[تتمة الباب السابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه الإعانة
[(حرف الميم)]
(حرف الميم) ١٨٧- «ماء زمزم.. لما شرب له» .
(حرف الميم) ١٨٧- («ماء زمزم) بمنع الصرف؛ للعلميّة والتّأنيث، وهو سيّد المياه وأشرفها، وأجلّها قدرا، وأحبّها إلى النفوس. ولها أسماء كثيرة «زمزم»، و«مكتومة»، و«مضنونة»، و«شبّاعة»، و«سقيا الدواء»، و«ركضة جبريل»، و«هزمة جبريل»، و«شفاء سقم»، و«طعام طعم»، و«سقيا إسماعيل»، و«حفيرة عبد المطّلب»؛ ذكره في «شرح القاموس» . قال:
وقد جمعت أسماءها في نبذة لطيفة فجاءت على ما ينيّف على ستّين اسما ممّا استخرجتها من كتب الحديث واللّغة.
(لما شرب له»)، فإن شربته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وإن شربته لظمإ أرواك الله، لأنّه سقيا الله وغياثه لولد خليله، فبقي غياثا لمن بعده، فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث» .
قال الحكيم الترمذي: هذا جار للعباد على مقاصدهم وصدقهم في تلك المقاصد والنيّات، لأن الموحّد إذا رابه أمر فشأنه الفزع إلى ربّه، فإذا فزع إليه واستغاث به؛ وجد غياثا، وإنّما يناله العبد على قدر نيّته.
قال سفيان الثّوري: إنّما كانت الرّقى والدّعاء بالنية!! لأن النية تبلغ بالعبد عناصر الأشياء، والنيّات على قدر طهارة القلوب وسعيها إلى ربّها؛ وعلى قدر
[ ٤ / ٥ ]
العقل والمعرفة يقدر القلب على الطيران إلى الله تعالى، فالشارب لزمزم على ذلك.
وهو أفضل المياه بعد الماء النابع من بين أصابعه ﷺ.
وقد نظم ذلك بعضهم؛ فقال:
وأفضل المياه ماء قد نبع أي من أصابع النّبيّ المتّبع
يليه ماء زمزم فالكوثر فنيل مصر ثمّ باقي الأنهر
قال الإمام النووي في «الإيضاح»: يستحبّ الشّرب من ماء زمزم والإكثار منه. ثبت في «صحيح مسلم»؛ عن أبي ذر ﵁: أنّ النّبي ﷺ قال في ماء زمزم: «إنّها مباركة وإنّها طعام طعم» . وروّينا عن جابر ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ: «ماء زمزم لما شرب له» وقد شرب جماعة من العلماء ماء زمزم لمطالب لهم جليلة فنالوها. انتهى.
وقد شربه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ليكون في الحديث مثل الحافظ الذّهبي فنال ذلك وأعلى من مرتبة الذّهبيّ، وشربه الحافظ السيوطيّ لأمور؛ منها أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدّين البلقينيّ، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني فنال رتبة عالية، ونقل عنه أنّه ادّعى الاجتهاد المطلق، وقال: ما جاء بعد السبكيّ مثلي.
وأعلى المطالب التي يشرب لأجلها ماء زمزم الموت على الإسلام، ورؤية الله تعالى في دار السّلام.
ويطلب عند شربها أن يقال ما كان يقول ابن عبّاس ﵄: اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كلّ داء.
قال الإمام النوويّ في «الإيضاح»: فيستحبّ لمن أراد الشرب للمغفرة؛ أو الشّفاء من مرض ونحوه أن يستقبل القبلة، ثمّ يذكر اسم الله تعالى، ثمّ يقول:
[ ٤ / ٦ ]
اللهمّ؛ إنّه بلغني أنّ رسولك محمدا ﷺ قال «ماء زمزم لما شرب له» .
اللهمّ؛ وإنّي أشربه لتغفر لي، اللهمّ؛ فاغفر لي؛ أو اللهمّ؛ إنّي أشربه مستشفيا به من مرضي، اللهمّ فاشفني ونحو هذا.
ويستحبّ أن يتنفّس ثلاثا، ويتضلّع منه؛ أي: يمتلئ، فإذا فرغ حمد الله تعالى. انتهى. وكان بعضهم يقول: إنّي أشربه لظمأ يوم القيامة.
وفي «المقاصد الحسنة» للحافظ السخاوي- ومثله في «كشف الخفا» للعجلوني-: يذكر على بعض الألسنة أنّ فضيلة ماء زمزم ما دام في محلّه، فإذا نقل تغيّر وهو شيء لا أصل له. فقد كتب النبيّ ﷺ إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابي ليلا، فلا تصبحنّ، أو نهارا؛ فلا تمسينّ، حتّى تبعث إليّ بماء زمزم» .
وفيه أنّه بعث له بمزادتين، وكان بالمدينة قبل أن تفتح مكّة؛ وهو حديث حسن لشواهده، وكذا كانت عائشة ﵂ تحمله وتخبر: أنّه ﷺ كان يفعله ويحمله في الأداوي والقرب فيصبّ منه على المرضى ويسقيهم، وكان ابن عبّاس إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم. وسئل عطاء عن حمله؛ فقال: حمله النبي ﷺ، والحسن والحسين. انتهى.
وهذا الحديث أعني حديث «ماء زمزم لما شرب له»؛ قال المناوي: فيه خلاف طويل وتأليفات مفردة. قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: والحقّ أنّه حسن، وجزم البعض بصحّته والبعض بوضعه!! مجازفة. انتهى.
وفي «الحاوي» للسيوطي؛ في «الفتاوى الحديثية»: حديث «ماء زمزم لما شرب له»؛ أخرجه ابن ماجه في «سننه»؛ من حديث جابر بإسناد جيد، ورواه الخطيب في «تاريخ بغداد» بإسناد قال فيه الحافظ شرف الدّين الدّمياطيّ: إنّه على رسم الصحيح.
وقد ألّف الحافظ ابن حجر جزآ في حديث «ماء زمزم لما شرب له» وتكلم
[ ٤ / ٧ ]
١٨٨- «ما آمن بالقرآن.. من استحلّ محارمه» .
عليه في تخريج أحاديث الأذكار النوويّة فاستوعب.
وحاصل ما ذكره أنّه مختلف فيه، فضعّفه جماعة وصحّحه آخرون؛ منهم الحافظ المنذريّ في «الترغيب» والحافظ الدّمياطيّ قال: والصّواب أنّه حسن لشواهده.
ثمّ أورده من طرق من حديث جابر وابن عباس وغيرهما، قال: وحديث جابر مخرج في «مسند أحمد» و«مسند أبي بكر بن أبي شيبة» و«مصنفه»، و«سنن ابن ماجه»، و«سنن البيهقي»، و«شعب الإيمان» له، وحديث ابن عباس «في سنن الدارقطني» و«مستدرك» الحاكم، وأخرجه البيهقيّ أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا؛ لكنّ سنده مقلوب، وورد هذا اللّفظ أيضا عن معاوية، موقوفا بسند حسن لا علّة له.
وله شواهد أخر مرفوعة وموقوفة، تركتها خشية الإطالة. انتهى.
وقال في «شرح الأذكار»: وقد كثر في كلام الحفاظ الاختلاف في مرتبة هذا الحديث. وقد ألّفت فيه جزآ أسميته «النّهج الأقوم في الكلام على حديث ماء زمزم» وأودعته كتاب «درر القلائد؛ فيما يتعلّق بزمزم والسقاية من الفوائد»، وحاصل ما فيه تصحيح الحديث، والله أعلم. انتهى.
غريبة: في «تاريخ المدينة الشريفة» للعلامة السيّد السّمهودي: إنّ بالمدينة المنورة بئرا تعرف بزمزم- لم يزل أهلها يتبرّكون بها، قديما وحديثا، وينقل ماؤها للآفاق كزمزم. من المناوي على «الجامع الصغير» . انتهى.
١٨٨- («ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه») أي: فهو كافر؛ لاستحلاله الحري ي ي ام المنصوص عليه في القرآن وخصّ القرآن لعظمه؛ وإلّا فمن استحلّ المجمع على تحريمه المعلوم ضرورة كافر أيضا؛ كذا قاله الحفني.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز التّرمذيّ عن صهيب
[ ٤ / ٨ ]
١٨٩- «ما أعطي عبد شيئا.. شرّا من طلاقة في لسانه» .
١٩٠- «ما تشاور قوم.. إلّا هدوا» .
وقال: ليس إسناده قويّا. وقال البغويّ حديث ضعيف. انتهى. مناوي على «الجامع» .
١٨٩- («ما أعطي عبد شيئا شرّا من طلاقة في لسانه») بالخصام في الباص؛ بحيث يكون ماهرا؛ يزيّن بشقشقته الباطل بصورة الحق. والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا برمز الدّيلميّ في «الفردوس» .
١٩٠- («ما تشاور قوم) قال العامريّ في «شرح الشهاب»: حقيقة المشاورة: استخراج صواب رأيه، واشتقاق الكلمة من قولهم «شوّر العس» استخلصه من موضعه، وصفّاه من الشمع (إلّا هدوا») إلى الصواب، وتكلّلوا بالنجّاح في أمورهم.
وفيه إلماح بطلب الإستشارة المأمور بها في قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [١٥٩/ آل عمران] وقيل: المشاورة حصن من النّدامة وأمن وسلامة، ونعم الموازرة المشاورة، وفي بعض الآثار: «نقّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة» . وقال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك.
وقالوا: إذا أشكلت عليك الأمور وتغيّر لك الجمهور؛ فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة الفضلاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد.
وقال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النّائم، أو الغافل؛ فإنّه يكون جازما بشيء يعتقد أنّه صواب وهو بخلافه. وقال بعضهم:
إذا عزّ أمر فاستشر فيه صاحبا وإن كنت ذا رأي تشير على الصّحب
فإنّي رأيت العين تجهل نفسها وتدرك ما قد حلّ في موضع الشّهب
[ ٤ / ٩ ]
١٩١- «ما جمع شيء إلى شيء.. أحسن من حلم إلى علم» .
وقال الأرّجاني:
شاور سواك إذا نابتك نائبة يوما؛ وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تبصر منها ما نأى ودنا ولا ترى نفسها إلّا بمرآة
تنبيه: قال بعضهم: لا يستشار المحبّ؛ لغلبة هوى محبوبه عليه، ولا المرأة، ولا المتجردّ عن الدّنيا في شيء من أمورها، لعدم معرفته بذلك، ولا المنهمك على حبّ الدّنيا، لأنّ استيلاءها عليه يظلم قلبه فيفسد رأيه، ولا البخيل، ولا المعجب برأيه.
فائدة: أخرج الشافعي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى ﷺ، أما إنّ الله ورسوله ليغنيان عنها، لكن «جعلها الله رحمة لأمّتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيّا» . قال ابن حجر: غريب. انتهى «فيض القدير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطبري.
١٩١- («ما جمع شيء إلى شيء أحسن) بالرفع، صفة ل «شيء» الأول، والجر صفة ل «شيء» الثاني. انتهى؛ «حفني» . وفي رواية «أفضل (من حلم) باللام (إلى علم») إذ باجتماعهما تحصل الكمالات، والنّجاة من الوقوع في المهلكات، وذلك لأنّ الحلم سعة الأخلاق، وإذا كان هناك علم؛ ولم يكن هناك حلم ساء خلقه وتكبّر بعلمه، لأنّ للعلم حلاوة، ولكل حلاوة شرة، فإذا ضاقت أخلاقه لم ينتفع بعلمه. انتهى «عزيزي» .
والحديث ذكره في «الجامع» ورمز له برمز الطبراني؛ في «الأوسط» عن علي أمير المؤمنين. وأخرجه العسكري في «الأمثال»؛ عن علي بزيادة: «وأفضل الإيمان؛ التّحبّب إلى النّاس» .
«ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي ولا من الله: حلم يردّ به جهل الجاهل،
[ ٤ / ١٠ ]
١٩٢- «ما خاب.. من استخار، ولا ندم.. من استشار، ولا عال.. من اقتصد» .
١٩٣- «ما رآه المسلمون حسنا.. فهو حسن عند الله» .
وحسن خلق يعيش به في النّاس، وورع يحجزه عن معاصي الله» .
وعند العسكريّ أيضا؛ من حديث جابر مرفوعا: «ما أوتي شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى حلم» .
ولأبي الشيخ؛ عن أبي أمامة مرفوعا: «ما أضيف شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم» . وأخرجه ابن السني أيضا. انتهى. «كشف الخفا»، ونحوه في «المواهب» مع الزرقاني.
١٩٢- («ما خاب من استخار) الله تعالى؛ أي: دعا وطلب من الله تعالى خير الأمرين المباحين؛ أو المندوبين.
أما الواجب! فلا كلام فيه. والأولى أن يكون بعد صلاة ركعتين؛ قاله الحفني.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول «اللهمّ خر لي واختر لي» . وشمل العموم العظيم والحقير، فربّ حقير يترتّب عليه أمر عظيم (ولا ندم من استشار) غيره ممّن له تبصّر ونصيحة.
ويستحبّ تقديم الاستشارة على الاستخارة؛ كما في «المدخل» .
(ولا عال من اقتصد») أي: ما افتقر من توسّط في النفقة على عياله.
والحديث أخرجه الطبراني في معجمه «الأوسط» و«الصغير»، وكذا القضاعيّ؛ كلّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه بإسناد ضعيف جدا؛ كما في الزّرقاني والمناوي وغيرهما.
١٩٣- («ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله») أخرجه الإمام أحمد في
[ ٤ / ١١ ]
١٩٤- «ما ضاق مجلس بمتحابّين» .
كتاب «السنة» - وليس في «مسنده»؛ كما توهّمه بعضهم- عن ابن مسعود بلفظ:
«إنّ الله نظر في قلوب العباد فاختار محمّدا ﷺ فبعثه برسالته، ثمّ نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه؛ فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح» . وهو موقوف حسن.
وأخرجه البزّار، والطّيالسيّ، والطّبرانيّ، وأبو نعيم، والبيهقي في «الاعتقاد»؛ عن ابن مسعود أيضا. انتهى «كشف الخفا» .
قال العلائيّ: ولم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا؛ ولا بسند ضعيف بعد طول البحث، انتهى «شرح قواعد الفقه» .
١٩٤- («ما ضاق مجلس بمتحابّين») بالتثنية؛ أي: لأنّ المحبة تقتضي عدم ضيق الصّدر لما يوجب من السّرور باجتماع الأحباب، ولذا قيل:
رحب الفلاة مع الأعداء ضيّقة سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
قال الحفني: وقد دخل الأصمعي على الخليل بن أحمد، وهو جالس على حصير ضيق فقال له: اجلس. فقال: أضيّق عليك. فقال له: مه، الدّنيا تضيق بمتباغضين وما ضاق مجلس بمتحابّين. ومما يعزى لإمامنا الشافعي ﵁:
من لم يكن بين إخوان يسرّ بهم فإنّ أوقاته نقص وخسران
وأطيب الأرض ما للنّفس فيه هوى سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
وأخبث الأرض ما للنّفس فيه أذى خضر الجنان مع الأعداء نيران
لكن ينبغي إذا كان في المجلس سعة أن يكون بين كل اثنين ثلثا ذراع، لأنّه الأدب. انتهى.
أمّا في الشّتاء، أو الصلاة، أو الجهاد!! فينبغي الالتصاق.
[ ٤ / ١٢ ]
١٩٥- «ما قلّ وكفى.. خير ممّا كثر وألهى» .
١٩٦- «ما كان الرّفق في شيء.. إلّا زانه» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الخطيب عن أنس بن مالك مرفوعا، ورواه عنه الدّيلمي بلا سند مرفوعا.
وأخرجه البيهقي في «الشعب» من قول ذي النون بلفظ: ما بعد طريق أدّى إلى صديق، ولا ضاق مكان من حبيب. انتهى «كشف» .
١٩٥- («ما قلّ وكفى) - من الدّنيا- (خير ممّا كثر) - منها- (وألهى») عن طاعة الله تعالى، وهذا من طرق الاقتصاد المحمود الممدوح، فينبغي للمرء أن يقلّل أسباب الدّنيا ما أمكن؛ فإنّ قليلها يلهي عن كثير من الآخرة، فالكثير يلهي القلب عن الرّبّ وعن الآخرة بما يحدث له؛ من الكبر والطّغيان على الحق كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق] .
قال بعضهم: خذ من الدّنيا ما شئت؛ وخذ من الهمّ أضعافه. وسمّى الدّنيا لهوا؛ لأنها تلهي القلب عن كل خير، وتلهو بكل شرّ. انتهى «مناوي» .
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» وقال: رواه أبو يعلى، والضياء المقدسي في «المختارة»، والعسكريّ في «الأمثال»؛ كلهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
سمعت رسول الله ﷺ وهو على الأعواد يقول ذلك.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير صدقة بن الرّبيع؛ وهو ثقة، وهو قطعة من حديث: «أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب الله» الحديث. انتهى «كشف ومناوي» .
١٩٦- («ما كان الرّفق) - أي: اللّطف- (في شيء إلّا زانه)؛ لأنّ به تسهل الأمور ويأتلف ما تنافر، وهو مؤلّف الجماعات، وجامع الطّاعات؛ ومنه أخذ أنّه ينبغي للعالم إذا رأى من يخلّ بواجب، أو يفعل محرّما أن يترفق في
[ ٤ / ١٣ ]
١٩٧- «ما كان الفحش في شيء.. إلّا شانه» .
إرشاده، ويتلطّف به؛ ولذا لمّا جاء شابّ إليه ﷺ وقال: ائذن لّي في الزّنا! فدعاه ﷺ إلى الجلوس بقربه، وقال له: «أتحبّ أن يزنى بأمّك!» فقال: لا.
فقال: «بابنتك!» فقال: لا. وهكذا عدّد عليه في عمّته، وخالته، وهو يقول:
لا. فقال: «إذن لا تفعل ما تكره أن يفعل بأقاربك» . فترك الزنا، ولم يخطر بباله من ذلك الوقت، وسببه رفقه ﷺ به انتهى. «حفني»
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «ما كان الرّفق في شيء إلّا زانه، ولا نزع من شيء إلّا شانه» وقال: أخرجه عبد بن حميد، والضّياء المقدسيّ في «المختارة»؛ عن أنس بن مالك.
وهو في مسلم بلفظ: «وما كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه» وبقية المتن بحاله.
ورواه البزّار عن أنس أيضا بلفظ: «ما كان الرّفق في شيء قطّ إلّا زانه، وما كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه، وإنّ الله رفيق يحبّ الرّفق» . قال المنذري:
إسناده ليّن. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال في «الكشف»: رواه ابن حبّان عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أي:
باللفظ الذي في «الجامع الصغير» .
١٩٧- («ما كان الفحش) أي: قبح اللّسان، وتكلّمه بما لا يليق (في شيء) من حيوان؛ أو حجر، فإن الشيء يشمل الجماد (إلّا شانه») أي: عابه، إذ الشّين: العيب، أي: لو فرض ذلك في حجر لكان معيبا فكيف بالإنسان!!
وأشار بهذا إلى أنّ الأخلاق الرّذلة مفتاح كلّ شر، بل هي الشرّ كلّه.
قال ابن جماعة: وقد بلي بعض أصحاب النّفوس الخبيثة؛ من فقهاء الزّمان بالفحش، والحسد، والعجب، والرياء، وعدم الحياء. انتهى.
وأقول: ليت ابن جماعة عاش إلى الآن؛ حتى رأى علماء هذا الزمان!! انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٤ / ١٤ ]
١٩٨- «ما هلك امرؤ.. عرف قدره» .
١٩٩- «ما هو بمؤمن.. من لا يأمن جاره بوائقه» .
وهذا في زمانهما، فكيف لو رأيا زماننا؟! فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والبخاريّ في «الأدب»، والترمذي في «البر»، وابن ماجه؛ كلّهم عن أنس بن مالك: قال التّرمذي: حسن غريب. انتهى مناوي على «الجامع»، وفي «العزيزي»: إن إسناده صحيح.
١٩٨- («ما هلك امرؤ عرف قدره») يعني: أنّ من عرف مقدار نفسه، ونزّلها منزلتها؛ نجا في الدّنيا والآخرة من الهلاك، ومن تعدى طوره؛ فتكبّر، ورفع نفسه فوق حدّه؛ هلك. وهو ظاهر.
والحديث ذكره في «الشّفاء» قال السّيوطي: قال السمعاني: رحمه الله تعالى إنّه: حديث روي مسندا عن عليّ كرّم الله وجهه، وفي سنده من لا يعرف حاله.
وقال التّجاني: لا أعرف له سندا صحيحا إلى النّبي ﷺ! وإنما هو من كلام أكثم بن صيفي في وصيته، فإن ثبت عن النّبي ﷺ فلعله تمثّل به.
وأكثم هذا بالمثلّثة: من بلغاء العرب وعدّه بعضهم في الصّحابة، والأكثر على خلافه.
وفي كتاب «جوامع الكلم وبدائع الحكم»: هو من كلامه ﷺ وذكره مسندا انتهى «شهاب» .
قال القاري: ويقرب منه ما روي عن عليّ أمير المؤمنين ﵁ وكرّم وجهه في الجنّة: ما ضاع امرؤ عرف قدره. لأن الضائع بمنزلة الهالك. انتهى.
١٩٩- («ما هو بمؤمن) كامل (من لا يأمن جاره بوائقه») أي: شره؛ كما
[ ٤ / ١٥ ]
٢٠٠- «مت مسلما ولا تبال» .
٢٠١- «المجالس.. بالأمانة» .
جاء مبينا في الحديث؛ في بعض الروايات. يعني: لا يكون المؤمن كامل الإيمان حتى يأمن جاره من إيذائه؛ وذلك لأن إيذاء المسلم كبيرة، فكيف إذا كان جارا!! فإيذاؤه أغلظ إثما، وذلك شامل للجار الذّمّي، فإنه لا يجوز إيذاؤه أيضا؛ وفاء بذمّته، حيث انقاد لأحكام الإسلام.
والحديث ذكره «في كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى.
٢٠٠- («مت مسلما ولا تبال») هكذا ذكره في «كنوز الحقائق»؛ مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» . لكن قال في «المقاصد»: لا أعلمه بهذا اللفظ! والأحاديث في «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة» كثيرة، منها ما للشّيخين: البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁، ومنها ما لمسلم عن عثمان بلفظ: «من مات يشهد ألاإله إلا الله دخل الجنّة» . وقال القاري: معناه صحيح، لقوله تعالى وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) [آل عمران] ويناسب هذا قول بعضهم:
كن كيف شئت فإنّ الله ذو كرم وما عليك إذا أذنبت من باس
إلّا اثنتين فلا تقربهما أبدا الشّرك بالله والإضرار بالنّاس
٢٠١- («المجالس) أي: ما يقع فيها قولا وفعلا ملحق (بالأمانة») فيجب حفظها فلا يشيع أحد حديث جليسه لأنّه غيبة، أو نميمة.
نعم يجوز؛ بل يجب فيما إذا كان فيه ضرر، كما لو أسرّ لك جليسك أنّه يريد قتل فلان، أو الزّنا بزوجته، أو أخذ ماله مثلا، فيجب عليك إخباره ليحذر منه، كما أشار لذلك في الحديث بقوله «إلّا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» انتهى «حفني» .
قال ابن رسلان: الباء تتعلّق بمحذوف لا بدّ منه ليتمّ به الكلام؛ والتّقدير
[ ٤ / ١٦ ]
المجالس تحسن، أو حسن المجالس وشرفها بأمانة حاضريها لما يحصل في المجالس، ويقع في الأقوال والأفعال. فكأنّه ﷺ يقول: ليكن صاحب المجلس أمينا لما يسمعه؛ أو يراه، فيحفظه أن ينتقل إلى من غاب عنه؛ انتقالا يحصل به مفسدة.
وفائدة الحديث: النّهي عن النّميمة الّتي ربما تؤدّي إلى القطيعة، انتهى «عزيزي» .
وقال العسكري: أراد ﷺ أنّ الرّجل يجلس إلى القوم فيخوضون في الحديث، ولعلّ فيه ما إن نمي كان فيه ما يكرهون؛ فيأمنونه على أسرارهم!! فيريد: أنّ الأحاديث الّتي تجري بينهم كالأمانة، الّتي لا يجب أن يطلع عليها، فمن أظهرها فهو قتّات، وفي التّنزيل هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) [القلم] . وقال ﷺ: «لا يدخل الجنّة قتّات- أي: نمّام-» وروي مرفوعا، ألا إنّ من الخيانة أن يحدّث الرّجل أخاه بالحديث فيفشيه. انتهى.
ولعبد الرزاق مرفوعا: «إنّما يتجالس المتجالسون بأمانة الله، فلا يحلّ لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره» . وقال ابن الأثير: هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس؛ من قول أو فعل، فكأنّ ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه، والأمانة تقع على الطّاعة والعبادة والوديعة والثّقة والأمان، وقد جاء في كلّ منها حديث انتهى «شروح الجامع»، ومن الزرقاني.
والحديث رواه ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
ورواه الديلمي والعسكري والقضاعي والعقيلي والخطيب؛ كلهم عن علي بن أبي طالب ﵁ رفعه.
ورواه أبو داود والعسكري؛ عن جابر بن عبد الله مرفوعا بزيادة: «إلّا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» انتهى.
«زرقاني» وغيره، رحمهم الله تعالى
[ ٤ / ١٧ ]
٢٠٢- «محرّم الحلال.. كمحلّ الحرام» .
٢٠٣- «المرء.. كثير بأخيه» .
٢٠٤- «مداراة النّاس.. صدقة» .
٢٠٢- («محرّم الحلال كمحلّ الحرام») في الإثم، فكما يحرم على المكلّف تحريم ما أحلّ الله؛ كذلك يحرم عليه تحليل ما حرّم الله، فإن كان ذلك المحرّم الّذي أحلّه محرّما بالإجماع، معلوما من الدّين بالضرورة؛ كتحليل الزّنا، وشرب الخمر، فتحليله كفر، وكذا الحلال؛ إن كان حلالا مجمعا على حلّه، معلوما من الدّين بالضرورة؛ كالبيع، والنّكاح، فتحريم ذلك كفر، وخروج عن ملّة الإسلام؛ تجب الاستتابة من ذلك، وإلّا! قتل كافرا، ورميت جيفته للكلاب.
هذا إن اعتقد تحليل المحرّم بالإجماع، أو اعتقد تحريم الحلال بالإجماع، وإلّا! فلا. والله أعلم.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.
٢٠٣- («المرء) قليل بمفرده (كثير بأخيه») في النّسب، أو في الدّين.
قال العسكريّ: أراد أنّ الرّجل؛ وإن كان قليلا في نفسه حين انفراده؛ كثير باجتماعه معه، فهو كخبر: «اثنان فما فوقهما جماعة» انتهى.
وهذا كما ترى ذهاب منه إلى أنّ المراد الأخوّة في الإسلام! نزّله الماوردي على أنّها أخوّة النّسب. ووجهه بأنّ تعاطف الأرحام، وحمية الأقارب؛ يبعثان على التّناصر والألفة، ويمنعان من التّخاذل والفرقة؛ أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقّيا من تسلّط الغرباء الأجانب انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع»؛ وقال: أخرجه ابن أبي الدّنيا أبو بكر القرشيّ في كتاب «الإخوان»، وكذا العسكريّ؛ كلاهما عن سهل بن سعد الساعديّ، ورواه الديلمي والقضاعي عن أنس، قال شارحه العامريّ: وهو غريب. انتهى «مناوي» .
٢٠٤- («مداراة) بغير همزة (النّاس صدقة») قال العامريّ: المداراة اللّين
[ ٤ / ١٨ ]
والتعطّف، ومعناه: أنّ من ابتلي بمخالطة النّاس؛ معاملة ومعاشرة؛ فألان جانبه وتلطّف، ولم ينفّرهم كتب له صدقة.
قال ابن حبّان: المداراة الّتي تكون صدقة للمداري: تخلّقه بأخلاقه المستحسنة مع نحو عشيرته؛ ما لم يشبها بمعصية.
والمداراة محثوث عليها مأمور بها، ومن ثمّ قيل: اتّسعت دار من يداري، وضاقت أسباب من يماري.
وفي «شرح البخاري»: قالوا:
المداراة: الرفق بالجاهل في التّعليم، وبالفاسق بالنّهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه. والمداهنة: معاشرة الفاسق، وإظهار الرضى بما هو فيه.
والأولى مندوبة، والثّانية محرّمة.
وقال حجّة الإسلام: النّاس ثلاثة: أحدهم مثل الغذاء؛ لا يستغنى عنه.
والآخر مثل الدواء؛ يحتاج إليه في وقت دون وقت. والثّالث مثل الداء لا يحتاج إليه، لكنّ العبد قد يبتلى به، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع، فتجب مداراته إلى الخلاص منه. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز ابن حبّان، والطّبراني في «الكبير»، والبيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ عن جابر بن عبد الله.
وهو حديث له طرق عديدة، وهذا الطّريق- كما قاله العلائي وغيره-:
أعدلها.
وفيه يوسف بن أسباط الراهب! أورده الذّهبي في «الضّعفاء» !! وقال الهيثمي: فيه عند الطّبراني يوسف بن محمد بن المنكدر متروك، وقال الحافظ في «الفتح» بعد ما عزاه لابن عدي والطّبرانيّ في «الأوسط»: فيه يوسف بن محمّد بن المنكدر ضعّفوه، وقال ابن عدي: لا بأس به. قال الحافظ: وأخرجه
[ ٤ / ١٩ ]
٢٠٥- «المرء.. مع من أحبّ» .
٢٠٦- «المستشار.. مؤتمن» .
ابن أبي عاصم في «آداب الحكماء» بسند أحسن منه. انتهى «مناوي» .
٢٠٥- («المرء مع من أحبّ») في الجنّة بحسن نيّته من غير زيادة عمل، لأنّ محبّته لهم لطاعتهم، والمحبّة من أفعال القلوب، فأثيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النيّة والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعيّة استواء الدّرجات، بل ترفع الحجب حتّى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلّ في درجته؛ قاله القسطلّاني.
وهذا الحديث متواتر، قال في «الفتح»: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب «المحبين مع المحبوبين»، وبلغ عدد الصّحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم «المرء مع من أحبّ»،
وفي بعضها بلفظ حديث أنس: «أنت مع من أحببت» . انتهى.
قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث؛ وفي ضمنه حثّ على حبّ الأخيار؛ رجاء اللّحاق بهم في دار القرار، والخلاص من النّار، والقرب من الغفّار، والترغيب في الحبّ في الله، والترهيب من التّباغض بين المسلمين؛ لأن من لازمه فوات هذه المعية؛ وفيه رمز إلى أنّ التّحابب بين الكفار ينتج لهم المعيّة في النّار، وبئس القرار، قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) [إبراهيم] .
والحديث رواه الشيخان في «الأدب» وغيرهما؛ عن أنس وأبي موسى وابن مسعود ﵃ أجمعين.
٢٠٦- («المستشار مؤتمن») أي: أمين على ما استشير فيه، فمن أفضى إلى أخيه بسرّه وأمّنه على نفسه؛ فقد جعله بمحلّها، فيجب عليه ألايشير عليه، إلّا بما يراه صوابا، فإنّه كالأمانة للرجل الّذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا ثقة.
والسرّ الّذي قد يكون في إذاعته تلف النّفس؛ أولى بأن لا يجعل إلّا عند موثوق
[ ٤ / ٢٠ ]
به، ولذا احتاج المشير والنّاصح إلى كونه أمينا مجرّبا، حازما ناصحا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلوّن في رأيه، ولا كاذب في مقاله، فارغ البال وقت الاستشارة.
ولذا قيل: إنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير، فيحتاج أولا إلى علم الشّريعة، وهو العلم المتضمّن لأحوال النّاس، وعلم الزّمان والمكان، وعلم التّرجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فقد يكون ما يصلح الزّمان يفسد الحال أو المكان، وهكذا فينظر إلى التّرجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده.
مثاله: أن يضيق الزّمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال، فيشير بأهمهما.
وإذا عرف من حال إنسان بالمخالفة؛ وأنه إذا أرشده لشيء فعل ضدّه! أشار عليه بما لا ينبغي؛ ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمّى علم السّياسة، فإنه يسوس بذلك النّفوس الجموحة الشّاردة عن طريق مصالحها، فلذا يحتاج المشير والنّاصح إلى علم وعقل وفكر صحيح، ورويّة حسنة واعتدال مزاج، وتؤدة وتأنّ. فإن لم يجمع هذه الخصال!؟ فخطؤه أسرع من إصابته؛ فلا يشير ولا ينصح. قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدقّ، ولا أخفى، ولا أعظم من النّصيحة. انتهى «زرقاني»، ومناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد؛ من حديث ابن مسعود بزيادة: «وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت، فإن تكلّم فليجتهد رأيه» .
وأخرجه أصحاب «السنن الأربعة»؛ عن أبي هريرة، والتّرمذيّ؛ عن أمّ سلمة، والطّبراني في «الأوسط» و«الكبير»؛ عن سمرة بزيادة: «إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر» .
والقضاعي عن سمرة بلفظ: «المستشار مؤتمن، فإن شاء أشار وإن شاء سكت، فإن أشار فليشر بما لو نزل به لفعله» .
[ ٤ / ٢١ ]
٢٠٧- «المسلم.. أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» .
والطّبراني في «الأوسط»؛ عن علي وزاد: «فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه» .
وللعسكريّ؛ عن عائشة: «المستشير معان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صالح لنفسه» .
وفي الباب جابر بن سمرة، وأبو الهيثم، وابن عباس، وآخرون. قال السّيوطي: وهو متواتر. انتهى «زرقاني» .
وقد تقدّم الكلام على هذا الحديث في الباب الرّابع في صفة أكله ﷺ.
٢٠٧- («المسلم) حرا كان؛ أو قنا، بالغا أو صبيّا (أخو المسلم) أي:
يجمعهما دين واحد إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [١٠/ الحجرات]، فهو كالأخوّة الحقيقية، وهي أن تجمع الشّخصين ولادة من صلب أو رحم؛ أو منهما. بل الأخوّة الدينيّة أعظم من الحقيقيّة، لأنّ ثمرة هذه دنيويّة وثمرة تلك أخرويّة.
(لا يظلمه ولا يسلمه») بضم أوله، يقال: «أسلم فلان فلانا»؛ إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوّه، وهو عامّ في كلّ من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة؛ أي لا يتركه مع من يؤذيه؛ ولا فيما يؤذيه، بل ينصره، ويدفع عنه، ولا يترك نصرته المشروعة؛ سيما مع الاحتياج، أو الاضطرار إليها، لأن من حقوق أخوّة الإسلام التّناصر.
قال تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة]، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [٧٢/ الأنفال] . وقال ﷺ: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . فقوله «ظالما»؛ أي: بأن تكفّه عن ظلمه. وقوله «مظلوما»؛ أي: بأن تدفع عنه من يظلمه، فخذلانه محرّم شديد التّحريم دنيويّا؛ كأن مثل أن يقدر على دفع عدوّ يريد أن يبطش به ولا يدفعه، أو دينيّا مثل أن يقدر على نصحه عن غيّه، بنحو وعظ فيترك.
[ ٤ / ٢٢ ]
٢٠٨- «المسلم.. من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر.. من هجر ما حرّم الله» .
والحديث أخرجه البخاري في «المظالم والإكراه»، وأبو داود في «الأدب»، والتّرمذي في «الحدود»؛ عن ابن عمر بن الخطاب. وأخرجه مسلم في «الأدب»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال: «لا يخذله» بدل «يسلمه» .
٢٠٨- («المسلم) الكامل في الإسلام (من) - أي: إنسان؛ ذكرا كان أو أنثى- أتى بأركان الدّين، و(سلم المسلمون) وغيرهم؛ من أهل الذمّة، فالتّقييد غالبيّ كالتّعبير بجمع المذكّر السّالم (من لسانه ويده) وبقيّة أعضائه؛ بأن لا يتعرّض لهم بما حرم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وخصّ هذين العضوين! لأن الأذى بهما أغلب.
وقدّم اللّسان! لأكثريّة الأذى به، ولكونه المعبّر عمّا في الضّمير.
وعبّر باللّسان دون القول! ليشمل من أخرج لسانه استهزاء.
وعبّر باليد دون بقيّة الجوارح! ليدخل اليد المعنويّة كالاستيلاء على حقّ الغير ظلما.
فإن قيل: هذا يستلزم أنّ من اتّصف بهذا خاصّة كان كاملا!!
ويجاب بأنّ المراد أتى بذلك مع مراعاة بقيّة أركان الإسلام، فهذا إنّما ورد على سبيل المبالغة؛ تعظيما لترك الإيذاء. كأنّ ترك الإيذاء؛ هو نفس الإسلام الكامل، وكأنّه محصور فيه، على سبيل الادّعاء للمبالغة!!.
قال الخطّابي: أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى حقوق المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة العبد مع ربّه، لأنّه إذا أحسن معاملة إخوانه، فالأولى أن يحسن معاملة ربّه، من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(والمهاجر) هجرة كاملة ممدوحة (من هجر)؛ أي: ترك (ما حرّم الله») عليه، أي: ليس المهاجر حقيقة من هاجر من بلاد الكفر، بل من هجر نفسه،
[ ٤ / ٢٣ ]
٢٠٩- «مع كلّ فرحة.. ترحة» .
وأكرهها على الطّاعة، وحمّلها تجنّب المنهيّ، لأن النّفس أشدّ عداوة من الكافر؛ لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير.
فالمجاهد الحقيقيّ من جاهد نفسه، واتبع سنّة نبيّه، واقتفى طريقه؛ في أقواله وأفعاله على اختلاف أحواله بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلّا على السّنّة، وهذه الهجرة العليا لثبوت فضلها على الدوام.
قال العلقمي: الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة.
فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النّفس الأمّارة بالسّوء والشّيطان.
والظّاهرة: الفرار بالدّين من الفتن.
وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتّكلوا على مجرّد التحوّل من دارهم حتّى يمتثلوا أوامر الشّرع ونواهيه.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لمّا فتحت مكّة؛ تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك؛ بأنّ حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما حرّم الله!! فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز البخاري في «كتاب الإيمان» لكن بلفظ: «ما نهى الله عنه»، وأبو داود في «الجهاد»، والنّسائي في «الإيمان»، وهذا لفظه؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه، ولم يخرّجه مسلم؛ قاله المناوي على «الجامع» .
٢٠٩- («مع كلّ فرحة ترحة») في «النهاية» الترح ضد الفرح. انتهى؛ أي: مع كلّ سرور حزن؛ أي: يعقبه. حتّى كأنّه معه؛ أي: جرت عادة الله بذلك؛ لئلا تسكن نفوس العقلاء إلى نعيمها، ولا تعكف قلوب المؤمنين على فرحاتها؛ فيمقتها الله سبحانه عند هجوم ترحاتها، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) [القصص] قال بعضهم:
[ ٤ / ٢٤ ]
٢١٠- «مفتاح الجنّة.. لا إله إلّا الله» .
ثمانية تجري على سائر الورى ولا بدّ للمرء يذوق الثّمانيه
ففرح وكره واجتماع وفرقة وعسر ويسر ثمّ سقم وعافيه
والحديث ذكره في «الجامع» و«الكنوز» مرموزا له برمز الخطيب في ترجمة أبي بكر الشّيرازي؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وفيه حفص بن غياث، أورده الذّهبي في الضّعفاء، وقال: مجهول. انتهى «مناوي» .
٢١٠- («مفتاح الجنّة) أي: مبيح دخولها (لا إله إلّا الله») أي؛ وأنّ محمّدا رسول الله، وفيه استعارة لطيفة، لأن الكفر لما منع من دخول الجنّة، شبّه بالغلق المانع من دخول الدّار ونحوها؛ والإتيان بالشّهادة لمّا رفع المانع؛ وكان سبب دخولها شبّه بالمفتاح.
وفي البخاري؛ عن وهب أنّه قيل له: أليس مفتاح الجنّة لا إله إلّا الله قال:
بلى؛ ولكن ليس مفتاح إلّا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلّا! فلا. فجعل الأعمال الصالحة الّتي هي ثمرة الشهادة بمنزلة أسنان المفتاح. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال الشريف الرضي: المراد أنّ هذا القول به يوصل إلى دخول الجنة، فجعله ﵊ بمنزلة المفتاح الّذي به يستفتح الغلق؛ ويستفرج الباب.
وأراد ﵊ هذه الكلمة وما يتبعها من شعائر الإسلام وقوانين الإيمان، إلّا أنّه ﷺ عبّر عن جميع ذلك بهذه الكلمة، لأنّها أوّل لتلك الشعائر، وسائرها تابع لها ومتعلّق بها، فهي لها كالزّمام القائد والمتقدّم الرّائد، وذلك كما يعبّرون عن حروف المعجم ببعضها، فيقال: «ألف باء تاء ثاء» والمراد جميعها، وكذلك يقولون هو في «أبجد» ويريدون سائر هذه الحروف، إلّا أنّ هذه الحروف لمّا كانت أوّلة لباقيها ومتقدّمة لما يليها، حسن أن يعبّر بها عن جميعها. انتهى.
والحديث ذكره في «كشف الخفاء» باللّفظ الّذي أورده المصنّف؛ وقال: رواه الإمام أحمد عن معاذ رفعه، قال النجم: وفي لفظ «مفاتيح الجنّة» . وضعّفوه،
[ ٤ / ٢٥ ]
٢١١- «ملاك الدّين.. الورع» .
لكن عند البخاري عن وهب ما يشهد له. انتهى.
وذكره «في كنوز الحقائق»، مرموزا له برمز الديلمي في «الفردوس»، وذكره في «الجامع» بلفظ «مفاتيح الجنّة شهادة ألاإله إلّا الله»، ورمز له برمز الإمام أحمد؛ عن معاذ بن جبل، قال الهيثمي: رجاله وثّقوا، إلّا أنّ شهرا لم يسمع من معاذ. انتهى مناوي على «الجامع» . وفي «فيض القدير» للمناوي:
تنبيه:
قد جعل الله لكلّ مطلوب مفتاحا يفتح به؛ فجعل مفتاح الصّلاة الطّهور، ومفتاح الحجّ الإحرام، ومفتاح البرّ الصّدقة، ومفتاح الجنّة التّوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال والإصغاء، ومفتاح الظّفر الصّبر، ومفتاح المزيد الشّكر، ومفتاح الولاية والمحبّة الذّكر، ومفتاح الفلاح التّقوى، ومفتاح التّوفيق الرّغبة والرّهبة، ومفتاح الإجابة الدّعاء، ومفتاح الرّغبة في الآخرة الزّهد في الدّنيا، ومفتاح الإيمان التفكّر في مصنوعات الله، ومفتاح الدّخول على الله استسلام القلب والإخلاص له في الحبّ والبغض، ومفتاح حياة القلوب تدبّر القرآن والضّراعة بالأسحار وترك الذّنوب، ومفتاح حصول الرّحمة الإحسان في عبادة الحقّ؛ والسّعي في نفع الخلق؛ ومفتاح الرزق السّعي مع الاستغفار، ومفتاح العزّ الطّاعة، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كلّ خير الرّغبة في الآخرة، ومفتاح كلّ شرّ حبّ الدّنيا وطول الأمل. وهذا باب واسع من أنفع أبواب العلم، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يقف عليه إلّا الموفّقون. انتهى.
٢١١- («ملاك) - بكسر الميم وفتحها- (الدّين) - أي: قوامه، ونظامه، وما يعتمد عليه فيه- هو: (الورع») بالكفّ عن التّوسّع في الأمور الدّنيويّة؛ المشغلة عن ذكر الله ودوام مراقبته.
والورع أصله: النّظر البالغ في كلّ شيء، والبحث التّام عن كلّ شيء هو بصدده.
[ ٤ / ٢٦ ]
٢١٢- «المكر والخديعة.. في النّار» .
وأصل الملاك استحكام القدرة؛ يعني أنّ إحكام الدّين يكون بالورع، بمعنى أنه إذا وجد كان الدّين على غاية من الكمال، وذلك لأن الورع دائم المراقبة للحقّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلا بحقّ؛ كما قال الحبر ابن عباس: كان عمر كالطّير الحذر.
والحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان، والدّيلمي؛ كلاهما عن عبادة بن الصّامت. وأخرجه الخطيب وابن عبد البرّ؛ كلاهما عن ابن عباس. وأخرجه ابن عبد البر؛ عن أبي هريرة ﵃ أجمعين. وذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.
٢١٢- («المكر): إضمار السوء لغيره (والخديعة): إيصال المكروه للغير، من حيث لا يعلم (في النّار») ومعناه- كما قال العسكري-: أنّ صاحب المكر والخداع لا يكون تقيّا، ولا خائفا لله، لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق نفسه، وهذا لا يكون في تقي، فكلّ خلّة جانبت التّقى فهي في النّار؛ أي صاحبها. انتهى.
ومقتضى هذا تغاير المكر للخديعة، لأنّه جعل المكر سبب الغدر، وهو سبب الخديعة؛ والسبب مغاير للمسبب!! وفي «القاموس» وغيره: المكر الخديعة!!
والجواب: أنّه جرد المكر عن معناه، كما ذكرناه؛ فلا يخالف ترادفهما.
وقال الرّاغب: المكر والخديعة متقاربان، وهما اسمان لكلّ فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره؛ ويكون سيّئا، كقصد إنزال مكروه بالمخدوع.
وإيّاه قصد ﷺ بهذا الحديث، ومعناه يؤدّيان بقاصدهما إلى النّار، ويكون حسنا؛ وهو أن يقصد فاعلهما مصلحة بالمخدوع والممكور به، كما يفعل بالصّبي إذا امتنع من فعل خير، ولكونهما ضربين قال تعالى وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) [فاطر]، ووَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [٤٣/ فاطر] ووصف نفسه بالمكر الحسن؛ فقال وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) [آل عمران] . انتهى زرقاني على «المواهب» .
[ ٤ / ٢٧ ]
٢١٣- «من أبطأ به عمله.. لم يسرع به نسبه» .
٢١٤- «من اتّقى الله.. كلّ لسانه، ولم يشف غيظه» .
والحديث ذكره في «المواهب» وقال: رواه الديلمي؛ عن أبي عن أبي هريرة، والقضاعي؛ عن ابن مسعود وزاد: «من غشّنا فليس منّا» . وفي الباب غيرهما، ونحو «ليس منّا من ضارّ مسلما وما كره» رواه الترمذي. انتهى مع زيادة من «شرح الزرقاني» .
٢١٣- («من أبطأ) - بألف قبل الموحدة ودونها: روايتان، وهما بمعنى، إلّا أنّ السّخاوي ادّعى أنّ لفظ مسلم بلا ألف، وأنّ رواية القضاعي «أبطأ» بألف- (به عمله) - أي: أخّره عمله السّيء، أو تفريطه في العمل الصّالح؛ بأن لم يأت به على الوجه الأكمل- (لم يسرع به نسبه») - أي: لا ينفعه في الآخرة شرف النّسب؛ فلا يعجل به إلى منازل السعداء. والحديث رواه مسلم، وأبو داود، والتّرمذي، وابن ماجه، وأحمد، والعسكري، والقضاعي؛ كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ في آخر حديث لفظه: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا » الخ. انتهى «زرقاني» .
٢١٤- («من اتّقى الله) - أي: أطاعه في أمره ونهيه بقدر الاستطاعة- (كلّ) بفتح الكاف وشدّ اللام؛ أي: تعب وأعيا- (لسانه، ولم يشف غيظه») ممّن فعل به مكروها، لأنّ التّقوى عبارة عن امتثال أوامر الله؛ وتجنّب نواهيه.
ولن يصل العبد إلى القيام بأوامره، إلّا بمراقبة قلبه وجوارحه في لحظاته وأنفاسه؛ بحيث يعلم أنّه مطّلع عليه وعلى ضميره، ومشرف على ظاهره وباطنه؛ محيط بجميع لحظاته وخطراته وخطواته، وسائر حركاته وسكناته، وذلك مانع له مما ذكر.
فمن زعم أنّه من المتقين؛ وهو ذرب اللّسان، منتصر لنفسه، مشف لغيظه؛ فهو من الكاذبين، لا بل من الهالكين.
[ ٤ / ٢٨ ]
٢١٥- «من اتّقى الله.. وقاه كلّ شيء» .
٢١٦- «من أحبّ أن يعلم منزلته عند الله.. فلينظر منزلة الله عنده» .
والحديث ذكره في «الجامع»؛ وقال: أخرجه ابن أبي الدّنيا في «كتاب التّقوى»؛ عن سهل بن سعد. ورواه عنه أيضا الدّيلميّ في «مسند الفردوس» قال الحافظ العراقي: وسنده ضعيف، قال: ورأيناه في «الأربعين البلدانية» للسّلفي.
انتهى مناوي على «الجامع» .
٢١٥- («من اتّقى الله وقاه كلّ شيء») يخافه أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس]، فأعظم بخصلة تضمّنت موالاة الله وانتفاء الخوف والحزن، وحصول البشرى في الدّنيا والعقبى!! فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) [التوبة]، أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [٦٢- ٦٤/ يونس] .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير»؛ وقال: أخرجه ابن النّجّار في «تاريخه»؛ عن ابن عباس، ورواه عنه أيضا الخطيب في «تاريخه» باللفظ المزبور. انتهى مناوي على «الجامع» .
٢١٦- («من أحبّ أن يعلم منزلته عند الله) - أي: هل هو من النّاجين المحبوبين لله؛ أم لا- (فلينظر) - كيف- (منزلة الله عنده») من الوقار والإجلال المستلزمين لامتثال الأوامر واجتناب النّواهي، فمنزلة الله عند العبد في قلبه على قدر معرفته إيّاه؛ وعلمه به وإجلاله وتعظيمه، والحياء والخوف منه، وإقامة الحرمة لأمره ونهيه، والوقوف عند أحكامه بقلب سليم ونفس مطمئنة، والتّسليم له روحا وبدنا وقلبا، ومراقبة تدبيره في أموره، ولزوم ذكره، والنّهوض بأثقال نعمته ومنّته، وترك مشيئة نفسه لمشيئته وحسن الظّنّ به، والنّاس في ذلك درجات، وحظوظهم بقدر حظوظهم من هذه الأشياء؛ فأوفرهم حظّا منها أعظمهم درجة عنده، وعكسه بعكسه.
[ ٤ / ٢٩ ]
قال ابن عطاء الله: إذا أردت أن تعرف مقامك عنده؛ فانظر ما أقامك فيه! فإن كان في الخدمة؛ فاجتهد في تصحيح عبوديتك، ودوام المراقبة في خدمتك، لأنّ شرط العبوديّة المراقبة في الخدمة لمراد المولى؛ وهي المعرفة، لأنك إذا عرفت أنّه أوجدك وأعانك واستعملك فيما شاء- وأنت عاجز- عرفت نفسك، وعرفت ربّك، ولزمت طاعته.
إذا أردت أن ترى مقامكا لديه فلتنظر بما أقامكا
فقيمة الإنسان عند ربّه بقدر ما شغله الرّبّ به
قال بعض العارفين: إن أردت أن تعرف قدرك عنده؛ فانظر فيم يقيمك.
متى رزقك الطّاعة والغنى به عنها؛ فاعلم أنّه أسبغ نعمه عليك ظاهرة وباطنة.
وخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك.
متى رزقت طاعة مع الغنى عنها بمولاك فقد نلت المنى
إذ أسبغ الله عليك نعمه ظاهرة باطنة وكرمه
أجلّ ما تطلبه من ربّكا ما هو طالب له من نفسكا
والحديث ذكره المناويّ في «الطّبقات»، وقال في «العزيزي»: رواه الحاكم بلفظ: «من كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه» . وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ:
«من أراد أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده» ورمز له برمز الدارقطني في «الأفراد»؛ عن أنس بن مالك، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية»؛ عن أبي هريرة ﵁؛ وعن سمرة بلفظ: «من سرّه أن يعلم الخ» وقال: إنه غريب من حديث صالح المرّي. وصالح المرّي. وصالح المرّي ذكره الذّهبي في الضعفاء؛ وقال فيه: قال النّسائي وغيره: متروك.
ورواه الحاكم عن جابر بلفظ: «من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله
[ ٤ / ٣٠ ]
٢١٧- «من أحبّ دنياه.. أضرّ باخرته، ومن أحبّ آخرته..
أضرّ بدنياه؛ فاثروا ما يبقى على ما يفنى» .
عنده، فإنّ الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه» انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
٢١٧- («من أحبّ دنياه أضرّ باخرته) لأن حبّها يشغله عن تفريغ قلبه لحبّ ربّه ولسانه لذكره؛ فتضرّ آخرته (ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه) فهما ككفّتي الميزان؛ إذا رجحت إحداهما خفّت الآخرى.
قال الإمام علي ﵁: الدّنيا والآخرة كالمشرق والمغرب؛ إذا قربت من إحداهما بعدت عن الآخرى، فالجمع بين الدّنيا والدّين على الكمال لا يكاد يقع، إلّا لمن سخّره الله لتدبير خلقه في معاشهم ومعادهم؛ وهم الأنبياء.
أمّا غيرهم! فإذا شغلت قلوبهم بالدّنيا انصرفت عن الآخرة، وذلك أنّ حبّ الدّنيا سبب لشغله بها والانهماك فيها؛ وهو سبب للشّغل عن الآخرة، فتخلو عن الطّاعة، فيفوت الفوز بدرجاتها؛ وهو عين المضرّة.
بنى ملك من الملوك مدينة وتأنّق فيها، ثمّ صنع طعاما ونصب ببابها من يسأل عنها. فلم يعبها إلّا ثلاثة، فسألهم فقالوا: رأينا عيبين. قال: وما هما؟ قالوا:
تخرب ويموت صاحبها. قال: فهل ثمّ دار تسلم منها؟! قالوا: نعم، الآخرة، فتخلّى عن الملك وتعبّد معهم، ثمّ ودّعهم، فقالوا: هل رأيت منا ما تكره!!.
قال: لا، لكن عرفتموني فأكرمتموني، فأصحب من لا يعرفوني. انتهى «مناوي» .
(فاثروا) أي: إذا علمتم ذلك فقدّموا (ما يبقى على ما يفنى») فقد ذمّ الله من يحبّ الدّنيا، ويؤثرها على الآخرة، بقوله كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) [القيامة] وذمّ حبّها يستلزم مدح بغضها. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا برمز الإمام أحمد، والحاكم؛ عن
[ ٤ / ٣١ ]
٢١٨- «من أحبّ شيئا.. أكثر من ذكره» .
٢١٩- «من أحبّ قوما.. حشره الله في زمرتهم» .
أبي موسى الأشعري، قال الحاكم: على شرطهما، وردّه الذّهبي، وقال: فيه انقطاع. انتهى. وقال المنذري والهيثمي: رجال أحمد ثقات. انتهى. وفي «العزيزي»: إنّه حديث صحيح. انتهى.
٢١٨- («من أحبّ شيئا أكثر من ذكره») أي: علامة صدق المحبّة إكثار ذكر المحبوب، ولهذا قال أبو نواس:
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
قال في «الرعاية»: علامة المحبّين كثرة ذكر المحبوب على الدّوام؛ لا ينقطعون، ولا يملّون، ولا يفترون، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبّين؛ لا يريدون به بدلا، ولا يبغون عنه حولا، لو قطعوا عن ذكر محبوبهم فسد عيشهم!.
وقال بعضهم: علامة المحبّة ذكر المحبوب على عدد الأنفاس. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث رواه أبو نعيم، والديلمي؛ عن عائشة ﵂ مرفوعا.
٢١٩- («من أحبّ قوما حشره الله في زمرتهم»)، فمن أحبّ أولياء الرّحمن فهو معهم في الجنان، ومن أحب حزب الشّيطان فهو معهم في النيران.
وفيه بشارة عظيمة لمن أحب الصوفيّة؛ أو تشبّه بهم، وأنّه يكون مع تفريطه بما هم عليه معهم في الجنّة.
والحديث أخرجه الطّبراني في «الكبير»، والضياء المقدسي؛ عن أبي قرصافة بكسر القاف فسكون الراء فصاد مهملة ففاء- واسمه: حيدة، قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم! فقال السخاوي: فيه إسماعيل بن يحيى التيمي ضعيف. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
[ ٤ / ٣٢ ]
٢٢٠- «من أحبّ لقاء الله.. أحبّ الله لقاءه» .
قال في «كشف الخفا»، ويشهد له حديث: «المرء مع من أحبّ» .
انتهى» .
٢٢٠- («من أحبّ لقاء الله) أي: المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان الله؛ فيكون موته أحبّ إليه من حياته (أحبّ الله لقاءه») أي: أفاض عليه فضله وأكثر عطاياه. وتمام الحديث: «ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» .
قالت عائشة؛ أو بعض أزواجه: إنّا لنكره الموت!.
قال: «ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت وبشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه؛ فأحبّ لقاء الله وأحبّ الله لقاءه، وإنّ الكافر إذا حضره الموت وبشّر بعذاب الله وعقابه، فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه؛ كره لقاء الله فكره الله لقاءه» . انتهى.
قال النّوويّ: هذا الحديث يفسّر آخره أوّله، ويبيّن المراد بباقي الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله.
ومعنى الحديث: أنّ الكراهة المعتبرة هي التّي تكون عند النّزع؛ في حالة لا تقبل فيها توبة، ولا غيرها، فحينئذ يبشّر كلّ إنسان بما هو صائر إليه، وما أعدّ له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السّعادة يحبّون الموت ولقاء الله؛ لينقلوا إلى ما أعدّ لهم، ويحبّ الله لقاءهم فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاء يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينقلبون إليه ويكره الله لقاءهم، أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته ﷾ لقاءهم.
وليس معنى الحديث: أنّ سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك!! ولا أنّ حبّه لقاء الآخرين حبّهم ذلك!! بل هو صفة لهم. انتهى.
والحديث متفق عليه من حديث أبي موسى وعبادة بن الصّامت: البخاري في
[ ٤ / ٣٣ ]
٢٢١- «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه.. فهو ردّ» .
«الرّقاق»، ومسلم في «الدّعوات» عنهما، وعن أبي هريرة، وعن عائشة رضي الله تعالى عنهم.
و«في كشف الخفا»: أنّه أخرجه الإمام أحمد، والبيهقي، والتّرمذي في «الزّهد»، والنّسائي في «الجنائز»؛ عن عائشة، وعن عبادة رضي الله تعالى عنهما.
قال في «الكشف»: وروى مالك، والبخاري- واللفظ له-، ومسلم، والتّرمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال الله تعالى: «إذا أحبّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» . انتهى.
٢٢١- («من أحدث) أي: أنشأ واخترع وأتى بأمر حديث من قبل نفسه (في أمرنا) أي: شأننا الذي نحن عليه، وهو ما شرعه الله تعالى ورسوله، واستمرّ العمل به، وهو دين الإسلام، عبّر عنه بالأمر تنبيها على أنّ هذا الدّين هو أمرنا الّذي نهتمّ به، ونشتغل به؛ بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا، ولا من أفعالنا.
(هذا) موضوع ليشار به لمحسوس مشاهد، وهو هنا مشار به للدّين المعقول، لتنزيله منزلة المحسوس المشاهد؛ اعتناء بشأنه وإشارة إلى جلالته ومزيد رفعته، وتعظيمه بالقرب؛ تنزيلا له باعتبار جلالته منزلة القريب، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يطلب القرب منه وتتوجّه الهمم إلى الوصول إليه.
قال الطّيبيّ: وفي وصف الأمر ب «هذا» إشارة إلى أنّ أمر الإسلام كمل، واشتهر وشاع وظهر ظهورا محسوسا؛ بحيث لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة.
انتهى.
(ما) أي: شيئا (ليس منه) أي: ليس له في الكتاب أو السّنّة عاضد ظاهر، أو خفيّ ملحوظ أو مستنبط، (فهو ردّ») أي: مردود على فاعله، لبطلانه وعدم
[ ٤ / ٣٤ ]
الاعتداد به؛ من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كخلق ومخلوق ونسج ومنسوج، سواء كانت منافاته لما ذكر ١- لعدم مشروعيّته بالكليّة؛ كنذر القيام وعدم الاستضلال. أو ٢- للإخلال بشرطه، أو ركنه؛ عبادة كانت أو عقدا، فلا ينقل الملك مطلقا، أو للزّيادة على المشروع فيه نحو الزّيادة في الصّلاة دون الوضوء. أو ٣- لارتكاب منهياته، كذبح المحرم للصيد، ولبسه للخفّ بلا عذر؛ فلا يمسح عليه، وجماع الصائم، وجماع الحاجّ قبل التّحلّل الأول.
أمّا ما عضده عاضد؛ بأن شهد له شيء من أدلة الشرع، أو قواعده!! فليس بردّ على فاعله، بل هو مقبول منه؛
كبناء نحو الرّبط والمدارس وسائر أنواع البرّ الّتي لم تعهد في الصّدر الأول، فإنّه موافق لما جاءت به الشريعة؛ من اصطناع المعروف والمعاونة على البّر والتقوى.
وكالتّصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية؛ على اختلاف فنونها، وتقرير قواعدها، وكثرة التفريعات، وفرض ما لم يقع، وبيان حكمه، وتفسير القرآن والسّنّة، والكلام على الأسانيد والمتون، وتتبع كلام العرب؛ نثره ونظمه، وتدوين كلّ ذلك، واستخراج علوم اللّغة؛ كالنّحو، والمعاني، والبيان، والأوزان، فذلك كلّه وما شاكله معلوم حسنه، ظاهرة فائدته، معين على معرفة كتاب الله تعالى، وفهم معاني كتابه وسنّة رسوله ﷺ؛ فيكون مأمورا به.
وكتفريع الأصول والفروع، وما يحتاجان إليه من الحساب وغيره من العلوم الآليّة، وككتابة القرآن في المصاحف، ووضع المذاهب وتدوينها، وتصنيف الكتب ومزيد إيضاحها وتبيينها، وغير ذلك ممّا مرجعه ومنتهاه إلى الدّين بواسطة أو وسائط، فإنّه مقبول من فاعله، مثاب ممدوح عليه.
ومن ثمّ استجاز كثيرا منه الصّحابة رضوان الله عليهم؛ كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم في جمع القرآن، فإنّ عمر أشار به على
[ ٤ / ٣٥ ]
أبي بكر؛ خوفا من اندراس القرآن بموت الصّحابة رضي الله تعالى عنهم لمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة، ثمّ شرح الله صدره لفعله، لأنّه ظهر له أنه يرجع إلى الدّين، فإنّه غير خارج عنه.
ومن ثمّ لمّا دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع قال له: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله!! فقال: والله إنّه حقّ. ولم يزل يراجعه حتّى شرح الله صدره للّذي شرح له صدرهما.
وكما وقع لعمر ﵁ في جمع النّاس لصلاة التّراويح في المسجد، مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال- أعني عمر-: نعمت البدعة هي.
أي: لأنها؛ وإن أحدثت ليس فيها ردّ لما مضى، بل موافقة له، لأنّه ﷺ علّل التّرك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته ﷺ.
وقال الشّافعي ﵁:
ما أحدث فخالف كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا؛ فهو البدعة الضالّة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك؛ فهو البدعة المحمودة.
والحاصل: أنّ البدعة الحسنة متّفق على ندبها، وهي ما وافق شيئا مما مرّ؛ ولم يلزم من فعله محذور شرعيّ. ومنها ما هو فرض كفاية، كتصنيف العلوم ونحوها ممّا مرّ. انتهى. من «الفتح المبين» للشيخ أحمد بن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ كلّهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا. وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» أي: مردود عليه، وإن لم يكن هو المحدث له. فاستفيد منه زيادة على ما مرّ- وهي الردّ- لما قد يحتجّ به بعض المبتدعة؛ من أنّه لم يخترع، وإنّما المخترع من سبقه!! ويحتجّ بالرّواية الأولى فيردّ عليه بهذه الرّواية الصّريحة في ردّ
[ ٤ / ٣٦ ]
٢٢٢- «من أرضى النّاس بسخط الله.. وكله الله إلى النّاس» .
٢٢٣- «من أطاع الله.. فاز» .
٢٢٤- «من أعان ظالما.. سلّطه الله عليه» .
المحدثات المخالفة للشّريعة؛ بالطريقة الّتي قدّمناها، سواء أحدثها الفاعل؛ أو سبق بإحداثها.
وفي الحديث دلالة للقاعدة الأصولية أنّ مطلق النّهي يقتضي الفساد، لأنّ المنهي عنه ليس من الدّين، بل مخترع محدث، وقد حكم عليه بالردّ المستلزم للفساد.
وفيه دلالة على إبطال جميع العقود المنهيّة، وعدم وجود ثمراتها المترتّبة عليها، وهو حديث عظيم معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده.
قال النّوويّ: ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به لذلك. انتهى.
٢٢٢- («من أرضى النّاس بسخط الله) كأن وافقهم على غيبة شخص (وكله الله إلى النّاس») ومن وكله إليهم وقع في المهلكات؛ لأنّه لما رضي لنفسه بولاية من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؛ وكله إليه.
وتمام الحديث: «ومن أسخط النّاس برضاء الله كفاه الله مؤنة النّاس» . ذكره في «الجامع الصغير» ورمز له برمز الترمذي، وأبي نعيم في «الحلية»؛ عن عائشة ﵂، ورواه عنها أيضا الدّيلمي والعسكري. انتهى «مناوي» . قال في «العزيزي»: وإسناده حسن.
٢٢٣- («من أطاع الله فاز») ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز الإمام أحمد.
٢٢٤- («من أعان ظالما) على ظلمه (سلّطه الله عليه»)؛ عدلا منه سبحانه
[ ٤ / ٣٧ ]
٢٢٥- «من بثّ.. لم يصبر» .
٢٢٦- «من بورك له في شيء.. فليلزمه» .
وتعالى، فإنّه أحكم الحاكمين. والحديث ذكره في «الكنوز» و«الجامع» مرموزا له برمز ابن عساكر في «التاريخ»؛ عن ابن مسعود رفعه، وهو حديث ضعيف- كما في «العزيزي» - بل قال المناوي كغيره: في سنده زكريا العدوي متّهم بالوضع!! أي: فيكون على هذا ضعيفا شديد الضّعف.
٢٢٥- («من بثّ) أي: أذاع ونشر وشكا مصيبته للنّاس (لم يصبر») أي:
لأنّ الشّكوى منافية للصّبر إذا كانت الشكوى على جهة الجزع.
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز ابن عساكر، وفي «الجامع» ذكره من حديث تمّام؛ عن ابن مسعود، وهو قطعة من حديث أوّله «ثلاث من كنوز البرّ الخ» .
٢٢٦- («من بورك له في شيء) من نحو صناعة، أو حرفة، أو تجارة (فليلزمه») أي: من جعلت معيشته في شيء من ذلك؛ فلا ينتقل عنه حتى يتغيّر، لأنه قد لا يفتح عليه في المنتقل إليه فهو خلقك لما شاء؛ لا لما تشاء، فكن مع مراد الله فيك؛ لا مع مرادك لنفسك.
قال في «الحكم»: من علامة إقامة الحقّ لك في الشي إدامته إياك فيه مع حصول النّتائج. قال النّاظم:
نتيجة الشّيء والاستقامه فيه دواما آية الإقامة
والحديث أخرجه ابن ماجه؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، وذكره في «الكنوز» .
وأخرجه البيهقي في «الشعب»، والقضاعي عنه بلفظ: «من رزق» .
وفي لفظ للبيهقي: «من رزقه الله رزقا في شيء فليلزمه» .
[ ٤ / ٣٨ ]
٢٢٧- «من تأنّى.. أصاب أو كاد، ومن عجل.. أخطأ أو كاد» .
ولابن ماجه؛ عن نافع قال:
كنت أجهّز إلى الشّام وإلى مصر فجهّزت إلى العراق، فأتيت أمّ المؤمنين عائشة فقلت لها: يا أمّ المؤمنين؛ كنت أجهّز إلى الشّام وإلى مصر، فجهّزت إلى العراق!! فقالت: لا تفعل، مالك ولمتجرك!؟ فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إذا سبّب الله لأحدكم رزقا من وجه؛ فلا يدعه حتّى يتغيّر له؛ أو يتنكّر» .
ورواه البيهقي أيضا؛ عنه بسند ضعيف بلفظ: «إذا قسم لأحدكم رزق فلا يدعه حتّى يتغيّر أو يتنكّر له» .
وبلفظ: «إذا فتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه» .
ورواه أحمد؛ عن جابر أيضا بسند ضعيف، ورواه في «الإحياء» بلفظ: «من جعلت معيشته في شيء؛ فلا ينتقل عنه حتّى يتغيّر» انتهى. من «كشف الخفا» للعجلوني.
٢٢٧- («من تأنّى) في أموره (أصاب) الحقّ ونال المطلوب (أو كاد) أن يصيب؛ أي: قارب الإصابة (ومن عجل) - بكسر الجيم- (أخطأ، أو كاد») أن يخطئ؛ أي: قارب الخطأ، لأن العجلة شؤم الطبع، فجاء المشرّع بضدّ الطّبع، وجعل في التأنّي اليمن والبركة، فإذا ترك شؤم الطّبع وأخذ بأمر الشّرع أصاب الحقّ، ونال المراد أو قارب؛ لتعرّضه لرضا ربّه.
قال الغزالي: الاستعجال هو الخصلة المفوّتة للمقاصد؛ الموقعة في المعاصي، ومنها تبدو آفات كثيرة، وفي المثل السائر: إذا لم تستعجل تصل.
قال:
[ ٤ / ٣٩ ]
٢٢٨- «من تشبّه بقوم.. فهو منهم» .
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزّلل
ومن آفاته أنّه مفوّت للورع، فإنّ أصل العبادات وملاكها الورع، والورع أصله النّظر البالغ في كلّ شيء، والبحث التّام عن كلّ شيء هو بصدده، فإن كان المكلّف مستعجلا، لم يقع منه توقّف ونظر في الأمور كما يجب، ويتسارع إلى كلّ طعام فيقع في الزّلل والخلل. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير»، وكذا في «الأوسط» كلاهما؛ عن عقبة بن عامر بإسناد حسن، كما قال العزيزي: وقضيّة كلام المناوي أنّه ضعيف.
٢٢٨- («من تشبّه بقوم) - أي: تزيّا في ظاهره بزيّهم، وفي تعرّفه بفعلهم، وفي تخلّقه بخلقهم، وسار بسيرتهم وهداهم في ملبسهم وبعض أفعالهم، أي:
وكان التشبّه بحقّ قد طابق فيه الظّاهر الباطن-
(فهو منهم») وقيل: المعنى من تشبّه بالصّالحين فهو من أتباعهم؛ يكرم كما يكرمون، ومن تشبّه بالفسّاق يهان ويخذل مثلهم، ومن وضع عليه علامة الشّرف أكرم؛ وإن لم يتحقّق شرفه.
وفيه أنّ من تشبّه من الجنّ بالحيّات وظهر بصورتهم قتل، وأنّه لا يجوز في زماننا لبس العمامة الصفراء أو الزرقاء؛ إذا كان مسلما. كذا ذكره ابن رسلان.
وبأبلغ من ذلك صرّح القرطبيّ فقال: لو خصّ أهل الفسوق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم، فقد يظنّ به من لا يعرفه أنّه منهم! فيظنّ به ظنّ السّوء؛ فيأثم الظّانّ والمظنون فيه بسبب العون عليه.
وقال بعضهم: قد يقع التشبّه في أمور قلبية، من اعتقادات وإرادات وأمور خارجية من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون عادات؛ في نحو طعام ولباس، ومسكن ونكاح، واجتماع وافتراق، وسفر وإقامة وركوب وغيرها.
[ ٤ / ٤٠ ]
وبين الظّاهر والباطن ارتباط ومناسبة، وقد بعث الله المصطفى ﷺ بالحكمة، الّتي هي سنّة، وهي الشّرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان ممّا شرعه له من الأقوال والأفعال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضّالّين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظّاهر في هذا الحديث؛ وإن لم يظهر فيه مفسدة، لأمور؛
منها أنّ المشاركة في الهدي الظّاهر تؤثّر تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، تعود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإنّ لابس ثياب العلماء مثلا، يجد من نفسه نوع انضمام إليهم؛ ولابس ثياب الجند المقاتلة مثلا، يجد من نفسه نوع تخلّق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلّا أن يمنعه مانع.
ومنها أنّ المخالفة في الهدي الظّاهر توجب مباينة ومفارقة؛ توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضّلال، والانعطاف على أهل الهدي والرّضوان.
ومنها أنّ مشاركتهم في الهدي الظّاهر توجب الاختلاط الظّاهر؛ حتّى يرتفع التّمييز ظاهرا بين المهديّين المرضيّين، وبين المغضوب عليهم والضّالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكميّة الّتي أشار إليها هذا الحديث وما أشبهه.
وقال ابن تيميّة: هذا الحديث أقلّ أحواله أن يقتضي تحريم التشبّه بأهل الكتاب!! وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [٥١/ المائدة] .
وهو نظير قول ابن عمر «ومن بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبّه بهم حتّى يموت؛ حشر يوم القيامة معهم» فقد حمل هذا على التشبّه المطلق، فإنّه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك.
وقد يحمل منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها؛ كان حكمه كذلك. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الكشف» ك «الجامع» وقال: رواه أحمد وأبو داود
[ ٤ / ٤١ ]
٢٢٩- «من تعلّق بشيء.. وكل إليه» .
والحاكم والطّبراني في «الكبير»؛ عن ابن عمر رفعه، وفي سنده ضعيف كما في «اللآلي» و«المقاصد» . لكن قال العراقي: سنده صحيح.
وله شاهد عند البزار؛ عن حذيفة وأبي هريرة، وعند أبي نعيم في «تاريخ أصبهان»؛ عن أنس، وعند القضاعي؛ عن طاووس مرسلا، وصححه ابن حبّان.
وتقدّم في «إنّما العلم بالتّعلّم» في أثر عن الحسن: قلّما تشبّه رجل بقوم إلّا كان منهم. وقال النّجم: قلت: روى العسكري عن حميد الطّويل؛ قال: كان الحسن يقول: إذا لم تكن حليما فتحلّم، وإذا لم تكن عالما فتعلّم؛ فقلّما تشبّه رجل بقوم إلا كان منهم. انتهى.
٢٢٩- («من تعلّق بشيء) - قال في «النّهاية»: أي: من علّق على نفسه شيئا من التّعاويذ والتّمائم وأشباهها، معتقدا أنها تجلب نفعا، أو تدفع عنه ضرّا- (وكل إليه») أي: وكلّ الله شفاءه إلى ذلك الشّيء فلا ينفع.
أما إذا اعتقد أنّ الشّفاء من الله تعالى حقيقة، وأنّ هذا الدواء أو هذه التميمة أسباب عادية!! فلا بأس به، إذ الأسباب لا تنافي التّوكّل؛ قاله الحفني.
وكذلك من علّق شيئا من أسماء الله الصريحة، فهو جائز بل مطلوب محبوب، فإن من وكّل إلى أسماء الله أخذ الله بيده.
وأمّا قول ابن العربي «السنّة في الأسماء والقرآن الذكر؛ دون التعليق» !! فممنوع. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد والتّرمذي والحاكم؛ عن عبد الله بن عليم- بالتصغير- الجهني، أبو سعيد الكوفي، أدرك المصطفى ﷺ ولم يره، فروى عن عمر وغيره، وقد سمع كتاب النّبي ﷺ إلى جهينة. انتهى «مناوي» .
[ ٤ / ٤٢ ]
٢٣٠- «من حسن إسلام المرء.. تركه ما لا يعنيه» .
٢٣٠- («من حسن) فائدة الإتيان به!! الإشارة إلى أنّه لا عبرة بصور الأعمال فعلا وتركا، إلّا إذا اتّصفت بالحسن، بأن وجدت شروط مكمّلاتها؛ فضلا عن مصحّحاتها، وجعل ترك ما لا يعني من الحسن مبالغة ذلك، لأنّ الحسن من وصف الملكات؛ والترك عدميّ، فوصفه بوصف الملكات مبالغة.
(إسلام المرء) آثره على الإيمان!! لأنّه الأعمال الظّاهرة، والفعل والترك إنّما يتعاقبان عليها، لأنّها حركات اختيارية يتعاقبان فيها اختيارا، وأمّا الباطنة الرّاجعة للإيمان! فهي اضطرارية؛ تابعة لما يخلقه الله تعالى في النّفوس، ويوقعه فيها.
وهذا من المواضع الّتي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ، لئلّا يعود الضّمير فيه على المتأخّر لفظا ورتبة، لما في المبتدأ من ضمير يعود على متعلّق الخبر؛ فهو من باب «على التّمرة مثلها زبدا»، فقوله: «من حسن إسلام المرء»، خبر مقدّم، والمبتدأ هو قوله (تركه) - مصدر مضاف لفاعله- (ما) - أي: شيئا، أعمّ من أن يكون قولا أو فعلا- (لا يعنيه») بفتح أوله؛ من «عناه الأمر»؛ إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته.
ومفهومه: أنّ من قبح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه.
والّذي «لا يعني» هو: الفضول كلّه على اختلاف أنواعه.
والّذي «يعني» الإنسان من الأمور: ما تعلّق ١- بضرورة حياته في معاشه؛ مما يشبعه من جوع، ويرويه من عطش، ويستر عورته، ويعفّ فرجه، ونحو ذلك مما يدفع الضّرورة؛ دون ما فيه تلذّذ وتنعّم واستكثار.
و٢- سلامته في معاده، وهو الإسلام والإيمان والإحسان، فإذا اقتصر على ما يعنيه سلم من سائر الآفات، وجميع الشرور، والمخاصمات، وكان ذلك من الفوائد الدّالّة على حسن إسلامه، ورسوخ إيمانه، وحقيقة تقواه، ومجانبته لهواه، ومعاناة ما عداه ضياع للوقت النّفيس، الّذي لا يمكن أن يعوّض فائته فيما
[ ٤ / ٤٣ ]
٢٣١- «من رتع
لم يخلق لأجله. فمن عبد الله على استحضار قربه من ربه، أو قرب ربّه منه؛ فقد حسن إسلامه- كما مرّ-.
وأخذ النّووي من هذا الخبر: أنّه يكره أن يسأل الرّجل فيم ضرب امرأته.
قال بعضهم: وممّا لا يعني العبد تعلّمه ما لا يهمّ من العلوم وتركه أهمّ منه، كمن ترك تعلّم العلم الذي فيه صلاح نفسه، واشتغل بتعلّم ما يصلح به غيره، كعلم الجدل؛ ويقول في اعتذاره «نيتي نفع النّاس»، ولو كان صادقا؛ لبدأ باشتغاله بما يصلح نفسه وقلبه، من إخراج الصّفات المذمومة؛ من نحو حسد ورياء، وكبر وعجب، وتطاول على الأقران، ونحوها من المهلكات. انتهى «مناوي على «الجامع»، ومن شرح ابن حجر على «الأربعين النوويّة» .
والحديث ذكره في «الجامع»، و«الأربعين النووية»، و«كشف الخفا»؛ وقالوا: رواه الإمام أحمد، والتّرمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى؛ عن أبي هريرة ﵁.
ورواه الإمام أحمد، والطبراني؛ عن الحسن بن علي. ورجالهما ثقات.
ورواه الحكيم في «الكنى والألقاب»؛ عن أبي بكر، والشيرازيّ؛ عن أبي ذر، والعسكري، والحاكم في «تاريخ نيسابور»؛ عن علي بن أبي طالب، والطّبرانيّ في «الأوسط»، عن زيد بن ثابت، وابن عساكر في «التّاريخ»؛ عن أبي عبد الرحمن: الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المكيّ رفعوه، وقد أوضحه السّخاوي في تخريج أحاديث «الأربعين النووية» .
قال المناوي على «الجامع»: وأشار باستيعاب مخرجيه!! إلى تقوّيه وردّ زعم جمع ضعّفه، ومن ثمّ حسّنه النّووي، بل صحّحه ابن عبد البر، وبذكره خمسة من الصّحابة إلى ردّ قول آخرين لا يصح إلّا مرسلا. انتهى.
٢٣١- («من رتع) بفتح المثناة الفوقية فيه وفي مضارعه، أي: رعى مواشيه
[ ٤ / ٤٤ ]
حول الحمى.. يوشك أن يواقعه» .
٢٣٢- «من رضي بقسمة الله.. استغنى» .
(حول) - يعني جانب- (الحمى) - بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مخففة، أي: المكان المحميّ، والمراد به موضع الكلأ الذي منع منه الغير، وتوعّد من رعى فيه- (يوشك) - بكسر الشين مضارع «أوشك» بفتحها أي: يقرب- (أن يواقعه»)؛ أي: تأكل ماشيته منه؛ فيعاقب.
شبّه أخذ الشهوات بالراعي، والمحارم بالحمى، والشّبهات بما حوله، فكما أنّ الرّاعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد، لأنّه يلزم من القرب منه الوقوع وإن كثر الحذر؛ فيعاقب، كذلك حمى الله تعالى؛ أي: محارمه الّتي حظرها لا ينبغي قرب حماها؛ فضلا عنها، لغلبة الوقوع فيها حينئذ فيستحقّ العقوبة، وأنّ الّذي ينبغي تحرّي البعد عنها، وعمّا يجرّ إليها من الشّبهات ما أمكن، حتّى يسلم من ورطتها.
ومن ثمّ قال تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [١٨٧/ البقرة]، نهى عن المقاربة حذرا من المواقعة! والقصد إقامة البرهان على تجنّب الشّبهات، لأنّه لمّا كان حمى الله لا يدركه إلّا ذو البصائر؛ كان فيه نوع خفاء فضرب له المثل بالمحسوس، بخلاف حمى الملوك، فإنّه محسوس يحترز عنه كلّ بصير. انتهى ابن حجر «شرح الأربعين»، ومناوي على «الجامع» .
وهذا قطعة من حديث أخرجه أهل الكتب السّتّة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وله فوائد جمّة أفردت بالتّأليف، حتى قال بعضهم: إنّه عليه نور النّبوة، عظيم الموقع من الشّريعة.
٢٣٢- («من رضي بقسمة الله) - تعالى أي: قنع بما أعطاه الله تعالى؛ ولم يتضجّر، ولم يتسخّط، وشكر الله- (استغنى»): اتّصف بالغنى الحقيقي الّذي هو الغنى عن الشّيء؛ لا به، وهو القناعة المحمودة، الّتي توجد في أفراد من النّاس، فليحمد الله على ما أكرمه الله به.
[ ٤ / ٤٥ ]
٢٣٣- «من رضي عن الله.. ﵁» .
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.
٢٣٣- («من رضي عن الله)؛ بأن سلّم لقضائه وقدره، من ضيق عيش وبلاء بدن، وفقد ولد؛ مثلا، فلا يتسخّط ولا يتشكّى- (﵁») أي: أثابه وأدخله الجنّة ونعمه. قال الطّيبي: ولعلوّ هذه المرتبة التي هي الرّضا من الجانبين خصّ الله كرام الصّحب بها، حيث قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [٨/ البينة] .
قال بعضهم: رضا العبد عن الله: ألايختلج في سرّه أدنى حزازة من وقوع قضاء من أقضيته، بل يجد في قلبه لذلك برد اليقين، وثلج الصّدور، وشهود المصلحة، وزيادة الطّمأنينة.
ورضا الله عن العبد: تأمينه من سخطه، وإحلاله دار كرامته.
وقال السهروردي: الرّضا يحصل لانشراح القلب، وانفساحه، وانشراح القلب من نور اليقين، فإذا تمكّن النّور من الباطن؛ اتّسع الصّدر، وانفتحت عين البصيرة، وعاين حسن تدبير الله، فينزع السّخط والتّضجّر، لأنّ انشراح الصّدر؛ يتضمن حلاوة الحب، وفعل المحبوب، بموقع الرّضا عند المحبّ الصّادق، لأنّ المحبّ يرى أنّ الفعل من المحبوب مراده واختياره، فيفنى في لذّة اختيار المحبوب عن اختيار نفسه.
وقال بعض العارفين: الرّضا عن الله باب الله الأعظم وجنّة الدّنيا ولذّة العارفين، والرّاضوان عن الله في الجنّة، وهم في الدّنيا راضون عنه؛ متلذّذون بمجاري أقضيته، سليمة صدورهم من الغل، مطهّرة قلوبهم عن الفساد، لا يتحاسدون ولا يتباغضون. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع»، وقال: أخرجه ابن عساكر في «تاريخه»، عن عائشة ﵂.
[ ٤ / ٤٦ ]
٢٣٤- «من سرّته حسنته وساءته سيّئته.. فهو مؤمن» .
٢٣٤- («من سرّته حسنته)؛ أي: فرح بها لكونه راجيا ثوابها موقنا بنفعها، (وساءته سيّئته)؛ أي: حصل له همّ وغمّ بارتكابها؛ (فهو مؤمن») كامل الإيمان، لأنّ هذا شأن من أيقن أنّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وأنّه يجازيه بعمله، وأمّا من لا يرى للحسنة فائدة ولا للمعصية آفة؛ فذلك يكون من استحكام الغافلة على قلبه، فإيمانه ناقص، ولهذا قال ابن مسعود- فيما خرّجه الحكيم التّرمذي-:
بأنّ المؤمن إذا أذنب فكأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه فتقتله، والمنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه.
فعلامة المؤمن أن توجعه المعصية حتّى يسهر ليله فيما حلّ بقلبه من وجع الذّنب، ويقع في العويل كالّذي فارق محبوبه من الخلق بموت أو غيره، فيتفجّع لفراقه فيقع في النّحيب.
نعم السّرور بالحسنة مقيّد في أخبار أخر؛ بأنّ شرطه ألاينتهي إلى العجب بها، فيسرّ بما يرى من طاعته فيطمئنّ بأفعاله؛ غافلا عن منّة الله فيها، فيكون قد انصرف عن الله إلى نفسه العاجزة الحقيرة الضّعيفة الأمّارة اللّوّامة، فيهلك. ولهذا قال بعض العارفين: ذنب يوصل العبد إلى الله تعالى خير من عبادة تصرفه عنه، وخطيئة تفقره إلى الله خير من طاعة تغنيه عن الله تعالى.
معصية أورثت افتقارا خير من الطّاعة واستكبارا
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق»، والسيّوطي في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير»؛ عن أبي موسى الأشعري بإسناد ضعيف.
ورواه الطّبراني عن أبي أمامة باللّفظ المذكور، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه النّسائي في «الكبرى» باللفظ المزبور؛ عن عمر، فساق
[ ٤ / ٤٧ ]
٢٣٥- «من صمت.. نجا» .
بإسناده إلى جابر بن سمرة: أنّ عمر خطب النّاس فقال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّته » الخ.
قال الحافظ العراقي في «أماليه»: صحيح على شرط الشّيخين.
وأخرجه أحمد في «المسند» بلفظ: «من ساءته سيّئته وسرّته حسنته فهو مؤمن» قال- أعني العراقي-: حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع» .
٢٣٥- («من صمت)؛ أي: سكت عن النطق بما لا يعنيه، أي:
ما لا ثواب فيه، (نجا») من العقاب والعتاب يوم الماب، ولذا قال ﷺ: «كفّ عنك هذا، وهل يكبّ النّاس » الحديث، ولذا جعل للّسان حبسان: الأسنان والشّفتان.
قال الغزالي: هذا من فصل الخطاب وجوامع كلمه ﷺ، وجواهر حكمه، ولا يعرف ما تحت كلماته من بحار المعاني؛ إلّا خواصّ العلماء، وذلك أنّ خطر اللّسان عظيم، وآفاته كثيرة؛ من نحو كذب، وغيبة، ونميمة، ورياء، ونفاق، وفحش، ومراء، وتزكية نفس، وخوض في باطل، ومع ذلك إنّ النّفس تميل إليها لأنها سبّاقة إلى اللّسان، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطّبع والشّيطان، فالخائض فيها قلّما يقدر على أن يلزم لسانه، فيطلقه فيما يحبّ، ويكفّه عما لا يحبّ، ففي الخوض خطر، وفي الصّمت سلامة؛ مع ما فيه من جمع الهمّ، ودوام الوقار، وإفراغ الفكر للعبادة، والذكر، والسّلامة من تبعات القول في الدّنيا، ومن حسابه في الآخرة.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: الأحاديث الواردة في الصمت وفضله؛ ك «من صمت نجا»، وحديث ابن أبي الدّنيا بسند رجاله ثقات: «أيسر العبادة الصّمت» !! لا تعارض حديث ابن عباس الّذي جزم بقضيّته الشّيخ في «التّنبيه» من النّهي عن صمت يوم إلى اللّيل، لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصّمت المرغّب فيه
[ ٤ / ٤٨ ]
٢٣٦- «من ضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنّة» .
ترك الكلام الباطل، وكذا المباح؛ إن جرّ إليه، والصّمت المنهيّ عنه ترك الكلام في الحقّ لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطّرفين. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والتّرمذي في الزّهد؛ عن ابن عمرو بن العاص، وقال: غريب لا نعرفه، إلّا من حديث ابن لهيعة.
قال النّووي في «الأذكار» بعد ما عزاه للتّرمذي: إسناده ضعيف، وإنّما ذكرته!! لأبيّنه لكونه مشهورا.
وقال الزّين العراقي: سند التّرمذي ضعيف، وهو عند الطّبراني بسند جيّد.
وقال المنذري: رواة الطّبراني ثقات. انتهى. وقال ابن حجر: رواته ثقات.
انتهى مناوي على «الجامع» .
٢٣٦- («من ضمن لي) - من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية، فأطلق الضّمان وأراد لازمه وهو أداء الحقّ الّذي عليه-
(ما بين لحييه)؛ بفتح اللّام وسكون المهملة، والتّثنية: هما العظمان بجانبي الفمّ، وأراد بما بينهما اللّسان وما يتأتّى به النّطق.
(وما بين رجليه)؛ أي: الفرج، ترك التّصريح به استهجانا له واستحياء، لأنّه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
والمعنى: من أدّى الحقّ الّذي على لسانه، من النّطق بما يجب عليه أو الصّمت عما لا يعنيه، وأدّى الحقّ الّذي على فرجه من وضعه في الحلال، وكفّه عن الحرام.
(ضمنت له على الله الجنّة») أي: دخوله إياها؛ قاله الحافظ وغيره.
وقال الدّاودي أحمد بن نصر المالكي: المراد بما بين اللّحيين الفم بتمامه،
[ ٤ / ٤٩ ]
فيتناول الأقوال كلّها والأكل والشّرب وسائر ما يتأتّى بالفم من النّطق، والفعل؛ كتقبيل وعضّ وشتم.
قال- أعني الدّاودي-: ومن تحفّظ من ذلك أمن من الشرّ كلّه، لأنّه لم يبق إلّا السّمع والبصر. قال الحافظ: وخفي عليه أنّه بقي البطش باليدين؛ وإنّما محمل الحديث على أنّ النّطق باللّسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلّا في خير سلم.
وقال ابن بطّال: دلّ الحديث على أنّ أعظم البلايا على المرء في الدّنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرّهما وقي أعظم الشّرّ. انتهى. يعني فخصّهما بالذكر لذلك.
وقال الطّيبي أصل الكلام: من يحفظ ما بين لحييه من اللّسان والفم فيما لا يعنيه من الكلام والطّعام يدخل الجنّة، فأراد أن يؤكّد الوعد تأكيدا بليغا، فأبرزه في صورة التّمثيل ليشير بأنّه واجب الأداء؛ فشبّه صورة حفظ المؤمن نفسه، بما وجب عليه من أمر النّبي ﷺ ونهيه، وشبّه ما يترتّب عليه من الفوز بالجنّة، وأنّه واجب على الله تعالى بحسب الوعد أداؤه، وأنّه ﷺ هو الواسطة والشّفيع بينه وبين الله تعالى بصورة شخص له حقّ واجب الأداء على آخر، فيقوم به ضامن منّا يتكفّل له بأداء حقّه، وأدخل المشبّه في جنس صورة المشبّه به، وجعله فردا من أفراده، ثمّ ترك المشبّه به، وجعل القرينة الدّالة عليه ما يستعمل فيه من الضّمان؛ ونحوه في التمثيل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [١١١/ التوبة] انتهى. شرح الزّرقاني على «المواهب»، وشروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا»، وفي «المواهب» وقالا: رواه جماعة؛ منهم العسكري عن جابر بهذا اللّفظ مرفوعا.
وأخرجه البخاري في «الرّقاق» و«المحاربين»، والتّرمذيّ في «الزّهد»؛ وقال: حسن صحيح غريب؛ كلاهما عن سهل بن سعد السّاعدي بلفظ:
[ ٤ / ٥٠ ]
٢٣٧- «من عمل بما علم.. ورّثه الله علم ما لم يعلم» .
«من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنّة» . وفي لفظ عند الطّبراني بسند جيد؛ عن أبي رافع: «من توكّل لي ما بين فقميه ورجليه أتوكّل له بالجنّة»، وفي لفظ آخر: «من تكفّل لي تكفّلت له» . وتكلّم عليها العسكري.
وروى التّرمذي وابن حبّان والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«من وقاه الله شرّ ما بين لحييه وشرّ ما بين رجليه دخل الجنّة»، وفي لفظ عنه «من حفظ ما بين لحييه» .
وللدّيلمي والبيهقي بسند ضعيف؛ عن أنس رفعه:
«من وقي شرّ قبقبه وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنّة» .
ولفظ الإحياء «فقد وقي»؛ بدل «وجبت له الجنّة» .
وفي الباب عن ابن عبّاس وآخرين.
«وقبقبه» - بقافين مفتوحتين وموحدتين؛ أولاهما ساكنة-: البطن؛ من القبقبة، وهي صوت يسمع من البطن.
«وذبذبه» - بذلين معجمتين مفتوحتين وموحّدتين؛ أولاهما ساكنة-:
الذكر.
«ولقلقه» - بلامين مفتوحتين وقافين؛ أولاهما ساكنة-: اللّسان، ويجوز أن يكون القبقبة كناية عن أكل الحرام؛ وفي هذا كلّه تحذير عظيم من شهوتي البطن والفرج، وأنّهما مهلكة ولا يقدر على كسر شهوتهما إلّا الصّدّيقون. انتهى «كشف الخفا»، وزرقاني على «المواهب» .
٢٣٧- («من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم») أي: العلم اللّدنيّ، الّذي هو موهبة من الله؛ يدرك به العبد ما للنفس من الحظوظ، وما للحقّ من الحقوق، فيترك ما لها من الحظوظ، ويقوم بما للحقّ من الحقوق، وهو معنى قول
[ ٤ / ٥١ ]
البعض «أراد به: إلهامه علم ما لم يتعلّم من مزيد معرفة الله تعالى، وخدع النّفس والشّيطان، غرور الدّنيا وآفات العمل؛ من نحو عجب ورياء وكبر، ورياضة النّفس وتهذيبها، وتحمّل الصّبر على مرّ القضاء، والشّكر على النّعماء، والثّقة بما وعد، والتّوكّل عليه، وتحمّل أذى الخلق» .
وقد ثبت أنّ دقائق علوم الصّوفيّة منح إلهيّة، ومواهب اختصاصيّة؛ لا تنال بمعتاد الطلب.
فلزم مراعاة وجه تحصيل ذلك؛ وهو ثلاث:
الأوّل: العمل بما علم على قدر الاستطاعة.
الثّاني: اللجأ إلى الله تعالى على قدر الهمّة.
الثّالث: إطلاق النّظر في المعاني حال الرجوع لأهل السّنّة، ليحصل الفهم وينتفي الخطأ، ويتيسّر الفتح.
وقد أشار لذلك الجنيد بقوله: ما أخذنا التّصوّف عن القيل والقال، والمراء والجدال، بل عن الجوع والسّهر ولزوم الأعمال.
قال الغزالي: من انكشف له ولو الشيء اليسير؛ بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري؛ فقد صار عارفا بصحّة الطّريق، ومن لم ير ذلك من نفسه! فينبغي أن يؤمن به، فإنّ درجة المعرفة عزيزة جدا.
ويشهد لذلك شواهد الشّرع والتّجارب والوقائع، فكلّ حكم يظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلّم؛ فهو بطريق الكشف والإلهام.
وقال حجّة الإسلام: يتعيّن أن يكون أكثر الاهتمام بعلم الباطن، ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، وصدق الرّجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة، فإنّ المجاهدة تقضي إلى المشاهدة، فجاهد تشاهد دقائق علم القلوب، وتنفجر منها ينابيع الحكمة من القلب.
[ ٤ / ٥٢ ]
أما الكتب في التعليم فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والحدّ، إنّما تنفتح بالمجاهدة، قال: وكم من متعلم طال تعلّمه، ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهمّ في التّعلّم، ومتوفّر على العمل، ومراقبة القلب؛ فتح الله [له] «١» من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. انتهى.
هذا؛ وقد سئل الشيخ عز الدين عن معنى قوله ﷺ «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم»: وما العلم الّذي إذا عمل به ورث؟، وما العلم الموروث؟، وما صفة التّوريث؛ أهو العلم أو غيره؟! فبعض النّاس قال: إنّما هذا مخصوص بالعالم- يعني: أنّه إذا عمل بعلمه ورّث ما لم يعلم، بأن يوفّق ويسدّد إذا نظر في الوقائع-، فهل يصحّ هذا الكلام أم لا.
أجاب: معنى الحديث أنّ من عمل بما يعلمه، من واجبات الشّرع ومندوباته، واجتناب مكروهاته ومحرماته؛ أورثه الله من العلم الإلهي ما لم يعلمه من ذلك، كقوله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[٦٩/ العنكبوت] . هذا هو الظّاهر من الحديث المتبادر إلى الفهم، ولا يجوز حمله على أهل النّظر في علوم الشّرع، لأنّ ذلك تخصيص للحديث بغير دليل، وإذا حمل على ظاهره وعمومه دخل فيه الفقهاء وغيرهم. انتهى.
وقال الإمام مالك: علم الباطن لا يعرفه إلّا من عرف علم الظّاهر، فمن علم الظّاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن، ولا يكون ذلك إلّا مع فتح قلبه وتنويره.
وقال: ليس العلم بكثرة الرّواية، وإنّما العلم نور يقذفه الله في القلب. يشير إلى علم الباطن.
قال يحيى بن معاذ: التقى ابن أبي الحواري وأحمد بن حنبل، فقال أحمد:
حدّثنا بحكاية سمعتها من أستاذك الدّاراني. فقال: يا أحمد؛ قل: سبحان الله وطوّلها بلا عجب. قال: سبحان الله وطوّلها بلا عجب.
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٤ / ٥٣ ]
٢٣٨- «من غشّنا.. فليس منّا» .
قال: سمعته يقول: إذا اعتقدت النّفس على ترك الآثام جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة؛ من غير أن يؤدي إليها عالم علما.
فقام أحمد وقعد «ثلاثا»؛ وقال: ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب من هذه. ثمّ ذكر حديث «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم» .
قال التّونسيّ: اجتمع العارف علي وفا والإمام البلقيني، فتكلّم عليّ معه بعلوم بهرت عقله. فقال البلقيني: من أين لك هذا؛ يا علي! قال: من قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [٢٨٢/ البقرة] فأسكت. انتهى. من شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق»؛ مرموزا له برمز الطّبراني، وذكره في «الكشف»، وقال: رواه أبو نعيم؛ عن أنس ﵁.
٢٣٨- («من غشّنا) - أي: لم ينصحنا وزيّن لنا غير المصلحة- (فليس منّا») أي: ليس على طريقتنا ومنهاجنا، لأن طريقتنا الزّهد في الدّنيا، والرّغبة عنها، وعدم الرّغبة والطّمع الباعثين على الغشّ.
قال الطّيبي: لم يرد نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين.
أي: ليس هو على سنّتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه (أنا منك) يريد الموافقة والمتابعة، قال تعالى عن إبراهيم ﵇ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [٣٦/ إبراهيم] .
وهذا قاله ﷺ لمّا مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها؛ فابتلّت أصابعه.
فقال: «ما هذا» ! قال: أصابته السماء. قال: «أفلا جعلته فوق الطّعام ليراه النّاس» ! فذكر الحديث.
رواه مسلم في «صحيحه»؛ من حديث أبي هريرة بزيادة: «ومن حمل علينا السّلاح فليس منّا» . وفي رواية له أيضا: «من غشّ فليس منّي» .
[ ٤ / ٥٤ ]
٢٣٩- «من فارق الجماعة شبرا.. فقد خلع ربقة الإسلام» .
وأخرجه العسكري بلفظ التّرجمة، وزاد «قيل يا رسول الله؛ ما معنى ليس منّا!! - قال- ليس مثلنا» . وعند أبي نعيم والطّبراني في «الكبير» و«الصغير» برجال ثقات؛ عن ابن مسعود رفعه: «من غشّنا فليس منّا، والمكر والخداع في النّار»؛ أي: صاحبهما يستحقّ دخول النّار إن لم يعف الله عنه، لأن الداعي إلى ذلك الحرص والشّحّ والرغبة في الدّنيا، وذلك يجرّ إلى النّار. وأخذ الذّهبي أنّ الثلاثة من الكبائر، فعدّها منها. وللدّارقطني بسند ضعيف؛ عن أنس: «من غشّ أمّتي فعليه لعنة الله» انتهى زرقاني على «المواهب» .
٢٣٩- («من فارق) بقلبه ولسانه واعتقاده، أو ببدنه ولسانه (الجماعة) المعهودين؛ وهم جماعة المسلمين.
قال العامريّ في «شرح الشهاب»: لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، ومكارم الأخلاق، وترقّي السّابقين منهم إلى درجة الإحسان؛ وإن قلّ عددهم، حتّى لو اجتمع التّقوى والإحسان في واحد كان هو الجماعة. انتهى.
(شبرا) أي: قدر شبر. كنى به عن ترك السّنّة والتمسّك بالبدعة؛ ولو بأدنى نوع من أنواع التّرك، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة؛
(فقد خلع ربقة الإسلام») من عنقه، أي: أهمل حدود الله وأوامره ونواهيه، وتركها بالكليّة. قال في «النّهاية»: مفارقة الجماعة ترك السّنّة واتّباع البدعة، والرّبقة- في الأصل-: عروة تجعل في عنق البهيمة أو يدها، تمسكها. فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشدّ به المسلم نفسه من عرى الإسلام؛ أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه. انتهى.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد، وأبو داود والحاكم؛ عن أبي ذرّ.
[ ٤ / ٥٥ ]
٢٤٠- «من كثّر سواد قوم.. فهو منهم» .
وأخرجه الإمام أحمد؛ عن رجل من أصحاب النّبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «وأنا آمركم بخمس إلى أن قال: «فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه» الحديث، ورجاله ثقات رجال الصّحيح، خلا عليّ بن إسحاق السّلمي وهو ثقة. ورواه الطّبراني باختصار؛ إلّا أنّه قال «من فارق الجماعة قيد قوس، لم تقبل منه صلاة ولا صيام، وأولئك هم وقود النّار» .
ورواه الطّبراني؛ عن معاذ بن جبل قال:
قال رسول الله ﷺ: «ألا إنّ الجنّة لا تحلّ لعاص- إلى أن قال- ومن خرج من الجماعة قيد شبر متعمّدا؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» الحديث. وفي سنده عمرو بن واقد وهو متروك.
وأخرجه الطّبراني؛ عن أبي الدّرداء قال: قام فينا رسول الله- إلى أن قال:
«ومن خرج من الطّاعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» الحديث، وفي سنده عمرو بن رويبه. وهو متروك.
وأخرجه البزّار والطّبراني في «الأوسط»؛ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «من فارق الجماعة قياس- أو قيد- شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» الحديث. وفي سنده خليد بن دعلج، وهو ضعيف؛ ذكره في «مجمع الزوائد» .
٢٤٠- («من كثّر سواد قوم)؛ بأن عاشرهم وناصرهم وسكن معهم (فهو منهم») وإن لم يكن من قبيلتهم أو بلدهم؛ يعني: أنّ له حكمهم من صلاح وغيره، وفيه تلميح إلى مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، والتحرّز عن مخالطتهم، وعن التشبّه بهم إذ صدور ذلك من المسلم دالّ على ضعف إيمانه، لأنّ المشابهة والمشاكلة في الأمور الظّاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، والمشاركة في الهدي الظّاهر توجب مناسبة وائتلاف؛ وإن بعد المكان والزّمان، وهذا أمر محسوس،
[ ٤ / ٥٦ ]
٢٤١- «من كنت مولاه.. فعليّ مولاه» .
فمرافقتهم ومساكنتهم- ولو قليلا- سبب ومظنة لاكتساب أخلاقهم وأفعالهم المذمومة، بل هي سبب لمشابهتهم في نفس الاعتقادات، فيصير مساكن الكافر مثله.
وأيضا المشاركة في الظّاهر تورث نوع مودّة ومحبّة وموالاة في الباطن، كما أنّ المحبّة في الباطن تورّث المشابهة، وهذا مما يشهد به الحس، فإن الرّجلين إذا كانا من بلد؛ واجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودّة والائتلاف أمر عظيم بموجب الطبع، وإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورّث المحبّة والموالاة؛ فكيف المشابهة في الأمور الدينية!! انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا»؛ وقال: رواه أبو يعلى، وعلي بن معبد في «كتاب الطاعة» أنّ رجلا دعا ابن مسعود إلى وليمة، فلما جاء ليدخل سمع لهوا؛ فلم يدخل، فقيل له!! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كثّر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل» . وهكذا عند الدّيلمي بهذه الزيادة.
ولابن المبارك في «الزّهد»؛ عن أبي ذرّ نحوه موقوفا، وشاهده حديث:
«من تشبّه بقوم فهو منهم» وتقدّم. انتهى. وذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى.
٢٤١- («من كنت مولاه) أي: وليّه وناصره (فعليّ مولاه») .
قال الشّافعي: أراد بذلك ولاء الإسلام، لقوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) [محمد] انتهى «عزيزي» .
وخصّ سيدنا عليّا لمزيد علمه، ودقائق مستنبطاته وفهمه، وحسن سيرته، وصفاء سريرته، وكرم شيمته، ورسوخ قدمه.
قيل: سببه أنّ أسامة قال لعلي: لست مولاي، إنّما مولاي رسول الله ﷺ!.
[ ٤ / ٥٧ ]
٢٤٢- «من لا يرحم.. لا يرحم» .
فقال النّبي ﷺ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» .
قال ابن حجر: حديث كثير الطّرق جدا استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد؛ منها صحاح، ومنها حسان، وفي بعضها: قال ذلك يوم غدير خمّ.
وزاد البزّار في رواية: «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» .
ولا حجّة في ذلك على تفضيله على الشّيخين؛ كما هو مقرّر في محلّه من فن الأصول. انتهى مناوي على «الجامع» .
وذكره «في كشف الخفا» وقال: رواه الطّبراني، وأحمد، والضياء في «المختارة»؛ عن زيد بن أرقم وعليّ وثلاثين من الصّحابة بلفظ: «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» . فالحديث متواتر؛ أو مشهور. انتهى.
وذكره في «الجامع الصغير»، وفي «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» للجلال السّيوطي رحمه الله تعالى.
٢٤٢- («من لا يرحم) بالبناء للفاعل («لا يرحم») بالبناء للمفعول، أي:
من لا يكون من أهل الرّحمة لا يرحمه الله، أو من لا يرحم النّاس بالإحسان لا يثاب من قبل الله هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [٦٠/ الرحمن] .
قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المعنى: من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه؛ لا يرحمه الله في الآخرة. انتهى.
وهو بالرّفع فيها [يرحم؛ يرحم] «١» على الخبر، وبالجزم [يرحم، يرحم] «١» على أنّ «من» موصولة أو شرطيّة، ورفع الأول وجزم الثاني [يرحم، يرحم] «١» وعكسه [يرحم، يرحم] «١» .
_________________
(١) إضافة اقتضاها الإيضاح. (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٥٨ ]
٢٤٣- «من لم يكن ذئبا.. أكلته الذّئاب» .
٢٤٤- «من مزح.. استخفّ به» .
قال ابن بطّال: وفيه الحضّ على استعمال الرّحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر والبهائم، ويدخل في الرّحمة التّعاهد بالإطعام والسّقي، والتّخفيف من الحمل، وترك التعدي بالضرب، انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه الشيخان وغيرهما؛ عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهما: البخاري في «كتاب الأدب؛ باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته»، وفي «باب رحمة النّاس والبهائم» واللّفظ له، ومسلم في كتاب الفضائل؛ باب رحمته ﷺ الصّبيان وتواضعه وفضل ذلك الخ
وهو حديث متواتر ذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» عن عدّة من الصّحابة رضوان الله عليهم.
وسببه أنّ النّبي ﷺ قبّل الحسين، فقال الأقرع بن حابس: لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا! فنظر إليه فذكر الحديث. انتهى.
وبمعناه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وهو قوله ﵊: «الرّاحمون يرحمهم الرّحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء» .
وقد ذكرت من أخرجه في رسالتي «إعانة رب البرية على تراجم رجال الحديث المسلسل بالأولية» مع ذكر إسنادي المسلسل به؛ فليراجع ذلك من شاء فيها. والله أعلم.
٢٤٣- («من لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب»)؛ أخرجه الطّبراني في «الأوسط»؛ عن أنس رفعه بلفظ: «يأتي على النّاس زمان هم ذئاب، فمن لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب» .
قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد»: وفيه من لم أعرفهم. انتهى.
٢٤٤- («من مزح استخفّ به») أي: هان على النّاس، ونظروا إليه بعين
[ ٤ / ٥٩ ]
٢٤٥- «من نوقش الحساب
الاحتقار والهوان فاحفظ لسانك منه، فإنّه يسقط المهابة، ويريق ماء الوجه، ويستجرّ الوحشة، ويؤذي القلوب، وهو مبدأ اللّجاج والغضب والتّضارب، ومغرس الحقد في القلوب، فإن مازحك غيرك! فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره، وكن من الّذين إذا مرّوا باللّغو مروا كراما. انتهى.
وقال في الأذكار: المزاح المنهيّ عنه ما فيه إفراط ومداومة، فإنّه يورّث الضّحك والقسوة ويشغل عن الذّكر والفكر في مهمات الدّين؛ فيورّث الحقد، ويسقط المهابة والوقار، وما سلم من ذلك هو المباح الّذي كان المصطفى ﷺ يفعله، فإنّه إنّما كان يفعله نادرا لمصلحة، كموانسة وتطييب نفس المخاطب، وهذا لا منع منه قطعا، بل هو مستحبّ. انتهى.
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز ابن عساكر، وذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي، في «مسند الفردوس»؛ عن أنس ﵁؛ لكن بلفظ: «الصّمت سيّد الأخلاق، ومن مزح استخفّ به» .
قال المناوي: وتمامه «ومن حمل الأمر على القضاء استراح» . انتهى.
وفي كتاب «كشف الخفا» للعجلوني: الصّواب أنّه من قول عمر، وأنّ الأحنف قال: قال لي عمر: يا أحنف؛ من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه.
ورواه ابن عساكر وقال: غريب الإسناد والمتن عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «من كثر ضحكه استخفّ بحقّه، ومن كثرت دعابته ذهبت جلالته، ومن كثر مزاحه ذهب وقاره، ومن شرب الماء على الرّيق ذهب بنصف قوّته، ومن كثر كلامه كثرت خطاياه، ومن كثرت خطاياه فالنّار أولى به» . انتهى.
٢٤٥- («من نوقش) بضم النّون وكسر القاف (الحساب) - بالنّصب؛ بنزع
[ ٤ / ٦٠ ]
عذّب» .
الخافض، أي: من ضويق في حسابه بحيث سئل عن كل شيء؛ فاستقصي في حسابه حتّى لم يترك منه شيء من الكبائر ولا من الصّغائر إلّا وأوخذ به (عذّب») بضمّ أوّله وكسر الذّال المعجمة- أي: تكون تلك المضايقة عذابا، لما فيها من التّوبيخ، أو إنها سبب يفضي إلى العذاب، لأنّ التّقصير غالب على العباد، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك وعذب؛ أي: ومن لم يناقش الحساب لا يعذب، بل يحاسب حسابا يسيرا، أو لا يحاسب أصلا.
قال الحكيم التّرمذي: يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف فيمحّص في البرزخ؛ فيخرج وقد اقتصّ منه. انتهى مناوي وحفني على «الجامع» .
والحديث أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والتّرمذي؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وتمامه: قالت عائشة: فقلت أليس يقول الله فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) [الانشقاق]؛ أي: سهلا هيّنا بأن يجازى على الحسنات الّتي صدرت منه في حياته، ويتجاوز عن سيئاته!؟ قال: «ذلك- بكسر الكاف- العرض» - بفتح العين المهملة وسكون الرّاء- أي: عرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منّة الله تعالى عليه في سترها عليه عن النّاس في الدّنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، فله الحمد على منّته على عباده المؤمنين وإتحافهم بسعادتهم في الدّارين.
وللإمام أحمد من وجه آخر؛ عن عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته «اللهمّ حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت: يا رسول الله؛ ما الحساب اليسير؟! قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّ من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» انتهى.
فعائشة ﵂ فهمت أنّ الحديث معارض للآية!! لأنّ «من» من صيغ العموم، فظنّت أنّ كلّ من حوسب معذّب؛ مع أنّ ظاهر قوله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) [الانشقاق] دالّ على أنّ الحساب لا يستلزم العذاب فأزال ﷺ الإشكال
[ ٤ / ٦١ ]
٢٤٦- «منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا» .
عنها بقوله «ذلك العرض»، فاقتنعت، مع أنّها ﵂ لو تأمّلت في قوله «من نوقش الحساب» لعلمت أنّ هذا الحديث لا يعارض قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) [الانشقاق]، لأن الآية خاصّة بمن أوتي كتابه بيمينه دون غيره، فلذلك وصف تعالى حسابه بكونه حسابا يسيرا، والحساب غير المناقشة، بل هو العرض الّذي تقدّم معناه، ولذلك أجابها النّبي ﷺ بقوله «ذلك العرض»، هذا ما تبادر للذّهن.
قال شيخ مشايخنا في «زاد المسلم في ما اتفق عليه البخاري ومسلم» قال:
وبنحوه ساق الأبّي كيفيّة جوابه ﷺ لها على مقتضى القواعد المنطقيّة حيث قال في شرح هذا الحديث: فهمت ﵂ أنّ الحديث معارض للآية، لأنّ الحديث في قوّة موجبة كلية؛ أي: كلّ من نوقش الحساب عذّب، والآية في قوة سالبة جزئية، أي: تعطي أنّ من يحاسب ليس بمعذّب.
وحاصل جوابه: أنّه لم يتّحد الموضوع، لأنّه في الكلّيّة من نوقش. وفي الجزئيّة من حوسب، والمناقشة غير المحاسبة. انتهى.
٢٤٦- («منهومان) تثنية منهوم، وهو: شديد الشّهوة المنكبّ على الشّيء طلبا لحيازته (لا يشبعان)، لعدم انتهاء حرصهما وهما: (طالب علم، وطالب دنيا) . فمن كان شديد الشّهوة لجمع المال أو طلب العلم لا يشبع من ذلك، إذ ليس للعلم غاية ينتهي إليها، ولا للمال غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبعان.
قال بعضهم: ما استكثر أحد من شيء إلّا ملّه وثقل عليه إلّا العلم والمال، فإنّه كلما زاد اشتهى له، ولكنهما لا يستويان، أمّا صاحب الدّنيا فيتمادى في الطّغيان، وأمّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرّحمن. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه الطّبراني في «الكبير» والقضاعي؛ عن ابن مسعود رفعه.
[ ٤ / ٦٢ ]
٢٤٧- «المؤمن.. مرآة المؤمن» .
وهو عند البيهقي في «المدخل»؛ عن ابن مسعود أنّه قال: «منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا؛ ولا يستويان، أمّا صاحب الدّنيا فيتمادى في الطّغيان، وأمّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرّحمن» ثم قرأ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق]، وقوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] وقال: إنّه موقوف ومنقطع، ثمّ ساقه عن أنس مرفوعا بلفظ: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدّنيا لا يشبع منها» .
قال: وروي عن كعب الأحبار من قوله، ورواه البزّار، من حديث ليث بن أبي سليم عن طاووس- أو مجاهد- عن ابن عباس مرفوعا بلفظ التّرجمة. وقال:
لا نعلمه يروى من وجه أحسن من هذا.
ورواه العسكري عنه بلفظ: «منهومان لا يقضي واحد منهما نهمته: منهوم في طلب العلم، ومنهوم في طلب الدّنيا» .
وأخرجه العسكريّ أيضا عن أبي سعيد رفعه: «لن يشبع المؤمن من خير سمعه حتّى يكون منتهاه الجنّة» . ورواه أيضا عن الحسن قال:
بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: «أيّها النّاس؛ إنّهما منهومان، فمنهوم في العلم لا يشبع، ومنهوم في المال لا يشبع» .
وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وهي؛ وإن كانت مفرداتها ضعيفة؛ فبمجموعها يتقوّى الحديث. انتهى كلام «كشف الخفا»، ونحوه في «المقاصد الحسنة» للحافظ السخاوي.
٢٤٧- («المؤمن مرآة) بهمزة ممدودة (المؤمن»)؛ أي: يرى فيه عيوبه كما يراها في المرآة، ثمّ يميطها عنه بوجه حسن، فإذا أبصرت عيبا في أخيك؛ فأخبره به، وانصحه بما يقتضي إذهابه عنه بلطف أو عنف؛ إن اقتضى الحال ذلك.
انتهى حفني.
[ ٤ / ٦٣ ]
٢٤٨- «المؤمن.. من أمنه النّاس على أنفسهم وأموالهم» .
٢٤٩- «المؤمن.. يسير المؤنة» .
ولبعضهم في معنى الحديث:
صديقي مرآة أميط بها الأذى وعضب حسام إن منعت حقوقي
وإن ضاق أمري أو ألمّت ملمّة لجأت إليه دون كلّ شقيق
والحديث أخرجه الطّبراني في «الأوسط» والضّياء والقضاعي والبزّار؛ عن أنس ﵁.
وأخرجه أبو داود والبخاري في «الأدب المفرد»؛ عن أبي هريرة رفعه، والعسكري من طرق؛ عن أبي هريرة، ولفظه في بعضها: «إنّ أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى شيئا فليمطه» .
وأخرجه ابن المبارك؛ عن الحسن من قوله، وقال في «اللآلئ» أخرجه أبو داود في «سننه»؛ عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عنه ضيعته ويحوطه من ورائه» . وفي إسناده كثير بن زيد مختلف في عدالته. انتهى «كشف الخفا»، ومناوي على «الجامع» . قال المناوي نقلا عن العراقي: إنّ حديث أبي هريرة إسناده حسن. انتهى.
٢٤٨- («المؤمن من أمنه النّاس على أنفسهم وأموالهم») أي: حقه أن يكون متّصفا بذلك، وقال العلقمي: هو محمول على المؤمن الكامل. انتهى «عزيزي» .
وتمام الحديث: «والمهاجر من هجر الخطايا والذّنوب» . أخرجه ابن ماجه؛ عن فضالة بن عبيد. قال المناوي: ورواه عنه أيضا التّرمذيّ وحسّنه، وقال في «الكشف»: رواه الدّيلميّ عن أنس ﵁. انتهى.
٢٤٩- («المؤمن يسير المؤنة») أي: قليل الكلفة على إخوانه، والحديث
[ ٤ / ٦٤ ]
٢٥٠- «المؤمنون كرجل واحد» .
ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «شعب الإيمان»؛ كلاهما عن أبي هريرة ﵁. قال العزيزي: وإسناده ضعيف.
وقال في «كشف الخفا»: موضوع؛ كما قاله الصغاني، لكن معناه صحيح.
انتهى.
٢٥٠- («المؤمنون كرجل واحد)؛ إن اشتكى رأسه اشتكى كلّه، وإن اشتكى عينه اشتكى كلّه» . هذا تمام الحديث كما في «الجامع» .
قال المناوي: أفاد تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثّهم على التّراحم والتّعاضد في غير إثم ولا مكروه ونصرتهم، والذبّ عنهم وإفشاء السّلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم وغير ذلك.
وفيه مراعاة حقّ الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكلّ ما تعلّق بهم بسبب، حتّى الهرة والدّجاجة؛ ذكره الزمخشري.
قال ابن عربي: ومع هذا التمثيل فأنزل كلّ أحد منزلته، كما تعامل كلّ عضو منك بما يليق به وما خلق له؛ فتغض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع، وتفتح سمعك لشيء لا يعطيه البصر، وتصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك، وكذا جميع قواك، فنزّل كلّ عضو منك فيما خلق له، وإذا ساويت بين المسلمين فأعط العالم حقّه من التّعظيم والإصغاء لما يأتي به، والجاهل حقّه من تذكيره وتنبيهه على طلب العلم والسّعادة، والغافل حقّه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكّر لما غفل عنه، ممّا هو عالم له غير مستعمل لعلمه فيه، والسّلطان حقّه من السّمع والطّاعة فيما يباح، والصّغير حقّه من الرّفق به؛ والرّحمة؛ والشّفقة، والكبير حقّه من الشّرف؛ والتّوقير.
انتهى.
والحديث ذكره في «الجامع» بالزيادة التي ذكرناها، مرموزا له برمز الإمام أحمد، ومسلم؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما.
[ ٤ / ٦٥ ]
٢٥١- «من كان آخر كلامه (لا إله إلّا الله) .. دخل الجنّة» .
٢٥١- («من كان آخر) قال أبو البقاء: بالرفع اسم «كان»، وكلمة التّوحيد في موضع نصب خبر «كان» ويجوز عكسه. انتهى (كلامه) في الدنيا (لا إله إلّا الله) بأن لم يتكلّم بعدها بشيء (دخل الجنّة») أي: مع السابقين. انتهى «حفني» .
وقال ابن رسلان: معنى ذلك أنّه لا بدّ له من دخول الجنّة، فإن كان عاصيا غير تائب؛ فهو في أوّل أمره في خطر المشيئة: يحتمل أن يغفر الله له، ويحتمل أن يعاقبه، ويدخل الجنّة بعد العقاب، ويحتمل أن يكون من وفّق لأن يكون آخر كلامه لا إله إلّا الله؛ يكون ذلك علامة على أنّ الله تعالى يعفو عنه، فلا يكون في خطر المشيئة؛ تشريفا له على غيره ممّن لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك. فنسأل الله أن يجعلنا في الخاتمة من أهل لا إله إلّا الله حالا ومقالا، وظاهرا وباطنا، حتى نودّع الدّنيا غير ملتفتين إليها، بل متبرّمين منها ومحبّين للقاء الله تعالى. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، وأبي داود في الجنائز، والحاكم فيه؛ كلّهم عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. وقال الحاكم: صحيح. وأعلّه ابن القطّان! ولكن انتصر له التّاج السبكي؛ وقال:
حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
[ ٤ / ٦٦ ]
[(حرف النّون)]
(حرف النّون) ٢٥٢- «النّاس بزمانهم.. أشبه منهم بابائهم» .
٢٥٣- «النّاس.. كأسنان المشط» .
٢٥٤- «النّاس.. معادن في الخير والشّرّ» .
(حرف النّون) ٢٥٢- («النّاس بزمانهم أشبه منهم بابائهم») من قول عمر بن الخطاب ﵁؛ كما قاله الحافظ الصريفيني، وقال محمد بن أيّوب: ارتحلت إلى يحيى الغسّاني من أجله، وقيل: إنّه من قول علي بن أبي طالب!! قال ملّا علي قاري: وهو الأشهر الأظهر. انتهى «كشف الخفا» .
٢٥٣- («النّاس) - أي: المسلمون في تساوي إجراء الأحكام عليهم- (كأسنان المشط») - بضم الميم وتكسر، وقد تفتح، وشينه مثلاثة- وقيل: في تساوي الأخلاق والطّباع وتقاربها، ويؤيّده ما جاء في رواية أخرى: «النّاس سواسية كأسنان المشط؛ لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا فضل لعجميّ على عربيّ، وإنّما الفضل بالتّقوى» . انتهى؛ ملّا علي قاري رحمه الله تعالى.
وفي معناه ما نسب للإمام علي كرّم الله وجهه:
النّاس في عالم التّمثيل أكفاء أبوهم آدم والأمّ حوّاء
جسم كجسم وأعضاء مشاكلة وأعظم خلقت فيها وأعضاء
وقدر كلّ امرىء ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
والحديث ذكره في «الشّفاء» . قال في «شرحه»: أخرجه ابن لال في «مكارم الأخلاق»؛ عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه.
٢٥٤- («النّاس معادن في الخير والشّرّ») معدن كلّ شيء: أصله، أي:
أصول بيوتهم تعقب أمثالها، ويسري كريم أعراقها إلى فروعها، يعني النّبيّ ﷺ
[ ٤ / ٦٧ ]
٢٥٥- «نحن.. أهل بيت لا يقاس بنا أحد» .
٢٥٦- «نحن.. بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة» .
بذلك: أنّ بني آدم يختلفون باختلاف أصلهم، فمن كان أصله شريفا أعقب مثله، وسرى طيب عرقه لفرعه، ومن كان دون ذلك؛ كان عقبه مثله، ومن كان خبيثا كان فرعه خبيثا، فهم يختلفون بحسب الطّباع؛ كالمعادن، وهم من الأرض كما إنّ المعادن منها؛ وفيها الطّيب والخبيث، فإنّ منها ما يستعدّ للذّهب الإبريز، ومنها ما يستعد للفضّة، ومنها ما يستعد لغير ذلك، ومنها ما يحصل منه بكدّ وتعب كثير شيء يسير، ومنها ما هو بعكس ذلك، ومنها ما لا يحصل منه شيء أصلا؛ فكذلك بنو آدم، منهم من لا يعي ولا يفقه، ومنهم من يحصل له علم قليل بسعي طويل، ومنهم من أمره عكس ذلك، ومنهم من يفاض عليه من حيث لا يحتسب؛ كما هو معلوم في كثير من الأولياء والصّالحين والعلماء العاملين. انتهى شرح ملّا علي قاري على «الشفا» .
والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي، وابن منيع، والحارث، والبيهقي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وتمامه: «خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»؛ قاله في «كشف الخفا» .
وفي «الشهاب الخفاجي»؛ على «الشفاء»: رواه الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وتمامه: «النّاس معادن كمعادن الذّهب والفضّة؛ خيارهم في الجّاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، أو «الأرواح جنود مجنّدة؛ ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» . انتهى.
٢٥٥- («نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد»)؛ ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
٢٥٦- («نحن بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة») أي: كبراؤهم وأشرافهم، والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي
[ ٤ / ٦٨ ]
٢٥٧- «النّدم.. توبة» .
في «الفردوس» . وذكره ابن ماجه؛ في «كتاب الفتن» من حديث أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نحن ولد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة: أنا وحمزة، وعليّ وجعفر، والحسن والحسين والمهديّ» . ورواه الحاكم أيضا.
٢٥٧- («النّدم توبة») أي: الحزن على ما فعله؛ أو كراهته له بعد فعله، من حيث كونه تاركا فيه لإجلال الله، ومخالفا أمره ونهيه.
أمّا إذا كان النّدم لافتضاح، أو مرض أو عقاب ونحو ذلك!! فليس توبة، بل قد يكون معصية، لأنّه لولا مراقبة النّاس لم يكن عنده حرج من فعل المعصية.
ثمّ المعنى: أنّ النّدم معظم أركان التّوبة لأنّه شيء يتعلّق بالقلب؛ والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.
وليس المراد أن النّدم وحده كاف فيها، فهو نحو «الحجّ عرفة» .
قال الغزالي رحمه الله تعالى: إنّما نص على أنّ النّدم توبة؛ ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها!! لأنّ النّدم غير مقدور للعبد، لأنّه قد يندم على أمر وهو يريد ألايكون، والتّوبة مقدورة له مأمور بها، فعلم أنّ في هذا الحديث معنى لا يفهم من ظاهره، وهو أنّ النّدم لتعظيم حقوق الله تعالى، وخوف عقابه ممّا يبعث على التّوبة النّصوح، فإذا ذكر مقدّماتها الثّلاث؛ وهي ١- ذكر غاية قبح الذّنب، و٢- ذكر شدّة عقوبة الله تعالى؛ وأليم غضبه، و٣- ذكر ضعف العبد وقلة حيلته يندم، ويحمله النّدم على ترك اختيار الذّنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضرّع، ويجزم بعدم العود، وبذلك تتم شروط التّوبة الأربعة. فلمّا كان النّدم من أسباب التّوبة سمّاه باسمها. انتهى زرقاني على «المواهب»، ومناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي؛ عن
[ ٤ / ٦٩ ]
٢٥٨- «النّساء.. حبائل الشّيطان» .
٢٥٩- «نعم الصّهر.. القبر» .
أنس ﵁. وأخرجه أبو داود الطيالسي؛ عن ابن مسعود- ورجاله ثقات- بل قال الحافظ في «الفتح»: سنده حسن. قال السّخاوي: يعني لشواهده، وإلّا! فأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود. انتهى.
وأخرجه الطّبراني في «الكبير»، وأبو نعيم في «الحلية»؛ عن أبي سعيد الأنصاري بزيادة: «والتّائب من الذّنب كمن لا ذنب له» وسنده ضعيف. انتهى «زرقاني» .
وذكره في «الجامع الصغير» مع الزيادة مرموزا له برمز من ذكرهم الزرقاني.
