مكة قبل الإسلام
الباب الثاني: مدينة مكة
تمهيد
الفصل الأول: نشأة مكة
الفصل الثاني: حكومة مكة وسياستها الداخلية
الفصل الثالث: قوة قريش الحربية وعلاقتها بالقبائل الخارجية
الفصل الرابع: علاقات مكة الخارجية
الفصل الخامس: الحج وأثره
الفصل السادس: الحالة الاقتصادية
الفصل السابع: الحالة الاجتماعية
الفصل الثامن: استعداد العرب للنقلة
[ ٨١ ]
صفحة فارغة
[ ٨٢ ]
تمهيد
مكة قبل الإسلام
في بداية القرن السادس الميلادي، كانت مكة مدينة ذات كيان مالي وتجاري مستقل، ومركز دينيّ مرموق أقيم حول الكعبة التي كانت محط أنظار كثير من الحجاج الذين كانوا يؤمونها لزيارة البيت الحرام والتقرب للأصنام المنصوبة هناك. وكان أهل مكة قد أجروا الترتيبات المفصلة التي كانت تتضمن سلامة طرق الحج المؤدية إلى مدينتهم، وبيع المؤن والتجهيزات للوافدين إليها، وتكفل حفظ النظام ومراعاة الآداب العامة أثناء تأدية الشعائر الدينية عند الكعبة. ولما كانت العناية بالحج وتصريف المعاملات التجارية هما المهنتين الرئيسيتين عند أهل مكة؛ فإن حياة البلد كانت تحت طبقة من المنتفذين الأكفاء، رجال لم يؤمنوا بالعنف، واعتمدوا على حل كل المشاكل بالطرق السلمية.
وظلت مكة مدينة ذات كيان مالي وسياسي مستقل؛ لأن شبه الجزيرة العربية لم تقع في يوم ما -بصورة فعالة- تحت حكم سلطة مركزية، فإن تأثير البيئة الجغرافية كان يقف دائمًا في وجه نمو الإشراف المركزي في شبه الجزيرة العربية. وكانت الخصائص الأساسية لتلك البيئة، هي العلاقات المزعزعة بين مجتمع متوطن يسوده الاستقرار وآخر لا يزال بدويًّا رحالًا، والتغلغل المتداخل بين ذينك المجتمعين. فإن الجماعات التي تم استيطانها تتأثر -إلى حد كبير- بما يحدث لجيرانها من البدو الرحل، وقد انحدرت هذه الجماعات المستوطنة -عادة- من تلك القبائل الرحل التي رأت أن تستوطن يومًا ما وكانت بعد أن تستوطن بصفة تجار أو مزارعين تحاول فرض سيطرتها عن جيرانها من القبائل المتبدية- بالقوة أو الاستمالة- محاولة منها اتخاذ بعض الإجراءات لحفظ السلم والأمن، وربما نجحت في ذلك أحيانًا.
ومن المهم أن نذكر أن البدو -وهم يستقرون ويستوطنون ويتخذون لهم نمطًا جديدًا من الحياة- كانوا يحتفظون بالكثير من عاداتهم القديمة ويتمسكون بها، ولم يفارقهم حنينهم إلى حياتهم الصحراوية الأولى، فتراهم يميلون إلى الخروج إلى
[ ٨٣ ]
الصحراء لممارسة الرياضة والترويح عن أنفسهم وأجسامهم، كما يرسلون أبناءهم إلى البادية ليشبوا في أحضانها وبين خيامها، صيانة لهم من أوضار حياة المدن، وكانت أحاديث الصحراء وأساطيرها تشغل أمسياتهم في روايتها والتلذذ بسماعها.
ومكة مثل طيب لظاهرة التداخل هذه، ولكي نفهم مركز مكة في القرن السادس وعند ظهور الإسلام، وهو الوقت الذي بلغت فيه مكة ذروة مجدها، علينا ألا نأخذ بعين الاعتبار دور القبائل الرحّل وبطونها فحسب، بل ينبغي أن نلمّ بالعلاقات الخارجية للجزيرة العربية. فإن الجزيرة العربية كانت تزوِّد المناطق المجاورة لها بالمنتجات المرغوب فيها من حاصلات الجزيرة نفسها، كما كانت موانيها حلقات اتصال للتجارة الدولية. والحركة التجارية قائمة على قدم وساق وتروح وتغدو بين مناطق البحر المتوسط والشرق الهندي، وذلك عبر الطرق التجارية التي تتخلّل شبه الجزيرة العربية، والكثير منها يخترق مكة. ومكة نفسها وقعت في دائرة التنازع الدولي الذي كان قائمًا بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية، وقد بذلت محاولات من جانب الأحباش والروم للسيطرة عليها، لكن رجال مكة الحريصين على موقف الحياد، عارضوا كل تدخل في شئونهم، وكانوا يتعاملون مع رجال الدولة من الفرس ومن الروم على السواء، كما كانوا يحذقون التعامل مع الأعراب من أهل البادية.
يشير العرف الإسلامي إلى العصر الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه سلم- ويدعوه "الجاهلية". وكلمة "جاهلية" لا تعني "عكس المعرفة"؛ بل إنها تعني بالأحرى "مخالفة القانون والتمرد" أو "الجهل بما هو أفضل" وهي كلمة إسلامية أطلقت على العصر الذي سبق الإسلام مباشرة والذي كانت تسوده حرية العصبية القبلية بما فيها من نزقٍ وطيشٍ وحمقٍ واستجابةٍ لداعي العصبية مهما تكن الأسباب والظروف، فهي كلمة مأخوذة من الحمية العصبية. قال الشاعر:
ألا لا يجهلنّ أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا١
وهي لذلك كلمة تعبّر عن روح العصر بما كان فيه من وثنية وأخلاق قوامها الحميّة والأخذ بالثأر. وقد استعملت كثيرًا في القرآن الكريم بهذا المعنى ﴿وَعِبَادُ
_________________
(١) ١ معلقة عمرو بن كلثوم.
[ ٨٤ ]
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان] . ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة] ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف] . وفي الحديث أن النبي -ﷺ- قال لأبي ذر الغفاري وقد عيّر رجلًا بسواد أمه: "إنك امرؤ فيك جاهلية" والكلمة بهذا المعنى تقابل المثل الإسلامي الذي يتلخّص في كلمة "التقوى".
وعلى كلِّ من أراد أن ينظر إلى مهمة الرسول -ﷺ- من وجهتها الصححية أن يتفهّم بوضوح ما كانت عليه حالة مكة في زمن النبي -ﷺ- إذ بينما كانت رسالته توكيدًا وتحديدًا لما أمر به من سبقه من الأنبياء ليبلغوه إلى مختلف الأمم، كانت من ناحية أخرى إحياءً لدين إبراهيم -﵇- وكان لب رسالته -فوق كل شيء- خلق مجتمع يعبد الله ويسير في طريق الخير والصلاح. وكان محمد -ﷺ- يأمل بأن يرى قومه -قبيلة قريش- ينقلبون جماعة تعيد للكعبة طهارتها الأولى وصفاءها الفطريّ. ولكن ذلك لم يحدث إذ لم يتسجب أهل مكة لدعوته.
وإنه لدليلٌ على قوّة تضامن ذوي القربى أن وقف الناس مع أقاربهم الذين غيّروا دينَهم وأسلموا، على الرّغم من عدم موافقتهم على ذلك. وأخيرًا لم يتوسم محمد -ﷺ- أملًا في أن تستجيب قريش لدعوته، فهاجر إلى المدينة١.
_________________
(١) ١ الإسلام الصراط المستقيم "كتب فصوله مجموعة من الأساتذة" انظر الفصل الثاني "الآراء والحركات في التاريخ الإسلامي" للمرحوم شفيق غربال من ص ٦٢- ٦٨.
[ ٨٥ ]
صفحة فارغة
[ ٨٦ ]
*
الفصل الأول: نشأة مكة
قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة
في منتصف الطريق المعبّد للقوافل بين اليمن والشام، تقوم مكة: في وادٍ منبسطٍ من أودية جبال السراة، تحيط به الجبال الجرداء من كل جانب١. وتكاد تحجبه إلا من ثلاثة منافذ، يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بطريق قريب من البحر الأحمر عند مرفأ جدّة، ويصله الثالث بالطّريق المؤدِّي إلى فلسطين٢. ومكة مدينة قديمة ورد اسمها في المصادر اليونانية والرومانية القديمة، فذكرها بطليموس الإسكندري باسم "ماكورابا Macoraba ٣" ولكنها لا بد أن تكون أقدم عهدًا من هذا الجغرافيّ الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد٤. فقد أشار المؤرّخون الكلاسيكيون إلى وجود مواضع عدة في القسم الغربيّ من الجزيرة العربية التي كانت ذات حرمة وقداسية في ِأنظار العرب. وكانوا يقصدونها من أماكنَ بعيدةٍ للتبرك بها؛ ومع أن هؤلاء الكتاب لم يذكروا أسماء هذه الأماكن؛ فإنه لا يستبعد أن تكون مكة في جملة هذه الأماكن التي قصدوها. وقد ذهب "أوغست ميلر Auguat Muller " إلى أن المعبد الذي قال عنه ديودور الصقلي إنه معبد مشهور بين العرب، وهو مكة٥. ولما لم يعثر حتى الآن على كتابات جاهلية تفصح عن اسم هذه المدينة القديمة ولا عن تاريخها البعيد
_________________
(١) ١ ياقوت، معجم البلدان ١٨/ ١٨٧. ٢ هيكل، حياة محمد ٨٣. ٣ ياقوت ١٨/ ١٨١. بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية ١/ ٣٣. Ptolemy، Georgra ph. Vi ٧. ٣٢. Gerald de Gauy، rlers of Mecca. p. ٢٤ ٤ جواد على، تاريخ العرب قبل الإسلام ٤/ ١٨٨. ٥ عن جواد علي ٤/ ٥٠٤. Amuller. Du Islsm I.٥.٣٠ هيكل ٩١
[ ٨٧ ]
فإنه من العسير معرفةُ تاريخ قيامها وتحديد الزمن الذي أصبح فيه هذا المكان بلدًا، وأكثر الظنّ أنه يرجع إلى ألوف من السنين مضت، وإذا كان بدء سكنى هذا الوادي يرجع إلى أيام إبراهيم وإسماعيل، فإن ذلك يعني القرن التاسع عشر قبل الميلاد١.
والثابت أن واديها اتّخذ من قبل أن تبنى موئلًا لراحة رجال القوافل القادمة من الشمال والجنوب، بسبب ما كان به من العيون، فعلى طول الطرق التجارية عبر الصحراء وجدت بضعة أماكن مبعثرة اتخذتها التجار المسافرون موئلًا لراحتهم، وبالتدريج أصبحت منازل الراحة هذه مستودعات للتجارة، وصار بعضها مقامًا للهياكل والمحاريب يتابع التاجر في حمايتها تجارته، ويلجأ الحاج إليها لالتماس العون منها، ووادي مكة إحدى هذه المحطات التي جعل منها رجال القوافل مضارب لخيامهم سواء منهم القادمون من اليمن إلى فلسطين أو القادمون من فلسطين إلى اليمن٢.
وإذا كان من الثابت -كما ورد في القرآن الكريم- أن إبراهيم وإسماعيل قد أقاما البيت الحرام في واديها، فإنه من الراجح أن إسماعيل هو أول من اتخذها مقامًا وسكنا، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل وسوقًا لتبادل التجارة بين الآتين من الشمال والآتين من الجنوب.
وتجرى رواية الأخباريين إلى أن إبراهيم حمل زوجه هاجر وابنهما إسماعيل نحو الجنوب حتى وصل إلى هذا الوادي الذي كان مضرب خيام القوافل، ثم تركهما فيه وعاد من حيث أتى، بعد أن ترك لهما ما يتبلغان به من التمر والماء، واتخذت هاجر لها عريشا إلى جوار ربوة حمراء بهذا الوادي- لعلها كانت مقدسة يتبرك بها رجال القوافل٣- آوت إليه هي وابنها، فلما نفد الماء وكادا يهلكان عطشًا ذهبت تبحث عنه، وفي خلال هذا البحث انفجرت عين زمزم، فأقامت عليها وابنها. ترد عليهما القوافل في رحلاتها فينالان من العيش ما يكفيهما. على أن زمزم التي تفجر ماؤها قد استهوت بعض القبائل للمقام على مقربة منها. وتجري بعض الروايات بأن قبيلة جرهم
_________________
(١) ١ جورجي زيدان، العرب قبل الإسلام ١٨٨. ٢ هيكل، حياة محمد ٨٤. ٣ الأزرقي ١/ ٦ اليعقوبي ٣/ ١٦ ابن كثير ١/ ١٥٥. الطبري ١/ ١٧٨.
[ ٨٨ ]
اليمنة هي أولى القبائل التي أقامت، وأنها أقامت بعد أن تفجرت زمزم١. بينما تجري رواية أخرى بأنها كانت موجودة قبل ذلك وكان معها حول مكة قوم من العماليق٢. ثم شبّ إسماعيل وتزوّج فتاةً جرهمية ولدت له أولاده. وفي هذا المكان أقام إبراهيم وابنه إسماعيل القواعدَ من البيت الحرام وجعله محجًّا للناس. وفي هذا المكان قامت مكة حول البيت ومنه أخذت اسمها. وقد فسّر المؤرخون واللغويون العربُ اسم مكة تفسيراتٍ كثيرةً لغويةً وغيرَ لغويةٍ استنبطوها من مكانة الكعبة وقدسيتها في نفوس العرب٣ وهذه التفسيرات متأخرة بطبيعة الحال؛ واسم مكة سابق على هذه المفهومات. ولما كان قبائل الجنوب هي أول من استعمر هذا الوادي فالأرجح أن اسمها أخذ من لغة الجنوب٤ مستندًا إلى البيت الحرام، فمكّة أو "مكرب" كما ذكرها بطليموس كلمة يمنية مكوّنة من مك ورب، ومك بمعنى بيت فتكون مكرب بمعنى "بيت الرب" أو بيت الإله، ومن هذه الكلمات أخذت مكة أو بكة بقلب الميم باء على عادة أهل الجنوب.
ويقول المؤرخ بروكلمان: إنها مأخوذة من كلمة مقرب العربية الجنوبية ومعناها الهيكل، وفي التعليق على هذا الكلمة يقول صاحب الحاشية: "لقد سمّى القرآن مكة وبكة، وبكة هي الوادي ومكة لغة أخرى، ومنة "بعلبك" بمعنى وادي البعل، وهذا أدل على مركز مكة؛ لأن مكة في وادٍ غير ذي زرع. ثم إن "ما كورابا" -أو على الأصح "ماكارابا"- حسب اللهجة الآرامية
الشرقية لا السريانية الغربية. يصحّ أن تعني الوادي العظيم أو وادي الربّ، ولعل بطليموس أخذ الاسم من طريق "الآراميين"٥ ويرتاب سير وليم موير Sir W. muir في قصة ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز ويرى أنها من صنع اليهود ابتدعوها
قبل الإسلام بأجيال ليربطوا بينهم وبين العرب برابطة قرابة، توجب على العرب حسن معاملة اليهود النازلين بينهم، وتيسر
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٢٣- ١٢٤. ٢ الطبري ١/ ١٧٩- ٢/ ٣٧. ٣ ابن هشام ١/ ١٢٥- ١٢٦. الروض الأنف ١/ ٨١- ٨٢. ٤ Gerald de Gaury، ol. cit. p. ٢٤ ٥ بروكلمان ١/ ٣٣.
[ ٨٩ ]
لتجّار اليهود في شبه الجزيرة١ ويستند إلى أنّه لا صلةَ بين أوضاع العبادة في العرب وبين دين إبراهيم؛ لأنها وثنيةٌ مغرقةٌ في الوثنية وقد كان إبراهيمُ حنيفًا مسلمًا. وهو إذا ينفي قصّة ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز يقول بإمكان انتقال جماعة من أبنائهما بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب واتصالهم وإياهم بصلة النسب٢.
ويردّ الدكتور محمد حسين هيكل -﵀- على رأي موير بأن ما يسوقه من دليلٍ لا يكفي لنفي واقعة تاريخية، وأن وثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرونٍ كثيرةٍ لا تدل على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز حين اشتراكا في بناء الكعبة؛ على أنه لو وجدت وثنية يومئذٍ لما أيد ذلك رأي سير وليم موير، فقد كان قوم إبراهيم وثنيين ولم ينجح في تحويلهم، فإذا لم ينجحْ في تحويل العرب فلا بدع ولا عجب.
ويرى هيكل: أن المنطق يؤيد رواية التاريخ، فإبراهيم الذي خرج من العراق فارًّا بأهله إلى فلسطين ومصر، رجل قد ألف الارتحال واجتياز الصحاري، والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقًا من القوافل منذ أقدم العصور، فلا محلّ إذن للريبة في واقعة انعقد الإجماع على جملتها. وإذا جاز انتقال بعض أبناء إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز؛ فكيف لا يكون جائزًا في شأن الرجلين بالذات، بل كيف لا يكون ثابتًا جازمًا ورواية التاريخ تؤكِّده، وقد ذكر ذلك القرآن الكريم وتحدّثت به بعض الكتب السماوية٣.
على أن إبراهيم الذي خرج من العراق فارًّا بدينه ضاربًا في الأرض إلى فلسطين ومصر، ولم يجد استجابةً بين كل الأقوام الذين ارتحل إلى أرضهم- لا بد أنّه كان يعلم أمر هذا الطريق التجاري المطروق وأمر المحطّات التي تقوم عليه، ولا بد أن راودته فكرة التبشير بدينه بين القبائل الضاربة على جنبات هذا الطريق، بعيدًا عن مجال الحكومات القائمة وديانات شعوبها ومعابدها الوثنية العريقة، ولا بد أنه علم بأمر هذه المحطة التجارية المتوسطة والتي تلتقي عندها الطرق وتغشاها القوافل، ولا شك أن الآية القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج] تشير في ثناياها إلى
_________________
(١) ١ W. Muir، I. life of Mahomet and History of Islam. V. I،p Cxci ٢ Muir، Ol. CIt، p. Cx، ocit ٣ هيكل ٨٩- ٩٠.
[ ٩٠ ]
هذا التفكير من إبراهيم، وإلى إلهامه فكرة بناء البيت في هذا المكان الذي من المحتمل أن يلقى فيه استجابة من المقيمين والغادين الرائحين. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج] .
على أن إبراهيم لم يكن ليحمل زوجه وابنه إلى مكان قفر لا زرع فيه إلا لسبب واضح لديه محدد عنده، وهو القيام بأمر العبادة عند هذا البيت الذي ينوي أن يقيمه لله، والتبشير بهذا الدين الذي بعث به. وتشير الآية القرآنية: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم] إلى ذلك في صراحة واضحة، كما تشير إلى ما يرتجيه إبراهيم لهذه المحلة التجارية من نمو وازدهار على مرِّ الأيام؛ نظرًا لموقعها المتوسط ولحصانتها بالنسبة للنازل والمقيم وإبراهيم الرّحّالة الخبير. لا شكّ كان عالمًا بقيمة المواقع وأهميتها لطول ما تمرّس به من الرحلات والأسفار. ولقد كرّر زيارته -كما تجري الروايات- إلى زوجة وولده في المكان، للاطمئنان على سلامة تقديره، وليرقب نموّ هذه النواة التي وضعها للإقامة في هذا الوادي الحصين، فلما اطمأنّ إلى أنها نبتت وامتدّت جذورها، تعاون هو وابنه على بناء البيت الحرام ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة] . ولما شهد إبراهيم قيام البلد الذي كان يرجو قيامَه حول البيت، واطمأنّ إلى أن عمله قد آتى ثماره، دعا ربه ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم] وهكذا يمكن أن نتصوّر قيام مكةَ في هذه البقعة على ما يمكن أن نستنتج من آيات القرآن وكما تجري به الروايات.
[ ٩١ ]
استمرت جرهم تلي أمر البيت فترة من الزمن، وأبناء إسماعيل مع أخوالهم لا يرون أن ينازعوهم أمر البيت لخئولتهم وقرابتهم١، إلى أن قدمت قبيلة يمنية أخرى هاجرت من الجنوب في الهجرة التي تفرقت بها قبائل الأزد مهاجرة نحو الشمال، بعد اضمحلال حالة اليمن وتهدّم سد مآرب٢، واستقرّ بطن من بطون الأزد حول مكّة وعرف بقبيلة خزاعة، واحتكت خزاعة بجرهم فتقاتلت القبيلتان وانتصرت خزاعة ووليت أمر البيت، وخرجت عن هذا الوادي جرهم، كما خرج أبناء إسماعيل حيث تفرقوا حول مكّة وفي تهامة٣.
وقد بدأت مكة تتطوّر أيام خزاعة، فقد عمل زعيم خزاعة "عمرو بن لحي" على تنشيط الحجّ إلى الكعبة، بعد أن كان أمر مكة قد تدهور، والحجّ إليها قد قلّ؛ بسبب بغي جرهم واعتدائها على القوافل والتجار والحجاج الذين يمرون بمكة أو يفدون إليها للمتاجرة والحج٤، وبعد إهمال بئر زمزم التي يسرت المقام في هذا الوادي القفر، فأخذ عمرو بن لحي يقيم موائد الطعام في موسم الحج وييسر جلب الماء من الآبار المنبثّة حول مكة، ونال بذلك منزلةً كبيرةً بين قومهه وبين القبائل الضاربة حول مكة٥.
ولما كانت قبائل العرب البعيدة لا تعرف شيئًا عن الحنفية دين إبراهيم؛ فقد عمل عمرو بن لحيّ عن جلب الأصنام من الجهات الأخرى وإقامتها حول الكعبة؛ حتى يرغّب القبائل العربية، وبخاصة قبائل الشمال، في الحج إلى بيت مكة للتقرب لأصنامها، وقد طوّع لعمرو بن لحيّ أن يدخل على البيت هذه العبادة، ذلك المركز الذي أشرنا إليه، ويبدو أن الحنفية كان قد ضعف أمرها حتى بين أبناء إسماعيل
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٥٢١. ٢ يشير القرآن الكريم إلى حادث السيول الجارفة التي اكتسحت السد في أيام سبأ، كما تشير النقوش إلى تهدم السد عدة مرات، منها في سنة ٤٥٠ ميلادية "جواد ٣/ ١٥٦- ١٥٧" ومرة سنة ٢٤٥ "جواد ٣/ ١٩٧- ١٩٩. والنقش المنشور بينهما". ولعل قبائل الأزد هاجرت في حوالي منتصف القرن الخامس أو ربما قبل ذلك. ٣ الطبري ١/ ١٨٧. ٤ ابن هشام ١/ ١٢٥. ٥ ابن كثير ٢/ ١٨٧.
[ ٩٢ ]
قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة:
وتجري الرواية بأن أم قصي تزوجت برجل من بني عذرة، بعد وفاة كلاب بن مرة والد قصي، وحملها العذري إلى قبيلته في بادية الشام، وأخذت معها ابنها الطفل زيد، الذي لقب: قصي؛ لبعده عن دار قومه، حيث تربى في حجر رابه حتى صار
[ ٩٣ ]
قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة:
وتجري الرواية بأن أم قصي تزوجت برجل من بني عذرة، بعد وفاة كلاب بن مرة والد قصي، وحملها العذري إلى قبيلته في بادية الشام، وأخذت معها ابنها الطفل زيد، الذي لقب: قصي؛ لبعده عن دار قومه، حيث تربى في حجر رابه حتى صار
[ ٩٣ ]
شابًّا، ولما علم بحقيقة نسبه عاد إلى قومه، واستقر بمكة، وفيها أظهر من النشاط والتفوق ما جعله يصهر إلى زعيم خزاعة: حليل بن حبشية، فيتزوج ابنته حبى١، ويكثر مال قصي وولده، ويعلو مركزه بمكة، ويقوى تبعًا لذلك طموحه، فيرتب للاستيلاء على الحكم وسدانة البيت في مكة. وقد رتب لخطته ترتيبًا يدل على قوة شخصية ودهاء. فإنه اتصل سرًّا بعشائر قريش وبطونها التي كانت متفرقة في تهامة وحول مكة، فوحد كلمتها وجمعها حوله، كما حالف بطون كنانة، ثم راسل أخاه لأمه رزاح بن ربيعة بن حرام العذري القضاعي؛ ليمده إذا لزم الأمر؛ فلما تم له ذلك انتهز فرصة موت صهره الذي كان بيده سدانة الكعبة، فاستولى على مفتاح البيت الحرام وأعلن أحقيته بولاتيه، وعارضت خزاعة أن يكون لغيرها منصب من المناصب المتصلة بالبيت الحرام، فاستنفر قصي قريشًا وكنانة، واستمد أخاه فقدم فيمن قدر عليه من قضاعة، واستطاع قصي بمن معه أن يهزم خزاعة وحلفاءها من بني بكر، وأن يجليها عن مكة٢، كما استطاع أن يفرض سلطانه على بطون كنانة التي كانت تلي بعض طقوس الحج، وأنزل قريشًا مكة وقسمها بينهم، فأقر له القوم جميعًا بالملك عليهم، واجتمعت مناصب مكة كلها في يده٣.
ويذهب بعض الأخباريين إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة، إلى أن تولى قصي أمرها، ويعللون ذلك بأن جُرهم وخزاعة لم يريدوا أن يكون إلى جوار بيت الله غيره، وأنهم لم يكونوا يقيمون ليلهم بالحرم؛ وإنما كانوا يذهبون إلى الحِل٤. فلما تم الأمر لقصي جمع قريشًا واستقر بها في الحرم وأمرها بألا تبرحه ليلًا، وأنه لكي لا يثير شعور القبائل ضده أقام الموائد ومد الطعام على أبواب الطرق الموصلة لمكة في موسم الحج؛ فلما تأكد من عدم الاعتراض على فعله؛ بنى داره بمكة واتخذها مقرًّا لندوة قريش فعرفت بدار الندوة، يجتمع فيها كبراء مكة تحت إمرته للتشاور في أمور بلدهم، وأمر قومه من قريش؛ فبنوا دورهم بعد أن قسم البلد بينهم، فنزلت قريش كلها بالأبطح
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٣٠. ٢ الطبري ٢/ ١٥ ابن هشام ١/ ١٣٠- ١٣٦. ٣ ابن هشام ١/ ١٣٧. ٤ اليعقوبي ١/ ١٩٧.
[ ٩٤ ]
وهو وادي مكة، خلا بني محارب والحارث ابني فهر وبني تميم بن غالب وهو الأدرم وبني عامر بن لؤي؛ فإنهم نزلوا الظواهر١، ومنذ ذلك التاريخ أخذت مكة في طور التحضر والاستقرار والتنظيم في شئون الحكم والاقتصاد، حتى أصبحت زعيمة الجزيرة العربية في نهاية القرن السادس. هذا مجمل ما ذكره المؤرخون العرب وأصحاب الروايات عن نشأة مكة وعن قيامها كمدينة على يد قصي بن كلاب القرشي.
وكأنما يريد هؤلاء المؤرخون أن يقولوا: إن مكة ظلت على بداوتها إلى أن اجتمع أمرها لقصي في منتصف القرن الخامس الميلادي. على أن بعض المؤرخين الغربيين يتشككون في وجود قصي نفسه٢، ويرون أنه شخصية خيالية ابتدعها خيال الأخباريين الإسلاميين؛ وعلتهم في ذلك أن ما يروون عنه يشبه ما يروى في الأساطير عن الأشخاص الذين ينسب إليهم إنشاء المدن، ويرفض البعض روايات المؤرخين العرب عن تجميع بطون قريش من تهامة وشعاب مكة، ويرون أن قبيلة قريش التي حكمت مكة واستطاعت أن تنقلها من حال البداوة إلى هذه الحال التي تتزعم فيها الجزيرة العربية، وتنشئ لها من التنظيم السياسي والديني والاقتصادي ما يكفل لها هذا التقدم، وما يدل على معرفة كبيرة بشئون الحكم والاستقرار؛ لا يمكن أن تكون إحدى هذه القبائل المتبدية في تهامة أو الحجاز، وأنها لذلك لا بد أن تكون قدمت من الشمال أو من بادية العراق بعد أن عرفت الاستقرار، ونالت قسطًا كبيرًا من التقدم والمعرفة بشئون الحكم، ولا يستبعد أن تكون من بقايا النبطيين الذين حكموا في الشمال، وكان لهم دولة مزدهرة كانت تقوم على التجارة، والذين تراجعوا نحو الجنوب بعد غزو الرومان لبلادهم ٣. وبخاصة أن القرشيين قد برعوا في التجارة إلى حد كبير، كما أن
_________________
(١) ١ اليعقوبي ١/ ١٩٦- ١٩٨. ٢ جواد علي ٤/ ١٩٤- ١٩٥ M. Watt، Mohamad ot Mecca P.٤. .Lammens، La Mecque a la velle de I، Hegire. p. ١٤٨ - ١٩٤ يقول لامانس عن قصي: إنه محارب أجنبي جاء من الشمال من السهوب المحيطة بسوريا. ٣ شوقي ضيف: العصر الجاهلي ٤٩ Lammens، op. oit. p. ١٤٩
[ ٩٥ ]
لغتهم التي سادت وتفوقت على لهجات القبائل الأخرى كانت لهجتها أقرب إلى لهجات الشمال منها إلى لهجات الجنوب.
وليس من الممكن الموافقة على ما يقول به المؤرخون العرب، من أن مكة بقيت على بداوتها حتى اجتمع أمرها لقصي بن كلاب، فهذا أمر عسير التصور أن تبقى بلد له ما لمكة وبيتها العتيق من القدسية، في حالة البادية، مع ما يثبته هؤلاء المؤرخون من أن البيت بقي بعد إسماعيل في يد جرهم أخوال بنيه أجيالًا متعاقبة أقاموها حوله، ثم انتقال أمرها بعد ذلك لخزاعة، وهي قبيلة يمنية قدمت من بلاد عرفت الحضارة والاستقرار وشئون الحكم، وهي حين وليت أمر مكة حاولت تنظيم الحج والتوسع فيه وإغراء القبائل العربية بالقدوم إلى مكة، ومع أن مكة كانت ملتقى طرق القوافل إلى اليمن وإلى الحيرة وإلى الشام، وأنها اتصلت بتجارة العالم عن هذا الطريق وعن طريق البحر الأحمر. كما يشير هؤلاء المؤرخون إلى احترام التبابعة لمكة، فيذكرون مثلًا أن التبع أسعد أبا كرب الحميري قدم مكة ووضع الكسوة على البيت الحرم١. عسير أن يتصور بقاء بلد له هذه المكانة من غير أن يدينه اتصاله بالعالم من مراتب الحضارة٢. لذلك كان من الحق أن نقول: إن مكة وقد دعاه إبراهيم بلدًا ودعا الله أن يجعله آمنًا مطمئنًا، قد عرفت حياة الاستقرار أجيالًا طويلة قبل قصي. ولقد أطلق القرآن الكريم على مكة اسم أم القرى٣ ومعنى هذا أنها كانت عاصمة للمنطقة التي كانت فيها. ولا ريب أن هذه التسمية كانت جارية مألوفة قبل نزول القرآن. ومن إطلاق أم القرى على مكة يمكن أن يستدل على أنها كانت مدينة كبيرة كما،أنها كانت تتمتع بمركز محترم وتوجيه عام من سائر الأنحاء حولها، ولا يمكن أن يتم ذلك في مدة وجيزة لا تتجاوز المائة عام. على أن الطبري يشير إلى أن قصي حين قاتل خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم؛ فلما رأت ذلك جلت عن مكة، فمنهم من وهب مسكنه ومنهم من باع ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة،
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٠-٢١. الأزرقي ١/ ١٦٥. ٢ هيكل: حياة محمد ٩٢- ٩٣. ٣ انظر سورة الشورى ٧. الأنعام ٩٢.
[ ٩٦ ]
والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في الشعاب ورءوس الجبال فقسم منازلهم بينهم١. وهذه الرواية التي ذكرها الطبري تقطع مع ما ذكرنا بأن مكة كانت قائمة قبل مجيء قصي. ولعل ما دعا هؤلاء المؤرخين إلى هذا القول هو محاولتهم نسبة شرف إنشاء مدينة مكة إلى قصي القرشي الذي هو الجد الخامس للنبي -ﷺ- ولما وقر في الأذهان من تعظيم قريش والإشادة بفضلها، وبخاصة أن هؤلاء المؤرخين والأخباريين مسلمون نشئوا في ظل حكم قرشي.
وهذا القول نفسه هو الذي حدا بالمؤرخين الغربيين إلى التشكك في روايات الأخباريين العرب وإلى التشكك في وجود قصي نفسه. على أنه ليس من الصواب المغالاة في هذا التشكك، فإن العهد بقصي ليس بعيدًا، وليس من الحق نفي وجود شخصية تاريخية قامت بدور كبير في حياة مكة. ومهما تكن المبالغة في تصوير هذا الدور؛ فإن مائة وخمسين سنة ليست عهدًا طويلًا بحيث تدخل حوادثها وأشخاصها في حيز الأساطير، وبخاصة إذا قدرنا قيمة الذاكرة العربية، ومقدار اهتمام الناس بأنسابهم وأعمال آبائهم في تلك الأيام، على أن معالم الآثار قد بقيت فترة طويلة في العصر الإسلامي؛ فقد بقيت دار الندوة -وهي دار قصي التي جعلها منتدى القبيلة- معروفة باسمها حتى اشتراها معاوية بن أبي سفيان من صاحبها بمائة ألف درهم. وجعلها دار الإمارة بمكة، ثم أمر الخليفة المعتضد بالله العباسي بهدمها وإدخالها في المسجد الحرام٢. أما القول بنسبة قريش إلى الشمال؛ فإنه مهما بدا معقولًا من وجهة التدليل المنطقي، فإنه يفتقر إلى الدليل التاريخي؛ فلا يوجد في المصادر العربية القديمة ولا في غيرها، ما يشير إلى هذه الهجرة الشمالية إلى وادي مكة والإقامة حوله، في الوقت الذي تؤكد فيه هذه المصادر وجود بطون قريش حول مكة٣.
ونحن إذا تتبعنا جداول الأنساب؛ وجدنا أن أمهات أجداد قصي من قبائل كانت تعيش في منطقة مكة أو حولها، فأم كنانة من قيس عيلان، وأم مالك بن النضر من
_________________
(١) ١ الطبري ٢/ ١٦. ٢ عبد الحميد العبادي: صور من التاريخ الإسلامي "العصر العربي" ص١٢. ابن الأثير ٢/ ١٤. ٣ ابن هشام ١/ ١٠٣ وما بعدها. الطبري ٢/ ٣٩. ابن الأثير ٢/ ١٥- ٢٣. ابن كثير ٢/ ١٨٧، ٢٠٦، العبقري ١/ ١٩٦.
[ ٩٧ ]
قيس عيلان كذلك، وأم فهر بن مالك -الذي هو قريش- من جرهم، وأبناء فهر أمهم ليلى بنت سعد بن هذيل، وأم لؤى بن غالب بن فهر هي سلمى بنت عمرو الخزاعي، وأم مرة من كنانة، وأم كلاب والد قصي هي بنت سرير بن ثعلبة الكناني الذي كان أول من نسأ الشهر الحرام١، فهذا التزاوج المتصل لا يكون إلا بالمجاورة، والمخالطة، الأمر الذي يقطع بوجود بطون قريش في منطقة مكة ومخالطتهم للقبائل الضاربة حولها قبل قصي بأجيال طويلة؛ على أن قريشًا فرع من كنانة، وقبائل كنانة مقيمة حول مكة لم تفارقها.
أما هذا التقدم الذي نالته مكة على يد قبيلة قريش، وأغرى المؤرخين بهذا الفرض؛ فإنه استمرار لحالة قد بدأت من قبل حكم قريش لمكة، فقد بينا أن مكة لا بد أن تكون قد أخذت بأسباب الاستقرار والتحضر قبل حكم قريش في عهد خزاعة على الأقل، وأن قريشًا قد وجدت بداية سارت عليها. على أن ما أقرته قريش من نوع الحكم والتنظيم في مكة إنما هو في جوهره تنظيم قبلي موجود في تشكيل القبيلة العربية٢، ثم تطور تدريجيًا بحسب مقتضيات ظروف الاستقرار في مكة وبحسب اتصالات قريش الواسعة وقيامها على التجارة واحتكاكها بالعالم المتحضر؛ فافتراض أن قبيلة قريش قدمت من الشمال في عهد النبط افتراض لا يقوم على أي دليل تاريخي؛ أما عن الدليل اللغوي وهو أن لغة قريش لغة شمالية فإن الشمال هنا يحدد بالنسبة لكل ما يقع شمال اليمن، ولهجة الحجاز هي في نظرنا اللهجة الشمالية مهما امتدت شمالًا.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٠١- ١١٦، السهيلي ١/ ٧٠-٧١، ابن الأثير ٢/ ٢٣، الطبري ٢/ ١٩- ٢٤. ٢ انظر الباب الأول- الفصل الثاني من هذا البحث.
[ ٩٨ ]
حكومة مكة وسياستها الداخلية
مدخل
الفصل الثاني: حكومة مكة وسياستها الداخلية
تولى قصي حكم مكة طول حياته، وجعل مركز هذا الحكم دار الندوة التي أنشأها، واهتم بعمارة البيت الحرام وجعل وظيفة السدانة من أهم الوظائف، كما نظم سقاية الحاج إلى الكعبة في موسم الحج، وجعلها وظيفة ثابتة عرفت باسم السقاية، وقد بقيت هذه الوظيفة من أجلِّ الوظائف في مكة وذلك لطبيعة البلد وشح المياه بها، ولأن كفالة الماء في هذا البلد القفر الحار مما ييسر مهمة الحج ويجعل الإقبال عليه أمرًا ميسورًا. كما فرض على قريش خرجًا تدفعه له يصنع به طعامًا للحجاج في موسم الحج، وجعل هذا الفرض أمرًا مقررًا، وجعل له وظيفة ثابتة عرفت باسم الرفادة، كما كان له الرياسة العامة وله القيادة واللواء١.
وقد جمع قصي هذه الوظائف كلها في يده، وظل طول حياته محترمًا مطاعًا يرى الناس أمره فيهم كالدين المتبع: ولما مات خلفه بنوه على هذه المناصب وزادوا فيها إرضاء للبطون القرشية حتى وصلت إلى ست عشرة وظيفة ٢.
أفكانت هذه المناصب كلها أو بعضها موجودة قبل قصي، أم هو الذي استحدثها؟ لا نستطيع الجري مع الأخباريين العرب في أن قصي هو الذي أنشأ مكة واستحدث لها هذه المناصب كلها. فالواقع أن القرية المكية انتظمت منذ عهد عمرو بن لحي زعيم خزاعة، وقد دخلت في طور النظام الاجتماعي بعد أن مرت بطور
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٣٧، ١٤١- ١٤٢، الطبري ٢/ ١٨- ١٩. ابن كثير ٢/ ٢٧- ٢٩. ٢ ابن عبد ربه: العقد الفريد ٣/ ٣١٣- ٣١٥. الآلوسي: بلوغ الأرب ١/ ١٤٩- ٢٥٠.
[ ٩٩ ]
الاضطراب والحروب والرحلات والغزوات والقتال على السيادة١، وكان أساس الحياة في هذا الودي يقوم على قبول الهجرة من القبائل القادمة من الجنوب. وقد استمر النظام الحكومي قبل قصي عدة قرون. وكانت الوظائف الاجتماعية موجودة، ولكنها كانت لا تزال في حالة أولية، وبقي على قصي أن يكمل التشريع الذي بدأه عمرو بن لحي وبنوه، ويخلق الوظائف الحكومية ويشيد دار الندوة، ويميز الحمس والدخيل والضيف واللاجئ. ومنذ كانت خزاعة حاكمة في مكة، كانت قريش في بني كنانة متفرقة٢. على أن التنظيم الحكومي في مكة سواء في عهد خزاعة أو في عهد قصي إن هو إلا تنظيم قبلي في جوهره، وإن بدا نظامًا جمهوريًّا من حيث إنه لم يكن الزعيم أو المتنفذ يلقب بالملك، وبالرغم من أن الحكم كان شوريًّا يخضع لرأي الجماعة ورقابتها، فلا ينبغي أن نبالغ مبالغة الأب لامانس Lammens فظن أن مكة كانت جمهورية بالمعنى الكامل للجمهورية٣، فالواقع أنه مع نمو العلاقات التجارية والاقتصادية في مكة فإن مجتمعها كان مجتمعًا قبليًّا، فهو لا يعدو أن يكون اتحاد عشائر ارتبط بعضها ببعض لغرض سدانة الكعبة من جهة، والقيام على تجارة القوافل من جهة أخرى، ولا سلطان لعشيرة على أخرى، بل كانت كل عشيرة تتمتع بالحرية التامة ولا طاعة مفروضة عليها لأحد، وكل ما في الأمر أن اشتراكهم جميعًا في مصلحة واحدة خفف غلواء هذه الحرية، ولكنه تخفيف لم يخرج بقريش عن النظام المعروف في الجاهلية، ووجود مجلس الملأ فيها لا ينقض هذه الحقيقة، فإن عمله لم يكن يعدو عمل مجالس القبائل، ولم يكن رأيه ملزمًا إلا حين توافق عليه العشائر كلها، ومع ذلك فإن العشائر كان يمكنها التخلص منه إذا رأت ذلك؛ فمثلًا بنو زهرة تراجعت ولم تشارك في معركة بدر برغم موافقتها وخروجها ٤. وكذلك بنو عدي لم تخرج إلى القتال برغم الإجماع عليه٥. كذلك كان الفرد يستطيع الخروج على هذه القرارات، ولم تكن هناك عقوبة تفرض على
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٢٣- ١٢٩. الطبري ٢/ ٣٧- ٢٨ ابن كثير ٢/ ١٨٥- ١٩٠. ٢ ابن هشام ١/ ١٣٠. ٣ انظر: Lammens، La republique Marchande de La Mecque ٤، ٥ ابن هشام ٢/ ٢٨٥. الواقدي: مغازي رسول الله ٣٠/ - ٣١ الطبري ٢/ ١٤٣.
[ ١٠٠ ]
الخارجين عليها. وعلى حين كان التضامن القبلي قائمًا، كانت أحيانًا تبرز النزعات الفردية، فبرغم أن الحياة التجارية في مكة كانت تزيد من الترابط في القبيلة؛ فقد وجد من الأشخاص من يفضل مصلحته الذاتية على مصلحة القبيلة. وبرغم أن الأمن كان يتوقف على نظام العشيرة نجد أشخاصًا يعملون ضد مصلحة العشيرة، فأبو لهب عم النبي -ﷺ- خرج على إجماع العشيرة وانضم إلى باقي بطون قريش حين أجمعت على مقاطعة بني هشام١، والعباس بن عبد المطلب برغم تضامنه مع عشيرته٢؛ فإنه ظل على علاقته الودية مع باقي البطون القرشية حرصًا على تجارته وأمواله٣ وإلى جانب مجلس الشيوخ -الملأ- كان للعشائر أنديتها التي تجتمع فيها حين تدعو الضرورة لمناقشة الأمور الخاصة بالعشيرة، وكان يمكنها أن تتخذ قرارًا يخالف رأي مجلس القبيلة، ومثال ذلك اجتماع بني هاشم والمطلب للتشاور والاتفاق على حماية محمد -ﷺ- ومواجهة قريش٤.
وبالرغم من أن مجلس الشيوخ -الملأ- كان وسيلة الحكم في مكة، ينظم شئونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فإنه لم يخضع لقانون مكتوب، وإنما كان ينظر في هذه الشئون حسب قوانين العرف والعادة، ولكنه لم يقض على حرية الأفراد، فكل فرد كان متمتعًا بحريته مع شعوره بحقوق الجماعة أو حقوق القبيلة، وهذا هو نفس النظام الذي كان سائدًا في القبيلة العربية في كافة أنحاء شبه الجزيرة. فللفرد حريته وللجماعة حقوقها التي لا تتناقص مع هذه الحرية. وعلى ذلك كانت القرارات الحاسمة -في الملأ- هي القرارات الجماعية، ويرجع الفضل الأول في قوة مكة إلى قوة زعمائها وقدرتهم على تكوين رأي عام، وحل المنافسات الداخلية التي تنشأ بين العشائر على أساس المصلحة العامة والمحافظة على وحدة القبيلة التي كانت تتطلبها ظروفها كقبيلة تجارية مستقرة في بلد يعتمد في حياته على التجارة وما تجلبه لأهله من وسائل الرزق، كما يعتمد على قدسية البيت الحرام الذي يقوم فيه ويجلب إليه الحجاج
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٨٢. ٢ الطبري ٢/ ١٩٥. ٣ ابن هشام ١/ ٣٣٧. ٤ نفسه ١/ ٢٨١.
[ ١٠١ ]
من كافة أطراف الجزيرة العربية، وما يترتب على ذلك من حصول القبيلة على مركز أدبي ممتاز بين القبائل، ومن تجارة داخلية واسعة تدر على سكان البلد الحرام الرزق والثروة، وكان أي تفكك في داخل المدينة يعرض مركز مكة للانهيار، ولذلك كان لا بد أن يضع له أهله من الأنظمة والقوانين ما ينظم حياته، ويقر الأمن فيه ويحفظ الحقوق، ويضمن حماية مَن يفد إليه من الأذى، لدوام مجيء الحجاج إليه. ولقد نجح ملأ قريش في المحافظة على تماسك القبيلة، فاستطاعوا حل الخلافات الداخلية حلًّا سلميًّا، مثال ذلك الخلاف بين المطيبين والأحلاف الذي أوشك أن يثير حربًا داخلية بين عشائر قريش١، كما استطاعوا أن يرضوا شعور العشائر ويحدوا من تنافسها على السلطة بأن توسعوا في قاعدة الحكم، فأنشئوا الوظائف وأسندوا لكل عشيرة وظيفة خاصة تمارسها في نطاق القبيلة، ومع أن بعض هذه الوظائف لم يكن ذا قيمة إلا أنه أرضى شعور العشائر وأشعرها بمشاركتها وحفظ تماسك القبيلة.
ودار الندوة هي الدار التي بناها قصي بن كلاب، وكانت ملاصقة للمسجد الحرام من ناحية الجهة الشامية من الكعبة، وكانت فسيحة وسيعة، وفيها كانت قريش تقضي شئونها العامة وقد سميت الندوة؛ لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر ندوا إليها للتشاور٢. والندوة الجماعة، ودار الندوة دار الجماعة٣. وأهم خصائص دار الندوة أنها كانت دار مشورة قريش، فيها يجتمع ملؤها للتشاور في أمورها، ولم يكن يدخلها للمشورة من غير بني قصي إلا ابن أربعين سنة، في حين كان يدخلها بنو قصي وحلفاؤهم، على أنه كانت تقضى في دار الندوة أمور أخرى غير المشاروة، ففيها كانت قريش تعقد لواءها إذا خرجت للحرب، ومن دار الندوة كانت ترحل قوافلها للتجارة؛ وفي فنائها تحط هذه القوافل حمولتها إذا رجعت، وإذا بلغ غلام لقريش عذر أي ختن فيها. وإذا بلغت جارية لقريش جاء بها أهلها إلى دار الندوة فشق عليها قيم الدار درعها -أي قميصها- ثم درعها إياه، ثم انقلبت إلى أهلها فحجبوها، والظاهر أن
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٤٢- ١٤٤. ٢ الأغاني ٤/ ٣٨٤ "الحاشية". ياقوت ١٩- ٢٧٩. ٣ الآلوسي ١/ ٢٨٤. ياقوت ٨/ ٤٢٣، ١٩/ ٢٧٩.
[ ١٠٢ ]
الغرض من الأمرين الأخيرين مجرد تعريف بالبالغين من قريش الذكور والإناث١. ودار الندوة في مكة تشبه الإكليزيا Ekylesia في أثينا، إلا أن الملأ المكي كان أكثر تعقلًا وشعورًا بالمسئولية من الإكليزيا اليونانية، وأقل تأثيرًا بالانفعالات العاطفية، وذلك لأن الملأ كان يتكون من رؤساء العشائر وأولى الرأي والحكمة فيها، وعلى حين كان الأثينيون يقبلون في الإكليزيا كل رجل أمين مستقيم؛ كان أهل مكة حريصين على أن يكون للشخص مهارته العملية وقدرته على القيادة٢. وإنشاء دار الندوة وتخصيصها لهذه الوظيفة يعتبر بداية لمرحلة جديدة تبلورت فيها النظم القبلية القديمة.
أما أهم المناصب الأخرى في مكة بعد دار الندوة، فكانت السدانة، والسقاية، والرفادة، وكلها مناصب متصلة بالكعبة والحج إليها. والسدانة هي رعاية البيت والقيام على إعداده للزائرين، لقد كانت هذه الوظيفة هامة جدًّا نظرًا لمركز الكعبة عند العرب؛ ولأن البيت الحرام هو الذي أعطى مكة قدسيتها ومكانتها وجلب إليها الحجاج من كافة الأنحاء، وعلى الحجاج يقوم جزء كبير من حياة مكة الاقتصادية؛ فإن قريشًا تضرب في مشارق الأرض ومغاربها لتجلب التجارة التي تبيعها للحجاج في مكة وفي الأسواق التي تقوم حولها في موسم الحج وتجني من وراء ذلك ثروة كبيرة. من أجل ذلك اهتمت قريش برعاية البيت الحرام والدعاية له في كافة أنحاء شبه الجزيرة، وجلبت إليه أصنام القبائل فأقامتها حول الكعبة. ولما كانت الكعبة في نظر العرب هي في بيت الله الذي بناه إبراهيم الذي يردون أنسابهم إليه، وهي أول بيت وضع للناس؛ فإن وضع الأصنام به يعتبر تكريمًا للأصنام ومن ثم يعتبر تكريمًا للقبائل التي تتقرب إليها وتعبدها، وفي ذلك إغراء للعرب على الحج إلى الكعبة؛ حيث يطوفون بالبيت ويقربون لأصنامهم في نفس الوقت. ولم يستحدث قصي هذه الوظيفة وإنما هي وظيفة قديمة ترجع إلى بناء الكعبة نفسها، فإنه من الطبيعي أن يكون لكل معبد سادته.
