المكتَبَة السَلَفية
القاهرة
[ ٥ / ١ ]
صُلحُ الحُديبيَّة
[ ٥ / ٢ ]
الطبعة الثالثة
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
جميع حقوق الطبع محفوظة
المَكتبَة السَّلَفيَّة
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة * تليفون ٨٤٠٣٦٤
[ ٥ / ٣ ]
[خريطة]
[ ٥ / ٤ ]
تقديم الكتاب
بقلم الكولونيل عبد الله التل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد النبي الكريم الأمين وعلى آله وصحبيه أجمعين، وبعد:
فهذا هو الكتاب الخامس الذي يكتبه الأُستاذ محمد أحمد باشميل، في سلسلة معارك الإسلام الفاصلة. وقد سبقه من الكتب غزوة بدر الكبرى، غزوة أُحد، غزوة الأَحزاب، وغزوة بني قريظة.
وموضوع هذا الكتاب الخامس هو:
(صلح الحديبية) وما سبق ذلك الحدث التاريخي الحاسم من أحداث سياسية وعسكرية، شرح المؤلف منها تسع عشرة غزوة وحملة وسرية. وقد أحسن صنعًا في ذلك، لأن أحداث السيرة النبوية، العسكرية والسياسية جميعها مهمة وجديرة بالتدوين لتُقدِّم الجيل شبابنا المغلوب على أمره، زادًا طاهرًا نقيًّا، ينهلون منه ويقتبسون العبر والدروس من عظمة الرسول وصحابته الأبرار، الذين صنعوا الأمجاد بإيمانهہم وصبرهم وحكمتهم وشجاعتهم، ووطدوا لنا أركان الإسلام، فغدونا نصحوا اليوم لنرى امتداد الإسلام، من إندونيسيا شرقًا إلى تطوان
[ ٥ / ٥ ]
غربًا، بفضل ما بذله الجيل المثالي، جيل محمد - ﷺ - من تضحيات وبطولات.
وتتجلى عظمة الرسول - ﷺ - في قصة صلح الحديبية، فيما صاحب، ذلك الحدث التاريخي من عزمه ﵊ على أداء العمرة، بينما كانت قبائل (نجد) المجاورة للمدينة، معادية ومتعاونة مع كفار قريش، وفيما كان يهود خيبر يتحفزون للانتقام من الدين الجديد الذي هزم أهلهم من بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، وأذلّهم لتآمرهم على الإسلام وغدرهم بالمسلمين. ومع كل تلك الأخطار استنفر أصحابه وخرج بهم من المدينة قاصدًا العمرة، وزيارة الكعبة التي حُرم المسلمون منها طيلة ست سنوات تقريبًا.
حقًّا لقد كانت تلك الرحلة التاريخية للعمرة محفوفة بالأخطار كان كل شيء على السطح يشير إلى أن قريشًا القوية، ذات العدد والعدة، ستشن على المسلمين حربًا (عندما يقتربون من مكة) حربًا بلغ بضعاف النفوس من المنافقين الجبن إلى أن يعتقدوا أن نهاية المسلمين ستكون فيها على أيدي قريش.
الأمر الذي حمل كثيرًا من منافقي المدينة والأعراب، على الاعتذار عن مصاحبة الرسول العظيم في هذه الرحلة التي يرافقه فيها سوى ألف وأربعمائة، هم الصفوة المختارة التي خلّد الله ذكراهم، وأعلن رضاه عنهم في قرآن يتلى إلى يوم الدين (﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
_________________
(١) سورة الفتح: ١٨.
[ ٥ / ٦ ]
إن تصرفات الرسول القائد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في حوادث الحديبية، هي في حدِّ ذاتها دستور شامل يمكن الرجوع إليه للاقتباس منه في باب (الحكمة والأناة وبُعد النظر وضبط النفس والسيطرة على الأعصاب أمام استفزازات السفهاء وتحدِّي الحَمْقَى، وفي مجال العدل والوفاء بالعهد واحترام المعارضة النزيهة) .. إن الرسول - ﷺ - لم يتوصل إلى عقد الصلح إلا بعد أن اجتاز مراحل شاقَّة وتغلَّب على مشاكل عويصة معقَّدة، سواء في محيط أصحابه الكرام المعارضين لإبرام هذا الصلح، أم في محيط قومه من قريش الذين حشدوا كل ما لديهم ولدى حلفائهم من قوات الحربية ليخوضوا مع المسلمين معركة يخرجوا لها ولا يرغبون فيها .. فأحبط بشجاعته وحلمه وصبره معًا، خطط المتهورين القرشيين الشِّريرة وجعلهم يجنحون إلى السلام، بدلًا من الحرب فيسعون (هم أنفسهم) لعقد هذا الصلح التاريخي.