وذكره أيضا بلفظ الترجمة مرموزا برمز بنحو ما تقدّم، وزيادة رمز الإمام أحمد، والبخاري في «التاريخ»؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
٢٥٨- («النّساء حبائل الشّيطان») أي: مصائده، جمع حبالة- بالكسر-:
ما يصاد به من أي شيء كان، والمراد أنّ النّساء آلات الشّيطان يتوصّل بهنّ إلى إغواء الفسقة، فإنهم إذا رأوا النّساء مالت قلوبهم إليهنّ لا سيما المتبرجات، فالنّساء له كالشّبكة التي تصاد بها الوحوش النّافرة، فأرشد ﷺ لكمال شفقته على أمته إلى الحذر من النّظر إليهنّ، والقرب منهنّ، وكفّ الخاطر عن الالتفات إليهنّ باطنا ما أمكن. انتهى «زرقاني» .
والحديث ذكره في «المواهب» مع الشرح بلفظ: «الشّباب شعبة من الجنون، والنّساء حبائل الشّيطان» . وقال: رواه الدّيلمي بتمامه في مسند «الفردوس»، وكذا القضاعي؛ كلاهما عن عقبة بن عامر الجهني، ورواه الدّيلمي أيضا؛ عن عبد الله بن عامر، وأبو نعيم؛ عن عبد الرحمن بن عابس، وابن لال؛ عن ابن مسعود، والخرائطي والتيمي؛ عن زيد بن خالد وهو حديث حسن. ونحوه في «الجامع» والمناوي.
٢٥٩- («نعم الصّهر) للولي في موليّته (القبر»)، لأنّ المرأة عورة،
[ ٤ / ٧٠ ]
٢٦٠- «نيّة المؤمن.. خير من عمله» .
ولضعفها بالأنوثة وعدم استقلالها، وكثرة مؤونتها وأثقالها، وقد تجرّ العار، وتجلب الغدر إلى الدار.
أخرج ابن أبي الدّنيا؛ عن قتادة: أنّ الحبر ابن عباس ماتت له بنت، فأتاه الناس يعزّونه، فقال: عورة سترت، ومؤونة كفيت، وأجر ساقه الله تعالى.
فاجتهد المهاجرون أن يزيدوا فيها حرفا فما قدروا.
وفي «الفردوس» عن الحبر: نعم الكفء القبر للجارية. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
ولله درّ من قال:
لكلّ أبي بنت على كلّ حالة ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر
فزوج يراعيها وخدن يصونها وقبر يواريها وخيرهم القبر
وروى الطّبراني؛ عن ابن عباس مرفوعا: «للمرأة ستران: القبر والزّوج» .
قيل: فأيّهما أفضل؟ قال: «القبر» وهو ضعيف جدا.
وللدّيلمي؛ عن علي رفعه: «للنّساء عشر عورات، فإذا تزوجّت المرأة ستر الزّوج عورة، فإذا ماتت ستر القبر عشر عورات. انتهى «كشف الخفا» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
وفي «الكشف»: قال بعض العلماء: لم أظفر به بعد التفتيش، وإنّما ذكر صاحب «الفردوس» ممّا لم يسنده ابنه: «نعم الكفء القبر للجارية» وبيّض له في «المسند» .
ورواه ابن السّمعاني؛ عن ابن عباس من قوله بلفظ «نعم الأختان القبور» انتهى.
٢٦٠- («نيّة المؤمن خير من عمله») لأنّ تخليد الله العبد في الجنّة ليس بعمله، وإنّما هو لنيّته، لأنّه لو كان بعمله كان خلوده فيها بقدر مدّة عمله؛ أو
[ ٤ / ٧١ ]
أضعافه، لكنّه جازاه بنيّته، لأنّه كان ناويا أن يطيع الله أبدا، فلمّا اخترمته المنيّة جوزي بنيّته.
وكذا الكافر لأنّه لو جوزي بعمله لم يستحقّ التّخليد في النّار إلا بقدر مدة كفره، لكن جازاه بنيّته لأنّه نوى الإقامة على كفره أبدا؛ فجوزي بنيّته. ذكره بعضهم.
ولأن النيّة بانفرادها توصل إلى ما لا يوصله العمل بانفراده، ولأنها هي الّتي تقلب العمل الصّالح فاسدا؛ والفاسد صالحا مثابا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، ويعاقب عليها أضعاف ما يعاقب عليه، فكانت أبلغ وأنفع.
ومن النّاس من تكون نيّته وهمّته أجلّ من الدّنيا وما عليها، وآخر نيّته وهمّته من أحسن نيّة وهمّة، فالنيّة تبلغ بصاحبها في الخير والشّرّ ما لا يبلغه عمله، فأين نيّة من طلب العلم وعلّمه ليصلّي الله عليه وملائكته، وتستغفر له دوابّ البرّ، وحيتان البحر، إلى نيّة من طلبه لمأكل، أو وظيفة كتدريس!!
وسبحان الله كم بين من يريد بعلمه وجه الله، والنّظر إليه، وسماع كلامه، وتسليمه عليه في جنّة عدن؛ وبين من يطلب حظّا خسيسا، كتدريس أو غيره من العرض الفاني!! انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه العسكري في «الأمثال»، والبيهقي؛ عن أنس مرفوعا، قال الحافظ ابن دحية: لا يصحّ، والبيهقيّ: إسناده ضعيف.
وله شواهد؛ منها ما أخرجه الطّبراني؛ عن سهل بن سعد السّاعدي مرفوعا:
«نيّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيّته، وكلّ عمل يعمل على نيّته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور» .
وللعسكري بسند ضعيف؛ عن النّوّاس بن سمعان بلفظ: «نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الفاجر شرّ من عمله» .
[ ٤ / ٧٢ ]
وروى الدّيلمي؛ عن أبي موسى الجملة الأولى وزاد: «وإنّ الله ﷿ ليعطي العبد على نيّته ما لا يعطيه على عمله» وذلك لأن النيّة لا رياء فيها.
قال في «المقاصد»: وهي؛ وإن كانت ضعيفة!! فبمجموعها يتقوّى الحديث، وقد أفردت فيه وفي معناه جزآ. انتهى.
وقال في «اللآلي»: حديث «نيّة المؤمن خير من عمله» أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أنس، وفي إسناده يوسف بن عطية ضعيف؛ كما قاله ابن دحية: وقال النّسائي: متروك الحديث.
وروي من طريق النّواس بن سمعان بسند ضعيف. انتهى ملخصا.
[ ٤ / ٧٣ ]
[(حرف الهاء)]
(حرف الهاء) ٢٦١- «الهديّة.. تعور عين الحكيم» .
٢٦٢- «هما.. جنّتك ونارك» يعني: الوالدين.
٢٦٣- «الهمّ.. نصف الهرم» .
(حرف الهاء) ٢٦١- («الهديّة تعور عين الحكيم») أي: تصيّره أعور لا يبصر إلّا بعين الرّضا فقط، وتعمي عين السّخط، ولهذا كان دعاء السّلف: اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة؛ يرعاه بها قلبي.
فيصير ذلك كأنّه أعور، أو هو كناية عن كون قبولها يعود عليه بالذّم والعيب؛ أي: إذا كان حاكما. قال ابن الأثير: يقولون للردي من كلّ شيء من الأخلاق والأمور «أعور» . ومنه قول أبي طالب لأبي لهب- لمّا اعترض على النّبيّ ﷺ في إظهار الدّعوة- يا أعور ما أنت وهذا؟ ولم يكن أبو لهب أعور! انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي في مسند «الفردوس»؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده عبد الوهاب بن مجاهد. قال الذّهبي: قال النّسائي وغيره: متروك. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
٢٦٢- («هما جنّتك ونارك» يعني الوالدين) - قاله لرجل- قال: يا رسول الله: ما حق الوالدين على ولدهما!؟ فذكره. رواه ابن ماجه عن أبي أمامة رفعه.
انتهى «كشف الخفا» .
٢٦٣- («الهمّ نصف الهرم») لأنّ الهرم ضعف ليس وراءه قوّة، أي: مع اليأس من القوة، والهمّ يورّث الضّعف والأسقام، فهو نصفه باعتبار أنهما شيئان:
[ ٤ / ٧٤ ]
الضّعف واليأس من القوّة، والهمّ يورّث أحدهما. انتهى «حفني» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ «التّدبير نصف العيش، والتّودّد نصف العقل، والهمّ نصف الهرم، وقلّة العيال أحد اليسارين» .
وقال: أخرجه القضاعي؛ عن علي، والدّيلمي في «الفردوس»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنهما.
قال في «العزيزي»: وإسناده حسن. وذكره في «كنوز الحقائق» بلفظ الترجمة؛ مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
[ ٤ / ٧٥ ]
[(حرف الواو)]
(حرف الواو) ٢٦٤- «وجدت النّاس.. اخبر تقله»؛ يعني: جرّب تكره.
(حرف الواو) ٢٦٤- («وجدت النّاس؛ أخبر) - بضمّ الهمزة والموحّدة وسكون الخاء المعجمة، بينهما أمر بمعنى الخبر (تقله») بضمّ اللّام، ويجوز الكسر والفتح لغة، والقلى: البغض، أي: وجدت أكثرهم كذلك، أي: علمتهم مقولا فيهم هذا القول. أي: ما فيهم أحد إلّا وهو مسخوط الفعل عند الاختبار؛ كما قال المصنّف:
(يعني: جرّب تكره) أي: جرّب النّاس فإنك إذا جرّبتهم قليتهم، أي:
بغضتهم وتركتهم وما زكّيتهم لما يظهر لك من بواطن أسرارهم، وندرة إنصافهم، وفي العيان ما يغني عن البرهان.
وفي هذا اللّفظ من البلاغة ما هو غنيّ عن البيان، وقد قيل: اللّفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.
قال الغزالي: واحذر- خصوصا- مخالطة متفقّهة هذا الزّمان، لا سيّما المشتغلين بالخلاف والجدل، فإنّهم يتربّصون بك- لحسدهم- ريب المنون، ويقطعون عليك بالظّنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، يحصون عليك عثراتك؛ في عشرتهم وفي عشيرتهم، ويجبهونك بها في عصبتهم ومناظرتهم، لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون لك عورة، يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرّضون عليك الإخوان بالتّهمة والبهتان، إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق، ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب، هذا ما قضت به المشاهدة في أكثرهم؛ إلا من رحم الله، فصحبتهم خسران، ومعاشرتهم خذلان، هذا حكم من يظهر لك الصداقة، فكيف بمن يجاهرك بالعداوة!!. إلى هنا كلام حجّة الإسلام الغزالي- رحمه الله تعالى-.
[ ٤ / ٧٦ ]
٢٦٥- «الوحدة.. خير من جليس السّوء» .
فإذا كان هذا في زمانه، فما بالك بهذا الزّمان!!
ومن نظم أبي الحسين الطائي:
نظرت وما كلّ امرىء ينظر الهدى إذا اشتبهت أعلامه ومذاهبه
فأيقنت أنّ الخير والشّرّ فتنة وخيرهما ما كان خيرا عواقبه
أرى الخير كلّ الخير أن يهجر الفتى أخاه وأن ينأى عن الشّرّ جانبه
يعيش بخير كلّ من عاش واحدا ويخشى عليه الشّرّ ممّن يصاحبه
والحديث أخرجه ابن عدي؛ عن أبي الدّرداء، وفي سنده ضعيف.
وقال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ، وقال السخاوي: طرقه كلّها ضعيفة، لكن شاهده في الصحيحين «النّاس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» . انتهى «مناوي»، و«كشف الخفا» .
٢٦٥- («الوحدة خير من جليس السّوء») لما في الوحدة من السّلامة، وهي رأس المال، وقد قيل: لا يعدل بالسّلامة شيء، وجليس السّوء يبدي سوءه، والنّفس أمّارة بالسّوء، فإن ملت إليه شاركك، وإن كففت عنه نفسك شغلك، ولهذا كان مالك بن دينار كثيرا ما يجالس الكلاب على المزابل؛ ويقول: هم خير من قرناء السّوء.
وفيه حثّ على إيثار الوحدة إذا تعذّرت صحبة الصّالحين، وحجّة لمن فضّل العزلة. وأما الجلساء الصّالحون فقليل مّا هم.
وقد ترجم البخاري على ذلك «باب: العزلة راحة من خلّاط السّوء» .
قال ابن حجر: هذا أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر؛ لكنّه منقطع.
وأخرج ابن المبارك عن عمر: خذوا حظّكم من العزلة.
[ ٤ / ٧٧ ]
وما أحسن قول الجنيد «مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطاء» !!.
وقال الغزالي: عليك بالتفرّد عن الخلق، لأنّهم يشغلونك عن العبادة.
ووجد مع داود الطائي كلب، فقيل: ما هذا الذي تصحبه؟ قال: هذا خير من جليس السوء!.
واعلم أنّ خواصّ الخواصّ يرون أنّ كلّ مشتغل بغير الله تعالى؛ ولو مباحا صحبته من قبيل أهل الشّرّ وملحقة به، وإن أهل الجدّ والتشمير ممّن لم يبلغ مرتبة أولئك يرى أنّ صحبة أهل البطالة؛ بل صحبة من لم يشاركهم في التّشمير كصحبة أهل الشّرّ.
وقال بعضهم: صحبة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «اللآلي» عن صدقة بن أبي عمران بلفظ: «قال:
رأيت أبا ذرّ فوجدته في المسجد محتبيا بكساء أسود وحده. فقلت:
يا أبا ذرّ؛ ما هذه الوحدة!.
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوحدة خير من جليس السّوء، والجليس الصّالح خير من الوحدة» . وعزاه فيها لأبي الشّيخ؛ عن أبي ذرّ باللّفظ المذكور، وزاد فيه: «وإملاء الخير خير من السّكوت، والسّكوت خير من إملاء الشّرّ» .
قال في «كشف الخفا»: وبهذا اللفظ الأخير ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الحاكم في «المناقب»، والبيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أبي ذرّ ﵁.
قال المناوي في شرح «الجامع»: قال الذّهبي: لا يصحّ. ولا صحّحه الحاكم!! وقال ابن حجر: سنده حسن، لكن المحفوظ أنّه موقوف على أبي ذرّ.
انتهى.
[ ٤ / ٧٨ ]
٢٦٦- «الودّ والعداوة.. يتوارثان» .
ورواه أيضا أبو الشّيخ والدّيلمي وابن عساكر في «تاريخه» . انتهى كلام المناوي.
وثبت في «صحيح البخاري» وغيره: «لو يعلم النّاس ما في الوحدة ما أعلم؛ ما سار راكب بليل وحده» . وترجم البخاريّ بقوله: «العزلة راحة من خلاط السّوء» وذكر حديث أبي سعيد رفعه: «ورجل في شعب من الشّعاب يعبد ربّه ويدع النّاس من شرّه» . وفي لفظ: «يأتي على النّاس زمان خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفرّ بدينه من الفتن» .
وما أحسن ما قيل:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي فدام الأنس لي ونما السّرور
وأدّبني الزّمان فلا أبالي هجرت؛ فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت يوما أسار الجيش أم قدم الأمير
٢٦٦- («الودّ) أي: المودّة يعني: المحبّة (والعداوة يتوارثان») أي:
يرثهما الفروع عن الأصول، جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وهو خير الوارثين، وهذا شيء كالمحسوس.
وإطلاق الإرث على غير المال ونحوه من التركة؛ الّتي يخلفها المورّث مجاز.
وفيه تنبيه ١- على محبّة المتّقين لنفسك، ليرثه عنك وارثك؛ فينتفع بودّهم في الدّنيا من مواصلتهم والتّعلم منهم، وفي الآخرى، و٢- على بغض الفجرة، لأنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله؛ فينتفع به عاجلا في البعد منهم وآجلا، فيرثه ولدك؛ فينتفع به كما انتفعت.
وفيه تحذير عن بغض أهل الصلاح، فإنّه يضرّ في الدّارين، ويرثه الأعقاب فيضرّهم، وقد عدّوا من أنواع التالف والتودّد تالف صديق الصّديق والتودّد إليه، واستأنسوا له بهذا الحديث. انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٤ / ٧٩ ]
٢٦٧- «الورع.. سيّد العمل» .
٢٦٨- «الولد.. ثمرة القلب» .
٢٦٩- «الولد.. مبخلة، مجبنة، محزنة» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق»، وفي «الجامع الصغير»، وفي «كشف الخفا»؛ وقال: رواه العسكري؛ عن أبي بكر الصديق رفعه بلفظ: «الودّ الّذي يتوارث في أهل الإسلام» . ورواه الحاكم في «البرّ والصّلة»؛ عن عفير بلفظ:
«الودّ يتوارث والبغض يتوارث» .
وروى البيهقي؛ عن أبي بكر أنّه قال لرجل من العرب كان يصحبه؛ يقال له عفير: يا عفير؛ كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في الودّ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الودّ: «يتوارث والعداوة تتوارث» وهو معنى ما اشتهر على الألسنة «محبّة في الآباء صلة في الأبناء» . والله أعلم. انتهى.
٢٦٧- («الورع) بفتح الرّاء الّذي هو ترك الشّبهات احتياطا، وحذرا من الوقوع في الحرام! (سيّد العمل») الصّالح، لأنّه الأساس للأعمال، ففي الحديث: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما ليس به بأس حذرا ممّا به بأس» . والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.
٢٦٨- («الولد ثمرة القلب») لأنّ الثّمرة تنتجها الشّجرة، والولد ينتجه الأب.
والحديث أخرجه أبو يعلى، والبزّار بسند ضعيف؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه بزيادة: «وأنّه مبخلة مجبنة محزنة» . انتهى «كشف الخفا» وذكره في «الجامع» بهذا اللفظ مرموزا له برمز من ذكر.
٢٦٩- («الولد مبخلة) بفتح الميم فيه وفيما بعده، أي: يحمل أبويه على البخل ويدعوهما إليه، حتى يبخلا بالمال عن إنفاقه في وجوه القرب؛ لأجله خوف
[ ٤ / ٨٠ ]
فقره، (مجبنة) أي: يجبن أباه عن الجهاد خشية ضيعته، فكأنّه أشار إلى التحذير من النّكول عن الجهاد، والنّفقة بسبب الأولاد، بل يكتفى بحسن خلافة الله تعالى فيقدم، ولا يحجم، فمن طلب الولد للهوى عصى مولاه، ودخل في قوله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [١٤/ التغابن]، فالكامل لا يطلب الولد إلّا لله فيربّيه على طاعته، ويمتثل فيه أمر ربه رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [٧٤/ الفرقان] (محزنة») أي: يحمل أبويه على كثرة الحزن، لكونه إن مرض حزنا، وإن طلب شيئا لا قدرة لهما عليه حزنا، فأكثر ما يفوت أبويه من الفلاح والصّلاح بسببه، فإن شبّ وعقّ؛ فذلك الحزن الدائم، والهمّ السرمدي اللازم.
سئل حكيم عن ولده، فقال: ما أصنع بمن إن عاش كدّني وإن مات هدّني.
قال الماوردي: أخبر بهذا الحديث أن الحذر على الولد يكسب هذه الأوصاف، ويحدث هذه الأخلاق، وقد كره قوم طلب الولد؛ كراهة لهذه الحالة الّتي لا يقدر على دفعها من نفسه للزومها طبعا، وحدوثها حتما. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة» . ورمز له برمز ابن ماجه عن يعلى بن مرة.
قال المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى.
وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة مجهلة محزنة» ورمز له برمز الحاكم في «الفضائل» عن الأسود بن خلف، من مسلمة الفتح رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: قال الحاكم على شرط مسلم، وأقره الذّهبي. وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى. ورمز له أيضا برمز الطّبراني في «الكبير» عن
[ ٤ / ٨١ ]
٢٧٠- «الولد.. للفراش، وللعاهر.. الحجر» .
خولة بنت حكيم، قال المناوي؛ نقلا عن الذّهبي: إسناده قوي.
وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «الولد ثمرة القلب، وإنّه مجبنة مبخلة محزنة»، ورمز له برمز أبي يعلى، زاد المناوي: وكذا البزار؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: قال الزين العراقي- وتبعه الهيثمي-: فيه عطية العوفي وهو ضعيف. انتهى، وتقدم في الحديث الذي قبل هذا.
٢٧٠- (الولد) - ذكر وأنثى، مفرد ومتعدد، تابع أو محكوم به- (للفراش) أي: صاحبه؛ زوجا كان أو سيدا، لأنّهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، لكن السّيد لا يلحق به الولد إلّا إذا أقرّ بالوطء «١» بخلاف الزّوج فيلحق به من إمكان الاجتماع بعد العقد؛ وإن أنكر الوطء؛ ومحلّ كونه تابعا للفراش إذا لم ينفه بلعان، وإلّا! انتفى. ومثل الزّوج أو السيّد هنا واطئ بشبهة، وليس لزان في نسبه حظّ، إنّما حظّه منه استحقاق الحدّ كما قال: - (وللعاهر) -: الزّاني، يقال (عهر إلى المرأة)؛ إذا أتاها ليلا للفجور بها، والعهر- بفتحتين- الزّنا (الحجر») أي: حظّه ذلك، يعني: الخيبة والحرمان فيما ادعاه من النّسب، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر. انتهى؛ من الزرقاني وشروح «الجامع الصغير» .
قال الزرقاني: وأوّل من استلحق في الإسلام ولد الزّنا معاوية؛ استلحق في خلافته زياد بن سميّة أخا، لأنّ أباه كان زنى بها زمن كفره؛ فجاءت به منه.
واستلحاقه خلاف إجماع المسلمين. انتهى. ونحوه في المناوي.
قال المناوي: وهذا الحديث قد مثل به أصحابنا في الأصول إلى أنّ المقام
_________________
(١) بل بالنسب.
[ ٤ / ٨٢ ]
٢٧١- «ويل للشّاكّين في الله» .
الوارد على سبب خاصّ يعتبر عمومه، وصورة السبب قطعيّة الدّخول فلا تخصّ منه باجتهاد كما فعله الحنفيّة، فإنّه وارد في ابن زمعة المختصم فيه عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص، فقال المصطفى ﷺ: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» .
والحديث ذكره في «الجامع» وغيره مرموزا له برمز متفق، وأبي داود، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وبرمز الإمام أحمد، ومتفق عليه، والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وبرمز أبي داود؛ عن عثمان بن عفان. وبرمز النّسائي؛ عن ابن مسعود وعبد الله بن الزّبير. وبرمز ابن ماجه؛ عن عمر بن الخطاب، وعن أبي أمامة الباهلي.
قال المناوي: وفي الباب عن غير هؤلاء أيضا؛ كما بيّنه الحافظ في «الفتح»، ونقل عن ابن عبد البر أنّه جاء عن بضعة وعشرين صحابيا، ثم زاد عليه. انتهى.
وذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» .
٢٧١- («ويل) كلمة تقال لمن وقع في هلكة؛ ولا يترحم عليه، بخلاف «ويح»؛ كذا في «التنقيح»، ذكره المناوي. وقال في موضع آخر: «ويل» كلمة عذاب، أو واد في جهنّم، أو صديد أهل النّار.
قال ابن جماعة: لم يجئ في القرآن إلّا وعيدا لأهل الجرائم.
(للشّاكّين في الله») أي؛ في وجوده، أو في انفراده بالألوهية، أو كل وصف يليق به تعالى، كأن شكّ في قدرته أو علمه تعالى. انتهى «عزيزي وحفني» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
[ ٤ / ٨٣ ]
[(حرف اللّام ألف)]
(حرف اللّام ألف) ٢٧٢- «(لا إله إلّا الله) .. كنز من كنوز الجنّة» .
٢٧٣- «لا إيمان.. لمن لا أمانة له» .
٢٧٤- «لا تجتمع أمّتي.. على ضلالة» .
(حرف اللّام ألف) ٢٧٢- («لا إله) مستغن عن كلّ ما سواه، ومفتقر إليه كلّ ما عداه (إلّا الله) بالرفع بدل من محلّ «لا» مع اسمها، وهو الرّفع بالابتداء عند سيبويه، وجملة كلمة التّوحيد مبتدأ قصد لفظها، والخبر ما بعدها. أي؛ هذا اللّفظ الّذي هو كلمة التوحيد (كنز من كنوز الجنّة») أي؛ ذخيرة من ذخائرها، أو من محصلات نفائسها، والمعنى أنّ قائلها يحصّل ثوابا نفيسا يدّخر له في الجنّة.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» .
٢٧٣- («لا إيمان) كامل (لمن لا أمانة له») فالأمانة لبّ الإيمان، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، والأمانة في الجوارح السبعة: العين، والسمع، واللسان، واليد، والرجل، والبطن، والفرج. فمن ضيّع جزآ منها سقم إيمانه، وضعف بقدره. انتهى «مناوي وزرقاني» .
وتمام الحديث: «ولا دين لمن لا عهد له» . ذكره في «المواهب»، و«الجامع الصغير» . وقال: رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في «مسنديهما»، والبيهقي في «الشعب»؛ عن أنس. قال الذّهبي: وسنده قويّ. وصحّحه ابن حبّان. انتهى زرقاني على «المواهب» .
٢٧٤- («لا تجتمع أمّتي) أي؛ علماؤهم (على ضلالة») لأنّ العامّة تأخذ عنها دينها، وإليها تفزع في النوازل؛ فاقتضت حكمة الله ذلك.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» وقال: أخرجه ابن أبي عاصم. انتهى.
[ ٤ / ٨٤ ]
وهو في الترمذي؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «إنّ الله تعالى لا يجمع أمّتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار» .
ورواه عن ابن عمر أيضا الضّياء في «المختارة» بلفظ: «إنّ الله لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة أبدا، وإنّ يد الله مع الجماعة؛ فاتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّه من شذّ شذّ في النّار» .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى في «تخريج المختصر»: حديث غريب؛ أخرجه أبو نعيم في «الحلية» واللالكائي في «السّنّة»، ورجاله رجال الصحيح؛ لكنّه معلول، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظا لحكمت بصحّته على شرط الصحيح! لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال؛ فذكرها، وذلك مقتضى الاضطراب، والمضطرب من أقسام الضعيف. انتهى مناوي على «الجامع» .
وذكره في «الكشف» بلفظ المصنّف، وقال:
رواه الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير»، وابن أبي خيثمة في «تاريخه»؛ عن أبي نضرة الغفاري رفعه في حديث: «سألت ربّي ألاتجتمع أمّتي على ضلالة فأعطانيها» .
والطّبراني وحده، وابن أبي عاصم في «السنّة»؛ عن أبي مالك الأشعري رفعه: «إنّ الله تعالى أجاركم من ثلاث خلال: ١- ألايدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعا، و٢- ألايظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، و٣- أن لا يجتمعوا على ضلالة» .
ورواه أبو نعيم والحاكم، وأعلّه اللالكائي في «السّنّة» وابن منده.
ومن طريقه الضّياء؛ عن ابن عمر رفعه: «إنّ الله لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة أبدا، وإنّ يد الله مع الجماعة، فاتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النّار» . وكذا هو عند التّرمذي، لكن بلفظ «أمّتي» .
[ ٤ / ٨٥ ]
٢٧٥- «لا تختلفوا.. فتختلف قلوبكم» .
٢٧٦- «لا تسبّوا الدّنيا.. فإنّها مطيّة المؤمن» .
ورواه عبد بن حميد، وابن ماجه؛ عن أنس رفعه: «إنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسّواد الأعظم» .
ورواه الحاكم؛ عن ابن عباس رفعه بلفظ: «لا يجمع الله هذه الأمّة على ضلالة، ويد الله مع الجماعة» .
والجملة الثانية عند التّرمذي وابن أبي عاصم؛ عن ابن مسعود موقوفا في حديث: «عليكم بالجماعة، فإنّ الله لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة» زاد غيره:
«وإيّاكم والتّلوّن في دين الله» .
وبالجملة فالحديث مشهور المتن، وله أسانيد كثيرة، وشواهد عديدة في المرفوع وغيره؛ فمن الأول: «أنتم شهداء الله في الأرض» . ومن الثّاني قول ابن مسعود: اذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجده! ففي سنّة رسول الله ﷺ، فإن لم يجده فيها! فلينظر فيما اجتمع عليه المسلمون، وإلّا! فليجتهد. انتهى كلام «الكشف» .
٢٧٥- («لا تختلفوا) أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصّلاة (فتختلف) بالنّصب جواب النّهي (قلوبكم») أي: هواها وإرادتها، لأنّ تقدّم البعض على البعض مظنّة للكبر المفسد للقلوب، وسبب لتأثّرها النّاشئ عن الحنق والضّغائن،
وفيه أنّ القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها. انتهى شروح «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم والنّسائي؛ عن أبي مسعود: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري مرفوعا. وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي؛ عن عبد الله بن مسعود الهذلي مرفوعا. وأخرجه أبو داود والنّسائي والإمام أحمد؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
٢٧٦- («لا تسبّوا الدّنيا فإنّها مطيّة المؤمن») توصله إلى الآخرة لكونه يتزوّد
[ ٤ / ٨٦ ]
٢٧٧- «لا تصحب.. إلّا مؤمنا، ولا يأكل طعامك.. إلّا تقيّ» .
فيها أعمالا صالحة. ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس»؛ أي: عن ابن مسعود ﵁.
٢٧٧- («لا تصحب إلّا مؤمنا) وكامل الإيمان أولى، لأنّ الطّباع سرّاقة؛ ومن ثمّ قيل: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشرّ؛ كالرّيح إذا مرّت على نتن حملت نتنا، وإذا مرّت على الطّيب حملت طيبا.
وقال الشّافعيّ: ليس أحد إلّا له محبّ ومبغض؛ فإذن لا بدّ من ذلك فليكن المرجع إلى أهل طاعة الله. ولذلك قيل:
ولا يصحب الإنسان إلّا نظيره وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد
وصحبة من لا يخاف الله لا تؤمن غائلتها لتغيّره بتغيّر الأعراض، قال تعالى وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) [الكهف]، والطّبع يسرق من الطّبع من حيث لا يدري.
ومعهم قد تفسد الأخلاق والطّبع من عادته سرّاق
(ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ») لأنّ المطاعمة توجب الألفة، وتؤدّي إلى الخلطة، بل هي أوثق عرى المداخلة، ومخالطة غير التقي تخلّ بالدّين؛ وتوقع في الشّبه والمحظورات، فكأنّه ينهى عن مخالطة الفجّار، إذ لا يخلو عن فساد، إما بمتابعة في فعل، أو مساومة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك ولا يكاد!! فلا تخطئه فتنة الغير به، وليس المراد حرمان غير التّقي من الإحسان، لأنّ المصطفى ﷺ أطعم المشركين وأعطى المؤلفة للمئين، بل يطعمه ولا يخالطه.
والحاصل: أنّ مقصود الحديث- كما أشار إليه الطّيبي- النّهي عن كسب الحرام وتعاطي ما ينفر منه المتّقي، فالمعنى: لا تصاحب إلّا مطيعا، ولا تخالل إلّا تقيّا. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد والتّرمذي وأبو داود وابن حبّان والحاكم؛ عن أبي سعيد الخدري، وأسانيده صحيحة.
[ ٤ / ٨٧ ]
٢٧٨- «لا خير.. في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» .
٢٧٨- («لا خير في صحبة من لا يرى لك) أي: من الحقّ (مثل ما ترى له») بأن يكون عنده من الرغبة والمودّة والنّفع مثل ما عندك له، كما قال الشاعر:
إذا كان لا يدنيك إلّا شفاعة فلا خير في ودّ يكون بشافع
فمن لم يكن يرى لك مثل ما ترى له؛ فلا خير في صحبته.
قال المناوي: كجاهل قدّمه المال وبذل الرّشوة في فضائل دينيّة لحاكم ظالم منعها أهلها وأعطاه مكافأة لرشوته، فتصدّر وترأس وتنكّب حتى أن يرى لأحد مثل ما يرى له، وتشبّه بالظّلمة في تبسّطهم وملابسهم ومراكبهم.
قال بعضهم: وكأنّه يشير إلى تجنّب صحبة المتكبّرين المتعاظمين في دين أو دنيا، سواء كان فوقه أو دونه، لأنّه إن كان فوقه لم يعرف له حقّ متابعته وخدمته، بل يراه حقّا عليه، وأنّه شرف بصحبته، فإن صحبته في طلب الدّين قطعك بكثرة اشتغاله عن الله، وإن صحبته للدّنيا منّ عليك برزق الله. وإن كان دونك لم يعرف لك حرمة، بل يرى له حقّا بصحبته لك، فإن صحبته في الدّين كدّره عليك بسوء معاشرته، أو للدّنيا لم تأمن من أذيّته وخيانته. انتهى كلام المناوي.
والحديث ذكره في «كشف الخفا»، وقال: رواه الدّيلمي؛ عن أنس ﵁، ورواه العسكري؛ عن أنس رفعه بلفظ: «المرء على دين خليله؛ ولا خير في صحبة من لّا يرى لك من الخير- أو: من الحقّ- مثل الّذي ترى له» . ورواه ابن عدي في «كامله» بسند ضعيف.
وروى اللّيث عن مجاهد أنّه قال: كانوا يقولون «لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق، مثل ما ترى له» .
ولأبي نعيم؛ عن سهل بن سعد رفعه: «لا تصحبنّ أحدا لا يرى لك من الفضل كما ترى له» . انتهى ملخّصا.
وذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز ابن عدي.
[ ٤ / ٨٨ ]
٢٧٩- «لا ضرر.. ولا ضرار» .
٢٨٠- «لا طاعة لمخلوق.. في معصية الخالق» .
٢٧٩- («لا ضرر) أي: لا يضر الرّجل أخاه فينقصه شيئا من حقّه (ولا ضرار»): فعال بكسر أوّله؛ أي لا يجازي من ضرّه بإدخال الضّرر عليه؛ بل يعفو. فالضّرر فعل واحد، والضّرار فعل اثنين. أو: الضّرر ابتداء الفعل، والضّرار الجزاء عليه، والأوّل إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والثّاني إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة؛ أي: كل منهما يقصد ضرر صاحبه.
وفيه تحريم سائر أنواع الضّرر إلّا بدليل، لأنّ النّكرة في سياق النّفي تعمّ. وفيه حذف أصله؛ لا لحوق أو إلحاق، أو: لا فعل ضرر أو ضرار بأحد في ديننا.
أي: لا يجوز شرعا إلّا لموجب خاصّ. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وغيره؛ وقال: رواه مالك والشّافعي. عن يحيى المازنيّ مرسلا، والإمام أحمد وعبد الرّزّاق وابن ماجه والطّبراني؛ عن ابن عباس، وفي سنده جابر الجعفي.
وأخرجه ابن أبي شيبة والدّارقطني عنه.
وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وجابر وعائشة وغيرهم. انتهى.
وفي المناوي: الحديث حسّنه النووي في «الأربعين»، ورواه مالك مرسلا، وله طرق يقوّي بعضها بعضا.
وقال العلائيّ: للحديث شواهد؛ ينتهي مجموعها إلى درجة الصحّة أو الحسن المحتجّ به. انتهى.
٢٨٠- («لا طاعة لمخلوق) من المخلوقين كائنا من كان؛ أبا أو أمّا، أو زوجا أو سيدا (في معصية الخالق») بل كلّ حقّ- وإن عظم- ساقط إذا جاء حقّ الله، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا ينبغي ولا يستقيم ذلك.
[ ٤ / ٨٩ ]
٢٨١- «لا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب..
كحسن الخلق» .
وتخصيص ذكر المخلوق والخالق!! يشعر بعلّيّة هذا الحكم «١» .
قال الزّمخشري: قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحقّ بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٥٩/ النساء] .
قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمر إذا أمروا بما فيه إثم كقتل ونحوه.
وقيل: معنى الحديث: أنّ الطّاعة لا تسلم لصاحبها، ولا تخلص إذا كانت مشوبة بمعصية. والأوّل أشبه بمعنى الحديث. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وغيره؛ وقال: رواه الإمام أحمد، والحاكم؛ عن عمران بن حصين. ورواه أبو داود والنّسائي؛ عن علي بلفظ:
«لا طاعة لأحد في معصية الله، إنّما الطّاعة في المعروف» .
ورواه أحمد؛ عن أنس بلفظ: «لا طاعة لمن لم يطع الله» . انتهى.
قال المناوي في حديث عمران: قال الهيثميّ رجال أحمد رجال الصّحيح، ورواه البغوي عن النّواس، وابن حبّان؛ عن علي بلفظ: «لا طاعة لبشر في معصية الله» . وله شواهد في «الصّحيحين» . انتهى.
٢٨١- («لا عقل كالتّدبير) قال الطّيبي: أراد بالتّدبير العقل المطبوع.
وقال القيصري: هو خاطر الرّوح العقلي، وهو خاطر التّدبير لأمر المملكة الإنسانيّة، فالنّظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، ومنه تؤخذ الفهوم والعلوم الربّانيّة، وهذا الشّخص هو الملك، وإليه ترجع أمور المملكة؛ فيختار ما أمره الشّرع أن يختار ويترك ما أمره الشّرع أن يتركه، ويستحسن ما أمره الشّرع أن يستحسنه، ويستقبح ما أمره الشّرع أن يستقبحه، وصفة خاطر هذا الملك
_________________
(١) أي: جعل الخلق علّة للطاعة من المخلوق لخالقه.
[ ٤ / ٩٠ ]
٢٨٢- «لا فقر.. أشدّ من الجهل، ولا مال.. أعزّ من العقل، ولا وحشة.. أشدّ من العجب» .
التثبّت والنّظر في جميع ما يرد عليه من الخواطر، فينفّذ منها ما يجب تنفيذه، ويردّ ما يجب ردّه.
وخواطر هذا الجوهر الشّريف؛ وإن كثرت ترجع إلى ثلاثة أنواع: ١- الأمر بالتنزّه عن دنيّ الأخلاق والأعمال والأحوال ظاهرا وباطنا. و٢- الأمر بالاتصاف بمحاسن الأخلاق والأعمال والأحوال وأعاليها كذلك. و٣- الأمر بإعطاء جميع أهل مملكته حقوقهم وتنفيذ الأحكام الشّرعية فيهم.
(ولا ورع كالكفّ) أي: كفّ اليد عن تناول ما يضطرب القلب في تحليله وتحريمه.
(ولا حسب) أي؛ ولا مجد ولا شرف (كحسن الخلق») بالضم، إذ به صلاح الدّنيا والآخرة.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز ابن ماجه، أي؛ وكذا ابن حبّان، والبيهقي في «الشعب»؛ كلّهم عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله تعالى عنه، وإسناده ضعيف؛ كما في شروح «الجامع» .
٢٨٢- («لا فقر أشدّ من الجهل) بالعلم الشّرعي، لأنّ العلم ميراث الأنبياء، فمن حرمه فهو الفقير على الحقيقة.
(ولا مال أعزّ من العقل) لأنّ العقل دليل المؤمن، إذ هو عقال لطبعه أن يجري بعجلته وجهله لتقدّم العقل بين يدي كلّ أمر من فعل وترك؛ مسترشدا به في عاقبته، استضاءة بنوره، فمن أعطي العقل فقد حصل على خير كبير. ولله درّ من قال:
«١»
_________________
(١) فراغ في الأصل!!
[ ٤ / ٩١ ]
٢٨٣- «لا يجني على المرء.. إلّا يده» .
٢٨٤- «لا يحلّ لمسلم.. أن يروّع مسلما» .
(ولا وحشة أشدّ من العجب») الّذي هو استعظام العمل غافلا عن منّة الله تعالى فيه. والحديث ذكره في «كشف الخفا» بلفظ: «لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أكثر من العقل، ولا وحشة أوحش من العجب، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله، ولا حسب كحسن الخلق ولا عبادة كالتّفكّر»، وقال: رواه ابن ماجه، والطّبراني عن أبي ذرّ. وفي الباب عن عليّ بن أبي طالب. انتهى.
قال المناوي: أخرج في «الشّعب» عن علي كرّم الله وجهه: «التّوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشدّ من العجب» قالوا: وذا من جوامع الكلم. انتهى.
٢٨٣- («لا يجني على المرء) أي: الرّجل، والمراد الإنسان فيشمل المرأة، أي لا يوصل إليه مكروها (إلّا يده») لأنّه يذنب فيعاقب من الله؛ أو الحاكم، فكأنّه المعاقب لنفسه لتسبّبه في إيصال العقاب لها.
وخصّ اليد!! لمباشرتها غالبا الجنايات. انتهى «زرقاني» .
والحديث ذكره في «المواهب»؛ وقال: رواه الشيخان؛ أي: البخاري ومسلم في حديث، ولأحمد وابن ماجه؛ من حديث عمرو بن الأحوص: إنّه شهد حجّة الوداع، وفيه: «لا يجني جان إلّا على نفسه» وقد أراد ﷺ بهذا أنّه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره؛ إن قتل أو جرح أو زنى، وإنّما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي الّتي أدّته لذلك فهو إبطال لأمر الجاهليّة، كانوا يقودون بالجناية من يجدونه؛ من الجاني وأقاربه، الأقرب فالأقرب، وعليه الآن أهل الجفا من سكان البوادي والجفاء. انتهى.
٢٨٤- («لا يحلّ لمسلم أن يروّع) - بالتّشديد أي: يفزّع- (مسلما») وإن كان هازلا؛ كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى، أو أخذ متاعه فيفزع لفقده، لما في
[ ٤ / ٩٢ ]
٢٨٥- «لا يزال الرّجال بخير.. ما لم يطيعوا النّساء» .
٢٨٦- «لا يشكر الله.. من لا يشكر النّاس» .
ذلك من إدخال الأذى والضّرر عليه، و«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد وأبي داود؛ من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجال من الصّحابة: أنّهم كانوا يسيرون مع النّبي ﷺ، فقام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه؛ ففزّعه
فذكره رسول الله ﷺ.
قال الزين العراقي بعد ما عزاه لأحمد والطّبرانيّ: حديث حسن.
وذكره في «كشف الخفا»؛ وقال: رواه الطّبراني وابن منيع؛ عن النّعمان بن بشير.
وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. انتهى.
٢٨٥- («لا يزال الرّجال بخير ما لم يطيعوا) أي: مدة عدم إطاعتهم (النّساء»)، فإذا أطاعوهنّ قلّ خيرهم، وذلك من أشراط السّاعة.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.
٢٨٦- («لا يشكر الله من لا يشكر النّاس») أي: من كان طبعه وعادته كفران نعمة النّاس وترك الشّكر لمعروفهم كان عادته كفران نعم الله وترك الشّكر له.
قال الحافظ ابن حجر كابن العربي: فيه أربع روايات رفع «الله» و«النّاس»، ونصبهما، ورفع أحدهما ونصب الآخر.
وعلى رفعهما؛ معناه: من لا يشكره النّاس لا يشكره الله.
وعلى نصبهما معناه: من لا يشكر النّاس بالثّناء بما أولوه لا يشكر الله؛ فإنّه أمر بذلك عبيده، أو من لا يشكر النّاس كمن لا يشكر الله، ومن شكرهم كمن شكره.
[ ٤ / ٩٣ ]
٢٨٧- «لا يغني حذر.. من قدر» .
وعلى رفع أحدهما ونصب الآخر معناه: لا يكون لله شاكرا إلا من كان شاكرا للنّاس، وشكر الله ثناؤه على المحسن، وإجراؤه النّعم عليه بغير زوال.
قال الزّين العراقي: والمعروف المشهور في الرّواية نصبهما، ويشهد له حديث عبد الله بن أحمد: «من لا يشكر النّاس لا يشكر الله» . انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الكشف» وقال: رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات؛ عن الأشعث بن قيس رفعه. وأبو داود والتّرمذي؛ عن أبي هريرة مرفوعا، وصححه التّرمذي؛ عن أبي هريرة. انتهى.
وذكره في «الجامع» بلفظ: «من لم يشكر النّاس لم يشكر الله» . ورمز له برمز الإمام أحمد والتّرمذي والضّياء في «المختارة»؛ عن أبي سعيد الخدري.
قال المناوي: قال التّرمذي: حسن. وقال الهيثميّ: سند أحمد حسن.
ولأبي داود وابن حبّان ونحوه؛ من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح. انتهى.
وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «التّحدّث بنعمة الله شكر وتركه كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر النّاس لا يشكر الله، والجماعة بركة والفرقة عذاب» ورمز له برمز البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما.
قال المناوي: فيه أبو عبد الرحمن الشّامي أورده الذّهبي في الضّعفاء، وقال الأزدي: كذّاب. ورواه عنه أحمد بسند رجاله ثقات، كما بيّنه الهيثمي، فكان ينبغي للمؤلف- يعني السّيوطي- عزوه له. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى.
٢٨٧- («لا يغني حذر من قدر») وإنّما يستعمل العبد الحذر!! لأنّه من جملة الأسباب المأمور بمباشرتها؛ فهو يحترز حسب الاستطاعة؛ معتقدا أنّه لا يدفع القضاء المبرم.
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه الإمام أحمد، والحاكم
[ ٤ / ٩٤ ]
٢٨٨- «لا يلدغ المؤمن.. من جحر مرّتين» .
وصحّحه؛ عن عائشة مرفوعا. وأخرجه الدّيلمي؛ عن عائشة ومعاذ بلفظ:
«لا ينفع حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل» . انتهى.
وذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم، في «كتاب الدّعاء»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قال المناوي: وتمامه عند الحاكم «والدّعاء ينفع ممّا نزل وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل فيتلقّاه الدّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» .
انتهى.
ثم قال المناوي: قال الحاكم: صحيح، وتعقّبه الذّهبي في «التلخيص» بأنّ زكريا بن منصور أحد رجاله مجمع على ضعفه. انتهى.
وفي «الميزان»: ضعّفه ابن معين ووهّاه أبو زرعة. وقال البخاري: منكر الحديث، وساق له هذا الخبر، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ. انتهى كلام المناوي.
٢٨٨- («لا يلدغ) - بالمثنّاة التحتيّة المضمومة واللام الساكنة وبالدّال المهملة المفتوحة والغين المعجمة- (المؤمن من جحر) - بضم الجيم فحاء مهملة- (مرّتين») .
قال الشّهاب الخفاجي: أريد بها التكرار؛ كقوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [٣- ٤/ الملك] لكنّه اقتصر على الأقل، لأنّه أنسب بالجزم.
انتهى.
قال المناوي:
روي ١- برفع الغين المعجمة نفي؛ معناه المؤمن المتيقّظ الحازم لا يؤتى من قبل الغافلة فيخدع مرة بعد أخرى، و٢- بكسر الغين نهي؛ أي؛ ليكن فطنا كيّسا لئلا يقع في مكروه بعد وقوعه فيه مرة قبلها. وذا من جوامع كلمه ﷺ الّتي لم يسبق إليها.
[ ٤ / ٩٥ ]
٢٨٩- «لا يكون الرّجل من المتّقين.. حتّى يدع ما لا بأس فيه، حذرا ممّا به بأس» .
أراد به تنبيه المؤمن على عدم عوده لمحلّ حصول مضرّة سبقت له فيه، وكما أن هذا مطلوب في أمر الدّنيا؛ فكذا في أمور الآخرة، فالمؤمن إذا أذنب ينبغي أن يتألّم قلبه كاللّديغ، ويضطرب ولا يعود. انتهى.
وسبب الحديث أنّ أبا عزة الجمحي «١» أسر ببدر فمنّ عليه رسول الله ﷺ على أن لا يهجوه، ولا يحرّض عليه؛ فغدر، ثم أسر بأحد، فقال: يا رسول الله؛ غلبت أقلني. فقال: «لا أدعك تمسح عارضيك بمكّة تقول (خدعت محمّدا مرّتين) ! وإنّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين» . ثم أمر بضرب عنقه، فصار الحديث مثلا.
ولم يسمع ذلك قبل المصطفى ﷺ.
نعم ذكر الشّهاب الخفاجي: أنّ من حكم اليونان وأمثالهم قولهم: لا يرمى العاقل بحجر مرتين. فانظر الفرق بين كلام النّبوّة وغيرها!!.
وفي «العزيزي»: قيل: المراد بالمؤمن في هذا الحديث الكامل الّذي أوقفته معرفته على غوامض الأمور، حتى صار يحذر مما سيقع، وأمّا المؤمن المغفّل! فقد يلدغ مرارا من جحر.
وفيه أدب شريف أدّب به النّبيّ ﷺ أمّته، ونبّههم كيف يحذرون ممّا يخافون سوء عاقبته. انتهى.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والشّيخين:
البخاري ومسلم، وأبي داود، وابن ماجه كلّهم؛ عن أبي هريرة، وبرمز الإمام أحمد وابن ماجه كلاهما؛ عن ابن عمر بن الخطاب ﵄.
٢٨٩- («لا يكون الرّجل من المتّقين) - أي: لا يبلغ العبد حقيقة التّقوى- (حتّى يدع ما لا بأس فيه حذرا ممّا به بأس») أي: يترك فضول الحلال؛ حذرا من
_________________
(١) وكان شاعرا.
[ ٤ / ٩٦ ]
٢٩٠- «لا يؤمن أحدكم.. حتّى يحبّ
الوقوع في الحرام، ويسمّى هذا ورع المتّقين. وهذه الدرجة الثانية من درجات الورع.
قال عمر: كنّا ندع تسعة أعشار الحلال خوف الوقوع في الحرام.
وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبّة، ويعطي ما عليه بزيادة حبّة. ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز بأنفه «١» من ريح المسك الذي لبيت المال، وقال: هل ينتفع إلّا بريحه!!
ومن ذلك ترك النّظر إلى تجمّل أهل الدنيا، فإنّه يحرّك داعية الرّغبة فيها. انتهى «عزيزي» .
والحديث ذكره في «الجامع» بلفظ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» ورمز له برمز التّرمذي وابن ماجه والحاكم كلهم؛ عن عطية بن عروة السّعدي رضي الله تعالى عنه، وقال التّرمذي: حسن غريب. انتهى بزيادة من المناوي.
٢٩٠- («لا يؤمن أحدكم) إيمانا كاملا؛ فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته، كخبر «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن» ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان. ولا يرد استلزامه أنّ فاعل ذلك يكمل إيمانه؛ وإن ترك بقيّة الأركان!! لأنّ هذا ورد مورد المبالغة، ويستفاد من قوله ﷺ لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم. وصرّح في رواية ابن حبّان بالمراد، ولفظ «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان» إذ معنى الحقيقة الكمال ضرورة إن من لم يتّصف بهذه الصّفة لا يكون كافرا.
(حتّى يحبّ) - بالنّصب، لأنّ «حتّى» جارّة و«أن» بعدها مضمرة،
_________________
(١) أي: يمسك بيده على أنفه لئلا يتمتع بريح المسك. (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٩٧ ]
لأخيه ما يحبّ لنفسه» .
ولا يجوز الرّفع فتكون «حتّى» عاطفة!! لفساد المعنى، إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبّة. ذكره الكرماني- (لأخيه) - المسلم كما زاده في رواية الإسماعيلي ولعلّه غالبي، فالمسلم ينبغي حبّه للكافر الإسلام، وما يترتب عليه من خير وأجر- (ما يحبّ لنفسه») من الخير؛ كما في رواية النّسائي وابن منده والإسماعيلي والقضاعي، والمراد أن يحبّ لأخيه من الخير نظير ما حصل له من جهة لا يزاحمه فيها.
وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه؛ إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلّين محال، قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشّر، ولم يذكره! لأنّ حبّ الشّيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك النصّ عليه اكتفاء. انتهى.
وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة، ومقصود الحديث انتظام أحوال المعاش والمعاد، والجري على قانون السّداد وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [١٠٣/ آل عمران] وعماد ذلك كلّه وأساسه السّلامة من الأدواء القلبيّة، فالحاسد يكره أن يفوقه أحد، أو يساويه في شيء، والإيمان يقتضي المشاركة في كل خير؛ من غير أن ينقص على أحد من نصيب أحد شيء.
نعم؛ ومن كمال الإيمان تمنّي مثل فضائله الآخروية الّتي فاقه فيها غيره.
وقوله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [٣٢/ النساء] نهي عن الحسد المذموم، فإذا فاقه أحد في فضل ديني اجتهد في لحاقه، وحزن على تقصيره، لا حسدا؛ بل منافسة في الخير، وغبطة. انتهى «مناوي وزرقاني» .
قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»، وحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وحديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله للذي اختصر له في الوصية «لا تغضب» . انتهى عزيزي ك «شرح مسلم» .
[ ٤ / ٩٨ ]
٢٩١- «لا يؤمن أحدكم.. حتّى يكون هواه
والحديث ذكره في «الجامع الصغير»، قال الزّرقاني: أخرجه الشيخان:
البخاري ومسلم، والتّرمذي والنّسائي وابن ماجه؛ عن أنس ﵁.
لكن لفظ رواية مسلم: «حتّى يحبّ لأخيه- أو قال- جاره» . ورواية البخاري وغيره: «لأخيه» بلا شك. انتهى. ونحوه في «الجامع الصغير» مع المناوي رحمهم الله تعالى.
٢٩١- («لا يؤمن أحدكم) إيمانا كاملا (حتّى يكون هواه)، بالقصر:
ما يهواه أي: تحبّه نفسه وتميل إليه، وجمعه أهواء، والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنّه الميل إلى خلاف الحقّ، وهذا هو الغالب، ومنه وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [٢٦/ ص]، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) [النازعات] .
ومنه قول ابن دريد:
وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد نجا
وقول هشام بن عبد الملك:
إذا لم تكن تعصي الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال
وقول آخر:
إنّ الهوان من الهوى قصر اسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقول آخر:
نون الهوان من الهوى مسروقة وصريع كلّ هوى صريع هوان
وقد يطلق الهوى بمعنى مطلق الميل والمحبّة؛ فيشمل الميل للحقّ وغيره، ويطلب بمعنى محبّة الحقّ خاصّة، والانقياد إليه، ومنه ما في هذا الحديث، ومنه قول عائشة ﵂ لما نزل قوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ
[ ٤ / ٩٩ ]
لما جئت به» .)
تَشاءُ [٥١/ الأحزاب] قالت للنبيّ ﷺ: ما أرى ربك إلّا يسارع في هواك، وقول عمر ﵁- في قصة المشاورة في أسارى بدر- «فهوي رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر ولم يهو ما قلت»؛
فتبيّن أنّ للهوى ثلاث إطلاقات: ١- الميل إلى خلاف الحقّ، وهو الغالب.
و٢- مطلق الميل الشّامل للحقّ وغيره. و٣- الميل إلى الحقّ خاصّة.
وهذا كلّه في المقصور؛ أمّا الممدود [الهواء] فهو الجرم الّذي بين السماء والأرض، وكلّ متجوّف، وجمعه أهوية.
(تبعا لما جئت به») من هذه الشّريعة المطهّرة الكاملة، بأن يميل قلبه وطبعه إليه؛ كميله لمحبوباته الدنيويّة الّتي جبل على الميل إليها من غير مجاهدة وتصبّر، بل يهواها كما يهوى المحبوبات المشتهيات، إذ من أحبّ شيئا أتبعه هواه، ومال عن غيره إليه، ومن ثمّ آثر التعبير بذلك، على نحو «حتّى يأتمر بكلّ ما جئت به» لأنّ المأمور بالشيء قد يفعله اضطرارا. انتهى؛ من شرح ابن حجر الهيتمي على «الأربعين النووية» .
وقال الإمام النّووي رحمه الله تعالى: يعني أنّ الشّخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنّة، ويخالف هواه، ويتّبع ما جاء به النّبي ﷺ، وهذا نظير قوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٣٦/ الأحزاب] فليس لأحد مع الله ﷿ ورسوله ﷺ أمر ولا هوى.
وعن إبراهيم بن محمد الكوفيّ قال: رأيت الشّافعي بمكة يفتي النّاس ورأيت إسحاق بن راهواه وأحمد ابن حنبل حاضرين، فقال أحمد لإسحاق: تعال حتّى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله!! قال: نعم.
فجاء به فوقفه على الشّافعي.
فذكر القصة إلى أن قال: ثمّ تقدّم إسحاق إلى مجلس الشّافعي فسأله عن كراء
[ ٤ / ١٠٠ ]
بيوت مكة. فقال الشّافعي: هذا عندنا جائز، قال رسول الله ﷺ: «فهل ترك لنا عقيل من دار!!» .
فقال إسحاق: أخبرنا يزيد بن هارون؛ عن هشام؛ عن الحسن أنّه لم يكن يرى ذلك!، وعطاء وطاووس لم يكونا يريان ذلك!!
فقال له الشّافعي: أنت الّذي تزعم أهل خراسان أنّك فقيههم؟!.
قال إسحاق: كذلك يزعمون؟!
قال الشّافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بفرك أذنيه.
أنا أقول: «قال رسول الله ﷺ؛ وأنت تقول: قال عطاء وطاووس والحسن وإبراهيم؛ هؤلاء لا يرون ذلك»؟! وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجّة؟.
ثمّ قال الشّافعي: قال الله تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [٥٩/ الحشر] أفتنسب الدّيار إلى مالكين؛ أو غير مالكين؟.
قال إسحاق: إلى مالكين!.
قال الشافعي: فقول الله تعالى أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»؛ وقد اشترى عمر بن الخطاب ﵁ دار الحجلتين!؟ وذكر الشّافعي جماعات من أصحاب رسول الله ﷺ.
فقال له إسحاق: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٥٢] !! فقال له الشّافعي:
فالمراد به المسجد خاصّة؛ وهو الّذي حول الكعبة، ولو كان كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكّة ضالّة، ولا تحبس فيها البدن، ولا تلقى الأرواث، ولكن هذا في المسجد خاصّة!.
فسكت إسحاق ولم يتكلّم. فسكت الشّافعي عنه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ونفعنا بعلومهم آمين.
والحديث ذكره النّووي في «الأربعين»؛ وقال: حديث صحيح روّيناه في كتاب «الحجّة» بإسناد صحيح.
[ ٤ / ١٠١ ]
قال ابن حجر: كتاب «الحجّة في اتباع المحجّة» في عقيدة أهل السنّة لتضمّنه ذكر أصول الدّين على قواعد أهل الحديث، وهو كتاب جيد نافع وقدره ك «التنبيه» مرة ونصفا تقريبا، ومؤلفه هو العلامة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني الحافظ؛ كذا قاله بعضهم! وخالفه غيره؛ فقال: إنّه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشّافعي، الفقيه الزاهد نزيل دمشق. انتهى.
قال بعضهم: ورواه محيي السّنّة في «المصابيح» و«شرح السنة» . انتهى.
قال ابن حجر: وهو على وجازته واختصاره يجمع ما في هذه «الأربعين» وغيرها؛ من دواوين السّنّة، وبيانه أنّه ﷺ إنّما جاء بالحقّ وصدّق المرسلين، وهذا الحقّ إن فسّر بالدّين شمل الإيمان والإسلام والنّصح لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامّتهم، والاستقامة، وهذه أمور جامعة لا يبقى بعدها إلّا تفاصيلها، أو بالتّقوى فهي مشتملة على ما ذكرناه أيضا، فإذا كان كذلك؛ كان هوى الإنسان تبعا لما جاء به النّبيّ ﷺ من الدّين والتّقوى.
وعلم من الحديث أنّ من كان هواه تابعا لجميع ما جاء به النّبيّ ﷺ كان مؤمنا كاملا، وضدّه؛ وهو من أعرض عن جميع ما جاء به النّبيّ ﷺ- ومنه الإيمان- فهو الكافر؛ وأما من اتبع البعض؛ فإن كان ما اتّبعه أصل الدّين؛ وهو الإيمان، وترك ما سواه؛ فهو الفاسق، وعكسه المنافق، واستمداد الحديث من قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
[٦٥/ النساء] الآية، إذ فيها غاية التعظيم لحقّه ﷺ والتأدّب معه، ووجوب محبّته واتّباعه فيما يأمر به من غير توقّف؛ ولا تلعثم، ومن ثمّ لم يكتف بالتّحكيم، بل عقّبه بقوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ولم يكتف بهذا أيضا، بل زاد التأكيد بقوله وَيُسَلِّمُوا [٦٥/ النساء]، ولم يكتف به أيضا، بل زاد فيه فأتى بالمصدر الرافع لاحتمال التجوّز؛ فقال تَسْلِيمًا (٦٥) [النساء]، وبهذا التسليم تكون النّفس مطمئنّة لحكمه، منشرحة به، لا توقف عندها فيه بوجه. انتهى.
[ ٤ / ١٠٢ ]
٢٩٢- «لا يؤمن عبد.. حتّى يكون قلبه ولسانه سواء» .
٢٩٢- («لا يؤمن عبد حتّى يكون قلبه ولسانه سواء») في كون ما يظهر على لسانه هو ما يكنّه قلبه، من حسن معاملة الخلق والخالق.
والحديث ذكره في «كشف الخفاء»، وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أنس.
وفي الباب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى.
وذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
[ ٤ / ١٠٣ ]
[(حرف الياء)]
(حرف الياء) ٢٩٣- «يا ابن آدم؛ ارض من الدّنيا.. بالقوت؛ فإنّ القوت لمن يموت كثير» .
٢٩٤- «يا أبا بكر؛ ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» . قاله له في الغار.
(حرف الياء) ٢٩٣- («يا ابن آدم) المراد ب «ابن آدم» الجنس (ارض من الدّنيا بالقوت)؛ أي: بما يسدّ الرّمق بغير زيادة على ذلك، قيل: سمّي قوتا! لحصول القوة منه؛ ذلك لأن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم، والكفاف حالة متوسّطة بين الفقر والغنى، وخير الأمور أوساطها، ولذلك سأله المصطفى ﷺ بقوله: «اللهمّ اجعل رزق آل محمّد قوتا» . ومعلوم أنّه لا يسأل [الله] إلّا أفضل الأحوال.
(فإنّ القوت لمن يموت كثير») هذا مبالغة في التقلّل من الدّنيا، وإلّا! فإن الإنسان لا يستغني عن القوت، إذ هو البلغة، وبه قوام البنية.
وأقطاب القوت: الكنّ، والكسوة، والشّبع، والرّيّ؛ فمن توفّرت له فهو مكفيّ، كما جاء ذلك في حديث رواه التّرمذي في «الزّهد»، والحاكم في «الرّقاق» كلاهما؛ عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: «ليس لابن آدم حقّ فيما سوى هذه الخصال، بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز، والماء» قال التّرمذي:
حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذّهبيّ. والله أعلم.
٢٩٤- («يا أبا بكر) - الصّدّيق- (ما ظنّك باثنين) - يعني: نفسه وأبا بكر- (الله ثالثهما) بالنّصرة والإعانة. وفي رواية: «اسكت؛ يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما» . وهذا (قاله) النّبيّ ﷺ (له)؛ أي: لأبي بكر الصّدّيق وهما ماكثان (في الغار) المعهود؛ وهو غار ثور جبل من جبال مكّة بأسفلها؛ على مسير
[ ٤ / ١٠٤ ]
٢٩٥- «يا أبا ذرّ؛ جدّد السّفينة، فإنّ البحر عميق» .
٢٩٦- «يا أنس؛ أطب كسبك.. تستجب دعوتك» .
ساعتين تقريبا، وذلك في خروجهما متوجّهين إلى المدينة للهجرة، ولمّا بعثت قريش الطّلب في آثارهما؛ وكانا مختفيين في الغار المذكور، ووصلت قريش إلى باب الغار؛ قال سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه للنبيّ ﷺ: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا! فقال المصطفى ﷺ: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» !
والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما؛ عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ وفيه منقبة ظاهرة لسيّدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه.
٢٩٥- («يا أبا ذرّ؛ جدّد السّفينة) - أي: أكثر من الأعمال الصّالحة ما دمت في هذه الحياة الدّنيا- (فإنّ البحر عميق») يعني: يوم القيامة الّتي تستقلّ فيه الأعمال الصّالحة لما اشتمل عليه من الهول؛
فشبّه الأعمال الصّالحة الكثيرة في تعاضدها؛ إذ يتسبب عنها تخليص صاحبها من الأهوال؛ بالسّفينة الجديدة في قوّتها وتحمّلها ما يطرأ عليها من مصادمات وأخطار المتسبّب ذلك في نجاة ركابها.
وشبّه يوم القيامة وما اشتمل عليه من أهوال يشيب فيها الوليد؛ بحيث لا ينجيه من ذلك إلّا كثرة الأعمال الصّالحة؛ شبّهه بالبحر العميق المحاط بالأخطار، بحيث لا ينجيه منه إلّا السّفينة السليمة الآلات، القوية في المعدات، أمّا غيرها! فيخشى عليه الوقوع في الهلاك. وهذا من أبدع الكلام وأحسن الاستعارة.
وهذا الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
٢٩٦- («يا أنس؛ أطب كسبك) - أي: مطعمك، وكسوتك، وتوابعهما، وأهمّها المطعم بأن يكون ذلك من حلال، سليما من الشّبهة، فإذا فعلت ذلك (تستجب دعوتك») أي: دعاؤك إن دعوت الله تعالى في أمر من الأمور، وحاجة من الحاجات.
[ ٤ / ١٠٥ ]
٢٩٧- «يا حرملة؛ ائت المعروف واجتنب المنكر» .
وهذا كقوله لسعد: «أطب طعمتك تجب دعوتك» . أمّا من كان مطعمه من حرام، وملبسه من حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له!!.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
٢٩٧- («يا حرملة) - بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الميم- ابن عبد الله بن إياس- وربّما نسب إلى جدّه فظنّ أنّه غيره- وهو التميمي العنبري الصحابي، كان من أهل الصّفّة، ونزل البصرة، قال: قلت يا رسول الله؛ ما تأمرني به أعمل!! فقال:
(ائت المعروف) أي: افعله. والمعروف: ما عرفه الشّرع، وهو الواجب والمندوب، (واجتنب المنكر»)؛ أي: لا تقربه، والمنكر: ما أنكره الشّرع، وهو المكروه والحرام.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّيالسي.
وذكره في «الجامع» بلفظ: «ائت المعروف، واجتنب المنكر، وانظر ما يعجب أذنك أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فأته. وانظر الّذي تكره أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه» .
ورمز له برمز البخاري في «الأدب المفرد»، والبيهقي في «شعب الإيمان»، وابن سعد، والبغوي في «معجمه»، والباوردي في «معرفة الصحابة»؛ كلّهم عن حرملة المذكور وليس له غيره.
قال المناوي: يعني لا يعرف له رواية غير هذا الحديث.
ثمّ قال المناوي: وكلام الحافظ ابن حجر مصرّح بحسن الحديث، فإنّه قال:
حديثه- يعني حرملة- في «الأدب المفرد» للبخاري، «ومسند الطيالسي» وغيرهما بإسناد حسن. انتهى.
[ ٤ / ١٠٦ ]
٢٩٨- «يا حبّذا كلّ ناطق عالم، وكلّ مستمع واع» .
٢٩٩- «يا حذيفة؛ عليك بكتاب الله» .
٣٠٠- «يا عبادة؛ اسمع وأطع في عسرك ويسرك» .
٢٩٨- (يا) للتنبيه؛ أو للنّداء، والمنادى محذوف أي: يا قوم (حبّذا):
كلمة مدح ركبت من كلمتين «حبّ» فعل ماض، و«ذا» اسم إشارة، وأصله حبّب بضمّ الحاء- وهو مسند إلى اسم الإشارة إلّا أنهما جريا بعد التّركيب مجرى الأمثال الّتي لا تتغيّر؛ أي حبّ هذا الأمر المذكور في قوله
(كلّ ناطق عالم)؛ أي: متكلّم عن علم بما يتكلّم، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك العمل بما يعلمه وبما يقوله، (وكلّ مستمع واع)؛ أي: حافظ لما يسمعه من العلم، فإنّ هذا هو الّذي يزداد علما كلما طلعت عليه شمس يوم.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
٢٩٩- («يا حذيفة) بن اليمان (عليك) اسم فعل بمعنى «الزم»، وقوله (بكتاب الله») ! بباء الجر، واستشكاله بتعديته بنفسه في نحو عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة/ ١٠٥] !! دفعه الرضيّ بأن أسماء الأفعال؛ وإن كان حكمها في التعدّي واللّزوم حكم الأفعال التي هي بمعناها؛ لكن كثيرا ما تزاد الباء في مفعولها؛ نحو «عليك به» لضعفها في العمل. انتهى «مناوي» .
أي: الزم تلاوة كتاب الله تعالى القرآن، وتدبّره، واتّخذه إماما وقائدا، آمن بمتشابهه، واعتبر بأمثاله، واعمل بأحكامه.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد.
٣٠٠- («يا عبادة؛ اسمع وأطع) أميرك في كلّ ما يأمر به؛ وإن شقّ ما لم يكن إثما، وجمع بينهما تأكيدا!! للاهتمام بالمقام؛ أي: اسمع وأطع على كل حال (في عسرك)؛ أي: ضيقك وشدّتك، (ويسرك») - بضمّ أوّله وسكون
[ ٤ / ١٠٧ ]
٣٠١- «يا عقبة؛ صل من قطعك، وأعط من حرمك» .
٣٠٢- «يا عليّ؛ لا ترج إلّا ربّك، ولا تخف إلّا ذنبك» .
٣٠٣- «يا عمرو؛ نعمّا بالمال الصّالح للرّجل الصّالح» .
السّين المهملة-: نقيض العسر، يعني: في حال فقرك وغناك.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد.
٣٠١- («يا عقبة؛ صل من قطعك) من ذوي قرابتك وغيرهم، (وأعط من حرمك») عطاءه أو مودّته، أو معروفه.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد.
٣٠٢- («يا عليّ؛ لا ترج) في قضاء حاجتك (إلّا ربّك)؛ لا غيره من المخلوقين، (ولا تخف) أحدا (إلّا ذنبك») يعني؛ إذا وقعت في الذّنب فخف أن يصيبك من الله شيء؛ عقابا لذنبك الّذي ارتكبته.
والحديث ذكره المناوي في «الكنوز» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
٣٠٣- («يا عمرو) بن العاص (؛ نعمّا بالمال) قال في «النّهاية»: أصله «نعم ما»؛ فأدغم وشدّد، و«ما» غير موصوفة ولا موصولة، كأنّه قال: نعم شيئا المال (الصّالح) . والباء زائدة مثل زيادتها في وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) [الأحزاب] انتهى.
(للرّجل الصّالح) الّذي يقيم به أوده، ويستعين به على آخرته.
والحديث ذكره في «مجمع الزوائد» عن عمرو بن العاص قال: بعث إلى رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثمّ ائتني»، - قال: فأتيته وهو يتوضّأ فصعّد فيّ البصر ثمّ طأطأ؛ فقال: «إنّي أريد أن أبعثك على جيش فيسلّمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقلت: - يا رسول الله
[ ٤ / ١٠٨ ]
٣٠٤- «يا عمّ رسول الله؛ أكثر من الدّعاء بالعافية»، قاله للعبّاس.
٣٠٥- «يا فاطمة؛ كوني له أمّة.. يكن لك عبدا» .
ما أسلمت من أجل المال، ولكنّي أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ.
فقال: «يا عمرو نعمّا بالمال الصّالح للمرء الصّالح» رواه أحمد، وقال: كذا في النّسخة «نعمّا» بنصب النّون وكسر العين، وقال أبو عبيدة: بكسر النّون والعين.
ورواه الطّبراني في «الأوسط» و«الكبير» وقال فيه: ولكن أسلمت رغبة في الإسلام وأكون مع رسول الله ﷺ. فقال: «نعم ونعمّا بالمال الصّالح للمرء الصّالح» . انتهى كلام «مجمع الزوائد» .
٣٠٤- (يا عمّ رسول الله؛ أكثر من الدّعاء بالعافية») أي: السّلامة من الشّدائد والبلايا والمكاره الدّنيوية والآخرويّة، أي: أكثر من الدّعاء بدوامها واستمرارها عليك، لأنّها جامعة لأنواع خير الدّارين من الصّحة في الدّنيا؛ والسّلامة في العقبى، ومن كملت له العافية علّق قلبه بملاحظة مولاه، وعوفي من التّعلّق بسواه.
قال الدّيلمي: وهذا (قاله للعبّاس) عمّه حين قال: يا رسول الله؛ علمني شيئا أسأله الله. فذكره.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن ابن عباس.
ورواه عنه الطّبراني باللّفظ المزبور، وفيه راو ضعّفه جمع، وبقيّة رجاله ثقات. وذكره المناوي في «الكنوز» باللفظ المزبور.
٣٠٥- («يا فاطمة؛ كوني له) - أي: زوجها عليّ- (أمة) - أي: مطيعة كالأمة المطيعة لسيّدها- (يكن لك) - أي: بعلك- (عبدا») موافقا منقادا، كالعبد الموافق لسيّده في أغراضه.
[ ٤ / ١٠٩ ]
٣٠٦- «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه.. وينسى الجذع في عينه» .
٣٠٧- «يسّروا
٣٠٦- («يبصر أحدكم القذى) - جمع: قذاة، وهي ما يقع في العين والماء والشّراب من نحو تراب وتبن ووسخ- (في عين أخيه) - في الإسلام- (وينسى الجذع) - واحد: جذوع النّخل- (في عينه») أي: في عين نفسه، كأنّ الإنسان لنقصه وحبّ نفسه يتوفّر على تدقيق النّظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به.
وهذا مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب النّاس ويعيّرهم به، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة، وذلك من أقبح القبائح وأفضح الفضائح، فرحم الله من حفظ قلبه ولسانه ولزم شأنه، وكفّ عن عرض أخيه، وأعرض عمّا لا يعنيه، فمن حفظ هذه الوصيّة دامت سلامته وقلّت ندامته، فتسليم الأحوال لأهلها أسلم، والله أعلى وأعلم. ولله درّ القائل:
أرى كلّ إنسان يرى عيب غيره ويعمى عن العيب الّذي هو فيه
فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه ويبصر عيبا كائنا بأخيه
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي في «شرحه»: ورواه القضاعي، وهو حديث حسن. انتهى.
وذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي هريرة، وابن أبي الدّنيا في «المداراة»؛ عن بكر بن عبد الله المزني قال: «إذا رأيتم الرّجل موكّلا بذنوب النّاس، ناسيا لذنبه، فاعلموا أنّه قد مكر به» .
وروى الدّيلمي؛ عن أنس: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس» . انتهى.
٣٠٧- («يسّروا) - بفتح فتشديد-؛ أي: خذوا بما فيه التّيسير على النّاس
[ ٤ / ١١٠ ]
ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا» .
بذكر ما يؤلّفهم لقبول الموعظة في جميع الأيّام، لئلا يثقل عليهم فينفروا، وذلك لأن التّيسير في التعليم يورّث قبول الطاعة، ويرغّب في العبادة، ويسهل به العلم والعمل.
(ولا تعسّروا)؛ لا تشدّدوا، أردفه بنفي التعسير مع أنّ الأمر بشيء نهي عن ضده تصريحا بما لزم ضمنا للتأكيد. ذكره الكرماني. وأولى منه قول جمع (عقّبه به إيذانا بأن مراده نفي التّعسير رأسا، ولو اقتصر على «يسّروا» لصدق على كل من يسّر مرّة وعسّر كثيرا)، كذا قرره أئمة هذا الشّأن، ومنهم النّووي وغيره.
(وبشّروا) بفضل الله، وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وشمول عفوه ومغفرته؛ من التّبشير، وهو إدخال السّرور، والبشارة: الإخبار بخبر سار.
وقوله «بشّروا» بعد قوله «يسّروا» فيه جناس خطيّ «١»، ولم يكتف به، بل أردفه بقوله:
(ولا تنفّروا») لما مرّ وهو من التّنفير؛ أي: لا تذكروا شيئا تنهزمون منه، ولا تصدّروا بما فيه الشّدّة.
وقابل «٢» به «بشّروا» مع أنّ ضد البشارة النّذارة!! لأن القصد من النفارة التّنفير، فصرّح بالمقصود منها.
وهذا الحديث- كما قاله الكرماني وغيره- من جوامع الكلم لاشتماله على الدّنيا والآخرة، لأن الدّنيا دار العمل؛ والآخرة دار الجزاء، فأمر المصطفى ﷺ فيما يتعلق بالدّنيا بالتسهيل، وفيما يتعلّق بالآخرة بالوعد الجميل والإخبار بالسّرور؛ تحقيقا لكونه رحمة للعالمين في الدّارين.
_________________
(١) وهو المسمّى «جناسا غير تامّ» لعدم اتحاد نوع الحروف.
(٢) من المقابلة أحد أنواع علم البديع؛ من علوم البلاغة، وهي ذكر المعنى وضدّه.
[ ٤ / ١١١ ]
٣٠٨- «اليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع» .
وفيه الأمر بالتّيسير بسعة الرّحمة والنّهي عن التّنفير بذكر التّخويف؛ أي: من غير ضمّه إلى التّبشير، وتأليف من قرب عهده بالإسلام، وترك التّشديد عليه والأخذ بالرّفق، وتحسين الظّنّ بالله لكن لا يجعل وعظه كلّه رجاء، بل يشوبه بالخوف.
انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنّسائي؛ كلهم عن أنس رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي. ورواه البخاري وغيره؛ عن أبي موسى الأشعري، وذكر أنّه قال ذلك له ولمعاذ لمّا بعثهما إلى اليمن، وزاد- بعد ما ذكر هنا-: «وتطاوعا ولا تختلفا» .
قال أبو البقاء: وإنّما قال «يسّروا» بالجمع مع أنّ المخاطب اثنان!! لأن الاثنين جمع في الحقيقة، إذ الجمع ضمّ إلى شيء إلى شيء. أو يقال: إن الاثنين أميران، والأمير إذا قال شيئا توقع قبول الأمر إلى الجمع، أو أراد أمرهما وأمر من يوليانه. انتهى.
٣٠٨- («اليمين الفاجرة) - أي: الكاذبة- (تدع) - أي: تترك- (الدّيار بلاقع») بفتح الباء واللّام، وكسر القاف؛ جمع: بلقع؛ وهي الأرض القفراء الّتي لا شيء فيها.
يريد أن الحالف كاذبا يفتقر، ويذهب ما في بيته من الرّزق.
وقيل: هو أن يفرّق الله شمله، ويغيّر عليه ما أولاه من نعمه.
والحديث ذكره في «المواهب»، وقال: رواه الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة مرفوعا، وذكره في «الجامع» بلفظ: «ليس شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرّحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرّحم، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع» ورمز له برمز البيهقي في «سننه»؛ عن أبي هريرة
[ ٤ / ١١٢ ]
٣٠٩- «اليوم.. الرّهان، وغدا.. السّباق، والغاية.. الجنّة، والهالك.. من دخل النّار» .
رضي الله تعالى عنه، وإسناده حسن؛ كما في «العزيزي» .
٣٠٩- («اليوم) - أي: الدّنيا- (الرّهان) - بكسر الرّاء- قال المجد:
المخاطرة والمسابقة على الخيل. انتهى. استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا، كما قال تعالى سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [٢١/ الحديد] قال البيضاوي: سابقوا؛ سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار.
(وغدا) - أي: يوم القيامة- (السّباق) - بالكسر- مصدر سابق مسابقة وسباقا بمعنى السّبق- بفتحتين-: ما يجعل من المال رهنا على المسابقة، استعير للأعمال التي يلقاها العاملون يوم القيامة.
(والغاية) التي يقع عليها الرّهان (الجنّة)، فيه حذف دلّ عليه المذكور؛ أي: والنّار. فالفائز من دخل الجنّة، (والهالك من دخل النّار») .
والمعنى: الفائز من عمل الأعمال الصّالحة، وفعل المأمورات، واجتنب المنهيّات؛ فدخل الجنّة، فرفعت له فيها الدّرجات، والهالك من فعل المعاصي، فال إلى استحقاق دخول النّار.
وحاصل معنى الحديث: أنّ الدّنيا بتمامها للنّاس كيوم يتسابق فيه المتسابقون على خيلهم إلى غاية معلومة لهم، وقد جعلوا مالا يأخذه السّابق غدا، فمن عمل الصّالحات فاز بذلك الجعل؛ الذي هو الجنّة، بمقتضى الوعد الصادق. ومن عمل السّيئات حرم الجعل واستحقّ النّار، بمقتضى الوعيد ما لم يعف عنه؛ إن كان مسلما. هذا ما ظهر لي، ولم أر أحدا شرحه.
وبقيّة الحديث: «أنا الأوّل، وأبو بكر الثّاني، وعمر الثّالث، والنّاس بعد على السّبق الأوّل فالأوّل» . رواه الطّبرانيّ، وابن عديّ، والخطيب؛ عن ابن عبّاس بتمامه مرفوعا، وفيه أصرم بن حوشب: منكر الحديث. انتهى «زرقاني» .
[ ٤ / ١١٣ ]
٣١٠- «يا أيّها النّاس؛ ألا تستحيون؟! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون» .
٣١١- «يا أيّها النّاس؛ أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا والنّاس نيام.. تدخلوا الجنّة بسلام» .
٣١٠- («يا أيّها النّاس)، قال ابن مالك في «شرح الكافية»: إذا قلت «أيّها الرّجل» ف «أيّها» و«الرّجل» كاسم واحد، و«أيّ» مدعوّ، و«الرّجل»: نعت له ملازم، لأنّ «أيّ» مبهم لا يستعمل بغير صلة؛ إلّا في الجزاء والاستفهام.
و«ها» حرف تنبيه، فإذا قلت «يا أيّها الرّجل» لم يصحّ في «الرّجل» إلّا الرّفع، لأنّه المنادى حقيقة، و«أيّ» يتوصّل به إليه، وإن قصد به مؤنّث زيدت التّاء، نحو يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) [الفجر] . انتهى «مناوي» .
(ألا تستحيون) من الله تعالى!! (تجمعون ما لا تأكلون) أي: ما يزيد على كفايتكم، (وتبنون ما لا تسكنون»)؛ بل عن قريب منه راحلون!!. أو المراد ما يزيد على قدر حاجتكم.
٣١١- («يا أيّها النّاس؛ أفشوا السّلام) - بقطع الهمزة-، أي: انشروه وأعلنوه بين من تعرفونه، ومن لا تعرفونه من المسلمين الّذين يندب ﵈.
(وأطعموا الطّعام) للبرّ والفاجر، أي: تصدّقوا بما فضل عن حاجة من تلزمكم نفقته. فالمراد: بذل الطّعام والمال ونحوه؛ لا خصوص إطعام الطّعام.
(وصلوا) بكسر الصّاد؛ أمر من الصّلة (الأرحام) أي: أحسنوا إلى أقاربكم بالقول والفعل.
(وصلّوا) باللّيل (والنّاس نيام)، جملة حاليّة، أي: تهجّدوا حال نوم غالب النّاس، والأولى من اللّيل السّدس الرّابع والخامس، فإذا فعلتم ما ذكر؛ (تدخلوا الجنّة بسلام»)، أي: مع سلامة من الآفات الآخرويّة.
والمراد: أنّ فعل المذكورات من الأسباب الموصلة إلى الجنّة.
[ ٤ / ١١٤ ]
٣١٢- «يا معاذ»، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال:
«يا معاذ»، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، (ثلاثا)، قال: «ما من عبد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صدقا من قلبه.. إلّا حرّمه الله على النّار»
والحديث أخرجه التّرمذيّ؛ عن عبد الله بن سلام الإسرائيليّ الصّحابيّ الجليل رضي الله تعالى عنه؛ وقال: حديث صحيح.
٣١٢- («يا معاذ») أي: ابن جبل (قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك)، اللّبّ بفتح اللّام-: معناه هنا الإجابة، والسّعد: المساعدة، كأنّه قال: لبّا لك وإسعادا لك، ولكنّهما ثنّيا على معنى التّأكيد والتّكثير، أي: إجابة بعد إجابة، وإسعادا بعد إسعاد. وقيل في أصل «لبّيك» واشتقاقها غير ذلك. انتهى «فتح الباري» .
(قال: «يا معاذ» . قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال: «يا معاذ» قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا) أي: النّداء والإجابة قيلا ثلاثا. (قال) أي: النّبيّ ﷺ: («ما من عبد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صدقا من قلبه) - متعلّق ب «صدقا»، أي: يشهد بلفظه، ويصدّق بقلبه- (إلّا حرّمه الله على النّار») .
فإن قلت: إنّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشّهادتين النار، لما فيه من التّعميم والتّأكيد، وهو مصادم للأدلّة القطعيّة الدّالّة على دخول طائفة من عصاة الموحّدين النار، ثمّ يخرجون بالشّفاعة؟
أجيب: بأنّ هذا مقيّد ١- بمن قالها تائبا ثمّ مات على ذلك. أو أنّ المراد بالتّحريم هنا: تحريم الخلود؛ لا أصل الدخول. أو أنّه خرج مخرج الغالب؛ إذ الغالب أنّ الموحّد يعمل الطّاعة، ويجتنب المعصية، أو ٢- من قال ذلك مؤدّيا حقّه وفرضه.
[ ٤ / ١١٥ ]
قال: يا رسول الله؛ أفلا أخبر بها النّاس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتّكلوا» . فأخبر بها معاذ- عند موته- تأثّما. رواه الشّيخان:
البخاريّ ومسلم.
قوله: (تأثّما) أي: خوفا من الإثم في كتم هذا العلم.
أو المراد: تحريم النّار على اللّسان النّاطق بالشّهادتين، كتحريم مواضع السّجود.
(قال) - أي معاذ- (: يا رسول الله؛ أفلا) - بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتّقدير: أقلت ذلك فلا- (أخبر بها النّاس فيستبشروا؟!) نصب بحذف النّون لوقوع الفاء بعد النّفي؛ أو الاستفهام، أو العرض، وهي تنصب في كلّ ذلك، والتّقدير: فأن يستبشروا.
(قال) ﷺ: («إذا) - أي: إن أخبرتهم- (يتّكلوا») . بتشديد المثنّاة الفوقيّة، وكسر الكاف، أي: يعتمدوا على الشّهادة المجرّدة، وهو جواب وجزاء ونصب.
(فأخبر بها معاذ- عند موته-) - أي: موت معاذ (تأثّما) - بفتح المثنّاة الفوقية؛ وفتح الهمزة؛ وتشديد المثلّثة المضمومة؛ أي: تجنّبا عن الإثم- (رواه الشّيخان: البخاريّ) في «كتاب العلم؛ باب: من خصّ بالعلم قوما دون قوم» .
(ومسلم) واللّفظ له في «كتاب الإيمان؛ باب: الدّليل على أنّ من مات على التّوحيد دخل الجنّة قطعا»؛ كلاهما عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ نبيّ الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرّحل قال: «يا معاذ » فذكره.
(قوله: «تأثّما»)؛ بالتّشديد. (أي: خوفا من) الوقوع في (الإثم في) أي: بسبب- (كتم هذا العلم) الّذي أمر الله بتبليغه، حيث قال وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [١٨٧/ آل عمران]، وليس فيه مخالفة لرسول الله ﷺ لأنّ نهيه مقيّد بالاتّكال، إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما زال القيد، وصاروا حريصين على العبادة لم يبق نهي، أو أنّ النّهي لم يكن للتّحريم، بل للتّنزيه، وإلّا! لما كان يخبر به أصلا. قال في «الفتح»: وهذا أوجه، لكون معاذ أخّر ذلك إلى وقت موته. والله أعلم.
[ ٤ / ١١٦ ]
[الباب الثّامن في طبّه ﷺ وسنّه، ووفاته، ورؤيته في المنام]
الباب الثّامن في طبّه ﷺ وسنّه، ووفاته، ورؤيته في المنام وفيه ثلاثة فصول
(الباب الثّامن) من الكتاب وهو آخر الأبواب- (في) بيان الأحاديث الواردة في (طبّه)؛
بكسر الطّاء: اسم مصدر، من طبّه طبا- بالفتح-: إذا داواه.
والمراد: بيان ما يتداوى به (ﷺ) من الأمراض البدنية.
(و) في بيان الأحاديث الواردة في (سنّه)؛ أي: مقدار عمره الشّريف، (ووفاته)؛ أي: تمام أجله، (ورؤيته) . الرّؤية التي بالتّاء تشمل: رؤية البصر في اليقظة، ورؤية القلب، ولهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله: (في المنام) أمّا الّتي بالألف! فهي خاصّة برؤية القلب في المنام. وقد تستعمل في رؤية البصر أيضا.
ومذهب أهل السّنّة أنّ حقيقة الرّؤيا اعتقادات يخلقها الله في قلب النّائم، كما يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة.
(وفيه) - أي: هذا الباب- (ثلاثة فصول)، سيأتي بيانها.
[ ٤ / ١١٧ ]
[الفصل الأوّل في طبّه ﷺ]
الفصل الأوّل في طبّه ﷺ كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى.. نفث على نفسه بالمعوّذات، ومسح عنه بيده.
(الفصل الأوّل) من الباب الثّامن (في) ذكر شيء من الأحاديث الواردة في (طبّه ﷺ)، الّذي تطبّب به، والّذي وصفه لغيره.
قال ابن القيّم: كان من هديه ﷺ فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه. انتهى.
وكان ﷺ تارة يرقي بالطّبّ الرّوحانيّ، وتارة بالجسمانيّ؛ كالأجزاء، وتارة بهما. انتهى «حفني» .
(كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى)، أي: مرض (نفث) - بالمثلّثة-، أي:
أخرج الرّيح من فمه مع شيء من ريقه (على نفسه بالمعوّذات) - بالواو المشدّدة- أي: المعوّذتين وسورة الإخلاص، ففيه تغليب.
أو المراد: الكلمات المعوّذات بالله من الشّيطان والأمراض؛ أي: قرأها ونفث الرّيح على نفسه.
(ومسح عنه بيده)؛ أي: المحلّ الّذي تصل إليه يده؛ وإن زاد على محلّ الوجع.
قال الطّيبيّ: الضّمير في عنه راجع إلى ذلك النّفث، والجارّ والمجرور حال، أي: نفث على بعض جسده، ثمّ مسح بيده متجاوزا عن ذلك النّفث إلى جميع أعضائه.
[ ٤ / ١١٨ ]
قوله: (المعوّذات) يعني: المعوّذتين، والإخلاص.
وفائدة النّفث: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء الّذي ماسّه الذّكر، كما يتبرّك بغسالة ما يكتب من الذّكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم وانفصاله؛ كانفصال ذلك الرّيق.
وخصّ المعوّذات! لما فيها من الاستعاذة من كلّ مكروه؛ جملة وتفصيلا، ففي الإخلاص كمال التّوحيد الاعتقاديّ، وفي الاستعاذة من شرّ ما خلق ما يعمّ الأشباح والأرواح. انتهى «مناوي» .
وبقيّة الحديث- كما في «البخاريّ»؛ في آخر المغازي-: فلمّا اشتكى وجعه الّذي توفّي فيه؛ طفقت أنفث على نفسه بالمعوّذات الّتي كان ينفث، وأمسح بيد النّبيّ ﷺ عنه» .
وفي رواية في «الصّحيحين»: وأمسح بيده رجاء بركتها.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز متّفق عليه- يعني رواه البخاريّ ومسلم- وبرمز أبي داود، وابن ماجه، زاد المناوي: والنّسائي؛ كلّهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
فائدة: قال القاضي: شهدت المباحث الطّبيّة على أنّ الرّيق له دخل في النّفع وتبديل المزاج، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصليّ؛ ودفع نكاية المغيّرات، ولهذا ذكروا في تدبير المسافر أنّه يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد غير الماء الّذي تعوّد شربه ووافق مزاجه؛ جعل شيئا منه في سقايته، ويشرب الماء من رأسه ليحفظ عن مضرّة الماء الغريب، ويأمن تغيّر مزاجه بسبب استنشاق الهواء المغاير للهواء المعتاد.
ثمّ إن الرّقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
انتهى «مناوي» .
و(قوله: المعوّذات) - بالواو المشدّدة المكسورة- (يعني: المعوّذتين) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) [الفلق]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) [الناس]، (والإخلاص)
[ ٤ / ١١٩ ]
وكان ﷺ إذا اشتكى.. رقاه جبريل؛ قال:
باسم الله يبريك، من كلّ داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد، وشرّ كلّ ذي عين.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص]، فهو من باب التغليب. والله أعلم.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه»؛ عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنّها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ إذا اشتكى) - أي: مرض- (رقاه جبريل، قال:
باسم الله) - أي: ببركة اسمه- (يبريك)، أو أنّ لفظ «باسم» مقحم. أي: الله يبريك. من قبيل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) [الأعلى]، ولفظ «اسم»: عبارة عن الكلمة الدّالّة على المسمّى، والمسمّى هو مدلولها، لكنّه قد يتوسّع فيوضع الاسم موضع المسمّى مسامحة. ذكره القرطبي. انتهى «مناوي» وغيره.
(من كلّ داء) جارّ ومجرور متعلّق بقوله (يشفيك.
ومن شرّ حاسد) أي: متمنّ زوال النّعمة، (إذا حسد) .
وخصّه بعد التّعميم! لخفاء شرّه.
(وشرّ كلّ ذي عين)؛ من عطف الخاصّ على العامّ، لأن كلّ عائن حاسد، ولا عكس. فلمّا كان الحاسد أعمّ؛ كان تقديم الاستعاذة منه أهمّ. وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعيون؛ تصيبه تارة وتخطئه أخرى، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثّرت فيه ولا بدّ، وإن صادفته حذرا شاكي السّلاح؛ لا منفذ فيه للسّهام خابت، فهي بمنزلة الرّمي الحسّيّ، لكن هذا من النّفوس والأرواح، وذلك من الأجسام والأشباح.
ولهذا قال ابن القيّم: استعاذ من الحاسد! لأنّ روحه مؤذية للمحسود؛ مؤثّرة فيه أثرا بيّنا لا ينكره إلّا من هو خارج عن حقيقة الإنسانيّة. وهو أصل الإصابة بالعين؛ فإنّ النّفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفيّة خبيثة، تقابل المحسود؛ فتؤثّر فيه بتلك الخاصّيّة.
والتّأثير كما يكون بالاتّصال قد يكون بالمقابلة؛ وبالرّؤية، وبتوجّه الرّوح؛
[ ٤ / ١٢٠ ]
وكان ﷺ إذا اشتكى.. اقتمح كفّا من شونيز، وشرب عليه ماء وعسلا.
وبالأدعية؛ والرّقى؛ والتعوّذات، وبالوهم؛ والتّخييل؛ وغير ذلك.
وفيه ندب الرّقية بأسماء الله، وبالعوذ الصّحيحة من كلّ مرض وقع أو يتوقّع، وأنّه لا ينافي التّوكّل ولا ينقصه. وإلّا! لكان المصطفى ﷺ أحقّ النّاس بتحاشيه، فإنّ الله لم يزل يرقّي نبيّه في المقامات الشّريفة والدّرجات الرّفيعة إلى أن قبضه، وقد رقي في أمراضه حتّى مرض موته!! فقد رقته عائشة في مرض موته، ومسحته بيدها ويده وأقرّ ذلك. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه أيضا مسلم والتّرمذيّ وابن ماجه؛ عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا محمّد أشتكيت؟ قال:
«نعم» . قال: «باسم الله أرقيك من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ نفس وعين حاسد، باسم الله أرقيك والله يشفيك» .
(و) في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الخطيب؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه- قال المناوي: ورواه عنه أيضا باللّفظ المزبور الطّبرانيّ في «الأوسط»، وفي العزيزي أنّه حديث حسن لغيره-:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا اشتكى اقتمح) أي: استفّ. وفي رواية:
«تقمّح» - بتقديم الميم فيها على الحاء المهملة- وأمّا ما في بعض النّسخ من أنه اقتحم أو تقحّم! فتحريف.
(كفّا) - أي: ملء كفّ- (من شونيز) بضمّ الشّين المعجمة: هو الحبّة السّوداء. (وشرب عليه) - أي: على أثر استفافه- (ماء وعسلا): أي: ممزوجا بعسل، لأنّ لذلك سرّا بديعا في حفظ الصّحة لا يهتدي إليه إلّا خاصّة الأطباء.
ومنافع العسل لا تحصى، حتى قال «ابن القيّم»: ما خلق لنا شيء في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه، ولم يكن معوّل الأطبّاء إلّا عليه. وأكثر كتبهم
[ ٤ / ١٢١ ]
ومعنى (اقتمح) أي: استفّ. و(الشّونيز): الحبّة السّوداء.
وكان ﷺ يشرب العسل بالماء على الرّيق.
وكان ﷺ إذا أصابه رمد، أو أحدا من أصحابه.. دعا بهؤلاء الكلمات:
لا يذكرون فيها السّكّر البتّة. انتهى «مناوي» .
(ومعنى اقتمح) - بالقاف فالمثنّاة الفوقيّة، فميم بعدها حاء مهملة- (أي:
استفّ) أي: أخذ الدواء غير ملتوت. وكلّ دواء يؤخذ غير معجون؛ فهو سفوف، - بفتح السّين-.
(و) معنى (الشّونيز) - بالشّين المعجمة المضمومة- هو (الحبّة السّوداء) المعروفة. وبعض النّاس يسمّيها قحطة.
(و) في «زاد المعاد»: (كان) النّبيّ (ﷺ يشرب العسل)؛ أي: عسل النّحل، إذ هو المراد لغة وطبّا (بالماء) أي: الممزوج بالماء البارد (على الرّيق) .
قال ابن القيّم: وفي هذا من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلّا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخّنها باعتدال، ويفتح سددها «١» .
والماء البارد رطب يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته الأصليّة، ويردّ عليه بدل ما تحلّل منها، ويرقّق الغذاء، وينفذه في العروق. أي: فجمعه مع العسل غاية في التّعديل، وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء.
فربّما هيّجها فدفع ضرره لصاحبها بالخلّ. انتهى. مع زيادة من الزّرقاني.
(و) أخرج ابن السّنيّ في «الطّبّ النّبويّ»، والحاكم في «الطّبّ» بسند فيه ضعفاء- كما قال الذّهبيّ-؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أصابه رمد) - بفتح الرّاء والميم: وجع عين- (أو) أصاب (أحدا من أصحابه؛ دعا بهؤلاء الكلمات)؛ أي: لنفسه؛ أو لغيره. لكن يأتي
_________________
(١) بضمّ السين المهملة- جمع سدّة، كغرفة وغرف؛ وهي الحاجز بين الشيئين. (هامش الأصل) .
[ ٤ / ١٢٢ ]
«اللهمّ؛ متّعني ببصري، واجعله الوارث منّي، وأرني في العدوّ ثأري، وانصرني على من ظلمني» . قال في «لسان العرب»:
(وفي الحديث في دعاء النّبيّ ﷺ أنّه قال:
«اللهمّ؛ أمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث منّي» .
قال ابن شميل:
بعبارة غير هذا تناسب بأن يقول: «اللهمّ متّعه.. الخ» . ويحتمل أنّ المراد:
وأمر من أصابه الرّمد أن يدعو بها؛ وهي:
(«اللهمّ؛ متّعني ببصري، واجعله الوارث منّي) كناية عن بقائه إلى الموت.
وإلّا! فالوارث يبقى بعد الموت، والبصر لا يبقى بعد الموت.
(وأرني في العدوّ ثأري)؛ أي: مثل ما فعل بي وأعظم منه؛ لينقمع عنّي.
(وانصرني على من ظلمني») أي: مع بقاء بصري.
وهذا من طبّه الرّوحانيّ، فإنّ علاجه ﷺ للأمراض كان ثلاثة أنواع: بالأدوية الطّبّيّة، وبالأدوية الإلهيّة، وبالمركّب منهما، فكان يأمر بما يليق به ويناسبه.
انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(قال) - أي: ابن منظور- (في) كتابه: («لسان العرب») في مادة «ورث»:
(وفي الحديث) الّذي في «جامع التّرمذيّ» وغيره؛ (في دعاء النّبيّ ﷺ أنّه قال: «اللهمّ؛ متّعني) - هكذا هو في رواية، وفي سائر الرّوايات: أمتعني- (بسمعي وبصري، واجعلهما) - بالتّثنية- (الوارث منّي» .
قال) الإمام أبو الحسن النّضر (ابن شميل) - بضمّ الشّين المعجمة مصغّرا- ابن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عميرة بن عروة المازنيّ البصريّ، الإمام في العربيّة واللّغة، وهو من تابعي التّابعين.
سكن «مرو»، اتّفقوا على توثيقه؛ وفضيلته.
[ ٤ / ١٢٣ ]
أي أبقهما معي صحيحين سليمين حتّى أموت. وقيل: أراد بقاءهما وقوّتهما عند الكبر وانحلال القوى النّفسانيّة، فيكون السّمع والبصر وارثي سائر القوى، والباقيين بعدها. ثمّ قال: وفي رواية:
«واجعله الوارث منّي»، فردّ الهاء إلى الإمتاع، فلذلك وحّده) اهـ
وكان رسول الله ﷺ إذا حمّ.. دعا بقربة من ماء، فأفرغها على قرنه،
روى له البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما»، وهو أوّل من أظهر السّنّة بمرو وخراسان، وهو من فصحاء النّاس؛ وعلمائهم بالأدب؛ وأيّام النّاس.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة، وتوفي سنة أربع ومائتين. وقيل: ثلاث ومائتين- رحمه الله تعالى-.
(أي: أبقهما معي صحيحين سليمين حتّى أموت)؛ أي: فالمراد دوامهما مدّة الحياة. (وقيل: أراد بقاءهما وقوّتهما عند الكبر) - التّقدم في السنّ- (وانحلال القوى النّفسانيّة) - أي: ضعفها- (فيكون السّمع والبصر وارثي سائر القوى، والباقيين بعدها) . وقال غيره: أراد بالسّمع وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى؛ ونور القلب الّذي يخرج به من الحيرة والظّلمة إلى الهدى.
(ثمّ قال) في «اللّسان»: (وفي رواية: «واجعله) - بإفراد الضّمير- (الوارث منّي» فردّ الهاء) في «اجعله» (إلى الإمتاع)، المفهوم من أمتع (فلذلك وحّده) - بتشديد الحاء المهملة- فعلى رواية الإفراد معناه: أبقه معي حتى أموت. والله أعلم (انتهى) أي: كلام «لسان العرب» .
(و) أخرج الطّبرانيّ في «الكبير»، والحاكم في «الطّبّ»، والبزّار- بسند فيه راو ضعيف- كلّهم؛ عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله) ﷺ (إذا حمّ) - أي أخذته الحمّى: التي هي حرارة بين الجلد واللّحم- (دعا بقربة من ماء فأفرغها على قرنه) - بفتح القاف، أي: رأسه-
[ ٤ / ١٢٤ ]
فاغتسل. و(القرن): الرّأس. وكان ﷺ لا يصيبه قرحة ولا شوكة.. إلّا وضع عليها الحنّاء.
وفي «الصّحيحين»: عن أبي حازم:
(فاغتسل) بها (والقرن) المذكور في الحديث؛ المراد به: (الرّأس) .
قال الحفني- تبعا للمناوي-: ومحلّ طلب ذلك إذا كان بقطر حارّ وفي زمن حارّ، ولم تحدث فيه الحمّى ورما، وإلّا! ضرّه الماء. انتهى.
(و) أخرج التّرمذيّ وابن ماجه في «سننه» - وهذا لفظه-: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛ قال: حدّثنا زيد بن الحباب؛ قال: حدّثنا فايد- مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع-؛ قال: حدّثني مولاي عبيد الله؛ قال: حدّثتني جدّتي سلمى أمّ رافع؛ مولاة رسول الله ﷺ «١» قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ لا يصيبه قرحة) - بفتح القاف، أو ضمّها-: خراج في البدن، (ولا شوكة): هي حمرة تعلو الوجه، بلفظ واحدة الشّوك (إلّا وضع عليها الحنّاء)، لأنّها قابضة يابسة تبرد، فهي في غاية المناسبة للقروح والجروح، وهذا من الطّبّ النّبويّ.
(وفي «الصّحيحين»): البخاريّ في: «الطّهارة والجهاد والمغازي والطّبّ»، ومسلم في «المغازي»، والتّرمذيّ في «الطّبّ»، وابن ماجه في «الطّبّ» كلّهم؛
(عن أبي حازم) سلمة بن دينار المدنيّ الأعرج، التّابعيّ الزّاهد الفقيه، المشهور بالمحاسن، مخزوميّ «مولى الأسود بن سفيان المخزوميّ»، وقيل: مولى لبني ليث. سمع سهل بن سعد الساعدي، وأكثر الرّواية عنه في «الصّحيحين» وغيرهما، وسمع خلقا من التّابعين؛ منهم سعيد بن المسيّب؛ وعطاء بن أبي رباح؛ وعطاء بن يسار؛ وأبو سلمة بن عبد الرّحمن؛ وأمّ الدّرداء الصّغرى.
_________________
(١) هي زوج أبي رافع مولى النبي ﷺ، وكانت تخدم النبي ﷺ.
[ ٤ / ١٢٥ ]
أنّه سمع سهل بن سعد يسأل عمّا دووي به جرح رسول الله ﷺ يوم أحد؟
وروى عنه خلائق لا يحصون؛ منهم ابناه: عبد العزيز؛ وعبد الجبار.
والزّهريّ- وهو أكبر من أبي حازم-، ومنهم مالك بن أنس، وابن إسحاق، وسفيان الثّوري؛ وابنا عيينة: سفيان ومحمّد.
وأجمعوا على توثيقه وجلالته، وروى له البخاريّ ومسلم.
قيل لابن أبي حازم: سمع أبوك أبا هريرة؟! قال: من حدّثك أن أبي سمع أحدا من الصّحابة غير سهل بن سعد؛ فقد كذب.
وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى.
واعلم أنّ في هذه المرتبة اثنين يكنّيان أبا حازم؛ أحدهما هذا المشهور بالرّواية عن سهل، والثاني: أبو حازم سلمان- مولى عزّة الأشجعيّة- المشهور بالرّواية عن أبي هريرة ﵁. قاله النّوويّ في «التّهذيب» . (إنّه) - أي: أبا حازم- (سمع) أبا العبّاس- أو أبا يحيى- (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ السّاعديّ المدنيّ.
كان اسمه حزنا فسمّاه النّبيّ ﷺ سهلا.
شهد قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين.
قال الزّهري: سمع من النّبي ﷺ، وكان له يوم وفاة النّبيّ ﷺ خمس عشرة سنة، وتوفّي بالمدينة المنوّرة سنة: ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا؛ اتّفقا منها على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاريّ بأحد عشر.
روى عنه الزّهريّ وأبو حازم وغيرهما رضي الله تعالى عنه.
(يسأل) - بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول- (عمّا دووي) بضمّ الدّال المهملة وسكون الواو الأولى، وكسر الثّانية، بعدها تحتيّة، مبنيا للمفعول؛ قاله القسطلّاني.
(به جرح رسول الله ﷺ) الّذي جرحه (يوم أحد؟
[ ٤ / ١٢٦ ]
فقال: جرح وجهه، وكسرت رباعيته، وهشّمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنت النّبيّ ﷺ تغسل الدّم، وكان عليّ ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يسكب عليها بالمجنّ، فلّما رأت فاطمة الدّم لا يزيد إلّا كثرة.. أخذت قطعة [من] حصير فأحرقتها، حتّى إذا صارت رمادا ألصقتها بالجرح، فاستمسك الدّم.
فقال) - أي سهل- (: جرح وجهه) الشّريف، جرحه عبد الله بن قمئة- أقمأه الله- وقد سلّط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطّعه قطعه قطعة؛ استجابة لدعوة نبيّ الله ﷺ، كما أخرجه الطّبرانيّ.
ولمّا جرح النّبيّ ﷺ يوم أحد أخذ شيئا فجعل ينشّف به الدّم؛ وقال: «لو وقع منه شيء على الأرض؛ لنزل عليهم العذاب من السّماء» (وكسرت رباعيته) - بفتح الراء وتخفيف الموحّدة-: السّنّ الّذي بين الثّنيّتين والنّاب. والمكسورة هي اليمنى السّفلى، كسرها عتبة بن أبي وقّاص أخو سعد. ومن ثمّ لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم!! أي: مكسور الثّنايا، يعرف ذلك في عقبه، وهذا من شؤم الآباء على الأبناء، ولكنّ حاطب بن أبي بلتعة ضرب عتبة بالسّيف؛ فطرح رأسه- كما في «مستدرك الحاكم» -.
(وهشّمت) - أي كسرت- (البيضة) - بفتح الموحدة؛ والضّاد المعجمة؛ بينهما تحتيّة ساكنة: الخوذة، وهي: قلنسوة من حديد- (على رأسه) يوم أحد (وكانت فاطمة) الزّهراء (بنت النّبيّ ﷺ تغسل الدّم) عن وجهه الشّريف؛ ليجمد ببرد الماء. (وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يسكب عليها) الماء (بالمجنّ) - بكسر الميم؛ وفتح الجيم؛ وتشديد النون: بالتّرس- على الجرح (فلمّا رأت فاطمة) ﵂ (الدّم لا يزيد إلّا كثرة؛ أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، حتّى إذا صارت رمادا؛ ألصقتها بالجرح؛ فاستمسك الدّم) - أي:
[ ٤ / ١٢٧ ]
وكان رسول الله ﷺ يحتجم على هامته، وبين كتفيه، ويقول: «من أهراق من هذه الدّماء.. فلا يضرّه أن لا يتداوى بشيء لشيء» .
وكان ﷺ يحتجم في رأسه، ويسمّيها: أمّ مغيث.
انقطع- لأن الرّماد من شأنه القبض؛ لما فيه من التّجفيف.
وفيه امتحان الأنبياء لتعظيم أجرهم ويتأسّى بهم من نالته شدّة فلا يجد في نفسه غضاضة. انتهى «قسطلّاني» .
(و) أخرج أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن؛ عن أبي كبشة الأنماريّ عمر بن سعد- أو سعد بن عمر- رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ يحتجم على هامته) - أي: رأسه- (وبين كتفيه، ويقول: «من أهراق) - بالتّحريك؛ أي: أراق- (من هذه الدّماء) - أي: بإخبار من يعرف بأنّ إراقة الدّم نافعة لذلك الشّخص- (فلا يضرّه ألايتداوى بشيء) من الأدوية (لشيء») من الأمراض، يعني أنّ الحجامة تغني عن كثير من الأدوية.
(و) أخرج الخطيب؛ في ترجمة محمود الواسطي- بسند فيه راو مضعّف- عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) النّبيّ (ﷺ يحتجم في رأسه) - وفي رواية عند الطبراني: في مقدّم رأسه- (ويسمّيها) - أي: الحجامة- (أمّ مغيث) بصيغة اسم الفاعل، وفي رواية: ويسمّيها المغيثة، وفي أخرى: المنقذة، وفي أخرى: النّافعة.
قال ابن جرير: وكان يأمر من شكا إليه وجعا في رأسه بالحجامة وسط رأسه، ثمّ أخرج بسنده؛ عن ابن أبي رافع؛ عن جدّته سلمى قالت: ما سمعت أحدا قطّ يشكو إلى رسول الله ﷺ من وجع رأسه إلا قال: «احتجم» . انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٤ / ١٢٨ ]
وكان ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين.
(و) أخرج التّرمذيّ؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والحاكم في «الطّبّ»؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والطّبرانيّ في «الكبير»، والحاكم في «الطّبّ»؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال التّرمذيّ:
حسن غريب. وقال الحاكم: على شرطهما، وأقرّه الذّهبي في موضع، لكنّه قال في آخر: لا صحّة له. وفي العزيزي أنّه حديث حسن.
(كان) رسول الله (ﷺ يحتجم في الأخدعين)؛ عرقين في محل الحجامة من العنق، (والكاهل) - بكسر الهاء-؛ وهو مقدّم أعلى الظّهر مما يلي العنق، وهو الثّلث الأعلى، وفيه ستّ فقرات، وقيل: ما بين الكتفين.
(وكان يحتجم لسبع عشرة) تمضي من الشّهر، لأنّ القمر حينئذ في النّقصان، بخلاف الحجامة لثلاث عشرة مثلا، فإنّ الحجامة والقمر في الزّيادة مذمومة؛ قاله الحفني.
(و) يحتجم ل (تسع عشرة) من الشّهر، (وإحدى وعشرين) منه، وعلى ذلك درج أصحابه، فكانوا يستحبّون الحجامة لوتر من الشهر، لأفضليّة الوتر عندهم، ومحبّتهم له لحبّ الله له.
ثم إنّ ما ذكر من احتجامه في الأخدعين والكاهل لا ينافيه ما قبله من احتجامه في رأسه وهامته، لأنّ القصد بالاحتجام طلب النّفع، ودفع الضّر. وأماكن الحاجة من البدن مختلفة باختلاف العلل؛ كما بيّنه ابن جرير. انتهى «مناوي» وغيره.
وأفضل أوقات الحجامة: يوم الاثنين إذا وافق سبع عشرة؛ أو تسع عشرة؛ أو إحدى وعشرين، كما دلّت عليه الأحاديث، ومنها ما رواه أبو داود؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «من احتجم لسبع عشرة؛ أو تسع عشرة؛ وإحدى وعشرين، كان شفاء من كلّ داء» . انتهى.
[ ٤ / ١٢٩ ]
و(الأخدعان): عرقان في جانبي العنق.
وكان ﷺ يكتحل كلّ ليلة، ويحتجم كلّ شهر، ويشرب الدّواء كلّ سنة.
وفي «الصّحيحين»: عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ احتجم وأعطى الحجّام أجره.
(والأخدعان) بخاء معجمة؛ ودال وعين مهملتين. قال في «النّهاية»: هما (عرقان في جانبي العنق) . وفي «القاموس»: الأخدع: عرق في المحجمتين، وهو شعبة من الوريد، وهما أخدعان؛ كما في «الصّحاح» . وهما عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق. قال الجوهري وربّما وقعت الشّرطة على أحدهما، فينزف صاحبه. أي: لأنّه شعبة من الوريد. انتهى بزيادة من الشرح.
(و) أخرج ابن عدي- بسند قال فيه: إنّه منكر، وقال الحافظ العراقي: فيه سيف بن محمّد! كذّبه أحمد وابن معين-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
(كان ﷺ يكتحل كلّ ليلة) بالإثمد، ويقول: «إنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر» . وخصّ اللّيل! لأنّ الكحل عند النّوم يلتقي عليه الجفنان، ويسكّن حرارة العين، وليتمكّن الكحل من السّراية في تجاويف العين وطبقاتها، ويظهر تأثيره المقصود من الانتفاع.
(ويحتجم كلّ شهر) مرّة (ويشرب الدّواء كلّ سنة) مرّة، فإن عرض له ما يوجب شربه أثناء السّنة شربه أيضا، فشربه كلّ سنة مرّة كان لغير علّة، بخلاف ما يعرض في أثنائها، ولم أقف على تعيين الشّهر الّذي كان يشربه فيه في حديث ولا أثر؛ قاله المناوي.
(وفي «الصّحيحين»: البخاريّ في «البيوع والإجارة والطّب» ومسلم في «البيوع» . وكذا رواه أبو داود في «البيوع»، والتّرمذيّ في «الشّمائل» كلّهم؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ احتجم وأعطى الحجّام أجره) ولو كان حراما لم يعطه.
[ ٤ / ١٣٠ ]
وفي «الصّحيحين» أيضا: عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة؛ فأمر له بصاعين من طعام، وكلّم مواليه،
قال النّوويّ في «شرح مسلم»: اختلف العلماء في كسب الحجّام؟.
فقال الأكثرون من السّلف والخلف: لا يحرم كسب الحجّام، ولا يحرم أكله؛ لا على الحرّ ولا على العبد. وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدّثين-: يحرم على الحرّ دون العبد! وحجّتهم أحاديث النّهي عن كسب الحجّام، وكونه خبيثا، ومن شرّ الكسب- كما جاء ذلك في «صحيح مسلم» وغيره-.
واحتجّ الجمهور بحديث ابن عبّاس المذكور، وحملوا أحاديث النّهي على التنزيه، والارتفاع عن دنيء الكسب؛ والحثّ على مكارم الأخلاق؛ ومعالي الأمور. ولو كان حراما لم يفرّق بين الحرّ والعبد. فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحلّ. انتهى بتصرف قليل.
(وفي «الصّحيحين» أيضا): البخاري في «البيوع والإجارة والطّبّ» ومسلم في «البيوع»، وكذا رواه أبو داود والتّرمذيّ في «الشّمائل» و«الجامع» في «البيوع» كلّهم؛ (عن أنس) - أي: ابن مالك- (رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة) - بفتح الطّاء المهملة، وسكون التحتية، وبعد الموحّدة تاء- اسمه: نافع على الصّحيح، وحكاية ابن عبد البرّ أنّه دينار!! وهّموه فيها، بأنّ دينارا الحجّام تابعيّ، روى عن أبي طيبة، وحديثه عند ابن منده، لا أنّه أبو طيبة نفسه. وعند البغويّ بإسناد ضعيف. أنّ اسمه ميسرة. وقال العسكريّ:
الصّحيح أنّه لا يعرف اسمه. انتهى «قسطلّاني» .
(فأمر له بصاعين من طعام) - أي: تمر، وفي رواية: بصاع؛ أو مدّ؛ أو مدّين-.
(وكلّم) ﷺ (مواليه) - هم بنو حارثة على الصّحيح، ومولاه منهم:
محيّصة بن مسعود. وإنّما جمع الموالي مجازا، كما يقال: بنو فلان قتلوا رجلا،
[ ٤ / ١٣١ ]
فخفّفوا عنه من ضريبته، وقال: «خير ما تداويتم به.. الحجامة» .
وروى ابن ماجه في «سننه»: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صدّع
ويكون الفاعل منهم واحدا. وحديث جابر أنّه مولى بني بياضة وهم! فإنّ مولى بني بياضة آخر؛ يقال له: أبو هند- أن يخفّفوا عنه من خراجه.
(فخفّفوا عنه من ضريبته) التي كانت عليه لمواليه، وهي الخراج المضروب عليه. وكان خراجه ثلاثة آصع من تمر، فوضعوا عنه صاعا، بشفاعته ﷺ؛ كما في «الشّمائل» .
قال النّوويّ في «شرح مسلم» وحقيقة المخارجة: أن يقول السّيد لعبده:
تكتسب وتعطيني من الكسب كلّ يوم درهما مثلا، والباقي لك، أو في كلّ أسبوع كذا وكذا. ويشترط رضاهما.
(وقال) ﷺ يخاطب أهل الحجاز، ومن بلادهم حارّة، أو عامّا: («خير ما تداويتم به) من هيجان الدّم (الحجامة») لأنّ دماء أهل الحجاز؛ ومن في معناهم رقيقة تميل إلى ظاهر أجسادهم، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، فالحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، وقد تغني عن كثير من الأدوية.
قال في «زاد المعاد»: الحجامة في الأزمان الحارّة؛ والأمكنة الحارّة؛ والأبدان الحارّة التي دم أصحابها في غاية النّضج أنفع، والفصد بالعكس. ولذا كانت الحجامة أنفع للصّبيان؛ ولمن لا يقوى على الفصد. انتهى «قسطلّاني» .
(وروى ابن ماجه في «سننه»؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صدّع) - بتشديد الدّال- مبنيّ للمفعول. قال المجد: صدّع بالضمّ تصديعا، ويجوز في الشّعر صدع ك:
عني، فهو مصدوع، فقصر التخفيف على الشّعر. انتهى «زرقاني» .
[ ٤ / ١٣٢ ]
غلّف رأسه بالحنّاء، ويقول: «إنّه نافع بإذن الله تعالى من الصّداع» .
وذكر أبو داود في «سننه»: أنّ النّبيّ ﷺ استعط.
(غلّف) - بفتح الغين المعجمة، واللّام مخفّفة ومثقّلة؛ أي: ضمّخ- (رأسه بالحنّاء) - بالكسر والمد- (ويقول: «إنّه نافع بإذن الله تعالى من الصّداع»)
قال في «المواهب»: وفي صحّته نظر، وهو علاج خاصّ بما إذا كان الصّداع من حرارة ملتهبة، ولم يكن عن مادّة يجب استفراغها!! وإذا كان كذلك- أي:
حارا- لم ينشأ عن مادّة نفع فيه الحنّاء نفعا ظاهرا. قالوا: وإذا دقّ وضمّدت به الجبهة مع الخل سكّن الصّداع!. وهذا لا يختصّ بوجع الرّأس، بل يعمّ جميع الأعضاء. أي: وجعها كلها. أمّا إذا كان ناشئا عن مادّة؟ فلا ينجع فيه إلّا استفراغ هذه المادّة، وإذا كان من برد، لم ينفع فيه الحنّاء، بل يزيده لبردها. انتهى مع زيادة من الزرقاني.
(وذكر أبو داود في «سننه») في «كتاب الطّبّ»، وكذا في «الصحيحين» في «الطّبّ» كلّهم؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
(أنّ النّبيّ ﷺ استعط)، أي: استعمل السّعوط- بفتح السّين المهملة- بأن استلقى على ظهره، وجعل بين كتفيه ما يرفعهما؛ لينحدر رأسه الشّريف، وقطّر في أنفه ما تداوى به ليصل إلى دماغه؛ ليخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. قاله القسطلّاني.
ولفظ «الصحيحين»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما عن النّبي ﷺ أنّه احتجم وأعطى الحجّام أجره، واستعط. انتهى.
[ ٤ / ١٣٣ ]
[استطراد:]
استطراد: قد خطر لي أن أذكر هنا جملة أحاديث من طبّه ﷺ الّذي وصفه لغيره؛ لتتمّ بذلك الفائدة. وجلّها من «الهدي النّبويّ» للعلّامة ابن القيّم:
روى مسلم في «صحيحه»:
(استطراد) هو- لغة-: مصدر استطرد الفارس من قرنه في الحرب؛ بأن يفرّ من بين يديه يوهمه الانهزام، ثمّ يعطف عليه على غرّة منه؛ مكيدة له.
واصطلاحا: الانتقال من معنى إلى معنى آخر متّصل به، ولم يقصد بذكر الأوّل التّوصّل إلى الثاني. قاله الشّهاب الخفاجي رحمه الله تعالى.
وقال الباجوري: الاستطراد: ذكر الشّيء في غير محلّه لمناسبة، أي كما هنا، فإنّ المقام لذكر طبّ النّبي ﷺ الّذي استعمله بنفسه، لكن المصنّف ذكر طبّ غيره، وذكر ما جاء في مطلق التّداوي لمناسبة ذكر الطّبّ، ولكون ذلك من طبّه ﷺ أيضا.
(قد خطر لي) قال في «المصباح»: الخاطر ما يخطر في القلب من تدبير أمر، يقال: خطر ببالي، وعلى بالي؛ خطرا وخطورا. انتهى.
وفي «شرح القاموس»: ومن المجاز: خطر فلان بباله وعليه يخطر بالكسر- ويخطر- بالضّمّ- خطورا؛ إذا ذكره بعد نسيان. انتهى.
(أن أذكر هنا) - في هذا الفصل- (جملة أحاديث من طبّه ﷺ الّذي وصفه لغيره) من أصحابه (لتتمّ بذلك الفائدة) للمطالع.
(وجلّها)؛ أي: معظم هذه الأحاديث مأخوذ (من الهدي النّبويّ) المسمّى «زاد المعاد في هدي خير العباد» (للعلّامة) الحافظ محمد بن أبي بكر (ابن القيّم) الحنبلّي رحمه الله تعالى. آمين. وتقدمت ترجمته في أوّل الكتاب.
(روى مسلم في «صحيحه»)؛ في «كتاب الطّبّ»، وكذا الإمام أحمد ابن حنبل
[ ٤ / ١٣٤ ]
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لكلّ داء.. دواء، فإذا أصيب دواء الدّاء.. برأ بإذن الله ﷿» . وفي «الصّحيحين»: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنزل الله من داء.. إلّا أنزل له شفاء» .
كلاهما؛ (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري، الصّحابي ابن الصّحابيّ (رضي الله تعالى عنهما؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لكلّ داء) - بفتح الدّال ممدود، وقد يقصر- (دواء) - بفتح الدّال أي: شيء مخلوق مقدّر له- (فإذا أصيب دواء الدّاء) - بالبناء للمفعول-. والأصل: فإذا أصاب المريض دواء الدّاء المناسب له؛ سواء أصابه بتجربة، أو إخبار عارف، واستعمله على القدر الّذي ينبغي؛ في الوقت الّذي ينبغي- (برأ بإذن الله ﷿») لأنّ الشّيء يداوى بضدّه غالبا، لكن قد يدقّ حقيقة المرض، وحقيقة طبع الدّواء، فيقلّ الفقه بالمتضادّين، ومن ثمّ أخطأ الأطبّاء، فمن كان مانعا- بخطأ أو غيره- تخلّف البرء، فإن تمت المضادّة حصل البرء لا محالة، فصحّت الكلية واندفع التّدافع. انتهى «زرقاني» .
وقال القسطلّاني في «المواهب» معلّقا على هذا الحديث؛ ما نصّه: فالشّفاء متوقّف على إصابة الدّاء الدواء بإذن الله تعالى، وكذلك أنّ الدّواء قد يحصل معه مجاوزة الحدّ في الكيفيّة، أو الكمّيّة، فلا ينجع، بل ربّما أحدث داء آخر. وفي رواية عليّ- عند الحميدي في كتابه المسمّى ب «طبّ أهل البيت» -: «ما من داء إلّا وله دواء»، فإذا كان كذلك بعث الله ﷿ ملكا؛ ومعه ستر فيجعله بين الدّاء والدّواء، فكلّما شرب المريض من الدّواء لم يقع على الدّاء، فإذا أراد الله برأه أمر الملك فرفع السّتر، ثمّ يشرب المريض الدّواء فينفعه الله تعالى به. انتهى.
(وفي «الصّحيحين») من حديث عطاء بن أبي رباح؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنزل الله من داء) - أي: مرضا- (إلّا أنزل له شفاء») - أي: دواء- وجمعه: أشفية، وجمع الجمع: آشاف.
[ ٤ / ١٣٥ ]
ولي «مسند الإمام أحمد»: عن أسامة بن شريك
وشفاه يشفيه: أبرأه وطلب له الشّفاء كأشفاه؛ قاله القسطلّاني: وهو صريح في أنّ الشّفاء اسم للدّواء.
وقال بعضهم: أي أنزل له دواء يكون سببا للشّفاء، فإذا استعمله المريض، وصادف المرض حصل له الشّفاء؛ سواء كان الدّاء قلبيّا أو بدنيّا. انتهى.
قال الكرماني: أي ما أصاب الله أحدا بداء إلّا قدّر له دواء. أو المراد بإنزالهما الملائكة الموكّلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الدّواء والدّاء. انتهى.
قال القسطلّاني: فعلى الأوّل المراد بالإنزال التّقدير، وعلى الثّاني المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنّبيّ مثلا، أو إلهام لغيره. انتهى.
وقيام عامّة الأدوية والأدواء بواسطة إنزال الغيث الّذي تتولّد به الأغذية والأدوية وغيرهما، وهذا من تمام لطف الرّبّ بخلقه، كما ابتلاهم بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذّنوب أعانهم عليها بالتّوبة؛ والحسنات الماحية. انتهى «زرقاني» .
قال في «المواهب»: وهذا الحديث أخرجه- أيضا- النّسائي وصحّحه ابن حبّان والحاكم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ ﷺ بلفظ: «إنّ الله لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء!! فتداووا» . وعند أحمد من حديث أنس مرفوعا: «إنّ الله حيث خلق الدّاء خلق الدّواء، فتداووا» . انتهى.
(وفي «مسند الإمام أحمد») ابن حنبل، وأخرجه أصحاب «السّنن الأربعة»، والبخاري في «الأدب المفرد»، وصحّحه التّرمذيّ وابن خزيمة والحاكم؛
(عن أسامة بن شريك) الثّعلبي- بمثلّثة ومهملة- الذبيانيّ، صحابيّ له ثمانية أحاديث، روى عنه زياد بن علاقة؛ وعلي بن الأقمر. انتهى «خلاصة» .
وقال «الزرقاني»: تفرّد بالرّواية عنه زياد بن علاقة- على الصّحيح-.
[ ٤ / ١٣٦ ]
رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند النّبيّ ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ قال: «نعم؛ يا عباد الله، تداووا، فإنّ الله ﷿ لم يضع داء.. إلّا وضع له شفاء، غير داء واحد»، قالوا: وما هو؟ قال: «الهرم» .
وفي لفظ:
(رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند النّبيّ ﷺ وجاءت الأعراب): سكّان البادية (فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ قال: «نعم، يا عباد الله، تداووا) وصفهم بالعبودية إيذانا بأنّ التّداوي لا يخرجهم عن التّوكل الّذي هو من شرطها، أي: تداووا؛ ولا تعتمدوا في الشّفاء على التّداوي؛ بل كونوا عباد الله؛ متوكّلين عليه- (فإنّ الله ﷿ لم يضع داء إلّا وضع له شفاء) وهو سبحانه لو شاء لم يخلق داء، وإذ خلقه لو شاء لم يخلق له دواء، وإذ خلقه لو شاء لم يأذن في استعماله! لكنّه أذن، فمن تداوى فعليه أن يعتقد حقّا، ويوقن يقينا، بأنّ الدّواء لا يحدث شفاء، ولا يولده، كما أنّ الدّاء لا يحدث سقما ولا يولّده، لكن الباري سبحانه يخلق الموجودات واحدا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته (غير داء واحد!!») قال أبو البقاء: لا يجوز في غير هنا إلا النّصب على الاستثناء من داء؛ قاله الزّرقاني على «المواهب» .
(قالوا: وما هو؟ قال: «الهرم») - بفتحتين، أي: الكبر-.
(وفي لفظ) «إلّا السّام»، وهو- بمهملة مخفّفا- الموت. يعني: إلّا داء الموت. أي: المرض الذي قدّر على صاحبه الموت فيه.
واستثناء الهرم في الرّواية الأولى!! إمّا لأنّه جعله شبيها بداء الموت، وداء الموت لا دواء له؛ فكذا الهرم، لمشابهته له في نقص الصّحة، أو لقربه من الموت؛ وإفضائه إليه. لأن الموت يعقبه كما يعقب الدّاء.