ووظيفة السقاية لا تقل أهمية، وهي مرتبطة بالكعبة والحج إليها؛ وتأتي أهميتها من أن مكة بلد شحيحة المياه، وأن الحاج إليها يلقى عنتًا شديدًا إذا تيسر له المياه
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٣٧. الطبري ٢/ ١٨. العبادي: العصر العربي ٨-٩. ٢ Watt، Mohmmed at Mecca. p.٩
[ ١٠٣ ]
وخصوصًا في موسم الحج، حيث يكثر الوافدون إلى مكة لأداء هذه الفريضة، وقد أصبحت مهمة السقاية بالغة الخطورة خصوصًا بعد أن طمرت بئر زمزم التي يسرت المقام في هذا الوادي القفر. نتيجة لإهمال جرهم لها، أو لأن زعيم جرهم قد طمرها، بعد أن هزم أمام قبيلة خزاعة واضطر للخروج عن مكة١. حتى يضايق خزاعة ويجعل مهمة الحج عسيرة. ومن المؤكد أن الزعماء الخزاعيين اهتموا بتوفير المياه لإرواء الحجاج في موسم الحج، وإن لم يفكروا في إعادة حفر زمزم التي تنوسي أمرها مع الزمن، وجهل الناس موضعها، وإن لم نسمع أنهم جعلوا من هذا الاهتمام وظيفة خاصة. وقد اهتم قصي بهذا الأمر حين ولي مكة اهتمامًا كبيرًا، نتيجة لاهتمامه بتنشيط الحج الذي يبدو أنه فتر في العهد الأخير من حكم خزاعة، وقام بحفر الآبار في وادي مكة، كما حفرت عشائر قريش آبارًا كثيرة بعد قصي٢: وإن لم يفكر أحد في إعادة حفر بئر زمزم. حتى كانت أيام عبد المطلب بن هاشم الذي آلت إليه هذه الوظيفة الهامة. وأصبح يجد مشقة كبيرة في توفير المياه للعدد المتزايد من الحجاج نتيجة للاتجاه العام نحو مكة المستقلة، بعدما أصابت الدويلات العربية في الجنوب والشمال من تدهور سياسي وأدبي، وقد ألهمت الحاجة عبد المطلب التفكير في حفر بئر زمزم، بئر إسماعيل، التي لا بد كانت الأخبار لا تزال تروي عنها، والبحث عن مكانها حتى اهتدى إليها وأعاد حفرها٣، ومن ثم أصبحت عملية إمداد الحجاج بالماء أقل مشقة. وقد عد المكيون وظيفة السدانة من أعظم الوظائف في مكة، وكانت قريش تفاخر بهما٤، وقد تولت هاتين الوظفتين أعظم العشائر القرشية، وحين فتح النبي -ﷺ- مكة ألغى كل المناصب بها ولم يبق إلا على هاتين الوظفيتين تقديرًا لأهميتهما٥.
والرفادة هي إطعام الحاج في أيام الحج، وقد فرض قصي على قريش خرجًا تخرجه من أموالها وتدفعه إليه؛ فيصنع به طعامًا يقدمه للحجاج في أيام عرفات ومنى،
_________________
(١) ١ ابن هشام ١٢٦. ٢ نفسه ١/ ١٥٩- ١٦٣ "ذكر ابن هشام أسماء أكثر من عشرة آبار حفرتها بطون قريش بمكة". ٣ ابن هشام ١/ ١٥٤ وما بعدها. ٤ انظر سورة التوبة ١٩. ٥ ابن هشام ٤/ ٣٢. الطبري ٢/ ٣٢٧.
[ ١٠٤ ]
على اعتبار أن الحجاج هم ضيفان الله وأن أحق الضيف بالكرامة هم ضيف الله، وأن على قريش -وهي تسكن في حمى بيت الله وتقوم عليه- أن تقوم بهذا الواجب السامي١. وكان هذا العمل من قصي ينطوي على حكمة سياسية كبيرة؛ فإن إمداد الحاج بالطعام يدعو إلى الإقبال على القدوم إلى مكة، وخصوصًا إذا قدرنا بعد الشقة وصعوبة حمل المؤن والزاد مع السفر في الصحراء مسافات طويلة٢، كما أن البادية كانت فقيرة وكان إطعام الطعام فضيلة من أكبر الفضائل التي يتمدح بها العرب وينال صاحبها عن طريقها الاحترام العام والمنزلة الرفيعة. كما أن المؤاكلة تعد عقد جوار عند العرب، فإذا أطعمت قريش القبائل القادمة إلى مكة في موسم الحج فإنها تنال بذلك احترامًا عامًّا، ومنزلة سامية في نظر هذه القبائل، كما تعتبر أنها تعاقدت معها برابطة الجوار والأمن نتيجة لهذه المؤاكلة، وبذلك يصبح في إمكان قريش أن تسير آمنة في أراضي هذه القبائل؛ ولذلك كانت الرفادة وظيفة سامية في مكة، وكانت توكل إلى العشائر العريقة من قريش. على أن هذه الوظيفة ليست مستحدثة كلية؛ فإن الأخباريين يروون أن عمرو بن لحي زعيم خزاعة كان يطعم الحاج، وقالوا: إنه ربما ذبح أيام الحج عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة في كل سنة، يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق٣؛ ولكن يبدو أن هذا التقليد لم يصبح وظيفة مقررة إلا في عصر قصي بن كلاب.
هذه الوظائف الثلاث -السدانة والسقاية والرفادة- لم تكن وظائف قبلية؛ وإنما هي وظائف استلزمها وجود الكعبة بمكة وقيام الحج إليها والرغبة في تيسيره؛ حتى تجني مكة من وراء ذلك الفوائد المادية والأدبية التي كانت ضرورية لحياتها كبلد يعتمد على التجارة وعلى الاتصال بالقبائل من حوله. ولم تكن هذه المناصب تشكل إدارة محلية، وإنما كانت مزايا تعطي فرصًا للكسب المادي، والمنزلة الأدبية.
_________________
(١) ١ نفسه ١/ ١٤١- ١٤٢. ٢ البخاري ٢/ ١٣٤ "وكان أهل اليمن يحجون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس". ٣ ابن كثير ٢/ ١٨٧.
[ ١٠٥ ]
والوظيفتان الرئيستان بعد ذلك في عهد قصي هما اللواء والقيادة، والأولى هي الراية تعقد فيجتمع إليها المحاربون، يسلمها قصي لمن يتولى القيادة العامة. والقيادة هي قيادة الجيش عند الحرب وقد يتولاها بنفسه أو ينيب عنه من يتولاها. وهاتان الوظيفتان كانتا موجودتين في تنظيم القبيلة العربية؛ فشيخ القبيلة هو الذي يعلن الحرب على القبائل الأخرى ويدعو المحاربين إلى الاجتماع، كما أنه يقود القبيلة في حروبها أو ينيب عنه من يقودها. وكل ما استحدثته قريش في هذه الناحية أنها وكلت أمر هذه الوظائف إلى عشائر معينة تتوارثها؛ وذلك لأنه لم يصبح لقريش بعد موت قصي زعيم عام ترجع إليه القبيلة؛ وإنما أصبح يحكمها الملأ وهم رؤساء العشائر الذين اعتبروا أنفهسم متساوين من حيث المبدأ، واقتسموا المناصب فيما بينهم.
هذه هي المناصب الرئيسة الستة التي برزت في عهد قصي، والتي اقتسمها بعد ذلك أبناء عبد الدار، وأبناء عبد مناف ابني قصي. ولكن تطلع البطون القرشية إلى التقدم والمشاركة في شئون مكة، وحرص الملأ على وحدة القبيلة وإرضاء العشائر؛ أدى إلى أن يستحدثوا عشر وظائف أخرى هي: العمارة: وهي مراعاة الأدب والوقار في البيت الحرام، فلا يتكلم فيه بهجر ولا رفث ولا ترفع فيه الأصوات. والحجابة: وهي قفل البيت وفتحه للزائرين. والمشورة: وهي أنهم لا يجتمعون على أمر حتى يعرضوه على صاحبها. والأشناق: وهي جمع الأموال الخاصة بالديات والمغارم والقيام على أدائها. والقبة: وهي خيمة تجمع فيها أسلحة الجيش. والأعنة: وهي قيادة الخيل. والسفارة: وهي الاتصال بالقبائل الأخرى في المنافرات والمفاوضات. والأيسار: وهي الأزلام التي يضرب بها عند هبل كبير الأصنام في جوف الكعبة. والحكومة: وهي الفصل في المنافرات والخصومات. والأموال المحجرة: وهي الأموال المسماة للآلهة١.
وحين ظهر الإسلام كان الشرف في قريش قد انتهى إلى عشرة رهط من عشرة أبطن وهم:
١- العباس من بطن هاشم، وإليه كانت السقاية وبقي له ذلك في الإسلام.
٢- أبو سفيان من بطن أمية، وعنده العقاب راية قريش؛ فإذا اجتمعوا على أحد سلمها له وإلا فهو صاحبها، وهذه الوظيفة هي وظيفة القيادة.
_________________
(١) ١ العقد الفريد ٢/ ٣١٣- ٣١٥.
[ ١٠٦ ]
٣- الحارث بن عامر من بطن نوفل، وكانت إليه الرفادة.
٤- عثمان بن طلحة من بطن عبد الدار، وكانت إليه اللواء والسدانة مع الحجابة ويقال: إن الندوة أيضًا كانت في بني عبد الدار.
٥- يزيد بن زمعة بن الأسود من بطن أسد، وكانت إليه المشورة.
٦- أبو بكر الصديق من بطن تيم، وإليه كانت الأشناق في الجاهلية.
٧- خالد بن الوليد من بطن مخزوم، وإليه كانت القبة والأعنة.
٨- عمر بن الخطاب من بطن عدي، وإليه كانت السفارة في الجاهلية.
٩- صفوان بن أمية من بطن جمح، وإليه كانت الأيسار.
١٠- الحارث بن قيس من بطن سهم، وإليه كانت الحكومة والأموال المحجرة.
وقد استمرت هذه المناصب حتى فتح مكة حين ألغاها النبي -ﷺ- جميعًا إلا سدانة البيت والسقاية١: وبعض هذه المناصب تفريع لبعض الوظائف السابقة، وبعضها ليست لها قيمة كبيرة، على أنها جميعًا من صميم التنظيم القبلي إلا ما كان منها متصلًا بالكعبة والبيت الحرام، ولم تكن المناصب توكل إلى الأفراد؛ وإنما كانت توكل إلى البطون، وكل بطن يرشح للوظيفة من تكتمل له صفات الرياسة، على ما كان يجري في النظام القبلي من أن الفضائل الشخصية هي الأساس في تولي مناصب الرياسة.
_________________
(١) ١ العقد الفريد ٣/ ٣١٣- ٣١٥، الآلوسي ١/ ٢٤٨- ٢٤٩.
[ ١٠٧ ]
النزاعات العشائرية ووحدة القبيلة في مكة
النزعات العشائرية ووحدة القبيلة في مكة
أنزل قصي بطون قريش بمكة، وقريش على أرجح الروايات هو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من تجمع إلى قصي هو بطون فهر١، وقد تميزت قريش إلى قسمين رئيسين. قسم نزل وادي مكة وهو
_________________
(١) ١ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ١١. القلقشندي: نهاية الأرب ٣٩٤.
[ ١٠٧ ]
الأبطح واستقر به، وعرف بقريش البطاح، وقسم نزل بظهر مكة وعرف بقريش الظواهر. وقد كانت قريش البطاح هي عامة بطون قريش، أما قريش الظواهر فهم أربعة أبطن وهم: بنو بغيض بن عامر بن لؤي، وبنو الأدرم بن غالب، وبنو محارب بن فهر، وجماعة من بني الحارث بن فهر، وقد عاشت قريش الظواهر متبدية أوشبه مستقرة، ويبدو أن حالتها المالية لم تكن حسنة، فكانت لذلك تغير وتغزو. أما قريش البطاح؛ فلزمت الحرم واستقرت به وعرفت لذلك بقريش الضب١، واتخذت من التجارة ورعاية البيت الحرام موردًا تتعيش منه، وحصلت بذلك على مال عظيم. وقد كثرت بطون قريش البطاح وتعددت حتى كان عدد البيوت الظاهرة في نهاية القرن السادس الميلادي أحد عشر بطنًا. خمسة من ولد قصي، هم: هاشم بن عبد مناف ومعهم بنوالمطلب بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ونوفل بن عبد مناف، وعبد الدار بن قصي، وأسد بن عبد العزى بن قصي. والباقون من ولد كعب بن لؤي وهم: عدي بن كعب بن لؤي، وزهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، وتيم بن مرة بن كعب، وسهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وجمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، ومخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب. وتحت لواء هذه البطون الظاهرة انضوت بقية العشائر الأخرى من قريش٢. وبين هذه البطون انقسمت المناصب في مكة، وقد جاء الإسلام والأمر مستقر عليها.
حكم قصي مكة بعد أن أجلى خزاعة عنها، وجمع في يده المناصب الستة التي أشرنا إليها، وأقرت له العرب بذلك، ودانت له قريش وعظمته وأصبح أمره كالدين المتبع فيهم٣. فلما أسن قصي، عهد بالأمر من بعده لابنه الأكبر عبد الدار، وأسند إليه هذه المناصب كلها، ويعلل الأخباريون ذلك بأن عبد الدار كان بكر قصي، وكان أضعف إخوته الذين نبه ذكرهم وشرفوا في عهد أبيهم، فأراد قصي أن يرفع من قدر ابنه الأكبر ويلحقه بشرف إخوته، فعهد إليه هذا العهد، وخضع بنو قصي لهذا الأمر احترامًا لرأي أبيهم٤. لكن هذا الذي يقول به الأخباريون يخالف القواعد التي جرى عليها العرف عند القبائل العربية، فإن الكفاية الشخصية كانت هي الأساس في تولي
_________________
(١) ١ ابن الأثير ٢/ ١٣. ٢ الطبري ٢/ ٤٠. ٣ ابن هشام ١/ ١٣٧. الطبري ٢/ ١٨. ٤ ابن هشام ١/ ١٤٣- ١٤٤.
[ ١٠٨ ]
الرياسية في القبيلة العربية، ولا بد من وجود علة أخرى غير التي قال بها هؤلاء الأخباريون، وعندي أن قصيًا -الذي اتصف بالحكمة وبعد النظر- قد أراد أن يحتفظ بوحدة القبيلة القرشية ويبعد عنها أسباب التنافس والشقاق الذي أشفق من وقوعه، والقبيلة لا تزال حديثة عهد بحكم مكة، وأعداؤها من خزاعة وبني بكر لا يزالون يعيشون منفيين حول مكة، ومن المحتمل أن يعودوا لمناوأتها إذا دب خلاف بين صفوفها، ولقد قدرت بطون قريش هذه الحكمة من قصي وأدرك بنوه ما يرمي إليه -هذا إذا كان عبد الدار على ما وصفه به أصحاب الأخبار من الضعف، وهو أمر من المحتمل أن يكون هواهم قد مال بهم إليه؛ لتعظيمهم لبني عبد مناف الذين جاء النبي ﷺ منهم؛ فلم ينازعوا عبد الدار طول حياته، ولكن الخلاف ما لبث أن ثار، ورأى بنو عبد مناف أنهم أحق بالأمر من بني عمهم عبد الدار، أو أنهم لا يقلون عنهم نباهة وشرفًا؛ لذلك نازعوهم الأمر، وانقسمت قريش تبعًا لذلك إلى معسكرين متعاديين، انقسمت بينهما بطون قريش؛ فانضم إلى معسكر بني عبد مناف: بنو أسد بن عد العزى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر.. وانضم إلى معسكر بني عبد الدار: بنو مخزوم بن يقظة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص، وبنو جمح بن عمرو، وبنو عدي بن كعب، وخرجت عامر بن لؤي، ومحارب بن فهر من قريش الظواهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.
وعقد كل واحد من المعسكرين حلفًا توكيدًا لترابطهم وتضامنهم. فعقد بنو عبد مناف حلفًا سموه حلف المطيبين؛ لأنهم قدموا طيبًا في جفنة وضعوها في فناء الكعبة وغمسوا أيديهم فيها ومسحوها في جدار الكعبة توكيدًا لحلفهم. كما عقد بنو عبد الدار حلفًا سموه الأحلاف. وتعبت قبائل الحلفين لبعضها، وأوشكت الحرب الأهلية أن تقع في مكة. لكن الملأ من قريش أدركوا ما يتعرض له مركز القبيلة من خطر وما يعود عليها من أضرار لو نشب القتال وسالت الدماء؛ فإن وحدة القبيلة ستتمزق وحرمة مكة التي يحرصون عليها ويسعون لإقرارها في نفوس العرب ستضعف، ومن ثم تتعرض مكة للاعتداء عليها، وتهون قريش في نظر القبائل؛ لذلك سارعوا إلى القضاء على هذا الخطر بفض هذا النزاع، فأعطوا بني عبد مناف الرفادة والسقاية، وأبقوا المناصب الأخرى في يد بني عبد الدار. وبذلك رضي الطرفان وحسم النزاع، لكن الطرفين ثبت كل منهما على حلفه١، ولم تذهب آثار هذا النزاع من النفوس، كما أن هذا الأمر
_________________
(١) ١ ابن هشام١/ ١٤٣- ١٤٤.
[ ١٠٩ ]
فتح عيون البطون القرشية كلها على الرغبة في المشاركة في شئون الحكم في القبيلة القرشية داخل مكة، ولما كانت قرييش قد تميزت بوجود رجال أكفاء رأسوا عشائرها ووضعوا نصب أعينهم دائمًا المحافظة على وحدتها وحل مشاكلها؛ فقد اصطنعوا من الوظائف ما أرضوا به شعور البطون القرشية كلها، وبعد أن كانت وظائف مكة ستًّا توزعت بين بني عبد الدار وبني عبد مناف، بلغت في نهاية القرن السادس ست عشرة وظيفة توزعت على بطون قريش البطاح. ومن ثم احتفظت قريش بوحدتها، ونجت من التفكك الذي كان يصيب القبائل العربية، ويخلق منها في كثير من الأحيان بطونًا متعادية متحاربة، وقد دعم هذا الترابط مركز مكة، وضمن لها التفوق على المدن العربية الأخرى التي كانت تقع على طريق القوافل، وكان من شأنها أن تنافس مكة في التجارة.
وكما حرص رجال قريش على وحدة القبيلة وتضامنها، كذلك حرصوا على إقرار الأمن في مكة، سواء لأهلها أو للقادمين عليها، ووقفوا في وجه كل من تحدثه نفسه من أهلها أو من غيرهم بالاعتداء على حرية الناس وأمنهم. أو ظلم القادمين إليها للمتجارة والمبادلة؛ وذلك أن مكة كانت تعتمد في حياتها على ما تجلبه إليها التجارة من الرزق سواء منها الخارجية أو الداخلية. وإذا كانت تجارة قريش الخارجية قد اتسعت بحيث ضمنت العشائر الغنية التي تشارك فيها ثروة كبيرة، فإن رجال قريش قد حرصوا على سلامة التجارة الداخلية؛ حتى تضمن العشائر التي لم تشارك بصورة قوية في التجارة الخارجية ما يضمن لها أسباب الرزق في التجارة الداخلية؛ لذلك وقفوا في وجه كل ما من شأنه أن يعطل هذه التجارة أو يحد من نشاطها، ومن أجل هذا قام حلف الفضول. وكان سببه المباشر أن العاص بن وائل السهمي اشترى بضاعة من رجل يمني قدم مكة، وأبى أن يدفع الثمن، ولجأ اليمني إلى بطون الأحلاف فلم تنصفه، فأدى هذا إلى رد فعل قوي بين البطون القرشية الأخرى التي كانت تعتمد على التجارة الداخلية، ورأت فيه محاولة من العشائر الغنية التي تهيمن على التجارة الخارجية نتيجة لثروتها الواسعة للهيمنة على التجارة الداخلية أيضًا بمضايقتها للتجار.
[ ١١٠ ]
الخارجيين من غير قريش١. لذلك تنادى بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم لعقد حلف للوقوف في وجه هذا الاتجاه، ومنع كل ظلم يقع في مكة سواء على أهلها أو على الغرباء، فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في الأمر، ثم انتقلوا إلى دار عبد الله بن جدعان أحد أثرياء مكة من بني تيم الذي صنع لهم طعامًا، حيث عقدوا حلفًا سموه حلف الفضول، تعاهدوا فيه على أن يكونوا يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم؛ حتى يؤدي إليه حقه وعلى التأسي في المعاش٢. وإن هذه الفقرة الأخيرة لتبين بوضوح أغراض الحلف وهو الوقوف في وجه الظلم الذي قد يجر إلى أن تحرم هذه البطون من أسباب معاشها. وقد حقق هذا الحلف نتيجته المباشرة؛ فقد دفع العاص بن وائل ثمن البضاعة التي أخذها، كما استقرت الحرية العامة في مكة، وقد بقيت آثار هذا الحلف إلى ما بعد الإسلام، وإن كان قد تعطل فترة من الزمن عند بدء ظهور الإسلام في أنثاء الدور المكي من حياة الرسول -ﷺ، كما سنشير إليه فيما بعد- ويذهب بعض المؤرخين إلى أن حلف الفضول إن هو إلا امتداد لحلف المطيبين، على اعتبار أن الذين انضموا للحلف هم نفس البطون التي كانت في حلف المطيبين، باستثناء بعض عشائر عبد مناف وهم بنو نوفل وبنو عبد شمس الذين أصبحوا في ذلك الوقت من العشائر الغنية التي اتخذت جانب الفريق الآخر تحقيقًا لمصالحها٣. ولكن لا يمكن التسليم بهذا الرأي، فإن حلف المطيبين عقد لظروف أخرى وهي التنازع على المناصب في مكة، وكان بنو عبد مناف يملكون ناصية الثروة وناصية التجارة الخارجية؛ فإن على يد هاشم بن عبد مناف وإخوته خرجت قريش إلى نطاق التجارة الخارجية، وإلى تنظيم القوافل لنقل التجارة بين الجنوب والشمال والشرق والغرب. وهم الذين أجروا
_________________
(١) ١ لدينا أمثلة أخرى على مضايقة أغنياء قريش للتجار الغرباء، منها ما ذكره ابن إسحاق من أن أبا جهل بن هشام اشترى إبلًا من رجل جاء إلى مكة يبيع إبلًا ومطله بأثمانها، حتى اضطر الرجل إلى أن طلب الإنصاف من رجال قريش "ابن هشام ١/ ٤١٦". وما رواه ابن كثير من محاولة نبيه بن الحجاج ظلم رجل خثعمي جاء مكة مما اضطر الرجل إلى طلب الإنصاف. "ابن كثير ٢/ ٢٩٢". ٢ ابن هشام ١/ ١٤٤- ١٤٥. ابن كثير ٢/ ٢٩٢. ابن الأثير ٢/ ٢٦- ٢٧. اليعقوبي ٢/ ١٢- ١٣. ٣.Watt، op. oit. p.٦. ١٣- ١٤
[ ١١١ ]
الاتصالات الخارجية بالبيزنطيين والأحباش والفرس واليمن١. أما حلف الفضول فتختلف ظروفه ودواعيه كما تختلف ظروف القائمين عليه، وإن كانوا هم بعض نفس البطون التي اشتركت في الحلف الأول، وإذا كان الحلف الأول لتقسيم المناصب؛ فإن الحلف الثاني قام لإقرار العدل والأمن وتدعيم مصالح التجارة الداخلية في مكة ذاتها، وقد قدر الإسلام الأهداف السامية التي عقد من أجلها هذا الحلف وأقره، وقال النبي -ﷺ- فيه: "لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم؛ ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت" ٢. وقد بقيت آثاره بعد الإسلام، حتى لقد نادى به الحسين بن علي حين وقعت بينه وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والى المدينة منازعة في مال كان بينهما، وقد تداعت أطراف الحلف لنصرة الحسين مما اضطر الوليد إلى إنصافه٣.
وأوشك خلاف آخر أن يدب بين صفوف القبيلة قبيل ظهور الإسلام حين هدمت قريش الكعبة، وتنافست البطون على من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه من البناء، وقد تحزبت لذلك بنو عبد الدار وبنو عدي وعقدوا بينهم حلفًا على ألا يدعوا أحدًا يقوم بهذا غيرهم وقدموا جفنة فيها دم غمسوا أيديهم فيه توكيدًا لحلفهم فسموا لعقة الدم، لكن الخلاف ما لبث أن حسم بالتحكيم على يد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي لم يكن بعث نبيًّا بعد ٤.
وقد ذكر المؤرخون تنازعًا وقع بين عشيرة هاشم وعشيرة أمية بن عبد شمس وهما بيتان من بيوت بطن عبد مناف، وأفاضوا في ذكر هذا التنافس بين البيتين ورتبوا عليه نتائج كبيرة، اعتبروه أساسًا للنزاع بين بني هاشم وبني أمية بعد ظهور الإسلام، وقد احتل ذكر هذا التنازع جانبًا كبيرًا من اهتمام الكتاب والمؤرخين سواء منهم القدماء أو المحدثون وأفرد له بعضهم كتبا خاصة به. وأول ذكر لهذا التنازع ما ذكره ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى عند حديثه عن هاشم بن عبد مناف وابنه عبد المطلب بن هاشم، وعن ابن سعد أخذ من تلاه من المؤرخين القدماء ثم تبعهم المحدثون.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٤٧. اليعقوبي ١/ ٢٠١. ٢ ابن هشام ١/ ١٤٥. ابن كثير ٢/ ٢٩٣. ٣ ابن هشام ١/ ١٤٦. ابن كثير ٢/ ٢٩٣. ابن الأثير ٢/ ٣٧. ٤ ابن كثير ٢/ ٣٠٣.
[ ١١٢ ]
تحدث ابن سعد عن مركز هاشم بن عبد مناف بين قومه وما نالته قريش على يده من خير، ثم قال: أخبرني هشام بن محمد قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: فحسده -يعني هاشمًا- أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكان ذا مال، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية ذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشمًا عليه فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية ١.
ثم تحدث عن منافرة أخرى وقعت بين عبد المطلب بن هشام وحرب بن أمية قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أخبرني رجل من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد وكان عالمًا، قالا: تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى أن ينفر بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صفدًا، وأطول منك مذودًا. فنفره عليه فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكمًا٢ هذه رواية ابن سعد وتابعه عليها البلاذري٣ والطبري٤ وابن الأثير٥، وكتب المقريزي كتابًا خاصًّا بهذا النزاع سماه النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم رد فيه أصل الخصومة التي قامت بين بني هاشم وبني أمية في عهد علي بن أبي
_________________
(١) ١ ابن سعد ١/ ٥٥- ٥٦. ٢ نفسه ١/ ٦٧- ٦٨. ٣ البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٦٠- ٦١، ٧٢، ٧٣. ٤ الطبري ٢/ ٢٣. ٥ ابن الأثير ٢/ ٩-١٠.
[ ١١٣ ]
طالب ومعاوية بن أبي سفيان وما تلاها من صراع بين البيتين إلى هاتين الحادثتين١، ثم سار على ذلك من تناولوا هذا الموضوع من المؤرخين والكتاب المحدثين٢ ونحن لا نستطيع مجاراة هؤلاء المؤرخين ونرفض القصتين من أساسهما. وأول ما يطالعنا في هذا الشأن أن ابن إسحاق -وهو أقدم من تناول السيرة- لم يذكر شيئًا عن هاتين القصتين، بل لم يشر إلى أي نزاع وقع بين بني هاشم وبني أمية قبل الإسلام، وكذلك لم يشر إليهما أحد من كتاب السيرة المحققين، من أمثال ابن كثير وابن سيد الناس؛ بل إن ابن إسحاق يثبت الترابط بين بني عبد مناف في مواضع كثيرة، فهو حين يتحدث عن إعادة حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم يقول: إن بني عبد مناف افتخرت بها على قريش كلها وعلى سائر العرب، ويروي قصيدة لمسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس وهو يفخر على قريش بما ولوا عليهم من السقاية والرفادة وما أقاموا للناس من ذلك، وبزمزم حين ظهرت لهم، وقد كانت هذه المناصب كلها في يد عبد المطلب بن هاشم، ويعلق ابن إسحاق على ذلك بقوله: وإنما كان بنو عبد مناف أهل بيت واحد، شرف بعضهم لبعض شرف، وفضل بعضهم لبعض فضل.٣
وحين خاصمت قريش عبد المطلب على بئر زمزم وخرجوا ليحاكموه لدى كاهن بني سعد هزيم بأشراف الشام ركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف٤ ثم إن عبد شمس بن عبد مناف كان صاحب أمر بني عبد مناف في خصومتهم ضد بني عبد الدار، وقد قبل عبد شمس أن توكل السقاية والرفادة إلى أخيه هاشم؛ لأن عبد شمس كان رجلًا سفارًا قلما يقيم بمكة، وكان مقلًّا ذا ولد٥. ويستمر الترابط بين البيتين وتقوم الصداقات بين أفرادهما؛ فقد كان العباس صديقًا حميمًا لأبي سفيان بن حرب، وقد ظل صديقًا له حتى بعد ظهور الإسلام، بالرغم مما قامت به قريش
_________________
(١) ١ المقريزي: النزاع والتخاصم ص ٢- ١٧. ٢بودلي. محمد الرسول ١٤٣. العقاد. معاوية في الميزان. ص ٣١. وما بعدها، أبو الشهداء ص٢٤ وما بعدها. مطلع النور ص ١٦٢ وما بعدها. الخربوطلي: المختار الثقفي ص ١٦٤- ١٦٥. إبراهيم الإبياري: معاوية ص٩ وما بعدها. ٣ ابن هشام ١/ ١٦٢. ٤ نفسه ١/ ٥٥. ٥ نفسه ١/ ١٤٧.
[ ١١٤ ]
جميعًا ضد النبي -ﷺ- وبني هاشم، والعباس هو الذي أخذ الأمان لأبي سفيان من النبي -ﷺ- عند فتح مكة، وقد اشتد على عمر حين طلب إلى النبي -ﷺ- أن يضرب عنق أبي سفيان؛ فقال العباس: مهلًا يا عمر، فوالله أن لو كان من رجال بني عدي ما قلت هذا، ولكن عرفت أنه من رجال عبد مناف١. ولم يبد رجال بني عبد مناف حماسة شديدة للقتال حين خرجت قريش لقتال المسلمين في بدر، بل كانوا يسايرون إجماع القبيلة على الخروج، بل إن بعضهم حاول تخذيل قريش عن لقاء المسلمين، وكان أبرز من قام بهذا الدور عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، حتى اتهمه أبو جهل بالممالأة فقال: إن عتبة يشير عليكم بهذا -يعني الرجوع- لأن ابنه مع محمد، ومحمد ابن عمه، وهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه٢.
وهكذا يثبت ابن إسحاق والواقدي ومن أخذ عنهما أن الترابط كان موجودًا بين بني عبد مناف جميعًا، وأن قريشًا كانت تعتبر بني عبد مناف عصبية واحدة وحتى ليقول أبو جهل وقد سئل عن رأيه فيما يقول محمد -ﷺ-: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا٣، وهكذا نجد أنه ليس هناك ذكر لما ذهب إليه ابن سعد. والأمر الثاني الذي يطالعنا أن الرواية في كلتا الحادثتين رواية مفردة مقطوعة السند، وهي عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو غير منزَّه عن الشبهات؛ لأنه لا يحقق ما يصل إلى يده٤. ثم إن من أخذوا بهذه الرواية من أمثال ابن الأثير الذي أخذها عن الطبري الذي أخذها بدوره عن ابن سعد، قد مهدوا لهذه الرواية بقصة أسطورية، فقد ذكر ابن الأثير أن هاشمًا وعبد شمس توأمان وأن أحدهما ولد قبل الآخر، وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت، فسال الدم٥، فقيل يكون بينهما دم، وذكر اليعقوبي حادث الولادة فقال: كانا توأمين فخرج هاشم وتلاه عبد
_________________
(١) ١ نفسه ٤/ ٢١. ٢ الواقدي: مغازي رسول الله ص ٤٦. ٣ ابن هشام ١/ ٣٣٨. ٤ ياقوت: معجم الأدباء ١٩/ ٢٨٧- ٢٨٨. ٥ ابن الأثير ٢/ ١٠.
[ ١١٥ ]
شمس وعقبة ملتصق بعقبه فقطع بينهما بموسى. فقيل ليخرجن بين ولد هذين من التقاطع ما لم يكن بين أحد١، ويزيد ابن الأثير والبلاذري الوضع غرابة؛ فإنهما يذكران أن هاشمًا مات بغزة وله من العمر عشرون سنة أو خمس وعشرون سنة٢ فإذا كان عبد شمس والد أمية توأم هاشم، فكم يكون سن أمية حين نافر عمه؟ وفي تحكيم النجاشي بين عبد المطلب وحرب غرابة شديدة، إذ كيف ينتقل الخصمان إلى الحبشة وما مدى علم النجاشي بمواهب الرجلين ومنزلتهما وهو هنا موضوع المنافرة. على أن هؤلاء المؤرخين يثبتون مع ذلك استمرار الصداقة بين أولاد أمية وأولاد هاشم، فيذكرون صداقة عبد المطلب وحرب بن أمية، وكان حرب بن أمية على قريش وحلفائها في الفجار لمكانه من عبد مناف سنًّا ومنزلةً٣. ويذكرون صداقة العباس بن عبد المطلب وأبي سفيان بن حرب. وإذا كان أبو سفيان قد عادى النبي وقاد قريشًا لحربه بعد معركة بدر سنة ٢هـ إلى فتح مكة سنة ٨هـ؛ فإن القبيلة كلها أجمعت على هذه الحرب إذ إن مكة كانت تقاتل دفاعًا عما تراه مصلحتها، وبنو هاشم أنفسهم خرجوا للقتال يوم بدر وأسر من رجالهم العباس، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن عبد المطلب٤ وكان أبو لهب بن عبد المطلب٥ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب من أشد الناس عداوة لرسول الله -ﷺ- وللإسلام٦، وهما من بني هاشم ومن أمس الناس قرابة بالرسول -ﷺ.
من كل ما تقدم يمكن القول بأن هذا التنازع الذي ذكره المؤرخون بين بني هاشم وبني أمية في الجاهلية لم يكن له وجود، وأنه لم يثر بين البيتين خلاف إلا بعد مقتل عثمان، وهذا العداء الذي قام بين علي ومعاوية واستمر بعد ذلك بين البيتين هو الذي سحبه المؤرخون على الماضي فحاولوا الرجوع بأصوله إلى أيام الجاهلية، وإلى أيام ظهور هاشم بن عبد مناف على مسرح الحياة في مكة.
_________________
(١) ١ اليعقوبي ١/ ٢٠٠. ٢ البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٣٣. ابن الأثير ٢/ ١٠. ٣ ابن الأثير ١/ ٣٦٢. ٤ ابن هشام ٢/ ٣٦٢. ٥ نفسه ١/ ٣٧٢. ٦ نفسه ٤/ ١٨.
[ ١١٦ ]
على أنه مهما تكن المنازعات العشائرية قد وجدت في قريش؛ فإن رجال قريش استطاعوا أن يحافظوا على وحدة القبيلة وتماسكها، ولم يقبلوا إطلاقًا أن يحدث تفكك في صفوفها، أو ينشب خلاف يؤدي إلى تعارك العشائر وهذه الرغبة في تماسك القبيلة هي التي جعلت قريشًا تنظر إلى رسالة محمد -ﷺ- هذه النظرة القاسية، وتعامل المسلمين وبني هاشم تلك المعاملة الشديدة، كما أنها هي نفسها التي منعت وقوع الحوادث الدموية في الدور المكي من حياة الرسول -ﷺ- وصانت القبيلة من التفكك والحرب الداخلية.
[ ١١٧ ]
قوة الزعامة في مكة وأثرها
يرجع الفضل الأكبر في تقدم مكة وتفوقها في عهد قريش إلى قوة زعمائها وقدرتهم على حل المنافسات التي تنشأ بين الأفراد والعشائر للمصلحة العامة. وفي بلد تجاري مثل مكة كانت قوة العشيرة ونفوذها مرتبطةً إلى حد كبير بثروتها المادية. كما كانت أهمية الفرد في هذه البيئة تتوقف على ثروته وعلى نفوذ عشيرته وقوتها؛ لكن هذا لم يكن أمرًا مطلقًا، فالثروة والنفوذ العشائري لم يكن إلا بداية لظهور الفرد، فإن الثروة في بلد تجاري كانت عرضًا يمكن أن يزول بين عشية وضحاها في إحدى المضاربات التي كان يزاولها أهل مكة، ومن ثمَّ كان الأفراد -كما كانت العشائر- تتردد ما بين الغنى والفقر. أما العامل الرئيسي الذي يتوقف عليه تفوق الفرد ونفوذه فهو المواهب الشخصية والمزايا الذاتية، فذكاؤه التجاري والمالي ومهارته في معاملة العشائر والقبائل الأخرى، وقدرته على أن يحمل الآخرين في عشيرته وفي خارجها على أن يتقبلوا زعامته، كان المؤهل الحقيقي للزعامة في مكة.
وأول زعيم في قريش هو قصي بن كلاب الذي جمع قريشًا وأقامها في مكة وثبت وظائف مكة في يدها، ولعمله الجليل الذي قام به كان موضع الإجلال والتقدير طوال حياته وبعد مماته، فكان شريف أهل مكة لا ينازع فيها، وكانت داره هي دار الندوة وفيها كان يبرم أمر مكة كله، وكانت قريش تتيمن برأيه وتتبع أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته ولا بعد موته. وفي يده تجمعت كل مناصب مكة وحكمها،
[ ١١٧ ]
وفي عهده نمت مكة واتسع عمرانها واستقلت بها بطون قريش، فكان يعشر من دخل مكة سوى أهلها١، كما عمل على تنشيط الحج إليها فاتسعت تجارتها الداخلية مع القبائل العربية الوافدة إليها وبدأت تعظم ثروتها.
وحين أسن قصي عهد بالمناصب كلها إلى ابنه عبد الدار ولم تتحدث المصادر عن نشاط عبد الدار ولا عن أثره في مكة، ولا بد أنه سار على نهج أبيه، ولكن يبدو أنه لم يكن على جانب كبير من المقدرة لا هو ولا أحد من بنيه؛ الأمر الذي جعل بني عمهم عبد مناف ينازعونهم زعامة مكة ويرون أنهم أحق بها منهم لشرفهم وفضلهم٢.
وقد أدى هذا التنازع إلى قيام حلفي المطيبين والأحلاف وكادت الحرب تقع بين بطون قريش -كما أشرنا إلى ذلك من قبل- ثم اقتسمت المناصب؛ فآل لبني عبد مناف الرفادة والسقاية، وهما أهم وظيفتين في مكة لارتباطهما بالحج ووفود الحجاج إلى مكة من قبائل العرب المختلفة. الأمر الذي كانت مكة تعتمد عليه في حياتها الاقتصادية. وقد وكل أمر هاتين الوظيفتين إلى هاشم بن عبد مناف الذي يبدو أنه كان واسع الثروة جم النشاط٣؛ فقد نالت مكة على يديه هو وإخوته تقدمًا كبيرًا، وبعد أن كانت تجارتها مقصورة على التجارة الداخلية مرتبطة بالحرم٤؛ فتح لها هاشم وإخوته مجال التجارة الخارجية؛ فقد رحلوا إلى الشام وإلى اليمن وإلى الحبشة وإلى العراق، وقاموا باتصالات قوية مع حكام هذه المناطق أدت إلى عقد معاهدات تجارية، فقد أخذ من الروم عهدًا بالسماح لتجار قريش أن يدخلوا الشام وبلاد الدولة الرومية في سلام، وكذلك أخذ إخوته المطلب وعبد شمس ونوفل عهودًا مماثلة من الأكاسرة والنجاشي والحميريين. وبذلك بدأت قريش تسيطر شيئًا فشيئًا على التبادل التجاري بين الشمال والجنوب. وقد قام هاشم بتنظيم رحلات القوافل إلى الجنوب شتاء وإلى الشمال صيفًا. وقد عرف هذا النظام برحلتي الشتاء والصيف٥، وإلى هاتين الرحلتين وأثرهما يشير القرآن الكريم: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
_________________
(١) ١ ابن سعد ١/ ٥٠. ٢ ابن هشام ١/ ٢١١. ٣ ابن هشام ١/ ١٤٦-١٤٧. اليعقوبي ١/ ٢٠١- ٢٠٢. ٤ اليعقوبي ١/ ٢٠١. ٥ ابن هشام ١/ ١٣٧. ١١٨
[ ١١٨ ]
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش]، كما وضع هاشم نظامًا لتأمين مرور القوافل بين القبائل العربية، وذلك بإشراك زعماء القبائل في قوافله؛ فيحمل لهم بضائعهم دون أن يتحملوا في نقلها شيئًا١، وبذلك اتسعت تجارة قريش وعظمت ثروتها وأصبح هاشم بن عبد مناف زعيمًا لمكة كلها، وإن لم تجتمع له كل المناصب كما كان الحال عند جده قصي. لكن موته المبكر٢ حرم مكة من جهود هذا الزعيم المفكر النشيط، وقام إخوته من بعده على تدعيم تجارة مكة الخارجية؛ لكنه لم يكن لأحدهم من المكانة ما كان لهاشم.
وبدأت تظهر شخصيات أخرى في البطون القرشية لم تبلغ منزلة أحدهم مكانة الزعامة المطلقة، وترتب على ذلك أن برزت قوة الملأ في قريش، وهو مجلس القبيلة المكون من زعماء العشائر وأتيحت الفرصة لظهور رجال متعددين كانت تقوم العلاقة بينهم على أساس التكافؤ، وكانوا يشاركون جميعًا في إدارة شئون مكة.
وكان أبرز هؤلاء الزعماء في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي هو عبد المطلب بن هاشم. ولم يكن عبد المطلب في منزلة أبيه؛ وإنما كان أحد هؤلاء الرجال النظراء الأكفاء الذين حفل بهم ملأ مكة في هذه الفترة، وكان أكبر عمل أظهر شخصية عبد المطلب هو إعادته حفر بئر زمزم التي كانت قد غاضت مياهها وطمست في أواخر أيام جرهم٣، وقد يسر حفر زمزم مهمة السقاية التي كان يقوم عليها عبد المطلب، كما رفع من مكانته الأدبية لما يحيط بزمزم من تعظيم على أنها بئر إسماعيل المبارك الذي فجره الله له، وفي أيام عبد المطلب وقع الغزو الحبشي على مكة، وقد حاول عبد المطلب أن يرد الغزاة عن مكة عن طريق المفاوضة ولم يفلح ٤، كما لم يفلح في تعبئة قريش لقتال الأحباش٥؛ لأن قوة جيشهم وما أتوا به من عدة وسلاح وما كان معهم من الفيلة التي لا عهد للعرب بقتالها أفظعتهم فهبطت همتهم وبخاصة بعد ما علموا بما أصاب القبائل التي تصدت لهم من هزيمة٦. وتقول الروايات: إن
_________________
(١) ١ ابن سعد ١/ ٥٨. اليعقوبي ١/ ٢٠٢. ودلي: الرسول ص ٣٥- ٣٨. ٢ ابن الأثير ٢/ ١٠. ٣ ابن هشام ١/ ١٥٤- ١٥٨. اليعقوبي ١٢٧. ٤ ابن هشام ١/ ٥١. ٥ اليعقوبي ١/ ٢٠٩-٢١٠. ٦ ابن هشام ١/ ٤٩.
[ ١١٩ ]
عبد المطلب لم يفارق الكعبة حين تفرقت قريش في شعاب مكة وجبالها خوف الغزاة، بل أخذ يستعد لمقاومة الغزو بمن أطاعه من قومه، وهو مع ذلك يدعو ربه ليرد كيد المغير عن بيته الحرام١. ولما تفشى المرض في جيش أبرهة وارتد عن مكة؛ علت مكانة عبد المطلب الأدبية والدينية بين قومه، حتى كانت قريش تقول: عبد المطلب إبراهيم الثاني ٢، كما علت منزلة قريش كلها بين القبائل العربية وقال العرب عنهم: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مئونة عدوهم٣، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الحادث: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل] .
وكانت لعبد المطلب وفادات على الجنوب، فكان ينزل على عظماء اليمن، وقد وفد على سيف بن ذي يزن مع وفد مكة لتهنئته بعد انتصاره على الأحباش، ففضله على من معه وآثره٤.
وأبرز شخصية من رجال الملأ ظهرت بعد عبد المطلب بن هاشم هو أبو سفيان بن حرب بن أمية، ولم يكن لبني أمية من مناصب مكة إلا منصب واحد هو العقاب وهو راية قريش، ولا يمكن تحديد الوقت والمناسبة التي أسندت إليها فيه هذه الوظيفة ولكن يبدو أنها أسندت إلى بني أمية في فترة متأخرة، ومن الراجح أن يكون ذلك بُعَيد ظهور الإسلام في مكة. ولم يكن أبو سفيان من رجال قريش المشهورين بالجود والكرم، إنما كان يغلب على طبيعته الشح٥، وكل ما اشتهر به أنه كان تاجرًا قاد بعض قوافل قريش التجارية نحو الجنوب والشرق والشمال٦. وقد تعرضت إحدى
_________________
(١) ١ نفسه ١/ ٥١. اليعقوبي ٢/ ٧. الطبري ١/ ٥٥١- ٥٥٧. ٢ اليعقوبي ٢/ ٧. ٣ ابن هشام ١/ ٥٩. ٤ اليعقوبي ٢/ ٨. ابن سعد ١/ ٦٧. ٥ البخاري ٣/ ٧٩. أسد الغابة ٥/ ٥٦٢. ٦ نفسه ١/ ٤، ٥، ٤/ ٣٦، ٤٥. ابن الأثير ٢/ ٣١٨- ٣١٩، الآلوسي ١/ ٣٢٠.
[ ١٢٠ ]
القوافل الكبرى التي كان يقودها إلى الشام لتصدي المسلمين لها بعد هجرة النبي -ﷺ- إلى يثرب بسنتين؛ فاستطاع أبو سفيان بمهارته وحذره أن يتجنب الخطر وأن يعود بالقافلة سليمة إلى مكة، لكن هذا التصدي أدى إلى وقوع معركة بدر التي قتل فيها معظم زعماء قريش البارزين، ولم يبق إلا الزعماء الثانويون، وكان أبرزهم جميعًا أبا سفيان، الذي أبدى كثيرًا من ضروب المهارة في نجاة القافلة، وفي جمع شمل القبيلة بعد هذه المعركة، وتعبئة كل قوتها للأخذ بثأرها من المسلمين، ومن ثم كتبت له الزعامة العامة في قريش وأخذ على عاتقه تنظيم القبيلة، وقيادة جيوش مكة في حروبها ضد يثرب ست سنوات بعد ذلك انتهت بفتح مكة وتغيير الأوضاع كلها.
على أن هؤلاء الرجال الأفذاذ، سواء منهم من نالوا زعامة عامة في القبيلة كلها أو من كانوا زعماء في عشائرهم، قد حرصوا دائمًا على مصلحة القبيلة وحفظوا على مكة وحدتها، وجنبوها ما كان يقع في القبائل والمدن الأخرى من حروب عشائرية؛ ووقفوا ضد كل طيش ونزق، وحرصوا -حتى في أحرج الظروف- على صيانة الدماء؛ فلم تقع أية ثارات بين بيوتاتها المختلفة، وحتى وقت ظهور الإسلام حرصوا طيلة ثلاث عشرة سنة قضاها النبي -ﷺ- في مكة على ألا تسفك دماء القرشيين وألا تقع حرب بين بطون قريش بسبب دخول من دخلوا في الإسلام بالرغم من الموقف الشديد الذي وقفته القبيلة تجاه الدعوة الإسلامية ومن دخل فيها، ومحاولة فتنة المسلمين من قريش عن دينهم بكافة أنواع المقاومة دون القتل، وحتى حين أجمع الملأ من قريش على التخلص من محمد -ﷺ- بالقتل، حرصوا على أن يكون تنفيذ القرار جماعيًّا حتى لا تحدث حرب أهلية في مكة. وقد عدوا النبي -ﷺ- مفرقًا لجماعة قريش مهددًا لمركز الكعبة الذي يتوقف عليه مركز مكة إلى حد كبير، وقد حاولوا إثناءه عن موقفه بكافة أنواع الترغيب والوعيد. كما حاولوا أن يرجعوه عن دعوته باللجوء إلى عشيرته؛ فقد أصر بنو هاشم على الوقوف إلى جانب محمد -ﷺ- وحمايته، فأوقعوا عليه وعليهم عقوبات اقتصادية شديدة، ولكنها على كل حال دون القتل والقتال. ولم يتورطوا في أحلاف تجر إلى الحرب، كما لم يتورطوا في خوض الحرب إلا مرتين، مرة إلى جانب حلفائهم من بني بكر ضد هوازن وقيس فيما عرف بحرب الفجار. وقد جروا إلى هذه الحرب جرًّا دون أن تكون لهم يد في إشعالها. ومع ذلك فقد كانوا هم الداعون للصلح.
[ ١٢١ ]
فيها، وقدموا من أجل السلام كافة التسهيلات، حتى قدموا أربعين رجلًا رهنًا لتوفية دية القتلى. والمرة الثانية هي الحرب التي دخلوها ضد المسلمين في يثرب، وقد بدءوها حرصًا على مكانة مكة وصيانة مصالحها.
