نذير من القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب] وحتى عوتب النبي -ﷺ- على إشفاقه: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ وحتى نزل القرآن ردًّا على الذين تحدثوا في هذا الأمر ونقدوه على النبي -ﷺ- بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب] .
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٨٢.
[ ٤٩ ]
دستور القبيلة
كان للقبائل العربية دستور عرفي عام، يشترك فيه كل أفراد القبيلة، وهذا الدستور ينحصر في كلمة واحدة هي: العصبية. وإذا كان الدستور هو القانون الأساسي؛ فإن قواعده كلها انبنت على العصبية، وهذه الكلمة مذكورة كثيرًا في كتب التاريخ والأدب، فما مدلولها؟
إذا بحثنا عن المعنى اللغوي لهذه الكلمة في معاجم اللغة نجد أن: العَصب هو الطي الشديد، وكل شيء استدار بشيء فقد عَصَبَ به، ويقال: عصب القوم بالرجل عصبًا أي أحاطوا به لقتال أو حماية، وعصب القوم بالنسب أحاطوا به، وعصبة الرجل
[ ٤٩ ]
بنوه الأقربون١. والعصبية أن يدعو إلى نصرة عصبته والوقوف إلى جانبه ظالمين أو مظلومين. هذا هو المعنى المفهوم من كلمة عصبية. ولقد كان شعار العصبية في الجاهلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا؛ فالعصبية تعبر عن غريزة الدفاع الكامنة في كل كائن مادي أو معنوي، بصرف النظر عن العدالة وعدمها.
والعصبية في الفطرة بمنزلة القومية أو الوطنية في العصور الحديثة، وهذه الروح هي روح التضامن الشديد التي يعتز بها المجتمع القبلي، ولقد كانت قوية جدًّا في القبائل العربية على خلاف المعروف في المجتمعات الحضرية.
وإذا بحثنا عن مصدر القوة الوطنية في أمة حية، نجده المصلحة العامة؛ لأنه لو ترك الأمر لكل فرد من أفراد الأمة في أن يعمل كما يرى في المسائل العامة؛ لانهدم النظام وانهارات الأمة، فالمصلحة العامة أساس هذا الروح الذي يجعل كل فرد من الأمة يسهم بنصيب وافر في طريق واحد لغاية واحدة يصبو إليها الجميع. لكننا نلاحظ -حتى في المجتمعات الحديثة- شيئًا آخر غير المصلحة العامة، والحقيقة أن المصلحة مقياس جاف، إذ إن الوطنية تقوم على شيء آخر يُذْكيها إلى جانب المصلحة، ذلك هو عامل الشعور؛ لأن عاطفة الوطنية إذا لم تغذ بالشعور تصبح فاترة. فالوطنية الملتهبة هي التي يذكيها ويحركها الشعور، وللشعراء والكتاب والأدباء نصيب كبير في إذكاء هذا الشعور، إذن فالمصلحة العامة والشعور هما قوام العصبية العربية كما أنهما أساس القومية الحديثة.
ولقد كان من مصلحة القبيلة أن تكون يدًا واحدة في كل الأحوال؛ لأنها إذا انقسمت على نفسها في أمر ما تلاشت، فالمصلحة كانت -ومازالت- تقتضي وجود التضامن الشديد، إذ إن القبيلة محاطة بالأعداء، فانقسامها معناه ضعفها وتلاشيها. أما عن عامل الشعور فكان كل فرد في القبيلة يحس بأنه مدين في كل شيء عنده إلى قبيلته؛ فهي التي حمته وترعرع بين ظهرانيها حتى صار رجلًا، فكان لزامًا عليه أن يخلص لها ويتفانى في الدفاع عن شرفها، ومن يطالع الشعر الجاهلي يجد الشاعر قد أذاب شخصيته -أو كاد- في شخصية القبيلة، ففضائلها ومحامدها العامة هي فضائله
_________________
(١) ١ لسان العرب، مادة ع ص ب. المصباح المنير ٥٦٤- ٥٦٥.
[ ٥٠ ]
ومحامده الذاتية١. وكان الشعور بالاندماج في القبيلة أقوى من مثيله في المجتمعات الحديثة، وذلك يرجع إلى تصورهم الخاص للقبيلة. فنحن إذا ذكرنا دولة من الدول فإنما نعني جمعًا من الناس ينزلون أرضًا واحدة، ويستظلون سماء واحدة ينتفعون بخيرات مشتركة، وقد يكون من هؤلاء المتجنسين بجنسية هذه الدولة المتمتعين بحقوق المواطنة فيها مَن هم في أنفسهم مِن أجناس أخرى ومنابت أخرى. بينما نجد الحال على عكس ذلك في المجتمع العربي، فقد كانت القبيلة صورة تامة بالمعنى الحرفي لكلمة أسرة. فإذا قيل بنو أسد مثلًا كان معنى ذلك أن رجلًا اسمه أسد عاش في الزمن القديم، وتوالدت عنه هذه الأسرة التي أصبحت قبيلة اتخذت اسم رئيسها الأول كنية لها، فكل هذه القبيلة إخوة بالمعنى الصحيح يتغلغل في عروقهم دم واحد هو دم أبيهم القديم. حقيقة كان في القبيلة من ينتمي إليها من غير أبنائها عن طريق الولاء، إلا أن صلب القبيلة كان من أبنائها الذين يردون نسبهم إلى أصلها، ثم إنه كان من ناحية أخرى النسب العربي العام الذي يرد العرب أنفسهم جميعًا إليه، فهؤلاء الموالي يجتمعون مع القبيلة في النسب العام وتربطهم بها المصلحة المشتركة. والحق أن الإنسان إذا شعر بأنه من أسرة فإن شعوره نحوها يكون أشد من شعوره إذا كان فردًا من أمة؛ لأن المسألة حينئذ تكون أبوة أو أخوة أو عمومة، ويكون موقفه هنا غير موقفه هناك٢. فإذن مصدر قوة العصبية عند العرب هو شعورهم بأنهم أفراد أسرة واحدة.
والعصبية كانت قوية شديدة الأثر في حفظ التوازن بين الجماعات القبلية التي يتألف منها المجتمع العربي، وفي دفع الناس بعضهم ببعض وصيانة حقوقهم وكرامتهم، بل وحياتهم.
وبالرغم من أن الإسلام جاء بالقضاء على العصبية القبلية، وجعل المسلمين كلهم إخوة بغض النظر عن قبائلهم، فإن سلطان العصبية وشدة رسوخها ظل قويًّا، وكان لها أثر فعال في كثير من أحداث التاريخ الإسلامي وسيره وتطوره حتى القرن الثالث الهجري، أي حتى ضعف العنصر العربي، وإن ظل أثرها باقيًّا بعد ذلك في أقاليم
_________________
(١) ١ انظر معلقة عمرو بن كثلوم حيث لم يتحدث الشاعر عن نفسه إطلاقًا، وإنما اندمج في حديث عن قبيلته ومحامدها العامة، وهو بذلك كأنما يتحدث عن نفسه ويفخر بمحامده الشخصية، وهذه المعلقة تعبير صادق عن روح التفاني في الجماعة القبلية. "جمهرة أشعار العرب ص١٥٧ وما بعدها: الطبعة الأولى. مصر ١٣٣". ٢ انظر: ابن خلدون، المقدمة ١٤٣- ١٤٤.
[ ٥١ ]
المغرب الإسلامية، وذلك بالرغم من تندر القرآن بها وتحذيره منها استهدافًا لخلق مجتمع إسلامي أساسه إطار أعم من الأخوة الدينية العامة، والمصلحة المشتركة بين الذين يتألف منهم هذا المجتمع، وولاية المسلمين بعضهم بعضًا بغض النظر عن اختلاف البطون والقبائل والأجناس١.
وإذن، فإن ملاك الكيان القبلي هو قرابة الدم، والإيمان بالقبيلة، وتقديس مصالحها.
_________________
(١) ١ انظر سورة آل عمران، ١٠٣. النساء، ١٤٤. المائدة، ٥٥- ٥٧. الأنفال، ٦٢- ٦٤، ٧١، ٧٢، ٧٥ التوبة، ٢٣، ٧١. الحجرات، ٩. الممتحنة، ١. المجادلة، ١٢.
[ ٥٢ ]
مستويات العصبية الاجتماعية
للعصبية مظاهر تبدو ما فيها نستطيع الوصول إليه من قراءة الأخبار التي وردت في أيام العرب، ومن خلال أشعارهم، ومن الآيات القرآنية التي وردت فيها. وهذه المظاهر هي:
١- عصبية العشيرة وذوى الأرحام:
كان أفراد العائلة الواحدة أو الفخذ أو البطن، أي أفراد الوحدة الاجتماعية الصغرى، الذين تجمع بينهم الأرحام القريبة يتضامنون في الدفاع عن بعضهم، والاستنصار لبعضهم في مختلف المواقف: فهم أفرادًا وجماعة، مطالبون بالتضامن في الدفاع عن سمعة الوحدة وشرفها ومصلحتها المشتركة؛ وحفظها من العدوان عليها في داخل القبيلة أو خارجها، كما أنهم جميعًا مطالبون بجريرتها، حتى ولو كانوا متنافرين في العقيدة والميول، فهي عندهم أقوى من الإيمان الديني، ولقد ظهر هذا النوع من العصبية واضحًا جدًّا في أول ظهور الإسلام، وكان له أثر كبير في الأحداث التي وقعت في حياة النبي -ﷺ- فلقد وقف بنو هاشم يحمون النبي -ﷺ- في مكة ضد بقية بطون قريش استجابة لعصبية الرحم والقربى، بالرغم من بقائهم على دين آبائهم: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام] ١ حتى لقد قاطعتهم قريش من أجل ذلك وحصرتهم في أحد شِعاب مكة ثلاث سنوات٢. وحتى أبو لهب عم النبي -ﷺ- الذي كان قد شذ ومالأ قريشًا، فإنه
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١١/ ٣١٢- ٣١٤. ٢ ابن هشام ١/ ٣٧١ وما بعدها.