كان الرسول العظيم قمة في الحنكة السياسية حين أقدم على الصح قريش، مخالفًا آراء عدد كبير من صحابته الذين قاسوا الأُمور بمظهرها السطحي، ولم يكن لهم بعد نظر الرسول الحكم الحليم. وسرعان ما أثبتت الأحداث صدق الرسول - ﷺ - وبُعد نظره، فحقق صاح الحديبية ما كان الرسول - ﷺ - يؤمل من ورائه. وأخذ المسلمون يعملون على نشر الدعوة الإسلامية بحرية وقوة، فتضاعف عدد المسلمين، وتسربت فضائل الإسلام وأخلاق المسلمين الكريمة إلى نفوس عدد كبير من شيوخ القبائل ورؤوس الكفر في قريش، مما جعلهم يغيِّرون نظرتهم إلى الدين الجديد، ويقلِّلون
[ ٥ / ٧ ]
من عداوتهم لأَتباعه. ومن أهم فوائد صلح الحديبية أنه أسهم في إنجاح خطة غزوة خيبر والقضاء نهائيًا على خطر اليهود في جزيرة العرب.
***
إن هذا الكتاب (صلح الحديبية). وما أصدره وسيصدره الأُستاذ باشميل بإذن الله من سلسلته التاريخية (معارك الإسلام الفاصلة) هو جهد مشكور يبذله المؤلف لتوعية الشباب الإسلامي وتعريفه بتاريخنا الإسلامي المجيد، الذي هو المرآة الصافية التي تنعكس على صفحتها حقيقة ماضينا الإسلامي المشرف الذي تغص عند ذكراه - حلوق المارقين المبطلين من عبيد المذاهب المادية الهدَّامة الدخيلة - من المفكرين العملاء الذين يعملون (عن قصدٍ مسبَّق خبيث) على تشويه هذا التاريخ المشرق الوضَّاء وطمسه .. بغية قطع صلتنا بماضينا الإسلامي الذي منه نستمد قوتنا الحقيقية التي تخيف أسيادهم الذين استأجروهم ليعملوا بكل الوسائل على بتر هذه الصلة، لكي يتمكنَّوا من ربطنا بعجلة مذاهب وعقائد ومبادئ غريبة عنا، دخيلة علينا، فاسدة في ذاتها .. أثبتت فشلها وإفلاسها في موطنها الأَصلي قبل أن تتدفق جداول عفنها علينا من وراء الحدود.
***
إن العناية بالتاريخ الإسلامي ودراسته دراسة موضوعية واعية، هي من أهم الروافد التي تمد الإنسان المسلم بعناصر الشجاعة والرجولة والتضحية والفداء، وتحرَّك في نفسه عوامل الاستقامة ودواعي
[ ٥ / ٨ ]
الخير لما في طيات هذا التاريخ الخالد من عِبَر ومواعظ ودروس بنَّاءَة نافعة، حفرها على جبين الزمان وسطَّرها بأَحرف من نور، خيار هذه الأمة بأعمالهم المجيدة التي بها بلغوا أعلى قمم المجد، والتي كانوا يستوحونها من تعالم الدين الإسلامي الحنيف الذي اجتذبهم من زوايا النسيان وقفز بهم من مؤخرة الشعوب، ليقعدهم أمام دفة قيادة العالم ليكونوا أساتذة اللأُمم وقادة الشعوب.
* * *
وكم هو نافع ومفيد لأُمة العرب (وهي تخوض المعركة الحاسمة لمحو العار عن جبينها الذي لطخه به انحرافها عن تعاليم الإسلام) لو أن العملاء المستأجرين المندسين في صفوفها والمتربعين على مقاعد قيادات فكرية وإعلامية في أجهزتها الحساسة، يوجهون الشباب العربي خاصة إلى دراسة تاريخ خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وأبي عبيدة بن الجراح ومحمد بن القاسم، وموسى بن نصير، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح وغيرهم من بناة الأمجاد الإسلامية، بدلًا من إشغال عقول هؤلاء الشباب وتلويثها بدراسة تاريخ علوج الإلحاد أمثال: كارل ماركس، وأنجلز، وماوتسي تنج، وغيفارا، وكاسترو وهوشى منّه. وأمثالهم من ألد أعداء الإسلام.