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا.
والمعنى: لكنّ الهرم لا دواء له؛ فلا ينجع فيه التّداوي. انتهى «زرقاني» .
[ ٤ / ١٣٧ ]
«إنّ الله تعالى لم ينزل داء.. إلّا أنزل له شفاء؛ علمه من علمه، وجهله من جهله» .
وفي «المسند» و«السّنن»: عن أبي خزامة قال: قلت:
يا رسول الله؛ أرأيت رقى نسترقيها، ودواء
وأخرج النّسائيّ وابن ماجه وابن حبّان و«الحاكم» وصحّحاه؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رفعه:
(«إنّ الله تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء) - قال بعضهم: الدّاء علّة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، والشّفاء رجوعها إلى الاعتدال. وذلك بالتّداوي، وقد يحصل بمحض لطف الله بلا سبب-
(علمه من علمه) بإلهام الله تعالى له واطّلاعه عليه
(وجهله من جهله») بإخفاء الله تعالى عنه إياه. فإذا شاء الله الشفاء يسّر ذلك الدّواء، ونبّه مستعمله بواسطة؛ أو دونها، فيستعمله على وجهه وفي وقته؛ فيبرأ. وإذا أراد إهلاكه أذهله عن دوائه، وحجبه بمانع فهلك، وكلّ ذلك بمشيئته وحكمه، كما سبق في علمه. ولقد أحسن القائل:
والنّاس يلحون الطّبيب وإنّما غلط الطّبيب إصابة المقدور
وفي الحديث إشارة إلى أنّ بعض الأدوية لا يعلمها كلّ أحد، لقوله: «جهله من جهله» . انتهى زرقاني مع «المواهب» .
(و) أخرج الإمام أحمد (في «المسند» و) التّرمذيّ وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في («السّنن») كلّهم؛ (عن أبي خزامة) عن أبيه رضي الله تعالى عنه (قال:
قلت: يا رسول الله؛ أرأيت) - أي: أخبرني عن هذه الأشياء- (رقى) بضم الرّاء، وفتح القاف: جمع رقية اسم للمرّة من التعويذ- ([نسترقيها] ودواء
[ ٤ / ١٣٨ ]
نتداوى به، وتقاة نتّقيها.. هل تردّ من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر الله» .
وذكر البخاريّ في «صحيحه»: عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إنّ الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم.
نتداوى به، وتقاة) - وزنه فعلة، ويجمع على تقى كرطبة ورطب، وأصله وقية، لأنه من الوقاية، فأبدلت الوّاو تاء، والياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها- أي:
ما نتّقي به ما يرد علينا من الأمور الّتي لا نريد وقوعها بنا.
وفي رواية «المسند» وابن ماجه: بالجمع: تقى (نتّقيها، هل تردّ من قدر الله شيئا؟
قال) أي: النّبيّ ﷺ: («هي من قدر الله») يعني: أنّ الله تعالى قدّر الأسباب والمسبّبات، وربط المسبّبات بالأسباب، فحصول المسبّبات عند حصول الأسباب من جملة القدر.
(وذكر) الإمام (البخاريّ في «صحيحه») تعليقا (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) وبيّن الحافظ ابن حجر أنّه جاء من طرق صحيحة إليه.
(إنّ الله تعالى لم يجعل شفاءكم) من الأمراض القلبيّة والنفسيّة، أو الشّفاء الكامل المأمون الغائلة (فيما حرّم) - بالبناء للفاعل، ويجوز للمفعول- (عليكم) فلا يجوز التّداوي بالحرام؛ لأنّه ﷾ لم يحرّمه إلا لخبثه عناية بعباده؛ وحمية لهم؛ وصيانة عن التّلطّخ بدنسه، وما حرم عليهم شيئا إلّا عوّضهم خيرا منه!! فعدولهم عمّا عوّضه لهم إلى ما منعهم منه يوجب حرمان نفعه.
ومن تأمّل ذلك هان عليه ترك المحرّم المردي، واعتاض عنه النّافع المجدي.
والمحرّم؛ وإن فرض أنّه أثّر في إزالة المرض لكنّه يعقبه بخبثه سقما قلبيا أعظم منه، فالمتداوي به ساع في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
[ ٤ / ١٣٩ ]
وبه علم أنّه لا تدافع بين الحديث وآية «إنّ في الخمر منافع» «١» . انتهى زرقاني على «المواهب» .
ويحرم التّداوي بالخمر- أي: شربها لأجل التّداوي بها- وكذا يحرم شربها للعطشان، وأمّا إذا غصّ بلقمة؛ ولم يجد ما يسيغها إلّا خمرا؟؟ فيلزمه الإساغة بها، لأنّ حصول الشّفاء بها حينئذ محقّق، بخلاف التّداوي.
أمّا التّداوي بالخمر على ظاهر الجسم؛ بقصد المداواة عند الحاجة!! فذلك جائز. قال «النّوويّ» في «فتاويه»: مسألة: إنسان به مرض؛ وصف له من يجوز اعتماده من الأطبّاء المسلمين أن يتضمّد بالتّرياق الفاروق، ويبقى عليه أيّاما، وقال: لا تحصل المداواة إلّا بذلك، وهذا التّرياق فيه خمر ولحم الحيّات!! هل يجوز له ذلك؟ ويصلّي على حسب حاله؟؟
الجواب: يجوز، وتلزمه إعادة الصّلاة. انتهى.
وعلم من ذلك أنّ خطر التّداوي بالمحرّمات؛ إنّما هو في الحالات العاديّة لدى وجود وتيسّر الدّواء المباح النّاجع، أمّا عند الاضطرار! فالحكم كما قال الله ﷿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [١١٩/ الأنعام] .
ويكون استعمال ذلك المحرّم- في حال الاضطرار- مع وجود ضرر فيه، لدفع ضرر أشدّ- عملا بقاعدة: تعارض المفسدتين فيرتكب أخفّها ضررا.
هذا؛ وفي عصرنا الحاضر يسعى الأطبّاء دوما لدى علاجهم المريض إلى اختيار العلاج الملائم للعلّة، وحالة أجهزة الجسم المعلول، ويختارون من الأدوية المفيدة- في تلك العلّة- أكثرها فائدة وأقلّها أعراضا جانبيّة وضررا، وإذا كان الدّواء مفيدا وخاليا من الأعراض الجانبيّة؛ فإنه يحوز رضى الأطبّاء أكثر، ويقع اختيارهم عليه أوّلا لدى توفّره.
_________________
(١) هكذا في الأصل وهي بالمعنى؛ والتلاوة قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ.
[ ٤ / ١٤٠ ]
وفي «السّنن»: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدّواء الخبيث.
ولا شكّ أنّ الله ﷾ لم يحرّم شيئا على هذه الأمّة؛ إلا وفيه ضرر جسمي أو خلقيّ؛ نفسيّ أو روحيّ، فلا يليق بالمسلم طبيبا كان؛ أو مريضا أن يقرب تلك المحرّمات لفوائد صحيّة فيها؛ مع أنّ لها أضرارا جانبيّة.
فإذا ساقت الضّرورة إلى استعمال المحرّم لفقدان العلاج الحلال الملائم؛ وكان ما يتوخّى في المحرّم من فائدة علاجية يفوق ما يسبّب من أعراض جانبيّة غير مرغوب فيها؛ فعلى المريض والطّبيب أن يستشعر أنّ التّداوي بذلك المحرّم إنّما هو للضّرورة، ولارتكاب أهون الأمرين ضررا.
وعلى الطّبيب: أن يستشعر خشية الله تعالى، وأن يسعى لتعديل الآثار الجانبيّة الضّارّة بما يلائم من دواء؛ أو غذاء؛ أو إرشادات صحيّة.
وعلى المريض أن يحسّن نيّته في استعمال المحرّم عند الاضطرار؛ فلا يقصد لذّة، أو هوى؟؟. وعليه أن يأخذ بوسائل تعديل آثاره الضّارة على النّفس والقلب بما يلائم من الدّعاء؛ والالتجاء إلى الله العليّ القدير، وعدم التّجافي في استعمالها إلى إثم ولا بغي ولا عدوان على حدود الله باتّخاذ حادثة الضّرورة سلّما إلى المعصية، والله على ما نقول وكيل.
(و) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذيّ وابن ماجه (في «السّنن») والحاكم- وقال: على شرطهما، وأقره الذّهبيّ. وفي «المهذّب»: إسناده صحيح- كلّهم؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
نهى رسول الله ﷺ عن الدّواء الخبيث) - يعني: السّم أو النّجس أو الخمر ولحم غير المأكول، وروثه، وبوله، فلا تدافع بينه وبين حديث العرنيّين وقيل:
أراد الخبيث المذاق لمشقّته على الطّباع، والأدوية؛ وإن كانت كلّها كريهة لكنّ بعضها أقلّ كراهة. انتهى.
[ ٤ / ١٤١ ]
وفي «صحيح مسلم»: عن طارق بن سويد الجعفيّ رضي الله تعالى عنه: أنّه سأل رسول الله ﷺ عن الخمر؟
فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنّما أصنعها للدّواء، فقال:
«إنّ ذاك ليس بدواء؛ ولكنّه داء» .
قال الشّوكانيّ: ظاهره تحريم التّداوي بكلّ خبيث، والتّفسير بالسّمّ مدرج؛ لا حجّة فيه. ولا ريب أنّ الحرام والنّجس خبيثان.
قال «الماورديّ» وغيره: السّموم على أربعة أضرب:
منها: ما يقتل كثيره وقليله؛ فأكله حرام للتّداوي ولغيره، لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [١٩٥/ البقرة] .
ومنها ما يقتل كثيره؛ دون قليله، فأكل كثيره الّذي يقتل حرام للتّداوي وغيره، والقليل منه إن كان ينفع في التّداوي جاز أكله تداويا.
ومنها ما يقتل في الأغلب، وقد يجوز ألايقتل، فحكمه كما قبله.
ومنها ما لا يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن يقتل، فذكر الشّافعي في موضع إباحة أكله، وفي موضع تحريم أكله! فجعله بعض أصحابه على حالين؛ فحيث أبيح أكله فهو إذا كان للتّداوي. وحيث حرم أكله: فهو إذا كان غير منتفع به في التّداوي. انتهى. من «بلوغ الأماني شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الشّيباني» رحمه الله تعالى.
(وفي) «مسند الإمام أحمد» و(«صحيح مسلم») في «الأشربة»، وأبي داود، وابن ماجه كلّهم؛ (عن) وائل الحضرميّ؛ عن (طارق بن سويد الجعفيّ)؛ أو الحضرميّ (رضي الله تعالى عنه أنّه سأل رسول الله ﷺ عن) صنع (الخمر؟ فنهاه؛ أو كره أن يصنعها.
فقال) - أي: طارق- (: إنّما أصنعها للدّواء)؛ ظنّا منه أنّ ذلك جائز.
(فقال) - أي: النبيّ ﷺ له (: «إنّ ذاك ليس بدواء) - كما تظنّ- (ولكنّه داء»)
[ ٤ / ١٤٢ ]
وفي «السّنن»: أنّه ﷺ سئل عن الخمر تجعل في الدّواء؟ فقال: «إنّها داء، وليست بالدّواء» .
ويذكر عنه ﷺ أنّه قال: «من تداوى بالخمر..
فلا شفاه الله تعالى» .
وذكّر الضمير! باعتبار كون الخمر شرابا.
قال الإمام النّووي في «شرح مسلم»: هذا دليل لتحريم اتّخاذ الخمر وتخليلها.
وفيه التّصريح بأنّها ليست بدواء، فيحرم التّداوي بها؛ لأنّها ليست بدواء، فكأنّه يتناولها بلا سبب، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا: أنه يحرم التّداوي بها.
وكذا يحرم شربها للعطش، وأمّا إذا غصّ بلقمة؛ ولم يجد ما يسيغها به إلّا خمرا؟
فيلزمه الإساغة بها، لأن حصول الشّفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التّداوي.
والله أعلم. انتهى.
وفي قوله (حصول الشّفاء مقطوع به) نظر.
(و) أخرج التّرمذيّ وأبو داود (في «السّنن» أنّه ﷺ سئل عن الخمر تجعل في الدّواء) - أي: مع شيء آخر، ويحتمل أن يراد أنّها تستعمل دواء- (فقال)؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «إنّها داء، وليست بالدّواء») .
وروى الطبرانيّ في «الكبير»؛ وأبو يعلى عن أمّ سلمة. قالت: نبذت نبذا في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي، فقال: «ما هذا»؟! قلت: اشتكت ابنة لي فنقعت لها هذه؟. فقال ﷺ: «إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» .
(ويذكر عنه ﷺ أنّه قال: «من تداوى بالخمر فلا شفاه الله تعالى»)؛ ذكره ابن القيّم. وقال عقبه: المعالجة بالمحرّمات قبيحة عقلا وشرعا؛ أمّا الشّرع؛ فما ذكرناه من هذه الأحاديث وغيرها، وأما العقل؛ فهو أنّ الله سبحانه إنّما حرّمه
[ ٤ / ١٤٣ ]
لخبثه، فإنّه لم يحرّم على هذه الأمّة طيّبا؛ عقوبة لها، كما حرّمه على بني إسرائيل بقوله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [١٦٠/ النساء] .
وإنّما حرّم على هذه الأمّة ما حرّم! لخبثه، وتحريمه له حمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشّفاء من الأسقام والعلل، فإنّه؛ وإن أثّر في إزالتها لكنّه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوّة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
وأيضا؛ فإنّ تحريمه يقتضي تجنّبه؛ والبعد عنه بكلّ طريق، وفي اتّخاذه دواء حضّ على التّرغيب فيه، وملابسته. وهذا ضدّ مقصود الشّارع.
وأيضا؛ فإنّه داء، كما نصّ عليه صاحب الشّريعة، فلا يجوز أن يتّخذ دواء.
وأيضا؛ فإنه يكسب الطّبيعة والرّوح صفة الخبث، لأنّ الطّبيعة تنفعل عن كيفية الدّواء انفعالا بيّنا، فإذا كانت كيفيّته خبيثة؛ اكتسبت الطّبيعة منه خبثا، فكيف إذا كان خبيثا في ذاته؟! ولهذا حرّم الله سبحانه على عباده الأغذية؛ والأشربة؛ والملابس الخبيثة لما تكتسب النّفس من هيئة الخبث وصفته.
وأيضا؛ فإنّ في إباحة التّداوي به- ولا سيّما إذا كانت النّفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشّهوة؛ واللّذة. لا سيّما إذا عرفت النّفوس أنّه نافع لها، مزيل لأسقامها، جالب لشفائها؛ فهذا أحبّ شيء إليها، والشّارع سدّ الذّريعة إلى تناوله بكلّ ممكن. ولا ريب أنّ بين سدّ الذّريعة إلى تناوله وفتح الذّريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا.
وأيضا؛ فإنّ في هذا الدّواء المحرّم من الأدواء ما يزيد على ما يظنّ به من الشفاء.
ولنفرض الكلام في أمّ الخبائث الّتي ما جعل الله لنا فيها شفاء قطّ؛ فإنّها شديدة المضرّة بالدّماغ؛ الّذي هو مركز العقل عند الأطبّاء وكثير من الفقهاء والمتكلمين!!
[ ٤ / ١٤٤ ]
وروى البخاريّ:
قال بقراط في أثناء كلامه في «الأمراض الحادّة»:
ضرر الخمر بالرأس شديد، لأنّه يسرع الارتفاع إليه، ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن، وهو كذلك يضرّ بالذّهن.
وقال صاحب «الكامل»: إنّ خاصّيّة الشّراب الإضرار بالدّماغ والعصب. وأمّا غيره من الأدوية المحرّمة! فنوعان:
أحدهما: تعافه النّفس، ولا تنبعث لمساعدته الطّبيعة على دفع المرض به؛ كالسّموم، ولحوم الأفاعي، وغيرها من المستقذرات، فيبقي كلّا على الطّبيعة مثقلا لها، فيصير حينئذ داء لا دواء.
والثّاني: ما لا تعافه النّفس؛ كالشّراب الّذي تستعمله الحوامل مثلا، فهذا ضرره أكثر من نفعه، والعقل يقضي بتحريم ذلك، فالعقل والفطرة مطابق للشّرع في ذلك.
وههنا سرّ لطيف في كون المحرّمات لا يستشفى بها، فإنّ شرط الشّفاء بالدّواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشّفاء، فإنّ النّافع هو المبارك. وأنفع الأشياء أبركها. والمبارك من النّاس أينما كان هو الّذي ينتفع به حيث حلّ.
ومعلوم أنّ اعتقاد المسلم تحريم هذه العين ممّا يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها؛ وبين حسن ظنّه بها؛ وتلقّي طبعه لها بالقبول، بل كلّما كان العبد أعظم إيمانا؛ كان أكره لها، وأسوأ اعتقادا فيها، وطبعه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال؛ كانت داء له لا دواء، إلّا أن يزول اعتقاد الخبث فيها، وسوء الظّنّ والكراهة لها بالمحبّة، وهذا ينافي الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قطّ إلا على وجه داء. والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى.
(وروى البخاريّ)، ومسلم، وابن ماجه في «الطّبّ» كلّهم؛
[ ٤ / ١٤٥ ]
عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه كان رسول الله ﷺ إذا أتى مريضا، أو أتي به.. قال: «أذهب الباس ربّ النّاس، اشف وأنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» .
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه كان رسول الله ﷺ إذا أتى مريضا) عائدا له (أو) قال: (أتي) بالبناء للمفعول (به) إليه (قال) في دعائه له: («أذهب) بفتح الهمزة بعدها ذال معجمة- (الباس) - بغير همز للمؤاخاة، أي: المناسبة لما بعده. وأصله الهمز، أي: الضرر والمرض-
(ربّ النّاس) وغيرهم، بحذف حرف النّداء، (اشف) بحذف المفعول (وأنت) - وفي رواية بحذف الواو- (الشّافي) .
أخذ منه جواز تسميته تعالى بما ليس في القرآن؛ بشرط ألايوهم نقصا، وأن يكون له أصل في القرآن، وهذا منه، فإن فيه وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) [الشعراء] .
(لا شفاء) - بالمدّ؛ مبنيّ على الفتح، والخبر محذوف، تقديره: حاصل لنا أوله- (إلّا شفاؤك) بالرّفع؛ بدل من محلّ «لا شفاء» .
(شفاء) - مصدر منصوب بقوله: اشف- (لا يغادر) - بغين معجمة، أي:
لا يترك- (سقما») بضمّ فسكون، وبفتحتين، والتّنوين للتّقليل.
وفائدة التّقييد بذلك: أنّه قد يحصل الشّفاء من ذلك المرض؛ فيخلفه مرض آخر!!. فكان دعاء له بالشّفاء المطلق، لا بمطلق الشّفاء.
واستشكل الدّعاء بالشّفاء؛ مع ما في المرض من كفّارة وثواب، كما تظافرت الأحاديث بذلك!!
والجواب عن ذلك: أنّ الدّعاء عبادة، ولا ينافي الثّواب والكفّارة، لأنهما يحصلان بأوّل المرض، وبالصّبر عليه. والدّاعي بين حسنيين: إمّا أن يحصل له مقصوده، أو يعوّض عنه بجلب نفع؛ أو دفع ضرر. وكلّ ذلك من فضل الله ﷾. انتهى «عزيزي» .
[ ٤ / ١٤٦ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله الوعك.. أمر بالحساء فصنع، ثمّ أمرهم فحسوا. وكان يقول: «إنّه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السّقيم، كما تسرو إحداكنّ الوسخ بالماء عن وجهها» .
وقوله: (الوعك): هو الحمّى، أو ألمها.
(و) أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «الطّبّ»؛ وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه والحاكم في «الأطعمة» وقال: صحيح، وأقرّه الذّهبيّ كلّهم؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله)؛ أي: أحدا من أهل بيته (الوعك)؛ أي: حرارة الحمّى، ومثلها بقيّة الأمراض، فما ذكر نافع لجميع الأمراض (أمر بالحساء) - بالفتح والمدّ: طبيخ يتّخذ من دقيق وماء ودهن- (فصنع) بالبناء للمفعول (ثمّ أمرهم فحسوا)؛ أي:
شربوا وتناولوه.
(وكان يقول: «إنّه ليرتو) - بفتح المثنّاة التحتيّة وراء ساكنة، فمثنّاة فوقيّة- أي: يشدّ ويقوّي (فؤاد الحزين) - قلبه- (ويسرو) - بسين مهملة وراء- (عن فؤاد السّقيم) - أي: يكشف عن فؤاده الألم، ويزيله- (كما تسرو إحداكنّ الوسخ بالماء عن وجهها») أي: تكشفه وتزيله.
قال «ابن القيّم»: هذا ماء الشّعير المغليّ، وهو أكثر غذاء من سويقه، نافع للسّعال، قامع لحدّة الفضول، مدرّ للبول جدّا، قامع للظّمأ، مطف للحرارة.
وصفته أن يرضّ ويوضع عليه من الماء العذب خمسة أمثاله، ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى خمساه. انتهى. «مناوي وعزيزي» .
(وقوله: الوعك) - بفتحتين- (هو الحمّى، أو ألمها)؛ كما قاله المناوي وغيره.
[ ٤ / ١٤٧ ]
و(الحساء) - بالفتح والمدّ-: طبيخ يتّخذ من دقيق وماء ودهن.
و(يرتو): يشدّ ويقوّي. و(يسرو): يكشف الألم ويزيله.
وفي «السّنن» عنها [رضي الله تعالى عنها] أيضا: «عليكم بالبغيض النّافع: التّلبين» .
(والحساء بالفتح) - للحاء والسّين المهملتين- (والمدّ) لا بالقصر (: طبيخ يتّخذ من دقيق)؛ أي: دقيق الشّعير (وماء، ودهن) .
قال الحفني: وهو أن يضع قدرا من الشّعير بلا طحن، ويزن قدره من الماء خمس مرّات، ويوقد عليه بنار لطيفة حتّى يذهب ثلاثة أخماس الماء، فإنه يسكّن العطش والحرارة، وينفع من كلّ داء؛ لأنّ الشّعير بارد.
وفيه كيفيّة أخرى وهي: أن يطحنه؛ ويأخذ دقيقه، ويضيف له شيئا من دهن اللّوز؛ أو الورد؛ أو نحوهما وشيئا من الماء؛ ويطبخه. انتهى.
(ويرتو) - بفتح المثنّاة التحتيّة، وراء ساكنة فمثناة فوقيّة- أي: (يشدّ ويقوّي)؛ بتشديد الواو من التّقوية (ويسرو) بفتح أوله؛ فسين مهملة ساكنة، فراء بوزن: يعرو.
قال المناوي: معناه (يكشف) عن فؤاده (الألم ويزيله) . انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد في «المسند» في الطّبّ وابن ماجه (في «السّنن») في «الطّبّ» أيضا، والحاكم وصحّحه؛ وأقرّه الذّهبيّ، كلّهم؛ (عنها) - أي:
عائشة- (أيضا) رضي الله تعالى عنها قالت:
قال رسول الله ﷺ: («عليكم بالبغيض) - أي: المبغوض بالطّبع- (النّافع) من حيث الواقع، أي: كلوه أو لازموا استعماله، قالوا: وما البغيض النّافع يا رسول الله؟ قال: (التّلبين») .
وفي ابن ماجه التّلبينة يعني: الحسو، وهو دقيق يعجن بالماء إلى أن يصير
[ ٤ / ١٤٨ ]
قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا اشتكى أحد من أهله.. لم تزل البرمة على النّار حتّى ينتهي أحد طرفيه- يعني: يبرأ- أو يموت.
وعنها أيضا: كان رسول الله ﷺ إذا قيل له: إنّ فلانا وجع.. لا يطعم الطّعام، قال: «عليكم بالتّلبينة، فأحسوه إيّاها»، ويقول: «والّذي نفسي بيده؛ إنّها
كاللّبن، ويشرب، لا سيّما دقيق الشّعير، فإنّه بارد.
وهذا من الطّبّ النّبويّ الّذي لا شكّ فيه، وإنّما يكون التّخلف من سوء حال المستعمل. انتهى «حفني» .
(قالت)؛ أي: عائشة (: وكان رسول الله ﷺ إذا اشتكى)؛ أي: مرض (أحد من أهله لم تزل البرمة) - بضمّ الموحّدة، وسكون الرّاء: إناء- (على النّار حتّى ينتهي أحد طرفيه. يعني:) أنّهم كانوا يحرصون على هذا الطعام دائما لخفّته على المريض مع تغذيته، وعدم الإضرار به إلى أن (يبرأ) من مرضه، (أو يموت) إذا انقضى أجله.
(و) أخرج الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وصحّحه، وأقرّه الذّهبي، كلّهم؛ (عنها)؛ أي: عائشة رضي الله تعالى عنها (أيضا) قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا قيل له: إنّ فلانا وجع) - بكسر الجيم، أي-: مريض (لا يطعم الطّعام؟ قال: «عليكم بالتّلبينة) - بفتح فسكون-: حساء يعمل من دقيق، أو نخالة، فيصير كاللّبن بياضا ورقّة، وقد يجعل فيه عسل. وسمّيت بذلك!! تشبيها باللّبن لبياضها ورقّتها (فأحسوه)؛ أي: أشربوه وأطعموه (إيّاها») لأنّها غذاء فيه لطافة، سهل التّناول للمريض، فإذا استعمله اندفعت عنه الحرارة الجوعيّة، وحصلت له القوّة الغذائيّة بغير مشقّة. انتهى «مناوي» .
(ويقول)؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «والّذي نفسي بيده؛ إنّها)؛ أي: التّلبينة
[ ٤ / ١٤٩ ]
تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكنّ وجهها من الوسخ» .
و(التّلبين والتّلبينة): الحساء الرّقيق الّذي هو في قوام اللّبن.
قال الهرويّ: سمّيت تلبينة؛ لشبهها باللّبن لبياضها ورقّتها، وهذا هو الغذاء النّافع للعليل، وهو الرّقيق النّضيج، لا الغليظ النّيء،
(تغسل بطن أحدكم) من الدّاء (كما تغسل إحداكنّ) - كذا في «زاد المعاد» - (وجهها) - وفي «المسند»: «كما يغسل أحدكم وجهه بالماء» - (من الوسخ»)
تحقيق لوجه الشّبه: قال الموفّق البغداديّ: إذا شئت [معرفة] منافع التلبينة؛ فاعرف منافع ماء الشّعير، سيّما إذا كان نخالة، فإنّه يجلو وينفذ بسرعة، ويغذّي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارا كان أجلى وأقوى نفوذا. انتهى «مناوي» .
(والتّلبين والتّلبينة) - بهاء- قال ابن القيّم: هو (الحساء) بالفتح والمدّ (الرّقيق) - بالرّاء- (الّذي) يعمل من دقيق أو نخالة، و(هو في قوام اللّبن)، وربّما جعل فيها عسل.
(قال) الإمام اللّغويّ أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن الباشاني: أبو عبيد (الهرويّ) نسبة إلى «هراة» المتوفّى في رجب سنة: إحدى وأربعمائة هجرية، قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطّابي. وكان اعتماده وشيخه الّذي يفتخر به أبا منصور محمد بن أحمد الأزهري صاحب كتاب «التّهذيب» في اللّغة، وله من المؤلّفات كتاب «الغريبين» أي: «غريب القرآن»، و«غريب الحديث»، وهو السّابق إلى الجمع بينهما- فيما علمنا-، وله كتاب «ولاة هراة» رحمه الله تعالى.
قال في كتاب «الغريبين»: (سمّيت تلبينة لشبهها باللّبن؛ لبياضها ورقّتها)، وهي تسمية بالمرّة من التّلبين؛ مصدر لبّن القوم: إذا سقاهم اللّبن.
(وهذا) التّلبين (هو الغذاء) بكسر الغين المعجمة؛ مثل كتاب: ما يغتذى به من الطّعام والشّراب (النّافع للعليل)؛ أي: المريض، (وهو الرّقيق) - بالرّاء- (النّضيج) لأنّه ينفذ بسرعة، ويغذّي غذاء لطيفا، (لا الغليظ النّيء) مهموز وزان
[ ٤ / ١٥٠ ]
وإذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة.. فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها حساء يتّخذ من دقيق الشّعير.
وفي «الصّحيحين»: عن عائشة رضي الله تعالى عنها
«حمل»: كلّ شيء شأنه أن يعالج بطبخ أو شيّ ولم ينضج.
(وإذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة)؛ أي: امتيازها على غيرها في التّغذية؛ (فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها)؛ أي: التّلبينة (حساء) - بالحاء والسّين المهملتين- (يتّخذ)؛ أي: يصنع (من دقيق الشّعير) بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشّعير: أنّه يطبخ صحاحا، والتّلبينة تطبخ منه مطحونا، وهي أنفع منه؛ لخروج خاصيّة الشّعير بالطّحن.
وللعادات تأثير في الانتفاع بالأدوية والأغذية، ومن أمثلتهم: داووا الأجساد بما تعتاد. وكانت عادة القوم أن يتّخذوا ماء الشّعير منه مطحونا؛ لا صحاحا وهو أكثر تغذية؛ وأقوى فعلا؛ وأعظم جلاء.
وإنّما اتّخذه أهل المدن صحاحا!! ليكون أرقّ وألطف. فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشّعير المطحون عليها.
والمقصود: أنّ ماء الشّعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا، ويجلو جلاء ظاهرا، ويغذّي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزيّة أكثر. انتهى «زاد المعاد» .
(و) أخرج البخاريّ ومسلم (في «الصّحيحين»): كتاب «الأطعمة والطّبّ»؛
(عن) أمّ المؤمنين (عائشة) الصّدّيقة بنت الصّدّيق؛ زوج النّبيّ ﷺ (رضي الله تعالى عنها) أنّها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النّساء. ثمّ تفرّقن إلّا أهلها وخاصّتها أمرت ببرمة من تلبينة؛ فطبخت، ثم صنع
[ ٤ / ١٥١ ]
قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التّلبينة:
مجمّة لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن» .
وروى التّرمذيّ وابن ماجه: عن عقبة بن عامر الجهنيّ
ثريد؛ فصبّت التّلبينة عليها، ثمّ (قالت:) كلن منها فإنّي (سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«التّلبينة) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وسكون اللّام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانيّة، ثم نون ثمّ هاء- (مجمّة) - بفتح الميمين، والجيم، والميم الثّانية مشدّدة، وتكسر الجيم، وبضمّ الميم وكسر الجيم؛ اسم فاعل، والأوّل أشهر، أي: مريحة- (لفؤاد المريض) - أي: تريح قلبه، وتسكّنه؛ وتقوّيه، وتزيل عنه الهمّ، وتنشّطه بإخمادها للحمّى؛ من الإجمام وهو الرّاحة، فلا حاجة لما تكلّفه بعض الأعاجم من تأويل الفؤاد، برأس المعدة. فتدبّر!!
(تذهب) - بفتح الفوقيّة، والهاء- (ببعض الحزن) - بضمّ الحاء المهملة وسكون الزّاي- فإنّ فؤاد المريض يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته؛ لقلّة الغذاء، وهذا الطّعام يرطّبها، ويقوّيها. ولذا كانت عائشة تفعله لأهل الميت؛ لتسكين حزنهم.
(وروى) الإمام أحمد و(التّرمذيّ وابن ماجه) في «الطّبّ»، وقال التّرمذيّ: حسن غريب. وقال في «الأذكار»: فيه بكر بن يونس بن بكير، وهو ضعيف. وفي «الزوائد»: إسناده حسن، لأنّ بكر بن يونس مختلف فيه. وباقي رجال الإسناد ثقات. انتهى.
وكذا رواه الحاكم كلّهم؛ (عن) أبي حمّاد (عقبة بن عامر) بن عبس بن عمرو (الجهنيّ) نسبة لجهينة الصّحابيّ الجليل. كان من أحسن النّاس صوتا بالقرآن.
وشهد فتوح الشّام، وكان هو البريد إلى عمر بن الخطّاب ﵁ يبشّره
[ ٤ / ١٥٢ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام والشّراب؛ فإنّ الله ﷿ يطعمهم ويسقيهم» .
وكان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته..
بفتح دمشق. ووصل المدينة في سبعة أيّام، ورجع منها إلى الشّام في يومين ونصف، بدعائه عند قبر رسول الله ﷺ وتشفعّه به؛ في تقريب طريقه.
وسكن دمشق وكانت له دار في ناحية قنطرة «سنان» من «باب توما» وسكن مصر ووليها لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين.
وتوفّي بها سنة ثمان وخمسين هجرية.
روي له عن النّبي ﷺ خمسة وخمسون حديثا. اتّفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بتسعة.
روى عنه جابر بن عبد الله؛ وابن عبّاس؛ وغيرهما من الصّحابة وخلائق من التّابعين (رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكرهوا مرضاكم على) تناول (الطّعام والشّراب) إذا عافوه للمرض الذّي قام بهم.
قال الموفّق: ما أكثر فوائد هذه الكلمة النّبوية للأطّبّاء!! لأنّ المريض إذا عاف الطّعام أو الشّراب؛ فذلك لاشتغال طبيعته بمجاهدة مادّة المرض، أو سقوط شهوته لموت الحارّ الغريزيّ. وكيفما كان فإعطاء الغذاء في هذه الحالة غير لائق. انتهى شروح «الجامع الصّغير» . ولفظ: الشّراب ليس في رواية التّرمذيّ.
(فإنّ الله ﷿ يطعمهم ويسقيهم») . قال «المناوي»: أي يحفظ قواهم، ويمدّهم بما يقع موقع الطّعام والشّراب في حفظ الرّوح، وتقويم البدن.
وقال العلقمي: أي: يشبعهم ويرويهم؛ من غير تناول طعام وشراب. انتهى.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته) - وفي رواية لمسلم: «من
[ ٤ / ١٥٣ ]
نفث عليه بالمعوّذات.
وفي «الصّحيحين»: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم،
أهله» - (نفث)؛ أي: نفخ (عليه) نفخا لطيفا، بلا ريق (بالمعوّذات) - بكسر الواو- وإنما خصّ المعوّذات!! لأنّهنّ جامعات للاستعاذة من كلّ مكروه جملة وتفصيلا، ففيها الاستعاذة من شرّ ما خلق؛ فيدخل فيه كلّ شيء، ومن شرّ النّفّاثات في العقد؛ وهنّ السّواحر، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن شرّ الوسواس الخنّاس.
وفائدة التّفل: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء المباشر لريقه.
قال النّووي فيه استحباب النّفث في الرّقية، وعليه الجمهور من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم، وكان مالك ينفث إذا رقى نفسه، وكان يكره الرّقية بالحديد؛ والملح؛ والّذي يعقد؛ والّذي يكتب «خاتم سليمان»؛ والعقد عنده أشدّ كراهة، لما في ذلك من مشابهة السّحر.
وفيه ندب الرّقية بنحو القرآن، وكرهه البعض بغسالة ما يكتب منه، أو من الأسماء. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(و) أخرج البخاريّ ومسلم (في «الصّحيحين») من رواية نافع؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم») كذا في «المواهب» وتعقّبه الزرقاني: بأنّه لم يجده في واحد من «الصحيحين» بهذا اللّفظ!!
وإنّما الّذي في البخاريّ في «الطّبّ»؛ من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء» . وفيه في «صفة جهنّم؛ من بدء الخلق» من رواية عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فابردوها بالماء» بدل قوله «فأطفئوها» .
[ ٤ / ١٥٤ ]
وكذا رواه مسلم؛ من طريق يحيى بن سعيد؛ عن عبيد الله؛ عن نافع، بلفظ: «فابردوها» .
رواه من طريق مالك؛ عن نافع؛ باللّفظ الأوّل- وهو «فأطفئوها» - ورواه من وجه آخر؛ عن عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ شدّة الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء» . انتهى.
وعندي أنّ الأمر سهل، ومراد المصنّف كالقسطلّاني: أنّ هذا اللّفظ موجود في «الصحيحين»، من رواية ابن عمر بن الخطّاب؛ سواء كان من وجه واحد، أو متعدّد فتعقّب الزّرقاني وارد على تعيين رواية مخصوصة بهذا اللّفظ. والله أعلم.
وقوله: «من فيح جهنّم» !! بفتح الفاء؛ وسكون التحتيّة؛ فحاء مهملة آخره. وفي رواية ل «الصحيحين» «من فور» - بالرّاء، بدل الحاء- وفي رواية للبخاري: «من فوح» - بالواو، بدل التّحتيّة- وكلّها بمعنى، والمراد: سطوع حرّها ووهجه.
قال في «المواهب»: اختلف في نسبتها إلى جهنّم!؟ فقيل: حقيقة.
واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنّم.
وقدّر الله ظهورها في الدّنيا!! - بأسباب تقتضيها؛ نذيرا للجاحدين، وبشيرا للمقرّبين، ليعتبر العباد بذلك. فالتّعذيب بها يختلف باختلاف محلّه، فيكون للمؤمن تكفيرا لذنوبه، وزيادة في أجوره، وللكافر عقوبة؛ وانتقاما.
كما أنّ أنواع الفرح واللّذة من نعيم الجنّة؛ أظهرها الله سبحانه في هذه الدّار الدّنيا عبرة ودلالة على ما عنده تعالى.
وإنّما طلب ابن عمر كشف العذاب الحاصل بالحمّى- كما في البخاري؛ عقب الحديث، قال نافع: وكان عبد الله يقول: اللهم اكشف عنا الرّجز؛ أي:
العذاب- مع ما فيه من الثّواب!! لمشروعيّة طلب العافية من الله، إذ هو قادر على
[ ٤ / ١٥٥ ]
فابردوها بالماء» .
وقد ذكر أبو نعيم وغيره: من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، يرفعه إلى النّبيّ ﷺ:
أن يكفّر السّيئات لعبده، ويعظم ثوابه، من غير أن يصيبه شيء يشقّ عليه. انتهى كلام «المواهب» مع الزرقاني.
(فابردوها بالماء») بهمزة وصل، والرّاء مضمومة على المشهور في الرّواية؛ من بردت والحمّى أبردها بردا؛ بوزن قتلتها أقتلها قتلا، أي: أسكنت حرارتها.
وحكي كسر الراء؛ مع وصل الهمزة، وحكى عياض: رواية بهمزة قطع مفتوحة، وكسر الرّاء؛ من أبرد الشيّء: إذا عالجه فصيّره باردا، مثل: أسخنته إذا صيّرته سخنا. وهي لغة رديئة.
وفي «المواهب»؛ عن الخطّابي: أولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمّى بالماء: ما صنعته أسماء بنت الصّدّيق رضي الله تعالى عنها المرويّ في «الموطأ» و«الصحيحين»؛ عن أسماء: أنّها كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمّت تدعو لها؛ أخذت الماء فصبّته بينها وبين جيبها، قالت: وكان ﷺ يأمرنا أن نبردها بالماء.
والصّحابيّ؛ ولا سيّما مثل أسماء الّتي كانت ممّن يلازم بيت النّبي ﷺ أعلم بالمراد من غيرها. والله أعلم.
والّذي يظهر لي أن ذلك لا يتعيّن، فإنّ الإبراد بالماء يحصل بأيّ كيفيّة كانت، كما هو إطلاق الحديث، وذلك بحسب ما يراه المحموم نافعا لإطفاء حرارة الحمّى، وقد كنت إذا اشتدّت بي الحمّى أذهب فأنغمس في الماء، فأجد ذلك يخفّف عنّي حرارة الحمّى؛ خصوصا إذا كان الماء باردا طبيعيا، فإنّه أنفع في تبريد الحمّى. والله أعلم.
(وقد ذكر أبو نعيم وغيره)؛ كالطّبرانيّ والحاكم بسند قوي (من حديث أنس رضي الله تعالى عنه يرفعه إلى النّبيّ ﷺ:
[ ٤ / ١٥٦ ]
«إذا حمّ أحدكم.. فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السّحر» .
وفي «السّنن» لابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يرفعه إلى النّبيّ ﷺ: «الحمّى كير من كير جهنّم، فنحّوها عنكم بالماء البارد» .
وفي «المسند» وغيره: عن سمرة
«إذا حمّ أحدكم) - بالضّمّ والتّشديد-: أصابته الحمّى (فليرشّ عليه)؛ أي:
على نفسه (الماء البارد ثلاث ليال من السّحر»)؛ أي: قبيل الصّبح.
فهذا الحديث المرفوع يؤيّد فعل أسماء، فيكون المراد بالإبراد الرّشّ؛ لا الاغتسال. قال الزّرقانيّ: وقد علمت أنّ ذلك غير متعيّن.
(وفي «السّنن») في «كتاب الطّبّ» (لابن ماجه) - بالهاء وصلا ووقفا- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) - وفي «الزّوائد»: إسناده صحيح؛ ورجاله ثقات- (يرفعه إلى النّبيّ ﷺ: «الحمّى كير) - بكسر الكاف؛ وسكون المثنّاة التّحتيّة-: زقّ ينفخ فيه الحدّاد (من كير جهنّم) فيه: تشبيه، أي: حرارتها الواصلة للبدن كحرارة جهنّم الواصلة بالكير الآلة المعروفة للحداد، وفيه من المبالغة ما لا يخفى. انتهى «حفني» .
(فنحّوها عنكم بالماء البارد») شربا وغسل أطراف، لأنّ البارد رطب ينساغ لسهولته. فيصل للطافته إلى أماكن العلّة، من غير حاجة إلى معاونة الطّبيعة. انتهى «زرقاني» .
(وفي «المسند») للإمام أحمد (وغيره)؛ من حديث الحسن البصريّ.
(عن) أبي سعيد (سمرة) بن جندب- بضمّ الدّال وفتحها- ابن هلال الفزاري. توفّي أبوه وهو صغير؛ فقدمت به أمّه المدينة، فتزوّجها أنصاريّ، وكان في حجره حتّى كبر. قيل: أجازه النّبيّ ﷺ في المقاتلة يوم أحد، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، ثمّ سكن البصرة.
[ ٤ / ١٥٧ ]
رضي الله تعالى عنه، يرفعه إلى النّبيّ ﷺ:
«الحمّى قطعة من النّار، فأبردوها عنكم بالماء البارد» .
وفي «السّنن»: من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
ذكرت الحمّى عند رسول الله ﷺ، فسبّها رجل، فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبّها؛ فإنّها تنفي الذّنوب، كما تنفي النّار خبث الحديد» .
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا؛ اتّفقا منها على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأربعة.
روى عنه خلق منهم: الحسن، وابن سيرين، والشّعبيّ.
وتوفّي بالبصرة سنة تسع- وقيل: ثمان- وخمسين. قال البخاريّ: توفي سمرة بعد أبي هريرة. يقال: آخر سنة تسع وخمسين، ويقال: سنة ستّين (رضي الله تعالى عنه.
يرفعه إلى النّبيّ ﷺ: «الحمّى قطعة من النّار)؛ أي: نار جهنّم: جعلها الله في الدنيا (فابردوها عنكم بالماء البارد»)؛ شربا وغسل أطراف، أو جميع الجسد، على ما يليق بالزّمان والمكان. انتهى «زرقاني» .
وقال السّيوطي: قد تواتر الأمر بإبرادها بالماء، وأصحّ كيفيّاته: أن يرشّ بين الصّدر والجيب. انتهى نقله المناوي.
(وفي «السّنن») لابن ماجه- وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف- (من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
ذكرت الحمّى عند رسول الله ﷺ فسبّها رجل!! فقال رسول الله ﷺ:
«لا تسبّها؛ فإنّها تنفي الذّنوب)؛ أي: تكفّر خطايا المؤمنين (كما تنفي النّار خبث) - بفتحتين أي: وسخ- (الحديد») لمّا كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرّديئة، وتناول الأغذية والأدوية النّافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن
[ ٤ / ١٥٨ ]
ونفي أخباثه وفضوله، وتصفيته من موادّه الرّديئة، وتفعل فيه كما تفعل النّار في الحديد؛ من نفي خبثه، وتصفية جوهره؛ كانت أشبه الأشياء بنار الكير الّتي تصفّي جوهر الحديد، وهذا القدر هو المعلوم عند أطبّاء الأبدان.
وأمّا تصفيتها القلب من وسخه ودرنه، وإخراجها خبائثه! فأمر يعلمه أطبّاء القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيّهم رسول الله ﷺ، ولكنّ مرض القلب إذا صار مأيوسا من برئه لم ينفع فيه العلاج.
فالحمّى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة؛ فسبّه ظلم وعدوان.
انتهى. من «زاد المعاد» .
وقال السّيوطي: هي طهور من الذّنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنّم كي يتوب.
ولها منافع بدنيّة، وماثر سنيّة؛ فإنّها تنقّي البدن، وتنفي عنه العفن، وربّ سقم أزليّ؛ ومرض عولج منه زمانا- وهو ممتلئ- فلمّا طرأت عليه أبرأته، فإذا هو منجل، وربّما صحّت الأجساد بالعلل.
وذكروا أنّها تفتح كثيرا من السّدد وتنضح من الأخلاط والموادّ ما فسد، وتنفع من الفالج، واللّقوة «١»؛ والتّشنج الامتلائيّ؛ والرّمد. انتهى. نقله المناوي.
ولما نظر جماعة من السّلف ما في الحمّى من الفوائد؛ دعوا على أنفسهم بملازمة الحمّى لهم إلى توفيهم.
وممّن دعا بذلك سعد بن معاذ، وكذا أبي «٢» دعا على نفسه ألايفارقه الوعك حتى يموت، ولا يشغله عن حجّ؛ ولا عمرة؛ ولا جهاد؛ ولا صلاة جماعة، فما مسّ رجل جلده بعدها إلّا وجد حرّها حتّى مات.
_________________
(١) داء في الوجه. اه (مختار الصحاح) .
(٢) الكلام للمناوي؛ لا للشارح.
[ ٤ / ١٥٩ ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه»: من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى؛ فإنّ الحمّى قطعة من النّار، فليطفئها عنه بالماء،
وقد قال بعض من اقتفى آثارهم، وتدثر دثارهم:
زارت محمّصة الذّنوب لصبّها أهلا بها من زائر ومودّع
قالت- وقد عزمت على تر حالها-: ماذا تريد؟ فقلت: ألاتقلعي
انتهى «مناوي» .
(وروى التّرمذيّ في «جامعه») في «الطبّ» بسند فيه راو لم يسمّ، وراو مختلف في تضعيفه وتوثيقه، وقال: حديث غريب.
(من حديث) أبي عبد الله، - أو أبي عبد الرّحمن- (ثوبان) - بضم المثلّثة وفتحها- ابن بجدد- بموحّدة مضمومة ثم جيم ساكنة، ثمّ دال مهملة مكّررة؛ الأولى مضمومة- ويقال: ابن جحدر الهاشميّ، مولاهم من أهل «السّراة»:
موضع بين «مكّة» و«اليمن» .
أصابه سباء؛ فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه. ولم يزل معه في الحضر والسّفر، فلما توفّي رسول الله ﷺ خرج إلى الشّام، فنزل «الرّملة» .
ثمّ انتقل إلى حمص وابتنى بها دارا. وتوفي بها سنة: خمس وأربعين- وقيل:
سنة أربع وخمسين-.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث؛ وسبعة وعشرون حديثا، روى له مسلم منها عشرة أحاديث.
روى عنه جماعة من كبار التّابعين (رضي الله تعالى عنه.
عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى، فإنّ الحمّى قطعة من النّار) حقيقة أو مجازا- (فليطفئها عنه بالماء) - لأنّ الماء يطفئ النّار، ثمّ بيّن كيفيّة
[ ٤ / ١٦٠ ]
فليستقبل نهرا جاريا ليستقبل جرية الماء، فيقول: (باسم الله، اللهمّ؛ اشف عبدك، وصدّق رسولك) بعد صلاة الصّبح قبل طلوع الشّمس، فليغتمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث.. فخمس، فإن لم يبرأ في خمس.. فسبع، فإن لم يبرأ في سبع.. فتسع؛ فإنّها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله تعالى» .
الإطفاء، فقال: - (فليستنقع نهرا) - بفتحتين؛ على الأفصح- (جاريا، ليستقبل جرية الماء،
فيقول: باسم الله، اللهمّ؛ اشف عبدك) لم يقل: اشفني لأنّ المقام مقام استعطاف وتذلّل، ولا وصف أصدق من وصف العبوديّة. (وصدّق رسولك) فيما أخبر أنّه شفاء من الحمّى.
(بعد صلاة الصّبح، قبل طلوع الشّمس) ظرف لقوله «يستنقع» .
(فليغتمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث؛ فخمس) ينغمس فيها، ف «خمس»: خبره محذوف (فإن لم يبرأ في خمس؛ فسبع، فإن لم يبرأ في سبع؛ فتسع) من الأيّام، (فإنّها) أي: الحمى (لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله تعالى») .
وهذا يحتمل أن يكون لبعض الحمّيات دون بعض، ويحتمل أنّه خارج عن قواعد الطّبّ، داخل في قسم المعجزات الخارقة للعادات. ألا ترى كيف قال فيه «صدّق رسولك»، و«بإذن الله»؟؟.
وقد شوهد وجرّب؛ فوجد كما نطق به الصّادق المصدوق ﷺ؛ قاله الطّيبيّ.
وقال الزّين العراقيّ: عملت بهذا الحديث؛ فانغمست في بحر «النّيل»؛
[ ٤ / ١٦١ ]
وفي «الصّحيحين»: عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أخي يشتكي بطنه- وفي رواية: استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا»، فذهب، ثمّ رجع، فقال: قد سقيته عسلا؛ فلم يغن عنه شيئا؟
فبرئت منها! قال ولده الولّي العراقيّ: ولم يحمّ بعدها، ولا في مرض موته!!.
انتهى «زرقاني» .
(وفي «الصّحيحين»): البخاريّ ومسلم، وكذا التّرمذيّ والنّسائي كلّهم في (الطب)؛ من حديث سعيد بن أبي عروبة؛ عن أبي المتوكّل النّاجيّ.
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدريّ) الصّحابيّ ابن الصّحابيّ (رضي الله تعالى عنه) وعن والده.
(أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ؛ فقال: إنّ أخي) - قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم واحد منهما- (يشتكي بطنه)؛ أي: وجع بطنه، من إسهال حصل له من تخمة.
(وفي رواية) للشّيخين أيضا؛ من حديث قتادة؛ عن أبي المتوكّل النّاجي؛ عن أبي سعيد فقال: إنّ أخي (استطلق) - بفتح الفوقيّة واللّام- (بطنه) بالرّفع، وضبطه في «الفتح» مبنيّا للمفعول؛ أي: تواتر إسهال بطنه؛ قاله القسطلّاني.
وكذا قال القرطبيّ في «المفهم»: هو بضمّ التاء مبنيّا للمفعول، فهو الرّواية الصّحيحة، فيكون أصله استطلق هو بطنه، فالسّين زائدة؛ لا للطّلب قال الحافظ ابن حجر: استطلق- بضمّ المثنّاة؛ وسكون الطّاء المهملة؛ وكسر اللّام بعدها قاف- أي: كثر خروج ما فيه يريد الإسهال.
(فقال: «اسقه عسلا) صرفا، أو ممزوجا، وعند الإسماعيليّ: «اسقه العسل»، واللّام عهديّة، والمراد: عسل النّحل، لكونه المشهور عندهم؛ قاله الحافظ «ابن حجر» .
(فذهب، ثمّ رجع؛ فقال: قد سقيته عسلا فلم يغن عنه شيئا؟!)؛ أي: لم
[ ٤ / ١٦٢ ]
وفي لفظ: فلم يزده إلّا استطلاقا (مرّتين أو ثلاثا) - كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا»، فقال له في الثّالثة أو الرّابعة: «صدق الله، وكذب بطن أخيك»، ثمّ سقاه، فبرأ بإذن الله تعالى.
يبرأ. (وفي لفظ): فسقاه العسل، فلم ينجع، فأتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي سقيته (فلم يزده إلّا استطلاقا؟!) بعد السّقيّ؛ لجذبه الأخلاط الفاسدة، وكونه أقلّ من كميّة تلك الأخلاط، فلم يدفعها بالكلية (مرّتين أو ثلاثا) يترّدد إليه (كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا» .
فقال له في) المرّة (الثّالثة أو الرّابعة: «صدّق الله) في قوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩/ النحل] (وكذب)؛ أي: أخطأ (بطن أخيك») . حيث لم يصلح لقبول الشّفاء، لكثرة المادّة الفاسدة التي فيه، ولذا أمره بمعاودة شرب العسل، لاستفراغها، فلمّا كرّر ذلك برأ.
وفي رواية لمسلم: فقال له ثلاث مرّات: إنّي سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا؟! ثمّ جاء الرّابعة فقال: «اسقه عسلا» . فقال: سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا؟! فقال:
«صدق الله، وكذب بطن أخيك!!» ففي هذه الرّواية: أنه قال ذلك بعد الرّابعة!
قال الحافظ «ابن حجر»: والأرجح أنّه قاله بعد الثّالثة.
(ثمّ سقاه فبرأ) - بفتح الرّاء والهمزة- بوزن: قرأ، وهي: لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: برىء بكسر الراء؛ بوزن علم؛ كما في «الفتح» .
(بإذن الله تعالى») لأنّه لما تكرّر استعمال الدّواء قاوم الدّاء فأذهبه.
قال في «المواهب»: وفي قوله: «وكذب بطن أخيك» إشارة إلى أنّ هذا الدّواء نافع، وأنّ بقاء الدّاء ليس لقصور الدّواء في الشّفاء، ولكن لكثرة المادّة الفاسدة، فمن ثمّ أمره بمعاودة شرب العسل، لاستفراغها!! فشفي لمّا استفرغت، فاعتبار مقادير الأدوية، وكيفيّاتها، ومقدار قوّة المرض والمريض من أكبر قواعد الطّبّ.
[ ٤ / ١٦٣ ]
وفي «سنن ابن ماجه»: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر.. لم يصبه عظيم من البلاء» .
قال في «زاد المعاد»: وليس طبّه ﷺ كطبّ الأطبّاء؟؟ فإنّ طبّه ﵊ متيقّن قطعيّ إلهيّ؛ صادر عن الوحي، ومشكاة النّبوّة، وكمال العقل، وطبّ غيره حدس وظنون وتخمين وتجارب. انتهى بزيادة من «شرح البخاري» .
(وفي «سنن ابن ماجه») في كتاب «الطّبّ» قال: حدّثنا محمود بن خداش؛ قال: حدّثنا سعيد بن زكريا القرشيّ؛ قال: حدّثنا الزّبير بن سعيد الهاشميّ؛ عن عبد الحميد بن سالم.
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال في «الميزان»؛ عن البخاري:
لا يعرف لعبد الحميد سماع من أبي هريرة؟! وفي «الزّوائد»: إسناده ليّن!! ومع ذلك هو منقطع! وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» وقال: الزّبير ليس بثقة.
وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل. ولم يتعقّبه السّيوطيّ سوى بأنّ له شاهدا، وهو ما رواه أبو الشّيخ في «الثّواب»؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «من شرب العسل ثلاثة أيّام في كلّ شهر على الرّيق عوفي من الدّاء الأكبر: الفالج، والجذام والبرص» . انتهى. «مناوي» مع زيادة.
(مرفوعا) إلى النّبي ﷺ أنّه قال: («من لعق) بابه فهم؛ كما في «المختار» أي: لحس (العسل) النّحل- وهو يذكّر ويؤنّث. وأسماؤه تزيد على المائة- (ثلاث غدوات) - بضمّ فسكون «١» - (كلّ شهر) . قال الطّيبيّ: صفة ل «غدوات» أي: غدوات كائنة في كلّ شهر، أي: ثلاثة أيّام في كلّ شهر.
(لم يصبه عظيم من البلاء»)، لما في العسل من المنافع الدّافعة للأدواء، إذ
_________________
(١) الذي في «المختار» و«الأساس»: بفتحتين سواء كان جمع غداء أو غدا؟! (عبد الجليل) .
[ ٤ / ١٦٤ ]
وفي أثر آخر: «عليكم بالشّفاءين: العسل،
هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة!، وحلوى من الحلاوات!، وطلاء من الأطلية!، ومفرح من المفرحات!! فيطلب لعق العسل النّحل في كلّ شهر ثلاثة أيّام منه؛ في أوّله، أو أثنائه. وتخصيص الثّلاث!! لسرّ علمه الشّارع. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(وفي أثر آخر) أخرجه ابن ماجه، والحاكم في «الطّبّ»؛ عن ابن مسعود مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ- وقال الحاكم: إنّه على شرط الشّيخين- وأخرجه ابن أبي شيبة، والحاكم أيضا مرقوفا على ابن مسعود، ورجاله رجال الصّحيح.
وقال البيهقيّ في «الشّعب»: الصّحيح أنّه موقوف على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(«عليكم)؛ أي: الزموا التّداوي (بالشّفاءين)، قال تعالى في العسل فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩/ النحل] وقال في القرآن وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ [٨٢/ الإسراء] فالشّفاء ثابت لكلّ بنصّ القرآن.
(العسل) النحل وهو لعابها.
وله منافع كثيرة، منها: أنه ينفع البشرة وينعّمها، وإن اكتحل به جلا البصر، وإذا استنّ به بيّض الأسنان؛ وصقلها؛ وحفظ صحّتها؛ وصحّة اللّثّة؛ وإذا تغرغر به نفع من أورام الحلق، ومن الخنّاق، ويوافق السّعال البلغميّ، ويدرّ البول، ويليّن البطن، ويفتح سددها، ويفتح أفواه العروق، ويدرّ الطّمث، وينفع من لسع العقرب، ومن نهش الهوام ذوات السّموم، ومن عضّة الكلب، ولعقه على الرّيق يذيب البلغم، ويدفع الفضلات، ويغسل خمل المعدة، ويشدّها، ويسخّنها باعتدال، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد؛ والكلى؛ والمثانة.
وقد كان النّبي ﷺ يشرب كلّ يوم قدح عسل ممزوجا بالماء على الرّيق.
فهذه حكمة عجيبة في حفظ الصّحّة؛ لا يعقلها إلّا العالمون!.
[ ٤ / ١٦٥ ]
والقرآن»
وقد كان بعد ذلك يغتذي بخبز الشّعير مع الملح، أو الخلّ؛ أو نحوه، ويصابر شظف العيش، فلا يضرّه!! لما سبق له من الإصلاح.
وقد كان ﵊ يراعي في حفظ صحّته أمورا فاضلة جدّا، منها، تقليل الغذاء، وتجنّب التّخم، ومنها شرب بعض المنقوعات يلطّف بها غذاءه، كنقيع التّمر؛ أو الزّبيب؛ أو الشّعير؛ ومنها استعمال الطّيب، وجعل المسك في مفرقه، والادّهان والاكتحال.
وكان ﵊ يغذّي روح الدّماغ والقلب بالمسك، وروح الكبد والقلب بماء العسل، فما أتقن هذا التدبير، وما أفضله!!. انتهى «عزيزي» .
وقال «الزّرقاني»: أصلح العسل الرّبيعيّ، ثمّ الصّيفي. وأمّا الشّتائي فرديء، وما يؤخذ من الجبال والشّجر أجود ممّا يؤخذ من الخلايا. وهو بحسب مرعاه. ومن العجيب أنّ النّحل يأكل من جميع الأزهار، ولا يخرج منه إلا حلو مع أنّ أكثر ما يجنيه مرّ. انتهى.
(والقرآن») جمع بين الطّبّ البشريّ والطّبّ الإلهيّ، وبين الفاعل الطّبيعيّ والفاعل الرّوحانيّ، وبين طبّ الأجساد وطبّ الأرواح، وبين السّبب الأرضيّ والسّبب السّماويّ.
وشفاء القرآن بحسب إزالته للرّيب، وكشف غطاء القلب؛ لفهم المعجزات، والأمور الدّالّة على الله المقرّرة لشرعه.
قال «ابن القيّم»: جماع أمراض القلب الشّبهات والشّهوات. والقرآن شفاء لهما، ففيه من البيّنات؛ والبراهين القطعيّة؛ والدّلالة على المطالب العالية ما لم يتضمّنه كتاب سواه، فهو الشّفاء بالحقيقة، لكنّ ذلك موقوف على فهمه وتقرير المراد منه.
ويحتمل أن يريد بالشّفاء: نفعه من الأمراض بالرّقى والتّعويذ ونحوه، كما في
[ ٤ / ١٦٦ ]
وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الطّاعون
الرّقية ب «فاتحة الكتاب» وب «المعوّذتين» وغير ذلك.
وممّا جرّب نفعه للاستشفاء أن يكتب آيات الشّفاء وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) [التوبة] . وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ [٥٧/ يونس] . يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩/ النحل] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [٨٢/ الإسراء] . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) [الشعراء] . قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ [٤٤/ فصّلت] .
ثم يكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص]، إي والله، إي والله، إي والله اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) [الإخلاص]، إي والله، إي والله، إي والله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) [الإخلاص]، لا والله، لا والله، لا والله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) [الإخلاص]، لا والله، لا والله، لا والله. ربّ النّاس أذهب الباس، اشف أنت الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، وصلّى الله على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم في إناء نظيف، ويسقى للمريض.
انتهى. من شروح «الجامع الصّغير» .
(و) أخرج البخاريّ في «ذكر بني إسرائيل والطّبّ وترك الحيل»، ومسلم في «الطّبّ» وكذا النّسائي كلّهم؛
(عن أسامة بن زيد) الحبّ بن الحبّ (رضي الله تعالى عنهما قال)؛ وقد سأله سعد بن أبي وقّاص: ما سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ قال أسامة:
(قال رسول الله ﷺ: «الطّاعون) بوزن فاعول؛ من الطّعن، عدلوا به عن أصله، ووضعوه دالّا على الموت العامّ كالوباء. ويقال: طعن؛ فهو مطعون وطعين؛ إذا أصابه الطّاعون، وإذا أصابه الطّعن بالرّمح.
والطّاعون: ورم رديء قتّال، يخرج معه تلهّب شديد مؤلم جدّا يتجاوز المقدار
[ ٤ / ١٦٧ ]
رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم،
في ذلك، ويصير ما حوله- في الأكثر- أسود، أو أخضر، أو أكمد، ويؤول أمره إلى التّقرّح سريعا.
وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، وخلف الأذن والأربيّة «١»، وفي اللّحوم الرّخوة.
ويحصل معه خفقان وغثيان وقيء، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وأردؤه: ما حدث في الإبط، وخلف الأذن. والأسود منه قلّ من يسلم منه!! وأسلمه الأحمر، ثمّ الأصفر.
(رجز) - بالزّاي على المعروف. - أي: عذاب.
قال النّووي في «شرح مسلم»: وهذا الوصف بكونه عذابا مختصّ بمن كان قبلنا. وأمّا هذه الأمّة! فهو لها رحمة وشهادة، ففي «الصّحيحين» قوله ﷺ:
«المطعون شهيد»، وفي حديث آخر في غير «الصّحيحين»: «إنّ الطّاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطّاعون؛ فيمكث في بلده صابرا يعلم أنّه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له؛ إلّا كان له مثل أجر شهيد» .
وفي حديث آخر: «الطّاعون شهادة لكلّ مسلم، وإنّما يكون شهادة لمن صبر»؛ كما بيّنه في الحديث المذكور. انتهى كلام «النّوويّ» .
(أرسل على طائفة من بني إسرائيل) لمّا كثر طغيانهم، (وعلى من كان قبلكم) كذا في نسخ المصنّف: بالواو تبعا ل «المواهب» .
قال الزّرقاني: والّذي في «الصّحيحين»: إنما هو ب «أو» قال الحافظ ابن حجر: بالشّكّ من الرّاوي.
_________________
(١) أصل الفخذ، أو ما بين أعلاه وأسفل البطن «قاموس» .
[ ٤ / ١٦٨ ]
وفي رواية ابن خزيمة بالجزم؛ بلفظ: «رجز سلّط على طائفة من بني إسرائيل» . والتّنصيص عليهم أخصّ، فإن كان ذلك المراد؛ فكأنّه أشار بذلك إلى ما جاء في قصّة «بلعام»، فأخرج الطّبريّ من طريق سليمان التّيمي- أحد صغار التّابعين- عن سيّار: أن رجلا كان يقال له «بلعام» كان مجاب الدّعوة، وإنّ موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها «بلعام» !!، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم!! فقال: أؤآمر ربّي! فمنع، فأتوه بهديّة؛ فقبلها!! وسألوه ثانيا. فقال:
حتّى أؤآمر ربّي؟ فلم يرجع إليه بشيء!؟ فقالوا: لو كره لنهاك فدعا عليهم؛ فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك؟ فقال: سأدلّكم على ما فيه هلاكهم: أرسلوا النّساء في عسكرهم، ومروهنّ لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا؛ فيهلكوا؟ فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط، وأخبرها بمكانه؛ فمكّنته من نفسها!! فوقع في بني إسرائيل الطّاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم، وجاء رجل من بني هارون ومعه الرّمح فطعنها، وأيّده الله فانتظمها جميعا» .
وهذا مرسل جيّد، وسيار شاميّ موثّق.
وذكر الطّبريّ- أيضا- هذه القصّة؛ عن محمّد بن إسحاق؛ عن سالم أبي النّضر بنحوه، وسمّى المرأة «كشتاء» - بفتح الكاف؛ وسكون المعجمة؛ وفوقية- والرجل «زمري» - بكسر الزّاي، وسكون الميم، وكسر الرّاء- رأس سبط شمعون. والّذي طعنهما «فنحاص» - بكسر الفاء، وسكون النون؛ ثمّ مهملة؛ فألف؛ فمهملة- ابن هارون. وقال في آخره: فحسب من هلك من الطّاعون سبعون ألفا!! والمقلّل يقول: عشرون ألفا! وهذه الطّريق تعضد الأولى.
وذكر ابن إسحاق في «المبتدأ»: أنّ بني إسرائيل لما كثر عصيانهم؛ أوحى الله إلى داود فخيّرهم بين ثلاث: إمّا أن أبتليهم بالقحط سنتين؟، أو العدوّ شهرين؟
أو الطّاعون ثلاثة أيّام؟؟ فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا. فاختار الطّاعون، فمات
[ ٤ / ١٦٩ ]
فإذا سمعتم به بأرض.. فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها.. فلا تخرجوا منها فرارا منه» .
منهم- إلى أن زالت الشّمس- سبعون ألفا؟! وقيل: مائة ألف. فتضرّع داود إلى الله؛ فرفعه.
وورد وقوع الطّاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أنّه المراد بقوله «أو من كان قبلكم» .
من ذلك ما أخرجه الطّبريّ وابن أبي حاتم؛ عن سعيد بن جبير، قال: أمر موسى بني إسرائيل: أن يذبح كلّ رجل منهم كبشا، ثمّ يخضب كفّه في دمه، ثم يضرب به على بابه!! ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك؟ فقالوا: إنّ الله يبعث عليكم عذابا، وإنّنا ننجو منه لهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفا!! فقال فرعون- عند ذلك- لموسى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ.. الآية [١٣٤/ الأعراف] . فدعا؛ فكشفه عنهم. وهذا مرسل جيّد الإسناد.
وأخرج عبد الرزّاق في «تفسيره»، وابن جرير عن الحسن؛ في قوله تعالى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [٢٤٣/ البقرة] قال: فرّوا من الطّاعون، فقال لهم الله: موتوا، ثمّ أحياهم؛ ليكملوا بقيّة آجالهم.
فأقدم من وقفنا عليه- في المنقول- ممّن وقع الطّاعون به من بني إسرائيل في قصّة «بلعام»، ومن غيرهم: في قصّة فرعون، وتكرّر بعد ذلك لغيرهم. انتهى.
(فإذا سمعتم به بأرض؛ فلا تدخلوا عليه) لأنّه تهوّر؛ وإقدام على خطر، وإلقاء إلى التّهلكة، كمن أراد دخول دار؛ فرأى فيها حريقا تعذّر طفؤه، فعدل عن دخولها لئلّا يصيبه، وليكون ذلك أسكن للنّفس، وأطيب للعيش، ولئلا يقعوا في اللّوم المنهيّ عنه، بلوم أنفسهم؛ فيما لا لوم فيه، لأن الباقي والنّاهض لا يتجاوز واحد منهم أجله.
(وإذا وقع بأرض؛ وأنتم بها فلا تخرجوا منها، فرارا منه») لأنّه فرار من
[ ٤ / ١٧٠ ]
القدر، فالأوّل تأديب وتعليم، والثّاني تفويض وتسليم.
قال ابن عبد البرّ: النّهي عن الدّخول لدفع ملامة النّفس، وعن الخروج للإيمان بالقدر. انتهى.
والأكثر على أنّ النّهي عن الفرار منه للتّحريم. وقيل: للتّنزيه. ومفهوم الحديث جوازه لشغل عرض غير الفرار، وحكي عليه الاتفاق.
قال الحافظ ابن حجر: ولا شكّ أنّ الصّور ثلاث:
١- من خرج لقصد الفرار محضا، فهذا يتناوله النّهي؛- لا محالة-.
و٢- من خرج لحاجة متمحّضة، لا لقصد الفرار أصلا، ويتصوّر ذلك فيمن تهيّأ للرّحيل من بلد إلى بلد كان بها إقامته- مثلا- ولم يكن الطّاعون وقع؛ فاتّفق وقوعه أثناء تجهّزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي.
الثّالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها، وانضمّ إلى ذلك أنه قصد الرّاحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطّاعون؟ فهذا محلّ النّزاع، كأن تكون الأرض الّتي وقع بها وخمة والأرض الّتي يتوجّه إليها صحيحة؛ فتوجّه بهذا القصد إليها!!. فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة. ومن أجاز نظر إلى أنه لم يتمحّض القصد للفرار، وإنّما هو لقصد التّداوي. انتهى.
وقد ذكر العلماء في النّهي عن الخروج حكما:
منها أنّ الطّاعون يكون في الغالب عامّا في البلد- الّذي يقع فيه، فإذا وقع؟
فالظّاهر مداخلة سببه لمن هو بها؛ فلا يفيده الفرار، لأنّ المفسدة إذا تعيّنت حتّى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا؛ فلا يليق بالعاقل.
ومنها أنّ النّاس لو تواردوا على الخروج؛ لصار من عجز عنه بالمرض المذكور، أو بغيره، أو الكبر ضائع المصلحة، لفقد من يتعهّده حيّا وميتا وأيضا لو شرع الخروج فخرج، الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضّعفاء الّذين لا يقدرون على الخروج.
[ ٤ / ١٧١ ]
وروي هذا الحديث
ومنها ما ذكره بعض الأطبّاء: أن المكان الّذي يقع به الوباء؛ تتكيّف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة؛ فتألفها، ويصير لهم كالأهوية الصّحيحة لغيرهم. فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة؛ لم توافقهم! بل ربّما إذا استنشقوا هواءها، استصحب معه إلى القلب؛ من الأبخرة الرّديّة، الّتي حصل تكيّف بدنها بها، فأفسدته!؟ فمنع من الخروج لهذه النّكتة.
ومنها أنّ الخارج يقول: لو أقمت لأصبت بالطّاعون!! والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت! فيقع في «اللّو» المنهيّ عنه، بقوله ﷺ: «إيّاك» و«لو»؛ «فإنّ لو من الشّيطان» . رواه مسلم. انتهى. من «المواهب» وشرحها.
فإن قيل: ظاهر الحديث ليس فيه طبّ من الطّاعون؟ وإنّما فيه نهيه عن الخروج والدّخول؟
والجواب: أنّه نهي شرعيّ، مشتمل على طبّ بدنيّ، لأن النّبي ﷺ جمع للأمّة في نهيه عن الدّخول إلى الأرض، الّتي هجر بها، ونهيه عن الخروج منها، بعد وقوعه جمع لها كمال التّحرّز منه، لأن في الدّخول في الأرض الّتي هو بها تعرّضا للبلاء، وتجنّب الدّخول من باب الحمية الّتي أرشدنا الله إليها، وهي حمية عن الأمكنة، والأهوية المؤذية، كما أنّ نهيه عن الخروج من بلده؛ فيه حمل النّفوس على الثّقة بالله والتّوكّل عليه، والصّبر على أقضيته؛ والرّضا بها.
فظهر المعنى الطّبّي من الحديث النّبويّ، وما فيه من علاج القلب والبدن، وصلاحهما؛ كما ذكره ابن القيّم رحمه الله تعالى.
(و) قد (روي) - ببناء المجهول- (هذا الحديث)؛ أي: حديث الطّاعون، الّذي رواه أسامة المذكور؛ وليس المراد بصيغة التّمريض الإشارة إلى ضعف الحديث؟ بل القصد بها الاختصار بحذف راويه، لأنّ الحديث صحيح؛ رواه البخاريّ في «الطّبّ والحيل»، ومسلم في «الطّبّ»، وأبو داود في «الجنائز» .
[ ٤ / ١٧٢ ]
عن عبد الرّحمن بن عوف أيضا رضي الله تعالى عنه.
(عن عبد الرّحمن بن عوف) الزّهري (أيضا رضي الله تعالى عنه)، ولفظه كما في مسلم؛ عن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- أنّ عمر بن الخطّاب خرج إلى الشّام، حتّى إذا كان ب «سرغ» لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجّراح وأصحابه، فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشّام، قال ابن عبّاس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأوّلين. فدعوتهم؛ فاستشارهم؛ وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشّام! فاختلفوا؛ فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه؟! وقال بعضهم: معك بقيّة النّاس، وأصحاب رسول الله ﷺ؛ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء!! فقال: ارتفعوا عنّي.
ثمّ قال: ادع لي الأنصار. فدعوتهم له، فاستشارهم؛ فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم!! فقال: ارتفعوا عنّي!!
ثمّ قال: ادع لي من كان هنا من مشيخة قريش؛ من مهاجرة الفتح!! فدعوتهم؛ فلم يختلف عليه رجلان!! فقالوا: نرى أن ترجع بالنّاس، ولا تقدمهم على هذا الوباء.
فنادى عمر في النّاس: إنّي مصبح على ظهر؛ فأصبحوا عليه!.
فقال أبو عبيدة بن الجرّاح: أفرارا من قدر الله!؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! - وكان عمر يكره خلافه- نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان: إحداهما خصبة، والآخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟؟! وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟؟!.
قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوف- وكان متغيّبا في بعض حاجته- فقال: إنّ عندي من هذا علما!! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه!!
قال: فحمد الله عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ثمّ انصرف. انتهى.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وفي «سنن أبي داود» مرفوعا: «إنّ من القرف التّلف» .
قال ابن قتيبة: (القرف) مداناة الوباء، ومداناة المرضى.
وفي «صحيح البخاريّ»:
(وفي «سنن أبي داود») السّجستانيّ في كتاب «الطّبّ» (مرفوعا) ولفظه:
حدّثنا مخلد بن خالد، وعبّاس العنبري؛ قالا: حدّثنا عبد الرّزاق؛ قال:
أخبرنا معمر؛ عن يحيى بن عبد الله بن بحير، قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله أرض عندنا يقال لها أرض «أبين» هي أرض ريفنا وميرتنا، وإنها وبيئة، أو قال: وباؤها شديد؟؟ فقال النّبيّ ﷺ: «دعها عنك ف (إنّ من القرف) - بفتحتين-: ملابسة الدّاء، ومداناة المرض»، كما سيأتي تفسيره في المتن عن المصنّف: (التّلف»)؛ أي:
الهلاك، وليس هذا من باب العدوى؟! وإنّما هو: من باب الطّبّ، فإنّ استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحّة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام؛ قاله في «النّهاية» .
(قال) الإمام أبو محمّد عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدّينوري.
ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد، وسكن الكوفة، ثمّ ولي قضاء «الدّينور» مدة فنسب إليها، وتوفّي ببغداد سنة: ستّ وسبعين ومائتين، وهو من المصنّفين المكثرين؛ له كتاب «أدب الكاتب»، و«تأويل مختلف الحديث»، و«مشكل القرآن»، و«المشتبه من الحديث والقرآن» وغيرها رحمه الله تعالى قال:
(القرف) - بفتح القاف والرّاء آخره فاء هو: (مداناة الوباء)؛ أي:
مقاربته، وكلّ شيء قاربته؛ فقد قارفته (ومداناة المرضى) جمع مريض، أي:
القرب منهم، ومخالطتهم؛ وملاصقتهم. والله أعلم.
(وفي «صحيح) الإمام (البخاريّ») رحمه الله تعالى، وكذا رواه الإمام
[ ٤ / ١٧٤ ]
عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: عن النّبيّ ﷺ قال: «الشّفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار.
وأنهى أمّتي عن الكيّ» .
أحمد، وابن ماجه (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ عن النّبيّ ﷺ قال:
«الشّفاء في ثلاث) الحصر المستفاد من تعريف المبتدأ «ادّعائيّ» . بمعنى: أنّ الشّفاء في هذه الثّلاثة بلغ حدّا كأنّه انعدم به من غيرها، ولم يرد الحصر الحقيقيّ!! فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها! وإنّما نبّه بها على أصول العلاج:
(شربة) - بالجرّ؛ بدل من سابقه- (عسل) نحل، لأنّه مسهّل للأخلاط البلغميّة، (وشرطة محجم) يتفرّغ بها الدّم الّذي هو أعظم الأخلاط عند هيجانه؛ لتبريد المزاج، والمحجم- بكسر الميم؛ وسكون المهملة؛ وفتح الجيم-: الآلة التي يجمع فيه دم الحجامة عند المصّ، ويراد به هنا: الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة. يقال: شرطة الحاجم: إذا ضرب موضع الحجامة، لإخراج الدّم وقد تتناول الفصد.
وأيضا: الحجامة في البلاد الحارّة أنفع من الفصد، والفصد في البلاد الّتي ليست بحارّة أنجح من الحجم. انتهى «قسطلّاني» .
(وكيّة نار) تستعمل في الخلط الباغي، الّذي لا تنحسم مادّته إلّا به، فهو خاصّ بالمرض المزمن، لأنّه يكون من مادّة باردة قد تفسد مزاج العضو! فإذا كوي خرجت منه. وآخر الدّواء الكيّ. و«كيّة» مضافة لتاليها.
(وأنهى أمّتي) نهي تنزيه (عن الكيّ») لما فيه من الألم الشّديد، والخطر العظيم.
وكانوا يبادرون إليه قبل حصول الاضطرار إليه؛ يستعجلون بتعذيب الكيّ لأمر مظنون! فنهى ﷺ أمّته عنه لذلك، وأباح استعماله على جهة طلب الشّفاء من الله تعالى.
[ ٤ / ١٧٥ ]
وفي «سنن ابن ماجه»: عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما مررت ليلة أسري بي بملأ..
إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة»
وأخذ من إثباته الشّفاء في الكيّ، وكراهته له؛ أنه لا يترك مطلقا، ولا يستعمل مطلقا، بل عند تعيّنه طريقا إلى الشّفاء، مع مصاحبة اعتقاد أنّ الشّفاء بإذن الله تعالى
وعلى هذا التّفصيل يحمل حديث المغيرة: «من اكتوى واسترقى برىء من التّوكّل» والله أعلم. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(وفي «سنن ابن ماجه) محمد بن يزيد القزويني رحمه الله تعالى قال: حدّثنا جبارة بن المغلّس؛ قال: حدّثنا كثير بن سليم؛ (عن أنس)؛ أي: ابن مالك لأنّه المراد عند إطلاق لفظ «أنس»، فإذا أريد غيره قيّد (رضي الله تعالى عنه)، وهو حديث منكر، لأنّ فيه كثير بن سليم الضّبيّ ضعّفوه- كما في «الميزان» وعدّوا من مناكيره هذا-؛ قاله المناوي.
ورواه التّرمذيّ؛ عن ابن مسعود بمخالفة يسيرة، وفي سنده راو مضعّف، وقال التّرمذيّ: حسن غريب، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(قال)؛ أي: أنس: (قال رسول الله ﷺ: «ما مررت ليلة أسري بي) إلى السّماء (بملأ)؛ أي: جماعة (إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة)؛ لأنهم من بين الأمم كلّهم أهل يقين، فإذا اشتعل نور اليقين في القلب ومعه حرارة الدّم؛ أضرّ بالقلب وبالطّبع.
وقال التّوربشّتي: وجه مبالغة الملائكة في الحجامة سوى ما عرف منها من المنفعة العائدة على الأبدان: أنّ الدّم مركّب من القوى النّفسانيّة الحائلة بين العبد؛ وبين التّرقّي إلى الملكوت الأعلى، والوصول إلى الكشوف الرّوحانية وغلبته تزيد جماح النّفس وصلابتها، فإذا نزف الدّم أورثها ذلك خضوعا وجمودا ولينا ورقّة، وبذلك تنقطع الأدخنة المنبعثة عن النّفس الأمّارة، وتنحسم مادّتها؛ فتزداد البصيرة نورا إلى نورها. انتهى «مناوي» .
[ ٤ / ١٧٦ ]
ورواه التّرمذيّ: عن ابن عبّاس بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد» .
وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «خير ما تداويتم به.. الحجامة والفصد» .
وفي حديث: «خير الدّواء.. الحجامة والفصد» .
(ورواه) الإمام أحمد، و(التّرمذيّ) مطوّلا، وابن ماجه، والحاكم؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده عبّاد بن منصور النّاجي: ضعّفه أبو حاتم، وليّنه أبو زرعة، وفي «التقريب»: إنّه صدوق رمي بالقدر، وكان يدلّس، وتغيّر بأخرة. وفي «الخلاصة»: قال القطّان: ثقة؛ لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. يعني: القدر. انتهى. ولذلك قال التّرمذيّ فيه: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبّاد بن منصور. وقال الحاكم: صحيح.
وأقرّه الذّهبيّ.
(بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد»)؛ أي: الزمها ومر أمّتك بها. كما تقدّم-.
وذلك دلالة على عظيم فضلها، وبركة نفعها، وإعانتها على التّرقّي في الملكوت الأعلى- كما تقدم آنفا-.
(وقد روي) بسند ضعيف، وفي «العزيزي»: أنّه حديث حسن لغيره، رواه أبو نعيم في «الطّبّ النّبويّ»؛ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (عن النّبيّ ﷺ أنّه قال:
«خير ما)؛ أي: دواء (تداويتم به: الحجامة) سيّما في البلاد الحارّة، (والفصد) والحجامة أنفع لأهل البلاد الحارّة، والفصد لغيرهم أنفع.
(وفي حديث) آخر رواه أبو نعيم أيضا بسند ضعيف في كتاب «الطّبّ النّبويّ»؛ عن عليّ رضي الله تعالى عنه بلفظ:
(«خير الدّواء الحجامة والفصد») لمن لاق به ذلك وناسب حاله مرضا؛ وسنا؛ وقطرا؛ وزمنا، وغير ذلك.
[ ٤ / ١٧٧ ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه»: عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما يرفعه: «إنّ خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فأصابه بياض، أو برص.. فلا يلومنّ إلّا نفسه» .
(وروى) الإمام أحمد، و(التّرمذيّ في «جامعه») كتاب «الطّبّ»، والحاكم في «المستدرك» كلّهم؛ من طريق عبّاد بن منصور المذكور قريبا.
وما قيل فيه سابقا يقال هنا، لأنّه حديث واحد، ذكر هنا قطعة منه حيث قال:
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما يرفعه) إلى النّبيّ ﷺ قال: («إنّ خير ما تحتجمون فيه: يوم سابع عشرة) من الشّهر، (أو تاسع عشرة) منه، (ويوم إحدى وعشرين) منه لا سيّما إذا وافق يوم الإثنين!! فإنّه أجود أيّام الحجامة.
و«عشرين» في هذه الرّواية- بالنّصب- والجيّد أن يكون مرفوعا، لأنّه خبر، فيتكلّف له تقدير ناصب، مثل: وترى الأخيرية إحدى وعشرين؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير» .
(و) روى الخلّال؛ عن أبي سلمة، وأبي سعيد المقبري؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا) إلى النّبيّ ﷺ قال:
(«من احتجم يوم الأربعاء؛ أو يوم السّبت، فأصابه بياض؛ أو برص، فلا يلومنّ إلّا نفسه») فإنّه الّذي عرّض جسده لذلك، وتسبّب فيه.
روى الدّيلمي؛ عن أبي جعفر النّيسابوري؛ قال: قلت يوما «هذا الحديث غير صحيح»، فافتصدت يوم الأربعاء؛ فأصابني برص!! فرأيت رسول الله ﷺ في النّوم فشكوت إليه؟! فقال: «إيّاك والاستهانة بحديثي» .. فذكره.
[ ٤ / ١٧٨ ]
وروى الدّارقطنيّ
وقد كره الإمام أحمد الحجامة يوم السّبت والأربعاء لهذا الحديث.
والظّاهر أنّ الفصد مثل الحجامة في اجتنابه في الأيّام المنهيّ عنها. والله أعلم.
ورواه أيضا الحاكم، والبيهقي في «سننه»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فرأى في جسده وضحا «١» !؟ فلا يلومنّ إلا نفسه» . قال الحاكم: صحيح، وردّه الذّهبيّ؛ بأنّ فيه سليمان بن أرقم؛ متروك!! وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات»؛ قاله المناوي.
(وروى) الإمام الحافظ؛ وحيد دهره؛ وفريد عصره: عليّ بن عمر بن مهدي: أبو الحسن (الدّارقطنيّ) - بفتح الدّال المهملة، وبعد الألف راء مفتوحة، ثمّ قاف مضمومة، وبعدها طاء مهملة ساكنة، ثمّ نون مكسورة آخره ياء، نسبة إلى «دار القطن» محلّة كبيرة ببغداد-. الشّافعيّ.
ولد سنة: ست وثلثمائة ب «دار القطن»، وكان عالما؛ حافظا؛ فقيها على مذهب الإمام الشّافعي، أخذ الفقه عن أبي سعيد الاصطخريّ، وانفرد بالإمامة في علم الحديث في عصره؛ فلم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدّر في آخر أيّامه للإقراء ببغداد، وكان عارفا باختلاف الفقهاء، وأخذ عنه الحافظ أبو نعيم صاحب «الحلية» وجماعة.
وكانت وفاته سنة: خمس وثمانين وثلثمائة؛ وقد قارب الثّمانين.
وكان متفنّنا في علوم كثيرة؛ وإماما في علوم القرآن، تصدّر في آخر أيّامه للإقراء ببغداد.
وله من المصنّفات: كتاب «السنن»، وكتاب «العلل» الواردة في الأحاديث
_________________
(١) الوضح- بفتحتين-: الضوء والبياض؛ وقد يكنّى به عن البرص ا. هـ «مختار» . (عبد الجليل) .
[ ٤ / ١٧٩ ]
من حديث نافع قال: لي عبد الله بن عمر: تبيّغ بي الدّم، فأبغني حجّاما، ولا يكن صبيّا، ولا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة.. تزيد الحافظ حفظا، والعاقل عقلا،
النّبويّة: ثلاث مجلّدات، و«المجتبى من السّنن المأثورة» و«المؤتلف والمختلف في الحديث»، وكتاب «الضّعفاء» .
وتوفي ببغداد، وصلى عليه الشّيخ أبو حامد الإسفرائينيّ الفقيه المشهور رحمهم الله تعالى. آمين.
روى هذا الحديث في كتاب «الأفراد»؛ (من حديث) أبي عبد الله (نافع) بن هرمز- ويقال ابن كاوس- سبي وهو صغير فاشتراه عبد الله بن عمر.
وهو تابعيّ جليل سمع سيّده ابن عمر؛ وأبا هريرة؛ وأبا سعيد الخدري؛ وعائشة؛ وغيرهم من الصّحابة والتّابعين.
روى عنه أبو إسحاق السّبيعيّ والزّهريّ، وصالح بن كيسان؛ وغيرهم من التابعين ومن تابع التابعين، سمع منه مالك؛ وابن جريج؛ والأوزاعيّ؛ واللّيث، وخلائق لا يحصون.
وأجمعوا على توثيقه وجلالته. وكان ثقة كثير الحديث.
مات بالمدينة المنورة سنة: سبع عشرة ومائة رحمه الله تعالى.
(قال)؛ أي: نافع: (قال لي عبد الله بن عمر) بن الخطّاب «مولاه»:
(تبيّغ) - بمثنّاة فوقيّة فموحّدة؛ مفتوحتين، فمثنّاة تحتيّة مشدّدة مفتوحة، فغين معجمة آخره؛ من باب التّفعّل- أي: هاج (بي الدّم) وغلب، وذلك حين تظهر حمرته في البدن.
(فأبغني) يقال: أبغني كذا- بهمزة القطع-؛ أي: أعنّي على الطّلب، وبهمزة الوصل-: أي: اطلب لي (حجّاما، ولا يكن صبيّا، ولا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة تزيد الحافظ حفظا، والعاقل عقلا،
[ ٤ / ١٨٠ ]
فاحتجموا على اسم الله، ولا تحتجموا يوم الخميس، والجمعة، والسّبت، والأحد. واحتجموا يوم الإثنين، وما كان من جذام ولا برص إلّا نزل يوم الأربعاء» .
وقد روى أبو داود في «سننه»: من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنّه كان يكره الحجامة يوم الثّلاثاء. وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «يوم الثّلاثاء.. يوم الدّم، فاحتجموا) معتمدين (على اسم الله، ولا تحتجموا يوم الخميس، والجمعة؛ والسّبت؛ والأحد؛ واحتجموا يوم الإثنين، وما كان من جذام، ولا برص إلّا نزل يوم الأربعاء») .
قال الدّارقطني: تفرّد بهذا الحديث زياد بن يحيى، وقد رواه أيّوب عن نافع، وقال فيه: «واحتجموا يوم الاثنين والثّلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء» . ذكره ابن القيّم قال:
(وقد روى أبو داود في «سننه»)؛ كتاب «الطّبّ» بسند فيه بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، قال ابن معين: ليس بشيء، وابن عدي: هو من جملة الضّعفاء الذين يكتب حديثهم. وقال الذّهبيّ: إسناده ليّن، وأمّا زعم ابن الجوزيّ وضعه؟ فلم يوافقوه عليه. انتهى «مناوي» .
(من حديث أبي بكرة) - بفتح الموحّدة-: واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة (رضي الله تعالى عنه: أنّه)؛ أي: أبا بكرة (كان يكره الحجامة يوم الثّلاثاء) لفظ أبي داود: كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثّلاثاء- (وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «يوم الثّلاثاء) - بالمدّ- (يوم الدّم) برفع «يوم» وإضافته إلى الدّم، أي: يوم غلبة الدّم وهيجانه، أي: يفور فيه الدّم، فيحذر من إخراجه فيه بفصد أو غيره؛ لئلّا يصادف وقت فوران الدّم، فلا ينقطع فيموت.
ويحتمل أن يكون المراد «يوم الدّم»: أي: أوّل يوم أريق فيه الدّم بغير حقّ،
[ ٤ / ١٨١ ]
وفيه ساعة لا يرقأ» .
فإنّه اليوم الذّي قتل فيه قابيل أخاه هابيل.
(وفيه)؛ أي: يوم الثلاثاء (ساعة)؛ أي: لحظة (لا يرقأ) - بهمز آخره- أي: لا ينقطع فيها دم من احتجم أو افتصد، وربما هلك الإنسان فيها بسبب عدم انقطاع الدّم. قال ابن جرير: قال زهير: مات عندنا ثلاثة ممّن احتجم.
وأخفيت هذه السّاعة!! لتترك الحجامة فيه كلّه؛ خوفا من مصادفتها، كما أخفيت ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر.
وأخرج الدّيلمي؛ عن أنس مرفوعا: «الحجامة على الرّيق دواء، وعلى الشّبع داء، وفي سبعة عشر من الشّهر شفاء، ويوم الثّلاثاء صحّة للبدن» .
وأخرج ابن سعد، والبيهقيّ- وضعّفه- عن معقل بن يسار؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الحجامة يوم الثّلاثاء لسبع عشرة مضت من الشّهر دواء لداء سنة» .
ويجمع بين هذا الاختلاف بحمل طلب الحجامة في الثّلاثاء؛ على ما إذا كان موافقا السّابع عشر من الشّهر. وبحمل التّحذير منها فيه؛ على ما إذا لم يوافق السّابع عشر من الشّهر. والله أعلم.
روى أبو يعلى؛ من حديث الحسين بن علي مرفوعا: «في الجمعة ساعة لا يوافقها رجل يحتجم فيها إلّا مات» .
قال المناوي: يحتمل أنّ المراد به يوم الجمعة، فيكون كيوم الثّلاثاء في ذلك، ويحتمل أنّ المراد الجمعة كلّها يعني: الأسبوع. وأنّ الحديث المشروح عيّن تلك السّاعة، في يوم الثّلاثاء، والأوّل أقرب، ولم أر من تعرّض له. انتهى.
وفي «فتاوي ابن حجر الفقهيّة» قبيل باب «المسابقة والمناضلة» ما نصّه:
وسئل رحمه الله تعالى: هل ورد النّهي عن الحجامة في بعض الأيّام؛ والأمر بها في البعض؟ فأجاب بقوله: نعم، ورد- بل صحّ- النّهي عنها يوم الجمعة؛
[ ٤ / ١٨٢ ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه» وابن ماجه في «سننه»: عن أسماء بنت عميس
والسّبت؛ والأحد؛ والأربعاء،!! وفي روايات أخر: «إنّ يوم الثّلاثاء يوم الدّم، وإنّ فيه ساعة لا ينقطع فيها الدّم، وإنّه يخشى منها يوم الأربعاء والسّبت البرص، وأنّ في يوم الجمعة ساعة لا يحتجم فيها أحد إلّا مات» . وصح الأمر بها يوم الخميس والإثنين. والله سبحانه أعلم. انتهى.
قال الباجوري؛ على «الشّمائل التّرمذيّة»: وأفضل الأيّام لها: يوم الإثنين، وأفضل السّاعات لها: السّاعة الثانية والثالثة من النّهار. وينبغي ألاتقع عقب استفراغ؛ أو حمّام؛ أو جماع، ولا عقب شبع؛ ولا جوع، ومحلّ اختيار الأوقات المتقدّمة عند عدم هيجان الدّم. وإلّا وجب استعمالها وقت الحاجة إليها.
انتهى.
(وروى التّرمذيّ في «جامعه») وقال: غريب، (وابن ماجه في «سننه»)، والإمام أحمد، والحاكم. وقال الذّهبي: صحيح. كلّهم في «الطّبّ»؛
(عن أسماء بنت عميس) - بعين مهملة مضمومة، ثمّ ميم مفتوحة مخفّفة، ثمّ ياء مثنّاة من تحت ساكنة، ثمّ سين مهملة آخره مصغرا الخثعميّة-.
كانت تحت جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثمّ قتل عنها يوم مؤتة، وولدت له عبد الله؛ ومحمّدا؛ وعونا.
ثم تزوّجها أبو بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه فمات عنها، وولدت له محمّد ابن أبي بكر. ثمّ تزوجها عليّ ﵁ وولدت له يحيى.
روى عنها من الصّحابة: عمر بن الخطّاب، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن عبّاس، وابنها عبد الله بن جعفر. ومن غير الصّحابة: عروة بن الزّبير؛ وعبد الله بن شدّاد.
وأسماء المذكورة أخت ميمونة بنت الحارث «زوج النبي ﷺ»، وأخت
[ ٤ / ١٨٣ ]
رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ:
«بماذا كنت تستمشين؟»، قالت: بالشّبرم، قال: «حارّ..
حارّ»، ثمّ قالت: استمشيت بالسّنى
أمّ الفضل امرأة العبّاس وأخت أخواتها لأمّهنّ، وكنّ عشر أخوات لأمّ، وقيل:
تسع.
وكانت أسماء المذكورة أكرم النّاس أصهارا، فمن أصهارها: رسول الله ﷺ وحمزة، والعبّاس وغيرهم.
أسلمت أسماء قديما، قال ابن سعد: أسلمت قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة، وبايعت رسول الله ﷺ، وكانت وفاتها بعد عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنها) وعنهم أجمعين.
(قالت)؛ أي: أسماء (: قال) لي (رسول الله ﷺ: «بماذا)؛ أي: بأيّ دواء (كنت تستمشين؟!») - أي: تطلبين مشي بطنك- أي: إخراج ما فيه.
(قالت: بالشّبرم) - بضمّ الشّين المعجمة والرّاء بينهما موحّدة ساكنة وآخره ميم، وقد يفتح أوّله- (قال: «حارّ حارّ»)؛ أي: شديد الحرارة، فالثّاني تأكيد لفظي، ويحتمل أن الثّاني بجيم، وشدّ الرّاء إتباع ل «حارّ» بمهملتين؛ كما في «النّهاية»، يقال: حار جار، ويقال: حار يار- بمثنّاة تحتيّة- على الإتباع أيضا.
(ثمّ قالت)؛ أي: أسماء (: استمشيت بالسّنى) - بفتح السّين والنّون، والقصر وقد يمدّ-: نبت معروف أجوده ما يكون بمكّة.
وشرب مائه مطبوخا أصلح من شرب «١» مدقوقا، ومقدار الشّربة منه إلى ثلاثة دراهم، ومن مائه إلى خمسة دراهم. وله منافع كثيرة؛
منها أنه إذا طبخ في زيت، وشرب نفع من أوجاع الظّهر والوركين.
_________________
(١) لعلها: شربه.
[ ٤ / ١٨٤ ]
فقال: «لو كان شيء يشفي من الموت.. كان السّنى» .
و(الشّبرم): قشر عرق شجرة.
(فقال)؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «لو كان شيء يشفي من الموت؛ كان السّنى») مبالغة في كثرة منافعه.
وذكر المحاسبيّ في كتابه المسمّى ب «المقصد والرّجوع إلى الله»: أنّ النّبي ﷺ شرب السّنا بالتّمر، أي: وضعهما في الماء، وشربه، أي: ليبس الطّبيعة، وبوضعهما في الماء، يندفع اجتماع حارّين، المنهيّ عنه عند الأطبّاء لضرره؛ ذكره الزرقاني مع «المواهب» .
وذكر في «المواهب» أيضا: أن الحميديّ ذكر في كتاب «الطّبّ النّبويّ» له:
أنه ﷺ قال: «إيّاكم والشّبرم!! فإنّه حارّ حارّ، وعليكم بالسّنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شيء، لدفعه السّنى» !! انتهى.
قال العلماء: (والشّبرم) - بالشّين المعجمة المضمومة، والموحّدة السّاكنة، والرّاء المهملة المضمومة، وآخره ميم؛ كقنفذ- هو: (قشر عرق شجرة) . وفي «النّهاية»: حبّ يشبه الحمّص؛ يطبخ ويشرب ماؤه للتّداوي. وقال أبو حنيفة:
الشّبرم شجرة حارّة تسمو على ساق؛ كقعدة الصّبيّ أو أعظم، لها ورق طوال رقاق، وهي شديدة الخضرة، وزعم بعض الأعراب: أن لها حبّا صغارا كجماجم الحمر!!
وقيل: الشّبرم: نبات آخر سهليّ، له ورق طوال كورق الحرمل، وله حبّ كالعدس، أو شبه الحمّص، وله أصل غليظ ملآن لبنا، والكلّ مسهل. واستعمال لبنه خطر جدّا، وإنّما يستعمل أصله مصلحا؛ بأن ينقع في الحليب يوما وليلة، ويجدّد اللّبن ثلاث مرات، ثمّ يجفّف وينقع في عصير الهندباء والرازيانج، ويترك ثلاثة أيام، ثمّ يجفّف، وتعمل منه أقراص مع شيء من التّربد؛ والهليلج؛ والصّبر، فإنّه دواء فائق. انتهى. «شرح القاموس» «١» .
_________________
(١) بل هو بتمامه في «القاموس» . (عبد الجليل) .
[ ٤ / ١٨٥ ]
وفي «سنن ابن ماجه»: عن عبد الله بن أمّ حرام [رضي الله تعالى عنه]- وكان ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«عليكم بالسّنى والسّنّوت، فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ»، قيل: يا رسول الله؛ وما السّامّ؟ قال: «الموت» .
قال في «المواهب»: وهو من الأدوية الّتي منع الأطبّاء من استعمالها، لخطرها وفرط إسهالها، وإنّما أجازوه بالتّدبير الّذي رأيت عن «القاموس» .
(وفي «سنن ابن ماجه) و«مستدرك الحاكم» كلاهما في «الطّبّ»؛ من حديث عمرو بن بكر السّكسكي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي عبلة.
(عن عبد الله بن أمّ حرام) وهو عبد الله بن عمرو، وقيل: بن كعب الأنصاريّ. نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصّحابة بها، وزعم ابن حبّان: أن اسمه سمعون، له هذا الحديث، قال الحاكم: إنّه حديث صحيح، وردّه الذّهبيّ بأنّ عمرو بن بكر السّكسكي المذكور اتّهمه ابن حبّان! وقال ابن عديّ: له مناكير! انتهى.
(وكان)؛ أي: عبد الله ابن أمّ حرام (ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين)؛ أي: إليها، أي: الكعبة، وبيت المقدس (قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليكم بالسّنى) قال ابن الأثير: يروى بضمّ السّين؛ والفتح أفصح، أي: وبالقصر: نبت معروف.
(والسّنّوت) - بوزن التّنّور والسّنّور، وسيأتي معناه- (فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ) - بمهملة من غير همز-.
(قيل يا رسول الله: وما السّامّ؟ قال: «الموت») فيه أنّ الموت داء من جملة الأدواء، قال الشّاعر:
كذاك الموت ليس له دواء
[ ٤ / ١٨٦ ]
و(السّنى): نبت حجازيّ، أفضله المكّيّ. واختلف في معنى (السّنّوت) على أقوال، وأقربها إلى الصّواب: أنّه
(والسّنا) - بفتح السّين والقصر، وبعضهم يرويه بالمدّ-: (نبت) ذو ورق رقيق، واحدته سناة، ومنه (حجازيّ)؛ أي: نبت في الحجاز. ومنه ما يأتي من نواحي صعيد مصر، و(أفضله المكّيّ)؛ أي: الّذي يأتي من مكّة.
وهو دواء شريف، مأمون الغائلة، قريب الاعتدال، يسهّل الصّفراء؛ والسّوداء؛ والبلغم؛ والدّم؛ كيف استعمل فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطّبع، وبعضها بالخاصّيّة على زعم الأطبّاء، وما طبخ منه أجود ممّا لم يطبخ، فيشرب من مائة خمسة دراهم إلى سبعة دراهم، ولا يزاد عليها!.
قال في «الهدي»: شرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا، ومقدار الشّرب منه إلى ثلاثة دراهم، ومن مائه إلى خمسة دراهم، وإذا أغلي بالزّيت نفع لوجع الظهر والوركين، وينفع للحكّة والجرب.
(واختلف في معنى السّنّوت) - بالفتح؛ كتنّور على المشهور، ويروى بضمّ السّين، فلا عبرة بمن أنكره، وفيه لغة على مثال سنّور وأفصحها الفتح- (على أقوال) . فقيل: هو الزّبد «١»، وقيل: هو الجبن المعروفان وقيل: هو الرّب «٢» بضمّ الرّاء- أي: ربّ عكّة السّمن يخرج خطوطا سودا على السّمن، فتلك الخطوط هي السّنّوت. وقيل: حبّ يشبه الكمّون؛ وليس به. وقيل: هو الكمّون الكرماني. وقيل إنّه الرّازيانج، وهو الشّمار بلغة اليمن، أو الشّمر بلغة مصر، وقيل: ضرب من التّمر.
(وأقربها إلى الصّواب) في تفسير قوله «عليكم بالسّنى والسّنّوت» (أنّه)؛
_________________
(١) الزّبد: ما يستخرج في اللبن بالمخض. القطعة منه: زبدة. (عبد الجليل) .
(٢) الرّبّ: هو الطلاء الخاثر. وزنجبيل. اهـ مختار. الرّبّ: عصارة التمر المطبوخة وما يطبخ في التمر والعنب. (عبد الجليل) .
[ ٤ / ١٨٧ ]
العسل الّذي يكون في زقاق السّمن.
وروى التّرمذيّ: عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ والزّيت» .
أي: السّنّوت: (العسل) النّحل (الّذي يكون في زقاق السّمن) - بكسر الزّاي-، أي: السّقاء الّذي يجعل فيه، أي: يخلط السّنى حال كونه مدقوقا بالعسل المخالط للسّمن، ثمّ يلعق؛ فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما في العسل والسّمن من إصلاح السّنى، وإعانته على الإسهال، لأنّ رطوبتهما تقاوم اليبس الّذي في السّنى؛ فتصلحه.
(وروى) الإمام أحمد، و(التّرمذيّ)، وابن ماجه، والحاكم- وصحّحه- كلّهم؛ (عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب) المراد بها هنا: رياح غليظة تحتقن تحت الجلد الّتي في الصدر والأضلاع؛ فتحدث وجعا. وليس المراد ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء!! لأنّه من الأمراض المخوفة- كما سيأتي-.
(بالقسط) - بضمّ القاف- وفي لغة: بالكاف بدل القاف (البحريّ) قال المازري: القسط صنفان: بحريّ وهنديّ، والبحريّ هو القسط الأبيض، ويؤتى به من بلاد المغرب، وهو أفضل من الهنديّ. وأقلّ حرارة منه.
وقيل: هما حارّان يابسان، والهنديّ أشدّ حرّا.
وتعقّبه القرطبيّ: بأنّ البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف يؤتى به من بلاد المغرب. والفرض أنّه هندي؟! إلا أن يعني بالمغرب: المغرب من بلاد الهند. انتهى.
وبذلك يعلم أنّ المراد بالبحري أحد نوعي الهنديّ، وهو الأبيض البحريّ.
لكن في «شرح القسطلّاني»: أنّ البحريّ يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب.
(والزّيت) المسخّن بأن يدقّا ناعما ويخلط به، ويدلك به محلّه، أو يلعق،
[ ٤ / ١٨٨ ]
و(ذات الجنب): ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن للأضلاع، وألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب.
فإنّه نافع له، محلّل لمادّته، مقوّ للأعضاء الباطنة؛ يفتح للسّدد، وغير ذلك.
قال بعض العلماء: على المريض والطّبيب أن يعمل على أنّ الله أنزل الدّاء والدّواء، وأنّ المرض ليس بالتخليط؛ وإن كان معه، وأنّ الشّفاء ليس بالدّواء؛ وإن كان عنده، وإنّما المرض بتأديب الله، والبرء برحمته، حتى لا يكون كافرا بالله؛ مؤمنا بالدّواء، كالمنجّم إذا قال: «مطرنا بنوء كذا»، ومن شهد الحكمة في الأشياء، ولم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها؛ قاله الزّرقاني.
(وذات الجنب: ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن)؛ أيّ: الدّاخل (للأضلاع)؛ أي: فيها بحيث جعل كالبطانة، وهذا هو ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء.
ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمّى؛ والسّعال؛ والنّخس؛ وضيق النّفس؛ والنّبض المنشاري، أي: أنّ العروق تحرّك تحركا شديدا لأعلى ولأسفل، حركة تشبه حركة المنشار؛ وهو من الأمراض المخوفة. وهو من سيّء الأسقام، ولذا قال ﷺ- لمّا لدّوه في مرضه؛ ظنّا منهم أنّ به ذات الجنب-:
«ما كان الله ليسلّطها عليّ» . أي: ما كان الله مريدا لأن يسلّطها عليّ رحمة بي، ورأفة عليّ.
(و) قد تطلق «ذات الجنب» على ما ذكره بقوله: (ألم يشبهه)؛ أي: يشبه الورم الحارّ، الّذي هو ذات الجنب الحقيقيّ (يعرض) ذلك الألم (في نواحي الجنب) من رياح غليظة؛ مؤذية، تحتقن بين الصّفاقات «١» والعضل «٢» الّتي في
_________________
(١) الصفاقات- بكسر الصاد وتخفيف الفاء-: الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر. انتهى «زرقاني» . (هامش الأصل) .
(٢) العضل؛ جمع عضلة- بفتح المهملة والمعجمة-: كل عصبة معها لحم غليظ. انتهى «زرقاني» . (هامش الأصل) .
[ ٤ / ١٨٩ ]
و(القسط البحريّ) هو: العود الهنديّ.
وفي «الصّحيحين»: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة، والقسط البحريّ،
الصّدر والأضلاع، يداوي به الرّيح الغليظة.
وقد تطلق «ذات الجنب» على وجع الخاصرة (والقسط) - بضمّ القاف- (البحريّ هو: العود الهنديّ) الّذي يتبخّر به.
وقال اللّيث: عود يجاء به من الهند؛ يجعل في البخور والدّواء.
وقال بعضهم: العود خشب يأتي من قمار من الهند، ومن مواضع أخر، وأجوده القماريّ الرّزين؛ الأسود اللّون؛ الذّكي الرّائحة، الذّائب إذا ألقي على النّار، الرّاسب في الماء، ومزاجه حارّ يابس. انتهى «شرح القاموس» .
(وفي «الصّحيحين») - كذا في النّسخ الّتي بأيدينا؛ وهو كذلك في «زاد المعاد»، ولم أجده في «مسلم» بهذا اللّفظ!! وأمّا البخاري فلفظه: «إنّ أمثل ما تداويتم به: الحجامة والقسط البحريّ، ولا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط» . والحديث باللّفظ الّذي أورده المصنّف مذكور في «الجامع الصّغير» قال العزيزي: حديث صحيح، ورمز له في «الجامع الصّغير» برمز الإمام أحمد والنّسائي؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(«إنّ النّبيّ ﷺ قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة) لا سيّما في البلاد الحارّة، (والقسط) - بضمّ القاف- (البحريّ) وهو الأبيض.
قال العلقمي: القسط ضربان: أحدهما الأبيض الّذي يقال له البحريّ، والآخر الهنديّ؛ وهو أشدّهما حرّا، والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة جدا، وهما حارّان يابسان ينشّفان البلغم، ويقطعان الزّكام. وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة، ومن بردها، ومن حمّى الرّبع والورد، وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السّموم.
انتهى.
[ ٤ / ١٩٠ ]
ولا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة» .
وفي «السّنن والمسند» عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها- وعندها صبيّ يسيل منخراه دما- فقال: «ما هذا؟»، قالوا: به العذرة، أو: وجع في رأسه،
وقال القرطبّي: البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي- كما تقدّم-.
(ولا تعذّبوا صبيانكم)؛ أي: أطفالكم (بالغمز) - بالغين المعجمة، والزّاي آخره- بأن يدخل أحدكم نحو الإصبع في حلق الطّفل، ويغمز محلّ الوجع؛ فينفجر منه دم أسود (من العذرة) - بضمّ المهملة، وسكون المعجمة-: وجع في الحلق يعتري الأطفال غالبا. وقيل: قرحة تخرج بين الأذن والحلق، سمّيت به!! لأنها تخرج عند طلوع العذراء؛ كوكب تحت الشّعراء، وطلوعها يكون في الحرّ.
والمراد عالجوا العذرة بالقسط، بأن يسحق ويجعل في زيت، ويسخّن يسيرا على النّار، ويسقى الطّفل، ولا تعذّبوهم بالغمز، لأنّ مادّة العذرة دم يغلب عليه بلغم. وفي القسط تخفيف للرّطوبة، فنهاهم ﷺ عن الغمز وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال. وأسهل عليهم.
(وفي «السّنن والمسند») للإمام أحمد؛ (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما (قال:
دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها- وعندها صبيّ) صغير (يسيل منخراه)؛ تثنية منخر، وفيه خمس لغات نظمها بعضهم؛ فقال:
افتح لميم منخر وخائه واكسرهما، وضمّ أيضا معلنا
وزد كمجلس وعصفور وقل خمس ب «قاموس» أتت فأتقنا
(دما، فقال:
«ما هذا؟») الّذي بهذا الصّبيّ. (قالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه.
[ ٤ / ١٩١ ]
فقال: «ويلكنّ؛ لا تقتلن أولادكنّ، أيّما امرأة أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه.. فلتأخذ قسطا هنديّا، فتحكّه بماء، ثمّ تسعطه
فقال: «ويلكنّ) كلمة تقال لمن وقع في هلكة ولا يترحّم عليه، بخلاف «ويح» (لا تقتلن أولادكنّ)؛ أي: لا تفعلن ما يكون سببا لقتلهم.
(أيّما امرأة) - بزيادة «ما»، لإفادة التّعميم- (أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه؛ فلتأخذ قسطا) - بضمّ القاف وبالطّاء، قال «البخاري» وهو الكست.
يعني: بالكاف والفوقية- قال: مثل الكافور والقافور، ومثل كشطت وقشطت، وقرأ عبد الله بن مسعود [قشطت] «١» قال «القرطبي»: وهذا من التّعاقب بين الحرفين. (هنديّا) يجلب من الهند. وهو نوعان: أسود وأبيض، ويقال له:
بحريّ، وهو المراد هنا، لحديث زيد بن أرقم: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ، والزّيت» . هذا مفاد كلام القرطبي.
وقال القسطلّاني في «شرح البخاري»: البحريّ ما يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، وزاد بعضهم ثالثا يسمّى ب «القسط المرّ»، وهو كثير ببلاد الشّام؛ خصوصا السّواحل.
قال في «نزهة الأفكار»: وأجودها البحري، وخياره الأبيض الخفيف الطّيب الرّائحة، وبعده الهندي؛ وهو أسود خفيف، وبعده الثّالث؛ وهو ثقيل، ولونه كالخشب البقس ورائحته ساطعة، وأجود ذلك كلّه: ما كان جديدا ممتلئا غير متاكل يلذع اللّسان. وكلّ دواء مبارك نافع.
(فتحكّه بماء)؛ أي: تحكّه على حجر بالماء، كذا في «المرقاة» . وقال «القرطبي»: أي: يدقّ ناعما.
(ثمّ تسعطه) - بفتح التّاء والعين، وبضمّ العين؛ من سعط: كمنع ونصر،
_________________
(١) من قوله تعالى وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ [١١/ التكوير] . وأما قراءة ابن مسعود ﵁ [قشطت] فهي قراءة شاذّة.
[ ٤ / ١٩٢ ]
إيّاه»، فأمرت عائشة رضي الله تعالى عنها فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ.
و(العذرة): تهيّج في الحلق من الدّم.
وقيل: قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق، وتعرض للصّبيان غالبا.
و(القسط البحريّ): هو العود الهنديّ، وهو الأبيض منه، وفيه منافع عديدة،
وبضمّ التّاء وكسر العين؛ من أسعط (إيّاه»)؛ أي: تصبّه في أنفه.
قال القرطبي: وهل يسعط به مفردا أو مع غيره؟! يسأل عن ذلك أهل المعرفة والتّجربة. ولا بدّ من النفع به، إذ لا يقول ﷺ إلّا حقّا.
(فأمرت عائشة رضي الله تعالى عنها فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ) .
قال في «المرقاة»: وقد حصل هذا المرض لولدي؛ وألحّ به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النّساء فمنعتهنّ من ذلك تمسّكا بالحديث، واستعملت له القسط؛ فشفي منه سريعا، ولم يعاوده بعد ذلك، ووصفته لجماعة فبرأوا؛ مصداق قوله ﷺ.
(والعذرة) - بضمّ العين المهملة، وسكون الذّال المعجمة- (تهيّج)؛ أي:
ثوران ورم (في الحلق من الدّم) الّذي يغلب عليه البلغم.
(وقيل) هي: (قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق)، أو تخرج في الخرم الّذي بين الأنف والحلق، وهو الّذي يسمّى سقوط اللهاة.
(وتعرض للصّبيان غالبا) في زمن الحرّ.
(والقسط) - بضم القاف وبالطّاء- (البحريّ: هو العود الهنديّ) الّذي يجلب من الهند، (وهو) نوعان: أسود وأبيض، والمراد هنا (الأبيض منه، وفيه منافع عديدة)
[ ٤ / ١٩٣ ]
وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق؛ وهو شيء يعلّقونه على الصّبيان، فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم.
و(السّعوط): ما يصبّ في
يدرّ الطّمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السّمّ وحمّى الرّبع، وحمّى الورد، ويسخّن المعدة، ويحرّك شهوة الجماع. ويذهب الكلف طلاء.
(وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة) - بفتح اللّام-: اللّحمة الّتي في أقصى الحلق، ويجمع على لهى ولهيات؛ مثل: حصاة وحصى وحصيات، وعلى لهوات أيضا- على الأصل- كما في «المصباح» .
(و) يعالجونهم (بالعلاق) - بكسر العين المهملة وفتحها- (وهو: شيء يعلّقونه على الصّبيان) كالعوذة، وهذا بيان للمراد، وإلّا فالعلاق- لغة-: ما يعلق به الشّيء، ثمّ تفسيره بذلك مخالف لما في «شرح البخاريّ» حيث قال: أعلقت عليه من العذرة؛ أي: رفعت حنكه بأصبعها ففجّرت الدّم.
وفي «الفتح» و«النهاية» وغيرهما: أنّه كانت عادة النّساء إذا أصاب الصّبيّ العذرة تعمد المرأة إلى خرقة تفتلها فتلا شديدا، وتدخلها في أنفه، وتطعن ذلك الموضع، فينفجر منه دم أسود وربّما أقرحه، وكانوا بعد ذلك يعلّقون عليه علاقا كالعوذة.
(فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال، وأسهل عليهم)، فإنّ القسط يشدّ اللهاة، ويرفعها إلى مكانها؛ لأنّه حارّ يابس.
(والسّعوط) المراد هنا- بفتح السّين، وضمّ العين المهملتين-. أمّا بضمّ السّين؛ فهو الفعل الّذي هو صبّ الدّواء في الأنف. وليس مرادا هنا بل المراد الأوّل وهو:
(ما يصبّ في) الأنف، وقد يكون بأدوية مفردة ومركّبة تدقّ؛ وتنخل؛
[ ٤ / ١٩٤ ]
أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما؛ لينخفض رأسه فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه، ويستخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. وقد مدح النّبيّ ﷺ التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه.
وكان رسول الله ﷺ يأمر أن يسترقى من العين.
وروى مسلم في «صحيحه»: عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر
وتعجن، وتجفّف؛ ثم تحلّ عند الحاجة، ويسعط بها في (أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه)؛ أي: تحتهما (ما يرفعهما) من نحو مخدّة؛ (لينخفض رأسه، فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه) يعني أنه بهذه الكيفيّة يسهل انحدار السّعوط إلى الدّماغ (ويستخرج ما فيه)؛ أي: الدمّاغ (من الدّاء بالعطاس)؛ ذكره ابن القيّم قال:
(وقد مدح النّبيّ ﷺ التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه) .
وذكر أبو داود في «سننه» أنّ النّبيّ ﷺ استعط. انتهى.
(وكان رسول الله ﷺ يأمر أن يسترقى) - بالبناء للمفعول- (من العين) بنحو (ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله. أخرجه مسلم في «صحيحه»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وفي رواية له؛ عنها أيضا: كان يأمرني أن أسترقي من العين.
(وروى مسلم في) «الطّبّ»؛ من («صحيحه»)، والإمام أحمد كلاهما؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:
«العين حقّ)؛ أي: أنّ الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقّق وجوده بالفعل، (ولو كان شيء سابق القدر) - بفتحتين-: أي: لو
[ ٤ / ١٩٥ ]
لسبقته العين» .
فرض أنّ لشيء قوّة بحيث يسبق القدر (لسبقته العين) لكنّها لا تسبق القدر، فكيف غيرها؟! فإنه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
قال القرطبي: «فلو» . مبالغة في تحقيق إصابة العين، جرى مجرى التّمثيل، إذ لا يردّ القدر شيء، فإنّه عبارة عن سابق علم الله ونفوذ مشيئته، ولا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه، فهو كقولهم: لأطلبنّك؛ ولو تحت الثّرى، ولو صعدت السّماء؟!.
قال المازري: وقد أخذ الجمهور بظاهر الحديث من تأثيرها بإرادة الله وخلقه، وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى، لأنّ كلّ شيء ليس محالا في نفسه، ولا يؤدّي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل!! فهو من مجوّزات العقول، وكلّ ما جوّزته وأخبر الشّارع بوقوعه وجب قبوله والأخذ بظاهره؛ ولم يكن لإنكاره معنى سوى العناد والمكابرة. وهل من فرق بين إنكارهم إصابة العين؛ وبين إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة!؟
وقد اشتكى بعض النّاس هذه الإصابة؛ فقال: كيف تعمل العين من بعد، حتّى يحصل الضّرر للمعيون؟
وأجيب: بأنّ طبائع النّاس تختلف، فقد يكون ذلك من سمّ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون؛ فيحصل الضّرر بتقدير الله. وقد نقل عن بعض من كان معيانا، أنّه قال: إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني!!
ويقرّب ذلك: بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللّبن فيفسد!! ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد!!
وكذا تدخل البستان، فتضرّ بكثير من الغروس من غير أن تمسّها!
ومن ذلك: أنّ الصّحيح قد ينظر إلى العين الرّمداء فيرمد!!.
قال المازري: وزعم بعض الطّبائعييّن أنّ العائن ينبعث من عينه قوة سمّيّة تتّصل
[ ٤ / ١٩٦ ]
بالمعيون؛ فيهلك أو يفسد جسمه أو عقله، وهو كإصابة السّمّ من نظر الأفعى.
وأشار المازري إلى منع الحصر في ذلك. أي: خروج سمّيّة من عين العائن، مع تجويز المازريّ خروجها؛ لا على سبيل القطع.
وإنّ الّذي يتمشّى على طريقة أهل السّنّة: أنّ العين إنّما تضرّ عند نظر العائن، بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضّرر عند مقابلة شخص آخر.
وهل ثمّ جواهر خفيّة تخرج من العين أو لا؟! هو أمر محتمل؛ لا يقطع بإثباته ولا نفيه، إذ لا مستند لذلك.
ومن قال ممّن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطّبائع بالقطع؛ بأنّ ثمّ جواهر لطيفة غير مرئيّة تنبعث من العائن فتتّصل بالمعيون؛ وتتخلّل مسامّ جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها؛ كما يخلق الهلاك عند شرب السّمّ!! فقد أخطأ بدعوى القطع، إذ لا دليل عليه، ولكنّه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة؛ ولا طبيعة.
انتهى كلام المازري. وهو كلام سديد لموافقته مذهب أهل السّنّة.
وليس المراد بالتّأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة من أنّ إصابة العين صادرة عن تأثير النّفس بقوّتها فيه، فأوّل ما تؤثّر في نفسها؛ ثمّ تؤثّر في غيرها!!.
بل المراد ما أجرى الله به العادة من حصول الضّرر للمعيون بخلق الله تعالى.
وقد أخرج البزّار، والبخاريّ في «التّاريخ» والطّيالسي، والحكيم التّرمذي بسند حسن، وصحّحه «الضّياء» - عن جابر رفعه «أكثر من يموت من أمّتي بعد قضاء الله وقدره بالنّفس» . قال الرّاوي: يعني بالعين. وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواصّ في الأجسام والأرواح؛ كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل؛ فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك! وكذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من النّاس يسقم بمجرّد النّظر إليه؛ وتضعف قواه.
[ ٤ / ١٩٧ ]
وفي «سنن أبي داود»: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ،
وكلّ ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدّة ارتباطها بالعين، وليست هي المؤثّرة! وإنّما التأثير للرّوح، والأرواح مختلفة في طبائعها، وكيفيّاتها؛ وخواصّها. فمنها ما يؤثّر في البدن بمجرّد الرّؤية؛ من غير اتّصال به، لشدّة خبث تلك الرّوح وكيفيتها الخبيثة.
والحاصل أنّ التّأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتّصال الجسمانيّ، بل يكون تارة به؛
وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرّد الرّؤية، وأخرى بتوجّه الرّوح؛ كالذي يحدث في البدن من الشّفاء من المرض ونحوه بسبب الأدعية والرّقى والالتجاء إلى الله تعالى.
وتارة يقع ذلك بالتّوهّم والتخيّل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنويّ، إن صادف البدن لا وقاية له أثّر فيه الضّرر بخلق الله تعالى، وإلّا! لم ينفذ فيه السّهم، بل ربّما ردّ على صاحبه، كالسّهم الحسّيّ سواء. انتهى ملخّصا من «فتح الباري» وغيره. نقله في «المواهب» وشرحها.
وتمام الحديث: «وإذا استغسلتم فاغسلوا» أي: إذا طلب منكم أيّها المتّهمون بإصابة العين- غسل الأعضاء الآتي بيانها فاغسلوا.
(وفي «سنن أبي داود») في كتاب «الطّبّ»؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ) ولم يبيّن في حديث ابن عباس صفة الاغتسال؛ ولا في حديث عائشة صفة الوضوء؟!
قال المحقّق محمد بن سليمان الكردي في «حواشي شرح بافضل» «١»: الّذي
_________________
(١) في كتابه المسمى «الحواشي المدنية على المقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية» .
[ ٤ / ١٩٨ ]
ثمّ يغتسل منه المعين.
قال الزّهريّ:
يفهمه كلام أئّمتنا تصريحا وتلويحا: أنّ وضوء العائن كغيره، المراد به الوضوء الشّرعيّ؛ لكن الموجود في كتب الحديث أنّه غيره.
(ثمّ يغتسل منه)؛ أي الوضوء، أي: ماءه (المعين) - اسم مفعول-؛ من عانه إذا أصابه بالعين، تقول: - كما في «الفتح» -: عنت الرّجل؛ أصبته بعينك؛ فهو معين ومعيون. انتهى.
(قال) الإمام الحافظ المحدّث؛ محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي: أبو بكر القرشي.
(الزّهريّ)؛ نسبة إلى بني زهرة بن كلاب المذكور. تابعيّ من أهل المدينة، نزل الشّام واستقرّ بها، ويقولون تارة الزّهري، وتارة ابن شهاب ينسبونه إلى جدّ جدّه.
وهو أحد أفراد الدّنيا؛ علما وعملا وجلالة.
سمع أنس بن مالك؛ وسهل بن سعد؛ والسّائب بن يزيد؛ وعبد الرحمن بن أزهر؛ ومحمود بن الرّبيع؛ وأبا أمامة أسعد بن سهل بن حنيف؛ وأبا الطّفيل.
وهؤلاء كلهم صحابة.
وسمع من خلائق؛ من كبار التّابعين وأئمّتهم.
روى عنه خلائق من كبار التّابعين وصغارهم، ومن أتباع التّابعين.
وحفظ القرآن في ثمانين ليلة!. قال الشّافعيّ: لولا الزّهريّ ذهبت السّنن من المدينة.
ومناقبه؛ والثّناء عليه؛ وعلى حفظه أكثر من أن يحصر.
توفي ليلة الثّلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة: أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وتوفي بقرية بأطراف الشّام يقال لها:
«سغبدا» رحمه الله تعالى. قال في صفة الاستغسال:
[ ٤ / ١٩٩ ]
يؤمر الرّجل العائن بقدح، فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض، ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ يغسل وجهه في القدح، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى، ثمّ يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثمّ يصبّ
(يؤمر الرّجل العائن بقدح) فيه ماء؛ (فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض) بغرفة منه؛ (ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ) يأخد منه ماء (يغسل وجهه في القدح) مرّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى) في القدح؛ (فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى) واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن) في القدح واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى) في القدح واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى) في القدح، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى) صبّة واحدة فيها، (ثمّ يغسل داخلة إزاره) .
قال المازري: المراد ب «داخلة إزاره»: الطّرف المتدلّي الّذي يلي حقوه الأيمن. وقال القاضي عياض: إنّ المراد ما يلي جسده من الإزار. وقيل غير ذلك.
(ولا يوضع القدح في الأرض) حتّى يفرغ (ثمّ يصبّ) ذلك الماء الّذي في
[ ٤ / ٢٠٠ ]
على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة.
القدح (على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة) يجري على جسده، ويكون غسل الأطراف المذكورة كلّها؛ وداخلة الإزار في القدح. هكذا روي عن الزّهري، وقال: إنّه من العلم.
قال ابن عبد البرّ: وهو أحسن ما فسّر به الحديث، لأنّ الزّهريّ راويه. قال القاضي عياض: إنّ الزّهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه واستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل. انتهى.
قال مقيّده غفر الله ذنوبه: هذه الكيفية الّتي ذكرها غير متعيّنة، بل يحصل النّفع بالاستغسال الآتي في حديث سهل بن حنيف، وبأيّ كيفيّة كانت؛ إذا غسل أطرافه، وصبّ غسالته على المعيون؛ حصل النّفع بإذن الله تعالى، ولذلك لم يبيّن النّبيّ ﷺ كيفيّة الاستغسال، بل أطلق؛ إشارة إلى ذلك. والله أعلم.
قال الزّرقاني: وهذا الغسل ينفع بعد استحكام النّظرة. أمّا عند الإصابة؛ وقبل الاستحكام؛ فقد أرشد ﷺ إلى ما يدفعه، بقوله: «ألا بركت عليه» !!. قال أبو عمر: أي: قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه. فيجب على كلّ من أعجبه شيء أن يبارك، فإذا دعا بالبركة، صرف المحذور لا محالة.
وللنّسائيّ وابن ماجه؛ عن أبي أمامة، وابن السّنيّ؛ عن عامر بن ربيعة، كلاهما مرفوعا: «إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه؛ فليدع بالبركة» .
وروى ابن السّنّي؛ عن سعيد بن حكيم؛ قال: كان ﷺ إذا خاف أن يصيب شيئا بعينه، قال: «اللهمّ؛ بارك فيه ولا تضرّه» . انتهى.
قال المازري: وهذا المعنى- يعني الاغتسال بالصّفة المذكورة- لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه من جهة العقل، وليس في قوّة العقل الاطّلاع على أسرار جميع المعلومات!! فلا يردّ لكونه لا يعقل معناه!.