[ ٥٢ ]
لما مات أبو طالب ذهب إلى محمد يقول له: "يا محمد، امضِ لما أردت وما كنت صانعًا إذا كان أبو طالب حيًّا فاصنعه، ولا واللات لا يوصل إليك حتى أموت"١.
ولقد أبقى الإسلام على رابطة العشيرة والأرحام فلم يمحُها بل جعلها داخل النطاق العام، فقد بقيت على العشائر النفقات التي ليست ذات صبغة خاصة محضة وخصوصًا دفع الدية وفداء الأسرى، كذلك أبقى للعشيرة مسألة الولاء٢. كذلك أراد الإسلام الانتفاع بسلطان هذه العصبية العشيرية في تقريب الناس للإسلام بدعوة المخالفين إلى مهادنة المسلمين. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء] ٣ فهو يهتف بهم أن يتقوا الأرحام التي يتساءلون بها ويعز عليهم أمرها ويتأثرون بها في حياتهم المادية والمعنوية، ثم إنه كان يذكر قريشًا بالرحم التي بينها وبين النبي -ﷺ- وبأنه لا يحرص على إيمانهم وهداهم إلا استجابة لعاطفة الرحم التي تدعوه إلى الحرص على خيرهم، كما يجب أن تدعوهم لتصديقه واتباعه، فهو غير متهم في مصلحة أهله ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى] كما أنه دائمًا كان يذكي روح المسلمين، ويعير المنافقين والمتخاذلين بأنهم إنما يقطعون أرحامهم بجبنهم عن نصرة إخوانهم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد] . ومع أن رسالة النبي -ﷺ- كانت شاملة عامة، إلا أنه كلف أول ما كلف بأن ينذر عشيرته الأقربين ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ [الشعراء] حتى إذا آمنوا انتصروا له فكانوا درعًا يحول دون أذَى الناس له، ولقد جرى الإسلام في هذا على مفهوم الوضع الاجتماعي في المجتمع العربي على أن موقف أقاربه من عدم تصديقه كان له أثر كبير في مقابلة أهل مكة الدعوة بالفتور والاستخفاف، إذ قد جرت العادة أن يتابع الشخص أقرباءه بدافع العصبية فهم ينتصرون له ويتفاخرون به ويفاخرون به غيرهم.
ولقد واجه المسلمون كثيرًا من الحرج والمشاكل نتيجةً لعصبية الأرحام خاصة، فقد كان يحدث أن يكون الابن أو الأخ أو الأب في صفوف المسلمين، والأب أو الأخ
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات: ١/ ١٩٥. ٢ انظر الصحيفة التي كتبها النبي -ﷺ- بالمدينة. ابن هشام، ٢/ ١٢١- ١٢٣. ٣ تفسير الطبري ٧/ ٥١٨- ٥٢٠.
[ ٥٣ ]
أو الابن في صفوف المشركين في عهد النبي -ﷺ- فيحدث الحرج، وتبدو الميول العصبية؛ مما اقتضى نزول القرآن بالزجر الشديد عن متابعة هذه الميول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة] . والروايات المتواترة تذكر مواقف لبعض المسلمين دفعتهم إليها عصبية الرحم، فتذكر كيف ظهر القنوط والأسف على وجه أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة حينما رأى مصرع أبيه في معركة بدر١. وكذلك موقف حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب لقريش ينبئها باستعداد النبي -ﷺ- لغزو مكة مصانعةً لها على أهل له وولد بين قريش٢.
وتظهر شخصية العشيرة في بعض المواقف مثل:
ولاية الدم:
كان من المعروف في التقاليد العربية أن للقتيل وليًّا أو صاحب دم يطالب به. ويكون حقه في هذا الطلب معترفًا به من الجميع من القبيلة أو من غيرها. بحيث يكون له بذلك سلطان. أي حق واجب يجب نصره للحصول عليه ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء] والولي أو صاحب الدم إنما يكون من عصبة القتيل القريبة، ليس من الضروري أن يكون ابن القتيل أو أباه أو أخاه- وإن كان هؤلاء هم أصحاب الحق الأول- بل يكون رئيس العشيرة باعتباره ممثلًا للعائلة التي يعد القتيل قتيلها والدم دمها. وهذا التقليد هو الذي حدا بمعاوية بن أبي سفيان، دون أبناء عثمان، أن يقوم مطالبًا بدم الخليفة المقتول على اعتبار أنه ولي الدم بصفته رئيسًا للبيت الأموي٣.
العقل:
وكما يتضامن ذوو القربى والأرحام في الأخذ بالثأر، كذلك يتضامنون في العقل -والعقل هو توزيع وجمع الدية عن قتيل- إذا تم صلح أو حكم قاضٍ بدفع الدية
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٨٢- ٢٨٣. ابن الأثير ٢/ ٩٠. ٢ ابن هشام ٤/ ١٦- ١٧. ابن الأثير ٢/ ١٦٣. ٣ ابن كثير، البداية والنهاية ٧/ ٢٢٧، ٢٥٦.
[ ٥٤ ]
والكف عن الثأر بالدم -فيجمع ذوو القربى والأرحام هذه الدية، التي تدفع كذلك إلى أهل القتيل الذين هم ذوو رحمه وقرباه، والذين تجعلهم تقاليد عصبية الأرحام القريبة أصحاب الحق بدمه، فتوزع الدية عليهم، كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء] ١ وهذه الآية تلهم وجود هذا التقليد على الوجه الذي أشرنا إليه، وبخاصة وهي توجب تسليم الدية إلى أهل القتيل. وهو تعبير يمكن أن يكون أوسع نطاقًا من أب أو أم أو أخ أو ابن.
٢- عصبية القبيلة:
كان أفراد القبيلة ببطونها وعشائرها يتضامنون تجاه القبائل الأخرى في الحروب والدماء، والدفاع عن المصالح والتبعات المشتركة، ويتناصرون حسب الشعار القبلي "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" ويتعاونون على المغارم، فكل فرد في القبيلة يرى أن الاعتداء على فرد منها إنما هو اعتداء واقع عليه، وأن من واجبه أن ينتصر له ويدفع عنه، أو يأخذ بثأره إذا قتل ممن اعتدى عليه أو من أي فرد من أفراد قبيلته، وإذا نشبت حرب يين قبيلتين تضامن أفراد كل قبيلة في الدفاع والهجوم مهما كان الباعث على هذه الحرب، حتى ولو كانت ميولهم وعواطفهم متباينة. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يمكن أن نستخلص منها ما كان للعصبية القبلية من شأن كبير في المجتمع العربي، ظهر أثره في الصراع بين مكة والمدينة في أيام النبي -ﷺ- فقد كان في المدينة منافقون ومشركون لم يمنعهم أن يشاركوا المسلمين في القتلال أنهم كانوا يخالفونهم في الدين وفي الميول، وذلك بدافع العصبية القبلية. وتشير الآية ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران] إلى أن بعض المسلمين قد ذكر المنافقين بأنه لا يجوز لهم أن يخذلوا قومهم، وأنهم إن لم يقاتلوا في سبيل الله ففي سبيل الدفاع استجابة لداعي العصبية القبلية، وكان
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/ ٩٩ "حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: إن عمر كان يقول: الدية على العاقلة لا ترث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي، أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها".
[ ٥٥ ]
جوابهم أنهم لو تأكدوا من وجود القتال لتضامنوا معهم١ كذلك تذكر الروايات أن رجلًا يدعى "قزمان" قاتل يوم أحد قتالًا شديدًا وقتل عددًا من المشركين، حتى إذا خلصت إليه الجراح وسقط حُمل إلى أحد الدور، وعاده بعض المسلمين وقال له أحدهم: "أبشرْ يا قزمان فأجابه: بماذا أبشَّر! فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي"٢.
وقد كانت بعض بطون من القبائل الضاربة حول المدينة تريد مسالمة المسلمين والدخول في عهدهم، ولكنها كانت يصيبها الحَرج، فتشترط حسن الصلة مع المسلمين على ألا تتضامن مهم ضد قومها أو ضد حلفاء قومها، وإلى هذا تشير الآية القرآنية ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء] ٣.
فالعشيرة كانت تدين بالولاء للقبيلة ولا تخرج عليها لظروف قاهرة، كما أن القبيلة كانت ملتزمةً بتأييد عشائرها، فإذا حدث خلاف فإنه كان من الممكن أن توقع القبيلة جزاءً على العشيرة فتخرجها أو تقاطعها، كما حدث في مقاطعة قريش لبني هاشم، وقد تعلن القبيلة هذا القرار بالنسبة للعشيرة كما كانت تعلن قرار الخلع بالنسبة للأفراد، وقد يحدث أن تكتب بذلك صحيفة. وقد سقنا هذه الأمثلة عن الحالة قُبيل ظهور الإسلام لأن ذلك أوضح وأثبت، مع أنه يمكن الإتيان بأمثلة كثيرة من أيام العرب وما كان يحدث بين بطونها من منافساتٍ وخلافاتٍ تجعل البطن أو العشيرة يخرج من القبيلة أو أن القبيلة تخرجه.
كل هذا يدل على قوة العصبية القبلية وأنها كانت راسخةً قويةً، واحتاج المسلمون للقضاء عليها إلى تحذير شديد من جانب القرآن وإلى تكرار الآيات التي تنتهي عنها، ومع ذلك ظلّت آثارها زمنًا طويلًا أثّرت تأثيرًا خطيرًا في حياة الدولة الإسلامية بعامة، والعنصر العربي فيها بنوع خاص.
٣- عصبية الأحلاف القبلية أو الأحزاب:
كثيرًا ما كانت تقوم بين القبائل مخالفاتٌ ومواثيق لتقف صفًّا واحدًا متساندًا أمام بعض الدواعي، فتنشأ الأحلاف بين القبائل لصيانة المصالح المشتركة أو لضرورة السلم
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/ ٣٧٨- ٣٧٩. ٢ ابن هشام ٣/ ٣٧- ٣٨. ٣ انظر أسد الغابة ١/ ٨٩.