وكما حفظوا على مكة وحدتها الداخلية؛ كذلك حافظوا على حسن الصلة بينها وبين القبائل الأخرى في أنحاء الجزيرة العربية، وبخاصة القبائل الضاربة حول مكة، وتلك التي تنتشر على جوانب طرق القوافل، الأمر الذي مكَّن قريشًا من القيام على تنظيم القوافل التجارية وتسييرها آمنةً بين هذه القبائل.
كما حافظوا على خطة الحياد التي انتهجوها بالنسبة للصراع الدولي الذي قام بين الفرس والبيزنطيين، ودخل في دائرته أجزاء كثيرة من الجزيرة العربية كاليمن في الجنوب والمناذرة على أطراف العراق، والغساسنة على أطراف الشام. واستطاعوا بمهارة أن يسالموا الدول المتصارعة، وأن يفيدوا من هذا الموقف الحيادي في السيطرة على نقل التجارة بين الشرق والغرب. وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة ومركزًا ممتازًا.
[ ١٢٢ ]
الفصل الثالث: قوة قريش الحربية وعلاقتها بالقبائل الخارجية
لم يكن في مكة جيش نظامي ثابت، فهي مجتمع قبلي تستغني بالتشكيل الحربي القبلي عما تعرفه المجتمعات الكبيرة من الجيوش النظامية. وكان جيشها يتألف من رجال القبيلة أنفسهم ومن ينضم إليهم من رجال القبائل الأخرى التي ترتبط معهم برباط الحلف.
ومكة كمدينة تجاريةلم يكن أهلها يميلون إلى استخدام وسائل العنف، وقد حرصوا دائمًا على حل مشاكلهم سلميًّا؛ إذ إن سلامة تجارتها تتوقف إلى حد كبير على حسن صلاتها مع القبائل المجاروة لها أو الضاربة على جانبي طرق التجارة التي كانت تسير فيها قوافلها بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، كما كان من مصلحتها أن يسفر السلم في منطقتها حيث تعقد الأسواق التجارية، لتستطيع في جو السلم أن تصرف بضائعها، التي تجلبها من الجهات المختلفة، بين الوافدين إليها من سكان البادية، وللتبادل التجاري مع من يفد من رجال الشمال والجنوب لهذه الغاية. ولكنها في الوقت نفسه كانت محتاجة إلى قوة حربية، تشعر بقدرتها على الضرب إذا هدد أمنها أو حدث اعتداء على قوافلها. وبالرغم من أن رجال قريش -وبخاصة أصحاب الأموال منهم- كانوا دائمًا ضد استعمال القوة المسلحة وتسيير الحملات العسكرية؛ فإن ذلك لا يعني أنهم كانوا جبناء فقد أثبت كثير من رجال قريش شجاعة فائقة، وقاتلوا ببسالة كبيرة حينما اضطرتهم الظروف إلى القتال سواء في الجاهلية أو الإسلام، وقد نالت قريش نفوذًا كبيرًا بين القبائل العربية الغربية والوسطى، ولكن هذا المركز الممتاز الذي بلغ أوج قوته في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع، لم يكن يرجع إلى شجاعة محاربيها في المقام الأول؛ وإنما يرجع سر هذا النفوذ إلى القوة العسكرية التي كانت
[ ١٢٣ ]
تستطيع أن تضرب بها، ونعني بذلك قوة الحلف الذي بنته على أساس ارتباطاتها التجارية، وقيامها في الوقت نفسه بأمر تنظيم الحج وسدانة الوقت، فقد كانت القوافل التي تسير إلى الشمال وإلى الجنوب في حاجة إلى خدمات البدو باعتبارهم أدلاء وحراسًا وحمالين، وكانت القوافل تدفع إتاوة لرؤساء القبائل على أن يدلوها أو يمدوها بالماء وبالتموينات الأخرى، ومن هنا فإن قبائل البدو كانت تشارك في تجارة مكة على نحو ما، وبذلك كانت القبائل الضاربة على جنبات الطرق التجارية ترى مصالحها مرتبطة بمصالح مكة، فرخاء مكة يعني رخاءها وخسارة مكة تعني خسارتها. وكذلك قوي الشعور بالتضامن مع مكة بالمحالفات القائمة على المصاهرة بين أبرز رجال مكة ومختلف القبائل العربية ١، كما أن زعماء القبائل كانوا يشاركون مشاركة مادية في قوافل مكة التجارية، ومن هنا كان في استطاعة أهل مكة أن يستأجروا المحاربين للدفاع عنهم ٢، ولكن ليس معنى ذلك أن هؤلاء كانوا جنودًا مرتزقة بل إنهم كانوا حلفاء، دخلوا في محالفات قريش على أساس التكافؤ، وكان أبرز هؤلاء الحلفاء أولئك الذين عرفوا بالأحابيش. وقد ذهب لامنس٣ Lemmens إلى أنهم كانوا زنوجًا من بلاد الحبشة، وأن رواة السيرة تعمدوا القول بأنهم عرب؛ أنفة من أن يقولوا: إن قريشًا كانت
_________________
(١) ١ انظر نسب قريش للمصعب الزبيري "تحقيق برنفسال" صهر عبد مناف إلى بني سليم وهوازن وزوج بناته في كنانة مما أدى إلى حلف الأحابيش "ص ١٤-١٥" وأصهر ابنه هاشم إلى الخزرج في يثرب وإلى بني المصطلق من خزاعة وإلى ثقيف "ص١٥-١٦" وأصهر عبد المطلب بن هاشم إلى النمر بن قاسط وإلى عامر بن صعصعة وإلى خزاعة "ص ١٨" كما أصهر عبد شمس إلى بني حنظلة من زيد مناة وإلى بني أسد "ص ٩٨" وأصهر أمية الأكبر إلى بني عامر وإلى هوازن "ص٩٩" وأصهر حرب بن أمية إلى بني تميم "١٢٣" وأصهر أبو سفيان إلى الأزد "ص ١٢٦" وأصهر خويلد بن أسد إلى بني مازن إخوة سليم "ص ٢٢٩" وأصهر هشام بن المغيرة في بني نهشل بن دارم "ص ٣٠٢" وأصهر أبو جهل بن هشام إلى بني هلال بن عامر وإلى بني تميم وإلى بني عبس "ص ٣١١-٣١٢" والأمثلة إلى مصاهرات قريش مع القبائل كثيرة جدًّا بجدها كل من تتبع أنساب قريش. ٢ ابن هشام ٢/ ٤-٥،٢٣٠، الواقدي ٧٩٠ "يقول الواقدي عند الكلام عن الخندق: إن قريشًا جمعوا الجموع واستأجروا حيًّا من قبائل العرب، فسارت غطفان وأسد وسليم وقريش ومن دخل فيها فاجتمع منهم نفر جم" Oleary.Arabia Before Muhammad. P. ١٨١ ٣ Lamoms. les Ahabis et lorganisotion Militaire de La Meoque (Journal asiatiqune. VII ١٩١٦ p.٤٢٥- ٤٨٢) Olcary. p. ١٨٥
[ ١٢٤ ]
في الجاهلية تستعين بالسودان في الدفاع عن حريتها. وهو قول مردود؛ فإن الأحابيش كانوا بطونًا من القبائل العربية الضاربة حول مكة من كنانة وخزيمة بن مدركة وخزاعة، تجمعوا وتحالفوا معًا، وأخذوا في الاندماج والتكتل في طريقهم إلى تكوين قبيلة عربية بواسطة الحلف الذي كان سببًا في تكوين كثير من القبائل العربية القديمة، ثم تحالفوا مع قريش في النصف الثاني من القرن السادس١ وقد ظلوا طوال عصر النبوة قوة عربية لها كل خصائص القبيلة؛ من سيد يتزعمها ٢، وأرض تنزلها، وراية تحف بها عند الحرب، وأنها كانت من حيث علاقاتها السياسية مع قريش تنزل منها منزلة الحليف من الحليف والند من الند، وأنها كانت مسموعة الكلمة في الشئون العامة لقريش٣. وقد استخدمت قريش قوة الأحابيش في الحرب التي خاضتها، وكانت قوة الأحابيش ذات أثر كبير في الحروب التي وقعت بين مكة ويثرب في عهد النبي -ﷺ- حتى إن قريشًا حين خرجت بمفردها في موقعة بدر منيت بهزيمة شديدة. وقد عرف النبي -ﷺ- كيف يفل قوة الأحابيش التي كانت تعتز بها قريش؛ بأن اجتذب إلى جانبه القبائل التي كانت تنتمي إليها أحياء الأحابيش. كما غزا بعض هذه البطون٤، وبذلك انكسرت شوكة الأحابيش وانتهى حلفهم نهائيًّا بعد فتح مكة٥.
كما كان لقريش عدد كبير من العبدان والموالي الذين يقاتلون في صفوفها٦، ولم تكن قوة قرش الذاتية التي تستطيع أن توجهها إلى ميدان القتال لتزيد على ألف ونصف من المحاربين، ولكنها كانت تستطيع أن توجه إلى القتال أربعة آلاف مقاتل وقوة من الفرسان لا تزيد عن أربعمائة، إذا انضم إليها أحابيشها ومواليها وحلفاؤها من قبائل
_________________
(١) ١ انظر ابن الأثير ١/ ٣٥٨، ٣٦٥. العقد الفريد ٣/ ٣٤٠. نسب قريش ص ٩. ٢ ابن هشام ٣/ ٤٤، ٣٦٠. ٣ نفسه ٣/ ٣٦٠. ابن الأثير ١/ ٣٦٢. ٤ ابن هشام: "اجتذب النبي -ﷺ- إلى جانبه قبائل خزاعة، فيروي ابن إسحاق أن خزاعة كان مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله -ﷺ، أي موضع سره- بتهامة. صفَّهم معه-هواهم له- لا يخفون عنه شيئًا "٣/ ٥٣" كما أن غفارًا -وهي من كنانة، وأسلم وهي من خزاعة- أخذتا جانبه " ٣/ ٣٩٤، ٤/ ٢٦". وكذلك غزا بني المصطلق ثم صالحهم وضمهم إلى جانبه "٣/ ٣٧٣، ٣٤٠". ٥ انظر عن الأحابيش. العبادي: صور من التاريخ الإسلامي ١/ ١٣- ٢١. ٦ البخاري ٣/ ١٤٧.
[ ١٢٥ ]
كنانة وبعض بطون هذيل وخزاعة من قبائل تهامة. وأكبر قوة استطاعت قريش أن تجمعها في معركة من المعارك منها ومن كل أحلافها هي عشرة آلاف مقاتل، وهي التي حاصرت بها المدينة في غزو الخندق، وجمعت فيها كل حلفائها من القبائل العربية التي ارتبطت مصالحها بمصالح قريش، وهي قوة كبيرة لم تعتد مثلها الجزيرة العربية في العصر الجاهلي.
كذلك كانت قريش حليفة قديمة لبني كنانة وبني بكر، ويرجع حلفها مع كنانة إلى أيام قصي بن كلاب، حينما جمع قريشًا وحالف كنانة لحرب خزاعة، وقد اضطرت قريش إلى القتال إلى جانب كنانة ضد قيس وهوازن في حرب الفجار استجابة لهذا الحلف، وقد أثبتت حرب الفجار مقدار تماسك قريش واتحاد بطونها ورجالها، وأنهم لم يكونوا متهورين تهور غيرهم في الحروب، بل كانوا يميلون إلى التعقل والتدبر قبل الإقدام على الحرب، وبالرغم من رجحان كفتها فإنها دعت إلى الصلح وأفلحت في إعادة حسن العلاقات بين الطرفين؛ لأن مصالحها التجارية كانت تستلزم هذه العلاقات الطيبة. وكذلك ظلت كنانة إلى جانب قريش عند ظهور الإسلام؛ فقد اشتركت مع قريش في الحلف ضد بني هاشم وحصرهم في أحد شعاب مكة١، وكذلك قاتلت إلى جانب قريش في حروبها ضد يثرب. كما كانت قريش على علاقات طيبة ودية مع القبائل الضاربة على جنبات الطريق التجاري مثل جهينة ومزينة وغطفان وأشجع وسليم وبني سعد وبني أسد، وكان لهم من هذه القبائل حلفاء يعيشون في مكة ويعتبرون أنفسهم من القبيلة جريًا على النظام القبلي٢. وكذلك كانت قريش على صلات طيبة ببني عذرة من قضاعة على أطراف بادية الشام من أيام قصي بن كلاب، وقد أعان بنو عذرة القضاعيون: قصي في الوصول إلى حكم مكة، وكانت صلات مكة طيبة كذلك وقوية بالقبائل التي تعيش إلى جنوبها، مثل قبيلة خثعم التي كانت تعيش في الهضبة الممتدة من الطائف إلى نجران عند طريق القوافل الممتدة من اليمن٣، وتتحدث الروايات عن صداقة عبد المطلب بن هاشم مع ذي نفر الحميري الذي تصدى لقتال
_________________
(١) ١ البخاري ٢/ ١٤٨، ٤/ ٧١. ٢ الذهبي: سير أعلام النبلاء ١/ ٢٢١- ٢٢٣. ٣ جواد علي ٤/ ٢٦٢.
[ ١٢٦ ]
أبرهة دفاعًا عن مكة، كما تصدى له نفيل بن حبيب الخثعمي بقبيلتي خثعم: شهران وناهس١.
على أن الاحتفاظ بود القبائل البدوية والحلف معها أمر يحتاج إلى حنكة ومهارة، ودراية بنوازع نفوس البدو الحساسة، وأنفتها الشديدة التي قد تثيرها أمور بسيطة يعدها الحضري تافهة. ولكنها في نظر البدوي عظيمة قد تثير الحروب وتسفك من أجلها الدماء، فكلمة شديدة أو تصرف يبدو فيه بعض الإهانة قد يثير عواطف البدو فتسل السيوف وتسيل الدماء، وعند ذلك تقع الغارات، وتثور الأحقاد، وتتفانى القبائل. فلم يكن المال وحده كافيًا للحفاظ على حسن الصلات بهذه القبائل البدوية؛ وإنما هي السياسة الحكيمة الصبور التي اشتهرت بها قريش وضمنت بها ولاء القبائل لها، بل ضمنت بها تفوقها عليها واعترافها بسيادتها.
وكما حالفت قريش قبائل البادية؛ فإنها كانت على علاقات طيبة مع المدن الأخرى الموجودة في الحجاز، فكانت صلاتها وثيقة بقبيلة ثقيف في الطائف. وقد كانت الطائف مصيف أهل مكة، ولا يوجد غني في مكة إلا وله في الطائف بستان، وكان تجار مكة يجلبون من الطائف الخمور والزبيب والأدم -الجلود المدبوغة- وكان أهل مكة يستهلكون كثيرًا من أعناب الطائف ورمانها، كما أن الثفيين كانوا يشاركون في قوافل مكة التجارية، كما كانت سوق عكاظ -وهي أكبر أسواق العرب- تقوم على مقربة من الطائف بينها وبين مكة. وتشير الآية القرآنية: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ [الزخرف] . إلى خطورة شأن رجال الطائف، وأنهم يماثلون أهل مكة قوة وجاهًا، وفي هذا إشارة لما كان بين مكة والطائف من ترابط، بحيث لو كان -كما زعموا- قد نزل القرآن على عظيم من أيهما لاتبعوه جميعًا. ولقد كان كثير من رجال الطائف حلفاء للقرشيين، وقد بلغ بعضهم مبلغ السيادة في البطون القرشية، كالأخنس بن شريق حليف بني زهرة الذي كان مسموع الكلمة فيهم مطاعًا٢، كما كانت قريش تشرك رجال الطائف فيما يهمها من الأمور الكبيرة، وقد
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٤٧- ٤٨. الأغاني ٢/ ٢٤٢- ٢٤٣، ٣١٦. ٢ ابن هشام ٢/ ٢٥٨.
[ ١٢٧ ]
كان عروة بن مسعود الثقفي أحد الرسل الذين بعثت بهم لمفاوضة النبي -ﷺ- عند نزوله بالحديبية١.
كذلك كانت صلات قريش طيبة بمدينة يثرب، وقد أصهر هاشم بن عبد مناف إلى بني النجار الخزرجيين من أهل يثرب، وظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة بأخواله هؤلاء. كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات مع زعماء يثرب، فقد كان أمية بن خلف الجمحي صديقًا لسعد بن معاذ الأشهلي زعيم الأوس٢، كما كان العاص بن وائل السهمي وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم على صلات طيبة ووثيقة بأهل يثرب٣. ولكن على الرغم من هذه الصلة الوثيقة فإن قريشًالم تشأ أن تتورط في حلف مع اليثربيين قد يجر إلى أن تتدخل في الحرب الداخلية التي نشبت بين الأوس والخزرج قبيلتي يثرب. وقد ظلت علاقاتها طيبة برغم ما كان يمكن أن يحدث من تنافس بين المدينتين الواقعتين على طريق التجارة. ولم تحدث الجفوة والعداء بينهما إلا بعد هجرة الرسول -ﷺ- إلى يثرب وتكوين الدولة الإسلامية بها، وشعور قريش بالخطر الداهم على تجارتها. والذي أصبح يكمن في يثرب بهذا الوضع الجديد الذي أحدثته الهجرة، فقد عدَّ المكيون إيواء النبي -ﷺ- والمهاجرين تحديًّا لهم وتهديدًا لمصاحلهم، ومن أجل ذلك وقع الصدام بين المدينتين٤.
وكانت صلات مكة باليهود جميعًا طيبة في يثرب وخيبر وتيماء، ووادي القرى. وكان القرشيون يحترمون اليهود ويرون أنهم أهل العلم والكتاب الأول٥، كما كان اليهود يجلون القرشيين ويعتبرونهم سادة العرب وملوك الناس٦، ولم يكن اليهود في
_________________
(١) ١ نفسه ٣/ ٣٦١- ٣٦٢. ٢ البخاري ٥/ ٧٣. ٣ الذهبي ١/ ٣٠٣- ٣١٩. ٤ البخاري ٥/ ٧٢. ٥ ابن هشام ١/ ٣٣٠ "بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد، وصفًا لهم صفته، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء". ٦ نفسه ٢/ ٤٣١.
[ ١٢٨ ]
جزيرة العرب يحفلون كثيرًا بتعاليم التوراة التي تأمرهم بالبعد عن الوثنيين وتلزمهم عداءهم ومحاربتهم، وإنما كان يجرون وراء مصالحهم المادية. وجريًا وراء هذه المصالح تورطوا في الإثم حينما سألهم المكيون أدينهم خير، أم ما يدعو إليه محمد؟ فناصروا الوثنية على التوحيد الذي جاء به الإسلام، والذي حملوا هم لواءه آلاف السنين ولقوا في سبيله كثيرًا من الاضطهاد والعذاب١. ولقد نعى عليهم القرآن هذا التورط في الضلال ولعنهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
كذلك مالأ اليهود في يثرب القرشيين منذ بدأ الصراع بينهم وبين المسلمين. بالرغم من العهد الذي عقده النبي -ﷺ- معهم، وانبرى شعراؤهم يمدحون المكيين ويرثون قتلاهم ويؤلبون قريشًا والعرب لحرب المسلمين، وانتهى الأمر بأن عقدوا حلفًا مع القرشيين وجمعوا إليه قبائل العرب لحرب المسلمين في غزوة الخندق.
بهذه الصلات الحسنة أمنت مكة عادية القبائل العربية، كما أمنت خصومات المدن الحجازية، ولما كانت قد استطاعت المحافظة على وحدة القبيلة الداخلية، وتوطيد السلام في مكة فقد نالت تفوقًا كبيرًا وحظيت باحترام عام من كافة أنحاء الجزيرة العربية، وأصبحت تنافس صنعاء في زعامة الجزيرة العربية، بل إنها تفوقت عليها في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، وأصبحت العاصمة العربية التي تتجه إليها نفوس العرب وعواطفهم القومية، وبخاصة بعد أن فقدت اليمن استقلالها، وكذلك تضعضعت مملكة الحيرة ومملكة غسان.
_________________
(١) ١ إسرائيل ولفنسون: تاريخ اليهود في جزيرة العرب ١٤٢- ١٤٣. التوراة: تثنية، إصحاح ٧ آية ٣- ٦.
[ ١٢٩ ]
علاقات مكة الخارجية
مدخل
الفصل الرابع: علاقات مكة الخارجية
شهد القرن السادس الميلادي ذروة الصراع بين الإمبراطورية البيزنطية ومن لف في فلكها. كدولة الأحباش. وبين الإمبراطورية الفارسية، وكان ميدان هذا الصراع بلاد الشرق الأوسط، وهدفه بسط نفوذ الدولتين على ربوع هذا الشرق؛ بغية السيطرة على طرق التجارة العالمية التي تمر ببلاد هذا الشرق. وقد وصل هذا الصراع ِإلى ذروته العظمى في نهاية هذا القرن، وبلغ غايته بانتهاء الربع الأول من القرن السابع، حيث انتهى نهاية أبدية؛ وذلك لأن دولة جديدة فتية قامت في جزيرة العرب، وهي منطقة لم تشهد قيام دولة موحدة من قبل، ولم يخطر ببال أحد أن تقوم بها مثل هذه الدولة، فوضعت حدًّا أبديًّا لهذا النزاع؛ فإنها لم تلبث بعد أن قامت إلا قليلًا حتى خرجت إلى المجال الخارجي، واصطدمت بالإمبراطوريتين الكبيرتين اللتين كانتا تتحكمان في مصير العالم وقتذاك؛ فالتهمت إحداهما وهي الإمبراطورية الفارسية، وطردت الأخرى عن هذه المنطقة؛ فلم تعد إليها مرة أخرى، بل ما لبثت أن تعقبتها في عقر دارها حتى سقطت على يد رجال يدينون بدين هذه الدولة الفتية ويخضعون خضوعًا معنويًّا لها، فقد سقطت القسطنطينية عاصمة بيزنطة في يد الترك العثمانيين المسلمين سنة ١٤٥٣م.
والصراع على الاستيلاء على تجارة الشرق بالسيطرة على طرقها صراع قديم سابق على ميلاد المسيح بقرون طويلة، ربما يرجع إلى عهد الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية ١٥٨٠ ق. م التي سيرت أساطيلها في البحر الأحمر إلى أرض البخور على شاطئ البحر الأحمر في الجنوب١، ثم جاء العصر الإغريقي فحاول الإسكندر الأكبر حين فتح
_________________
(١) ١ أحمد بدوي: في موكب الشمس ٢/ ٣٧٧، ٤٦٠- ٤٦٢. جورجي زيدان.
[ ١٣١ ]
بلاد الشرق أن يمد نفوذه على بلاد الغرب حيث تمر طرق التجارة فلم يتم له ما أراد١.ثم نجح البطالمة خلفاء الإسكندر في مصر، فوصلت أساطليهم إلى الجنوب، واستطاعت أن تحول جانبًا كبيرًا من تجارة الشرق إلى طريق البحر الأحمر ثم مصر. ثم لم تلبث الأساطيل الرومانية -بعد البطالمة- أن مخرت عباب البحر الأحمر لنقل هذه التجارة٢. ولكن الطريق البري ظل مفتوحًا. فأرسل الرومان حملة بقيادة أليوس جالوس سنة ٢٤ ق. م في عهد القيصر أغسطس للاستيلاء على الطريق البري بالاستيلاء على رأسه الجنوبي -اليمن- بعد أن أصبح في أيديهم رأسه الشمالي -الشام- ولكن هذه الحملة باءت بالفشل٣.
ولما حل البيزنطيون محل الرومان، وقامت في المشرق دولة الفرس الساسانية، اشتبكت الدولتان في صراع امتد على الزمن وتعددت وسائله، فقد استخدمت فيه القوة المسلحة، كما استخدمت السياسة والدين٤.
وكانت بلاد الشرق الأوسط محور هذا النزاع وميدان التصارع بين الدولتين. وقد دخلت أطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية في مجال هذا الصراع؛ بل إن الاستيلاء عليها باعتبارها رؤوس طرق التجارة الشرقية كان هو الهدف من وراء هذا التطاحن بين الدولتين الكبيرتين، وشهد القسم الشمالي من الجزيرة العربية أعنف المعارك الحربية بينهما، كما شهد القسم الجنوبي أنواع الصراع السياسي والديني. أما د داخل شبه الجزيرة العربية فلم يدخل في دائرة الصراع إلا في القرن السادس الميلادي، إذ إن التجارة كانت في يد اليمنيين الذين قاموا على نقلها منذ زمن مبكر جدًاّ، في عهد الدولة المعينية ١٣٥٠ ق. م، ثم السبئية والحميرية، ولم يكن في فتح داخل شبه الجزيرة الصحراوي مطمع لفاتح، لقلة خيراتها وصعوبة تسيير الجيوش إليها، كما لم تكن مدن الحجاز لتزيد على كونها محطات تجارية تنزلها القوافل للراحة والتزود؛ ولذلك لم نسمع عن غزو وجه إلى داخلية شبه الجزيرة أو إلى مدنها الواقعة على طرق
_________________
(١) ١ جورجي زيدان نفسه ١١٥. ٢ جواد علي ٣/ ١٩، ٢٠ حتى تاريخ العرب ٧٢. ٣ حتى نفسه ٧٠. ٤ نفسه ٦٧- ٧٣- ٧٥.
[ ١٣٢ ]
التجارة، ومع أن حملة أليوس جالوس سنة ٢٤ ق م اخترقت شبه الجزيرة ووصلت إلى منطقة مأرب١ فإنه لم يذكر أنها توقفت عند مكة أو عند يثرب أو الطائف، كذلك لم نسمع عن جيوش رومية أو فارسية قصدت هذه المنطقة؛ لبعد الشقة وصعوبة وصول الجيوش إليها، فظلت بعيدة عن متناول يد الدول الكبرى. وحتى في القرن السادس الميلادي لم تفكر بيزنطة في إرسال جيوشها عبر جزيرة العرب، حين طلب إلى القيصر أحد الفارين المسيحيين من نجران النجدة ضد الملك اليهودي الذي نكل بالمسيحيين فيها، فقد اعتذر له القيصر بأن بلاده بعيدة٢، وظهر أن الروم لم ينسوا الدرس الذي تلقته حملة أليوس جالوس من قبل. كذلك تردد كسرى في إجابة ملتمس سيف بن ذي يزن حين طلب إليه تسيير جيوشه لتخليص اليمن من حكم الأحباش، برغم أن سيف عرض حكم بلاده على كسرى٣. وقد تحالفت بيزنطة مع الحبشة القريبة من بلاد العرب واتخذت منها أداة لبسط نفوذها على بلاد اليمن، كما اتخذت الدولتان من الدين وسيلة لإضعاف هذه البلاد وبسط نفوذهما عليها، فحاولت بيزنطة نشر المسيحية بين أهل اليمن.. وردت فارس على هذا بأن شجعت الديانة اليهودية المعادية للمسيحية. وقد كان من نتيجة ذلك أن قامت الخلافات الداخلية؛ مما أدى إلى إضعاف دولة الحميريين، ثم أدى إلحاح الأحباش عليها بالغزو إلى سقوطها في أيديهم سنة ٥٢٥ م، ثم سقوطها بعد ذلك تحت الحكم الفارسي سنة ٥٧٥م ٤.
وبسقوط اليمن تحت الاحتلال الحبشي ثم الفارسي، وقيام الخلافات الداخلية فيها؛ فقدت قدرتها على النهوض بدورها الذي اضطلعت به قرونًا طويلة في نقل التجارة العالمية. ولما كان النزاع بين الفرس والروم قد أدى إلى قفل طريق التجارة الشرقي المار ببلاد العراق إلى الشام، وكان الطريق البحري عبر البحر الأحمر قد خلا من سفن الروم، ولم تقو البحرية الحبشية على سد الفراغ فيه، وأصبح ميدانًا لسفن القراصنة فوق صعوبة الملاحة نفسها في هذا البحر بسبب الرياح الشمالية التي تعاكس السفن في إبحارها نحو الشمال، ولوجود الشعب المرجانية وخلو شواطئه من المرافئ الصالحة
_________________
(١) ١ جواد ٢/ ٣٨٤- ٣٨٦. ٢ ابن هشام ١/ ٣٦. ٣ نفسه ١/ ٦٦. ٤ ابن هشام ١/ ٧٣.
[ ١٣٣ ]
لرسو السفن وحمايتها وقلة الماء والمؤن على جانبيه؛ فإن الطريق البري عبر تهامة والحجاز أصبح هو الطريق الوحيد المفتوح أمام التجارة، وكان لا بد بعد زوال النشاط اليمني أن يوجد مَن يسد الفراغ ويقوم بدور الوسيط المحادي بين المتنازعين لنقل هذه التجارة١.
وقد وجد هذا الوسيط المحايد ممثلًا في مدينة مكة، التي حظيت بنوع من التنظيم والاستقرار على يد قبيلة قريش منذ منتصف القرن الخامس الميلادي، وقد حظيت بمكانة سامية بين عرب الشمال الذين بدت فيهم نهضة قومية في ذلك الحين، وأخذوا يتطلعون إلى زعامة عربية تتجه إليها عواطفهم، وبخاصة بعد أن وقعت أطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية، ممثلة في اليمن والحيرة والغساسنة تحت النفوذ الأجنبي.
وبقيام مكة على نقل التجارة بدأت تطرق المجال الخارجي، وبدأت تتخذ لها علاقات مع الدول المحيطة بالجزيرة العربية والتي أصبحت هي الوسيط في نقل التجارة منها وإليها. وقد عمل رجال قريش على ألا يزجوا بأنفسهم في مجال هذا الصراع الدولي؛ بل حرصوا على الحيدة التامة بين المتنازعين، وقد أعانهم على اتخاذ موقف الحياد رغبة المعسكرين في وجود مثل هذا الوسيط المحايد من ناحية، وبُعد مكة وصعوبة الوصول إليها من ناحية أخرى، ومع ذلك فلم تسلم مكة من محاولة السيطرة عليها محاولات حربية وسياسة باءت بالفشل؛ بفعل عوامل خارجة عن قدرة المكيين مرة، وبإصرار رجال مكة على حيادهم واطمئنانهم إلى موقفهم مرة أخرى٢.
_________________
(١) ١ HUsayyen. Arabia and the Ear East B، ١٤٢- ١٤٣ ٢، ٣ حتى: نقوش أشار إليها ٤٩، ٥٠، ٦٤جواد علي ١/ ٣٨١، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٨. Gerald do Garury Rulers of Mecca P.٢٤
[ ١٣٤ ]
علاقة مكة بالجنوب:
علاقة الحجاز باليمن قديمة جدًّا ترجع إلى أيام الدولة المعينية، ثم السبئية والحميرية ١٣٥٠ ق م- ٥٢٥م الذين امتد نفوذهم إلى شمال بلاد الحجاز، حيث أسسوا لهم مستعمرات على طول الطريق التجاري في معان والعلا كما تشهد بذلك النقوش التي وجدت في هذه المناقط١. وفي أيام هذه الدول لم تكن مكة أكثر من
_________________
(١) ١ حتى: نقوش أشار إليها ٤٩، ٥٠، ٦٤جواد علي ١/ ٣٨١، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٨. Gerald do Garury Rulers of Mecca P.٢٤
[ ١٣٤ ]
محطة تمر بها القوافل ويجد معبدها الاحترام وبخاصة من ملوك التبايعة، حيث تذكر الروايات أن التبع تبان أسعد أبا كرب الحميري كان أول من كسا البيت الحرام وعظمه وأوصى بتعظيمه وكسوته١. وقد كانت القبائل الجنوبية هي أول مَن سكن مكة، وكان لقبيلة خزاعة، التي هي فرع من الأزد دور في عمارة مكة، وتنشيط الحج إلى بيتها الحرام.
وفي عهد قريش اتصل أحد رجال مكة وهو المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن الحميريين وعقد معهم اتفاقًا على أن تقوم قريش بالمتاجرة في أرضهم، وقد اتصلت تجارة قريش باليمن منذ ذلك الوقت -حوالي بداية القرن السادس- وسيطرت قوافلها التجارية تمامًا على نقل هذه التجارة. وقد تضاءل شأن تجار اليمن واكتفوا بالتجارة مع قريش، وكان قصاراهم أن يبيعوا بضائعهم لتجار مكة إذا قدموا إلى الشمال.
وكما حظيت مكة وبيتها الحرام بنفوذ كبير بين عرب الشمال، كذلك أصبح لها مكانة عظيمة في نفوس عرب الجنوب الذين فقدوا استقلالهم، وتطلعوا بدافع القومية إلى هذا البلد العربي المستقل، حتى لقد غضبوا حين جهز أبرهة حاكم اليمن الحبشي حملة لغزو مكة. وتصدت له بعض القبائل اليمنية وقاتلته، وقد قامت علاقات صداقة ومودة بين زعماء مكة ورجالات اليمن؛ فتحدثنا الروايات عن صداقات عبد الملطب بن هاشم وبعض أقيال اليمن ووفاداته عليهم٢. وقد قدم وفد مكة لتهنئة سيف بن ذي يزن بعد انتصاره على الأحباش. وربما كان قدوم هذا الوفد تعبيرًا عن الابتهاج بهزيمة الحبشة التي كانت قد غزت مكة من قبل، ولكنه كان على كل حال تعبيرًا عن الغبطة بانتصار رجل عربي على أعدائه، ودليلًا على حسن الصلة والمودة. وقد أكرم سيف الوفد وحباه، وحظي عبد المطلب زعيمه بعظيم عطفه وكرمه٣.
أما علاقة مكة بالحبشة فإنها بدأت منذ خرجت مكة بتجارتها إلى المجال الخارجي، فإنه في الوقت الذي اتصل فيه المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن، اتصل
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٩- ٢١. ٢ ابن كثير ١٧١- ١٧٢ "كان عبد المطلب صديقًا لذي نفر الحميري، وهو الذي تصدى لحملة أبرهة عند خروجها متجهة إلى مكة وقاتلها، ولكنه هزم، وكان ذو نفر من أشراف أهل اليمن وملوكهم". ٣ ابن كثير ٢/ ٣٢٩.
[ ١٣٥ ]
أخوه عبد شمس بالنجاشي، وأبرم معه اتفاقًا مماثلًا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحبشة لقريش وجهًا ومتجرًا١.
وكانت الحبشة مصدرًا هامًّا من مصادر التجارة الشرقية، فقد كانت تنتج البخور واللادن والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل. كم كانت منطقتها المصدر الأول لتجارة الرقيق الأسود، وكانت قريش إذ تحصل منها على هذه السلع الهامة تحمل إليها ما تحتاج إليه من حاصلات الشام ومصنوعاته، ومن حاصلات الجزيرة العربية نفسها.
ولما استولت الحبشة على اليمن، لم تستطع أن تقوم بدور كبير في التجارة التي أصبحت نقلها يتم على أيدي التجار المكيين، الذين أصبحوا الوسطاء المسيطرين على قوافل التجارة الخارجية، كما كفل قيام البيت الحرام وإقرار هدنة الأشهر الحرم، وقيام الأسواق في منطقة مكة -السيطرة على تجارة شبه الجزيرة العربية الداخلية. وقد فكر حاكم اليمن الحبشي أبرهة أن ينافس مكة في هذه المكانة؛ لعله ينتزع منها التجارة الداخلية، فأقام كنيسة في صنعاء، حرص على أن تكون غاية في الفخامة والروعة؛ ليجلب إليها العرب للحج والمتاجرة٢، ولكن عمله هذا لم يأت بنتيجة؛ وذلك لأن الكتلة العظمى للقبائل العربية كانت وثنية، وقد كانت مكة مأوى أصنام العرب، ثم إن البيت الحرام كان محل تعظيم العرب جميعًا؛ لأنه البيت الذين بناه إبراهيم وإسماعيل اللذان يرد العرب أنسابهم إليهما، فكان اتجاههم إلى مكة يرضي عاطفتهم الدينية والقومية على السواء. وقد دعا الفشل واحتقار العرب للكنسية التي أقامها أبرهه إلى قيامه بحملة ضد مكة لتدمير بيتها الحرام فتسقط بذلك مكانتها الدينية، ومن ثم تذهب مكانتها بين العرب من ناحية، وليسيطر على هذه المحطة التجارية من ناحية أخرى؛ ليتم اتصال الحبشة عبر الطريق البري بحليفتها بيزنطة التي كانت تسيطر على بلاد الشام، والتي ربما كانت من وراء هذا الغزو الحبشي؛ ليصبح هذا الطريق الهام في يدها ويد حلفائها، وإن كانت لم تظهر على مسرح الحوادث في هذا الموضوع٣. وقد فشلت
_________________
(١) ١ الأغاني ٨/ ٥٢. ٢ حتى ٧٦. ٣ لا يستبعد أوليري oLEARY أن بعض التجار الروم في مكة كانوا يقومون بأعمال التجسس لحساب بلادهم.
[ ١٣٦ ]
حملة أبرهة بظروف بعيدة عن عمل المكيين ١؛ فقد تفشَّى المرض في جيش أبرهة وهو على أبواب مكة بعد أن عجزت القبائل عن التصدي لهذا الجيش، كما عجزت مكة عن تهيئة قوة لحربه والوقوف في وجهه، وقد زاد هذا الحادث من مكانة مكة الأدبية، وأكد زعامتها السياسية والروحية.
وعلى الرغم من هذا العمل العدواني من جانب الحبشة؛ فإن العلاقات ظلت قائمة بين البلدين؛ لحاجة كل منهما إلى الآخر، ولأن الحبشةلم تفكر بعد ذلك في تكرار هذا العمل العدواني، وبخاصة بعد أن تغيرت الظروف بطردها من اليمن؛ ولأن قريشًا اطمأنت لمركزها بعد تراجع الأحباش عنها وبعد خروجهم من الجزيرة العربية كلها بعد هزيمتهم أمام الفرس. ولم يصبح أمام الحبشة إلا هذا الوسيط العربي الذي يقوم على التجارة، فإنه لم يكن من المستطاع أن تخلق تجارة مع الفرس أعدائها وأعداء حلفائها الروم.
وفي أيام البعثة النبوية كانت علاقة مكة مع الحبشة علاقة وطيدة، وكان تجار قريش على صلة دائمة وعلاقات طيبة مع هذه البلاد وعلى معرفة أحوالها؛ الأمر الذي جعل النبي -ﷺ- يفكر أول ما يفكر في الحبشة حين اضطر إلى أن يشير على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليها ووجدوا فيها ملجأ وحماية، وفي حسن استقبال هؤلاء المهاجرين ورعايتهم، وفي إرسال قريش سفارة قابلت النجاشي وفاوضته في رد هؤلاء المهاجرين ٢ ما يدل على أن العلاقة كانت وطيدة بين البلدين. وقد ظلت العلاقات الطيبة قائمة بينهما بعد ذلك مدة طويلة.
ولا بد أن صلة مكة التجارية بالجنوب قد ازدادت بعد قفل طريقها الشمالي إلى الشام بعد هجرة النبي -ﷺ- إلى يثرب ودخوله في صراع مع قريش، فإن بلدًا مثل مكة لا يقوى على عدم المتاجرة وإلا أكل رءوس أمواله وهدد بالخراب.
_________________
(١) ١ انظر سورة الفيل. ٢ ابن هشام ١/ ٢٤٣، ٣٥٦-٣٦١. Oleary، P. ١٨٤.
[ ١٣٧ ]
علاقة مكة بالشمال:
علاقة مكة بالشمال قديمة ترجع إلى أيام النبطيين الذين كانوا يقومون على التجارة في شمال بلاد العرب. والذين امتد سلطانهم إلى شمال الحجاز، وقد عمل الحجازيون على تعظيم شأن الحجاز بين النبطيين فوضعوا في الكعبة تماثيل أربابًا كان يعبدها النبطيون، يعد الرواة منها: هبل. كما استقدموا إلى منطقتها آلهة أخرى منها
[ ١٣٧ ]
اللات ومناة والعزى١، ولا شك أن قصة عمرو بن لحي الذي اتفقت الروايات على أنه نقل الأصنام من بلاد النبط إلى الكعبة إنما هي وسيلة من وسائلهم لتعظيم شأن الكعبة عند أهل الشمال، وإيناسهم بها كلما رحلوا إلى الحجاز، وتقريب ما بينهم وبين شعائر البيت الحرام.
ولما قدم قصي إلى مكة وجمع قريشًا ونازع بها خزاعة للاستيلاء على مكة، استعان بقضاعة، وهي إحدى القبائل التي كانت تقيم في بادية الشام، وتخضع للغساسنة الذين كانوا تحت النفوذ البيزنطي.
وحين ورثت بيزنطة سلطان الرومان في المشرق ورث معه البيزنطيون رغبة الرومان في الاستيلاء على طريق التجارة عبر الحجاز، إذ إن الطريق عبر العراق كان في يد خصومهم الفرس. وفي الوقت الذي حصلت فيه مكة على عهود من الحميريين والأحباش على غشيان بلادهم للمتاجرة في أرض الدولة البيزنطية٢، ولكن البيزنطيين عملوا -من ناحية أخرى- على أن يضعوا أيديهم على الرأس الجنوبي لهذا الطريق والاتصال مباشرة بمنابع التجارة الشرقية، ولما لم يكن في الإمكان تسيير
_________________
(١) ١ ابن الكلبي: الأصنام ٢٨. الأزرقي: تاريخ مكة ١/ ٦٨ وما بعدها. ابن هشام ١/ ٦٢- ٦٣ هامش الروض. "كان الصنم مناة منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة، وكان معظمًا خاصة عند الأوس والخزرج وكذلك كانت تعظمه القبائل الأخرى وفي جملتها قريش وهذيل وخزاعة وأزد شنوءة وسدنته المشهورة عند العرب وهو "آليلات" Alclat الإله الرئيس عند العرب في أيام المؤرخ هيرودوت، ويدل على ذلك أن عبادته كانت منتشرة عند العرب الشماليين وهو اللات في نصوص الحجر وصلخد وتدمر أي: في النصوص النبطية التي عثر عليها في هذه الجهات، وقد تسمى به "وهت اللات" ابن الزباء ملكة تدمر "انظر النقش المنقول بين صفحتي ٩٢، ٩٣ من الجزء الخامس- جواد علي" وقد عد النبط اللات أمًّا للآلهة والعزى صنم أنثى كذلك وهو أحدث عهدًا في نظر ابن الكلبي من اللات ومناة. وقد وضعت بوادٍ من نخلة الشامية يقال له حرض، وكانت قريش تتعبد للعزى وتخصها بالإعظام، وكان أهل الحيرة يتعبدون لها، ويعنون بالعزة كوكب الصباح، أما هبل فقد ذكر الرواة أنه كان أول صنم جاء به عمرو بن لحي من مؤاب من أعمال البلقاء أو من هيت بالعراق وقد ورد اسم هبل في الكتابات النبطية التي عثر عليها في الحجر" انظر: جواد على ٥/ ٨٩- ١٠٤.
(٢) الطبري ٢/ ١٢.
[ ١٣٨ ]
جيوشهم إليه فقد اتخذوا الحبشة حليفة لهم لتقوم بهذا الدور، واصطنعوا الدين وسيلة لذلك. وحين استطاعت الحبشة الاستيلاء على اليمن، عمل الحليفان على الاتصال عبر هذا الطريق، وبذلا محاولات للسيطرة عليه وإزالة ذلك الوسيط التجاري وهو مكة، ولا شك أن حملة أبرهة كانت إحدى المحاولات العسكرية١. كما بذل الروم محاولة سياسية أخرى لتمليك سيد من العرب على مكة يدين بالولاء لدولة الروم، فارتضى قيصر لملك مكة رجلًا من ساداتها هو عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى القرشي، وكان عثمان ممن تمردوا على الوثنية من حكماء مكة وبحثوا عن ديانة أخرى أفضل منها، وقد قدم عثمان على قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده٢ وملك قيصر عثمان على مكة ومنحه براءة بذلك وكتب له كتبًا يبلغها قومه، فعاد بها، وجمع قومه إليه يرغبهم في حسن الجزاء من قيصر، وينذرهم بسوء العاقبة في الشام إذا هم عصوه وأهون ما هناك أن يغلق قيصر أبواب الشام في وجوههم وهم قد نظموا قوافلهم على الذهاب إليها والمتاجرة فيها في صيف كل عام. قال: يا قوم إن قيصر قد علمتم مكانكم ببلاده وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد ملكني عليكم، وأنا ابن عمكم وأحدكم؛ وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة من السمن والإهاب، فأجمع ذلك ثم أذهب إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه٣ وقد يبدو الأمر غريبًا أن يملك قيصر رجلًا على مكة وليس للبيزنطيين نفوذ على هذه الجهات، فإن نفوذهم الفعلي لم يتجاوز في وقت من الأوقات أعالي الحجاز، ولكن ذلك لا يمنع من حصول عثمان أو غير عثمان على براءات وأوراق اعتراف من الروم بملك سيد على قبيلة أو أرض ليس للروم عليها سلطان، فقد كان حصول المشايخ والأمراء على أمثال هذه الأوراق وبراءات الاعتراف نوعًا من أنواع الإكرام والتقدير الأدبي يكسب حاملها قوة معنوية، ثم هي تجعله في جملة أصدقاء الروم وحلفائهم والحائزين لتقديرهم ومنحهم، وقد كان الروم يشجعون
_________________
(١) ١ جواد على ٤/ ١٦٥. ٢ الروض الأنف ١/ ١٤٩. ابن هشام ١/ ٢٤٣. الأغاني ٢/ ١١٢. ابن كثير ٢/ ٢٤٣. المشرق "السنة الخامسة والثلاثون" ١٩٣٧ ص ٢٧٠. جواد على ٦/ ٢٠٤. Lammens، La Mecque p. ٢٧٠ - ٢٧٩. ٣٦٦. ٣٧٥ ٣ المحبر ص ١٧١ Watt p. ١٥
[ ١٣٩ ]
علاقة مكة بالفرس والحيرة:
في نفس الوقت الذي حصلت فيه مكة على عهود من الروم والحبشة واليمن للمتاجرة في بلادها حصل أحد رجال مكة وهو نوفل بن عبد مناف، على عهد مماثل من كسرى للمتاجرة في بلاد الدولة الفارسية١. وقد اتصلت تجارة مكة بالعراق٢ ولكنها لم تكن بنفس القوة التي كانت عليها بالنسبة للجنوب أو للشمال؛ وذلك لأن الفرس كانوا يتصلون اتصالًا مباشرًا بطريق التجارة الهندية؛ فقد كان الطريق الشمالي يمر ببلادهم، وقد احتكر الفرس التجارة الشرقية المارة ببلادهم وبخاصة تجارة الحرير،
_________________
(١) ١ الطبري ٢/ ١٢. ٢ ابن هشام ١/ ١٥٠. المصعب الزبيري: نسب قريش ص ١٣٦.
[ ١٤٠ ]
وكانوا يحصلون عليها ضرائب باهظة، ولم يسمحوا بوصولها إلى يد الروم إلا بأثمان غالية جدًّا، وكان احتكار الفرس للتجارة الشرقية ومغالاتهم في قيمة الضرائب ورفع الأسعار من الأسباب التي روجت تجارة مكة وقوت مركزها لدى البيزنطيين، كما أن تجارة الفرس مع الجزيرة العربية كانت بيد الحيرة، التي كانت تتسلمها ثم تجيزها إلى أسواق العرب نظير جعل تدفعه لرؤساء القبائل لحماية هذه التجارة. كما أن ملوك اللخميين كانوا يرسلون متاجرهم إلى أسواق مكة كل عام في حماية بعض رؤساء القبائل العربية١. الأمر الذي جعل تجارة قريش قليلة مع هذه الجهات، ومع ذلك فقد كانت قوافل قريش تتصل بالحيرة. ويقال: إن قريشًا تعلمت الكتابة من الحيرة٢.
وقد ازداد نشاط التجارة القرشية نحو هذه البلاد بعد أن تضعضع ملوك الحيرة، وكثرت اعتداءات القبائل على تجارة الفرس المارة عن طريقهم، وعلى تجارة المناذرة أنفسهم، ثم ما تلا ذلك من سقوط سلطان الحيرة بعد مقتل النعمان بن المنذر وهزيمة الفرس أمام العرب في معركة ذي قار٣، وقد حاولت قريش أن تحول نشاطها التجاري ناحية العراق بعد أن توقفت تجارتها نحو الشمال بعد موقعة بدر سنة ٢هـ. فأرسلت قافلة بلغ ثمن ما بها من بضاعة مائة ألف ٤. ولكن المسلمين تصدوا لها واستولوا على القافلة، فلم تستطع قريش أن تفلت من الحصار الذي ضربه عليها المسلمون من الشمال والشرق.
_________________
(١) ١ ابن الأثير ١/ ٣٥٩- ٣٦٠. النويري نهاية الأرب ١٥/ ٤٢٥. فجر الإسلام ١٤. ٢ ابن هشام ١/ ١٩٠. هامش الروض. الآلوسي ١/ ٣٥٠: المصعب الزبيري: نسب قريش ص ١٣٦. ٣ ابن الأثير ١/ ٢٩١. النويري ١٥/ ٤٣٣. ٤ ابن هشام ٢/ ٤٢٠- ٥٣٠. ابن كثير ٤/ ٥.
[ ١٤١ ]
الحج وأثره
مدخل
الفصل الخامس: الحج وأثره
اتصلت نهضة مكة بقيام الكعبة فيها، فإن اهتمام العرب بالبيت الحرام وتعظيمهم له والحج إليه هو السبب الأساسي في قيام هذه المدينة وتقدمها، كما أن موقع مكة كان عاملًا قويًّا في ارتفاع شأن البيت الحرام نفسه.
الكعبة البيت الحرام:
وجد في بلاد العرب بيوت عرفت ببيوت الله أو البيوت الحرام يقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل من سكان البقاع العربية ويتعاهدون على المسالمة في جوارها، وكان أشهرها في الجزيرة العربية: بيت الأقيصر، وبيت ذي الخلصة، وبيت صنعاء، وبيت رضاء، وبيت نجران، وأذكرها جميعًا وأبقاها بيت مكة، عدا بعض البيوت الصغار التي تحج إليها القبائل القريبة ولا تقصد من مكان بعيد.