وقال ابن القيّم: هذه الكيفيّة لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها،
[ ٤ / ٢٠١ ]
ولا من شكّ فيها، أو فعلها مجرّبا غير معتقد، وإذا كان في الطّبيعة خواصّ لا يعرف الأطبّاء عللها؛ بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصيّة؛ فما الّذي ينكره جهلتهم من الخواصّ الشرعيّة؟ هذا مع أنّ في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصّحيحة، فهذا ترياق سمّ الحيّة يؤخذ من لحمها! وهذا علاج النّفس الغضبيّة، بوضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن! فكان أثر تلك العين، كشعلة نار، وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشّعلة.
ثمّ لمّا كانت هذه الكيفيّة الخبيثة تظهر في المواضع الرّقيقة من الجسد لشدّة النّفوذ فيها ولا شيء أرقّ من المغابن؛ فكان في غسلها إبطال لعملها.
ولا سيّما أن للأرواح الشّيطانيّة في تلك المواضع اختصاصا.
وفيه أمر آخر: وهو وصول أثر الغسل إلى القلب، من أرق المواضع وأسرعها نفاذا، فتطفأ تلك النّار التي أثارتها العين بهذا الماء؛ فيشفى المعين. انتهى.
وقال ابن القيّم أيضا: والغرض العلاج النّبويّ الوارد في الأحاديث؛ من الرّقى بالأدعية، ونحوها لعلّة الإصابة بالعين.
فمن التّعوّذات والرّقى الإكثار من قراءة المعوّذتين، لحديث عائشة السّابق:
كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. ولحديثها أيضا: كان ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفّيه؛ ثمّ نفث فيها، ثمّ يقرأ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده؛ يفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري.
ومنها الإكثار من قراءة «الفاتحة»؛ لحديث «الصحيحين» في الّذي رقى اللّذيغ بالفاتحة؛ فقال ﷺ: «وما أدراك أنّها رقية»؟.
وروى البيهقيّ في «الشّعب»؛ عن جابر رفعه: «ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟» قلت: بلى. قال: «فاتحة الكتاب» . قال راويه: وأحسبه قال «فيها شفاء من كلّ داء» .
[ ٤ / ٢٠٢ ]
وللبيهقيّ ولسعيد بن منصور؛ عن أبي سعيد مرفوعا «فاتحة الكتاب شفاء من السّمّ» .
ومنها قراءة آية الكرسي. روى الدّيلميّ؛ عن أبي أمامة: سمعت عليا يقول:
ما أرى رجلا أدرك عقله في الإسلام؛ يبيت حتّى يقرأ هذه الآية اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [٢٥٥/ البقرة]، إلى قوله وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) [البقرة] فلو تعلمون ما هي أو ما فيها؛ لما تركتموها على حال!! إنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت آية الكرسيّ من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبيّ قبلي» .
قال عليّ: فما بتّ ليلة منذ سمعته من رسول الله ﷺ حتّى أقرأها.
قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من عليّ، ثمّ سلسله الباقون.
«الدّيلميّ» .
وفي خبر: «سيّد البقرة آية الكرسيّ، أما إنّ فيها خمس آيات، في كلّ كلمة خمسون بركة» .
ومنها التّعوّذات النّبويّة؛ نحو: «أعوذ بكلمات الله التّامّة، من كلّ شيطان وهامّة. ومن كلّ عين لامّة» . ونحو «أعوذ بكلمات الله التّامّات، الّتي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، من شرّ ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شرّ ما ينزل من السّماء، ومن شرّ ما يعرج فيها، ومن شرّ ما ذرأ في الأرض، ومن شرّ ما يخرج منها، ومن شرّ فتن اللّيل والنّهار، ومن شرّ طوارق اللّيل والنّهار، إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن» .
وإذا كان الشّخص يخشى ضرر عينه؛ وإصابتها للمعين! فليدفع شرّها بقوله «اللهم بارك عليه»، كما قال ﷺ لعامر بن ربيعة: لمّا عان سهل بن حنيف: «ألا برّكت عليه»؛ أي: قلت (بارك الله فيك) . انتهى من «المواهب» و«شرحها» .
[ ٤ / ٢٠٣ ]
وحديث سهل بن حنيف الّذي أشار إليه هو ما أخرجه الإمام أحمد، والنّسائي، وصححه ابن حبّان؛ من طريق الزّهري؛ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنّ أباه سهل بن حنيف حدّثه أنّ النّبيّ ﷺ خرج وساروا معه نحو ماء، حتّى إذا كان بشعب الخرّار من الجحفة؛ اغتسل سهل بن حنيف.
وفي رواية مالك؛ عن محمّد بن أبي أمامة؛ عن أبيه: فنزع سهل جبّة كانت عليه؛ وكان أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبّأة!!؟ وفي رواية: مالك المذكورة: ولا جلد عذراء، فلبط سهل- أي: صرع وسقط إلى الأرض-.
وفي رواية مالك: فوعك سهل مكانه واشتدّ وعكه، زاد في رواية: حتّى ما يعقل لشدّة الوجع!! فأتى رسول الله ﷺ- زاد مالك؛ عن ابن شهاب؛ عن أبي أمامة- فقيل له: يا رسول الله: هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه؟! فقال: «هل تتّهمون من أحد!» . قالوا: عامر بن ربيعة.
وفي رواية «مالك»؛ عن محمّد بن أبي أمامة؛ عن أبيه: فأتي رسول الله ﷺ فأخبر أنّ سهلا وعك، وأنّه غير رائح معك، فأتاه ﷺ، فأخبره سهل بالّذي كان من شأن عامر بن ربيعة، فدعا عامرا؛ فتغيّظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه!؟» - زاد في رواية: - «وهو غنيّ عن قتله؟؟ هلّا إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟!» . ثمّ قال: «اغتسل له» .
ولمالك؛ عن محمّد: «توضّأ له» . فغسل عامر وجهه ويديه- وفي رواية- وظاهر كفّيه ومرفقيه. زاد في رواية: وغسل صدره وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح. زاد في رواية: قال: وحسبته قال: وأمره فحسا منه حسوات، ثمّ صبّ ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه؛ وظهره؛ ثمّ كفأ القدح، ففعل ذلك؛ فراح سهل مع النّاس؛ ليس به بأس. انتهى.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وممّا يدفع إصابة العين:
قول: (اللهمّ بارك عليه) .
وقول: (ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله) .
(وممّا يدفع إصابة العين قول: اللهمّ بارك عليه)، فإنّ ذلك يبطل ما يخاف من العين، ويذهب تأثيره. ذكره الباجيّ.
(و) ممّا يدفعها أيضا (قول: ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله) كما قال تعالى وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [٣٩/ الكهف] .
وقال ﷺ: «من رأى شيئا. فأعجبه، فقال: ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله، لم يضرّه» . رواه البزّار؛ وابن السّنّي؛ عن أنس.
ففيهما استحباب هذا الذّكر عند رؤية ما يعجب.
واستدلّ مالك بالآية على استحبابه لكلّ من دخل منزله؛ كما قاله ابن العربي.
وأخرج ابن أبي حاتم؛ عن مطرّف قال: كان مالك إذا دخل بيته قال:
«ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله» . قلت له: لم تقول هذا؟ قال: ألا تسمع الله تعالى يقول وتلا الآية. وأخرج عن الزّهري مثله.
وممّا يدفع إصابة العين أيضا رقية جبريل النّبيّ ﷺ، كما رواه مسلم في «الطّبّ» عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال:
يا محمّد: أشتكيت؟ قال: «نعم» . قال: باسم الله أرقيك، من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ ذي نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» .
وعند مسلم أيضا في «الطّبّ»؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
كان جبريل يرقي النّبيّ ﷺ إذا اشتكى قال: باسم الله يبريك، ومن كلّ داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن شرّ كلّ ذي عين. انتهى. والله ﷾ أعلم.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
[الفصل الثّاني في سنّه ﷺ ووفاته]
الفصل الثّاني في سنّه ﷺ ووفاته عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: مكث النّبيّ ﷺ بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه،
(الفصل الثّاني) من الباب الثّامن؛
(في) ما جاء في (سنّه ﷺ)
أي: مقدار عمره الشّريف، والسّنّ بهذا المعنى مؤنّثة، لأنّها بمعنى المدّة.
(و) في ما جاء في (وفاته)
أي: تمام أجله الشّريف، فإنّ الوفاة- بفتح الواو-: مصدر وفى يفي بالتخفيف- أي: تمّ أجله.
وهذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان.
أخرج البخاريّ في «الهجرة، والمغازي، وفضائل القرآن»، ومسلم في «الفضائل»، والتّرمذيّ في «الجامع»؛ في «كتاب المناقب»، وأخرجه في «الشّمائل»؛
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: مكث) - بفتح الكاف وضمّها- أي: لبث (النّبيّ ﷺ) بعد البعثة (بمكّة) الّتي هي أفضل الأرض عند الشّافعي؛ حتى على المدينة المنوّرة، وعكس مالك الإمام.
وسمّيت مكة: لأنّها تمكّ الذّنوب؛ أي: تذهبها، ولها أسماء كثيرة.
(ثلاث عشرة سنة) هذا هو الأصحّ، وغيره! محمول عليه (يوحى إليه)؛
[ ٤ / ٢٠٦ ]
وبالمدينة عشرا، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين.
وفي رواية عنه: أنّ رسول الله ﷺ توفّي وهو ابن خمس وستّين.
أي: باعتبار مجموعها، لأنّ مدّة فترة الوحي ثلاث سنين، من جملتها، وروي:
عشر سنين، وهو محمول على ما عدا مدّة فترة الوحي، وروي أيضا خمس عشرة سنة؛ في سبعة منها يرى نورا ويسمع صوتا؛ ولم ير ملكا. وفي ثمانية منها يوحى إليه.
وهذه الرّواية مخالفة للأولى من وجهين:
الأوّل في مدّة الإقامة بمكّة بعد البعثة؛ هل هي ثلاثة عشر؟ أو خمسة عشر.
والثّاني: في زمن الوحي: هل هو ثلاث عشرة؛ أو ثمانية.
(وبالمدينة عشرا)؛ أي: عشر سنين باتّفاق، فإنّهم اتّفقوا على أنّه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، كما اتّفقوا على أنّه أقام بمكّة قبل البعثة أربعين سنة، وإنّما الخلاف في قدر إقامته بمكّة بعد البعثة!! والصّحيح أنه ثلاث عشرة سنة.
(وتوفّي) - بالبناء للمجهول- أيّ: توفّاه الله تعالى؛ أي: مات (وهو ابن ثلاث وستّين) سنة، واتّفق العلماء على أنّ هذه الرّواية أصحّ الرّوايات الثّلاث الواردة في قدر عمره ﷺ، وقد رواها مسلم؛ من رواية عائشة، وأنس؛ وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم.
والثّانية: أنّه توفّي وهو ابن ستّين سنة، وهي محمولة على أنّ راويها اقتصر على العقود وألغى الكسر.
والثّالثة: أنّه توفّي وهو ابن خمس وستين سنة، وهي محمولة على إدخال سنة الولادة وسنة الوفاة، أو حصل فيها اشتباه. والله أعلم.
(وفي رواية عنه)؛ أي: ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (أنّ رسول الله ﷺ توفّي وهو ابن خمس وستّين) سنة، أي: بحسبان سنتي الولادة والوفاة كما تقدّم
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ توفّاه الله تعالى على رأس ستّين سنة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستّين سنة.
وعن جرير بن حازم الأسديّ، عن معاوية رضي الله تعالى عنه:
أنّه سمعه يخطب، قال:
التّنبيه عليه آنفا؛ على أنّه قد أنكر عروة بن الزّبير على ابن عبّاس قوله: خمس وستّين، ونسبه إلى الغلط، وأنّه لم يدرك أوّل النّبوّة، ولا كثرة صحبته، بخلاف الباقين.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ توفّاه الله تعالى على رأس ستّين سنة)؛ أي: بإلغاء الكسر، فلا ينافي رواية أنّه توفّاه الله تعالى وهو ابن ثلاث وستّين سنة، الّتي هي أصحّ الرّوايات؛ وأشهرها رواها البخاريّ من رواية ابن عبّاس؛ ومعاوية، ومسلم من رواية عائشة؛ وابن عبّاس؛ ومعاوية أيضا رضي الله تعالى عنهم.
(و) أخرج مسلم، والتّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النّبيّ ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستّين سنة) قد علمت أن هذه الرّواية أصحّ الرّوايات وأشهرها.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ في «الشّمائل»؛
(عن جرير بن حازم الأسديّ) حضر جنازة أي الطّفيل بمكّة، وسمع رجاء العطارديّ، والحسن. وعنه ابنه، وابن مهدي. ثقة؛ لكنّه اختلط، فحجبه أولاده؛ مات سنة: سبعين ومائة.
(عن معاوية) بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة (رضي الله تعالى عنه)
(أنّه)؛ أي: جرير (سمعه)؛ أي معاوية (يخطب)؛ أي: حال كونه خطيبا (قال:
[ ٤ / ٢٠٨ ]
مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين، وأبو بكر وعمر. وأنا ابن ثلاث وستّين سنة.
قوله: (أنا ابن ثلاث وستّين) المراد: أنّه كان كذلك وقت تحديثه بهذا الحديث، ولم يمت فيه، بل عاش حتّى بلغ نحو ثمانين سنة.
مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين)؛ أي: والحال أنّه ابن ثلاث وستّين سنة.
(وأبو بكر وعمر) مرفوعان بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: كذلك.
أمّا أبو بكر! فمتفّق عليه أنّه مات وعمره ثلاث وستّون.
وأما عمر؛ فعلى الأصحّ أنّه عمره ثلاث وستّون.
ولم يذكر عثمان رضي الله تعالى عنه! لأنّه قتل وله من العمر ثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثمان وثمانون.
ولم يذكر عليا رضي الله تعالى عنه وكرّم الله وجهه! مع أنّ الأصحّ أنّه قتل وله من العمر ثلاث وستّون. وقيل: خمس وستّون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمان وخمسون!! للاختلاف الواقع فيه، أو لعدم معرفته بعمره، بسبب تعدّد الرّوايات.
والله أعلم.
ثم استأنف معاوية رضي الله تعالى عنه؛ فقال: (وأنا ابن ثلاث وستّين سنة) أي: أنا متوقع أن أموت في هذا السّن؛ موافقة لهم، لكنّه لم ينل مطلوبه ومتوقّعه، بل مات وهو قريب من ثمانين، كما سيأتي للمصنّف.
(قوله)؛ أي: معاوية (أنا ابن ثلاث وستّين: المراد) بهذا الكلام (أنّه)؛ أي معاوية (كان كذلك)؛ أي: كان عمره ثلاثا وستّين سنة (وقت تحديثه بهذا الحديث، ولم يمت فيه)؛ أي: في هذا السّن، (بل عاش)؛ أي: طال عمره (حتّى بلغ نحو ثمانين سنة) قيل: بلغ ثمانيا وسبعين، وقيل: ستّا وثمانين، وقيل: ثمانين سنة.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وأمّا وفاة رسول الله ﷺ: ف
وأحسن العمر: ثلاث وستّون، كعمره ﷺ وصاحبيه، ولهذا لمّا بلغ بعض العارفين هذا السّنّ، هيّأ له أسباب مماته؛ إيماء إلى أنّه لم يبق لذّة في بقيّة حياته.
والله أعلم.
(وأمّا وفاة رسول الله ﷺ ف) هي مصيبة الأوّلين والآخرين من المسلمين، ولمّا كان الموت مكروها بالطّبع، لما فيه من الشّدة والمشقة العظيمة؛ لم يمت نبيّ من الأنبياء حتّى يخيّر.
وأول ما أعلم النّبيّ ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله؛ بنزول سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) [النصر] فإنّ المراد من هذه السّورة نعي رسول الله ﷺ؛ أي:
إنّك يا محمّد إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل النّاس في دينك، الّذي دعوتهم إليه أفواجا؛ فقد اقترب أجلك، فتهيّأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنّه قد حصل منك مقصود ما أمرت به؛ من أداء الرّسالة والتّبليغ، وما عندنا خير لك من الدّنيا، فاستعدّ للنّقلة إلينا.
وكان ﵊ يعرض القرآن كلّ عام على جبريل مرّة، فعرضه ذلك العام مرّتين في رمضان؛ كما في «الصّحيحين» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
وكان ﵊ يعتكف العشر الأواخر من رمضان كلّ عام؛ فاعتكف في ذلك العام عشرين، وأكثر معهن الذكر والاستغفار.
وروى الشيخان؛ من حديث عقبة بن عامر الجهني؛ قال:
صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد؛ صلاته على الميت بعد ثمان سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثمّ طلع المنبر؛ فقال:
«إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإنّي قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنّي لست
[ ٤ / ٢١٠ ]
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف السّتارة يوم الإثنين،
أخشى عليكم أن تشركوا بعدي!!، ولكنّي أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها!!» .
وما زال ﷺ يعرّض باقتراب أجله في آخره عمره، فإنه لما خطب في حجّة الوداع؛ قال للنّاس: «خذوا عنّي مناسككم، فلعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا!» .
وطفق يودّع النّاس، فقالوا: هذه «حجة الوداع» .
واختلف في مدّة مرضه، والأكثر أنّها ثلاثة عشر يوما، وهو المشهور.
وكان ابتداء مرضه في بيت ميمونة؛ كما ثبت في «الصحيحين»، واشتداد مرضه في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها. وابتدأ به المرض يوم الاثنين، وقيل:
يوم السّبت، وقيل: يوم الأربعاء.
وشدّة مرضه الّتي انقطع بها عن الخروج في بيت عائشة كانت سبعة أيّام، وما زاد عليها؛ فهو قبل اشتداده الّذي انقطع به.
وفي البخاريّ ومسلم: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا ثقل برسول الله ﷺ واشتدّ وجعه استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي، فأذنّ له الحديث.
وأخرج ابن ماجه، والتّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف) أي: رفع (السّتارة) المعلّقة على باب بيته الشّريف، أي: أمر برفعها. وهي- بكسر السّين المهملة-:
ما يستر به، فقوله «آخر نظرة» مبتدأ، وخبره ما دلّ عليه «كشف»، وجملة «كشف السّتارة» في محلّ نصب على الحال، بتقدير «قد»؛ أي: آخر نظري إلى وجهه حال كونه قد كشف السّتارة (يوم الاثنين) - منصوب على الظّرفية-. وقيل:
إنّه مرفوع على أنه خبر، مع تقدير مضاف قبل المبتدأ، والتّقدير: زمن آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ هو يوم الاثنين.
[ ٤ / ٢١١ ]
فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، والنّاس خلف أبي بكر، فكاد النّاس أن يضطربوا، فأشار إلى النّاس: أن اثبتوا وأبو بكر يؤمّهم، وألقى السّجف، وتوفّي رسول الله ﷺ من آخر ذلك اليوم.
(فنظرت إلى وجهه) الشّريف (كأنّه ورقة) - بفتح الرّاء- (مصحف) - مثلّث الميم، والأشهر ضمّها-، وهو كناية عن الجمال البارع وحسن البشرة، وصفاء الوجه، واستنارته؛ قاله الزّرقاني.
(والنّاس خلف أبي بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه؛ قد اقتدوا به في صلاة الصّبح بأمره ﷺ، (فكاد النّاس أن يضطربوا) في صلاتهم بأن يخرجوا منها فرحا برسول الله ﷺ، لاعتقادهم خروجه ﷺ ليصلّي بهم، (فأشار) رسول الله ﷺ (إلى النّاس: أن اثبتوا) مكانكم في صلاتكم. و«أن» تفسيريّة لمعنى الإشارة؛ لما في الإشارة من معنى القول، فهو نظير قوله فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [٢٧/ المؤمنون] .
(وأبو بكر يؤمّهم)؛ أي: يصلّي بهم إماما في صلاة الصّبح بأمره، حيث قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
(وألقى)؛ أي: أرخى (السّجف) - بكسر السّين وفتحها- أي: السّتر، وهو الّذي عبر عنه أولا بالسّتارة.
(وتوفّي) - بصيغة المجهول- (رسول الله ﷺ من آخر ذلك اليوم)؛ وهو يوم الاثنين، وكان ابتداء مرضه ﷺ من صداع عرض له، ثمّ اشتدّ به؛ حتّى صار يقول: «أين أنا غدا.. أين أنا غدا؟» ثمّ استأذن أزواجه أن يمرّض في بيت عائشة لمحبّته لها؛ مع علمه بأنّ بيتها مدفنه، فأذنّ له أن يمرّض عندها، وامتدّ به المرض، حتّى مات في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل، وكان يوم الاثنين.
وكونه توفّي آخر ذلك اليوم لا ينافي جزم أهل السّير بأنّه مات حين اشتدّ الضّحى!! بل حكى صاحب «جامع الأصول»: الاتّفاق عليه، لأنّ المراد بقولهم
[ ٤ / ٢١٢ ]
«توفّي ضحى»: أنّه فارق الدّنيا، وخرجت نفسه الشّريفة في وقت الضّحى، والمراد بكونه توفّي في آخر اليوم أنّه تحقّق وفاته عند النّاس في آخر اليوم.
وذلك أنّه بعد ما توفّي حصل اضطراب واختلاف بين الصّحابة في موته، فأنكر كثير منهم موته؛ حتّى قال عمر: من قال «إنّ محمّدا قد مات؛ قتلته بسيفي هذا»؟! فما تحقّقوا وفاته إلّا في آخر النّهار، حتّى جاء الصّدّيق رضي الله تعالى عنه وأعلمهم كما سيأتي.
وفي الحديث أنّ الصّدّيق استمرّ خليفة على الصّلاة؛ حتّى مات المصطفى ﷺ، لا كما زعمت الشّيعة أنّه عزله بخروجه!! والله أعلم.
وقد روى البخاريّ هذا الحديث أيضا؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، لكن بلفظ: إنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين؛ وأبو بكر يصلّي بهم لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف سجف حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، فنظر إليهم وهم صفوف في الصّلاة ثمّ تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصلّ بالصّف، فظنّ أنّ رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصّلاة.
قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم؛ فرحا برسول الله ﷺ.
فأشار إليهم بيده: أن أتمّوا صلاتكم، ثمّ دخل الحجرة، وأرخى السّتر. وفي رواية له: فتوفّي في يومه.
وفي رواية أخرى للبخاريّ ومسلم؛ عن أنس أيضا: لم يخرج إلينا ثلاثا، فذهب أبو بكر يتقدّم، فرفع رسول الله ﷺ الحجاب، فلمّا وضح لنا وجهه ما نظرنا منظرا قطّ كان أعجب إلينا منه، حين وضح لنا؛ فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدّم وأرخى الحجاب الحديث.
ولفظ مسلم؛ عن أنس أيضا: إنّ أبا بكر كان يصلّي بهم، حتّى إذا كانوا يوم الاثنين وهم صفوف في الصّلاة؛ كشف ﷺ ستر الحجرة، فنظرنا إليه؛ وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم ضاحكا الحديث.
[ ٤ / ٢١٣ ]
و(السّجف): السّتارة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت مسندة النّبيّ ﷺ إلى صدري- أو قالت: إلى حجري- فدعا بطست؛ ليبول فيه، ثمّ بال، فمات ﷺ.
(والسّجف) - بكسر السّين المهملة-: (السّتارة) الّتي على الحجرة الشّريفة.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت مسندة) - بصيغة اسم الفاعل؛ من الإسناد- (النّبيّ ﷺ إلى صدري- أو قالت: إلى حجري-) بفتح الحاء المهملة وكسرها-: حضني؛ وهو- بكسر الحاء-: ما دون الإبط إلى الكشح.
(فدعا بطست) - بفتح أوّله- أصله «طسّ» . فأبدل أحد المضعّفين تاء لثقل اجتماع المثلين، ويقال: طسّ على الأصل- بغير تاء-، وهي كلمة أعجمية معرّبة مؤنّثة؛ عند الأكثر، وحكي تذكيرها، ولذلك قال:
(ليبول فيه) - بتذكير الضّمير، لكنّ التّأنيث أكثر في كلام العرب؛ كما قال الزّجاج- (ثمّ بال، فمات ﷺ) ولحق بالرّفيق الأعلى.
وظاهره أنّه مات في حجرها، ويوافقه ما رواه البخاريّ عنها: توفّي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري. وفي رواية: بين حاقنتي وذاقنتي؛ أي: كان رأسه بين حنكها وصدرها.
ولا يعارضه ما رواه الحاكم وابن سعد؛ من طرق: أنّ رأسه كان في حجر علي ﵁؟ لأنّ كلّ طريق منها، لا يخلو من شيء؛ كما ذكره الحافظ ابن حجر.
وعلى تقدير صحّتها! يحمل على أنّه كان في حجره قبل الوفاة.
[ ٤ / ٢١٤ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا أنّها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ثمّ يقول:
«اللهمّ؛ أعنّي على سكرات الموت» .
وفي الحديث حلّ الاستناد للزّوجة، والبول في الطّست بحضرتها.
(و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي في «الجامع»؛ و«الشمائل» - وقال في «الجامع»: حديث حسن غريب- وأخرجه ابن ماجه: كلّهم؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا أنّها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت) - أي: مشغول به، ومتلبّس به- (وعنده قدح فيه ماء؛ وهو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء)، لأنّه كان يغمى عليه من شدّة المرض ثم يفيق.
قال «المناوي»: وفيه أنه يسنّ فعل ذلك لمن حضره الموت، لأنّ فيه نوع تخفيف؛ فإن لم يفعله فعل به. أي: ما لم يظهر كراهته.
(ثمّ يقول: «اللهمّ أعنّي على سكرات الموت»): شدائده.
قال بعض العلماء: فيه أنّ ذلك من شدّة الآلام والأوجاع؛ لرفعة منزلته، وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لا أكره شدّة الموت لأحد بعد النّبيّ ﷺ.
وقال الشّيخ أبو محمد المرجاني: تلك السّكرات سكرات الطّرب، ألا ترى إلى قول بلال لمّا قال له أهله- وهو في السّياق-: واكرباه!! ففتح عينيه؛ وقال:
واطرباه!! غدا ألقى الأحبّة؛ محمدا وحزبه.
فإذا كان هذا طربه وهو في حال السّياق بلقاء محبوبه؛ وهو النّبيّ ﷺ وحزبه، فما بالك بلقاء النّبيّ لربّه تعالى!! فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [١٧/ السجدة] .
[ ٤ / ٢١٥ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لا أغبط أحدا بهون موت بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ.
(و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل»؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لا أغبط) - بكسر الموحّدة- من الغبطة وهي: أن يتمنّى أن يكون له مثل ما للغير؛ من غير أن تزول عنه.
وفي رواية: ما أغبط (أحدا بهون موت)؛ أي: بسهولته (بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ) ومرادها بذلك إزالة ما تقرّر في النّفوس من تمنّي سهولة الموت، لأنّها لما رأت شدّة موته ﷺ علمت أنّها ليست علامة رديئة؛ بل مرضيّة، فليست شدّة الموت علامة على سوء حال الميت، كما قد يتوهّم، وليست سهولته علامة على حسن حاله؛ كما قد يتوهم أيضا.
والحاصل: أنّ الشّدّة ليست أمارة على سوء؛ ولا ضدّه، والسّهولة ليست أمارة على خير؛ ولا ضدّه.
وقد جاء عن النّبيّ ﷺ بيان الشّدّة الحاصلة بالموت، فقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لم يلق ابن آدم شيئا قطّ منذ خلقه الله أشدّ عليه من الموت، ثمّ إنّ الموت لأهون ممّا بعده» .
وأخرج الخطيب البغداديّ في «تاريخ بغداد»؛ عن أنس: «لمعالجة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسّيف» انتهى.
اللهمّ؛ خفّف عنّا سكرات الموت، والطف بنا عند نزع أرواحنا، وارحمنا إذا صرنا من أصحاب القبور؛ يا عزيز يا غفور.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و«الشمائل»، وقال في «الجامع»: إنّه حديث غريب، وعبد الرّحمن بن أبي بكر المليكي يضعّف من قبل حفظه؛
[ ٤ / ٢١٦ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ.. اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر:
سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته؛ قال: «ما قبض الله نبيّا إلّا في الموضع الّذي يحبّ أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه» .
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه؟)؛ أي في أصل دفنه، هل يدفن أو لا؟ وفي محلّ دفنه: هل يدفن في مسجده؟ أو البقيع عند أصحابه؟ أو في الشّام؛ عند أبيه إبراهيم الخليل؟ أو في بلده مكّة المكرمة؟
فالاختلاف من وجهين: أصل الدّفن، ومحلّ الدّفن؟ كذا في «الباجوري» .
قال بعضهم: هذا أوّل اختلاف وقع بين الصّحابة بعد موته، حتى أخبرهم أبو بكر وعليّ بما عندهما من العلم- كما سيأتي-؛ ذكره المناوي.
(فقال أبو بكر) جوابا عن كلّ من السّؤالين:
(سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته)؛ إشارة إلى كمال استحضاره وحفظه. (قال: «ما قبض الله نبيّا؛ إلّا في الموضع الّذي يحبّ) الله؛ أو النّبيّ (أن يدفن) - بصيغة المجهول- (فيه») .
ولا ينافيه نقل موسى ليوسف عليهما الصّلاة والسّلام من مصر إلى آبائه بفلسطين!؟ لاحتمال أن محبّة دفنه بمصر مؤقّتة بفقد من ينقله، على أن الظّاهر أن موسى إنّما فعله بوحي.
وورد أن عيسى يدفن بجنبه ﷺ؛ في السّهوة الخالية بينه ﷺ وبين الشّيخين.
وأخذ منه بعضهم أنّ عيسى يقبض هناك في ذلك المحلّ المكرّم.
(ادفنوه) - بكسر الفاء- (في موضع فراشه)؛ أي: في المحلّ الّذي هو تحت فراشه، الّذي مات فيه من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.
[ ٤ / ٢١٧ ]
وعن عائشة أيضا وابن عبّاس: أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ ﷺ بعد ما مات.
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه،
(و) أخرج البخاري؛ عن عائشة، والتّرمذيّ في «الجامع» و«الشّمائل»، وابن ماجه؛ (عن عائشة أيضا وابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهم قال التّرمذيّ في «الجامع»: وفي الباب عن ابن عباس؛ وجابر؛ وعائشة، قالوا:
(إنّ أبا بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (قبّل النّبيّ ﷺ) بين عينيه تبرّكا واقتداء به ﷺ؛ حيث قبّل عثمان بن مظعون (بعد ما مات) .
فتقبيل الميت سنّة اقتداء بالنّبيّ ﷺ وبالصّدّيق رضي الله تعالى عنه.
قال المحقّق ابن حجر المكّيّ في «فتح الإله شرح المشكاه»:
إذا كان الميت صالحا سنّ لكلّ أحد تقبيل وجهه؛ التماسا لبركته، واتّباعا لفعله ﷺ في عثمان بن مظعون- كما سيأتي-.
وإن كان غير صالح؟ جاز ذلك بلا كراهة، لنحو أهله وأصدقائه، لأنّه ربّما كان مخفّفا لما وجده من ألم فقده. ومع الكراهة لغير أهل الميت، إذ قد لا يرضى به لو كان حيّا من غير قريبه وصديقه.
ومحلّ ذلك كلّه ما لم يحمل التّقبيل فاعله على جزع أو سخط؛ كما هو الغالب من أحوال النّساء، وإلّا حرم أو كره. انتهى كلام «ابن حجر»؛ نقله ابن علّان في «شرح الأذكار» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها أنّ أبا بكر) الصّدّيق (دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه) وقبّله، (ووضع يديه على ساعديه) - الأقرب ما في «المواهب»: على صدغيه. لأنّه هو
[ ٤ / ٢١٨ ]
وقال: وانبيّاه، واصفيّاه، واخليلاه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة.. أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه.. أظلم منها كلّ شيء،
المناسب للعادة- (وقال) من غير انزعاج وقلق وجزع وفزع، بل بخفض صوت (: وانبيّاه؛ واصفيّاه؛ واخليلاه) بهاء سكت في الثّلاثة، تزاد ساكنة لإظهار الألف الّتي أتى بها ليمتدّ الصوت به.
وهذا يدلّ على جواز عدّ أوصاف الميت بلا نوح، بل ينبغي أن يندب، لأنّه من سنّة الخلفاء الرّاشدين، والأئمّة المهديين.
وقد صار ذلك عادة في رثاء العلماء، بحضور المحافل العظيمة، والمجالس الفخيمة.
قال في «جمع الوسائل»: وفي رواية أحمد أنّ أبا بكر أتاه من قبل رأسه فحدر فاه؛ فقبّل جبهته، ثمّ قال: وانبيّاه. ثمّ رفع رأسه وحدر فاه؛ وقبّل جبهته، ثمّ قال: وا صفيّاه. ثمّ رفع رأسه وحدر فاه؛ وقبّل جبهته، وقال: واخليلاه.
وفي رواية ابن أبي شيبة: فوضع فمه على جبينه؛ فجعل يقبّله ويبكي، ويقول: بأبي أنت وأمّي؛ طبت حيّا وميتا. انتهى.
(و) أخرج ابن ماجه، والتّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة) الشّريفة (أضاء) أي:
استنار (منها)؛ أي: المدينة الشّريفة (كلّ شيء) نورا حسّيّا ومعنويا، لأنّه ﷺ نور الأنوار، والسّراج الوهّاج، ونور الهداية العامّة، ورفع الظلمة الطّامة.
(فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه) ﷺ (أظلم منها كلّ شيء) لفقد النّور،
[ ٤ / ٢١٩ ]
وما نفضنا أيدينا من التّراب، وإنّا لفي دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: توفّي رسول الله ﷺ يوم الإثنين.
وعن محمّد الباقر رضي الله تعالى عنه- وهو من التّابعين- قال:
قبض رسول الله ﷺ يوم الإثنين، فمكث ذلك اليوم، وليلة الثّلاثاء، ودفن من اللّيل.
والسّراج منها؛ فذهب ذلك النّور بموته. (و- ما-) نافية (نفضنا أيدينا من التّراب)؛ أي: تراب قبره الشّريف، ونفض الشّيء: تحريكه ليزول عنه الغبار (وإنّا) - بالكسر، أي: والحال إنّا- (لفي) معالجة (دفنه حتّى أنكرنا) بصيغة الماضي (قلوبنا) أي: تغيّرت حالها بوفاة النّبيّ ﷺ عمّا كانت عليه من الرّقّة والصّفاء؛ لانقطاع ما كان يحصل لهم منه ﷺ من التعليم، وبركة الصّحبة، وليس المراد أنّهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من التّصديق!!، لأنّ إيمانهم لم ينقص بوفاته ﷺ.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ؛ والتّرمذي في «الشّمائل» كلّهم؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنّها (قالت: توفّي رسول الله ﷺ)؛ أي:
توفّاه الله تعالى بقبض روحه (يوم الاثنين) كما هو متفق عليه بين أرباب النّقل.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمر؛ قال:
حدّثنا سفيان بن عيينة؛ (عن) جعفر الصّادق؛ عن أبيه (محمّد الباقر) بن عليّ زين العابدين ابن سيدنا الحسين السّبط (رضي الله تعالى عنه) وعنهم أجمعين؛ (وهو) أي: محمّد الباقر (من التّابعين) فالحديث مرسل؛ (قال:
قبض رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فمكث) - بضمّ الكاف؛ وفتحها، أي:
لبث بلا دفن- (ذلك اليوم) الذي هو يوم الاثنين (وليلة الثّلاثاء) بالمدّ (ودفن من اللّيل)؛ أي في ليلة الأربعاء وسط اللّيل، وقيل: دفن ليلة الثلاثاء، وقيل: يوم
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وعن سالم بن عبيد رضي الله تعالى عنه- وكانت له صحبة- قال:
أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه،
الثّلاثاء، والأوّل عليه الأكثر.
وأما غسله وتكفينه، ففعلت يوم الثّلاثاء؛ كما في «المواهب» .
وإنّما أخّر دفنه ﷺ مع أنّه يسنّ تعجيله!! لعدم اتّفاقهم على دفنه، ومحلّ دفنه، ولدهشتهم من ذلك الأمر الهائل، الّذي لم يقع قبله ولا بعده مثله. وذلك لأنّه لمّا وقعت هذه المصيبة العظمى والبليّة الكبرى؛ وقع الاضطراب بين الأصحاب، كأنّهم أجساد بلا أرواح!! وأجسام بلا عقول!! حتّى إنّ منهم من صار عاجزا عن النّطق! ومنهم من صار ضعيفا نحيفا! وبعضهم صار مدهوشا! وشكّ بعضهم في موته، وكان محلّ الخوف من هجوم الكفّار، وتوهّم وقوع المخالفة في أمر الخلافة بين الأبرار، فاشتغلوا بالأمر الأهمّ؛ وهو البيعة لما يترتّب على تأخيرها من الفتنة، وليكون لهم إمام يرجعون إليه فيما ظهر لهم من القضيّة؛ فنظروا في الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثمّ بايعوه من الغد بيعة أخرى، وكشف الله به الكربة، من أهل الرّدّة، ثمّ رجعوا إلى النّبيّ ﷺ فغسّلوه، وصلّوا عليه ودفنوه، بملاحظة رأي الصّدّيق رضي الله تعالى عنه. والله وليّ التّوفيق؛ قاله في «جمع الوسائل» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ قال: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي؛ قال: حدّثنا عبد الله بن داود؛ قال: حدّثنا سلمة بن نبيط؛ قال: أخبرنا عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط؛ (عن سالم بن عبيد) - بالتّصغير- الأشجعيّ:
صحابيّ من أهل الصّفّة (رضي الله تعالى عنه)، خرّج له الأربعة، ومسلم، ولذلك قال المصنّف تبعا ل «الشّمائل»: (وكانت له صحبة؛ قال:
أغمي) - بصيغة المجهول- (على رسول الله ﷺ في مرضه) لشدّة ما حصل له من الضّعف، وفتور الأعضاء، فالإغماء جائز على الأنبياء، لأنّه من المرض.
[ ٤ / ٢٢١ ]
فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟»، فقالوا: نعم، فقال:
«مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟»، فقالوا: نعم، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّ أبي رجل أسيف- أي:
حزين-
وقيّده الغزاليّ بغير الطويل، وجزم به البلقيني، بخلاف الجنون، فليس جائزا عليهم؛ لأنّه نقص، وليس إغماؤهم كإغماء غيرهم! لأنّه إنّما يستر حواسّهم الظّاهرة؛ دون قلوبهم، لأنّه إذا عصمت عن النّوم فعن الإغماء أولى.
(فأفاق) من الإغماء بأن رجع إلى الشّعور؛ (فقال: «حضرت الصّلاة؟»)؛ أي: صلاة العشاء الآخرة؛ كما ثبت عند البخاري وهو استفهام بحذف الهمزة، أي: أحضر وقتها؟.
(فقالوا: نعم) أي: حضرت الصّلاة.
(فقال: «مروا بلالا)؛ أي: بلّغوا أمري بلالا (فليؤذّن) - بفتح الهمزة، وتشديد الذّال- من التّأذين، أي: فليناد بالصّلاة.
(ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»)؛ إماما لهم.
(قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» فقالوا: نعم.
فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر؛ فليصلّ بالنّاس» .
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّ أبي رجل أسيف) فعيل بمعنى فاعل؛ من الأسف؛ وهو شدّة الحزن، (أي حزين)؛ أي: يغلب عليه الحزن والبكاء،
[ ٤ / ٢٢٢ ]
إذا قام ذلك المقام.. بكى، فلا يستطيع، فلو أمرت غيره.
قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب- أو صواحبات- يوسف»؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ.
ولا يطيق أن يشاهد محلّ المصطفى ﷺ خاليا منه، فلا يتمكّن من الإمامة، والقراءة، وهذا معنى قولها:
(إذا قام ذلك المقام) الّذي هو مقام الإمامة (بكى)؛ حزنا عليك (فلا يستطيع)؛ أي: لا يقدر على الصّلاة بالنّاس، لغلبة البكاء عليه (فلو أمرت غيره؟!) لكان حسنا فجواب «لو» محذوف إن كانت شرطية، ويحتمل أنّها للتمنّي فلا جواب لها.
(قال)؛ أي: سالم بن عبيد (: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب) - جمع صاحبة- (أو صواحبات) جمع صواحب؛ فهو جمع الجمع- (يوسف؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ) - بتشديد النون- حتّى يصلن إلى أغراضهنّ، فالخطاب؛ وإن كان بلفظ الجمع لكنّ المراد به واحدة؛ وهي عائشة، وكذلك الجمع في قوله «صواحب» المراد به: امرأة العزيز، فهو من قبيل التّشبيه البليغ. ووجه الشّبه:
أنّ زليخا استدعت النّسوة، وأظهرت لهنّ الإكرام بالضّيافة؛ وأضمرت زيادة على ذلك، وهي: أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵊ فيعذرنها في حبّه.
وعائشة رضي الله تعالى عنها أظهرت أنّ سبب محبّتها صرف الإمامة عن أبيها، أنّه رجل أسيف، وأنه لا يستطيع ذلك، وأضمرت زيادة على ذلك هي ألايتشاءم النّاس به. فقد روى البخاريّ عنها: لقد راجعته، وما حملني على كثرة المراجعة إلّا أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس رجلا قام مقامه أبدا، وأنّه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم النّاس به.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
قال: فأمر بلال فأذّن، وأمر أبو بكر فصلّى بالنّاس، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة فقال: «انظروا لي من أتّكىء عليه»، فجاءت بريرة ورجل آخر؛
قال في «جمع الوسائل»: وقد يقال: الخطاب لعائشة وحفصة، وجمع إمّا تعظيما لهما، أو تغليبا لمن معهما من الحاضرات؛ أو الحاضرين، أو بناء على أنّ أقلّ الجمع اثنان.
ويعضده أنّ هذا الحديث أي «أغمي » إلى آخره روى الشّيخان بعضه، ومنه قوله: «مروا أبا بكر، فليصلّ بالنّاس»، وأنّ عائشة أجابته، وأنّه كرّر ذلك؛ فكرّرت الجواب، وأنّه قال: «إنّكنّ صواحب يوسف، أو صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
وفي البخاريّ: «فمر عمر فليصلّ بالنّاس» . وأنّها قالت لحفصة: أنّها تقول له ما قالته عائشة، فقال لها: «مه إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف! مروا أبا بكر.
فليصلّ بالنّاس» . فقالت لها حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا. انتهى.
(قال)؛ أي سالم بن عبيد (فأمر بلال) - بصيغة المجهول- (فأذّن، وأمر أبو بكر فصلّى بالنّاس) تلك الصّلاة، واستمرّ يصلّي بهم إلى تمام سبع عشرة صلاة؛ كما نقله الحافظ الدّمياطيّ أولاها عشاء ليلة الجمعة، وآخرها صبح يوم الاثنين الّذي توفّي فيه رسول الله ﷺ؛ كذا قاله الباجوري كالمناوي.
(ثمّ إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة) من مرضه؛ (فقال: «انظروا لي)؛ أي أحضروا لي (من أتّكىء)؛ أي: أعتمد (عليه») لآخرج للصّلاة.
(فجاءت بريرة) - بفتح الموحّدة، وكسر الرّاء المهملة الأولى مكبّرا؛ وهي:
بنت صفوان مولاة عائشة قبطيّة، أو حبشيّة، لها حديث واحد.
(ورجل آخر) جاء في رواية: أنّه نوبة- بضمّ النّون، وسكون الواو- وهو عبد أسود، ووصف باخر!! للإيضاح. وفي رواية الشيخين: فخرج بين رجلين؛
[ ٤ / ٢٢٤ ]
فاتّكأ عليهما، فلمّا رآه أبو بكر ذهب لينكص؛ فأومأ إليه أن يثبت مكانه حتّى قضى أبو بكر صلاته.
أحدهما العبّاس، ورجل آخر، وفسّر بعلي. وفي طريق آخر: ويده على الفضل بن عباس، ويده على رجل آخر. وجاء في غير مسلم: بين رجلين؛ أحدهما أسامة.
وفي رواية مسلم: العبّاس وولده الفضل، وفي أخرى: العبّاس وأسامة.
وجمعوا بين هذه الرّوايات على تقدير ثبوت جميعها بتعدّد خروجه. وخصّوا بذلك، لأنّهم من خواصّ أهل بيته؛ كذا في شروح «الشّمائل» .
(فاتّكأ)؛ أي: اعتمد (عليهما) كما يعتمد على العصا (فلمّا رآه أبو بكر ذهب)؛ أي: طفق (لينكص)؛ أي: ليرجع إلى ورائه القهقرى. يقال: نكص على عقبيه: رجع. وبابه: دخل؛ وجلس، فيصحّ قراءة ما هنا بضمّ الكاف وكسرها، والأولى أن تضبط بكسرها، لأنّه المطابق لما في القرآن، حيث قال تعالى عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) [المؤمنون] بالكسر لا غير.
(فأومأ) - بالهمز- على الصّحيح أي: أشار النّبيّ ﷺ (إليه)؛ أي: إلى أبي بكر (أن يثبت مكانه) ليبقى على إمامته، ولا يتأخّر عن مكانه فثبت (حتّى قضى أبو بكر صلاته) أي: أتمّها، فهو مرتبط بمحذوف كما قدرته.
وظاهر ذلك: أنه ﷺ اقتدى بأبي بكر، وقد صرّح به بعض الرّوايات، لكن الّذي في رواية «الصحيحين»: كان أبو بكر ﵁ يصلّي قائما ورسول الله ﷺ يصلّي قاعدا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والنّاس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁.
والمراد أنّ أبا بكر كان رابطة مبلّغا عنه ﷺ، فبعد أن أخرج نفسه من الإمامة، صار مأموما. وهذا يدلّ لمذهب الشافعيّ؛ من جواز إخراج الإمام نفسه من الإمامة، واقتدائه بغيره؛ فيصير مأموما بعد أن كان إماما.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
ثمّ إنّ رسول الله ﷺ قبض، فقال عمر: والله؛ لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض إلّا ضربته بسيفي هذا. قال: وكان النّاس أمّيّين؛ لم يكن فيهم نبيّ قبله،
ويمكن الجمع بين هاتين الرّوايتين بتعدّد الواقعة. انتهى؛ قاله الباجوري، ومثله في المناوي على «الشمائل» . وفيه إشكال لما تقدّم نقله؛ عن الدّمياطي أن أبا بكر صلّى بهم تلك الصّلاة؛ وما بعدها إلى تمام سبع عشرة صلاة.
ورواية الشيخين صريحة في أنّ النّبيّ ﷺ هو الّذي صلّى بهم تلك الصّلاة؛ وأبو بكر كان مقتديا به، فهي أولى بالاعتماد من غيرها.
(ثمّ إنّ رسول الله ﷺ قبض) أي: مات؛ وأبو بكر الصّدّيق غائب بالعالية عند زوجته بنت خارجة، وكان النّبيّ ﷺ أذن له في الذّهاب.
(فقال عمر) وقد سلّ سيفه (: والله؛ لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض إلّا ضربته بسيفي هذا!!؟») .
والحامل له على ذلك ظنّه عدم موته، وأنّ الّذي عرض عليه غشي أو استغراق وتوجّه للذات العلية، ولذلك كان يقول أيضا: إنما أرسل إليه ﷺ كما أرسل إلى موسى ﷺ فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله؛ إنّي لأرجو أن يقطع أيدي رجال، وأرجلهم، أي: من المنافقين، أو المرتدّين.
(قال) سالم (: وكان النّاس) أي: العرب، بقرينة السّياق (أمّييّن)، لقوله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [٢/ الجمعة] . قال جمهور المفسّرين:
الأمّيّ: من لا يحسن الكتابة والقراءة. أي: لا يقرؤون ولا يكتبون. هذا هو معنى الأمّييّن في الأصل، والمراد بهم هنا: من لم يحضر موت نبيّ قبله، فقوله (لم يكن فيهم نبيّ قبله!!) تفسير وبيان للمراد بالأمّييّن؛ بأنّهم لم يشاهدوا موت نبيّ ولا عرفوه من كتاب.
وسبب العلم بموته: إمّا دراية كتب الأنبياء، أو مشاهدة موته، وكلاهما منفيّ عن العرب.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
فأمسك النّاس.
فقالوا: يا سالم؛ انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ فادعه، فأتيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه- وهو في المسجد- فأتيته أبكي دهشا؟ فلمّا رآني.. قال لي: أقبض رسول الله ﷺ، قلت: إنّ عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض.. إلّا ضربته بسيفي هذا، فقال لي:
انطلق، فانطلقت معه، فجاء هو والنّاس قد دخلوا على رسول الله ﷺ، فقال: يا أيّها النّاس؛ أفرجوا لي،
(فأمسك النّاس) ألسنتهم عن النّطق بموته؛ خوفا من عمر لما حصل لهم من الذهول، والحيرة الّتي ضلّت بها معلوماتهم الّتي من جملتها نطق التّنزيل على أنه ميّت؛
(فقالوا)؛ أي: النّاس (يا سالم؛ انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ) الّذي هو أبو بكر، فإنّه متى أطلق انصرف إليه، لكونه كان مشهورا به بينهم (فادعه) ليحضر فيبيّن الحال.
(فأتيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه، وهو في المسجد)؛ أي: مسجد محلّته التي كان فيها؛ وهو بالعوالي، كما في رواية البخاري: جاء من السّنح- بضمّ السّين المهملة؛ بوزن فعل-: موضع بأدنى عوالي المدينة بينه وبين مسجده الشّريف ميل، ولعله كان في ذلك المسجد، لصلاة الظّهر، (فأتيته) كررّه للتّأكيد (أبكي) أي: حال كوني أبكي (دهشا) - بفتح فكسر أي: حال كوني دهشا-:
أي متحيّرا (فلمّا رآني؛ قال لي: أقبض رسول الله ﷺ؟) لما فهمه من حاله.
(قلت: إنّ عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض إلّا ضربته بسيفي هذا!؟ فقال لي: انطلق؛ فانطلقت معه، فجاء هو)؛ أي: أبو بكر (والنّاس قد دخلوا على رسول الله ﷺ فقال: يا أيّها النّاس؛ أفرجوا) - بقطع الهمزة، أي:
أوسعوا (لي) لأجل أن أدخل. ولا ينافي هذا رواية البخاري: أقبل أبو بكر
[ ٤ / ٢٢٧ ]
فأفرجوا له، فجاء حتّى أكبّ عليه ومسّه فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] .
ثمّ قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أقبض رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، فعلموا أن قد صدق.
رضي الله تعالى عنه فلم يكلّم النّاس، لأنّ المراد لم يكلّمهم بغير هذه الكلمة.
(فأفرجوا له)؛ أي: انكشفوا عن طريقه (فجاء حتّى أكبّ عليه) فوجده مسجّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه الشّريف. (ومسّه) أي: قبّله بين عينيه، ثمّ بكى، وقال: بأبي أنت وأمّي؛ لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة الّتي كتبت عليك فقد متّها؛ كذا في البخاريّ. وقصد بذلك الردّ على عمر فيما قال، إذ يلزم منه أنّه إذا جاء أجله يموت موتة أخرى، وهو أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعها على الّذين خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [٢٤٣/ البقرة] .
(فقال)؛ أي: قرأ استدلالا على موته ﷺ قوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
(٣٠) [الزمر] يعني: قد أخبر الله عنك في كتابه: أنّك ستموت، وأنّ أعداءك أيضا سيموتون، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) [الزمر] فقوله حقّ، ووعده صدق فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ [٣٢/ الزمر] وقد قال المفسرون- في قوله تعالى وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) [الزمر]: - إنّ الجائي بالصّدق هو النّبيّ ﷺ، والمصدّق أبو بكر، ولذا سمّي ب «الصّدّيق» رضي الله تعالى عنه.
(ثمّ قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أقبض رسول الله ﷺ!! قال: نعم.
فعلموا أن)؛ أي: أنّه (قد صدق) في إخباره بموته، لاستدلاله بالآية الّتي ذكرها، لما عنده من نور اليقين.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أيصلّى على رسول الله؟ قال:
نعم، قالوا: وكيف؟ قال: يدخل قوم، فيكبّرون ويصلّون، ويدعون، ثمّ يخرجون، ثمّ يدخل قوم، فيكبّرون ويصلّون، ويدعون، ثمّ يخرجون، حتّى يدخل النّاس.
(قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أيصلّى) - بالبناء للمفعول- (على رسول الله؟) إنّما سألوه لتوهّم أنّه مغفور له، فلا حاجة له إلى الصّلاة المقصود منها الدّعاء والشّفاء للميت.
(قال: نعم) أي: يصلّى عليه لمشاركته لأمّته في الأحكام، إلّا ما خرج من الخصوصيات لدليل. (قالوا: وكيف) يصلّى عليه؟ أمثل صلاتنا على آحاد أمّته؟
أم بكيفية مخصوصة تليق برتبته العليّة؟.
(قال: يدخل قوم، فيكبّرون)؛ أي: أربع تكبيرات، (ويصلّون) على النّبيّ ﷺ؛ (ويدعون، ثمّ يخرجون، ثمّ يدخل قوم، فيكبّرون ويصلّون، ويدعون، ثمّ يخرجون، حتّى يدخل النّاس)؛ أي: وهكذا حتّى يصلّي عليه النّاس جميعا.
روى الحاكم في «المستدرك»، والبزّار: أنّ المصطفى ﷺ حين جمع أهله في بيت عائشة، قالوا: فمن يصلّي عليك؟ قال: «إذا غسّلتموني وكفّنتموني فضعوني على سرير، ثمّ اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّل من يصلّي عليّ جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت مع جنوده، ثمّ ادخلوا عليّ فوجا بعد فوج، فصلّوا عليّ، وسلّموا تسليما» . قال الحاكم: فيه عبد الملك بن عبد الرّحمن؛ مجهول، وبقيّة رجاله ثقات.
وروى ابن ماجه أنّهم لمّا فرغوا من جهازه يوم الثّلاثاء وضع على سريره في بيته، ثمّ دخل النّاس أرسالا؛ أي: قوما بعد قوم، يصلّون عليه، حتّى إذا فرغوا دخلت النّساء، حتّى إذا فرغن؛ دخل الصّبيان، ولم يؤمّ النّاس عليه أحد، وقد
[ ٤ / ٢٢٩ ]
قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أيدفن رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الّذي قبض الله فيه روحه، فإنّ الله لم يقبض روحه إلّا في مكان طيّب، فعلموا أن قد صدق.
روي عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه قال: لا يؤمّ أحدكم عليه، لأنّه إمامكم حال حياته، وحال مماته.
وورد في بعض الرّوايات أنّه ﷺ أوصى على الوجه المذكور، ولذا وقع التّأخير في دفنه، لأنّ الصّلاة على قبره ﷺ لا تجوز؛ قاله ملّا علي قاري في «جمع الوسائل» .
قال الباجوري: وجملة من صلّى عليه من الملائكة ستّون ألفا، ومن غيرهم ثلاثون ألفا. انتهى. هذا أمر توقيفيّ؛ يحتاج إلى دليل. والله أعلم.
(قالوا: يا صاحب رسول الله؛ أيدفن رسول الله ﷺ؟)؛ أي: أو يترك بلا دفن؟ لسلامته من التّغيّر، أو لانتظار رفعه إلى السّماء؟ (قال: نعم)؛ أي:
يدفن في الأرض، لقوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) [طه]، ولأنّه من سنن الأنبياء والمرسلين (قالوا: أين) يدفن؟ كما تقدّم من الخلاف في دفنه. (قال:) يدفن (في المكان الّذي قبض الله فيه روحه، فإنّ الله لم يقبض روحه إلّا في مكان طيّب، فعلموا أن)؛ أي: أنّه (قد صدق) فيما قال.
وورد مثل هذا عن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه، فقد أخرج ابن الجوزيّ في «الوفاء»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه؟ فقال لي عليّ ﵁: إنّه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيّه ﷺ. قال الشّريف السّمهوديّ: فهذا أصل الإجماع على تفضيل البقعة التي ضمّت أعضاءه على جميع الأرض، حتّى من الكعبة!.
انتهى.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
ثمّ أمرهم أن يغسّله بنو أبيه.
واجتمع المهاجرون يتشاورون،
(ثمّ أمرهم أن يغسّله بنو أبيه)؛ أي: أمر النّاس أن يمكّنوا بني أبيه من غسله، ولا ينازعوهم فيه، ولذلك لم يقل: أمر بني أبيه أن يغسّلوه، مع أنّه الظّاهر؟ لأنّ المأمور بالغسل هم؛ لا النّاس.
ومراده: ب «بني أبيه»: عصبته من النّسب، فغسّله عليّ بن أبي طالب ﵁، لخبر ابن سعد والبزّار والبيهقيّ وابن الجوزي في «الواهيات»؛ عن عليّ قال: أوصاني النّبيّ ﷺ: «ألايغسّله أحد غيري، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه» . زاد «ابن سعد»: قال عليّ: فكان الفضل وأسامة يناولان الماء من وراء السّتر- وهما معصوبا العين- قال عليّ: فما تناولت عضوا، إلا كأنّما يقلّبه معي ثلاثون رجلا، حتّى فرغت من غسله.
وكان العبّاس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران «مولاه ﷺ» يصبّون الماء وأعينهم معصوبة من وراء السّتر.
(واجتمع المهاجرون يتشاورون) في أمر الخلافة، والواو لمطلق الجمع، لأنّ القضيّة واقعة قبل الدّفن، فقد ذكر الطبريّ «١» في «الرّياض النّضرة»: أنّ الصّحابة أجمعوا على أنّ نصب الإمام بعد انقراض زمن النّبوة من واجبات الأحكام، بل جعلوه أهمّ الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله ﷺ.
وواجب نصب إمام عدل بالشّرع فاعلم؛ لا بحكم العقل
واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع.
ولتلك الأهميّة لمّا توفّي رسول الله ﷺ قام أبو بكر خطيبا؛ فقال: يا أيّها
_________________
(١) هو المحب الطبري من علماء القرن السابع الهجري، لا المؤرخ المفسر المحدث المشهور. وقد تقدمت ترجمته مع شيء عن عائلته في الجزء الثاني.
[ ٤ / ٢٣١ ]
فقالوا: انطلق «١» بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير،
النّاس؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات! ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لا يموت، ولا بدّ لهذا الأمر ممّن يقوم به، فانظروا، وهاتوا رأيكم! فقالوا صدقت.
واجتمع المهاجرون، (فقالوا) لأبي بكر (: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار) ولعلّهم لم يطلبوا الأنصار إلى مجلسهم!! خوفا أن يمتنعوا من الإتيان إليهم؛ فيحصل اختلاف وفتنة، وقوله: (ندخلهم) - بالجزم؛ في جواب الأمر- (معنا في هذا الأمر)؛ أي: التّشاور في الخلافة، وكان من جملة القائلين: عمر رضي الله تعالى عنه حيث صرّح بالعلّة بقوله: مخافة إن فارقنا القوم؛ ولم تكن لهم بيعة معنا، أن يحدثوا بعدنا بيعة؟ فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم؛ فيكون فساد.
(فقالت الأنصار) - مرتّب على محذوف، والتّقدير: فانطلقوا إليهم- وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة- فتكلّموا معهم في شأن الخلافة، فقال قائلهم الحباب بن المنذر (: منّا أمير، ومنكم أمير!!) على عادتهم في الجاهلية، قبل تقرّر الأحكام الإسلامية، فإنّه كان لكلّ قبيلة شيخ ورئيس يرجعون إليه في أمورهم وسياستهم.
ولهذا كانت الفتنة مستمرّة فيهم إلى أن جاء النّبي ﷺ وألّف بين قلوبهم، وعفا الله عمّا سلف من ذنوبهم.
ولمّا قالوا ذلك ردّ عليهم أبو بكر الصّدّيق، وقال: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فكونوا معنا واستدلّ بقوله تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) [الحشر] مع
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: انطلقوا.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
فقال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: من له مثل هذه الثّلاثة؟
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] من هما؟.
قال: ثمّ بسط يده فبايعه، وبايعه النّاس، بيعة حسنة جميلة.
قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) [التوبة] فقال لهم:
نحن الصّادقون؛ فكونوا معنا. فأذعنوا لقوله.
واحتجّ بحديث: «الأئمّة من قريش» وهو حديث صحيح؛ ورد من طريق نحو أربعين صحابيا. وفي رواية أحمد والطّبرانيّ؛ عن عقبة بن عبد بلفظ: «الخلافة لقريش» .
واستغني بهذا عن الرّدّ عليهم بالدّليل العقلي؛ وهو أنّ تعدّد الأمير يفضي إلى التّعارض والتّناقض؛ فلا يتمّ النّظام، ولا يلتئم الكلام.
(فقال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: من له) أي: من ثبت له (مثل هذه) الفضائل (الثّلاثة؟!) التي ثبتت لأبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه، وهو استفهام إنكاريّ، قصد به الرّدّ على الأنصار، حيث توهّموا أنّ لهم حقا في الخلافة، وهذه الثّلاثة مذكورة في قوله تعالى (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) هذه الأولى، والثّانية قوله (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ)، والثّالثة قوله (إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) فبعد ما تلا عليهم عمر بن الخطّاب هذه الآية، قال: (من هما!؟) أي: من هذان الاثنان المذكوران في هذه الآية؟ والاستفهام للتّعظيم والتّقرير!!
(قال)؛ أي: الرّاوي (ثمّ بسط) أي: مدّ عمر ﵁ (يده) أي:
كفّه (فبايعه)؛ أي: بايع عمر أبا بكر الصّدّيق (وبايعه النّاس) أي: الموجودون في ذلك المحل (بيعة حسنة جميلة) لوقوعها عن ظهور واتفاق من أهل الحلّ والعقد، ولم يحضر هذه البيعة عليّ والزّبير؛ ظنّا منهما أنّ الشيخين لم يعتبراهما في
[ ٤ / ٢٣٣ ]
المشاورة؛ لعدم اعتنائهما بهما، مع أنّه ليس الأمر كذلك؟ بل كان عذرهما في عدم التّفتيش على من كان غائبا في هذه الوقت عن هذا المجلس، خوفهما من الأنصار أن يعقدوا البيعة لواحد منهم؛ فتحصل الفتنة، مع ظنّهما أنّ جميع المهاجرين خصوصا عليّا والزّبير لا يكرهون خلافة أبي بكر.
ولذلك قال عليّ والزّبير: ما أغضبنا إلّا أنّا أخّرنا عن المشورة، وأنّا نرى أبا بكر أحقّ النّاس بها، وأنّه لصاحب الغار، وأنّا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلّي بالنّاس؛ وهو حيّ، وأنّه رضيه لديننا؛ أفلا نرضاه لدنيانا.
ولمّا حصلت تلك المبايعة في سقيفة بني ساعدة يوم الاثنين؛ الّذي مات فيه النّبي ﷺ وأصبح يوم الثّلاثاء، واجتمع النّاس في المسجد النّبويّ بكثرة وحضر عليّ والزّبير، وجلس الصّدّيق على المنبر، وقام عمر، فتكّلم قبله، وحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله تعالى قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايعوه بيعة عامّة، حتّى عليّ والزّبير بعد بيعة السّقيفة.
ثمّ تكلّم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد؛ أيّها النّاس قد ولّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصّدق أمانة، والكذب خيانة، والضّعيف فيكم قويّ عندي حتى أريح عليه حقّه إن شاء الله تعالى، والقويّ فيكم ضعيف عندي؛ حتّى آخذ الحقّ منه إن شاء الله، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله، إلّا ضربهم الله بالذّلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قطّ إلّا عمّهم الله تعالى بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، وإذا عصيت الله ورسوله؛ فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم؛ رحمكم الله.
وأخرج موسى بن عقبة؛ في «مغازيه»، والحاكم وصحّحه؛ عن عبد الرّحمن بن عوف قال:
[ ٤ / ٢٣٤ ]
قال الباجوريّ:
(الفضيلة الأولى: كونه أحد الاثنين في قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة: ٤٠] .
الفضيلة الثّانية: إثبات الصّحبة في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة: ٤٠] .
خطب أبو بكر؛ فقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما وليلة قطّ، ولا كنت راغبا، ولا سألتها الله؛ في سرّ ولا علانية، ولكنّي أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، فلقد قلّدت أمرا عظيما؛ مالي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله.
ولما فرغوا من المبايعة يوم الثّلاثاء اشتغلوا بتجهيزه ﷺ.
(قال) شيخ الإسلام؛ إبراهيم (الباجوريّ) - نسبة إلى «بيجور» قرية بمصر؛ من المنوفيّة، ويقال لها: باجور، ولعلّها لغة فيها!! رحمه الله تعالى قال في تقرير الفضائل الثلاث الّتي ثبتت للصّدّيق رضي الله تعالى عنه:
(الفضيلة الأولى: كونه أحد الاثنين في قوله تعالى) في سورة التّوبة (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) [٤٠/ التوبة] المعهود بمكّة وقت الهجرة وهو غار ثور، إذ مكثا فيه ثلاث ليال، فذكر في الآية أبا بكر الصّدّيق مع النّبيّ ﷺ بضمير التّثنية، وناهيك بذلك.
(الفضيلة الثّانية: إثبات الصّحبة، في قوله تعالى إِذْ يَقُولُ) أي:
النّبيّ ﷺ (لِصاحِبِهِ) أبي بكر الصّدّيق، وقد قال له لما رأى أقدام المشركين: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصارنا؟! (لا تَحْزَنْ) مقول قول النّبيّ ﷺ، وكان الصّدّيق قد حزن على رسول الله ﷺ؛ لا على نفسه؟ فقال له:
يا رسول الله: إذا متّ أنا، فأنا رجل واحد، وإذا متّ أنت؛ هلكت الأمّة والدّين!!
[ ٤ / ٢٣٥ ]
فسمّاه الله (صاحبه)، فمن أنكر صحبته.. كفر؛ لمعارضته القرآن.
الفضيلة الثّالثة: إثبات المعيّة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
(فسمّاه الله «صاحبه») ولم يشرّف غيره من الصّحابة بتنصيصه على الصّحبة، (ف) لهذه الخصوصية، قال العلماء: (من أنكر صحبته كفر، لمعارضته القرآن) أي: لكون إنكار صحبته يتضمّن إنكار الآي القرآنية، بخلاف سائر الصّحابة، ولعلّ هذه الإضافة المشرّفة بالكتاب، صارت سببا لصحبته المستمرّة له في الحياة والممات، والخروج إلى العرصات، والدّخول في الجنّات!! فبهذه الصّحبة المخصوصة فارق الصّدّيق سائر الأصحاب، كما شهد به الكتاب.
(الفضيلة الثّالثة: إثبات المعيّة في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) [٤٠/ التوبة] والمراد بالمعيّة: الولاية الدائمة، الّتي لا يحوم حول صاحبها شيء من الحزن.
وفي العدول عن «معي» إلى «معنا»: دلالة واضحة على اشتراك الصّدّيق معه في هذه المعيّة، بخلاف قول موسى ﵊ كما أخبر سبحانه عنه بقوله فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) [الشعراء] .
وقد ذكرت الصّوفيّة هنا شيئا من النّكت العليّة؛ وهي: أنّ موسى ﵊ كان في مقام التّفرقة، وأنّ نبيّنا ﷺ كان في حالة الجمعيّة الجامعة، المعبّر عنها، بمقام «جمع الجمع» . فهذه المعيّة المقرونة بالجمعية مختصّة بالصّدّيق؛ دون الأصحاب.
فانظر إلى خصوصيّته ﵁ بهذه الأسرار، من موافقته في الغار، ومرافقته في الأسفار، وملازمته في موضع القرار؛ حيا وميتا، وخروجا من القبر،
[ ٤ / ٢٣٦ ]
فثبوت هذه الفضائل له.. يؤذن بأحقّيّته بالخلافة) .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمّا وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد.. قالت فاطمة رضي الله [تعالى] عنها: واكرباه، فقال النّبيّ ﷺ:
«لا كرب على أبيك بعد اليوم؛
ودخولا في الجنّة؛ مقدّما على جميع الأبرار.
(فثبوت هذه الفضائل له) دليل ظاهر على أفضليّته، وتقدّمه على سائر الصّحابة، وذلك (يؤذن بأحقّيّته بالخلافة) وفي هذه القضيّة من الإشارة الخفيّة أنّه أفضل المهاجرين، لأنّ هجرته مقرونة بهجرته ﷺ، بخلاف هجرة غيره؛ مقدّما أو مؤخّرا.
ومن المعلوم أنّ المهاجرين أفضل من الأنصار، وقد أشار إليه سبحانه بقوله:
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [١٠٠/ التوبة] .
فهذا دليل على أن الصّدّيق أفضل الأصحاب كما فهمه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهم. أجمعين.
(و) أخرج البخاريّ بعضه، وابن ماجه والتّرمذيّ في «الشّمائل»؛
(عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: لمّا وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت) أي: شدّة سكراته، لأنّه كان يصيب جسده الشّريف الآلام البشريّة، ليزداد ترقية في المراتب العليّة، و«من» تبعيضيّة، أو بيانيّة، لقوّة (ما وجد، قالت فاطمة) الزّهراء (﵂) - لمّا رأت من شدّة كرب أبيها- (: وا كرباه!!) - بألف الندبة، وفتح الكاف، وسكون الرّاء، وهاء ساكنة في آخره للوقف-، فقد حصل لها من التّألّم والتّوجّع مثل ما حصل لأبيها.
(فقال النّبيّ ﷺ) تسلية لها (: «لا كرب على أبيك بعد اليوم!!)، لأنّ الكرب كان بسبب العلائق الجسمانيّة، وبعد اليوم تنقطع تلك العلائق الحسّية،
[ ٤ / ٢٣٧ ]
إنّه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة» .
قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء»: (قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: دخلنا على رسول الله ﷺ في بيت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها حين دنا الفراق، فنظر إلينا، فدمعت عيناه ﷺ، ثمّ قال:
للانتقال حينئذ إلى الحضرة القدسيّة، فكربه سريع الزّوال؛ ينتقل بعده إلى أحسن النّعيم، ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمحن الدّنيا فانية، ومنح الآخرة باقية.
(إنّه)؛ أي: الحال والشّأن (قد حضر من أبيك)؛ أي: نزل به (ما) أي: شيء عظيم- (ليس) الله (بتارك منه) من الوصول إليه (أحدا) وذلك الأمر العظيم، هو (: الموافاة يوم القيامة») أي: الحضور ذلك اليوم المستلزم للموت.
والقصد تسليتها، بأنّه لا كرب عليه بعد اليوم، وأمّا اليوم فقد حضره ما هو مقرّر عامّ لجميع الأنام، فينبغي أن ترضي وتسلّمي؛ كذا قرره المناوي.
(قال الإمام) حجّة الإسلام محمّد بن محمّد بن محمّد: أبو حامد (الغزاليّ) بتخفيف الزّاي؛ في المشهور- منسوب إلى «غزالة»: قرية من قرى طوس، وحكي عن بعض أسباط الغزالي: أنّه أخطأ النّاس في تثقيل جدّنا. وإنّما هو مخفّف رحمه الله تعالى.
(في) كتاب («الإحياء»)؛ أي: «إحياء علوم الدّين»؛ في «ربع المنجيات؛ كتاب ذكر الموت»
(قال) عبد الله (بن مسعود) الهذليّ (رضي الله تعالى عنه:
دخلنا على رسول الله ﷺ في بيت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها حين دنا الفراق) للدّنيا (فنظر إلينا؛ فدمعت عيناه ﷺ، ثمّ قال:
[ ٤ / ٢٣٨ ]
«مرحبا بكم، حيّاكم الله، آواكم الله، نصركم الله، وأوصيكم بتقوى الله، وأوصي بكم الله، إنّي لكم منه نذير مبين؛ ألاتعلوا على الله في بلاده وعباده، وقد دنا الأجل، والمنقلب إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنّة المأوى، وإلى الكأس الأوفى، فاقرؤوا على أنفسكم وعلى من دخل في دينكم بعدي منّي السّلام ورحمة الله» .
«مرحبا بكم) - أي: لقيتم رحبا؛ أي: سعة- (حيّاكم الله) - معناه: الدّعاء لهم بالحياة في الطّاعة، على ما هو اللّائق في مقام الدّعاء- (آواكم الله) - بالمدّ والقصر، والمدّ أشهر، أي: ضمّكم إلى رحمته ورضوانه، وإلى ظلّ عرشه يوم القيامة- (نصركم الله)؛ أي: أعانكم.
(وأوصيكم بتقوى الله)؛ أي: بمخافته، والحذر من مخالفته، (وأوصي بكم الله)؛ أي: أستخلفه عليكم، (إنّي لكم منه نذير مبين) بيّن الإنذار؛ (أن لا تعلو) تتكبّروا (على الله في بلاده) بترك ما أمركم به، وفعل ما نهاكم عنه (وعباده) بظلمهم (وقد دنا): قرب (الأجل): الموت، (والمنقلب): الرّجوع (إلى الله، وإلى سدرة المنتهى) الّتي ينتهي إليها علم الخلائق، (وإلى جنّة المأوى):
الإقامة، (وإلى الكأس الأوفى، فاقرأوا على أنفسكم وعلى من دخل في دينكم بعدي منّي السّلام، ورحمة الله») أي: أنالكم الله رحمته الّتي وسعت كلّ شيء.
قال في «شرح الإحياء»:
قال العراقيّ: رواه البزّار، وقال: هذا الكلام قد روي [عن] مرّة عن عبد الله من غير وجه، وأسانيدها متقاربة. قال: وعبد الرّحمن بن الأصبهانيّ لم يسمع هذا من مرّة، وإنّما هو عمّي أخبره عن مرّة، قال: ولا أعلم أحدا رواه عن عبد الله غير مرّ.
قلت: وروي من غير ما وجه؛ رواه ابن سعد في «الطّبقات» من رواية ابن
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وروي: أنّه ﷺ قال لجبريل ﵇ عند موته: «من لأمّتي من بعدي؟»، فأوحى الله تعالى إلى جبريل: أن بشّر حبيبي أنّي لا أخذله في أمّته، وبشّره أنّه أسرع النّاس خروجا من الأرض إذا بعثوا، وسيّدهم إذا جمعوا،
عون؛ عن ابن مسعود. ورويناه في «مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاريّ» من رواية الحسن العرني؛ عن ابن مسعود، ولكنّهما منقطعان وضعيفان، والحسن العرنيّ، إنّما يرويه عن مرّة، كما رواه ابن أبي الدّنيا، والطّبرانيّ في «الأوسط» . انتهى.
(وروي) بإسناد ضعيف؛ في حديث طويل جدّا- كما قال العراقيّ- رواه الطبرانيّ في «الكبير» من حديث جابر؛ وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم.
(أنّه ﷺ قال لجبريل ﵇ عند موته: «من لأمّتي) المصطفاة (من بعدي؟» . فأوحى الله تعالى إلى جبريل) ﵇ (أن بشّر حبيبي، أنّي لا أخذله في أمّته، وبشّره أنّه أسرع النّاس خروجا من الأرض)؛ أي: من قبره.
فقد روى مسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أنا سيّد ولد آدم، وأوّل من ينشقّ عنه القبر، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع» . ورواه أبو داود أيضا وغيره.
(إذا بعثوا)؛ أي: أثيروا من قبورهم، وهذا من كمال عناية ربّه به، حيث منحه هذا السّبق، (وسيّدهم إذا جمعوا) في أرض المحشر يوم القيامة ويظهر سؤدده لكلّ أحد عيانا.
أخرج التّرمذيّ بسند فيه راو ليّن؛ عن أنس ﵁: «أنا أوّل النّاس خروجا؛ إذا بعثوا، وأنا خطيبهم؛ إذا وفدوا، وأنا مبشّرهم؛ إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي؛ ولا فخر» .
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وأنّ الجنّة محرّمة على الأمم، حتّى تدخلها أمّته، فقال [ﷺ]: «الآن قرّت عيني» .
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسّله بسبع قرب من سبعة آبار،
وأخرج مسلم وأبو داود كلاهما؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشقّ عنه القبر، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع» .
(وأنّ الجنّة محرّمة على الأمم، حتّى تدخلها أمّته. فقال)؛ أي ﷺ (: «الآن قرّت عيني»)؛ أي: سررت بهذه البشارة.
(وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها) فيما رواه الدّارميّ بهذا السّياق في «مسنده» - وفيه: إبراهيم بن المختار؛ مختلف فيه- عن محمّد بن إسحاق- وهو مدلّس، وقد رواه بالعنعنة؛ كما قاله العراقيّ-.
(أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسّله بسبع قرب من سبعة آبار) هذه زيادة على رواية البخاري وغيره، فيحتمل أنّها معيّنة، ويحتمل أنّها غير معيّنة، وإنّما يراد تفرّقها خاصّة.
فعلى الأوّل: في تلك الآبار المعيّنة خصوصيّة، ليست في غيرها.
وعلى الثّاني: الخصوصيّة في تفرّقها. والله أعلم.
وقد ذكر العلماء الآبار الّتي كان رسول الله ﷺ يتوضّأ منها، ويشرب من مائها؛ ويغتسل، وهي سبعة: ١- بئر أريس؛ ويقال لها «بئر الخاتم»، و٢- بيرحاء، و٣- بئر رومة، و٤- بئر غرس، و٥- بئر بضاعة، و٦- بئر بصّة، و٧- بئر السّقيا؛ أو ٧- بئر جمل. السّابعة فيها تردّد!!.
وقد أخرج ابن ماجه في «السّنن»؛ من حديث عليّ بإسناد جيّد: «إذا أنا
[ ٤ / ٢٤١ ]
ففعلنا ذلك، فوجد راحة، فخرج، فصلّى بالنّاس، واستغفر لأهل أحد، ودعا لهم، وأوصى بالأنصار، فقال: «أمّا بعد: يا معشر المهاجرين؛ فإنّكم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها الّتي هي عليها اليوم، وإنّ الأنصار عيبتي الّتي أويت إليها،
متّ، فاغسلوني بسبع قرب من بئري: بئر غرس» . انتهى «شرح الإحياء» .
(ففعلنا ذلك؛ فوجد راحة)؛ أي: خفّة من المرض (فخرج، فصلّى بالنّاس، واستغفر لأهل أحد، ودعا لهم) كالمودّع للأحياء والأموات، (وأوصى بالأنصار) أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم.
وفي البخاريّ؛ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا دخل بيتي واشتدّ وجعه؛ قال: «أهريقوا عليّ من سبع قرب؛ لم تحلل أوكيتهنّ، لعلّي أعهد إلى النّاس!» . فأجلسناه في مخضب لحفصة «زوج النّبيّ ﷺ» ثمّ طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب، حتّى طفق يشير إلينا بيده: أن قد فعلتنّ. قالت: ثمّ خرج إلى النّاس؛ فصلّى بهم، وخطبهم؛ (فقال:
«أمّا بعد؛ يا معشر المهاجرين، فإنّكم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها الّتي هي عليها اليوم) بل ينقصون- كما في البخاري- حتّى يكونوا كالملح في الطّعام» .
وقد وقع ذلك كما أخبر ﷺ، فإنّ الموجودين الآن ممّن ينسب إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه- ممّن يتحقّق نسبته إليه- أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس والخزرج، ممّن يتحقّق نسبه!! وقس على ذلك.
ولا التفات إلى كثرة من يدّعي أنّه منهم من غير برهان؛ قاله في «الفتح» .
(وإنّ الأنصار عيبتي) - بعين مهملة مفتوحة، وتحتيّة ساكنة، وموحّدة مفتوحة، وتاء تأنيث- وهي: ما يحرز فيها الرّجل نفيس ما عنده، يعني: أنّهم موضع سرّه (الّتي أويت إليها) فإنّهم آووه ونصروه، وهذا أمر قد انقضى زمانه؛
[ ٤ / ٢٤٢ ]
فأكرموا كريمهم- يعني: محسنهم- وتجاوزوا عن مسيئهم» .
ثمّ قال [ﷺ]: «إنّ عبدا خيّر بين الدّنيا وبين ما عند الله.. فاختار ما عند الله»، فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وظنّ أنّه يريد نفسه.
فقال النّبيّ ﷺ: «على رسلك يا أبا بكر،..
لا يلحقهم فيه اللّاحق، ولا يدرك شأوهم السّابق (فأكرموا كريمهم» - يعني:
محسنهم- وتجاوزوا عن مسيئهم») في غير الحدود. (ثمّ قال:
«إنّ عبدا خيّر) - من التّخيير- (بين الدّنيا وبين ما عند الله) في الآخرة؛ (فاختار) ذلك العبد (ما عند الله» . فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وظنّ)؛ أي: فهم (أنّه)؛ أي: النّبيّ ﷺ، (يريد) بهذا الكلام (نفسه) ﷺ فقال أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه: فديناك بابائنا وأمّهاتنا.
قال الرّاوي: فعجبنا لبكائه! وقال النّاس: متعجّبين: انظروا إلى هذا الشّيخ؛ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا؛ وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بابائنا وأمّهاتنا!؟.
قال الرّاوي: فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به؛ ذكره في البخاري.
(فقال النّبيّ ﷺ: «على رسلك؛ يا أبا بكر) تسلية له، إذ خفي المعنى على كثير ممّن سمع كلامه، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصّيص به؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار، وكان أعلم الأمّة بمقاصد النّبيّ ﷺ، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى؛ وقال «بل نفديك بأموالنا؛ وأنفسنا؛ وأولادنا» .
فسكّن الرسول ﷺ جزعه، وأخذ في مدحه، والثّناء عليه على المنبر، ليعلم النّاس كلّهم فضله؛ فلا يقع عليه اختلاف في خلافته، فقال: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» .
[ ٤ / ٢٤٣ ]
سدّوا هذه الأبواب الشّوارع في المسجد، إلّا باب أبي بكر؛ فإنّي لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصّحبة من أبي بكر» .
ثم قال ﷺ: («سدّوا هذه الأبواب الشّوارع في المسجد، إلّا باب أبي بكر) الصّدّيق؛ إكراما له، وتنويها بأنّ أبا بكر هو الخليفة والإمام بعده، فإنّ الإمام يحتاج إلى سكنى المسجد، والاستطراق فيه، بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلّين؛ فإبقاؤه مصلحة عامّة.
ثمّ صرّح بأفضليّته على غيره؛ حيث قال: (فإنّي لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصّحبة من أبي بكر») الصّدّيق، فهو أفضل الأصحاب على الإطلاق.
ثمّ أكّد هذا المعنى بأمره صريحا: أن يصلّي بالنّاس أبو بكر، فروجع في ذلك، وهو يقول: «مروا أبا بكر أن يصلّي بالنّاس» . فولّاه إمامة الصّلاة، ولذا قال الصّحابة عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟!
وفيه إشارة قويّة إلى استحقاقه الخلافة، لا سيّما وقد ثبت أنّ ذلك كان في الوقت الّذي أمرهم فيه أنّ لا يؤمّهم إلّا أبو بكر.
نعم جاء في سدّ الأبواب أحاديث؛ يخالف ظاهرها حديث الباب!!؛
فروى الإمام أحمد، والنّسائيّ بإسناد قويّ؛ عن سعد بن أبي وقّاص:
أمر ﷺ بسدّ الأبواب الشّارعة في المسجد، وترك باب عليّ زاد الطّبرانيّ في «الأوسط» برجال ثقات: فقالوا: يا رسول الله؛ سددت أبوابنا؟! فقال:
«ما سددتها!!، ولكنّ الله سدّها!» .
وروى الإمام أحمد، والنّسائيّ، والحاكم برجال ثقات؛ عن زيد بن أرقم:
كان لنفر من الصّحابة أبواب شارعة في المسجد؛ فقال ﷺ: «سدّوا هذه الأبواب، إلّا باب عليّ» ﵁، فتكلّم ناس في ذلك، فقال ﷺ: «إنّي والله ما سددت شيئا، ولا فتحته! ولكن ولكن أمرت بشيء، فاتّبعته» .
وروى الإمام أحمد، والنّسائيّ برجال ثقات؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى
[ ٤ / ٢٤٤ ]
عنهما قال: أمر ﷺ بأبواب المسجد فسدّت؛ غير باب عليّ. فكان يدخل المسجد وهو جنب؛ ليس له طريق غيره.
وروى الطّبرانيّ عن جابر بن سمرة قال: أمر بسدّ الأبواب كلّها؛ غير باب عليّ، فربّما مرّ فيه وهو جنب.
وروى الإمام أحمد بإسناد حسن؛ عن ابن عمر قال: لقد أعطي عليّ ثلاث خصال؛ لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم: زوّجه النّبيّ ﷺ ابنته؛ وولدت له، وسدّ الأبواب؛ إلّا بابه في المسجد، وأعطاه الرّاية يوم خيبر.
وهذه أحاديث يقوّي بعضها بعضا، وكلّ طريق منها صالح للحجّة؛ فضلا عن مجموعها. وأوردها ابن الجوزي في «الموضوعات»، وأعلّها بما لا يقدح!! وبمخالفتها للأحاديث الصّحيحة في باب أبي بكر!! وزعم أنّها من وضع الزّنادقة؛ قابلوا بها الحديث الصّحيح!! فأخطأ في ذلك خطأ شنيعا فاحشا، فإنّه سلك يردّ الأحاديث الصّحيحة بتوهّمه المعارضة!!
مع أنّ الجمع بين القضيّتين ممكن؛ كما أشار إليه البزّار، بما دلّ عليه حديث أبي سعيد؛ عند الترمذيّ: أنّ النّبيّ ﷺ قال لعليّ: «لا يحلّ لأحد، أن يطرق هذا المسجد جنبا، غيري وغيرك» .
والمعنى: أنّ باب عليّ كان إلى جهة المسجد؛ ولم يكن لبيته باب غيره، فلذا لم يؤمر بسدّه.
ويؤيّده ما أخرجه إسماعيل القاضي؛ عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب: أنّ النّبيّ ﷺ لم يأذن لأحد أن يمرّ في المسجد وهو جنب؛ إلّا لعليّ بن أبي طالب، لأنّ بيته كان في المسجد.
ومحصّل الجمع أنّه أمر بسدّ الأبواب مرّتين.
ففي الأولى: استثنى باب عليّ لما ذكر.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقبض ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري،
وفي الآخرى: باب أبي بكر، لكن إنّما يتمّ بحمل باب عليّ على الباب الحقيقي، وباب أبي بكر الباب المجازيّ؛ أي الخوخة- كما في بعض طرقه- وكأنّهم لما أمروا بسدّها سدّوها، وأحدثوا خوخا يستقربون الدّخول إلى المسجد منها؛ فأمروا بعد ذلك بسدّها، فهذا لا بأس به في الجمع.
وبه جمع الطّحاويّ والكلاباذيّ، وصرّح بأنّ بيت أبي بكر كان له باب خارج المسجد؛ وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت عليّ لم يكن له باب إلّا من داخل المسجد. انتهى. ملخّصا من «فتح الباري» رحم الله مؤلّفه. آمين.
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) - فيما ذكره في «الإحياء» . وقال العراقي: متّفق عليه- (فقبض ﷺ في بيتي، وفي يومي) الّذي كان يدور عليّ فيه (وبين سحري) - بفتح السّين، وسكون الحاء المهملتين-: هو الصّدر، (ونحري) - بفتح النّون، وسكون الحاء المهملة-: موضع القلادة من الصّدر؛ كما في «الصّحاح» .
وفي رواية عنها: مات بين حاقنتي وذاقنتي. والحاقنة- بالحاء المهملة، والقاف المكسورة، والنّون المفتوحة-: أسفل من الذّقن. والذّاقنة: طرف الحلقوم. وقيل: غير ذلك.
والحاصل: أنّ ما بين الحاقنة والذّاقنة، هو: ما بين السّحر والنّحر.
والمراد أنّه ﷺ توفّي ورأسه بين عنقها وصدرها.
وهذا الحديث الصّحيح لا يعارضه ما أخرجه الحاكم وابن سعد؛ من طرق:
أنّه ﷺ مات ورأسه في حجر عليّ!! لأنّ طريقا منها؛ كما قال الحافظ ابن حجر:
لا يخلو عن مقال في إسناده؛ من جهة ضعف رواته؛ فلا يلتفت لمعارضته الحديث الصّحيح.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت، فدخل عليّ أخي عبد الرّحمن وبيده سواك، فجعل ينظر إليه، فعرفت أنّه يعجبه ذلك، فقلت له: آخذه لك؟ فأومأ برأسه- أي: نعم- فناولته إيّاه، فأدخله في فيه، فاشتدّ عليه، فقلت: أليّنه لك؟ فأومأ برأسه- أي: نعم- فليّنته، وكان بين يديه ركوة ماء، فجعل يدخل فيها يده ويقول:
«لا إله إلّا الله، إنّ للموت لسكرات»، ثمّ نصب يده يقول:
«الرّفيق الأعلى
(وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت، فدخل عليّ) - بتشديد الياء- (أخي عبد الرّحمن) بن أبي بكر (وبيده سواك)؛ وأنا مسندة رسول الله ﷺ، (فجعل ينظر إليه!! فعرفت أنّه يعجبه ذلك؛ فقلت له: آخذه لك!؟ فأومأ برأسه؛ أي:
نعم) .
فيه العمل بالإشارة عند الحاجة، وقوّة فطنة عائشة رضي الله تعالى عنها (فناولته إيّاه، فأدخله في فيه؛ فاشتدّ عليه، فقلت: أليّنه لك؟ فأومأ برأسه، أي: نعم. فليّنته) بالماء، (وكان بين يديه ركوة ماء) - بفتح الرّاء؛ من جلد- (فجعل يدخل فيها يده) ويمسح بها وجهه، (ويقول: «لا إله إلّا الله، إنّ للموت لسكرات» .) جمع سكرة؛ وهي الشّدّة. (ثمّ نصب يده يقول: «الرّفيق الأعلى) أي: أسأل الله الرّفيق الأعلى.
والرّفيق الأعلى هو: جماعة الأنبياء الّذين يسكنون أعلى علّيّين. والمراد الأنبياء؛ ومن ذكر في الآية.
والمراد بمرافقتهم: المحلّ الّذي يحصل فيه مرافقتهم في الجملة؛ على اختلاف درجاتهم، فلا يقال: إنّ محلّه ﷺ فوقهم؛ فكيف يسأل اللّحاق بهم؟.
وقيل: المراد بالرّفيق الأعلى: الله، لأنّه من أسمائه تعالى- كما في مسلم؛
[ ٤ / ٢٤٧ ]
الرّفيق الأعلى» .
فقلت: إذا- والله- لا يختارنا.
وروى سعيد بن عبد الله، عن أبيه
عن عائشة: «إنّ الله رفيق؛ يحبّ الرّفق» -. وقيل: المراد بالرّفيق الأعلى:
حظيرة القدس، أي: الجنّة، وقيل غير ذلك.
(الرّفيق الأعلى») ولا زال يكرّر ذلك ﷺ حتّى قبض، ومالت يده.
وفي «المواهب»: الحكمة في اختتام كلامه ﷺ بهذه الكلمة كونها تتضمّن التّوحيد، أي: لدلالتها على قطع العلائق، عن غيره ﷾ حيث قصر نظره على طلب الرّفيق الأعلى على كلّ تفسيراته.
وتتضمّن الذّكر بالقلب، فهو وإن لم يذكر باللّسان؛ فهو مستحضر بالقلب، حتّى يستفاد منها الرّخصة لغيره، أنّه لا يشترط أن يكون الذّكر باللّسان عند الموت، لأنّ بعض النّاس قد يمنعه من النّطق مانع؛ كعقل اللّسان عنه، فلا يضرّه ذلك إذا كان قلبه عامرا بالذّكر. انتهى من الزّرقاني.
(فقلت: إذا؛ والله لا يختارنا) من الاختيار، وفي رواية: لا يجاورنا.
قالت: فعرفت أنّه حديثه الّذي كان يحدّثنا به؛ وهو صحيح حيث كان يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ، حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يخيّر» .
وما فهمته عائشة ﵂ من قوله ﵊: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» أنّه خيّر بين الدّنيا، والارتحال إلى الآخرة، نظير فهم أبيها ﵁؛ من قوله ﵊ «إنّ عبدا خيّره الله بين الدّنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عنده» أنّ العبد المراد هو النّبيّ ﷺ- كما تقدّم-.
(و) في كتاب «إحياء علوم الدّين» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
(روى سعيد بن عبد الله) بن ضرار (عن أبيه) عبد الله بن ضرار بن الأزور؛ تابعيّ روى عن ابن مسعود، قال أبو حاتم فيه، وفي ابنه سعيد: ليس بالقوي.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
قال: لمّا رأت الأنصار أنّ رسول الله ﷺ يزداد ثقلا.. أطافوا بالمسجد، فدخل العبّاس رضي الله تعالى عنه على النّبيّ ﷺ فأعلمه بمكانهم وإشفاقهم.
انتهى. وقال الذّهبيّ: سعيد بن عبد الله بن ضرار؛ عن أبيه؛ وغيره. قال يحيى:
لا يكتب حديثه. انتهى من «شرح الإحياء» .
وحديثه هذا قال فيه العراقيّ: مرسل ضعيف، وفيه نكارة، ولم أجد له أصلا!!.
لكن قال في «شرح الإحياء»: أسنده سيف بن عمر التّميمي- ويقال الضّبي- الكوفيّ في كتاب «الفتوح» هكذا. وسيف بن عمر ضعيف الحديث عمدة في التّاريخ، أفحش ابن حبّان القول فيه، مات زمن الرّشيد، روى له التّرمذيّ؛ قاله الحافظ ابن حجر. نقله الزّرقانيّ، وقال: ذكر هذا الحديث الفاكهانيّ في «الفجر المنير»؛ من طريق سيف بن عمر التّميمي المذكور رحمه الله تعالى.
(قال: لمّا رأت الأنصار) جمع ناصر؛ كالأصحاب: جمع صاحب، وسمّوا بذلك!! لما فازوا به دون غيرهم؛ من نصرته ﷺ وإيوائه، وإيواء من معه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم.
والأنصار هم: قبيلتا الأوس والخزرج، وحلفاؤهم أبناء حارثة بن ثعلبة، وهو اسم إسلاميّ، واسم أمّهم قيلة- بالقاف المفتوحة، والتّحتية السّاكنة-.
وفي البخاري؛ عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمّون به، أم سمّاكم الله به؟ قال: بلى سمّانا الله به. أي: كما في قوله تعالى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [١٠٠/ التوبة] انتهى. من القسطلّاني» .
(أنّ رسول الله ﷺ يزداد ثقلا) من مرضه (أطافوا بالمسجد، فدخل العبّاس رضي الله تعالى عنه على النّبيّ ﷺ؛ فأعلمه بمكانهم وإشفاقهم): خوفهم عليه
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ثمّ دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك.
ثمّ دخل عليه عليّ رضي الله تعالى عنه فأعلمه بمثله، فمدّ يده، وقال: «ها» فتناولوه، فقال: «ما يقولون؟»، قالوا: يقولون:
نخشى أن تموت. وتصايح نساؤهم لاجتماع رجالهم إلى النّبيّ ﷺ، فثار رسول الله ﷺ؛ فخرج متوكّئا على عليّ والفضل، والعبّاس أمامه، ورسول الله ﷺ معصوب الرّأس يخطّ برجليه، حتّى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، وثاب النّاس إليه، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «أيّها النّاس؛ إنّه بلغني أنّكم تخافون عليّ الموت، كأنّه استنكار منكم للموت؟! وما تنكرون من موت نبيّكم؟ ألم أنع إليكم، وتنعى إليكم أنفسكم؟!
الفقد، (ثمّ دخل عليه الفضل) بن عبّاس [رضي الله تعالى عنه] (فأعلمه بمثل ذلك، ثمّ دخل عليه عليّ) بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه فأعلمه بمثله) أي:
ذكر له حال الأنصار.
(فمدّ يده) ﷺ (وقال: «ها»)؛ أي: خذوا بيدي لأنهض، (فتناولوه، فقال: «ما يقولون؟» قالوا: يقولون: نخشى أن تموت) من مرضك هذا (وتصايح نساؤهم)؛ أي: رفعن أصواتهنّ بالبكاء (لاجتماع رجالهم إلى النّبيّ ﷺ، فثار رسول الله ﷺ) من فراشه (فخرج) حال كونه (متوكّئا على عليّ والفضل، والعبّاس أمامه): قدّامه، (ورسول الله ﷺ معصوب الرّأس) من الوجع (يخطّ) - بضمّ الخاء- (برجليه حتّى جلس على أسفل مرقاة): درجة (من المنبر، وثاب): اجتمع (النّاس إليه) في المجلس، (فحمد الله وأثنى عليه) بما هو أهله، (وقال: «أيّها النّاس؛ إنّه بلغني) من الثّلاثة المذكورين (أنّكم تخافون عليّ) - بتشديد الياء التحتيّة- (الموت؟! كأنّه استنكار منكم للموت؟!) أن ينزل بي، (وما تنكرون من موت نبيّكم!؟ ألم أنع إليكم؟ وتنعى إليكم أنفسكم؟!) في
[ ٤ / ٢٥٠ ]
هل خلّد نبيّ قبلي فيمن بعث.. فأخلّد فيكم؟
ألا وإنّي لاحق بربّي، ألا وإنّكم لاحقون به.
وإنّي أوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيرا، وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإنّ الله ﷿ قال: وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ.
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ١- ٣] إلى آخرها.
قوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر] (هل خلّد نبيّ قبلي فيمن بعث) إليهم (فأخلّد؟!) - بالنّصب- (فيكم!!) وفيه تسلية لهم، وتذكير بقوله تعالى وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [٣٤/ الأنبياء]، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [١٤٤/ آل عمران]، (ألا) - بالفتح والتّخفيف- (وإنّي لاحق بربّي، ألا وإنّكم لاحقون به)؛ أي: ميّتون لا محالة، (وإنّي أوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيرا) بأن تعرفوا حقّهم، وتنزلوهم منزلتهم، (وأوصي المهاجرين فيما بينهم) بالدّوام على التّقوى وعمل الصّالحات، (فإنّ الله ﷿ قال (وَالْعَصْرِ) (١) - الدّهر، أو: ما بعد الزّوال إلى الغروب، أو صلاة العصر- (إِنَّ الْإِنْسانَ) - الجنس- (لَفِي خُسْرٍ) (٢)؛ أي: خسران، ومعناه: النّقصان، وذهاب رأس المال، والتّنكير في الخسر، يفيد التّعظيم، أي: إنّ الإنسان لفي خسر عظيم، لا يعلم كنهه إلّا الله، فقد جعل الإنسان مغمورا في الخسر للمبالغة، وأنّه أحاط به من كلّ جانب، لأنّ كلّ ساعة تمرّ بالإنسان، فإن كانت مصروفة إلى المعصية؛ فلا شكّ في الخسر، وإن كانت مشغولة بالمباحات؛ فالخسران أيضا حاصل، وإن كانت مشغولة بالطّاعات؛ فهي غير متناهية، وترك الأعلى والاقتصار على الأدنى نوع خسران.
والألف واللّام في «الإنسان» للجنس، فيشمل المؤمن والكافر، بدليل الاستثناء في قوله- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
- أي: فليسوا كذلك، وتلاها (إلى آخرها) . أو أنّه قال: «إلى آخرها» .
[ ٤ / ٢٥١ ]
وإنّ الأمور تجري بإذن الله، فلا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله، فإنّ الله ﷿ لا يعجل لعجلة أحد، ومن غالب الله.. غلبه، ومن خادع الله.. خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [محمد: ٢٢] .
وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم الّذين تبوّؤوا الدّار والإيمان (وإنّ الأمور تجري)؛ أي: تقع (بإذن الله) أي: بإرادته، (فلا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله؟!، فإنّ الله ﷿ لا يعجل لعجلة)؛ أي: لأجل عجلة (أحد)، فلا فائدة في الاستعجال، بل فيه الهمّ والغمّ والنّكال، (ومن غالب الله غلبه) الله، (ومن خادع الله خدعه) . والمفاعلة فيهما ليست مرادة، بل هي نحو «عافاك الله» .
وإنّما عبّر بالمفاعلة!! تشبيها بفعل المغالب والمخادع لمن هو مثله، كما قال تعالى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [٩/ البقرة]؛ تشبيها لفعل المنافقين بفعل المخادع.
(فَهَلْ عَسَيْتُمْ) - فهل يتوقّع منكم- (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) - أمور النّاس، وتأمّرتم عليهم، أو أعرضتم وتولّيتم عن الإسلام- (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) [٢٢/ محمد]؛ تشاجرا على الدّنيا، وتجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من التّغاور ومقاتلة الأقارب.
والمعنى: أنّهم لضعفهم في الدّين وحرصهم على الدّنيا؛ أحقّاء بأن يتوقّع ذلك منهم من عرف حالهم، ويقول لهم: هل عسيتم؛ قاله البيضاوي.
ولا يخفى مناسبة تلاوته لهذه الآية في هذا المقام.
(وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم الّذين تبوّؤا الدّار)؛ أي: اتّخذوا المدينة وطنا، سمّيت دارا!! لأنّها دار الهجرة (والإيمان)؛ أي: ألفوه، فنصب بعامل
[ ٤ / ٢٥٢ ]
من قبلكم؛ أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثّمار؟! ألم يوسّعوا عليكم في الدّيار؟! ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟!.
ألا.. فمن ولّي أن يحكم بين رجلين.. فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم.
ألا.. ولا تستأثروا عليهم.
ألا.. وإنّي فرط لكم، وأنتم لاحقون بي.
ألا.. وإنّ موعدكم الحوض، حوضي أعرض ممّا بين بصرى خاصّ، أو بتضمين «تبوؤا» معنى «لزموا»، أو بجعل الإيمان منزلا مجازا لتمكّنهم فيه، فجمع في «تبوؤا» بين الحقيقة والمجاز. (من قبلكم، أن تحسنوا إليهم) بدل من «خيرا» .
ثمّ بيّن أنّ أمره به لمكافأتهم بقوله: (ألم يشاطروكم في الثّمار؟) بإعطائكم نصف ثمارهم. والاستفهام للتّقرير!! (ألم يوسّعوا لكم في الدّيار؟ ألم يؤثروكم): يقدّموكم (على أنفسهم، وبهم الخصاصة): الحاجة إلى ما يؤثرون به، (ألا فمن ولّي أن يحكم بين رجلين) منهم؛ (فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم) في غير الحدود.
وعبّر بالجمع!! إشارة إلى أنّ المراد جنس رجلين، أو على أنّ أقل الجمع اثنان.
(ألا) - بالفتح مخفّفا- (ولا تستأثروا عليهم) بتقديم أنفسكم، وتميّزكم بالأمور الدّنيوية دونهم، (ألا؛ وإنّي فرط) - بفتحتين: سابق- (لكم) أهيّء لكم حوائجكم، (وأنتم لاحقون بي، ألا وإنّ موعدكم الحوض) في القيامة، (حوضي أعرض ممّا بين بصرى)؛ كحبلى: بلد بالشّام، بين دمشق والمدينة، أوّل بلاد الشّام فتوحا سنة ثلاث عشرة، وحقّق شرّاح «الشّفاء» أنّها حوران، أو قيساريّة.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الشّام وصنعاء اليمن، يصبّ فيه ميزاب الكوثر ماء، أشدّ بياضا من اللّبن، وألين من الزّبد، وأحلى من الشّهد، من شرب منه.. لم يظمأ أبدا،
وإنما قال: «بصرى (الشّام») بالإضافة!! احترازا من بصرى بغداد؛ قرية قرب عكبر، ذكرها ياقوت في «المعجم» «١» (وصنعاء) - بالمدّ، ويقصر للضّرورة-: بلد باليمن، قاعدة ملكها، ودار سلطنتها، كثير الأشجار والمياه، حتّى قيل: إنّها تشبه دمشق الشّام في المروج والأنهار، ويقال: إنّ اسم مدينة صنعاء في الجاهلية: أزال. ويروى: أنّ صنعاء كانت امرأة ملكة، وبها سمّيت صنعاء، وفي كتاب «المعجم» لأبي عبيد البكري: أنّ صنعاء كلمة حبشيّة، ومعناها: وثيق حصين.
وإنّما قال «صنعاء (اليمن») !! بالإضافة، احترازا من صنعاء الشّام بباب دمشق.
والمراد أنّ مسافة عرضه كالمسافة بين بصرى وصنعاء، وهو مربّع؛ لا يزيد طوله ولا عرضه. قال القاضي عياض: الحوض على ظاهره عند أهل السّنّة، فيجب الإيمان به. وقال القرطبي: أحاديث الحوض متواترة، فقد رواه عن النّبيّ ﷺ أكثر من ثلاثين، ورواه عنهم من التّابعين أمثالهم، ثمّ لم تزل تلك الأحاديث تتوالى؛ وتشير الرّواة إليها في جميع الأعصار إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامت به حجّة الله علينا، فأجمع عليه السّلف والخلف.
(يصبّ فيه ميزاب الكوثر ماء) والكوثر: نهر في الجنّة؛ حافّتاه من الذّهب، ومجراه على الدّرّ والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه (أشدّ بياضا من اللّبن، وألين من الزّبد، وأحلى من الشّهد)؛ أي: العسل، وكيزانه عدد نجوم السّماء.
(من شرب منه) شربة (لم يظمأ) بعدها (أبدا)؛ أي: لم يعطش عطشا
_________________
(١) أي: «معجم البلدان» .
[ ٤ / ٢٥٤ ]
حصباؤه اللّؤلؤ، وبطحاؤه المسك، من حرمه في الموقف غدا..
حرم الخير كلّه.
ألا.. فمن أحبّ أن يرده عليّ غدا.. فليكفف لسانه ويده إلّا مّما ينبغي.
فقال العبّاس: يا نبيّ الله؛ أوص بقريش.
فقال: «إنّما أوصي بهذا الأمر قريشا؛ والنّاس تبع لقريش، يتأذّى به (حصباؤه اللّؤلؤ، وبطحاؤه) - أي: ترابه- (المسك)، وريحه أطيب من ريح المسك، وخصّه!! لأنّه أطيب الطّيب.
(من حرمه)؛ أي: منع من الشّرب منه (في الموقف غدا) أي: يوم القيامة (حرم الخير كلّه، ألا فمن أحبّ أن يرده عليّ) - بتشديد الياء- (غدا) .
عبّر به!! لأنّ كلّ ما هو آت قريب، (فليكفف لسانه ويده إلّا فيما ينبغي») .
وخصّهما!! لأنّهما أغلب ما يحصّل الفعل، وإلّا! فباقي الأعضاء كذلك.
(فقال العبّاس) بن عبد المطّلب (: يا نبيّ الله؛ أوص بقريش)؛ بالصّرف على الأصحّ- على إرادة الحيّ، ويجوز عدمه؛ على إرادة القبيلة- وهم ولد النّضر ابن كنانة، وهو الصّحيح، أو ولد فهر بن مالك بن النّضر، وهو قول الأكثر «١» .
وأوّل من نسب إلى قريش قصيّ بن كلاب، وقيل: غير ذلك. وقيل: سمّوا باسم دابّة في البحر؛ من أقوى دوابّه!! لقوّتهم، والتّصغير للتّعظيم.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ: («إنّما أوصي بهذا الأمر قريشا، والنّاس تبع لقريش) - لفضلهم على غيرهم، قيل: وهو خبر بمعنى الأمر، ويدلّ له قوله في حديث آخر: «قدّموا قريشا، ولا تقدّموها» . أخرجه عبد الرّزاق بإسناد صحيح،
_________________
(١) والصواب في هذه المسألة ما ذكره المؤلف في كتابه هذا (١/ ١٣١) .
[ ٤ / ٢٥٥ ]
برّهم لبرّهم، وفاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا- آل قريش- بالنّاس خيرا.
يا أيّها النّاس؛ إنّ الذّنوب تغيّر النّعم وتبدّل القسم، فإذا برّ النّاس.. برّهم أئمّتهم، وإذا فجر النّاس.. عقّوهم.
ولكنّه مرسل، وله شواهد (برّهم تبع لبرّهم) - فلا يجوز الخروج عليهم- (وفاجرهم تبع لفاجرهم) .
وفي «الصحيحين»؛ عن أبي هريرة: «النّاس تبع لقريش، في هذا الشّأن؛ مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» الحديث.
قال الكرمانيّ: هو إخبار عن حالهم في متقدّم الزّمان، يعني: أنّهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكفر، وكانت العرب تقدّم قريشا وتعظّمهم.
وزاد في «فتح الباري»: لسكناها الحرم، فلما بعث النّبيّ ﷺ ودعا إلى الله تعالى توقّف غالب العرب عن اتّباعه، فلمّا فتحت مكّة، وأسلمت قريش تبعتهم العرب، ودخلوا في دين الله أفواجا. انتهى. ذكره «القسطلّاني» .
(فاستوصوا) يا (آل قريش بالنّاس خيرا) بأن تحكموا فيهم بالعدل، وتجتنبوا الجور والظّلم.
(يا أيّها النّاس؛ إنّ الذّنوب تغيّر النّعم) كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [١١/ الرعد] (وتبدّل القسم، فإذا برّ النّاس؛ برّهم أئمّتهم) وأمراؤهم، (وإذا فجروا)؛ بأن عصوا الله ولم يراقبوه (عقّوهم)؛ أي: عقّهم أئمّتهم وأمراؤهم؛ بمخالفة مطلوبهم وقطع الإحسان إليهم، وغير ذلك.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
قال الله تعالى: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» [الأنعام: ١٢٩] .
وروى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه:
(قال الله تعالى) في سورة الأنعام (وَكَذلِكَ) - كما متّعنا عصاة الإنس والجنّ؛ بعضهم ببعض- (نُوَلِّي) - من الولاية؛ أي الإمارة، أي: نؤمّر ونسلّط (بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا) - أي: على بعض- (بِما) - أي: لسبب ما- (كانُوا) أي: البعض الثّاني- (يَكْسِبُونَ») من المعاصي.
قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية: هو أنّ الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولّى عليهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرّا ولّى عليهم شرارهم، فعلى هذا القول إنّ الرّعيّة متى كانوا ظالمين؛ سلّط الله ﷿ عليهم ظالما مثلهم. فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظّالم فليترك الظّلم. انتهى.
وفي الحديث: «كما تكونوا يولّى عليكم»؛ ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلميّ في «مسند الفردوس»؛ عن أبي بكرة، وبرمز البيهقيّ في «سننه»؛ عن أبي إسحاق السّبيعي مرسلا؛ أي: فإن اتّقيتم الله وخفتم عقابه؛ ولّى عليكم من يخافه فيكم، وعكسه؛ حكمه كحكم عكسه، ولهذا الحديث؛ لمّا سمع إنسان آخر يسبّ الحجّاج؛ قال له: لا تفعل!. وذكر الحديث، بل ينبغي الدّعاء، بنحو «اللهمّ لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك؛ ولا يرحمنا»، كما كان يفعل ﷺ فإذا تولّى عليكم ظالم فارجعوا لأنفسكم، ولوموها، فإنّه بسبب ظلمكم لبعضكم. والله أعلم.
(و) في «الإحياء»: (روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) .
قال العراقيّ: رواه ابن سعد في «الطبقات»، عن محمّد بن عمر (هو الواقديّ)؛ بإسناد ضعيف؛ إلى ابن عون؛ عن ابن مسعود، وهو مرسل ضعيف كما تقدّم-. انتهى.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه:
«سل يا أبا بكر» . فقال: يا رسول الله؛ دنا الأجل؟ فقال: «قد دنا الأجل، وتدلّى» .
فقال: ليهنك يا نبيّ الله ما عند الله، فليت شعري عن منقلبنا؟
فقال: «إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى جنّة المأوى، والفردوس الأعلى، والكأس الأوفى، والرّفيق الأعلى، والحظّ والعيش المهنّا» . فقال: يا نبيّ الله؛ من يلي غسلك؟ قال:
«رجال من أهل بيتي؛ الأدنى فالأدنى» .
وكذا رواه الطّبرانيّ في «الدّعاء»، والواحديّ في «التّفسير» بسند واه جدّا، إلى ابن مسعود؛ مع مخالفة في اللّفظ بالزّيادة والنّقص؛ كما في «شرح الإحياء» وغيره.
(أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «سل يا أبا بكر» . فقال:
يا رسول الله دنا)؛ أي: قرب (الأجل؟! فقال)؛ أي المصطفى ﷺ (: «قد دنا الأجل، وتدلّى!») وهو عبارة عن غاية القرب.
(فقال: ليهنك يا نبيّ الله؛ ما عند الله) من النّعيم المقيم بمجاورة الكريم، (فليت شعري عن منقلبنا!!)؛ أي: رجوعنا. (فقال: «إلى الله) فيكرم مثوانا، (وإلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى جنّة المأوى): الإقامة الدّائمة (والفردوس الأعلى): صفة كاشفة، لأنّ الفردوس هو أعلى الجنّة وأوسطها، (والكأس الأوفى، والرّفيق الأعلى، والحظّ والعيش): الحياة الدّائمة (المهنّى») الّذي لا ينغّصه شيء.
(فقال: يا نبيّ الله؛ من يلي غسلك؟) بعد موتك (قال) يلي غسلي (: «رجال من أهل بيتي، الأدنى فالأدنى): الأقرب فالأقرب، وقد غسّله
[ ٤ / ٢٥٨ ]
قال: يا رسول الله؛ فيم نكفّنك؟ قال: «في ثيابي هذه، وفي حلّة يمانية، وفي بياض مصر» .
عليّ بن أبي طالب ﵁، لحديث عليّ: أوصاني النبيّ ﷺ: «لا يغسّلني إلّا أنت، فإنّه لا يرى أحد عورتي، إلّا طمست عيناه» . رواه البزّار والبيهقي.
وأخرج البيهقيّ؛ عن الشّعبي، قال: غسّل عليّ النّبيّ ﷺ فكان يقول وهو يغسّله: بأبي أنت وأمّي؛ طبت حيّا وميّتا.
وأخرج أبو داود، وصحّحه الحاكم؛ عن عليّ قال: غسّلته ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميّت- أي: من الفضلات- فلم أر شيئا، وكان طيّبا حيّا وميّتا.
وكان العبّاس وابنه الفضل يعينانه في تقليب جسمه الشّريف، وقثم وأسامة بن زيد وشقران «مولاه ﷺ» يصبّون الماء، وأعينهم جميعا معصوبة؛ من وراء السّتر.
وغسّل ﷺ ثلاث غسلات: الأولى بالماء القراح، والثّانية: بالماء والسّدر، والثّالثة: بالماء والكافور. وجعل عليّ على يده خرقة، وأدخلها تحت القميص، ثمّ اعتصر قميصه، وحنّطوا مساجده ومفاصله، ووضّؤوا منه ذراعيه ووجهه وكفّيه وقدميه، وجمّروه عودا وندا.
وذكر ابن الجوزي أنّه روي عن جعفر الصّادق؛ قال: كان الماء يستنقع في جفون النّبيّ ﷺ؛ فكان عليّ يحسوه. (قلنا: يا رسول الله: فيم نكفّنك؟ قال:
«في ثيابي هذه) الّتي عليّ، (و) إن شئتم (في حلّة) - بضمّ الحاء المهملة، وشدّ اللّام-: ضرب من برود اليمن، وهي إزار ورداء، ولا تسمّى «حلّة»، حتّى تكون ثوبين (يمانية) - بالألف وخفّة الياء؛ على الأفصح- لأنّ الألف بدل من ياء النّسب، فلا يجتمعان. انتهى. «زرقاني» .
(وفي) ثياب (بياض مصر») أي: في الثّياب البيض الّتي جاءته من مصر.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
فقال: كيف الصّلاة عليك منّا؟ وبكينا، وبكى ثمّ قال:
«مهلا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرا.
إذا غسّلتموني
روى ابن عبد الحكم أن المقوقس أهدى له ﵊ عشرين ثوبا من قباطي مصر، وأنّها بقيت حتّى كفّن في بعضها.
وفي حديث عروة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة. أخرجه النّسائي من رواية عبد الرزّاق؛ عن معمر؛ عن الزّهريّ؛ عن عروة؛ عنها.
واتّفق عليه الأئمّة السّتّة؛ من طريق هشام بن عروة؛ عن أبيه؛ عن عائشة، بزيادة: من كرسف؛ ليس فيها قميص ولا عمامة.
وليس قوله «١»: «من كرسف» عند الترمذيّ، ولا ابن ماجه، وزاد مسلم في رواية عن عائشة: أما الحلّة! فإنما شبّه على النّاس فيها، أنّها اشتريت له ليكفّن فيها؛ فتركت الحلّة وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، فأخذها عبد الله بن أبي بكر الصّدّيق، فقال: لأحبسنّها حتّى أكفّن فيها نفسي. ثمّ قال: لو رضيها الله لنبيّه؛ لكفّنه فيها!! فباعها وتصدّق بثمنها.
وهذا من عائشة يدلّ على أن قولها «ثلاثة أثواب» عن علم وإيقان؛ لا عن تخمين وحسبان.
وجاء في «طبقات ابن سعد» عن الشّعبيّ: بيان الثّلاثة الأثواب؛ بأنّها إزار ورداء ولفافة. وقال التّرمذيّ: روي في كفن النّبيّ ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصحّ الأحاديث في ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ من الصّحابة، وغيرهم.
(فقال: كيف الصّلاة عليك منّا؟ وبكينا)؛ حزنا على فراقه (وبكى) لبكائنا، (ثمّ قال: «مهلا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرا، إذا غسّلتموني
_________________
(١) الأحسن «قولها» عائد على عائشة. وإن ذكّر الضمير على إرادة «الراوي» فلا بأس به.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
وكفّنتموني.. فضعوني على سريري هذا، في بيتي هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة- فإنّ أوّل من يصلّي عليّ الله ﷿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: ٤٣] .
ثمّ يأذن للملائكة في الصّلاة عليّ، فأوّل من يدخل عليّ من خلق الله ويصلّي عليّ.. جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت مع جنود كثيرة، ثمّ الملائكة بأجمعها صلّى الله عليهم أجمعين،
وكفّنتموني؛ فضعوني على سريري هذا في بيتي هذا، هذا على شفير) - بشين معجمة وفاء- أي: حرف (قبري، ثمّ اخرجوا عنّي ساعة): قدرا من الزّمان، (فإنّ أوّل من يصلّي عليّ) - بتشديد الياء- (الله ﷿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ): يرحمكم (وَمَلائِكَتُهُ) [٤٣/ الأحزاب] يستغفرون لكم.
قال السّدّي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلّي ربّنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إنّي أصلّي، وإنّ صلاتي رحمتي، وقد وسعت رحمتي كلّ شيء. ذكره البغويّ.
(ثمّ يأذن للملائكة في الصّلاة عليّ.
فأوّل من يدخل عليّ من خلق الله ويصلّي عليّ جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت؛ مع جنود) جماعة (كثيرة.
ثمّ الملائكة) المأذون لها في الحضور للتّشييع (بأجمعها صلّى الله عليهم أجمعين.
[ ٤ / ٢٦١ ]
ثمّ أنتم؛ فادخلوا عليّ أفواجا، فصلّوا عليّ أفواجا؛ زمرة زمرة، وسلّموا تسليما، ولا تؤذوني بتزكية ولا صيحة ولا رنّة، وليبدأ منكم الإمام، وأهل بيتي الأدنى.. فالأدنى، ثمّ زمرة النّساء، ثمّ زمرة الصّبيان.
ثمّ أنتم فادخلوا) للصلاة ([عليّ] أفواجا) جمع فوج- بفتح فسكون- وجمع الجمع: أفاويج.
(فصلّوا عليّ أفواجا)؛ أي: جماعات (زمرة زمرة)؛ أي: جماعة بعد جماعة (وسلّموا تسليما، ولا تؤذنوا بتزكية) غير لائقة بي، ممّا هو من أوصاف الرّبّ جلّ وعلا، (ولا صيحة ولا رنّة) بنياحة.
(وليبدأ) بالصّلاة عليّ (منكم الإمام)؛ أي: الخليفة وهو أبو بكر الصّدّيق.
(وأهل بيتي): عليّ والعبّاس، و(الأدنى فالأدنى)؛ أي: الأقرب فالأقرب يتقدّم.
(ثمّ زمرة النّساء) من أهل بيت النّبوّة، ثمّ نساء غيرهم.
(ثمّ زمرة الصّبيان) وفي حديث ابن عبّاس- عند ابن ماجه- لمّا فرغوا من جهازه ﷺ يوم الثّلاثاء وضع على سريره في بيته، ثمّ دخل النّاس عليه ﷺ أرسالا، يصلّون عليه، حتّى إذا فرغوا، دخل النّساء، حتى إذا فرغن؛ دخل الصّبيان، ولم يؤمّ النّاس على رسول الله ﷺ أحد.
قال ابن كثير: هذا أمر مجمع عليه.
واختلف في أنّه تعبّد لا يعقل معناه، أو ليباشر كلّ واحد الصّلاة عليه، منه إليه؟.
وقال السّهيلي: قد أخبر الله أنّه وملائكته يصلّون عليه، وأمر كلّ واحد من
[ ٤ / ٢٦٢ ]
المؤمنين أن يصلّي عليه، فوجب على كلّ أحد أن يباشر الصّلاة عليه منه إليه، والصّلاة عليه بعد موته من هذا القبيل، قال: وأيضا؛ فإنّ الملائكة لنا في ذلك أئمّة. انتهى.
وقال الشّافعيّ في «الأمّ»: وذلك لعظم أمره ﷺ وتنافسهم فيمن يتولّى الصّلاة عليه، وروي أنّه لمّا صلّى أهل بيته، لم يدر النّاس ما يقولون؟ فسألوا ابن مسعود؛ فأمرهم أن يسألوا عليّا!! فقال لهم: قولوا إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [٥٦/ الأحزاب] الآية، لبّيك اللهمّ ربّنا وسعديك، صلوات الله البرّ الرّحيم؛ والملائكة المقرّبين، والنّبييّن والصّدّيقين، والشّهداء والصّالحين؛ وما سبّح لك من شيء يا ربّ العالمين على محمّد بن عبد الله: خاتم النّبييّن، وسيّد المرسلين، وإمام المتّقين، ورسول ربّ العالمين، الشّاهد البشير، الدّاعي إليك بإذنك السّراج المنير، وعليه السّلام. ذكر ذلك الشّيخ زين الدّين بن الحسين المراغي في كتابه «تحقيق النّصرة لمعالم دار الهجرة» . انتهى زرقانيّ على «المواهب» .
وظاهر هذا: أنّ المراد ما ذهب إليه جماعة؛ أنّه لم يصلّ عليه الصّلاة المعتادة، وإنّما كان النّاس يأتون فيدعون.
قال الباجيّ: ووجهه: أنّه ﷺ أفضل من كلّ شهيد، والشّهيد يغنيه فضله عن الصّلاة عليه!!. فهو ﷺ أولى.
قال: وإنّما فارق الشّهيد في الغسل!! حذرا من إزالة الدّم عن الشّهيد، وهو مطلوب بقاؤه لطيبه، ولأنّه عنوان لشهادته في الآخرة، وليس على النّبيّ ﷺ ما تكره إزالته؛ فافترقا. انتهى.
لكن قال القاضي عياض: الصّحيح الّذي عليه الجمهور: أنّ الصّلاة على النّبيّ ﷺ كانت صلاة حقيقية؛ لا مجردّ الدّعاء فقط. انتهى.
وأجيب عمّا اعتلّ به الأوّلون بأنّ المقصود من الصّلاة عليه عود التّشريف على المسلمين، مع أنّ الكامل يقبل زيادة التّكميل، نعم؛ لا خلاف أنّه لم يؤمّهم أحد
[ ٤ / ٢٦٣ ]
قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: «زمر من أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة لا ترونهم؛ وهم يرونكم،
- كما مرّ- لقول عليّ: هو إمامكم حيّا وميتا، فلا يقوم عليه أحد الحديث.
رواه ابن سعد.
وأخرج التّرمذيّ أنّ النّاس قالوا لأبي بكر: أيصلّى على رسول الله ﷺ؟ قال:
نعم. قالوا: وكيف نصلّي؟ قال: يدخل قوم فيكبّرون ويصلّون ويدعون، ثمّ يدخل قوم فيصلّون ويكبّرون ويدعون فرادى. انتهى.
(قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: «زمر من أهل بيتي): أقاربي (الأدنى..
فالأدنى) منهم، (مع ملائكة كثيرة لا ترونهم، وهم يرونكم») .
وقد اختلف فيمن أدخله قبره؟. وأصحّ ما روي أنّه نزل في قبره عمّه العبّاس، وعليّ، وقثم بن العبّاس، والفضل بن العبّاس، وكان آخر النّاس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن العبّاس؛ أي: أنّه تأخّر في القبر حتّى خرجوا قبله.
وروي أنّه بني في قبره تسع لبنات، وفرش تحته قطيفة نجرانيّة؛ كان يتغطّى بها ويجلس عليها، وهي كساء له خمل؛ أي: أهداب فرشها شقران مولاه ﷺ في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك.
قال النّوويّ: وقد نصّ الشّافعيّ وجميع أصحابه؛ وغيرهم من العلماء: على كراهة وضع قطيفة؛ أو مضريّة؛ أو مخدّة، ونحو ذلك تحت الميّت في القبر.
وشذّ البغويّ من أصحابنا؛ فقال في كتابه «التّهذيب»: لا بأس بذلك، لهذا الحديث. والصّواب كراهة ذلك؛ كما قاله الجمهور.
وأجابوا عن هذا الحديث: بأنّ شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصّحابة، ولا علموا بذلك، وإنّما فعله شقران! لما ذكرنا عنه؛ من كراهته أن يلبسها أحد بعد النّبيّ ﷺ.
انتهى كلام النّوويّ.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
قوموا فأدّوا عنّي إلى من بعدي» . وقال عبد الله بن زمعة [رضي الله تعالى عنه]: جاء بلال في أوّل شهر ربيع الأوّل، فأذّن بالصّلاة، فقال رسول الله ﷺ:
وفي كتاب «تحقيق النّصرة»: قال ابن عبد البرّ: ثمّ أخرجت يعني: القطيفة من القبر لمّا فرغوا من وضع اللّبنات التّسع، حكاه ابن زبالة.
قال العراقيّ في «ألفية السّيرة»:
وفرشت في قبره قطيفة وقيل: أخرجت، وهذا أثبت
(قوموا فأدّوا عنّي) - ما سمعتم منّي- (إلى من بعدي») من أمّتي.
(و) في «الإحياء»: (قال عبد الله بن زمعة) بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى القرشي؛ الأسديّ، «ابن أخت أم سلمة، زوج النّبيّ ﷺ» واسم أمّه: قريبة بنت أبي أمية. قال القاضي عياض في «المشارق»: زمعة بسكون الميم. وضبطناه عن ابن بحر: بفتح الميم؛ حيث وقع، وكلاهما قال الحافظ في «الفتح»: ووقع في «الكاشف» للذّهبيّ أنّه أخو سودة أمّ المؤمنين.
وهو وهم؛ يظهر صوابه من سياق نسبها.
قال البغويّ: كان يسكن المدينة وله أحاديث، ويقال: إنّه كان يأذن على النّبيّ ﷺ قتل يوم الدّار سنة: خمس وثلاثين. وبه جزم أبو حسّان الزيادي، روى له الجماعة. انتهى ذكره في «شرح الإحياء» .
والحديث المذكور قال العراقي: رواه أبو داود بإسناد جيّد مختصرا؛ دون قوله «فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجل رقيق الخ» ولم يقل في أوّل ربيع الأوّل!؟
وقال: «مروا من يصلّي بالنّاس» . وقال: «يأبى الله ذلك والمؤمنون، مرّتين» .
انتهى. ذكره في «شرح الإحياء» .
(جاء بلال) ﵁ (في أوّل شهر ربيع الأوّل) قد علمت أنّ هذا ليس في رواية أبي داود (فأذّن بالصّلاة، فقال رسول الله ﷺ:
[ ٤ / ٢٦٥ ]
«مروا أبا بكر يصلّي بالنّاس» . فخرجت فلم أر بحضرة الباب إلّا عمر في رجال ليس فيهم أبو بكر، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالنّاس، فقام عمر، فلمّا كبّر- وكان رجلا صيّتا- سمع رسول الله ﷺ صوته بالتّكبير.. فقال: «أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك، والمسلمون» قالها ثلاث مرّات: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»، فقالت عائشة رضي الله [تعالى] عنها: يا رسول الله؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام في مقامك غلبه البكاء.
«مروا) - بضمّتين؛ بوزن: كلوا، أي: بلّغوا أمري- (أبا بكر) الصّدّيق.
وفي رواية أبي داود: «مروا من (يصلّي بالنّاس»)؛ أي: يؤمّهم.
قال: (فخرجت فلم أر بحضرة الباب إلّا عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (في رجال ليس فيهم أبو بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (؛ فقلت: قم يا عمر؛ فصلّ بالنّاس، فقام عمر) واصطفّ النّاس.
(فلمّا كبّر) للصّلاة؛ (وكان رجلا صيّتا)؛ أي: جهير الصّوت، (سمع رسول الله ﷺ صوته بالتّكبير) لقرب الحجرة الشّريفة من المسجد؛
(فقال: «أين أبو بكر!؟ يأبى الله ذلك، والمسلمون» !! قالها ثلاث مرّات) رواية أبي داود: «يأبى الله ذلك والمؤمنون» مرّتين.
(مروا أبا بكر فليصلّ) - بسكون اللّام الأولى، ويروي بكسرها مع زيادة ياء مفتوحة- (بالنّاس») إماما، وفي رواية لأبي داود، فقال: «لا.. لا، ليصلّ للنّاس ابن أبي قحافة» يقول ذلك تغضّبا.
(فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق) بقافين- (إذا قام في مقامك غلبه البكاء؟!) لرقّة قلبه وغلبة دمعه، ولما يلاحظ من فقده ﷺ وما كان يجد من فقد أنسه وأنواره.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
فقال: «إنّكنّ صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
قال: فصلّى أبو بكر بعد الصّلاة الّتي صلّى عمر.