[ ٥٦ ]
بين المتجاورين أو عن طريق المعاهدة بين رجالها؛ فتنشأ بذلك عصبية بين هذه القبائل المتحالفة تدفعها إلى التضامن في الحروب والتعاون في تبعات الدماء١.
وكان الحلف بين القبائل قد يستمر جيلًا بعد جيل ولا ينقضي إلا بسبب أحداث جسيمة وعندئذٍ يصبح صلة لاحمة بين القبائل المتحالفة. وقد استمرّ هذا النوع من التحالف وتبعاته إلى ما بعد البعثة النبوية. وقد ورد في القرآن آيات كثيرة تتحدّث عن الأحزاب والمخالفات: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب] . وتعني هذه الآية قريشًا وحلفاءها من القبائل التي تحالفت معها على غزو المدينة في موقعة الخندق. كما أن اليهود في المدينة كانوا متحالفين مع العرب فيها قبل الإسلام، بعضهم حالف الأوس وبعضهم حالف الخزرج ووقف كل فريق مع حليفه في الحرب بالرغم من تعارض هذا مع أحكام التوراة، وقد ندّد القرآن بموقفهم هذا وعيّرهم بمخالفتهم للتوراة في قتالهم بعضهم جريًا وراء مصالحهم الذاتية التي يجلبها الحلف القبلي٢ كما أن هذه المحالفات قد ظلّ أثرها بعد الهجرة، حيث ظل الأوس والخزرج متمسكين بحلفهم مع اليهود. وتشير بعض الآيات إلى هذا التمسك٣، كما تشير إلى ثبات المنافقين من أهل المدينة في تحالفهم هذا ووعدهم اليهود بالمناصرة إذا قوتلوا وبالتضامن إذا أخرجوا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر] . ولم يكن هذا مقصورًا على المنافقين بل ظلّ بعض المؤمنين متأثرين به بالرغم من موقف اليهود تجاه الإسلام، ولعل هذا سبب من أسباب صبر النبي -ﷺ- على اليهود بالرغم من لجاجهم معه وظهور العداوة منهم، وذلك لعوامل الحلف التي كانت تربط بينهم وبين الأوس والخزرج، حتى يستقرّ الإسلام في يثرب ويصبح سلطانه على النفوس أقوى من سلطان
_________________
(١) ١ انظر ابن الأثير ١/ ٢١٠ وما بعدها. العقد الفريد ٥/ ١٣٣ وما بعدها "عن أيام العرب ويه ذكر لمحالفات القبائل" كذلك الأغاني ٢/ ٢٤٢- ٢٤٣، ٣١٦، ٣/ ٣٨. ٢ انظر سورة البقرة ٨٤-٨٥. ٣ انظر سورة آل عمران ١١٩.
[ ٥٧ ]
الحلف، مما استدعى تشديد النهي عن موالاة اليهود في آيات متعددة١. كما أن النبي -ﷺ- قد عقد كثيرًا من المحالفات بينه وبين القبائل العربية الضاربة حول المدينة وبينهما وبين مكة، كما تحالف مع اليهود. ومما يلفت النظر في المعاهدات التي وقعها النبي -ﷺ- أنه كان بعضها لمدة معينة كما يشير القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة] ٢. ولعله لاحظ فيها تطور الدعوة الإسلامية وإمكانياتها المقبلة.
على أن عصبية التحالف القبلي، ليست أصلية، إذ أنها حالة طارئة اقتضتها ظروف المصلحة المشتركة، وذلك على عكس عصبية الأرحام أو العصبية القبلية فإنها عصبية أصلية تستمد وجودها من القرابة والدم، والمصلحة المتحدة الطبيعية بين أبناء القبيلة الواحدة الذين يكونون في الغالب من أرحام وقربى وإن تباعدت في النسب، ثم بين أبناء العشيرة الواحدة الذين تجمعهم صلة الدم والرحم القريبة.
وعلى هذا فالعصبية في قوة التأثر بها والاستجابة إليها من عصبية الأسرة، إلى عصبية العشيرة، إلى عصبية الفخذ، إلى عصبية البطن، إلى عصبية القبلية، إلى العصبية الناشئة عن الحلف٣ وهذا التفاوت في قوة العصبية والتأثر بها والاستجابة لها متسق مع طبائع الأشياء، وقد جرى الإسلام حين جاء على هذا الأساس، فقد كلف النبي -ﷺ- أن يتدرج في دعوته من عيشيرته الأقربين، وهم أمسّ به رحمًا والمظنون أن يكونوا أقرب استجابةً له، ثم لينذر أمّ القرى "مكة" ومن حولها "العرب" ثم الناس جميعًا.
ونحن إذا نظرنا إلى القبائل من ناحية الترابط المتبادل بينها فإننا نخطئ إذا اتهمنا العرب بالفردية، والمجتمع العربي بالجمود والتشتت، فالواقع أن القبائل كانت متصلةً متداخلةً، وكذلك كانت متحركةً متقلقلةً، لا تكاد تتخذ شكلًا معينًا حتى يعرض لها من ضرورات الصلة والجوار ومؤالفة المجتمع ما يجعلها تندغم في غيرها، أو تدخل معها
_________________
(١) ١ انظر سورة آل عمران ٢٨. انظر تفسير الطبري٦/ ٣١٤. وسورة آل عمران ١١٨- ١١٩. وسورة النساء ١١٤. وسورة المائدة ٥١. ٢ وانظر سورة الأنفال ٥٥، ٥٦، ٧٢. التوبة ١/ ٧٤. ابن هشام ٢/ ٢٢٤، ٢٣٦. ٣ انظر ابن خلدون المقدمة، ص١٤٤، ١٤٥.
[ ٥٨ ]
في شكل معين من الحلف أو الجوار، فقد كانت هناك حركة نشيطة فيما بين أفراد القبائل، كما كانت حركة نشيطة فيما بين القبائل نفسها؛ تلتقي، وتتباعد، ويؤلف ببينهما الحلف أو الجوار، كما تفرقها العدوات والحروب. على أن تقليد التضامن الاجتماعي والعصبية كان ركنًا من أركان حياتهم الاجتماعية، بل أقوى أركانها. على أن العصبية الاجتماعية سواء منها عصبية الأرحام أو عصبية القبلية أو عصبية التحالف، حاجة طبيعية في حياة الأمة التي تعيش في طور البداوة بوجه عام؛ لأنه لا يمكن حفظ التوازن والحقوق والدماء في هذا الطور بدونها. ولقد أخذت عصبية التحالف في الازدياد قبيل البعثة النبوية أي في أواخر العصر الجاهلي، فقد أخذت القبائل تتكتل في مجاميعَ كبيرةٍ، وكان هذا إحساسًا من القبيلة العربية بأنها لا تستطيع أن تعيش في مجالها الضيق، وأنها بحاجة إلى غيرها من القبائل التي تؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكان هذا الميل إلى التحالف والتجمع مسايرًا للنهضة العربية التي بدت تباشيرها في القرن الأول قبل البعثة وشملت الحالة السياسية والدينية والفكرية عند العرب، والتي مهدت لظهور النهضة الكبرى التي جاء بها الإسلام بعد ذلك.
عصبية التقاليد:
كان العرب يتعصبون لتقاليدهم وموروث عاداتهم تعصبًا شديدًا، يرون في ذلك فضيلة لا معدى عنها، وجزءًا لا ينفصل من حياة المجتمع، ولو أدّى إلى الحرب وإراقة الدماء والمواقف المهلكة، وقد بلغ من قوة العصبية للتقاليد، أن أصبحت عندهم دِينًا يرون الأخذ من أمر الله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف] ١ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة] ٢.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٢/ ٣٧٩. ٢ وانظر سورة لقمان ٢١. تفسير الطبري ٣/ ٣١٧، ١١/ ١٣٧.
[ ٥٩ ]
وكانوا يعتبرون ماهم عليه من تقاليد دينية واجتماعية متنوعة هي من مشيئة الله ورضاه؛ ولذلك فهي الأهدى والأصلح، وقد توارثوها أبًا عن جد، ولم لم تكن كذلك لمنعهم الله عنها١. وهذا يفسر لنا الموقف الشديد الذي اتخذه أهل مكة ضد الدعوة الإسلامية وضد النبي -ﷺ- والمسلمين، فإن قوة العصبية للتقاليد التي كانت من العوامل المؤثرة في ذلك من غير شك، كما أنها حالت دون كثير من ذوي قربى النبي -ﷺ- والدخول في الإسلام استجابةً لعصبية التقاليد، في الوقت الذي كانوا ينصرونه فيه ويقفون إلى جانبه ويحمونه استجابةً لعصبية الرحم، وعلى رأس هؤلاء عمّه أبو طالب الذي غلبته عصبية التقاليد على أمره٢ بالرغم من معرفته لصدق النبي -ﷺ- وبالرغم من إعجابه وإعجاب بني هاشم به، وما كان لهم من الفخر بظهور نبيّ ورجل عظيم منهم؛ إلا أن سلطان عصبية التقاليد كان شديدًا لدرجة أنه تغلّب على سلطان عصبية الرحم في نفَس واحد من بين هاشم، هو أبو لهب الذي شذّ على عشيرته وانضم إلى مناوئيهم استجابةً لعصبيةِ التقاليد الموروثة.
وهناك حالة تثبت قوّة عصبية التقاليد، وهي زواج النبي -ﷺ- من زينب بنت جحش مطلقة متبنّاه زيد بن حارثة، وقد كان مثل هذا الزواج محرمًا في الجاهلية، إذ كان المتبنى يعامل كالابن بالنسب- وكان إلغاؤه من الأمور الجسيمة التي تحتاج إلى قوّة نفسية كبيرة حتى ليتولّى كسر هذا التقليد النبي -ﷺ- نفسه ومع ناس من أهل بيته أولًا، والنبي -ﷺ- نقسه قد تحرّج من هذا الأمر وأشفق من الرأي العام حتى عوتب في القرآن، كذلك أشفقت زينب- وهي ابنة عمة النبي -ﷺ- وأشفق أخوها، واحتاج الأمر إلى شيء من الإنذار للمؤمنين بأن يخضعوا لأمر الله٣. وكذلك اشتبه في وقوع قتال في الشهر الحرام في إحدى السرايا التي أرسلها النبي -صلى الله عيه وسلم- في آخر رجب من السنة الثانية من الهجرة إلى بطن نخلة بين الطائف ومكة لتتعرف أخبار قريش، فالتقت بعير لقريش فقتلت أحد حرّاسها واستولت عليها، وانتهزت قريش هذه الفرصة فشنّت حربًا من الدعاية ضد النبي -ﷺ- والمسلمين لتثير الرأي العام العربي لحرمة التقاليد، وقد
_________________
(١) ١ انظر سورة النحل ٣٥. وسورة الأنعام ١٤٨. وتفسير الطبري ١٢/ ٢٠٨. ٢ انظر ابن هشام ٢/ ٢٧. ٣ انظر سورة الأحزاب ٣٦- ٤٠.