وكان بيت الأقيصر في مشارف الشام مقصد القبائل من قضاعة ولخم وجذام وعاملة، يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده١.
وبيت ذي الخصلة كان يسمى الكعبة اليمانية وهو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة - بين مكة واليمن - والذين كانوا يسمونه الكعبة اليمانية كانوا يسمون كعبة مكة الكعبة الشامية، وقد أمر النبي -ﷺجرير بن عبد الله البجلي بهدمه بعد فتح مكة، فهدمه بعد أن دافعت عنه خثعم دفاعًا شديدًا٢.
_________________
(١) ١ ياقوت: معجم البلدان ٢/ ٢٣٨. ٢ ياقوت: ٧/ ٣٨٣-٣٨٤. الأغاني ٣/ هـ ص ١٧٢.
[ ١٤٣ ]
وكان بصنعاء "بيت رثام" يحجون إليه وينحرون عنده ويكلمون منه، حتى هدم بعد انتشار اليهودية في اليمن١.
ورضاء بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقد هدمه بأمر النبي -ﷺ- المستوغر بن ربيعة بن سعد ٢.
أما كعبة نجران فهي بيعة بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها، وسموها كعبة نجران، ويقول ابن الكلبي: إنها لم تكن بناء؛ وإنما كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن أو طالب الحاجة قضيت حاجته أو المسترفد رفد. وكان فيها أساقفة معتمدون وهم الذين جاءوا إلى النبي -ﷺ- ودعاهم للمباهلة٣.
وقد اجتمع لبيت مكة من بين هذه البيوت الحرام ما لم يجتمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة العربية؛ لأن مكة كانت ملتقى طرق القوافل بين الجنوب والشمال والشرق والغرب، وكان محطة لازمة لمن يحمل التجارة من الشمال إلى الجنوب. وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها. وقد رغب القبائل فيها أن مكة لم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو رحلاتها؛ فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن أو مملكة المناذرة في الحيرة أو الغساسنة في الشام، وليس من وراء أصحاب الرياسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم أو الفرس أو الحبشة وراء الإمارات المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، فهي مثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش ولا يبالي من عداه، فلم تكن قيصرية، ولا كسروية، ولا نجاشية، وإنما كانت مكة عربية لجميع العرب ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة لا على حكم القهر والإكراه.
والكعبة قديمة سابقة لأسفار العهد القديم في التوراة، وقد توارث العرب أن أول من رفع قواعدها هو إبراهيم وإسماعيل -﵉- وتلهم الآية القرآنية:
_________________
(١) ١ ياقوت ٩/ ٣٨٣- ٣٨٤. الأغاني ٣/ هـ ص١٧٢. ٢ نفسه ٩/ ٥٠. ٣ نفسه ٩/ ٥٠. ياقوت ١٩/ ٢٦٨.
[ ١٤٤ ]
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران] هذا المعنى؛ كما تلهم أنها نالت قدسية عامة منذ إنشائها. والآيات القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة] تلهم أن هذه المنطقة كانت معروفة، وأن الكعبة ربما قامت على أنقاض معبد قديم١، وأنه ربما جرت عليه أحداث تاريخية وجغرافية غيرت من طبيعة المكان وأهمل هذا المعبد، حتى هيئ لإبراهيم أن يرفع قواعده من جديد. وقد ذكرت المصادر القديمة مكة كما تحدثت عن البيت الذي تعظمه العرب في العربية الغربية. لقد كانت الكعبة منذ القدم -كما هي معروفة في عهد قريش- مثابة للناس جميعًا وأمنًا، لا يمنع أحد من التعبد فيها، فقد كانت قريش تسمح لكل الناس على اختلاف نحلهم بالطواف حولها والتعبد فيها على اعتبار أنها بيت الله٢.
فالوثنيون على اختلاف أربابهم، واليهود والنصارى والصابئون كان يمكنهم زيارتها والتعبد فيها، تحكمهم في ذلك حكم القبائل البادية التي وجدت فيها محلًا لعبادة أوثانها في مواسم الحج والإحرام٣. ولقد حاولت الدول الكبرى أن تهدم هذا البيت وتحول أنظار العرب عنه فلم تفلح٤، وبقيت للكعبة مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها.
والأساس المهم الذي قامت عليه قداسة بيت مكة أن البيت بجملته هو المقصود بالقداسة، غير منظور إلى الأصنام والأوثان التي اشتمل عليها، وربما اشتمل البيت على الصنم أو الوثن تعظمه قبيلة وتزدريه أخرى. فلا ينتقص ذلك من قدر البيت عند المعظمين والمزدرين على السواء. وقد تختلف الدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه أو
_________________
(١) ١ الطبري ١/ ١٢٨ "إن الله لما بوأ لإبراهيم مكان البيت ومعالم الحرم فخرج وخرج معه جبريل يقال: كان لا يمر بقرية إلا قال: بهذه أمرت يا جبريل، فيقول جبريل: أَمضه حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة ثم تركهما -ابنه وزوجته- عند البيت". ٢ البتنوني: الرحلة الحجازية ص١٥٠. ٣ نفسه ١١٤- ١١٦ "كان للنصارى بها صور وتماثيل: منها تمثال إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام وصورة للعذراء والمسيح". ٤ ابن هشام: ١/ ٤٣ وما بعدها. الطبري ١/ ٢١.
[ ١٤٥ ]
وثنه وتختلف الطقوس والشعائر. ولكن لم تختلف شعائر البيت كما يتولاها سادنته المقيمون إلى جواره المتكلفون بخدمته، فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها من أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم أن يحكموا بالضلال على أتباع صنم معلوم، ولكنهم يعطون البيت حقه من الرعاية والتقدير١. وعلى هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف عند عرب الجاهلية بلفظها وجملة معناها، كالصلاة والصيام والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله. وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر الغفاري قال له: يا ابن أخي، صليت مرتين قبل مبعث النبي -ﷺ- فسأله: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله، وجاء في البخاري أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء٢، وكان صيامهم من الفجر إلى المغرب الشمس. وكانت لهم بقايا من العبادات التي عرفت بين أهل الكتاب، أو لم تكن معروفة على وتيرة واحدة بين أتباع دين من الأديان، وإنما يرغبهم فيها أنها أعمال ترضي الإله وأنهم يعرفون إلهًا أعظم من سائر الآلهة يتوجهون إليه بالدعاء، وهم حقيقة لا يعتورها الشك؛ لأنهم كانوا يسمون عبد الله ويلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، ولا يدعون أحدًا من الأصنام رب البيت، فإذا قالوا: رب البيت أرادوا به ربًّا فوق كل الأرباب، وهذه الحقيقة هي التي كتبت لبيت مكة التفوق على البيوت كلها في الجزيرة العربية فإنها بيوت أصنام، وكان بيت مكة بيتًا لله الذي يرى فيه العرب الإله الخالق المبدع، وإنما عبادة الأصنام تقربهم إلى الله زلفى٣.
وقد عملت قريش على الاستفادة من مكانة البيت الحرام في نفوس العرب، فاستغلت قيامها على أمر البيت لتقوي مركزها الأدبي لدى القبائل العربية، ولتنشيط
_________________
(١) ١ البتنوني ١٥٢- ١٥٦ "ورغمًا عن شيوع عبادة الأوثان في سواد قبائل العرب فإنه لم يرد عنهم أنهم عبدوا هيكل الكعبة، كما لم يسمع عنهم أنهم عبدوا الحجر الأسود مع احترامهم له ذلك الاحترام الذي لا يمكن تصويره". ٢ البخاري ٢/ ١٤٨. ٣ انظر سورة الزمر ٣. يونس ١٨.
[ ١٤٦ ]
تجارتها الداخلية، فأجرت من الترتيبات ما يكفل لها ذلك، وابتدعت من النظم والتقاليد ما يحقق لها السيادة الأدبية والنفع المادي.
وأول هذه الترتيبات ما نظمته من السقاية والرفادة؛ فمنطقة مكة حارة شحيحة المياه، وهي لكي تستقبل عددًا كبيرًا من الحجاج لا بد أن توفر فيها المياه بحالة منظمة؛ حتى لا يلقى الحاج من قلة الماء ما يضره إلى الخروج منها أو العزوف عن القدوم إليها؛ لذلك جعلت قريش من عملية توفير الماء للحجاج في موسم الحج وظيفة هامة، بل جعلتها أهم الوظائف في مكة ووكلتها إلى أعظم البيوت القرشية، وقلنا: إن هذه المهمة لا بد كانت موجودة قبل قريش، ولكنها نالت عناية كبيرة وصارت عملًا رسميًّا بعد استيلاء قريش على أمر مكة. فقد جعلها قصي بن كلاب وظيفة مقررة وتولاها بنفسه، وقام بحفر الآبار في منطقة مكة، كما عملت بطون قريش على الإكثار من حفر الآبار لتواجه الزيادة المطردة في عدد الحجيج الوافد على الكعبة١، وأصبحت السقاية من الوظائف التي تفاخر بها وتراها من أجل الأعمال، إلى جانب عمارة البيت الحرام والقيام على سدانته وتنظيفه وإعداده للزائرين، حتى لقد نوه القرآن الكريم بذلك فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة] . كما جعل قصي استضافة الحاج وظيفة هامة أيضًا، وقرر على قريش خرجًا يخرجونه من أموالهم يدفعونه إليه -ثم يدفعونه إلى متولي هذه المهمة بعده- يصنع به طعامًا لفقراء الحجاج؛ استضافة لهم على أنهم ضيفان بيت الله الحرام، وهذا أمر هام في بيئة فقيرة كبيئة الصحراء، وكثير من الحجاج يقدم من بلاد بعيدة ويكابد سفرًا طويلًا يصعب معه حمل الزاد، وقد حافظت قريش على هذه الوظيفة ووكلتها إلى البطون القوية القادرة عليها؛ إذ إن صاحب الرفادة يتحمل جزءًا من ماله الخاص؛ لذلك كان يعهد بالقيام بها إلى الرجال الأغنياء٢، ومهمة الرفادة جلبت لقريش كثيرًا من الفوائد الأدبية والمادية، فالمؤاكلة تعتبر عقد جوار وحلف عند العرب، فوق أن الضيافة وإطعام الطعام كان يعتبر أكبر المحامد في المجتمع العربي، وبإطعام الحاج من كافة قبائل أنحاء الجزيرة العربية تكون قريش كأنما عقدت جوارًا مع هذه القبائل، فوق أنها
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٥٩- ١٦٢. ٢ ابن هشام ١/ ١٤٠. ابن سعد ١/ ٥٨.
[ ١٤٧ ]
نالت احترامًا وفضلًا بينها، هذا مما سهل لما المرور بتجاراتها آمنة بين هذه القبائل التي تعتبر قد ارتبطت معها بهذا الرباط ما دامت قد أكلت من طعامها، وقد استغلت قريش هذه الوظيفة فيما بعد استغلالًا يكفل لها رواج تجارة داخلية هامة في موسم الحج، وهي بيع الطعام للحجاج من غير أهل الحرم، ضمن ما ابتدعت من سنن للاستفادة المادية.
والأمر الهام الثاني الذي عملت قريش على إقراره هو توفير الأمن في منطقة مكة، وتوفير الأمن أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر، وتعتبر الغارة للحصول على المال وسيلة مشروعة من وسائل العيش مثل البيئة العربية؛ فقد حرصت على إقرار حرمة المنطقة المحيطة بالبيت كأمر لازم لحرمة البيت نفسه وجعله ملاذًا للناس جميعًا وأمنًا١، وقد توسعت قريش فمدت حدود الحرم حتى جعلتها تشمل منطقة مكة كلها، فأصبحت حرمًا آمنًا لا يجوز فيه سفك الدماء ولا طلب الثأر في أي يوم من أيام العام، وجعلت الأمن يشمل كل شيء حتى الوحش والطير والنبات٢. وقد دانت لها العرب كلها بذلك وأقرتها عليه؛ لأن الناس كانوا محتاجين إلى مثل هذه المنطقة الحرام يغشونها لتأدية شعائرهم الدينية، وبخاصة بعد أن ضمت أصنام القبائل كلها إلى البيت الحرام، ولتبادل المنافع العامة من بيع وشراء؛ وخصوصًا بعد أن أصبحت مكة تقوم على أمر التجارة، وبعد أن أصبحت مستودعًا تجاريًّا كبيرًا لحاصلات شبه الجزيرة وللمجلوبات الخارجية، وليجد من تضيق به الحياة ويتعرض للطلب ملاذًا يجد فيه الأمن. كما سنت الأشهر الحرم في موسم الحج لتمكين العرب من القدوم على منطقة مكة للحج وللمتاجرة، وقد قامت في منطقة مكة أو حولها أكبر أسواق العرب في عكاظ ومجنة وذي المجاز.
وكل هذه الأشياء كانت مرتبطة بالحج إلى بيت الله الحرام.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ١٤- ١٥. ٢ البخاري ٣/ ١٤. القلقشندي: صبح الأعشى ١/ ٢٥٥ "يقال: إن أول من وضع علامات الحرم عدنان، ومقادير الحرم تتفاوت في القرب والبعد عن مكة، فهي من التنعيم على طريق سرف إلى مر الظهران خمسة أميال أو ستة، ومن طريق جدة عشرة أميال، ومن طريق اليمن ستة أميال، ودوره سبعمائة وثلاثة وثلاثون ميلًا".
[ ١٤٨ ]
نالت احترامًا وفضلًا بينها، هذا مما سهل لما المرور بتجاراتها آمنة بين هذه القبائل التي تعتبر قد ارتبطت معها بهذا الرباط ما دامت قد أكلت من طعامها، وقد استغلت قريش هذه الوظيفة فيما بعد استغلالًا يكفل لها رواج تجارة داخلية هامة في موسم الحج، وهي بيع الطعام للحجاج من غير أهل الحرم، ضمن ما ابتدعت من سنن للاستفادة المادية.
والأمر الهام الثاني الذي عملت قريش على إقراره هو توفير الأمن في منطقة مكة، وتوفير الأمن أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر، وتعتبر الغارة للحصول على المال وسيلة مشروعة من وسائل العيش مثل البيئة العربية؛ فقد حرصت على إقرار حرمة المنطقة المحيطة بالبيت كأمر لازم لحرمة البيت نفسه وجعله ملاذًا للناس جميعًا وأمنًا١، وقد توسعت قريش فمدت حدود الحرم حتى جعلتها تشمل منطقة مكة كلها، فأصبحت حرمًا آمنًا لا يجوز فيه سفك الدماء ولا طلب الثأر في أي يوم من أيام العام، وجعلت الأمن يشمل كل شيء حتى الوحش والطير والنبات٢. وقد دانت لها العرب كلها بذلك وأقرتها عليه؛ لأن الناس كانوا محتاجين إلى مثل هذه المنطقة الحرام يغشونها لتأدية شعائرهم الدينية، وبخاصة بعد أن ضمت أصنام القبائل كلها إلى البيت الحرام، ولتبادل المنافع العامة من بيع وشراء؛ وخصوصًا بعد أن أصبحت مكة تقوم على أمر التجارة، وبعد أن أصبحت مستودعًا تجاريًّا كبيرًا لحاصلات شبه الجزيرة وللمجلوبات الخارجية، وليجد من تضيق به الحياة ويتعرض للطلب ملاذًا يجد فيه الأمن. كما سنت الأشهر الحرم في موسم الحج لتمكين العرب من القدوم على منطقة مكة للحج وللمتاجرة، وقد قامت في منطقة مكة أو حولها أكبر أسواق العرب في عكاظ ومجنة وذي المجاز.
وكل هذه الأشياء كانت مرتبطة بالحج إلى بيت الله الحرام.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ١٤- ١٥. ٢ البخاري ٣/ ١٤. القلقشندي: صبح الأعشى ١/ ٢٥٥ "يقال: إن أول من وضع علامات الحرم عدنان، ومقادير الحرم تتفاوت في القرب والبعد عن مكة، فهي من التنعيم على طريق سرف إلى مر الظهران خمسة أميال أو ستة، ومن طريق جدة عشرة أميال، ومن طريق اليمن ستة أميال، ودوره سبعمائة وثلاثة وثلاثون ميلًا".
[ ١٤٨ ]
الكعبة البيت الحرام:
وجد في بلاد العرب بيوت عرفت ببيوت الله أو البيوت الحرام يقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل من سكان البقاع العربية ويتعاهدون على المسالمة في جوارها، وكان أشهرها في الجزيرة العربية: بيت الأقيصر، وبيت ذي الخلصة، وبيت صنعاء، وبيت رضاء، وبيت نجران، وأذكرها جميعًا وأبقاها بيت مكة، عدا بعض البيوت الصغار التي تحج إليها القبائل القريبة ولا تقصد من مكان بعيد.
وكان بيت الأقيصر في مشارف الشام مقصد القبائل من قضاعة ولخم وجذام وعاملة، يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده١.
وبيت ذي الخصلة كان يسمى الكعبة اليمانية وهو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة - بين مكة واليمن - والذين كانوا يسمونه الكعبة اليمانية كانوا يسمون كعبة مكة الكعبة الشامية، وقد أمر النبي -ﷺجرير بن عبد الله البجلي بهدمه بعد فتح مكة، فهدمه بعد أن دافعت عنه خثعم دفاعًا شديدًا٢.
_________________
(١) ١ ياقوت: معجم البلدان ٢/ ٢٣٨. ٢ ياقوت: ٧/ ٣٨٣-٣٨٤. الأغاني ٣/ هـ ص ١٧٢.
[ ١٤٣ ]
وكان بصنعاء "بيت رثام" يحجون إليه وينحرون عنده ويكلمون منه، حتى هدم بعد انتشار اليهودية في اليمن١.
ورضاء بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقد هدمه بأمر النبي -ﷺ- المستوغر بن ربيعة بن سعد ٢.
أما كعبة نجران فهي بيعة بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها، وسموها كعبة نجران، ويقول ابن الكلبي: إنها لم تكن بناء؛ وإنما كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن أو طالب الحاجة قضيت حاجته أو المسترفد رفد. وكان فيها أساقفة معتمدون وهم الذين جاءوا إلى النبي -ﷺ- ودعاهم للمباهلة٣.
وقد اجتمع لبيت مكة من بين هذه البيوت الحرام ما لم يجتمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة العربية؛ لأن مكة كانت ملتقى طرق القوافل بين الجنوب والشمال والشرق والغرب، وكان محطة لازمة لمن يحمل التجارة من الشمال إلى الجنوب. وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها. وقد رغب القبائل فيها أن مكة لم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو رحلاتها؛ فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن أو مملكة المناذرة في الحيرة أو الغساسنة في الشام، وليس من وراء أصحاب الرياسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم أو الفرس أو الحبشة وراء الإمارات المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، فهي مثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش ولا يبالي من عداه، فلم تكن قيصرية، ولا كسروية، ولا نجاشية، وإنما كانت مكة عربية لجميع العرب ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة لا على حكم القهر والإكراه.
والكعبة قديمة سابقة لأسفار العهد القديم في التوراة، وقد توارث العرب أن أول من رفع قواعدها هو إبراهيم وإسماعيل -﵉- وتلهم الآية القرآنية:
_________________
(١) ١ ياقوت ٩/ ٣٨٣- ٣٨٤. الأغاني ٣/ هـ ص١٧٢. ٢ نفسه ٩/ ٥٠. ٣ نفسه ٩/ ٥٠. ياقوت ١٩/ ٢٦٨.
[ ١٤٤ ]
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران] هذا المعنى؛ كما تلهم أنها نالت قدسية عامة منذ إنشائها. والآيات القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة] تلهم أن هذه المنطقة كانت معروفة، وأن الكعبة ربما قامت على أنقاض معبد قديم١، وأنه ربما جرت عليه أحداث تاريخية وجغرافية غيرت من طبيعة المكان وأهمل هذا المعبد، حتى هيئ لإبراهيم أن يرفع قواعده من جديد. وقد ذكرت المصادر القديمة مكة كما تحدثت عن البيت الذي تعظمه العرب في العربية الغربية. لقد كانت الكعبة منذ القدم -كما هي معروفة في عهد قريش- مثابة للناس جميعًا وأمنًا، لا يمنع أحد من التعبد فيها، فقد كانت قريش تسمح لكل الناس على اختلاف نحلهم بالطواف حولها والتعبد فيها على اعتبار أنها بيت الله٢.
فالوثنيون على اختلاف أربابهم، واليهود والنصارى والصابئون كان يمكنهم زيارتها والتعبد فيها، تحكمهم في ذلك حكم القبائل البادية التي وجدت فيها محلًا لعبادة أوثانها في مواسم الحج والإحرام٣. ولقد حاولت الدول الكبرى أن تهدم هذا البيت وتحول أنظار العرب عنه فلم تفلح٤، وبقيت للكعبة مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها.
والأساس المهم الذي قامت عليه قداسة بيت مكة أن البيت بجملته هو المقصود بالقداسة، غير منظور إلى الأصنام والأوثان التي اشتمل عليها، وربما اشتمل البيت على الصنم أو الوثن تعظمه قبيلة وتزدريه أخرى. فلا ينتقص ذلك من قدر البيت عند المعظمين والمزدرين على السواء. وقد تختلف الدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه أو
_________________
(١) ١ الطبري ١/ ١٢٨ "إن الله لما بوأ لإبراهيم مكان البيت ومعالم الحرم فخرج وخرج معه جبريل يقال: كان لا يمر بقرية إلا قال: بهذه أمرت يا جبريل، فيقول جبريل: أَمضه حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة ثم تركهما -ابنه وزوجته- عند البيت". ٢ البتنوني: الرحلة الحجازية ص١٥٠. ٣ نفسه ١١٤- ١١٦ "كان للنصارى بها صور وتماثيل: منها تمثال إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام وصورة للعذراء والمسيح". ٤ ابن هشام: ١/ ٤٣ وما بعدها. الطبري ١/ ٢١.
[ ١٤٥ ]
وثنه وتختلف الطقوس والشعائر. ولكن لم تختلف شعائر البيت كما يتولاها سادنته المقيمون إلى جواره المتكلفون بخدمته، فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها من أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم أن يحكموا بالضلال على أتباع صنم معلوم، ولكنهم يعطون البيت حقه من الرعاية والتقدير١. وعلى هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف عند عرب الجاهلية بلفظها وجملة معناها، كالصلاة والصيام والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله. وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر الغفاري قال له: يا ابن أخي، صليت مرتين قبل مبعث النبي -ﷺ- فسأله: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله، وجاء في البخاري أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء٢، وكان صيامهم من الفجر إلى المغرب الشمس. وكانت لهم بقايا من العبادات التي عرفت بين أهل الكتاب، أو لم تكن معروفة على وتيرة واحدة بين أتباع دين من الأديان، وإنما يرغبهم فيها أنها أعمال ترضي الإله وأنهم يعرفون إلهًا أعظم من سائر الآلهة يتوجهون إليه بالدعاء، وهم حقيقة لا يعتورها الشك؛ لأنهم كانوا يسمون عبد الله ويلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، ولا يدعون أحدًا من الأصنام رب البيت، فإذا قالوا: رب البيت أرادوا به ربًّا فوق كل الأرباب، وهذه الحقيقة هي التي كتبت لبيت مكة التفوق على البيوت كلها في الجزيرة العربية فإنها بيوت أصنام، وكان بيت مكة بيتًا لله الذي يرى فيه العرب الإله الخالق المبدع، وإنما عبادة الأصنام تقربهم إلى الله زلفى٣.
وقد عملت قريش على الاستفادة من مكانة البيت الحرام في نفوس العرب، فاستغلت قيامها على أمر البيت لتقوي مركزها الأدبي لدى القبائل العربية، ولتنشيط
_________________
(١) ١ البتنوني ١٥٢- ١٥٦ "ورغمًا عن شيوع عبادة الأوثان في سواد قبائل العرب فإنه لم يرد عنهم أنهم عبدوا هيكل الكعبة، كما لم يسمع عنهم أنهم عبدوا الحجر الأسود مع احترامهم له ذلك الاحترام الذي لا يمكن تصويره". ٢ البخاري ٢/ ١٤٨. ٣ انظر سورة الزمر ٣. يونس ١٨.
[ ١٤٦ ]
تجارتها الداخلية، فأجرت من الترتيبات ما يكفل لها ذلك، وابتدعت من النظم والتقاليد ما يحقق لها السيادة الأدبية والنفع المادي.
وأول هذه الترتيبات ما نظمته من السقاية والرفادة؛ فمنطقة مكة حارة شحيحة المياه، وهي لكي تستقبل عددًا كبيرًا من الحجاج لا بد أن توفر فيها المياه بحالة منظمة؛ حتى لا يلقى الحاج من قلة الماء ما يضره إلى الخروج منها أو العزوف عن القدوم إليها؛ لذلك جعلت قريش من عملية توفير الماء للحجاج في موسم الحج وظيفة هامة، بل جعلتها أهم الوظائف في مكة ووكلتها إلى أعظم البيوت القرشية، وقلنا: إن هذه المهمة لا بد كانت موجودة قبل قريش، ولكنها نالت عناية كبيرة وصارت عملًا رسميًّا بعد استيلاء قريش على أمر مكة. فقد جعلها قصي بن كلاب وظيفة مقررة وتولاها بنفسه، وقام بحفر الآبار في منطقة مكة، كما عملت بطون قريش على الإكثار من حفر الآبار لتواجه الزيادة المطردة في عدد الحجيج الوافد على الكعبة١، وأصبحت السقاية من الوظائف التي تفاخر بها وتراها من أجل الأعمال، إلى جانب عمارة البيت الحرام والقيام على سدانته وتنظيفه وإعداده للزائرين، حتى لقد نوه القرآن الكريم بذلك فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة] . كما جعل قصي استضافة الحاج وظيفة هامة أيضًا، وقرر على قريش خرجًا يخرجونه من أموالهم يدفعونه إليه -ثم يدفعونه إلى متولي هذه المهمة بعده- يصنع به طعامًا لفقراء الحجاج؛ استضافة لهم على أنهم ضيفان بيت الله الحرام، وهذا أمر هام في بيئة فقيرة كبيئة الصحراء، وكثير من الحجاج يقدم من بلاد بعيدة ويكابد سفرًا طويلًا يصعب معه حمل الزاد، وقد حافظت قريش على هذه الوظيفة ووكلتها إلى البطون القوية القادرة عليها؛ إذ إن صاحب الرفادة يتحمل جزءًا من ماله الخاص؛ لذلك كان يعهد بالقيام بها إلى الرجال الأغنياء٢، ومهمة الرفادة جلبت لقريش كثيرًا من الفوائد الأدبية والمادية، فالمؤاكلة تعتبر عقد جوار وحلف عند العرب، فوق أن الضيافة وإطعام الطعام كان يعتبر أكبر المحامد في المجتمع العربي، وبإطعام الحاج من كافة قبائل أنحاء الجزيرة العربية تكون قريش كأنما عقدت جوارًا مع هذه القبائل، فوق أنها
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٥٩- ١٦٢. ٢ ابن هشام ١/ ١٤٠. ابن سعد ١/ ٥٨.
[ ١٤٧ ]
الحج
للحج ارتباط كبير بالحياة الاجتماعية والاقتصادية عند العرب، فقد كان لكثير من تقاليده علاقة قوية بكيان العرب الاجتماعي، وكان له من أجل ذلك أثر كبير في حياتهم الاجتماعية، فقد كان شاملًا للعرب جميعًا على اختلاف عقائدهم وعباداتهم وبيئاتهم، وكانوا يتخذونه وسيلة من وسائلهم الاجتماعية، حيث يفدون إلى منطقة مكة -البيت الحرام- من كل صوب، فيلتقون في موسم الحج وأسواقه في ظل الأشهر الحرم، ويجتمعون فيتعارفون ويتبادلون المنافع من بيع وشراء ومبادلة. ويعقدون المجالس للمفاخرات، والمشاورات وحل المشاكل، وكان كل صاحب فكرة وكل صاحب دعوة يريد أن يعلن عنها يجد له في أسواق الحج مجالًا صالحًا، وحتى المبشرون من المسيحييين وغيرهم كانوا يأتون إلى هذه الأسواق يدعون لديانتهم. حتى لنستطيع أن نقول: إن هذه الأسواق كانت منبرًا عامًّا تلتقي فيه الأفكار من كل لون، وبذلك أصبحت هذه الأسواق مجالًا للنشاط العربي بكل مظاهره، فأتاحت للعرب وبخاصة قبيل البعثة فرصة لحركة أو نهضة قومية وسياسية واجتماعية وفكرية.
والحج إلى الكعبة فرض إلهي قديم معترف به وممارس منذ زمن بعيد، يتداول العرب خبر اتصاله بإبراهيم وإسماعيل اللذين قاما ببناء البيت الحرام كما يتداولون خبر حرمته منذ بنائه١. وأن الله جعله مثابة للناس جميعًا وأمنًا. وفي القرآن آيات كثيرة تشير إلى الحج ومناسكه وتقاليده ومنافعه، والكعبة البيت الحرام وحرمتها وأمن منطقتها: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران] وتتضمن هذه الآيات قرينة قوية على أن الحج إلى البيت على المستطيع، هو استمرار لفرض إلهي قديم على الناس معترف به وممارس من بعضهم، فهو أول بيت وضع للناس فيه الهدى والبركة، وأنه من بناء إبراهيم بما فيه من علامات هي مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمنًا، ويلفت النظر كلمة الناس فإنها دلالة قوية على أن الحج كان عامًّا غير مخصص بطائفة معينة، وهذا يدل على أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي
_________________
(١) ١ البقرة ١٢٥- ١٢٩ البخاري ٣/ ١٤- ١٥.
[ ١٤٩ ]
جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج] .
هذه الآيات تتضمن دلالة صريحة: -أولًا، على أن العرب جميعهم أو القسم الأكبر منهم، سواء منهم الدانون والقاصون كانوا يأتون إلى مكة ويمارسون مع أهلها طقوس الحج قبل البعثة، وثانيًا، أنهم كانوا يتداولون خبر اتصال الحج ومناسكه بإبراهيم، وقد نزلت هذه الآيات تحمل على المشركين بسبب صدهم عن البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس جميعًا مقيمهم وباديهم منذ بناه إبراهيم، فهم يأتون إليه من كل فج عميق مشاة وركبانًا، رجالًا ونساء؛ ليقوموا بمناسكه ويوفوا ما عليهم من نذور، ويطوفوا بالبيت العتيق، ويشهدوا منافعهم العظيمة في موسمه، والآية: وأذن في الناس بالحج تؤيد بقوة ما ذكرته الروايات من أن الذين كانوا يشهدون موسم الحج لم يكونوا مقصورين على أهل منطقة مكة أو القطر الحجازي، بل منهم من كان يأتي من اليمن ونجد ومشارف الشام ومشارف العراق، كما كان منهم -إلى جانب المشركين- الحنفاء أو الصابئون والنصارى واليهود ١. منهم من يأتي للاتجار ومنهم من يأتي للتبشير، ومنهم من كان يأتي للمفاخرة والخطابة وإنشاد الشعر، ومنهم من كان يأتي بسبب حل مشاكل لا يمكن حلها إلا في ظروف مثل ظروف الحج وموسمه وأمنه، الإضافة إلى
_________________
(١) ١ الواحدي. أسباب النزول ٢١٢، أسد الغابة ٣/ ٣٢٥. ابن هشام ١/ ٣٤٩ السيرة الحلبية ٢٥١. أنساب الأشراف ١/ ٧٢- ٧٣. البخاري٢/ ١٣٤.
[ ١٥٠ ]
أن الأكثر كان يأتي لزيارة الكعبة وأداء مناسك الحج التي كانت من الحرمات العربية العامة.
وقد ظل المشركون من العرب يؤمون المسجد الحرام ويقومون بتقاليد الحج إلى ما بعد فتح مكة استمرارًا لممارستهم السابقة١، وحتى حرم الإسلام الحج على المشركين سنة ٩هـ وحوله إلى حج إسلامي خالص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة] ٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٤/ ٢٠١. ٢ انظر: ابن هشام ٤/ ٢٠٥.
[ ١٥١ ]
*
طقوس الحج وتقاليده
للحج أشهر معلومات١ تبين بالأهلة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ [البقرة] ولا يذكر القرآن صراحة أسماء هذه الشهور، غير أن الروايات المتواترة ذكرت أنها ثلاثة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم٢. وقد ذكر بعض المفسرين والمحدثين استنادًا إلى بعض الروايات أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة٣. ولكننا نرجح الرأي الأول؛ لأن ذا القعدة وذا الحجة والمحرم هي من الأشهر الحرم. والعرب لم يكن يمكنهم أن يشدوا رحالهم من بلادهم حاجين إلى مكة آمنين مطمئنين إلا في هذه الأشهر الحرم.
وقد جعلت أشهر الحج ثلاثة مع أن موسمه وأسواقه لا تستغرق أكثر من شهر وأيام؛ لأن المسافات الشاسعة التي يضطر الحاج إلى قطعها تحتاج إلى مدة كافية يذهب فيها ويعود في ظل الأشهر الحرم.
والطواف بالكعبة كان أول تقاليد الحج، وهو ركن من أركان الإسلام. والآية القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج] تخبر بشيء كان موجودًا ومتعارفًا عليه، مما يدل على أن هذا التقليد كان موجودًا قبل البعثة. والطواف هو أهم مراسم زيارة
_________________
(١) ١ البقرة: ١٩٧. ٢ ابن سعد ٣/ ٢٣٧. السهيلي: الروض الأنف ٢/ ٦٠ اليعقوبي ٢/ ٩١. ابن كثير ٥/ ١٩٥ المقريزي: إمتاع الأسماع ١/ ٥٣١. المصباح ١/ ١٨١ مادة حرم. ٣ الطبري ٤/ ١١٧- ١١٨. البخاري ٢/ ١٤٤.
[ ١٥١ ]
الكعبة أو تحتها، وزيارة الكعبة نوعان: زيارة عمرة، وزيارة حج. وقد كانت هاتان الزيارتان رسميتين قبل البعثة. وللحج موسمه المعروف أما العمرة فهي زيارة الكعبة في غير موسم الحج، وكانوا في الجاهلية لا يجمعون بينهما، ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور١، حتى جاء الإسلام فجوز الجمع بين الحج والعمرة٢. ولعل قريشًا هي التي سنت منع الجمع بين الحج والعمرة؛ حتى تكثر الزيارة للكعبة فتجني من وراء ذلك فوائد مادية. على أن زيارة الكعبة كانت عملًا واجبًا على كل من يقدم مكة سواء في وقت الحج أو في غير وقته.
والطواف في الإسلام هو سبعة أشواط على مدار بناء الكعبة، ويبدأ كل شوط من الركن الذي فيه الحجر الأسود، والطائف يستقبل هذا الركن ويستلم الحجر أو يقبله أو يشير إليه٣.. وليس للحجر الأسود واستلامه أو تقبيله، أو للأشواط السبعة ذكر في القرآن، ولكن ذلك ثابت بالسنة المتواترة التي لم تنقطع. ومن المؤكد أن هذه المراسم قد انتقلت إلى الإسلام على حالها التي كانت عليها من قبل.
والحجر الأسود كان مقدسًا قبل البعثة، فأبقيت له في الإسلام حرمته وأبقيت عادة استلامه وتقبيله والبدء بأشواط الطواف من الركن الذي هو فيه. وهو حجر صواني لامع أسود، ويتحدث العرب أنه أنزل من السماء هدية للكعبة. وقد أبقى الإسلام لهذا الحجر حرمته كما أبقى على تقاليد الحج -كما هي في الجاهلية- وذلك لشدة رسوخها واستحالة التخلص منها، وحتى لا تصدم مقدسات العرب فيكون ذلك عقبة في سبيل الدعوة الإسلامية، ثم حولت هذه المراسم إلى غرض أسمى وهو عبادة الله وتعظيمه بزيارة بيته الحرام، كما حول الحج إلى اجتماع إسلامي عام يعقد في كل عام؛ لتبادل الأفكار والمنافع والإحساس بالترابط العام بين المسلمين. والحقيقة أن الكعبة والحج إليها هي البقية الباقية من عبادة الله في الحجاز على الحنيفية دين إبراهيم، فالعرب كانوا يرون الكعبة بيتًا لله ويرون الحج عبادة لله لا تقربًا للأصنام؛ وإنما وضعت الأصنام في الكعبة تكريمًا للأصنام بوضعها في بيت الله الحرام لا تكريمًا للبيت بوضع الأصنام فيه.
_________________
(١) ١ البخاري ٢/ ١٤٣. ٢ انظر البقرة ١٩٦. ٣ البخاري ٢/ ١٤٩- ١٥٢.
[ ١٥٢ ]
ثياب الإحرام:
والمسلمون يؤدون الزيارتين المذكورتين للكعبة في ثياب الإحرام، وهي ثياب غير مخيطة، وقد كان لهذا أصل قبل البعثة. فقد ذكرت كتب السيرة والتفسير في صدد تفسير الآية القرآنية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ [الأعراف] أن بعض الحجاج قبل الإسلام كانوا يطوفون حول الكعبة عراة رجالًا ونساء، والآية نزلت بسبيل التنديد بذلك وتقرير وجوب أخذ الناس زينتهم والظهور بمظهر الحشمة والوقار عند كل عبادة ومسجد، بارتداء الملابس التي هي مظهر الزينة والحشمة، وقد كان العرب يكرهون أن يطوفوا بالكعبة وعليهم ثيابهم الاعتيادية؛ حذر أن يكونوا قد اجترحوا من المآثم وهي عليهم، ويطوفون عراة؛ فإذا طافوا بها كانوا يلقونها ثم لا يأخذونها بعد ذلك أبدًا، ويتركونها لا يقربها أحد حتى تبلى. وقد سن لهم الأحماس خلعها والتستر بملابس أحمسية، وهي مآزر كان الأحماس يعدونها خصيصًا للحجاج ويسمونها المآزر الأحمسية، وكان الذين لا يجدون مآزر أحمسية أو لا يقدرون عليها ويضنون بثيابهم أن يفقدوها، يخلعونها قبل الطواف ويطوفون عراة رجالًا ونساء١.
وقد ظلت عادة الطواف بالعري إلى ما بعد فتح مكة، حتى أبطل هذه العادة حين أبطل أمر الحمس، وحرم الحج على المشركين حين أعلن للناس بيان براءة في السنة التاسعة من الهجرة٢.
والسعي بين الصفا والمروة كان من الطقوس التي يقوم بها الحاج أو المعتمر في الجاهلية، والصفا والمروة هضبتان صخريتان قريبتان من الكعبة وتبعد إحداهما عن الأخرى نحو أربعمائة متر، وكان المشركون قد نصبوا عندهما بعض أصنامهم، وكانوا يقومون عندهما ببعض الطقوس ويقربون القرابين، ومن جملة هذه الطقوس الطواف بهما. وقد تحرج المسلمون من الطواف بهما كما كانوا يفعلون قبل إسلامهم، فنزلت الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٢/ ٣٨٩- ٣٩٥. ٢ البخاري ٢/ ١٥٣.
[ ١٥٣ ]
يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة] تزيل هذا التحرج وتذكر أن الصفا والمروة من شعائر الله. والطواف الإسلامي بهما سبعة أشواط يسمى السعي بين الصفا والمروة، ويبدأ الطواف من الصفا وينتهي إلى المروة١. وقد كان الحال كذلك في السعي بينهما قبل الإسلام٢.
_________________
(١) ١ البخاري ٢/ ١٥٨ مالك: الموطأ ١/ ١٨٦- ١٨٧. ٢ البخاري ٥/ ٤٤.
[ ١٥٤ ]
الوقوف بعرفة:
وأعظم أيام الحج هو يوم الوقوف بعرفات، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، حيث يجتمع في هذا اليوم كل من أتى الحج في صعيد واحد هو صعيد عرفات. وعرفات منبسط فسيح من الأرض يتسع للألوف المؤلفة من الناس، وهو محاط بالجبال وفي بعض أطرافه صخور وهضاب، وبه سقايات وحياض للإرواء١، ولا يكون الحاج حاجًّا إلا إذا شهد وقوف عرفات٢. وفي الحديث: "الحج عرفة" وقد عبر عنه القرآن بيوم الحج الأكبر: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة] ويستلهم من أسلوب الآية التقريري أن هذه التسمية كانت معروفة قبل الإسلام. وقد كان ليوم عرفات رئيس من بيت معين من بيوتات العرب لا يفيض الناس إلا بعد إفاضته -رجوعه-٣. ولعل الزعماء وأصحاب الشأن من العرب كانوا يتخذون من هذا اليوم المشهود وسيلة لإعلان بعض الأمور وإبلاغها للناس، وكان الناس بعد الفراغ من حجهم يأتون صاحب النسيء ليسمعوا منه ما يعلن عليهم من تقديم أو تأخير في الأشهر الحرم٤. وقد أرسل النبي -ﷺ- في السنة التالية لفتح مكة أبا بكر الصديق أميرًا على الحج فأقام للناس حجهم، وقد ذكرت الرواية خبرًا هامًّا في بابه وهو أن الناس كانوا -تلك السنة- في منازلهم على الحج التي كانوا عليها في الجاهلية٥، وقد اتخذ النبي -ﷺ- فرصة هذا اليوم المشهود
_________________
(١) ١ ياقوت ١٣/ ١٠٤-١٠٥. ٢ أسد الغابة ٣/ ٣٢٨. ٣ ابن هشام ١/ ١٣١- ١٣٣. ٤ نفسه ١/ ٤٥. ٥ نفسه ٤/ ٢٥١.
[ ١٥٤ ]
وسيلة لإعلان الناس براءة الله ورسوله من المشركين، فأعلن هذا للناس عن طريق أبي بكر في رواية، وعن طريق علي بن أبي طالب الذي أرسله النبي -ﷺ- خصيصًا لهذا الإعلان في رواية أخرى. ويستأنس من كل ذلك أن يوم عرفات هو يوم الحج الأكبر، وأن هذا اليوم كان يجتمع فيه الناس من كل جهة وكل قبيل، وأنه كان فرصة لقضاء أمور هامة وإعلانها، وأن ما جرى عليه الحج الإسلامي كان استمرارًا لما كان يجري عليه العرب من قبل.
وحينما يعود الحجاج من عرفات يأتون إلى مكان يعرف اليوم بالمزدلفة، وكانوا يسمونه جمْعًا وهو المكان الذي سماه القرآن المشعر الحرام١، فيتوقفون عنده إلى الفجر ثم يفيضون منه إلى منى، فقد كانت هناك إفاضتان: إحداهما من عرفات والأخرى من المشعر الحرام، والإفاضة كانت تسمى إجازة، ومعناها أن يجيزهم الرئيس من مغادرة المكان إلى مكان آخر، وكان هناك بعض البطون هم أصحاب الحق في هذه الإجازة؛ بحيث لا يفيض الناس إلا إذا أفاض رئيس هذا البطن، وقد كان يقصد بتوقف الناس عند المشعر الحرام إشعارهم بأنهم قد انتهوا من الواجب الأساسي للحج، وأصبحوا بذلك حجاجًا، وأن لهم الحق في التعييد بعده، وفعلًا فإن الناس بمجرد إفاضتهم من المزدلفة إلى منى يصبحون معيدين عيد الأضحى.
وكان للعرب تقليد آخر في منى، وهو عقد مجالس المفاخرة بعد أن يكونوا قد انتهوا من مناسك الحج، وقد ذكر المفسرون هذا التقليد في سياق تفسير الآية القرآنية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة] وقالوا: إن الحجاج كانوا بعد قضاء مناسكهم يعقدون المجالس في منى ليتناشدوا الأشعار ويعددوا مفاخر الآباء والقبائل، والآية تلهم هذا الذي تناقلته الروايات، ولا سيما وأيام منى أيام عيد وأكل وشرب وراحة، فأمرت الآية بذكر الله والتحدث بنعمه بدلًا من المفاخرات الجاهلية التي تزيد من قوة العصبية الضيقة، التي كان النبي -ﷺ- بحكم دعوته يهدف إلى
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة الآية ١٩٨. تفسير الطبري ٤/ ١٧٥- ١٨٠.
[ ١٥٥ ]
إضعافها والخروج من مجالها الضيق إلى مجال الوحدة العربية الشاملة، بل إلى مجال أوسع من ذلك وهو الوحدة الإنسانية١.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٤/ ١٩٦- ١٩٨.
[ ١٥٦ ]
الهدي والقلائد:
الهدي هو الحيوان الذي يسوقه الحاج معه ليذبحه بعد أداء مناسكه قربان شكر لله، وكان من عادة العرب الحجاج تقليد الهدي بوضع قلادة في عنقه من سيور الجلد أو ألياف الشجر أو فتيل الخيط؛ إعلانًا بأنه هدي فيصبح بذلك محرمًا محترمًا، وكان من عادتهم إشعار البدن أي: جرحها جرحًا خفيفًا من شق سنامها، فيسيل دمها على ظهرها إشارة إلى كونها هديًا، ويسمون البدن المجروحة شعيرة١، ويشير القرآن الكريم إلى الهدي المقلد أو المجروح على أنه من شعائر الله، ومن واجبات الحاج، وأنه واجب الاحترام لا يحل الاعتداء عليه، ويذكر ما للهدي من أهمية عظيمة لما فيه من إقامة أود الناس ولا سيما الفقراء والمساكين والبائسين٣، ومضامين الآيات وأساليبها تلهم بقوة وصراحة أنها كانت من تقاليد العرب قبل البعثة. وقد أقرها الإسلام لما فيها من فوائد عظيمة في ظروف الحج وفي بيئته قبل البعثة وبعدها. وكان العرب يحيطون هذا التقليد بالعناية والحرمة بل بالتقديس والرهبة، حتى ليترك الحاج هديه سائمًا فلا يتعرض له أحد بسوء؛ لأن التعرض له إنما هو تعرض لمال الله. وكان من عادتهم أن يلطخوا جدران الكعبة بدماء الهدي تقربًا إلى الله رب البيت، وقد أبطل الإسلام هذه العادة، ونبه إلى أن الله لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها ولكن الذي يريده من الناس هو التقوى٤ والإخلاص. وكانوا يأثمون من أكل لحوم هديهم ويتركونها للفقراء والمساكين والسباع والجوارح، فأباح القرآن لأصحاب الهدي -إن شاءوا- أن يأكلوا منه وأن يطعموا البائس والفقير والقانع والمعتر، أي المحتاجين سألوا أم لم
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٣/ ٢٢٨. الموطأ ١/ ١٥٩. ٢ انظر كلًّا من سورة البقرة ١٩٦، المائدة ٢، ٩٧، الحج ٢٨، ٣٦، الفتح ٢٥. ٣ انظر سورة الحج ٣٧.
[ ١٥٦ ]
يسألوا١. كما كانوا يذبحون الهدي عند الأوثان والأنصاب في فناء الكعبة ويذكرونها في أثناء الذبح، فنهى القرآن عن هذا وأوجب ذكر الله وحده عند الذبح٢.
وعادة ذبح القرابين للمعبودات عادة قديمة اشترك فيها جميع البشر في بعض أدوارهم وأطوارهم ومختلف بيئاتهم، غير أن العرب كانوا يرجعون ذبح القرابين إلى إبراهيم الذي امتحن بذبح ولده إسماعيل قربانًا لله ففداه الله بذبح عظيم٣ وكان هذا فيما يتداولونه من الروايات في اليوم العاشر من ذي الحجة. ونرجح أنهم كانوا يعرفون خبر هذه المحنة وينتاقلونها ويعللون ذبح الضحايا في هذا اليوم اقتداء بفداء إبراهيم الذي يردون أولية الحج إليه.
_________________
(١) ١ نفسه ٣٦. ٢ نفسه ٣٠. ٣ انظر سورة الصافات ١٠٧.
[ ١٥٧ ]
الحلق والتقصير:
وقد جاء في القرآن ذكر الحلق والتقصير كعلامة للتحلل من الإحرام عقب أداء المناسك التي من جملتها ذبح الضحية، إلا من كان مريضًا أو به أذى من رأسه فإنه لا يحلق، ويقدم كفارة تعبدية كصدقة أو صيام أو قربان١. والحلق والتقصير كان قبل البعثة من علامات التحلل من الإحرام، وكان الحجاج لا يفعلون ذلك قبل تقديم قرابينهم وقد جرى الإسلام على هذا.
وهكذا نرى أن الإسلام قد احتفظ بطقوس الحج وتقاليده، كما هي ولكنه حولها إلى طقوس وتقاليد إسلامية وعفَّى على ذكر الوثنية فيها بذكر الله.
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ١٩٦. الفتح ٢٧. تفسير الطبري ٤/ ٣٦، ٤/ ٥٦- ٥٩.
[ ١٥٧ ]
آثار الحج الاقتصادية والاجتماعية:
كان للحج آثاره البعيدة المدى من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للعرب بعامة ولمكة بخاصة؛ فقد كانت تقام في موسمه أسواق عامة أهمها عكاظ ومجنة وذو المجاز، وإقامة هذه الأسواق يعد تقليدًا من تقاليد الحج؛ لأنها كانت في
[ ١٥٧ ]
أيام معلومة وأماكن مستقرة، وإذا كانت هذه الأسواق مجالًا لنشاط مكة التجاري؛ فقد كانت من جهة أخرى تقليدًا خطير الشأن جليل النفع، بالنسبة للعرب الذين كان لهم في موسم الحج وأشهره الحرم فرصة الغدو والرواح آمنين مطمئنين، فكانوا يفدون على موسم الحج وأسواقه من كل الجهات: من أطرف الشام والعراق ومن اليمن وتهامة والبحرين، على مختلف القبائل والبيئات والجهات والعقائد، فيلتقون في هذه الأسواق ويتبادلون السلع، ويقيمون أودهم، ويتزودون بما هم في حاجة إليه من العروض كما كانوا يجدون فيها فرصة لإقامة مجال المفاخرة وإنشاد الأشعار والمفاضلة بين الشعراء، ولعقد حلقات السمر، ومجالس القضاء لحل المشاكل والقضايا المعقدة، كما كانت فرصة لبث الأفكار وتسيير الأخبار، وتعارف الزعماء والشعراء والخطباء، كما كانت مجالًا لمزاولة أنواع الرياضة من فروسية وسباق ومصارعة ومناضلة. فهي تشبه "الجمنازيوم" عند الإغريق إلى حد كبير١.