فكان عمر يقول لعبد الله بن زمعة بعد ذلك: ويحك، ماذا صنعت بي؟ والله لولا أنّي ظننت أنّ رسول الله ﷺ أمرك.. ما فعلت، فيقول عبد الله: إنّي لم أر أحدا أولى بذلك منك.
(فقال)؛ أي: النّبيّ ﷺ لعائشة (: «إنّكنّ صويحبات يوسف) النّبيّ ﷺ في إظهار خلاف ما في الباطن.
والخطاب؛ وإن كان بلفظ الجمع؛ فالمراد به واحدة فقط؛ وهي عائشة رضي الله تعالى عنها كما أنّ «صويحبات» جمع؛ والمراد به زليخا فقط، على أن في رواية عند البخاريّ: أنّها قالت لحفصة: أن تقول ما قالت: أي: مر عمر فليصلّ بالنّاس، فقالت حفصة ذلك، فحينئذ قال ما قال!! وأقلّ الجمع اثنان، وقد تقدّم («مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس») .
وفيه: ألايقدّم للإمامة؛ إلّا أفضل القوم فقها وقراءة وورعا وغيرها.
وفي تكرار أمره بتقديمه الدّلالة الظّاهرة عند من له إيمان على أنّ أبا بكر أحقّ النّاس بخلافته، وقد وافق على ذلك عليّ، وغيره من أهل البيت.
(قال)؛ أي الرّاوي (: فصلّى أبو بكر بعد الصّلاة الّتي صلّى عمر) بالنّاس سبع عشرة صلاة- كما نقله الدّمياطيّ- (فكان عمر يقول لعبد الله بن زمعة بعد ذلك: ويحك؛ ماذا صنعت بي؟! والله لولا أنّي ظننت أنّ رسول الله ﷺ أمرك، ما فعلت! فيقول عبد الله: إنّي لم أر أحدا أولى بذلك منك.)
والحديث من قوله «فقالت عائشة الخ» في «الصّحيح» بلفظ: فقالت عائشة:
يا رسول الله؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع النّاس من البكاء!!.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: وما قلت ذلك ولا صرفته عن أبي بكر إلّا رغبة به عن الدّنيا، ولما في الولاية من المخاطرة والهلكة وفي رواية: إذا قرأ القرآن؛ لا يملك دمعه؟.
قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فعاودته مثل مقالتها، فقال: «إنّكنّ صواحبات يوسف! مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» رواه الشّيخان.
وفي رواية للشّيخين: إنّ أبا بكر رجل أسيف.
وفي رواية عند البخاري في «الصّلاة، والاعتصام» أنّه ﷺ قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقالت عائشة: إنّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر، فليصلّ بالنّاس!. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس قالت:
قلت لحفصة: قولي له «إنّ أبا بكر؛ إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر، فليصلّ بالنّاس» ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ: «مه! إنكن أنتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا!!.
وفي «مسند الدّارمي» من وجه آخر: أنّ أبا بكر هو الّذي أمر عائشة أن تشير على النّبي ﷺ أن يأمر عمر بالصّلاة.
قال الحافظ ابن حجر: لم يرد أبو بكر ما أرادت عائشة؛ بل قاله لعذره برقّة قلبه، أو لفهمه منها الإمامة العظمى، وعلم ما في تحمّلها من الخطر، وعلم قوّة عمر على ذلك؛ فاختاره، والظّاهر أنّه لم يطّلع على المراجعة، أو فهم من أمره بذلك تفويضه؛ سواء باشر بنفسه، أو استخلف.
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: وما قلت ذلك) الكلام (ولا صرفته) ﷺ (عن) اختيار (أبي بكر) للإمامة (إلّا رغبة به)؛ أي: أبي بكر (عن الدّنيا، و) أيضا (لما في الولاية من) الدّخول في (المخاطرة و) أسباب (الهلكة) -
[ ٤ / ٢٦٨ ]
إلّا من سلّم الله، وخشيت أيضا ألايكون النّاس يحبّون رجلا صلّى في مقام النّبيّ ﷺ وهو حيّ أبدا- إلّا أن يشاء الله- فيحسدونه، ويبغون عليه، ويتشاءمون به، فإذا الأمر أمر الله، والقضاء قضاء الله تعالى، وعصمه الله تعالى من كلّ ما تخوّفت عليه من أمر الدّنيا والدّين.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
محرّكة؛ بوزن قصبة-: الهلاك (إلّا من سلّم) هـ (الله) وحفظه بعنايته السّابقة.
(وخشيت أيضا ألايكون النّاس يحبّون رجلا صلّى في مقام النّبيّ ﷺ وهو) ﷺ (حيّ أبدا، إلّا أن يشاء الله؛ فيحسدونه، ويبغون عليه، ويتشاءمون) - بشين معجمة والمد- (به، فإذا الأمر أمر الله، والقضاء قضاء الله تعالى) نفذ باختيار الصّدّيق؛ أي: اختاره الله تعالى، وجمع به كلمة المسلمين (وعصمه الله تعالى)؛ أي: حفظه (من كلّ ما تخوّفت عليه؛ من أمر الدّنيا والدّين) .
رواه البخاريّ في «باب الوفاة»، ومسلم في «الصّلاة» بلفظ: فلقد راجعته في ذلك؛ وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس بعده رجلا قام مقامه أبدا، وما حملني على ذلك؛ إلّا أنّي كنت أرى أنّه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم النّاس به؛ فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر.
وفي رواية لمسلم: قالت: والله ما بي إلّا كراهية أن يتشاءم النّاس بأوّل من يقوم مقامه ﷺ، فراجعته مرّتين؛ أو ثلاثا.
(و) في «الإحياء» للغزالي رحمه الله تعالى: (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) - فيما رواه الطّبرانيّ في «الكبير»؛ من حديث جابر، وابن عبّاس، مع اختلاف في حديث طويل- في نحو ورقتين كبار- وهو منكر؛ فيه عبد المنعم بن إدريس بن سنان؛ عن أبيه؛ عن وهب بن منبّه، قال أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه، وأبوه إدريس أيضا متروك؛ قاله الدارقطني. وقد رواه أبو نعيم في
[ ٤ / ٢٦٩ ]
فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه رسول الله ﷺ.. رأوا منه خفّة في أوّل النّهار؛ فتفرّق عنه الرّجال إلى منازلهم وحوائجهم مستبشرين، وأدخلوا رسول الله ﷺ بالنّساء، فبينا نحن على ذلك- لم نكن على مثل حالنا في الرّجاء والفرح قبل ذلك- قال رسول الله ﷺ: «اخرجن عنّي؛ هذا الملك يستأذن عليّ» . فخرج من في البيت غيري، ورأسه في حجري، فجلس، وتنحّيت في جانب البيت، فناجى الملك طويلا، ثمّ إنّه دعاني؛ فأعاد رأسه في حجري، وقال للنّسوة: «ادخلن»، فقلت: ما هذا بحسّ جبريل ﵇؟
«الحلية» عن الطّبراني بطوله؛ قاله في «شرح الإحياء» . - وذكر الحديث بطوله:
(فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه رسول الله ﷺ)؛ وهو يوم الاثنين (رأوا منه خفّة في أوّل النّهار)؛ أي: أنّه أصبح يوم الاثنين خفيف المرض.
(فتفرّق عنه الرّجال إلى منازلهم وحوائجهم؛ مستبشرين) بظهور علامة الشّفاء. وقال له أبو بكر: أراك يا رسول الله قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحبّ، واليوم يوم ابنة خارجة. أفاتيها؟! قال: «نعم»، فذهب.
(وأخلوا رسول الله ﷺ بالنّساء، فبينا نحن على ذلك، لم نكن على مثل حالنا في الرّجاء والفرح قبل ذلك)؛ إذ (قال رسول الله ﷺ) للنّساء (: «أخرجن عنّي، هذا الملك)؛ أي: ملك الموت (يستأذن عليّ»)؛ أي: يطلب الإذن بالدّخول عليّ.
(فخرج من في البيت) من النّسوة (غيري، ورأسه في حجري، فجلس) مستعدّا للقاء الملك، (وتنحّيت في جانب البيت)؛ أي: صرت في ناحية منه، (فناجى الملك طويلا، ثمّ إنّه دعاني؛ فأعاد رأسه في حجري، وقال للنّسوة:
«ادخلن» . فقلت:) يا رسول الله؛ (ما هذا بحسّ جبريل ﵇؟.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
فقال رسول الله ﷺ: «أجل يا عائشة؛ هذا ملك الموت، جاءني فقال: إنّ الله ﷿ أرسلني، وأمرني أن لا أدخل عليك إلّا بإذن، فإن لم تأذن لي.. أرجع، وإن أذنت لي..
دخلت، وأمرني ألاأقبضك حتّى تأمرني، فماذا أمرك؟ فقلت:
«اكفف عنّي، حتّى يأتيني جبريل ﵇، فهذه ساعة جبريل» .
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب؛ ولا رأي، فوجمنا وكأنّما ضربنا بصاخّة- أي:
بصيحة- ما نحير إليه شيئا، وما يتكلّم أحد من أهل البيت؛ إعظاما لذلك الأمر، وهيبة ملأت أجوافنا.
فقال رسول الله ﷺ: «أجل يا عائشة؛ هذا ملك الموت، جاءني، فقال: إنّ الله ﷿ أرسلني) إليك، (وأمرني ألاأدخل عليك إلّا بإذن، فإن لم تأذن لي، أرجع، وإن أذنت لي دخلت، وأمرني ألا أقبضك حتّى تأمرني، فماذا أمرك»؟؟)
زاد في رواية: قال: «وتفعل ذلك يا ملك المو؟» قال: نعم، أمرت أن أطيعك في كلّ ما أمرتني.
(«فقلت: اكفف عنّي حتّى يأتيني جبريل ﵇، فهذه ساعة جبريل» .
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب؛ ولا رأي، فوجمنا)؛ أي: اندهشنا (وكأنّما ضربنا بصاخّة) - بتشديد الخاء المعجمة-: وهي المصيبة الشّديدة، وقال المصنّف: (أي: بصيحة، ما نحير إليه شيئا)؛ أي: ما نرجع، (وما يتكلّم أحد من أهل البيت؛ إعظاما لذلك الأمر، وهيبة ملأت أجوافنا.
[ ٤ / ٢٧١ ]
قالت: وجاء جبريل في ساعته فسلّم، فعرفت حسّه، وخرج أهل البيت، فدخل فقال: إنّ الله ﷿ يقرأ عليك السّلام، ويقول: كيف تجدك؟ وهو أعلم بالّذي تجد منك، ولكن أراد أن يزيدك كرامة وشرفا، وأن يتمّ كرامتك وشرفك على الخلق، وأن تكون سنّة في أمّتك، فقال: «أجدني وجعا» . فقال: أبشر، فإنّ الله تعالى أراد أن يبلّغك ما أعدّ لك، فقال: «يا جبريل؛ إنّ ملك الموت استأذن عليّ..» وأخبره الخبر. فقال جبريل: يا محمّد؛ إنّ ربّك إليك مشتاق، ألم يعلمك الّذي يريد بك؟! لا والله قالت)؛ أي عائشة (: وجاء جبريل) ﵇ (في ساعته، فسلّم؛ فعرفت حسّه، وخرج أهل البيت، فدخل؛ فقال:
إنّ الله ﷿ يقرأ عليك السّلام؛ ويقول: كيف تجدك)؛ أي: تجد نفسك في هذا الوقت- (وهو أعلم بالّذي تجد منك- ولكن أراد أن يزيدك كرامة وشرفا، وأن يتمّ كرامتك وشرفك على الخلق)؛ تخصيصا لك، (وأن تكون سنّة في أمّتك)؛ أي: إذا دخلوا على المريض فيقولون كذلك.
(فقال: «أجدني وجعا») - بكسر الجيم- أي: مريضا متألّما.
(فقال: أبشر، فإنّ الله تعالى أراد أن يبلّغك ما أعدّ لك) من الكرامة.
(فقال: «يا جبريل: إنّ ملك الموت استأذن عليّ» وأخبره الخبر.
فقال جبريل: يا محمّد؛ إنّ ربّك إليك مشتاق) .
قال البيهقي: معنى اشتياق الله إليه إرادة لقائه، بأن يردّه من دنياه إلى معاده؛ زيادة في قربه وكرامته، وذلك لاستحالة المعنى الحقيقيّ الّذي هو نزوع النّفس إلى الشّيء في حقّه تعالى.
(ألم يعلمك)؛ أي: ملك الموت بالأمر (الّذي يريد بك!! لا والله؛
[ ٤ / ٢٧٢ ]
ما استأذن ملك الموت على أحد قطّ ولا يستأذن عليه أبدا، ألا إنّ ربّك متمّ شرفك، وهو إليك مشتاق.
قال: «فلا تبرح إذا حتّى يجيء» .
وأذن للنّساء، فقال: «يا فاطمة؛ ادني»، فأكبّت عليه، فناجاها، فرفعت رأسها وعيناها تدمع؛ وما تطيق الكلام، ثمّ قال:
«أدني منّي رأسك»، فأكبّت عليه، فناجاها، فرفعت رأسها؛ وهي تضحك وما تطيق الكلام، وكان الّذي رأينا منها عجبا، فسألتها بعد ذلك
ما استأذن ملك الموت على أحد) قبلك (قطّ)؛ أي: فيما مضى، (ولا يستأذن عليه)؛ أي: على أحد بعدك (أبدا)، فهو تخصيص لك على الجميع.
(ألا إنّ ربّك متمّ شرفك، وهو إليك مشتاق.
قال)؛ أي النّبيّ ﷺ لجبريل (: «فلا تبرح إذا) - أي: امكث عندي- (حتّى يجيء»)؛ أي: ملك الموت (وأذن) ﷺ (للنّساء) فدخلن، وفيهنّ ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها.
(فقال: «يا فاطمة؛ ادني»)، أي: اقربي منّي (فأكبّت عليه) لازم، وثلاثيّة كبّ: متعدّ، عكس المشهور من قواعد التصريف؛ فهو من النّوادر.
(فناجاها) أي سارّها بشيء، (فرفعت رأسها وعيناها تذرفان)؛ أي:
تسيلان دموعا، (وما تطيق الكلام) من شدّة الحزن.
(ثمّ قال) لها (: «ادني منّي رأسك»، فأكبّت عليه فناجاها، فرفعت رأسها؛ وهي تضحك وما تطيق الكلام، وكان الّذي رأينا منها عجبا) من البكاء والضّحك في ساعة واحدة، (فسألتها بعد ذلك)؛ أي: بعد وفاته ﷺ.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
فقالت: أخبرني، وقال: «إنّي ميّت اليوم»، فبكيت، ثمّ قال:
«إنّي دعوت الله أن يلحقك بي في أوّل أهلي، وأن يجعلك معي» فضحكت. وأدنت ابنيها منه فشمّهما.
(فقالت: أخبرني) أوّلا؛ (وقال: «إنّي ميّت اليوم»، فبكيت) حزنا على فراقه (ثمّ قال) ثانيا (: «إنّي دعوت الله أن يلحقك بي في أوّل أهلي، وأن يجعلك معي» فضحكت)؛ فرحا للحوقي به، (وأدنت)؛ أي: قرّبت (ابنتها) أمّ كلثوم (منه) ﷺ (فشمّها) وبرّك عليها.
وفي البخاري، ومسلم، والنّسائي؛ من طريق عروة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دعا النّبيّ ﷺ فاطمة في شكواه الّتي قبض فيها، فسارّها بشيء فبكت، ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت! فسألناها عن ذلك؟ فقالت: سارّني النّبيّ ﷺ أنّه يقبض في وجهه الّذي توفّي فيه. فبكيت، ثمّ سارّني؛ فأخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه، فضحكت.
وفي رواية «الصّحيحين» والنّسائي؛ عن مسروق؛ عن عائشة، قالت:
أقبلت فاطمة تمشي، كأنّ مشيتها مشية النّبي ﷺ؛ فقال لها: «مرحبا بابنتي» ثمّ أجلسها عن يمينه؛ أو عن شماله، ثمّ أسرّ إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين!؟ ثمّ أسرّ إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن!! فسألتها عمّا قال؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ، حتّى قبض، فسألتها؟ فقالت: أسرّ إليّ «إنّ جبريل كان يعارضني القرآن، كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني الآن مرّتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي، وإنّك أوّل أهلي لحاقا بي» . فبكيت. فقال: «أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة؟ أو نساء المؤمنين؟» . فضحكت لذلك.
اتّفقت الرّوايتان على أنّ الّذي سارّها به أوّلا فبكت، هو إعلامه إيّاها؛ بأنّه يموت من مرضه ذلك؛ كما في المتن.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
واختلفت فيما سارّها به فضحكت؟ ففي رواية عروة: أنّه إخباره إيّاها بأنّها أوّل أهله لحوقا به، وهي موافقة لما في المتن، وفي رواية مسروق: أنّه إخباره إيّاها أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة، وجعل كونه أوّل أهله لحاقا به مضموما إلى الأوّل، وهو إخباره بأنّه ميّت من وجعه.
وحديث مسروق هو الرّاجح، فإنّه يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة. ومسروق من الثّقات الضّابطين، وزيادته مقبولة.
وفي رواية عروة الجزم أنّه ميّت من وجعه ذلك، وهي توافق ما في المصنف، بخلاف رواية مسروق، ففيها أنّه ظنّ ذلك؛ بطريق الاستنباط ممّا ذكره من معارضته القرآن مرّتين.
ويحتمل تعدّد القصّة؛ جمعا بين روايتي مسروق وعروة.
وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين؛ إلّا بالزّيادة.
ولا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أوّل أهله لحوقا به سببا لبكائها وضحكها معا؛ باعتبارين: فباعتبار أسفها على بقائها بعده مدّة بكت؛ وهو ما رواه مسروق، وباعتبار سرعة لحاقها به ضحكت؛ وهو ما رواه عروة، فذكر كلّ من الرّاويين ما لم يذكره الآخر، وهذا الجمع أولى من احتمال التّعدد؛ لأنّ الأصل عدمه.
وقد روى النّسائي؛ من طريق أبي سلمة بن عبد الرّحمن؛ عن عائشة في سبب البكاء: أنّه ميّت، وفي سبب الضّحك: الأمرين الأخيرين: أنها أوّل أهله لحاقا به، وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة، وهذا يؤيّد الجمع الثّاني.
وفي الحديث إخباره ﷺ بما سيقع؛ فوقع كما قال، فإنّهم اتّفقوا على أنّ فاطمة أوّل من مات من أهل بيت النّبيّ ﷺ بعده بستّة أشهر- على الصّحيح- حتّى من أزواجه ﵊. انتهى من «المواهب اللدنية» للعلّامة القسطلّاني رحمه الله تعالى.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
قالت: وجاء ملك الموت، واستأذن؛ فأذن له، فقال الملك:
ما تأمرنا يا محمّد؟ قال: «ألحقني بربّي الآن»، فقال: بلى؛ من يومك هذا، أما إنّ ربّك إليك مشتاق، ولم يتردّد عن أحد تردّده عنك، ولم ينهني عن الدّخول على أحد إلّا بإذن غيرك، ولكنّ ساعتك أمامك. وخرج.
قالت: وجاء جبريل فقال: السّلام عليك يا رسول الله؛ هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبدا، طوي الوحي وطويت الدّنيا، وما كان لي في الأرض حاجة غيرك، وما لي فيها حاجة إلّا حضورك، ثمّ لزوم موقفي.
(قالت: وجاء ملك الموت، واستأذن؛ فأذن له) فدخل؛
(فقال:) السّلام عليك أيّها النّبيّ، ورحمة الله وبركاته؛ إنّ ربّك يقرئك السّلام، ثمّ قال (الملك: ما تأمرنا يا محمّد؟ قال: «ألحقني بربّي الآن» .
فقال: بلى؛ من يومك هذا، أما إنّ ربّك إليك مشتاق، ولم يتردّد عن أحد تردّده عنك، ولم ينهني عن الدّخول على أحد إلّا بإذن غيرك، ولكنّ ساعتك أمامك.
وخرج، قالت: وجاء جبريل؛ فقال: السّلام عليك يا رسول الله؛ هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض)؛ أي: بالوحي (أبدا، طوي الوحيّ وطويت الدّنيا، وما كان لي في الأرض حاجة غيرك، وما لي فيها حاجة إلّا حضورك)؛ أي:
الحضور عندك بالوحي (ثمّ لزوم موقفي)
فالمنفيّ نزوله بالوحي المتجدّد، فلا ينافي ما ورد في أحاديث: أنّه ينزل ليلة القدر، ويحضر قتال المسلمين مع الكفّار، ويحضر من مات على طهارة من المسلمين، ويأتي مكّة والمدينة بعد خروج الدّجال؛ ليمنعه من دخولها، وفي زمن عيسى ﵇؛ لا بشرع جديد، وتفصيل ذلك يطول.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
لا والّذي بعث محمّدا بالحقّ؛ ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة، ولا يبعث إلى أحد من رجاله لعظم ما يسمع من حديثه، ووجدنا وإشفاقنا.
قالت: فقمت إلى النّبيّ ﷺ حتّى أضع رأسه بين ثدييّ، وأمسكت بصدره، وجعل يغمى عليه حتّى يغلب، وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قطّ، فجعلت أسلت ذلك العرق، وما وجدت رائحة شيء أطيب منه، فكنت أقول له إذا أفاق: بأبي أنت وأمّي، ونفسي وأهلي؛ ما تلقى جبهتك من الرّشح؟
(لا والّذي بعث محمّدا) ﷺ (بالحقّ؛ ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة)؛ أي: يعيدها، (ولا يبعث إلى أحد من رجاله؛ لعظم ما يسمع من حديثه، و) ل (وجدنا)؛ أي: حزننا، (وإشفاقنا): خوفنا.
(قالت)؛ أي: عائشة (: فقمت إلى النّبيّ ﷺ حتّى أضع رأسه بين ثدييّ، وأمسكت بصدره، وجعل يغمى عليه)؛ أي: يعتريه الغشيان (حتّى يغلب)؛ لشدّة ما يحصل له من فتور الأعضاء عن تمام الحركة.
وفيه جواز الإغماء على الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام! قال ابن حجر في «شرح الشّمائل»: لكن قيّده الشّيخ أبو حامد- من أئمّتنا- بغير الطّويل، وجزم به البلقيني. قال السّبكيّ: ليس كإغماء غيرهم!؟ لأنّه إنّما يستر حواسّهم الظّاهرة؛ دون قلوبهم، لأنّها إذا عصمت من النّوم الأخفّ؛ فالإغماء أولى!! وقد تقدم الكلام على ذلك.
(وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قطّ، فجعلت أسلت ذلك العرق)؛ أي: أزيله وأمسحه.
(وما وجدت رائحة شيء أطيب منه، فكنت أقول له إذا أفاق) من غشيته (: بأبي أنت وأمّي؛ ونفسي وأهلي، ما تلقى جبهتك من الرّشح!؟.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
فقال: «يا عائشة؛ إنّ نفس المؤمن تخرج بالرّشح، ونفس الكافر تخرج من شدقيه كنفس الحمار» .
فعند ذلك ارتعنا، وبعثنا إلى أهلنا، فكان أوّل رجل جاءنا- ولم يشهده- أخي، بعثه إليّ أبي، فمات رسول الله ﷺ قبل أن يجيء أحد، وإنّما صدّهم الله عنه؛ لأنّه ولّاه جبريل وميكائيل، وجعل إذا أغمي عليه.. قال:
فقال: «يا عائشة؛ إنّ نفس المؤمن) أي: روحه (تخرج بالرّشح، ونفس الكافر تخرج من شدقه؛ كنفس الحمار») .
فالرّشح من علامات الخير؛ روى الطّبراني في «الكبير»، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية»؛ من حديث ابن مسعود: «نفس المؤمن تخرج رشحا، وإنّ نفس الكافر تسيل، كما تسيل نفس الحمار» . ورواه في «الأوسط» بلفظ: «نفس المؤمن، تخرج رشحا، ولا أحبّ موتا كموت الحمار؛ موت الفجاءة، وروح الكافر تخرج من أشداقه» .
وفي رواية له قيل له: وما موت الحمار؟ قال: «روح الكافر تخرج من أشداقه» .
وروى التّرمذيّ، وابن ماجه، والحاكم وصحّحه، والبيهقي في «الشّعب»؛ من حديث أبي هريرة: «المؤمن يموت بعرق الجبين» .
(فعند ذلك ارتعنا)؛ أي: خفنا (وبعثنا إلى أهلنا؛ فكان أوّل رجل جاءنا؛ ولم يشهده- أخي) عبد الرّحمن بن أبي بكر (بعثه إليّ أبي) لينظر الحال.
(فمات رسول الله ﷺ قبل أن يجيء أحد) من أهلي، (وإنّما صدّهم الله عنه، لأنّه ولّاه جبريل وميكائيل) ﵉، (وجعل) ﷺ (إذا أغمي عليه؛ قال:
[ ٤ / ٢٧٨ ]
«بل الرّفيق الأعلى»، كأنّ الخيرة تعاد عليه، فإذا أطاق الكلام..
قال: «الصّلاة.. الصّلاة؛ إنّكم لا تزالون متماسكين ما صلّيتم جميعا، الصّلاة.. الصّلاة»، كان يوصي بها حتّى مات؛ وهو يقول: «الصّلاة.. الصّلاة» .
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
«بل الرّفيق الأعلى»، كأنّ الخيرة) بين البقاء في الدّنيا والارتحال إلى الآخرة (تعاد عليه) مرة بعد أخرى.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يحيا أو يخيّر، فلمّا اشتكى، وحضره القبض؛ ورأسه على فخذي، غشي عليه، فلمّا أفاق؛ شخص بصره نحو سقف البيت، ثمّ قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» . فقلت: إذا لا يختارنا، فعرفت أنّه حديثه الذي كان يحدّثنا وهو صحيح. رواه «البخاري» .
وفي رواية له: «لا يموت نبيّ حتّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة» .
(فإذا أطاق الكلام؛ قال: «الصّلاة الصّلاة) - أي: الزموها- (إنّكم لا تزالون متماسكين ما صلّيتم جميعا)؛ أي: مع الجماعة (الصّلاة الصّلاة» كان يوصي بها حتّى مات؛ وهو يقول: «الصّلاة الصّلاة») .
روي ذلك من حديث أنس؛ أنّه ﷺ قال: «الصّلاة.. وما ملكت أيمانكم، الصّلاة.. وما ملكت أيمانكم» . رواه أحمد، وعبد بن حميد، والنّسائي، وابن ماجه، وابن سعد، وأبو يعلى، وابن حبّان، والطّبرانيّ، والضّياء. ورواه ابن سعد أيضا والطّبرانيّ؛ من حديث أمّ سلمة، ورواه الطّبراني أيضا؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) - كما في «الإحياء» -:
[ ٤ / ٢٧٩ ]
مات رسول الله ﷺ بين ارتفاع الضّحى، وانتصاف النّهار يوم الإثنين.
قالت فاطمة رضي الله تعالى عنها: ما لقيت من يوم الإثنين، والله لا تزال الأمّة تصاب فيه بعظيمة.
وقالت أمّ كلثوم
(مات رسول الله ﷺ بين ارتفاع الضّحى، وانتصاف النّهار يوم الاثنين) .
قال العراقي: رواه ابن عبد البرّ. انتهى.
وجزم موسى بن عقبة؛ عن الزّهري بأنّه ﷺ مات حين زاغت الشّمس، وكذا لأبي الأسود؛ عن عروة. وروى ابن سعد؛ من طريق ابن أبي مليكة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ دخول النّبيّ ﷺ في بيتها كان يوم الاثنين، وموته يوم الاثنين»؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(قالت فاطمة) الزّهراء (رضي الله تعالى عنها) - كما في «الإحياء» -: (ما لقيت من يوم الاثنين! والله؛ لا تزال الأمّة تصاب فيه بعظيمة) !! أي: بمصيبة شديدة.
(و) في «الإحياء» للغزالي أيضا:
(قالت أمّ كلثوم) ابنة عليّ بن أبي طالب، وأمّها فاطمة الزّهراء رضي الله تعالى عنهم.
ولدت في عهد النّبيّ ﷺ. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: ولدت قبل وفاة النّبيّ ﷺ. وروى ابن أبي عمر المدنيّ في «مسنده» قال: حدّثني سفيان؛ عن عمر؛ عن محمّد بن عليّ: أنّ عمر خطب من عليّ بنته أمّ كلثوم!! فذكر له صغرها، فقيل له: إنّه ردّك؛ فعاوده!! فقال له عليّ: أبعث بها إليك، فإن رضيت؛ فهي امرأتك فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها، فقالت: مه!! لولا أنّك أمير المؤمنين لطمت عينك!!.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
- يوم أصيب عليّ كرّم الله وجهه
وقال ابن وهب؛ عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم؛ عن أبيه؛ عن جدّه:
تزوّج عمر أمّ كلثوم على مهر أربعين ألفا، وقال الزّبير: ولدت لعمر ابنيه: زيدا ورقيّة.
وماتت أم كلثوم وولدها في يوم واحد. وذكر الدّارقطنيّ في كتاب «الأخوة»:
أنّه تزوّجها بعد موت عمر عون بن جعفر بن أبي طالب؛ فمات عنها، فتزوّجها أخوه محمّد؛ ثمّ مات عنها، فتزوّجها أخوه عبد الله بن جعفر؛ فماتت عنده.
قال ابن سعد: ولم تلد لأحد من بني جعفر.
(يوم أصيب عليّ كرّم الله وجهه) .
سئل العلّامة نور الدّين: الشّيخ عليّ الشّبراملسي الشّافعيّ رحمه الله تعالى بما نصّه: ما حكمة استعمال «كرّم الله وجهه» في حقّ عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دون غيره؛ عوضا عن التّرضّي؟! وهل يستعمل ذلك لغيره من الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. آمين؟؟.
فأجاب بقوله: حكمة ذلك: أنّ عليا رضي الله تعالى عنه، وكرّم وجهه، لم يسجد لصنم قطّ؛ فناسب أن يدعى له بما هو مطابق لحاله من تكرمة الوجه، والمراد به حقيقته أو الكناية عن الذّات؛ أي: حفظه عن أن يتوجّه لغير الله تعالى في عبادته.
ويشاركه في ذلك الصّدّيق رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهه، فإنّه لم يسجد لصنم أيضا؛ كما حكي فناسب أن يدعى له بذلك أيضا، وإنّما كان استعمال ذلك في حقّ عليّ أكثر!! لأنّ عدم سجوده لصنم أمر مجمع عليه، لأنّه أسلم وهو صبيّ مميّز، وصحّ إسلامه حينئذ؛ على خلاف ما هو مقرّر في مذهبنا، لأنّ الأحكام وقت إسلامه كانت منوطة بالتّمييز، ثمّ بعد ذلك نسخ ذلك الأمر، فأنيطت بالبلوغ؛ كما بينّه البيهقيّ وغيره.
[ ٤ / ٢٨١ ]
بالكوفة-
فإن قلت: كثير من الصّحابة لم يوجد منهم سجود لصنم، كالعبادلة ابن عبّاس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزّبير، وغيرهم، ومع ذلك لا يقول النّاس فيهم ذلك؟ بل التّرضي كغيرهم!!.
قلت: هؤلاء ونظراؤهم إنّما ولدوا بعد اضمحلال الشّرك، وخمود نار الضّلالة والفتنة، فلم يشابهوا ذينك الإمامين؛ من تركهما أكبر فتن الشّرك من السّجود للصّنم، مع دعاية أهله للنّاس لذلك، ومبالغتهم في إيذاء من ترك ذلك، وكان في التّرك حينئذ مع مخالفة الآباء والأقارب، وتحمّل المشاقّ الّتي لا تطاق من الدّلالة على الصّدق؛ ما ليس فيه بعد ظهور الإسلام وزهوق الضّلال؛ فناسب حالهما أن يميّزا عن بقيّة الصّحابة بهذه الخصوصيّة العظمى رضي الله تعالى عنهما وكرّم وجهيهما. انتهى؛ نقلته من هوامش كتاب «إرشاد المهتدي إلى كفاية المبتدي» للشّيخ العلّامة عبد الحميد بن محمّد علي قدس المكيّ رحمه الله تعالى. آمين.
(بالكوفة): مدينة كبرى بالعراق؛ وهي قبّة الإسلام، ومركز العلم، ودار هجرة المسلمين. قيل: مصّرها سعد بن أبي وقّاص، وبنى مسجدها، وكانت قبل ذلك منزل نوح ﵇، ويقال لها: كوفان. ويقال لها: كوفة الجند!! لأنّها اختطّت فيها خطط العرب أيام عثمان ﵁ أو أيّام عمر ﵁.
تولّى تخطيطها السّائب بن الأقرع بن عوف الثّقفي ﵁، وهو الّذي شهد فتح نهاوند مع النّعمان بن مقرّن. قال ياقوت: لما بنى عبيد الله بن زياد مسجد الكوفة صعد المنبر؛ وقال: يا أهل الكوفة؛ إنّي قد بنيت لكم مسجدا لم يبن على وجه الأرض مثله، وقد أنفقت على كلّ أسطوانة: سبع عشر مائة، ولا يهدمه إلّا باغ؛ أو حاسد.
ويقال: إنّ مقدار الكوفة ستّة عشر ميلا وثلثا ميل، وأنّ فيها خمسين ألف دار للعرب؛ من ربيعة ومضر، وأربعة وعشرين ألف دار لسائر العرب، وستّة وثلاثين ألف دار لليمن، والحسناء لا تخلو من ذامّ.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
مثلها: ما لقيت من يوم الإثنين، مات فيه جدّي رسول الله ﷺ، وفيه قتل عمر، وفيه قتل أبي، فما لقيت من يوم الإثنين. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا مات رسول الله ﷺ.. اقتحم النّاس حين ارتفعت الرّنّة وسجّي رسول الله ﷺ بثوبي؛ ف
والمسافة ما بين الكوفة والمدينة نحو عشرين مرحلة. انتهى ملخّصا من «شرح القاموس» .
(مثلها)؛ أي: مثل هذه المقالة (ما)؛ أي: أمر عظيم (لقيت من) الأحزان في (يوم الاثنين؟! مات فيه جدّي) أبو أمّي، وهو (رسول الله ﷺ، وفيه قتل عمر) بن الخطّاب: بعلي، (وفيه قتل) عليّ بن أبي طالب (أبي) رضي الله تعالى عنهم.
(فما لقيت من يوم الاثنين!؟) هكذا روي عنها، ولكن في قتل عمر اختلاف، فروى سالم بن أبي الجعد؛ عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر أصيب يوم الأربعاء؛ لأربع بقين من ذي الحجّة سنة: ثلاث وعشرين.
وكذا قال: أبو معشر وغيره؛ عن زيد بن أسلم، وزاد إسماعيل بن محمّد بن سعد؛ عن زيد: أنّه دفن يوم الأحد؛ مستهلّ سنة: أربع وعشرين.
وقال اللّيث وجماعة: قتل يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجّة؛
ذكره في «شرح الإحياء» .
(وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها) فيما ذكره في «الإحياء» .
وقال الوليّ العراقي فيه: إنّ هذا السّياق بطوله منكر؛ لم أجد له أصلا، لكن قال في «شرح الإحياء»: إنّه رواه ابن أبي الدّنيا؛ من حديث ابن عمر بن الخطّاب بسند ضعيف. انتهى. قالت:
(لمّا مات رسول الله ﷺ اقتحم النّاس)؛ أي: دخلوا (حين ارتفعت الرّنّة)؛ أي: صوت البكاء، (وسجّي)؛ أي: غطّي (رسول الله ﷺ بثوبي ف) - طاشت
[ ٤ / ٢٨٣ ]
اختلفوا، فكذّب بعضهم بموته، وأخرس بعضهم، فما تكلّم إلّا بعد البعد، وخلّط آخرون؛ فلاثوا الكلام بغير بيان، وبقي آخرون معهم عقولهم، وأقعد آخرون؛ فكان عمر بن الخطّاب فيمن كذّب بموته، وعليّ فيمن أقعد، وعثمان فيمن أخرس،
العقول، ووقع الصحابة في حيرة، و(اختلفوا!!
ف) منهم من خبّل، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس؛ فلم يطق الكلام، ومنهم من أضني.
و(كذّب بعضهم بموته) كعمر بن الخطّاب، (وأخرس)؛ أي: منع من النّطق (بعضهم) كعثمان بن عفّان، (فما تكلّم إلّا بعد البعد.
وخلّط آخرون) منهم؛ (فلاثوا الكلام)؛ أي: لووا كلامهم (بغير بيان)؛ أي: إفصاح، أي: لم يبيّنوا كلامهم، ولم يوضّحوه بالإيضاح المعهود عنهم.
(وبقي آخرون) من الصّحابة (معهم عقولهم.
وأقعد آخرون؛ فكان عمر بن الخطّاب فيمن كذّب بموته) روى الإمام أحمد؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سجّيت النّبيّ ﷺ ثوبا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا؛ فأذنت لهما، وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه؛ فقال: واغشيتاه!! ثمّ قام، فقال المغيرة: يا عمر؛ مات. فقال: كذبت! إنّ رسول الله ﷺ لا يموت حتّى يفني الله المنافقين الحديث.
(و) كان (عليّ) بن أبي طالب ﵁ (فيمن أقعد)؛ فلم يستطع حراكا.
(و) كان (عثمان) بن عفّان رضي الله تعالى عنه (فيمن أخرس) يذهب ويجيء؛ ولا يستطيع كلاما، وأضني- أي: مرض- عبد الله بن أنيس فمات كمدا.
وكان أثبتهم أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه وهو المحبّ الأكبر للنّبيّ ﷺ.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
فخرج عمر على النّاس؛ وقال: إنّ رسول الله ﷺ لم يمت، وليرجعنّه الله ﷿، وليقطّعنّ أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنّون لرسول الله ﷺ الموت، إنّما واعده الله ﷿ كما واعد موسى؛ وهو آتيكم.
وفي رواية أنّه قال: يا أيّها النّاس؛ كفّوا ألسنتكم عن رسول الله ﷺ؛ فإنّه لم يمت، والله لا أسمع أحدا يذكر
(فخرج عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه (على النّاس) - وقد سلّ سيفه- (وقال: إنّ رسول الله ﷺ لم يمت)، وتوعّد بالقتل من يقول: مات؟
قال: (وليرجعنّه الله ﷿، وليقطّعنّ أيدي وأرجل رجال من المنافقين) . زاد في رواية: وألسنتهم. وهذا قاله بناء على ما قام عنده، وأدّاه إليه اجتهاده؛ أنّه لا يموت حتّى يشهد على أمّته.
وفي «سيرة ابن إسحاق»؛ عن ابن عبّاس، أنّ عمر قال له: إنّ الحامل له على هذه المقالة قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [١٤٣/ البقرة] فظنّ أنّه ﷺ يبقى في أمّته حتّى يشهد عليها.
قال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلّا ذلك، وليبعثه الله، فليقطّعنّ أيدي رجال من المنافقين وأرجلهم؛ (يتمنّون لرسول الله ﷺ الموت) . وكانوا أظهروا الاستبشار، وفرحوا بموته، ورفعوا رؤوسهم؛ كما عند ابن أبي شيبة.
وكان يقول: (إنّما واعده الله ﷿ كما واعد موسى) ﵊؛ فلبث عن قومه أربعين ليلة (وهو آتيكم)
وهذا قاله اجتهادا بالقياس، ثمّ رجع عنه.
(وفي رواية أنّه قال: يا أيّها النّاس؛ كفّوا ألسنتكم عن) الكلام في موت (رسول الله ﷺ؛ فإنّه لم يمت) وأشهر سيفه قائلا: (والله لا أسمع أحدا؛ يذكر
[ ٤ / ٢٨٥ ]
أنّ رسول الله ﷺ قد مات.. إلّا علوته بسيفي هذا.
وأمّا عليّ: فإنّه أقعد فلم يبرح في البيت.
وأمّا عثمان: فجعل لا يكلّم أحدا؛ يؤخذ بيده فيجاء به، ويذهب به.
ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعبّاس، فإنّ الله ﷿ أيّدهما بالتّوفيق والسّداد، وإن كان النّاس لم يرعووا إلّا بقول أبي بكر، حتّى جاء العبّاس فقال:
أنّ رسول الله ﷺ قد مات إلّا علوته) - أي: ضربته- (بسيفي هذا) لما حصل له من الدّهشة والحزن.
(وأمّا عليّ) بن أبي طالب ﵁ (فإنّه أقعد؛ فلم يبرح في البيت) ولم يستطع حراكا.
(وأمّا عثمان) بن عفّان ﵁؛ (فجعل لا يكلّم أحدا)، وإنّما (يؤخذ بيده؛ فيجاء به، ويذهب به)، وهو لا يستطيع الكلام لعظم المصيبة الّتي نزلت بهم.
(ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر) الصّدّيق ثباتا؛ وهو المحبّ الأكبر!! وذلك أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها:
ثبات القلب عند حلول المصائب. ولا مصيبة أعظم من موت النّبي ﷺ!!.
(و) لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال (العبّاس) بن عبد المطلب في الثّبات؛ بعد أبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنهما (فإنّ الله ﷿ أيّدهما بالتّوفيق والسّداد) أي: الصّواب في القول (وإن كان النّاس لم يرعووا)؛ أي: لم ينكفّوا (إلّا بقول أبي بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (حتّى) إنّه (جاء العبّاس؛ فقال) لهم: إنّه مات، فلم ينكفّوا إلّا بقول الصّدّيق.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
والله الّذي لا إله إلّا هو؛ لقد ذاق رسول الله ﷺ الموت، ولقد قال الله له وهو بين أظهركم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: ٣٠- ٣١] .
وبلغ أبا بكر الخبر- وهو في بني الحارث بن الخزرج-
وكان من جملة ما قال العبّاس ﵁: (والله الّذي لا إله إلّا هو؛ لقد ذاق رسول الله ﷺ الموت، ولقد قال الله له وهو بين أظهركم) - أي: في حال حياته- (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر])؛ أي: ستموت ويموتون؛ فلا شماتة بالموت، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (٣١) [الزمر] .
وروى ابن إسحاق وعبد الرزّاق والطّبراني: أنّ العبّاس قال لعمر: هل عند أحد منكم عهد من رسول الله ﷺ في ذلك؟ قال: لا. قال: فإنّه قد مات، ولم يمت حتّى حارب وسالم، ونكح وطلّق، وترككم على محجّة واضحة!!.
وهذا من موافقات العبّاس للصّدّيق رضي الله تعالى عنهما.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم؛ من طريق الواقدي عن شيوخه: أنّهم شكّوا في موته ﷺ؛! فقال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت. فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه؛ فقالت: قد توفّي. قد رفع الخاتم من بين كتفيه.
وأخرجه ابن سعد؛ عن شيخه الواقدي أيضا، وذكر مغلطاي في «الزّهد»:
أنّ الحاكم روى في «تاريخه»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها لمست الخاتم حين توفّي ﷺ؛ فوجدته قد رفع. قال الشّامي: ولا إخاله صحيحا. قال الزّرقانيّ: وكان هذا من جملة ما عرف به موته ﷺ وعرفه الصّدّيق بشمّ ريح الموت من فمه ﷺ.
(وبلغ أبا بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (الخبر؛ وهو) غائب بالسّنح (في بني الحارث بن الخزرج) قبيلة من الأنصار؛ كانت مساكنهم بالسّنح أي:
بالعوالي قرب المدينة المنوّرة؛ على ميل من المسجد النّبويّ، وكان أبو بكر قد
[ ٤ / ٢٨٧ ]
فجاء، ودخل على رسول الله ﷺ فنظر إليه، ثمّ أكبّ عليه، فقبّله، ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ ما كان الله ليذيقك الموت مرّتين، فقد- والله- توفّي رسول الله ﷺ.
ثمّ خرج إلى النّاس فقال: أيّها النّاس؛ من
تزوّج حبيبة بنت خارجة بن زيد بن زهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك الأغرّ الأنصاريّة الخزرجيّة. صحابيّة بنت صحابيّ، وكان قد سكن بها هناك، وكان النّبيّ ﷺ أصبح يوم الاثنين خفيف المرض؛ فأذن له رسول الله ﷺ في الذّهاب إليها فذهب، فمات النّبيّ ﷺ في غيبته.
(فجاء) على فرس لمّا بلغه خبر الوفاة (ودخل على رسول الله ﷺ فنظر إليه، ثمّ أكبّ عليه؛ فقبّله) بين عينيه وبكى.
(ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله) الباء متعلّقة بمحذوف؛ أي: أنت مفديّ بأبي، فهو مرفوع: مبتدأ وخبر، أو [تفدى] «١» فعل، فما بعده نصب، أي:
فديتك. (ما كان الله ليذيقك الموت مرّتين) قيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرّدّ على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال، لأنّه لو صحّ ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، إذ لا بدّ من الموت قبل يوم القيامة، فأخبر أنّه أكرم على الله أن يجمع عليه موتتين؛ كما جمعهما على غيره، كالّذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وهم قوم من بني إسرائيل؛ وقع الطّاعون ببلادهم ففرّوا، فقال لهم الله:
موتوا فماتوا، ثمّ أحياهم بعد ثمانية أيّام؛ أو أكثر، بدعاء نبيّهم حزقيل، فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت؛ لا يلبسون ثوبا إلّا عاد كالكفن! واستمرّت في أسباطهم، وهذا أظهر الأجوبة، وأسلمها من الاعتراض.
(فقد والله؛ توفّي رسول الله ﷺ. ثمّ خرج إلى النّاس؛ فقال: أيّها النّاس؛ من
_________________
(١) أضفتها للإيضاح.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد ربّ محمّد فإنّه حيّ لا يموت. قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] .
فكأنّ النّاس لم يسمعوا هذه الآية إلّا يومئذ.
كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات!! ومن كان يعبد ربّ محمّد؛ فإنّه حيّ لا يموت) .
وقال إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر]، و(قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ)؛ أي: مضت (مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) رجعتم إلى الكفر. والجملة الأخيرة محلّ الاستفهام الإنكاريّ، أي: ما كان معبودا فترجعوا، نزلت لمّا أشيع يوم أحد أنّه ﷺ قتل، وقال المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم (.. الآية) اختصار من المصنّف، وإلّا؛ فهي متلوّة كلّها عند البخاريّ؛ فقال: مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وإنّما يضرّ نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [آل عمران] نعمه بالثّبات.
وفي حديث ابن عبّاس عند البخاري: إنّ أبا بكر خرج وعمر بن الخطّاب يكلّم النّاس؛ فقال فقال أبو بكر: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس!! فأقبل النّاس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أمّا بعد؛ فمن كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات؟! ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لا يموت. قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [١٤٤/ آل عمران]، زاد في رواية البخاريّ إلى قوله الشَّاكِرِينَ قال ابن عبّاس: والله؛ لكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ الله أنزل هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها النّاس منه كلّهم، فما أسمع بشرا من النّاس إلّا يتلوها، كما قال المصنّف:
(فكأنّ) - بتشديد النّون- (النّاس لم يسمعوا هذه الآية إلّا يومئذ!!) أي: يوم إذ تلاها أبو بكر.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
قال الكرمانيّ: فإن قلت: ليس فيها أنّه ﷺ قد مات؟ وأجاب: بأنّ أبا بكر تلاها لأجل أنّه ﷺ قد مات.
وفي حديث ابن عمر؛ عند ابن أبي شيبة: أنّ أبا بكر مرّ بعمر وهو يقول:
ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت، حتّى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار وفرحوا بموته؛ ورفعوا رؤسهم.
فقال أبو بكر لعمر: أيّها الرّجل؛ إنّ رسول الله ﷺ قد مات، ألم تسمع الله تعالى يقول إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وقال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) [الأنبياء] ثمّ أتى أبو بكر المنبر فصعد عليه، فحمد الله، وأثنى عليه، فذكر خطبته: أمّا بعد؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [١٤٤/ آل عمران] الآية.
وفي البخاري أنّ عمر قال: والله؛ ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتّى ما تقلّني رجلاي، وحتّى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قد مات..
وفي هذا أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النّبيّ ﷺ، إذ قال أكثر النّاس:
لم يمت رسول الله.
واضطرب الأمر فكشفه الصّدّيق بهذه الآية، وكشف عن النّاس اضطرابهم.
ففيه قوّة جأشه، وكثرة علمه، وثباته، وهو المحبّ الأكبر للنّبيّ ﷺ، وقد وافقه على ذلك العبّاس- كما تقدّم- ووافقه المغيرة؛ كما رواه ابن سعد، وابن أمّ مكتوم كما في «مغازي أبي الأسود»؛ عن عروة، قال: إنّ ابن أمّ مكتوم كان يتلو إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر]، والنّاس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصّحابة على خلاف ذلك.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وفي رواية: أنّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه لمّا بلغه الخبر..
دخل بيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي على النّبيّ ﷺ وعيناه تهملان، وغصصه ترتفع كقصع الجرّة.
و(الجرّة- بالكسر-): ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه.
و(قصعها): إخراجها مستقيمة من غير تقطيع وشدّة مضغ.
فيؤخذ منه: أنّ الأقلّ عددا في الاجتهاد قد يصيب؛ ويخطئ الأكثر، فلا يتعيّن التّرجيح بالأكثر، ولا سيّما إن ظهر أنّ بعضهم قلّد بعضا؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
(وفي رواية) - ذكرها في «الإحياء»، قال العراقي: رواها ابن أبي الدّنيا في كتاب «القراء»؛ من حديث ابن عمر بسند ضعيف-.
(أنّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه لمّا بلغه الخبر)؛ أي: خبر وفاته ﷺ جاء ف (دخل بيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي على النّبيّ ﷺ؛ وعيناه تهملان) - بضمّ الميم- أي: تسيلان بالدّموع وزفراته تتردّد، (وغصصه) - جمع غصّة بالضمّ؛ كغرف وغرفة- وهي: ما يغصّ به الإنسان من طعام أو غيظ؛ على التّشبيه، (ترتفع)؛ أي: تتصاعد وتكثر (كقصع الجرّة، والجرّة- بالكسر-)؛ أي:
بكسر الجيم، وتشديد الرّاء (: ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه) أي:
تمضغه مرّة بعد أخرى (وقصعها) هو: إخراج الجرّة من الجوف إلى الشّدق؛ ومتابعة بعضها بعضا، وقد قصعت النّاقة بجرّتها: ردّتها إلى جوفها، أو مضغتها، أو قصع الجرّة: هو شدّة المضع، وضمّ بعض الأسنان على بعض؛ نقله الجوهريّ عن أبي عبيد، وبكلّ ما ذكر فسّر الحديث أنه ﷺ خطبهم على راحلته، وإنّها لتقصع بجرّتها. وقال أبو سعيد الضّرير: قصع النّاقة الجرّة: (إخراجها) من الجوف إلى الشّدق (؛ مستقيمة من غير تقطيع وشدّة مضغ) .
[ ٤ / ٢٩١ ]
وهو في ذلك جلد الفعل والمقال، فأكبّ عليه، فكشف عن وجهه، وقبّل جبينه وخدّيه، ومسح وجهه وجعل يبكي ويقول:
بأبي أنت وأمّي ونفسي وأهلي، طبت حيّا وميتا،
وإنّما تفعل النّاقة ذلك إذا كانت مطمئنّة ساكنة لا تسير، فإذا خافت شيئا قطعت الجرّة؛ ولم تخرجها، قال: وأصل هذا من: تقصّع اليربوع التّراب، فجعل هذه الجرّة إذا دسعت بها الناقة بمنزلة التّراب الّذي يخرجه اليربوع من قاصعائه. انتهى؛ من «شرح القاموس» وغيره.
(وهو)؛ أي: أبو بكر الصّدّيق (مع ذلك جلد الفعل والمقال)؛ أي: ثابت العقل فيها، (فأكبّ عليه) وهو مسجّى (فكشف) الثّوب (عن وجهه، وقبّل جبينه وخدّيه، ومسح وجهه، وجعل) يقبّله و(يبكي، ويقول: بأبي أنت؛ وأمّي؛ ونفسي؛ وأهلي، طبت حيّا وميتا) .
فيه جواز التّفدية بالأب والأمّ، وقد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها، ولا تقصد معناها الحقيقيّ، إذ حقيقة التّفدية- بعد الموت- لا تتصوّر؛ قاله الحافظ ابن حجر.
ووقع في حديث ابن عبّاس؛ وعائشة عند البخاري: أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ ﷺ بعد ما مات. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ففيه- كتقبيله [ﷺ] لعثمان بن مظعون بعد موته- جواز تقبيل الميت تعظيما وتبرّكا. وفي رواية غير البخاري كذلك.
ووقع في رواية الإمام أحمد؛ عن عائشة: أنّ أبا بكر أتاه من قبل رأسه فحدر فاه؛ فقبّل جبهته، ثمّ قال: وانبيّاه!! ثمّ رفع رأسه فحدر فاه ثانيا؛ وقبّل جبهته، ثمّ قال: واصفيّاه!، ثمّ رفع رأسه فحدر فاه ثالثا؛ وقبّل جبهته، وقال:
واخليلاه!.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصّفة، وجللت عن البكاء، وخصّصت حتّى صرت مسلاة، وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء، ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك؛ لجدنا لحزنك بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء العيون.
وعند ابن أبي شيبة؛ عن ابن عمر: فوضع أبو بكر فاه على جبين رسول الله ﷺ فجعل يقبّله، ويبكي، يقول: بأبي أنت وأمّي؛ طبت حيّا وميتا.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته؛ فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وانبيّاه، واصفيّاه، واخليلاه!! أخرجه الحسن بن عرفة بن يزيد العبديّ؛
أبو علي البغداديّ، الصّدوق؛ المتوفّى سنة: سبع وخمسين ومائتين؛ وقد جاوز المائة. ذكره الطّبريّ في «الرّياض النّضرة» قال:
ولا تخالف بين هذا- على تقدير صحّته- وبين ما تقدّم؛ ممّا تضمّن ثبات أبي بكر الصّدّيق، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق؛ خافتا بها صوته، ثمّ التفت إليهم وقال ما قال.
(انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء) قبلك، وهو النّبوّة والرّسالة، لأنك آخر الأنبياء، (فعظمت عن الصّفة)؛ أي: النّعت، أي: إنّ كلّ صفة تقصر عنك، (وجللت عن البكاء) لأنّه لا يوازيك، (وخصّصت حتّى صرت مسلاة)؛ أي: بحيث يتسلّون بك، (وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء.
ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك) إذ خيّرت بينه وبين الخلد (لجدنا- لحزنك- بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا): أفنينا (عليك ماء الشّؤون)؛
[ ٤ / ٢٩٣ ]
فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا.. فكمد وادّكار محالفان لا يبرحان، اللهمّ فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- صلّى الله عليك- عند ربّك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلّفت من السّكينة.. لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللهمّ أبلغ نبيّك عنّا، واحفظه فينا.
وعن ابن عمر أنّه لمّا دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه البيت وصلّى وأثنى.. عجّ أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى؛ كلّما ذكر شيئا.. ازدادوا،
أي: مدامع العيون (فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا)؛ أي: لا نقدر على إزالته! (فكمد) - بفتح الكاف والميم- أي: حزن (وادّكار محالفان) أي: ملازمان (لا يبرحان.
اللهمّ؛ فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- صلّى الله عليك- عند ربّك) تعالى، (ولنكن من بالك، فلولا ما خلّفت من السّكينة، لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللهمّ أبلغ نبيّك عنّا؛ واحفظه فينا)؛ ذكره الغزاليّ في «الإحياء» .
(و) أخرج سيف بن عمر التّميميّ في كتاب «الرّدة» له- كما في «شرح الإحياء» - عن سعيد بن عبد الله؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما.
(أنّه لمّا دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه البيت) أي: حجرة عائشة ﵂ (وصلّى وأثنى؛ عجّ أهل البيت عجيجا) أي: رفعوا صوتا (سمعه أهل المصلّى)؛ وهم خارج المدينة المنوّرة، باعتبار ما كان في الزّمن النّبويّ.
(كلّما ذكر شيئا) من الثّناء (ازدادوا) نحيبا وبكاء.
أخرج ابن عساكر؛ عن أبي ذؤيب الهذليّ؛ الشّاعر المشهور، واسمه:
خويلد بن خالد، كان فصيحا كثير الغريب، عاش في الجاهليّة دهرا، وأدرك
[ ٤ / ٢٩٤ ]
فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل على الباب صيّت جلد؛ قال:
السّلام عليكم يا أهل البيت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥] .
إنّ في الله خلفا من كلّ أحد، ودركا لكلّ رغبة،
الإسلام؛ فأسلم، وعامّة شعره في حال إسلامه، قال:
بلغنا أنّ النّبيّ ﷺ عليل، فأوجس أهل الحيّ خيفة على النّبيّ ﷺ، وبتّ بليلة طويلة، حتّى إذا كان قرب السّحر نمت، فهتف بي هاتف في منامي؛ وهو يقول:
خطب أجلّ أناخ بالإسلام بين النّخيل ومقعد الآطام
قبض النّبيّ محمّد فعيوننا تذري الدّموع عليه بالتّسجام
قال: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السّماء، فلم أر إلّا سعد الذّابح، فعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قبض؛ أو هو ميّت، فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج؛ إذا أهلّوا بالإحرام، فقلت: مه؟! فقالوا: قبض رسول الله ﷺ انتهى. ثمّ حضر أبو ذؤيب سقيفة بني ساعدة، وسمع خطبة أبي بكر الصّدّيق، ورثى النّبيّ ﷺ بقصيدة منها:
كسفت لمصرعه النّجوم وبدرها وتزعزعت آطام بطن الأبطح
(فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل) . ولفظ الحديث- كما في «شرح الإحياء» -: عن ابن عمر ﵁ قال: لما توفّي رسول الله ﷺ جاء أبو بكر حتّى دخل عليه، فلمّا رآه مسجّى قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثمّ صلّى عليه، فرفع أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى، فلمّا سكن ما بهم سمعوا تسليم رجل (على الباب صيّت)؛ أي: جهير الصّوت (جلد) قويّ؛ (قال: السّلام عليكم يا أهل البيت) ورحمة الله وبركاته، فرددنا عليه مثل ذلك، فقال:
(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ): جزاء أعمالكم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) [١٨٥/ آل عمران] (الآية) .
إنّ في الله خلفا من كلّ أحد) هالك (ودركا لكلّ رغبة)؛ أي: مرغوب فيه
[ ٤ / ٢٩٥ ]
ونجدة من كلّ مخافة، فالله فارجوا، وبه فثقوا، فاستمعوا له وأنكروه، وقطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء.. فقد صوته؛ فاطّلع أحدهم فلم ير أحدا، ثمّ عادوا فبكوا، فناداهم مناد آخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا الله، واحمدوه على كلّ حال..
تكونوا من المخلصين، إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وعوضا من كلّ رغيبة، فالله فأطيعوا، وبأمره فاعملوا.
فقال أبو بكر: هذا الخضر واليسع ﵉؛ قد حضرا النّبيّ ﷺ.
فائت، (ونجدة من كلّ مخافة، فالله فارجوا، وبه فثقوا): اعتمدوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب.
(فاستمعوا له، وأنكروه، وقطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء فقد صوته.
فاطّلع أحدهم) إلى الباب (فلم ير أحدا.
ثمّ عادوا فبكوا؛ فناداهم مناد آخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا الله، واحمدوه على كلّ حال؛ تكونوا من المخلصين، إنّ في الله عزاء): تسلية (من كلّ مصيبة، وعوضا من كلّ رغيبة، فالله فأطيعوا، وبأمره فاعملوا) . في شرح «الإحياء» بدله: وعوضا من كلّ هلكة؛ فبالله فثقوا، وإيّاه فأطيعوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب.
(فقال أبو بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (: هذا الخضر) - بفتح الخاء، وكسر الضّاد المعجمتين- واسمه: بليا بن ملكان، (واليسع) .
قال العراقيّ: لم أجد فيه ذكر اليسع!!.
وفي «شرح الإحياء»: هذا الخضر وإلياس (﵉ قد حضرا) وفاة (النّبيّ ﷺ) .
[ ٤ / ٢٩٦ ]
قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة»؛ بعد أن أورده: وسيف فيه مقال، وشيخه لا يعرف. انتهى.
قال «شارح الإحياء» قلت: هو سعيد بن عبد الله بن ضرار بن الأزور، روى عن أبيه وعن غيره، وفيه وفي أبيه مقال، وقد تقدّم قريبا.
ثمّ قال العراقيّ: وأمّا ذكر الخضر في التّعزية!! فأنكر النّوويّ وجوده في كتب الحديث، وقال: إنّما ذكره الأصحاب.
قلت «١»: بل قد رواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أنس، ولم بصحّحه، ولا يصحّ. انتهى.
قلت: وجدت بخطّ الشّمس الداودي ما نصّه: قول الشّيخ «إنّ الحاكم لم يصحّحه» صحيح، لكنّه مشعر بكونه لم يضعّفه!! وليس كذلك، فإنّه ساقه من رواية عبّاد بن عبد الصّمد، ثمّ قال: وعباد ليس من شرط هذا الكتاب!. انتهى ملخّصا من «شرح الإحياء» فراجعه فيه، فإنّه ساق الحديث من وجوه عديدة من طريق أنس؛ وعليّ بن أبي طالب مرفوعا؛ ومرسلا بألفاظ مختلفة.
وما في هذا الحديث يدلّ على حياة الخضر، وقد أنكره جماعة؛ منهم ابن الجوزي، وقال: إنّه لو كان حيّا لاجتمع بالنّبيّ ﷺ ولو اجتمع به لورد!!
وقد ردّ النّاس على من أنكر ذلك. قال ابن الصّلاح: الخضر حيّ عند جماهير العلماء والصّالحين، وإنّما شذّ بإنكاره بعض المحدّثين.
وقال النّوويّ في «شرح مسلم»: جمهور العلماء أنّه حيّ موجود بين أظهرنا، وذلك متّفق عليه عند الصّوفيّة، وأهل الصّلاح والمعرفة. انتهى.
وألّف غير واحد كتبا في ذلك، آخرهم شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر
_________________
(١) الكلام للعراقي. والتي بعدها للمؤلف الشارح.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
واستوفى القعقاع بن عمرو [رضي الله تعالى عنه] حكاية خطبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس عبراتهم بخطبة جلّها الصّلاة على النّبيّ ﷺ، فحمد الله، وأثنى عليه على كلّ حال،
العسقلاني رحمه الله تعالى «١» . وقد ذكر الخضر في «الإصابة» وبسط الكلام فيه بما لا يوجد لغيره.
وقد ورد في عدّة أحاديث اجتماعة بالنّبيّ ﷺ! وعندي أنّها وإن كانت ضعيفة؛ فكثرة الطّرق والأخبار تقوّيها، وتعزيته للصّحابة عند موت النّبيّ ﷺ وقول عليّ بن أبي طالب «هذا الخضر»، وسكوت الصّحابة على ذلك يكاد يكون إجماعا، وقصّة اجتماعه بعمر بن عبد العزيز: إسنادها صحيح. انتهى كلام السّيوطيّ في كتاب «تأييد الحقيقة العليّة وتشييد الطريقة الشاذلية» ص (٨٨) رحمه الله تعالى.
قال في «الإحياء»: (واستوفى القعقاع بن عمرو) التّميميّ أخو عاصم (حكاية خطبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه)، وكان القعقاع من الفرسان الشّجعان، قيل: إنّ أبا بكر كان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل! وله في قتال الفرس بالقادسيّة وغيرها بلاء عظيم، وهو الّذي غنم في فتح المدائن أدراع كسرى، وكان فيها درع لهرقل، ودرع لخاقان، ودرع للنّعمان، وسيفه، وسيف كسرى، فأرسلها سعد إلى عمر بن الخطّاب ﵄.
قال ابن عساكر: يقال: إنّ له صحبة! وكان أحد فرسان العرب وشعرائهم، شهد فتح دمشق، وأكثر فتوح العراق، وله في ذلك أشعار مشهورة.
وقال ابن السّكن: ويقال: هو القعقاع بن عمرو بن معبد التّميمي.
(فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس عبراتهم بخطبة جلّها)؛ أي: معظمها (الصّلاة على النّبيّ ﷺ) ثمّ بيّن نصّ الخطبة، فقال:
(فحمد الله، وأثنى عليه على كلّ حال) من الأحوال في السّرّاء والضّراء،
_________________
(١) بل ألف بعده: ملّا علي قاري ﵀.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وقال: أشهد ألاإله إلّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلله الحمد وحده.
وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه، وأشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الدّين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ القول كما قال، وأنّ الله هو الحقّ المبين.
(وقال: أشهد ألاإله إلّا الله) أعلم وأعتقد بقلبي، وأبيّن لغيري ألامعبود بحقّ في الوجود إلّا الله (وحده) حال كونه منفردا، (صدق وعده) بإظهار دينه، (ونصر عبده) محمّدا رسوله ﷺ، (وغلب الأحزاب): جماعات الكفّار الّذين تجمّعوا يوم الخندق لاستئصال النّبيّ ﷺ والمسلمين؛ فهزمهم الله (وحده) بدون عدّة ولا عدد، (فلله الحمد وحده.
وأشهد): أعلم وأعتقد بقلبي، وأبيّن لغيري (أنّ) سيّدنا (محمّدا عبده) إنّما قدّم الوصف بالعبودية على الوصف بالرّسالة!! امتثالا لقوله ﷺ: «ولكن قولوا:
عبد الله ورسوله» . ومعنى العبودية: التّذلّل والخضوع، وهي: وصف شريف جليل، ولذا وصف بها في أشرف المقامات؛ كمقام الإسراء، فقال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [١/ الإسراء] ومقام إنزال الكتاب قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [١/ الكهف] (ورسوله) أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه، (وخاتم أنبيائه) ورسله، قال تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [٤٠/ الأحزاب] ويلزم من ختم الأعمّ ختم الأخصّ.
(وأشهد أنّ الكتاب) القرآن (كما نزل) لم يقع فيه تغيير، ولا تبديل؛ بل هو كما أنزله الله حقّ وصدق، (وأنّ الدّين كما شرع) الله، وهو دين صحيح سماويّ، (وأنّ الحديث كما حدّث) ممّا تضمّنه القرآن، (وأنّ القول كما قال)، فهو مطابق للواقع، (وأنّ الله هو الحقّ) المتحقّق الثّابت وجوده (المبين): البيّن الظّاهر الّذي لا خفاء فيه.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
اللهمّ؛ فصلّ على محمّد عبدك، ورسولك، ونبيّك، وحبيبك، وأمينك وخيرتك، وصفوتك.. بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك.
اللهمّ؛ واجعل صلواتك، ومعافاتك، ورحمتك، وبركاتك.. على سيّد المرسلين، وخاتم
(اللهمّ) - بميم مشدّدة مزيدة آخرا؛ عوضا من حرف النّداء، إذ أصله: يا الله- قال الفاسي: هو توجّه للمطلوب، وطلب لحصول المرغوب بالتّوسّل بالاسم الأعظم الّذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما جعل هذا الاسم العظيم في أوائل الأدعية غالبا!! لأنّه جامع لجميع معاني الأسماء الكريمة، وهو أصلها.
(فصلّ)؛ أي: أثن عليه عند ملائكتك، أو شرّف وكرّم، أو عظّم أو اعتن وزد الخير، أو اجعل اللّطف والرّحمة المقترنة بالتّعظيم المنبعثة عن العطف والحنان (على محمّد عبدك؛ ورسولك؛ ونبيّك؛ وحبيبك؛ وأمينك) على وحيك، (وخيرتك) من خلقك، (وصفوتك) من عبادك (بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك.
اللهمّ؛ واجعل صلواتك) جمع صلاة؛ أي: حنانك ورحمتك وعطفك، (ومعافاتك ورحمتك) بإفراد لفظ «رحمة» و«معافاة»؛ وجمع ما سواهما.
وفيه دليل للدّعاء له ﷺ بالرّحمة، لكن بالتّبع لغيرها؛ كما هنا.
(وبركاتك) جمع بركة؛ أي: خيراتك النّامية نازلة ومتوالية.
(على سيّد المرسلين)؛ أي: رئيسهم وأفضلهم، أي: أفرغ وأحلل عليه، فيعمّه ويشمله من كلّ وجه، ويكون محلّا لهذه الفضائل.
(وخاتم)؛ بفتح التّاء وكسرها، وقد قرىء بهما معا في قوله تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [٤٠/ الأحزاب] فبالفتح: اسم لما يختم به، فهو كالخاتم والطابع، الّذي هو آلة للختم الّذي يكون عند التّمام والانتهاء. وبالكسر: بمعنى
[ ٤ / ٣٠٠ ]
النّبيّين وإمام المتّقين، محمّد قائد الخير، وإمام الخير، ورسول الرّحمة.
أنّه ختم (النّبيّين)؛ أي: جاء آخرهم، فلم يبق بعده نبيّ ولا معه.
(وإمام المتّقين)؛ أي: قدوتهم. وأصل الإمام: المتّبع والهادي لمن اتّبعه، والمتقدّم بين يدي القوم، والشّفيع لمن خلفه.
والمتّقين: جمع متّق؛ وهو: الممتثل لأوامر الله تعالى المجتنب لنواهيه، ثم يتّقي الشّبهات، ثمّ الشهوات والفضلات، وكلّ ما يوجب النّقص؛ أو البعد عن الله، ثمّ يتّقي غير الله أن يساكنه باعتماد؛ أو ميل؛ أو استناد.
وهو ﷺ أتقى الخلق لله، وأعرفهم به، وأشدّهم له خشية، وأكثرهم له طاعة، وأجهدهم في عبادته، وتقواه لا تدرك؛ ولا يبلغها التّعبير، ولا تدرى نهاية ما إليه بها يشير، فهو المتقدّم عليهم وقدوتهم وقائدهم إلى الصّراط المستقيم.
(محمّد قائد)؛ اسم فاعل من قاده يقوده: جذبه من أمام، بسبب حسّي أو معنويّ ليتبعه (الخير) هو: كلّ أمر محمود لموافقته للغرض، والمراد: أنّه ﷺ قائد إلى الصّراط المستقيم؛ الموصل إلى الأغراض؛ الموافقة في الآخرة، حيث النّفع الذي لا ضرر فيه، والحسن الّذي لا قبح معه، والمحبوب الّذي لا مكروه عنده، فكأنّ الإضافة على معنى اللّام، أي قائد إلى الخير.
(وإمام الخير) الإضافة على معنى «في» أي: إمام في الخير، أو بمعنى:
اللّام؛ أي: إمام موصل إلى الخير.
(ورسول الرّحمة) قال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء] وقال تعالى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) [التوبة] وقال ﷺ: «إنّما أنا رحمة مهداة»، وقال: «إنّما بعثت رحمة، ولم أبعث عذابا» فبعثه الله تعالى رحمة لأمّته؛ ورحمة للعالمين، حتّى للكفّار بتأخير العذاب، وللمنافقين بالأمان، فمن
[ ٤ / ٣٠١ ]
اللهمّ؛ قرّب زلفته، وعظّم برهانه، وكرّم مقامه، وابعثه مقاما محمودا
اتّبعه رحم به في الدّنيا بنجاته فيها من العذاب؛ والخسف والقذف والمسخ والقتل وذلّة الكفر والجزية؛ ورحم قلبه بالإيمان بالله، ونجا من صلاء نيران القطيعة عن الله. وفي الآخرة بنجاته فيها من العذاب المخلّد؛ والخزي المؤبّد، وبتعجيل الحساب؛ وتضعيف الثّواب، وحصوله على الخير الكثير والملك الكبير.
(اللهمّ) يا الله؛ (قرّب زلفته)؛ أي: زده قربا، (وعظّم برهانه): أي حجّته، أي: زدها عظاما. وتقوية وبهورا، (وكرّم مقامه)؛ أي: زده تكريما ورفعة، (وابعثه) هو فعل دعاء؛ من بعثه يبعثه- مفتوح العين فيهما- بعثا، وهو: إثارة ساكن في حالة أو وصف أو حكم؛ كنوم أو موت أو أيّ حالة ووصف كان، وتحريكه نحو حالة ووصف آخر؛ كاليقظة والحياة والقيام ونحوها (مقاما) بفتح الميم الأولى-: اسم مصدر القيام، أو اسم مكانه.
وعلى الأوّل: يكون منصوبا على المفعول المطلق، لأنّ البعث والإثارة والإقامة بمعنى واحد.
وعلى الثّاني! فقيل: إنّه منصوب على الظّرفية بتقدير: ابعثه يوم القيامة؛ فأقمه. والقيام هنا بمعنى: الوقوف، أو بتضمين «ابعثه» معنى: أقمه.
وعلى كليهما!! يصحّ أن يكون منصوبا على أنّه مفعول به؛ على تضمين «ابعثه» معنى: أعطه، ويجوز أن يكون حالا، أي: ابعثه ذا مقام.
(محمودا) نعت للمقام، وهو من الإسناد المجازيّ؛ أي: محمودا صاحبه، أو القائم فيه، وهو النّبيّ ﷺ لاختصاص الوصف بالحمد بذوي العلم، ولما جاء في الحديث: أنّه ﷺ يحمده في هذا المقام الأوّلون والآخرون.
ونكّر «مقاما محمودا» !! قال الطّيبي: لأنّه أفخم وأجزل، كأنّه قيل: مقاما محمودا بكلّ لسان، وهو مطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
يغبطه به الأوّلون والآخرون، وانفعنا بمقامه المحمود يوم القيامة، واخلفه فينا في الدّنيا
وقيّدوه بأنّه: الشّفاعة العظمى في فصل القضاء؛ أي: تعجيل الحساب، يحمده فيه الأوّلون والآخرون، وادّعوا على ذلك الإجماع!!
ويشهد لذلك الأحاديث الصّحيحة الصّريحة، والآثار عن الصّحابة والتّابعين.
(يغبطه) ﷺ؛ من غبطه يغبطه: كضربه يضربه. وقال في «القاموس»:
كضربه وسمعه. والاسم: الغطبة- بكسر الغين-؛ وهو تمنّي حصول مثل النّعمة الحاصلة للمنعم عليه؛ من غير زوالها عنه. وقد نظم بعضهم هذا المعنى؛ فقال:
وقد غبطت المرء في أحواله أغبطه- بالكسر- في أعماله
أعني: تمنّيت لنفسي مثل ما له، ولا يسلب تلك النّعما
وقد يراد بالغبطة لازمها؛ وهو المحبّة والسّرور بما رآه فقط.
(به) أي: فيه، أي: في هذا المقام (الأوّلون): جمع أوّل، (والآخرون): جمع آخر، يعني: من الحاضرين في ذلك اليوم.
والأوّل: ما يترتّب عليه غيره، ويستعمل في التّقدّم الزّمانيّ؛ والرّياسيّ؛ والوضعيّ؛ والنّسبيّ؛ والنّظم الصّناعيّ.
والآخر: ما يترتّب على غيره، ويستعمل في جميع ذلك، لكن في التّأخّر.
(وانفعنا بمقامه المحمود)؛ بتخفيف الهول والحساب، وتقصير مدّة المقام، وإدخال الجنّة دار السّلام (يوم القيامة) معمول ل «انفعنا» .
وسمّي «يوم القيامة» ! لقيام السّاعة فيه، وقيام الخلق فيه من قبورهم، وقيامهم لربّ العالمين ما شاء الله، وقيامهم للحساب وقيام الحجّة لهم وعليهم، وله نحو مائة اسم! انظرها- إن شئت- في «البدور السّافرة» و«الإحياء» .
وأوّله من النّفخة الثّانية إلى استقرار الخلق في الدّارين: الجنّة والنّار.
(واخلفه فينا) بأحسن الخلف؛ (في الدّنيا) بملازمة الطّاعة، والتّمسّك
[ ٤ / ٣٠٣ ]
والآخرة، وبلّغه الدّرجة والوسيلة في الجنّة.
اللهمّ؛ صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد،
بالشّريعة، (والآخرة) بأن تقرّ عينه بنا إذ نوافيه سالمين من التّغيير والتّبديل.
(وبلّغه الدّرجة)؛ أي: المنزلة، وهي على حذف النّعت؛ أي: الرّفيعة، وهي الرّتبة الزّائدة على سائر الخلائق: العالية الشّأن، السّامية المكانة والمكان.
(والوسيلة) هي: أعلى درجة في الجنّة. هكذا في الحديث، وفي آخر- عند ابن عساكر- عن الحسن بن علي: «فإنّ وسيلتي عند ربّي شفاعة لكم» .
وقيل: الوسيلة هي القربة.
وقال الشيخ أبو محمد عبد الجليل القصري في «شعب الإيمان»: إنّ وسيلته ﷺ هو: أن يكون في الجنّة، في قربه من الله تعالى بمنزلة الوزير من الملك بغير تمثيل؛ لا يصل لأحد شيء إلّا بواسطته. انتهى.
وهو موافق لما تقدّم من تفسيرها بالشّفاعة لأمّته، ويفسّر العلوّ؛ في أنّها أعلى درجة في الجنّة بالعلوّ المعنويّ.
ومقتضى ما لابن كثير: أنّه فسّره بالعلوّ الحسّيّ؛ وهو قوله: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنّة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنّة، وهي أقرب أمكنة الجنّة إلى العرش. انتهى. وكلاهما صحيح. والله أعلم؛ قاله الفاسي.
(في الجنّة) هي دار الثّواب في الآخرة.
(اللهمّ)؛ أي: يا الله (صلّ على محمّد)؛ أي: ارحمه رحمة مقرونة بالتّعظيم، (وعلى آل محمّد) هم: بنو هاشم وبنو المطّلب عند الشّافعي. ويحتمل أنّه أراد ب «آله» كلّ تقيّ، كما اختاره جماعة من العلماء، وقيل: إنّ آله جميع أمّته.
وفي إعادة كلمة «على» ردّ على الشّيعة في قولهم «إنّ جمع الآل مع النّبيّ ﷺ في الصّلاة بكلمة- على- لا يجوز، ويجب ترك الفصل بينه وبين آله»؟! وينقلون في ذلك حديثا لا يصحّ.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم،
(وبارك) أي: أفض بركات الدّين والدّنيا، أو أدم ما أعطيت من التّشريف؛ والكرامة والبركة، وكثرة الخير والكرامة، ونمائهما، والزّيادة منهما. أو هي:
الثّبات على ذلك، أو هي: التّطهير والتّزكية من المعائب، أو هي: الزّيادة في الدّين والذّريّة (على محمّد، وعلى آل محمّد.
كما) - الكاف للتّشبيه، وقيل: للتعليل. و«ما»: مصدريّة؛ أو موصولة- (صلّيت) جملة هي صلة الموصول، فلا محلّ لها.
(وباركت) معطوف على «صلّيت» (على إبراهيم) الخليل ﵊ بالتّشبيه بإبراهيم ﵇.
وهنا سؤال يورده العلماء قديما وحديثا.
وهي: أنّ القاعدة أنّ المشبّه بالشّيء أعلى رتبة أن يكون مثله، وقد يكون أدنى، وأما أعلى! فلا يكون. ومن المعلوم المقرّر في القواعد: أنّ نبيّنا محمّدا ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇، فكيف يخرج عن ظاهر هذه الصّيغة الواردة في الحديث على القاعدة المقرّرة!؟
وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة؛ نذكر منها ما رأيناه أقرب.
منها أنّه: إنّما قيل ذلك لتقدّم الصّلاة على إبراهيم ﵇، وقول الملائكة في بيته: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) [هود]، أي: كما تقدّمت منك الصّلاة على إبراهيم ﵇، فنسأل منك الصّلاة على محمّد ﵊ بطريق الأولى، لأنّ الّذي ثبت للفاضل ثبت للأفضل؛ بطريق الأولى، ولذلك ختم بما ختم الآية؛ وهو قوله: «إنّك حميد مجيد» .
والتّشبيه إنّما هو لأصل الصّلاة بأصل الصّلاة؛ لا للقدر بالقدر. فهو كقوله تعالى* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ [١٦٣/ النساء]، وقوله تعالى كُتِبَ
[ ٤ / ٣٠٥ ]
عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [١٨٣/ البقرة]، وقوله تعالى وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [٧٧/ القصص] .
ومنها أنّه قال ذلك تواضعا وشرعة لأمّته؛ ليكتسبوا به الفضيلة والثّواب.
ومنها أنّ الدّعاء للاستقبال، فما كان من خير قد أعطيه النّبيّ ﷺ قبل الدّعاء لم يقع في التّشبيه، وإنّما وقع في التّشبيه الزائد على ما كان عنده، فطلب أن يكون له مثل ما كان لإبراهيم؛ زيادة على ما خصّه الله تعالى به قبل السّؤال.
ومنها دفع المقدّمة المذكورة أوّلا؛ وهي: أنّ المشبّه به يكون أرفع من المشبّه: بأنّ ذلك ليس مطّردا؟! بل قد يكون التّشبيه بالمثل؛ بل بالدّون!! كما في قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ [٣٥/ النور]، وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى!؟
ولكن لمّا كان المراد من المشبّه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسّامع؛ حسن تشبيه النّور بالمشكاة، وكذا هنا: لمّا كان تعظيم إبراهيم ﵇ وآل إبراهيم بالصّلاة عليهم واضحا مشهورا عند جميع الطّوائف؛ حسن أن يطلب لمحمّد وآل محمّد بالصّلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم ﵇ وآل إبراهيم ﵇.
ويؤيّد ذلك ختم الطّلب المذكور بقوله: في العالمين؛ كما جاء في رواية الصّلاة الإبراهيميّة، أي: كما أظهرت الصّلاة على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين. فالتّشبيه المذكور ليس من باب إلحاق النّاقص بالكامل، لكن من إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر.
وقالوا أيضا؛ في خصوص التّشبيه بإبراهيم دون غيره من الأنبياء- على جميعهم الصّلاة والسّلام-: إنّ ذلك لأبوّته، فكان أقرب إليه من غيره.
ولأن التّشبيه بالآباء والفضائل مرغوب فيه، ولرفعة شأنه في الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، ولما هو معروف لهم في هذه الملّة الشّريفة؛ ممّا لا يحتاج إلى تعريف به، ولا بيان له؛ الّذي منه موافقته في معالم الملّة. وكأنّ هذا يلاحظ قوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [٧٨/ الحج] .
[ ٤ / ٣٠٦ ]
إنّك حميد مجيد.
يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا.. فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله.. فإنّ الله حيّ لم يمت، وإنّ الله قد تقدّم إليكم في أمره فلا تدعوه
ولأنّه ﷺ أراد أن يبقى ذلك كلّه إلى يوم الدّين، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم ﵊؛ مقرونا بما وهب الله تعالى له ﷺ من ذلك، ولمشاركته له في التأذين بالحجّ وإجابة لدعائه بقوله وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء]، ولأنه ﷺ أمر بالاقتداء به.
وممّا يعزى للشيخ أبي محمد المرجاني أنّه قال: سرّ التشبيه بإبراهيم؛ دون موسى ﵉!! لأنه كان التجلّي له بالجلال؛ فخرّ موسى صعقا، والخليل إبراهيم كان التجلي له بالجمال، لأنّ المحبّة والخلّة من آثار التجلّي بالجمال، فأمرهم ﷺ أن يصلّوا عليه كما صلى على إبراهيم، ليسألوا له التجلّي بالجمال؛ لا التسوية فيه، فيتجلّى لكل منهما بحسب مقامه ورتبته عنده.
(إنّك حميد)؛ فعيل بمعنى مفعول، لأنّه حمد نفسه وحمده عباده. أو بمعنى فاعل، لأنه الحامد لنفسه؛ ولأعمال الطّاعات من عباده.
(مجيد) من المجد؛ وهو الشرف والرفعة وكرم الذات والفعال التي منها كثرة الأفضال، والمعنى إنّك أهل الحمد والفعل الجميل والكرم والإفضال؛ فأعطنا سؤلنا ولا تخيّب رجاءنا.
(يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لم يمت، وإنّ الله تقدّم إليكم في أمره)، أي: قدّم لكم في كلامه إذ قال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [٣٤/ الأنبياء]، (فلا تدعوه): تتركوا العمل به
[ ٤ / ٣٠٧ ]
جزعا، فإنّ الله ﷿ قد اختار لنبيّه ﷺ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه وسنّة نبيّه ﷺ، فمن أخذ بهما.. عرف، ومن فرّق بينهما..
أنكر. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] .
ولا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم، ولا يفتننّكم عن دينكم، وعاجلوا الشّيطان بالخير تعجزوه، ولا تستنظروه فيلحق بكم ويفتنكم.
(جزعا)؛ لأجل الجزع، أي: شدّة الحزن الذي أصابكم بموته.
(فإنّ الله ﷿ قد اختار لنبيّه ﷺ ما عنده) من الكرامة في الآخرة؛ (على ما عندكم) من متاع الحياة الدنيا، (وقبضه إلى ثوابه) وجنّته؛ بعد أن ترككم على المحجّة البيضاء.
(وخلّف فيكم كتابه) القرآن، (وسنّة نبيّه ﷺ)؛ أي: جعلهما يخلفانه في استفادة الأحكام الشرعية فتمسّكوا بهما، (فمن أخذ)؛ أي: تمسّك (بهما)؛ أي: الكتاب والسنّة وعمل بما فيهما (عرف)؛ أي: فعل أمرا معروفا في الشرع وصار من العارفين. (ومن فرّق بينهما أنكر) أي: أتى أمرا منكرا، لأن السنة بيان للكتاب، فهما متلازمان في تطبيق الأحكام الشرعية لا تناقض بينهما ولا تخالف.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ)؛ أي مديمين القيام (بِالْقِسْطِ) [١٣٥/ النساء]: بالعدل، فمن عدل مرة أو مرتين لا يكون قوّاما.
(ولا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم) عن الاستقامة على الحقّ، (ولا يفتننّكم) الشيطان بالرجوع (عن دينكم، وعاجلوا الشّيطان بالخير)؛ أي:
تحصنوا منه بعمل الخير (تعجزوه)؛ أي: يندفع عنكم، (ولا تستنظروه):
تمهلوه حتى يتمكّن منكم (فيلحق بكم ويفتنكم) .
رواه بطوله سيف بن عمر التميمي في كتاب «الفتوح» له؛ عن عمرو بن تمام؛ عن أبيه؛ عن القعقاع.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وقال ابن عبّاس: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته.. قال:
يا عمر؛ أنت الّذي بلغني أنّك تقول: (ما مات نبيّ الله ﷺ؟!) أما ترى أنّ نبيّ الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، ويوم كذا: كذا وكذا، وقال الله تعالى في كتابه:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] . فقال: والله؛ لكأنّي لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا، أشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ الله حيّ لا يموت،
قال ابن أبي حاتم: سيف متروك.
وأخرجه ابن السّكن من طريق إبراهيم بن سعد؛ عن سيف بن عمر؛ عن عمرو عن أبيه. وقال: سيف بن عمر ضعيف.
قلت: هو من رجال الترمذي! وهو؛ وإن كان ضعيفا في الحديث؛ فهو عمدة في التاريخ مقبول النقل؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) في «الإحياء» للغزالي: (قال ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما (: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته؛ قال: يا عمر؛ أنت الّذي بلغني) عنك (أنّك تقول: ما مات نبيّ الله ﷺ!! أما ترى [أنّ] نبيّ الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، ويوم كذا: كذا وكذا!! وقال الله تعالى في كتابه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر]) . فأخبر بأنه سيموت فكيف تنكره؟!!.
(فقال) أي: عمر ﵁ (: والله؛ لكأنّي لم أسمع بها!!)؛ أي:
هذه الآية (في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا) من الدّهشة والحيرة بوفاة رسول الله ﷺ.
(أشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ الله حيّ لا يموت،
[ ٤ / ٣٠٩ ]
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وصلوات الله على رسوله، وعند الله نحتسب رسوله ﷺ.
ثمّ جلس إلى أبي بكر.
إنّا لله) ملكا وعبيدا؛ يفعل بنا ما يشاء. (وإنّا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا.
(وصلوات الله) تعالى متتابعة (على رسوله) ﷺ، (وعند الله نحتسب رسوله ﷺ، ثمّ جلس إلى أبي بكر) الصديق.
ثم رجع عمر عن مقالته التي قالها؛ كما ذكره أبو نصر: عبد الله الوائلي؛ في كتاب «الإبانة»؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله ﷺ واستوى على منبره؛ تشهّد عمر ثم قال:
أمّا بعد؛ فإنّي قلت لكم أمس مقالة، وإنّها لم تكن كما قلت، وإنّي والله، ما وجدت المقالة الّتي قلت لكم في كتاب الله؛ ولا في عهد عهد لي رسول الله ﷺ؛ ولكنّي كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتّى يدبرنا- أي: يكون آخرنا موتا- فاختار الله ﷿ لرسوله الّذي عنده على الّذي عندكم. وهذا الكتاب الّذي هدى الله به رسوله؛ فخذوا به تهتدوا لما هدي له رسول الله ﷺ. انتهى.
وفي آخر هذا الخبر عند ابن إسحاق: فبايع النّاس أبا بكر البيعة العامّة بعد بيعة السّقيفة، ثمّ تكلّم أبو بكر» الحديث؛
قال أبو نصر الوائلي: المقالة التي قالها عمر ثم رجع عنها هي قوله «إنّ النّبيّ ﷺ لم يمت ولن يموت حتّى يقطع أيدي وأرجل رجال من المنافقين» . وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشي الفتنة وظهور المنافقين. فلما شاهد عمر قوّة يقين الصدّيق الأكبر، وتفوّهه بقول الله ﷿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [١٨٥/ آل عمران] .
وقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠/ الزمر]، وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة المنوّرة؛ كأنّها لم تنزل قطّ إلّا ذلك اليوم؛ رجع عن تلك المقالة، والله أعلم.
[ ٤ / ٣١٠ ]
قال في «المواهب»: ولما تحقّق عمر بن الخطاب موته ﷺ بقول أبي بكر الصديق، ورجع إلى قوله؛ قال عمر وهو يبكي: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد كان لك جذع تخطب النّاس عليه، فلمّا كثروا واتّخذت منبرا لتسمعهم فحنّ الجذع لفراقك؛ حتّى جعلت يدك عليه فسكن، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد بلغ من فضيلتك عند ربّك أن جعل طاعتك طاعته، فقال مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [٨٠/ النساء] .
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء، وذكرك في أوّلهم؛ فقال تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [٧/ الأحزاب] .
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النّار يودّون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرّسول.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تنفجر منه الأنهار، فما ذاك بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء؛ صلّى الله عليك.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله ريحا غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذاك بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السّماء السّابعة؛ ثمّ صلّيت الصّبح من ليلتك بالأبطح، صلّى الله عليك.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، فما ذاك بأعجب من الشّاة المسمومة حين كلّمتك وهي مسمومة؛ فقالت:
لا تأكلني؛ فإنّي مسمومة.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد دعا نوح على قومه؛ فقال: ربّ لا تذر على
[ ٤ / ٣١١ ]
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا اجتمعوا لغسله..
قالوا: والله ما ندري كيف نغسّل رسول الله ﷺ؛ أنجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟
قالت: فأرسل الله عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما، ثمّ قال قائل لا يدرى من هو: غسّلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه؛ فانتبهوا، ففعلوا ذلك، الأرض من الكافرين ديّارا. ولو دعوت مثلها علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك؛ فأبيت أن تقول إلّا خيرا، فقلت:
اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد اتّبعك في أحداث سنّك وقصر عمرك ما لم يتّبع نوحا في كبر سنّه وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير؛ وما آمن معه إلّا قليل.
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لو لم تجالس إلّا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلّا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلّا كفؤا ما آكلتنا؛ ولبست الصّوف، وركبت الحمير، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك؛ تواضعا منك، صلّى الله عليك. انتهى. الحديث بطوله وتتمته من «المدخل» لابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى.
(وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها) - فيما رواه البيهقي في «دلائل النبوة» -: (لمّا اجتمعوا لغسله) ﷺ؛ (قالوا: والله ما ندري كيف نغسّل رسول الله ﷺ، أنجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟!.
قالت: فأرسل الله)؛ أي: ألقى (عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما.
ثمّ قال قائل) أي: كلّمهم مكلّم من ناحية البيت؛ (لا يدرى من هو: غسّلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه؛ فانتبهوا) من النوم (ففعلوا ذلك.
[ ٤ / ٣١٢ ]
فغسّل رسول الله ﷺ في قميصه؛ حتّى إذا فرغوا من غسله.. كفّن. وقال عليّ كرّم الله وجهه: أردنا خلع قميصه فنودينا: لا تخلعوا عن رسول الله ﷺ ثيابه، فأقررناه، فغسّلناه في قميصه كما نغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه.. إلّا قلب لنا حتّى نفرغ منه، وإنّ معنا لحفيفا في البيت كالرّيح الرّخاء، ويصوّت بنا: ارفقوا برسول الله ﷺ؛ فإنّكم ستكفون.
فغسّل رسول الله ﷺ في قميصه)؛ يضعون الماء فوق القميص ويد لكونه بالقميص، (حتّى إذا فرغوا من غسله كفّن)؛ أي: في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، ليس فيها قميص ولا عمامة. قال البيهقي في «الخلافيات»: قال أبو عبد الله- يعني الحاكم-:
تواترت الأخبار عن علي وابن عبّاس وعائشة وابن عمر وجابر وعبد الله بن مغافل؛ في تكفين النّبي ﷺ في ثلاثة أثواب؛ ليس فيها قميص ولا عمامة. انتهى.
(و) في «الإحياء»: (قال عليّ «كرّم الله وجهه») - تقدم الكلام قريبا على الحكمة في تخصيص علي بن أبي طالب ﵁ بقولهم «كرم الله وجهه» (: أردنا خلع قميصه) حال الغسل (فنودينا) من ناحية البيت: (لا تخلعوا عن رسول الله ﷺ ثيابه، فأقررناه)، أي: لم نجرّده عن القميص، (فغسّلناه في قميصه كما تغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه؛ إلّا قلب لنا) بسهولة (حتّى نفرغ منه) .
ثمّ عند تكفينه نزع منه ذلك القميص الذي غسّل فيه، (وإنّ معنا لحفيفا)؛ أي: شيئا خفيفا (في البيت كالرّيح الرّخاء) - بضمّ الرّاء-: الريح اللينة؛ قاله في «القاموس»، وفي «الأساس»: هي طيبة الهبوب؛ (ويصوّت) ذلك الشيء الخفيف الشبيه بالريح الرّخاء (بنا)؛ أي: يكلّمنا بصوت مسموع قائلا: (ارفقوا برسول الله ﷺ؛ فإنّكم ستكفون) قال في «شرح الإحياء»: وقد صح أنه غسل ﷺ
[ ٤ / ٣١٣ ]
فهكذا كانت وفاة رسول الله ﷺ، ولم يترك سبدا ولا لبدا إلّا دفن معه.
قال أبو جعفر: فرش لحده بمفرشه وقطيفته، وفرشت ثيابه الّتي كان يلبس يقظان على القطيفة والمفرش، ثمّ وضع عليها في أكفانه.
ثلاث غسلات: الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور؛ وغسله عليّ، والعبّاس وابنه الفضل يعينانه؛ وقثم وأسامة وشقران «مولاه ﷺ» يصبّون الماء؛ وأعينهم معصوبة من وراء السّتر، لحديث علي: «لا يغسّلني إلّا أنت، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلّا طمست عيناه» . رواه البزار والبيهقي.
(فهكذا كانت وفاة رسول الله ﷺ، ولم يترك سبدا)؛ السّبد- بفتحتين-:
القليل من الشّعر؛ (ولا لبدا) اللّبد- بفتحتين-: الصوف، ومن ذلك قولهم «فلان ما له سبد ولا لبد»؛ محركان، أي: لا قليل ولا كثير؛ وهذا قول الأصمعي، وهو مجاز؛ أي لا شيء له، وفي «اللّسان»، أي: ماله ذو وبر ولا صوف متلبّد، يكنّى بهما عن الإبل والغنم. وكان مال العرب الخيل، والإبل، والغنم، والبقر، فدخلت كلّها في هذا المثل؛ وقوله: (إلّا دفن معه) . كذا في «الإحياء»، ولم يتكلّم عليه شارحه بشيء!!
(قال أبو جعفر) محمد الباقر بن علي «زين العابدين» بن الحسين «السّبط» بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم (: فرش لحده بمفرشه وقطيفته) - بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون التّحتيّة ففاء-: كساء له خمل؛ أي: أهداب: أطراف. فرشها شقران «مولاه ﷺ»، وقال: «والله لا يلبسها أحد بعدك»؛ وهي النجرانيّة الحمراء التي كان يتغطّى بها ويجلس عليها.
(وفرشت ثيابه الّتي كان) ﷺ (يلبس) وهو (يقظان)؛ أي: في حال حياته (على القطيفة والمفرش) أي: فوقهما، (ثمّ وضع عليها)؛ أي: على القطيفة والمفرش والثياب، وهو ملفوف (في أكفانه) .
[ ٤ / ٣١٤ ]
لكن حديث عروة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كفّن ﷺ في ثلاثة أثواب سحوليّة بيض» الذي أخرجه النّسائي؛ من رواية عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن الزهري؛ عن عروة؛ واتفق عليه الأئمة السّتة من طريق: هشام بن عروة؛ عن أبيه؛ عن عائشة بزيادة: «من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة»، وليس قوله «من كرسف» عند الترمذي، ولا ابن ماجه.
زاد مسلم: أمّا الحلّة! فإنّما تشبه على النّاس؛ إنّها اشتريت له ليكفّن فيها، فتركت الحلّة وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، فأخذها عبد الله بن أبي بكر الصّديق؛ فقال: لأحبسنّها حتّى أكفّن فيها نفسي، ثمّ قال: لو رضيها الله لنبيّه لكفّنه فيها!! فباعها، فتصدّق بثمنها.
هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على أنّ القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه؛ قال النّووي في «شرح مسلم»: وهذا هو الصّواب الذي لا يتّجه غيره، لأنّه لو أبقي مع رطوبته؛ لأفسد الأكفان!!
قال: وأمّا الحديث الذي في «سنن أبي داود»؛ عن ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ كفّن في ثلاثة أثواب وقميصه الّذي توفّي فيه!! فضعيف؛ لا يصحّ الاحتجاج به، لأنّ يزيد بن زياد- أحد رواته- مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثّقات. انتهى.
كما أنّ حديث عائشة المذكور يدلّ على نفي ما عدا الثّلاثة الأثواب!!
قال الترمذي: روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة؛ وحديث عائشة أصحّ الأحاديث في ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
انتهى.
ونقل الزّين المراغي في «تحقيق النصرة»؛ عن ابن عبد البر أنّه قال: أخرجت
[ ٤ / ٣١٥ ]
- يعني: القطيفة- من القبر لما فرغوا من وضع اللّبنات التّسع؛ حكاه ابن زبالة «١» .
قال العراقي في «ألفيّة السيرة»:
وفرشت في قبره قطيفة وقيل: أخرجت. وهذا أثبت
وحفر أبو طلحة لحد رسول الله ﷺ في موضع فراشه حيث قبض.
وقد اختلف فيمن أدخله قبره!! وأصحّ ما روي أنه نزل في قبره عمّه العبّاس، وعلي، وقثم بن العبّاس؛ وكان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن العبّاس؛ أي: أنّه تأخّر حتى خرجوا قبله؛ وروي أنّه وضع في قبره تسع لبنات.
قال رزين: ورشّ قبره ﷺ، رشّه بلال بن رباح بقربة؛ بدأ من قبل رأسه؛ حكاه ابن عساكر، وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء، وبيضاء، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر.
ولما توفي ﵊ قالت فاطمة: يا أبتاه؛ أجاب ربّا دعاه؛ يا أبتاه؛ من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه؛ من إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه من أفراده.
زاد الطبراني والإسماعيلي: يا أبتاه؛ من ربّه ما أدناه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يؤخذ منه أنّ تلك الألفاظ إذا كان الميت متّصفا أنّه لا يمنع ذكره بها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرا؛ وهو في الباطن بخلافه، أو لا يتحقّق اتصافه بها؛ فتدخل في المنع. انتهى.
قال البخاريّ؛ في حديث أنس المذكور بعد ما سبق: فلمّا دفن قالت فاطمة:
أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التّراب!!.
_________________
(١) كذبوه، مات سنة ٢٠٠، قيل: كنيته أبو الحسن المدني، وهو مخزومي. (هامش الأصل) . قلت: وهو محمد بن الحسن؛ إخباري مشهور.
[ ٤ / ٣١٦ ]
فلم يترك بعد وفاته مالا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة؛
قال الحافظ: هذا من رواية أنس عن فاطمة؛ وأشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك، لأنه يدلّ على خلاف ما عرفته منهم من رقّة قلوبهم عليه لشدّة محبّتهم له؛ وسكت أنس عن جوابها!! رعاية لها؛ ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلّا أنّا قهرنا على فعله! امتثالا لأمره. انتهى.
وأخذت فاطمة ﵂ من تراب القبر الشريف، ووضعتها على عينيها وبكت، ثم أنشأت تقول:
ماذا على من شمّ تربة أحمد ألايشمّ مدى الدّهور غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيّام عدن لياليا
وروي أنّها قالت:
اغبرّ آفاق السّماء وكوّرت شمس النّهار وأظلم العصران
والأرض من بعد النّبيّ كئيبة أسفا عليه كثيرة الرّجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها وليبكه مضر وكلّ يماني
وقد عاشت فاطمة بعده ﷺ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة!! وحقّ لها ذلك.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
(فلم يترك بعد وفاته) ﷺ (مالا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة) .
أخرج ابن حبان في «الثقات»، وأبو نعيم في «الحلية»؛
عن الحسن مرسلا: مات رسول الله ﷺ ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة؛ قاله الحافظ العراقي.
[ ٤ / ٣١٧ ]
ففي وفاته عبرة تامّة،
(ففي وفاته عبرة تامّة) للناظرين، وتبصرة للمستبصرين؛ إذ لم يكن أحد أكرم على الله منه، إذ كان خليل الله وحبيبه ونجيّه، وكان صفيّة ورسوله ونبيّه؛ فانظر، هل أمهله ساعة عند انقضاء مدته!؟ وهل أخّره لحظة بعد حضور منيّته!؟
لا؛ بل أرسل إليه الملائكة الكرام، الموكّلين بقبض أرواح الأنام؛ فجدّوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها، وعالجوها ليرحلوا بها عن جسده الطاهر إلى رحمة ورضوان، وخيرات حسان، بل إلى مقعد صدق في جوار الرحمن، فاشتدّ مع ذلك في النزع كربه؛ وظهر أنينه، وترادف قلقه؛ وارتفع حنينه، وتغيّر لونه وعرق جبينه، واضطربت في الانقباض والانبساط شماله ويمينه، حتى بكى لمصرعه من حضره، وانتحب لشدّة حاله من شاهد منظره؛ فهل رأيت منصب النّبوّة دافعا عنه مقدورا!! وهل راقب الملك فيه أهلا وعشيرا! وهل سامحه إذ كان للحق نصيرا؛ وللخلق بشيرا ونذيرا!!؟
هيهات؛ بل امتثل ما كان به مأمورا، واتّبع ما وجده في اللوح مسطورا، فهذا كان حاله وهو عند الله ذو المقام المحمود، والحوض المورود، وهو أوّل من تنشقّ عنه الأرض، وهو صاحب الشفاعة يوم العرض، فالعجب أنّا لا نعتبر به، ولسنا على ثقة فيما نلقاه، بل نحن أسراء الشّهوات، وقرناء المعاصي والسّيّئات، فما بالنا لا نتّعظ بمصرع محمّد سيّد المرسلين، وإمام المتقين، وحبيب رب العالمين!!.
لعلنا نظنّ أنّنا مخلّدون! أو نتوهّم أنّا مع سوء أفعالنا عند الله مكرّمون!! هيهات هيهات؛ بل نتيقّن أنّا جميعا على النّار واردون، ثم لا ينجو منها إلّا المتّقون، فنحن للورود مستيقنون؛ وللصدور عنها متوهّمون.
لا؛ بل ظلمنا أنفسنا أن كنّا كذلك لغالب الظّن منتظرين، فما نحن والله من المتقين، وقد قال الله ربّ العالمين وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) [مريم] .
[ ٤ / ٣١٨ ]
وللمسلمين أسوة حسنة) انتهى.
فلينظر كلّ عبد إلى نفسه أنّه إلى الظالمين أقرب أم إلى المتّقين!! فانظر إلى نفسك بعد أن تنظر إلى سيرة السّلف الصالحين، فلقد كانوا مع ما وفّقوا له من الخائفين، ثم انظر إلى سيّد المرسلين؛ فإنه كان من أمره على يقين، إذ كان سيّد النبيين، وقائد المتقين.
واعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا، وكيف اشتدّ أمره عند الانقلاب إلى جنّة المأوى؟!.
(و) اتّبع من القول أحسنه، وتأسّ برسول الله ﷺ ففيه (للمسلمين أسوة حسنة. انتهى)؛ أي: كلام الإمام الغزالي في «الإحياء» .
قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه؛ وقال: يا عبد الله؛ اتق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة.
أخرج ابن ماجه في «سننه»؛ أنّه ﷺ قال في مرضه: «أيّها النّاس؛ إن أحد من النّاس- أو من المؤمنين- أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة الّتي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» .
وروى بقيّ بن مخلد، والباوردي، وابن شاهين، وابن قانع، وأبو نعيم؛ كلهم في «المعرفة»؛ عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه رفعه: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنّها أعظم المصائب» . ولله درّ القائل:
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
واصبر كما صبر الكرام فإنّها نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد
ويرحم الله تعالى القائل:
تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد
وقلت لها: إنّ المنايا سبيلنا فمن لم يمت في يومه مات في غد
[ ٤ / ٣١٩ ]
وقد رثي ﷺ بمراث كثيرة؛ منها:
قول عمّته صفيّة بنت عبد المطّلب، رضي الله تعالى عنها:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا برّا ولم تك جافيا
وكنت رحيما هاديا ومعلّما ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكي النّبيّ لفقده ولكنّني أخشى من الهجر آتيا
كأنّ على قلبي لذكر محمّد وما خفت من بعد النّبيّ المكاويا
أفاطم؛ صلّى الله ربّي بحمده على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدى لرسول الله أمّي وخالتي وعمّي وخالي، ثمّ نفسي وماليا
فلو أن ربّ النّاس أبقى نبيّنا سعدنا، ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السّلام تحيّة وأدخلت جنّات من العدن راضيا
أرى حسنا أيتمته وتركته يبكّي ويدعو جدّه اليوم نائيا
ورثاه ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه فقال:
أرقت، فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء، وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت عشيّة قيل: قد قبض الرّسول
وأضحت أرضنا ممّا عراها تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحقّ ما سالت عليه نفوس النّاس أو كادت تسيل
نبيّ كان يجلو الشّكّ عنّا بما يوحى إليه وما يقول
ويهديناا، فلا نخشى ضلالا علينا؛ والرّسول لنا دليل
أفاطم؛ إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السّبيل
فقبر أبيك سيّد كلّ قبر وفيه سيّد النّاس الرّسول
[ ٤ / ٣٢٠ ]
ورثاه سيّدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه بقوله:
لمّا رأيت نبيّنا متجدّلا ضاقت عليّ بعرضهنّ الدّور
فارتاع قلبي عند ذاك لهلكه والعظم منّي ما حييت كسير
أعتيق؛ ويحك إنّ حبّك قد توى فالصّبر عنك لما بقيت يسير
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي غيّبت، في جدث عليّ صخور
فلتحدثنّ بدائع من بعده تعيا بهنّ جوانح وصدور
ورثاه الصدّيق رضي الله تعالى عنه أيضا بقوله:
ودعنا الوحي إذ ولّيت عنّا فودّعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهينا تضمّنه القراطيس الكرام
ولقد أحسن حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه بقوله يرثيه:
بطيبة رسم للرّسول ومعهد مبين، وقد تعفو الرّسوم وتهمد «١»
ولا تنمحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الّذي كان يصعد
واضح آيات وباقي معالم وربع له فيه مصلّى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدّد «٢»
عرفت بها رسم الرّسول وعهده وقبرا بها واراه في التّرب ملحد
ظللت بها أبكي الرّسول فأسعدت عيون ومثلاها من الجنّ تسعد
تذكّرت آلاء الرّسول وما أرى لها محصيا نفسي، فنفسي تبلد
مفجّعة قد شقّها فقد أحمد فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد
وما بلغت من كلّ أمر عشيره ولكن لنفسي بعد هذا توجّد
أطالت وقوفا تذرف الدّمع جهدها على طلل القبر الّذي فيه أحمد
_________________
(١) أي: تبلى.
(٢) أي: تتجدد.
[ ٤ / ٣٢١ ]
فبوركت يا قبر الرّسول، وبوركت بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد
وبورك لحد منك ضمّن طيّبا عليه بناء من صفيح منضّد
تهيل عليه الترب أيد وأعين تباكت، وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيّبوا حلما وعلما ورحمة عشية علّوه الثّرى لا يوسّد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيّهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكّون من تبكي السّماوات موته ومن قد بكته الأرض فالنّاس أكمد
فهل عدلت يوما رزيّة هالك رزيّة يوم مات فيه محمّد
تقطّع فيه منزل الوحي عنهم وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدلّ على الرّحمن من يقتدي به وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهداهم الحقّ جاهدا معلّم صدق، إن يطيعوه يسعدوا
عفوّ عن الزّلّات؛ يقبل عذرهم وإن يحسنوا، فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله فمن عنده تيسير ما يتشدّد!
فبينا هم في نعمة الله بينهم دليل به نهج الطّريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنّي جناحه إلى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبيناهم في ذلك النّور إذ غدا إلى نورهم سهم من الموت يقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا تبكّيه جفن المرسلات ويجمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها فقيد يبكّيه بلاط وغرقد
ومسجده كالموحشات لفقده خلاء له فيه مقام ومقعد
فيا جمرة الكبرى له ثمّ أوحشت ديار وعرصات وربع ومولد
فبكّي رسول الله يا عين جهرة ولا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد
وما لك لا تبكين ذا النّعم الّتي على النّاس منها سابغ يتغمّد
فجودي عليه بالدّموع وأعولي لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد
[ ٤ / ٣٢٢ ]
وما فقد الماضون مثل محمّد ولا مثله حتّى القيامة يفقد
أعفّ وأوفى ذمّة بعد ذمّة وأقرب منه قائلا لا ينكّد
وأبذل منه للطّريف وتالد إذا ضنّ ذو مال بما كان يتلد
وأكرم بيتا في البيوت إذا انتمى وأكرم جدّا أبطحيّا يسوّد
وأمنع ذروات وأثبت في العلا دعائم عزّ شامخات تشيّد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا وعودا كعود المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتمّ تمامه على أكرم الخيرات ربّ ممجّد
تناهت وصاة المسلمين بكفّه فلا العلم محبور ولا الرّأي يفند
أقول ولا يلقى لقولي عائب من النّاس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه لعلّي به في جنّة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
ورثاه حسّان ﵁ أيضا بقوله:
كنت السّواد لناظري فعمي عليك النّاظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
ولا يرد على هذا كلّه ما رواه ابن ماجه- وصحّحه الحاكم-؛ عن ابن أبي أوفى: أنّه ﷺ نهى عن المراثي!!
لأن المراد مراثي الجاهلية، وهي ندبهم الميت بما ليس فيه؛ نحو «والهفاه، واجبلاه» لا مطلقا. فقد رثى حسّان حمزة وجعفرا وغيرهما في زمنه ﷺ؛ ولم ينهه!! قاله الزرقاني؛ على «المواهب» .
(و) أخرج الترمذي في «الجامع» و«الشمائل» - وقال في الجامع: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبد الله بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة-:
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«من كان له فرطان من أمّتي.. أدخله الله تعالى بهما الجنّة»، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فمن كان له فرط من أمّتك؟
قال: «ومن كان له فرط يا موفّقة»، قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟
قال: «فأنا فرط لأمّتي،
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«من كان له فرطان) - بفتح الفاء والراء-؛ أي: ولدان صغيران يموتان قبله، فإنّهما في القيامة يهيّئان له ما يحتاج إليه من ماء بارد وظلّ ظليل ومأكل ومشرب، (من أمّتي أدخله الله تعالى بهما الجنّة» .
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فمن كان له فرط من أمّتك؟) أي:
ما حكمه هل هو كذلك!
(قال: «ومن كان له فرط) - أي: يدخله الله الجنة بسببه كالذي له فرطان- (يا موفّقة»)؛ أي: لاستكشاف المسائل الدينيّة؛ وهذا تحريض منه ﷺ لها على كثرة السّؤال، فلذلك كرّرته حيث
(قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟)؛ أي: فما حكمه.
(قال: «فأنا فرط لأمّتي): أمة الإجابة، فهو ﷺ سابق مهيّء لمصالح أمّته.
وقد قال ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض» . أي: سابقكم لأرتاد لكم الماء، وقال ﷺ: «إذا أراد الله بأمّة خيرا قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمّة عذّبها؛ ونبيّها حيّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقرّ عينه بهلكها حين كذّبوه وعصوا أمره» .
[ ٤ / ٣٢٤ ]
لن يصابوا بمثلي» . و(الفرط- في الأصل-): السّابق من القوم المسافرين ليهيّىء لهم الماء والكلأ وما يحتاجونه، والمراد به هنا:
الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه يشبهه في تهيئة ما يحتاج إليه يوم القيامة من المصالح.
ثم استأنف بقوله: (لن يصابوا بمثلي»؛) على وجه التّعليل لقوله: «أنا فرط لأمّتي» . أي: لم يبلغوا مصيبة مثل مصيبتي، فإنّي عندهم أحبّ من كلّ والد وولد، فمصيبتي عليهم أشدّ من جميع المصائب، فأكون أنا فرطهم؛ وهو شامل لمن أدرك زمانه ومن لم يدركه، كما يدلّ عليه تعبيره ب «أمّتي» .
قال الباجوري؛ في «حاشية الشمائل»: (والفرط) - بفتحتين- والفارط (في الأصل)؛ أي: أصل معناه في اللغة هو (: السّابق)؛ أي: المتقدم (من القوم المسافرين ليهيّىء لهم) الأرشاء «١» والدّلاء ويمدر الحياض؛ ويستقي لهم (الماء، و) يهيء لدوابّهم (الكلأ) - مهموز: العشب؛ رطبا كان أو يابسا، فإن كان رطبا! يقال له: خلاء، واليابس يقال له: حشيش؛ والكلأ يعمّهما- (و) يهيّىء لهم (ما يحتاجونه) من منزل ونزل، ويزيل ما يخافون منه، ويأخذ الأمن فيه للمتأخّر عنه؛ فهو فعل بمعنى فاعل؛ كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط وقوم فرط.
(والمراد به هنا) في الحديث: الولد (الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه) أي: الولد الصغير (يشبهه)؛ أي: يشبه فرط المسافرين (في تهيئة ما يحتاج) - بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول-؛ أي: ما يحتاج (إليه) أبواه، فكما أنّ فرط القافلة يتقدّمهم إلى المنازل فيعدّ لهم ما يحتاجونه من سقي الماء وضرب الخيمة ونحوهما؛ كذلك الطفل الصغير الذي يموت قبل أحد أبويه فإنه يهيء لهما (يوم القيامة) ما يحتاجان (من المصالح)؛ وهو نزل ومنزل في الجنّة.
_________________
(١) جمع رشاء؛ وهو الحبل، وأفصح من هذه الصيغة للجمع: أرشية!!.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنهما- قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة.
(و) أخرج البخاريّ، والنّسائيّ، والترمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن عمرو بن الحارث) المصطلقي (أخي جويرية) - بالتصغير- (أمّ المؤمنين) له صحبة، خرّج له الجماعة (رضي الله تعالى عنهما)؛ أي: عمرو وجويرية.
(قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا) الحصر في الثلاثة المذكورة في هذا الخبر إضافيّ؛ فقد ترك ثيابه ومتاع بيته، ولكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر.
وقال ابن سيّد الناس: وترك ﷺ يوم مات ثوبي حبرة وإزارا عمانيّا، وثوبين صحاربين، وقميصا صحاريا، وآخر سحوليّا، وجبّة يمنيّة، وخميصة وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطية «ثلاثا؛ أو أربعا» وملحفة مورّسة، أي: مصبوغة بالورس.
(١- سلاحه) الذي كان يختصّ بلبسه واستعماله؛ من نحو: سيف ورمح ودرع ومغفر وحربة.
(و٢- بغلته) البيضاء واسمها «دلدل»، وعاشت بعده ﷺ حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يجرش لها الشعير، وماتت في ينبع، ودفنت في جبل رضوى، وكان له بغال غيرها.
(و٣- أرضا) لم يضفها له، لعدم اختصاصها به كسابقتها، لأنّ غلّتها كانت عامّة له ولعياله ولفقراء المسلمين، وهي نصف أرض فدك، وثلث أرض وادي القرى، وسهمه من خمس خيبر، وحصّة من أرض بني النضير؛ (جعلها)؛ أي: الأرض (صدقة) في حياته على أهله وزوجاته وخدمه وفقراء المسلمين، وليس المراد أنّها صارت صدقة بعد موته كبقية مخلّفاته؛ فإنّها صارت كلّها صدقة بعد وفاته على المسلمين.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم
وقد أغنى الله قلبه كلّ الغنى، ووسّع عليه غاية السّعة؛ وأيّ غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض فأباها!! وجاءت إليه الأموال فأنفقها كلّها؛ وما استأثر منها بشيء!!
ولم يتّخذ عقارا، ولا ترك شاة، ولا بعيرا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا دينارا، ولا درهما غير ما ذكر؛ كذا في الباجوري؛ على «الشمائل» .
(وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم)؛ وهو حديث متواتر، قال السيوطي؛ في «الأزهار المتناثرة»: حديث «لا نورث؛ ما تركناه صدقة»؛
أخرجه الشيخان؛ عن عمر وعثمان وعليّ وسعد بن أبي وقّاص والعبّاس.
وأخرجه مسلم؛ عن أبي بكر الصدّيق وعبد الرحمن بن عوف، والزّبير بن العوّام وأبي هريرة.
وأخرجه أبو داود؛ عن عائشة. وأخرجه النّسائي؛ عن طلحة.
وأخرجه الطّبراني؛ عن حذيفة وابن عبّاس؛ فقد رواه من العشرة المشهود لهم بالجنة ثمانية نظير حديث: «من كذب عليّ» . انتهى.
وذكره في «كنز العمال» بلفظ «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .
ورمز له برمز الإمام أحمد و«الصحيحين»، والثلاثة؛ عن عمر، وعن عثمان وسعد وطلحة والزّبير وعبد الرحمن بن عوف.
ورمز له برمز الإمام أحمد و«الصحيحين»؛ عن عائشة.
ورمز له برمز مسلم. والترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة، وإنّما يأكل آل محمّد في هذا المال» . ورمز له برمز الإمام أحمد و«الصحيحين»،
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وأبي داود والنسائي؛ عن أبي بكر الصدّيق ﵁.
وذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «إنّا لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .
ورمز له برمز الإمام أحمد؛ عن عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد رضي الله تعالى عنهم.
وفي «تلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أمّا حديث «إنّ الأنبياء لا يورثون» !! فمتفق عليه؛ من حديث أبي بكر الصديق؛ أنه ﷺ قال:
«لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .
وللنّسائي في أوائل الفرائض من «السنن الكبرى»: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة» . وإسناده على شرط مسلم.
ورواه النسائي؛ عن عائشة ﵂: أنّ أزواج النّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر؛ فيسألنه ميراثهنّ من رسول الله!! فقالت لهنّ عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ «لا يورث نبيّ؛ ما تركنا صدقة» !!. لكن رواه في الفرائض من «السنن الكبرى» بلفظ: «لا نورث، ما تركنا صدقة» . ليس فيه «نبيّ»؛ فالله أعلم!. وكذا هو في «الصحيحين» .
وفي «الصحيحين» مثل حديث أبي بكر عن عمر أنّه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أنشدكم بالله فذكره؛ وفيه أنهم قالوا: «نعم» . زاد النّسائي فيهم طلحة.
وأخرجه الحميدي في «مسنده»؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركنا فهو صدقة» .
وذكر الدارقطنيّ في «العلل» حديث الكلبي عن أبي صالح؛ عن أم هانىء؛ عن فاطمة أنّها دخلت على أبي بكر فقالت: لو متّ من يرثك؟ قال: ولدي وأهلي؛ قالت: فما لنا لا نرث النّبيّ ﷺ؟ قال: سمعته يقول: «إنّ الأنبياء لا يورثون؛ ما تركوه فهو صدقة» .
[ ٤ / ٣٢٨ ]
قول النّبيّ ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛
وفي الباب عن حذيفة؛ أخرجه أبو موسى في كتاب له اسمه «براءة الصدّيق»؛ من طريق فضيل بن سليمان؛ عن أبي مالك الأشجعي؛ عن ربعي عنه. وهذا إسناد حسن. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في «التلخيص» .
(قول النّبيّ ﷺ: «نحن) - نقل الزرقاني؛ في «شرح المواهب» عن الحافظ ابن حجر ما نصّه: والحاصل أنه لم يوجد بلفظ «نحن» ووجد بلفظ «إنّا»، ومفادهما واحد، فلعل من ذكره ذكره بالمعنى؛ وهو في «الصحيحين»؛ عن أبي بكر ﵁، سمعت النبيّ ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة» .
بحذف «إنّا» . وكذا في «السنن الثلاث» . انتهى-
(معاشر الأنبياء) نصب على الاختصاص؛ أو المدح. والمعشر: كلّ جمع أمرهم واحد، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر؛ وهو معنى قول جمع: المعشر، الطائفة الذين يشمهلم وصف.
(لا نورث) - بضم النون وسكون الواو وفتح الراء- قال القرطبي: جميع رواة هذه اللفظة في «الصحيحين» وغيرهما يقولون «لا نورث» بالنّون، وهي نون جماعة الأنبياء؛ أي: ما تركناه إنّما نتركه صدقة، لا يختصّ به الورثة.
والمراد: المال وما في حكمه؛ فلا يعارضه قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [٥- ٦/ مريم] الآية؛ ولا وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [١٦/ النمل] !! لأنه وارثه نبوّة وعلما.
وليس لك أن تقول معنى «لا نورث» من النّبوة!! لأنّ الصّحابة فهموا أنّ المراد المال، وهم أعلم بالحال، فلا مجال لهذا الاحتمال.
قال في «جمع الوسائل»: والحكمة في أنّ الأنبياء لا يورثون: ١- أن لا يتمنّى بعض الورثة موتهم؛ فيهلك. و٢- ألايظنّ بهم أنّهم راغبون في الدنيا ويجمعون المال لورثتهم. و٣- ألايرغب الناس بجمعها؛ بناء على ظنّهم أن
[ ٤ / ٣٢٩ ]
ما تركناه صدقة» .
الأنبياء كانوا كذلك!! و٤- لئلّا يتوهّموا أن فقر الأنبياء لم يكن اختياريا. انتهى.
(ما) موصولة: مبتدأ؛ أي: الذي (تركناه) من المال (صدقة) بالرفع:
خبر المبتدأ الذي هو «ما تركنا»، ودخلته الفاء! [كما في بعض طرقه- «ما تركنا فهو صدقة»] «١»؛ لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط.
والجملة جواب سؤال مقدّر تقديره: إذا لم تورثوا؛ فما يفعل بمخلّفكم؟
فأجاب بقوله: «ما تركناه صدقة» . والكلام حينئذ جملتان: الأولى فعلية، وهي قوله «لا نورث»، والثانية اسمية، وهي قوله «ما تركناه» .
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: ويؤيّده وروده في بعض طرق «الصّحيح»: «ما تركنا فهو صدقة»؛ وحرّفه الإماميّة- أي: الروافض فقالوا:
لا يورث، - بالمثنّاة التحتية بدل النّون- و: صدقة نصب على الحال.
و«ما تركنا»: مفعول لما لم يسم فاعله، فجعلوا الكلام جملة واحدة، ويكون المعنى: إن ما يترك صدقة لا يورث. وهذا تحريف يخرج الكلام عن نمط الاختصاص الذي دلّ عليه قوله ﵊ في بعض الطرق: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» .
ويعود الكلام بما حرّفوه إلى أمر لا يختصّ به الأنبياء، لأن آحاد الأمّة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقة انقطع حقّ الورثة عنها، فهذا من تحاملهم أو تجاهلهم.
وقد أورده بعض أكابر الإماميّة على القاضي شاذان «صاحب القاضي أبي الطيب»، فقال القاضي شاذان- وكان ضعيف العربيّة؛ قويّا في علم الخلاف-: لا أعرف نصب «صدقة» من رفعها!! ولا أحتاج إلى علمه؛ فإنه لا خفاء بي وبك: أنّ فاطمة وعليّا من أفصح العرب لا تبلغ أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كانت لهما حجّة فيما لحظته لأبدياها حينئذ لأبي بكر؟! فسكت، ولم يحر جوابا.!
_________________
(١) أضفتها للإيضاح.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وإنّما فعل الإمامية ذلك!! لما يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم، لأنهم يقولون ب «أنه ﷺ يورث كما يورث غيره من المسلمين» لعموم الآية الكريمة.
وذهب النّحاس إلى أنه يصحّ النّصب في «صدقة» على الحال، وأنكره القاضي عياض لتأييده مذهب الإمامية، لكن قدر ابن مالك «ما تركناه- متروك- صدقة» فحذف الخبر وبقي الحال كالعوض منه؛ ونظيره قراءة بعضهم وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [١٤/ يوسف]- بالنصب «١» -. انتهى. من «شرح القسطلاني على البخاري» .
قال الزرقاني؛ في «شرح المواهب» متعقبا: لكن في التوجيه نظر، إذ لم تأت رواية بالنصب حتى توجّه، بل الذي توارد عليه أهل الحديث؛ في القديم والحديث: بالنون ورفع «صدقة»، ولأنّه لم يتعين حذف الخبر، بل يحتمل ما قاله الإمامية، ولذا أنكره عياض؛ وإن صحّ في نفسه. انتهى.
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن ما ترك النبي ﷺ بعده من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها وتقرّ تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان له عند سهل قدح، وعند أنس قدح آخر، وعند عبد الله بن سلام قدح آخر، وكان الناس يشربون منها تبرّكا، وكانت جبّته عند أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها إلى غير ذلك مما هو معروف. انتهى. نقله المناوي؛ في «شرح الشّمائل» رحمه الله تعالى.
_________________
(١) وهي قراءة شاذّة.
[ ٤ / ٣٣١ ]
[الفصل الثّالث في رؤيته ﷺ في المنام]
الفصل الثّالث في رؤيته ﷺ في المنام عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:
(الفصل الثّالث)؛ من الباب الثّامن (في) ما جاء في (رؤيته ﷺ) الرؤية- التي بالتاء- تشمل رؤية البصر في اليقظة، ورؤية القلب في المنام، ولهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله (في المنام) .
و[الرؤيا] الّتي بالألف خاصّة برؤية القلب في المنام، وقد تستعمل في رؤية البصر أيضا، قال المازري: مذهب أهل السّنّة: أنّ حقيقة الرّؤيا خلق الله تعالى في قلب النّائم اعتقادات كخلقها في قلب اليقظان، وهو ﷾ يفعل ما يشاء؛ لا يمنعه نوم ولا يقظة، وخلق هذه الاعتقادات في النائم علم على أمور أخر يلحقها في ثاني الحال؛ كالغيم علما على المطر. انتهى؛ ذكره في «جمع الوسائل» .
وإنّما أورد المصنّف باب الرؤية في المنام آخر الكتاب بعد بيان صفاته الظاهرة وأخلاقه المعنوية!! إشارة إلى أنّه ينبغي أوّلا ملاحظة رسول الله ﷺ بأوصافه الشريفة وأخلاقه المنيفة ليسهل تطبيقه الرؤية بعد في المنام عليها، والإشعار بأنّ الاطلاع على طلائع صفاته الصّوريّة، وعلى بدائع نعوته السّريّة بمنزلة رؤيته البهية. انتهى «باجوري» .
(عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما) كذا في النّسخ الّتي بأيدينا، وهو كذلك في نسخة «الشّمائل» التي كتب عليها المناوي، وكذلك في المطبوعة مع «حاشية الباجوري»، لكن في نسخة «الشمائل» التي كتب عليها الشرّاح الثلاثة:
ملا علي قاري، وجسّوس المغربي، والباجوري في «حاشيته»؛ «عن عبد الله»
[ ٤ / ٣٣٢ ]
عن النّبيّ ﷺ قال: «من رآني في المنام.. فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» .
فقط، وفسّره هؤلاء الثلاثة ب «ابن مسعود»، قالوا- كما في نسخة-: وذلك يوافق ما في «سنن ابن ماجه»، والترمذي في «الجامع» بسند «الشّمائل» وقال:
حديث حسن صحيح، فإنّ ابن ماجه رواه من طريق وكيع عن سفيان، والتّرمذيّ رواه في «الجامع» و«الشمائل»؛ من طريق عبد الرّحمن بن مهدي، عن سفيان؛ عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص؛ عن عبد الله رضي الله تعالى عنه.
(عن النّبيّ ﷺ قال: «من رآني في المنام)؛ أي: في حال النّوم، (فقد رآني)، أي: فليبشّر بأنّه رآني حقيقة، أي: رأى حقيقتي كما هي؛ لا شبهة ولا ريب فيما رآه، فلم يتّحد الشّرط والجزاء. أو هو في معنى الإخبار؛ أي: من رآني فأخبره بأنّ رؤيته حقّ ليست بأضغاث أحلام، ولا من تمثيل الشّيطان، بل هي من قبل الله تعالى.