[ ٦٠ ]
أثّرت هذه الضحية التي أحدثتها قريش في المسلمين أنفسهم في المدينة، حتى احتاج الأمر إلى بيان من القرآن الكريم، يوضّح الموقف ويردّ على دعاية قريش١.
ومن قوة التعصّب للتقاليد نستطيع أن ندرك الحكمة في الإبقاء على كثير من التقاليد التي كان عليها العرب قبل البعثة. وسواء ما كانت منها متصلًا بحياة الناس الاجتماعية والعائلية أو ما كان له صبغة دينية؛ فقد كانت التقاليد راسخة بحيث كان الناس يعتبرونها جزءًا من كيانهم الاجتماعي الديني. وكان إلغاؤها يمكن أن يحدث كثيرًا من العقبات في سبيل انتشار الدعوة الإسلامية، لذلك تدرّج التشريع الإسلامي فألغى ما لا بد من إلغائه مما يتعارض مع جوهر الدعوة وأهدافها، أو كان فيه فحش ينبو عن الذوق الحسن، أو كان متنافيًا مع المصلحة العامة كالزواج من زوجة الأب والجمع بين الأختين والزنا والتخادن والمسافحة، والطواف العاري بالكعبة والذبح للأنصاب، وحرمة صيد البحر عند الإحرام، واكتفى بتهذيب الباقي تهذيبًا يجعله مفيدًا ومنسجمًا مع أسس الدعوة الإسلامية وأهدافها، أو غير متناقص معها، وكذلك تدرّج في التحريم -مثل تحريم الخمر- حتى لا يصطدم التشريع بتقاليد الناس وراسخ عاداتهم اصطدامًا شديدًا، كذلك وضع من الأسس ما يسمح بالتصرف بما يكون هو الأصلح كالاكتفاء بزوجة واحدة لعدم استطاعة العدل بين الزوجات المتعددات. كذلك يجعل أمر الأسرى للسلطان يَمن عليهم أو يفاديهم، حتى يقضي على الرق في المستقبل.
فنحن إذن أمام بيئة محافظة تحرص على التمسّك بعرفها القديم وتدافع عن وتستميت في هذا الدفاع حفاظًا على كيانها.
أثر العصبية في المجتمع العربي من الناحية السياسية
إذا كانت العصبية ذات أثر شديد من الناحية الاجتماعية في حفظ التوازن بين الجماعات القبلية التي يتألف منها المجتمع العربي وفي إقامة الروابط بينها، وفي دفع
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ٢١٧- ٢١٨، وتفسير الطبري ٤/ ١٩٩- ٢١٦. وابن هشام ٢/ ٢٤٠-٢٤٢.
[ ٦١ ]
الناس بعضهم ببعض، وصيانة حقوقهم وكرامتهم بل وحياتهم، فإن هذه العصبية الضيقة قد حالت دون تكوين مجتمع واحد كبير تصهر فيه جميع الوحدات القبلية، بل إنها على العكس من ذلك أوجدت مجتمعات صغيرة لكل منها كيانه السياسي الخاص؛ فغاية ما فكّر فيه العصبي الجاهلي من الناحية السياسية أنه إنسان ينتمي إلى قحطان أو عدنان، وذلك إذا تساهلنا وقلنا: إن مصطلحي "قحطاان وعدنان" ظهرا قبل الإسلام. بل حتى في صدر الإسلام كانت هذه النظرة الجاهلية الضيقة التي حاربها الإسلام لا تزال مستحوذةً على عقلية أكثر الناس، وقد عمل بها حتّى رجال الدولة الذين كان من واجبهم محاربتها ومقاومتها. وذلك لأغراض سياسية، وكان من نتائجها إضعاف القومية العربية واستغلال قحطان وعدنان لإسقاطهما على السواء. أما الأحلاف القبلية فلم تكن غايتهما قومية بعيدة وإنما كانت لمنافع ومصالح ذات أهداف ضيقة.
وكذلك ساعدت العصبية الضيقة على عدم الاستقرار؛ لكثرة الأطراف وحتمية التنازع بينها نظرًا لظروف البيئة العربية من الناحية الطبيعية والاقتصادية، وقد أدى التنافس والخلافات بين القبائل إلى الانزلاق في كثير من الأحيان إلى مستوى المنافسات التافهة، الأمر الذ ي أدّى إلى الشعور بعدم الرضا، وأوجد الرغبة لدى العقلاء وأصحاب الرأي إلى ضرورة توجيه العصبية توجيهًا قوميًّا ودينيًّا. وقد أحسّ المجتمع العربيّ بهذه الضرورة إحساسًا واضحًا قبيل ظهور الإسلام، وما إقرار هدنة الأشهر الحرام ومنع القتال فيها وإقرار الأمن، وكذلك الاتجاه نحو كثرة المحالفات وقيام الكتل الكبرى، ومحاولة رد العرب أنسابهم إلى أصل واحد أو أصلين كبيرين، إلا ظاهرة من ظواهر هذا الإحساس الذي أحس به المجتمع العربي كضرورة اجتماعية وسياسية، وكان ظهور الإسلام آخر الأمر متوِّجًا لهذا الإحساس العربي.
النسب
إذا كانت القبيلة قد اتخذت العصبية دستور حياتها، فإن هذه العصبية إنما هي ثمرة للنسب، فالعصبية آتية من فكرة القرابة وصلة النسب الحقيقي أو ما يجر مجراه من حلف أو ولاء أو جوار. وهذا المعنى هو الذي نعقد لإبرازه هذا العنوان. وقد كتب ابن خلدون فصولًا إضافية عن العصبية واتخذ النسب وصلة الدم أو ما يقوم مقامه أساسًا لها. وقد أُثر عن النبي -ﷺ- أنه قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به
[ ٦٢ ]
أرحامكم" بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة، وما فوق ذلك مستغنى عنه١.
ولقد كان أفراد القبيلة يعتقدون أنهم أفراد أسرة توالدت من أب واحد، بل ردّوا أصول القبائل كلها إلى أبٍ واحد وعنه نشأت هذه المجاميع الهائلة. ولكن بعض المؤرخين يشك كثيرًا في نسب القبائل؛ فإنه ليس من السهل معرفة الجد الأول لأسرة تتوالد منذ مئات السنين، وهم لم يخرجوا بعد عن عهد الفطرة، بل ذهب بعض المؤرخين إلى أكثر من ذلك، وتساءلوا هل ترجع العصبية حقيقيةً إلى أسرة أم إلى شيء آخر؟
وقد تناول هذا الموضوع المؤرخ الإنجليزي "روبرتسون سميث Robertson smith في كتابه: Kinship and Marriage in early Arabia" الذي يعد نموذجًا للبحث العلمي بالطريقة المستقصاة. وتتلخص نظريته في أن القبيلة ليست أسرةً، بل إنها خليط من الناس ككل الجماعات الأخرى، لا يربطها رابطة النسب، بل رابطة الصلة والتضامن، ثم رابطة الديانة الفطرية التي تسمى طوطمية Totemism وهذه الديانة عبارة عن مرحلة من مراحل الاعتقادات الفطرية توجد في المجتمعات الأولية "Primitive societies" ولا تزال موجودة عند القبائل التي لم تتحضر في أفريقيا وآسيا وأمريكا. وقد وجدت عند الأمم القديمة كاليونان والرومان واليهود وربما عند المصريين٢.
وكان هذا الطوطم "Totem" حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا، تعبده القبيلة تعتقد أنها تناسلت منه بشكل خفيّ غامض، وأن دمه يجري في
عروقها، ويقول هذا المؤرخ سميث: إن هناك ثلاثة شروط أساسية لوجود الطوطمية Totemism:٣
١- أن توجد قبائل ذات أسماء حيوانية أونباتية أو جمادية.
٢- أن تعتقد هذه القبائل تناسلها من هذه الكائنات.
٣- أن تعبد هذه الكائنات.
_________________
(١) ١ عن العصبية والنسب. انظر مقدمة ابن خلدون من ١٤٥- ١٥٢. ٢ "انظر": Smith، P. ٢١٧- ٢٥١ ٣ Op. Cit.P.٢١٩
[ ٦٣ ]
ويقول: إن هذه الأدلة متوافرة في المجتمع العربي القديم: فبنو كلب وبنو نمر وبنو أسد أسماء حيوانية، وبنو حنظلة اسم نباتي، وبنو صخر وبنو جندل اسمان جماديان. أما الشرط الثاني الذي يدل على التناسل فهو الكنية الموجودة في اسم القبيلة "بني"؛ فقبيلة كلب وقبيلة أسد مثلًا تقول: إنهم بنو كلب وبنو أسد، وهذا راجع لاعتقادهم أن القبيلة من أصل واحد١. وأما الشرط الثالث فإنه وجد في المجتمع لاعتقادهم القديم قبائل كانت تقدس حيوانات أو نباتات، ومعنى التقديس هنا هو أن يحرموا ذبح ذلك الحيوان أو النبات ويمنعوا أكله، وإذا مات الحيوان؛ فإنّهم يحتفلون بدفنه عند موته. ومن معبودات العرب القدماء يغوث وكان على صورة أسد٢ ونسر كان على صورة نسر٣، كذلك كانوا يعتقدون في العزّى تحلّ في ثلاث شجرات، فلما ظهر الإسلام أمر النبي -ﷺ- بهدم معبد العزى وبقطع الشجرات.