وقد استغل النبي -ﷺ- فرصة هذه الأسواق للقاء وفود العرب وزعمائهم ونبهائهم؛ ليعرض عليهم رسالته ويقرأ عليهم القرآن، وقد تقابل مع وفد يثرب وتم بينهم الاتفاق؛ فكانت الهجرة بعد ذلك وما تلاها من أحداث غيرت وجه التاريخ العربي بل وجه التاريخ العام٢. ونرجح أن الوافدين على هذه الأسواق لم يكونوا كلهم مشركي العرب، بل كان يفد عليها نصارى العرب ويهود يثرب؛ للتبشير والاتجار، ولعل منهم من كان يشترك في مناسك الحج وقد كان قس بن ساعدة الإيادي من نصارى العرب وخطبته في أحد مواسم الحج من الروايات العربية المشهورة٣.
كذلك كان للحج آثار اجتماعية وأدبية عظيمة؛ فالعرب يأتون من كل جهة، ثم يتفرقون وقد امتلأت جعباتهم بالأخبار وذاكراتهم بالأشعار والخطب والكلمات الممتازة، واكتظت أذهانهم بمختلف الصور والمشاهد، الأمر الذي ساعد على تقريب العرب بعضهم من بعض واستقرار معنى القومية المشتركة في أذهانهم، وتوحيد اللغة وتصفيتها، وبعث حركة نشيطة بدت تباشيرها وتطورها التقدمي قبل الإسلام، فيما كان
_________________
(١) ١ البتنوني: الرحلة الحجازية ص١١٩- ١٢٠. ٢ ابن سعد ١/ ٢٠١- ٢٠٢. ٣ ابن كثير ٢/ ٢٣٢- ٢٣٤.
[ ١٥٨ ]
من تطور من الوثنية إلى الشرك، ثم اعتبار الشركاء شفعاء عند الله، ومن استنكار العرب لما بين الكتابيين من نزاع وخلاف، وتنديدهم بهم، وتمنيهم أو توقعهم بعثة نبي منهم، وحلفهم الأيمان بأنهم إذا جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم من ظهور طبقة الموحدين الذين أخذوا يشمئزون مما يعبد قومهم، ويطوفون الأرض وينشدون ملة إبراهيم ويتعبدون عليها أو على ما يظنون أنه هي١، ومن اقتباس العرب كثيرًا مما عند الكتابيين وغيرهم من معارف دينية وغير دينية.
ونستطيع أن ندرك ما استفادته قريش من هذا الاحتكاك والاتصال بين العرب الوافدين من مختلف الجهات العربية ومنهم من عرف الفرس ومنهم من عرف الروم، ومنهم من كان من اليمن وعرف الأحباش، في تطوير نظمها والأخذ بأسباب التقدم الأدبي والمادي.
وكان لأهل مكة خاصة ميزة ومركز يشعرانها بما عليهم من واجبات نحو الكعبة والحجاج؛ فقد كانوا يرون لأنفسهم حق الحرمة والميزة على العرب؛ بسبب اختصاصهم بكرامة البيت الحرام، ويعتبرون أنفسهم أهله وأولياءه٢، كما كانوا يدركون مركز بلدهم وكرامتها وقدسيتها، وجعلها مثابة للناس وأمنًا لا يسفك فيها دم ولا يثار فيها نزاع ولا قتال؛ لذلك كانوا يتضامنون في القيام بواجبهم نحو وفود الحجاج من ترحيب وإكرام وقِرى؛ باعتبارهم ضيوف بيت الله في بلدتهم وهم سدنته الأقربون، وقد اختص بعضهم بسقاية الحاج واختص البعض بعمارة البيت٣، والبعض بالقيام على رفادة الحجاج.
ولما كانت مكة بلدًا في وادٍ غير ذي زرع، وأنها تعتمد في حياتها على ما يجلب إليها من الخارج، وما يستطيع أهلها أن يحققوه لأنفسهم من منافع عن طريق البيع والشراء، والتبادل مع الوافدين عليها والمارين بها في رحلات القوافل التجارية، أو القادمين إلى الأسواق التي تقام فيها وحولها، وما يقدمه الحاج إلى بيتها من هدايا
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٤٢- ٢٥١، ابن كثير ٢/ ٢٣٨. ٢ انظر سورة الأنفال ٣٤. ٣ انظر سورة التوبة ١٧- ١٩.
[ ١٥٩ ]
ونذور، فقد كان لا بد أن يضع أهله لهم وللقادمين إليه أنظمة وقوانين؛ لتنظيم الحياة، وتوفير الأمن وحفظ الحقوق وحماية من يفد إليه من الأذى. فالكعبة وهي بيت الله، أرض حرام لا يجوز البغي فيها ولا ارتكاب المعاصي واقتراف الآثام، والمدينة وهي في جوار بيت الله ذات حرمة وقدسية، وسكان البلد الحرام هم في حمى البيت وفي جواره؛ فلا بد من إنصافهم وإحقاق حقهم١. وهذا الإدراك قديم سابق على عهد قريش، فتذكر الروايات أن مضاضَ بن عمرو الجرهمي فكر في حماية التجارة والدفاع عن الأجانب جلبًا للغرباء والتجار، فقال في إحدى خطبه: وقروا حرم الله ولا تظلموا من دخله وجاء معظمًا لحرمته، وآخر جاء بائعًا لسلعته أو مرتغبًا في جواركم٢، كما تروي أن عمروَ بن لحي زعيم خزاعة قد اتخذ من الإجراءات ما يرغب العرب في القدوم إلى مكة والحج إلى بيتها الحرام؛ فجلب الأصنام وأقامها في فناء الكعبة، كما كان يقيم موائد الطعام في موسم الحج حتى لقد قالوا: إنه كان يذبح عشر آلاف بدنة٣.
ولما صار الأمر إلى يد قريش بعد خزاعة نظم زعيمها قصي بن كلاب الوظائف المدنية والدينية بالمدينة المكية، وعمل على إنماء المدينة وتقرير كيانها، وتوسعت قريش فلم تكتف بتقرير حرمة المدينة في داخلها، بل جعلت لها مجالًا في خارجها، وجعلت هذا المجال حرمًا كحرمة المدينة نفسها، وأقامت له علامات يعرف بها، أي أنها حرمت المدينة وحفظت لها مجالًا فيما حولها. كما أقرت حقوق المواطنة لأهل هذا الحرم، وسمت المتمتعين بهذا الحق باسم الحمس.
ولفظ الحمس جمع مفرده أحمس، ومعناه ابن البلد وابن الحرم والوطني المقيم، والذي ينتمي إلى الكعبة والحرم؛ فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنيها. فقال القرشيون: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها؛ فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا٤، ثم جعلوا للحمس علامة وهي ألا يعظم الأحمس
_________________
(١) ١ جواد علي ٤/ ٢٠٧- ٢٠٨. ٢ الأغاني ١٣/ ١٠٥ "طبعة مصر". ٣ ابن كثير ٢/ ١٨٧. ٤ ابن هشام ١/ ٢١٦. تفسير الطبري ٤/ ١٠٨.
[ ١٦٠ ]
شيئًا من الحل -أي الأرض التي وراء الحرم- كما يعظم الحرم، وقالوا: إن فعلتم ذلك استخفت العرب١ بحرمكم؛ ولذلك ترك الحمس الوقوف بعرفة -لأنه خارج عن الحرم- والإفاضة منها مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ويفيضوا منها ٢ إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم؛ فليس ينبغي أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس والحمس أهل الحرم٣، فأظهروا بذلك شدة تعصبهم لبقعة من الأرض، وترفعوا أن يخرجوا عنها ولو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج.
أقرب قريش هذا التقليد، ويقول ابن إسحاق: إنه لا يدري أكان ذلك قبل الفيل أم بعده٤، والراجح أنه كان قبل الفيل وربما كان في عهد قصي بن كلاب الذي أقر وظائف مكة، وكان له من المنزلة الكبيرة ومن المكانة ما يسمح له بوضع هذا القرار حتى كان أمره كالدين المتبع في حياته وبعد موته. وأدخلت فيه كنانة وخزاعة، ومنحوا هذا الحق لمن ولد من العرب في الحرم، كما منحوه لمن ولد منهم -وقد كانوا يشترطون على من يتزوج منهم أن ينتقل إليهم، يرون أن ذلك لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم حتى يدان إليهم وينقاد ويتبع مبدأهم٥ -وذلك ليوطدوا صلاتهم بأصهارهم وحلفائهم؛ فاستحق الشرف بحق المولد كما استحقته قريش بحق الدم والأصل. وفي القوانين الدولية الخاصة الحديثة من يكتسب حق المواطنة بالدم، ففكرة الحمس إقرار لحق الوطنية بالانتساب للبقعة وامتياز لمن له هذا الحق. وليس معنى التحمس في الدين كما ورد في القاموس، فإن قريشًا تركت فرضًا هامًّا من فروض الحج تعصبًا للحرم مع أن هذا يتنافى مع دين إبراهيم. وإن الحمس قد ابتدعوا أمورًا من الدين تميزهم عن غيرهم، وتشير إلى ارتباطهم بالكعبة، وتؤكد تمسكهم بحرمة البيت الحرام وتعظيم الحج إليه؛ ليزيد ذلك في شرفهم وشرف البيت، وقالوا: لا
_________________
(١) ١ نفسه. ٢ البخاري ١/ ١٦٣. ٣ ابن هشام ١/ ٢١٦. ٤ نفسه. ٥ الأزرقي ١/ ١١٥. العقد الفريد ٣/ ٣٢٠ وما بعدها. الآلوسي ١/ ٢٤٢.
[ ١٦١ ]
ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ولا يسلئوا السمن، ولا يدخلوا بيتًا من الشعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا١. وهذه الأمور داخلية في باب التزهد؛ إلا أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر تضرب لهم في الأشهر الحرم ٢. وكانت القباب الحمر علامة الشرف والرياسة.
وكانت فكرة الحمس صائبة؛ لأنها ترمي إلى إعزاز أهل الحرم، وتضمن سلامة القاصدين إليهم، وتحجز ما بين الأعداء وتشل أيدي المنتقمين والمتربصين فنشأ حق الالتجاء من حق الحمس، فكان الرجل لو جر جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام أو في الحرم لم يتعرض له، وكان الرجل إذا أراد البيت الحرام تقلد من شعر فأحمته أي جعلته حمًى لا يقرب.
ثم إن الحمس فرضوا على العرب فروضًا حملوها عليها فدانت لهم بها وأخذت بما شرعوه لهم من ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس؛ فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها وهو لا أحد غيره أبدًا، وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقي٣. ولكن في أخبار التاريخ ما يدل على أن الطواف مع العري كان مبالغة في التقديس والتطهر، فبنت قريش فرضها هذا الذي فرضته على العرب على تلك العادة القديمة. وما زال حق الحمس يتطور حتى صار دينًا متبعًا.
كل هذا يعني أن قريشًا نظمت الحج والقدوم إلى مكة حسب ما تقتضيه مصلحتها الأدبية والمادية، وكانت تبتدع من الأمور ما يحقق لها الاحترام، ولبلدها القدسية عند العرب، وما يحقق لها الكسب المادي.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢١٩. ٢ الآلوسي١/ ٢٤٤. ٣ ابن هشام: ١/ ٢١٩. البخاري ٢/ ١٦٣.
[ ١٦٢ ]
والحج وأسواقه كانت حافزًا لنشاط قريش التجاري، إذ هم يضربون في الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا لحمل التجارة بين هذه الجهات، ولمزاولة التجارة الداخلية في أسواق العرب، وفي موسم الحج في مكة. وإن هذه السنن التي فرضوها على العرب جميعًا هي في الحقيقة متصلة بنشاطهم التجاري؛ فإن الناس يطرحون أزواد الحل قبل الدخول في الحرام، حتى يبتاعوا أزوادهم من أهل مكة. وكذلك عدم السماح لهم بالطواف بأثوابهم وإنما عليهم أن يلبسوا المآزر الأحمسية وذلك حتى يشتروا ما يلزمهم من ذلك من قريش، وبذلك كانت توجد سوق نشيطة في مكة في موسم الحج لبيع الملابس، وتخصص بعض التجار في بيع الأطعمة١. وإذا كانت تضيف الحجاج ثلاثة أيام بمنى فليس ذلك بكافٍ، ثم إن الأغنياء من الحجاج لم يكونوا يشاركون في هذه الموائد العامة التي تقيمها قريش، والكل مضطر لشراء طعامه بعد ذلك. وإذا كان من الناس من يستعير ثياب الحمس أو يهداها؛ فليس الجميع كذلك، وكذلك لم يكن الكثير قادرًا على الاستغناء عن ملابسه لتكون: لقي بعد طوافه، ولا كلهم يرضى بالطواف عريانًا وبخاصة وإن كان منهم من يفعل ذلك؛ على أن قريشًا كانت تأخذ إلى جانب ذلك كله ضريبة تسمى الحريم من كل من نزل عليها، تأخذ بعض ثيابه أو بعض بدنته٢.
_________________
(١) ١ الذهبي سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٩. ٢ جواد علي ٤/ ٢١٨. شوقي ضيف: العصر الجاهلي٥٠.
[ ١٦٣ ]
الأشهر الحرم وأهميتها
في الآيات القرآنية ذكر كثير للأشهر الحرم، ويستدل منها ومن الروايات أنه كان لهذه الأشهر الحرم أثر عظيم في حياة العرب وبخاصة في بيئة مكة قبل البعثة؛ فبينما تكون الحروب مستعرة، والغارات قائمة والناس مندفعين وراء عصبياتهم وثاراتهم، ويقف كل هذا حين حلول هذه الأشهر تعظيمًا لها واحترامًا، ويصبح الناس في هدنة عامة شاملة، ويتلاقى الناس في منطقة الحرم وفي خارجها فلا يكون بينهم شر ولا قتال، بل قد وصل تأثمهم لدرجة الصيد أثناءها؛ لما في ذلك من سفك الدماء.
والأشهر الحرم ليست معينة في القرآن بأسمائها، وكل ما ذكرته الآيات أنها أربعة أشهر١. غير أن الروايات المتواترة التي لم تنقطع قد عينتها بصورة يقينية وهي:
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ١٩٧. التوبة ٣٦٥.
[ ١٦٣ ]
رجب، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم١ والأشهر الثلاثة الأخيرة هي أشهر الحج -على الأقل فيما قبل الإسلام- أما شهر رجب فإنه كان يسمى رجب مضر، وهو الذي تسميه مضر الأصم٢ وأنه مشتق من الترجيب أي التعظيم. وقد جاء في طبقات ابن سعد أن أهل مكة كانوا يحتفلون بعيد ديني لهم في رجب، فلا يبعد أن يكون هذا العيد في شهر رجب عيدًا خاصًّا بقبائل مضر أو قبائل الحجاز أو بعضها، وأن يكون هذا أصل حرمته؛ ليتمكنوا من الذهاب والإياب والقيام بمناسكهم في ظل هدنة دينية مقدسة. ولكن ما لبث رجب -في وقت لا يمكن تحديده- أن صار جزءًا لا يتجزأ من الأشهر الحرام٣، وقد ذكرتها الآيات دون تفريق بينها في الحرمة والشمول، وأشارت إلى أربعة أشهر من أشهر السنة بصفة مطلقة وتعميمية، وقد كانت بلاد الحجاز قد صارت مهوى أفئدة العرب ومركز محورهم ومحجهم.
وللأشهر الحرم أهيمة كبيرة فرضتها ضرورة البيئة العربية وبخاصة في الحجاز، حيث لم يكن هناك سلطان نافذ وازع، وكانت الغارات بين القبائل متواصلة متبادلة والعصبية على أنواع قوية شديدة، والأنفة والحمية متأصلتين، ولهم في ذات الوقت حاجات كثيرة: تجارة لا بد لها من مشترين ومستهلكين وزراع لا بد لهم من المبادلة على غلاتهم وثمارهم، وأعراب لا بد لهم من استيفاء حاجاتهم السنوية من ماعون وثياب وقوت، ولا بد لهم من بيع ما عندهم من أنعام وماشية وشعر ووبر وصوف، فماذا تكون حالتهم لو لم يكن هناك وقت يستطيعون فيه التحرك والاتصال والتبادل مطمئنين آمنين؟! وماذا تكون حالهم لو لم يتيسر لهم إقامة أسواقهم العامة وشهودها في ظل الأمن وعدم الخوف؟! من أجل ذلك كانت قيمة هذه الهدنة التي فرضتها الأشهر الحرم عظيمة الأهمية، عبر عنها القرآن الكريم هذا التعبير البليغ الموجز: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ [المائدة]، ومن أجل ذلك أسبغ العرب على هذه الهدنة صفة قدسية وصبغوها بصبغة دينية، وكانوا
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ٦٦. تفسير الطبري ٤/ ٢٩٩. ابن سعد ٣/ ٢٧. السهيلي ٢/ ٦٠. اليعقوبي ٢/ ٩١. ابن كثير ٥/ ١٩٥. المقريزي: إمتاع ١/ ٥٣١. المصباح ١/ ١٩١. ٢ تفسير الطبري ٤/ ٢٢٩. الخازن ٢/ ٢٣٠. ٤ دروزة: عصر النبي ٢١٠- ٢١١.
[ ١٦٤ ]
يعتقدون بأن الإخلال بحرمتها وقداستها يجلب عليهم الشر والنحس، وكان الرأي العام العربي يثور لأي خرق لهذه الهدنة التي أصبحت جزءًا من حياة الناس ومن كيانهم الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والديني.
وليس من اليسير تحديد أولية الأشهر الحرم، وتشير آيات القرآن إلى أنها قديمة سابقة على عهد البعثة بزمن طويل١، والأرجح أن تكون هذه الحرمة قد تقررت بعد وجود موسم الحج وتقاليده وأسواقه، وبعد وجود الموسم الديني لمضر في الحجاز بالنسبة لشهر رجب. والغالب أن يكون ذلك بعد سيادة قريش على مكة وتنظيم موسم الحج بها وتيسيره، أي بعد حكم قصي بن كلاب لمكة في منتصف القرن الخامس الميلادي، ولا بد أن الحج كان قد تعطل قبل ذلك أو ضعف، وحدثت أحداث جعلت أمن الناس غير مكفول، وتحدثنا الروايات عن صراع بين القبائل في مكة أدى إلى دفن بئر زمزم بها٢، كما تحدثنا عن البغي واستحلال الحرمات الذي وقع بمكة، مما أدى إلى ضعف الحج إليها نتيجة للتنافس بين القبائل فيها والضاربة حولها، ونستطيع أن ندرك أن هذه الهدنة؛ لم تكن مرعية قبل حكم قصي، فقد تقاتل قصي بقريش وكنانة مع خزاعة في أيام الحج وفي منطقة الحرم٣، ولم يذكر هذا القتال بالاستفظاع والاستنكار كما ذكرت الحرب التي وقعت بعد ذلك بين قريش وكنانة ضد هوازن وقيس، وعرفت بحرب الفجار نسبة إلى الفجور؛ لوقوعها في الأشهر الحرم ٤، وهذا مما يدل على أن هذه الهدنة لم تكن مرعية تمامًا قبل عهد قصي، وقد أدى صراع القبائل إلى اختلال الأمن وانقطاع وفود الحجيج أو ضعف قدوم هذه الوفود إلى مكة؛ وتعطلت مناسك الحج ومنافع الناس في موسمه وأسواقه، فحفز هذا ذوي السلطان والنفوذ من الزعماء والرؤساء إلى العناية بأمر الحج وتأمينه ففرضوا الأشهر الحرم، والأرجح أن فرض الأشهر الحرم كان من عمل الأحماس، الذين صار لهم بعض الامتيازات الدينية والتشريعية، والذين كان الناس يسيرون على ما يسنونه لهم ويعتبرونه
_________________
(١) ١ انظر سورة التوبة ٣٦ البخاري ٦/ ٦٦. ٢ ابن هشام ١/ ١٢٣ وما بعدها. ٣ نفسه ١/ ١٣٥- ١٣٦. ٤ ابن الأثير ١/ ٣٥٩، الأغاني ٣/ ١٦٢.
[ ١٦٥ ]
سننًا دينية واجبة التنفيذ١، ويساعد على تصويب هذا الرأي ما كان لمكة من مركز ديني محترم في نظر سائر العرب، وما كان من اهتمام عظيم لتقرير حرمة الحرم وحرمة الأشهر الحرم عند زعماء مكة وما كانوا يقومون به من أعمال في سبيل رعايتها٢.
ويرجح أن السعي الأول كان منهم؛ لأن فوائد الحج تعود في المقام الأول على أهل مكة الذين يقوم البيت في بلدهم وتقوم الأسواق العامة في منطقتهم أو حولها، ثم إن حرمة البيت تكسبهم حرمة ومكانة ممتازة بين العرب، وهذه المكانة هي التي هيأت لقريش الزعامة الدينية والأدبية، كما أنها استغلت هذه المكانة في السيطرة على التجارة بين الشام واليمن، مما عاد عليهم بالثروة الكبيرة والمنزلة الرفيعة، وأصبحت زعامة قريش زعامة حقيقية لا شك فيها قبل الإسلام، وبخاصة بعد فشل الأحباش في غزو مكة وارتداد جيشهم عنها، فقال الناس عنهم: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مئونة عدوهم٣. وأبرز مثل يوضح زعامة قريش، هو أنها حين وقفت موقف المعارضة للنبي -ﷺلم يجد استجابة لدعوته بين العرب، فلما ألقت قريش لواء المعارضة بعد فتح مكة سنة ٨هـ؛ لم يلبث العرب أن دخلوا في الإسلام طائعين، فلم تأت سنة ١٠هـ حتى كان الإسلام قد انتشر في جزيرة العرب كلها، وحتى كان عمال النبي -ﷺ- وجباة الزكاة قد انتشروا في كافة أجزاء الجزيرة كلها.
وإذا كانت الأشهر الحرم قد سنت للناس، وإذا كانت قريش والرؤساء الذين يعنيهم الأمر قد فكروا في فرض هذه الهدنة على العرب؛ فإنما كان ذلك لدوافع كبيرة وأحداث خطيرة؛ جعلت الرؤساء يستعدون لها ويتخذون الوسائل لدرء ما ينجم عنها من أخطار، ولعل ما أحاط بأطراف الجزيرة العربية من أحداث كتعرض اليمن للغزو الحبشي ثم سقوطها في يد الحبشة، وما تلا ذلك من محاولة الحبشة فرض سلطانها على منطقة الحجاز، ووقوع الأطراف الشمالية والشمالية الشرقية تحت نفوذ الروم والفرس، ونهضة عرب الشمال وقيامهم على التجارة وأخذهم مقاليد الزعامة العربية، كل هذا كان من البواعث والأخطار وأهمها.
_________________
(١) ١ دروزة: عصر النبي ٢١١. ٢ ابن هشام ١/ ١٤٤- ١٤٥. ٣ نفسه ١/ ٥٩.
[ ١٦٦ ]
وكان من الضروري أن تفرض هدنة يوقف فيها القتال ويأمن الناس فيها على أنفسهم، وتتاح لهم فيها فرصة الانتقال والاجتماع والتعارف للمتاجرة والمعاملة والتبادل الأدبي والمادي، وحل المشكلات المعقدة التي تحتاج إلى أمن واطمئنان لحلها. وقد بدأت حركة تجمع وترابط بين القبائل قبيل الإسلام، وبدأت تتكون المجموعات الكبرى. وهذا التحالف بين القبائل نوع من التعبير عن إحساس القبائل بأنها لا تستطيع أن تعيش في مجالها الضيق، وأنها محتاجة إلى غيرها من القبائل؛ تتحالف معها وتؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكذلك سئم العرب الحروب القبلية، وكانت هدنة الأشهر الحرم استجابة لهذه الرغبة التي بدت بين القبائل. وحالة الهدنة تقتضي تقليل فرصة القتال والتشاحن، وبالتالي إيجاد فرصة أوسع للتآلف والتجمع، وكلما ازدادت هذه الفرصة كان ذلك في مصلحة المجتمع العربي. والراجح أن بدعة النسيء التي ابتدعها العرب كانت لهذا الغرض وهو تطويل مدة السلام١، فإذا لاحظنا أن في أسماء الشهور العربية ما يوحي بأنها وضعت في وقت معين، فمثلًا رمضان أخذ اسمه من الرمضاء٢ وهي الحجارة الحامية من حر الشمس، كان معنى ذلك أنه كان في الصيف، وأن شهري ربيع الأول والثاني ما يوحي بأنهما كانا من أشهر الربيع. وبلاد العرب بلاد حارة يصعب فيها الانتقال والقتال في أشهر الصيف ٣، فإذا
_________________
(١) ١ انظر السهيلي ١/ ٤٢ وهو يقدر المدة التي بدأ فيها النساء بحوالي ٧٠ سنة قبل ظهور الإسلام -المسعودي: مروج الذهب ٧/ ٢٠٥. ٢ المصباح مادة رم ض، ص ٣٢٥، وروزة ص ٢١٣. ٣ التوبة ٨١- ٨٢ "وقالوا لا تنفروا في الحر". انظر ابن هشام ٤/ ٩٦٩، وما بعدها ابن سعد ٣/ ٢١٨ عن غزوة تبوك وما لقي المسلمون فيها من شدة بسبب الحر وكيف تخلف بعضهم عن القتال وكيف تردد الناس، البتنوني: الرحلة الحجازية ١٩٧ "والعرب كانت تنسيء الشهور حتى توافق بين السنين القمرية والشمسية فكانوا يؤخرون سنتهم كل ثلاث سنين شهرًا، وكان السبب في ذلك جعل زمن الحج ثابتًا في فصل من فصول السنة كأحد الربيعين حتى يتيسر لهم القيام به في غير وقت الحر والبرد الشديدين، وخصوصًا في الزمن الذي تتوفر فيه مادتهم التي يتجرون بها من أصواف وأوبار وسمن ودهن. وهذا كله لا يتوفر على الدوام في شهر مخصوص من السنة القمرية" ومما يسند هذا الرأي أن النبي -ﷺ- قال حين حرم بدعة النسيء: "إن الزمان قد استدار كهيئته" وكان ذلك سنة ١٠ هـ، وفيها كانت شهور الحج أشهر الربيع "انظر التوفيقات الإلهامية سنة ١٠هـ".
[ ١٦٧ ]
كانت شهور الصيف مانعة للقتال بطبيعتها، وإذا كانت الأشهر الحرم مانعة للقتال كذلك، فإنه يمكن أن يؤلف من هذه الشهور سلسلة مؤلفة من سبعة أشهر يوقف فيها القتال، وإذا كان لا بد من قتال وطلب ثارات بسبب طبيعة الحياة البدوية وعصبيات العرب، ففي الأشهر الباقية من السنة كفاية للتنفيس عن ثورة الغضب والعصبية، على أن في انقطاع الناس عن القتال سبعة أشهر مجالًا طيبًا لحل ما يمكن حله من المشاكل المعقدة وبخاصة في موسم الحج وأسواقه ومجتمعاته.
لكن الأشهر العربية القمرية تدور مع الزمن وتصبح أشهر الشتاء منها أشهر صيف، وأشهر الصيف أشهر شتاء، فابتدعت هذه البدعة لمسايرة مواسم السنة والتوفيق بين حساب السنة القمرية والسنة الشمسية حتى تظل أشهر الحج وأسواقه متصلة بأشهر الصيف وتظل الشهور التي يتوقف فيها القتال مستمرة مستقرة.
وإذا كانت بعض الروايات ذكرت أن النسيء كان يجري أحيانًا بطلب من الناس ليتسنى لهم متابعة حروب بدءوها أو طلب ثارات ١ لهم، فإن ذلك لم يكن الأصل في الموضوع؛ فإن بدعة النسيء كانت مقررة وكان يتولاها بيوت من العرب معروفة يتوارثونها، وكانت لها من الأهمية والمكانة ما يوجب الفخر بها والاعتزاز بتوليها، وكانت تقليدًا متبعًا يعلن للناس في موسم الحج من كل عام ٢، على أنه يجب ان نضع في الاعتبار أن حروب القبائل لم تكن حروبًا متصلة؛ وإنما كانت عبارة عن أيام بين القبائل تقع على فترات قد تكون متباعدة، فحرب البسوس بين بكر وتغلب التي قالوا: إنها استمرت أربعين سنة، لم تقع فيها المصادمات إلا في سبعة أيام متفرقة على طول هذه المدة٣؛ ولذلك فإنه لا يمكن مسايرة هذه الروايات التي قيلت عن بدعة النسيء، وإنما يجب أن تكون قد وضعت لشيء أهم وأعم وأنفع للناس من مجرد الجري وراء العصبية والثارات. وإذا كان قد أسيء استعمال هذه البدعة مؤخرًا مما استدعى أن يهاجمها القرآن بسبب سوء استعمال الناس لها؛ حتى لا يتجرأ الناس على
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٤٣- ٤٥ "انظر الحاشية ص ٤٤ وفيها تعليل مزدوج للنسيء أي أنه كان للقتال أحيانًا ولمسايرة المواسم أحيانًا". ٢ ابن هشام ٤/ ٤٥- ٤٦. ٣ ابن الأثير ١/ ٣٢٣. النويري ١٥/ ٤٠٠- ٤٠٥.
[ ١٦٨ ]
انتقاص الحرمات وخرق التقاليد النافعة، فإن الأصل في ابتداعها كان لتحقيق نفع أكبر وغرض أسمى. على أن القرآن لم يهاجم هذه البدعة إلا بعد أن قامت الدولة الإسلامية وأصبح هناك سلطان يردع الظالم ويكف يد المعتدي، وأصبح المجتمع يتجه إلى مثل أخرى غير المثل الجاهلية، ولم تعد هناك ضرورة لاستمرار بدعة تغير من أشهر الحج.
وعلى كل حال فإن تقليد الأشهر الحرم كان تقليدًا خطيرًا له أثر كبير في حياة العرب الاجتماعية على تعدد وجوهها، وفيه دلالة كافية على قوة عقول الذين أنشئوها وسعة نفوذهم، وفيه دليل كذلك على نهضة قومية وفكرية أخذت تباشيرها تبدو في الجزيرة العربية بعد الأحداث الجسيمة التي مرت بها، وكان لمنطقة مكة ولقريش بوجه خاص الدور الأول، الأمر الذي هيأها لمركز الرياسة والذي هيأها فيما بعد للقيام بالدور الأول فيما جاء به الإسلام من نهضة عربية شاملة.
[ ١٦٩ ]
*
الفصل السادس: الحالة الاقتصادية
في بداية القرن السادس الميلادي تبدو مكة ممسكة بزمام التجارة في بلاد العرب، تنعقد فيها وحولها أعظم أسواق العرب التجارية والأدبية في موسم الحج من كل عام، وقوافلها التجارية تجوب أطراف شبه الجزيرة العربية، تحمل التجارة بين الشرق والغرب، متجهة إلى اليمن وإلى الحبشة وإلى الشام وإلى العراق. وقد أتاح لها هذه الفرصة موقعها الممتاز في وسط طريق التجارة البري المار بالحجاز، وهو الطريق الوحيد الذي بقي آمنًا في ذلك الوقت١. وقيام البيت الحرام الذي انعقد إجماع العرب على تعظيمه والحج إليه، كما أنها بعدت عن منطقة التصارع الدولي لبعد موقعها؛ فنجت مما أصاب غيرها من أطراف الجزيرة العربية من الوقوع في مجال العراك القائم بين الشرق والغرب -الفرس والروم- في ذلك الوقت، ولبعد موقعها وصعوبة وصول الجيوش إليها احتفظت باستقلالها، كما احتفظت بطابعها العربي الأصيل، والحملة العسكرية الوحيدة التي وجهت إليها هي حملة الأحباش سنة ٥٧٠م، وقد باءت بالفشل، فعزز فشلها مركز مكة عند العرب جميعًا، وأصبحت تتمتع في المجال العربي بتوجيه عام، بعدما أصاب الممالك القائمة في أطراف الجزيرة من انهيار، ووقوعها جميعًا تحت سلطان الدول الكبرى. وقد أتاح لها هذا -كما أتاح لها موقفها الحيادي- أن تمثل دور الوسيط المحايد في نقل التجارة التي كانت ضرورية لكل من الطرفين المتنازعين، وبذلك تمتعت بظروف اقتصادية طيبة من مزاولتها للتجارة بشقيها، الداخلية والخارجية، وقد أجرى رجال مكة الترتيبات المفصلة التي تكفل لهم الانتفاع بهذا الظرف على أكمل وجه، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير، وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة عوضتهم عن فقر البيئة التي تحيط بمكة، وجعلتهم يحتلون مركز الزعامة في الجزيرة العربية كلها في بداية القرن السابع الميلادي.
_________________
(١) ١ Huzayyen، Arabia and the far East، p. ١٤٢- ١٤٣
[ ١٧١ ]
وقد مرت مكة قبل استقرار أمرها في يد قبيلة قريش بطور من الاضطراب والحروب، والرحلات والغزوات القبلية، والقتال على السيادة، حتى استقر أمر مكة في آخر الأمر في يد قبيلة قريش في منتصف القرن الخامس الميلادي، وعلى يدها نالت كل هذا التوفيق الذي وصلت إليه.
وتحدث المصادر عن أن قبيلة خزاعة التي سبقت قريشًا على حكم مكة، والتي كانت لا تزال موجودة حول مكة عند ظهور الإسلام؛ كانت قد قامت بنشاط كبير في الدعاية للحج إليه، واهتمت بتيسير الماء والطعام للوافدين، ومعنى هذا أنها اهتمت بخلق مورد اقتصادي لمكة عن طريق قدوم الحجاج إلى البيت. ولا ندري أكانت خزاعة تقيم أسواقًا لنوع من التبادل التجاري بين الوافدين، أم كانت تكتفي بالهدايا والنذور، وما تحصله من ضرائب على القوافل المارة بها، إلى جانب القيام على الرعي وتريبة الإبل في البادية، وإن كان البيع والشراء أمرًا ضروريًّا في مثل هذه الحال، ولا نستطيع أن نحدد متى نشأت الأسواق التجارية حول مكة، وإن كان من المؤكد أنها نشأت بالتدريج في المنطقة الواقعة بين مكة والطائف نتيجة لنمو المدينتين ونمو الحج إلى بيت مكة. والراجح أن ذلك حدث بالتدريج منذ بداية القرن الخامس الميلادي. ويظهر ذكر عكاظ ومجنة وذي المجاز كأسواق تجارية وأدبية بصورة واضحة في القرن السادس، حين بدأ نفوذ الجنوب ينحسر عن هذه المنطقة من الجزيرة العربية، بعد اضطراب الأحوال في اليمن وتعرضها للغزو الأجنبي١، وظهور قبائل الشمال كعنصر فعال مناهض لنفوذ الجنوب، حتى انتقلت زعامة الشمال إلى الشماليين، وأصبح أهل الجنوب تبعًا لهم كلما وفدوا على الشمال. وقد وافق ظهور هذه النهضة الشمالية قيام قبيلة قريش وسيطرتها على شئون مكة، واهتمامها بالبيت الحرام وتنشيط الحج إليه، وكان هذا عاملًا فعالًا في نهوض المدينة المكية ونهوض هذه المنطقة كلها تبعًا لذلك.
_________________
(١) ١ جواد علي ٤/ ١٩١. البتنوني ١٩٩ "اتخذ العرب عكاظ سوقًا بعد الفيل بخمس عشرة سنة".
[ ١٧٢ ]
*
تجارة قريش الداخلية والخارجية
*
تجارة قريش:
تاجرت قريش في كل ما تنتجه شبه الجزيرة العربية من عروض، كما كانت تتاجر كذلك في المجلوبات الخارجية من حاصلات الشرق والغرب.
قد انتفعت مكة بموقعها الجغرافي في منتصف طريق التجارة، وبوجود البيت الحرام بها. ولما كانت بلدًا غير ذي زرع فقد اعتمدت على التجارة وما يجلب لها من
[ ١٧٢ ]
الخارج، وقد كانت مكة قبل القرن السادس تقتصر على التجارة الداخلية حيث كان النشاط التجاري الخارجي في يد اليمن. وكان أهل مكة يتاجرون في حاصلات الجزيرة العربية، أو ما يصل إلى أيديهم من عروض التجارة الخارجية على يد تجار اليمن، ولم تكن مكة تجني من وراء ذلك أرباحًا كبيرة تمكن أهلها من إحراز ثروة كبيرة، إنما كانت تسمح لهم بالإعاشة. ولكن في بداية القرن السادس كانت حالة اليمن قد تدهورت نتيجة للصراع الداخلي بسبب الخلاف الديني نتيجة لانتشار اليهودية والمسيحية فيها والتنافس بين الدينين؛ ونتيجة لوقوعها في منطقة التصارع الدولي بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية، وقد استخدمت الأخيرة الحبشة حليفتها لإقرار النفوذ الرومي على جنوب بلاد العرب عن طريق غزو اليمن، وتكررت غزوات الحبشة على اليمن حتى سقطت في يدها في النصف الأول من القرن السادس، وقد استمر حكم الحبشة لليمن حتى أخرجهم منها الفرس في حوالي سنة ٥٧٥م ولم تتحرر اليمن من الاحتلال الأجنبي إلا بعد ظهور الإسلام وانضمامها إلى الدولة العربية الإسلامية.
وقد أدت كل هذه الظروف إلى أن تفقد اليمن مركزها التجاري. وقد صحب ذلك ظهور نهضة القبائل المضرية في الشمال، والتي ما لبثت أن تحررت من نفوذ الجنوب، بدأت تقوم بدور إيجابي في الجزيرة العربية. ولما كانت مكة في ذلك الوقت قد حظيت بنوع من الاستقرار والتنظيم على يد قبيلة قريش، التي نظمت الحج ونشطت القدوم إلى هذه البقعة المتوسطة، وأقرت حرمتها وحرمة الأشهر الحرم للقدوم إليها والتجمع في أسواقها؛ فقد أخذت قريش تحتل المكانة التجارية التي كانت تحتلها اليمن، وقد ساعدها على أن تنال هذا المركز النزاع الذي احتدم أواره بين الفرس والبيزنطيين في الشمال، وانشغال كل من هاتين الدولتين الكبيرتين بهذا النزاع الدموي، وكذلك ما لحق الممالك العربية على أطراف العراق والشام من تدهور نتيجة لاشتراك المناذرة -ملوك الحيرة- في هذا الصراع إلى جانب الفرس، واشتراك الغساسنة إلى جانب الروم، ثم تغير سياسة الدولتين الكبيرتين تجاه المملكتين العربيتين١ الأمر
_________________
(١) ١ حتى ١٠٠،٩٥،٩٤.
[ ١٧٣ ]
الذي أدى: أولًا، إلى قفل طريق التجارة المار بالعراق فمدن الشام، وثانيًا، اضمحلال نفوذ هاتين المملكتين على القبائل البدوية، حتى لم تعد الحيرة قادرة على حماية التجارة الفارسية في بلاد العرب، إلا عن طريق إتاوات تدفعها لهذه القبائل١، لتمرير هذه التجارات وحمايتها، وحتى مع دفع هذه الإتاوات فإن القبائل كانت كثيرًا ما تعتدي على التجارة، وقد تجرأت فدخلت في حرب ضد الدولة الفارسية وهزمت جيوشها وجيوش الحيرة معها في موقعة ذي قار٢ وهي الموقعة المشهورة عند العرب. كذلك اضطربت الأحوال بين الروم والغساسنة حتى لقد أخذت هذه المملكة تهاجم أطراف الدولة البيزنطية مع القبائل البدوية بعد أن كانت تحمي حدودها.
وقد استفادت مكة من هذه الظروف كلها لتحتل مركز الوسيط المحايد، لنقل التجارة بين الشمال الجنوب، ولبعد موقعها عن نفوذ الدولتين ولحاجة الدول إلى هذه التجارة العالمية وبخاصة الروم؛ فقد قبلت أن يقوم رجال مكة بهذا الدور، فخرجت مكة عن عزلتها إلى المجال الخارجي، وأخذ رجالها عهودًا من الدول للمتاجرة في أراضيها في نهاية القرن الخامس الميلادي٣ لتسمح لتجار قريش أن يدخلوا بلادها في سلام، وقد قام بهذا الدور أبناء عبد مناف: هاشم وإخوته الذين كانوا أصحاب النفوذ الأقوى في قبيلة قريش٤.
وقد كان هاشم رجلًا حكيمًا نشيطًا، واستطاع أن يقوم على ترتيب القوافل التجارية؛ فجعل لها رحلتين في السنة رحلة في أشهر الصيف إلى الشمال، ورحلة في أشهر الشتاء إلى الجنوب، وقد ذكر القرآن خبر هاتين الرحلتين في معرض تعداد فضل الله على قريش٥، وقد عمل على تأمين طرق القوافل بما عقده من محالفات مع
_________________
(١) ١ ابن الأثير ١/ ٣٧٨. ٢ نفسه ١/ ٢٩١. ٣ حتى ٩٤ جواد علي ٤/ ١٣٩- ١٤٠ "إذا كان النبي -ﷺ- ولد في سنة ٥٧٠ م، ومات جده عبد المطلب بعد ذلك بثماني سنوات وهو في سن الثمانين، فمعنى ذلك أن عبد المطلب ولد في حوالي سنة ٤٩٨ م، ومات والده هاشم بعد ذلك بقليل، وكان قد أخذ عهدًا منن الروم للمتاجرة في الشام، فمعنى ذلك أن هاشمًا فعل ذلك في نهاية القرن الخامس تقريبًا" انظر ابن هشام ١/ ١٨٠ اليعقوبي ١/ ٢٠١، ١٠/ ٢/٢ الطبري ٢/ ١٢/ ٣٢. ٤ الطبري ٢/ ١٢- ١٣. ابن الأثير ١/ ١٠ اليعقوبي ١/ ٢٠١. ٥ انظر سورة قريش، ابن هشام ١/ ١٤٧.
[ ١٧٤ ]
رؤساء القبائل الضاربة على جنبات طرق التجارة، فكان يحمل لهم تجاراتهم دون أجر؛ وبذلك ربط هاشم مصالح القبائل الاقتصادية بمصلحة مكة، وكون بذلك شبكة تجارية تربط مكة بما حولها، وبذلك أخذت قريش تسيطر شيئًا فشيئًا على التبادل التجاري بين الشمال والجنوب، وعظمت قوافلها حتى لتبلغ القافلة الواحدة خمسمائة وألفي بعير تحمل عروض التجارة المختلفة. وقد بلغ قيمة ما تحمله قافلة عدد جمالها خمسمائة وألف بعير خمسين ألف دينار١، وهو مبلغ كبير إذا قِسناه بقيمة العملة في تلك الأيام. وكانت القوافل تحمل حاصلات الجنوب؛ فتحمل من حاصلات الهند المنتجات التي ترد إلى مواني الجنوب، وأهمها الذهب والقصدير والحجارة الكريمة والعاج وخشب الصندل والتوابل والأفاوية كالبهار والفلفل ونحوهما، والمنسوجات الحريرية والقطنية والكتانية والأرجوان والميعة والزعفران والآنية من الفضة والصُّفَّر والحديد. كما تحمل من حاصلات أفريقيا الشرقية العطور والأطياب وخشب الأبنوس وريش النعام والجلود والذهب والعاج والرقيق٢. كما تحمل من حاصلات اليمن البخور واللبان والمر واللادن والعطور والحجارة الكريمة كاليشب والعقيق والجلود ذات الرائحة الطيبة٣. ومن حاصلات جزيرة سقطرة العود والند، ومن البحرين اللؤلؤ.
وتحمل من الشمال القمح والدقيق والزيت والخمر ومصنوعات فينيقيا٤. هذا بالإضافة إلى ما تحمله من حاصلات بلاد العرب نفسها من الزيت والبلح والقرظ والصوف والوبر والشعر والجلود والسمن٥.
كان تجار مكة يحملون هذه البضائع إلى الشمال والجنوب في رحلات الصيف والشتاء. وكانت البضائع تفرغ في مكة، ثم تخرج منها في القوافل إلى الجهات الأخرى. وقد اعتمد الروم على تجارة مكة إلى حد كبير، وخصوصًا بعد أن احتدم الصراع بينهم وبين الفرس، وأصبح الفرس يسيطرون على التجارة الواردة عن طريق الشمال المار
_________________
(١) ١ اليعقوبي ١/ ٢٠٢. بودلي ٣٥- ٣٨. ٢ الطبري ٢/ ١٨١ جورج فضلو: العرب والملاحة ٧٦. ٣ الطبري ٢/ ٥٧ الواقدي ٦٥. الأغاني ١/ ٦٤- ٦٥، جورجي زيدان: العرب قبل الإسلام ١٥١. ٤ ابن هشام ١/ ١٤٧، أنساب الأشراف ١/ ٥٨- ٩٠ جورجي زيدان: نفسه ١٧٨- ١٧٩. ٥ الطبري ٢/ ١٢٥.
[ ١٧٥ ]
بخليج العرب ثم العراق، ويمنعونها من الوصول إلى أيدي أعدائهم أو يبيعونها لهم بأثمان باهظة، فكانت بيزنطة تعتمد على تجارة مكة وخاصة الحرير، حتى ليستظهر بعض المؤرخين الغربيين أنه كان في مكة بيوت تجارية رومية تزاول التجارة للروم، كما كان فيها أحباش يرعون مصالح قومهم١. وكانت القوافل التي تقصد الشام تتسوق من أسواق عينتها لها الحكومة البيزنطية؛ لتحصل منها على الضرائب ولتراقب الوافدين الأجانب إلى بلادها، فكانت تنزل أيلة -العقبة- ومنها إلى غزة حيث تتصل بتجار البحر المتوسط، ومن غزة يذهب بعض التجار إلى بُصرى وإلى بيت المقدس٢.
كما كان لمكة صلات قوية بالحبشة عن طريق البحر الأحمر، ولا بد أن أهل مكة كانوا يستعملون البحر في نقل متاجرهم إلى الحبشة عن طريق ميناء الشعيبة - وكانت الشعيبة ميناء مكة، إليها ترد السفن قبل جدة، ثم أخذت جدة موضعها في أيام الخليفة عثمان بن عفان٣- أو بعض مواني اليمن القريبة، ويظهر من روايات الأخباريين أن أهل مكة كانوا يستعملون هذا المرفأ والمرافئ القريبة منهم؛ للاتصال بالحبشة والمواني الأفريقية المقابلة لهم، فلا يدفعون ضرائب المرور من أرضين تقع في اليمن وهي منافسة لهم، ولا يحتاجون إلى وضع حماية قوية على القوافل لمرورها بين قبائل عديدة إذا استعملوا مواني اليمن، فتكلفهم أسعارًا مرتفعة. ثم إن اليمن بعد زوال الأحباش عنها كانت في حكم حاكم فارسي، ولا بد أن تتأثر تجارة اليمن بالحبشة بهذا التغير في الحكم، ولا بد أن يؤثر ذلك في المواني اليمنية وهي أبواب التجارة مع أفريقيا٤.
أما أهل مكة فكانوا تجارًا محايدين علاقتهم حسنة مع الروم ومع الفرس، وكان من مصلحتهم الوقوف على الحياد، ولهذا كان من مصلحتهم الاستفادة من المواني القريبة منهم في التجارة مع الحبشة، ولا يستبعد استخدام أهل اليمن هذه المواني.
_________________
(١) ١ Olear، op. cit. pp ١٨٤ فجر الإسلام ١٥. ٢ البخاري ١/ ٤ ابن الأثير ٢/ ١٠ فجر الإسلام ١٥. ٣ ياقوت ١١/ ٣٥١ الطبري ٢/ ٦٩، جواد علي ٤/ ٢٠٣، جورج فضلو: العرب والملاحة ص٤. ٤ جواد علي ٤/ ٢٠٤.
[ ١٧٦ ]
كذلك لحيادها ولبعدها عن النزاع السياسي الذي كان بين الفرس وبين الحبشة وحلفائهم الروم. ولذلك لا تحدثنا الروايات كثيرًا عن قوافل الجنوب، بينما كانت قوافل قريش متصلة دائمًا نحو الشمال، كما تحدثنا عن رحلات بحرية إلى الحبشة التي كانت لقريش متجرًا ووجهًا١. ولعل من مؤيدات اتساع هذا الأفق التجاري البحري الهجرة التي قام بها المسملون إلى الحبشة٢ وليس من المعقول أن يهاجر المكيون إلى بلدلم يكونوا يعرفونه، وهذه المعرفة تدل على أن هذه البلاد التي اتصل بها المكيون في أسفارهم التجارية٣.
وفي القرآن ذكر كثير لمصر ونهرها وما يتفرع منه من أنهار. وما يقوم فيها من أهرامات وقصور، وأرض زراعية وعمران٤، وآيات القرآن تلهم أن أهل مكة كانت لهم صلاة بمصر. وأن أسفارهم التجارية قد وصلت إليها وأنها قد رأوها وشاهدوا نيلها وأرضها وآثارها، على أن صلة العرب بمصر قديمة؛ فإنهم كانوا يتاجرون فيها وينقلون إليها حاصلات الجنوب من البخور والمر الذي كان لازمًا لمعابدها، وقد عثر على نقش على تابوت في الجيزة مكتوب بالخط العربي الجنوبي وباللهجة المعينية، وهو مؤرخ بالسنة الثانية من حكم بطليموس بن بطليموس أي سنة ٢٦١ ق. م، ويدل النقش على أن معينيًّا كان يسمى زيد -إل بن زيد، كان يشتغل بالكهانة في أحد المعابد المصرية، كان يستورد المر والزرير -قصب الطيب- Calamus من بلاده للمعبد ويصدر إليها على السفينة التجارية التي يملكها أثوابًا جميلة من البز المصري٥.