ثمّ أردف ذلك بما هو تتميم للمعنى وتعليل للحكم؛ فقال: (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي») . وفي رواية لمسلم: «فإنّ الشّيطان لا ينبغي له أن يتشبّه بي» .
وفي أخرى له: «لا ينبغي أن يتمثّل في صورتي» .
وفي رواية لغير مسلم: «لا يتكوّنني» أي: لا يستطيع ذلك لئلّا يتذرّع بالكذب على لسانه في النّوم؛ كما استحال تصوّره بصورته يقظة؛ إذ لو وقع اشتبه الحقّ بالباطل؛ ومنه أخذ أنّ جميع الأنبياء كذلك.
وظاهر الحديث أنّ رؤياه صحيحة؛ وإن كانت على غير صفته المعروفة، وبه صرّح النّوويّ، مضعّفا لتقييد الحكيم التّرمذيّ وعياض وغيرهما؛ بما إذا رآه على صورته المعروفة في حياته، وتبعه عليه بعض المحقّقين.
قال المناوي- على «الشمائل»؛ في شرح قول المصنّف «فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» -: أي: لا يستطيع ذلك، سواء رآه الرائي على صفته المعروفة؛ أو
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
غيرها، على المنقول المقبول عند أهل العقول، لأنّه ﷾ جعله رحمة للعالمين؛ هاديا للضّالّين؛ محفوظا من وسواس الشّياطين.
وإذا تنوّر العالم بنور وجوده، ورجمت الشّياطين لميلاده، وهدمت بنيان الكهنة لظهوره؛ فكيف يتصوّر أن يتمثّل الشّيطان بصورته!! ولو قدر أن يتمثّل بصورته لتمثّل في الخارج كذلك، فرؤياه حقّ على أيّ صورة كانت.
ثمّ إن كانت بصورته الحقيقة في وقت مّا، سواء كان في شبابه؛ أو رجوليّته؛ أو كهوليّته؛ أو أواخر عمره، لم تحتج لتأويل، وإلّا احتيجت لتعبير متعلق بالرّائي. ومن ثمّ قيل: من رآه شيخا، فهو في غاية سلم، أو شابا؛ فهو في غاية حرب، أو متبسما؛ فهو متمسك بسنّته، أو على حالته وهيئته؛ فهو دليل على صلاح حال الرّائي وكمال وجاهته وظفره. وعكسه؛ لأنّه كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها، وإن كان ذاتها على أحسن حال.
وبه علم صحّة رؤية جمع له؛ في آن واحد؛ في أقطار متباعدة؛ بأوصاف متخالفة. وكما أنّ الشّمس يراها كلّ إنسان في الشّرق والغرب في ساعة واحدة وبصفات مختلفة؛ فكذلك هو ﷺ.
وحكي عن البارزيّ واليافعيّ والجيليّ والشّاذليّ والمرسيّ وعلي وفاء والقطب القسطلّانيّ وغيرهم أنّهم رأوه يقظة. قال ابن أبي جمرة: ومنكر ذلك!! إن كان ممّن يكذّب بكرامات الأولياء؛ فلا كلام معه، وإلّا! فهذه منها؛ إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويّ والسفليّ. انتهى.
وسبقه لنحوه حجّة الإسلام؛ فقال في كتاب «المنقذ»: وهم- يعني: أرباب القلوب- في يقظتهم، يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
[ ٤ / ٣٣٤ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام..
فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتصوّر- أو قال لا يتشبّه- بي» .
قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام) - بصفتي الّتي أنا عليها، أو بغيرها؛ على ما تقدّم- (فقد رآني) - أي: رأى حقيقتي على كمالها- (فإنّ الشّيطان لا يتصوّر) بي، لا مناما ولا يقظة؛ حفاظا للشّريعة المعلومة بالكتاب والسّنّة.
ثمّ إن رآه الرّائي على صورته كان الرّائي كاملا، وإلّا! فهو ناقص، فتكون الرّؤية حينئذ تنبيها له ليتوب، فمن رآه ميتا دلّ على موت الشّريعة في الرّائي، فإن كان مستقيما! دلّ على موت الشّريعة في ذلك المكان.
(أو قال) - شكّ من الرّاوي- (: «لا يتشبّه بي»)، التصوّر: قريب من التّمثّل، وكذا التشبّه.
قال بعض شرّاح «المصابيح»: ومثله في ذلك جميع الأنبياء والملائكة.
انتهى.
وما ذكره احتمالا جزم به البغويّ في «شرح السّنّة»؛ قال: وكذلك حكم القمرين، والنّجوم، والسّحاب الذي ينزل منه الغيث: لا يتمثّل الشّيطان بشيء منها.
لكن ذكر المحقّقون أنّه خاصّ به ﷺ؛ ذكره العزيزي على «الجامع الصغير» وغيره.
والحديث رواه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ من حديث أبي هريرة بلفظ:
«من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثّل الشّيطان بي» . ورواه الطّبراني؛ وزاد: «ولا بالكعبة» . وقال: لا تحفظ هذه اللّفظة إلّا في هذا الحديث.
ولمسلم؛ من حديث جابر: «من رآني في المنام فقد رآني، فإنّه
[ ٤ / ٣٣٥ ]
لا ينبغي للشّيطان أن يتمثّل في صورتي» . وفي رواية: «فإنّه لا ينبغي للشّيطان أن يتشبّه بي» .
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ؛ عند البخاري: سمع النّبيّ ﷺ يقول: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشّيطان لا يتكوّنني»، أي: لا يتكوّن كوني، أي:
لا يتصور تصوّرا كصورتي، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل.
وفي حديث أبي قتادة؛ عند «البخاري ومسلم» بلفظ: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشّيطان لا يتراءى بي» - بالرّاء-؛ بوزن: يتعاطى، ومعناه لا يستطيع أن يتمثّل بي، ووقع عند الإسماعيلي؛ في «مستخرجه»: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» . ومثله عند ابن ماجه، وصحّحه التّرمذيّ؛ من حديث ابن مسعود المتقدّم.
والحاصل: أنّ هذا الحديث متواتر، وقد ذكره السّيوطيّ في «الأزهار المتناثرة» وقال: أخرجه الشّيخان؛ عن أنس، وأبي سعيد، وأبي قتادة، وأبي هريرة.
ومسلم، عن جابر. والتّرمذيّ؛ عن ابن مسعود.
وابن ماجه؛ عن ابن عباس، وأبي جحيفة.
وأحمد؛ عن أبي قتادة، وأبي مالك الأشجعيّ.
والطّبرانيّ؛ عن أبي سعيد، وابن عمرو، وأبي بكرة، ومالك بن عبد الله الخثعميّ.
والبخاريّ في «التّاريخ»؛ عن طارق بن أمية الأشجعيّ. انتهى.
فائدة: سئل شيخ الإسلام؛ زكريّا الأنصاريّ رحمه الله تعالى: عن رجل زعم أنّه رأى النّبيّ ﷺ يقول له: «مر أمّتي بصيام ثلاثة أيّام، وأن يعيّدوا بعدها، ويخطبوا»، فهل يجب الصّوم، أو يندب، أو يجوز، أو يحرم؟!
[ ٤ / ٣٣٦ ]
وهل يكره أن يقول أحد للنّاس: أمركم النّبيّ ﵊، بصيام أيام لأنّه كذب عليه، ومستنده الرّؤيا الّتي سمعها من غير رائيها، أو منه.
وهل يمتنع أن يتسمّى إبليس باسم النّبيّ ﷺ، ويقول للنّائم: إنّه النّبيّ ﷺ، ويأمره بطاعته، ليتوصّل بذلك إلى معصيته؛ كما يمتنع عليه التّشكّل في صورته الشّريفة أم لا!! [وبم] تتميّز الرؤية له ﷺ الصادقة من الكاذبة، وهل يثبت شيء من أحكام الشّرع بالرؤية في النّوم؟ وهل المرئيّ ذاته ﷺ، أو روحه، أو مثل ذلك.
أجاب- رحمه الله تعالى- بقوله: لا يجب على أحد الصّوم؛ ولا غيره من الأحكام بما ذكر، ولا مندوب. بل قد يكره؛ أو يحرم، لكن إن غلب على الظّنّ صدق الرّؤيا فله العمل بما دلّت عليه؛ ما لم يكن فيه تغيير حكم شرعيّ. ولا يثبت بها شيء من الأحكام؛ لعدم ضبط الرّائي، لا للشّكّ في الرّؤيا.
ويحرم على الشّخص أن يقول: أمركم النّبيّ ﷺ بكذا؛ فيما ذكر، بل يأتي بما يدلّ على مستنده من الرّؤيا، إذ لا يمتنع عقلا أن يتسمّى إبليس باسم النّبيّ ﷺ ليقول للنّائم: إنّه النّبيّ ﷺ، ويأمره بالطّاعة؛ والرّؤيا الصّادقة هي الخالصة من الأضغاث.
والأضغاث أنواع:
الأوّل: تلاعب الشّيطان ليحزن الرّائي؛ كأن يرى أنّه قطع رأسه.
الثّاني: أن يرى أنّ بعض الأنبياء يأمره بمحرّم؛ أو محال.
الثّالث: ما تتحدّث به النّفس في اليقظة تمنّيا؛ فيراه كما هو في المنام.
ورؤية المصطفى ﷺ بصفته المعلومة إدراك لذاته؛ ورؤيته بغير صفته إدراك لمثاله، فالأولى: لا تحتاج إلى تعبير، والثّانية: تحتاج إليه.
ويحمل على هذا قول النّوويّ «الصّحيح أنّه يراه حقيقة؛ سواء كانت صفته المعروفة أو غيرها» . وللعلماء في ذلك كلام كثير ليس هذا محلّ ذكره، وفيما
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وعن يزيد الفارسيّ- وكان يكتب المصاحف- قال: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام زمن ابن عبّاس، فقلت لابن عبّاس:
إنّي رأيت رسول الله ﷺ في النّوم، فقال ابن عبّاس:
إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النّوم.. فقد رآني»،
ذكرته كفاية. انتهى بنصّه؛ ذكره المناوي؛ في «كبيره» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ من حديث عوف بن أبي جميلة؛
(عن يزيد الفارسيّ) ابن هرمز المدنيّ الليثيّ، «مولاهم؛ ومولى ابن عثمان أو غيره»، تابعيّ، خرّج له مسلم؛ وأبو داود؛ والنّسائيّ.
وقال الذّهبيّ: كان رأس الموالي يوم الحرّة. وهو والد عبد الله الفقيه، بقي إلى سنة مائة؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
لكن قال في «جمع الوسائل»: الصّحيح أنّه غيره، فإنّ يزيد بن هرمز مدنيّ من أوساط التّابعين؛ ويزيد الفارسيّ بصريّ مقبول، من صغار التّابعين- كما يعلم من «التقريب» و«تهذيب الكمال» -. انتهى.
(وكان يكتب المصاحف) فيه إشارة إلى بركة عمله، ولذلك رأى هذه الرّؤيا العظيمة، لأنّ رؤياه ﷺ في صورة حسنة تدلّ على حسن دين الرّائي، بخلاف رؤيته في صورة شين أو نقص في بعض البدن، فإنّها تدلّ على خلل في دين الرّائي، فبها يعرف حال الرّائي، فلذلك لا يختصّ برؤيته ﷺ الصّالحون.
(قال)؛ أي: يزيد (: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام زمن ابن عبّاس)؛ أي: في زمن وجوده، أي: في حياته؛ (فقلت لابن عبّاس:
إنّي رأيت رسول الله ﷺ في النّوم!!
فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النّوم فقد رآني»)؛ أي: فليبشّر بأنّه رآني حقيقة، أي:
[ ٤ / ٣٣٨ ]
هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم؟
قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين؛ جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضّحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه؛
رأى حقيقتي كما هي، فلم يتّخذ الشّرط والجزاء، أو هو في معنى الإخبار؛ أي:
من رآني فأخبره بأنّ رؤياه حقّ، لا أضغاث أحلام وتخيّل شيطان.
(هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم)؛ أي: تصفه بما فيه من حسن، فالنّعت وصف الشّيء بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح إلّا بتجوّز، والوصف يقال في الحسن والقبيح؛ كما في «النهاية» .
(قال) أي: الرائي؛ وهو يزيد الفارسي (: نعم؛ أنعت لك رجلا) بالنّصب على أنّه مفعول «أنعت» - (بين الرّجلين)؛ في القصر والطّول، لا بائن ولا قصير، كما سبق، وقوله «بين رجلين» خبر مقدّم، وقوله (جسمه ولحمه) مبتدأ مؤخّر، أو هو فاعل بالظرف، والجملة صفة ل «رجلا»، يريد أنّه متوسط في القصر والطّول والسّمن ومقابله.
(أسمر)؛ أي: أحمر مائل (إلى البياض)؛ لأنّه كان أبيض مشربا بحمرة كما تقدّم-، فالسّمرة تطلق على الحمرة، وقوله «أسمر» بالرفع: على أنّه خبر مبتدأ مقدّر، وبالنّصب: على أنّه نعت ل «رجلا»، أو خبر ل «كان» مقدّرة؛ ومثله قوله:
(أكحل)؛ من الكحل وهو سواد (العينين) خلقة، (حسن الضّحك)؛ لأنّه كان يتبسّم في غالب أحواله، (جميل دوائر الوجه)؛ أي: حسن أطراف الوجه، فالمراد بالدّوائر: الأطراف، فلذلك صحّ الجمع، وإلّا! فالوجه له دائرة واحدة؛ (قد ملأت لحيته ما بين هذه) الأذن (إلى هذه) الأذن الآخرى، وكان الأظهر في التعبير أن يقول «ما بين هذه وهذه» لأنّ «ما بين» لا تضاف إلّا إلى متعدّد. أو
[ ٤ / ٣٣٩ ]
قد ملأت نحره.
فقال ابن عبّاس: لو رأيته في اليقظة.. ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني- يعني في النّوم- فقد رأى الحقّ» .
يقول «من هذه إلى هذه» لأن «من» الابتدائيّة تقابل ب «إلى» الانتهائيّة.
وأشار بذلك إلى أنّ لحيته الكريمة عريضة عظيمة؛ (قد ملأت نحره) أي:
كانت مسترسلة إلى صدره، كثّة، وهو إشارة إلى طولها.
(فقال ابن عبّاس) ليزيد الرّائي- لما أخبره بنعت من رآه في النّوم- (: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا) أي: فما رأيته في النّوم موافق لما عليه الواقع.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «التعبير»، ومسلم، والتّرمذيّ في «الشّمائل»؛
(عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي، أو عمرو، أو النّعمان الأنصاريّ.
شهد أحدا وما بعدها- وتقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «من رآني- يعني في النّوم-): تفسير مدرج من بعض الرواة (فقد رأى الحقّ» .) أي: رؤيته حقّ، أي: رأى الرّؤيا الصّادقة الصّحيحة، وهي الّتي يريها الملك الموكّل بضرب أمثال الرّؤيا بطريق الحكمة لبشارة أو نذارة أو معاتبة، ليكون على بصيرة من أمره.
وأبعد بعضهم فقال: يمكن أن يراد بالحقّ هو الله مبالغة؛ تنبيها على أنّ من رآه على وجه المحبّة والاتّباع كأنّه رأى الله تعالى كقوله: «من أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله» . انتهى.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام.. فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي» .
وردّ بأنّه يأباه قوله «فإنّ الشّيطان لا يتزيّا بي» - بالزّاي المعجمة- أي: لا يظهر في زيّي؛ أي: لا يستطيع ذلك، لأن الله ﷾؛ وإن مكّنه من التصوّر في أيّ صورة أراد؛ فإنّه لا يمكّنه من التّصوّر في صورة النّبيّ ﷺ.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ، والتّرمذيّ في «الجامع» و«الشّمائل»:
(عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام) أي: في حال النّوم- (فقد رآني) حقيقة؛ أي: رأى حقيقتي كما هي، (فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي») . أي: لا يمكنه أن يظهر لأحد بصورتي، فمعنى التخيّل يقرب من معنى التصوّر.
فإن قيل: كيف يكون ذلك وهو في المدينة المنوّرة؛ والرائي في المشرق أو المغرب مثلا!؟
أجيب: بأنّ الرّؤية أمر يخلقه الله تعالى، ولا يشترط فيها عقلا مواجهة؛ ولا مقابلة؛ ولا خروج شعاع؛ ولا غيره. ولذا جاز أن يرى أعمى الصّين بقّة أندلس!!.
فإن قلت: كثيرا يرى على خلاف صورته المعروفة، ويراه شخصان في حالة واحدة في مكانين؛ والجسم الواحد لا يكون إلّا في مكان واحد؟!
أجيب: بأنّه يعتبر في صفاته؛ لا في ذاته، فتكون ذاته ﵊ مرئيّة وصفاته متخيّلة غير مرئيّة، فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة، فلا يكون المرئيّ مدفونا في الأرض ولا ظاهرا عليها، وإنّما يشترط كونه موجودا، ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله!! كان هذا من صفاته المتخيّلة؛ لا المرئيّة. كذا قاله القسطلّاني في «شرح البخاري» .
[ ٤ / ٣٤١ ]
قال: «ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة» .
(قال:)؛ أي: أنس- على ما هو ظاهر صنيع المصنّف- وإلّا لقال «وقال» ! لكنّه موقوف في حكم المرفوع! ولا يبعد أن يكون الضّمير له ﷺ، بل هو الأقرب، لأنّ الأشهر أنّ هذا مرفوع في البخاري وغيره.
(«ورؤيا) - مصدر؛ كالرّجعى- (المؤمن) والمؤمنة الصالحين، والمراد غالب رؤياهما، وإلّا! فقد تكون رؤياهما أضغاث أحلام؛ أي: أخلاط أحلام فلا يصحّ تأويلها لاختلاطها؛ (جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة») .
وجه ذلك- على ما قيل-: أنّ زمن الوحي ثلاثة وعشرون سنة، وأوّل ما ابتدئ به ﷺ الرؤيا الصالحة، وكان زمنها ستّة أشهر، ونسبة ذلك إلى سائر المدّة المذكورة جزء من ستة وأربعين جزآ، ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر ذلك.
لكن لم يرد أثر أنّ زمن الرؤيا ستّة أشهر!! مع كون هذا التوجيه لا يظهر في بقية الرّوايات غير هذه الرّواية؟! فإنّ [هـ] ورد في رواية: «من خمس وأربعين»، وفي رواية «من أربعين»، وفي رواية «من خمسين» إلى غير ذلك، واختلاف الرّوايات يدلّ على أنّ المراد التكثير؛ لا التحديد.
ولا يبعد أن يحمل اختلاف الأعداد المذكورة على اختلاف أحوال الرّائي في مراتب الصّلاح، وأظهر ما قيل في معنى كون الرؤيا جزآ من أجزاء النّبوّة: أنّها جزء من أجزاء علم النّبوّة، لأنّها يعلم بها بعض الغيوب، ويطلع بها على بعض المغيّبات، ولا شكّ أنّ علم المغيّبات من علم النّبوّة، ولذلك قال الإمام مالك ﵁ لما سئل: أيعبّر الرّؤيا كلّ أحد؟ قال: أبالنّبوّة يلعب!! ثمّ قال:
الرّؤيا جزء من النّبوّة. وليس المراد أنّها نبوّة باقية حقيقة.
ويؤيّد ذلك الحديث الّذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «لم يبق من النّبوّة إلّا المبشّرات»، قالوا: وما المبشّرات؟ قال: «الرّؤيا الصّالحة؛ يراها
[ ٤ / ٣٤٢ ]
وقوله [ﷺ]: (من رآني في المنام فقد رآني) قال الباجوريّ: أي: من رآني في حال النّوم.. فقد رآني حقّا، أو.. فكأنّما رآني في اليقظة.
فهو على التّشبيه والتّمثيل؛ وليس المراد رؤية جسمه الشّريف وشخصه المنيف، بل مثاله على التّحقيق.
الرّجل المسلم، أو ترى له» . أخرجه البخاريّ.
والتعبير بالمبشّرات للغائب، وإلّا! فقد تكون من المنذرات. وبالجملة: فلا ينبغي أن يتكلّم في تعبير الرّؤيا بغير علم، لما علمت من أنّها جزء من أجزاء النّبوّة.
(وقوله) في الحديث: («من رآني في المنام فقد رآني» !! قال:) شيخ الإسلام إبراهيم (الباجوريّ) - رحمه الله تعالى؛ في «حاشية الشّمائل» -:
(أي: من رآني في حال النّوم) بأيّ صفة كانت؛ (فقد رآني حقّا)؛ أي: رأى حقيقتي على كمالها؛ لا شبهة ولا ريب فيما رأى، (أو فكأنّما رآني في اليقظة، فهو على التّشبيه والتّمثيل)، لأنّ ما رآه في النّوم مثاليّ، وما يرى في عالم الحسّ حسّيّ، فهو تشبيه خياليّ بحسيّ.
(و) قال الغزاليّ: (ليس المراد) بقوله: «فقد رآني» (رؤية جسمه الشّريف وشخصه المنيف، بل) رؤية (مثاله) الّذي صار آلة يتأدّى بها المعنى الذي في نفس الأمر إليه، وكذلك قوله: «فسيراني في اليقظة» !! ليس المراد أنّه يرى جسمي وبدني؛ بل المثال.
قال: والآلة تارة تكون حقيقيّة، وتارة تكون خيالية، والنّفس غير المثال المتخيّل، فما رآه من الشّكل ليس هو روح المصطفى ﷺ؛ ولا شخصه، بل مثال له (على التّحقيق) .
قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإنّ ذاته تعالى منزّهة عن الشّكل والصّورة، ولكن تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور؛ أو
[ ٤ / ٣٤٣ ]
وقوله [ﷺ]: (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي) أي: لا يستطيع ذلك؛ لأنّه ﷾ جعله ﷺ محفوظا من الشّيطان في الخارج، فكذلك في المنام،
غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقّا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرّائي «رأيت الله ﷿ في المنام» لا يعني أنّي رأيت ذات الله؛ كما يقول في حقّ غيره.
وقال الغزاليّ أيضا؛ في بعض فتاويه: من رأى الرّسول ﷺ- يعني: في المنام لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة المنوّرة، وإنّما رأى مثاله؛ لا شخصه.
ثمّ قال: وذلك المثال مثال روحه المقدّسة عن الصّورة والشّكل. انتهى.
(وقوله: «فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي»)؛ أي: لا يحصل للشّيطان مثال صورتي، ولا يتشبّه بي، (أي: لا يستطيع ذلك، لأنّه ﷾ جعله ﷺ محفوظا من الشّيطان في الخارج)؛ أي: في حال اليقظة، (فكذلك في المنام)؛ أي: فكما منعه الله أن يتصوّر بصورته في اليقظة منعه ذلك في النّوم؛ لئلّا يشتبه الحقّ بالباطل.
وأورد الشّيخ أكمل الدّين «١» في «شرح المشارق»: إنّ عظمة الله تعالى أتمّ من عظمة كلّ عظيم، مع أنّ إبليس تراءى لكثير وخاطبهم بأنّه الحقّ ليضلّهم، فضلّ جمع حتّى ظنّوا أنّهم رأوا الحقّ وسمعوا خطابه.
وأجاب: بأنّ كلّ عاقل يعلم بأنّ الحقّ لا صورة له معيّنة توجب الاشتباه، بخلاف النّبيّ فصورته معيّنة معلومة؛ وبأنّ مقتضى حكمة الحقّ أنّه يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، بخلاف النّبيّ؛ فإنّه متّصف بالهداية ظاهر بصورتها، ورسالته
_________________
(١) البابرتي الحنفي.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول، وإنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي، كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها؛
إنّما هي لذلك؛ لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتة، فوجب عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان.
وقال القاضي عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحّة رؤية الله تعالى في النّوم، وإن رؤي على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام؛ لتحقّق أنّ المرئيّ غير ذات الله، إذ لا يجوز عليه التّجسيم؛ ولا اختلاف الحالات، بخلاف النّبيّ ﷺ، فكانت رؤياه تعالى في النّوم من باب التّمثيل والتّخييل.
وقال ابن العربي: رؤيا الله في النّوم أوهام وخواطر في القلب؛ لا تليق به الحقيقة، ويتعالى عنها، وهي دلالات للرّائي على أمر كان؛ أو يكون كسائر المرئيّات.
وقال غيره: رؤياه تعالى مناما حقّ وصدق؛ لا كذب فيها في قول ولا فعل.
انتهى «مناوي وزرقاني» رحمهما الله تعالى.
ورؤياه ﷺ في المنام حقّ، (سواء رآه على صفته المعروفة؛ أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول)، كما هو ظاهر الحديث، وبه صرّح النّوويّ، مضعّفا لتقييد الحكيم التّرمذيّ والقاضي عياض وغيرهما بما إذا رآه على صورته المعروفة في حياته، وتبعه عليه بعض المحقّقين.
(وإنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي)، فإن كانت رؤيته بصورته الحقيقيّة في وقت ما؛ سواء كان في شبابه، أو رجولته، أو كهولته، أو أواخر عمره؛ لم تحتج لتأويل، وإلّا! احتيجت لتعبير متعلّق بالرّائي، ومن ثمّ قيل: من رآه شيخا؛ فهو في غاية سلم، أو شابّا فهو في غاية حرب، أو متبسّما فهو متمسّك بسنّته، أو على حالته وهيئته؛ فهو دليل على صلاح حال الرّائي وكمال وجاهته وظفره، لأنّه ﷺ (كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها)، وإن كان ذاتها على أحسن حال؛
[ ٤ / ٣٤٥ ]
فقد رآه جمع بأوصاف مختلفة،
قاله المناوي رحمه الله تعالى.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى: رؤيته ﷺ بصفته المعلومة الّتي كان عليها إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإنّ الصّواب أنّ الأنبياء لا تغيّرهم الأرض، ويكون إدراك الذّات الكريمة حقيقة، وإدراك الصّفات إدراك المثال؛ لا الحقيقة.
أي: فالأولى لا تحتاج إلى تعبير، والثّانية تحتاجه.
وللصّوفيّة ما يوافق معنى هذا؛ وإن اختلف اللّفظ، حيث قالوا: هنا ميزان يجب التّنبّه له؛ وهو: أنّ الرّؤيا الصّحيحة أن يرى بصورته الثّابتة بالنّقل الصّحيح، فإن رآه بغيرها كطويل أو قصير؛ أو شيخ؛ أو شديد السّمرة!! لم يكن رآه.
وحصول الجزم في نفس الرّائي بأنّه رآه غير حجّة، بل ذلك المرئيّ صورة الشّرع «١» بالنّسبة لاعتقاد الرّائي، أو حاله، أو صفته، أو حكم من أحكام الإسلام، أو بالنّسبة للمحل الّذي رأى فيه تلك الصّورة. قال القونويّ كابن عربي الحاتمي: وقد جرّبناه فوجدناه لم ينخرم. انتهى «زرقاني» .
(وقد) علم من ذلك صحّة أن (يراه جمع)؛ في آن واحد؛ في أقطار متباعدة؛ (بأوصاف مختلفة)، لأنّه ﷺ سراج ونور، والشّمس في هذا العالم مثال نوره في العوالم كلّها، فكما أنّ الشّمس يراها كلّ إنسان في الشّرق والغرب في ساعة واحدة؛ وبصفات مختلفة؛ فكذلك هو ﷺ، والاختلافات إنّما ترجع إلى اختلاف الرّائين؛ لا المرئيّ- كما تقدّم-.
قال أبو سعيد؛ أحمد بن محمّد نصر: من رأى نبيّا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح حال الرّائي، وكمال جاهه، وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغيّر
_________________
(١) يفهم هذا مما ذكره في «سعادة الدارين» ص ٤٢٦. (هامش الأصل) .
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ومثله في ذلك جميع الأنبياء والملائكة. كما جزم به البغويّ في «شرح السّنّة» .
الحال عابسا مثلا؛ فذلك دليل على سوء حال الرّائي.
وقال العارف ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: من رآه بصورة حسنة؛ فذلك حسن في دين الرّائي، وإن كان في جوارحه شين أو نقص؛ فذلك خلل في الرّائي من جهة الدّين. قال: وهذا هو الحقّ؛ فقد جرّب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبيّن للرّائي: هل عنده خلل؛ أم لا! لأنّه ﵊ نورانيّ مثل المرآة الصّقيلة؛ ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصوّر فيها، وهي في ذاتها على أحسن حال؛ لا نقص فيها، أي: فكذلك النّبيّ ﷺ، هو على صفته الّتي ليس شيء أحسن منها، والتغير إنّما هو في صفة الرّائي، قال: وكذلك يقال في كلامه ﵊ في النّوم: إنّه يعرض على سنّته؛ فما وافقها فهو حقّ، وما خالفها؛ فالخلل في سمع الرّائي.
فرؤيا الذّات الكريمة حقّ، والخلل إنّما هو في سمع الرّائي؛ أو بصره. قال:
وهذا خبر ما سمعته في ذلك. انتهى كلام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى.
(ومثله) ﷺ (في ذلك جميع الأنبياء والملائكة. كما) ذكره بعض شرّاح «المصابيح» احتمالا، و(جزم به) ركن الدّين محيي السّنّة، أبو محمّد:
الحسين بن مسعود بن محمد؛ المعروف ب «الفرّاء»، (البغويّ) نسبة إلى «بغشور»؛ على غير قياس، ويقال: «بغ»؛ بلدة من بلاد خراسان بين مرو وهراة- الفقيه الشّافعي المحدّث المفسّر، صاحب المصنّفات، المبارك له فيها لقصده الصّالح، المتعبّد النّاسك الرّبّانيّ، المتوفّى ب «مرو» في شوّال سنة:
خمسمائة وستة عشر هجرية. رحمه الله تعالى آمين.
(في) كتاب («شرح السّنّة»)، وهو كتاب في الحديث مرتّب على الأبواب الفقهيّة مشتمل على السّنن، وما هو في حيّزها؛ أو له تعلّق بها.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
وكذلك حكم القمرين والنّجوم والسّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشيء منها.
قال مؤلّفه في مقدّمته: هذا كتاب يتضمّن كثيرا من علوم الأحاديث وفوائد الأخبار المرويّة عن النّبي ﷺ؛ من حلّ مشكلها، وتفسير غريبها، وبيان أحكامها، وما يترتّب عليها من الفقه واختلاف العلماء، وجمل لا يستغنى عن معرفتها، وهو المرجوع إليه في الأحكام، ولم أودع فيه إلّا ما اعتمده أئمّة السّلف الّذين هم أهل الصّنعة المسلّم لهم الأمر، وما أودعوه كتبهم، وأمّا ما أعرضوا عنه؛ من المقلوب والموضوع والمجهول واتّفقوا على تركه؛ فقد صنت هذا الكتاب عنه إلى آخر ما قال. ثمّ بدأ بكتاب الإيمان.
لكن ذكر المحقّقون أنّ ذلك خاصّ به ﷺ، دون غيره من الأنبياء.
وقالوا في حكمة ذلك: إنّه ﷺ وإن ظهر بجميع أسماء الحقّ وصفاته تخلّقا وتحقّقا؛ فإنّ من مقتضى مقامات رسالته ودعوته الخلق إلى الحقّ: أن يكون الأظهر فيه؛ حكما وسلطنة، من صفات الحقّ وأسمائه صفة الهداية، والاسم الهادي؛ فهو ﷺ صورة الاسم الهادي ومظهر صفة الهداية.
والشّيطان مظهر اسم المضلّ والظّاهر بصفة الضّلالة؛ فهما ضدّان، ولا يظهر أحدهما بصفة الآخر، ولو ظهر إبليس بصفته لالتبس على النّاس فضلّوا بما يلقيه إليهم لظنّهم أنّه الرّسول ﷺ، فعصم الله صورته من أن يتصوّر بها شيطان. انتهى.
والحكمة المذكورة تقتضي عمومه في جميع الأنبياء والملائكة.
قال البغويّ: (وكذلك حكم القمرين): الشّمس والقمر، فهو من باب التّغليب، (والنّجوم) المضيئة، (والسّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشيء منها) . قال:
ورؤية الأنبياء والملائكة بمكان نصرة لأهله وفرج إن كانوا في كرب. وخصب إن كانوا في جدب. ورؤية الأنبياء شرف في الدّنيا، ورؤية الملائكة شرف فيها
[ ٤ / ٣٤٨ ]
ونقل ابن علّان: إنّ الشّيطان لا يتمثّل بالله تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، وهذا هو قول الجمهور.
وقال بعضهم: يتمثّل بالله، فإن قيل: كيف لا يتمثّل بالنّبيّ ويتمثّل بالله على هذا القول؟
وشهادة في العقبى، لأنّ الأنبياء كانوا يخاطبون النّاس والملائكة لا تراهم النّاس لأنّهم عند ربهم.
وقال تعالى في الشّهداء فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [٢٧٧/ البقرة] . قال: ومن رأى المصطفى ﷺ كثيرا في المنام لم يزل خفيف المال مقلّا من الدّنيا من غير حاجة. انتهى.
(ونقل) العلّامة المحقّق المحدّث المفسّر؛ محمد بن علي.
(ابن علّان:) - بفتح العين المهملة، وتشديد اللّام، وآخره نون- ابن إبراهيم بن محمد علّان البكري الصدّيقي. حافظ عصره وإمام وقته. فارس التّفسير وجهبذ الحديث، وفخر علماء مكة المكرمة في القديم والحديث.
ولد في حدود: الثّمانين وتسعمائة هجريّة تقريبا، ومات سنة ثمان وخمسين وألف هجريّة.
له المؤلّفات النافعة الّتي بلغت أكثر من أربعمائة مؤلّف ما بين مطوّل ومختصر، فهو سيوطيّ زمانه، ودفن بالمعلاة في مقبرة آبائه رحمه الله تعالى. ترجمه الشيخ.
حسن العجيمي في «خبايا الزوايا» .
(إنّ الشّيطان لا يتمثّل بالله تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، وهذا) القول (هو قول الجمهور. وقال بعضهم: يتمثّل بالله) بمعنى أنّه يتراءى للنّاس؛ ويخاطبهم بأنّه الحقّ ليضلّهم.
(فإن قيل:) عظمة الحقّ سبحانه أتمّ من عظمة كلّ عظيم ف (كيف لا يتمثّل) إبليس (بالنّبيّ) ﷺ؛ أي: لا يستطيع أن يظهر بصورة النّبيّ ﷺ، (ويتمثّل) اللّعين (بالله على هذا القول؛) الّذي قاله بعضهم- بمعنى أنّ الشّيطان تراءى لكثيرين
[ ٤ / ٣٤٩ ]
أجيب: بأنّ النّبيّ بشر، فلو تمثّل به لا لتبس الأمر، والباري جلّ وعلا منزّه عن الجسميّة والعرضيّة؛ فلا يلتبس الأمر بتمثّله به؛ كما في «درّة الفنون في رؤية قرّة العيون» .
ولا تختصّ رؤية النّبيّ ﷺ بالصّالحين، بل تكون لهم ولغيرهم.
وخاطبهم بأنّه الحقّ؛ طلبا لإضلالهم، وقد أضلّ جماعة بمثل هذا حتّى ظنّوا أنّهم رأوا الحقّ وسمعوا خطابه؟!.
(أجيب) عن ذلك (ب) أمرين:
أحدهما: ب (أنّ النّبيّ) ﷺ (بشر) له صورة معيّنة معلومة مشهودة، (فلو تمثّل به لالتبس الأمر) على النّاس فضلوا بما يلقيه لهم، لظنّهم أنّه الرّسول، فعصم الله صورته من أن يتصوّر بها شيطان. (والباري جلّ وعلا) كلّ عاقل يعلم أنّه ليست له صورة معيّنة توجب الاشتباه؛ وهو (منزّه عن) صفات المخلوقين؛ ك (الجسميّة والعرضيّة) واختلاف الحالات، (فلا يلتبس الأمر بتمثّله به) .
ثانيهما: أنّ من مقتضى حكمة الحقّ أنّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، بخلاف النّبيّ ﷺ، فإنّه متّصف بالهداية؛ ظاهر بصورتها، ورسالته إنّما هي لذلك؛ لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتّة، فوجب عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله تعالى هدايته به، ﵊، ولولا ذلك لم يظهر سر قوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) [الشورى] ولم تحصل فائدة البعثة؛ (كما في) كتاب («درّة الفنون في رؤية قرّة العيون»:) كتاب مختصر في الرّؤية؛ على ستّة فصول، وهو للشّيخ العلّامة المؤرّخ الصّوفي: عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن محمد البسطامي؛ زين الدين الأنطاكي الحنفي. ولد بإنطاكية، وتعلم في القاهرة، وسكن بروسة، وتوفي بها سنة: ثمان وخمسين وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
(ولا تختصّ رؤية النّبيّ ﷺ) في المنام (بالصّالحين؛ بل تكون لهم ولغيرهم)
[ ٤ / ٣٥٠ ]
وحكي عن بعض العارفين- كالشّيخ الشّاذليّ وسيّدي عليّ وفا-:
أنّهم رأوه ﷺ يقظة، ولا مانع من ذلك، فيكشف لهم عنه ﷺ في قبره، فيروه بعين البصيرة،
- كما علم مما مر-.
(وحكي)؛ أي: حكى ابن أبي جمرة، والقاضي شرف الدّين البارزي، وعفيف الدين اليافعيّ وغيرهم؛ (عن بعض) الصّالحين (العارفين) بالله تعالى:
(كالشّيخ) أبي الحسن (الشّاذليّ) - كما حكاه عنه التّاج بن عطاء الله السّكندري- (وسيّدي) أبي العباس المرسي، والقطب القسطلّاني، والشّيخ عبد القادر الجيلاني، وسيّدي (علي وفا) بن سيّدي محمد وفاء، وغيرهم:
(أنّهم رأوه ﷺ يقظة) - بفتح القاف-. وذكر ابن أبي جمرة عن جمع أنّهم حملوا على ذلك رواية «فسيراني في اليقظة» . وأنّهم رأوه نوما فرأوه يقظة بعد ذلك، وسألوه عن تشويشهم في أشياء فأخبرهم بوجوه تفريجها، فكان كذلك بلا زيادة ولا نقصان.
(ولا مانع من ذلك) عقلا؛ ولا شرعا؛ ولا عادة، ومنكر ذلك إن كان ممن يكذّب بكرامات الأولياء فلا كلام معه، وإلّا! فهذه منها. إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويّ والسّفليّ.
وجرى على ذلك الغزالي؛ فقال في كتابه «المنقذ من الضّلال»: وهم يعني: أرباب القلوب- في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد. انتهى.
(فيكشف لهم) - وهم بأقصى المشرق؛ أو المغرب- (عنه ﷺ) بأن لا يجعل بينهم وبين الذّات الشّريفة وهي (في) محلّها من (قبره) الشّريف ساترا؛ ولا حاجبا، بأن يجعل تلك الحجب كالزّجاج الّذي يحكي ما وراءه.
(فيروه بعين البصيرة)، وهي قوّة القلب المنوّر بنور اليقين؛ ترى حقائق
[ ٤ / ٣٥١ ]
ولا أثر للقرب؛ ولا للبعد في ذلك،
الأشياء، (ولا أثر للقرب؛ ولا للبعد في ذلك)، ونحن نعلم أنّه ﷺ حيّ في قبره يصلّي، فإذا أكرم الإنسان برؤيته يقظة فلا مانع من أن يكرم بمحادثته ومكالمته وسؤاله عن الأشياء، وإنّه يجيبه عنها.!! وهذا كلّه غير منكر شرعا؛ ولا عقلا.
قال السّيوطي: وأكثر من يقع له ذلك إنّما يقع له قرب موته؛ أو عند الاحتضار، ويكرم الله بها من يشاء. انتهى.
وأنكر رؤية النّبيّ ﷺ في اليقظة؛ أنكرها جماعة؛
منهم العلّامة بدر الدين السّيّد: حسين بن عبد الرّحمن الأهدل، مؤلّف «تحفة الزّمن» رحمه الله تعالى، فقال في مسألة الرّؤية له:
إنّ وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، وصار العلم بذلك قويّا؛ انتفى عنه الشّكّ، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة. ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة وحسّ وغموض طرف لمورود حال؛ لا تكاد تضبطها العبارة، ومراتبهم في الرّؤية متفاوتة. وكثيرا ما يغلط فيها رواتها، فقلّما تجد رواية متّصلة صحيحة عمّن يوثق به.
وأمّا من لا يوثق!! به فقد يكذب، وقد يرى مناما؛ أو في غيبة حسّ فيظنّه يقظة، وقد يرى خيالا أو نورا؛ فيظنّه الرّسول ﷺ، وقد يلبس عليه الشّيطان فيجب التّحرّز في هذا الباب.
وبالجملة: فالقول برؤيته ﷺ بعد موته بعين الرّأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول؛ لاستلزامه خروجه من قبره، ومشيه في الأسواق، ومخاطبته للنّاس، ومخاطبتهم له، وخلوّ قبره عن جسده الشّريف؛ فلا يبقى منه فيه شيء، بحيث يزار مجرّد القبر؛ ويسلّم على غائب. انتهى.
ومنهم: أبو العباس القرطبيّ في «المفهم» في الرّد على من قال «بأنّ الرّائي له في المنام رؤيا حقيقيّة يراه بعد ذلك في اليقظة» . قال: وهذه جهالات لا يقول
[ ٤ / ٣٥٢ ]
فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم، فلا مانع عقلا ولا شرعا أنّ الله تعالى يكرم وليّه؛ بأن لا يجعل بينه وبين الذّات الشّريفة ساترا ولا حاجبا) .
بشيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختلّ مخبول.
انتهى.
وهذه الإلزامات كلّها ليس شيء منها بلازم، وقد أشار للجواب عنها بقوله:
(فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم)؛ يعني: أنّ رؤيته ﷺ يقظة لا تستلزم خروجه من قبره؛ لأنّ من كرامات الأولياء- كما مرّ- أنّ الله تعالى يخرق لهم الحجب، (فلا مانع عقلا؛ ولا شرعا)؛ ولا عادة: (أنّ الله تعالى يكرم وليّه بأن لا يجعل بينه وبين الذّات الشّريفة ساترا؛ ولا حاجبا) بأن يجعل تلك الحجب كالزّجاج الّذي يحكي ما وراءه، وحينئذ يقع بصره عليه ﷺ. وإذا أكرم الإنسان بوقوع بصره على ذاته الشّريفة؛ فلا مانع أن يكرم بمحادثته ومكالمته، وسؤاله عن أشياء، وأنّه يجيب عنها، وهذا كلّه غير منكر شرعا؛ ولا عقلا.
وممن أنكرها صاحب «فتح الباري» العلّامة الحافظ؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى- حيث قال:
وهذا مشكل جدّا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصّحبة إلى يوم القيامة!!.
ويردّ بأنّ الشّرط في الصّحابي أن يكون رآه في حياته، حتى اختلفوا فيمن رآه بعد موته؛ وقبل دفنه: هل يسمى صحابيا، أم لا؟! على أنّ هذا أمر خارق للعادة، والأمور التي كذلك لا تغيّر لأجلها القواعد الكلّيّة.
ونوزع أيضا بأنّه لم يحك ذلك عن أحد من الصّحابة، ولا من بعدهم، وبأنّ فاطمة اشتدّ حزنها عليه ﷺ حتّى ماتت كمدا بعده بستّة أشهر، وبيتها مجاور لضريحه الشّريف ﷺ، ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدّة!!.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
ويردّ أيضا: بأنّ عدم نقله لا يدلّ على عدم وقوعه، فلا حجّة في ذلك كما هو ظاهر، وكذلك موت فاطمة كمدا؛ لأنّه قد يكرم المفضول بما لا يكرم به الفاضل.
وتأوّل الأهدل وغيره ما وقع للأولياء من ذلك: بأنّه إنّما هو في حال غيبتهم فيظنّونه يقظة، وفيه إساءة ظنّ بهم حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظنّ بأدون العقلاء فكيف بالأكابر!!.
قاله ابن حجر- رحمه الله تعالى-.
وتعقّبه العلّامة علي القاري رحمه الله تعالى: بأنّ هذا ليس من باب إساءة الظّنّ، بل من باب التّأويل الحسن؛ جمعا بين المنقول والمشاهد المعقول، فإنّه لو حمل على الحقيقة؛ لكان يجب العمل بما سمعوا منه ﷺ من أمر ونهي وإثبات ونفي.
ومن المعلوم أنّه لا يجوز ذلك إجماعا، كما لا يجوز بما يقع حال المنام؛ ولو كان الرّائي من أكابر الأنام.
وقد صرح المازريّ: بأنّ من رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصّفات المتخيّلة؛ لا المرئيّة، فيتعيّن أن تحمل هذه الرّؤية أيضا على رؤية عالم المثال؛ أو عالم الأرواح- كما تقدّم تحقيقه عن الإمام حجّة الإسلام الغزالي؛ رحمه الله تعالى-.
وبعد حملنا على عالم المثال؛ فيزول الإشكال على كل حال، فإن الأولياء في عالم الدّنيا مع ضيقها قد يحصل لهم أبدان مكتسبة وأجسام متعدّدة، تتعلّق حقيقة أرواحهم بكلّ واحد من الأبدان؛ فيظهر كلّ في خلاف الآخر من الأماكن والأزمان، وحينئذ لا نقول: بأنّ النّبي ﷺ مضيّق عليه في عالم البرزخ بكونه محصورا في قبره، بل نقول: إنّه يجول في العالم السّفلي والعالم العلوي، فإنّ أرواح الشّهداء- مع أن مرتبتهم دون مرتبة الأنبياء- إذا كانت في أجواف طير خضر تسرح في رياض الجنّة، ثمّ تعود إلى قناديل معلّقة تحت العرش؛ كما هو مقرّر في
[ ٤ / ٣٥٤ ]
محلّه محرر، مع أنّه لم يقل أحد أنّ قبورهم خالية من أجسادهم؛ وأرواحهم غير متعلّقة بأجسامهم، لا يسمعوا سلام من يسلّم عليهم.
وكذا ورد أنّ الأنبياء يلبّون ويحجّون، فنبينا ﷺ أولى بهذه الكرامات، وأمّته مكرّمة بحصول خوارق العادات، فيتعيّن تأويل الأهدل وغيره، فتأمّل.
ومن جملة تأويلاته قوله في قول العارف أبي العبّاس المرسي «لو حجب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي مسلما» بأنّ هذا فيه تجوّز؛ أي: لو حجب عنّي حجاب غفلة، ولم يرد أنّه لم يحجب عن الرّوح الشّخصيّة طرفة عين؛ فذلك مستحيل!! أي: عرفا وعادة، إذ لا يعرف استمرار خرق العادة أصلا؛ لا شرعا؛ ولا عقلا. فاندفع قول ابن حجر «لا استحالة فيه بوجه أصلا» . انتهى كلام ملّا علي قاري؛ في «جمع الوسائل» .
وفي «الفتاوي الحديثيّة» للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى؛ عن «المدخل» لابن الحاجّ المالكي: رؤيته ﷺ في اليقظة باب ضيّق؛ قل من يقع له ذلك إلّا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزّمان، بل عدمت غالبا، مع أنّنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الّذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم، قال:
وقد أنكر بعض علماء الظّاهر ذلك، محتجّا بأنّ العين الفانية لا ترى العين الباقية، وهو ﷺ في دار البقاء؛ والرّائي في دار الفناء!!
وردّ بأنّ المؤمن إذا مات يرى الله، وهو سبحانه لا يموت، والواحد منهم يموت في كلّ يوم سبعين مرّة!! وأشار البيهقي إلى ردّه بأنّ نبيّنا ﷺ رأى جماعة من الأنبياء ليلة المعراج.
قال البارزي: وقد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنّهم رأوا النّبي ﷺ يقظة؛ حيّا بعد وفاته!! قال ابن حجر رحمه الله تعالى: والحكايات في ذلك عن أولياء الله تعالى كثيرة جدّا، ولا ينكر ذلك إلّا معاند أو محروم، وعلم ممّا
[ ٤ / ٣٥٥ ]
مرّ عن ابن العربي أنّ أكثر ما تقع رؤيته ﷺ بالقلب، ثمّ بالبصر، لكنّها به ليست كالرّؤية المتعارفة، وإنّما هو جمعيّة لحالية وحالة برزخيّة، وأمر وجدانيّ، فلا يدرك حقيقته إلّا من باشره؛ كذا قيل.
ويحتمل أنّ المراد الرّؤية المتعارفة؛ بأن يرى ذاته ﷺ طائفة في العالم، أو تكشف الحجب بينه وبين النّبي ﷺ؛ وهو في قبره، فينظره حيّا فيه رؤية حقيقيّة، إذ لا استحالة، لكن الغالب أنّ الرّؤية إنّما هي لمثاله؛ لا لذاته، وعليه يحمل قول الغزالي «ليس المراد أن يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له صار ذلك المثل آلة يتأدّى بها المعنى الّذي في نفسه » إلى آخر ما تقدّم.
قال ابن حجر: ثمّ رأيت ابن العربي صرّح بما ذكرته من أنّه لا يمتنع رؤية ذات النّبي ﷺ بروحه وجسده؛ لأنّه وسائر الأنبياء أحياء ردّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم، والتصرّف في الملكوت العلويّ والسّفلي!! ولا مانع من أن يراه كثيرون في وقت واحد؛ لأنّه كالشّمس.
وإذا كان القطب يملأ الكون- كما قاله التّاج ابن عطاء الله- رحمه الله تعالى- فما بالك بالنّبي ﷺ!!! ولا يلزم من ذلك أنّ الرّائي صحابي؛ لأنّ شرط الصّحبة الرّؤية في عالم الملك، وهذه رؤية؛ وهو في عالم الملكوت، وهي لا تفيد صحبة، وإلّا! لثبتت لجميع أمّته لأنّهم عرضوا عليه في ذلك العالم؛ فرآهم ورأوه، كما جاءت به الأحاديث. انتهى كلام ابن حجر مقتطفا.
وقال العفيف اليافعي في «روض الرّياحين»: أخبرني بعضهم أنّه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة، وليلة الاثنين، وليلة الخميس. وعدّ لي جماعة كثيرة من الأنبياء، وذكر أنّه يرى كلّ واحد منهم في موضع معيّن؛ يجلس فيه حول الكعبة، ويجلس معه أتباعه من أهله وقرابته وأصحابه.
وذكر أنّ نبينا ﷺ يجتمع عليه من أولياء الله تعالى خلق لا يحصي عددهم إلّا الله
[ ٤ / ٣٥٦ ]
تعالى، ولم تجتمع على سائر الأنبياء.
وذكر أنّ إبراهيم وأولاده يجلسون بقرب الكعبة بحذاء مقامه المعروف، وموسى وجماعة من الأنبياء بين الرّكنين اليمانيّين، وعيسى وجماعة معه في جهة الحجر، ورأى نبيّنا ﷺ جالسا عند الرّكن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء أمّته. انتهى.
وحكي عن بعض الأولياء أنّه حضر مجلس فقيه، فروى ذلك الفقيه؛ حديثا، فقال له الولي: هذا باطل. فقال الفقيه: من أين لك هذا!؟ فقال: هذا النّبي ﷺ واقف على رأسك؛ يقول: «إنّي لم أقل هذا الحديث» . وكشف للفقيه فرآه.
انتهى.
وقد ألّف الإمام الحافظ جلال الدّين السّيوطي رحمه الله تعالى رسالة سمّاها «تنوير الحلك في رؤية النّبي والملك» قال فيها- زيادة على ما تقدّم؛ ما ملخصه-: وفي بعض المجاميع أنّ سيدي أحمد الرّفاعي رحمه الله تعالى لما وقف تجاه الحجرة النّبويّة الشّريفة أنشد:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبّل الأرض عنّي وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فخرجت اليد الشّريفة من القبر فقبّلها؛ قال: وزاد بعض من روى هذه الحكاية ورآها كلّ من حضر-؛ قال: ولا تمتنع رؤية ذاته الشّريفة بجسده وروحه؛ وذلك لأنّه ﷺ وسائر الأنبياء أحياء؛ ردّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من القبور، والتصرّف في الملكوت العلوي والسّفلي.
وقد ألّف البيهقي جزآ في «حياة الأنبياء» «١»؛ وقال في «دلائل النّبوّة»:
الأنبياء أحياء عند ربّهم كالشّهداء. وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن
_________________
(١) مطبوع.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
طاهر البغدادي: المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا على أنّ نبيّنا ﷺ حيّ بعد وفاته، وأنّه يسرّ بطاعة أمّته، ويحزن بمعاصي العصاة منهم؛ وأنّه تبلغه صلاة من يصلّي عليه من أمّته، وقال: الأنبياء لا يبلون، ولا تأكل الأرض منهم شيئا؛ وقد مات موسى في زمانه، وأخبر نبيّنا ﷺ أنّه رآه في السّماء الرّابعة، ورأى آدم وإبراهيم!! وإذا صحّ لنا هذا الأصل؛ قلنا: نبينا قد صار حيّا بعد وفاته، وهو على نبوّته. انتهى.
وقال القرطبيّ في «التّذكرة» في حديث الصّعقة؛ نقلا عن شيخه: «الموت ليس بعدم محض، وإنّما هو انتقال من حال إلى حال» .
ويدلّ على ذلك أنّ الشّهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدّنيا، وإذا كان هذا في الشّهداء؛ فالأنبياء أحقّ بذلك وأولى!!.
وقد صحّ أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنّه ﷺ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس؛ وفي السماء، ورأى موسى قائما يصلّي في قبره!.
وأخبر ﷺ أنّه يردّ السّلام على كلّ من يسلم عليه إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأنّ موت الأنبياء إنّما هو راجع إلى أنهم غيّبوا عنّا بحيث لا ندركهم؛ وإن كانوا موجودين أحياء، وكذلك الحياة في الملائكة، فإنّهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحد إلّا من خصّه الله تعالى بكرامة. انتهى.
وأخرج أبو يعلى في «مسنده»، والبيهقي في كتاب «حياة الأنبياء»؛ عن أنس أنّ النبي ﷺ قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون» .
وأخرج البيهقي؛ عن أنس أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الأنبياء لا يتركون بعد أربعين ليلة، ولكنّهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتّى ينفخ في الصّور» .
وروى سفيان الثّوري في «الجامع» قال: قال شيخ لنا: عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيّ في قبره أكثر من أربعين ليلة حتّى يرفع.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى.
وروى عبد الرّزّاق في «مصنفه»؛ عن الثّوري؛ عن أبي المقدام؛ عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيّ في الأرض أكثر من أربعين يوما.
وأبو المقدام: هو ثابت بن هرمز الكوفي؛ شيخ صالح.
وأخرج ابن حبّان في «تاريخه»، والطّبراني في «الكبير»، وأبو نعيم في «الحلية»؛ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبيّ يموت ويقيم في قبره إلّا أربعين صباحا» .
وقال إمام الحرمين في «النّهاية»؛ ثمّ الرّافعي في «الشرح»:
روي أنّ النّبي ﷺ قال: «أنا أكرم على ربّي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» .
زاد إمام الحرمين: «أكثر من يومين» .
وزاد أبو الحسن الزّاغوني الحنبلي؛ في بعض تصانيفه حديث: «إنّ الله تعالى لا يترك نبيّا في قبره أكثر من نصف يوم» . وقال الإمام بدر الدين بن الصّاحب في «تذكرته»؛ فصل في حياته ﷺ بعد موته في البرزخ: وقد دلّ على ذلك تصريح المشايخ وإيماؤهم. ومن القرآن قوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران] . فهذه الحالة؛ وهي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد الموتى من الشّهداء، وحالهم أعلى وأفضل ممّن لم تكن لهم هذه المرتبة؛ لا سيّما في البرزخ.
ولا تكون رتبة أحد من الأمّة أعلى من مرتبة النّبي ﷺ، بل إنّما حصلت لهم هذه الرّتبة بتزكيته وتبعيّته. وأيضا فإنّما استحقّوا هذه الرّتبة بالشّهادة، والشّهادة حاصلة للنّبي ﷺ على أتمّ الوجوه.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وقال ﵊: «مررت على موسى ﵊ ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر؛ وهو قائم يصلّي في قبره» . وهذا صحيح «١» في إثبات الحياة لموسى؛ فإنّه وصفه بالصّلاة، وأنّه كان قائما، ومثل هذا لا توصف به الرّوح، وإنّما يوصف به الجسد. وفي تخصيصه بالقبر، فإنّ أحدا لم يقل: أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد، وأرواح الشّهداء والمؤمنين في الجنّة.
وفي حديث ابن عبّاس: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكّة والمدينة، فمررنا بواد؛ فقال: «أيّ واد هذا؟» . فقلنا: وادي الأزرق، فقال: «كأنّي أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله تعالى بالتّلبية، مارّا بهذا الوادي» . ثمّ سرنا حتّى أتينا على ثنيّة؛ فقال: «كأنّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء؛ عليه جبّة صوف، مارّا بهذا الوادي ملبّيا!!» .
وسئل هنا: كيف ذكر حجّهم وتلبيتهم، وهم أموات، وهم في الآخرى، وليست دار عمل؟!.
فأجيب بأن الشّهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجّوا ويصلّوا ويتقرّبوا بما استطاعوا، وأنّهم؛ وإن كانوا في الآخرى؛ فإنّهم في هذه الدّنيا الّتي هي دار العمل، حتّى إذا فنيت وأعقبتها الآخرى الّتي هي دار الجزاء انقطع العمل، هذا لفظ القاضي عياض؛ رحمه الله تعالى.
فإذا كان القاضي عياض يقول: إنّهم يحجّون بأجسادهم؛ ويفارقون قبورهم، فكيف يستنكر مفارقة النّبي ﷺ لقبره!! فإنّ النّبي ﷺ إذا كان حاجّا، وإذا كان مصلّيا بجسده في السّماء؛ فليس مدفونا في القبر.
قال الإمام الحافظ السّيوطي- رحمه الله تعالى-:
فحصل من مجموع هذه النّقول والأحاديث: أنّ النّبي ﷺ حيّ بجسده وروحه،
_________________
(١) لعلها: صريح!.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
وأنّه يتصرّف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت، وهو بهيئته الّتي كان عليها قبل وفاته؛ لم يتبدّل منه شيء، وأنّه مغيّب عن الأبصار؛ كما غيّبت الملائكة، مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته الّتي هو عليها؛ لا مانع من ذلك، ولا داعي إلى التّخصيص برؤية المثال. انتهى كلام السّيوطي في كتاب «تنوير الحلك» ملخّصا.
قال المصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني رحمه الله تعالى: وقد رأيت رسالة في حجم كرّاسة منسوبة للشّيخ نور الدّين علي الحلبي؛ سمّاها «تعريف أهل الإسلام والإيمان بأنّ محمّدا ﷺ لا يخلو منه مكان ولا زمان» .
فممّا قاله فيها؛ بعد نقل كثير من كلام السّيوطي:
قلت: وأمّا كلامنا والّذي نقوله- إن شاء الله تعالى-: إنّ الأمر كما قاله الجلال السّيوطي، وأخصّ من ذلك أنّ الّذي أراه أنّ جسده الشّريف لا يخلو منه زمان؛ ولا مكان، ولا محل، ولا إمكان، ولا عرش؛ ولا لوح، ولا كرسي؛ ولا قلم، ولا بحر؛ ولا بر، ولا سهل؛ ولا وعر، ولا برزخ؛ ولا قبر، كما أشرنا إليه أيضا. وأنّه امتلأ الكون الأعلى به كامتلاء الكون الأسفل به، وكامتلاء قبره به، فتجده مقيما في قبره؛ طائفا حول البيت؛ قائما بين يدي ربه لأداء الخدمة؛ تامّ الانبساط بإقامته في درجة الوسيلة.
ألا ترى أنّ الرّائين له يقظة؛ أو مناما في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرّائين له كذلك في تلك السّاعة بعينها في أقصى المشرق!!؟ فمتى كان كذلك مناما كان في عالم الخيال والمثال، ومتى كان يقظة كان بصفتي الجمال والإجلال، وعلى غاية الكمال، كما قال القائل:
ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
وأطال في ذلك بذكر الأدلّة. فراجعه في تلك الرّسالة، فهي بكمالها قد تضمنّها كتاب «جواهر البحار في فضائل النّبيّ المختار» للمصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني
[ ٤ / ٣٦١ ]
.. انتهى.
وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ في كتابي «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» فمن شاء الزّيادة فليرجع إليه.
رحمه الله تعالى آمين. (انتهى) . أي: كلام الباجوريّ رحمه الله تعالى ملخّصا.
(وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ) يقظة ومناما (في كتابي): «سعادة الدّارين في الصلاة على سيّد الكونين»، وفي كتابي («أفضل الصّلوات على سيّد السّادات») في موضعين منه:
الأوّل: قبيل الفصل الخامس. والثّاني: في الكلام على الصّلاة السّادسة والأربعين؛ في ترجمة الشّيخ أبي المواهب الشّاذليّ رحمه الله تعالى.
(فمن شاء الزّيادة) على ما هنا؛ (فليرجع إليه)، أي: إلى كتاب «أفضل الصّلوات»، وكذلك «سعادة الدّارين»؛ فإنّه أتى فيها بما يشفي العليل، ويروي الغليل، واستوعب نقول العلماء في ذلك بما لم يوجد قبله مجموعا في كتاب، فجزاه الله خير الجزاء، ورحمه رحمة الأبرار. آمين.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
[الخاتمة]
الخاتمة تشتمل على سبعين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ.
(الخاتمة)، وهي- لغة-: آخر شيء، واصطلاحا-: اسم لألفاظ مخصوصة، دالّة على معان مخصوصة، جعلت آخر كتاب أو باب، (تشتمل)؛ أي: تحتوي (على سبعين) - بتقديم السّين على الموحّدة- (حديثا) .
الحديث- لغة-: ضدّ القديم، واصطلاحا-: ما أضيف إلى النّبيّ ﷺ من قول؛ أو فعل؛ أو تقرير؛ أو وصف خلقيّ.
(أكثرها) أحاديث (صحاح): جمع صحيح؛ ككريم وكرام.
والحديث الصّحيح هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط ضبطا تامّا؛ عن العدل الضّابط ضبطا تامّا وهكذا إلى منتهاه؛ من غير شذوذ، ولا علّة قادحة.
(وحسان): جمع حسن؛ كجبل وجبال.
والحديث الحسن هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط؛ عن العدل الضّابط إلى منتهاه، من غير شذوذ؛ ولا علّة قادحة. فهو على هذا مساو للصّحيح في شروطه، إلّا في الحفظ والضّبط، فإنّ رجال الصّحيح في غاية الحفظ والضّبط؛ وإن كان رجال الحسن يشترط فيهم الحفظ والضّبط، ولكن دون ضبط رجال الصحيح.
(من أدعيته ﷺ)، وهذه الخاتمة مشرع الظمان إلى موارد الكرم العذبة، ومفزع الحيران إذا ألمت به الضّائقة وحصرته الكربة، فبالدّعاء يتوسّل إلى الله تعالى في مطالب الدّنيا والآخرة، ويتوصّل إلى النّعم الوافية والخيرات الوافرة، كيف لا؛ وقد أمرنا الرّبّ العظيم بالدّعاء والإنابة!! ووعدنا؛ وهو الوافي الكريم بالقبول
[ ٤ / ٣٦٣ ]
والإجابة!! وترادفت بفضله الأخبار الصّحيحة، وجاءت بشرفه الآثار الصّريحة؛ على ما ستقف على ذلك إن شاء الله تعالى واضحا، وتعوّل عليه مقيما وظاعنا؛ وغاديا ورائحا، فلازمه في سائر أحوالك، وتعاهده في بكرك وآصالك، فستجني منه إن شاء الله تعالى ثمار غرسك، وتجد حلاوة ذلك في قلبك، وأنسه في نفسك. تقبّل الله منّا ومنك؛ وفينا وفيك صالح الدّعوات، وجعلنا وإيّاك ممن اعتمد على كرمه ومنّته في الحركات والسّكنات، ووفّقنا للتّضرّع والسّكون إلى فضله، وعاملنا بما هو من أهله؛ لا ما نحن من أهله. آمين.
واعلم- رحمك الله تعالى- أنّه عندنا معاشر أهل السّنّة:
أنّ الدّعاء ينفع الأحياء والأموات؛ إن دعوت لهم، ويضرّهم إن دعوت عليهم؛ وإن صدر من كافر- على الرّاجح- لحديث أنس رضي الله تعالى عنه:
«دعوة المظلوم مستجابة؛ ولو كافرا» .
وأمّا قوله تعالى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٥٠) [غافر] . فمعناه أنّه لا يستجاب لهم في خصوص الدّعاء بتخفيف عذاب جهنّم عنهم يوم القيامة.
وروى الحاكم- وصحّحه- أنّه ﷺ قال: «لا يغني حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل؛ وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل ويتلقّاه الدّعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة» .
والدّعاء ينفع في القضاء المبرم والقضاء المعلق.
أمّا الثّاني: فلا استحالة في رفع ما علّق رفعه منه على الدّعاء، ولا في نزول ما علّق نزوله منه على الدّعاء.
وأمّا الأوّل: فالدّعاء؛ وإن لم يرفعه؛ لكنّ الله تعالى ينزل لطفه بالدّاعي، كما إذا قضى عليه قضاء مبرما؛ بأنّه ينزل عليه صخرة، فإذا دعا الله تعالى حصل له اللّطف؛ بأن تصير الصّخرة متفتّتة كالرّمل وتنزل عليه.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
وانقسام القضاء؛ إلى مبرم ومعلّق!! ظاهر بحسب اللّوح المحفوظ. وأمّا بحسب العلم!! فجميع الأشياء مبرمة، لأنّه إن علم الله حصول المعلّق عليه حصل المعلّق؛ ولا بدّ. وإن علم الله عدم حصوله لم يحصل؛ ولا بدّ. لكن لا يترك الشّخص الدّعاء اتّكالا على ذلك، كما لا يترك الأكل اتّكالا على إبرام الله الأمر في الشّبع.
واعلم: أنّ للدّعاء شروطا وآدابا؛
فمن شروطه: ١- أكل الحلال، و٢- أن يدعو؛ وهو موقن بالإجابة، و٣- ألايكون قلبه غافلا، و٤- ألايدعو بما فيه إثم؛ أو قطيعة رحم؛ أو إضاعة حقوق المسلمين، و٥- ألايدعو بمحال؛ ولو عادة، لأنّ الدّعاء به يشبه التّحكّم على القدرة القاضية بدوامها، وذلك إساءة أدب على الله تعالى.
ومن آدابه: ١- أن يتخيّر الأوقات الفاضلة؛ كأن يدعو في السّجود، وعند الأذان والإقامة، ومنها: ٢- تقديم الوضوء؛ والصّلاة، و٣- استقبال القبلة، و٤- رفع الأيدي إلى جهة السّماء، و٥- تقديم التّوبة، و٦- الاعتراف بالذّنب، و٧- الإخلاص، و٨- افتتاحه بالحمد، و٩- الصّلاة على النّبي ﷺ، و١٠- ختمه بها، و١١- جعلها في وسطه أيضا.
قال ابن عطاء الله السّكندري: واعلم أنّ للدّعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا.
قال: فإن وافق أركانه: قوي، وإن وافق أجنحته: طار في السّماوات، وإن وافق مواقيته: فاز، وإن وافق أسبابه: نجح.
فأركانه: ١- حضور القلب، و٢- الرّقة، و٣- الاستكانة، و٤- الخشوع، و٥- تعلّق القلب بالله، و٦- قطعه من الأسباب.
وأجنحته: الصّدق. ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصّلاة على النّبي ﷺ.
انتهى.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
وقد ذكرت في الخطبة أنّها خمسون، وظهرت لي الزّيادة بعد فزدتها، وذكرت أسماء مخرّجيها برمز «الجامع الصّغير»؛ لأنّ أكثرها موجودة فيه، وفي «كتاب المصابيح» .
وقد قسمتها قسمين:
واعلم أنّ الإجابة: تتنوّع؛ ١- فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، و٢- تارة يقع؛ ولكن يتأخّر لحكمة فيه، و٣- تارة تقع الإجابة بغير المطلوب؛ حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة؛ وفي ذلك الغير أصلح منها.
على أنّ الإجابة مقيّدة بالمشيئة، كما يدلّ عليه قوله تعالى، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [٤١/ الأنعام] فهو مقيّد لإطلاق الآيتين الآخريين، وهما قوله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] وقوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [١٨٦/ البقرة] . فالمعنى: ادعوني أستجب لكم إن شئت، وأجيب دعوة الدّاع إن شئت، والله أعلم.
(وقد ذكرت في الخطبة) المتقدّمة في أوّل هذا الكتاب (أنّها خمسون) حديثا، (وظهرت لي الزّيادة بعد) - بالبناء على الضمّ؛ لنيّة معنى المضاف-؛ أي: بعد ذلك، (فزدتها) إلى أن بلغت سبعين حديثا، (وذكرت أسماء مخرّجيها)؛ أي: رواتها، مرموزا لهم (برمز: «الجامع الصّغير»)؛ أي:
إشاراته الدّالة على رواة الحديث من أهل الأثر، فإنّ الرّمز: الإشارة بعين أو حاجب أو غيرها، وأصله التّحرّك، ثمّ توسّع فيه المصنّف؛ فاستعمله في الإشارة بالحروف الّتي اصطلح عليها في العزو إلى المخرجين؛ تبعا لغيره.
وإنّما اختار رموز «الجامع الصّغير» !! (لأنّ أكثرها) أي: هذه الأحاديث السبعين (موجودة فيه)؛ أي: في «الجامع الصغير» (و) موجودة (في كتاب «المصابيح») للإمام محيي السّنّة البغويّ- رحمه الله تعالى-.
(وقد قسمتها قسمين)؛ أي: رتّبتها على قسمين:
[ ٤ / ٣٦٦ ]
الأوّل: استعاذات. والثّاني: دعوات. معتبرا أوّل الحديث:
إن كان استعاذة.. جعلته في القسم الأوّل، وإن كان دعاء..
جعلته في القسم الثّاني،
القسم (الأوّل: استعاذات) جمع «استعاذة»، وهي مصدر «استعاذ»، بزيادة السّين والتّاء اللّتين هما للطّلب؛ والاستعاذة؛ والتعوّذ، وما تصرّف منها كلّها معناها واحد: وهو الالتجاء والاعتصام.
(و) القسم (الثّاني: دعوات) - بفتح الدّال، والعين، المهملتين- جمع دعوة- بفتح أوّله-: مصدر يراد به الدّعاء، وهو هنا السّؤال، يقال: دعوت الله، أي: سألته.
وفي «شرح الأسماء الحسنى» للقشيري ما ملخّصه:
الدّعاء جاء في القرآن على وجوه:
١- منها العبادة؛ نحو وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [١٠٦/ يونس] .
و٢- منها الاستعانة؛ نحو وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ [٢٣/ البقرة] .
و٣- منها السّؤال؛ نحو ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] .
و٤- منها القول؛ نحو دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ [١٠/ يونس] .
و٥- منها النّداء؛ نحو يَوْمَ يَدْعُوكُمْ [٥٢/ الإسراء] .
و٦- منها الثّناء؛ نحو قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [١١٠/ الإسراء] . انتهى.
(معتبرا)؛ أي: مراعيا في كونها دعوة؛ أو استعاذة (أوّل الحديث)، أي:
الحرف الأول منه.
(إن كان) أوّل الحديث (استعاذة؛ جعلته في القسم الأوّل)، أي: قسم الاستعاذات؛ ولو كان مشتملا على دعاء بعد الاستعاذة، فإنّ الاعتبار إنّما هو بأوّل الحديث.
(وإن كان) أوّل الحديث (دعاء؛ جعلته في القسم الثّاني) أي: قسم الدّعوات.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وافتتحتها بالدّعوات القرآنيّة؛ لأنّها كلام الله تعالى.
وتقدّم أنّه ﷺ كان خلقه القرآن،
(وافتتحتها) أي: هذه الأدعية؛ أي: ابتدأتها (بالدّعوات القرآنيّة)؛ أي:
الأدعية الّتي في القرآن، (لأنّها كلام الله تعالى) .
و«القرآن»: يطلق على كلّ من النّفسي واللّفظي؛ والأكثر إطلاقه على اللّفظي.
وأمّا «كلام الله تعالى» فيطلق أيضا على كلّ من اللّفظي والنّفسي؛ والأكثر إطلاقه على النّفسي، بمعنى أنّه صفة قديمة قائمة بذاته تعالى.
وإطلاقه على اللّفظي؛ بمعنى أنّه ليس لأحد في تركيبه كسب. وعلى الإطلاق اللّفظي يحمل قول السّيّدة عائشة «ما بين دفّتي المصحف كلام الله تعالى» .
وإطلاق «كلام الله» عليهما!! قيل: بالاشتراك، وقيل: حقيقيّ في النّفسي، مجاز في اللّفظي «١»، وعلى كلّ؛ من أنكر أنّ ما بين دفّتي المصحف كلام الله تعالى فقد كفر. إلّا أنّ يريد أنّه ليس هو الصّفة القائمة بذاته تعالى؛ ومع كون اللّفظ الّذي نقرؤه حادثا لا يجوز أن يقال «القرآن حادث» إلّا في مقام التّعليم، لأنّه يطلق على الصّفة القائمة بذاته تعالى أيضا مجازا- على الرّاجح- «٢»، فربّما يتوهّم من إطلاق أنّ القرآن حادث أنّ الصّفة القائمة بذاته حادثة، ولذلك ضرب الإمام أحمد ابن حنبل؛ وحبس على أن يقول بخلق القرآن فلم يرض؛ قاله الباجوري، رحمه الله تعالى.
(وتقدّم) في الباب الخامس (أنّه ﷺ كان خلقه) - بضمتين- (القرآن) يرضى لرضاه ويغضب لغضبه.
_________________
(١) فيه نظر، لأن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان، والمجاز هنا لا يصحّ نفيه. ولا يقال بعموم المجاز!!. والتحقيق ههنا أن يقال: إن «كلام الله تعالى» اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، وبين اللفظي الحادث المؤلف من الآيات والسور. فتنبه (عبد الجليل) .
(٢) وقيل: الراجح خلافه. فتنبه (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وهي خارجة عن العدد المذكور.
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧] .
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
قال البيضاوي: أي: خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنّ كلّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه قد تحلّى به ﷺ؛ وكلّ ما استهجنه ونهى عنه تجنّبه وتخلّى عنه، فكأنّ القرآن بيان خلقه. انتهى.
(وهي)، أي: الدّعوات القرآنية (خارجة)؛ أي: زائدة (عن العدد المذكور)؛ أي: غير داخلة في حساب السّبعين حديثا.
* قال الله ﷾ في سورة البقرة (رَبَّنا)؛ أي: يا ربنا (تَقَبَّلْ مِنَّا) ما عملنا لك، وتقبّل طاعتنا إياك وعبادتنا لك (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائنا (الْعَلِيمُ) بنيّاتنا، وهذا وإن كان واردا في بناء إبراهيم الكعبة؛ لكنّه يطلب الإتيان به بعد كلّ عمل صالح يفعله المسلم.
قال الإمام النوويّ في «الأذكار»: يستحبّ لمن دفع زكاة، أو صدقة، أو نذرا، أو كفارة أو نحو ذلك، أن يقول رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) [البقرة] . فقد أخبر الله ﷾ بذلك عن إبراهيم وإسماعيل صلّى الله عليهما وسلم، وعن امرأة عمران. انتهى.
* وقال تعالى في سورة البقرة أيضا (رَبَّنا) يا ربنا (آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) نعمة؛ كالعافية، والزّوجة الحسنة، والدّار الواسعة، وغير ذلك مما يعين على الدّار الآخرة؛ فكلّ أمر في الدّنيا يوافق الطّبع ويعين على الدّار الآخرة فهو من حسنات الدنيا (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) هي الجنّة؛ أي: دخولها بسلام، بحيث يموت على الإسلام، ولا يلحقه حساب ولا عذاب، ويرى وجه الله الكريم. وهذا أحسن ما فسّر به حسنة الدّنيا والآخرة، وهو معنى قوله في الحديث
[ ٤ / ٣٦٩ ]
وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١] .
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٥٠] .
لعائشة: «سلى الله العافية في الدّارين» .
(وَقِنا عَذابَ النَّارِ) بعدم دخولها أصلا، فلا ندخلها ولا نراها. وهو من عطف اللّازم على الملزوم.
قال الشّيخ عماد الدّين ابن كثير: الحسنة في الدّنيا تشمل كلّ مطلوب دنيويّ؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بارّ، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيّ، وثناء جميل إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم؛ فإنّها كلّها مندرجة في الحسنة في الدّنيا.
وأما الحسنة في الآخرة!! فأعلاها دخول الجنّة وتوابعه؛ من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة.
وأمّا الوقاية من عذاب النّار!! فهو يقتضي تيسير أسبابه من اجتناب المحارم وترك الشّبهات. انتهى ذكره ابن علان في «شرح الأذكار» .
* وقال تعالى في سورة البقرة (رَبَّنا أَفْرِغْ): اصبب (عَلَيْنا صَبْرًا) كصبّ الماء على الأرض الجرز (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) بتقوية قلوبنا على الجهاد، فالمراد ب «تثبيت الأقدام» كمال القوّة، والرّسوخ عند المقارعة، وعدم التّزلزل عند المقاومة، وليس المراد تقرّرها في مكان واحد (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ): أعنّا عليهم.
وفيه ترتيب بليغ؛ حيث وقع أوّلا سؤال إفراغ الصّبر على القلوب الّذي هو ملاك الأمر، ثمّ ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه، ثمّ النّصر على العدوّ المترتّب عليهما غالبا.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] .
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
* وقال تعالى في سورة البقرة (سَمِعْنا) ما أمرنا به سماع قبول، وفيه تعريض بالردّ على من قال: سمعنا وعصينا. (وَأَطَعْنا)؛ أي: انقدنا للطّاعة؛ ولو بالعزم عليها. نسألك (غُفْرانَكَ) .
ومعنى الغفران: ستر الذّنوب؛ كبيرها وصغيرها، جليّها وخفيّها. فالإنسان يطلب المغفرة؛ ولو في حالة الطّاعة؛ بسبب ما يطرأ عليها من العجب وحبّ المحمدة، وغير ذلك من الآفات الّتي تذهبها، فالعارف لا يعتمد على أعماله أبدا، وعلامة ذلك كونه يجدّد التّوبة والاستغفار، ولو كان متلبّسا بأكبر الطّاعات.
* (رَبَّنا)؛ أي: يا ربّنا منك مبدؤنا (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (٢٨٥): المرجع بالبعث.
(رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا): لا تعاقبنا، وهو تعليم من الله لعباده كيفيّة الدّعاء، وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطّلب ليعطيهم المطلوب.
وجاء بالمفاعلة، وهو فعل واحد؛ وهو الله!! لأنّ المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السّبيل إليها بفعله، فكأنّه أعان من يعاقبه بذنبه، ويأخذ به على نفسه؛ فحسنت المفاعلة.
(إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا)؛ أي: تركنا الصّواب لا عن عمد؛ كتأخير الصّلاة عن وقتها في حال الغيم؛ جهلا بالوقت، وكقتل الخطأ، فلا تؤاخذنا يا ربّنا بذلك كما آخذت به من قبلنا. قيل: كان بنو إسرائيل إذا نسو شيئا مما أمروا به أو أخطأوا؛ عجّلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء ممّا كان حلالا لهم؛ من مطعم، أو مشرب- على حسب ذلك الذّنب- فأمر الله المؤمنين أن يسألوا رفع مؤاخذتهم بالخطأ والنّسيان، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمّة المحمّدية، كما ورد في الحديث، وهو قوله ﷺ: «رفع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» .
[ ٤ / ٣٧١ ]
ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا
فالقصد من سؤال هذا الرّفع وطلبه الإقرار والاعتراف بهذه النّعمة، أي:
إظهارها والتّحدّث بها على حدّ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضحى] .
(رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا) معطوف على لا تُؤاخِذْنا، وتوسيط النّداء [ربنا] «١» بين المتعاطفين!! لإظهار مزيد الضّراعة والالتجاء إلى الرّب الكريم، وكذا يقال في قوله وَلا تُحَمِّلْنا؛ فهو معطوف على لا تُؤاخِذْنا إلى آخر ما تقدّم.
(إِصْرًا): أمرا يثقل علينا حمله.
وفي «أبي السّعود»: الإصر: العناء الثّقيل الّذي يأصر صاحبه؛ أي: يحبسه مكانه، والمراد به: التّكاليف الشّاقة.
وفي «السّمين»: الإصر- في الأصل-: الثّقل والشّدّة، ويطلق على العهد والميثاق لثقلهما، كقوله تعالى وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [٨١/ آل عمران]؛ أي:
عهدي وميثاقي وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [١٥٧/ الأعراف]؛ أي: التّكاليف الشّاقة، ويطلق على كل ما يثقل على النّفس؛ كشماتة الأعداء.
(كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا)؛ أي: بني إسرائيل.
ومن الإصر الّذي حملوه قتل النّفس في التّوبة، فإنّهم لمّا عبدوا العجل كانت توبتهم قتل طائعهم العاصي منهم، وأما توبتنا؛ فالنّدم.
ومن ذلك إخراج ربع المال في الزّكاة وأمّا الزّكاة في هذه الأمّة؛ فربع العشر في النّقدين، والعشر؛ أو نصفه في الحبوب.
ومن ذلك قرض «٢» موضع النّجاسة من الثّوب والبدن.
_________________
(١) للإيضاح (عبد الجليل) .
(٢) قطعه بالمقراض وهو المقصّ (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٣٧٢ ]
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] .
ومن ذلك أنّ من ارتكب منهم الخطيئة تصبح خطيئته مكتوبة على بابه، وغير ذلك من التّكاليف الشّاقة الّتي رفعها الله عن هذه الأمّة بفضله ورحمته، فله الحمد والمنّة.
(رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ): قدرة (لَنا بِهِ) من التّكاليف والبلاء، فلم يكلّفنا بالحجّ من غير استطاعة؛ مثلا، ولا بالصّلاة من قيام، مع كونه مريضا لا يقدر عليه، ولا باستعمال الماء مع عدم القدرة عليه، وقد كان ينزل بمن قبلنا الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم والصّيحة والخسف والمسخ، وغير ذلك من أنواع البلايا العامة الّتي لا تبقي ولا تذر.
(وَاعْفُ عَنَّا): امح ذنوبنا من الصّحف (وَاغْفِرْ لَنا)؛ أي: استر ذنوبنا عن أعين المخلوقات، (وَارْحَمْنا) في الرّحمة زيادة عن المغفرة؛ لأنّ الرّحمة الإحسان، وهي تشمل المغفرة الّتي هي غفر الذّنوب، وإيصال النّعم في الدّنيا والآخرة.
(أَنْتَ مَوْلانا): سيدنا، ومتولّي أمورنا، (فَانْصُرْنا) . أتى هنا بالفاء!! إعلاما بالسّببيّة، لأنّ الله تعالى لما كان مولاهم ومالك أمورهم، وهو مدبّرهم، تسبّب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم، كقولك «أنت الجواد فتكرّم علي» و«أنت البطل؛ فاحم حومتك» .
(عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) [البقرة])، بإقامة الحجّة والغلبة في قتالهم، فإنّ من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء.
والحكمة في زيادة قوله «القوم» ولم يقل «الكافرين» !! لأنّه لا يلزم من النّصرة على أفراد الكفّار النّصرة على الهيئة المجتمعة؛ لأنّ الشّخص قد يكون غالبا على كلّ أحد؛ ولا يكون غالبا على المجموع.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨] .
رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران:
١٦] .
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ
وفي الحديث: لمّا نزلت هذه الآية؛ فقرأها ﷺ، قيل له عقب كلّ كلمة: قد فعلت. رواه مسلم، أي: قال الله له عقب كل كلمة من كلمات الدّعوات، وهي سبع، أوّلها: لا تؤاخذنا، وآخرها: فانصرنا على القوم الكافرين، فيكون قوله:
«قد فعلت» وقع سبع مرّات، والمراد: قد أجبت دعاءك ومطلوبك.
* وقال تعالى في سورة آل عمران (رَبَّنا لا تُزِغْ): لا تمل (قُلُوبَنا) عن الحقّ (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)؛ أي: أرشدتنا إليه، أي: بعد وقت هدايتك إيّانا (وَهَبْ لَنا)؛ أي: أعطنا (مِنْ لَدُنْكَ): من عندك (رَحْمَةً)؛ تثبيتا على الحقّ، (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الّذي تعطي النّوال قبل السّؤال.
وفيه دليل على أنّ الهدى والضّلال من الله تعالى، وأنّه متفضّل بما ينعم به على عباده؛ أي: لا يجب عليه شيء. أي: لأنّه وهّاب.
* وقال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا): صدّقنا بك وبرسولك؛ إجابة لدعوتك، (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا)؛ إنجازا لوعدك، (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) بفضلك.
وفي ترتيب هذا السّؤال على مجرّد الإيمان دليل على أنّه كاف في استحقاق المغفرة، وفيه ردّ على أهل الاعتزال، لأنّهم يقولون: إنّ استحقاق المغفرة لا يكون بمجرّد الإيمان.
* وقال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنا آمَنَّا): صدّقنا (بِما أَنْزَلْتَ
[ ٤ / ٣٧٤ ]
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] .
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [آل عمران: ١٤٧] .
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ)؛ أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ)، لك بالوحدانيّة، ولرسولك بالصّدق؛ أي: أثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به.
* وقال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) صغائرنا (وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا)؛ أي: تجاوزنا الحدّ في ارتكاب الكبائر.
(وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا، وإمدادنا بالمدد الرّوحاني من عندك، (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) بالغلبة؛ وقدّم الدّعاء بالمغفرة على طلب تثبيت الأقدام، وعلى طلب النّصر على الأعداء!! تقريبا له إلى حيّز القبول، فإنّ الدّعاء المقرون بالخضوع الصّادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.
* وقال تعالى في أواخر سورة آل عمران (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا) الإشارة إلى السّماوات والأرض، لما أنّهما باعتبار تعلّق الخلق بهما في معنى المخلوق.
والعدول عن الضّمير إلى اسم الإشارة!! للإشارة إلى أنّها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها؛ استعظاما لها.
(باطِلًا): عبثا، كأنّه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب عبثا وضائعا؛ من غير حكمة، بل خلقته لحكم عظيمة، من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببا لمعاشه، ودليلا يدلّه على معرفتك، ويحثّه على طاعتك، لينال الحياة الأبديّة، والسّعادة السّرمديّة في جوارك.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١] .
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
وقوله «باطلا»، حال من المفعول به، وهو هذا، وهو الأحسن في إعرابه، وهي حال لا يستغنى عنها، إذ لو حذفت للزم نفي الخلق؛ وهو لا يصحّ، كما في قوله تعالى وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) [الدخان] .
(سُبْحانَكَ)؛ تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل؛ (فَقِنا عَذابَ النَّارِ)؛ تعليم لعباده كيفية الدّعاء، فمن أراد أن يدعو فليقدّم الثّناء على الله أوّلا، ويدلّ عليه قوله سُبْحانَكَ، وبعد ذلك الثّناء يأتي بالدّعاء، ويدلّ عليه قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ.
* (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا)؛ أي: داعيا، وهو على حذف مضاف؛ أي:
نداء مناد (يُنادِي): يدعو النّاس (لِلْإِيمانِ) .
قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وأكثر المفسّرين: المنادي هو محمّد ﷺ.
ويدلّ على صحّة هذا قوله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [١٢٥/ النحل] .
وقوله وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [٤٦/ الأحزاب] .
وقال محمد بن كعب القرظي: المنادي هو القرآن؛ قال: إذ ليس كلّ أحد لقي النّبيّ ﷺ.
ووجه هذا القول: أنّ كلّ أحد يسمع القرآن ويفهمه، فإذا وفّقه الله تعالى للإيمان به فقد فاز به، وذلك لأنّ القرآن مشتمل على الرّشد والهدى وأنواع الدّلائل الدّالة على الوحدانيّة؛ فصار كالدّاعي إليها، فعلى القول الأوّل: إسناد النّداء إليه حقيقيّ، وعلى القول الثّاني: إسناد النّداء إليه مجازي، واللّام في لِلْإِيمانِ بمعنى «إلى»؛ يعني: ينادي إلى الإيمان.
(أَنْ)؛ أي: بأن آمِنُوا بِرَبِّكُمْ)؛ أي: صدّقوا بأنّه يجب له كل
[ ٤ / ٣٧٦ ]
فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: ١٩٣- ١٩٤] .
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
كمال، ويستحيل عليه كلّ نقص، (فَآمَنَّا) به.
(رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا)؛ أي: كبائر ذنوبنا (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا):
صغائر ذنوبنا، (وَتَوَفَّنا): اقبض أرواحنا (مَعَ): في جملة (الْأَبْرارِ): الأنبياء والصّالحين، أي: احشرنا معهم واجعلنا في زمرتهم، (رَبَّنا) حقّق لنا ما ذكر، (وَآتِنا): أعطنا (ما وَعَدْتَنا) به (عَلى) ألسنة (رُسُلِكَ) من الرّحمة والفضل، أي: ربّنا اجعلنا ممّن يستحقّ ثوابك، وتؤتيهم ما وعدتهم به على ألسنة رسلك، لأنّا لم نتيقّن استحقاقنا لتلك الكرامة، فنسألك أن تجعلنا مستحقّين لها.
وتكرير لفظ رَبَّنا مبالغة في التّضرّع، ولما قيل: إنّه الاسم الأعظم.
وعن جعفر الصّادق: من حزبه أمر؛ فقال خمس مرّات «ربّنا»، أنجاه الله ممّا يخاف، وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك!؟ قال: اقرأوا قوله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وهي من أوراد الصّالحين تقرأ إلى آخر السّورة عند الاستيقاظ من النّوم، فمن لازم عليها تحقّق بما فيها، وحصل له ثواب من قام اللّيل؛ قاله الصّاوي.
(وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) ظرف لقوله وَلا تُخْزِنا؛ أي: لا تفضحنا في ذلك اليوم؛ لأنّ الإنسان ربّما يظن أنّه على عمل ويبدو له في الآخرة ما لم يكن في حسبانه؛ فيفتضح، فلا تكرار فيه مع قوله وَقِنا عَذابَ النَّارِ.
(إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) مصدر بمعنى الوعد بالبعث والجزاء.
* وقال تعالى في سورة الأعراف (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا): أضررناها بمخالفة أمرك
[ ٤ / ٣٧٧ ]
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] .
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩] .
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف: ١٢٦] .
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وطاعة عدوّنا وعدوّك، فإن لم تتب علينا نستمرّ عاصين (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا): تمح ما عملناه عينا وأثرا، (وَتَرْحَمْنا) فتعلي درجاتنا؛ (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) في الأرض.
* وقال تعالى في سورة الأعراف أيضا (رَبَّنَا افْتَحْ): احكم (بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا): الكفّار؛ (بِالْحَقِّ): بالعدل الّذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ): الحاكمين.
* (رَبَّنا أَفْرِغْ): اصبب (عَلَيْنا صَبْرًا) كاملا تامّا، (وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف])؛ أي: اقبضنا على دين الإسلام ثابتين عليه غير مفتونين.
وفي الآية فوائد؛
الأولى: أنّ التعبير ب أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا أكمل من التّعبير ب «أنزل علينا صبرا»؛ لأنّ إفراغ الإناء هو صبّ ما فيه بالكليّة، فكان المطلوب من الله تعالى كلّ الصّبر؛ لا بعضه.
الثانية: أنّ لفظ صَبْرًا مذكور بصيغة التّنكير، وذلك يدلّ على تمام الكمال، أي: صبرا تامّا كاملا.
الثّالثة: أنّ ذكر الصّبر من قيل الدّاعي ومن أعماله، ثمّ إنّه مطلوب من الله تعالى؛ وذلك يدلّ على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه.
* وقال تعالى في سورة يونس (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)؛ أي:
لا تظهرهم علينا فيظنّوا أنّهم على الحقّ فيفتتنوا بنا، لأنّك لو سلّطتهم علينا لوقع في
[ ٤ / ٣٧٨ ]
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [يونس: ٨٥- ٨٦] .
رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ [هود: ٤٧] .
فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] .
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ
قلوبهم أن لو كنا على الحقّ لما سلّطهم الله علينا؛ فيصير ذلك شبهة قويّة في إصرارهم على كفرهم؛ فيصير تسلّطهم علينا فتنة لهم.
(وَنَجِّنا): خلصنا (بِرَحْمَتِكَ)؛ أي: إحسانك وإنعامك، (مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) الجاحدين لآياتك.
* وقال تعالى في سورة هود (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) من (أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) بصحّته، هل هو صواب أو لا!! (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) ما فرط منّي، (وَتَرْحَمْنِي) برحمتك الّتي وسعت كلّ شيء (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أعمالا.
* وقال تعالى في سورة يوسف (فاطِرَ)؛ أي: يا فاطر (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)؛ أي: خالقهما، (أَنْتَ وَلِيِّي)؛ أي: متولّي مصالحي (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)؛ أي: اقبضني إليك مسلما (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) بعامّتهم في الرّتبة والكرامة.
* وقال تعالى في سورة إبراهيم (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ): مواظبا عليها بشروطها وأركانها وآدابها، وَاجعل (مِنْ ذُرِّيَّتِي)، من يقيمها؛ (رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) بإثبات الياء وصلا ووقفا، وحذفها كذلك، قراءتان سبعيتان، أي: استجب دعائي.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [إبراهيم: ٤٠- ٤١] .
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [نوح: ٢٨] . ورَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا [الإسراء: ٢٤] .
رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ): أبي وأمي (وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ): يوجد (الْحِسابُ) .
* وقال تعالى (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ)؛ هذا مأخوذ من [٢٨] سورة نوح، وهو توطئة لقوله: (رَبِّ ارْحَمْهُما كَما) رحماني حين (رَبَّيانِي صَغِيرًا)؛ لأنه مأخوذ من سورة الإسراء.
ولفظ الآية في الإسراء* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤) انتهى.
والمصنف قدّم قوله رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ. المأخوذ من سورة نوح توطئة؛ ليكون عود الضّمير على مذكور؛ وعطف على ذلك آية الإسراء، وهو صنيع حسن.
* وقال تعالى في سورة الإسراء (رَبِّ أَدْخِلْنِي) في كلّ مقام تريد إدخالي فيه، حسّيّ ومعنويّ؛ دنيا وأخرى (مُدْخَلَ صِدْقٍ) يستحقّ الدّاخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك وفعلك، فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
(وَأَخْرِجْنِي) من كلّ ما تخرجني منه، (مُخْرَجَ صِدْقٍ) والمدخل والمخرج- بالضمّ- مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، فهما كالمجرى
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا [الإسراء: ٨٠] .
رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا [الكهف: ١٠] .
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: ٢٥- ٢٦] .
والمرسى، ومعنى إضافة «المدخل» و«المخرج» إلى الصدق مدحهما؛ كأنّه سأل الله تعالى إدخالا حسنا، وإخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره.
(وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ)؛ أي: عندك، (سُلْطانًا نَصِيرًا): حجّة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالف الحقّ.
قال الألوسي: المراد من السّلطان كلّ ما يفيد الغلبة على أعداء الله تعالى، ويفيد ظهور دينه جلّ شأنه، هذا هو الحقّ ووصف السّلطان ب «نصيرا» للمبالغة.
انتهى.
* وقال تعالى في سورة الكهف (رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ) من عندك (رَحْمَةً) توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو، وفي ذلك مِنْ لَدُنْكَ إيماء إلى أنّ ذلك من باب التّفضّل؛ لا الوجوب، فكأنّهم قالوا ربنا تفضّل علينا برحمة؛ (وَهَيِّئْ): أصلح أو يسّر (لَنا مِنْ أَمْرِنا) الّذي نحن عليه. (رَشَدًا) هداية وتثبيتا على الإيمان، وتوفيقا للأعمال الصّالحة، وانقطاعا عن الاشتغال بالدّنيا، وزهدا فيها.
* وقال تعالى في سورة طه (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)؛ أي: وسّعه للحقّ وتحمّل المشاقّ؛ بأن تجعله بحيث لا أضجر ولا أقلق ممّا يقتضي بحسب البشريّة؛ الضّرّ والقلق من الشّدائد. وفي الرّاغب: إنّ شرح الصّدر بسطه بنور إلهيّ، وسكينة من جهة الله تعالى، وروح منه ﷿.
(وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي): ما أمرتني به، والتّعبير بذلك آكد من: اشرح صدري ويسّر أمري. لأنّه تكرير للمعنى من طريقي الإجمال والتّفصيل؛ لأنّه يقول: اشرح لي ويسر لي، علم أنّ «ثمّ» مشروحا وميسّرا. ثمّ رفع الإبهام بذكر الصّدر والأمر.
[ ٤ / ٣٨١ ]
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: ١١٤] .
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣] .
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:
٨٧] .
* وقال تعالى في سورة طه أيضا (رَبِّ) أيّها المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ؛ (زِدْنِي عِلْمًا)، فإنّه الموصل إلى المطلوب.
أخرج التّرمذي وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ؛ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كلّ حال» .
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد؛ عن ابن مسعود أنّه كان يدعو:
«اللهمّ؛ زدني إيمانا وفقها ويقينا وعلما» . وما هذا إلّا لزيادة فضل العلم.
وفضله أظهر من أن يذكر؛ نسأل الله تعالى أن يرزقنا الزّيادة فيه، ويوفّقنا للعمل بما يقتضيه. آمين.
* وقال تعالى في سورة الأنبياء (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ): الشّدّة (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)؛ أي: أنت أعظم رحمة من كلّ من يتّصف بالرّحمة في الجملة، وإلّا فلا راحم في الحقيقة سواه؛ جلّ شأنه وعلاه.
ولا يخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرّحمة بعد ما ذكر الدّاعي نفسه بما يوجبها؛ مكتفيا بذلك عن التّضرع بالمطلوب من استمطار سحائب الرّحمة على ألطف وجه، وكونه سبحانه «ضارّا» لا ينافي كونه «نافعا»، بل هو الضّار النّافع، فإضراره ليس لدفع مشقّة، ونفعه ليس لجلب منفعة، بل لا يسأل عمّا يفعل.
* وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضا (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ)؛ أي:
تنزّهت عن كلّ نقص (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) أنفسهم بتعريضها للهلكة
[ ٤ / ٣٨٢ ]
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ [الأنبياء: ٨٩] .
رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
فاعف عنّي؛ كما هي سيرة القادرين، وهو اعتراف بالذّنب، وإظهار للتّوبة.
وهذا دعاء عظيم جدّا لاشتماله على التّهليل أوّلا، ثمّ التّسبيح ثانيا، ثمّ الإقرار بالذّنب ثالثا، ولذا ورد في فضل ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والتّرمذي، والنّسائي، والحكيم التّرمذي؛ في «نوادر الأصول»، والحاكم وصحّحه، وابن جرير، والبيهقي في «الشّعب»، وجماعة؛ عن سعد بن أبي وقّاص؛ عن النّبي ﷺ، قال:
«دعوة ذي النّون إذ هو في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين؛ لم يدع بها مسلم ربّه في شيء قطّ إلّا استجاب له» .
وأخرج ابن أبي حاتم؛ عن الحسن: أنّ ذلك اسم الله تعالى الأعظم.
وأخرج ذلك الحاكم؛ عن سعد مرفوعا.
وقد شاهدت أثر الدّعاء به- ولله تعالى الحمد- حين أمرني بذلك من أظنّ ولايته من الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب، وكان قد أصابني من البلاء ما الله تعالى أعلم به؛ قاله الألوسي في «روح المعاني» .
* وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضا (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا): وحيدا بلا ولد يرثني (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ)، أي: وأنت خير حيّ يبقى بعد ميّت، وفيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء؛ وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه ﷿.
* وقال تعالى في آخر سورة الأنبياء (رَبِّ) أيّها المحسن إليّ؛ (احْكُمْ): اقض بيني وبين أعدائي (بِالْحَقِّ): بالعدل، والله ﷾ يحكم بالحقّ طلب أو لم يطلب، ومعنى الطّلب: ظهور الرّغبة من الطّالب في حكمه الحقّ.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [الأنبياء: ١١٢] .
رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: ٢٩] .
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٤] .
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ
(وَرَبُّنَا)؛ أي: المحسن إلينا أجمعين (الرَّحْمنُ) العامّ الرّحمة لنا وللأعداء، ولولا عموم رحمته لأهلكنا جميعا؛ وإن كنّا طائعين، لأنّا لا نقدّره حقّ قدره، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [٤٥/ فاطر] (الْمُسْتَعانُ): المطلوب منه العون (عَلى ما تَصِفُونَ): تقولون أيّها الأعداء من الكذب والباطل.
* وقال تعالى في سورة المؤمنين (رَبِّ أَنْزِلْنِي) في كلّ منزل تنزلني به (مُنْزَلًا مُبارَكًا): يبارك لي فيه، وأعطى الزّيادة في خير الدّارين، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)؛ لأنّك تكفي نزيلك كل ملمّ، وتعطيه كلّ حاجة.
وإنما أشفع الدّعاء بالثّناء عليه المطابق للمسألة؛ توسّلا به إلى الإجابة، فإنّ الثّناء على المحسن يكون مستدعيا لإحسانه، وقد قالوا: الثّناء على الكريم يغني عن سؤاله.
* وقال تعالى في سورة المؤمنين (رَبِّ) يا رب (فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، أي: قرينا لهم فيما هم فيه من العذاب، فأهلك بهلاكهم؛ لأن شؤم الظّالم قد يعمّ غيره، كقوله تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٢٥/ الأنفال] .
* (رَبِّ)؛ أيّها المحسن إليّ (أَعُوذُ): أعتصم (بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ)؛ أي: وساوسهم المغرية، على خلاف ما أمرت به؛ جمع همزة، والهمز: النّخس والدّفع بيد أو غيرها، ومنه: «مهماز الرّائض»؛ لحديدة تربط
[ ٤ / ٣٨٤ ]
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧- ٩٨] .
رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١٠٩] .
رَبِّ اغْفِرْ
على مؤخّر رحله ينخس بها الدّابّة لتسرع، أو لتثبت.
وإطلاق ذلك على الوسوسة لما بينهما من الشّبه الظّاهر، فإنّ الشّياطين يحثّون النّاس على المعاصي، كما تهمز الرّاضة الدّواب؛ حثّا لها على المشي، وجمع الهمزات!! لتنوّع الوساوس، أو لتعدّد الشّياطين.
والمعنى: أتحصّن بك من وساوس الشّياطين.
(وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)، في شيء من أموري؛ خصوصا حال الصّلاة والقراءة وحلول الأجل؛ لأنّها أحرى الأحوال، وهم إنّما يحضرون بسوء.
وفي التعوّذ من الحضور بعد التعوّذ من همزاتهم مبالغة في التّحذير من ملابستهم، فإنّ بعدهم بركة وخير؛ وإعادة الفعل والنّداء لإظهار كمال الاعتناء بهذه الاستعاذة وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء، ويسنّ التعوّذ من همزات الشّياطين وحضورهم عند إرادة النّوم.
فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائي، والتّرمذي وحسّنه؛ عن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه؛ عن جدّه؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهنّ عند النّوم من الفزع: «باسم الله؛ أعوذ بكلمات الله التّامّة من غضبه وعقابه، وشرّ عباده، ومن همزات الشّياطين، وأن يحضرون» .
* وقال تعالى في سورة المؤمنون أيضا (رَبَّنا) يا ربّنا (آمَنَّا) بك وبكتابك وبرسولك وجميع ما جاءتنا به الرّسل، (فَاغْفِرْ لَنا) ذنوبنا (وَارْحَمْنا): افعل بنا فعل الرّاحم؛ (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)؛ لأنّك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان.
* وقال تعالى في آخر سورة المؤمنين (رَبِّ)؛ أي: يا رب (اغْفِرْ)
[ ٤ / ٣٨٥ ]
وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١١٨] .
رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا [الفرقان: ٦٥- ٦٦] .
الذّنوب، (وَارْحَمْ) عبادك المؤمنين. وفي الرّحمة زيادة؛ وهي إيصال الإحسان زيادة على غفران الذّنب، فذكر الرّحمة بعد المغفرة تحلية بعد تخلية، ففي الغفران محو السّيّئات، وفي الرّحمة رفع الدّرجات، وأيضا الغفران قد يكون من غير إحسان، الّذي هو معنى الرّحمة.
(وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ): أفضل راحم.
وطلب كلّ من المغفرة والرّحمة أعمّ من طلب أصل الفعل والمداومة عليه.
وفي تخصيص هذا الدّعاء بالذكر ما يدلّ على أهمّيّة ما فيه.
وقد علّم النّبي ﷺ أبا بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أن يقول نحوه في صلاته، فقد أخرج البخاريّ، ومسلم، والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وجماعة؛ عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أنّه قال: يا رسول الله؛ علّمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم» .
* وقال تعالى في سورة الفرقان (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا): هلاكا لازما لزوما كلّيّا في حقّ الكفّار، ولزوما بعده إطلاق إلى الجنّة في حقّ عصاة المؤمنين.
(إِنَّها)؛ أي: جهنم (ساءَتْ) في حكم «بئست»، وفيها ضمير مبهم يفسّره مُسْتَقَرًّا، والمخصوص بالذّمّ محذوف، معناه: ساءت (مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا) هي، أي: موضع استقرار وإقامة، وهذا الضّمير هو العائد على اسم «إنّ» فهو الرّابط للجملة.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا [الفرقان: ٧٤] .
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٣- ٨٥] .
* وقال تعالى في سورة الفرقان أيضا (رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا) الّلاتي قرنتهنّ بنا (وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) بتوفيقهم للطّاعة وحيازة الفضائل، فإنّ المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سرّ بهم قلبه، وقرّت بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدّين، وتوقّع لحوقهم به في الجنّة، فقرّة العين هو سرورها، والمراد:
ما يحصل به السّرور؛ والمعنى: اجعل أزواجنا وذرّيّاتنا صالحين؛ لكي نسرّ بهم.
(وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا) في الخير، أي: اجعلنا أئمّة يقتدى بنا في أمر الدّين بإفاضة العلم علينا، والتّوفيق للعمل الصّالح؛ ولفظ «إمام» يستوي فيه الجمع وغيره، والمراد هنا: الجمع، ليطابق المفعول الأوّل «اجعل» .
واختير لفظ «إمام» على «أئمّة» !! لأنّه أوفق بالفواصل السّابقة واللّاحقة.
* وقال تعالى في سورة الشّعراء (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا): كمالا في العلم والفهم.
(وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ): وفّقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصّلاح، الّذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره.
(وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ) - من إضافة الموصوف للصّفة، أي: ثناء حسنا من باب تسمية الشّيء باسم آلته- (فِي الْآخِرِينَ) الّذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة، (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)، أي: ممن يعطاها بلا تعب ومشقّة، كالإرث الحاصل للإنسان من غير تعب؛ وإضافة الجنّة إلى النّعيم!! من إضافة المحلّ للحالّ فيه؛ و«من» تبعيضيّة، أي: اجعلني بعض الّذين يرثون جنّة النّعيم، أي:
اجعلني مندرجا فيهم، ومن جملتهم.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٧- ٨٩] .
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء: ١٦٩] .
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩] .
(وَلا تُخْزِنِي)؛ من الخزي، بمعنى: الهون، أو من الخزاية- بفتح الخاء- بمعنى: الحياء، أي: لا تفضحني بأن تكشف عيوبي بين خلقك.
(يَوْمَ يُبْعَثُونَ)؛ أي: النّاس، أي: يوم القيامة. قال تعالى في شأنه (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ) يكن (أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من الشّرك والنّفاق؛ وهو قلب المؤمن، فإنّه ينفعه ذلك.
* وقال تعالى في سورة الشّعراء (رَبِّ)؛ أي: يا رب (نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ)؛ أي: من عذاب ما يعملون.
* وقال تعالى في سورة النّمل (رَبِّ أَوْزِعْنِي): ألهمني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ): أؤدّي شكر نعمتك (الَّتِي أَنْعَمْتَ) بها (عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) أدرج ذكر والديه!! تكثيرا للنّعمة ليزداد في الشّكر عليها، فإنّ النّعمة عليهما نعمة عليه، والنّعمة عليه يرجع نفعها إليهما، لا سيّما الدّينيّة، (وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا) خالصا، وقيّده بقوله (تَرْضاهُ)؛ أي: تقبله؛ لأنّ العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل:
إذا كان المحبّ قليل حظّ فما حسناته إلّا ذنوب
(وَأَدْخِلْنِي) الجنّة (بِرَحْمَتِكَ)؛ لا بصالح عملي، إذ لا يدخل الجنّة أحد إلّا برحمته؛ كما جاء في الحديث، (فِي) جملة (عِبادِكَ)، فهو على حذف مضاف، أو «في» بمعنى «مع» عبادك، (الصَّالِحِينَ): القائمين
[ ٤ / ٣٨٨ ]
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦] .
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] .
رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [العنكبوت: ٣٠] .
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] .
رَبِّ أَوْزِعْنِي
بحقوق الله تعالى وحقوق العباد؛ والمراد: الكاملون في الصّلاح؛ لأنّ الصّلاح مقول بالتّشكيك، فما من مقام إلّا وفوقه أعلى منه، والكامل يقبل الكمال.
* وقال تعالى في سورة القصص: (رَبِّ)؛ يا رب، (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [١٦]) زلتي.
* وقال تعالى في سورة القصص أيضا (رَبِّ)؛ أي: يا رب، (إِنِّي لِما): لأيّ شيء، (أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ)؛ قليل أو كثير، (فَقِيرٌ):
محتاج؛ فقوله لِما أَنْزَلْتَ متعلّق ب فَقِيرٌ، وهو خبر «إنّ» و«أنزلت» بمعنى: تنزل؛ والمعنى: إنّي فقير ومحتاج لما تنزله إليّ من أيّ شيء كان؛ قليلا أو كثيرا.
* وقال تعالى في سورة العنكبوت (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ):
العاصين.
* وقال تعالى في سورة الصّافات (رَبِّ هَبْ لِي) ولدا (مِنَ الصَّالِحِينَ)؛ بعض الصالحين ليعينني على الدّعوة والطّاعة، ويؤنسني في الغربة؛ ويرثني. ولفظ الهبة غالب في الولد؛ وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم] !!.
* وقال تعالى في سورة الأحقاف (رَبِّ)؛ يا رب (أَوْزِعْنِي): ألهمني؛ من أوزعته بكذا؛ أي: جعلته مولعا به؛ راغبا في تحصيله. فالمعنى: رغّبني
[ ٤ / ٣٨٩ ]
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] .
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا
ووفقني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ) بها (عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) وهي نعمة التّوحيد والهداية، (وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ)؛ بأن يكون سالما من غوائل عدم القبول؛ كالرّياء والعجب وغيرهما، أي: اجعل عملي على وفق رضاك.
(وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)؛ أي: اجعل الصّلاح ساريا في ذرّيّتي؛ راسخا فيهم.
ونزّل الإصلاح منزلة اللّازم؛ فعدّي ب «في» ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصّلاح فيهم، وكونهم كالظّرف له؛ لتمكّنه فيهم، وإلّا فكان الظّاهر: «وأصلح لي ذرّيّتي»، كما في قوله تعالى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [٩٠/ الأنبياء] .
وقيل: عدّي ب «في» لتضمّنه معنى اللّطف؛ أي: الطف بي في ذرّيّتي، والأوّل أحسن.
(إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) عمّا لا ترضاه، وعن كلّ ما يقدح في الإقبال عليك، (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: الّذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم؛ فانقادوا أتمّ انقياد.
* وقال تعالى في سورة الحشر (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا) في الدّين؛ (الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ)؛ كلّ واحد من قائلي هذا القول يقصد بمن سبقه من انتقل قبله من غير فاصل، وينتهي إلى عصر النّبيّ ﷺ فيدخل في إخوانه الّذين سبقوه بالإيمان جميع من تقدّمه من المسلمين، ولا يقصد بالّذين سبقوه خصوص المهاجرين والأنصار لقصوره؛ وإن كان أصل سبب النزول.
(وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا): حقدا (لِلَّذِينَ آمَنُوا)؛ أي: مطلق المؤمنين أيّا كانوا في أدنى درجاته.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠] .
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة: ٤- ٥] .
رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
وقيّدوا بالقلب!! لأنّ رذائل النّفس قلّ أن تنفكّ، وأنّها إن كانت مع صحّة القلب. أو شك ألاتؤثر.
(رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ): راحم أشدّ الرّحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير، (رَحِيمٌ)؛ مكرم غاية الإكرام لمن أردت، ولو لم يكن له بك وصلة، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنّا بين أن تكون لنا وصلة؛ فنكون من أهل الرّأفة، أو لا، فنكون من أهل الرّحمة.
* وقال تعالى في سورة الممتحنة (رَبَّنا)؛ أي: يا ربنا (عَلَيْكَ)؛ لا على غيرك (تَوَكَّلْنا): اعتمدنا، (وَإِلَيْكَ) وحدك (أَنَبْنا): رجعنا بالاعتراف من ذنوبنا، (وَإِلَيْكَ) وحدك (الْمَصِيرُ): المرجع في الآخرة.
(رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)؛ أي: لمّا تظهرهم علينا؛ فيظنّوا أنّهم على الحقّ؛ فيفتتنوا. أي: لا تذهب عقولهم بنا، ومعنى ذهابها: ميلها عن الحقّ وخطؤها.
(وَاغْفِرْ لَنا)؛ أي: استر ما وقع منّا من الذّنوب، (رَبَّنا) يا ربنا؛ (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ): الّذي يغلب كلّ شيء ولا يغلبه شيء. (الْحَكِيمُ):
الّذي يضع الأشياء في أوفق محالّها؛ فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطي من أمّله ما طلب.
* وقال تعالى في سورة التّحريم (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا) على الصّراط (نُورَنا) الّذي مننت به علينا؛ حتّى يكون في غاية التّمام، وهذا النّور من صور أعمالهم في
[ ٤ / ٣٩١ ]
وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [التحريم: ٨] .
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [نوح: ٢٨] .
الدّنيا، لأنّ الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء، وتتبع الصّور معانيها، وهو شرع الله الّذي شرعه؛ وهو الصّراط الّذي يضرب بين ظهراني جهنّم، لأنّ الفضائل في الدّنيا متوسّطة بين الرّذائل؛ فكلّ فضيلة يكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط؛ فالفضيلة:
هي الصّراط المستقيم؛ والرذيلتان: ما كان من جهنّم على يمينه وشماله؛ فمن كان يمشي في الدّنيا على ما أمر به سواء؛ من غير إفراط ولا تفريط؛ كان نوره تامّا، ومن أمالته الشّهوات طفىء نوره في بعض الأوقات، واختطفته كلاليب، هي صورة الشّهوات، فتميل به في النّار بقدر ميله إليها؛ والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التّوحيد؛ فإذا مشى طفئ، لأنّ إقراره لا حقيقة له.
(وَاغْفِرْ لَنا) ذنوبنا (إِنَّكَ) وحدك (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) يمكن دخول المشيئة فيه (قَدِيرٌ) (٨): بالغ القدرة.
* وقال تعالى في سورة نوح (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ):
منزلي، وقيل: مسجدي، والمتبادر: المنزل (مُؤْمِنًا)؛ أي: مصدّقا بالله تعالى وهو حال، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) [٢٨] من كلّ أمّة إلى يوم القيامة؛ فهو دعاء عامّ في كلّ مؤمن آمن بالله وصدّق الرّسل.
وإنّما بدأ بنفسه!! لأنّها أولى بالتّخصيص والتّقديم، ثمّ ثنّى بالمتّصلين به؛ لأنّهم أحقّ بدعائه من غيرهم، ثمّ عمّم جميع المؤمنين والمؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في الدّعاء.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
١- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بوجهك الكريم واسمك العظيم؛ من الكفر والفقر» (طب؛ عن عبد الرّحمن ابن أبي بك) .
٢- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز
١- («اللهمّ) - الميم عوض من «يا»، ولذا لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم؛ لدخولها عليه مع لام التّعريف، كما خصّ بالباء في القسم، وقطع همزته في «يا ألله»، وقيل: أصل «يا ألله» آمنا بخير، فخفّف بحذف حرف النّداء؛ ذكره القاضي البيضاوي.
وقد كثر استعمال كلمة «اللهمّ» في الدّعاء.
وجاء عن الحسن البصري: «اللهمّ» مجتمع الدّعاء.
وعن النّضر بن شميل: من قال «اللهمّ»؛ فقد سأل الله بجميع أسمائه-.
(إنّي أعوذ): أعتصم (بوجهك الكريم) قال البيضاوي: وجه الله مجاز عن ذاته ﷿، تقول العرب «أكرم الله وجهك»، بمعنى: أكرمك؛ والكريم:
الشّريف النّافع الّذي لا ينفد عطاؤه.
(واسمك العظيم)؛ أي: الأعظم من كلّ شيء؛ (من الكفر) بجميع أنواعه، (والفقر»)؛ أي: فقر المال، أو فقر النّفس. وذا تعليم لأمّته.
قيل: وهذا يعارض «لا يسأل بوجه الله إلّا الجنّة» !!
وأجيب بأنّ الاستعاذة من الكفر سؤال الجنة.
(طب)؛ أي: أخرجه الطّبراني في كتاب «السّنّة» له؛ (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر) الصّدّيق «شقيق عائشة رضي الله تعالى عنهما»، حضر بدرا مع الكفّار، ثمّ أسلم، وكان من أشجع قريش وأرماهم بسهم، تأخّر إسلامه إلى قبيل الفتح؛ قال الحافظ الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم؛
٢- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز) - بسكون الجيم-: عدم القدرة على الخير، وقيل: ترك ما يجب فعله؛ والتّسويف به. وقال المناوي: سلب القوّة؛ وتخلّف التّوفيق، إذ صفة العبد العجز، وإنّما يقوى بقوّة يحدثها الله، فكأنّه استعاذ به أن يكله إلى أوصافه، فإنّ كل من رد إليه فقد خذل.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
والكسل، والجبن والبخل والهرم، والقسوة والغافلة والعيلة، والذّلّة والمسكنة،
(والكسل): التّثاقل والتّراخي عمّا لا ينبغي التّثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النّفس للخير وقلّة الرّغبة فيه مع إمكانه؛ والعاجز معذور، والكسلان غير معذور.
(والجبن) - بضمّ فسكون-: الضّعف عن تعاطي القتال؛ خوفا على المهجة.
(والبخل)؛ وهو- في الشّرع-: منع الواجب، وفي اللّغة-: منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة.
(والهرم) - كبر السّنّ المؤدّي إلى تساقط القوى، وذهاب العقل، وتخبّط الرّأي- وقال العلقمي: قال شيخنا: هو الردّ إلى أرذل العمر؛ لما فيه اختلال العقل والحواسّ والضّبط والفهم، وتشويه بعض المنظر، والعجز عن كثير من الطّاعات، والتّساهل في بعضها. قال الموفّق البغداديّ: هو اضمحلال طبيعيّ وطريق للفناء ضروريّ، فلا شفاء له.
(والقسوة): غلظ القلب وصلابته، (والغافلة): غيبة الشّيء المهمّ عن البال، وعدم تذكّره، واستعمل في تاركه إهمالا وإعراضا؛ كما في قوله تعالى وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) [الأنبياء] .
(والعيلة) - بالفتح-: الفقر، وهو مصدر «عال؛ يعيل؛ عيلة»: إذا افتقر، من باب باع، فهو عائل والجمع عالة؛ وهي على تقدير فعله، مثل: كافر وكفره، وفي نسخة شرح عليها العزيزي: والقلّة بدل العيلة؛ وهي بكسر القاف:
قلّة المال بحيث لا يجد كفافا.
(والذّلّة) - بالكسر-: الهوان على النّاس بحيث يستخفّون به؛ وينظرون إليه بعين الاحتقار. (والمسكنة)؛ أي: قلّة المال مع سوء الحال، وأما قلّة المال مع الصّبر؛ فممدوح.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشّقاق، والنّفاق والسّمعة والرّياء، وأعوذ بك من الصّمم والبكم والجنون والجذام،
(وأعوذ بك من الفقر)؛ أي: فقر النّفس، لا ما هو المتبادر من معناه من إطلاقه على الحاجة الضّروريّة، فإنّ ذلك يعمّ كلّ موجود* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) [فاطر] .
(والكفر) عنادا؛ أو جحودا؛ أو نفاقا، وأورده عقب الفقر!! لأنّ الفقر قد يفضي إليه.
(والفسوق): الخروج عن الاستقامة والجور، ومنه قيل للعاصي: فاسق.
(والشّقاق)؛ أي: التّخاصم المؤدّي إلى أن يصير كلّ من المتخاصمين في شقّ؛ أي: جهة، كأنّ كلّ فريق يحرص على ما يشقّ الآخر، فيؤدّي إلى عدم الألفة.
(والنّفاق) الحقيقي؛ أو المجازي، (والسّمعة) - بضمّ السّين وسكون الميم-: إعلام بالعبادة بعد فعلها ليقال بصلاحه.
(والرّياء) - بكسر الرّاء، وتخفيف التّحتيّة، والمد-: فعل العبادة؛ والنّاس يطّلعون ليقولوا بصلاحه. فالسّمعة: أن يعمل لله خفية، ثمّ يتحدّث بها تنويها.
والرّياء: أن يظهر العبادة بقصد رؤية النّاس لها ليحمدوه.
وقال ابن عبد السّلام: الرّياء أن يعمل لغير الله تعالى.
وذكر هذه الخصال!! لكونها أقبح خصال النّاس، فاستعاذته منها إبانة عن قبحها، وزجر النّاس عنها بألطف وجه، وأمر بتجنّبها بالالتجاء إلى الله.
(وأعوذ بك من الصّمم): بطلان السّمع أو ضعفه، (والبكم) - بالتّحريك-:
الخرس، أو: أن يولد لا ينطق ولا يسمع، والخرس: أن يخلق بلا نطق.
(والجنون): زوال العقل.
(والجذام): هو علّة يحمرّ منها العضو، ثمّ يسودّ، ثمّ يتقطّع ويتناثر.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
والبرص وسيّء الأسقام» . (ك، هق؛ عن أنس) .
٣- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع،
قال المناوي: علّة تسقط الشّعر وتفتّت اللّحم، وتجري الصّديد منه.
(والبرص): هو بياض شديد يبقّع الجلد ويذهب دمويّته.
(وسيّء الأسقام»): الأمراض الفاحشة الرّديئة المؤدّية إلى فرار الحميم «١»، وقلّة الأنيس أو فقده؛ كالاستسقاء والسّل والمرض المزمن؛ وهذا من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأسقام السّيّئة.
قال التوربشتي: ولم يستعذ من سائر الأسقام!! لأنّ منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصّبر خفّت مؤنته؛ كحمّى وصداع ورمد.
وإنّما استعاذ من السّقم المزمن؛ فينتهي صاحبه إلى حال يفرّ منه الحميم، ويقلّ دونه المؤانس والمداوي مع ما يورث من الشّين.
وهذه الأمراض لا تجوز على الأنبياء، بل يشترط في النّبي سلامته من كل منفّر؛ وإنّما ذكرها تعليما للأمّة كيف تدعو.
(ك هق)؛ أي: أخرجه الحاكم، والبيهقي في «السّنن» في «كتاب الدّعاء»؛ (عن أنس)؛ قال: قال رسول الله ﷺ في دعائه: «اللهمّ » إلى آخره. قال الحاكم: صحيح. وأقرّه الذّهبي.
٣- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع): هو ١- ما لم يأذن في تعلّمه شرعا؛ كعلم الفلسفة، أو ٢- ما لا يصحبه عمل، أو ٣- ما لا يهذّب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظّاهرة؛ ويفوز بها إلى الثّواب الآجل، وأنشد:
يا من تقاعد عن مكارم خلقه ليس التّفاخر بالعلوم الزّاخرة
من لم يهذّب علمه أخلاقه لم ينتفع بعلومه في الآخرة
_________________
(١) الصّديق، لا المصاب بالحمى المسمّى «المحموم» . (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٣٩٦ ]
وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، ومن الجوع فإنّه بئس الضّجيع، ومن الخيانة فإنّها بئست البطانة،
(وقلب لا يخشع) لذكر الله سبحانه، ولا لاستماع كلامه، وهو القلب القاسي الّذي هو أبعد القلوب من حضرة علّام الغيوب.
وإنّ أبعد قلوب النّاس من ربّنا الرّحيم قلب قاسي
(ودعاء لا يسمع) سماع قبول؛ أي: لا يستجاب ولا يعتدّ به، فكأنّه غير مسموع.
(ونفس لا تشبع) من جمع المال، أو من كثرة الأكل؛ الجالبة لكثرة الأبخرة؛ الموجبة لكثرة النّوم، المؤدّية إلى فقر الدّنيا والآخرة.
ويؤخذ من الحديث جواز السّجع في الأدعية؛ ومحلّه إذا لم يكن بتكلّف واستعمال فكره، وإلّا كره؛ لما فاته في مقام الدّعاء من الخضوع والذّلّة والخشوع.
(ومن الجوع)؛ حقيقته: أنّه الألم الحاصل من خلوّ المعدة من المأكول؛ ولا ينافي ذلك قول أهل الطّريق: إنّ الجوع مطلوب لرياضة النّفس، لأنّ المستجار منه هو الّذي ليس فيه مصلحة شرعيّة، أو يضرّ بالجسد.
(فإنّه بئس الضّجيع): المضاجع لي في فراشي. استعاذ منه، لأنّه يمنع استراحة البدن، ويحلّل المواد المحمودة بلا بدل، ويشوّش الدّماغ، ويورث الوسواس، ويضعف البدن عن القيام بوظائف العبادات؛ لا سيّما قيام التّهجّد.
(ومن الخيانة): مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ، سواء كانت خيانة للغير؛ كالخيانة في الوديعة، أو خيانة للنّفس؛ كأن لا يمتثل المأمورات والمنهيّات، فمن ضيّع شيئا ممّا أمر الله به؛ أو ارتكب شيئا ممّا نهى الله عنه فقد خان نفسه، إذ جلب إليها الذّم في الدّنيا والعقاب في الآخرة.
(فإنّها بئست البطانة) - بكسر الباء؛ ضد الظهارة- وهي في الأصل: الثّوب
[ ٤ / ٣٩٧ ]
ومن الكسل والبخل والجبن، ومن الهرم، وأن أردّ إلى أرذل العمر، ومن فتنة الدّجّال وعذاب القبر،
الملاصق للجسد، والجهة الّتي لا تلاصقه تسمّى «ظهارة»، فاستعيرت لكلّ شيء ملازم، يقال: بطانة الرّجل: أهله وعياله؛ والمراد هنا: الصّفة الملازمة للشّخص؛ أي: بئست الخصلة الّتي يحرص عليها الشّخص ويخفيها؛ فشبّهها ببطانة الثّوب الملاصق للجسد الّتي لها ظهارة؛ بجامع الخفاء.
(ومن الكسل): عدم انبعاث النّفس لفعل الخير، (والبخل): منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة. (والجبن) - بضم فسكون-: الخور عن تعاطي الحرب؛ خوفا على المهجة «١» .
(ومن الهرم): الكبر المؤدّي إلى ترك الأعمال الصّالحة والتخبّط في العقل.
(وأن أردّ إلى أرذل العمر) أي: العمر الأرذل؛ أي: الرّدي بأن يسلب صفة التّمييز، فيعود كالطّفل.
قال الطّيبيّ: المطلوب عند المحققين من العمر التفكّر في آلاء الله تعالى ونعمائه تعالى من خلق الموجودات؛ قياما بواجب الشّكر بالقلب والجوارح؛ والفاقد لذلك كالشّيء الّذي لا ينتفع به، فينبغي أن يستعاذ منه.
(ومن فتنة الدّجّال): محنته، وهي أعظم فتن الدّنيا. والدّجال: فعّال بالتّشديد- وهو من الدّجل؛ بمعنى التّغطية، لأنّه يغطّي الحقّ بباطله، ولهذا سمّي الكذّاب «دجّالا» .
(وعذاب القبر): عقوبته. ومصدره التّعذيب، فهو مضاف للفاعل مجازا، أو هو من إضافة المظروف لظرفه، فهو على تقدير «في»؛ أي: من عذاب في القبر.
_________________
(١) القلب. أو النفس أو الروح. وكلها بمعنى. (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٣٩٨ ]
ومن فتنة المحيا والممات.
اللهمّ؛ إنّا نسألك قلوبا أوّاهة مخبتة منيبة في سبيلك.
اللهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك ومنجيات أمرك،
وفيه إثبات عذاب القبر، والإيمان به واجب؛ وأضيف العذاب إلى القبر!! لأنّه الغالب، وإلّا! فكلّ ميّت أراد الله تعذيبه أناله ما أراد به قبر أو لم يقبر، ولو صلب أو غرق في البحر، أو أكلته السّباع، أو حرق حتّى صار رمادا، أو ذرّي في الرّيح.
وهو- أي: عذاب القبر- على الرّوح والبدن جميعا باتّفاق أهل السّنّة، وكذا القول في النّعيم؛ قال ابن القيم:
ثمّ عذاب القبر قسمان: دائم؛ وهو عذاب الكفّار وبعض العصاة. ومنقطع؛ وهو عذاب من خفّت جرائمهم من العصاة، فإنّه يعذب بحسب جريمته، ثمّ يرفع عنه، وقد يرفع بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك. انتهى.
(ومن فتنة المحيا) - بفتح الميم- أي: ما يعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدّنيا والشّهوات والجهالات؛ وأعظمها- والعياذ بالله تعالى- أمر الخاتمة عند الموت.