كذلك كانت القبيلة العربية تعتقد أن دمها مقدّس يجب المحافظة عليه، مما يدل على اعتقادها بأنها متناسلة من معبودها؛ ولذلك فإن أي قتل من القبيلة يعتبر اعتداء على القرابة الروحية التي تربط القبيلة بعضها ببعض، ومن هنا تتضح قوة الثأر عند العرب القدماء، كذلك كان لا يدخل في القبيلة أجنبي إلا بعد إجراءات وطقوس للعمل على امتزاج دم هذا الأجنبي بالقبيلة نفسها.
وإذا ناقشنا نظرية سميث رأينا أنها لم تطبق تطبيقًا صحيحًا على المجتمع العربي؛ فإنه حقيقة توجد قبائل لها أسماء حيوان أو نبات أو جماد، لكن هذه الأسماء أسماء أشخاص وليست أسماء رموز أو طواطم، فإن القبائل التي تسمّت بهذه الأسماء لم تعتقد بانحدارها عن حيوان أو نبات أو جماد فبنو أسد مثلًا يعتقدون أنهم من نسل رجل يسمى "أسد" وليس من نسل الأسد الحيوان الرمز الإلهي "الطوطم" فقد ردّوا "أسد" نفسه إلى أب وإلى جد أعلى، ولم يعتبروه جدًا إلا لهذه القبيلة التي هي فرع من أصل كبير مردود إلى أب أعلى معروف بإنسانيته. وكذلك الحال في بني
_________________
(١) ١ op. cit. p. ٢٢٣- ٢٢٤ ٢، ٣ ليس عند ابن الكلبي ما يشير إلى أن يغوث كان على صورة أسد أو أن نسرًا كان على صورة النسر، وودًا وسواعًا ويعوق، كانوا على صورة الناس "الأصنام ٥١" وأن يغوث كانت تعبده مذحج، ونسرًا كانت تعبده حمير "نفسه ٢٥".
[ ٦٤ ]
فهد وبني حنظل وبني صخر وغيرهم. وهذه الأسماء مشهورة متعددة عند العرب وليست أسماء آلهة، كما أن هذه القبائل التي لم تعبد آلهة بهذه الأسماء بل لا يوجد من الأصنام العربية من هو بهذه الأسماء، وإذا كان "سميث" قد أشار إلى يغوث على أنه كان على صورة الأسد أو إلى نسر على أنه كان على صورة النسر، فإن ابن الكلبي لا يصفها بهذه الصفات؛ وإنما وصفها بأنها على صورة الآدميين، كما أن بني أسد لم يعبدوا "يغوث" ولم يوجد من يسمى بنو نسر. هذا إلى أن تقديس العرب لبعض الأشجار أو الأصنام لم يستتبعه انتسابهم لها، كما أن عبادة الحيوان أو الطير لم تكن موجودة في بلاد العرب، ولم يقدس العرب حيوانًا أو طيرًا فيحمونه ويحتفلون بدفنه كما هو الحال عند غيرهم. أما رابطة العصبية؛ فقد دعت إليها ظروف المجتمع القبلي وحاجة الناس فيه إلى التضامن الشديد حفظًا لدمائهم وأموالهم، في مجتمع لا توجد فيه حكومة مركزية تقيم القانون وتحمي الحقوق. وغاية ما في الأمر أنه وجدت آثار تشبه ما لهذا النظام الطوطمي في بلاد العرب، وليس ببعيد أن يكون هذا النظام قد مرّ في طور من أطوار بعض القبائل، إلا أنه لم يرتبط بأنساب العرب إطلاقًا.
وهناك مسألة أخرى تتصل بهذا الموضوع، وهي أنه كان في القبائل العربية ما يعرف بالخئولة والعمومة، والأولى هي القرابة من ناحية الأم، والثانية هي القرابة من ناحية الأب. ولقد كان للخئولة شأن جليل في العصر الجاهلي بخلاف ما كان لها في الإسلام. ومسألة الخئولة رابطة يردها "سميث" إلى الطوطمية فيقول: إن نظرية الطوطمية في المجتمعات العربية القديمة تحرم الزواج من داخل القبيلة نفسها، أي أن الإنسان لا يتزوج من قبيلته، بل يتزوج من خارجها. ولقد كانت المرأة تمكث في قبيلتها ولذلك نجد أن الطفل ينشأ فيجد نفسه بين أخواله ومن هنا كانت القبيلة تتعصب لزوج المرأة، والأولاد يتصعب لهم أخوالهم، ولما انتقلت الزوجة إلى قبيلة زوجها أصبح الأولاد يفخرون بأخوالهم عند اللزوم. ومع تقدم المجتمع انتقلت المرأة إلى قبيلة زوجها، وتخلفت عن ذلك ذكريات هي الأصل في الفخر بالخئولة والتعصب لها؛ إنما أخذت تظهر قوة العمومة نتيجة لوجود الزوجة بقبيلة زوجها. ولقد أدى ذلك إلى أنه بعد أن كان الزوج ضعيفًا بالنسبة لزوجته أصبح سيدًا عليها، وارتفع شأن العمومة لدى الأولاد الناشئين١.
_________________
(١) ١ Geralp de gaury، Rulers of Mecca، p. ٢٥. smith، p. ٩٢.
[ ٦٥ ]
ولكن نظرة إلى أنساب العرب تنقض هذا القول فإن العرب ذكروا نسب المرء لأمّه كما ذكروه لأبيه، ونجد زواجًا كثيرًا وقع بين الأقارب والقريبات من بنات العم، وليس هذا في الجاهلية القريبة فحسب، وإنما هو موجود في الجاهلية البعيدة؛ الأمر الذي ينقض نظرية الطوطمية في هذا الموضوع. ثم إن العرب لم يكونوا يتجافون عن زواج القريبات تحت تأثير الفكرة الطوطمية وإنما كان ذلك تحت تأثير فكرة الوراثة التي تقول أن التزاوج بين الأقارب يورث الأولاد أضعف صفات النوع.
قال الشاعر العربي:
تجاوزت بنت العم وهي حبيبة مخافة أن تُضْوِي على وليدي
على أن التصنيف المعروف للقبائل العربية هو حاصل عرف جرى عليه النسابون. ونحن لا نعرف تدوينًا للأنساب عند أهل الجاهلية، وإن عرفنا أناسًا اشتهروا بمعرفة النسب في الجاهلية وفي أول الإسلام من أمثال أبي بكر الصديق وغيره؛ وإنما نعرف أن أول تدوين رسمي هو التدوين الذي تم في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين وضع ديوان الجيش، وظهرت الحاجة إلى تسجيل القبائل فسجلت، ولم تصل إلينا -ويا للأسف- سجلات هذا الديوان، ولم يصرح أحد من النسابين أنه أخذ مادة أنسابه من تلك السجلات. وإنما الذي بين أيدينا هو خلاصة وجهة نظر النسابين في أنساب القبائل، وعلى
هذا التقسيم اعتمد المعنيون بهذا الموضوع.
على أن أمر تقدير النسب في حد ذاته أمر بالغ غاية الصعوبة، وذلك لما يعرض له من التداخل، نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تحياها القبائل العربية. فلم يكن المجتمع العربي من التحاجز والتباعد بحيث تعيش كل قبيلة منفصلة عن غيرها في إطارها الخاص وفي جوها المتميز، ولا يكاد يكون بينها وبين غيرها إلا الغارات أو الحذر من الغارات؛ وإنما كان هناك حركة دائمة تسوق هذه القبائل وتقارب بينها، فإن القبائل كانت متصلة متداخلة وكانت كذلك متحركة متقلقلة لا تكاد تتخذ شكلًا معينًا حتى يعرض لها من ضرورات الصلة ومصالح الجوار ومؤالفة المجتمع ما يضطرها إلى أن تنصهر أو تندغم في قالب جديد، فكثيرًا ما كانت بطون من القبائل تضطرها الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية إلى أن تفارق قبائلها وتتصل بقبائل
[ ٦٦ ]
أخرى عن طريق الحلف أو الجوار، ثم لا تلبث أن تندمج فيها وتنتسب إليها، ثم قد يطرأ لها ما يجعلها تخرج عنها إلى أخرى فتعدل نسبها إليها١، كذلك كان يحدث أن تهاجر بعض البطون من قبائل متعددة ثم تلتقي في مكان واحد فيجمعها الجوار وتربط بينها المصلحة المشتركة، وقد يكون بعضها من الشمال وبعضها من الجنوب، ثم يقع بينها الحلف فتصبح قبيلة واحدة، قد تتخذ اسمها من المكان أو الإقامة أو التجمع، كما تكونت قبيلة تنّوخ على أطراف العراق٢. وقد يختلط الأمر على النسابين حين تتشابه أسماء القبائل وتتعدد هجراتها فينسبون إلى الشمال قبائل من الجنوب وينسبون إلى الجنوب قبائل من الشمال، ويقع لذلك بينهم كثير من الخلاف٣.
وكما كانت الحركة نشيطة بين القبائل كانت كذلك أشدّ نشاطًا بين الأفراد٤، فلم تكن تبعية الأفراد للقبائل، في مثل الصرامة التي استقرت في الأذهان ولم تكن نسبة الفرد إلى قبيلته هذه النسبة الحادة التي لا تعرف التحول ولا تستطيع الإفلات؛ وإنما يبدو أنه كانت هناك حرية واسعة يستطيع معها الأفراد من قبيلة أن يغادورها إلى قبيلة أخرى، فينزلون عليها وينتمون إليها ويبنون بنساء منها وتكون لهم هذه القبيلة مجتمعًا جديدًا، ويختلط بنوهم بنسبها، وأكبر مَثَلٌ لذلك شأن قبيلة بجيلة حين ولّى عليهم الخليفة عمر "عرفجة بن هرثمة" فسألوه الإعفاء منه، وقالوا: هو فينا لصيق، أي دخيل، وطلبوا أن يولي عليهم جرير بن عبد الله٥، فسأل عمر عن ذلك فقال عرفجة: "صدقوا يا أمير المؤمنين، أنا رجل من الأزد أصبت أدمًا في قومي ولحقت بهم" فانظر كيف اختلط عرفجة ببجيلة ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم حتى رشح للرياسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه، ولو غفلوا عن ذلك وامتد الزمن لتنوسي، وعدّ منهم بكل وجه ومذهب٦، وكذلك الحال في أمر قيس بن مكشوح
_________________
(١) ١ الأغاني ٤/ ٣٦٧- ٣٦٨. ٢ بروكلمان، تاريخ الأدب العربي ص ١٢٤. ٣ ابن هشام ١/ ٥-١٢، الأغاني ٤/ ٣٠٣- ٣٠٧. القلقشندي نهاية الأرب عن بجيلة ص ١٧١ وعن خثعم ص ٢٤٣. صبح الأعشى ١/ ٣٢٩- ٣٣٠. الروض الأنف ١/ ٦٠. ٤ ابن الأثير ١/ ٣٣٩- ٣٤٣.