ولا بد أن هذه التجارة في حاصلات الجنوب التي كانت لازمة لمصر كانت مستمرة بعد ذلك، وأنه بعد انتقال التجارة إلى يد قريش، كان تجار قريش يقومون بنقل قسط من هذه التجارة، وأن منهم من وصل إلى مصر وتاجر فيها، وقد عرف المكيون الأقشمة المصنوعة في مصر، وكانوا يسمونها القباطي.
_________________
(١) ١ الطبري ٢/ ٣٢، ٦٩، ٢٩٥ الأغاني ٨/ ٥٢. ٢ انظر سورة النحل ٤١، ١١٠، الطبري ٢/ ٦٨- ٦٩. ٣ أنساب الأشراف ١/ ٣٨٠، حتى ١٢٨. ٤ انظر كلًّا من سورة الفجر ١٠- ١١ الزخرف ٥١ الحج ٤٥ - ٤٦ الروم ٩. ٥ العرب والملاحة البحرية ص ٦.
[ ١٧٧ ]
والآيات القرآنية التي تشير إلى البحر وعواصفه وما يجري فوقه وما يستخرج من جوفه١، والتي يمتاز بوضوحها وجلائها الرائع، ليست إلا صدى للنشاط التجاري والاتصالات البحرية بين الحجاز والحبشة وغيرهما. ومع ما في هذه الآيات من تعدد لنعم الله، إلا أنها بما تحمل من طابع الخطاب القريب تدل على أن الكلام موجه إلى المخاطبين القريبين وهم أهل احجاز وأهل مكة بنوع خاص، وتدل على ما كان لهؤلاء من صلة بالأعمال البحرية المتنوعة، وما كان يقوم في ثغور الحجاز وسواحله من حركة وملاحة، وصيد وغوص، وما كان لأهل الحجاز وبخاصة مدنه وتجاره من منافع عظيمة، وكثرة الآيات وتكرار التعداد وتنوع الأساليب، وهذه الحفاوة القرآنية في الإشارة إلى البحار وما فيها وما يجري فوقها وما يعود منها من المنافع العظيمة يمكن أن تدل على أن حركة الملاحة والصيد والغوص لم تكن ضعيفة٢، وأنها كانت مما يعول عليه أهل الحجاز في معاشهم وحياتهم التجارية والاقتصادية تعويلًا غير يسير، وأنهم كانوا يعرفون البحر وركوبه ويستخدمونه في أغراضهم المختلفة.
ولم تكن قريش حين سيطرت على التجارة تملك سفنًا في البحر الأحمر، ولكنها من غير شك كانت تنقل تجارتها من الحبشة وإليها عبر هذا البحر، ولا بد أن أهل مكة كانوا يستخدمون سفنًا تعمل لحسابهم٣.
أما صلات قرييش بالفرس فلم تكن على قدر كبير؛ لأن التجارة مع فارس كانت في يد عرب الحيرة الذين كانوا يدبرون أمر وصول هذه التجارة إلى أسواق العرب، وكانوا يحملون لهم من هذه الأسواق ما هم في حاجة إليه من حاصلات الجزيرة العربية، ومع ذلك فقد كانت تجارة قريش تدخل بلاد فارس عن طريق قوافل تخرج من مكة إليها، عبر الطريق الصحراوي المار بشرقي يثرب٤ إلى العراق، وتحدثنا الروايات عن أشخاص من رجال مكة ماتوا في طريق عودتهم من العراق٥.
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من سورة الأنعام ٩٧، التوبة ٩٦، يونس ٢٢، النحل ١٤، الإسراء ٦٦، النور ٤٣، فاطر ١٢، الشورى ٣١- ٣٢، الرحمن ١٩ -٢٤. ٢ الأغاني ٣/ ١١٨. ٣ الجاحظ، البيان والتبيين ١/ ٢٠٧. ٤ الطبري ٢/ ١٨١. ٥ ابن الأثير ٢/ ١٠، ياقوت ١٠/ ٢٤٩.
[ ١٧٨ ]
وكانت التجارة التي تحمل من الجنوب أو من الشمال أو من الشرق تفرغ في مكة، حيث تستهلك البيئة المحلية منها ما تحتاج إليه؛ ثم يحمل الباقي إلى الأماكن المحتاجة إليه، فتحمل حاصلات الجنوب إلى الشمال، كما تحمل حاصلات الشمال إلى الجنوب، فوق ما يحمل معها من حاصلات البادية العربية، مما تجمعه قريش من تجارة أهل البادية والمدن الحجازية، مما يحمل إلى مكة أو إلى الأسواق القريبة منها في عكاظ ومجنة وذي المجاز في موسم الحج. وقد كانت صلات مكة التجارية كبيرة بالطائف التي كانت تنتج مقادير كبيرة من الزبيب والنبيذ الذي كانت تستهلك مكة منه كثيرًا، ومن الجلود المدبوغة، وكان المكيون يشركون أهل الطائف أحيانًا في قوافلهم التجارية١ كما كانت صلات مكة التجارية كبيرة بيثرب، حيث يمتار أهل مكة من تمرها ويشترون كثيرًا مما تنتجه من الحلي والسلاح التي كان اليهود يقومون على صناعتها٢.
وكانت في مكة سوق دائمة للتبادل التجاري وبخاصة مع القبائل القريبة منها، حيث تشتري مكة حيوانات الجزيرة ومنتجاتها من جمال وخيل وحمير وسمن وقرظ وجلود، وتبيعه لمن يحتاج إليه من الأعراب٣، كما تبيعهم ما يحتاجون إليه من المجلوبات الخارجية، وكانت تجارة الملابس والأطعمة والشراب رائجة في مكة، وبخاصة في موسم الحج. وصارت مكة تعج بالتجار من كل ناحية وبخاصة من أهل الشام والروم والفرس، فساكنوا المكيين وتحالفوا مع أثريائهم، وقد اتخذوا فيها مستودعات لخزن بضائعهم وتصريفها، وكان تجار الشام خاصة يجلبون القمح والزيوت والخمر الجيدة إلى تجار مكة٤، وقد ورد في كتب السيرة والرجال أسماء بعض هؤلاء ممن كانوا من بلاد الشام في الأصل، ثم سكنوا مكة ودخلوا في الإسلام من أمثال تميم الداري ٥ وكيسان ٦.
_________________
(١) ١ ابن كثير ٣/ ٢٢١. ٢ البخاري ٣/ ٦٠. ٣ ابن الأثير ١/ ٣٤٤، ابن كثير ٣/ ٤٥. ٤ أسد الغابة ٤/ ١٥٨. ٥ نفسه ٥/ ١٤٥. ٦ نفسه ٤/ ٢٥٨.
[ ١٧٩ ]
وقد ذكر المستشرق أوليري oleary أن مكة أصبحت مركزًا للصيرفة يمكن أن يدفع فيها التجار أثمان السلع التي ترسل إلى بلاد بعيدة، كما كانت عملية الشحن والتفريغ لهذه التجارة الدولية تتم هناك، وكذلك كان يتم التأمين على المتاجر وهي تجتاز الطرق المحففوة بالمخاطر١، وقد كان يساعد قريشًا على تأمين تجارتها ما كانت تتمتع به من حرمة عند العرب، وما كان لها من ارتباطات مع القبائل الضاربة على طول طرق التجارة.
ولم تكن قوافل مكة تجارة أفراد؛ وإنما كانت تجارة مدينة، وكانت قريش كلها تشارك فيها، وكان كبار التجار يقومون على هذه القوافل التي تضم أموالًا لأفراد متعددين، منهم من يسافر على تجارته، ومنهم من يستأجر آخرين، ومنهم من يقرض ماله للمتاجرة على النصف، وأحيانًا كانت القافلة تحمل أموالًا لأهل مكة جميعًا٢.
ولم تكن التجارة خاصة بالرجال دون النساء، فكان منهن ثريات اشتغلن بالأعمال التجارية، مثل خديجة بنت خويلد التي كانت تتجر بمكة، وكانت تستأجر الرجال للسفر بتجارتها إلى الشام٣، ومثل الحنظلية أم أبي جهل التي كانت تتاجر في العطور تجلب لها من اليمن ٤، وقد أشار القرآن إلى ذلك حيث قال: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء] وكانت المرأة لا تنكح إلا ولها مال٥. وعلى ذلك فتجارة مكة الخارجية ليست تجارة أفراد، وإنما هي تجارة جماعية.
وقد أدى نشاط بعض أسر مكة في التجارة إلى حصولها على ثروات طائلة، وقد أسهم رجل واحد من أهل مكة هو أبو أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية بثلاثين ألف دينار في القافلة التي كان يقودها أبو سفيان، وكانت السبب في موقعة بدر سنة ٢هـ ٦، ومبلغ مثل هذا ليس بالشيء القليل بالنسبة للوضع المالي في تلك الأيام. كذلك كان
_________________
(١) ١ O،lery، Arabia Befofore Mohammad، P. ١٨٢ ٢ الواقدي، المغازي ١٨. ٣ أسد الغابة ١/ ١٦، ابن كثير ٢/ ٢٩٤- ٢٩٥. ٤ الأغاني ١/ ٦٤- ٦٥. ٥ سير أعلام النبلاء ١/ ٢٣١. ٦ الواقدي، المغازي ١٨.
[ ١٨٠ ]
عبد الله بن جدعان التيمي والوليد بن المغيرة المخزومي من أثرياء مكة، وكان الأول يشرب في كأس من الذهب حتى سمي حاسي الذهب، وقد اشتهر بنو مخزوم بالثروة والمال حتى كان أحدهم -وهو عبد الله بن أبي ربيعة- يلقب بعدل قريش، وقد كان تاجرًا موسرًا، وكان متجره إلى اليمن١. كما كفن أحد الموتى وهو عبد المطلب بن هاشم في حُلل ألف مثقال من الذهب، وطرح عليه المسك حتى ستره.
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٤.
[ ١٨١ ]
الربا:
كان الربا مظهرًا من مظاهر الحركة الاقتصادية والتجارية، وكان أهل مكة -كما كان أهل الحجاز واليهود- يعولون عليه كثيرًا في تنمية ثرواتهم، وكان الربا أحيانًا يبلغ أضعاف القرض نفسه١، فتؤكل بذلك أموال المدين وتذهب حقوق الأفراد. وفي القرآن آيات كثيرة يستلهم منها أن الربا كان راسخًا رسوخًا شديدًا، وأنه كان جزءًا من الحياة الاقتصادية وبخاصة عند التجار وأهل المدن، وإذا كانت معظم الآيات التي نزلت بشأن الربا نزلت بعد هجرة النبي -ﷺ- إلى يثرب وقيام الدولة الإسلامية بها٢؛ إلا أن بعضها نزل بمكة أو بعد فتحها٣ مما يدل على أنها كانت موجهة إلى المكيين، وأن الربا كان أمرًا شائعًا عامًّا٤. وقد أعلن النبي -ﷺ- في حجة الوداع سنة ١٠ هـ إسقاط ربا عمه العباس وكان من أغنياء مكة وتجارها، وتحمل آيتان من سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة] إنذارًا شديدًا لمن يزاولون الربا، مما يدل على رسوخ قدم الربا، وعلى أنه كان يشغل حيزًا كبيرًا من حياة المدن الحجازية الاقتصادية، وأنه لم يكن من السهل القضاء عليه، مما استلزم قوة الإنذار وإعلان الحرب من الله ورسوله.
_________________
(١) ١ اليعقوبي ٢/ ١٠. ٢ انظر سورة ِآل عمران ١٣٠، النساء ١٦٠- ١٦١. ٣ انظر سورة الروم ٣٩. ٤ انظر سورة البقرة ٢٧٥، ٢٧٨- ٢٧٩، ابن هشام ٢/ ١٢.
[ ١٨١ ]
وإلى جانب الربا كانت المضاربات وبيع البضائع المتوهمة أو البضائع التي لم تصل مكة بعد؛ فلطالما باعوا البضائع قبل وصولها من اليمن أو الشام، وباعوا المحاصيل قبل حلول يوم الحصاد بوقت طويل، فأفلست بيوتات واغتنت أخرى بين عشية وضحاها، ونحا صغار التجار نحو كبارهم في المضاربات فيما بينهم، ولطالما عملوا على غش البدو السذج؛ فاحتقر البدوي الحضريَّ لهذه الصفة، وقد قال أهل البادية: إن قريشًا تصغير قرش وهو سمك القرش المفترس يعبرون بذلك عن افتراسها لغيرها١. وعلى الرغم من ذلك فقد كانوا مجبرين على أن يتعاملوا مع القرشيين لبيع إبلهم وأغنامهم وأصوافهم وحاصلاتهم من البادية٢.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٦٠. ٢ نفسه ٣/ ٧١-٧٢، بوهلي ٣٦- ٣٨.
[ ١٨٢ ]
النقد:
كان النقد المتداول هو الدينار والدرهم. والدينار عملة ذهبية والدرهم عملة فضية، وكان التعامل بهما دارجًا في الشام والعراق ومصر. وقد عرفهما أهل الحجاز وتعاملوا١ بهما، وكان أهل مكة يملكون ثروة كبيرة من هذه العملة٢. ولم يكن هذان النقدان حجازيين، ولم يضربا في الحجاز اقتباسًا من الفرس والروم؛ فإنه لم يكن في الحجاز دولة لها سكة خاصة؛ وإنما كان المتعامل به هو الدينار والدرهم الأجنبيين، ولعل في هذا دلالة على صلة الحجازيين بعامة ومكة بخاصة بجيرانهم من الروم والفرس صلة تجارية كبيرة، وليس لدينا ما يثبت أن أهل مكة أو أهل الحجاز كانوا يستصنعون لحسابهم في دور الضرب العراقية أو الشامية الدراهم أو الدنانير.
وبلاد العرب كانت تنتج معدن الذهب والفضة، وكانت غنية بهما في العصور القديمة. وقد كان يجري التعامل بهما وزنًا٢، كما ذكر مرارًا في القرآن في معرض
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من سورة آل عمران ٧٥، يوسف ٢٠، التوبة ٣٤، الواقدي ٢٢. ٢ ابن هشام ١/ ٢٤٠. ٣ ابن هشام١/ ٢٤٠.
[ ١٨٢ ]
استعمالهما حليًّا وأواني في الدنيا والآخرة١، مما يدل على أن هذين المعدنين كان ينظر إليهما على أنهما مقياس الثروة، كما كان من الملك المحبب المحروص عليه عندهم، شأن البيئات المتحضرة المجاورة، وفي الروايات؛ ما يدل على أن أغنياء مكة استعملوا الذهب كآنية؛ فقد كان ثري مكة عبد الله بن جدعان يشرب في أكواب من الذهب حتى سمي حاسي الذهب٢.
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من الكهف ٣١، الزخرف ٣١، ٧١، الإنسان ١٥، ١٦، ٢١. ٢ الجاحظ: البيان والتبيين ١/ ٢٢ -٢٣.
[ ١٨٣ ]
الأعداد والحساب:
في القرآن ذكر للأعداد ومضاعفاتها من آحاد وعشرات ومئات وألوف ومئات الألوف، كما ورد ذكر كسور الأعداد من نصف وثلث وربع وخمس وسدس وثمن وعشر١، الأمر الذي يدل على أن العرب بعامة وأهل المدن بنوع خاص كانوا على علم بالأعمال الحسابية من ضرب وقسمة وجمع وطرح وكسور، كما يدل على سعة الأفق والصلات وكثرة التعامل.
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من البقرة ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٣٤، ٢٥٩، ٢٦١، آل عمران ١٢٤، ١٢٥، النساء، ٣، ١١، ١٢ الأنفال ١١، ٤١، ٦٥، الكهف ٢٢، الصافات ١٤٧، المعارج ٤.
[ ١٨٣ ]
المكاييل والموازين والمقاييس:
والكيل والميزان والمقياس معروفة عند العرب، وقد ورد ذكرها في القرآن؛ ولكنها ذكرت دون تعيين إلا القنطار والذراع على غموض في مقدارهما١. وقد جاء ذكر الكيل والميزان والقسطاس في مناسبات أكثرها جاء في معرض الأمانة والحث على الاستقامة في الكيل والوزن، مما يدل على أنه كانت توجد مكاييل وموازين، وأن هذه المكاييل والموازين كان بعضها مضبوطًا وبعضها غير مضبوط، والآيات القرآنية تحث على استعمال المضبوط منها؛ مما يدل على أن حيل الغش فيها كانت فاشية، والتجار كانوا يستغلون جهل المتعاملين معهم وبخاصة أهل البادية، فيأخذون منهم وزنًا أوكيلًا
_________________
(١) ١ انظر سورة آل عمران ١٤، ٧٥.
[ ١٨٣ ]
وافيًا ويبيعون لهم بمكاييل وموازين غير وافية١ ويمكن أن نستدل من آيات القارعة ٦ - ٩ أن الميزان المستعمل كان هو الميزان ذا الكفتين٢. كما نعرف من المكاييل الصاع٣. والمد هو ربع الصاع، وأن الصاع وحدة الكيل وأنه يساوي وزن خمسة أرطال وثلث٤، كما كان الرطل مكيالًا أيضًا. كما كانوا يعرفون الأوقية والنش - وهو نصف الأوقية-٥ وأن الأوقية كانت تساوي أربعة وعشرين درهمًا، وأنه كانت توزن بها المعادن كالذهب والفضة، وكذلك المثقال وهو درهم وثلاثة أرباع الدرهم.
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من سورة الأنعام ١٥٢، الإسراء ٣٥، الرحمن ٩، المطففين ١-٣. ٢ البخاري ٣/ ٧١- ٧٢. ٣ المصباح مادة صوع. ٤ نفسه مادة رطل. ٥ الواقدي ٢١.
[ ١٨٤ ]
النشاط الزراعي والرعوي:
إذاكانت منطقة مكة مجدبة غير صالحة للزراعة، فإن المناطق المجاورة لها -وبخاصة منطقة الطائف والوديان الموجودة بين مكة وجدة -كانت تنبت مختلف النباتات، ويلهم ما في القرآن من آيات كثيرة تحتوي أوصافًا للأعمال الزراعية ونتاجها من زروع وكروم ونخيل وزيتون ورمان وفاكهة، والزرع ذو الحب المتراكب كالقمح والشعير - أن هذه الزراعات كانت قائمة، وأن أهل هذه المناطق من الحجاز كانوا متقدمين شوطًا غير قصير في الأعمال الزراعية١. وأن هذه المناطق الزراعية كانت تمون مكة والقرى الأخرى التي لا تستطيع أن توفر حاجاتها الغذائية بنفسها بسبب جدب التربة وشح المياه، وأن أهل مكة أنفسهم كانوا يملكون مزارع وحدائق وآبارًا بالطائف، وتتحدث الروايات عن رجل من العراق اسمه عدَّاس كان خادمًا في بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة بالطائف٢ وربما كان هذا الرجل خبيرًا زراعيًّا جُلب أو اشتري خصيصًا لهذا العمل.
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من سورة البقرة ٦١، ٢٦١، ٢٦٤- ٢٦٦ الكهف ٣٣- ٣٤. ٢ ابن هشام ٢/ ٣٠، الواقدي ٢٣- ٢٤.
[ ١٨٤ ]
كما أن أهل مكة قد مارسوا تربية الماشية من إبل وغنم وأبقار، وأنهم كانوا يرعونها في الوديان والشعاب المجاورة لمنطقة مكة، والتي كانت تنبت الكلأ والشجيرات الرعوية التي تزدهر في مواسم معينة من السنة١، وقد ورد في كتب السيرة أن النبي -ﷺ- كان يرعى الغنم في أجياد، وأن عمر بن الخطاب كان يرعى إبل أبيه بجوار مكة٢. ومدينة تجارية مثل مكة كانت تقوم على تجارة القوافل لا بد أن تكون قد اهتمت بتربية الإبل، ولا يمكن أن تكون اعتمدت كلية على ما تستأجره من إبل الأعراب، بل إن أهلها كانوا يملكون ما يعتمدون عليه في نقل متاجرهم يربونه أو يشترونه من الأعراب ٣، كما كانوا يملكون عددًا من الخيل لاستعمالها في ركوبهم وحروبهم، وربما كانوا يبيعون بعضها مبادلة على الإبل التي كانت حاجاتهم إليها أشد ونفعها لهم أكبر٤.كما كانوا يملكون عددًا من الحمير والبغال. وكان لهذه الحيوانات كلها سوق نشيطة في مكة.
الصيد:
كان الصيد من مشاغل العرب ومعايشهم، بل كان من ضروريات حياتهم المعيشية، وقد ورد في القرآن آيات خاصة بالصيد، سواء منه صيد البر أو صيد البحر١. ويستفاد من هذه الآيات أن العرب في فترة البعثة المحمدية كانوا قد بلغوا شوطًا بعيدًا في فنون الصيد، فكانوا يستعينون عليه بالطيور الجارحة والحيوانات المعلمة كالبزاة والعقبان والصقور والكلاب٢ وكانوا يعلمون هذه الطيور والحيوانات لتقوم بمهمتها
_________________
(١) ١ انظر وصف منطقة مكة في حالة خصبها. أسد الغابة ١/ ١٠١ "روى ابن شهاب الزهري قال: قدم أصيل الغِفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي -ﷺ- فدخل على عائشة -﵂- فقالت له: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أَخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك رسول الله -ﷺ- فلم يلبث أن دخل عليه النبي -ﷺ فقال: "يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ " قال: عهدتها والله قد أَخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأَعزق إذخرها، وأَسلب ثمامها، وأَمشر سلمها، فقال: "حسبك يا أصيل، لا تحزنَّا" أعزق: صارت له أفنان. أسلب ثمامها: أخوص وصار له خوص. أمشر: أورق واخضر. ٢ ابن سعد ١/ ١٠٧- ١٠٨ الاستيعاب ٣/ ١٥٧. ٣ البخاري ٣/ ٦٢، ابن هشام ١/ ٤٩. ٤ ابن الأثير ١/ ٣٤٤. ٥ انظر سورة المائدة ١، ٢، ٤، ٩٤، ٩٦. ٦ البخاري ١/ ٤٢.
[ ١٨٥ ]
على الوجه الأكمل. وقد تحرج المسلمون من أكل الصيد الذي استعين عليه بالجوارح المعلمة، فأحلَّ الله لهم ذلك على شريطة ذكر اسم الله عند الرمي، أو عند إرسال الجارح. كما أن العرب كانوا يستخدمون الرماح في الصيد كما كانوا يستخدمون النبل أو الشراك١.
وكان العرب قبل الإسلام يحرمون الصيد بريًّا وبحريًّا في الأشهر الحرم تبعًا لما كانوا عليه من عادة تحريم سفك الدماء في هذه الأشهر؛ فرفع القرآن عنهم هذا الحرج بالنسبة لصيد البحر؛ وذلك لشدة الضرورة والحاجة المعيشية الماسَّة والخاصة للمسافر بحذاء البحر، وهذا يفيد أن صيد البحر كان مرتزقًا، وضرورة معيشية أوسع نطاقًا من صيد البر.
وليس في القرآن تخصيص للذين كانوا يعملون بالصيد، مما يمكن أن يقال معه إن أهل المدن والبدو كانوا يشتغلون به؛ إلا أنه من المتبادر أن البادية أكثر اشتغالًا به، وأن أهل السواحل أكثر اشتغالًا بصيد البحر. وقد شارك أهل مكة في أعمال الصيد، ومنهم من كان يستفيد منه في معاشه وبخاصة قريش الظواهر، كما كان منهم من يتخذه رياضة من سادات مكة٢.
_________________
(١) ١ انظر سورة المائدة ٩٤. ٢ ابن هشام ١/ ٣١٢، المبرد: الكامل ٢/ ٤٩٣ "تحقيق أحمد محمد شاكر".
[ ١٨٦ ]
النشاط الصناعي:
ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة مكية ومدنية احتوت مسميات كثيرة ومتنوعة لمصنوعات هي من وسائل حياة أهل المدن. فقد ذكرت الآيات البيوت والغرف والحجرات والأبواب والسقوف والقواعد والمعارج١، والخيام التي تصنع من جلود الأنعام، كما ذكرت الأثاث الذي يصنع من الصوف والأوبار والأشعار٢، والأسرَّة والأرائك والنمارق والزرابي والفرش وبطائنها٣. والأواني المتنوعة من قدور وجفان وصحاف وأكواب وأباريق وكئوس٤، ومصابيح ومشاك وزجاج٥. والحلي والزينة
_________________
(١) ١ انظر سورة الطور ١-٥، الحجرات ٤، الزمر ٢٠، النحل ٢٩. ٢ انظر سورة الرحمن ٢٣، النحل ٨٠. ٣ انظر سورة الغاشية ١٢-١٦، الرحمن ٥٤، الكهف ٣١. ٤ انظر سورة الإنسان ١٦، الواقعة ١٥-١٨، الزخرف ٧١. ٥ انظر سورة النور ٣٥.
[ ١٨٦ ]
بأنواعها١، والثياب من الحرير وغير الحرير٢ والجلابيب والخُمر والسراببيل والقمصان والنعال٣: والسلاح من رماح وسكاكين ودروع٤. والسلاسل والأغلال٥. وأدوات الكتابة من قرطاس وقلم ومداد ورقوق٦ والشراب الذي يصنع من ثمرات النخيل والأعناب٧. والمعادن من حديد ونحاس وذهب وفضة والصلصال والفخار٨.
وورود هذه الأعيان ومسمياتها وأوصافها ووجوه استعمالها في القرآن، ويدل على أن أهل مكة وأهل الحجاز ومدنه كانوا يستعملونها ويملكونها قبل نزول القرآن، حتى ولو جاء ذكرها في معرض الإخبار والتمثيل ووصف نعيم الجنة؛ لأن القرآن لا يمكن أن يخاطب الناس بما لا يفهمونه ولا يعرفونه. ويضاف إلى هذه الأشياء المكاييل والموازين التي كانت موجودة ومستعملة في البيع والشراء.
وواضح أن وجود هذه الأدوات والحاجيات يتطلب وجود طبقة من العمال والصناع: في أعمال البناء ونحت الحجارة، وفي الحدادة والنجارة والتنجيد والصياغة والحياكة والنحاسة والسروجية، وغير ذلك مما تتطلبه حياة المدن مهما كانت درجتها من الحضارة٩. وقد ورد ذكر لأناس كانوا في مكة يقومون بهذه الأعمال، منهم من يقوم بالحدادة أو الصياغة، ومنهم من كان يقوم بالنجارة١٠ أو النسيج أو الخياطة أو الحجامة١١.
_________________
(١) ١ انظر سورة النور ٣١، ٦٠. ٢ انظر سورة الحج ٢٥، الكهف ٣١، سبأ ١٣. ٣ انظر سورة الأحزاب ٥٠، طه ١٢، يوسف ١٨. ٤ انظر سورة النحل ٨١، المائدة ٩٧، يوسف ٣١، النساء ١٠١. ٥ انظر سورة الحاقة ٣٢، غافر ٧١، سبأ ١١. ٦ انظر سورة لقمان ٣٧، الأنعام ٧. ٧ انظر سورة النحل ٦٧. ٨ انظر سورة الحديد ٢٥، الرحمن ١٤، ٣٥، الحج ٢٥، الكهف ٣١. ٩ دروزة عصر النبي ص ٦٩- ٧١. ١٠ أسد الغابة ١/ ٤٣. ١١ البخاري ٣/ ٦٠- ٦٣.
[ ١٨٧ ]
ومهما تكن أسفار الحجازيين البرية أو البحرية، ومهما يكن ما يجلبونه من الخارج؛ فليس من المعقول أن يجلبوا كل ما يحتاجون إليه من هذه الأدوات والحاجيات مصنوعًا جاهزًا؛ بل لا بد أن يصنع بعضها إن لم يكن معظمها محليًّا؛ إذ لا يمكن أن يكونوا أو يظلوا عيالًا على الخارج في هذه المواد الكثيرة التي يستعمل كثير منها استعمالًا عامًّا ويوميًّا، ولا سيما وأن المواصلات بينهم وبين البلاد التي تقدمت عليهم في الحضارة، والتي يمكن أن يجلبوا منها احتياجاتهم -غير سهلة ولا قريبة-. كما أنه يوجد من الأشياء ما لا يمكن جلبه من الخارج، كأعمال البناء والنحت والنجارة؛ وإذن فلا بد من وجود طبقة من الصناع والعمال في المدن الحجازية يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأن أهل هذه المدن، وإن اعتادوا أن يجلبوا شيئًا مما يستعملونه من الخارج، فإن هذا الشيء كان مقصورًا على ما لا تستطيع البيئة المحلية إنتاجه، أو لا تستطيع إجادته، وخصوصًا حاجيات الترف الكمالية الدقيقة الصنع، من أدوات الزينة والزخارف والحرير والأواني الدقيقة وبعض أنواع الأسلحة والنسيج.
ولقد كان في مكة وفي سائر المدن الحجازية جاليات أجنبية يهودية ونصرانية، سورية ومصرية وحبشية ورومية وعراقية. ومن الراجح أن هؤلاء الأجانب كانوا يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأنهم كانوا نواة ومعلمين لطبقات من الصناع المحليين، وأن منهم من كان يعمل لحسابه الخاص، كما كان الحال في يهود يثرب، ومنهم من كان يعمل لحساب سادته١. وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة عند تجديدها، كما أن النبي -ﷺ- قد وجد في الكعبة صورًا ورسومًا للملائكة والأنبياء، لا بد أنها كانت من صنع أمثال هذا العامل الرومي ومن عمل معه من بني جنسه من النصارى، كما وجدَ بها تمثالًا لحمامة من الخشب؛ الأمر الذي يدل عل وجود صناع يتقنون هذه الأعمال في مكة، وأنهم لم يكونوا من العرب ولكنهم كانوا من الرقيق أو من الموالي الأجانب ٢. كما كان بعض النساء يشتغلن بالأعمال الصناعية وبخاصة صناعة الغزل والنسيج٣.
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٥. ٢ الطبري ٢/ ٣٩- ٤٠. ٣ البخاري ٣/ ٦١.
[ ١٨٨ ]
الحالة الاجتماعية
مدخل
الفصل السابع: الحالة الاجتماعية
كان التشكيل الاجتماعي للسكان في مكة هو التشكيل القبلي شأنها في ذلك شأن باقي أجزاء الجزيرة العربية، وكانت القبيلة الأساسية بها منذ منتصف القرن الخامس الميلادي هي قبيلة قريش التي جمعها قصي بن كلاب، وأنزلها مكة بعد إجلائه خزاعة عنها١، وككل تشكيل قبلي، كان سكان مكة يتكونون من حيث التشكيل الاجتماعي من طبقات ثلاث:
_________________
(١) ١ سديو، تاريخ العرب العام ص ٥٠ "يرجع سديو تاريخ بدء حكم قريش لمكة إلى سنة ٤٤٠م".
[ ١٨٩ ]
١- طبقة الصرحاء:
وهم أبناء القبيلة الأصليون، أي كل من ينتمي إلى قريش، وهو فهر بن مالك؛ فإن البطون القرشية التي نزلت مكة كلها تنتمي إليه، ومن مجموعها تكونت القبيلة التي عرفت بهذا الاسم -قريش-. وقد جعل القرشيون من أنفسهم أصل المجتمع المكي، وكل مَن عداهم من العرب الأحرار انضم إليهم عن طريق التبعية بالحلف أو بالجوار، فهم أصل المجتمع في مكة ومن عداهم من باقي السكان إما موالٍ لهم أو عبيد، وكان أبناء قريش يتمتعون بكل ما نظمه قانون العرف القبلي من حقوق كما كان عليهم كل ما فرضه من واجبات، على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة في ظل رابطة الدم المشترك. وقد تميزت قبيلة قريش إلى قسمين رئيسيين حسب مساكنها في مكة: فالقسم الذي سكن الوادي بجوار البيت الحرام عرف بقريش البطاح، والقسم الذي سكن على أطراف مكة عرف بقريش الظواهر، وقد كانت قريش البطاح أكثر حضارة من قريش الظواهر التي عاشت شبه متبدية؛ ولذلك استأثرت قريش البطاح بشئون الحكم والرياسة، ووزعت المناصب الدينية والإدارية بين بطونها، ومن ثم فقد
[ ١٨٩ ]
كانت صاحبة الكلمة العليا في مكة وكانت رأس المجتمع المكي. وإنه إن كان أبناء قريش على درجة واحدة من حيث الحقوق والواجبات القبلية العامة؛ إلا أن الاستقرار والثراء الذي أحرزته قريش البطاح، والقيام على شئون الحكم في مكة قد ميزها على غيرها من باقي البطون القرشية، فنالت منزلة اجتماعية أرفع.
وقد حظيت قريش بنوع من الاستقرار والأمن لم يتوفر لغيرها من القبائل الأخرى، فقد ضمن لها وجودها بجوار البيت الحرام حرمة عامة في نظر القبائل العربية؛ فسلمت من الغارات القبلية عليها، كما أنه لم تحدث بين بطون قريش اشتباكات تؤدي إلى وقوع الدماء بينها بل حرصت القبيلة دائمًا على حل منازعتها العشائرية سلميًّا، ولكي تقضي على المنافسات العشائرية توسعت في قاعدة الحكم، وارتضت نوعًا من الحكومة نستطيع أن نسميه حكومة النظراء، وهي حكومة الملأ المكون من زعماء العشائر، وعلى ذلك سلمت قريش من التفكك الداخلي؛ فلم يحدث أن خرج عليها أو من دائرتها بطن أو عشيرة من عشائرها إلى دائرة قبيلة أخرى، كما كان يحدث كثيرًا بين القبائل العربية؛ ولذلك أحس أهل مكة بمرارة شديدة حين خرج منها بعض أفرادها فهاجروا إلى أماكن أخرى بعد ظهور الإسلام، وحاولت القبيلة جاهدة منعهم أو ردهم، واتهم القرشيون النبي -ﷺ- بأنه فرق بين الناس. وكانت وحدة القبيلة القرشية مظهرًا رائعًا في نظر القبائل العربية التي جعلت من قريش موضع إجلالها وقدوتها١. وأصبح كثير من رجالها في مكان الحكام بين المتنازعين من قبائل العرب.
_________________
(١) ١ الأغاني ٢/ ٣١٣ العقد الفريد ٣/ ٣٢٠.
[ ١٩٠ ]
٢- طبقة الموالي:
كانت مكة لحرمتها ووحدة أهلها واستقرار أمورها ملجأ لكثيرين من العائدين المحتمين بحرمها، كما كان في حياتها التجارية مجال لطلاب الكسب، ممن وجدوا في أسواقها وقوافلها فرصة لاستثمار أموالهم في قوافل قريش والاتصال ببيوتها التجارية أو العمل في دوائر أعمالها١؛ ولذلك كثر الموالي في قريش عن طريق الجوار، أو من
_________________
(١) ١ "مثال ذلك، صهيب بن سنان المعروف بصهيب الرومي، الذي قدم مكة وحالف عبد الله بن جدعان أحد أثريائها الكبار، وعمل معه ونال من وراء ذلك ثروة اضطرته قريش إلى التخلي عنها حين أسلم وهاجر". أسد الغابة ٢/ ٣١.
[ ١٩٠ ]
الحلفاء من كافة قبائل الجزيرة العربية ممن أقاموا في مكة إقامة دائمة وشاركوا في حياتها العامة مشاركة فعالة١. وقد أتاحت مكة لعدد منهم أن يقتني الثروات الكبيرة. وهيأت لهم الحياة الآمنة المطمئنة. وقد تمتع بعض الموالي بمركز كبير في المجتمع المكي، حتى أصبح مسموع الكلمة مطاعًا بين مواليه مثل الأخنس بن شريق الثقفي، الذي بلغ من أمره أن أثر على حلفائه بني زهرة، فأقنعهم بالرجوع وعدم المشاركة في موقعة بدر -مع إجماع القبيلة على الخروج- فرجعوا؛ فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعًا٢، كما كانت دار بديل بن ورقاء الخزاعي بمكة ملاذ الخزاعيين حين هاجمتهم بنو بكر وأعانها قريش٣، وبديل نفسه كان أحد الثلاثة الذين خرجوا فاتصلوا بالنبي -ﷺ- حين قدومه لفتح مكة وأعلنوا له تسليم البلد، وأخذوا منه لأهل مكة الأمان، وهم: أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء٤.
وقد أفسحت قريش صدرها لهؤلاء الموالي وأحلتهم هذه المنزلة الرفيعة؛ تبعًا لسياسة قريش العامة التي قامت على تنشيط التجارة، وإشراك القبائل العربية فيها والحرص على حسن الصلة معها، ورغبة في أن تبرز حرمة البلد الحرام، وأنه ملجأ العرب ومهوى نفوسهم، وهذا إلى الرغبة في الانتفاع بجهود هؤلاء الموالي وخبراتهم.
فطبقة الموالي في مكة كانت أرفع شأنًا وأكثر فاعلية في المجتمع المكي من مثيلتها بين القبائل الأخرى، ولقد أخلص هؤلاء الموالي إخلاصًا شديدًا لقريش وقاتلوا في صفوفها، واعتمدت اعتمادًا كبيرًا عليهم في صراعها ضد يثرب بعد الهجرة النبوية، وإن نظرة إلى قائمة القتلى والأسرى من قريش في يوم بدر لتعطينا فكرة عن مقدار مشاركة هؤلاء الموالي لقريش في هذا الصراع، فإنهم قد تحملوا حوالي ٤٠% من هذه الخسائر ٥. ومن هذه القائمة -ومن قائمة المهاجرين- مع النبي -ﷺ- إلى يثرب نستطيع
_________________
(١) ١ ابن حزم، جوامع السيرة ١١٤- ١٢٣. ٢ ابن هشام ٢/ ٢٥٨. ٣ ابن هشام ٤/ ٥، ابن حزم ٣٢٣. ٤ ابن هشام ٤/ ١٨. ٥ ابن هشام ٢/ ٣٥٠-٣٦٧.
[ ١٩١ ]
أن ندرك أن هذه الطبقة كانت كبيرة العدد في قبيلة قريش، وأنها كانت تكوِّن نسبة كبيرة من مجموع السكان، فقد بلغ عدد المهاجرين إلى يثرب بعد بيعة العقبة الكبرى ستة وثمانين، كان منهم من صليبة قريش واحد وأربعون، والباقون من الموالي، وكانت غالبية هؤلاء الموالي ممن ارتبطوا بقريش عن طريق الحلف١. أما من ارتبط بالقبيلة عن طريق الجوار؛ فمن المحتمل أن يكون عددهم كبيرًا، إلا أنهم لم يقوموا بدور فعال؛ نظرًا لأن الجوار بطبيعته صلة مؤقتة أدت إليها دوافع وقتية لا تربط صاحبها بالقبيلة ارتباطًا يحمله على المشاركة الشديدة فضلًا عن التضحية بالمال أو بالنفس؛ فإنما هو جاء يطلب الحماية والعون لا أن يبذلها لغيره.
_________________
(١) ١ ابن حزم، جوامع السيرة ١١٤- ١٢٣.
[ ١٩٢ ]
٣- طبقة الأرقاء:
كانت هذه الطبقة كبيرة العدد بمكة؛ نظرًا لأعمال أهل مكة التجارية الواسعة، وانشغالهم بها واحتياجهم إلى من يقوم على خدمتهم والاشتغال لصالحهم، سواء في التجارة أو في الرعي أو في الزراعة -حيث كانت لهم بساتين ومزروعات في الطائف- أو في الصناعة التي لا بد كانت موجودة في مكة لسد حاجة هذا المجتمع الذي أخذ بأسباب التحضر، ولما كان تجار مكة قد نالوا حظًّا وافرًا من الثروة، وعاش بعضهم عيشة رافهة بالنسة لغيرهم من المجتمعات القبلية الأخرى في الجزيرة العربية؛ فقد جلبوا كثيرًا من الرقيق للقيام على خدمتهم ولإرضاء نوازع شهواتهم، وقد أغرم المجتمع المكي بالشراب والسمر والمنادمة، ومثل هذا المجتمع يحتاج إلى أعداد من الغلمان والجواري السود والبيض على السواء للخدمة والتسلية وإرضاء الشهوات، وقد بلغ عدد الرقيق في مكة حدًّا كبيرًا، وقد كان أكثر هؤلاء العبيد من السود من أصل أفريقي اشتراهم أثرياء مكة؛ للعمل لهم في مختلف الأعمال ولخدمتهم١، ولعل مما يدل على كثرتهم المفرطة أن هندًا بنت عبد المطلب أعتقت في يوم واحد أربعين عبدًا من عبيدها، كما أعتق سعيد بن العاص مائة عبد، اشتراهم فأعتقهم جميعًا٢. والرقيق في
_________________
(١) ١ الاغاني ١/ ٦٥. ٢ الجاحظ، المحاسن والأضداد ٧٢. المبرد، الكامل ٢، ٩٦. شوقي ضيف، العصر الجاهلي ص ٥١.
[ ١٩٢ ]
تلك الأزمنة كان بضاعة ضرورية لا بد منها لأهل المال تدر عليهم أرباحًا عظيمة، فهم آلات ذلك العصر ومصدر من مصادر الاستغلال للحصول على الثروة، كما أنهم سلاح يستخدم للدفاع عن السادة والأثرياء في أيام السلم الحرب. ومكة وهي بلد الأثرياء والتجار في إقليم الحجاز، لا بد لها من استيراد هذه الآلات البشرية للاستفادة منها في تمشية الأعمال، وفي توسيع التجارة وزيادة رءوس الأموال، وقد كان بنو مخزوم من قريش يملكون عددًا كبيرًا من العبيد السود، يستخدمونهم في مختلف الأعمال وفي الحروب، وبخاصة تلك التي خاضتها ضد يثرب١.
وقامت بخدمة قريش طائفة أخرى ممن الرقيق، هي أدق عملًا، وأحسن خدمة وأرقى في الإنتاج، من الشمال في بلاد الشام والعراق، هي الأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة ومنها ينقلون في أنحاء الجزيرة العربية للقيام بمختلف الأعمال، يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوربا لبيعه في أسواق الشرق. وكان هذا الرقيق أغلى ثمنًا من الرقيق الأسود نظرًا لأنه كان أكثر ثقافة وكان يحسن من الأعمال ما لا يحسنه العبيد السود. ومن جملة ما وكل إلى هذا الرقيق الأبيض من أعمال: إدارة المبيعات٢، والقيام بالحرف التي تحتاج إلى خبرة ومهارة وفن، وهي من اختصاص أهل المدن المستقرين مثل أعمال البناء والنجارة الدقيقة، وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة حين قامت قريش على تجديدها قبل البعثة٣، كما أشاروا إلى ما وجد بجوفها من صور ورسوم وتماثيل خشبية دقيقة٤، لا بد أنها من عمل هذا العامل ومَن عمل معه من عمال على شاكلته.
وكما كان في مكة كثير من الرجال الأرقاء سود وبيض، كذلك كان بها عدد كبير من الإماء: منهن السوداوات اللاتي كن يقمن على الخدمة في البيوت، ومنهن البيضاوات من الروم والفرس وغيرهن، كن يقمن على الخدمة والمنادمة وإرضاء نوازع
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٥. ابن هشام ٧/ ١٢. جواد علي ٤/ ١٩٨. ٢ ابن هشام ١/ ٤٢٠. ٣ ابن هشام ١/ ٢٠٩- ٢١٠. الطبري ٢/ ٣٩-٤٠. ٤ ابن هشام ٤/ ٣١-٣٢.
[ ١٩٣ ]
النفس ١. وكانت عادة تسري الإماء فاشية، ولم يكن عدد الإماء اللاتي يتسراهن الرجل محدودًا، ينكحهن بدون عقد ولا مهر، وله أن يهب أو يبيع من ينكحها دون طلاق إذا لم تكن قد ولدت له. وكان الإماء مادة البغاء، فكن أكثر تعرضًا له وارتكاسًا فيه، وكان أمرًا مستساغًا بالنسبة لهن، وحين وضع الإسلام عقوبة الزنا جعل على الأَمة نصف عقوبة الحرة٢، إذ إن ارتكاس الإماء في الفاحشة أكثر توقعًا منهن، وتعرضهن للبغاء أكثر احتمالًا، وعارُ ذلك أقل شدة. وقد كان الشباب والفساق وطلاب الشهوة يتعرضون للإماء في الطرقات؛ ولذلك فرض الإسلام على الحرائر أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين٣، بأن يخلط بينهن وبين الإماء في المظهر فيتعرض لهن فينالهن الأذى.
وقد ترك هؤلاء الرقيق في نفوس أهل مكة، وفي نفوس العرب الآخرين ممن كان لهم رقيق أثرًا ليس إلى إنكاره من سبيل، وإن المصطلحات الفارسية والرومية والحبشية التي كانت معروفة عند العرب قبل ظهور الإسلام، ولا سيما ما يتعلق منها بالصناعات والأعمال التي يأنف العربي من الاشتغال بها، إنما دخلت لغتهم وشاعت بينهم عن طريق هؤلاء٤.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/ ٣٨٧، ٤/ ١٣٣٢، ٥/ ٩٤، ٤٦٢. ٢ انظر سورة النساء ٥. ٣ انظر سورة الأحزاب ٥٩. ٤ أسد الغابة ٥/ ٥٧٩ مسلم، الصحيح ٢/ ١٨٩. جواد علي ٤/ ١٩٤. الحوفي، الحياة العربية من الشعر الجاهلي ص ٦٨، ٨٠، ١٠٣- ١٠٥.
[ ١٩٤ ]
*
الجاليات الأجنبية:
في كتب التاريخ والسير وأسماء الصحابة عدد غير قليل من الأجانب الذين كانوا في مكة في فترة البعثة النبوية، منهم من كان مملوكًا ومنهم من كان حرًّا؛ فإنه لمركز مكة ونشاطها التجاري وصلاتها الواسعة بالشمال والجنوب توافد عليها كثير من التجار من الخارج من بلاد الشام ومن الروم والفرس وغيرهم، ساكَنوا المكيين وتحالفوا مع أثريائهم، وقد دخل بعضهم في الإسلام من أمثال تميم الداري وكيسان١ كما كان
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٤/ ٢٥٨- ٢٥٩، ٥/ ١٤٥. الأزرقي ١/ ٣٥٨. وانظر: على هامش السيرة لطه حسين.
[ ١٩٤ ]
منهم أصحاب صناعات وحرف كانوا يعملون لحساب أهل مكة أحيانًا ولحسابهم أحيانًا أخرى، ومنهم من كان ذا معرفة متميزة في ثقافته الدينية، ولا يستبعد أن يكون بينهم جماعة من المبشرين.
وتشير الآيات القرآنية الكثيرة إلى وجود عدد من الأجانب في مكة وإلى ديانة هؤلاء الأجانب على أنهم من أهل الكتاب، وأهل الكتاب هم النصارى واليهود.
[ ١٩٥ ]
أ- النصارى:
وأكثر هؤلاء الأجانب كانوا من النصارى كما يستلهم من الآيات القرآنية، فإن إيراد قصة ولادة يحيى وعيسى وإنكار ألوهية عيسى مما يوحي بأن أكثر المخاطبين من أهل الكتاب كانوا نصارى١، ثم إن خبر انكسار الروم والبشرى بفوزهم مما يدل على أن الكتابيين في مكة كانوا نصارى، فضلًا عن أنه يدل على الصلات القوية بين المكيين والأحداث العالمية الجارية في ذلك الوقت٢، ولقد كانت صلات مكة قوية بالشمال حيث كانت النصرانية هي ديانة أهل الشام، كما كانت منتشرة بين القبائل التي تعيش على تخوم الشام وعلى الطرف الشمالي للعراق٣، كما كانت منتشرة في الحبشة واليمن، وبخاصة في نجران التي قدم منها وفد لمباحثة النبي -صلى الله عليه وسلم٤، ومن هذه الجهات قدم عدد كبير إلى مكة إما بتشجيع بعض القرشيين ليكون عندهم من يقوم بما هم في حاجة إليه من الصناعات، أو بسبب اضطهاد وقع عليهم، فلقوا من زعماء مكة ترحيبًا وتشجيعًا؛ فقد كانت بلاد الشام مسرحًا لكثير من الثورات والاشتباكات والاضطهادات الدينية، ومن المحتمل أن يكون بينهم جماعة من المبشرين، فقد كان المبشرون يطوفون أنحاء الجزيرة العربية للدعوة إلى النصرانية، وقد شجعت حكومة الروم هذا التبشير لمآرب سياسية بعيدة الأهداف، فقد كانت تبغي من وراء ذلك كسب العرب إلى صفها ومحاربة أعدائها الفرس بسلاح الدين. وتشير كتب السيرة إلى أن
_________________
(١) ١ انظر سورة مريم ٢-٤٠. ٢ انظر سورة الروم ٣-٦. ٣ الواحدي، أسباب النزول ص ٢١٢. ٤ ابن هشام ١/ ٤١٨- ٤١٩.
[ ١٩٥ ]
شماسًا زار مكة في الجاهلية١، وكان يعيش في مَرّ الظهران راهب مسيحي٢. كما كان في مكة نساء نصرانيات تزوجهن أهل مكة٣.
وتلهم الآيات القرآنية أن النبي -ﷺ- قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته٤، وأن منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه أن ينفق في عمل الخير٥، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين٦، وعلى ذلك فهم ليسوا بأرقاء، وأن منهم من كان متميزًا في ثقافته الدينية، بحيث كان أهلًا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة المحمدية٧، وهذا الفريق لم يكن نكرة في أوساط مكة بل كان موضع ثقة ومرجع استفتاء في أمور الدين والدنيا، وأن منهم من كان مجادلًا حجاجًا بل متطرفًا في جداله. ولكنهم بوجه عام كانوا رقيقي العاطفة دمثي الأخلاق، جريئين في إظهار الحق، لا يبالون أهل مكة وزعماءها الأقوياء.