(و) من فتنة (الممات)؛ أي: الفتنة الواقعة قرب الموت؛ أضيفت إليه لقربها منه، فهي في الحياة، فعطفها من عطف الخاصّ اهتماما بها.
(اللهمّ؛ إنّا نسألك)؛ أي: نطلب منك (قلوبا أوّاهة): كثيرة الدّعاء والتضرّع؛ ليترتّب عليها إظهار الاحتياج.
(مخبتة): خاشعة مطيعة منقادة، (منيبة): راجعة إليك بالتّوبة، مقبلة عليك (في سبيلك)؛ أي: الطّريق إليك.
(اللهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك)؛ أي: أسباب مغفرتك المؤكّدة؛ لأنّ العزم: التّصميم، (ومنجيات أمرك)؛ أي: ما ينجّي من عقابك ويصون عن عذابك.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
والسّلامة من كلّ إثم، والغنيمة من كلّ برّ، والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» . (ك؛ عن ابن مسعود) .
٤- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم،
(والسّلامة من كلّ إثم) معصية، (والغنيمة من كلّ برّ) - بكسر الموحّدة-:
خير وطاعة، (والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار»): عذابها، وهذا ذكره للتّشريع والتّعليم.
وفيه دليل على ندب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنّه يتمسّك فيه بالحقّ، لأنّها قد تفضي إلى وقوع ما لا يحترز من وقوعه.
قال ابن بطّال: وفيه ردّ للحديث الشّائع: «لا تستعيذوا بالله من الفتن، فإنّ فيها حصاد المنافقين»؛ أي: هلاكهم.
قال ابن حجر: قد سئل عنه قديما ابن وهب فقال: إنّه باطل؛ وقال الحفني على «الجامع»: إنّه حديث موضوع لا أصل له.
(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في «الدّعاء»؛ (عن) عبد الله (بن مسعود) رضي الله تعالى عنه، وقال: صحيح الإسناد؛ قال الحافظ العراقي: وليس كما قال، إلّا أنّه ورد في أحاديث جيدة الإسناد، ذكره المناوي رحمه الله تعالى.
٤- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم) - بفتح الميم، وإسكان الهمزة، وفتح المثلّثة-: الإثم كبيرا أو صغيرا.
(والمغرم) - بفتح الميم وإسكان الغين وفتح الراء-: كلّ ما فيه خسارة دين؛ أو دنيا. وفي حديث صحيح: قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله!! قال: «الرّجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف» . أي: وهذا من الخسارة في الدّين.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النّار وعذاب النّار، ومن شرّ فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، ومن فتنة المسيح الدّجّال.
وخسارة الدّنيا كالخسارة في التّجارة والقرض مع عدم القدرة على الوفاء؛ واستعاذته ﷺ تعليم لأمّته وإظهار للعبوديّة والافتقار.
(ومن فتنة القبر) التّحير في جواب منكر ونكير (وعذاب القبر) - عطف عام على خاص- فعذابه قد ينشأ عن الفتنة بأن يتحيّر فيعذّب لذلك، وقد يكون لغير الفتنة؛ كأن يجيب بالحقّ ولا يتحيّر، ثمّ يعذب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيّات كإهمال التّنزّه عن البول ونحو ذلك. فتنبّه.
(ومن فتنة النّار) هي سؤال الخزنة على جهة التّوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) [الملك] (وعذاب النّار)؛ أي:
إحراقها بعد فتنتها.
(ومن شرّ فتنة الغنى)؛ أي: البطر والطّغيان والتّفاخر به، وصرف المال في المعاصي.
(وأعوذ بك من فتنة الفقر): حسد الأغنياء، والطّمع في مالهم، والتّذلّل لهم بما يدنّس العرض ويثلم الدّين، وعدم الرّضا بالمقسوم.
وذكر لفظ «شرّ» في الفقرة الأولى؛ دون الثّانية هو ما وقع في هذه الرّواية، وجاء في رواية إثباتها فيهما، وفي رواية أخرى حذفها فيهما.
(ومن فتنة المسيح) - بفتح الميم، وخفّة السّين، وبحاء مهملة-.
سمّي به!! لكون إحدى عينيه ممسوحة، أو لمسح الخير منه؛ فعيل بمعنى مفعول، أو لمسحه الأرض، أو قطعها في أمد قليل؛ فهو بمعنى فاعل، أي:
مصيبة أو اختبار المسيح.
(الدّجّال)؛ وذكر الدّجال بعد المسيح!! لئلّا يتوهّم المسيح سيدنا عيسى ﵊، وإنّما استعاذ منه؛ مع كونه لا يدركه!! نشرا لخبره بين أمّته جيلا
[ ٤ / ٤٠١ ]
اللهمّ؛ اغسل عنّي خطاياي بالماء والثّلج والبرد، ونقّ قلبي من الخطايا كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، وباعد بيني وبين خطاياي؛
بعد جيل؛ لئلّا يلتبس كفره على مدركه.
(اللهمّ؛ اغسل): أزل (عنّي خطاياي)؛ أي: ذنوبي، لو فرض أن لي ذنوبا، أو ذكره للتّشريع.
(بالماء والثّلج والبرد) - بفتحتين-: حب الغمام، وجمع بينهما!! مبالغة في التّطهير، أي: طهّرني منها بأنواع مغفرتك.
وخصّها!! لأنّها لبردها أسرع لإطفاء حرّ عذاب النّار الّتي هي غاية الحرّ، وجعل الخطايا بمنزلة جهنّم؛ لكونها سببها، فعبّر عن إطفاء حرّها بذلك، وبالغ باستعمال المبرّدات؛ مترقّيا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثمّ إلى أبرد منه وهو البرد، بدليل جموده، ومصيره جليدا، والثّلج يذوب؛ قاله المناوي.
وفي «حواشي الحفني»: شبّه الخطايا بالدّنس الحسّي الّذي يتباعد عنه، والغسل تخييل، والماء والثلج والبرد ترشيح باق على معناه، أو مستعار لعمل البرّ المطهر من الدّنس؛ بجامع إزالة ما يكره.
فالمراد من الغسل المذكور المغفرة، وقال ابن دقيق العيد: عبّر بذلك عن غاية المحو، فإنّ الثّوب الّذي يتكرّر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النّقاء. انتهى.
(ونقّ) - بفتح النّون وشدّ القاف- (قلبي) الّذي هو ملك الأعضاء، واستقامتها باستقامته. (من الخطايا) تأكيد للسّابق، ومجاز عن إزالة الذّنوب ومحو أثرها، (كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس) - بفتح الدّال والنّون- أي: الوسخ، ولما كان الدّنس في الثّوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التّشبيه به.
(وباعد)؛ أي: أبعد. وعبّر بالمفاعلة مبالغة (بيني وبين خطاياي) كرّر (بين) هنا دون ما بعده؛ لأنّ العطف على الضّمير المجرور يعاد فيه الخافض.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
كما باعدت بين المشرق والمغرب» (ق، ت، ن، هـ.
عن عائشة) .
٥- اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من التّردّي والهدم، والغرق
(كما باعدت)؛ أي: كتبعيدك (بين المشرق): موضع الشّروق، وهو مطلع الأنوار، (والمغرب») أي: محل الأفول.
وهذا مجاز؛ لأنّ حقيقة المباعدة، إنّما هي في الزّمان والمكان، أي: امح ما حصل من ذنوبي، وحل بيني وبين ما يخاف من وقوعها حتّى لا يبقى لها اقتراب مني بالكلّيّة، ف «ما» مصدريّة، والكاف للتّشبيه.
وموقع التّشبيه أنّ التقاء المشرق والمغرب محال، فشبّه بعد الذّنب عنه ببعد ما بينهما، والثّلاثة إشارة لما يقع في الأزمنة الثّلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتّنقية للحال، والغسل للماضي؛ والنّبي معصوم، وإنّما قصد تعليم الأمّة وإظهار العبوديّة.
(ق)؛ أي: متّفق عليه، أي: رواه البخاري ومسلم في «الدعوات» .
(ت)؛ أي: ورواه التّرمذي بتقديم وتأخير.
(ن، هـ)؛ أي: ورواه النّسائي وابن ماجه مختصرا: كلّهم؛
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، وخرّجه الحاكم بزيادة:
٥- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من التردّي)؛ أي: السّقوط من مكان عال كشاهق جبل، أو السّقوط في بئر. والتّردّي: تفعّل، من الرّدى، وهو الهلاك.
(والهدم) - بسكون الدّال؛ أي: سقوط البناء، ووقوعه على الإنسان، وروي بالفتح، وهو: اسم لما انهدم منه، (والغرق) . قال المناوي: - بكسر الرّاء؛ كفرح-: الموت بالغرق، وقيل: بفتح الرّاء، قال العلقمي:
بفتح الرّاء مصدر، وهو الّذي غلبه الماء وقوي عليه فأشرف على
[ ٤ / ٤٠٣ ]
والحرق، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا» . (ن، ك؛ عن أبي اليسر) .
الهلاك؛ ولم يغرق، فإذا غرق فهو غريق.
(والحرق) - بفتح الحاء والرّاء-: الالتهاب بالنّار، وإنّما استعاذ من الهلاك بهذه الأسباب؛ مع ما فيه من نيل الشّهادة!! لأنّها مجهدة مقلقة، لا يكاد الإنسان يصبر عليها، ويثبت عندها، فربّما استزلّه الشّيطان فحمله على ما يخلّ بدينه.
(وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان) التخبّط: الصّرع، والمراد هنا: غلبة الشّيطان، قال القاضي: تخبّط الشّيطان: مجاز عن إضلاله وتسويله. انتهى.
وقال المناوي: أي: يصرعني ويلعب بي ويفسد عليّ ديني.
(عند الموت)، بنزغاته الّتي تزلّ بها الأقدام، وتصرع العقول والأحلام، وقد يستولي على المرء عند فراق الدّنيا فيضلّه، أو يمنعه التّوبة، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة قبله، أو يؤيّسه من الرّحمة، أو يكرّه له الرّحمة فيختم له بسوء والعياذ بالله-! وهذا تعليم للأمّة، فإنّ شيطانه أسلم، ولا تسلّط له؛ ولا لغيره عليه بحال من الأحوال، بل سائر الأنبياء على هذا المنوال.
(وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا) عن الحقّ، أو عن قتال الكفّار حيث حرم الفرار، وهذا وما أشبهه تعليم للأمّة، وإلّا! فرسول الله ﷺ آمن من ذلك كله، ولا يجوز له الفرار مطلقا.
(وأعوذ بك أن أموت لديغا») فعيل: بمعنى مفعول، واللّدغ- بدال مهملة، وغين معجمة- يستعمل في ذوات السّمّ؛ كحيّة وعقرب، وبعين مهملة وذال معجمة- يستعمل في الإحراق بنار كالكيّ، والأول هو المراد هنا.
(ن، ك)؛ أي: أخرجه النّسائي، والحاكم، وكذا أخرجه أبو داود في «الصّلاة» كلّهم؛ (عن أبي اليسر) - بفتح المثنّاة التّحتيّة والسّين المهملة المفتوحة
[ ٤ / ٤٠٤ ]
٦- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك وجميع سخطك» . (م، د، ت؛ عن ابن عمر) .
وراء آخره-، واسمه: كعب بن عمرو الأنصاري السّلمي- بفتحتين- مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرا، وله فيها آثار كثيرة.
وهو الّذي أسر العبّاس يوم بدر، وكان قصيرا دحداحا؛ عظيم البطن.
ومات بالمدينة المنوّرة سنة خمس وخمسين رضي الله تعالى عنه.
٦- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك)؛ أي: ذهابها، مفرد في معنى الجمع، يعمّ النّعم الظّاهرة والباطنة؛ والنّعمة: كلّ ملائم تحمد عاقبته، ومن ثمّ قالوا: لا نعمة لله على كافر، بل ملاذّه استدراج.
والاستعاذة من زوال النّعم تتضمّن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛ لأنّها تزيلها، ألا تسمع قوله:
إذا كنت في نعمة فارعها فإنّ المعاصي تزيل النّعم
وحافظ عليها بشكر الإله فإنّ الإله سريع النّقم
(وتحوّل عافيتك)؛ أي: تبدّلها.
قال العلقمي: فإن قلت: ما الفرق بين الزّوال والتّحول؟! قلت: الزّوال يقال في كلّ شيء كان ثابتا في شيء ثمّ فارقه. والتّحوّل: تغيّر الشّيء وانفصاله عن غيره، فكأنّه سأل دوام العافية، وهي السّلامة من الآلام والآثام.
(وفجاءة) - بالضّمّ والمدّ، و[فجأة] بالفتح والقصر-: بغتة (نقمتك) بكسر فسكون- أي: غضبك، (وجميع سخطك») - بالتحريك- أي: سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها، وهو تعميم بعد تخصيص.
(م، د، ت)؛ أي: أخرجه مسلم، وأبو داود، والتّرمذي: كلّهم؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
٧- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء» . (ت، طب؛ ك؛ عن عمّ زياد بن علاقة [رضي الله تعالى عنه]) .
٨- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي، ومن شرّ بصري، ومن شرّ لساني،
٧- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق)؛ كحقد وبخل، وحسد وعجب، ولؤم وكبر ونحوها.
(والأعمال)؛ أي: منكرات الأعمال، وهي الكبائر؛ كقتل وزنا، وشرب مسكر وسرقة، ونحوها؛ وهو من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأعمال المنكرات والأخلاق المنكرات؛ وذكر ذلك مع عصمته تعليما لأمّته،
(و) منكرات (الأهواء)؛ وهي الزّيغ والانهماك في الشّهوات، جمع هوى، مقصور هوى النّفس، وهو ميلها إلى المستلذّات والمستحسنات عندها، لأنّه يشغل عن الطّاعة، ويؤدّي إلى الأشر والبطر؛ قاله المناوي.
(والأدواء») - جمع داء- كجذام، وبرص، وسلّ، واستسقاء، وذات جنب، ونحوها، فهذه كلّها بوائق الدّهر.
(ت، طب، ك)؛ أي: أخرجه التّرمذي، والطّبراني في «الكبير»، والحاكم، كلّهم؛ (عن عمّ زياد بن علاقة) - بكسر العين المهملة- هو: قطبة بن مالك، قال التّرمذي: حسن غريب.
٨- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي)؛ أن أسمع به ما لا يحلّ سماعه، (ومن شرّ بصري)؛ أن أنظر به إلى محرّم، (ومن شرّ لساني)؛ أي: نطقي، فإنّ أكثر الخطايا منه، وهو الّذي يورد المرء في المهالك.
وخصّ هذه الجوارح!! لما أنّها مناط الشّهوة ومثار اللّذة.
قال ابن رسلان: فيه الاستعاذة من شرور هذه الجوارح الّتي هي مأمور
[ ٤ / ٤٠٦ ]
ومن شرّ قلبي، ومن شرّ منيّي» . (د، ك؛ عن شكل [رضي الله تعالى عنه]) .
٩- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من يوم السّوء،
بحفظها، كما قال وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) [المؤمنون] . فالسّمع أمانة، والبصر أمانة، واللّسان أمانة، وهو مسئول عنها، قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) [الإسراء] فمن لم يحفظها، ويتعدّى فيها الحدود؛ عصى الله تعالى، وخان الأمانة، وظلم نفسه، فكلّ جارحة ذات شهوة لا يستطيع دفع شرّها؛ إلّا بالالتجاء إلى الله تعالى، لكثرة شرّها وآفاتها، وللّسان آفات كثيرة، غالبها الكذب، والغيبة، والمماراة، والمدح، والمزاح.
(ومن شرّ قلبي)؛ يعني: نفسي؛ والنّفس مجمع الشّهوات والمفاسد بحبّ الدّنيا والرّهبة من الخلق، وخوف فوت الرّزق، والأمراض القلبيّة؛ من نحو حسد وحقد، وطلب رفعة، وغير ذلك، ولا يستطيع الآدميّ دفع شرّها إلّا بالإعانة والالتجاء إلى الله ﷾.
(ومن شرّ منيّي»)؛ أي: شهوتي المحرّكة لمنيّي، أي: من شرّ شدّة الغلمة، وسطوة الشّبق إلى الجماع الّذي إذا أفرط ربّما أوقع في الزّنا أو مقدّماته؛ لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من شرّه.
وخصّ هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنّها أصل كلّ شرّ، قاعدته ومنبعه. كما تقرّر؛ قاله المناوي.
(د، ك)؛ أي: أخرجه أبو داود، والحاكم، وكذا أخرجه التّرمذي: كلّهم؛
(عن شكل) - بشين معجمة، وكاف، مفتوحتين- ابن حميد العبسي، له صحبة، ولم يرو عنه إلّا ابنه؛ قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث!. قال شكل: قلت يا رسول الله؛ علّمني تعوّذا أتعوّذ به، فأخذ بكفّي فذكره، قال التّرمذي: حسن غريب.
٩- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من يوم السّوء)؛ أي: اليوم الّذي يقع فيه منّي
[ ٤ / ٤٠٧ ]
ومن ليلة السّوء، ومن ساعة السّوء، ومن صاحب السّوء، ومن جار السّوء في دار المقامة» . (طب؛ عن عقبة بن عامر [رضي الله تعالى عنه]) .
١٠- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ برضاك من سخطك،
سوء وفحش، أو الذي يحصل لي فيه ضرر في بدني أو مالي، أو الّذي يحصل فيه غفلة بعد المعرفة، ولا مانع من إرادة الكلّ.
(ومن ليلة السّوء، ومن ساعة السّوء) كذلك، (ومن صاحب السّوء)؛ أي: أصحاب السّوء؛ لأنّه مفرد مضاف بأن لا يرى منهم إلّا الأذى، وصاحب:
فاعل، وجمعه: صحابة- بفتح الصاد- ولم ينقل جمع فاعل على «فعالة» إلّا هذا، أي: فهو من الجموع الشّاذّة، أو هو اسم جمع.
(ومن جار السّوء) الّذي إذا رأى خيرا كتمه وإذا رأى شرّا أذاعه؛ (في دار المقامة»)، فإنّ الضّرر فيها يدوم بخلاف السّفر. زاد في رواية: «فإنّ جار البادية يتحوّل» . والمقامة- بالضّمّ-: الإقامة، كما في «الصّحاح»؛ قال: وقد تكون بمعنى القيام، لأنّك إذا جعلته من: قام يقوم؛ فمفتوح، أو من: أقام يقيم؛ فمضموم.
وقوله تعالى لا مُقامَ لَكُمْ «١»؛ أي: لا موضع لكم، وقرئ لا مُقامَ لَكُمْ- بالضمّ-، أي: لا إقامة لكم. انتهى؛ ذكره المناوي.
(طب) أي: أخرجه الطّبراني في «الكبير»؛ (عن عقبة بن عامر)؛ قال الحافظ نور الدّين الهيثمي: رجاله ثقات، وأعاده في موضع آخر؛ وقال: رجاله رجال الصّحيح؛ غير بشر بن ثابت، وهو ثقة.
١٠- (اللهمّ، إنّي أعوذ برضاك من سخطك)؛ أي: بما يرضيك عمّا يسخطك، فقد خرج العبد هنا عن حظّ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا لله، ثمّ الّذي لنفسه من هذا الباب قوله:
_________________
(١) قرأ حفص بضم الميم الأولى، وباقي القراء بفتحها.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
(وبمعافاتك من عقوبتك) استعاذ بمعافاته بعد استعاذته برضاه!! لأنّه يحتمل أن يرضى عنه من جهة حقوقه ويعاقبه على حقوق غيره.
(وأعوذ بك منك)؛ أي: برحمتك من عقوبتك، فإنّ ما يستعاذ منه صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه، فهو الّذي سبّب الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكونا، وهو الّذي يعيذ منها ويدفع شرّها خلقا وكونا، فمنه السّبب والمسبّب، وهو الّذي حرّك الأنفس والأبدان، وأعطاها قوى التّأثير، وهو الّذي أوجدها وأعدّها وأمدّها، وهو الّذي يمسكها إذا شاء، ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها، فتأمل ما تحت قوله «أعوذ بك منك» من محضر التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره، وتكميل التوكّل عليه، وإفراده بالاستعانة وغيره!!.
(لا أحصي ثناء عليك) في مقابلة نعمة واحدة من نعمك، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [١٨/ النحل] . والغرض منه الاعتراف بتقصيره عن أداء ما أوجب عليه من حقّ الثّناء عليه تعالى.
(أنت كما أثنيت على نفسك») بقولك فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) [الجاثية] . وغير ذلك مما حمدت به نفسك، وهذا اعتراف بالعجز عن التّفصيل، وأنّه غير مقدور؛ فوكّله إليه سبحانه، وكما أنّه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثّناء عليه، إذ الثّناء تابع للمثنى عليه، فكلّ ثناء أثني عليه به؛ وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر الله أعظم، وسلطانه أعزّ، وصفاته أجلّ؛ ذكره القاضي.
والمعنى: إن أردت أن أثني عليك في مقابلة نعمة لم أطق، فحينئذ أنت موصوف بالثّناء الّذي مثل ثنائك على نفسك.
قال العلماء: ولو حلف «أن يثني عليه تعالى أجلّ الثّناء» برّ بقوله:
«سبحانك؛ لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»؛ لأنّ أحسن الثّناء
[ ٤ / ٤٠٩ ]
(م، ٤؛ عن عائشة) .
١١- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك
وأجلّه ثناء الله تعالى على نفسه.
وأمّا مجامع الحمد وأجلّه فهو قوله: الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فلو حلف «ليحمدن الله بمجامع الحمد أو: بأجلّ التّحاميد» !! فطريقه:
أن يقول ذلك. يقال: إنّ جبريل ﵇ قاله لآدم ﵊، وقال: قد علّمتك «مجامع الحمد» .
ومعنى قوله: يوافي نعمه؛ أي: يلاقيها فتحصل معه، ويكافئ مزيده؛ أي:
يساويه فيقوم بشكر ما زاد من النّعم.
وقد تقدّم الكلام على ذلك في شرح خطبة المصنّف.
(م، ٤)؛ أي: أخرجه مسلم، والأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها قالت:
فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته؛ فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو بالمسجد. وهما منصوبتان، وهو يقول ذلك.
١١- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك)، استعاذته ﷺ من هذه الأمور الّتي عصم منها إنّما هو ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به الأمّة، وليبين لهم صفة الدّعاء؛ والمهم منه.
و«أعوذ»: لفظه لفظ الخبر؛ ومعناه الدّعاء. قالوا: وفي ذلك تحقيق الطّلب؛ كما قيل في «غفر الله» بلفظ الماضي، والباء للإلصاق المعنويّ للتخصيص، كأنّه خصّ الرّبّ بالاستعاذة، وقد جاء في الكتاب والسّنّة «أعوذ بالله»، ولم يسمع: بالله أعوذ؛ لأنّ تقديم المعمول تفنّن وانبساط، والاستعاذة حال خوف وقبض، بخلاف «الحمد لله»، و«لله الحمد»؛ لأنّه حال شكر، وتذكير إحسان ونعم.
[ ٤ / ٤١٠ ]
من شرّ ما عملت؛ ومن شرّ ما لم أعمل» . (م، د، ن، هـ؛ عن عائشة) .
١٢- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الفقر والقلّة والذّلّة، وأعوذ بك من أن أظلم، أو أظلم» . (د، ن، هـ، ك؛
(من شرّ ما عملت)؛ أي: من شرّ ما اكتسبته ممّا يقتضي عقوبة في الدنيا؛ أو نقصا في الآخرة.
(ومن شرّ ما لم أعمل»)؛ أي: بأن تحفظني منه في المستقبل؛ وهذا تعليم للأمّة؛ أو المراد: شرّ عمل غيري، فإنّ عمل الشّر من شخص ينزل وبالا عليه وعلى غيره، فأعوذ بك من شرّ عموم وباله بالنّاس، قال تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٥٢/ الأنفال] . أو المراد: ما ينسب إليّ افتراء؛ ولم أعمله.
وتقديم الميم على اللّام فيهما هو ما في «مسلم» وغيره، وعكسه الواقع لحجة الإسلام في «الإحياء» متعقّب بالردّ، نعم؛ جاء في خبر مرسل.
(م، د، ن، هـ) أي: أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه:
كلهم؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، ولم يخرّجه البخاري!!.
١٢- («اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الفقر والقلّة) - بكسر القاف- أي: قلّة المال التي يخشى منها، وقلّة الصبر على الإقلال، وتسلّط الشيطان عليه بوسوسته؛ بذكر تنعّم الأغنياء وما هم فيه، (والذّلّة، وأعوذ بك من أن أظلم) - بفتح الهمزة وكسر اللام مبنيّا للفاعل- أي: أظلم أحدا من المسلمين والمعاهدين. ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله تعالى. (أو أظلم) - بضم الهمزة وفتح اللام؛ بالبناء للمفعول- أي: يظلمني أحد. وفي الحديث: ندب الاستعاذة من الظّلم والظّلمة، وأراد بهذه الأدعية تعليم أمته.
(د، ن، هـ، ك)؛ أي: أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
[ ٤ / ٤١١ ]
عن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه]) .
١٣- «اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. أنا شهيد أنّك أنت الرّبّ وحدك لا شريك لك. اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. أنا شهيد أنّ محمّد ﷺ عبدك ورسولك.
اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. أنا شهيد أنّ العباد كلّهم إخوة.
اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. اجعلني مخلصا لك وأهلي في كلّ ساعة في الدّنيا والآخرة،
والحاكم؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، وسكت عليه أبو داود، ولم يعترضه المنذري!!.
١٣- («اللهمّ؛ ربّنا) يا ربنا (وربّ كلّ شيء أنا شهيد)؛ أي: شاهد على (أنّك أنت الرّب)؛ أي: الإله الخالق المتفرّد بالإيجاد والإمداد (وحدك)؛ أي: منفردا في ذاتك (لا شريك لك) في صفاتك وأفعالك.
(اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء، أنا شهيد) على (أنّ محمّدا ﷺ عبدك ورسولك) إلى كافّة الخلق.
(اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء، أنا شهيد) على (أنّ العباد)؛ أي: المؤمنين منهم (كلّهم إخوة)؛ أي: متّصفون بصفة واحدة؛ وهي الإيمان، قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [١٠/ الحجرات] .
(اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء، اجعلني مخلصا لك)؛ أي: متّصفا بصفة الإخلاص في أعمالي وعباداتي، بأن أقصد بها التقرّب إليك؛ لا رياء ولا سمعة.
(وأهلي): أتباعي، معطوف على ضمير المتكلم في «اجعلني»، أي:
اجعلني وإيّاهم مخلصين (في كلّ ساعة في) أمور (الدّنيا والآخرة)، بحيث لا توجد ساعة- سواء كانت تلك الساعة في أمر الدنيا أو العقبى- إلا أن تكون في
[ ٤ / ٤١٢ ]
يا ذا الجلال والإكرام» . (ن، حب؛ عن أبي أمامة [رضي الله تعالى عنه]) .
١٤- «اللهمّ؛ أنت ربّي لا إله إلّا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك
صرف طاعة مقرونة بالإخلاص (يا ذا الجلال والإكرام») معنى الجلال- كما دلّ عليه كلام القشيري-: استحقاق أوصاف العلوّ، وهي الأوصاف الثّبوتية والسلبية، وعليه: فالإكرام المقابل له إكرام العباد بالإنعام عليهم، وعلى هذا جرى الغزالي في «المقصد الأسنى»، وفسّر بغير ذلك.
(ن، حب)؛ أي: أخرجه النسائي، وابن حبّان؛ (عن أبي أمامة) الباهليّ: صديّ بن عجلان، وأخرجه أبو داود؛ عن زيد بن أرقم، وفي إسناده داود الطفاوي!! قال يحيى بن معين: ليس بشيء.
١٤- («اللهمّ؛ أنت ربّي)؛ أي: وربّ كلّ شيء، فقد ربّيت الوجود وأهله بالإيجاد ثم بالإمداد، فوجب عليّ وعلى سائر العباد العود إلى ساحتك العليّة بلسان الاعتذار، والقيام في حال الذلّ والانكسار.
(لا إله إلّا أنت)؛ أي: فلا يطلب من غيرك شيء؛ لأنه مقهور لا ينفع نفسه؛ ولا يدفع الضّرّ عنها، وما أحسن قول العارف الكبير أبي الحسن الشاذلي قدس سره: أيست من نفع نفسي لنفسي؛ فكيف لا آيس من نفع غيري لنفسي!! ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي!!.
(خلقتني) شرح لبيان التربية المدلول عليها بقوله: «أنت ربي» (وأنا عبدك)؛ أي؛ مخلوقك ومملوكك- جملة حالية-، وكذا جملة (وأنا على عهدك ووعدك)؛ قيل: عهدك، أي: ما عاهدتني بالإيمان المأخوذ يوم «ألست بربّكم»، أي: أنا مقيم على ما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيّتك. وقيل:
عهدك، أي: على ما عاهدتني، أي: أمرتني به في كتابك وبلسان نبيك من القيام بالتكاليف.
[ ٤ / ٤١٣ ]
ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي؛
(ووعدك)؛ أي: مستنجز وعدك في المثوبة والأجر في العقبى على هذه العهود، وأنا موقن بما وعدت به من البعث والنشور؛ وأحوال القيامة، فالمصدر مضاف لفاعله. وقيل: ما عاهدتك عليه في الأزل من الإقرار بالوحدانية المأخوذ يوم «ألست بربّكم»، ووعدك، أي: ما وعدتك به من الوفاء بذلك، فالمصدر مضاف للمفعول. وسئل الإمام جلال الدين السيوطي عن ذلك؛ فقال: العهد:
ما أخذ عليهم وهم في عالم الذر يوم «ألست بربكم»، والوعد: ما جاء على لسان النبي ﷺ: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة» . انتهى ذكره في «الحاوي» . قيل: ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر، وغير ذلك مما لا يخطر ببال.
(ما استطعت)؛ أي: مدّة دوام استطاعتي، ومعناه: الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقّه تعالى.
(أعوذ بك من شرّ ما صنعت) «ما»: فيه مصدرية؛ أو موصولة، أي: أعوذ بك من صنعي، أو مما لم أستطع على كفّ نفسي عنه، من الأعمال التي تؤدّي بصاحبها إلى الهلاك الأبديّ، والعذاب السرمديّ.
(أبوء) - بهمزة مفتوحة فموحدة مضمومة، وبعد الواو همزة- أي: أقرّ وأعترف (لك بنعمتك) التي أنعمت بها (عليّ، وأبوء بذنبي) معناه الإقرار بالذّنب والاعتراف به أيضا، لكن فيه معنى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول «باء فلان بذنبه»؛ إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه. ولذا عبّر في الرواية الصحيحة التي هي رواية البخاري بقوله: «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي»، بإثبات «لك» مع النّعمة، وبحذفها في ذنبي، وهو أدب حسن.
قال الشيخ ابن حجر في «شرح المشكاة»: وأبوء بذنبي؛ أي: الذنب العظيم الموجب للقطيعة لولا واسع عفوك وهامع فضلك. انتهى.
[ ٤ / ٤١٤ ]
فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت» . (خ؛ عن شدّاد بن أوس) .
وتعقّبه في «المرقاة» بأنه ذهول وغفلة منه، أنّ هذا لفظ النبوّة وهو معصوم عن الزّلة. انتهى. ولك أن تقول: ليس في هذا إثبات وقوع الذنب منه ﷺ حتى ينافي العصمة؛ إنما المقصود أنه لكمال فضله وخضوعه لربّه يرى ذلك، وكلّما كمل الإنسان زاد اتهامه لنفسه.
ومثاله في الشاهد: أن البريء من الذنب المقرّب مثلا، إذا قال للملك «أنا مسيء في حقّك» ونحو ذلك، عدّ منه تواضعا وسببا لترقّيه عند ذلك الملك، وليس فيه إثبات للذنب، والله أعلم.
وقال الطّيبيّ: اعترف أولا بأنه تعالى أنعم عليه، ولم يقيّده!! ليشمل كلّ الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها، وعدّ [ذلك] ذنبا!! مبالغة في التقصير وهضم النفس. انتهى؛ ذكره في «شرح الأذكار» .
(فاغفر لي) ذنوبي، (فإنّه)؛ أي: الشأن (لا يغفر الذّنوب)؛ أي:
جميعها (إلّا أنت») وفائدة الإقرار بالذنب: أنّ الاعتراف يمحو الاقتراف، كما قيل:
فإنّ اعتراف المرء يمحو اقترافه كما أنّ إنكار الذّنوب ذنوب
(خ)؛ أي: أخرجه البخاري في «صحيحه»؛ (عن شدّاد بن أوس) بن ثابت الأنصاريّ الخزرجيّ «ابن أخي حسان بن ثابت» .
كنيته أبو يعلى، قيل: هو يدري!! وغلط قائله. إنما البدري أبوه رضي الله تعالى عنهما. قال عبادة بن الصّامت وأبو الدّرداء: كان شدّاد من أولي العلم والحكمة.
سكن بيت المقدس وأعقب بها، وتوفي سنة ثمان وخمسين، أو: إحدى وأربعين، أو: أربع وستين، وعمره خمس وسبعون سنة، ودفن بها، وقبره بظاهر باب الرّحمة باق إلى الآن.
[ ٤ / ٤١٥ ]
١٥- «اللهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي
روي له خمسون حديثا؛ انفرد مسلم منها بواحد، وهو حديث: «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء » .
وانفرد البخاريّ بهذا الحديث، الذي هو حديث سيّد الاستغفار، أي: سيّد ألفاظه، أي: أفضل أنواع الذكر التي تطلب بها المغفرة، هذا الذكر الجامع لمعاني التوبة كلّها.
قال ابن أبي جمرة: جمع الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحقّ له أن يسمّى «سيّد الاستغفار»، ففيه الإقرار لله وحده بالألوهية، ولنفسه بالعبوديّة، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرّجاء بما وعده به، والاستعاذة من شرّ ما جنى على نفسه، وإضافة النعم إلى موجدها، وإضافة الذّنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنّه لا يقدر على ذلك إلّا هو. وكلّ ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة؛ لأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان عون من الله. انتهى.
والحديث أخرجه عن شدّاد أيضا الإمام أحمد، والنّسائي في «السّنن»؛ و«عمل اليوم والليلة» .
وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائي، وابن ماجه، وابن السّنّي، والطبراني في كتاب «الدعاء»، والبزّار؛ كلّهم من حديث بريدة بن الحصيب، رضي الله تعالى عنه.
١٥- («اللهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي) بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص حظّي. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير محلّه، وهو على مراتب؛ أعلاها الشرك.
والنّفس تذكّر وتؤنّث. واختلف هل النفس هي الروح أم لا؟!
قال ابن الملقّن: الظاهر أنّ المراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح.
[ ٤ / ٤١٦ ]
ظلما كثيرا ولا يغفر الذّنوب إلّا أنت
أي: ظلمتها بوضع المعاصي موضع الطاعات، وجزم به البرماويّ؛ قاله في «شرح الأذكار» .
(ظلما كثيرا) قال النووي: هكذا ضبطناه «ظلما كثيرا» - بالثاء المثلاثة- في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم «كبيرا» - بالباء الموحدة- وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقال: ظلما كثيرا كبيرا. انتهى.
وأكّد بالمصدر؛ ووصفه!! تحقيقا لدفع المجاز.
وفي الحديث دليل على تكذيب مقالة من زعم أنه لا يستحقّ اسم الإيمان إلا من كان لا خطيئة له ولا جرم، وزعموا أنّ أهل الإجرام غير مؤمنين، وأنّ سائر الذّنوب كبائر، وذلك أنّ الصّدّيق أفضل الصّدّيقين من أهل الإيمان؛ وقد أمره الشارع أن يقول «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» !.
وفيه دليل على أنّ الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربّه في كلّ أحواله، وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاية، إذ كان الصّدّيق مع موضعه في الدين؛ لم يسلم مما يحتاج إلى استغفار ربّه منه. انتهى «شرح الأذكار» .
(ولا يغفر): من الغفر؛ وهو الستر (الذّنوب): جمع ذنب؛ وهو: الجرم مثل فلس وفلوس، يقال أذنب يذنب، والذّنب: اسم مصدر، والإذناب:
مصدر؛ لكنه لا يستعمل، والمعنى أنه سأل أن يجعل بينه وبين الذنب ساترا.
(إلّا أنت) فيه إقرار بالوحدانيّة له تعالى، واستجلاب المغفرة، وهذا كقوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [١٣٥/ آل عمران] .
وفي الآية الحثّ على الاستغفار، قيل: كلّ شيء أثنى الله على فاعله؛ فهو أمر به، وكلّ شيء ذمّ فاعله؛ فهو نهي عنه. انتهى «شرح الأذكار» .
[ ٤ / ٤١٧ ]
فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم» .
(فاغفر لي) قال بعضهم: هو أرجح في الاستغفار من قوله أستغفرك؛ لأنه إذا قال ذلك؛ ولم يكن متّصفا به كان كاذبا. وضعّف بأنّ السين فيه للطلب، فكأنه قال: أطلب مغفرتك، وليس المراد الإخبار، بل الإنشاء للطلب، فكأنه قال:
اغفر لي؛ لا سيما وقد ورد في الشرع صيغة «استغفر» أمرا وفعلا، فيتلقى ما جاء عن الشارع بالقبول. انتهى «شرح الأذكار» .
(مغفرة من عندك) معناه: هب لي المغفرة تفضّلا؛ وإن لم أكن أهلا له بعملي، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي أنت.
قال الطّيبيّ: ودلّ التنكير في قوله «مغفرة» على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرى كنهه، ووصفه بكونه «من عنده» سبحانه!! لأن الذي يكون من عنده لا يحيط به وصف، وتبعه الكرمانيّ.
وحاصله: أن طلب مغفرة خاصّة في غاية الجلالة والعظمة ترفعه إلى أعلى ما يليق به من مقامات القرب، ومن حضرة الحقّ، ولذا عقّبه بطلب الرحمة العامة الشاملة لكل ما يلائم النفس، حيث قال:
(وارحمني)؛ أي: رحمة من عندك، وحذف!! اكتفاء بوصف قرينه به (إنّك أنت الغفور الرّحيم») بكسر همزة «إنّ» على الاستئناف البياني المشعر بتعليل ما قبله، ويجوز الفتح. و«أنت» لتأكيد الكاف، ويجوز أن يكون للفصل، والاسمان وصفان للمبالغة، وذكرا!! ختما للكلام على جهة المقابلة لما تقدّم، فالغفور لقوله «اغفر لي» والرحيم لقوله: «ارحمني» .
قال ابن حجر في «شرح المشكاة»: يؤخذ منه أنّ من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى؛ لما فيه من التفاؤل بحصول المطلوب، والتّوسّل بما يوجب تعجيل إجابته وحصول طلبته. انتهى.
[ ٤ / ٤١٨ ]
(ق، حم، ٤؛ عن أبي بكر الصّدّيق) .
١٦- «اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي كلّه، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه»
وفي «الحرز»: هذا الدّعاء من الجوامع، لأنّ فيه الاعتراف بغاية التّقصير، وطلب غاية الإنعام. فالمغفرة: ستر الذّنوب ومحوها، والرّحمة: إيصال الخيرات، ففي الأوّل طلب الزّحزحة عن النّار، وفي الثّاني طلب إدخال الجنّة، وهذا هو الفوز العظيم.
(ق، حم، ٤) يعني أنّ الحديث متّفق عليه، أي: رواه البخاريّ، ومسلم، ورواه الإمام أحمد، والأربعة أصحاب «السنن»: أبو داود، والتّرمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه: كلهم؛
(عن أبي بكر الصّدّيق) عبد الله بن عثمان «أبي قحافة» بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي، القرشيّ التّيميّ؛
الصدّيق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وصهره «١»، ورفيقه في الغار، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، رضي الله تعالى عنه.
يقول الفقير: لكنّي لم أجد الحديث في «أبي داود» !!. والله أعلم.
١٦- («اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي كلّه) توكيد للإحاطة والشمول، أتى به!! لدفع توهّم أنّ المراد به ذنب مخصوص، ولبيان أنّ العموم المفاد من إضافته مراد.
(دقّه) - بكسر الدال المهملة- أي: صغيره، وقدّم!! سلوكا للتّرقي في السؤال، الدالّ على التدريج في ترجّي الإجابة، أو إشارة إلى أنّ الكبائر إنّما تنشأ غالبا عن الصغائر، أو الإصرار عليها وعدم المبالاة بها؛ فهي وسيلة، والوسيلة من حقّها التقدّم.
(وجلّه) - بكسر الجيم- أي: كبيره، (وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه»)
_________________
(١) في استعمالهم على عكس ما نستعمله اليوم. (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٤١٩ ]
(م، د؛ عن أبي هريرة) .
١٧- «اللهمّ؛ إنّي أسألك العفّة والعافية في دنياي وديني، وأهلي ومالي.
(م، د) أي: أخرجه مسلم، وأبو داود في «باب ما يقال في الركوع والسجود»؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه:
١٧- («اللهمّ؛ إنّي أسألك العفّة) - بالكسر-: العفاف عن كلّ حرام ومكروه، ولذّة وشهوة. (والعافية)؛ أي: السلامة من الآفات الدينيّة، والنقائص الحسيّة والمعنويّة، والحادثات الدنيويّة، أي: عدم الابتلاء بها والصبر بقضائها.
ولجمع العافية ذلك، كان الدعاء بها أجمع الأدعية، وكأنّه السبب في قوله ﷺ للعبّاس لما سأله أن يعلّمه دعاء: «يا عمّ؛ سل الله العافية في الدّنيا والآخرة» .
وفي «بهجة المجالس»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها «قلت:
يا رسول الله؛ ما العافية؟ قال: «العافية في الدّنيا: القوت، وصحّة الجسم، وستر العورة، والتّوفيق للطّاعة، وأمّا في الآخرة: فالمغفرة، والنّجاة من النّار، والفوز بالجنّة» .
قال الإمام النّوويّ في «شرح مسلم»: العافية من الألفاظ العامّة المتناولة لدفع جميع المكروهات؛ في البدن والباطن، في الدنيا والآخرة. انتهى.
ولذا استعملها في قوله: (في دنياي)، إذ هو متعلّق بها وحدها، وما بعده معطوف عليه؛ فيكون كذلك. والعافية في الدنيا: سلامته من النّكبات المكدّرة، والمعيشة المنغّصة.
(و) في (ديني) بدوام التّرقّي في كمالات الدّين، والسّلامة من نقص يهوي بالعبد إلى دركاته. (وأهلي ومالي) بأن لا يرى فيهما ما يسيء.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
اللهمّ؛ استر عورتي وأمّن روعتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي؛ وأعوذ بك أن أغتال من تحتي»
ولا يخفى أنّ الأنبياء دعوا الله بالعافية، ولا شكّ أنّ دعوتهم مجابة!! ومع هذا أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثال.. فالأمثل،
فيتعيّن أن تقيّد الأسقام بسيّئها؛ كالبرص، والجنون، والجذام مما تنفر عنه طباع العوامّ. ولذا ورد التعوّذ من سيّىء الأسقام،
وكذا يقيّد في الأمور الدينيّة أو الدنيويّة بالشاغلة عن الأحوال الآخرويّة.
وفي «لطائف المنن» لابن عطاء الله السّكندري: أنّ بعض الناس دخل على الشّيخ أبي العبّاس المرسي وهو مريض؛ فقال له: عافاك الله، فسكت عنه، ثمّ قال ذلك ثانيا وثالثا، فقال له: يا هذا، وأنا سألت الله العافية قبلك، وما أنا فيه هو العافية، لأنّ العافية على ما يعلم الله. انتهى «شرح الأذكار» .
(اللهمّ؛ استر عورتي): عيوبي وخللي وتقصيري.
قال الشيخ أبو الغيث بن جميل: عورة كلّ مخلوق شهوة نفسه، وخير الملابس عندنا: ما ستر العورة، ولا يسترها سوى الموت عن كلّ مباح ومحظور بحكم الضرورة، والله بكل شيء عليم خبير، وخير ملابس التقوى: ما يستر العورة، وشر ملابس التقوى: ما أشهر العورة. انتهى.
والمعنى: استر عورتي التي يسؤني كشفها، (وأمّن) - بتشديد الميم- (روعتي) - بفتح الراء- أي: فزعتي التي تخيفني؛ أي: ارفع عنّي كلّ خوف يقلقني ويزعجني.
(واحفظني) أي: ادفع عنّي البلاء من جهاتي الستّ التي تضمّنها قوله: (من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال) - بضم الهمزة مبنيّا للمفعول- أي: أوخذ غيلة (من تحتي») أي: أدهى
[ ٤ / ٤٢١ ]
(البزّار؛ عن ابن عبّاس) .
من تحتي بالخسف أو غيره.
واستوعب الجهات الستّ بحذافيرها لأنّ ما يلحق الإنسان من نحو نكبة وفتنة إنّما يصله من أحدها، وبالغ في جهة السفل لرداءة آفتها.
(البزّار) في «مسنده» (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما. قال الحافظ الهيثمي: فيه يونس بن حبّان، وهو ضعيف. انتهى.
قال المناوي: وظاهر صنيع المصنّف «١» أنّه لا يوجد في أحد دواوين السنّة، وإلّا! لما عدل عنه، وهو تقصير أو قصور، فقد خرّجه أبو داود، وابن ماجه وكذا الحاكم وصححه من حديث ابن عمر قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي؛ وحين يصبح» . انتهى. فاقتصار المصنّف «١» على البزّار خلاف اللائق. انتهى كلام المناوي.
ومثله يقال في حقّ المصنّف «٢» التابع ل «الجامع الصغير» . وقد ذكره النوويّ في «الأذكار» بمخالفة يسيرة في اللّفظ، وقال: رواه أبو داود، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن ابن عمر ﵄. قال شارحه ابن علّان: ورواه الحاكم أيضا في «المستدرك»؛ وقال: صحيح الإسناد، وابن حبان في «صحيحه» .
وقال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من حديث عبادة بن مسلم، ولا عنه؛ إلّا بهذا السند!!، أي: جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم: أنّه كان جالسا عند ابن عمر؛ فقال: سمعت النّبيّ ﷺ الخ.
قال: وأخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن عبادة المذكور.
قال: ووجدت له شاهدا من حديث ابن عباس؛ أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد»، وفي سنده راو ضعيف. انتهى.
_________________
(١) أي السيوطي في «الجامع الصغير» .
(٢) أي النبهاني في «وسائل الوصول» .
[ ٤ / ٤٢٢ ]
١٨- «اللهمّ؛ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمّد ﷺ.. نعوذ بك من النّار» . (طب، ك؛ عن والد أبي المليح [﵀]) .
وقد ذكره أيضا الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»؛ عن ابن عمر مع زيادة ومخالفة يسيرة؛ وقال: أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصحّحه الحاكم. انتهى.
١٨- («اللهمّ؛ ربّ) أي: يا ربّ (جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمّد ﷺ؛ نعوذ)؛ أي: نعتصم (بك من النّار»)؛ أي: من عذابها.
وخصّ الأملاك الثلاثة!! لأنّها أشرف الملائكة، وأنّها الموكّلة بالحياة، وعليها مدار نظام هذا الوجود؛ فجبريل موكّل بالوحي؛ الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقطر والنبات؛ الذي هو حياة الأرض والحيوان، وإسرافيل بالنّفخ في الصور؛ الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى الأشباح، فالتوسّل إليه سبحانه بربوبيّة هذه الأرواح الموكّلة بالحياة له تأثير كبير في حصول المطلوب.
وجبريل أفضل الملائكة مطلقا- على المعتمد-. وقيل: إسرافيل أفضل منه.
والمعتمد: أنّه بعده، ثمّ بعد إسرافيل ميكائيل، ثمّ ملك الموت.
(طب، ك)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»، والحاكم في (المناقب)، وكذا ابن السّنّيّ في «عمل اليوم والليلة»؛
(عن والد أبي المليح) - بفتح الميم مكبرا- واسم أبي المليح:
عامر بن أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر، الهذليّ، البصريّ.
وهو تابعيّ من أوساط التابعين، مات سنة: ثمان وتسعين، وقيل: ثمان ومائة، وقيل بعد ذلك، خرّج عنه أصحاب «السنن الأربعة»، ووالده صحابيّ تفرّد عنه ولده.
وروى له أصحاب «السنن الأربعة»؛ قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتي الفجر؛ فسمعته يقول: «اللهمّ » إلى آخره ثلاثا، أي: فيتأكّد قول ذلك بعد
[ ٤ / ٤٢٣ ]
١٩- «اللهمّ؛ إنّك لست بإله استحدثناه، ولا بربّ ابتدعناه، ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك؛ تباركت وتعاليت» . (طب؛ عن صهيب [رضي الله تعالى عنه]) .
٢٠- «اللهمّ؛ إنّك تسمع كلامي، وترى مكاني،
سنّة الصبح وقبل الفرض، وإن كان يطلب قول ذلك في أيّ وقت كان، لكنّ ذاك آكد. قال الحفني: قال الحافظ الهيثميّ: وفيه من لم أعرفه. انتهى. ذكره المناوي.
١٩- («اللهمّ؛ إنّك لست بإله استحدثناه) أي: طلبنا حدوثه، أي: تجدّده بعد أن لم يكن، (ولا بربّ ابتدعناه) أي: اخترعناه على غير مثال سبق، فهو أخصّ مما قبله؛ لأن الحدوث: التجدد؛ سواء كان على مثال سابق أو لا.
(ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك) أي: نتركك، (ولا أعانك على خلقنا): إيجادنا من العدم (أحد) غيرك (فنشركه فيك) أي: في عبادتك والالتجاء إليك، فإنّك المنفرد بالخلق والإيجاد والتقدير.
ولما نزّهه ﷺ عن صفات النّقص تعالى ناسب أن يذكر صفات الكمال؛ فقال:
(تباركت) أي: تقدّست (وتعاليت»): تنزّهت. قال المناوي: وكان نبيّ الله داود يدعو به.
(طب) أي: أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير»؛ (عن صهيب) - بالتصغير-.
قال الحافظ الهيثمي: وفيه عمرو بن الحصين العقيلي؛ وهو متروك. وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. انتهى.
٢٠- («اللهمّ؛ إنّك تسمع) بغير جارحة (كلامي) أي: لا يعزب عنك مسموع؛ وإن خفي، (وترى مكاني) إن كنت في ملاء أو خلاء.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
وتعلم سرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، وأنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضّرير؛
(وتعلم سرّي): ما أخفي (وعلانيتي): ما أظهر؛ (لا يخفى عليك شيء من أمري) . تأكيد لما قبله لدفع توهّم المجاز والتخصيص.
قال الحرّاني: الإخفاء: تغييب الشيء، وألايجعل عليه علم يهتدى إليه من جهته، والغرض من ذلك الإجابة والقبول.
(وأنا البائس) الذي اشتدّت ضرورته، (الفقير) أي: المحتاج إليك في سائر أحواله وجميع أموره؛ فهو أعمّ من البائس. (المستغيث): المستعين المستنصر بك، فاكشف كربتي وأزل شدّتي: يقال: أغاثه الله إذا أعانه، واستغاث به فأغاثه، وأغاثهم الله كشف شدّتهم.
(المستجير) - بالجيم-: الطالب منك الأمان من عذابك، (الوجل):
الخائف، (المشفق): الكثير الخوف، فهو أخصّ من الوجل، (المقرّ المعترف بذنبه) عطف تفسير.
(أسألك مسألة المسكين) - بكسر الميم وفتحها لغة قليلة- أي: الخاضع الضعيف. سمّي مسكينا!! لسكونه إلى الناس.
(وأبتهل إليك ابتهال المذنب) أي: أتضرّع إليك تضرّع من أخجلته مقارفة الذنوب. (الذّليل): المستهان به، (وأدعوك دعاء الخائف الضّرير) المضطر.
بيّن بهذا أنّ العبد؛ وإن علت منزلته فهو دائم الاضطرار، لأن الاضطرار تعطيه حقيقة العبد؛ إذ هو ممكن؛ وكل ممكن مضطر إلى ممدّ يمدّه.
وكما أنّ الحقّ هو الغنيّ أيضا، فالعبد مضطر إليه أبدا، ولا يزايله هذا
[ ٤ / ٤٢٥ ]
من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذلّ لك جسمه، ورغم لك أنفه.
الاضطرار، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى لو دخل الجنّة فهو محتاج إليه فيها، غير أنّه غمس اضطراره في المنّة التي أفرغت عليه ملابسها، وهذا هو حكم الحقائق: ألايختلف حكمها؛ لا في الغيب ولا في الشهادة، ولا في الدنيا ولا في الآخرة.
ومن اتّسعت أنواره لم يتوقّف اضطراره.
وقد عيّب الله قوما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار، فلمّا زالت زال اضطرارهم. ولمّا لم تقبل عقول العامة إلى ما تعطيه حقيقة وجودهم؛ سلّط الله عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار؛ ليعرفوا قهر ربوبيّته، وعظمة إلهيّته.
(من خضعت) أصل الخضوع التطامن والميل، والمراد هنا: الذّلّة؛ أي:
من ذلّت (لك) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك. (رقبته)؛ أي:
ذاته، وكذا الكلام في ذلك فيما يأتي للتعليل على تقدير الخوف منك.
(وفاضت): سالت (لك) أي: لأجل الخوف منك (عبرته) - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة-: البكاء؛ أي: سالت من شدّة بكائه لأجل الخوف منك دموعه. وفي «القاموس»: العبرة- بالفتح-: الدمعة قبل أن تفيض، وتردّد البكاء في الصدر.
(وذلّ) أي: انقاد (لك) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك (جسمه) أي: جميع أركانه الظاهرة والباطنة.
(ورغم لك أنفه)؛ أي: التصق أنفه بالرغام؛ أي: التراب، والمراد لازم ذلك؛ وهو الخضوع، ورغم- بفتح الغين- قال في «المختار»: ورغم فلان- من باب قطع- رغما- بالحركات الثلاث في راء المصدر- إذا لم يقدر على الانتصاف.
انتهى.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
اللهمّ؛ لا تجعلني بدعائك شقيّا، وكن بي رؤوفا رحيما؛ يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين» . (طب؛ عن ابن عبّاس) .
٢١- «اللهمّ؛ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، يا أرحم الرّاحمين. إلى من تكلني؟ إلى عدوّ يتجهّمني؟!
(«اللهمّ؛ لا تجعلني بدعائك شقيّا)؛ أي: خائبا متعبا نفسه بسبب عدم الإجابة، (وكن بي رؤوفا رحيما)؛ أي: عطوفا شفوقا.
(يا خير المسؤولين) في معنى التعليل لما قبله، ومثله قوله: (ويا خير المعطين»)؛ أي: يا خير من طلب منه، ويا خير من أعطى.
(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما قال: كان فيما دعا به رسول الله ﷺ في حجّة الوداع عشيّة عرفة:
«اللهمّ» إلى آخر ما ذكر.
قال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ. وقال الحافظ العراقيّ: سنده ضعيف، وبيّنه تلميذه الحافظ الهيثميّ؛ فقال: فيه يحيى بن صالح الآملي، قال العقيلي: له مناكير. وبقيّة رجاله رجال الصحيح. انتهى «مناوي» .
٢١- («اللهمّ؛ إليك أشكو ضعف قوّتي) قدّم «إليك» !! ليفيد الاختصاص، أي: أشكو إليك؛ لا إلى غيرك، فإنّ الشكوى إلى الغير لا تجدي، والشكوى إليه تعالى لا تنافي الصبر.
(وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس)؛ أي: احتقارهم إيّاي واستهانتهم بي، (يا أرحم الرّاحمين)؛ يا موصوفا بكمال الإحسان؛
(إلى من تكلني): تفوّض أمري؟! (إلى عدوّ) من كفّار قريش أو غيرهم (يتجهّمني) - بالتحتيّة والفوقيّة، المفتوحتين، فالجيم فالهاء المفتوحتين،
[ ٤ / ٤٢٧ ]
أم إلى قريب ملّكته أمري؟!
إن لم تكن ساخطا عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الّذي أضاءت له السّماوات والأرض، وأشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة.. أن تحلّ عليّ غضبك، أو تنزل عليّ سخطك،
وتشديد الهاء- أي: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.
(أم إلى قريب ملّكته أمري!!) أي: جعلته متسلّطا على إيذائي؛ ولا أستطيع دفعه. (إن لم تكن ساخطا عليّ) - في رواية: «إن لم يكن بك سخط عليّ» - (فلا أبالي) بما يصنع بي أعدائي وأقاربي من الإيذاء؛ طلبا لمرضاتك.
(غير أنّ عافيتك): التي هي السلامة من البلايا والمحن والمصائب (أوسع لي) . فيه: أنّ الدّعاء بالعافية مطلوب محبوب، وقد تقدّم!.
(أعوذ بنور وجهك)؛ أي: ذاتك (الكريم)؛ أي: الشّريف (الّذي أضاءت له السّماوات والأرض) !! جمع السموات وأفرد الأرض؛ لأنّها طبقات متفاصلة بالذات؛ مختلفة بالحقيقة.
(وأشرقت له الظّلمات) . قال المناوي: ببناء «أشرقت» للمفعول من أشرقت بالضوء تشرق: إذا امتلأت به واغتصّت، وأشرقها الله، كما تقول: ملأ الأرض عدلا وطبّقها عدلا؛ ذكره كلّه الزّمخشريّ.
قال في «الحكم العطائيّة»: الكون كلّه ظلمة، وإنّما أناره ظهور الحقّ فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده؛ فيه، أو قبله، أو عنده، أو بعده؛ فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار.
(وصلح) - بفتح اللّام وتضمّ- أي: استقام وانتظم (عليه أمر الدّنيا والآخرة، أن تحلّ عليّ غضبك)؛ أي: تنزله بي أو توجبه عليّ، (أو تنزل عليّ سخطك)؛ أي: غضبك، فهو من عطف المرادف.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
ولك العتبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» . (طب؛ عن عبد الله بن جعفر) .
(ولك العتبى) - بضم المهملة آخره ألف مقصورة- أي: أسترضيك (حتّى ترضى)، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني.
(ولا حول ولا قوّة إلّا بك»)؛ أي: لا تحوّل عن فعل المعاصي، ولا قوّة على فعل الطاعات إلّا بتوفيقك.
واستعاذ بهذا بعد الاستعاذة بذاته تعالى!! إشارة إلى أنّه لا يوجد في الكون حركة ولا سكون؛ في خير أو شر؛ إلّا بأمر الله ومشيئته. إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] .
وهذا يسمّى «دعاء الطائف»، وذلك لأنّ المصطفى ﷺ لمّا مات عمّه أبو طالب اشتدّ أذى قومه له؛ فخرج إلى الطائف، رجاء أن يؤوه وينصروه، فاذوه أشدّ من قومه، ورماه سفهاؤهم بالحجارة حتى دميت قدماه، وزيد مولاه يقيه بنفسه، حتى انصرف راجعا إلى مكة محزونا؛ فدعا بهذا، فعند ذلك أرسل إليه ربّه ملك الجبال، فسأله أن يطبق على قومه الأخشبين، فقال: «بل أستأني؛ لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده» .
(طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»؛ (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب، أبي جعفر القرشيّ الهاشميّ؛
الصحابيّ ابن الصحابيّ ابن الصحابيّة، والجواد بن الجواد.
أمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة، وكان أبوه جعفر هاجر بأمّه إلى أرض الحبشة؛ فولدت عبد الله هناك، وهو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة باتّفاق العلماء. وقدم مع أبيه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة، وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق، وأخو يحيى بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، أمّهم أسماء بنت عميس، تزوّجها جعفر، ثم أبو بكر، ثم عليّ.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
٢٢- «اللهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم، [وأعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم] .
اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيّك، وأعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك ونبيّك.
اللهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة وما قرّب إليها من
وكان عبد الله بن جعفر كريما، جوادا، حليما، وكان يسمّى «بحر الجود»، قيل: لم يكن في الإسلام أسخى منه. وأخبار أحواله في السخاء والجود والحلم مشهورة لا تحصى.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا؛ اتّفق البخاريّ ومسلم منها على حديثين، روى عنه بنوه الثلاثة: إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية.
وروى عنه القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، والشّعبيّ وغيرهم، وتوفي رسول الله ﷺ وعمره عشر سنين، وكانت وفاة عبد الله بن جعفر بالمدينة سنة:
ثمانين من الهجرة؛ وهو ابن ثمانين سنة. هذا هو الصحيح وقول الجمهور رضي الله تعالى عنه؛ ذكره النوويّ ﵀. آمين.
٢٢- («اللهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه)؛ بالجر على أنّه تأكيد للخير، و«من» للبيان؛ أي: أسألك مسؤولا هو الخير كلّه (عاجله وآجله، ما علمت منه؛ وما لم أعلم) منه. [وأعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم] .
(اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيّك، وأعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك ونبيّك) - يعني نفسه-.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة وما قرّب) - بتشديد الراء- أي: قربني (إليها من
[ ٤ / ٤٣٠ ]
قول أو عمل، وأعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا» . (هـ؛ عن عائشة) .
٢٣- «اللهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر الطّيّب، المبارك الأحبّ إليك، الّذي إذا دعيت به.. أجبت، وإذا سئلت به.. أعطيت، قول أو عمل) بيان للموصول أي: سواء كان بالجوارح؛ أو بالقلب ف «أو» للتنويع.
(وأعوذ بك من النّار؛ وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا») بأن ترضّيني به وتصبّرني عليه. وهذا من جوامع الكلم وأحبّ الدعاء إلى الله، وأعجله إجابة، والقصد به طلب دوام شهود القلب: أنّ كلّ واقع فهو خير. وينشأ عن ذلك الرّضا، ومن جعل الرضا غنيمته في كلّ كائن من أوقاته- وافق النفس؛ أو خالفها- لم يزل غانما بما هو فيه راض بما أوقع الله له، وأقام من حكمته.
(هـ)؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «عليك يا عائشة؛ بالجوامع الكوامل قولي: اللهمّ» إلى آخره.
ورواه عنها أيضا البخاريّ في «الأدب»، والإمام أحمد في «مسنده»، وابن حبّان، والحاكم وصحّحه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
٢٣- («اللهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر) المنزّه عن كلّ نقص، (الطيّب) النفيس، (المبارك) الزائد خيره، العميم فضله، (الأحبّ إليك) من سائر الأسماء لقربه من الإجابة. وإن كانت أسماؤه تعالى كلّها طاهرة طيّبة محبوبة.
وهذا الحديث ترجم له بعض المحدّثين ب «باب: اسم الله الأعظم» (الّذي إذا دعيت به أجبت) الداعي إلى ما سأله، (وإذا سئلت به أعطيت) السائل سؤله،
[ ٤ / ٤٣١ ]
وإذا استرحمت به.. رحمت، وإذا استفرجت به.. فرّجت» .
(هـ؛ عن عائشة) .
٢٤- «اللهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول وخيرا ممّا نقول، اللهمّ؛ لك صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، وإليك مابي، ولك ربّ تراثي.
(وإذا استرحمت به)؛ أي: طلب أحد منك أن ترحمه وأقسم عليك به (رحمت)؛ أي: رحمته، (وإذا استفرجت به)؛ أي: طلب منك الفرج (فرّجت) عمّن استفرج به، ولم تردّه خائبا. وهذا خرج جوابا لسائل سأله أن يعلّمه دعاء جامعا يدعو به.
(هـ)؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، وبوّب عليه (باب اسم الله الأعظم) .
٢٤- («اللهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول) - بالنّون- أي: كالذي نحمدك به من المحامد، (وخيرا ممّا نقول) - بالنّون- أي: ممّا حمدت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وذلك لأنّه تعالى متّصف بصفات كمال لا يحيط بها ما نحمده به.
(اللهمّ لك)؛ لا لغيرك (صلاتي ونسكي) - بضمتين-: عبادتي، فهو عطف عام، أو المراد ذبائحي في الحج والعمرة، فهو عطف مغاير.
(ومحياي)؛ أي: حياتي، أي: لك لا لغيرك الأعمال الواقعة في حياتي.
(ومماتي): موتي، أو المراد: لك، أي: منك إحيائي وإماتتي، أي:
بقدرتك، أي: هما طوع إرادتك وقدرتك. والجمهور على فتح ياء «محياي»؛ وسكون ياء «مماتي»، ويجوز الفتح والسكون فيهما.
(وإليك مابي)؛ أي: منقلبي ومرجعي، (ولك ربّ تراثي) بمثنّاة ومثلاثة،
[ ٤ / ٤٣٢ ]
اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصّدر، وشتات الأمر.
اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجيء به الرّياح، وأعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح» . (ت، هب؛ عن عليّ) .
أي: إرثي: وهو ما يخلفه الإنسان لورثته، أي: إرثي ومالي كلّه لك، إذ ليس لأحد معك ملك.
وفي شروح «الجامع الصغير»: أي: مورثي لك لا لغيرك، لأنّه ﷺ كبقيّة الأنبياء لا يورث، فهو صدقة لله تعالى. وفي الخبر: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة» . وقد تقدّم الكلام عليه.
(اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر) . استعاذ منه!! لأنّه أوّل منزل من منازل الآخرة، فسأل الله تعالى ألايتلقّاه في أوّل قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربّه.
(ووسوسة الصّدر)؛ أي: حديث النفس بما لا ينبغي، وأضافها للصدر!! لأن الوسوسة في القلوب التي في الصدور. (وشتات) - بفتح الشين المعجمة- (الأمر)، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدّين؛ بالاشتغال بأمور الدّنيا، لأنّ ذلك يتعب القلب.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجيء به الرّياح، وأعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح») سأل الله خير المجموعة!! لأنّها للرّحمة، وتعوّذ به من شرّ المفردة!! لأنّها للعذاب، على ما جاء به الأسلوب في كلام علّام الغيوب؛ وهذا أغلبيّ، والمستعاذ منه؟! قيل: العذاب. وقيل: إنّ ذلك كناية عن سوء القضاء والقدر.
(ت، هب)؛ أي: أخرجه التّرمذي، والبيهقي في «شعب الإيمان»؛
(عن عليّ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال: كان أكثر ما دعا به
[ ٤ / ٤٣٣ ]
٢٥- «اللهمّ.. إنّي أسألك الثّبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرّشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك لسانا صادقا، وقلبا سليما، وأعوذ بك من شرّ ما تعلم،
رسول الله ﷺ عشيّة عرفة في الموقف: «اللهمّ..» إلى آخره. قال الترمذي:
غريب، وليس إسناده بالقويّ. وأخرجه ابن خزيمة؛ وقال: خرّجته؛ وإن لم يكن ثابتا من جهة النقل!! لأنّه من الأمر المباح.
٢٥- («اللهمّ؛ إنّي أسألك الثّبات في الأمر)؛ أي: الدوام على الدين والاستقامة، بدليل خبر: أنّ المصطفى ﷺ كان كثيرا ما يقول «ثبّت قلبي على دينك» .
أراد الثبات عند الاحتضار؛ أو السؤال، بدليل خبر: أنّه كان يقول إذا دفن الميّت قال: «سلوا له التّثبيت، فإنّه الآن يسأل» . ولا مانع من إرادة الكلّ، ولهذا قال الوليّ: الثبات: التمكّن في الموضع الذي شأنه الاستزلال.
(وأسألك عزيمة الرّشد)؛ أي: حسن التصرف في أمر الدين والإقامة عليه.
(وأسألك شكر نعمتك)؛ أي: التّوفيق لشكر إنعامك، (وحسن عبادتك):
إيقاعها على الوجه الحسن المرضيّ شرعا، وذلك باستيفاء شروطها وأركانها ومستحبّاتها.
(وأسألك لسانا صادقا)؛ أي: محفوظا من الكذب؛ لأنّ تعوّد اللسان للكذب سبب في الهلاك. (وقلبا سليما)؛ أي: خاليا من الحقد والحسد والكبر، ومن العقائد الفاسدة، والميل إلى اللّذّات والشّهوات العاجلة، ويتبع ذلك الأعمال الصالحة؛ إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها في الجوارح، كما أنّ صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاح والتركيب، ومرضه عبارة عن زوال أحدها.
(وأعوذ بك من شرّ ما تعلم)؛ أي: ما تعلمه أنت؛ ولا أعلمه أنا.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك ممّا تعلم، إنّك أنت علّام الغيوب» . (ت، ن؛ عن شدّاد ابن أوس) .
٢٦- «اللهمّ؛ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت.
اللهمّ؛ إنّي أعوذ بعزّتك لا إله إلّا أنت أن
(وأسألك من خير ما تعلم) وهذا سؤال جامع للاستعاذة من كلّ شرّ، وطلب كلّ خير.
وختم هذا الدعاء- الذي هو من جوامع الكلم- بالاستغفار الذي عليه المعوّل والمدار فقال:
(وأستغفرك ممّا تعلم)؛ أي: أطلب منك أن تغفر لي ما علمته منّي من تقصير؛ وإن لم أحط به علما. (إنّك أنت علّام الغيوب»)؛ أي: الأشياء الخفيّة، أي: عالم بواطن الأمور كما تعلم ظواهرها.
(ت، ن)؛ أي: أخرجه الترمذيّ، والنسائي؛ (عن شدّاد بن أوس) رضي الله تعالى عنه، ورواه عنه أيضا الحاكم وصحّحه، وقال الحافظ العراقيّ: قلت:
بل هو منقطع، وهو ضعيف.
٢٦- («اللهمّ؛ لك أسلمت)؛ أي: لك؛ لا لغيرك انقدت.
(وبك آمنت)؛ أي: بك لا بغيرك صدّقت.
قال النوويّ: فيه إشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان.
(وعليك توكّلت)؛ أي: عليك لا على غيرك اعتمدت في تفويض أموري.
(وإليك أنبت)؛ أي: رجعت وأقبلت بهمّتي.
(وبك خاصمت)؛ أي: بك أحتجّ وأدفع من يريد مخاصمتي.
(اللهمّ؛ إنّي أعوذ بعزّتك)؛ أي: بقوّة سلطانك، (لا إله إلّا أنت أن
[ ٤ / ٤٣٥ ]
تضلّني، أنت الحيّ القيّوم الّذي لا يموت، والجنّ والإنس يموتون» . (م؛ عن ابن عبّاس) .
٢٧- «اللهمّ؛ عافني في بدني.
اللهمّ؛ عافني في سمعي.
اللهمّ؛ عافني في بصري.
اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر.
تضلّني)؛ أي: أعتصم بك من أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد، (أنت الحيّ القيّوم)؛ أي: الدائم القائم بتدبير الخلق، (الّذي لا يموت)؛ بلفظ الغائب للأكثر وفي بعض الروايات [تموت] بلفظ الخطاب؛ أي: الحيّ الحياة الحقيقيّة التي لا يجامعها الموت بحال. (والجنّ والإنس يموتون») عند انقضاء آجالهم.
(م)؛ أي: أخرجه مسلم؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما.
قال المناوي: وقضيّة كلام المصنّف: أنّ هذا من مفردات مسلم عن صاحبه!! وليس كذلك، فقد رواه البخاريّ في «التوحيد»؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. انتهى.
٢٧- («اللهمّ؛ عافني في بدني) من الأسقام والآلام.
(اللهمّ؛ عافني في سمعي)؛ أي: القوّة المودعة في الجارحة.
(اللهمّ؛ عافني في بصري) . خصّهما بالذكر بعد ذكر البدن!! لأنّ العين هي التي تنظر آيات الله المنبثة في الآفاق، والسمع يعي الآيات المنزلة، فهما جامعان لدرك الآيات؛ العقلية والنقلية. وإليه سرّ قوله في حديث آخر: «اللهمّ متّعنا بأسماعنا وأبصارنا» .
(اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر) ذكره بعد الكفر!! «إشارة» إلى أنّه قد يترتّب عليه.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا أنت» . (د، ك؛ عن أبي بكرة) .
٢٨- «اللهمّ؛ اجعلني من الّذين إذا أحسنوا.. استبشروا،
(اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا أنت») فلا يستعاذ من جميع المخاوف والشدائد إلّا بك أنت. والقصد باستعاذته من الكفر- مع استحالته من المعصوم- أن يقتدى به في أصل الدعاء.
(د، ك)؛ أي: أخرجه أبو داود، والحاكم؛ (عن أبي بكرة): نفيع بن الحارث بن كلدة- بكاف ولام مفتوحتين- الثقفيّ البصريّ.
وأمّه سميّة أمة للحارث بن كلدة، وهي أيضا أمّ زياد بن أبيه.
وإنّما كنّي «أبا بكرة» ! لأنّه تدلّى من حصن الطائف إلى النبيّ ﷺ، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلّا هكذا.
ثمّ بعد رسول الله ﷺ انتقل إلى البصرة، وكان من أعيان البصرة، ومن الفضلاء الصالحين، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفي.
وكان أولاده أشرافا بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات.
وتوفي بالبصرة سنة: إحدى وخمسين، أو: اثنتين وخمسين هجرية؛ رضي الله تعالى عنه.
ورواه عنه أيضا النسائي في «عمل اليوم والليلة» وقال- أعني النسائي-: فيه جعفر بن ميمون: ليس بقوي.
٢٨- («اللهمّ؛ اجعلني من الّذين إذا أحسنوا استبشروا)؛ أي: إذا أتوا بعمل حسن قرنوه بالإخلاص؛ فيترتب عليه الجزاء، فيستحقون عليه الجنّة؛ فيستبشرون بها، كما قال تعالى وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) [فصلت] . فهو كناية تلويحيّة؛ قاله المناوي.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
وإذا أساؤوا.. استغفروا» . (هـ، هب؛ عن عائشة) .
٢٩- «اللهمّ؛ ارزقني حبّك، وحبّ من ينفعني حبّه عندك.
اللهمّ؛ ما رزقتني ممّا أحبّ
(وإذا أساؤا)؛ أي: فعلوا سيّئة (استغفروا)؛ أي: طلبوا من الله تعالى مغفرة ما فرط منهم. ومن ثمّ قال بعضهم: خير الذنوب ذنب أعقب توبة. وشرّ الطاعات طاعة أورثت عجبا.
معصية أورثت افتقارا خير من الطّاعة واستكبارا
والمصطفى ﷺ معصوم عن الإساءة! وإنّما هذا تعليم للأمّة؛ أرشدهم إلى أن يأتي الواحد منهم بهذا الدعاء الذي هو عبارة عن ألايبتليه بالاستدراج ويرى عمله حسنا فيهلك. أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٨/ فاطر] .
وقوله «من الذين» أبلغ من أن يقول: «اجعلني أستبشر إذا أحسنت، وأستغفر إذا أسأت» . كما تقول «فلان من العلماء»، فيكون أبلغ من قولك «فلان عالم»؛ لأنّك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم ومعرفة مساهمته لهم في العلم؛ ذكره الزّمخشريّ.
(هـ، هب)؛ أي: أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وفيه عليّ بن زيد بن جدعان!! مختلف فيه.
٢٩- («اللهمّ؛ ارزقني حبّك) بأن لا أشتغل بشيء غير طاعتك ومراقبتك.
ولما كانت محبّة المقرّبين وسيلة إلى حبّ الله تعالى، وأن محبّتهم لا تنافي محبّة الله تعالى أشار إلى طلب التعلّق بذلك بقوله: (وحبّ من ينفعني حبّه عندك)؛ كالملائكة، والأنبياء، والأصفياء؛ لأنّه لا سعادة للقلب ولا لذّة ولا نعيم؛ إلّا بأن يكون الله أحبّ إليه ممّا سواه.
(اللهمّ؛ ما رزقتني ممّا أحبّ) من المال والسمع والبصر، والقوى الجسمانيّة
[ ٤ / ٤٣٨ ]
فاجعله قوّة لي فيما تحبّ، وما زويت عنّي ممّا أحبّ.. فاجعله فراغا لي فيما تحبّ» . (ت؛ عن عبد الله بن يزيد الخطميّ [رضي الله تعالى عنه]) .
٣٠- «اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي، ووسّع لي في داري،
والروحانيّة؛ (فاجعله قوّة لي)؛ أي: وفّقني لأصرفه (فيما تحبّ) من الطاعات. (وما زويت)؛ أي: صرفت ونحّيت (عنّي ممّا أحبّ) من المال ونحوه؛ (فاجعله فراغا لي فيما تحبّ)؛ أي: اجعله سببا لتفرّغي لطاعتك، ولا تشغل به قلبي فيشغلني عن عبادتك.
وذلك لأنّ الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوي عنه الدنيا كان ذلك الفراغ؛ عونا له على الاشتغال بطاعة الله تعالى. وقد حرّر الله أسرار نبيّنا؛ كالأنبياء من رقّ الأغيار، وصانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار، لا يحبّون إلا إيّاه، ولا يشتغلون بسواه؛ قاله المناوي.
(ت)؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «كتاب الدعاء»؛ (عن عبد الله بن يزيد) بمثنّاتين تحتيّتين: من الزيادة (الخطمي) - بفتح المعجمة وسكون المهملة:
نسبة إلى بني خطمة: قبيلة معروفة، صحابيّ صغير، شهد الحديبية ابن سبع عشرة، وولي الكوفة لابن الزبير.
قال الترمذيّ: حديث حسن غريب، قال ابن القطّان: ولم يصحّحه!! لأنّ رواته ثقات إلّا سفيان بن وكيع؛ فمتّهم بالكذب، وترك الرازباني حديثه بعد ما كتبناه، وقيل لأبي زرعة: أكان يكذب؟ قال: نعم. انتهى «مناوي» .
٣٠- («اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي)، هذا من باب التشريع والتعليم للأمّة.
(ووسّع لي في داري)؛ أي: محلّ سكني في الدنيا، لأنّ ضيق مرافق الدار يضيّق الصدر، ويجلب الهمّ، ويشغل البال.
والمراد التوسعة بما يقتضيه الحال؛ لا توسعة كثيرة مؤدّية للترفّة والتبسّط في
[ ٤ / ٤٣٩ ]
وبارك لي في رزقي» . (ت؛ عن أبي هريرة) .
٣١- «اللهمّ؛ إنّي أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي،
الدنيا، بل إنّما يسأل حصول قدر الكفاية؛ لا زيادة ولا نقص، وكذا يقال فيما بعده وهو قوله (وبارك لي في رزقي»)؛ أي: اجعله مباركا محفوفا بالخير، وفقني للرضا بالمقسوم منه، وعدم الالتفات لغيره. وهذا كان يقوله بعد الوضوء عقب دعاء الوضوء.
(ت)؛ أي: أخرجه الترمذيّ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: ورمز السيوطيّ في «الجامع» لصحّته، ورواه الإمام أحمد، والطبرانيّ عن رجل من الصحابة، وزاد: فسئل رسول الله ﷺ عنهنّ، فقال:
«وهل تركت من شيء؟!» .
ورواه النسائيّ، وابن السّنّيّ في كتابيهما: «عمل اليوم والليلة»؛ عن أبي موسى قال: «أتيت رسول الله ﷺ بوضوء؛ فتوضّأ، فسمعته يدعو يقول
فذكره.
وترجم عليه ابن السّنّيّ ب «باب: ما يقوله بين ظهراني وضوئه»، وترجم عليه النسائيّ ب «باب: ما يقول بعد فراغ وضوئه» . قال في «الأذكار»: إسناده صحيح. انتهى.
٣١- («اللهمّ؛ إنّي أسألك)؛ أي: أطلب منك (رحمة من عندك)؛ أي:
ابتداء من غير سبب. وقال القاضي: نكّر الرحمة تعظيما لها؛ دلالة على أنّ المطلوب رحمة عظيمة لا يكتنه كنهها، ووصفها بقوله: «من عندك» مزيدا لذلك التعظيم، لأنّ ما يكون من عنده لا يحيط به وصفه، لقوله تعالى وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) [الكهف] .
(تهدي): ترشد (بها قلبي) إليك، وتقرّبه لديك.
وخصّه!! لأنّه محلّ العقل؛ فباستقامته تستقيم سائر الأعضاء.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
وتجمع بها أمري، وتلمّ بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكّي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وتردّ بها ألفتي،
(وتجمع بها أمري)؛ أي: تضمّه بحيث لا أحتاج إلى أحد غيرك.
(وتلمّ بها شعثي)؛ أي: تجمع بها ما تفرّق من أمري، فهو معنى ما قبله، لكنه غير معيب، لكون الدعاء مقام خضوع وتذلّل؛ فينبغي فيه الإطناب.
(وتصلح بها غائبي)؛ أي: باطني بكمال الإيمان والأخلاق الحسان.
(وترفع بها شاهدي)؛ أي: ظاهري بالأعمال الصالحة. فالمراد تعميم الباطن وإصلاح الظاهر. وفيه حسن مقابلة بين الغائب والمشاهد.
(وتزكّي بها عملي)؛ أي: تزيده: وتنمّيه، وتطهّره من أدناس الرياء والسمعة. (وتلهمني بها رشدي)؛ أي: تهديناي بها إلى ما يرضيك ويقرّبني إليك زلفى.
والإلهام: أن يلقي الله في النفس أمرا يبعثه على فعل أو ترك، وهو نوع من الوحي، يختصّ الله به من يشاء من عباده. قال الراغب: رشد الله تعالى للعبد:
تسديده ونصرته يكون بما يخوّله من الفهم الثاقب، والسمع الواعي، والقلب المراعي، وتقييض المعلّم الناصح، والرفيق الموافق، وإمداده
١- من المال بما لا يقعد به عن مغزاة قلبه، ولا يشتغل عنه كثرته.
و٢- من العشيرة والعزّ بما يصونه عن سفاهة السّفهاء وعن الغضّ منه.
و٣- من جهة الأغنياء أن يخوّله من كبر الهمة وقوّة العزيمة؛ ما يحفظه من التسبّب بالأسباب الدّنيئة، والتأخّر عن بلوغ كلّ منزلة سنيّة.
(وتردّ بها ألفتي) - بضم الهمزة وكسرها-: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مألوفي، أي: تردّ عليّ كل ما فارقني من مألوفاتي التي فيها رضاك، لا سيّما
[ ٤ / ٤٤١ ]
وتعصمني بها من كلّ سوء.
اللهمّ؛ أعطني إيمانا ويقينا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدّنيا والآخرة.
اللهمّ؛ إنّي أسألك الفوز في القضاء، ونزل الشّهداء، وعيش السّعداء، والنّصر على الأعداء.
الأعمال الصالحة؛ إذا حصل لي عنها فتور أسألك أن تردّها عليّ.
(وتعصمني)؛ أي: تمنعني وتحفظني (بها من كلّ سوء)؛ بأن تصرفني عنه وتصرفه عنّي. وطلب ذلك ﷺ مع أنّه ثابت له بالنصّ!! إظهارا للعبودية الدالّة على افتقار العبد للطلب من مولاه.
(اللهمّ؛ أعطني إيمانا ويقينا ليس بعده كفر)؛ أي: جحد لدينك، فإنّ القلب إذا تمكّن منه نور اليقين انزاحت عنه ظلمات الشكوك، واضمحلّت منه غيوم الريب. (ورحمة)؛ أي: عظيمة جدّا بحيث (أنال بها شرف كرامتك)؛ أي:
إكرامك لي (في الدّنيا)؛ بأن أقوم بحقوقك وحقوق العباد. (والآخرة)؛ بأن أنال النعيم الدائم. والمراد علوّ القدر في الدارين، ورفع الدرجات فيهما.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك الفوز) باللّطف (في القضاء، ونزل) - بضم النون والزاي- (الشّهداء)؛ أي: منزلتهم في الجنة، أو درجتهم في القرب منك؛ لأنّه محل المنعم عليهم. وهو وإن كان أعظمهم منزلة وأعلى منهم مرتبة؛ لكنه ذكر للتشريع لأمّته.
(وعيش)؛ أي: حياة (السّعداء) في الآخرة، (والنّصر على الأعداء) في الدين؛ بالظفر بهم وقمعهم ليزول ظلمهم عن العباد.
قال المناوي: النصر من الله معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدّي إلى صلاحهم؛ عاجلا وآجلا، وذلك يكون؛ تارة ١- من خارج بمن يقيضه الله
[ ٤ / ٤٤٢ ]
اللهمّ؛ إنّي أنزل بك حاجتي، فإن قصّر رأيي، وضعف عملي.. افتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصّدور؛ كما تجير بين البحور.. أن تجيرني من عذاب السّعير، ومن دعوة الثّبور، ومن فتنة القبور.
فيعينه، وتارة ٢- من داخل بأن يقوّي قلب الأنبياء؛ أو الأولياء، أو يلقي الرّعب في قلوب الأعداء، وعليه قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) [غافر] . انتهى.
(اللهمّ؛ إنّي أنزل بك)؛ أي: بساحة فضلك، أي: أسألك قضاء (حاجتي)؛ أي: جميع ما أحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة، لأنّه مفرد مضاف فيعمّ.
(فإن قصّر) - بتشديد الصاد- (رأيي)؛ أي: عجز عن إدراك ما هو الأنجح الأصلح، أو [قصر] بتخفيف الصّاد المضمومة. ضبط بالضّبطين، ولعلّهما روايتان. والمراد بالرأي: ما ثلج في الصدر مما يريده الإنسان.
(وضعف عملي)، أي: عبادتي عن بلوغ مراتب الكمال (افتقرت)؛ أي: احتجت في بلوغ ذلك (إلى رحمتك)؛ أي: إلى شمولي برحمتك التي وسعت كلّ شيء.
(فأسألك)؛ أي: فبسبب ضعفي وافتقاري أطلب منك (يا قاضي الأمور)؛ أي: حاكمها ومحكمها. وفيه جواز إطلاق «القاضي» على الله تعالى.
(ويا شافي)؛ أي: مداوي (الصّدور) يعني: القلوب التي في الصدور من أمراضها التي إن توالت عليها أهلكتها هلاك الأبد.
(كما تجير)؛ أي: تفصل وتحجز (بين البحور)، وتمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر مع الاتصال (أن تجيرني): تمنعني (من عذاب السّعير)؛ بأن تحجزه عنّي وتمنعه منّي.
(ومن دعوة الثّبور)، أي: النداء بالهلاك، (ومن فتنة القبور) فتنة سؤال منكر ونكير؛ بأن ترزقني الثبات عند السؤال.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
اللهمّ؛ ما قصر عنه رأيي، ولم تبلغه نيّتي، ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدا من خلقك، أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك.. فإنّي أرغب إليك فيه، وأسألكه برحمتك يا ربّ العالمين.
اللهمّ؛ يا ذا الحبل الشّديد، والأمر الرّشيد.. أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنّة يوم الخلود، مع المقرّبين الشّهود،
(اللهمّ؛ ما قصر عنه رأيي)؛ أي: اجتهادي في تدبيري، (ولم تبلغه نيّتي؛ ولم تبلغه مسألتي) إيّاك، (من) كلّ (خير وعدته أحدا من خلقك) أن يفعله مع أحد من مخلوقاتك؛ من إنس وجنّ وملك، (أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك) من غير سابقة وعد له بخصوصه. فلا يعدّ مع ما قبله تكرارا.
(فإنّي أرغب إليك فيه)؛ أي: أطلبه منك بجدّ واجتهاد، وأجتهد في حصوله منك لي، (وأسألكه برحمتك) التي لا نهاية لسعتها؛ (يا ربّ العالمين): الخلق كلهم. وذكره تتميما لكمال الاستعطاف والابتهال.
(اللهمّ؛ يا ذا الحبل) - بموحدة- (الشّديد)، والمراد القرآن أو الدّين.
ووصفه بالشدّة!! لأنها من صفات الحبال. والشدّة في الدين: الثبات والاستقامة.
(والأمر الرّشيد) السديد الموافق لغاية الصواب.
(أسألك الأمن) من الفزع والأهوال (يوم الوعيد)، أي: يوم التهديد وهو يوم القيامة. (والجنّة)؛ أي: وأسألك الفوز بها (يوم الخلود)؛ أي يوم:
إدخال عبادك دار الخلود، أي: خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود أهل النار في النار، وذلك بعد فصل القضاء وانقضاء الأمر.
(مع المقرّبين) إلى الحضرات القدسيّة (الشّهود)؛ أي: الناظرين إلى
[ ٤ / ٤٤٤ ]
والرّكّع السّجود، الموفين بالعهود، إنّك رحيم ودود، وإنّك تفعل ما تريد.
اللهمّ؛ اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالّين ولا مضلّين، سلما لأوليائك وعدوّا لأعدائك، نحبّ بحبّك من أحبّك، ونعادي بعداوتك من خالفك.
ربّهم، المشاهدين لكمال جماله، (والرّكّع السّجود)، أي: المكثرين للصلاة ذات الركوع والسجود في الدنيا (الموفين) - بالتخفيف- (بالعهود) بما عاهدوا الله عليه، (إنّك رحيم) موصوف بكمال الإحسان بدقائق النعم، (ودود) شديد الحبّ لمن والاك.
(وإنّك تفعل ما تريد) فتعطي من تشاء سؤله؛ وإن عظم، لا مانع لما أعطيت.
(اللهمّ؛ اجعلنا هادين): دالّين الخلق على ما يوصلهم إلى الحقّ، (مهتدين): واصلين إلى إصابة الصواب؛ قولا وعملا.
ومعلوم أنّ الشخص لا يتّصف بكونه هاديا إلّا بعد اتّصافه بكونه مهتديا، ولم يوجد هنا ترتيب!! فحينئذ المعنى: اجعلنا هادين بسبب كوننا مهتدين.
(غير ضالّين) عن الحقّ، وهو لازم لما قبله. (ولا مضلّين) أحدا من الخلق، (سلما) - بكسر السين المهملة فسكون اللام- أي: صلحا (لأوليائك) الذين هم حزبك المفلحون، (وعدوّا) - لفظ رواية البيهقي: «حربا» بدل «عدوّا» - (لأعدائك)؛ ممّن اتّخذ لك شريكا؛ أو ندّا، أو فعل معك ما لا يليق بكمالك.
(نحبّ بحبّك)؛ أي: بسبب حبّنا لك (من أحبّك) حبّا خالصا، ف «من» مفعول «نحب» (ونعادي بعداوتك) - أي: بسبب عداوتك- (من خالفك)؛
[ ٤ / ٤٤٥ ]
اللهمّ؛ هذا الدّعاء وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التّكلان.
اللهمّ.. اجعل لي نورا في قلبي، ونورا في قبري، ونورا بين يديّ، ونورا من خلفي، ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي، ونورا من تحتي، ونورا في سمعي، ونورا في بصري، ونورا في شعري، ونورا في بشري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في عظامي.
أي: خالف أمرك، وهو مفعول «نعادي»، وهذا ناظر إلى أنّ من كمال الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله.
(اللهمّ؛ هذا الدّعاء)، أي: ما أمكننا من الدعاء قد أتينا به.
(وعليك الإجابة)؛ فضلا منك لا وجوبا، (وهذا الجهد) - بالضم-: الوسع والطاقة، (وعليك التّكلان) - بضم المثنّاة الفوقيّة- أي: الاعتماد.
(اللهمّ؛ اجعل لي نورا في قلبي)؛ أي: نورا عظيما، فالتنوين للتعظيم.
وقدّم القلب!! لأنّه مقرّ التفكّر في آلاء الله ومصنوعاته، والنور: ما يتبيّن به الشيء.
(ونورا في قبري) أستضيء به في ظلمة اللّحد، (ونورا بين يديّ)؛ أي:
يسعى أمامي، (ونورا من خلفي)؛ أي: من ورائي، (ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي، ونورا من تحتي) يعني: اجعل النّور يحفّني من الجهات الستّ. (ونورا في سمعي، ونورا في بصري)، لأنّ السمع محلّ السماع لآياتك، والبصر محلّ النظر إلى مصنوعاتك، فبزيادة ذلك تزداد المعارف.
(ونورا في شعري، ونورا في بشري)؛ أي: ظاهر جلدي.
(ونورا في لحمي) الظاهر والباطن، (ونورا في دمي، ونورا في عظامي)
[ ٤ / ٤٤٦ ]
اللهمّ؛ أعظم لي نورا، وأعطني نورا، واجعل لي نورا.
يضيء على المذكورات كلّها، لأنّ إبليس يأتي الإنسان من هذه الأعضاء فيوسوس، فدعا بإثبات النور فيها ليدفع ظلمته.
وفي المناوي: معنى طلب النور للأعضاء: أن تتحلّى بأنوار المعرفة والطاعة، وتعرى عن ظلم الجهالة والمعاصي، وأن يكون جميع ما يتصدّى له سببا لمزيد علمه وظهور أمره، وأن يحيط به يوم القيامة؛ فيسعى خلال النّور، كما قال تعالى في حق المؤمنين نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [٨/ التحريم] . انتهى.
وقال القرطبيّ: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله ﷺ يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كلّ عضو من أعضائه نورا يستضيء به يوم القيامة في تلك الظّلم، هو ومن تبعه، أو من شاء الله منهم. قال: والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٢٢/ الزمر]، وقوله تعالى وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [١٢٢/ الأنعام] . ثم قال:
والتحقيق في معناه: أنّ النور مظهر لما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات.
وقال النوويّ: قال العلماء: طلب النور في أعضائه وجسمه وتصرّفاته وتقلّباته وحالاته، وجملته في جهاته الستّ حتى لا يزيغ شيء منها عنه. انتهى «عزيزي» .
(اللهمّ؛ أعظم لي نورا، وأعطني نورا، واجعل لي نورا) - عطف عامّ على خاصّ-، أي: اجعل لي نورا شاملا للأنوار السابقة وغيرها. وهذا دعاء بدوام ذلك، لأنّه حاصل له، وهو تعليم لأمّته. وفي رواية: بدل «اجعل لي نورا»:
«اجعلني نورا» .
قال في «الحكم العطائيّة»: النور جند القلب، كما أنّ الظّلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبدا أمدّه بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
سبحان الّذي تعطّف بالعزّ وقال به، سبحان الّذي لبس المجد وتكرّم به، سبحان الّذي لا ينبغي التّسبيح إلّا له، سبحان ذي الفضل والنّعم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام» .
النّور جند القلب أمّا الظّلمه فهي جند النّفس ذات التّهمه
إذا أراد الله نصر عبده يوما أمدّ قلبه بجنده
وبتّ قطعا عنه جند النّفس وإن يرد خذلانه بالعكس
(سبحان الّذي تعطّف بالعزّ)، أي: تردّى به، بمعنى أنّه اتّصف بأنّه يغلب كلّ شيء؛ ولا يغالبه شيء، لأنّ العزّة الغلبة على كليّة الظاهر والباطن.
(وقال به)؛ أي: غلب به كلّ عزيز، وملك عليه أمره من القيل: وهو الملك الذي ينفذ قوله فيما يريد. انتهى؛ ذكره الزمخشريّ.
وفي «الروض الأنف»: قد صرّفوا من القيل فعلا؛ فقالوا: قال علينا فلان، أي: ملك، والقيال: الإمارة، ومنه قول النّبي ﷺ في تسبيحه الذي رواه عنه الترمذيّ: «سبحان الّذي لبس العزّ وقال به»؛ أي: ملك به وقهر. هكذا فسّره الهروي في «الغريبين» . انتهى بنصّه.
وبه يعرف أنّ تفسير صاحب «النهاية» ومن على قدمه: قال به: ب «أحبّه واختصّ به» غير جيّد؛ قاله المناوي.
(سبحان الّذي لبس المجد)؛ أي: ارتدى بالعظمة والكبرياء.
(وتكرّم به)؛ أي: تفضّل وأنعم به على عباده. (سبحان الّذي لا ينبغي التّسبيح إلّا له)؛ أي: لا ينبغي التنزيه المطلق إلّا لجلاله المقدّس. (سبحان ذي الفضل والنّعم) - جمع نعمة- وهي: كلّ ملائم تحمد عاقبته. والمراد: الإنعام.
(سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام»)؛ أي: الذي
[ ٤ / ٤٤٨ ]
(ت، طب، هق؛ عن ابن عبّاس) .
٣٢- «اللهمّ؛ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تنزع منّي صالح ما أعطيتني»
يجلّه الموحّدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، والذي يقال له: ما أجلّك وأكرمك.
(ت، طب، هق)؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «كتاب الصلاة»، والطبرانيّ في «الكبير»، والبيهقيّ في «سننه» في «كتاب الدعوات»؛ كلّهم من حديث داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس؛ عن أبيه (عن) جدّه عبد الله (ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، لكن بزيادة ونقص: قال:
بعثني العبّاس إلى رسول الله ﷺ، فأتيته ممسيا وهو في بيت خالتي ميمونة، فقام فصلّى من اللّيل، فلمّا صلّى الرّكعتين قبل الفجر قال: اللهمّ إنّي أسألك »
إلى آخره.
وداود هذا عمّ المنصور، ولي المدينة والكوفة للسّفّاح.
حدّث عنه الكبار؛ كالثوريّ، والأوزاعيّ، ووثّقه ابن حبّان وغيره، وقال ابن معين: أرجو أنّه لا يكذب، إنّما يحدث بحديث واحد، وكذا روى عثمان بن سعيد عنه.
وقد أورده ابن عديّ في «الكامل»، وساق له بضعة عشر حديثا، ثمّ قال:
وعندي لا بأس بروايته عن أبيه عن جدّه؛ احتجّ به مسلم، وخرّج له الأربعة.
انتهى؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
وقال العزيزي: في أسانيدها مقال، لكنّها تعاضدت. انتهى.
٣٢- («اللهمّ؛ لا تكلني)، أي: لا تصرف أمري (إلى نفسي)، أي:
لا تسلمني إليها وتتركني هملا (طرفة عين)، أي: مقدار تحرّك جفن العين، وهو كناية عن قلّة الزمن. (ولا تنزع منّي صالح ما أعطيتني») من الإيمان والتوفيق، لأنّ ذلك إذا نزع خلفه ضدّه.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
(البزّار؛ عن ابن عمر) .
٣٣- «اللهمّ؛ اجعلني شكورا، واجعلني صبورا، واجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين النّاس كبيرا» . (البزّار؛ عن بريدة [رضي الله تعالى عنه]) .
وقد علم ﷺ أنّ ذلك لا يكون، ولكنّه أراد أن يحرّك همم أمّته إلى الدعاء بذلك. قال الحليمي: وهذا تعليم منه لأمّته؛ أنّه ينبغي كونهم مشفقين من أن يسلبوا الإيمان أو التوفيق للعمل، فإنّ من سلب التوفيق لم يملك نفسه، ولم يأمن أن يضيّع الطاعات ويتّبع الشهوات، فينبغي لكلّ مؤمن أن يكون هذا الخوف من همّه. انتهى.
(البزّار)؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده»؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ الهيثميّ: فيه إبراهيم بن يزيد الحوذي، وهو متروك. ذكره المناوي. وقال العزيزيّ: هو ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد.
٣٣- («اللهمّ؛ اجعلني شكورا)؛ أي: كثير الشكر، بأن أصرف جميع ما أنعمت به عليّ إلى ما خلقتني لأجله، (واجعلني صبورا): كثير الصبر، بحيث إذا ظلمت لا أنتقم، وكذا إذا ضيّقت عليّ في الرزق أو بمرض لا يكون عندي ضجر لعلمي بأنّ الكلّ منك.
(واجعلني) أرى نفسي (في عيني صغيرا): حقيرا، بحيث أعتقد احتقار نفسي، وأرى غيري خيرا مني في الصلاح والعلم. (واجعلني في أعين النّاس كبيرا»): معظّما مهابا ليمتثل أمري، واستوهب ذلك لما ينشأ عنه من العدل والامتثال بشرط التواضع.
(البزّار)؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده»؛ (عن بريدة) - بضم الموحدة وفتح الراء- ابن الحصيب- بضمّ المهملة وفتح المهملة الثانية، ثم تحتّية ثم موحّدة آخره-. قال الهيثمي: فيه عقبة بن عبد الله الأصمّ، وهو ضعيف، لكن حسّن البزّار حديثه؛ قاله المناوي.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
٣٤- «اللهمّ؛ احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تشمت بي عدوّا، ولا حاسدا.
اللهمّ؛ إنّي أسألك من كلّ خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه بيدك» . (ك؛ عن ابن مسعود) .
٣٤- («اللهمّ؛ احفظني بالإسلام قائما): حال كوني قائما، وكذا يقال فيما بعده (واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا)، يعني في جميع الحالات. (ولا تشمت) - بالتخفيف- (بي عدوّا؛ ولا حاسدا)؛ أي: لا تنزل بي بليّة يفرح بها عدوّي وحاسدي.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك من كلّ خير خزائنه)؛ مبتدأ، وخبره قوله (بيدك، وأعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه) جمع خزانة- بكسر الخاء؛ ككتابة-: مكان الخزن، أي: الموضع الذي يخزن فيه الشيء، ولا تفتح الخاء من «خزانة» . ومن اللطائف قولهم: لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة.
(بيدك») . وفي رواية: «بيديك» في الموضعين، واليد: مجاز عن القدرة المتصرّفة، وتثنيتها باعتبار التصرّف في العالمين؛ عالم الشهادة المسمّى ب «عالم الملك»، وعالم الغيب المسمّى ب «عالم الملكوت» .
(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك»؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يدعو؛ فيقول: اللهمّ » الخ.
وزاد البيهقيّ في «الدعوات»؛ من طريق هاشم بن عبد الله بن الزبير: أنّ عمر بن الخطّاب أصابته مصيبة، فأتى رسول الله ﷺ؛ فشكا إليه، وسأله أن يأمر له بوسق تمر، فقال: «إن شئت أمرت لك، وإن شئت علّمتك كلمات خيرا لك منه» !! فقال: علّمنيهنّ ومر لي بوسق تمر، فإنّي ذو حاجة إليه، قال:
«أفعل»، وقال: «قل: اللهمّ احفظني » الخ.
[ ٤ / ٤٥١ ]
٣٥- «اللهمّ؛ انفعني بما علّمتني، وعلّمتني ما ينفعني، وزدني علما.
الحمد لله على كلّ حال،
٣٥- («اللهمّ؛ انفعني بما علّمتني) بالعمل بمقتضاه خالصا لوجهك.
(وعلّمني ما ينفعني) لأرتقي منه إلى عمل زائد على ذلك.
(وزدني علما) مضافا إلى ما علّمتنيه، وهذا إشارة إلى طلب المزيد في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى مخدع الوصال، وبه ظهر أنّ العلم وسيلة للعمل، وهما متلازمان، ومن ثمّ قالوا: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلّا من العلم «١» .
(الحمد لله على كلّ حال) من أحوال السّرّاء والضّرّاء، وكم يترتّب على الضّرّاء من عواقب حميدة ومواهب كريمة، يستحقّ الحمد عليها. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [٢١٦/ البقرة] .
قال في «الحكم العطائية»: من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره؛ فذاك لقصور نظره. قال في نظمها:
من ظنّ أنّ لطفه عن قدره ينفكّ فهو قاصر في نظره
وقال الغزاليّ: لا شدّة إلّا وفي جنبها نعم لله، فليلزم الحمد والشكر على تلك النعم المقترنة بها.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما ابتليت ببليّة إلّا كان لله عليّ فيها أربع نعم: ١- إذ لم تكن في ديني، و٢- إذ لم أحرم الرضا، و٣- إذ لم تكن أعظم، و٤- إذ رجوت الثواب عليها.
وقال إمام الحرمين: شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها؛ لأنّها نعم
_________________
(١) بل جعل كلّ تكاثر غيره لهوا. (عبد الجليل) .
[ ٤ / ٤٥٢ ]
وأعوذ بالله من حال أهل النّار» . (ت، هـ، [ك]؛ عن أبي هريرة) .
٣٦- «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» . (ت؛ عن أنس) .
بالحقيقة، بدليل أنّها تعرّض العبد لمنافع عظيمة، ومثوبات جزيلة، وأغراض كريمة؛ تتلاشى في جنبها شدائد الدنيا.
نحمده على شمول النّعم حتّى لقد أبطنها في الألم
(وأعوذ بالله من حال أهل النّار») في النار وغيرها: وهذا يلزم منه الاستعاذة من دخولها؛ لأنّ من دخلها لا بدّ أن يتّصف بوصف من أوصاف أهلها من العذاب.
(ت، هـ، [ك])؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «الدعوات»، وابن ماجه في «السّنّة والدعاء»، والحاكم في (الأدعية)؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وقال الترمذي: غريب، وفي سنده موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن الزهري. وموسى المذكور: ضعّفه النسائيّ وغيره، ومحمد بن ثابت: لم يروه عنه غير موسى. وقال الذهبي: مجهول.
٣٦- («يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» . ت) أخرجه الترمذيّ؛ (عن أنس) رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ: أنّه كان إذا كربه أمر قال: يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» .
قال ابن القيّم: في تأثير هذا الدعاء في دفع الهمّ والغمّ مناسبة بديعة، فإنّ صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الكمال؛ مستلزمة لها، وصفة القيّوميّة متضمّنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا قيل: إنّ اسمه الأعظم هو: الحي القيوم.
والحياة التامّة تضادّ جميع الآلام والأسقام، ولهذا: لمّا كملت حياة أهل الجنّة
[ ٤ / ٤٥٣ ]
٣٧- «اللهمّ؛ افتح مسامع قلبي لذكرك، وارزقني طاعتك، وطاعة رسولك، وعملا بكتابك» . (طس؛ عن عليّ [رضي الله تعالى عنه]) .
لم يلحقهم همّ ولا غمّ ولا حزن، ولا شيء من الآفات. فالتوسّل بصفة الحياة والقيوميّة له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال، فاستبان أنّ لاسم الحيّ القيّوم تأثيرا خاصّا في كشف الكرب وإجابة الربّ. انتهى.
٣٧- («اللهمّ؛ افتح مسامع قلبي)؛ أي: آذان قلبي. جمع مسمع؛ كمنبر: الأذن- كما في «الصحاح» - (لذكرك)؛ أي: أزل عن قلبي الحجب المانعة من لذّة الذكر، فإنّه عقاب كبير، لأنّ كلّ قلب لم يدرك لذّة الذكر؛ فهو كالميت.
كان رجل في بني إسرائيل؛ أقبل على الله ثم أعرض عنه، فقال: يا رب؛ كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لفلان: كم عاقبتك ولم تشعر!! ألم أسلبك حلاوة ذكري ولذّة مناجاتي؟!.
(وارزقني طاعتك)؛ أي: كمال لزوم أوامرك، (وطاعة رسولك) النبيّ الأميّ، الذي أوجبت علينا طاعته، وألزمتنا متابعته. (وعملا بكتابك»):
القرآن، أي: العمل بما فيه من الأحكام، فإنّ من وفّق لفهم أسراره وصرف إليه عنايته اكتفى به عن غيره، ودلّه على كل خير، وحذّره من كلّ شرّ، وهو الكفيل بذلك على أتمّ الوجوه، وفيه أسباب الخير والشرّ مفصّلة مبيّنة، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [٣٨/ الأنعام] .
(طس)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ من حديث الحارث الأعور؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين. قال الحارث: دخلت على عليّ بعد العشاء، فقال: ما جاء بك السّاعة؟! قلت: إنّي أحبّك، قال: آلله؟ آلله؟ قلت: نعم؛ والله، فقال: ألا أعلّمك دعاء علّمنيه رسول الله ﷺ!؟ قل: «اللهمّ افتح »
إلى آخر، قال الحافظ الهيثمي: الحارث ضعيف. انتهى.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
٣٨- «اللهمّ؛ اجعلني أخشاك حتّى كأنّي أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخر لي في قضائك، وبارك لي في قدرك، حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت؛ ولا تأخير ما عجّلت.
٣٨- («اللهمّ؛ اجعلني أخشاك حتّى كأنّي أراك، وأسعدني بتقواك)؛ فإنّها سبب كلّ خير، وسعادة في الدارين. وقد أثنى الله في التنزيل على المتقين بقوله وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [آل عمران] . ووعدهم بالحفظ والحراسة من الأعداء بقوله وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [١٢٠/ آل عمران] . وبالنصر والتأييد بقوله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [النحل] . وقوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) [التوبة] . ولا سعادة أعظم من هذه المعيّة.
(ولا تشقني بمعصيتك)، فإنّ المعاصي بريد الكفر، لأنّه كلّما فعل الشخص معصية أسودّ جزء من قلبه، وانطفأ بعض نور إيمانه؛ فربّما غلب عليه وطفىء جميعه.
(وخر لي)؛ أي: اختر لي (في قضائك)؛ أي: مقضيّك، أي: اختر لي خير الأمرين من مقضيّك، فإنّك لا تفعل بي إلّا ما هو الأوفق والأصلح لي.
(وبارك لي في قدرك)؛ بأن ترضّيني به (حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت؛ ولا تأخير ما عجّلت)، لأنّ الخير كلّه في الرضا والتسليم.
قال العارف بالله سيدي أبو الحسن الشاذليّ رحمه الله تعالى:
تردّدت؛ هل ألزم القفار للطاعة والأذكار، أو أرجع إلى الديار لصحبة الأخيار؟!! فوصف لي شيخ برأس جبل، فوصلت لغاره ليلا؛ فبتّ ببابه، فسمعته يقول: اللهمّ؛ إنّ قوما سألوك أن تسخّر لهم خلقك ففعلت، فرضوا، وأنا أسألك اعوجاج الخلق عنّي، حتّى لا يكون لي ملجأ إلّا أنت.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
واجعل غناي في نفسي، وأمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث منّي،
فقلت: يا نفس؛ انظري من أيّ بحر يغترف هذا الشيخ!! فأصبحت، فدخلت عليه، فأرهبت من هيبته، فقلت: كيف حالكم؟
فقال: إنّي أشكو إلى الله من برد الرضا والتسليم؛ كما تشكو من حرّ التدبير والاختيار!!
فقلت: أمّا شكواي من حرّهما؛ فذقته، وأما شكواك من بردهما؛ فلماذا؟!
قال: أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن الله تعالى.
قلت: سمعتك اللّيلة تقول كذا؟! فتبسّم وقال: عوض ما تقول «سخّر لي خلقك»، قل: «كن لي»؛ تره إذا كان لك لا يفوتك شيء؛ فما هذه الجناية!؟! فحصل للشيخ أبي الحسن من هذا المجلس معارف وأنوار عظيمة.
(واجعل غناي في نفسي)، لأنّ غنى النفس هو الغنى بالحقيقة، وهو المحمود النافع، بخلاف غنى المال؛ فإنّ النفس المنهمكة لا تغتني، بل كلّما حدث لها شيء من المال حدث لها طبع آخر، فإذا طلبت مائة دينار مثلا وحصّلتها توجّهت إلى جهات مصارف أخرى، كبنيان بيت وشراء أرقاء فتطلب ألف دينار، فإذا حصلتها، توجهت إلى مصارف أخرى وهكذا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب.
(وأمتعني بسمعي وبصري): الجارحتين المعروفتين، بأن تديم سلامتهما من الصمم والعمى، (واجعلهما الوارث منّي)؛ أي: اجعلهما آخر ما يسلب منه الانتفاع من البدن.
وفي «الأذكار» للإمام النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: معنى «اجعلهما الوارث مني»؛ أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت. وقيل:
المراد بقاؤهما وقوّتهما عند الكبر وضعف الأعضاء وباقي الحواس، أي: اجعلهما
[ ٤ / ٤٥٦ ]
وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثأري، وأقرّ بذلك عيني» .
(طس؛ عن أبي هريرة) .
٣٩- «اللهمّ؛ اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك» . (ت؛ عن عليّ) .
وارثي قوّة باقي الأعضاء، والباقيين بعدها. وروي: «واجعله الوارث منّي»، فردّ الهاء إلى الإمتاع؛ فوحّده. انتهى.
(وانصرني على من ظلمني): تعدّى وبغى عليّ، (وأرني فيه ثأري، وأقرّ بذلك عيني»)؛ أي: فرحتي بالظفر عليه.
(طس)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط»؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يكثر أن يدعو بهذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثمي:
وفيه إبراهيم بن خيثم بن عراك: وهو متروك. انتهى «مناوي» . وفي العزيزي:
أنّه حديث ضعيف.
٣٩- («اللهمّ؛ اكفني) - بهمزة وصل وكسر الفاء-: من كفى كفاية، وكفاك الشيء يكفيك، (بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك») .
(ت)؛ أي: أخرجه الترمذيّ؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: أنّ مكاتبا جاءه فقال: إنّي عجزت عن كتابتي فأعنّي!! قال: ألا أعلّمك كلمات علّمنيهنّ رسول الله ﷺ؛ لو كان عليك مثل جبل دينا أدّاه عنك، قل:
اللهمّ » الخ.
ورواه الحاكم في «المستدرك»؛ عن عليّ أيضا، وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب. قال في «شرح الأذكار»: وفي رواية: «يقول بعد صلاة الجمعة سبعين مرّة: اللهمّ اكفني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمّن سواك» . انتهى.
[ ٤ / ٤٥٧ ]
٤٠- «اللهمّ؛ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سنّي وانقطاع عمري» . (ك؛ عن عائشة) .
٤١- «اللهمّ؛ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي حتّى أعلم أنّه لا يصيا بني إلّا ما كتبت لي، وأرضني من المعيشة بما قسمت لي» .
٤٠- («اللهمّ؛ اجعل أوسع رزقك)؛ أي: أحد قسمي الرزق: وهو ما يحصل به غذاء الأبدان؛ دون ما يحصل به غذاء الأرواح، لأنّ الرزق نوعان:
١- ظاهر للأبدان كالقوت، وهو المراد هنا.
و٢- باطن للقلوب والنفوس؛ كالمعارف.
ويرجّح الأوّل قوله (عليّ عند كبر سنّي وانقطاع عمري») . أي: إشرافه على الانقطاع والرحيل من هذه الدار، فإنّ الإنسان عند الشيخوخة قليل القوّة، ضعيف الكدّ؛ عاجز عن السعي، فإن أوسع الله عليه رزقه حين ذلك كان عونا له على العبادة.
(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم؛ عن سعدويه؛ عن عيسى بن ميمون؛ عن القاسم بن محمد؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر هذا الدّعاء: اللهمّ » . إلى آخره. قال الحاكم: حسن غريب. وردّه الذهبي؛ بأن عيسى متّهم بالوضع، ومن ثمّ حكم ابن الجوزي بوضعه. نعم؛ رواه الطبرانيّ بسند، قال فيه الحافظ الهيثميّ: إنّه حسن، وبه تزول التّهمة. انتهى.
ذكره المناوي.
٤١- («اللهمّ؛ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي)، أي: يلابسه ويخالطه، فإنّ الإيمان إذا تعلّق بظاهر القلب أحبّ الدنيا والآخرة، وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها؛ ذكره حجّة الإسلام.
(حتّى أعلم): أجزم وأتيقن (أنّه لا يصيا بني إلّا ما كتبت لي)، أي: قدّرته عليّ في العلم القديم الأزلي، (وأرضني من المعيشة بما قسمت لي»)، أي:
[ ٤ / ٤٥٨ ]
(البزّار؛ عن ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما]) .
٤٢- «اللهمّ؛ إنّي أسألك عيشة نقيّة، وميتة سويّة، ومردّا غير مخزيّ ولا فاضح» . (طب، ك، البزّار، عن ابن عمر) .
وأعطني الرّضا بما قسمت لي من الرزق؛ فلا أسخطه ولا أستقلّه.
قال الشاذليّ: من أجلّ مواهب الله الرّضا بمواقع القضاء، والصبر عند نزول البلاء، والتوكّل على الله عند الشدائد، والرجوع إلى الله عند النوائب، فمن خرجت له هذه الأربع من خزائن الأعمال على بساط المجاهدة، فقد صحّت ولايته لله ورسوله والمؤمنين.
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) [المائدة] .
(البزّار)؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده»؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب.
قال الحافظ الهيثميّ: وفيه أبو مهدي: سعيد بن سنان؛ وهو ضعيف الحديث.
٤٢- («اللهمّ؛ إنّي أسألك عيشة) - بكسر العين المهملة- أي: حياة (نقيّة)، أي: طاهرة مرضيّة، (وميتة) - بكسر الميم وسكون التحتيّة- أي: هيئة موت (سويّة) - بفتح فكسر فتشديد- أي: مستوية؛ أي: معتدلة؛ بأن لا ينالني مشقّة شديدة، (ومردّا)؛ أي: مرجعا إلى الآخرة (غير مخزيّ) - بضم الميم وبالزاي وإثبات الياء المشدّدة- أي: غير مذلّ ولا موقع في بلاء، (ولا فاضح»)؛ أي: كاشف للمساوىء والعيوب.
(طب، ك، البزّار)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»، والحاكم في «المستدرك»، والبزّار في «مسنده» - واللّفظ له-؛ من حديث خلّاد بن يزيد الجعفي؛ عن شريك؛ عن الأعمش؛ عن مجاهد؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: كان النّبيّ ﷺ يدعو به.
قال الحاكم: على شرط مسلم، وتعقّبه الذهبيّ؛ فقال: خلّاد ثقة، لكن شريك ليس بحجّة. انتهى. قال الحافظ الهيثمي: إسناد الطبرانيّ جيّد. انتهى
[ ٤ / ٤٥٩ ]
٤٣- «اللهمّ؛ أصلح لي ديني الّذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي الّتي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي الّتي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير، واجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ» . (م؛ عن أبي هريرة) .
٤٤- «اللهمّ؛ إنّي أسألك الهدى
«مناوي» . قال: وهذا الدعاء قطعة من دعائه يومي العيد، كما رواه الطبراني؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى.
٤٣- («اللهمّ؛ أصلح لي ديني الّذي هو عصمة أمري) - مفرد مضاف فيعمّ-؛ أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإنّ من فسد دينه فسدت جميع أموره، وخاب وخسر في الدنيا والآخرة.
(وأصلح لي دنياي الّتي فيها معاشي)؛ أي: أصلحها بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه، وكونه حلالا معينا على الطاعة. (وأصلح لي آخرتي)؛ بأن توفّقني للأعمال الصالحة التي تنفعني في الآخرة (الّتي فيها معادي)؛ أي: ما أعود إليه يوم القيامة. وقد جمع في هذه الثلاث صلاح الدنيا والدين والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها.
(واجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير)؛ أي: اجعل عمري مصروفا فيما تحبّ وترضى، وجنّبني عمّا تكره، (واجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ») أي: اجعل موتي سبب خلاصي من مشقّة الدنيا والتخلّص من غمومها وهمومها. قال الطّيبيّ:
وهذا الدعاء من جوامع الكلم.
(م)؛ أي: أخرجه مسلم في «الدعوات»؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، ولم يخرّجه البخاريّ.
٤٤- («اللهمّ؛ إنّي أسألك الهدى)؛ أي: الهداية إلى الصراط المستقيم؛
[ ٤ / ٤٦٠ ]
والتّقى، والعفاف والغنى» . (م، ت، هـ؛ عن ابن مسعود) .
٤٥- «اللهمّ؛ اجعل حبّك أحبّ الأشياء إليّ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عنّي حاجات الدّنيا بالشّوق إلى لقائك،
صراط الذين أنعمت عليهم. (والتّقى): الخوف من الله، والحذر من مخالفته.
قال الطّيبي: أطلق الهدى والتّقى!! ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، وكلّما يجب أن يتّقى منه من شرك ومعصية وخلق ديني. انتهى. (والعفاف): الصيانة عن مطامع الدنيا، (والغنى)؛ أي:
غنى النفس والاستغناء عن الناس وعمّا في أيديهم.
(م، ت، هـ)؛ أي: أخرجه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه.. كلّهم في «الدعوات»؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه، ولم يخرّجه البخاريّ.
٤٥- («اللهمّ؛ اجعل حبّك)؛ أي: حبّي إيّاك (أحبّ الأشياء إليّ)، وذلك يستلزم الترقّي في مدارج معرفة الحق، ومطالعة كمال جماله، فكلّما ازدادت المعرفة تضاعفت الأحبّيّة.
(واجعل خشيتك)؛ أي: خوفي منك المقترن بكمال التعظيم (أخوف الأشياء عندي)؛ بأن تكشف لي من صفات الجلال ما يستلزم كمال الخوف منك؛ مع حصول الرجاء والطمع في رحمتك.
(واقطع عنّي حاجات الدّنيا)؛ أي: امنعها وادفعها (بالشّوق إلى لقائك)؛ أي: بسبب حصول الشوق إلى النظر إلى وجهك الكريم الذي هو أرفع درجات النعيم، وغاية الأماني لكل قلب سليم.
ومن منح الشوق انقطعت عنه حاجات الدنيا والآخرة، وأولادهم بالله أشدّهم له شوقا. وقد كان المصطفى ﷺ طويل الفكر، دائم الأحزان، فهل كان كذلك إلّا من
[ ٤ / ٤٦١ ]
وإذا أقررت أعين أهل الدّنيا من دنياهم.. فأقرر عيني من عبادتك» .
(حل؛ عن الهيثم بن مالك الطّائيّ [﵀]) .
شدّة شوقه إلى منزله!؟ وأقربهم قربا، وأعلمهم به أشدّهم حرقة في القلوب شوقا.
قال حجّة الإسلام: لو خلق فيك الشوق إلى لقائه، والشهوة إلى معرفة جلاله؛ لعلمت أنّها أصدق وأقوى من شهوة الأكل والشّرب، وكذلك كلّ شيء، بل وآثرت جنّة المعرفة ورياضتها على الجنّة التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة، وهذه الشهوة خلقت للعارفين؛ ولم تخلق لك، كما خلق لك شهوة الجاه؛ ولم تخلق للصبيان؛ وإنما لهم شهوة اللعب! وأنت تعجب من عكوفهم عليه وخلوّهم عن لذّة العلم والرياسة!! والعارف يعجب منك ومن عكوفك على لذّة العلم والرياسة، فإنّ الدنيا بحذافيرها عنده لهو ولعب، فلمّا خلق للكمّل معرفة الشوق كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم، ويتفاوتون في ذلك، ولذلك سأل المصطفى ﷺ المزيد من ذلك، ولا نسبة لتلك اللّذة إلى لذّة الشهوات الحسيّة!! ولذلك كان العارف إبراهيم بن أدهم يقول: لو علم الملوك ما نحن فيه من النعيم لقاتلونا عليه بالسيوف. انتهى «مناوي» .
(وإذا أقررت أعين أهل الدّنيا من دنياهم)؛ أي: فرّحتهم بما آتيتهم منها، (فأقرر عيني من عبادتك»)؛ أي: فرّحني بها، وذلك لأنّ المستبشر إذا بكى من كثرة السرور يخرج من عينه ماء بارد، كما قال:
طفح السّرور عليّ حتّى أنّه من فرط ما قد سرّني أبكاني
والباكي جزعا يخرج من عينيه ماء سخن.
(حل)؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية»؛ (عن الهيثم بن مالك الطّائيّ)؛ ذكره في «الإصابة» في القسم الرابع، وقال: هو تابعيّ من أهل الشام، أرسل حديثا فظنّه بعضهم صحابيا، وذكره البخاريّ، وابن أبي حاتم في التابعين. والله أعلم. انتهى ملخصا.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
٤٦- «اللهمّ؛ إنّي أسألك الصّحّة، والعفّة، والأمانة، وحسن الخلق، والرّضا بالقدر» . (طب؛ عن ابن عمرو [رضي الله تعالى عنهما]) .
٤٧- «اللهمّ؛ إنّي أسألك التّوفيق لمحابّك
٤٦- («اللهمّ؛ إنّي أسألك الصّحّة)؛ أي: العافية من الأمراض والعاهات.
(والعفّة) عن المحرّمات والمكروهات وما يخلّ بكمال المروءة؛ قاله المناوي.
(والأمانة)؛ أي: حفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده.
(وحسن الخلق) - بضم اللّام-؛ أي: مع الخلق، بالصبر على أذاهم، وكفّ الأذى عنهم، والتلطّف بهم، (والرّضا بالقدر»)؛ أي: بما قدّرته عليّ في الأزل.
وهذا تعليم لأمّته، وتمرين للنفس على الرضا بالقضاء، وذلك لأمرين:
الأول: أن يتفرّغ العبد للعبادة، لأنّه إذا لم يرض بالقضاء يكون مهموما مشغول القلب أبدا؛ بأنه لم كان كذا!!، ولماذا لا يكون كذا!!، فإذا اشتغل القلب بشيء من هذه الهموم كيف يتفرّغ للعبادة؟! إذ ليس له إلّا قلب واحد؛ وقد امتلأ من الهموم، وما كان وما يكون، فأيّ محل فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة؟! ولقد صدق شقيق في قوله «حسرة الأمور الماضية؛ وتدبير الآتية ذهبت ببركة الساعات» .
الثاني: خطر ما في السخط من مقت الله وغضبه؛ مع أنّه لا فائدة لذلك، إذ القضاء نافذ؛ ولا بدّ منه، رضي العبد؛ أم سخط. انتهى «مناوي» .
(طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»، وأخرجه البزّار أيضا، كلاهما؛ (عن ابن عمرو) بن العاصي. قال الحافظ الهيثمي: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وهو ضعيف الحديث، وبقيّة رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح.
قاله المناوي.
٤٧- («اللهمّ؛ إنّي أسألك التّوفيق) الذي هو خلق قدرة الطاعة (لمحابّك)
[ ٤ / ٤٦٣ ]
من الأعمال، وصدق التّوكّل عليك، وحسن الظّنّ بك» . (حل؛ عن الأوزاعيّ والحكيم؛ عن أبي هريرة) .
- بالتشديد- أي: ما تحبّه وترضاه (من الأعمال) الصالحة، ولأترقّى في الأفضل فالأفضل منها. (وصدق التّوكّل عليك، وحسن الظّنّ بك»)؛ أي: يقينا جازما يكون سببا لحسن الظنّ بك، لقوله: «أنا عند ظنّ عبدي بي» .
وانظر إلى هذه الثلاث المسؤولة كيف يشبه بعضها بعضا؟! فكأنّه نظام واحد!.
١- سأله التوفيق لمحابّه!! ومحابّه في الغيب لا تدرى، فربّما كان محابّه في شيء هو في الظاهر دون غيره؛ فإذا استقبل النفس به واحتاج إلى إيثاره على ما هو في الظاهر أعلى، تردّد في النفس سؤاله.
٢- وسأله صدق التوكل!! والتوكّل: هو التفويض إليه؛ واتّخاذه وكيلا في سائر أموره، فسأله صدق ذلك، وصدقه: أنّه إذا استقبلك أمر هو عندك أدون فوفّقك لهذا الأدون، وهو مختاره: ألاتتردّد فيه وتمرّ به مسرعا.
٣- ثم قال: أسألك حسن الظنّ بك، فإنّ النفس إذا دخلت في الأدون دخل سوء الظنّ من قبلها، تقول: لعلّي مخذول فيها!! فسأله حسن الظن حتى لا تأخذه الحيرة من ربّه فيخاف الخذلان.
(حل)؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية»؛ عن محمّد بن نصر الحارثي؛ من حديث حسين الجعفي؛ عن يحيى بن عمر؛ (عن الأوزاعيّ):
عبد الرحمن بن عمرو، تابعيّ، ثقة جليل؛ فهو مرسل.
ثم قال أبو نعيم: لم يروه عن الأوزاعيّ- فيما أعلم- إلّا محمّد بن نصر الحارثي، ولا عنه إلّا يحيى، تفرّد به الحسين.
(الحكيم)؛ أي: وأخرجه الحكيم التّرمذيّ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال- أعني الحكيم-: وهذا باب غامض يخفى على الصادقين، وإنّما ينكشف للصّدّيقين. انتهى. وفيه عمر بن عمرو: فيه كلام. انتهى. ذكره المناوي.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
٤٨- «اللهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق، ونجاحا يتبعه فلاح، ورحمة منك وعافية، ومغفرة منك ورضوانا» . (طس، ك؛ عن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه]) .
٤٩- «اللهمّ؛ الطف بي في تيسير كلّ عسير، فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير،
٤٨- («اللهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان) «في» بمعنى «مع»؛ على حدّ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [٣٨/ الأعراف]؛ أي: صحّة في بدني مع تمكّن التصديق من قلبي.
(وإيمانا في حسن خلق) - بالضم-؛ أي: وأسألك إيمانا يصحبه حسن خلق، ف «في» بمعنى «مع» .
(ونجاحا)؛ أي: حصولا للمطلوب (يتبعه فلاح)؛ أي: فوز ببغية الدنيا والآخرة، (ورحمة)؛ أي: وأسألك رحمة (منك وعافية)؛ أي: سلامة من البلايا والمصائب، (ومغفرة منك)؛ أي: سترا للعيوب، (ورضوانا) - بكسر الراء وضمّها-: اسم مبالغة في معنى الرضا، أي: وأسألك رضوانا منك لأفوز بخير الدارين.
(طس، ك)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، والحاكم في «المستدرك» كلاهما؛ (عن أبي هريرة) قال: أوصى رسول الله ﷺ سلمان الخير؛ فقال: «إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يمنحك كلمات تسألهنّ الرّحمن؛ ترغب إليه فيهنّ، وتدعو بهنّ في اللّيل والنّهار، قل: اللهمّ » إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: رجاله ثقات. انتهى.
٤٩- («اللهمّ؛ الطف): ارفق (بي في تيسير كلّ عسير)؛ أي: تسهيل كلّ صعب شديد، (فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير)؛ أي: لا يعسر عليك شيء، لأنّك خالق الكلّ، ومقدّر الجميع.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
وأسألك اليسر والمعافاة في الدّنيا والآخرة» . (طس؛ عن أبي هريرة) .
٥٠- «اللهمّ؛ اعف عنّي، فإنّك عفوّ كريم» . (طس؛ عن أبي سعيد) .
٥١- «اللهمّ؛ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، في قبضتك، ناصيتي بيدك،
(وأسألك اليسر)؛ أي: سهولة الأمور وحسن انقيادها، (والمعافاة في الدّنيا والآخرة)؛ بأن تصرف أذى الناس عنّي، وتصرف أذاي عنهم.