(٢) الطبري ٢/ ٦٤٦. ٦ ابن خلدون، المقدمة ١٤٧.
[ ٦٧ ]
المرادي، إنما هو حليف لمراد١ وكان الحطيئة الشاعر إذا غضب على بني عبس يقول: أنا من ذهل، وإذا غضب على ذهل قال: أنا من بني عبس٢. ولقد كانت المرأة تطلَّق من زوجها، وهي حامل، أو يموت عنها فتتزوّج رجلًا آخر فتلد مولودها في بيته فيسمى به، وكثير من قبائل العرب انتسبوا إلى حاضنهم وإلى رابهم "زوج أمهم"٣ وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى جاء الإسلام وأنزل الله تعالى قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب] ٤.
وهكذا كان أمر تقرير الأنسباب وبخاصّة الأنساب البعيدة، أمرًا بالغ الصعوبة. على أن سلامة النسب وصراحته إنما تكون في القبائل المتبدية أكثر منها في القبائل التي تعيش في مناطق الحضارة وتجاور الأمم الأخرى، وذلك لبعد القبائل المتبدية عن الاختلاط والتصاهر والانصهار. واعتبر ذلك من مضر في قريش وكنانة وثقيف وأسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة؛ لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع، فكانت أنسابهم صريحة محفوظة ولم يدخلها اختلاط ولا عرف فيهم شوب٥. وهكذا يقرر ابن خلدون. وإن كان الاختلاط موجودًا في مثل هذه الحالات بنسبة ضئيلة.
على أنه مهما في الأنساب من الشك - فإنه إذا وجدت ثمرات النسب فكأنه وجد؛ لأنه لا معنى لكون الفرد من هؤلاء أو من هؤلاء؛ إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنه التحم بهم٦. وسواء أصحت الأنساب أم لم تصح فقد اعتنقها العرب، ولا سيما متأخروهم، وبنوا عليها عصبيتهم. وقد جاء الإسلام وكان قد تم اعتقاد العرب أنهم في أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة: مضر، وربيعة، واليمن٧.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ١/ ٣٩. ٢ الأغاني ٢/ ١٥٨. ٣ نفسه ٥/ ٢-٤. ٤ الروض الأنف ١/ ١٣، ١٦، البخاري ٥/ ٨٢.
(٢) المقدمة ١٤٥. ٦ المقدمة ١٤٦. ٧ فجر الإسلام ص ٨٠.
[ ٦٨ ]
مهمة الدفاع لدى القبائل
١- نظام الجندية وطبيعة الأعراب:
لقد طبعت حياة الصحراء العربي على الحرية المطلقة إلى أقصى حدّ، والنفرة من القيود، وأصبح من طبع البدوي الذي ينتقل مع الكلأ والماء أن ينفر من الحضر؛ لأنه بطبيعته صار يكره الاستقرار في مكان واحد ويمل منه، وبديهي أن يؤثر هذه الطبيعة في نظريته إلى السياسة، وفي طريقة حربه؛ فهو مع كبير مهارته في حروب العصابات المبنية على الكر والفر، والتي مرن عليها في حياة الصحراء التي طبعته بطابع الحذر والاستعداد دائمًا، والتي كانت الغارة والغزو السريع المفاجئ من طبيعة الحياة فيها؛ فإنه لم يكن يستطيع المكوث في الحرب صابرًا حتى تنجلي عن نتيجة، ولا يظهر تعاونه مع بقية المحاربين على ما تقتضيه قوانين الجندية ونظمها، ثم إنه لا يبالي بترك موقعه في المعركة متى شاء ومتى ظن أن النصر قد تحقّق، ولو كان ذلكم مُخالفًا للأوامر الصادرة إليه من القيادة، وما حدث في موقعة أحد خير شاهد على ذلك، فإن الرماة الذين وضعهم النبي -ﷺ- خلف جيش المسلمين ليحموا ظهره، وأمرهم ألا يبرحوا أماكنهم مهما كانت الظروف إلا بأمره، ما كادوا يرون تقهقر جيش العدو حتى ظنوا أنه النصر وتركوا أماكنهم بالرغم من شدة الأوامر إليهم، وسببوا بذلك هزيمة للجيش.
ولما كان النظم العسكري يتطلب تدريبًا خاصًّا ومعيشة في ثكنة أو معسكرات وقتية للتدريب والتعليم أمدًا، والتثقيف في كيفية استعمال الأسلحة، وهي أمور لا يميل الأعرابي إليها، صار الأعرابي أقصر باعًا من الجندي النظاميّ في الحروب الكبيرة المنظمة
وأقل حيلةً منه، كما أن عدم احتماله صبرَ الحرب، وعدم تقيّده بأوامر رؤسائه إليه، جعله يخسر بعد نصر ويفرّ بعد هجوم
كما لم تدرك القيادات في الجاهلية معنى إحكام الحصار والصبر عليه، ولا معنى احتلال المدن بعد هزيمة الجيش المدافع، فلم يدرك أبو سفيان بن حرب وهو على قيادة جيش قريش يوم أحد قيمةَ نصره، فلم يدخلِ المدينة ويحتلها مع أن الفرصة كانت مواتيةً له بعد هزيمة المسلمين وتفكّك جيشهم، كما لم تستطع قريش وأحلافها الصبرَ على الحصار طويلًا في معركة الخندق، فتراجعت
[ ٦٩ ]
دون أن تحقّق شيئًا. وكما أن البدوي يعمل فرديًّا، كذلك كانت البطون فرديةعند اشتباك القبائل؛ فقد يرتدّ بطن من المعركة أو قد يتركها قبل أن تتمّ.
ولمحاربة هذه العادات عند العرب احتاج تدريبهم في أيام النبي -ﷺ- إلى استغلال العاطفة الدينية، فزخر القرآن بالآيات المنظمة للقتال، وتفضيل التراص في الحرب على الفردية ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف] .
والمحذرة من عدم الصبر والهزيمة عند استمرار القتال، كما توعد المخالفين للأوامر والفارّين عند اللقاء بالعذاب الشديد، كما ندّد بدعاة الهزيمة والمتخاذلين الذين يعتذرون بشتىّ الأعذار عند رؤية العدو١.
ولقد كانت الحروب التي وقعت في أيام النبي -ﷺ- وفي حروب الردّة فرصة طيبة لتعويد العرب التنظيم الحربيّ وخوض المعارك الكبيرة، وتدريب القادة؛ حتى إذا ما اندفع العرب إلى المجال الخارجيّ أيام الفتوح بعد انتهاء حروب الردّة، كان الجنديّ العربي أكثر قدرة على القتال من عدوِّه الفارسيّ أو الروميّ؛ ذلك لأن خشونة البدو وروح المغامرة مع الحذر المتأصِّلة فيهم انضاف إليها التدريب والتنظيم، فكانوا قوةً ساحقةً لم تستطع جيوش فارس والروم الوقوف في وجهها.
٢- الجيش عند القبائل:
لم يكن لدى القبائل جنود نظاميون مدرّبون؛ وإنما كان كل فرد من رجال القبيلة متمكنًا وذا قدرة على القتال، جنديًا محاربًا عليه تلبية النداء حين يدعي إلى الدفاع عن قبيلته أو لغزو قبيلة أخرى وكانت العصبية تدعو العربي إلى الوقوف في صفوف عشيرته إذا كانت القبيلة تقاتل قبيلةً أخرى وفي صفوف قبيلته إذا كان هناك قتال تشترك فيه قبائل متعددة. هذا في القبائل المتبدية. أمّا في أماكن الحضارة والاستقرار كما هو الحال في اليمن أو في الحيرة أو عند الغساسنة -فقد كانت المشيخات أو الإمارات تعتمد في الدفاع أو الهجوم على قبائلها، كما كان على القبائل أن تقدّم للملك عددًا معينًا من الرجال للخدمة العسكرية، كما هو الحال في المنطقة الغربية الجنوبية.
_________________
(١) ١ انظر سورة آل عمران ١٣٩- ١٧٠، النساء ٧١- ٧٢، ١٠٤، التوبة ٣٥- ٣٨، ٤١، ٩٤، الأنفال ٢-١٢، النحل ٩٢، الفتح ١٦، الأحزاب ١٢- ١٦.
[ ٧٠ ]
"مملكة اليمن" أو في مملكة الحيرة، ومن هؤلاء يتألف الجيش النظامي للدولة وهو جيش دائم يُستخدم في السلم والحرب، أما في أيام الحروب فتشترك القبائل المتحالفة والمؤيدة للدولة كلها في الحرب، وقد حدث في أيام النبي -ﷺ- كما حدث في حروب الردة، وكذلك في الفتوح الإسلامية، ولقد كانت القبائل تقاتل تحت رايتها متساندةً تحت إمرة رجال منهم يخضعون للقيادة العامة.