****
إن أُمة الإسلام والعرب بالذات لن يہجدوا سبيلا إلى استعادة أمجادهم الضائعة وتحقيق وحدتهہم المنشودة إلا إذا استلهموا ماضيهم الإسلامي المشرق المجيد ووثَّقوا صلتهم بالله تعالى عن طريق اتِّباع
[ ٥ / ٩ ]
دينه والاهتداء بهدي رسوله العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وإني إذ أدعو الله مخلصًا أن يثيب الأَخ الأُستاذ باشميل على هذا الجهد الذي بذله ويبذله لعرض هذه الصفحات المشرقة المتلألئة من تاريخنا الإسلامي العظيم، عبر هذه السلسلة التاريخية التي يقوم بتأليفها .. أدعو كل مسلم عربيًّا كان غير عربي (وخاصة الشباب المثقف ومن له صلة بالشؤون العسكرية والسياسية من أية رتبة كان) أن يعكف على دراسة هذه السلسلة من معارك الإسلام الفاصلة التي خاضها محمد - ﷺ - وأصحابه الكرام، الذين (عَبْر هذه المعارك) بنوا لنا هذا المجد الباذي الأَثيل، وشيَّدوا لنا سمعة عطرة كانت ملءَ سمع الدنيا وبصرها حتى مرغ الانحراف عن جادة الإسلام هذه السمعة، ومسح بها الأرض، وكان آخر نتائج هذا الانحراف (ولعله أفظعها) تمريغ سمعة مائة مليون عربي، بل سبعمائة مليون مسلم، على يد مليوني يهودي، من شذَّاذ الآفاق ونفايات الأُمم يوم الخامس من حزيران الأَسود.
اللهم بك نستجير وإليك نضرع، أن تعيد أمة محمد إلى صراطك المستقيم وتلهمها العمل بكتابك وسُنة نبيِّك لتستعيد مجدها الضائع وقوَّتهہاالمفقودة، وتستأنف سيرها بالإنسانية من جديد في دروب الخير والمحبة والتسامح والسلام، إنك على كل شيء قدير.
عبد الله التل
قائد معركة القدس سنة ١٩٤٨ م
عمان
[ ٥ / ١٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تمهيد المؤلف
- ١ -
اللهم صلِّ على منقذ البشرية، ومحرِّر الإنسانية، نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وارزقنا اللهم السداد في القول والتوفيق في العمل إنك على كل شيء قدير.
وبعد، فهذا هو كتابنا الخامس (صلح الحديبية) نقدِّمه إلى قراء التاريخ الإسلامي ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي عقدنا العزم (بعون الله تعالى) على إصدارها، في محاولة متواضعة لتبصير أجيالنا بالتاريخ الإسلامي المشرق الحافل بالبطولات والأمجاد والذي تحالفت لطمسه أو تشويه جهات كلها عدو للإسلام والمسلمين .. وظاهرها - ولا يزال يظاهرها مع الأسف - نفرٌ من المفكرين، هم من أبناء جلدتنا ويتكلمون لغتنا، بل ويحملون هويات تجعلهم محسوبين على ديننا.
هؤلاء ساهموا إلى حدٍّ مؤسف جدًّا في تحريف التاريخ الإسلامي، وحاولوا طبع ما في هذا التاريخ من محاسن وفضائل بطابع مبادئ ومذاهب سياسية دخيلة على الوطن الإسلامي، بل هي والإسلام
[ ٥ / ١١ ]
على طرفي نقيض .. وهو أمر خطير يجب على المربيِّن والمسؤولين عن التربية والتعليم في أي بلد يدين بالإسلام أن يقاوموه بكل الوسائل، ويعملوا على إزالة الأتربة والسوافي التي ألقى بها الأعداءُ على جوهر هذا التاريخ لطمس معالمه الوضاعة المشرقة التي يمكن أن يستضئ بها الشباب المسلم على دروب الفضيلة والاستقامة التي (إن سار عليها) ستنتهي به إلى سلَّم العزة والكرامة والمجد ليرقاه رافع الرأس وضاح الجبين.