(طس)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال: لمّا وجّه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة شيّعه، وزوّده هذه الكلمات. قال الحافظ الهيثميّ: فيه من لم أعرفهم. انتهى.
وأورده في «الميزان» في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن، وقال: إسناده مظلم.
٥٠- («اللهمّ؛ اعف عنّي)؛ أي: امح ذنوبي، (فإنّك عفوّ كريم»)؛ أي: فإنّك كثير الفضل والكرم، تحبّ الإفضال والإنعام.
(طس)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط»؛ (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: علّمني دعاء أصيب به خيرا. فقال: «ادن»، فدنا حتّى كادت ركبته تمسّ ركبته؛ فقال:
«اللهمّ » إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: فيه يحيى بن ميمون التمّار: وهو متروك؛ قاله المناوي. وفي العزيزيّ: هو حديث ضعيف.
٥١- («اللهمّ؛ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك)؛ أي: ابن جاريتك ومملوكتك، (في قبضتك، ناصيتي بيدك) . الناصية: مقدّم الرأس، وهي- هنا
[ ٤ / ٤٦٦ ]
ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم نور صدري، وربيع قلبي،
كناية- عن كمال قدرته، وإشارة إلى أنّ إحاطته على وفق إرادته.
(ماض): نافذ (فيّ) - بتشديد الياء-؛ أي: في حقّي (حكمك)، إذ لا مانع لما قضيت. وقال القاري في «الحرز»: المعنى: سابق في شأني حكمك الأزليّ الذي لا يبدّل ولا يحوّل.
(عدل فيّ) - بتشديد الياء- (قضاؤك)؛ أي: ما قضيت به عليّ، فهو عدل لا جور فيه؛ ولا ظلم.
(أسألك بكلّ اسم هو لك)؛ أي: ثابت لك (سمّيت به نفسك)، هو أعمّ من قوله (أو أنزلته في كتابك)؛ أي: القرآن وسائر كتبك المنزلة.
(أو علّمته أحدا من خلقك)؛ من الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقرّبين، والأولياء والعارفين.
(أو استأثرت به)؛ أي: اخترته واصطفيته (في علم الغيب) الذي لا يعلمه إلّا أنت، و(عندك): عنديّة مكان. قال الشوكانيّ: وفيه دليل أنّ لله تعالى أسماء غير التسعة والتسعين الاسم.
(أن تجعل القرآن العظيم) - كذا عند بعض الرواة بزيادة: «العظيم» .
و«أن» ومدخولها: ثاني مفعول «أسأل»، والمفعول الثاني ل «جعل» هو قوله:
(نور صدري)؛ أي: تشرق في قلبي نوره فأميّز الحقّ من غيره. (وربيع قلبي)؛ أي: متنزّهه، ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وثماره المشبّه بها أنواع العلوم والمعارف، وإضاءة الحكم والأحكام واللطائف.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
وجلاء حزني، وذهاب همّي» . (ابن السّنّيّ؛
(وجلاء حزني) - بكسر الجيم والمدّ- أي: إزالة حزني وكشفه، من:
جلوت السيف جلاء- بالكسر-، أي: صقلته، ويقال: جلوت همّي عني؛ أي:
أذهبته. ووقع في بعض نسخ «الحصن» - بفتح الجيم-.
قال في «الحرز»: فهو جلاء القوم عن الموضع، ومنه وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [٣/ الحشر] . والمعنى: اجعله سبب تفرقة حزني، وجمعيّة خاطري.
انتهى.
(وذهاب همّي»)؛ أي: الهمّ الذي لا ينفعني ويفرّقني لا يجمعني.
رواه (ابن السّنّيّ) - بضم السين المهملة وتشديد النون بعدها ياء النّسبة-:
وهو الإمام الجليل الحافظ: أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن بديح- بصيغة التصغير-- البديحيّ- بالموحدة؛ فالدال المهملة فالمثنّاة التحتيّة فالحاء المهملة- منسوب إلى جدّه «بديح» القرشيّ، الهاشميّ «مولاهم»، الدينوري، المعروف ب «ابن السّنّيّ» . وبديح جدّه: مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
يكنى «أبا بكر»، أحد الحفّاظ المشهورين، الثقات المأمونين، ولي قضاء القضاة بالرّي، ثمّ انفصل وتركه، ونفذ حكمه إلى العراق والحجاز ومصر.
وفي شيوخه كثرة، منهم: أبو يعلى الموصلي البغوي، وأبو الحسين بن جوصا، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عرفة الكراني، وجماعة.
روى عنه: القاضي أحمد بن عبيد الله بن شاذان، وأبو نصر أحمد بن الحسين بن الكسار، الدينوريان، وجماعة غيرهما.
توفي سنة- ٣٦٤-: أربع وستين وثلثمائة، ومات عن بضع وثمانين سنة.
رحمه الله تعالى. آمين.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
عن أبي موسى الأشعريّ) .
(عن أبي موسى الأشعريّ): عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصابه همّ أو حزن؛ فليدع بهذه الكلمات » الخ.
وقال في آخره: فقال رجل من القوم: يا رسول الله؛ إنّ المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات!؟ فقال: «أجل؛ فقولوهنّ وعلّموهنّ، فإنّه من قالهنّ التماس ما فيهنّ أذهب الله تعالى حزنه، وأطال فرحه» .
قال في «مجمع الزوائد»: وأخرجه الطبرانيّ؛ عن أبي موسى أيضا، وفيه من لم أعرفه. انتهى. وأخرجه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، والبزّار، والطبرانيّ، وابن أبي شيبة: كلّهم؛ عن ابن مسعود، وصحّحه ابن حبّان، والحاكم. وقال الحافظ ابن حجر: حديث ابن مسعود أثبت سندا وأشهر رجالا، وهو حديث حسن، وقد صحّحه بعض الأئمة.
وقال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد»: ورجال أحمد؛ وأبي يعلى رجال الصحيح، غير أبي سلمة الجهني! وقد وثّقه ابن حبّان. انتهى. لكن قال الذهبيّ:
إنّ أبا سلمة الجهني ما روى عنه إلّا فضيل بن مرزوق، ولا يعرف اسمه ولا حاله!!. قال الحافظ ابن حجر: لكنّه لم ينفرد به، وذكره مع ذلك ابن حبّان في الثقات. انتهى.
وفي رواية ابن مسعود ﵁: عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أصاب عبدا همّ ولا حزن؛ فقال: اللهمّ الخ إلّا أذهب الله حزنه وهمّه، وأبدل مكانه فرحا» .
قال في «المواهب»: وإنّما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة!! لاشتماله على الاعتراف بعبوديّة الداعي وعبوديّة آبائه وأمّهاته، وأنّ ناصيته بيده يصرّفها كيف يشاء!! وإثبات القدر، وأن أحكام الربّ تعالى نافذة في عبده؛ ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها، والله ﷾ عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
٥٢- «اللهمّ؛ احرسني بعينك الّتي لا تنام، واكنفني بكنفك الّذي لا يرام، وارحمني بقدرتك عليّ؛ فلا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري، وكم من بليّة ابتليتني قلّ لك بها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري؛ فلم يحرمني،
ثم توسّله بأسماء الربّ تعالى الذي سمّى بها نفسه، ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده؛ فلم يطلع عليه ملكا مقرّبا، ولا نبيّا مرسلا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبّها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلا للمطلوب.
ثم سؤاله أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعا؛ كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادّة الحياة وبه يتمّ معاش العباد، وأن يجعله شفاء همّه وغمّه، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء؛ ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها، فإذا صدق العليل في استعما لهذا الدواء أعقبه شفاء تاما. انتهى.
قال الزرقاني: وصدقه باليقين التام، وصدق النيّة، وخلوص الطويّة، وأن لا يقصد به التجربة، لأنّ قاصد ذلك عنده شكّ. انتهى.
٥٢- («اللهمّ؛ احرسني) - بضم الراء-: احفظني (بعينك الّتي لا تنام، واكنفني)؛ أي: استرني (بكنفك)، هذه رواية ابن أبي الدنيا، ورواية الدّيلمي «بركنك» (الّذي لا يرام)؛ أي: لا يقدر على طلبه (وارحمني بقدرتك عليّ)، لأنّ ذلك شأن الكرام، أي: الرحمة مع القدرة، (فلا أهلك وأنت رجائي)؛ أي: مرجويّ في جميع أموري.
(فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري)؛ أي: قيامي بواجبها من الطاعات!! (وكم من بليّة ابتليتني قلّ لك بها صبري!!
فيا من قلّ عند نعمته شكري؛ فلم يحرمني) - بفتح أوّله وضمه وكسر الراء-؛
[ ٤ / ٤٧٠ ]
ويا من قلّ عند بلائه صبري؛ فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا؛ فلم يفضحني.
يا ذا المعروف الّذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النّعمة الّتي لا تحصى عددا.. أسألك أن تصلّي على محمّد وعلى آل محمّد، وبك أدرأ في نحور الأعداء والجبّارين.
اللهمّ؛ أعنّي على ديني بالدّنيا، وعلى آخرتي بالتّقوى، واحفظني فيما غبت
أي: يمنعني من نعمه، من «حرم كضرب»، و«أحرم كأكرم» . (ويا من قلّ عند بليّته صبري؛ فلم يخذلني) - بضم الذال-: يترك نصرتي.
(ويا من رآني على الخطايا؛ فلم يفضحني) - بفتح الياء والضاد-: يكشف مساوئي، فأفتضح، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ، واستغراقه في شهود الجلال، وإلّا فمن يشكر ومن يصبر إذا لم يشكر ولم يصبر هو، وأيّ خطيئة له، فضلا عن خطايا، وهو أيضا من باب التعليم لأمّته.
(يا ذا المعروف الّذي لا ينقضي أبدا)؛ بل هو دائم، (ويا ذا النّعمة الّتي لا تحصى عددا)، وفي رواية: «النّعماء»، والأولى أنسب، لأنّها التي يتعلق بها العدّ، وأمّا النّعماء! فصفة له تعالى بمعنى الإنعام، لا يتعلّق بها العدّ، لأنّ الصفة لا تعدّد فيها؛ ولا تكثر.
(أسألك؛ أن تصلّي على محمّد، وعلى آل محمّد. وبك أدرأ) - بفتح الهمزة وسكون الدال وبالراء-: أدفع (في نحور الأعداء والجبّارين): العتاة المتكبّرين.
(اللهمّ؛ أعنّي على ديني بالدّنيا، وعلى آخرتي بالتّقوى، واحفظني فيما غبت
[ ٤ / ٤٧١ ]
عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته.
يا من لا تضرّه الذّنوب، ولا ينقصه العفو.. هب لي ما لا ينقصك، واغفر لي ما لا يضرّك، إنّك أنت الوهّاب.
أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من البلايا، وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية، وأسألك الشّكر على العافية،
عنه) من الأفعال التي لا أستحضرها، أو من الأهل والمال، (ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته): من الحضور: ضدّ الغيبة، وكذلك في «فهرس الكاملي»، و«الشراباتي»، و«ابن عابدين»، وغيرهم من أرباب الفهارس، ومثله في رواية ابن أبي الدنيا.
وفي «المنح»: أمّا «المواهب» !! ففي روايته من طريق الدّيلمي: «فيما حظرته عليّ» - بالظاء المشالة-؛ من الحظر: وهو المنع، ومعناه- كما قال الزرقاني على «المواهب» -: «لا تكلني إلى نفسي فيما منعته عليّ، بل إلى توفيقك؛ لئلّا أقع فيما حظرته» .
(يا من لا تضرّه الذّنوب، ولا ينقصه العفو؛ هب لي ما لا ينقصك) وصوله إليّ وهو عفوك، (واغفر لي ما لا يضرّك) وهو الذنوب.
(إنّك أنت الوهّاب): كثير النعم دائم العطا، صيغة مبالغة من الهبة؛ وهي العطيّة بلا سبب سابق ولا استحقاق، ولا مقابلة ولا جزاء.
(أسألك فرجا قريبا؛ وصبرا جميلا) لا جزع فيه، (ورزقا واسعا، والعافية من البلايا، وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية)؛ أي: السلامة من الأسقام، (وأسألك الشّكر على العافية)، أعادها مظهرة!! لأنّ مقام الدعاء يطلب فيه البسط، لأنّه مقام خطاب وخضوع.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
وأسألك الغنى عن النّاس، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم» . (الدّيلميّ؛ عن جعفر الصّادق؛ عن أبيه؛ عن جدّه [﵈]) .
(وأسألك الغنى) - بكسر الغين المعجمة والقصر- (عن النّاس، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم») ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفيّ؛ قاله الزرقاني.
(الدّيلميّ)؛ أي: أخرجه أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي، الهمذاني، المتوفى سنة- ٥٥٨-: ثمان وخمسين وخمسمائة، يتصل نسبه بالضّحّاك بن فيروز الديلمي الصحابي.
وقد أخرجه الديلمي في كتاب «مسند الفردوس»؛ (عن جعفر الصادق)، لصدقه في مقاله؛ من سادات أهل البيت.
(عن أبيه) محمد الباقر؛ (عن جدّه) عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؛ مرسلا، لأنّ جدّه تابعيّ: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدّعاء: «اللهمّ احرسني الخ.
وذكره المصنّف في «رياض الجنة»؛ وقال: أخرجه ابن عساكر؛ عن جعفر بن محمد؛ عن أبيه؛ عن جدّه: عليّ زين العابدين؛ عن أبيه الحسين؛ عن أبيه عليّ رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ إذا حزبه أمر دعا بهذا الدّعاء:
«اللهمّ؛ احرسني- إلى قوله- العظيم» . وكان يقول: إنّه دعاء الفرج.
وهو حزب عظيم، مشهور بالبركة، مجرّب لدفع الشدائد، مسلسل بقول كلّ راو: «كتبته وها هو في جيبي» . وقد بسطتّ الكلام عليه في كتابي: «سعادة الدارين في الصلاة على سيّد الكونين ﷺ» . انتهى.
وقال المصنّف في «سعادة الدارين»: رأيت في بعض المجاميع ما نصّه:
[ ٤ / ٤٧٣ ]
أخبرنا الشيخ أبو العباس: أحمد بن محمد بن حسن اللواتي؛ قال: أخبرنا أبو الحسين: يحيى بن محمد عرف ب «ابن الصائغ»؛ قال: أخبرنا أبو القاسم بن خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال؛ قال: أخبرنا أبو الحسن: محمّد بن عبد الرحمن «صاحبنا» بقراءتي عليه؛ قال: أخبرنا أبو القاسم بن صواب سماعا؛ قال: أخبرنا أبو مروان: عبد الملك بن زيادة الله الطبني؛ قال: حدثنا أبو القاسم بن بندار، قال: حدثني محمد بن علي بن محمد بن صخر الأزدي، أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو عياض: أحمد بن محمد بن يعقوب الهرويّ الشافعي؛ قال: أنبأنا أحمد بن منصور الحافظ؛ قال: أنبأنا أبو الحسن: علي بن الحسين بن أحمد القطّان البلخي «المحتسب بمدينة رسول الله ﷺ؛ وكان صدوقا»؛ قال: أنبأنا محمد بن هارون الهاشمي؛ قال: حدثنا محمد بن يحيى المازنيّ؛ قال: أنبأنا موسى بن سهل عن الربيع؛ قال: لمّا استولى على الخلافة أبو جعفر المنصور؛ قال لي: يا ربيع؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد. قال: فقمت بين يديه؛ فقلت: أيّ بليّة يريد أن يفعل، وأو همته أنّي أفعل، ثم أتيته بعد ساعة؛ فقال: ألم أقل لك؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد!؟ فو الله؛ لتأتينّي به، أو لأقتلنّك شرّ قتلة، قال: فذهبت إليه؛ فقلت: أبا عبد الله؛ أجب أمير المؤمنين!! فقام معي، فلمّا دنونا من الباب قام فحرّك شفتيه ثمّ دخل، فسلّم فلم يردّ ﵇، ووقف فلم يجلسه، ثم رفع رأسه؛ فقال: يا جعفر؛ أنت الذي ألّبت وكثّرت؛ وقد حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال: «ينصب للغادر لواء يوم القيامة يعرف به» !؟
قال جعفر: حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة من بطنان العرش: ألا فليقم من كان أجره على الله!! فلا يقوم من عباد الله إلّا المتفضّلون» .
فلم يزل يقول حتّى سكن ما به ولان له، فقال: اجلس أبا عبد الله؛ ارتفع
[ ٤ / ٤٧٤ ]
أبا عبد الله، ثم دعا بمدهن غالية، فجعل يغلّفه بيده والغالية تقطر من بين يدي أمير المؤمنين، ثم قال: انصرف أبا عبد الله؛ في حفظ الله. وقال لي: يا ربيع؛ اتبع أبا عبد الله وأعطه جائزته وأضعفها له. قال: فخرجت؛ فقلت: يا أبا عبد الله؛ تعلم محبّتي لك!! قال: أنت منّا، حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال: مولى القوم منهم» . قلت: يا أبا عبد الله؛ شهدت ما لم تشهد، وسمعت ما لم تسمع، وقد دخلت ورأيتك تحرّك شفتيك عند دخولك إليه؟! قال: نعم؛ دعاء كنت أدعو به. قال: دعاء حفظته عند دخولك إليه؛ أم شيء تأثره عن آبائك الطاهرين؟ قال: لا، بل حدّثني أبي عن جدّه: «أنّ رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء، وكان يقول: «دعاء الفرج» . وهو هذا: «اللهمّ إلى قوله العظيم» .
قال الربيع: فكتبته من جعفر بن محمد؛ فها هو في جيبي. قال موسى بن سهل: فكتبته من الربيع؛ فها هو في جيبي. قال محمد بن يحيى: فكتبته من موسى؛ فها هو في جيبي. قال: محمد بن هارون، فكتبته من محمّد بن يحيى؛ فها هو في جيبي. قال أبو الحسن عليّ بن الحسين: فكتبته من محمد بن هارون؛ فها هو في جيبي. قال أحمد بن منصور: فكتبته من عليّ بن الحسين؛ فها هو في جيبي. قال أبو عياض أحمد بن محمد الهروي: فكتبته من أحمد بن منصور؛ فها هو في جيبي. قال: محمد بن عليّ بن صخر: فكتبته عن أبي عياض؛ وجعلت نسخته في جيبي. قال أبو القاسم ابن بندار: هو عندي بخطّ القاضي ابن صخر أبي الحسن. قال أبو مروان الطبني: فكتبته عن ابن بندار أبي القاسم؛ وهو عندي. قال أبو القاسم بن صواب: فكتبته عن أبي مروان عبد الملك الطبني؛ وهو عندي. قال أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن: كتبته عن أبي القاسم بن صواب؛ فها هو عندي. قال أبو القاسم ابن بشكوال: فكتبته عن أبي الحسن محمد بن عبد الرحمن؛ فها هو عندي. قال الشيخ أبو الحسين بن الصائغ: فكتبته عن أبي القاسم بن بشكوال؛ فها هو عندي. وأراناه.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
قال شيخنا أبو العبّاس- أيّده الله-: كتبته عن أبي الحسين، وها هو عندي، وأراناه. وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلم.
وبخط اللّواتي المذكور قرأ جميع هذا الدعاء وسلسله؛ كما فيه عليّ بن إبراهيم بن سوار البوصيري، وقرأه ابن النّعمان المزالي على اللّواتي المذكور وسلسله، واتصّل سندنا بشيخنا شيخ الإسلام؛ بركة الأنام؛ محمّد البهائي «خادم السنّة بثغر دمياط» بإجازته من الشيخ إبراهيم الكوراني المدني؛ عن الشيخ أحمد العشاشي المدنيّ؛ عن الشمس محمّد الرّملي؛ عن شيخ الإسلام زكريّا الأنصاري؛ عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني عمّن لقي من أصحاب ابن النّعمان. والحمد لله على ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى.
ثمّ رأيته في ثبت العلامّة الشيخ محمد عابد بن أحمد علي الأنصاري الخزرجي السنديّ ثم المدنيّ؛ المسمّى: «حصر الشارد من أسانيد محمد عابد» بسند آخر يجتمع مع السند المتقدم في أبي الحسن محمد بن علي الأزدي.
قال الشيخ محمد عابد المذكور:
المسلسل بقول كل راو من الرواة «كتبته؛ فها هو في جيبي»:
أرويه عن السيد عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبيه؛ عن السيّد أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل، عن السيّد يحيى بن مقبول الأهدل، عن السيّد أبي بكر بن علي البطاح الأهدل، عن السيّد يوسف بن محمّد البطاح الأهدل، عن السيد الطاهر بن حسين الأهدل، عن الحافظ عبد الرحمن بن عليّ الديبع، عن الشمس محمّد بن عبد الرحمن السخاوي قال: أنبأنا الشيخان؛ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ البيضاوي، والكاتبة مريم بنت علي بن عبد الرحمن؛ قالت الثانية: أنبأنا المحبّ محمد بن أحمد الطبري- سماعا- وعبد الله بن سليمان المكي إذنا؛ إن لم يكن سماعا. وقال الأوّل: أنبأنا أبو السادة عبد الله بن أسعد
[ ٤ / ٤٧٦ ]
اليافعي قال: هو والمكيّ: أنبأنا الرضي أبو إسحاق الطبري؛ قال: أنبأنا المحبّ أحمد بن عبد الله الطبري؛ قال: أنبأنا التقيّ أبو الحسن: عليّ بن أبي بكر الطبري قال: أنبأنا التقيّ أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني الفقيه، قال: أنبأنا الحافظ أبو الحسن عليّ بن الفضل المقدسي.
قال السخاوي: قال شيخي الأول- وهو أعلى-: أنبأنا الإمام المجد أبو الطاهر الفيروز آبادي، وكتب إليّ أيضا عاليا: عبد الرحمن قالا: أنبأنا محمّد بن أبي القاسم الفارقي؛ قال: أنبأنا عليّ بن أحمد العراقي؛ قال: أنبأنا جعفر بن عليّ قال: أنبأنا الشريف أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الديباجي؛ قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن صدقة بن سليمان الإسكندري؛ قال: حدّثنا أبو الفتح نصر بن الحسين بن القاسم الشاشي، قدم علينا إسكندرية، قال؛ حدّثنا عليّ بن الحسين بن إبراهيم العاقولي؛ قال: حدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر الأزدي إلى آخر السند المتقدّم!!. وقال كلّ من الرواة «كتبته من فلان؛ وها هو في جيبي» إلى أن قال محمّد عابد «صاحب الثبت» المذكور: فكتبته عن شيخنا السيّد عبد الرحمن بن سليمان؛ وأجازني به. قال:
وقد أخرج الديلمي هذا الحديث في «الفردوس» بلفظ «يا عليّ؛ إذا حزبك أمر؛ فقل: اللهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام الخ» .
وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدّة» أيضا. انتهى ما في «سعادة الدارين» .
قلت: والذي أخرجه ابن أبي الدنيا فيه بعض مخالفة لما هنا، ومن طريق ابن أبي الدنيا أورده السيوطيّ في «الأرج في الفرج»، وفي الدعاء بعض مخالفة، وليس فيه إسناد الدعاء إلى النبي ﷺ!!.
وأورد القسطلّاني في «المواهب» رواية الديلمي- كما في المصنف-، وهو حديث جليل، حسن غريب، أخرجه ابن الطيلسان، وأبو عليّ بن أبي الأحوص،
[ ٤ / ٤٧٧ ]
٥٣- «اللهمّ؛ طهّر قلبي من النّفاق، وعملي من الرّياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنّك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور» .
وغيرهما من أرباب المسلسلات. قال ابن الطيلسان: قد جرّبت بركته في غير ما شيء من الشدائد النازلة، وجرّبه غير واحد ممّن كتبه عنّي؛ فوجدنا نفعه، والحمد لله.
وفي «ثبت الكاملي» الذي جمعه المنلا إلياس الكوراني: هو حديث، ودعاء، وتميمة، وقد وجد فيه ما يرغب في الاعتناء به، وفيه ما يدلّ على أنّه مشتمل على اسم الله الأعظم.
انتهى كلام المصنّف في «سعادة الدارين» . رحمه الله تعالى آمين.
٥٣- («اللهمّ؛ طهّر قلبي من النّفاق)؛ أي: من إظهار خلاف ما في الباطن، وهذا قاله تعليما لغيره كيف يدعو.
(وعملي من الرّياء) - بمثنّاة تحتيّة- أي: حبّ اطّلاع الناس على عملي.
(ولساني من الكذب)؛ أي: ونحوه من الغيبة والنميمة.
(وعينيّ) - بالتثنية والإفراد- (من الخيانة)؛ أي: النظر إلى ما لا يجوز.
(فإنّك تعلم خائنة الأعين)؛ أي: الرمز بها، أو مسارقة النظر، أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعين الخائنة، (وما تخفي) القلوب الحالّة في (الصّدور») من الوسوسة وإضمار الخيانة.
وهذا قاله المصطفى ﷺ- مع أنّ ذاته الشريفة جبلت على الطهارة ابتداء، ونزعت من قلبه علقة الشيطان، وأعين على شيطانه فأسلم- تشريعا؛ من قبيل قوله وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدثر] . وكانت ثيابه طاهرة على كلّ تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشريّة، وهو ﵊ المشرّع المربّي، فعمل على ما تقتضيه البشريّة؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
[ ٤ / ٤٧٨ ]
(الحكيم، خط؛ عن أمّ معبد الخزاعيّة [رضي الله تعالى عنها]) .
٥٤- «ربّ؛ أعنّي ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي
(الحكيم)؛ أي: أخرجه الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» .
(خط)؛ أي: وأخرجه الخطيب: كلاهما؛
(عن أمّ معبد) بنت خالد (الخزاعيّة) الكعبيّة: عاتكة التي نزل عليها المصطفى ﷺ في طريق الهجرة. قال العراقيّ: سنده ضعيف.
٥٤- («ربّ؛ أعنّي)؛ أي: «على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»؛ كما في حديث آخر. (ولا تعن عليّ) من يمنعني عن ذلك. ويحتمل أن يكون المراد:
أعنّي على أعدائك الذين يريدون قطعي عنك، ولا تعن أحدا منهم عليّ.
وعلى هذا التقرير فيكون قوله: (وانصرني ولا تنصر عليّ) تأكيدا لما قبله، أو من عطف الخاصّ على العامّ، لأنّ الأوّل في الأعداء المقاتلين وغيرهم، والثاني في المقاتلين، وعلى التقرير الأوّل؛ فقوله: «وانصرني»، أي: على نفسي وشيطاني وسائر أعدائي، و«لا تنصر عليّ» أي: أحدا من خلقك؛ من عطف العام على الخاص.
(وامكر لي) هذا مما استعمل في حقه تعالى والمراد غايته، كما هو القاعدة في كلّ ما استحالت حقيقته على الله تعالى، إذ المكر: الخداع؛ وهو إبطال الحيلة للغير حتى ينفذ فيه ما يريده به من الشرّ، وهذا محال على الله ﷿، إذ لا يفعل ذلك إلّا عاجز عن الأخذ مقاهرة، ولكن غايته إيقاع البلاء بالعدوّ من حيث لا يشعر، أو استدراجه بالطاعة حتى يظنّ أنه على شيء، ومن ثمّ قال بعض العارفين- في قوله تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) [الأعراف]-: نظهر لهم الكرامات حتى يظنو أنّهم من الأولياء، ثمّ نأخذهم على غرّة. فقوله: «امكر لي»؛ أي: أوقع البلاء بالأعداء من حيث لا يشعرون.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
ولا تمكر عليّ، واهدني، ويسّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ.
ربّ؛ اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مطواعا، لك مخبتا،
(ولا تمكر عليّ) بالاستدراج بالطاعة وتوهّم أنّها مقبولة؛ وهي مردودة.
(واهدني)؛ أي: دلّني على عيوب نفسي، وأوصلني إلى المقامات الكريمة، (ويسّر الهدى لي)؛ أي: سهّل أسبابه لي، (وانصرني على من بغى عليّ)؛ أي: ظلم وتعدّى وطغى. وهذا تأكيد لقوله: «أعنّي الخ» .
(ربّ؛ اجعلني لك)؛ أي: وحدك، كما أفادة تقديم المعمول، وكذا في الباقي، فتقديم الصلات لذلك والاهتمام.
(شاكرا) بلساني وجناني وأركاني؛ بأن أصرف ذلك كلّه إلى ما خلقته لأجله؛ من دوام الذكر، وشهود الجلال، والقيام بوظائف الخدمة والعبوديّة.
(لك ذاكرا)؛ أي: باللسان والجنان بذكر أسمائك، وجلائل نعمك ودقائقها، فهو كالتأكيد لما علم- ممّا تقرّر في الشكر أنّه يشمله- وكذا يقال فيما بعده. (لك راهبا)؛ أي: منقطعا عن الخلق، متجرّدا عنهم، متوجّها إلى الحضور مع الحقّ. (لك مطواعا) - بكسر أوّله وسكون ثانيه المهمل- أي: كثير الطّوع: وهو الطاعة؛ ذكره الطّيبي.
(لك مخبتا)، قيل: الأصل: إليك؛ كما في وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [٢٣/ هود] وعدل منه إلى اللّام!! تأكيدا لمعنى الاختصاص المتبادر من التقديم.
والمخبت: قال ابن الجزري: الخاشع؛ من الإخبات: الخشوع والتواضع.
وقال ابن حجر الهيتميّ: مخبتا؛ أي: وجل القلب عند ذكرك، صابرا على ما أصابني، مقيما للصلاة على ما ينبغي، منفقا ممّا رزقتني.
[ ٤ / ٤٨٠ ]
إليك أوّاها منيبا.
ربّ؛ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حجّتي، واهد قلبي،
دلّ على ذلك قوله وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) [الحج] .
وأصل الإخبات: الطّمأنينة، ومنه وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [٢٣/ هود]، أي:
اطمأنّت نفوسهم إلى امتثال جميع ما برز منه، والمخبت: الخاشع المتواضع.
انتهى «شرح الأذكار» .
(إليك أوّاها) أتى ب «إلى» في هذا المقام!! لكونها أظهر تبادلا؛ أو معنى من اللّام. والأوّاه: مبالغة من: أوّه تأويها؛ إذا قال: أوّه، وهو صوت الحزين المتفجع.
(منيبا)؛ أي: اجعلني راجعا إليك عن المعصية إلى الطاعة، وعن الغافلة إلى الحضرة.
(ربّ؛ تقبّل توبتي)؛ أي: اجعلها قابلة للقبول، (واغسل حوبتي) - بفتح المهملة-، والحوب- بالضم والفتح-: الإثم، وغسلها كناية عن إزالتها بالكليّة؛ بحيث لا يبقى منها أثر.
(وأجب دعوتي)؛ أي: جميع دعواتي؛ كما أفادته الإضافة وذكر!! لأنّه من فوائد القبول التوبة. وذكر ابن حجر في «شرح المشكاة»: أنّ دعوات التائب مستجابة بإعطائها نفسها، أو ما هو أفضل منها.
(وثبّت حجّتي)؛ أي: على أعدائك في الدنيا، وعند إجابة الملكين في البرزخ، وبين يديك عند الحساب يوم القيامة.
(واهد قلبي)؛ أي: أوصله إلى دوام مراقبة اطّلاعك عليه، ثمّ شهود
[ ٤ / ٤٨١ ]
وسدّد لساني، واسلل سخيمة صدري» . (ت، د، هـ؛ عن ابن عبّاس) .
٥٥- «اللهمّ؛ أغنني بالعلم،
عظمتك، بحيث يكون فانيا عما سواك، راغبا في دوام إمدادك ورضاك.
(وسدّد لساني)؛ أي: اجعله متحرّيا للسداد؛ فلا أنطق إلّا بالحق فأكون مصيبا، كما أنّ من سدّد ساعده عند رمية سهمه يكون مصيبا غالبا.
(واسلل سخيمة صدري»)؛ أي: أخرجها. من سلّ السيف؛: أخرج من غمده، والسّخيمة هنا- كما قال النوويّ-: الحقد، وجمعها السخائم؛ أي:
أخرج ما في صدري؛ من الحسد والكبر وغيرهما من الأخلاق الرديئة، من السّخمة: وهي السواد، ومنه سخائم القدر.
وإضافتها للصدر!! لأنّ مبدأها- أي: غالبا- القوّة الغضبيّة المنبعثة من القلب الذي هو في الصدر. وفي رواية ابن أبي شيبة: «قلبي» بدل «صدري»؛ قاله ابن علّان.
(ت، د، هـ)؛ أي: أخرجه الترمذيّ، وأبو داود، وابن ماجه- كما في المصنّف-؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وكذا أخرجه عنه النسائي، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما»؛ كما في «السلاح» . ورواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه»؛ كما في «الحصن»؛ قاله ابن علان.
وكذا رواه الإمام أحمد في «مسنده» .
٥٥- («اللهمّ؛ أغنني بالعلم)؛ أي: علم طريق الآخرة، إذ ليس الغنى إلّا به، وهو القطب؛ وعليه المدار، لأنّ العلم والعبادة جوهران؛ لأجلها كان كلّ ما ترى وتسمع؛ من تصنيف المصنفين، وتعليم المعلّمين، ووعظ الواعظين،
[ ٤ / ٤٨٢ ]
وزيّنّي بالحلم، وأكرمني بالتّقوى، وجمّلني بالعافية» . (ابن النّجّار؛
ونظر الناظرين. بل لأجلهما أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل. بل لأجلها خلقت السموات والأرض وما فيهما من الخلق، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢) [الطلاق] .
وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم؛ لا سيّما علم معرفة الله. والعلم أشرف الجوهرين؛ وأفضلها، فمن أوتي العلم فهو الغنيّ بالحقيقة؛ وإن كان فقيرا من المال، ومن حرم العلم- لا سيّما علم المعرفة والتوحيد- فهو الفقير بالحقيقة؛ وإن كان غنيّا بالمال، ولهذا قال:
من عرف الله فلم تغنه معرفة الله فذاك الشّقيّ
قاله المناوي في «كبيره» .
(وزيّنّي بالحلم)؛ أي: اجعله زينة لي، فإنّه لا زينة كزينته.
(وأكرمني بالتّقوى) لأكون من أكرم الناس عليك؛ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١٣/ الحجرات] . (وجمّلني بالعافية»)، فإنّه لا جمال كجمالها.
وقد قيل: العافية تاج على رؤوس الأصحّاء لا يعرفها إلّا المرضى، وخصّ سؤال الإكرام بالتقوى!؟ موافقة للآية الكريمة في قوله إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ لأنّها أساس كلّ خير وعماد كلّ فلاح، وسبب لسعادة الدنيا والعقبى. ولقد صدق القائل:
من اتّقى الله فذاك الذي سيق إليه المتجر الرّابح
وقال الآخر:
ما يصنع العبد بغير التّقى والعزّ كلّ العزّ للمتّقي
وهب أنّ الإنسان تعب جميع عمره، وجاهد وكابد؛ أليس الشأن كلّه في القبول!؟ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) [المائدة] . فمرجع الأمر كلّه للتقوى.
(ابن النّجّار)؛ أي: أخرجه ابن النّجّار في «تاريخه» .
[ ٤ / ٤٨٣ ]
عن ابن عمر) .
٥٦- «اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلّها.
وهو الإمام العلّامة الحافظ: محمّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن، محبّ الدين بن النجار؛ البغداديّ، الحافظ، المؤرّخ، الأديب، أحد أفراد عصره.
ولد في بغداد في ذي القعدة الحرام، سنة- ٥٧٨-: ثمان وسبعين وخمسمائة هجريّة.
وسمع من الحافظ ابن الجوزيّ الواعظ وغيره.
ورحل إلى الشام ومصر والحجاز وخراسان وأصبهان ومرو وهراة ونيسابور، مع الكثير، وحصّل الأصول والمسانيد، واستمرت رحلته سبعا وعشرين سنة، واشتملت «مشيخته» على ثلاثة آلاف شيخ.
وكان إماما حجّة، ثقة حافظا، مقرئا، أديبا، عارفا بالتاريخ وعلوم الأدب، حسن الإلقاء والمحاضرات، وله التصانيف الممتعة؛ منها «تاريخ بغداد»: ذيّل به على «تاريخ بغداد» للحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي، واستدرك عليه، وهو تاريخ حافل، دل على تبحّره في التاريخ، وسعة حفظه للتراجم والأخبار.
وكانت وفاته في بغداد سنة- ٦٤٣- ثلاث وأربعين وستمائة هجرية، رحمه الله تعالى آمين.
(عن ابن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، ورواه عنه الإمام الرافعيّ أيضا.
٥٦- («اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي): جمع ذنب، والذنب: ماله تبعة دنيويّة؛ أو أخرويّة، مأخوذ من الذّنب. ولما كان المصطفى ﷺ معاتبا بترك ما هو الأولى تأكيدا لعصمته- أطلق عليه اسم الذنب. (وخطاياي): جمع خطيئة، ويقال:
خطيّة، وهي مرادفة للذنب- كما في كتب اللغة- وإن كان أصل العطف يقتضي المغايرة. (كلّها)؛ أي: صغيرها وكبيرها.
[ ٤ / ٤٨٤ ]
اللهمّ؛ أنعشني، واجبرني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق؛ فإنّه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيّئها إلّا أنت» .
(طب؛ عن أبي أمامة [رضي الله تعالى عنه]) .
٥٧- «اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا، ورزقا
(اللهمّ؛ أنعشني) - بهمزة قطع ويجوز وصلها-، أي: ارفعني وقوّ جأشي، (واجبرني)؛ أي: أصلح شأني بحصول الغنى لي.
(واهدني لصالح الأعمال) .
أي: للأعمال الصالحة.
(والأخلاق): جمع خلق- بالضم-: الطبع والسجيّة، وجمعه!! باعتبار مخالفته الناس ومجاملتهم، كما أشار إليه خبر: «وخالق النّاس بخلق حسن» .
(فإنّه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيّئها) عنّي (إلّا أنت»)؛ لأنّك المقدّر للخير والشرّ، فلا يطلب جلب الخير إلّا منك، ولا دفع الشرّ إلّا منك وحدك.
وفيه حذف من الأوّل، فكأنّه قال: واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، واصرف عنّي سيّئها؛ فإنّه لا يهدي الخ.
(طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»؛ (عن أبي أمامة) الباهليّ رضي الله تعالى عنه قال: ما صلّيت وراء نبيّكم ﷺ إلّا سمعته يقول ذلك!!.
قال الحافظ الهيثميّ: رجاله وثّقوا. وكذا رواه ابن السّنّيّ عن أبي أمامة الباهليّ.
قال في «شرح الأذكار»: وهو حديث غريب؛ كما قاله الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، انتهى.
٥٧- («اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا)؛ أي: شرعيا، أعمل به، وقدم على ما بعده؟ لأنه طريق إلى معرفة الحلال والحرام وأسباب القبول. (ورزقا
[ ٤ / ٤٨٥ ]
طيّبا، وعملا متقبّلا» . (حم، هـ؛ عن أمّ سلمة) .
٥٨- «اللهمّ؛ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق.. أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي.
اللهمّ؛ وأسألك خشيتك في الغيب والشّهادة،
طيّبا)؛ أي: حلالا ملائما للقوّة، معينا على الطاعة والعبادة، (وعملا متقبّلا») بفتح الباء-؛ أي: مقبولا؛ بأن يكون مقرونا بالإخلاص.
(حم)؛ أي: أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه؛ (عن أمّ سلمة) رضي الله تعالى عنها، «زوج النبيّ ﷺ، وأم المؤمنين» وقد تقدّمت ترجمتها.
وكذا رواه عنها ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة»، والنسائي في «السنن الكبرى»، وأبو يعلى، والدارقطني في «الأفراد»، والطبرانيّ في «الصغير»، وهو حديث حسن لشاهده؛ كما قال الحافظ ابن حجر وخرّجه من طرق. انتهى «شرح الأذكار» .
٥٨- («اللهمّ؛ بعلمك الغيب) - الباء للاستعطاف والتذلل-؛ أي: أنشدك بحقّ علمك ما خفي على خلقك ممّا استأثرت به، فالغيب مفعول به؛ أي: أتوسّل إليك بهذه الصفة المتعلّقة بكلّ شيء.
(وقدرتك على الخلق)؛ أي: جميع المخلوقات؛ من إنس وجنّ وملك وغيرها. (أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي) عبّر بما في الحياة!! لاتّصافه بالحياة حالا؟ وب «إذا» الشرطيّة في الوفاة!! لانعدامها حال التمنّي؟ أي: إذا آل الحال أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفّني.
(اللهمّ؛ وأسألك خشيتك في الغيب) عن أعين الناس، (والشّهادة) للناس، أي: في السّر والعلانية، فإنّ خشية الله رأس كلّ خير.
والشأن في الخشية في الغيب!! لمدحه تعالى من يخافه بالغيب، قال تعالى
[ ٤ / ٤٨٦ ]
وأسألك كلمة الإخلاص في الرّضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرّة عين لا تنقطع، وأسألك الرّضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت،
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) [الملك] .
(وأسألك كلمة الإخلاص)، أي: النطق بالحقّ (في الرّضا والغضب)، أي: في حالتي رضا الخلق منّي وغضبهم عليّ فيما أقوله؛ فلا أداهن، ولا أنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي، بحيث لا تلجئني شدّة الغضب إلى النطق بخلاف الحقّ، ككثير من الناس إذا اشتدّ غضبه أخرجه من الحقّ إلى الباطل.
قال الحفني: ولا مانع من إرادة الأمرين معا، أي: أسألك ألاأخرج عن الحق في جميع الأحوال.
(وأسألك القصد)؛ أي: التوسط (في الفقر) بأن لا أقتّر في حال فقري، (والغنى)؛ أي: التوسّط في الغنى بأن لا أسرف وأنفق المال فيما لا يليق.
(وأسألك نعيما لا ينفد) - بالدال المهملة- أي: لا ينقضي، وهو نعيم الآخرة.
(وأسألك قرّة عين) بكثرة النسل المستمرّ بعدي، أو بالمحافظة على الصلاة، لقوله: «وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» .
(لا تنقطع)؛ بل تستمرّ ما بقيت الدنيا، وقيل: أراد قرّة عينه بدوام ذكره وكمال محبّته والأنس به. قال بعضهم: من قرّت عينه بالله قرّت به كلّ عين؛ قاله المناوي.
وقال الحفني: قوله: «قرّة عين»؛ أي: فرّحني دائما، وخصّ العين!!؟
لأنّها سبب في فرح القلب عند نظرها ما يسر.
(وأسألك الرّضا بالقضاء) بأن تسهّله عليّ فأتلقّاه بانشراح صدر.
(وأسألك برد العيش بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات المقرّبين، فهو كناية عن السرور الدائم.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك، والشّوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة.
اللهمّ؛ زيّنّا بزينة الإيمان،
وقيّد ببعد الموت!! لأنّ السرور الدائم لا يتيسر في الدنيا، لأنّها دار همّ وغمّ وسقم.
هي الدّنيا تقول بملء فيها حذار حذار من بطشي وفتكي
(وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك)؛ أي: الفوز بالتجلّي الذاتيّ الأبدي الذي لا حجاب بعده، ولا مستقرّ للكمّل دونه؛ وهو الكمال الحقيقيّ.
وقيّد النظر باللّذّة!! إيذانا بأنّ المسؤول هو نظر اللطف والجمال في الجنّة، لا نظر الهيبة والجلال في عرصات القيامة. (والشّوق) - بالنصب- أي: وأسألك الشوق (إلى لقائك) . قال ابن القيّم: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا؛ وهو الشوق إلى لقائه، وأطيب ما في الآخرة؛ وهو النظر إليه.
(في غير ضرّاء مضرّة) بأن لا يكون هناك ضرّاء أصلا، أو هناك ضرّاء غير مضرّة، وذلك أنّ أهل الشوق إلى اللقاء الذين هم أهل الحبّ الخالص المشاهدون لذاته تعالى؛ قد يحصل لهم حجب عن الشهود في بعض الأحيان، ثمّ يزول ويرجع لهم الشهود، فهذا الحجب ضرر، لكنه غير مضرّ لكونه يزول، فإن دام! فهو الضرر المضرّ، وبعض أهل الله لا يحصل لهم حجب أصلا؛ فضلا عن دوامه.
(ولا فتنة مضلّة)؛ أي: موقعة في الحيرة، مفضية إلى الهلاك.
قال القونوي: الضّراء المضرّة: حصول الحجاب بعد التجلّي، والتجلّي بصفة تستلزم سدل الحجب، والفتنة المضلّة: كلّ شبهة توجب الخلل، أو تنقص في العلم والشهود.
(اللهمّ؛ زيّنّا بزينة الإيمان)، وهي زينة الباطن، إذ لا معوّل إلّا عليها، لأنّ
[ ٤ / ٤٨٨ ]
واجعلنا هداة مهتدين» . (ن، ك؛ عن عمّار بن ياسر [رضي الله تعالى عنهما]) .
الزينة زينتان: زينة البدن، وزينة القلب؛ وهي أعظمهما قدرا، وإذا حصلت زينة القلب حصلت زينة البدن على أكمل وجه.
والمعنى: اللهمّ اجعلنا مستكملين لشعب الإيمان؛ لتتنوّر بواطننا بالنّور الناشىء عن التصديق القلبيّ فيظهر نوره علينا.
(واجعلنا هداة)؛ أي: نهدي غيرنا (مهتدين») في أنفسنا، لأنّ الهادي إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح كونه هاديا لغيره؛ لأنّه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر.
(ن، ك)؛ أي: أخرجه النسائيّ، والحاكم؛ أي: وكذا الإمام أحمد في «المسند»، كلهم؛ (عن) أبي اليقظان (عمّار بن ياسر) العنسي- بالعين المهملة المفتوحة والنون الساكنة والسين المهملة- ثم المذحجيّ؛ القحطانيّ نسبا، المخزوميّ حلفا وولاء، المكّي ثمّ المدنيّ ثمّ الشاميّ ثمّ الدمشقيّ.
أحد السابقين الأوّلين المعذّبين في الله أشدّ العذاب، وكذا عذّب أبوه وأمّه سميّة، ومرّ بهم النبيّ ﷺ؛ وهم يعذّبون فقال: «صبرا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة»، وكانت سميّة أمّه أوّل شهيدة في الإسلام.
شهد عمّار جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان مخصوصا منه بالبشارة والترحيب، والبشاشة والتطييب، وأخبر أنه أحد الأربعة الذين تشتاق إليهم الجنّة، وقال له: «مرحبا بالطّيّب المطيّب» .
وأخبر أنّه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وقال: عمّار جلدة ما بين عيني وأنفي»، وقال: «اهتدوا بهدي عمّار»، وقال: «من عادى عمّارا عاداه الله، ومن أبغض عمّارا أبغضه الله» . وآخى النبيّ ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقّاص.
ولمّا أخبر ﷺ أنه أكره على الكفر فكفر؛ قال: «كلّا؛ والله إنّ عمّارا ملىء إيمانا من قرنه إلى مشاشه» . ونزل فيه قوله تعالى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [١٠٦/ النحل] .
[ ٤ / ٤٨٩ ]
٥٩- «اللهمّ؛ أنت خلقت نفسي، وأنت توفّاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها.. فاحفظها، وإن أمتّها.. فاغفر لها.
اللهمّ؛ إنّي أسألك العافية»
ولّاه عمر على الكوفة؛ وكتب إليهم: إنّه من النّجباء الرّفقاء؛ فاعرفوا له قدره.
روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وستّون حديثا؛ اتّفقا منها على واحد، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بواحد. وأخرج عنه أصحاب «السّنن» وغيرهم.
قتل ﵁ بصفّين؛ سنة: سبع وثلاثين، عن ثلاث وخمسين سنة، قال قبل أن يقتل: ائتوني بشربة لبن، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «آخر شربة تشربها شربة لبن»؛ كذا نقل من «الرياض» للعامريّ باختصار.
٥٩- («اللهمّ؛ أنت خلقت نفسي)؛ أي: أوجدتها من العدم، وأبدعتها على غير مثال سبق. (وأنت توفّاها) - بحذف إحدى التاءين للتّخفيف- أي:
تتوفّاها.
وحسن الحذف هاهنا!! لئلّا يجتمع ثلاث تاءآت؛ قاله ابن الجزريّ في «مفتاح الحصن» .
(لك مماتها ومحياها)؛ أي: موتها وحياتها ملكان لك، لا يملك غيرك شيئا من ذلك، قال تعالى وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣) [الفرقان] .
(إن أحييتها فاحفظها) من البليّات، وممّا يوجب العذاب أو يقتضي الحجاب، (وإن أمتّها فاغفر لها) ذنوبها وسائر المخالفات والتقصيرات، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك)، أي: أطلب منك (العافية») - تعميم بعد تخصيص- أي: أسألك العافية في اليقظة والمنام، وفي الحياة الدنيا من سائر الآلام وجميع
[ ٤ / ٤٩٠ ]
(م؛ عن ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما]) .
٦٠- «اللهمّ؛ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي.
المؤذيات والأسقام، وفي الآخرة من حلول دار الانتقام، والبعد عن رضا الملك العلّام.
(م)؛ أي: أخرجه مسلم في «صحيحه»؛ من حديث خالد بن عبد الله بن الحارث (عن ابن عمر) بن الخطّاب، ورواه عنه النسائي أيضا.
قال خالد: سمعت عبد الله بن الحارث يحدّث عن ابن عمر: أنّه أمر رجلا إذا أخذ مضجعه أن يقول ذلك، فقال له رجل: سمعت هذا من عمر!؟ فقال: من خير من عمر.. من رسول الله ﷺ.
وأخرجه أبو يعلى؛ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر قال: وليس لعبد الله بن الحارث- وهو أبو الوليد البصري؛ نسيب ابن سيرين- إلّا هذا الحديث الواحد عن ابن عمر في الصحيح.
٦٠- («اللهمّ؛ اغفر لي خطيئتي)؛ أي: ذنبي، ويجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطيتي- بالتحتيّة المشدّدة- (وجهلي)، أي: ما صدر منّي من أجل جهلي.
وفيه إيماء إلى قوله تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [النساء] .
قال البغويّ: أجمع السلف على أنّ من عصى الله تعالى؛ فهو جاهل؛ قاله في «شرح الأذكار» لابن علّان رحمه الله تعالى.
وقال الحفني: قوله: «وجهلي» أي: ما يقع منّي حال الجهل.
(وإسرافي في أمري)؛ أي: مجاوزتي الحدّ في كلّ شيء، (وما أنت أعلم به منّي) من المعاصي والسيّئات، والتقصير عن الطاعات؛ ممّا علمته وممّا لم أعلمه، فهو تعميم بعد تعميم.
[ ٤ / ٤٩١ ]
اللهمّ؛ اغفر لي خطيئتي وعمدي، وهزلي وجدّي، وكلّ ذلك عندي.
(اللهمّ؛ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت،
(اللهمّ؛ أغفر لي [خطئي]): نقيض الصواب. (وعمدي)، هما متقابلان؛ قاله المناوي. وأقول: كذا وقع في نسخة «الجامع الصغير»:
«خطأي» بلفظ المفرد، ومثله في «الأذكار النووية» . ووقع عند أكثر رواة البخاريّ: «خطاياي»؛ كما نبّه عليه ميرك!! قال الحافظ ابن حجر: في رواية الكشميهني: «خطئي»، وكذا أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» بالسند الذي في «الصحيح»، وهو المناسب لذكر العمد، ولكنّ جمهور الرواة على الأوّل.
والخطايا: جمع خطيئة، وعطف العمد عليها!! من عطف الخاصّ على العامّ، فإنّ الخطيئة أعمّ من أن تكون خطأ أو عمدا، أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر. انتهى.
والمعنى: أنّه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصف؛ كما في قوله تعالى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) [الحجر] .
(وهزلي وجدّي) - بكسر الجيم-: وهما ضدّان. (وكلّ ذلك عندي)، أي:
موجود ومتحقّق، كالتذييل للسابق، أي: أنا متّصف بهذه الأشياء فاغفرها لي.
قاله ﷺ تواضعا.
وعن عليّ ﵁: عد فوات الكمال وترك الأولى ذنبا، وهذا هو الأعلى، وبالاعتبار أولى، فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.
(اللهمّ؛ اغفر لي ما قدّمت) قبل هذا الوقت، (وما أخّرت) عنه، (وما أسررت)؛ أي: أخفيت، (وما أعلنت)؛ أي: أظهرت، أو ما حدّثت به
[ ٤ / ٤٩٢ ]
أنت المقدّم وأنت المؤخّر، وأنت على كلّ شيء قدير» . (ق؛ عن أبي موسى) .
٦١- «اللهمّ؛ اهدني فيمن هديت،
نفسي، وما تحرّك به لساني؛ قاله تواضعا وإجلالا لله تعالى.
(أنت المقدّم) بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة، (وأنت المؤخّر) بخذلان بعضهم عن التوفيق، (وأنت على كلّ شيء قدير»)، أي: أنت الفعّال لكلّ ما تشاء. ولذا لم يوصف به غير الباري. ومعنى قدرته على الممكن الموجود حال وجوده: أنّه إن شاء أبقاه، وإن شاء أعدمه. ومعنى قدرته على المعدوم حين عدمه: أنّه إن شاء إيجاده أوجده، وإلّا! فلا. وفيه: أنّ مقدور العبد مقدور لله حقيقة؛ لأنّه شيء.
(ق) أي: متفق عليه، أي: رواه البخاريّ، ومسلم في «صحيحيهما» في (الدعوات)؛ (عن أبي موسى) الأشعريّ: عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه. وقد تقدّمت ترجمته، وأخرجه عنه البيهقيّ، وغيره أيضا.
٦١- («اللهمّ؛ اهدني فيمن هديت) من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، و«في» بمعنى «مع»، وكذا فيما بعده. قال تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [٦٩/ النساء] الآية. ويصحّ بقاؤها على حالها متعلّقة بمحذوف، وأوثر حذفه!! للمبالغة، أي: اجعل لي نصيبا وافرا من الاهتداء، واجعلني معدودا في جملتهم؛ مندرجا في زمرتهم.
وهذا كما قال نبيّ الله سليمان- صلّى الله على نبيّنا وعليه وسلم-: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) [النمل] . ونبيّ الله يوسف- صلّى الله على نبينا وعليه وسلم-: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) [الشعراء] . ولم يعبّرا ب «من» كما في قوله تعالى في حق إبراهيم على نبيّنا وعليه وعلى سائر النبيّين الصلاة والسلام:
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) [النحل]؛ إيثارا للتواضع والتذلّل لله تعالى، فشهدا
[ ٤ / ٤٩٣ ]
وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنّه لا يذلّ من واليت،
تأخّرهما عن الصالحين، ثمّ سألا أن يلحقا بهم.
وأمّا الآية الأخيرة!! فهي إخبار من الله تعالى عن حقيقة إبراهيم، فالملحظ مختلف. ثمّ الصلاح الذي سألاه صلاح الأنبياء، وهو أكمل مراتب الصلاح؛ لا مطلق الصلاح، إذ مرتبة النبوّة أسنى وأشرف. والله أعلم. انتهى «شرح الأذكار» .
(وعافني) من كلّ نقص؛ ظاهرا وباطنا، في الدنيا والآخرة، واجعلني مندرجا (فيمن عافيت) ممّن ذكر أوّلا، (وتولّني)؛ أي: بحفظك لي عن كلّ مخالفة ونظر إلى غيرك؛ بإنعامك عليّ بمعرفتك، واجعلني مندرجا (فيمن تولّيت) كذلك، وهم المذكورون أولا.
(وبارك لي فيما أعطيت): «في» للظّرفية، متعلّقة بالفعل المذكور قبلها، أي: ضع بركتك العظمى لي في كلّ ما أعطيتني من خير الدارين.
وفي «النهاية»: أي: أثبت لي دوام ما أعطيتني من التشريف والكرامة.
(وقني شرّ ما)؛ أي: الفعل الذي (قضيت) به عليّ، وشرّ ما يقترن به من وسوسة الشيطان والهوى والنفس للإنسان، حتّى يمنع ثوابه؛ إن كان ابتلاء، ويحمل على الاستمرار فيه؛ إن كان معصية، أو يمنع كماله؛ إن كان طاعة.
(فإنّك تقضي؛ ولا يقضى عليك) . وقع كالتعليل لسؤال ما قبله، إذ لا يعطي تلك الأمور المهمّة إلّا من كملت فيه حقائق القدرة؛ ولم يوجد منها شيء في غيره.
وإثبات الفاء في رواية الترمذيّ، وإحدى روايات النسائي، والحاكم.
(وإنّه)؛ أي: الشأن (لا يذلّ) - بفتح فكسر- (من واليت)، الذل: ضدّ العز، والموالاة: ضد المعاداة، والمعنى: لا يطرق الذلّ والهوان في الدارين أحدا واليته من عبادك.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
وما يطرقه من الحوادث الظاهرة والأمراض الباطنة ونحوها!! فهو؛ وإن عدّه عوامّ الناس ذلّا؛ إلّا أنه غاية الرّفعة والعزّة عند الله وعند أوليائه.
وما العبرة إلّا بهم!! ومن ثمّ وقع للأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- من الامتحان العجيب ما هو مشهور؛ زيادة في التشريف، وإعلاما بعلوّ المقام المنيف.
وزاد في رواية النسائي، والطبراني، والبيهقي: «ولا يعزّ من عاديت» بعد قوله «ولا يذلّ من واليت»، وهذه الزيادة لم يخرّجها الباقون؛ قاله الشوكاني في «العدة» .
قال السيوطيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف بين العلماء من أهل اللّغة والحديث والصرف أنّ «يعزّ»: بكسر العين وفتح الياء. قال: وألّفت فيه مؤلّفا سمّيته:
«الثّبوت في ضبط ألفاظ القنوت» . وقلت في آخره نظما:
يا قارئا كتب التّصريف كن يقظا وحرّر الفرق في الأفعال تحريرا
«عزّ» المضاعف يأتي في مضارعه تثليث عين بفرق جاء مشهورا
فما ك «قلّ» وضدّ الذّلّ مع عظم كذا «كرمت علينا» جاء مكسورا
وما ك «عزّ علينا الحال»؛ أي: صعبت فافتح مضارعه؛ إن كنت نحريرا
وهذه الخمسة الأفعال لازمة واضمم مضارع فعل ليس مقصورا
«عززت زيدا» بمعنى قد غلبت كذا أعنته فكلا ذا جاء مأثورا
وقل إذا كنت في ذكر القنوت «ولا يعزّ» يا ربّ من عاديت مكسورا
واشكر لأهل علوم الشّرع إذ شرحوا لك الصّواب وأبدوا فيه تذكيرا
وأصلحوا لك لفظا أنت مفتقر إليه في كلّ صبح ليس منكورا
لا تحسبن منطقا يحكى وفلسفة ساوى لدى علماء الشّرع قطميرا
قال ابن علّان: وقد بقي عليه «عزّ»: بمعنى: قوي، ففي بعض حواشي
[ ٤ / ٤٩٥ ]
تباركت ربّنا وتعاليت» . (٤، هق؛ عن الحسن بن عليّ) .
«شرح التحفة» «١» في الكلام على نوع «العزيز»: يقال منه: عزّ بمعنى قوي، مضارعه يعزّ- بفتح العين-. انتهى.
وزاد الترمذيّ: «سبحانك» قبل قوله: (تباركت)؛ أي: تعاظمت (ربّنا وتعاليت») . قال في «شرح الأذكار»: قال بعض مشايخنا: كأنّ الحكمة في الإتيان بضمير الجمع هنا؛ دون ما تقدّم من قوله: «اهدني الخ» !! لأنّ ذلك مقام سؤال؛ وهو مناسب للتذلّل والانكسار، وهذا مقام ثناء على المولى؛ فناسب الإتيان فيه بضمير الجمع المذكور، إمّا إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حقّ ثنائه، وإمّا إشارة إلى أنّ جميع أجزائه مربوبة للباري، وإمّا تعاظما بهذه الإضافة الشريفة إلى الربوبيّة المنيفة.
وفي «التحفة» لابن حجر الهيتميّ: وزاد العلماء- بعد «تعاليت» -: «فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك» . ولا بأس بهذه الزّيادة، بل قال جمع: إنّها مستحبّة، لورودها في رواية البيهقيّ. انتهى. وزاد ابن الجزري في «عدة الحصن»: «وصلّى الله على النّبيّ»، وعزاها إلى النسائيّ.
قال الشوكاني: وهو كما قال. قال النووي: إنّها زيادة بسند صحيح أو حسن.
وتعقّبه الحافظ ابن حجر: بأنّه منقطع، وأخرج هذه الزيادة الطبرانيّ، والحاكم.
وقد طوّلنا المقال على حديث الحسن هذا في «شرحنا للمنتقى»؛ فليرجع إليه، وقد ضعّفه بعض الحفاظ، وصحّحه آخرون، وأقلّ أحواله- إذا لم يكن صحيحا- أن يكون حسنا. انتهى؛ كلام الشوكاني.
(٤، هق)؛ أي: أخرجه أصحاب «السنن الأربعة»: أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ في «سننه»؛ (عن الحسن بن عليّ) بن أبي طالب: سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، رضي الله تعالى
_________________
(١) صوابه النخبة. «هامش الأصل» !!
[ ٤ / ٤٩٦ ]
٦٢- «اللهمّ؛ إنّك سألتنا من أنفسنا ما لا نملكه إلّا بك.
اللهمّ؛ فأعطنا منها ما يرضيك عنّا» . (ابن عساكر؛
عنهما. وقدّ تقدّمت ترجمته.
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن لا نعرفه إلّا من هذا الوجه.
وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» وصحّحاه، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، وأخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، والدارقطني، والدارمي، والطبرانيّ: كلهم؛ من حديث الحسن بن عليّ. قال الحافظ ابن حجر كما في «شرح الأذكار» -: والحديث حسن صحيح، أخرجه ابن خزيمة.
انتهى.
وأخرجه أيضا الحاكم؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ حديث الحسن مقيّدا بصلاة الصبح، فقال: صحيح. وقال الحافظ ابن حجر: ليس هو كما قال! بل هو ضعيف، لأن في إسناده عبد الله بن سعيد المقبري.
وأخرجه بنحوه الطبرانيّ؛ من حديث بريدة، رضي الله تعالى عنه. انتهى.
ملخصا من «شرح الأذكار» و«شرح العدة» .
٦٢- («اللهمّ؛ إنّك سألتنا): كلّفتنا (من أنفسنا) - بمنزلة التّأكيد لما قبله- (ما لا نملكه)؛ أي: ما لا نستطيعه ولا نقدر عليه من فعل المأمورات واجتناب المنهيّات. (إلّا بك)؛ أي: بإقدارك وتمكينك وتوفيقك.
(اللهمّ؛ فأعطنا منها ما): توفيقا نقتدر به على فعل الذي (يرضيك عنّا») من الطاعات وتجنّب المخالفات، فإنّ الأمور كلّها بيدك؛ منك مصدرها وإليك مرجعها، ونحن ضعفاء وأنت القادر، فنسألك أن تسعفنا وتعيننا على ذلك.
(ابن عساكر)؛ أي: أخرجه ابن عساكر: وهو عليّ بن الحسن بن هبة الله، ثقة الدين، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
عن أبي هريرة) .
٦٣- «اللهمّ؛ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر
المؤرّخ، الحافظ، الرّحالة، كان محدّث الديار الشاميّة، ورفيق السمعانيّ صاحب «الأنساب» - في رحلاته.
مولده سنة- ٤٩٩-: تسع وتسعين وأربعمائة، ووفاته سنة- ٥٧١-: إحدى وسبعين وخمسمائة في دمشق الشام، وعمره اثنان وسبعون سنة تقريبا.
له كتاب: «تاريخ دمشق الكبير»؛ يعرف ب «تاريخ ابن عساكر»، رحمه الله تعالى. آمين.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، ورواه أيضا باللّفظ المذكور المستغفريّ في (الدعوات) . قال الحافظ العراقيّ: وفيه ولهان بن جبير: ضعّفه الأزدي؛ قاله المناوي في «فيض القدير» . وقال نقلا عن السيوطيّ: هذا الحديث متواتر.
وتعقّبه السيّد العلامة محمد بن جعفر الكتاني في «نظم المتناثر»؛ فقال: لم أره في «الأزهار»، ويتبادر إلى الذهن أنّه سبق قلم، أو تحريف من الناسخ، إلّا أن يريد أنّ رجوع سيّدنا محمد ﷺ إلى الله تعالى في أحواله كلّها؛ وسؤاله التوفيق منه؛ متواتر عنه معنى، فيصحّ. والله أعلم.
٦٣- («اللهمّ؛ زدنا) من خير الدارين، أي: من العلوم والمعارف، (ولا تنقصنا) شيئا من نعمائك، (وأكرمنا) بالتقوى، (ولا تهنّا) بفعل المعاصي والمخالفات.
(وأعطنا ولا تحرمنا) - بفتح أوّله وضمه- قال العلقميّ: عطف النواهي على الأوامر!! للتأكيد.
(وآثرنا) - بالمد-: اخترنا بعنايتك وإكرامك. (ولا تؤثر)؛ أي: لا تختر
[ ٤ / ٤٩٨ ]
علينا، وأرضنا وارض عنّا» . (ت، ك؛ عن عمر) .
(علينا) غيرنا، فتعزّه وتذلنا، يعني: لا تغلب علينا أعداءنا.
(وأرضنا) بما قضيت لنا؛ أو علينا؛ بإعطاء الصبر والتحمّل، والقنع بما قسمت لنا من الرزق، وذلك أنّ الله سبحانه دبّر لعبده- قبل أن يخلقه- شأنه من الرزق، والأحوال، والآثار، وكلّ ذلك مقدر مؤقّت، يبرزه له في وقته كما قدّره، والعبد ذو شهوات، وقد اعتادها وتخلّق بها، ودبّر الله لعبده غير ما تخلّق به من الشهوات، فمرّة سقم؛ ومرّة صحّة، ومرّة غنى؛ ومرّة فقر، وعسر وذلّ، ومكروه ومحبوب، فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك عن قضائه.
والعبد يريد ما وافقه واشتهاه، وتدبير الله فيه غير ذلك، فإذا رزق العبد الرضا بالقضاء استقام قلبه؛ فترك جميع إرادته لمشيئة الله تعالى؛ ينتظر ما يبرز له من تدبيره في جميع أحواله، فيتلقّاه بانشراح صدر وطيب نفس؛ فيصير راضيا مرضيّا، والمصطفى ﷺ أعظم من رزق الرضا، وليس للشهوات ولا للشيطان عليه سبيل، وإنّما ذكر ذلك على طريق الإرشاد والتعليم للأمة.
(وارض عنّا») بما نقيم من الطاعة القليلة التي هي جهدنا.
قال الراغب: منزلة الرضى أشرف المنازل بعد النّبوّة، فمن رضي عن الله فقد ﵁، لقوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [١١٩/ المائدة] . فجعل أحد الرضاءين مقرونا بالآخر، فمن بلغ هذه المنزلة فقد عرف خساسة الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودّة الملأ الأعلى، وحظي بتحيّتهم المعنيّة بقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) [الرعد] .
(ت، ك)؛ أي: أخرجه الترمذيّ، والحاكم في «الدعاء»؛
(عن عمر) بن الخطّاب، أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النّحل، فمكثنا ساعة، فسرّي عنه؛ فاستقبل القبلة ورفع يديه فذكره، وصحّحه الحاكم.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
٦٤- «اللهمّ؛ أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السّلام، ونجّنا من الظّلمات إلى النّور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرّيّاتنا، وتب علينا؛ إنّك أنت التّواب الرّحيم،
٦٤- («اللهمّ؛ أصلح ذات بيننا)؛ أي: الحال التي يقع بها الاجتماع، (وألّف بين قلوبنا)؛ أي: اجعل بينها الإيناس والمحبة والتراحم؛ لتثبت على الإسلام، وتقوى على مقاومة أعدائك ونصرة دينك.
(واهدنا سبل السّلام)؛ أي: دلنّا على طريق السّلامة من الآفات، أو على طريق دار السّلام، الجنة، (ونجّنا من الظّلمات إلى النّور)؛ أي: أنقذنا من ظلمات الدّنيا إلى نور الآخرة، أو من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة.
(وجنّبنا الفواحش؛ ما ظهر منها وما بطن)؛ أي: بعّدنا عن القبائح الظاهرة والباطنة، فإنّا عاجزون عن التنقّل منها، ورفع الهمم عن مواقعها؛ وإن اجتهدنا، بما جبلنا عليه من الضّعف وتسلّط الشيطان علينا، فلا قوّة لنا إلّا بك.
(اللهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرّيّاتنا، وتب علينا)؛ أي: اصرف قلوبنا إلى الطاعة.
ف «التّوّاب» إذا وصف به المولى تعالى؛ كان معناه: الصارف لقلوب عباده عن المعاصي إلى الطاعة. وإذا وصف به العبد؛ كان معناه: كثير الخروج من الذنوب. فهو يختلف معناه باعتبار ما يوصف به؛ قاله الحفني.
(إنّك أنت التّوّاب)؛ أي: الرجّاع بعباده إلى مواطن النجاة، بعد ما سلّط عليهم عدوّهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته، ثمّ أتبعه وصفا كالتعليل له فقال: (الرّحيم): المبالغ في الرّحمة لعبادك.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها، قابلين لها، وأتمّها علينا» .
(طب، ك؛ عن ابن مسعود) .
٥٦- «اللهمّ؛ إنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك،
(واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها) أي: عليها، (قابلين لها، وأتمّها علينا»)؛ أي: بدوام ذلك.
وإنّما سأل التوفيق لدوام الشكر!؟ لأنّ الشكر قيد النعم، فبه تدوم وتبقى، وبتركه تزول وتحول، قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [١١/ الرعد]، وقال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] .
فالحقّ- تقدّس- إذا رأى عبده قام بحقّ نعمته بالدوام على شكرها؛ منّ بأخرى رآه لها أهلا، وإلّا! قطع عنه ذلك.
(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»، وكذا في «الأوسط» .
(ك) وأخرجه الحاكم في «المستدرك»: كلهم؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعلّمنا هذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثميّ: إسناد «الكبير» جيّد. انتهى. ومن ثمّ آثره المصنّف تبعا ل «الجامع الصغير» .
٦٥- («اللهمّ؛ إنّا نسألك موجبات) - بكسر الجيم- جمع موجبة؛ وهي الخصلة التي أوجبت لقائلها الرحمة؛ أي: مقتضيات (رحمتك) بوعدك، فإنّه لا يجوز الخلف فيه، وإلّا! فالحقّ سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء؛ قاله السيوطيّ.
وفي الحفني على «الجامع الصغير»: موجبات رحمتك؛ أي: أسبابها؛ أي: كلّ قول وفعل مقتض للرحمة ليترتّب عليها المسبّبات، فليس المراد بالموجبات الواجبات، إذ لا يجب عليه تعالى شيء. انتهى.
(وعزائم): جمع عزيمة (مغفرتك)؛ أي: الأسباب المؤكّدة المقتضية
[ ٤ / ٥٠١ ]
والسّلامة من كلّ إثم، والغنيمة من كلّ برّ، والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» . (ك؛ عن ابن مسعود) .
٦٦- «اللهمّ؛ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين
لمغفرتك، يعني: نسألك أعمالا تعزم وتتأكّد بها مغفرتك.
(والسّلامة من كلّ إثم) يوجب عقابا؛ أو عتابا؛ أو نقص درجة، أو غير ذلك.
قال العلقمي، قال شيخنا- يعني السيوطيّ-: قال العراقيّ: فيه جواز سؤال العصمة!! وقد أنكر بعضهم جواز ذلك؛ إذ العصمة إنّما هي للأنبياء والملائكة!! قال:
والجواب: أنّها في حقّ الأنبياء والملائكة واجبة، وفي حقّ غيرهم جائزة، وسؤال الجائز جائز، إلّا أنّ الأدب سؤال الحفظ في حقّنا؛ لا العصمة، وقد يكون هذا هو المراد هنا. انتهى.
وقال العلّامة ابن حجر الهيتمي في «شرح العباب»: الحقّ ما قاله بعض المتأخّرين: أنّه إن قصد التوقّي عن جميع المعاصي والرذائل في سائر الأحوال امتنع؛ لأنّه سؤال مقام النبوّة، وإن قصد التحفّظ من أعمال السوء! فهذا لا بأس به. انتهى «شرح الأذكار» .
(والغنيمة من كلّ برّ) - بكسر الموحدة- أي: طاعة وخير.
(والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار»)، ذكره تعليما لأمّته، لأنّه متيقّن الفوز والنجاة.
(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك»؛ (عن) عبد الله (بن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ «اللهمّ الخ» .
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
٦٦- («اللهمّ؛ اقسم لنا)؛ أي: اجعل لنا قسما ونصيبا (من خشيتك)؛ أي: خوفك المقترن بالتّعظيم (ما تحول) أنت؛ أي: تحجز وتمنع (به بيننا وبين
[ ٤ / ٥٠٢ ]
معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدّنيا،
معاصيك)، لأنّ القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي، وبقدر قلّة الخوف يكون الهجوم على المعاصي، فإذا قلّ الخوف جدّا؛ واستولت الغافلة؛ كان ذلك من علامة الشقاء، ومن ثمّ قالوا: المعاصي بريد الكفر؛ كما أنّ القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزّنا، والنّظر بريد العشق، والمرض بريد الموت، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرّة بالعقل والبدن؛ والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلّا الله.
(ومن طاعتك ما تبلّغنا) - بتشديد اللّام المكسورة، ويجوز تخفيفها- أي:
توصلنا (به جنّتك)؛ أي: مع شمولنا برحمتك، إذ ليست الطاعة وحدها مبلّغة، بدليل خبر: «لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!! قال: «ولا أنا؛ إلّا أن يتغمّدني الله برحمته» .
(ومن اليقين)؛ أي: وارزقنا من اليقين بك، ونفوذ قضائك، وأنّه لا رادّ له، وبأنّه لا يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا، وبأنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا؛ وما أصابنا لم يكن ليخطئنا.
(ما تهوّن) - بكسر الواو المشدّدة وبالتحتيّة والفوقيّة- قال ابن الجزري: رواية «ما تهوّن علينا» بحذف «به» يقتضي أن يكون بالتّحتيّة، وإثباته يقتضي أن يكون بالفوقيّة!! انتهى.
أي: يسهّل ويخفّف (به علينا مصائب الدّنيا) بأن نعلم أنّ ما قدّرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة، وأنّك لا تفعل بالعبد شيئا؛ إلّا وفيه صلاحه، وذلك كموت الولد، فيلاحظ أنّ هذه المصيبة في طيّها رفع درجات، وتكفير سيّئات، ويتيقّن أنّها بإرادته تعالى، فهذا شأن الكاملين. وقوله:
«مصائب» - بالنصب- وقد يرفع على أنّ «يهون» - بفتح أوّله وضمّ الهاء-:
مضارع هان؛ بالتحتيّة والفوقيّة. والله أعلم.
[ ٤ / ٥٠٣ ]
ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا،
(ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا)، لأنّها طرائق الدلائل الموصلة لمعرفة الله تعالى وتوحيده؛ من البراهين المأخوذة، إمّا من الآيات المنزّلة؛ وطريق ذلك السمع، أو من الآيات في الآفاق والأنفس؛ وطريق ذلك البصر.
(وقوّتنا)؛ أي: قوّة قلبنا الذي عليه مدار إيماننا، أو المراد: قوّة سائر قوانا؛ من الحواسّ الظاهرة والباطنة، وباقي الأعضاء البدنيّة.
(ما أحييتنا)؛ أي: متّعنا بذلك مدّة حياتنا، (واجعله)؛ أي: المذكور من السمع والبصر والقوّة. أو الضمير للتّمتّع؛ المأخوذ من: «متّعنا» - على حدّ قوله اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨/ المائدة] . (الوارث منّا)، ومعنى وراثتها: لزومها له عند موته لزوم الوارث له؛ قاله المناوي. وقد تقدّم الكلام عليه.
(واجعل ثأرنا) - بالمثلّثة- أي: انتقامنا ونصرنا مقصورا (على من ظلمنا)، ولا تجعلنا ممّن تعدّى في طلب ثأره، وأخذ به غير الجاني، كما كان أهل الجاهليّة يفعله، وكما يفعله الآن القبائل أهل البوادي؛ من قتل غير القاتل، بل ولو كان الآخذ بالثأر من غير أولياء الدم. أو المراد: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك ثأرنا، وأصل الثأر: الحقد والغضب، ثمّ استعير لمطالبة دم القتيل.
(وانصرنا على من عادانا)؛ أي: ظفّرنا عليه وانتقم منه، وهو تعميم بعد تخصيص. (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)؛ أي: لا تصيبنا بما ينقص ديننا؛ من أكل الحرام، واعتقاد السوء، والفترة في العبادة، والغافلة عن الطاعة.
(ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا)، الهمّ: المقصد والحزن؛ أي: لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، فإنّ ذلك سبب الهلاك، بل اجعله مصروفا في عمل الآخرة. وأشار ب «أكبر» أنّ القليل من الهمّ ممّا لا بدّ منه في أمر المعاش له ولعياله
[ ٤ / ٥٠٤ ]
ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا» . (ت، ك؛ عن ابن عمر) .
٦٧- «اللهمّ؛ أحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، وأجرنا من خزي الدّنيا مرخّص فيه، بل مستحبّ؛ على ما صرّح به القاضي عياض، والمضرّ الانهماك.
(ولا مبلغ علمنا) - بفتح الميم واللّام، بينهما موحدة ساكنة-: وهو الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب فيقف عندها، أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نتفكّر إلا في أحوال الدنيا، بحيث تكون جميع معلوماتنا الطرق المحصّلة للدنيا، والعلوم الجالبة لها، بل اجعلنا متفكّرين في أمر العقبى، متفحّصين عن العلوم الفاخرة المتعلّقة بأمور الآخرة.
ومجمله: لا تجعل علمنا غير متجاوز عن الدنيا مقصورا عليها؛ بل اجعله متجاوزا عنها إلى الآخرة.
(ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا»)؛ أي: لا تجعلنا مغلوبين للظّلمة والكفرة والفجرة، ولا تجعلهم علينا حاكمين. ويجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر؛ أو في النار، ولا مانع من إرادة الجميع.
(ت، ك)؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «الدعوات»، وقال: حديث حسن، وأخرجه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط البخاريّ.
(عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما؛ قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتّى يدعو بهذه الدّعوات. ورواه عنه أيضا النسائيّ، وفيه عبد الله بن زحر: ضعّفوه، فالحديث لأجله حسن؛ لا صحيح. انتهى «مناوي» .
٦٧- («اللهمّ؛ أحسن عاقبتنا)؛ أي: آخرة أمرنا (في الأمور كلّها)؛ أي:
اجعل آخر كلّ عمل لنا حسنا، فإنّ الأعمال بخواتيمها.
(وأجرنا من خزي الدّنيا)؛ أي: رزاياها ومصائبها وخدعها، وتسلّط الأعداء
[ ٤ / ٥٠٥ ]
وعذاب الآخرة» . (حم، حب، ك؛ عن بسر بن أرطأة [رضي الله تعالى عنه]) .
٦٨- «يا وليّ الإسلام وأهله
وشماتتهم، (وعذاب الآخرة») زاد الطبرانيّ: فمن كان هذا دعاءه مات قبل أن يصيبه البلاء، وهذا من جنس استغفار الأنبياء؛ مع كونهم علموا أنّهم مغفور لهم!!
قال الشوكانيّ: هذا الدعاء من جوامع الكلم، لأنّه إذا أحسن الله تعالى عاقبة العبد في الأمور كلّها فاز في جميع أموره، ووقعت أعماله مرضيّة مقبولة، وجنّبه ما لا يرضيه، ووفّقه وسدّده وثبّته حتى تحسن عاقبة أموره.
وفي الحديث دليل على مشروعيّة سؤال الله ﷿ أن يحسّن للداعي عاقبة أموره كلّها، وأعظم الأمور وأجلّها وأهمّها: حسن خاتمة عمره، فإنّه يلقى ربّه على ما ختم له به؛ إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. انتهى.
(حم، حب، ك)؛ أي: أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، وابن حبّان وصحّحه: والحاكم في «مستدركه» وصحّحه كلهم؛ (عن بسر) - بضم الموحدة وسكون المهملة- (بن أرطاة) . قال المناوي: صوابه ابن أبي أرطاة؛ كما في «الإصابة»، قال ابن حبّان: ومن قال: ابن أرطاة فقد وهم.
وهو قرشيّ عامريّ، مختلف في صحبته، ولّاه معاوية اليمن؛ فأفسد وعتا وتجبّر. قال ابن عساكر: له باليمن آثار غير محمودة. وقتل عبد الرحمن وقثم:
ابني عبيد الله بن عبّاس، وخلقا، حتّى من لم يبلغ الحلم؛ كولد زينب بنت فاطمة بنت عليّ كرم الله وجهه. قال يحيى بن معين: كان بسر رجل سوء، وأهل المدينة ينكرون سماعه من النّبي ﷺ. انتهى ملخصا؛ ذكره المناوي.
وأخرجه الطبرانيّ في «الكبير»، قال في «مجمع الزوائد»: وإسناد أحمد وأحد إسنادي الطبرانيّ ثقات. انتهى.
٦٨- («يا وليّ)؛ أي: يا ناصر (الإسلام وأهله؛) يا متولّي أمور العالم
[ ٤ / ٥٠٦ ]
ثبّتني به حتّى ألقاك» . (طب؛ عن أنس) .
٦٩- «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة؛ وخير الدّعاء، وخير النّجاح، وخير العمل، وخير الثّواب، وخير الحياة، وخير الممات، وثبّتني وثقّل موازيني، وحقّق إيماني، وارفع درجتي، وقائما بها (ثبّتني به)؛ أي: الإسلام، أي: عليه بأن أكون متمسّكا به، ومتّصفا به (حتّى ألقاك»)؛ أي: حتّى تتوفّاني على الإسلام.
(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»؛ (عن أنس) ﵁.
٦٩- («اللهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة): وهو أقواها تأثيرا في الإجابة، وأحسنها جمعا للمطلوب الذي العبد أحوج إليه من غيره، وهكذا قوله:
(وخير الدّعاء)، والمراد أنّه طلب من الله تعالى أن يرشده إلى خير المسألة التي يسأل بها ﷿، وإلى خير الدّعاء الذي يدعى به ﷾.
(وخير النّجاح)؛ أي: التمام والكمال، (وخير العمل) الذي أعمله، وهو أكثر الأعمال ثوابا. (وخير الثّواب) الذي يثاب به العباد على أعمالهم.
(وخير الحياة)؛ وهو: أن يكون في طاعة الربّ ﷾، مجتنبا معاصيه. (وخير الممات)؛ وهو: أن يموت مرضيّا عنه، مغفورا له، مثابا، متثبّتا، مختوما له بالسعادة؛ وبكلمة الشهادة.
(وثبّتني) في جميع الأفعال والأقوال، (وثقّل موازيني) بكثرة الحسنات حتّى ترجح على السيئات؛ فبذلك يكون الفوز والسعادة.
(وحقّق إيماني) بأن تجعله ثابتا قويّا، فإنّ قوّة الإيمان سبب للرّضا بالقضاء، وللإذعان لأحكام القدر، وذلك أصل كبير يوجب الفوز بالسعادة.
(وارفع درجتي) في الدار الآخرة. ويمكن أن يكون المقصود رفعها في الدارين؛ لأنّ رفعها في الدنيا لمثل الأنبياء والصالحين يكون سببا لقبول قولهم
[ ٤ / ٥٠٧ ]
وتقبّل صلاتي، واغفر خطيئتي، وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك فواتح الخير، وخواتمه وجوامعه، وأوّله وآخره، وظاهره وباطنه، والدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك خير ما آتي، وخير ما أفعل، وخير ما أعمل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر، والدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن ترفع ذكري،
وامتثال ما يرشدون إليه من الحقّ.
(وتقبّل صلاتي)، لأنها رأس الإيمان وأساسه، وقبولها يستلزم قبول غيرها.
(واغفر خطيئتي)؛ أي: ذنبي، لأنّ ذلك من أعظم المطالب.
(وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك فواتح الخير، وخواتمه)؛ جمع بذلك بين طرفي الخير.
(وجوامعه)، سأل الجوامع!! لأنّ ما يجمع الأمر المتفرّق هو أقرب إلى ضبطه، وأسهل لتيسّره، وأقرب لحصوله، ثمّ أكّد الطلب بقوله:
(وأوّله وآخره، وظاهره وباطنه، والدّرجات العلى من الجنّة. آمين) وتمّمه بالتّأمين تأكيدا لما قبله.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك خير ما آتي) من جميع الأمور، فيشمل الأقوال والأفعال. (وخير ما أفعل، وخير ما أعمل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر) - من عطف الخاصّ على العامّ- (والدّرجات العلى من الجنّة. آمين) كرّر سؤال الدرجات العلى في الجنّة!! لأنّها المقصود بالذات، وما سواها وسيلة إليها.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك أن ترفع ذكري)؛ أي: تجعل لي ثناء حسنا في الناس،
[ ٤ / ٥٠٨ ]
وتضع وزري، وتصلح أمري، وتطهّر قلبي، وتحصّن فرجي، وتنوّر قلبي، وتغفر لي ذنبي، وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة.
آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن تبارك لي في سمعي، وفي بصري، لأنّه يترتّب على ذلك مصالح؛ منها: انقياد النّاس له إلى الحقّ، ومنها: امتثال موعظته وأوامره بالخير. وقد سأل ذلك خليل الله إبراهيم ﵊، كما حكى الله ذلك عنه بقوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء] . وقد امتنّ الله ﷾ نبيّه ﷺ؛ فقال وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) [الشرح] .
(وتضع وزري)؛ أي: تغفر ذنوبي وتعفو عن قبائحي، (وتصلح أمري) مفرد مضاف فيشمل جميع الأمور. (وتطهّر قلبي) من النّفاق، والحقد، والحسد، والكبر، وسائر الأخلاق الذميمة، لأنّ القلب إذا تطهّر أبصر الحقّ فتبعه، وعرف الباطل فاجتنبه. وعبّر ب «تطهّر» !! إشارة أنّ هذه الأخلاق الذميمة نجاسات، فما دام القلب متلطّخا بها؛ فهو متنجّس، وصلاح القلب بزوالها عنه.
(وتحصّن فرجي)؛ أي: تحفظه من الوقوع في المحرّمات التي سببها النّظر المحرّم، (وتنوّر قلبي)، لأنّ تنوير القلب يستلزم الهداية إلى الحقّ واتّباعه، واجتناب الباطل والنفور عنه.
(وتغفر لي ذنبي)، لأنّ بمغفرة الذّنوب فوز العبد في الدار الآخرة.
(وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن تبارك لي في سمعي، وفي بصري)، سأله أن يبارك له في سمعه وبصره!! لأنّ بالسمع تلقّي جميع المسموعات، وبالبصر إدراك جميع المبصرات، وإذا بورك له فيهما قبل الحقّ وردّ الباطل، وهكذا المباركة في الرّوح المذكور في قوله:
[ ٤ / ٥٠٩ ]
وفي روحي، وفي خلقي، وفي خلقي، وفي أهلي، وفي محياي، وفي مماتي، وفي عملي،
(وفي روحي)، فإنّ الرّوح إذا كانت مباركة كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركة جارية على الصّواب؛ ماشية على الصّراط المستقيم. وقد يراد بالروح هنا نفس الشّخص، ليكون من عطف العامّ على الخاصّ.
(وفي خلقي) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان اللّام-: هو جمال الصورة الظاهرة، (وفي خلقي) - بضمتين-: الصورة الباطنة في الإنسان، وإذا بورك فيهما كان سببا لجلب الخير ودفع الشرّ.
وقد ورد في حسن الأخلاق أدلّة ليس هذا موضع بسطها، ويغني عن ذلك ما وصف الله ﷾ نبيّه ﷺ بقوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [٤/ القلم] . فإذا كان الرسول ﷺ على خلق عظيم، ومدحه الله تعالى على ذلك؛ فينبغي لكلّ مقتد به أن يكون على خلق عظيم.
(وفي أهلي)، لأنّه إذا بارك الله له في الأهل كانوا له قرّة عين، ومسرّة قلب، وجرت أموره على الصلاح والسداد، وتمسّكوا بهدي صالح العباد.
وأهل الرّجل عشيرته وذوو قرباه، ومنه قوله تعالى فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها [٣٥/ النساء] . ومن المجاز «الأهل للرّجل»: زوجته، ويدخل فيه الأولاد، ولا مانع من إرادة هذه المعاني.
وقال الراغب- وتبعه المناوي-: أهل الرجل من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما؛ من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل من يجمعه وإيّاهم مسكن واحد، ثمّ تجوّز فقيل: أهل بيته من يجمعه وإياهم نسب أو ما ذكر، وتعورف في أسرة النّبيّ ﷺ مطلقا.
(وفي محياي؛ وفي مماتي)، لأنّ من بورك له فيهما فاز بخيري الدنيا والآخرة. (وفي عملي)، لأنّ العمل إذا بورك فيه تكاثر ثوابه، وتضاعف أجره.
[ ٤ / ٥١٠ ]
وتقبّل حسناتي، وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين» .
(ك، طب؛ عن أمّ سلمة) .
٧٠- «يا من لا تراه العيون،
(وتقبّل حسناتي)، لأنّها إذا كانت مقبولة كانت ذخيرة لصاحبها؛ يستحقّ ثوابها.
(وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين») ختم الدعاء بذلك!! لأنّه من أعظم مقاصد أنبياء الله تعالى وصالح عباده.
(ك، طب)؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك»، والطبرانيّ في «الكبير»، أي: و«الأوسط»: كلهم؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ عن النّبي ﷺ قالت: هذا ما سأل محمّد ﷺ ربّه: اللهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة» الحديث.
هكذا ساقه الحاكم في «المستدرك» بهذا اللّفظ الذي ذكره المصنّف من حديثها، وساقه الطبرانيّ من حديثها ببعض هذه الألفاظ، وبألفاظ أخر. قال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد»: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن زنبور وعاصم بن عبيد، وهما من الثّقات. وساقه الطبرانيّ في «الكبير»؛ من طريق آخر (عن أمّ سلمة) رضي الله تعالى عنها.
انتهى. من «تحفة الذاكرين» .
٧٠- («يا من لا تراه العيون)؛ أي: في الدنيا، وأمّا في الآخرة! فقد صحّت السنّة المتواترة بأنّ العباد يرون ربّهم ﷿، ولا التفات إلى المجادلة الواقعة بين منكري الرؤية، فكلّها خيالات مختلّة، وعلل معتلّة.
وما تمسّكوا به من الدليل القرآني!! فهو معارض بمثله من القرآن، والرجوع إلى السنّة المتواترة واجب على كلّ مسلم.
وأمّا ما تمسّكوا به من الأدلّة العقليّة!! فهو السراب الذي يحسبه الظمان ماء
[ ٤ / ٥١١ ]
ولا تخالطه الظّنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيّره الحوادث، ولا يخشى الدّوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار،
حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!! وليس لنا في هذا إلّا ما جاءنا من طريق رسوله ﷺ، وقد جاءنا بما لا تبقى معه شبهة، ولا يرفعه شكّ، ولا يدخله خيال. انتهى.
(تحفة الذاكرين) للشوكاني رحمه الله تعالى.
(ولا تخالطه الظّنون)، قال الشوكانيّ: أي: أنّ علمه ﷿ عن يقين، فهو العالم بخفيّات الأمور ودقائقها؛ كما يعلم بظواهرها وجلياتها. انتهى.
وقال ابن الجزري: أي لا يدخل في علمه شكّ، بل يعلم الجزئيّات على وجه التحقيق.
وقال عليّ القاري: والأولى أن يقال: المعنى: لا تبلغ كنه ذاته وصفاته الأوهام والظنون، حتى يناسب ما قبله وما بعده. وقيل: معناه يعلم الكليّات والجزئيّات؛ إجمالا وتفصيلا، ولا يدخل في علمه شكّ ولا ظنّ ولا وهم، بل هو يعلم الكليّات جميعا على ما هي عليه.
(ولا يصفه الواصفون)؛ أي: يعجز الواصفون عن وصف حقيقته ﵎، كما يعجز العادّون عن إحصاء نعمته؛ أي: لا يقدرون على ذلك، كما قال ﷿ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) [طه] . فلا أحد من عباده يقدر على إحصاء الثناء عليه والوصف له، بل: هو كما أثنى على نفسه.
(ولا تغيّره الحوادث) الكائنة في الزمان على اختلاف أنواعها، لأنه إنّما تغيّر بتغيّرها العالم الحادث؛ لا القديم الواجب الوجود والبقاء ﷾.
(ولا يخشى الدّوائر)؛ أي: لا يخاف عواقب الأمور وحوادث الدّهور.
وقال ابن الجزري: أي: دوائر الزمان وتقلّباته.
(يعلم مثاقيل الجبال)؛ أي: مقادير وزنها وعدد حصيّاتها.
(و) يعلم (مكاييل البحار)؛ أي: مقدارها كيلا وعدد قطراتها.
[ ٤ / ٥١٢ ]
وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه اللّيل وأشرق عليه النّهار،
(و) يعلم (عدد قطر الأمطار)؛ أي: قطراتها النازلة من السماء، فوق الجبال والبحار، والبراري والقفار وغيرها. والقطر: جمع قطرة- على ما في «الصحاح» - والأصحّ: أنّه اسم جنس جمعيّ يفرّق بينه وبين مفرده بالتاء، واحده قطرة.
(و) يعلم (عدد ورق): اسم جنس جمعيّ؛ واحده ورقة. (الأشجار) والنبات والأزهار، والأشجار: جمع شجر، وواحد الشجر شجرة: وهي ما له ساق من نبات الأرض.
(و) يعلم (عدد ما أظلم) فعل لازم (عليه اللّيل): هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقيل: إلى طلوع الشمس، وأظلم اللّيل: اشتدّ ظلامه، وعدد ما أظلم عليه، أي: عدد ما اشتمل عليه ظلامه، أو اشتمل عليه بظلامه.
(وأشرق) فعل لازم (عليه النّهار): هو عند العرب من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وقيل: من طلوع الشّمس، واليوم من طلوع الفجر، ومعنى أشرق عليه النهار: اشتمل عليه بنوره وإسناد الإشراق إلى النّهار مجازيّ؛ من باب الإسناد إلى الزمان، وهو في الحقيقة للشّمس.
والواو في «أشرق»: الأقرب أنّها بمعنى «أو»، فيعمّ ما بقي حتى اشتمل عليه اللّيل والنهار معا، وما اشتمل عليه أحدهما فقط؛
١- كالأجرام التي لا توجد في أحدهما وتعدم فيه.
و٢- كالأغراض ولا سيّما على القول بأنّ العرض لا يبقى زمانين، وهذا هو المناسب للمقام.
و٣- المعدودات التي يمرّ عليها اللّيل والنهار: هي الموجودات التي في عالم الملك، وهي جميع هذا العالم الكائن بالأرض؛ من حيوان وجماد، لأنّ اللّيل والنّهار إنّما يجريان بالأرض.
[ ٤ / ٥١٣ ]
ولا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره.. اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم ألقاك فيه»
(ولا تواري)؛ أي: لا تخفي ولا تستر ولا تحجب (منه)؛ أي: من الله (سماء سماء)، أي: سماء فوقها أو تحتها، فإنّ علمه ﷾ يستوي فيه جميع الأشياء من العلويّات والسفليّات، والجزئيّات والكليّات؛ في عالم الملك والملكوت، والغيب والشهادة.
(ولا) تواري منه (أرض أرضا، ولا بحر) يواري (ما في قعره): نهاية أسفله؛ من الجواهر والحيوانات والنباتات. (ولا جبل) يواري (ما في وعره)، أي: جوفه؛ من المعادن والينابيع وغيرهما. قال الله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) [النحل] .
والمعنى: أنّ علمه تعالى محيط بجميع الموجودات والمعدومات، الواجبات والجائزات والمستحيلات، يعلم الأشياء كما هي عليه في الواقع؛ فلا يحجبها عنه حاجب، ولا يحول بينه وبينها حائل؛ لا سماء ولا أرض، ولا بحر ولا جبل.
قال الله ﷾ وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [٦١/ يونس] .
(اجعل خير عمري آخره)؛ لأنّه وقت الضعف والعجز عن الكسب، (و) اجعل (خير عملي خواتمه)، لأنّ دوائر السعادة والشقاوة تدور على الخاتمة كما تدل عليه الأحاديث-.
(و) اجعل (خير أيّامي يوم ألقاك فيه»)؛ أي: وقت أحضر عندك بالموت؛ أو بالبعث.
سأل الله تعالى أن يكون خير أيّامه يوم يلقاه ﷾!! لأنّ ذلك الوقت
[ ٤ / ٥١٤ ]
(طب؛ عن أنس) .
هو وقت الظّفر بالرحمة الواسعة، والفوز بما لا خير يساويه، ولا نعمة تضاهيه.
وكون ذلك اليوم خير أيّامه يستلزمه أن يكون ينال فيه ما يرجوه ويظفر بما يطلبه، لأنّه لو لم يحصل له ذلك لم يكن خير أيّامه.
وقد سمع رسول الله ﷺ هذا الدعاء وقرّره؛ فكان الدعاء به من السّنّة، وقد تقرّر أنّ السنّة قوله ﷺ وفعله وتقريره.
(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»؛ (عن أنس) رضي الله تعالى عنه قال: إنّ النّبيّ ﷺ مرّ بأعرابيّ؛ وهو يدعو في صلاته، وهو يقول: يا من لا تراه العيون إلى آخر الدعاء.
قال أنس: فوكل رسول الله ﷺ بالأعرابيّ رجلا؛ فقال: «إذا صلّى فأتني به»، فلمّا صلّى أتاه الأعرابيّ- وقد كان أهدي لرسول الله ﷺ ذهب من بعض المعادن-، فلمّا أتاه الأعرابيّ وهب له الذهب، وقال: «ممّن أنت؛ يا أعرابيّ؟!» قال: من بني عامر بن صعصعة؛ يا رسول الله. قال:
«يا أعرابيّ؛ هل تدري لم وهبت لك الذّهب!؟» قال: للرّحم بيننا وبينك، قال: «إنّ للرّحم حقّا، ولكن وهبت لك الذّهب لحسن ثنائك على الله تعالى» .
قال في «مجمع الزوائد»: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأذرمي: وهو ثقة. انتهى.
وفي «حياة الحيوان» للكمال الدّميري رحمه الله تعالى:
فائدة: روى ابن بشكوال بسنده إلى أحمد بن محمد العطّار؛ عن أبيه قال:
كان لنا جار فأسر، وأقام في الأسر عشرين سنة؛ وأيس أن يرى أهله. قال:
فبينما أنا ذات ليلة أفكّر فيمن خلّفت من صبياني وأبكي؛ وإذا أنا بطائر سقط فوق حائط السّجن يدعو بهذا الدعاء!. قال: فتعلّمته من الطائر، ثمّ دعوت الله به ثلاث ليال متتابعات، ثمّ نمت، فما استيقظت؛ إلّا وأنا في بلدي فوق سطح داري. قال:
[ ٤ / ٥١٥ ]
فنزلت إلى عيالي فسرّوا بي بعد أن فزعوا منّي؛ لمّا رأوني ورأوا ما بي من تغير الحال والهيئة، ثمّ إنّي حججت من عامي، فبينا أنا أطوف وأدعو بهذا الدعاء إذا أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي؛ وقال لي: من أين لك هذا الدعاء؟! فإن هذا الدّعاء لا يدعو به إلا طائر ببلاد الرّوم. [قلت]: تعلّمت الدعاء من الطائر!! فقال:
صدقت. فسألت الشيخ عن اسمه فقال: أنا الخضر. وهو هذا الدعاء:
«اللهمّ إنّي أسألك؛ يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظّنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيّره الحوادث ولا الدّهور، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه اللّيل ويشرق عليه النّهار، ولا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل إلّا يعلم ما في وعره وسهله، ولا بحر إلّا يعلم ما في قعره وساحله.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن تجعل خير عملي آخره، وخير أيّامي يوم ألقاك فيه، إنّك على كلّ شيء قدير. اللهمّ من عاداني فعاده، ومن كادني فكده، ومن بغى عليّ بهلكة فأهلكه، ومن أرادني بسوء فخذه، وأطفىء عنّي نار من أشبّ لي ناره، واكفني همّ من أدخل عليّ همّه، وأدخلني في درعك الحصينة، واسترني بسترك الواقي؛ يا من كفاني كلّ شيء، اكفني ما أهمّني من أمر الدّنيا والآخرة، وصدّق قولي وفعلي بالتّحقيق؛ يا شفيق، يا رفيق؛ فرّج عنّي كلّ ضيق، ولا تحمّلني ما لا أطيق، أنت إلهي الحقّ الحقيق، يا مشرق البرهان، يا قويّ الأركان، يا من رحمته في كلّ مكان؛ وفي هذا المكان، يا من لا يخلو منه مكان، احرسني بعينك الّتي لا تنام، واكنفني في كنفك الّذي لا يرام.
إنّه قد تيقّن قلبي ألاإله إلّا أنت، وأنّي لا أهلك وأنت معي؛ يا رجائي، فارحمني بقدرتك؛ يا عليّ، يا عظيما يرجى لكلّ عظيم، يا عليم يا حليم، أنت بحاجتي عليم، وعلى خلاصي قدير، وهو عليك يسير، فامنن عليّ بقضائها؛
[ ٤ / ٥١٦ ]
الثّلاثة الأخيرة من «الحصن الحصين» .
يا أكرم الأكرمين، يا أجود الأجودين، يا أسرع الحاسبين، يا قويّ يا متين، يا ربّ العالمين، ارحمني وارحم جميع المذنبين من أمّة سيّدنا محمّد ﷺ إنّك على كلّ شيء قدير.
اللهمّ؛ استجب لنا كما استجبت لهم برحمتك، وعجّل علينا بفرج من عندك، بجودك وكرمك، وارتفاعك في علوّ سمائك، يا أرحم الرّاحمين؛ إنّك على ما تشاء قدير.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد، خاتم النّبيّين، وعلى آله وصحبه أجمعين» .
وهذا الدعاء: روى الطبرانيّ بإسناد صحيح قطعة منه؛ عن أنس: أنّ النّبيّ ﷺ مرّ بأعرابيّ » إلى آخر ما تقدّم. انتهى كلام «حياة الحيوان» للدّميري في الكلام على الطائر صفحة ٥٩١ ج ١ حرف الطاء.
(الثّلاثة) الأحاديث (الأخيرة) التي أوّلها: «يا وليّ الإسلام» الخ مأخوذة (من) كتاب («الحصن الحصين) من كلام سيّد المرسلين» للشيخ الحافظ المحدّث المقرىء: شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف؛ ابن الجزري العمري؛ الدمشقيّ، ثمّ الشيرازيّ؛ الشافعيّ، المتوفى سنة ٨٣٣-: ثلاث وثلاثين وثمانمائة هجريّة، رحمه الله تعالى.
وهو من الكتب الجامعة للأدعية والأوراد والأذكار الواردة في الأحاديث والآثار، وذكر فيه مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدّعاء والذكر وآدابه وأوقات الإجابة وأمكنتها، ثمّ الاسم الأعظم والأسماء الحسنى، ثمّ ما يقال في الصباح والمساء، وفي الحياة والممات، ثمّ الذكر العامّ، ثمّ الاستغفار، ثم فضل القرآن، ثمّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النّبيّ ﷺ.
ولقد أحسن من قال:
إن نابك الأمر المهو ل اذكر إله العالمينا
وإذا بغى باغ عليك فدونك الحصن الحصينا
[ ٤ / ٥١٧ ]
تتمّة في آداب الدعاء: وآكدها: ١- تجنّب الحرام؛ مأكلا ومشربا وملبسا، و٢- الإخلاص لله، و٣- تقديم عمل صالح، و٤- الوضوء، و٥- استقبال القبلة، و٦- الصلاة، و٧- الجثوّ على الركب، و٨- الثناء على الله تعالى، و٩- الصلاة على نبيّه أوّلا وآخرا، و١٠- بسط يديه ورفعهما حذو منكبيه وكشفها؛ مع التأدّب والخشوع والمسكنة والخضوع، و١١- أن يسأل الله تعالى بأسمائه العظام الحسنى؛ والأدعية المأثورة. و١٢- يتوسّل إلى الله بأنبيائه والصالحين؛ بخفض صوت واعتراف بذنب، و١٣- يبدأ بنفسه، ولا يخصّ نفسه؛ إن كان إماما، و١٤- يسأل بعزم ورغبة؛ وجدّ واجتهاد، و١٥- يحضر قلبه ويحسن رجاءه، و١٦- يكرّر الدعاء؛ ويلحّ فيه، و١٧- لا يدعو بإثم؛ ولا قطيعة رحم؛ ولا بأمر قد فرغ منه؛ ولا بمستحيل، و١٨- لا يتحجّر؛ ويسأل حاجاته كلّها، و١٩- يؤمّن الداعي والمستمع، و٢٠- يمسح وجهه بيديه بعد فراغه، و٢١- لا يستعجل أو يقول:
دعوت فلم يستجب لي. ذكره في «عدّة الحصن الحصين» للعلامة ابن الجزري، رحمه الله تعالى.
وقال الغزاليّ في «إحياء علوم الدين»: آداب الدعاء عشرة:
الأول: أن يترصّد الأزمان الشريفة؛ كيوم عرفة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من اللّيل، ووقت الأسحار.
الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة وبعدها، وحالة رقّة القلب.
الثالث: استقبال القبلة، ورفع اليدين، ويمسح بهما وجهه في آخره.
الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر.
الخامس: ألايتكلّف السجع.
[ ٤ / ٥١٨ ]
وصلّى الله على نبيّنا محمّد.. كلّما ذكره الذّاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
السادس: التضرّع والخشوع والرهبة.
السابع: أن يجزم بالطلب، ويوقن بالإجابة ويصدّق رجاءه فيها.
الثامن: أن يلحّ في الدعاء، ويكرّره ثلاثا، ولا يستبطىء الإجابة.
التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى، أي: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كلّه أيضا.
العاشر: - وهو أهمّها؛ والأصل في الإجابة- هو التوبة، وردّ المظالم، والإقبال على الله تعالى. انتهى. والله أعلم.
(وصلّى الله على نبيّنا)، الصلاة منه: رحمة مقرونة بتعظيم، ولفظها مختصّ بالمعصوم؛ من نبي وملك تعظيما لهم، وتمييزا لمراتبهم عن غيرهم.
(محمّد): علم منقول من اسم المفعول المضعّف، سمّي به نبيّنا ﷺ- مع أنّه لم يؤلف قبل أوان ظهوره- بإلهام من الله لجدّه عبد المطلب!! إشارة إلى كثرة خصاله المحمودة، ورجاء أن يحمده أهل الأرض والسماء، وقد حقّق الله تعالى رجاءه.
قيل: وكما اشتملت ذاته على كمال سائر الأنبياء والمرسلين اشتمل اسمه الشريف بحساب الجمّل على عدّة الرسل؛ بناء على أنّهم ثلثمائة وأربعة عشر.
(كلّما): ظرف زمان، وسرت الظرفية إلى «كلّ» !! لإضافته إلى «ما» المصدريّة الظرفية؛ أي: كل وقت.
(ذكره الذّاكرون) ذكرا لسانيا، بأن أجروا اسمه الشريف على ألسنتهم في الصلاة عليه، أو الحكاية عنه، أو غير ذلك. ويحتمل: ذكره الذاكرون ذكرا قلبيا؛ وهو الاستحضار، والأوّل هو المتبادر.
(وغفل عن ذكره الغافلون) . وقوله: «عن ذكره»: يعيّن أنّ المراد الذّكر
[ ٤ / ٥١٩ ]
وصلّى عليه في الأوّلين
اللّسانيّ؛ أو يكاد، حيث قال ذلك ولم يقل: غفل عنه!!.
والقول بأنّ المراد الذكر القلبيّ ربّما يرشّحه مقابلة الذكر بالغافلة، ومحلّها القلب، فيكون محلّ الذكر أيضا القلب، لأن الضدّين يجب اتّحاد محلّهما.
وأمّا اللّساني!! فضدّه السكوت ومحلّه اللسان أيضا، إلّا أن يقصد بالغافلة الترك تجوزّا. والضمير في «ذكره»؟! يحتمل عوده على النّبيّ ﷺ- كما قرّرناه-، ويصح عوده على الله سبحانه.
روى جماعة؛ عن عبد الله بن عبد الحكم أنّه قال:
رأيت الشافعيّ رحمه الله تعالى في النّوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال:
رحمني وغفر لي، ورفعت إلى الجنّة كما يزفّ العروس، ونثر عليّ كما ينثر عليه.
فقلت له: بم بلغت هذه الحالة!؟ فقال: قال لي قائل: «بقولك في كتاب «الرسالة»: وصلى الله على محمّد كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون» .
قال: فلمّا أصبحت نظرت «الرسالة»؛ فوجدتّ الأمر كما رأيت.
وفي «الإحياء» لحجّة الإسلام الغزاليّ رضي الله تعالى عنه:
روي عن أبي الحسن الشافعيّ قال: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام فقلت:
يا رسول الله؛ بم جوزي الشافعيّ عنك، حيث يقول في كتاب «الرسالة»: وصلى الله على سيدنا محمّد كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون!؟ فقال ﷺ:
جوزي عنّي أنّه لا يوقف للحساب؛ ذكره الفاسي في «شرح الدلائل» .
(وصلّى) الله (عليه)؛ أي: رحمه رحمة مقرونة بالتعظيم.
(في الأوّلين)؛ أي: المتقدّمين بالزمان على هذه الأمّة من أهل الإيمان في الأمم الماضية، أو المراد أوّل هذه الأمّة، هذا إذا كانت الأوّليّة باعتبار زمان وجودهم.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
والآخرين.. أفضل وأكثر وأزكى ما صلّى على أحد من خلقه.
وزكّانا بالصّلاة عليه.. أفضل ما زكّى أحدا من أمّته بصلاته عليه.
والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنّا.. أفضل ما جزى مرسلا عمّن أرسل إليه.
ويحتمل أن تكون الأوّليّة باعتبار الصلاة، والمعنى: صلّ عليه في أوّل من تصلي عليه، وفي آخر من تصلّي عليه، وإن كان المذكورون مصلى عليهم!!
(والآخرين): هم هذه الأمّة، أو آخرها على مقابلة ما تقدّم في الأوّلين.
(أفضل وأكثر): أوفر (وأزكى): أنمى (ما) صلاة (صلّى) - بحذف الضمير المنصوب- (على أحد من خلقه، وزكّانا)؛ أي: طهّرنا وصفّانا من كدورات البشريّة بتنوير قلوبنا (بالصّلاة عليه)؛ أي: بسبب الصلاة عليه، حتّى ننسب إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعة (أفضل ما زكّى أحدا من أمّته) ﷺ (بصلاته عليه. والسّلام): مرفوع مبتدأ، وخبره قوله: (عليه)؛ أي: كائن عليه.
وأتى بالسلام بعد الصلاة!؟ خروجا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر- كما قيل-.
(ورحمة الله) عليه. وفيه دليل للدّعاء له بالرحمة، لكن بالتّبع لغيرها كما هنا. (وبركاته) عليه.
(وجزاه)؛ أي: أعطاه (الله) في مقابلة ما قام به من هدايتنا وإرشادنا.
(عنّا) معشر أهل الإسلام، لأنّه هو السبب في نجاتنا ومعرفة ربّنا.
(أفضل ما جزى مرسلا عمّن أرسل إليه)؛ أي: عن أمّته التي أرسل إليها فاتّبعته فأفلحت.
[ ٤ / ٥٢١ ]
والمطلوب هنا للنّبيّ ﷺ: أن يجزى أفضل ما جري به مرسل عمّن أرسل إليهم، فالمسؤول له: إعطاء مثل أفضل جزائهم.
يبقى أنّه ﷺ أفضلهم ومستحقّ لأفضل من جزائهم، فكيف يطلب له أفضل جزائهم فقط؛ لا أفضل من جزائهم؟!
فيحتمل أن يقال: إنّه لا بأس بالدّعاء له ﷺ بنحو هذا، إذ هو ﷺ أهل أن يعطى ما ذكر؛ ولأن يعطى أكثر منه. واقتصر على سؤال ما ذكر له ﷺ!؟ لأنّه لا يلزم منه نفي الأكثر.
ويحتمل أن يكون المراد طلب ذلك مضافا إلى ما يستحقّه هو، وما هو أهل له. والله أعلم.
قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: ما من خير عمله أحد من أمّة محمد ﷺ إلّا والنّبيّ ﷺ أصل فيه.
قال في «المواهب»: قال في «تحقيق النصرة»: فجميع حسنات المؤمنين وأعمالهم الصالحة في صحائف نبيّنا ﷺ؛ زيادة على ما له من الأجر، مع مضاعفة لا يحصرها إلّا الله تعالى، لأنّ كلّ مهتد وعامل إلى يوم القيامة يحصل له أجر، ويتجدّد لشيخه مثل ذلك، ولشيخ شيخه مثلاه، وللشّيخ الثالث أربعة، وللرّابع ثمانية، وهكذا تضعيف كلّ مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النّبيّ ﷺ.
وبهذا يعلم تفضيل السّلف على الخلف، فإذا فرضت المراتب عشرة بعد النّبيّ ﷺ كان للنّبيّ ﷺ من الأجر ألف وأربعة وعشرون، فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر؛ صار أجر النّبيّ ﷺ ألفين وثمانية وأربعين، وهكذا كلّما ازداد واحد يتضاعف ما كان قبله أبدا- كما قال بعض المحققين-. انتهى.
ولله درّ القائل- وهو سيّدي محمّد وفا- نفعنا الله ببركاته:
فلا حسن إلّا من محاسن حسنه ولا محسن إلّا له حسناته
[ ٤ / ٥٢٢ ]
والحمد لله ربّ العالمين على جميع نعمه، ما علمت منها وما لم أعلم، ولا سيّما نعمة
انتهى الغرض من كلام صاحب «المواهب» .
وقال البوصيري رحمه الله تعالى:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النّبيّ محمّد!!
(والحمد)؛ أي: الوصف بالجميل ثابت (لله ربّ): مالك (العالمين):
الأنس والجنّ والملائكة وغيرهم.
(على جميع نعمه؛ ما علمت منها، وما لم أعلم، ولا سيّما نعمة) - ذكروا في الاسم الواقع بعد «لا سيّما»: جواز الرّفع والنّصب والجرّ؛ إن كان نكرة، أمّا إن كان معرفة- كما هنا-! فيجوز رفعه وجرّه، ولا يجوز نصبه.
وتوجيه ذلك: أنّ «لا»: عاملة عمل «إنّ» و«سيّ»: بمعنى؛ مثل:
اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: موجود، و«ما»: اسم موصول بمعنى «الذي» مضاف إلى «سيّ»، أو نكرة موصوفة، والاسم المرفوع بعد «سيّما»:
خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير لا مثل الذي هو نعمة الإيمان والإسلام الخ، أو لا مثل شيء هو نعمة الإيمان والإسلام، فالجملة صلة؛ أو صفة.
وأمّا على جرّ ما بعد «سيّما» - سواء كان معرفة؛ أو نكرة-!! فتكون «ما»:
زائدة، و«سيّ» مضاف إلى ما بعده، ولكون «سيّ» بمعنى مثل؛ لا تتعرّف بالإضافة صحّ عمل «لا» فيها، والجرّ أرجح من الرفع، لما في الرفع من حذف صدر الصّلة بلا طول وفتحة «سيّ» إعراب، لأنّها مضافة.
وأمّا النصب! فلا يجوز، إلّا إن كان ما بعد «سيّما» نكرة، لأنّه على التمييز، والتمييز لا يكون إلّا نكرة، وحينئذ تكون «ما» كافّة عن الإضافة، والفتحة في «سيّ» فتحة بناء مثلها في «لا رجل»، وأمّا نصب المعرفة! فمنعه الجمهور.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
الإيمان والإسلام،
(الإيمان والإسلام) اللّذين هما أجلّ النّعم الدنيويّة والآخرويّة، وأساسها كما هو ظاهر لا يخفى-، وفيه التبرّي ممّا قد يتوهّم نسبته لأوصاف العبد، وقد قال تعالى بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [١٧/ الحجرات]، وقال تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [٧/ الحجرات]، وقال تعالى وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ [٥٦/ الروم]، وقال تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [٢٢/ المجادلة] .
وقال أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٢٢/ الروم] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدّالّة على أنّ هداية الإيمان بيد الله وحده لا شريك له.
قال الشيخ أبو طالب المكّيّ في «قوت القلوب»: وادّعاء أنّ الإيمان عن كسب معقول، واستطاعة بقوّة وحول هو كفر نعمة، وأخاف على من توهّم ذلك أن يسلب الإيمان، لأنّه بدّل شكر نعمة الله كفرا!!. انتهى.
والإيمان- لغة-: هو التّصديق، وشرعا-: تصديق القلب بما علم مجيء الرّسول ﷺ به؛ من عند الله ضرورة، أي: الإذعان والقبول له، ولا يعتبر التصديق إلّا بالعمل بتلك الأحكام.
والإسلام: هو الخضوع والانقياد، ولا يتحقّق إلّا بقبول الأحكام، وهي أعمال الجوارح، وإنّما يظهر قبولها في العمل بها؛ فلذلك يفسّر بها فيقال:
الإسلام شرعا: أعمال الجوارح من الطّاعات؛ كالتّلفّظ بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، ونحو ذلك. فلو لم يقبل أحكام الشريعة وأبى من التزامها لم يكن خاضعا للألوهيّة، ولا منقادا مستسلما لتدبيرها وأحكامها؛ فلم يكن مسلما.
ولا تعتبر الأعمال المذكورة إلّا مع التصديق المذكور الذي هو الإيمان، فلا يصحّ الإيمان إلّا بالإسلام، ولا الإسلام إلّا بالإيمان، فأحدهما مستلزم للآخر، والإيمان والإسلام شرعا واحد، والمؤمن شرعا مسلم، والمسلم شرعا مؤمن، فتساويا مصدوقا؛ وإن تغايرا مفهوما!!.
[ ٤ / ٥٢٤ ]
وتوفيقه لجمع هذا الكتاب.
وأسأله سبحانه أن ينفعني به
وإنّما ذكرهما المؤلّف معا!؟ اعتبارا بحقيقتهما ومفهومهما، لأنّه في مقام الحمد، وهو مقام بسط وإطناب وإكثار من عدّ النّعم، ولا شكّ أنّهما باعتبار المفهوم متغايران، وكذا باعتبار ما يفسّر به الإسلام، لأنّ نعمة التصديق محلّها القلب، ونعمة الإقرار والأعمال الصالحات محلّها الجوارح، فهي متعددة ضرورة.
على أنّ الإيمان شرعا يقال بالاشتراك «١»؛
١- فتارة يطلق ويراد به العمل القلبيّ بمجرّده.
و٢- تارة يطلق عليه مع الإقرار باللّسان، وهو: إمّا شطر منه؛ أو شرط فيه!!
و٣- تارة يطلق على سائر الطاعات؛ بدنيّة أو قلبيّة.
والحاصل: أنّه قد يطلق على ما هو الأساس في النّجاة والشّرط في مطلق السعادة، وعلى الكمال المنجي بالأخلاق الذي هو شرط في كمال السعادة.
والإسلام له إطلاقات: أحدها: على مجموع الدين؛ وهو: ما يعمّ المقامات الثلاثة من الظاهر والباطن والإحسان في ذلك.
والآخر: على جزئه؛ وهو المتقدّم الذكر، وهو أيضا له:
مفهوم: وهو الخضوع والانقياد والاستسلام.
ومظهر: وهو عمل الجوارح. فأتى المؤلّف باللّفظين!! ليشملها بجميع الإطلاقات، ويعم الظاهر والباطن. والله أعلم.
(و) نعمة (توفيقه)؛ أي: إلهامه وإقداره (لجمع)؛ أي: تأليف (هذا الكتاب) وبقصد قارئه جمعه له قراءة.
(وأسأله سبحانه أن ينفعني به) بأن يثيا بني على جمعه، ويوفّقني للعمل بما فيه.
_________________
(١) يعني: لفظ مشترك بين معان متعددة.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
وكلّ من نظر فيه من المسلمين نفعا عظيما، يصاحبنا في الدّنيا، ويلازمنا في البرزخ، ولا يفارقنا يوم الدّين؛ بجاه خير الوسائل إليه، وأقرب المقرّبين لديه، حبيبه الأكرم،
(و) ينفع به (كلّ من نظر فيه من المسلمين) بالمطالعة والدراسة؛ (نفعا عظيما يصاحبنا في الدّنيا): بأن نعمل بما اشتمل عليه؛ ونتخلّق بما فيه، (ويلازمنا في البرزخ)؛ وهو: ما بين الدنيا والآخرة قبل الحشر، من وقت الموت إلى القيامة، ومن مات فقد دخله.
والمراد بملازمته في البرزخ: حصول الثّواب لمؤلّف الكتاب والنّاظر فيه، ومؤانسته لهما مدّة مقامهما في البرزخ، ولا يزال مصاحبا لهما حتّى يكون سببا لحلولهما في دار النّعيم، كما قال:
(ولا يفارقنا يوم الدّين)؛ أي: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة.
(بجاه) الباء- في هذا ونحوه- تشبه أنّها للاستعانة.
والجاه: هو القدر والمنزلة والحرمة.
(خير الوسائل [إليه])؛ أي: خير من يتوسّل به ويتقرّب به إلى الله تعالى، فمن توسّل به إلى الله كان أسرع في نيل مطلوبه والظفر بمرغوبه.
(وأقرب المقرّبين لديه)؛ أي: عنده (حبيبه الأكرم) على الله من جميع المخلوقات؛ فيدخل الملائكة.
والإجماع على أنّه ﷺ أفضل من الملائكة، وإن اختلف في التّفاضل بين الأنبياء والملائكة، فقد صرّحوا بأنّه ﷺ خارج من الخلاف، وأنّه أفضل الخلق عموما.
وأفضل الخلق على الإطلاق نبيّنا فمل عن الشّقاق
[ ٤ / ٥٢٦ ]
ورسوله الأعظم: سيّدنا محمّد سيّد المرسلين صلّى الله عليه وعليهم،
(ورسوله الأعظم) منزلة ومكانة وحظّا؛ (سيّدنا محمّد) هذا الاسم الكريم الشريف هو أشهر أسمائه ﷺ، وأخصّها وأعرفها.
وبه يناديه الله، ويسمّيه في الدّنيا والآخرة، وهو مختصّ بكلمة التّوحيد.
وبه كنّي آدم ﵇، وبه تشفّع، وعليه صلّى من مهر حواء.
وبه كان يسمّي نفسه ﷺ؛ فيقول: «أنا محمّد بن عبد الله»، «والّذي نفس محمّد بيده»، و«فاطمة بنت محمّد»، ويكتب «من محمّد رسول الله» .
وهو الثّابت في تعليم كيفيّة الصلاة عليه ﷺ، وبه يصلّي عليه المصلّون.
وبه يسمّيه عيسى ﵊ في الآخرة حين يدلّ عليه للشّفاعة.
وبه كان يسمّيه جبريل ﵇ في حديث المعراج وغيره.
وبه سمّاه إبراهيم الخليل ﵊ في حديث المعراج أيضا.
وبه سمّاه جدّه عبد المطلب حين ولد، وبه كان يدعوه قومه.
وبه ناداه ملك الجبال، وبه صعد ملك الموت إلى السماء باكيا لما قبض روحه ينادي (وا محمّداه) .
وبه يسمّي نفسه لخازن الجنان حين يستفتح فيفتح له إلى غير ذلك ممّا لا يحضرني الآن، والله أعلم.
(سيّد المرسلين): رئيسهم وزعيمهم، والمتقدّم عليهم، وعظيمهم وشريفهم وكريمهم، ﷺ. روى البزّار: «أنّه ﷺ قال:
ليلة أسري بي انتهيت إلى قصر من لؤلؤة يتلألأ نورا، وأعطيت ثلاثة: قيل لي:
إنّك ١- سيّد المرسلين، و٢- إمام المتّقين، و٣- قائد الغرّ المحجّلين» . انتهى.
(صلّى الله عليه وعليهم) فيه الصّلاة على المرسلين، وقد ورد: «صلّوا على أنبياء الله ورسله؛ فإنّهم بعثوا كما بعثت» . أخرجه الطّبرانيّ وغيره.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
وعلى آلهم وأصحابهم الكرام.
(وعلى آلهم) آل نبيّنا- عند الشافعيّ-: مؤمنو بني هاشم والمطلب، هذا بالنّسبة لنحو الزّكاة؛ دون مقام الدعاء، ومن ثمّ اختار الأزهريّ وغيره من المحققين: أنّهم هنا كلّ مؤمن تقيّ، لحديث فيه؛ أخرجه الطبرانيّ بسند واه جدّا، ولفظه: «آل محمّد كلّ مؤمن تقيّ» . وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وغيرهما من المسلمين من ذرّيّته.
(وأصحابهم): واحده «صاحب» بمعنى الصحابيّ: وهو من اجتمع مؤمنا بالنّبيّ ﷺ ولو لحظة ومات على الإيمان- وإن لم يره- كابن أمّ مكتوم؛ ولم يرو عنه، وسواء كان مميّزا؛ أو غير مميّز- كمحمد بن الصديق رضي الله تعالى عنهما وأمثاله. (الكرام) - جمع كريم- والمراد به هنا: من خرج عن نفسه وماله لله تعالى، وكلّ الصحابة كذلك، رضوان الله عليهم أجمعين؛ قاله ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
ونجز ذلك في شهر رجب من السّنة التّاسعة بعد الثّلاث مئة «١» وألف من هجرته ﵊.
(ونجز)؛ أي: انقضى وتمّ (ذلك)؛ أي: هذا التّأليف المسمّى: «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ» .
(في شهر رجب) الحرام (من السّنة التّاسعة) - بتقديم المثنّاة على السين المهملة- (بعد الثّلثمائة وألف من هجرته ﵊) .
وهذا آخر ما قصدتّ وتمام ما أردتّ من شرح هذا الكتاب المشتمل على ما تقرّ به أعين ذوي الألباب، ولا آمن من أن أكون أسقطت؛ أو حرّفت شيئا من متن الكتاب سهوا، ورحم الله امرأ رأى خللا فأصلح، أو عاين زللا فسمح، فإنّ الخطأ والخلل غير مستغرب من الإنسان المطبوع على عدم الإحسان، وخصوصا مثلي، قليل العلم، قصير الباع في الحفظ والفهم.
وأستغفر الله تعالى وأتوب إليه ممّا جنيته في سواد اللّيل وبياض النّهار، وأسأله العفو والغفران عن سائر المخالفات والأوزار.
وأستودعه الإسلام والإيمان، وما أنعم به عليّ وعلى سائر الإخوان، إذ كلّ نعمة بنا أو بسائر المخلوقات؛ إيجادا أو إمدادا، دينا ودنيا، ظاهرا وباطنا، إنّما هي منه وحده لا شريك له.
فكما أحسن أوّلا من غير سؤال؛ نسأله أن يحسن إلينا فيما بعد ذلك.
وكما ابتدأنا بنعمته من غير أهليّة ولا استحقاق؛ نسأله أن يتمّم علينا نعمته، ولا ينزع منّا صالح ما أعطانا، وأن يجعلنا لسنّة نبيّه من المتّبعين، ولذاته الكاملة من المحبّين، فإنّه على ذلك قدير، لا إله غيره، ولا خير إلّا خيره، وهو نعم المولى ونعم النّصير.
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: المائتين، وهو خطأ مطبعي.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
والحمد لله أوّلا وآخرا، باطنا وظاهرا، والصلاة على نبيّه وحبيبه، وصفيّه وخليله: سيّدنا محمّد الأمين، وخاتم النبيّين؛ عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى جميع آله وصحبه، ووارثيه العلماء وأتباعه وحزبه. آمين.
والحمد لله ربّ العالمين؛ حمدا كثيرا طيّبا.
وكان انتهى تبييضه بين العشاءين؛ ليلة الثّلاثاء، الموافق الخامس عشر من شهر محرّم الحرام، سنة- ١٤٠٠- أربعمائة وألف هجريّة، بمنزلي في جبل الحفائر؛ المطل على الشبيكة بمكّة المكرّمة، جعلها الله آمنة مطمئنّة رخيّة وسائر بلاد المسلمين، ووفّقنا لما يحبّه ويرضاه بمنّه وكرمه. آمين.
ونسأله حسن الختام، والموت على دين الإسلام، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، وصلّى الله وسلم على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه مؤلّفه، الفقير إلى الله تعالى ورحمته:
عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي رحمة الله تعالى عليه- المدرّس بالمدرسة الصولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرّمة.
[ ٤ / ٥٣٠ ]
فهرسة الجزء الرابع من كتاب منتهى السول شرح شمائل الرسول ﷺ
الموضوع صفحة
حرف الميم ٥
حرف النون ٦٧
حرف الهاء ٧٤
حرف الواو ٧٦
حرف اللام ألف ٨٤
حرف الياء ١٠٤
الباب الثامن: في طبه ﷺ وسنه ووفاته ورؤيته في المنام وفيه ثلاثة فصول ١١٧
الفصل الأول: في طبه ﷺ ١١٨
الفصل الثاني: في سنه ﷺ ووفاته ٢٠٦
الفصل الثالث: في رؤيته ﷺ في المنام ٣٣٢
الخاتمة: تشتمل على سبعين حديثا من أدعيته ﷺ ٣٦٣
[ ٤ / ٥٣١ ]