وليس في الإمكان تحديد الزمن الذي نزح فيه هؤلاء إلى مكة واستقروا فيها، ولكن آية النحل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل] تلهم أن بعض هؤلاء كانوا حديثي عهد بمكة، ومن المحتمل أنهم جاءوا قبيل البعثة، فكانوا لا يزالون يتكلمون لغة عربية سقيمة، أو لا تزال لغتهم الأجنبية مستعملة عندهم. وقد كان أثر النصرانية في مكة
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٣٤٩- أسد الغابة ٣٧٥. ٢ السيرة الحلبية ١/ ٧٥ ابن كثير ٢/ ٢٧٢ "كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصًا من أهل الشام، وكان متخفرًا بالعاص بن وائل، وكان الله قد آتاه علمًا كثيرًا، وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طب ورفق وعلم". ٣ الأغاني ١/ ٦٦- ٦٧. ٤ انظر سورة الأعراف ١٥٧، يونس ٩٤، الحج ٤. ٥ انظر سورة القصص ٥٢، ٥٤. ٦ انظر سورة سبأ ٦، الإسراء ١٠٧، ١٠٩. ٧ انظر سورة النحل ٤٣.
[ ١٩٦ ]
أكثر من أثر اليهودية؛ فإن بعض رجال مكة الذين تبرموا بالوثنية وخرجوا عليها تنصروا، أمثال ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٤٣.
[ ١٩٧ ]
ب- اليهود:
وفي السور المكية كذلك آيات كثيرة تتحدث عن موسى وفرعون وأحداث بني إسرائيل، مما يدل على أن رسالة موسى كانت موضع جدل كبير بين مشركي مكة والنبي -ﷺ- وفي الحفاوة البالغة بهذا ما يدل على وجود صلات قوية بين اليهود وبين المكيين، وكذلك تدل الآيات على وجود إسرائيليين في مكة، وآية الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء] .
تقطعان بذلك إذ إن الأولى تحتوي شهادة واقعية من أحد بني إسرائيل بصحة ما يوحى إلى النبي -ﷺ- وإيمانه به، كما تقطع الثانية بأن علماء بني إسرائيل يقرون بأن ما جاء به مماثل لما يعلمون.
وقد ذكرت كتب السير والتراجم صلة بعض اليهود بالمكيين ومحالفتهم لهم وإقامتهم بمكة للاتجار١. إلا أنه من الراجح أنه لم تكن في مكة جالية يهودية كبيرة؛ حيث لم يذكر القرآن المكي احتكاكًا ولجاجًا بينهم وبين النبي -ﷺ- كما حدث في يثرب، ومن المحتمل أن المستقرين منهم بمكة كانوا أفرادًا قلائل.
ومع وجود عدد كبير من الأجانب في مكة إلا أنهم لم يكونوا يؤلفون كيانًا مكتملًا ذا أثر إيجابي واسع في مكة، والراجح أن عدد الأحرار منهم لم يكن يتجاوز المئات القليلة، وأن تنوع جنسياتهم وحالتهم وظروف هجراتهم وحداثة بعضها لم تكن تساعد على تكوين هذا الكيان المكتمل٢، بدليل أنه لم يكن لهم أثر في حياة مكة السياسية كما كان شأن الإسرائيليين في يثرب.
_________________
(١) ١ ابن سعد ١/ ١٤٤. أنساب الأشراف ١/ ٧٣. ابن كثير ٢/ ٢٦٧. ٢ دروزة، عصر النبي ص ١٠٣.
[ ١٩٧ ]
استعداد العرب للنقلة
مدخل
الفصل الثامن: استعداد العرب للنقلة
في نهاية القرن السادس الميلادي كانت مكة تتمتع بمركز رياسي في جزيرة العرب لا شك فيه، فقد كانت هي البلد العربي الوحيد الذي حظي بنوع من الاستقرار والتنظيم، والذي كان يتمتع باستقلاله فلم يخضع لحاكم أجنبي قط، في الوقت الذي كانت الممالك العربية الأخرى قد تدهورت ووقعت تحت الاحتلال أو النفوذ الأجنبي؛ فاليمن فقدت استقلالها منذ نهاية الربع الأول من القرن السادس وسقطت تحت حكم الأحباش ثم حكم الفرس١، وعمها الاضطراب الداخلي، وبذلك فقدت منزلتها، كما فقدت قدرتها على التحكم في التجارة بين الشرق والغرب التي كانت في أيديها منذ آماد بعيدة. وكذلك كانت مملكة الحيرة قد فقدت استقلالها بعد أن غيرت فارس سياستها نحوها بعد أن استنفدت كل طاقتها الحيوية، وجعلت منها إمارة فارسية يحكمها أمير فارسي٢. ومملكة الغسانسة؛ فقدت قوتها كذلك بعد أن غير الروم سياستهم نحوها فاضطربت أحوالها وذهبت وأصبحت في شبه فوضى٣.
وقد وافق هذا الوقت بدء نهضة عربية بين قبائل الشمال التي بدأت تتحرر من نفوذ الجنوب، وبدأت تأخذ بيدها أمام حركة التحرر الجديدة التي بدت تباشيرها بالشعور بالذات والإحساس بالقومية العربية التي عبرت عن نفسها في نهاية القرن السادس حين اشتبك العرب مع الفرس في معركة ذي قار وانتصروا عليهم، وحين تمرد الغساسنة على طغيان الروم، وثار اليمنيون على سلطان الأحباش.
وإذا كان العرب قد تمردوا على السيادة الأجنبية؛ فإنهم قد تطلعوا إلى منطقة عربية مستقلة تتولى زعامة هذه النهضة العربية وتقودها. ولم تكن هذه المنطقة سوى مكة التي كانت تتمتع باستقلالها والتي فشل الغزو الأجنبي أمام أبوابها؛ حين وجهت الحبشة إليها حملتها في سنة ٥٧٠م. وكانت مكة هي البيئة العربية الخالصة التي
_________________
(١) ١ الحميمي: سيرة الحبشة ص٢٤. ابن الأثير ١/ ٢٥٣- ٢٥٤، ٢٦٥. ٢ جواد علي ٤/ ١٠٤. سديو: تاريخ العرب العام ص٤٣. ٣ جواد علي ٤/ ١٤٠. سديو: ٤٤- ٤٥.
[ ١٩٩ ]
أتيحت لها فرصة التنظيم والاستقرار والتي كانت بعيدة عن مجال التصارع الدولي في ذلك الوقت، وكانت إلى ذلك بعيدة عن التأثر بالحضارات الأجنبية من غير أن تفقد الاتصال بها، فقد كانت مكة على صلة بدول ذلك الزمان من بيزنطيين وفرس وأحباش، وكانت تعرف من أمورها وحضارتها قدرًا يكفي للتعامل معها والاستفادة منها١، ولكنها كانت أبعد عن التأثر بالحضارات المجاورة من لخم وغسان واليمن، وهذه الميزة هي التي جعلت بيئة مكة عربية خالصة قادرة على خلق نهضة تعبر عن روح العروبة تعبيرًا دقيقًا قادرًا على جمع العرب، ولسنا نشترط في هذه البيئة الخالقة أن تكون مغلقة تمامًا أمام كل تأثير أجنبي، مثل هذا الانغلاق لا يتأتى للدول المجاورة للعالم المتحضر، فمكة كانت على اتصال بالبلاد المجاورة بحكم حياتها الاقتصادية، إلا أنهالم تكن تعرف هذه البلاد المعرفة التي تفقدها شخصيتها أو التي لا تترك لها إلا مجال التقليد، وهذا الاتصال المحدود بالعالم الخارجي ميزة جعلت البيئة الحجازية قادرة على الأصالة والحيوية، الأمر الذي لم يكن موجودًا في غيرها من أرجاء الجزيرة العربية؛ ولذلك كانت أصلح بيئة للنهضة بالعرب، وأصلح وسط يستطيع أن يخرج للناس نهضة جديدة ونظامًا جديدًا.
وكذلك وجود البيت الحرام في مكة، وقيام قريش على رعايته وتنظيم الحج إليه، وإقامة الأسواق العامة في موسمه وأسواقه كان فرصة لتجمع العرب في بقعة واحدة يزاولون فيها مختلف النشاط الديني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكان فرصة لتبلور الأفكار وحل المشاكل، ومظهرًا من مظاهر الإحساس بالقومية والترابط.
وكذلك أتاحت الظروف الداخلية والخارجية لقريش أن تجمع في يدها التجارة الخارجية، وتقوم على تنظيمها وإعداد القوافل لنقلها بين الجنوب والشمال، مستغلة فرصة التصارع الدولي وانشغال الفرس والروم بذلك الصراع الدموي بينهما، وكذلك مستغلة المركز الأدبي والديني الذي حظيت به بين القبائل العربية؛ الأمر الذي أعانها على القيام على أمر هذه التجارة والنجاح في ذلك، مما أكسب القرشيين ثروة كبيرة، فأصبحوا يتميزون بالثروة إلى جانب الميزة الدينية والأدبية، وبذلك حظيت مكة باحترام عربي عام، وحظيت قريش برياسة عامة بين القبائل العربية، وأصبحت في
_________________
(١) ١ فجر الإسلام ٢٩ "الطبعة الثانية".
[ ٢٠٠ ]
موقف الزعامة والتشريع لهذه القبائل. وهكذا أصبحت أهلًا لأن تكون موضع النواة في قيام نهضة قومية عربية. واطمأنت قريش إلى هذا المركز وعملت على تدعيمه وحرصت على دوامه.
لكن مكة -بالوضع الذي كانت عليه قبل ظهور الإسلام- لم تكن تملك إلا أن تبلور الثقافة العربية الجاهلية وتبرزها، على حين كان الروح العربي يتطلع إلى مثل جديدة تساير نهضته الجديدة وتدعمها غير المثل القديمة التي بدءوا يبرمون بها، والتي بدأ التبرم بها يبدو واضحًا في مكة نفسها.
والدليل على أن الجاهليين كانوا يتطلعون إلى نظام جديد، أنهم كانوا -حسب تفكيرهم- يتحدثون عن علامات ونذر تنبئ عن قرب ظهور نبي منهم١. وقد روى القدماء معجزاتٍ ونذرًا قالوا: إنها وقعت قبل ظهور الإسلام إرهاصًا به ومنبئة بقرب ظهوره، وتلك الروايات -إن صحت- كانت دليلًا على أن الجاهليين تطلعوا إلى الإصلاح وإلى ظهور مصلح من بينهم، وكان الإصلاح قديمًا لا يأتي إلا على أيدي الحكماء والأنبياء؛ وهذا التطلع الطبيعي في كل جماعة إحساس ضروري يسبق كل حركة إصلاحية ويمهد لها. وعلى هذا الأساس يمكن أن نقرر أن العرب في الجاهلية أحسوا بضرورة الإصلاح؛ وهذا الإحساس هو الذي هيأهم للانتقال من حال إلى حال. وكانت البيئة مستعدة لقبول النظام الجديد؛ لأنها بيئة لها وحدتها المتميزة من الناحية اللغوية ومن ناحية الجنس؛ فالجاهليون كانوا يفهمون لغة واحدة وإن اختلفت لهجاتهم، بدليل قصائد الشعراء الجاهليين التي كان يفهمها العرب جميعًا في الشمال والجنوب، وأما وحدة الجنس فظاهرة في حفظ العرب لأنسابهم وردها كلها إلى أصل واحد، فهم شعب يتصل أفراده بصلة الدم والقرابة أوثق ما يربط الناس من رباط، فالعرب برغم انقسامهم إلى مجموعات كبيرة -قحطانية ومضرية وربيعية- فإن شعورهم بالوحدة والقرابةلم يضعف، فهم كأبناء الأب الواحد اختلفت بيوتهم، وعلى هذين الأساسين القويين في كيان الأمم -اللغة والجنس- بنى الإسلام حين جاء الوحدة الجديدة. وقد عملت هذه الأسس شيئًا فشيئًا على أن يتم العرب وحدتهم؛ فأحسوا بأن المثل القديمةلم تعد معبرة عن أنفسهم، فأخذوا ينتقدونها، وأخذوا يتحولون عنها وينشدون مثلًا جديدة في النواحي الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٢١- ٢٤٢. ابن سعد ١/ ١٤٣- ١٥١.
[ ٢٠١ ]
فأما من الناحية الدينية، فإن العرب كانوا وثنيين، فلما اتصلوا بالأمم ذات الأديان الراقية اكتشفوا ما في الوثنية من عجز عن إشباع الغريزة الدينية في الإنسان. والأديان السماوية قد دخلت جزيرة العرب منذ وقت مبكر، فكانت النصرانية منتشرة في شمال شبه الجزيرة وشمالها الشرقي١، وكذلك كانت منتشرة في اليمن، وكان لها مركز هام في نجران٢ وقد اتسع نطاقها بعد الفتح الحبشي٣. وكانت اليهودية معروفة في القسم الشمالي من الجزيرة؛ فيثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى كانت يهودية، وكانت معروفة كذلك في اليمن، وكانت تصارع المسيحية هناك حتى الفتح الحبشي، وعند ظهور الإسلام كانت توجد في اليمن جالية يهودية كبيرة. وكان من المتوقع لو لم يظهر الإسلام أن يدخل العرب في أحد الدينين، لولا أنهم بدءوا نهضة قومية وكانوا ينظرون في الوثنية نظرة خاصة ويعتبرونها رمزًا لقوميتهم -وقد كان من عادة الأمم في تلك العصور أن تعتبر ملتها أو نحلتها موضع كبريائها ورمزًا لشخصيتها وعنوانًا على ثقافتها- وهم لذلك يريدون ديانة تعبر عن روح العروبة وتكون عنوانًا لها، ومن أجل ذلك بحث عقلاؤهم عن الحنيفية دين إبراهيم الذي كانوا يعدونه أبًا لهم٤. هذا إلى ما لحق الديانات الأخرى من تفرق واختلاف بين طوائفها، ولا بد أن العرب كانوا على صلة بأهل هذه الديانات وعلى معرفة بالخلاف بين طوائفها؛ الأمر الذي جعلهم يتندرون بأصحابها وينعون عليهم اختلافهم، ويتطلعون إلى ظهور نبي منهم، ويقسمون أنهم لو جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم٥.
وقد ظهرت حركة التحنف قبل الإسلام مباشرة٦، فكانت رمزًا إلى أن الروح العربي كان يتلمس يومئذٍ دينًا آخر غير الوثنية، والإسلام حين جاء كان معبرًا عن شعور
_________________
(١) ١ جواد علي:٦/ ٥٧-٦٠. ٢ انظر سورة البروج ٤- ٨، ابن هشام ١/ ٣٥. ٣ نفسه ١/ ٤٣. ٤ ابن هشام ١/ ٢٤٢-٢٥٠، أسد الغابة ٢/ ٢٣٦، المحبر ١٦٠، ١٧٠، الروض الأنف ١/ ١٤٦. ٥ انظر سورة فاطر ٤٢. ٦ ابن هشام ١/ ٢٤٢.
[ ٢٠٢ ]
العرب بالوحدة، ومعبرًا عن ميلهم الروحي. وكان دليلًا على نضوج ديني فلسفي استعد له العرب في القرون المتطاولة السابقة.
وأما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فإننا نجد الحجاز قبيل الإسلام يقوم بالتجارة التي كانت تقوم بها اليمن قديمًا، وأصبح الطريق المار بالحجاز هو الطريق البري الهام المأمون في ذلك الوقت. وقامت قريش على تنظيم القوافل بين الشمال والجنوب، واستطاع رجالها أن يكونوا شبكة تجارية تربط جميع قبائل الحجاز بهذه التجارة فجعلوا من الحجاز -بذلك- وحدة اقتصادية متماسكة، وحققوا من وراء ذلك ثروة لا بأس بها، والغنى شرط من شروط النهضات؛ لأن الجماعة لا تنهض إلا إذا كانت قوية سليمة، ومن مقومات السلامة الناحية الاقتصادية، فهذا الثراء كان طرفًا مناسبًا للنهضة العربية.
غير أن الثروةلم تكن موزعة توزيعًا عادلًا، فقد كانت الهوة بين الأغنياء والفقراء كبيرة من الناحية الاقتصادية، إذ كان يوجد من يملك الألوف المؤلفة من الدنانير، أو الألوف من الإبل، ومن لا يملك شيئًا على الإطلاق، وبينما يعيش الأغنياء في ترف، كان الفقراء لا يجدون ما يسد حاجتهم الضرورية للحياة، ولم يخفف من هذه الحدة ما كان يفيضه الأغنياء من كرم وسخاء، فإن المروءة وحدها لا تكفي لإيجاد التكافل الاجتماعي وإن كانت تعين عليه، بل قد يزيد ذلك من شدة الشعور بالغبن في مثل هذه البيئة التي كان التعطش فيها شديدًا إلى بعد الصيت والنفور من الضعة، ثم إن التجارة وما كان يصحبها في ذلك الوقت من ضروب الغش والمضاربة والاستغلال والربا، كانت في حاجة إلى تنظيم يحد من جشع التجار، ويقرب بين الطبقات ويوجد التكافل الاجتماعي.
ولقد كان التفاوت الطبقي موجودًا، على الرغم من الإحساس بالقرابة ووجود علاقات الحلف والولاء، وعلى الرغم من الإحساس النفسي العام بعدم المساواة، متمثلًا في الفروق الواضحة بين طبقة الصرحاء وطبقة الموالي، ومتمثلًا فيما كانت تكفله الثروة وشرف البيت لصاحبها من تأهيل للدخول في مراكز القيادة والزعامة، ولسنا نعني في هذه الناحية وجود نظام مقرر لتقسيم الطبقات من حيث الثروة كما كان
[ ٢٠٣ ]
الحال عند الرومان ١؛ وإنما نعني أنه كان هناك شيء معترف به ومؤثر تقليدي من تمايز الناس بعضهم عن بضع، ووجود طبقات عليا وطبقات سفلى، وطبقات أشراف وطبقات سوقة وعوام. والآيتان من سورة الزخرف ٣١- ٣٢ اللتان نزلتا في صدد استنكار نزول القرآن على محمد الذي كان فقيرًا على الرغم من علو مركزه من ناحية النسب وعدم نزوله على رجل آخر عظيم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف] تساعدان على هذا الفهم، كما أن الآيات الأخرى تسنده وتؤيده٢. وآية سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات] إنما نزلت لتعلن للناس أنهم سواء في أصل الخلق وفي حق الحياة والاستمتاع بالحرية فيها، وأن أكرم الناس المتقون الذين يؤدون واجباتهم الدينية والدنيوية مستشعرين عظمة الله؛ وليسوا هم الكبراء والعظماء وأبناء البيوت الشريفة وأصحاب الثروات الطائلة، بسبب هذا التقليد الطبقي الذي درجوا عليه والذي جاءت الآية لهدمه، وإقرار المساواة بين الناس. وطبيعي أنه لا يمكن أن يقال: إنها استهدفت هدم التفاوت العام الذي كان ولا يزال من سنن الاجتماع البشري، والذي يتمثل في فقر فريق وغنى فريق، وقوة فريق وضعف آخر.
_________________
(١) ١ انقسم الشعب الروماني في عصر الجمهورية إلى خمس طبقات، وفقًا للنظام الذي يعرف بالتيموقراطية Timocrcy وهو النظام الذي تتحد فيه مكانة الفرد السياسية، من حيث حقوقه وواجباته، على أساس ما يملك من الثروة، وقد قامت إحدى الجمعيات الشعبية الرومانية وهي الجمعية المئينية Comitia Centuriata التي غدت أهم المجامع الدستورية الرومانية في عصر الجمهورية المتأخرة، على هذا الأساس التيموقراطي، حيث كان لكل طبقة عدد بعينه من المئينات وكان لكل مئن من هذه المئينات صوت في هذه الجمعية. وقد كان الانتماء إلى إحدى الطبقات يكفل للفرد حقوقًا سياسية لا تكون لأفراد الطبقة الأقل، وكان من نتيجة ذلك أن نالت طبقة الأشراف حقوقًالم يحصل عليها العامة، إلا بعد كفاح مرير متصل: انظر: M.Cary، History of rome "new your ١٩٦٠" pp. ١١٠-١١١ ٢ انظر سورة البقرة ١٦٦، والأحزاب ٦٧، وسبأ ٣٣، وغافر ٤٨.
[ ٢٠٤ ]
وكان العرب يتطلعون إلى مثل جديدة في الأخلاق والاجتماع تساير الطبع العربي بما يحمل في طياته من نواة العدالة الاجتماعية، بما فيه من مروءة وكرم، وإحساس المساواة للفرد وللجماعة، وكانت المثل الجاهلية بما صارت إليه من عصبية ضيقة ومن حمية غير قادرة على إخراج هذه المثل الجديدة التي يتطلعون إليها. وكانوا يتطلبون من القبيلة صاحبة السيادة في ذلك الوقت أن تقودهم إلى هذه المثل الجديدة؛ لكن قريشًا -مع اكتمال الوضع لها- حولت اهتمامها إلى مصالحها الذاتية سواء في ناحية التشريع للحج، وهو المظهر الديني للعرب في ذلك الوقت أو في التشريع الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تقوم عليه. ومن ثم كانت هي في ذاتها في حاجة إلى إصلاح داخلي حتى يمكن أن تقود حركة الإصلاح التي يتطلبها المجتمع العربي في ذلك الوقت.
أما من الناحية السياسية؛ فإن العرب برغم انقسامهم إلى مضريين وربعيين ويمانيين، كانوا يحسون أنهم شعب واحد وأنهم يرتفعون جميعًا إلى أب واحد، وهم لم يعودوا يتمسكون باستقلالهم القبلي تمسكًا مطلقًا، فالربعيون يتعصب بعضهم لبعض، وكذلك المضريون واليمنيون، وقد يتحالف فريق منهم مع فريق آخر، وهذا التحالف الذي اشتدت حركته في النصف الثاني من القرن السادس بين القبائل نوع من التعبير عن إحساس القبيلة بأنها لا تستطيع أن تعيش في مجالها الضيق، وأنها محتاجة إلى غيرها من القبائل تتحالف معها وتؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها. وكذلك سئم العرب الحروب القبلية فسنوا الأشهر الحرم ومنعوا فيها القتال، وجعلوا الكعبة ملجأ للخائف والعائذ. كل هذا يدل على أن العرب كانوا يحسون بأن انقسامهم السياسي والاجتماعي لا يتناسب مع حالهم الجديد ولا مع طريقة تفكيرهم وكذلك كانوا يحسون بأن عدم وجود دولة تجمعهم أمر فيه ذلة وعار على الشعب العربي، فكانوا لذلك يجدون أنفسهم ضئالًا إلى جانب دولتي الفرس والروم الذين أطلقوا عليهما اسم الأسدين.
في هذه الظروف المواتية من الناحية الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ظهرت النهضة العربية، وكانت دينية، والدين كان عاملًا هامًّا من عوامل التطوير والتقدم في العصور القديمة، ولم يتنازل الدين بعض الشيء عن هذه الناحية إلا بانتشار العلوم ووجود العوامل التي تنافس في القيام بهذا الدور في العصر الحديث.
[ ٢٠٥ ]
ظهور المصلح النبي
في بداية القرن السابع الميلادي كانت بلاد العرب مستعدة لتلقي أكبر انقلاب في تاريخها، بل إنه حين حدث كان أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني العام، بما ترتب عليه من تغيير شامل في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية على السواء، وقد كانت الظروف مواتية لهذا الانقلاب تمام المواتاة. فمنذ منتصف القرن السادس كان قد أخذ يمحى ما بين أقوام العرب من خصام؛ وما بين قبائلهم من تنافس، تجاه الخطر الذي كان يتهددهم في الداخل والخارج:
فأما في الداخل فإن الصراع القبلي كان ينهك قوى القبائل ويقضي على أمنها، الأمر الذي حمل الزعماء وأصحاب النفوذ فيهم على العمل للحد من هذا التنازع؛ فكانت سنة الأشهر الحرم لتقليل فرص القتال -كما بينا من قبل- وما استتبع ذلك من تجمعات في الأسواق العامة وفي موسم الحج، مما أدى إلى حل كثير من المشاكل، وإلى تقريب النفوس وقيام التحالفات بين القبائل وأما في الخارج؛ فإن العرب كانوا يشعرون بضرورة الاتحاد، لما رأوا من تهديد الروم في الشمال، وتهديد الفرس في الشرق، وتهديد الأحباش في الجنوب، وكان من نتيجة الحوادث الأخيرة -التي أشرنا إليها- وهي زوال ملك الحيرة واضطراب أحوال الغساسنة وضياع استقلال اليمن، أن أخذت المبادئ القومية تنمو في نفوس العرب إلى حد كبير، وكان على زعمائهم أن ينظموا عناصر المقاومة تجاه هذا الضغط المضاعف، وقد نلمس هذه المقاومة في وقوف القبائل العربية المختلفة في وجه الحملة الحبشية على مكة، وقد يكون هذا عملًا تلقائيًّا، ولكنه يدل على الشعور بالارتباط العام بالإحساس بالمصير المشترك. وحين استطاع الحجاز أن يحبط الحملة الحبشية، كان أكبر قدوة، فاستردت مكة زعامتها التي أريد نزعها منها، وعلت منزلة قريش الأدبية علوًّا كبيرًا واتجهت إليها الأنظار، وعملت هي من جانبها على تدعيم هذا المركز وعلى ربط جميع القبائل حوله. ولم يكن ذهاب عبد المطلب بن هاشم على
[ ٢٠٦ ]
ظهور المصلح النبي
في بداية القرن السابع الميلادي كانت بلاد العرب مستعدة لتلقي أكبر انقلاب في تاريخها، بل إنه حين حدث كان أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني العام، بما ترتب عليه من تغيير شامل في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية على السواء، وقد كانت الظروف مواتية لهذا الانقلاب تمام المواتاة. فمنذ منتصف القرن السادس كان قد أخذ يمحى ما بين أقوام العرب من خصام؛ وما بين قبائلهم من تنافس، تجاه الخطر الذي كان يتهددهم في الداخل والخارج:
فأما في الداخل فإن الصراع القبلي كان ينهك قوى القبائل ويقضي على أمنها، الأمر الذي حمل الزعماء وأصحاب النفوذ فيهم على العمل للحد من هذا التنازع؛ فكانت سنة الأشهر الحرم لتقليل فرص القتال -كما بينا من قبل- وما استتبع ذلك من تجمعات في الأسواق العامة وفي موسم الحج، مما أدى إلى حل كثير من المشاكل، وإلى تقريب النفوس وقيام التحالفات بين القبائل وأما في الخارج؛ فإن العرب كانوا يشعرون بضرورة الاتحاد، لما رأوا من تهديد الروم في الشمال، وتهديد الفرس في الشرق، وتهديد الأحباش في الجنوب، وكان من نتيجة الحوادث الأخيرة -التي أشرنا إليها- وهي زوال ملك الحيرة واضطراب أحوال الغساسنة وضياع استقلال اليمن، أن أخذت المبادئ القومية تنمو في نفوس العرب إلى حد كبير، وكان على زعمائهم أن ينظموا عناصر المقاومة تجاه هذا الضغط المضاعف، وقد نلمس هذه المقاومة في وقوف القبائل العربية المختلفة في وجه الحملة الحبشية على مكة، وقد يكون هذا عملًا تلقائيًّا، ولكنه يدل على الشعور بالارتباط العام بالإحساس بالمصير المشترك. وحين استطاع الحجاز أن يحبط الحملة الحبشية، كان أكبر قدوة، فاستردت مكة زعامتها التي أريد نزعها منها، وعلت منزلة قريش الأدبية علوًّا كبيرًا واتجهت إليها الأنظار، وعملت هي من جانبها على تدعيم هذا المركز وعلى ربط جميع القبائل حوله. ولم يكن ذهاب عبد المطلب بن هاشم على
[ ٢٠٧ ]
مكة ومن قريش ظهر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم نبيًّا يدعو إلى رسالة جديدة، جوهرها الإقرار بالألوهية لإله واحد، هو الله الخالق المبدع الذي تنزه عن المشاركة والمصاحبة وتفرد بالربوبية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] ونبذ ما عدا ذلك من أصنام وأوثان وكل ما يلقي ظلًّا من المشاركة مع الله. وأن الناس كلهم أبناء أب واحد وأم واحدة، لا فضل بينهم إلا بما يقدم أحدهم من عمل صالح يرضي الله ويعود على الإنسانية بالخير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات] فالناس جميعًا سواء أمام الله مهما اختلفت أجناسهم أو لغاتهم أو مراكزهم الاجتماعية، ويجب لذلك أن يتساووا في الحقوق والواجبات بصفتهم إخوة في الإنسانية، وبصفتهم جميعًا عبادًا لرب واحد، وأن النبي -ﷺ- جاء ليقر العدالة ويقر مكارم الأخلاق.
ومحمد إذ بُعث نبيًّا؛ كانت له صفاته الشخصية التي هيأته للاضطلاع بدور الزعيم النبي -ﷺ-. وإذا قرأنا كتب السيرة القديمة، وجدنا هذه المصادر تقدم لهذا الدور بنوع من التفسير لعبقرية النبي -ﷺ- فهم يوردون أخبارًا تدل على اكتسابه نوعًا من الخبرة الني يكتسبها كل إنسان من تجاربه، ثم يوردون أخبارًا أخرى تدل على أن النبي نال من العناية الإلهية والفضل الرباني والعلم اللدني الذي يلقيه الله في نفس العبد بدون واسطة، وأن هذه النفحات الإلهية أتمت للنبي -ﷺ- شخصيته وأكملت تجاربه.
يذكر المؤرخون أن النبي -ﷺ- شارك في الحياة العامة في مكة منذ طفولته مشاركة كان لها أثر كبير في حياته، فقد شارك في الحياة السياسية في المدينة المكية، فقد اشترك في حلف الفضول، وكان هدف هذا الحلف هدفًا ساميًا لم تألفه القبائل المعتزة بعصبيتها، هذا الهدف هو نصرة المظلوم بصرف النظر عن قرابته وقبيلته١. ومن قبل كان قد اشترك إلى جانب أعمامه من هاشم وقريش في حرب الفجار، وهي حرب وقعت في الأشهر الحرم فسميت بالفجار٢، فاكتسب إلى جانب خبرته السياسية خبرة حربية، ثم إنه اشترك في تنظيم القوافل التي كانت تسيرها قريش إلى الشام، فسافر مع
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٤٥، ابن سعد ١/ ١١٠. ٢ ابن هشام ١/ ٢٠١.
[ ٢٠٨ ]
عمه وهو صبي١، وسافر في تجارة لخديجة وهو شاب٢، كما مارس التجارة في مالها بعد أن تزوجها؛ فاكتسب خبرة بالمعاملات التجارية ومعرفة بطبيعة الإنسان يقدر بها على تقدير قيمة الرجل الأدبية من فور. كما اكتسب خبرة بالبلاد وأحوال الناس، ثم إنه كان قد اشتغل بالرعي حين كان صبيًّا، فأكسبه ذلك صفة خلقية هي التواضع وتمجيد العمل أيًّا كان نوعه٣. ثم إنه اشتهر بصفة خلقية هي الأمانة حتى سمي بين الناس قبل البعث بالأمين٤، فكان له إلى جانب تجاربه، أخلاقه المرتضاة التي كانت تحببه إلى الناس قبل أن يعارض آراءهم. وثمة صفة أخرى اشتهر بها هي صفة القدرة على الحكم وسرعة البديهة في حسم الأمور، يشهد بذلك حكمه بين أهل مكة حين جددت قريش بناء الكعبة، واختلفت بطونها على من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه من البناء، فأظهر من سرعة الخاطر وقوة البديهة ما حسم الموقف وأرضى المتنازعين، كما كشف هذا الموقف عن قيمة محمد -ﷺ- في الحياة الاجتماعية في مكة بحيث ارتضاه رجال الملأ حكمًا ورضوا بحكمه٥. ثم إنه كان إلى هذا كله يتيمًا فقيرًا ذا طبيعة دينية على ما يمكن أن نستنتج من ميله إلى التحنث -وهو التفكير والتأمل والتعبد- معتزلًا بكهف بالجبل شهرًا من كل عام ٦؛ فالنبي -ﷺ- رجل اكتسب صفات على نحو ما يكتسبه الناس، وتلقى من الله توفيقات وإلهامات. فهو بشر ارتفع بنفسه على نحو ما يرتفع كبار الفلاسفة بأنفسهم عن مستوى تفكير عامة الناس، إلا أن النبي يرتفع بعقله وقلبه في آن واحد، على حين يرتفع الفيلسوف بعقله فقط.
ثم إن النبي -ﷺ- وجد بعد زواجه من خديجة بنت خويلد -وهي إحدى النساء الغنيات الشريفات في مكة ٧- نوعًا من الراحة النفسية التي يجدها المرء إذا وفق إلى
_________________
(١) ١ ابن سعد ١/ ١٠١. ٢ نفسه ١/ ١١١. ٣ ابن هشام ١/ ١٧٨. ٤ نفسه ١/ ١٤. ٥ ابن هشام ١/ ٢١٤. ٦ نفسه ١/ ١٥٣، الطبري ٢/ ٤٧. ٧ ابن هشام ١/ ٢٥٢، الطبري ٢/ ٤٧.
[ ٢٠٩ ]
شريكة توافق ميوله. وقد كان هذا الزواج من العوامل التي جعلته يتخفف من بعض أعباء الحياة ومن بعض عناء السعي؛ فخديجة الغنية بمالها، والتي كانت امرأة نَصَفة قد فارقت عهد الشباب الأول، وكانت لها تجربة إدارة أموالها، كانت أقدر على حياة زوجية هادئة رصينة، هيأت لمحمد -ﷺ- أن يتخفف من أعباء الحياة لأفكاره الذاتية، ولحياته الداخلية القوية التي تشغل عزلته كلما أمعن في العزلة -والعزلة لا يطيقها إلا الذين حفلت نفوسهم بالأفكار الذاتية- ثم من ناحية أخرى تتصل بهذا، يشهد بها بعض الرواة نقلًا عن زوجته عائشة، وهي أن أول ما بدئ به النبي -ﷺ- أنه كان يرى الرؤية واضحة كبلج الصبح١. ومعنى هذا أن حياته الداخلية كانت امتدادًا لحياته الخارجية؛ فهو في يقظته وفي نومه يجد نفسه مشغولًا بأمر واحد، وهو أمر الدين الذي يتهيأ لقبوله وتلقيه، والإنذار به والدعوة إليه.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٥٢، الطبري ٢/ ٤٧.
[ ٢١٠ ]
المفاهيم الجديدة في الدعوة:
بدأت الدعوة إلى الإسلام ذات صفة دينية في الدور المكي من حياة الرسول -ﷺ- أما الصفة السياسية فلم تظهر إلا في الدور المدني. وهذا أمر طبيعي؛ إذ إنه لا بد من أن يبدأ بتقرير العقيدة ثم بث المثل العليا في النفوس، حتى إذا ما تهيأت لذلك أمكن تنظيم المجتمع على هذا الأساس.
وقدمت هذه الدعوة للعرب مفاهيم جديدةلم يكونوا يعرفونها أولم يكونوا يؤمنون بها. وأول هذه المفاهيم هو المفهوم الجديد للوحدانية. وهذه الوحدانية تظهر للإنسان بالنظر العقلي في إثبات وجود الله ووحدانيته؛ ففي نظام الخلق، وترابط الوجود، وقوانين الطبيعة، وما يقوم على الأرض من إنسان وحيوان ونبات، وفي ذات الإنسان نفسه؛ في خلقه وفي عقله ووجدانه، ما يؤدي بالعاقل المتبصر المتفكر إلى إقرار وجود الله وإقرار وحدانيته، والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تدعو العقل إلى النظر والتدبر ليصل إلى هذه النتيجة١.
ومفهوم الوحدانية كما جاء بها الإسلام مفهوم جديد، لا على العرب وحدهم، ولكن على الناس جميعًا. حقيقة إن الأديان السماوية كلها قد دعت إلى الوحدانية،
_________________
(١) ١ على سبيل المثال، اقرأ كلًّا من سورة: هود٧، الأحقاف٣، العنكبوت١٩، ٢٠، ٦١، ٦٣، الرعد ٥-١٦، الأنبياء ٣٠- ٣١، الحج ٥، لقمان ١٠، فصلت ٩-١٢، القمر ٤٩-٥٠، الطلاق ١٢، النبأ ٦-٧، آل عمران ٥- ٦، ١٨، ١٩٠ البقرة ١١٦، ١١٧، ١٦٣، ١٦٥، الأنعام ٢١، ٥٦، ٩٤، ١٠٠، ١٠٣، يونس ٣١ - ٣٦، الغاشية ١٧- ٢٦.
[ ٢١٠ ]
ولا يمكن أن تكون قد جاءت بغير ذلك؛ إلا أن هذه الفكرة ما لبثت أن تغيرت وشابتها كثير من الشوائب غيرت من صفائها ووضوحها. بما أدخل على ديانات الرسل ودعواتهم من شوائب الوثنية التي كانت تقوم إلى جوارها، والتي كثيرًا ما كانت القوة المادية والسياسية إلى جانبها.
فقد كان اليهود دعاة توحيد، لكن هذا التوحيد اليهودي لم يكن توحيدًا مطلقًا فالله عند اليهود هو إله إسرائيل اختارهم لنفسه واختاروه لأنفسهم دون الآلهة الأخرى، فربطوا بذلك ديانة موسى بجنسهم، وهم حين عبدوا إلهًا واحدًا اعترفوا للأمم الأخرى بآلهتها١. وهذا ما لا يقره الإسلام إطلاقًا؛ فالوحدانية الإسلامية وحدانية كاملة مطلقة ليس للوجود جميعًا غير رب واحد، وكل ما يلقي ظلًّا على هذه الناحية غير معترف به من الإسلام.
أما المسيحية فإنها تنادي بالتثليث، أي أنها تجعل الإله الواحد ثلاثة أقانيم متساوية في وحدة هي الآب والابن والروح القدس، وهي تؤله المسيح نفسه ٢. والإسلام لا يقر إلا وحدانية مطلقة، وذات الله لا تتعدد ولا تنفصل ولا تشبه الخلق، ولا يشاركه في ملكه أحد ولا يساويه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] . وقد توصل بعض الفلاسفة إلى فكرة الوحدانية، ولكن هذه الفكرة لم تكن واضحة التحديد، ثم إنها لم تجد اعترافًا من العقل الإنساني العام، ومن ثم بقيت فكرة فلسفية وعاش الناس من حولها يحيون حياتهم الدينية الوثنية. والديانات القديمة نادى بعضها بالوحدانية كديانة أخناتون في مصر، ولكن وحدانية أخناتون كانت مشوبة بالوثنية مصورة بمظاهر الطبيعة ٣.
ولذلك يمكن القول بأن الوحدانية كما جاء بها الإسلام كانت جديدة كل الجدة على العرب، وهي بمفهومها الإسلامي جديدة كذلك على العالم، ولأول مرة في حياة البشرية تقوم هذه الفكرة وتستقر وتصبح عقيدة عامة ثابتة.
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ٦٣، ٦٦، ٧٥، ٩٢- ٩٣، ١٠١- ١٠٢، ١١٤- ١٧٦، الأعراف ١٦١- ١٧٧، المائدة ١٣- ١٨، ٤١، ٦٨-٧٠، ٧٧، آل عمران ٢٣، ٢٤، ١٨٧، النساء ٤٤-٤٦، الجمعة ٥-١٨. ٢ انظر سورة التوبة ٣٠-٣١، النساء ١٧١، المائدة ١٧، ٧٢، ٧٣، ٧٧، ١١٦، يونس ٦٨، مريم ٣٥، ٨٨، الأنبياء ٢٦، المؤمنون ٩١. ٣ أحمد بدوي، في موكب الشمس ٢/ ٥٦٨- ٥٩٦.
[ ٢١١ ]
والمفهوم الثاني هو الخاص بفكرة الحساب وما يتصل بالحساب من معانٍ، فالله يعلم الجهر وما يخفى، والإنسان رهين بما كسب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ [المدثر] ١ فإذا جاءت القيامة حوسب المرء على عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة] . ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء] . ثم إن الله حين وضع الحساب فرض على نفسه هداية الناس: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء] ٢ فأرسل إليهم الرسل رسولًا إثر رسول؛ لأن الله لم يكن ليخلق الناس ويتركهم سدى بدون هداية. ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة] . وهذا الحساب يكون في يوم القيامة بعد البعث، وقد أنكر الجاهليون البعث كما أنكروا الحساب: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون] ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد]، ويتساءلون في إنكار: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة﴾ [القيامة] .
والمهم في فكرة الحساب أنها تجعل المرء من نفسه وازعًا يزعه فيتجه به إلى الخير ما أمكن؛ ففكرة الحساب أساس الأخلاق، وفكرة الحساب معروفة في الأديان الأخرى وحتى في بعض الأديان الوثنية كالديانة المصرية القديمة. ولكن مفهوم البعث والحساب لم يكن معروفًا بالصور التي أقرها الإسلام؛ فكل ما عرف من قبل أنه يوجد بعد الحياة الدنيا حياة أخرى يلقى فيها المرء خيرًا أو شرًّا، وقد لا يجديه العمل الصالح بغير شفاعة الشافعين ووساطة الوسطاء ورضاء الكهنوت. ولكن الإسلام قرر أن الحياة أطوار، من لدن أن يكون الإنسان ماءً دافقًا يخرج من بين الصلب والترائب، إلى أن يكون جنينًا، ثم وليدًا، ثم يجري في طور الحياة الظاهرة إلى أن يموت، فيحيا حياة الروح، ثم يبعث يوم القيامة وقد اكتملت فيه أطوار الحياة فيبعث بجسمه وروحه كما كان خلقه ثم ينال جزاءه حسب عمله. وعمله مسجل عليه في ظاهره وفي باطنه؛ فالإنسان محاسب على الأعمال وما وراء الأعمال من نية وقصد: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وكل ذلك مجموع له لا تشفع فيه شفاعة الشافعين، ولا
_________________
(١) ١ انظر سورة النحل: ١١١. ٢ انظر سورة يونس ٤٧.
[ ٢١٢ ]
تقوم بين الإنسان وبين الله وساطة، ولا يؤخذ المرء بعمل غيره: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار] ﴿يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان] . والعدل المطلق هو الذي يحكم، وإلى جانب العدل كانت الرحمة. وأول ما يحاسب عليه الإنسان هو العقيدة؛ فالإيمان بالله أولًا، فإذا وجد جرى الحساب على الأعمال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء]، وإن لم يوجد فإن الإنسان هالك في النار خالد فيها.
وقد صور القرآن الحياة الأخرى تصويرًا ماديًّا واضحًا، فالمؤمنون المتقون يحيون في جنة حوت كل أنواع النعيم، والصورة التي رسمها القرآن للجنة صورة أخاذة رائعة تأخذ بمجامع النفوس وتغري بعمل الخير والسعي نحو الفضيلة. أما الكافرون فمصيرهم إلى نار حامية يلقون فيه ألوانًا من العذاب تقشعر لوصفه الأبدان وتهلع القلوب.
وعلى غير هذا المفهوم كانت الديانة اليهودية، فإنها لا تميل إلى تصور العالم الآخر، بل عندهم الجزاء ثوابًا وعقابًا، في هذا العالم، وفيما كانوا يخافونه مما قد يسلطه الله عليهم من أنواع الخوف والجوع وما إلى ذلك من عذاب الدنيا. وفيما أورد القرآن من قصص العهد القديم أمثلة لنزعة الحضارة العبرية نحو مفهومات الجزاء الغيبي، من حيث ارتباطه بمصير المجتمع في حياته الحاضرة، ومن الممكن أن نتبين هذا إذا نظرنا مثلًا في قصة نوح أو قصة لوط وفي غيرها من قصص بني إسرائيل؛ فلم يكن تفكيرهم في اتجاهه العام يهتم بخلود الروح بعد الموت؛ وإنما كان تفكيرهم وثيق الصلة بهذه الحياة لا يكاد يحفل بما وراءها من ظواهر. والأديان الأخرى -إذ كانت تعد الموت انحلالًا جسميًّا خالصًا فكانت تفترض البعث للروح وحدها- لم تقل بأي شأن للحواس في الحياة الآخرة١.
وغير هذا أمر الإسلام الذي يقول ببعث الإنسان بعنصريه من كل وجه، وهو إذ يصور نعيم الجنة نعيمًا ماديًّا يجعل أعلى درجات النعيم روحانيًّا؛ فأكرم المؤمنين عند الله من يمتعه الله بالنظر إلى وجهه تعالى غدوًّا وعشيًّا.
_________________
(١) ١ سيديو، تاريخ العرب ٦٥.
[ ٢١٣ ]
والمفهوم الثالث هو ما يختص بفكرة الكتاب المنزل، فالذي يوحى إلى النبي -ﷺ- كتاب منزل من عند الله وليس من قول البشر: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج] يتكفل الله ببقائه وصيانته وعدم نسيانه، وهو من كلام الله بحروفه ومعناه. لا يزيد النبي -ﷺ- فيه شيئًا ولا ينقص، فهو كلام مقدس بنطقه ومعناه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة] والنبي -ﷺ- لا يستطيع أن يتقول على الله شيئًا، وإلا نال من ربه عقابًا شديدًا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة] .
وقد وجدت الكتب السماوية من قبل القرآن، ولكن استقرار أن الكلام بنصه ولفظه من عند الله لم يكن موجودًا في غير القرآن، فالتوراة كتبت من بعد موسى وتضمنت فصولًا كتبت بعد وفاته، كما حوت تاريخًا ونبوءات من قبل موسى ومن بعده، كذلك تعددت ترجمتها والإضافات إليها. والإنجيل كتبه تلاميذ المسيح وضمنوه جملًا من كلام المسيح نفسه، فليس الإنجيل كله كلامًا منزلًا بنصه وحروفه من عند الله١، وحتى كلام المسيح نفسه لا يمكن أن يقال إنه بنصه وحروفه ولكن بمعناه، ولا يخرج الأمر في الإنجيل عن طريق الحديث عند المسلمين؛ ولذلك تعددت كتابة الإنجيل، بل وتعددت الأناجيل لدرجة كبيرة. ولم يجد المسيحيون ولا اليهود حرجًا من ذلك؛ لأن فكرة الكتاب المنسوب بلفظه ومعناه إلى الله لم تكن موجودة من قبل القرآن، وعلى مثل ذلك كانت الحال في الكتب الدينية الأخرى.
أما الذي نزل على محمد -ﷺ- فقد تقيد محمد -ﷺ- نفسه فيه، بحيث إنه ليس في إمكانه أن يزيد فيه حرفًا أو ينقص حرفًا، وليس في إمكانه أن يأخذ فيه المعنى دون اللفظ، فالله يوحي قوله إلى جبريل، وجبريل يلقيه على محمد -ﷺ- ومحمد يتلوه على الناس كلامًا مقدسًا كما سمعه. والآيات التي أشرنا إليها آنفًا تقر أن النبي -ﷺ- ملزم بألا يستعجل فينطق بالوحي قبل أن يستقر بلفظه كما هو مستقر في نفس النبي -ﷺ- بمعناه، وتشهد بأن النبي -ﷺ- ليس في إمكانه أن يتقول على الله شيئًا.
_________________
(١) ١ انظر الإصحاح الأول من إنجيل لوقا "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتقنة عندنا كما سلمها إلينا حين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك يها العزيز توفليس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ".
[ ٢١٤ ]
وقد كتب القرآن في حياة النبي -ﷺ- حال نزوله- وكان للنبي -ﷺ- كتبة مختصون بتسجيل الوحي١- ثم إن النبي -ﷺ- كان يستعرض القرآن الذي أنزل عليه كل عام مرة٢. وقد نزل القرآن آيات بحسب الحوادث، وكان الوحي يشير إلى النبي -ﷺ- بوضع كل آية في مكانها من السور، فحتى ترتيب الآيات والسور لم يكن للنبي -ﷺ- فيه، وإنما هو مكلف بذلك.
وعلى هذا الأساس حفظ القرآن الكريم، وعلى هذا الأساس جمع في مصحف واحد هو المتداول في أيدي المسلمين حتى الآن لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، ولم يدخل أي نوع من التغيير في ترتيب آياته وسوره٣، واستقرت قدسيته على ذلك منذ تلاه محمد -ﷺ- عن ربه حتى الآن وإلى أن تقوم الساعة.
وعلى هذا الأساس نقرر أن مفهوم الكتاب المنزل مفهوم جديد على العالم، وهو بصورة أوضح على العرب؛ فنحن نعرف أن وثنية العرب لم يكن لها كتاب، وهم لم يتقبلوا فكرة الوحي والكتاب المنزل في سهولة، فقال: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء] وقالوا: ﴿افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ [الفرقان] وقالوا: وقد رد القرآن على ذلك: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء] وتحدى الناس جميعًا بأن يأتوا بمثله أو بمثل بعضه، ثم دمغهم بالعجز حين أنزل قوله تعالى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء] وهذه الآيات ترينا أن مفهوم الكتاب المنزل كان مفهومًا جديدًا يختلف على صورته التي نعرفها عند الأمم الأخرى، فلم يشهد الناس من قبل تقيدا باللفظ والمعنى كما هو الحال في القرآن، ومن هنا نجد الإنكار والمعارضة، ونجد حتى اليوم من غير المسلمين من يقول بان هذا الكلام من عند محمد، على الأقل بلفظه لأن مفهوم نزول الكتاب بلفظه ومعناه مفهوم جديد لم تعرفه الأمم من قبل الإسلام.
_________________
(١) ١ أنساب الأشراف١/ ٥٣١، البخاري ٦/ ١٨٣- ١٨٤، الدلالات السمعية (مخطوط دار الكتاب) ١٣٤- ١٣٥. ٢ ابن سعد ٤/ ٨- ٩، ١٥٨. ٣ البخاري ٦/ ١٨٣- ١٨٤.