- ٢ -
إن ما حدث قبل وحتى عقد هذا الصلح التاريخي الخالد لم يكن معركة حربية بالمعنى التقليدي المتعارف عليه في القاموس العسكري.
فلم تنشب هناك معارك دامية في بطاح، الحديبية بين المسلمين وقريش، كما نشبت في بطاح بدر وشعاب أُحد ومشارف الخندق ووديان خيبر ومرتفعاتها، والتي نتجت عنها تلك الانتصارات لصالح الإسلام والمسلمين.
ولكن نتائج (صلح الحديبية) الإيجابية لم تكن أقل من نتائج أية معركة من تلك المعارك الظافرة الدامية الفاصلة.
بل إن نجاح الرسول الأعظم - ﷺ - في عقد صلح الحديبية مع قريش حقق للدعوة الإسلامية من المكاسب (على كل المستويات السياسية والروحية والمعنوية والعسكرية) ما لم تحققه له أية معركة خاضها النبي محمد - ﷺ - وأصحابة الكرام بالسيف والرمح والنبل.
يشهد بذلك كبار الصحابة الذين كانوا قد عارضوا النبي - ﷺ -، أشد المعارضة في عقد هذا الصلح كما سيراه القارئ مفصلًا في صُلْب
[ ٥ / ١٢ ]
هذا الكتاب عند التعرض بالتحليل الدروس ومكاسب هذا الصلح التاريخي.
بل لقد شهد القرآن الكريم بعظيم هذه المكاسب وخلَّد ذكراها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، حيث وصف صلح الحديبية بأنه (الفتح المبين) (١).
وهو أمر لم يعطه القرآن الكريم وصفًا لنتائج أية معركة أو حادثة في العهد النبوي سوى (لصلح الحديبية).
إذن، من هنا يمكن القول: أن صلح الحديبية هو حصيلة كسب لأعظم معركة دارت بين الإسلام والوثنية في العهد النبوي من حيث النتائج الإيجابية التي بها توطدت دعائم الإسلام وبفضلها تصدّعت قواعد الوثنية، ثم انهارت واضمحلت من الوجود. كما هو مفصل في فصول هذا الكتاب.
لذلك أدرجنا (صلح الحديبية التاريخي هذا) ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة)، لأنه من حيث النتائج ينطبق عليه كل الانطباق، اسم المعركة الفاصلة.
- ٣ -
إنَّ النبي الأعظم - ﷺ - لم يتوصل إلى عقد صلح الحديبية إلا بعد أن خاض سلسلة من الصراعات الشاقة والمعارك المضنية على الصعيدين الداخلي - محيط أصحابه المعارضين للصلح أشد المعارضة - والصعيد الخارجي - محيط قومه وأهله وعشيرته من مشركي قريش الذين
_________________
(١) انظر حديث القرآن عن صلح الحديبية في هذا الكتاب.
[ ٥ / ١٣ ]
لم يتركوا وسيلة من وسائل الاستفزاز والتحدي إلا واتبعوها لإثارة النبي - ﷺ - وأصحابه.
فهي إذن معارك شاقة خاضها النبي - منذ خروجه من المدينة حتى إبرام هذا الصلح - على جبهتين.
في محيط أصحابه خاض معارك طرفاها:
١ - العقل الراجح، والأُفق الواسع، والنظرة البعيدة، والأَناة والحلم والصبر الذي لا يعرف الحدود.
٢ - العاطفة الفوارة العابرة التي لا يفكر المستجيب لها في العواقب محمد - ﷺ - في جانب العقل والصبر والحلم والأَناة، يصرُّ على التزام جانب التروّي والصبر وعدم الإجابة على استفزاز أهله وعشيرته باستفزاز مثله، ويعمل جاهدًا على نبذ فكرة الحرب والسعي لتحقيق السلام بين المسلمين وقريش.
وعامة الأَصحاب في جانب العاطفة الجياشة يعارضون الصلح أشد المعارضة، ويستعجلون الصدام الدامي مع قريش، مفضلين الاحتكام إلى السيف على طول الانتظار في الحديبية، وعلى القبول بصلح يرون قبول بعض شروطه مذلة للمسلمين ومساسًا بكرامتهم.