على أن العرب قد عرفوا علم الحرب كما علمته دول الحضارة في عصور الجاهليةالعربية؛ فقد كانت غسان على مقربة من الروم وكانت تدخل معهم في الفِرق المتطوعة على حالي الدفاع والهجوم، وكذلك كان ملوك الحيرة على مقربة من الفرس يشاركون في تكوين جيوشهم وفي حروبهم، وكان لملك الحيرة فرقتان إحداهما هي الشهباء والأخرى عربية تحمل شعار الدولة الفارسية "الأسدان" وتسمى به "الدوسر"١. والعربيّ لا يحتاج إلى أكثر من هذه المقاربة وهذه القدوة لالتقاط الفنون التي يحتاج إليها في تعبئة الجيوش، وللفطنة إلى المخاوف التي يتقيها في مواجهة التعبئة النظامية من جانب دول الحضارة، وقد تبين هذا فعلًا في موقعة ذي قار التي تغلب العرب على الفرس فيها٢.
وقد كان العرب في هذه الموقعة أبرع قيادة وأخبر بفنون الزحف والتبعئة من قادة الجيوش النظامية، فلم يغفلوا قطّ عن حيطة واجبة أو حيلة نافعة قبل اشتباكهم بالجيوش الفارسية؛ بعثوا الطلائع وبثوا العيون وقسموا جموعهم إلى ميمنة يتولاها بنو عجل، وميسرة يتولاها بنو شيبان، وقلب تولته بطون من بكر بن وائل عليهم رئيسهم هانئ بن مسعود. وحاولوا إفساد الموقف على العدو بضمّ بعض القبائل الموالية له، وهي قبيلة إياد التي اتفقوا معها سرًّا على أن تنهزم عند اللقاء. ففرت في الميعاد المتفق عليه. كما كانوا يتشاورون في المواقف، وعرفوا كذلك نظام الكراديس والكمائن، ولم يغفلوا عن حمية الجند والفرسان يلهبونها للمجازفة بالحياة والأنفة من طلب النجاة، وهو ما نسميه بالروح المعنوية.
_________________
(١) ١ النويري ١٥/ ٤٣٢. ٢ ابن الأثير ١/ ١٨٩- ٢٩١، النويري ١٥/ ٤٣٢.
[ ٧١ ]
فالعرب قد برعوا في حرب العصابات بالمرانة الطويلة، ثم اقتبسوا ما لزمهم أن يقتبسوه من فنون الحرب عند الدول الكبرى على أيامهم، فلم يخسروا بذلك إحدى الطريقتين، بل جمعوا بينهما واستفادوا بما تفيده كل منهما في موضعها، فأضافوا سرعة العمل في طريقة العصابات إلى إحكام التنظيم في طريقه الجيوش، وكانوا يقاتلون بفنين متساندين يأخذون منهما ما يأخذون ويدعون ما يدعون. ومن المحقّق أن قبائل العرب التي أقامت في الحواضر كانت على مر الزمن تتلقى النصيب الأوفى من كلتا الطريقتين إما بالقدوة أو التلقين والتعليم المقصود.
[ ٧٢ ]
الوضع الاقتصادي
يتميز المجتمع العربي إلى بدو وحضر. والبدو سكان البادية، وفي البادية يتميز نوعان من الأرض التي وإن كانت صحراوية رملية عديمة المطر في الصيف إلا أنها في الشتاء بعد فصل الأمطار القليلة كانت تغطى -وبخاصة في الوديان- بالأعشاب الخضراء التي تعتبر مجالًا طيبًا لرعي الماشية من الماعز والضأن وبخاصة الجمال التي كان البدو يعتمدون عليها في حياتهم؛ ينتقلون عليها ويشربون ألبانها ويتغذون بلحومها ويتنفعون بأوبارها وجلودها في نسج ملابسهم، وإقامة خيامهم. والأراضي الأكثر خصوبة والتي تتميز بوجود بعض الآبار والعيون بها حيث تنبت أشجار النخيل والشجيرات ذات الروائح العطرية، وكانت هذه الأراضي ملجأ أهل البادية في الصيف؛ حيث تجفّ الأعشاب، فيجدون فيها الماء والغذاء لجمالهم، والثمر لغذائهم.
من أجل ذلك اتّسمت حياة البادية بالرحلة والتنقل، وكثر تشاحن القبائل للاستيلاء على قطعان الماشية وممتلكات الغير وأصبح جزءًا من مقومات الحياة البدوية. وأصبح السلب والنهب لا يعد جريمةً في نظر البدوي سواء كان ذلك غارة على واحة أو على قافلة، ومن هنا اتسمت حياة البادية سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية بالتقلقل الشديد، كما اتسمت بالقسوة وموت العاطفة عند الأعراب الفقراء حتى ليقتلون أولادهم خشية الإملاق، كما قلت: قيمة المرأة عن قيمة الرجل، وإن كانت تسهم في الحياة العامة، فتشارك الرجل في حمل أعباء الحياة المدنية من القيام على المنزل وأعمال النسج والحياكة وإعداد الطعام؛ إلا أنها أقل غناء في الحرب، وفي
[ ٧٢ ]
هذا الجو المتغلغل اعتبرت عالة وتبرم بها الناس وبميلادها ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل] وقد بلغ الأمر ببعضهم فعلًا أن يدسها في التراب؛ فقد كان الجفاة من فقراء الأعراب يئدون بناتهم كراهية أن تشاركهم في طعامهم؛ لشدة الفقر أو كراهية أن تتعرض للسبي والمعرة في حالة الضعف.
ثم الجهات الحضرية في الواحات التي تكثر فيها الينابيع والأودية وتنمو فيها أشجار الفاكهة والنخيل والحبوب، وفي المحطات التجارية التي كانت تقوم فيها القرى والمدن، وتستقر الحياة معتمدة على نتاج الأرض أو ما تجلبه التجارة من الرزق.
ولفقر البادية وضآلة مواردها اضطر الأعرابي إلى التفتيش عن رزقه بالغزو؛ ولهذا لافت القرى والمواقع الخصبة خاصة عنتًا شديدًا من الأعراب، الذين أصبحوا ذوي بأس شديد لتعودهم على مثل هذه الغارات وتخصصهم في سرعة المباغتة والفرار، ولما لم تكن هناك حكومات كبيرة تدفع الأذى عن المتحضرين وتكبح جماح البدو، فقد اضطر هؤلاء إلى مصانعة القبائل البدوية بدفع الإتاوات لها مقابل عدم التحرش بهم، ولحماية قطعانهم ومساكنهم، ولتمرير قوافلهم آمنة من القبائل الطامعة في الربح السهل عن طريق الغزو. وقد كانت هذه الإتاوات مصدر دخل ثابت لكثير من البدو في كثير من الأحيان، كما كان رؤساء القبائل القوية يفرضون أحيانًا إتاوات على القبائل الصغيرة الخاضعة لهم، وكان هذا مصدرًا من مصادر التذمر والحروب إذا اشتط بعضهم في جمعها، وقد كانت القبائل تدفعها مكرهة، مقهورة حتى إذا وجدت فرصة أو ظروفًا مناسبة تساعدها على التخلص من ذلك انتهزتها ولو عن طريق الاغتيال والقتل، كما حدث لزهير بن جذيمة العبسي، فقد كانت هوازن تدفع له إتاوة، فلما عنف عليها في جمعها ووجدت فرصة مناسبة تمكنت فيها منه قتلته١.
والمجتمع القبلي بوجه عام -من وجهة النظر الاقتصادية- مجتمع بسيط التكوين يتألف من طبقتين اقتصاديتين: طبقة أصحاب الأموال من التجار وأصحاب الإبل الذين تتركز في أيديهم الثروة وتتحكم أموالهم في الحياة الاقتصادية. وطبقة
_________________
(١) ١ ابن الأثير ١/ ٣٣٧- ٣٣٨.
[ ٧٣ ]
الفقراء الذين لم يستطعيوا المشاركة في النشاط التجاري الجارف في المدن، والذين أوصدت طبيعة الحياة الرعوية في مجتمع البادية أبواب الثراء في وجوههم. وقد كانت الملكية تنقسم إلى قسمين: ملكية ثابتة وهي الأراضي والدور. والأراضي في الواحات الزراعية يملكها الأفراد ملكية خاصة، أما أرض المراعي الصحراوية فملكيتها شائعة للقبيلة كلها، أو هي للأقوى وللأسبق عليها. وأما الدور فهي في المدن ملكية ثابتة تباع وتكرى وتوهب، وعند البدوي لا توجد المباني؛ وإنما تقوم الخيام، وكل يملك خيمته التي ينقلها معه في ترحاله، وملكية سائلة وهي إما حيونية من جمال وماشية وأغنام، أو عروض تجارة، أو رقيق من رجال ونساء.
ويوجد في المدن من يتملك الأراضي والدور والماشية ومن له مال للتجارة ورقيق، وهؤلاء الأغنياء على درجات في الثروة، كما يوجد إلى جانبهم فقراء لا يملكون شيئًا. وفي البادية يوجد من يملك ألوف الإبل كما يوجد من لا يملك شيئًا إلا خيمته، وأحيانًا لا يمتلكها. وعلى ذلك وجدت في المجتمع العربي طبقتان اقتصاديتان، غنية وفقيرة، على درجات متفاوته بين أفرادها في كثرة الغنى وشدة الفقر.
وكانت الهوة الاقتصادية بين هاتين الطبقتين بعيدة الغور إلى حدّ كبير مما أدّى إلى اختلال التوازن الاقتصادي بينهما اختلالًا شديدًا، وهذا الاختلال الاقتصادي وقف منه القرآن الكريم موقفًا حاسمًا حين حمل شعواء على طبقة المرابين المنشترين في المدينة التجارية الذين زادوا بجشعهم في عمق هذه الهوّة بين الناس، وحين توعد بالويل والعذاب أولئك التجّار الذين كانوا يلجئون إلى الغش في البيع والشراء، وسماهم المطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وحين نعي على الأعراب قسوتهم وتحجر نفوسهم حين ليئدون بناتهم ويقتلون أولادهم خشية الإملاق. كما حاول أن يضع حدًّا لهذا بما فرضه من الزكاة والصدقات والكفارات، وما قرّره من حقوق على الأغنياء للفقراء وبما نظمه من علاقات بين المتداينين.