[ ٢١٥ ]
ثم إن النبي -ﷺ- إلى جانب هذه المفاهيم الجديدة التي جاء بها كان معلمًا للأخلاق، يريد أن يثني الناس عن عاداتهم المرذولة القديمة، ويريد أن يهديهم إلى أخلاق كريمة سميت فيما بعد بالأخلاق الإسلامية. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا الدور الأخلاقي الذي قام به النبي -ﷺ- اليتيم. فالناس قد ألهاهم التكاثر، يجمع أحدهم المال ويعده عدًّا، لا يكرمون ولا يحاضون على طعام المسكين، يأكلون التراث أكلًا لمًّا، ويحبون المال حبًّا جمًّا١. فالرسول -ﷺ- يستنكر هذه المادية التي تقتل الروح وتميت نوازع الخير، ويدعوهم إلى البر والتقوى والإنصات إلى النفس اللوامة. ونستيطع أن نتصور المثل الأعلى الذي دعا إليه النبي -ﷺ- إذا قرأنا الآيات من صدر سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون] .
هذه هي المسائل الرئيسية التي دعا إليها النبي -ﷺ- الناس، فكانت غريبة عليهم حتى قالوا كما عبر القرآن ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص] ٢. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص] . هذا يؤكد لنا أن هذه الأفكار كانت جديدة غير معروفة في المجتمع العربي، وغير معروفة كذلك في الأديان الأخرى، ومن غير شك كان العرب يخالطون أصحاب الديانات الأخرى، بل منهم من دخل فيها، فمنهم تهود، ومنهم من تنصر، وكان أهل مكة يخالطون أهل الديانات في رحلاتهم التجارية نحو الشمال والجنوب ويتعاملون معهم، ومن غير شك عرف المكيون شيئًا عن مبادئ هذه الديانات٣، بل منهم من قرأ الكتب وعلم أهل الكتاب، فلو كانت هذه الأفكار الإسلامية كما صورناها موجودة عند أهل الكتاب لما قال هؤلاء المكيون مقالتهم التي سجلها القرآن، ولو كانت مقالتهم تخالف الواقع لرد القرآن بتكذيبهم وبتأكيد وجود هذه الأفكار، الأمر الذي يقطع بما نتجه إليه٤.
_________________
(١) ١ انظر سورة الفجر، التكاثر. ٢ انظر سورة المؤمنون. ٣ انظر سورة ص ٧. ٤ ابن كثير ٣/ ٨٨-٨٩. ابن هشام ١/ ٣٨٣.
[ ٢١٦ ]
على أن هذه المثل العليا في الإيمان وفي الأخلاق هي أفكار إنسانية لا تزال الإنسانية تنشدها وتعيش عليها منذ بدء الخليقة، ونعني بها الدعوة إلى الفضيلة والنزوع إلى الكمال الإنساني، ولم تفقد جدتها بعد، ولا يتهم صاحبها بأنه اقتبسها أو قلد بها غيره فهي تراث للإنسانية قديم جدًّا، والقول بهذا الاتهام وقوع في خطأ قديم ابتدأ به الوثنيون حيث قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان] .
[ ٢١٧ ]
الدعوة إلى الإسلام ومسايرة التنظيم العربي
كانت الدعوة سرية في أول الأمر، وظلت كذلك ثلاث سنين، ثم أصبحت بعد ذلك علنية، وكانت في أول أمرها مقصورة على عشيرة النبي -ﷺ- الأقربين١ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ [الشعراء] ثم اتجهت إلى الدعوة العامة. والحقيقة أنه لا يوجد فارق حقيقي بين الدعوة السرية والعلنية، فإن طبائع الأشياء لا تكاد تقبل هذا التصوير، فإن رسالة النبي انتشرت منذ البدء وبلغت أهله الأقربين ثم أصدقاءه، وظل الأصدقاء يكتسبون أصدقاءهم، واتسعت الدائرة شيئًا فشيئًا حتى أصبحت الدعوة عامة علنية. وكانت مهمة النبي -ﷺ- في مكة هي إبلاغ القرآن وتعليمه وتحفيظه، وإمداد المؤمنين بالصبر والاحتفاظ باليقين والصمود للفتنة٢ والسعي لنشر التعاليم الجديدة في المواسم عند اجتماع الناس، والدعوة لها ٣، والقرآن الكريم الذي نزل على النبي -ﷺ- في هذه الفترة مليء بالدعوة لهذه المبادئ، متعدد النواحي في تبيانها، داعي العقول إلى التفكير فيها واستنباطها، ضارب الأمثلة لها، محذر من عاقبة جحودها والوقوف في وجهها، في أسلوب رائع أخاذ، يأخذ بمجامع القلوب وينفذ إلى أقصى أغوار النفس.
وقد سايرت الرسالة في ظروف الدعوة إليها، ظروف التكوين العربي: فقد أمر النبي -ﷺ- أن يدعو عشيرته الأقربين؛ لأنهم بحكم عصبية القرابة والرحم سيقفون إلى
_________________
(١) ١ الشعراء ٢١٤- ٢١٦، ابن هشام ١/ ٢٧٤، الطبري ١/ ٦١. ٢ ابن هشام ١/ ٣٤٢، اليعقوبي ٢/ ٢٠. ٣ ابن هشام ٢/ ٣١-٣٧، الطبري ٢/ ٨٣.
[ ٢١٧ ]
جانبه ويؤازرونه ويكونون عونًا له وحماية في وجه العصبيات الأخرى، ثم أمر بعد ذلك أن يدعو مكة ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى] وحين نقول مكة نعني بذلك قبيلة قريش؛ فإنها كانت هي الأصل في أهل مكة ومن معها من الناس موال لها أو أتباع. فالانتقال من عصبية العشيرة إلى عصيبة القبيلة أمر جرى عليه التكوين الاجتماعي عند العرب، ثم أمر أن يدعو من حول مكة من قبائل، أي أن ينتقل إلى عصبية التحالف القبلي وعصبية الشعب، وكان من المنتظر أن تؤمن به العشيرة ثم القبيلة، لكن الذي حدث كان غير ذلك، فإن هذه العصبية الرحمية والقبلية قد وقفت في طريقها عصبية أخرى هي عصبية التقاليد والعادات القديمة، وكان الناس في ذلك الوقت يتعصبون تعصبًا شديدًا لموروث عاداتهم وتقاليد آبائهم، ويرونها دينًا من أمر الله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف] فكانت هذه العصبية للعادات والتقاليد حائلًا بين الناس وبين متابعة النبي -ﷺ- وحتى بني هاشم بالرغم من وقوفهم إلى جانب النبي -ﷺ- وحمايته بدافع عصبية العشيرة لم يؤمنوا به وغلبتهم عصبية التقاليد على أنفسهم.
وشيء آخر غير العصبية منع قريشًا من متابعة النبي -ﷺ- وهو حرصها على منزلتها بين العرب، وكانت تخشى أن تذهب الرسالة الجديدة بمكانتها التي وصلت إليها طريق رياستها للدين الوثني ورعايتها للتقاليد العربية. ثم كان زعماء مكة حريصين على مبدأ التناظر بينهم كزعماء، فقد كان يحكم مكة رؤساء العشائر والبطون ويتكون منهم ما عرف بالملأ وهو مجلس الرياسة في قريش، وكان رجال الملأ حريصين على ألا يسودهم أحد ويرون التكافؤ بينهم، فالصفات العامة في أحدهم من الممكن أن ينالها كلهم، أما أن يكون واحد نبيًّا فهذا أمر ليس بمدرك لعامتهم وعند ذلك تكتب له الزعامة بلا منازع، ويرون أنفسهم مضطرين للخضوع له ومتابعته١، ومن أجل ذلك عارضوا محمدًا ونفسوا عليه مقام الزعامة الذي توصله له الرسالة. وكانت معارضة قريش مركزة في رجال الملأ وتابعهم عامة الناس.
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي رسول الله ٢٠.
[ ٢١٨ ]
لكن زعامة الملأ ونفوذه مهما بلغت قوته لم تكن تستطيع أن تحجر على عقول الناس، ولا على قلوبهم؛ فالمبدأ العام الذي جرى عليه العرب هو مبدأ حرية الرأي، ولم تكن هناك أية قوة تستطيع أن تمنع العربي عن الإفصاح عن رأيه أو التعبير عن إرادته؛ ولذلك عجز رجال الملأ عن أن يحولوا بين الرسالة وبين الوصول إلى قلوب الناس، ووجدت الروح الحائرة ضالتها، فآمن بمحمد -ﷺ- بعض أهل مكة ممن سمت نفوسهم ونضجت عندهم العاطفة الدينية، كذلك آمن بمحمد -ﷺ- عدد من الرقيق والموالي رجالًا ونساء، وجدوا في مبادئ الرسالة الجديدة حلًا لمشكلتهم وضمانًا لحريتهم. ولم يحفل زعماء مكة كثيرًا بالرسالة في أول ألامر، واعتبروا أن النبي -ﷺ- واحدًا من أولئك الباحثين عن دين إبراهيم، أو المتمردين على الوثنية من أمثال: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعثمان بن الحويرث وغيرهم من متحنفي العرب، لا يلبث أن يخفت صوته ويضيع في ضجة الحياة القائمة في مكة وفيما حولها، والتي تموج بحركة المال وحركة الأدب والشعر في موسم الحج وفي أسواقه.
لكن الرسالة مضت قدمًا تشق طريقها وإن كان ذلك في بطء ووجدت قريش نفسها أمام رجل آخر، ودعوة أخرى، وأمام جماعة أخذت تتكون في داخل مكة؛ فإن محمدًا لم يكتف بالتعبد والبحث عن الحنيفية، أو المدارسة الدينية كما يفعل غيره من المتحنفين والمتبرمين بالوثنية والساخطين على الأصنام، وإنما هو يدعو إلى دينه في حماس ومثابرة وإن كان في هدوء وأخذ بالحسنى، وهو يتلو كلامًا بليغًا ينفرد بأسلوب رائع لا يجده المكيون فيما ألفوا من أساليب الشعراء أو البلغاء أو سجع الكهان١، وهو يكتسب كل يوم أتباعًا يؤمنون بأنه رسول الله وأن كلامه ليس من قول بشر، وهو يدعو إلى مبادئ جديدة أخذت في الوضوح والظهور. ثم إن محمدًا -ﷺ- أخذ يهاجم الدين الوثني هجومًا شديدًا، ويسب الأصنام ويحقرها، ويتهم قريشًا في أحلامها ويسفهها، ويكفر آباءها ويخلدهم في النار، وقد رأت قريش أنه بهذا إنما يهدم مكانتها بين العرب؛ فإنها قد وصلت إلى ما وصلت إليه من الزعامة العربية، بما اشتهرت به من
_________________
(١) ١ ابن كثير ٣/ ٦٣.
[ ٢١٩ ]
الحلم الذي سادت به القبائل، وها هو محمد -ﷺ- يسفه أحلامها ويحقر عقولها، ثم هو ينتقص من الدين الذي تقوم على رعايته ومنه أخذت زعامتها الروحية بين العرب، وعلى أساس هذه الزعامة يقوم مركزها الاقتصادي؛ لذلك رأت في الدعوة الجديدة خطرًا يتهدد مركز مكة الأدبي والمادي على السواء، ولم تستطع أن تقتنع بما يقوله محمد -ﷺ- بأنه جاءهم بخير ما يأتي به رجل قومه، وقالوا كما عبر القرآن: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص] وبالرغم من إحساسهم بأن ما جاء به حق فإنهم لم يطمئنوا إلى هذا الدين الجديد الذي يريد أن يشكل محمد -ﷺ- المجتمع على أساسه.
فالمصلحة المادية كانت عاملًا من العوامل التي دفعت قريشًا إلى الوقوف في وجه النبي -ﷺ- وكذلك الاستمساك بالقديم سبب آخر دعا قريشًا إلى المعارضة، وأيدها الرأي العام الوثني فجلت فيها. وبالرغم من وقوف العصبية العشائرية لحماية محمد -ﷺ- ومن آمن به من قريش؛ فإن النبي -ﷺ- لم يكن يستطيع أن يعتمد على العصبية في دعوته الدينية، لأسباب منها: أن دعوته إنسانية عامة تسمو على التعصب، ولأن التورط في مجال العصبية يجعله يدور في دائرة مقفلة يصعب عليه أن يخرج منها؛ بل هي تحصره في الدائرة القبلية التي كان يريد الخروج منها بطبيعة دعوته االدينية.
ولقد لقي النبي -ﷺ- ومن آمن به عنتًا كبيرًا، وأوذوا في أنفسهم وأموالهم، ودفع بعضهم حياته ثمنًا لعقيدته، فقد عذبت قريش المستضعفين من المسلمين، وحتى من كان له عصبية تحميه وعشيرة يعتز بها لم يسلم من الأذى؛ لأن البطون القرشية كلها اشتركت في محاولة فتنة المسلمين، وأخذت كل عشيرة نفسها بتعذيب من أسلم منها، حتى اضطر النبي -ﷺ- إلى أن يفكر في مخرج لأصحابه من هذه الفتنة الشديدة، فأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة١.
وإذا كانت قريش قد حرصت على ألا تسفك دماء القرشيين حتى لا تقع ثارات فتجر إلى الحرب الداخلية في مكة؛ فإن بعض الموالي فقد حياته تحت التعذيب، فقد مات ياسر والد عمار بن ياسر تحت التعذيب، وقتلت زوجته سمية بطعنة من يد أبي جهل عمرو بن هشام أحد سادات قريش من بني مخزوم، ولقي عمار نفسه من العذاب ما كاد يقضي عليه٢، وكذلك ذاق بلال بن رباح، وغيره من الرقيق الذي أسلم نساء
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٣٤٢. ٢ ابن هاشم ١/ ٤٣٢.
[ ٢٢٠ ]
ورجالًا ألوانًا قاسية من العذاب، حتى دفعت الشفقة أبا بكر بن أبي قحافة الذي لقب بالصديق -وهو أول من آمن بالنبي صلى
الله عليه وسلم من رجال قريش وكان تاجرًا موسرًا- إلى أن يشتري بلالًَا وغيره ويعتقهم١. والحقيقة أن صبر المؤمنين وتمسكهم بدينهم واستهانتهم بالتعذيب والموت في سبيله ليعد من أروع مواقف البطولة والتضحية في سبيل المبدأ والعقيدة. والنبي -ﷺ- نفسه -برغم وقوف أهله إلى جانبه وتصديهم لحمايته- لم يسلم من الأذى حتى تعرضت حياته نفسها للموت.
ولقد تحدث العالم الأوربي الدكتور ماركس دودز عن شجاعة النبي -ﷺ- فقال: إنه لخليق في هذه الفضيلة أن يسامي أوفر الأنبياء شجاعة وبطولة بين بني إسرائيل؛ لأنه جازف بحياته في سبيل الحق، وصبر على الإيذاء يومًا بعد يوم عدة سنين، وقابل النفي والحرمان والضغينة وفقد مودة الأصحاب بغير مبالاة، فصابر على الحملة قصارى ما يصير عليه إنسان دون الموت الذي نجا منه بالهجرة، ودأب مع هذا علي بث رسالته غير قادر على إسكاته وعد ولا وعيد ولا إغراء٢، كما تحدث غيره من مؤرخي العرب مشيدين بشجاعة النبي -ﷺ- وتضحياته وهو من آمن به من المسلمين الأولين٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٣٤٠- ٣٤١. ٢ عباس العقاد: عبقرية محمد ص٢٦٢- ٢٦٣. ٣ بودلي الرسول "حياة محمد" ص٨١ وما بعدها.
[ ٢٢١ ]
أساليب قريش لمقاومة الدعوة
ولقد اتخذت قريش أساليب مختلفة في مقاومة الدعوة الجديدة:
بدأت المقاومة سلبية في أول أمرها، فقد أظهر رجال الملأ عدم الاكتراث بالدعوة الجديدة، ونظروا إليها نظرة استخفاف، فلم تعنهم كثيرًا، وظنوا صاحبها من أمثال ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، من الساخطين على الأصنام، الباحثين عن الحنيفية أو غيرها من الديانات الأخرى، وإن كان يختلف عنهم في أنه يخبر أنه يتلقى الوحي من السماء، وكان يحلوا لهم أن يشيروا إليه كما رأوه: هذا ابن عبد المطلب يكلم من السماء١.
_________________
(١) ١ ابن سعد١/ ١٨٤.
[ ٢٢١ ]
لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن الأمر أخطر مما تصوروا؛ فإن محمدًا يكتسب كل يوم أصحابًا من رجالهم ومواليهم يتابعونه ويؤمنون به نبيًّا ورسولًا، وأن هؤلاء الأصحاب ينشطون معه للدعوة لدينه الجديد١ ثم يرونه يجمع عشيرته من بني هاشم، ويدعوهم إلى الإيمان بما يقول، ويحاول أن يجعل منهم كتلة حوله، ويرون عمه أبا طالب -زعيم البيت الهاشمي- وإن كان لم يتابعه على ما يدعو إليه، فهو يشجعه ويقف إلى جانبه٢؛ ويرون محمدًا يكثر الاجتماع بأصحابه الذين آمنوا به وهم رجال من كل بطون القرشية وهو يتعرض للأصنام يسبها ولقريش يسفه أحلامها ويكفر آباءها.
وإذن فهذا أمر يراد بقريش لا يصح السكوت عليه. ولما كان رجال الملأ يدركون قيمة العصبية ويخشون خطرها لو تعرضوا لمحمد بالسوء؛ فقد لجئوا إلى أبي طالب يطلبون إليه أن يتدخل لمنع بن أخيه من التعرض بالمهانة لمقدسات القبيلة وحرماتها، فهم إن صبروا على ما يقول به ويحول أبناءهم إليه، فهم لا يطيقون صبرًا على شتم الآلهة وتسفيه الأحلام وتضليل الآباء. ويلاين أبو طالب قومه ويردهم بالحسنى، ولكنه لا يمنع محمدًا، ولا يتوقف محمدًا عما أخذ فيه. ويعاود رجال الملأ الطلب ويشفعون طلبهم بالعروض، فهم يعرضون أن يتركوا محمدًا وما يدعو إليه على أن لا يتعرض لسب الآلهة وشتم الآباء، ثم يعرضون أن يقدموا رجلًا من خير أبنائهم بديلًا عن محمد -ﷺ- يتبناه أبو طالب على أن يسلم إليهم محمدًا ليقتلوه إن كان قد عجز عن رده؛ فإنه يدمر وحدة القبيلة ويهدد مكانتها. ويستنكر أبو طالب هذا العرض المنكر؛ فما كان ليسلمهم ابنه ليقتلوه، ويأخذ ابنهم يغذوه٣ لهم، ولكنه يدعو إليه محمدًا يعرض عليه ما طلبت قريش، ويطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه، ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق من عداوة القوم. وظن محمدًا -ﷺ- أن عمه قد بدا له فيه بداه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه؛ فقال في إصرار وإباء: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". وهزت كلمة الابن نفس الشيخ الذي لم يسلم
_________________
(١) ١ نفسه ١/ ١٨٥. ٢ نفسه ١٨٧- ١٨٨. ٣ الطبري ٢٢/ ٦٧، اليعقوبي ٢/ ١٨.
[ ٢٢٢ ]
ووصلت من نفسه إلى مركز الإعجاب فلم يسعه إلا أن يقول: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا١، ومن ساعتها وقف الشيخ حياته على حماية ابن أخيه، فلم يثنه شيء عن الذود عنه.
ولقد فكر رجال قريش بحسب ما يفهمون من مثل الحياة عندهم، وظنوها من محمد عملًا للوصول إلى غرض من أغراض الحياة، وحسبوا من وقوف بني هاشم إلى جانب محمد نزعة إلى الزعامة وغاية للرياسة، فاستجابو للاقتراح تقدم به عتبة بن ربيعة -أحد سادات قريش- حيث قال: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقالوا: بلى يا أبا الويد، قم إليه فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت: من السلطة في الشعيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها، فقال له رسول الله -ﷺ-: "قل يا أبا الوليد أسمع" قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا في أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.
وحيث أتم عتبة كلامه، لم يزد النبي -ﷺ- على أن تلى عليه آيات من سورة من القرآن ما سمعها الرجل حتى انبهر، وقام وهو مدرك أنه لا سبيل إلى هذا الرجل غير متابعته، أومنابذته حتى يحكم الله بينه وبينهم٢.
يئست قريش من إغراء محمد -ﷺ- فاتخذت طريق الجدال والإنكار والاستهزاء، والتعجيز بالأسئلة، والإلحاح في طلب المستحيل من الأعمال مع التصميم على الإنكار، لكن إيمان محمد -ﷺ- برسالته وبما يوحى إليه كان أعظم من أن ينال من إنكار المنكرين واستهزاء المستهزئين. عند ذلك لجأت قريش إلى طريقة الاضطهاد والتعذيب للمسلمين حتى تخيفهم؛ فتردهم عن دينهم وتمنع غيرهم من متابعة محمد -ﷺ- خوفًا
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٧٨. ٢ ابن هشام ١/ ٣١٣- ٣١٥.
[ ٢٢٣ ]
من المشقة والعذاب، فتواصت البطون القرشية بتعذيب من أسلم منها، وألحت على المستضعفين من الموالي والعبيد بالعذاب، كما ألحت على من أسلم من رجالها ونسائها بالأذى، وهي مع كل ذلك تقيم دعاية قوية ضد دعوة محمد -ﷺ- وتتهمه مرة بالسحر ومرة بالجنون ومرة بالافتراء، وتقف لكل وارد على مكة تحذره من ذلك الرجل الذي يملك من سحر البيان ما يفرق به بين المرء وزوجه والأخ وأخيه، وتتخذ مما يحدث في بيوتها مثلًا تضربه على ما تقول، ثم هي لا تني عن سؤال أهل الكتاب من اليهود والنصارى عما يدعيه محمد -ﷺ- تريد بذلك أن تقيم حجة على ما تقول، ويقوم بعض رجالها بعقد مجالس يتحدثون فيها إلى الناس بغريب القصص وأساطير الأمم يعارضون بها مجالس محمد -ﷺ- يريدون بذلك أن يصرفوا الناس عنه، وأن يفهموهم أنه إنما يأتي بمثل هذه الأساطير١. وقد تسرف في تصرفها مع الوافدين على مكة من رجال القبائل، فتتعدى التحذير إلى الإعنات، وقد تبطش بمن لا تؤثر فيه دعايتها ويصر على إعلان إيمانه من الوافدين، ولم يكن يردها عن الفتك به إلا حرصها على علاقتها الطيبة مع القبائل وخوفها على مصالحها التجارية، كما فعلت بأبي ذر الغفاري حين أسلم٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٣٨١. ٢ أسد الغابة ٥/ ١٨٧.
[ ٢٢٤ ]
الهجرة في سبيل الدعوة:
ولما رأى النبي -ﷺ- الأذى يشتد بأصحابه، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة: "فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله -ﷺ- إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام١.
وفي هجرة المسلمين إلى الحبشة لا بد بعرض سؤال: لماذا فكر النبي -ﷺ- في الحبشة ولم يفكر في غيرها من أقاليم الجزيرة العربية؟ الواقع أن تفكير النبي -ﷺ- في الحبشة ينطوي على معرفة كبيرة بالظروف وإلمام تام بأحوال الجزيرة العربية، كما أن فيه لفتة سياسية من جانب النبي -ﷺ- موجهة إلى قريش.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٣٤٣.
[ ٢٢٤ ]
لم يلجأ المهاجرون إلى قوم من العرب في الجزيرة العربية؛ لأن القبائل العربية كانت مرتبطة بقريش ارتباطًا تجاريًّا ودينيًّا قويًّا، وكان لبعضها محالفات وعقود مع قريش؛ وهي لذلك حريصة على حسن العلاقة مع قريش حرصها على مصالحها المادية؛ فلم تكن لذلك تستطيع إيواء الخارجين عليها، ثم هي تؤمن بزعامة قريش وتخضع لتشريعها الديني، وقد تجلى موقف القبائل واضحًا بعد هجرة النبي -ﷺ- إلى يثرب، فقد اتخذت جانب قريش في صراعها ضد يثرب وتحرشت بالمسلمين وحاربتهم في صفوف قريش.
أما اليمن فكانت الأحوال فيها غير مستقرة، والخلافات الداخلية تمزقها إلى جانب خضوعها للنفوذ الفارسي، ووقوعها في المجال التصارع الدولي الذي تعدى السياسة إلى الدين، فكان التنافس شديدًا بين المسيحية واليهودية فيها، وهي بذلك غير صالحة لأن يجد فيها المهاجرون المأوى الأمين. وكذلك كانت الحال في مملكة الحيرة ومملكة غسان.
كما لم تكن مدن الحجاز مهيأة في ذلك الوقت لقبول هجرة المسلمين إليها؛ فيثرب كانت تمزقها الخلافات الداخلية، ويقوم الصراع فيها على أشده بين قبائلها، هذا إلى علاقات قريش التجارية المتينة مع بطونها؛ سواء من اليهود أو من الأوس والخزرج. وخيبر كانت مدينة يهودية، وكانت صلات اليهود عامة طيبة مع قريش، فضلًا عن أن اليهود كانوا منصرفين إلى مصالحهم راغبين عن الدخول في عداء مع القبائل العربية.
وإذن فقد كانت بلاد الحبشة هي أقرب إقليم هادئ إلى مكة يمكن أن يجد المهاجرون فيه الأمن على حياتهم، كما يمكن أن يحصلوا فيه على معاشهم فقد كانت الحبشة متجرًا لقريش ووجهًا، وكان القرشيون يغشونها للتجارة فهم على معرفة بها وعلى خبرة بمزاولة العمل فيها. كما كانت تكمن وراء الهجرة إليها حكمة سياسية؛ فإن الحبشة كانت تطمع منذ أجيال في فتح الأقاليم العربية، وكان ملوك الحبشة يراقبون من أجل ذلك أحوال الجزيرة مراقبة شديدة، وقد سبق للحبشة أن أرسلت حملة لفتح مكة، ومع أن الحملة باءت بالفشل، ومع أن الحبشة خرجت من الجزيرة العربية كلها إلى أن الصراع الدولي على امتلاك طرق التجارة لم ينته بعد.
فالهجرة إلى الحبشة تؤدي إلى غرضين: الغرض الأول أن المهاجرين يلقون ترحيبًا من ملك الحبشة؛ أملًا في أن يتمكن بمساعدتهم من التدخل في شئون مكة الداخلية، وفعلًا لقي المهاجرون احتفاء وحسن معاملة من النجاشي١.
_________________
(١) ١. ابن سعد ١/ ١٨٩.
[ ٢٢٥ ]
والغرض الثاني هو لفت نظر قريش إلى أن عدوانها على المسلمين يضطرهم إلى الالتجاء إلى قوة خارجية ربما تتدخل لحمايتهم، فتتعرض مكة لغزو أجنبي أو تتعرض للإضرار بمصالحها الاقتصادية؛ ولذلك فإن مصلحتها أن تهادن المسلمين وتوقف عدوانها عليهم. وقد أوجست قريش خيفة من هذه الرحلة وحسبت لها حسابًا كبيرًا، فسارعت إلى إرسال بعثة إلى النجاشي تحمل الهدايا له ولرجاله وتطلب إليه رد هؤلاء المهاجرين، وربما لتحاول معرفة موقف الحبشة مع الوضع في مكة، مخافة أن تؤدي هذه الصلة الجديدة إلى أن تعاود الحبشة الكرة على مكة مرة أخرى. لكن البعثة فشلت مهمتها، وبقي المسلمون يتمتعون بالحرية والرعاية، فقد لفتت البعثة أنظار النجاشي نحو هؤلاء الفارين بدينهم إلى بلاده؛ فقدر تضحياتهم وعطف على موقفهم، فبذل العون لهم والرعاية١.
في هذه الأثناء دخل في الإسلام عناصر قوية من القرشيين فقد أسلم رجلان اشتهرا بالبأس والقوة، هما حمزة بن عبد المطلب٢ وعمر بن الخطاب٣ وكان كلاهما رجلًا قويًّا مرهوب الجانب جريئًا في إظهار رأيه والوقوف في وجه مخالفيه، وكان من اليسير أن يشتبك مع مناوئي الإسلام، فتسيل الدماء وتقع الحرب الأهلية التي كان الملأ حريصًا على عدم وقوعها. ولم يتأن الرجلان عن تحدي قريش، فاشتد بهما ساعد المسلمين وقويت قلوبهم واضطرت قريش إلى أن تهادن بعض الوقت حتى تدبر موقفها إزاء هذا الوضع الجديد، وقد وصلت أخبار هذه المهادنة مسامع المسلمين في الحبشة مبالغًا فيها، حتى لقد قيل: إن قريشًا تابعت النبي -ﷺ- فعاد بعضهم إلى مكة لكنهم ما كادوا يصلون إليها حتى كانت قريش قد اتخذت لنفسها خطة أشد تجاه المسلمين ومن ينصرهم، فدخل بعضهم مكة في جوار بعض رجال قريش، فقد اعتبرتهم القبيلة خارجين عليها قد خلعوا أنفسهم منها فلم يكن لهم من حماية قبلية إلا في جوار -وعاد بعضهم أدراجه ومعهم عدد آخر أكبر من العدد الأول٤.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٣٥٦ -٣٦٢ الطبري ٢/ ٧٣. ٢ ابن هشام ١/ ٤١٢. ٣ نفسه. ٤ ابن سعد ١/ ١٩٠-١٩٢.
[ ٢٢٦ ]
أدركت قريش أن ما تقوم به من الأذى للمسلمين لن يحول دون إقبال الناس على الدين الجديد، كما رأت بني هاشم يقومون دون النبي -ﷺ- فلا تستطيع أن تبلغ به ما تريد؛ لذلك قررت أن توقع على هذا البطن القرشي عقوبة قاسية؛ لعلها تجبره على التخلي عن موقفه في حماية النبي -ﷺ- وتضطره إلى تسليمه أو الكف عن نصرته، ورأت أن يكون عملها جماعيًّا ترتبط به كل البطون المكية وحلفاؤها، فبعد مشاورة عامة ائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: على أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئًا ولًا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم١.
وحصروا بني هاشم والمسلمين في شعب خارج مكة يسمى شعب أبي طالب، وقامت قريش على هذا الحصار الاقتصادي ثلاث سنين حتى أجهد المحاصرون أيما إجهاد، وكان يسمع صياح أطفالهم من شدة الجوع. ولكن أحدًا لم يضعف، وظل النبي -ﷺ- يدعو إلى دينه بين العرب. كما حفل القرآن بالآيات التي تشدد النكير على قريش٢. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حلف الفضول الذي عقدته بعض بطون قريش وتعاهدت فيه على منع الظلم في مكة؛ قد تعطل، فلم يتنادى أصحابه بنصرة المظلومين ممن كان يقع عليهم العذاب، ويبدو أن الملأ من قريش كان يخشى أن يطالب بنو هاشم حلفاءهم من أصحاب الفضول بالوقوف إلى جانبهم، ومن أجل ذلك كان حرصهم على الإجماع وعلى التواثق على ذلك في صحيفة مكتوبة، وقد استجابت كل البطون القرشية -ماعدا بني هاشم وبني المطلب الذين وقفوا إلى جانب النبي ﷺ بدافع عصبية العشيرة- لأنهم اعتبروا الدعوة الإسلامية ذات خطر على مكة يهدد الجميع بالخراب، لذلك اجتمعوا وتضامنوا على إيقاف هذا التيار.
وكان هذا العمل العدواني فرصة لأن يتسامع العرب في كافة أنحاء الجزيرة العربية بأنباء هذا الدين الجديد، حتى أحست قريش بفشل هذا الحصار، وبأن يوشك أن يؤدي إلى أزمة داخلية في مكة؛ فقد تحركت عاطفة الرحم في بعض القرشيين، فأخذوا يمدون المحصورين ببعض الطعام، ولما حاول زعماء قريش إيقاف هذا المدد حدثت
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٧٢. ٢ انظر كلًا من سورة الأنبياء ٩٨-١٠٠، الهمزة ١- ٩، القلم١٠-١٥، الفرقان، ٢٧، ٢٩، الدخان ٤٣-٤٨.
[ ٢٢٧ ]
مشاحنات واشتباكات كادت تؤدي إلى فتنة١، ثم تحزب بعض الرجال ضد الصحيفة وقاموا على نقضها، ورأى رجال الملأ أن الحصار قد فشل في إجبار المحصورين على التسليم، وأن الفتنة أوشكت أن تحدث في مكة، فاضطروا إلى تمزيق الصحيفة، وعاد بنو هاشم المسلمون إلى دورهم وإلى مزاولة حياتهم العادية٢ في مكة، وإن كانت قريش قد استمرت في سياسة المقاومة والعدوان.
لكن النبي -ﷺ- لم يلبث بعد نقض الصحيفة أن أصيب بصدمة شديدة كان لها وقع شديد الأثر في نفسه، كما كان لها أثر كبير في تغيير اتجاهه في سياسة الدعوة الإسلامية؛ فقد أصيب بفقد زوجته خديجة، تلك الزوجة الصالحة التي كانت ملاذه في شدته، وكانت بإيمانها ومواساتها ملجأه يجد في جوارها راحة نفسه. كما أصيب بموت عمه أبي طالب الذي كان بمثابة الستار الذي يحول بين محمد وبين مواجهة خصومه وجهًا لوجه. وبفقد زوجته فقد التأييد المعنوي النفسي القريب، كما فقد بموت عمه التأييد الأدبي والمادي، وكان فقدهما لذلك عظيم الوقع في نفسه حتى سمي عام موتهما بعام الحزن٣.
وبدت بيئة مكة -المتمسكة أشد التمسك بتقاليدها، الحريصة على مصالحها المادية -غير صالحة لنشر المبادئ الجديدة؛ لذلك اضطر النبي -ﷺ- إلى تخفيف نشاطه في الدعوة بين أهل مكة، وفكر تفكيرًا جديًّا في مكان آخر يكون أصلح للدعوة، وأخذ ينتهز بعد هذا العام كل فرصة من الفرص التي يجتمع فيها الناس في المواسم العامة التجارية والدينية ليعرض على رؤساء القبائل دعوته الجديدة ويدعوهم لقبولها، وليعرض عليهم الانتقال إلى أرضهم٤. ولم يفد محمد -ﷺ- من عرضه نفسه على القبائل شيئًا، إذ كانت هذه القبائل تحترم قريشًا وتحرص في الوقت نفسه على حسن العلاقة معها حرصًا على مصالحها المادية المرتبطة بتجارة قريش. على أن قريشًا لم تأل جهدًا في الدعاية ضد دعوة محمد -ﷺ- وكان رجالها يتبعونه في كل مكان، يعارضون دعوته ويحذرون القبائل من
_________________
(١) ابن هشام ١/ ٣٧٦. ٢ نفسه ١/ ٣٩٧- ٤٠٠. ٣ ابن هشام ٢/ ٢٥-٢٦، ابن سعد ١/ ١٩٥، الطبري ٢/ ٨٠. ٤ ابن هشام ٢/ ٣١-٣٢.
[ ٢٢٨ ]
متابعته، وكان لهذا أثره الشديد في منع القبائل من قبوله؛ إذ إنها ظنت أن لو كان فيه خير لتابعه أهله، ونال محمد -صلى الله عليهوسلم- أذى في نفسه وفي أصحابه، وقد تحرج مركزه في مكة حتى إنه حين رفضت قبيلة ثقيف بالطائف -وقد ذهب إليها يعرض عليهم دعوته والانتقال إليهم- لم يستطع حين عاد أن يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي زعيم بني نوفل من قريش؛ لأن القبيلة أصبحت تنظر إليه نظرتها إلى رجل ثار عليها وخلع نفسه منها١.
ثم عرض النبي -ﷺ- دعوته على رجال من أهل يثرب -من الأوس- قدموا مكة يلتمسون حلف قريش على قومهم من الخزرج؛ فلم يظفروا بالحلف، وكذلك لم يسلموا٢، ولكنهم حين عادوا إلى بلدهم ذكروا أمر هذا الداعي الجديد، وكان لذكرهم للنبي -ﷺ- وقع ما لبث أن ظهر أثره في العام التالي؛ فإنه قدم الموسم نفر من الخزرج عددهم ستة رجال، لقيهم النبي -ﷺ- فعرض عليهم الإسلام فما أبطئوا أن أسلموا، وكان لإسلامهم السريع دوافعه، فلقد كان عرب يثرب يساكنون اليهود، واليهود أهل الكتاب وكان العرب وثنيون فكان اليهود يعيرون العرب وثنيتهم، كما كان العرب ينازعون اليهود الغلب في يثرب ويصارعونهم، وقد عز العرب آخر الأمر، فكان اليهود يهدودنهم بقرب ظهور نبي قد أظل زمانه يتبعونه فيقتلونهم معه قتل عاد وإرم٣. كما أن الخزرج كانوا حديثي عهد بهزيمة حلت بهم أمام الأوس وحلفائهم من قبائل اليهود في يوم بعاث؛ فلما ذكر رجال الأوس ظهور النبي ومحادثته لهم في مكة، خشي الخزرج أن يسبقهم اليهود أو يسبقهم الأوس إليه فيتحقق تهديد اليهود، فلما دعا النبي -ﷺ- هؤلاء النفر من الخزرج حين لقيهم في مكة قال بعضهم لبضع: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه٤.
ولقد أوقف هؤلاء الخزرجيون النبي -ﷺ- على الحالة في بلدهم ووعدوه بالدعوة للإسلام في يثرب، كما بشروه بالفوز لو قدر له أن تجتمع قبائل يثرب عليه، فقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله
_________________
(١) ١ نفسه ٢/ ٧٢. ٢ ابن هشام ١/ ٤١٦، ٢/ ٢٨- ٣١. ٣ نفسه ٣/ ٧٧. ٤ نفسه ٢/ ٣٨.
[ ٢٢٩ ]
بك، فسنقوم عليه فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك١.
وكانت الاستجابة في يثرب سريعة، حتى لم تبق دار من دورها إلا وفيها ذكر من رسول الله -ﷺ٢، ولم يكد العام ينصرم حتى وافى الموسم اثنا عشر رجلًا لم يكونوا كلهم من الخزرج بل كان منهم ثلاثة من الأوس، فقد كان التنافس قائمًا بين القبيلتين، وما كانت الأوس لتترك الخزرج تنفرد بالأمر دونها، وكل ذلك بطبيعة الحال في صالح النبي -ﷺ. ولقي النبي -ﷺ- هؤلاء النفر عند العقبة -وهي مكان بين منى ومكة، بينها وبين مكة نحو ميلين٣- فعقد لهم بيعة عرفت بيعة العقبة الأولى، بايعوه على ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم. ولا يعصوه في معروف؛ فإن وفوا فلهم الجنة وإن غشوا من ذلك شيئًا فأمرهم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب٤. لم يشترط عليهم عداء أحد ولا منابذته بحرب؛ وإنما كانت كلها شروطًا دينية خلقية، وقد سميت هذه البيعة فيما بعد بيعة النساء؛ لأن النبي -ﷺ- بايع على نفس هذه الشروط نساء قريش حين أسلمن بعد فتح مكة، وقد وردت صيغة هذه الشروط في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة] .
ولما عاد هؤلاء الرجال إلى بلدهم أرسل معهم النبي -ﷺ- أحد أصحابه من السابقين إلى الإسلام وهو مصعب بن عمير -وهو فتى من بني عبد الدار، اشتهر بشدة الإخلاص للإسلام، ولقي من خلاف أهله أذى كبيرًا٥- وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ، ويحدثنا ابن إسحاق أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه
_________________
(١) ١ نفسه. ٢ نفسه ص ٣٩. ٣ ياقوت ١٤/ ١٣٤. ٤ ابن هشام ٢/ ٤١. ٥ أسد الغابة ٤/ ٣٦٨- ٣٦٩.
[ ٢٣٠ ]
بعض١، وهذا يعطينا فكرة عن مقدار الخلاف بين أهل يثرب، وأنهم كانوا في حاجة إلى عنصر خارجي يجتمعون عليه، وهذا ما يسر للنبي -ﷺ- مهمته في المدينة.
وفي المدينة أثبت مصعب بن عمير أنه جدير باختيار النبي -ﷺ- للقيام بهذه المهمة الخطيرة، فعلى نجاحها أو فشلها يتوقف مصير الإسلام في يثرب التي تموج بالخلافات وتضطرم فيها العصبية، فكان الداعي اللبق الفطن يدعو إلى سبييل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويأخذ الأمر بالأناة والصبر والرفق، وكان فتى اجتمعت فيه خصال قومه الحميدة وأهمها الحلم الذي سادت به قريش العرب. وبمثل هذه الأناة والصبر والموعظة الحسنة استطاع مصعب بن عمير أن ينشر الإسلام في يثرب، وأن يكتسب إلى جانبه أكبر زعيمين في قبيلة الأوس، وهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير اللذان كانا لإسلامهما أثر كبير في دخول بطون برمتها في حظيرة الإسلام، كما كانا بعد ذلك من أشد أنصار النبي -ﷺ- إخلاصًا وتفانيًا في نصرة الدولة الإسلامية في يثرب٢.
وبذلك مهد مصعب السبيل في يثرب لدار يهاجر إليها المسلمون من مكة، ولتكون بعد ذلك دارًا يطمئن فيها الإسلام ويعتز فيه المسلمون، ثم تكون بعد ذلك قاعدة للدولة العربية الموحدة في عهد النبي -ﷺ- ثم للدولة الإسلامية التي امتد لواؤها في مشارق الأرض ومغاربها في عهد الراشدين من بعده.
وبعد عام عاد مصعب إلى مكة ووفد معه في موسم الحج جماعة من المسلمين كان عددهم ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين، التقوا بالنبي -ﷺ- في إحدى الليالي سرًّا بالعقبة حيث بايعوه بيعة العقبة الثانية، ويحدثنا ابن إسحاق أنه قد حضرها مع النبي -ﷺ- عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له٣، وهذا يدلنا على شدة الرابطة بين بني هاشم والنبي -ﷺ- بالرغم من دخولهم في الإسلام، هذه الرابطة التي ظلت بعد ذلك قوية وكان لها أثر واضح حين هاجر النبي ووقع الصراع بين مكة والمدينة، ومن أجل ذلك أطلع النبي -ﷺ- العباس على الأمر، ومن أجل ذلك حضر العباس ليلة العقبة ليستوثق لابن أخيه.
وعند العقبة استوثق الطرفان كل لنفسه؛ فأما النبي -ﷺ- فقد طلب أن يبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وأما أهل يثرب فقد سألوه: أتراه تاركهم
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٤٢. ٢ ابن هشام ٢/ ٤٢- ٤٦. ٣ نفسه ٢/ ٤٩.
[ ٢٣١ ]
وراجع إلى قومه إن هم فعلوا وأظهره الله، فطمأنهم بأن ذكر صيغة العهد الذي كانت تقولها العرب عند الحلف والجوار: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"١. فلما تمت البيعة طلب النبي -ﷺ- إليهم أن يُخرجوا له من بينهم اثني عشر نقيبًا؛ ليكونوا على قومهم كفلاء، وهو كفيل على قومه، فأخرجوا له تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس٢.
وتسمى هذه البيعة بيعة العقبة الثانية أو بيعة العقبة الكبرى أو بيعة الحرب. وهذه البيعة حددت الوضع القانوني للنبي -ﷺ- بين أهل يثرب، فهي قد اعتبرت النبي واحدًا من أهل يثرب دمه كدمهم وحكمه كحكمهم، وقضت ضمنًا بخروجه من عداد أهل مكة، فانتقلت بذلك تبعية النبي -ﷺ- من مكة إلى يثرب، وهذا النوع من تغيير الجنسية في تعبيرنا الحديث، ولهذا أخفى المسلمون أمر هذه الببيعة وأمر هذا الشرط وبخاصة عند قريش؛ لأن الفترة الواقعة بين هذه البيعة وبين وصول النبي إلى يثرب فترة لا يستطيع فيها اليثربيون أن يحموا النبي -ﷺ- لأنه بعيد عنهم، وقد اشترطوا فعلًا أن تبدأ حمايتهم له بعد وصوله إلى يثرب لا قبل ذلك. وكان في استطاعة أهل مكة بعد أن نبذهم النبي - ﷺ- وخرج من عدادهم أن ينالوه بأي أذى؛ لأنه خرج عليهم ولأنه أصبح بذلك محرومًا من كل حماية قبلية.
وكان لقريش عيون أخبروها خبر البيعة، ولكن أهل يثرب ممن كانوا في موسم الحج ولم يعرفوا خبر العقبة، أكدوا لقريش عدم حدوث مثل هذا الأمر حين جاءت تستوثق مما بلغها، وبذلك استطاع المسلمون من أهل يثرب أن يعودوا إلى بلدهم آمنين؛ إلا أحد النقباء وهو سعد بن عبادة الخزرجي لحقته قريش؛ فقبضت عليه وكادت تبطش به لولا أن أجاره بعض أهل مكة ممن كان يجير لهم تجاراتهم في بلده.
ثم تسلل المسلمون من مكة أفرادًا وجماعات مهاجرين إلى يثرب، يستخفي بهجرته من يخشى على نفسه، ويستعلن بها من يجد في نفسه القدرة على التحدي، وحاولت قريش أن ترد من استطاعت رده إلى مكة لتفتنه عن دينه أو لتعذبه وتنكل به، وبلغت من ذلك أنها كانت تحول بين الزوج وزوجه إن كانت المرأة من قريش فلا تدعها تسير معه، وأنها كانت تحبس من لم يطعها وتستطيع حبسه؛ لكنها لم تكن تقدر
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/٥٠. ٢ نفسه ٢/ ٥١-٥٥.
[ ٢٣٢ ]
على أكثر من ذلك حتى لا تكون حربًا أهلية بين مختلف بطونها إن هي همت بقتل واحد من هذه البطون، وإن كان بعض الموالي لقي حتفه في هذا السبيل. لكن الهجرة مع ذلك تمت وهاجر معظم المسلمين إلا من قدرت عليه قريش١.
وبقي النبي -ﷺ- لا يدري أحد أيبقى هو كما حدث في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مثل أصحابه؟ وهذا الاحتمال الأخير هو الذي أخاف قريشًا، فإنه يستطيع من مهاجره الجديد أن ينظم جماعته، أو ينظم يثرب التي فشا فيها الإسلام بصورة تنبئ عن أنها ستكون مدينة إسلامية بعد وقت وجيز، ولو تم ذلك لهددت مكانة قريش الأدبية والدينية، لقيام هذا الدين الجديد الذي يسعى لتحطيم الوثنية في بلاد العرب، ويقضي بذلك على زعامة قريش الروحية ولهددت تجارة مكة تهديدًا خطيرًا لو وقف منها محمد موقف العداء والمخاصمة، وهو لا بد واقف هذا الموقف إن عاجلًا أو آجلًا، لما ألحقته به وبأصحابه من أذى، ولأنه يسعى لإقرار مبادئ جديدة لا بد لإقرارها من تشكيل جماعي وسياسي جديد، ولا بد أن نمى إليهم أنه يستعد للخروج، إذ كيف يخفى على أهل مكة ذلك مع أن أهل يثرب كانوا يتوقعونه وكانوا -كما تحدث الروايات- يخرجون إلى ظاهر المدينة ينتظرونه حتى تغلبهم الشمس.
لذلك مشى رجال قريش إلى بعضهم، وعقدوا اجتماعًا عامًّا في دار الندوة وتداولوا فيه الأمر، واستعرضوا كافة احتمالات الموقف ثم قر رأيهم على ضرورة التخلص من محمد شخصيًّا بالقتل، على أن يكون قتلًا جماعيًّا يشترك فيه كل بطن من بطون القبيلة بفتى يضربه مع الآخرين؛ حتى يتفرق دمه وتعجز عشيرته عن حرب كل البطون فترضى بالدية٢، وتتتخلص قريش من محمد وتنجو مكة من الحرب الأهلية؛ ويعود إليها كل أبنائها المهاجرين وتعود لها وحدتها كما كانت، ثم تسير في تأكيد سيادتها وتحقيق مصالحها٣. لكن النبي -ﷺ- خرج من مكة قبل أن تستطيع القبيلة أن تحكم استعدادها، وأن تناله بما تريد، واستطاع بمهارة أن يفلت من مطاردة القوم، وكان موفقًا في خروجه توفيقًا كبيرًا، كانت عناية الله فيه من غير شك، فإن قريشًالم تترك وجهًا ولا مظنة اختباء إلا بحثت فيه؛ ولكنه نجا وهو منها قريب وإلى ذلك يشير القرآن الكريم ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢- ٢٦- ٥٩. ٢ ابن هشام ٢/ ١٠٩. ٣ نفسه ٢/ ٩٣-٩٥.
[ ٢٣٣ ]
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة] .
وكان هذا هو الهجرة، وقد نزل القرآن بهذه المناسبة، ففرض على الناس أن يقاوموا الباطل بكل قوة، فإن لم يجدوا مخرجًا؛ فإنه يجب عليهم أن يهاجروا، وعليهم أن يتبعوا مثل النبي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء] ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء] . فالهجرة بهذا أصحبت سنة إسلامية، وكان الناس يتداعون إلى الهجرة أيام النبي -ﷺ- وبعده، وكانت من نتيجة هجرة النبي -ﷺ- أن تكونت الدولة الإسلامية الأولى في يثرب، وقد جعل النبي -ﷺ- الهجرة أساسًا لنيل حق الرعوية لهذه الدولة اليثربية، واستمر هذا الشرط إلى فتح مكة سنة ٨هـ حتى انتهى شرط الهجرة وبقيت اختيارية، وهذا الشرط مذكور في آية قرآنية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال] وبالهجرة بدأ دور جديد في تاريخ الدعوة الإسلامية عرف بالدور المدني، اختلف في ظروفه وآثاره عن الدور المكي.
[ ٢٣٤ ]