وبقدر ما كان الفرق الاقتصادي بعيدًا بين هاتين الطبقتين، كان الفرق النفسيّ بينهما قريبًا، فقد كانت الطبقات الفقيرة تؤمن في قرارة نفسها بأنّها لا تقل شيئًا عن الطبقات الغنية، وإذا كانت الحياة قد أغدقت على غيرهم وحرمتهم فتلك خطيئة المجتمع الذي يعيشون فيه وليست خطيئتهم، وماذا يمكلون لتغيير حظهم في الحياة
[ ٧٤ ]
في مجتمع صحراوي موارد الرزق فيه محدودة ومجال العمل فيه ضيق. إن تلك القوافل التجارية التي تسيل بها شعاب الصحراء، وهذه القطعان من الماشية التي يضيق بها حمى القبيلة، كان من الممكن أن يكون لهم فيها نصيب لو أن المجتمع سار على قواعد عادلة غير القواعد التي يسير عليها.
على هذا النّحو كان بعض الفقراء المتمردين على وضعهم الاقتصادي يتصوّرون مشكلتهم التي لم يجدوا لها حلًّا إلا بالفرار من مجتمعهم القبلي إلى الصحراء، ليشقوا طريقهم في الحياة معتمدين على قوتهم. وفي أعماق الصحراء الغامضة، وعلى مرتفعاتها الواعرة التي تستعصي على المطاردين، على طول الطرق التجارية التي تسير بها القوافل المحمّلة بالأموال والأرزاق. وعلى مقربة من مواطن الخصب والثراء ومراكز النشاط التجاري في الجزيرة العربية، انتشرت عصابات الصعاليك ممن نفتهم ظروف الاقتصاد أو ظروف الاجتماع عن الحياة العامة من مخلوعي القبائل وشذّاذها ومن هجنائها وأغربتها ومن فقرائها المتمردين ليؤلفوا فيما بينهم، بعيدًا عن المتجتمع النظامي، مجتمعًا فوضويًّا متمردًا يتخذ من الغزو والغارة والفتك وسائل للحياة،
ومن السلب والنهب وقطع الطريق وسائل للعيش، مؤمنًا بأن الحق للقوة وأن القوة تبرر الوسيلة.
ومن الحقّ أن نسجّل أن هذا المجتمع الفوضويّ المتمرّد لم يكن من حيث وسائله إلا صورة من المجتمع القبليّ من حوله والذي كان يؤمن بالغزو وسيلة مشروعة من وسائل الحياة وأسلوبًا معترفًا به من أساليب العيش؛ غاية ما في الأمر أن هذه الحركة المتمردة "حركة الصعاليك" كانت حركة فردية. تتم خارج النطاق الجماعي الذي كانت القبائل تتصرّف في داخله، في حين كانت حركات القبائل حركات جماعية تتم في داخل هذا النطاق. وقد انتشرت هذه العصابات المتمرّدة في أرجائها وقد جمع بينها التشرد والفقر، والتمرد على النظام القبلي وما كان يؤمن به من وحدة الدم ووحدة الجماعة، والكفر بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تسيطر على مجتمعات القبائل من حولهم١، والإيمان بأن الأوضاع في حاجة إلى ثورة تغير منها.
_________________
(١) ١ عن الصعاليك، انظر شوقي العصر الجاهلي ٣٧٥- ٣٨٧.
[ ٧٥ ]
أسواق العرب
لكل قبيلة فائض من الثروات تحتاج إلى الاتجار به أو استبداله بما هي في حاجة إليه، ويتم ذلك في الأسواق. وقد كان للعرب أسواق عامة يجتمعون فيها للبيع والشراء وتبادل المنافع، وكانت هذه الأسواق تقوم في أيام معينة من السنة، كما كانت تعقد في أماكن فسيحة يتوافر فيها الماء لسد حاجة المجتمعين، كما كانت تقوم بقرب المراكز الحضرية والتجارية، وكان الأعراب يفدون إلى هذه الأسواق يعرضون سلع البادية، وأحيانًا يعرضون ما وصلت إليه أيديهم عن طريق الغارة على القوافل أو على المسافرين، وليتزودوا من هذه الأسواق بما يلزمهم من مئونة وملابس وغيرها.
وكان أهم هذه الأسواق في الحجاز سوق عكاظ، وكانت تقوم في سهل منبسط بين مكة والطائف، وهي أذكر سوق وأعرفها في الجزيرة العربية كلها، وكانت سوقًا عظيمة يغشاها العرب في كافة أنحاء الجزيرة العربية، وإن كانت قبائل مضر أكثر غشيانًا لها من غيرها لوقوعها في منطقتها١، وقد ساعد على نموّ هذه السوق قيامُها في الأشهر الحرم التي كان يحرم فيها القتال، ويأمن الناس فيها على أموالهم وأنفسهم٢، وقد حتّمت الضرورات الاقتصادية أن تحاط الأسواق بما يضمن للناس الأمن فيها. وفي هذه السوق كان تباع مختلف التجارات والسلع الثمينة التي كانت تحملها قوافل التجارة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وكان لتجار قريش فيها أكبر النصب، لقربها من مكة، ولسيطرة مكة وخصوصًا في الخمسين سنة التي سبقت ظهور
الإسلام على قوافل التجارة: وحتى البضائع المسروقة كانت تباع في هذه السوق؛ ولذلك وفد إليها من سرق منهم أو انتهبوا للبحث عن بضائعهم المنهوبة أو المفقودة، وقد عثروا فعلًا على ما فقدوه يباع إلى الناس، وكثيرًا ما أدّى عثور أصحاب الأموال على بضائعهم المسروقة إلى نزاع وإلى حروب بسبب الدماء التي سبقت سرقة المال وسلب القتيل٣.
_________________
(١) ١ انظر عبد الوهاب عزام: موقع عكاظ. ٢ اليعقوبي ١/ ٢٢٧. ٣ الأغاني ١٩/ ١٠٥.
[ ٧٦ ]
وكذلك كانت توجد في منطقة مكّة سوق مجنة وذي المجاز، ويقضي العرب في هذه الأسواق حوائجهم، ثم يرتحلون إلى مكة لحجهم١، كما كانت توجد أسواق أخرى في أنحاء شبه الجزيرة العربية منها دومة الجندل وصحار والشحر وعدن وصنعاء وعدة أسواق أخرى محلية تأتيها القبائل للامتيار٢.
وقد كانت عكاظ، كما قلنا، أعظم هذه الأسواق وأشهرها، وطالمَا خرجت السوق عن وظيفتها الأصلية التي يفهمها الإنسان من السوق، وهي البيع والشراء، إلى أمور أخرى لا علاقة لها بالسوق التجارية، وهي المفاخرات والمباهاة والمسابقات في قول الشعر، وافتداء الأسرى، وكثيرًا ما كانت تعتقد فيها مجالس الصلح والتحكيم بين القبائل فتحلّ المشاكل المعقّدة، والناس مطمئنون إلى حرمة الأشهر الحرم التي تنعقد فيها السوق. فهي مجتمعات سياسية ذات أهمية، ومؤتمرات تقرّر فيها كثير من الأمور التي لها صلة بسياسة القبائل وبصلاتها بعضها ببعض، كما كانت القبائل تعلن فيها تبرأها ممن تخلعهم لجرائم ارتكبوها وأعمال أتوها لم ترضَ عنها، ليعرف الناس ذلك فلا يؤاخذوها على جرائم يقترفها هؤلاء الخلعاء٣. وفي عكاظ كانت تحمّل الديون والإتاوات إلى أصحابها، فيذكرون مثلًا أن هوزان تحمل إتاوتها إلى عكاظ لتدفعها إلى زهير بن جذيمة العبسي٤، وأن حيًّا من الأزد كان يحمل إتاوته إلى عبد الله بن جعد ٥ على أن العرب؛ وبخاصة الخلعاء والصعاليك، من لم يرعَ حرمة الأشهر الحرم، كان يغشى هذه الأسواق يلتمس الرزق السهل، بسلب الناس والاعتداء عليهم عند قدومهم إلى السوق أو ارتحالهم منها؛ ومنهم من كان يجرؤ على السلب والنهب حتى في عكاظ نفسها٦ كما لم ينجُ موقع عكاظ من الحروب، فوقعت فيه عدة أيام أهمها حرب الفجار، ولا يمكن أن ينجو مثل هذا المكان من الفتن والمعارك وهو
_________________
(١) ١ اليعقوبي ١/ ٢٢٧. ٢ نفسه. جواد ٤/ ٢٢٦. ٣ نفسه ٤/ ٢٢٣- ٢٥٥. ٤ الأغاني ١٠/ ١١. ابن الأثير ١/ ٣٣٧. العقد الفريد ١/ ١٣٥.
(٢) الأغاني ٥/ ٢٤. ٦ اليعقوبي ١/ ٢١٧. جواد ٤/ ٢٢٥.
[ ٧٧ ]
محل يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل والعشائر، ومنهم الخصوم والأعداء والقتلة والسفاكون.
وكما كانت عكاظ مجالًا للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، كذلك كانت مجالًا لتبادل الأفكار وتصفية اللغة وتوحيدها: فقد كان يأتي إلى هذه السوق الشعراء والخطباء والحكماء، يعرضون شعرهم ويخطبون ويتساجلون. ويلقي الحكماء بحكمهم. وكان كل صاحب رأي وفكرة يجد في مجالها فرصة لعرض رأيه أو الدعاية لفكرته. وكان بعض المبشرين يغشون هذه السوق وغيرها للدعاية لدياناتهم. فكانت في الحقيقة منتدى عامًّا يحوي كل نواحي الناشط الإنساني في الجزيرة العربية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية.
وتدلّ كثرة هذه الأسواق، وتدل الحاجة إلى تنظيمها في كل مناطق الجزيرة العربية، ويدل النشاط المتنوّع الذي كانت تقوم به هذه الأسواق -على أن الثروات القبلية كانت قد استطاعت أن تنظم لنفسها نطاقًا أكبر من النطاق القبلي، بل سنرى فيما بعد أنها استطاعت أن تنظم نشاطها على نطاق دولي.
[ ٧٨ ]