وفي محيط أَهله وعشيرته المشركين خاض محمد - ﷺ - معارك خصماها:
١ - داعي الرغبة في صلة الرحم والحفاظ عليها وإعطاءها حقها من الرعاية، والحرص على هداية الأهل والعشيرة ليخرجوا من ظلام الشرك إلى نور التوحيد. . والعمل على حقن الدماء وصون الأرواح (أيا كانت) من أن تزهق.
[ ٥ / ١٤ ]
٢ - داعي العنجهية الجاهلية وصلف الكبرياء الوثني المقيت والاستجابة الجانحة لدواعي الشر ونوازع البطر والطغيان.
* محمد - ﷺ - قوي جانب الداعي الأول. . يبلِّغ قومه وعشيرته رسميًا أنه يأْت للحرب ولا رغبة له فيها، وأنه إنما جاء معتمرًا يزور الكعبة يعود بأَصحابه من حيث أَتوا.
* وقريش تقسم أغلظ الأَيمان أنها ستصد محمدًا وأصحابه عن البيت حتى وإن لم يأْتوا إلا لزيارته، وتستنفر كافة قواتها وقوات حلفائها (ثمانية آلاف مقاتل) وتعسكر بهم خارج مكة لتبر بقسمها الآثم هذا.
* محمد - ﷺ - يبعث بالوسيط تلو الآخر إلى قريش يدعوهم إِلى السلام ويؤكد لهم عدم رغبته في الحرب، ويعرض عليهم إقامة سلم يأْمن فيه المسلمون والقرشيون بعضهم بعضًا.
* وقريش إزاء هذه المساعي النبوية السلمية تشتط في طغيانها وبطرها فتبعث بعدة وحدات من فرسانها لتعترض طريق النبي - ﷺ -، وأصحابه وتسدها عليهم بنضال السيوف لتجرَّهم إلى حرب لم يخرجوا لها ولا رغبة لهم فيها.
* محمد - ﷺ - تجنبًا للصدام الدامي مع أهله وعشيرته - يعدل عن سلوك الطريق الرئيسي الذي يسده خالد بن الوليد بفرسانه المشركين، ويسلك طريقًا غير مطروق ليفضي به إلى سهل الحديبية، فيعسكر بأَصحابه هناك خارج الحرم في انتظار فرصة يتحقق فيه سلام بينه وبين أهله وعشيرته. . ولئلا يحدث بين أصحابه وبين مشركي مكة احتكاك يؤدي إلى حرب هي أَكره ما تكون إلى نفسه.
[ ٥ / ١٥ ]
* وقريش إزاءَ كل هذا السمو الإنساني والنبل الأَخلاقي، تبعث بسفهائها ليتسللوا في جنح الظلام إلى معسكرات المسلمين في الحديبية فيغيروا عليهم لاستفزازهم وتحدي مشاعرهم ليفقدوا صوابهم.
* محمد - ﷺ - يطلق سراح سبعين من المشركين المتسللين المعتدين بعد أَن أَلقى عليهم الحرس النبوي القبض وهم يتسللون. . فيعفو عنهم تكرمًا وصلة للرحم وتخفيفًا لحدة التوتر.
* وقريش تريد تصعيد الأَزمة وتحاول تفجيرها فتحتجز مبعوث النبي الخاص في مكة (عثمان بن عفان وعشرة من الصحابة) دخلوا مكة بإذن من سادات قريش وفي جوارهم.
فيزداد التوتر في الحديبية بين أصحاب النبي - ﷺ - وترتفع نسبة الغليان في النفوس وتتزايد الأصوات الداعية إلى تأْديب قريش الباغية وجدع أَنف كبريائها الوثني بحدِّ السيف. . والنبي الأعظم - ﷺ - حيال هذا وذاك يأْمل في أَن يحل السلام ويسود الوئام بين المعسكرين، ويعمل على تلطيف الجو وتخفيف حدة التوتر.
٤ -
متاعب مضنية ومشاكل عويصة معقدة واجهها النبي الأَعظم - ﷺ -، كان بعضها كاف لتحطيم الأعصاب وحمل من يواجهها على الخروج عن دائرة الحلم والصبر. . لولا أَن الذي واجهها نبينا محمد بن عبد الله - ﷺ - صاحب أرجح عقل وأهدإِ نفس بين بني البشر جميعًا.
فقد عالج النبي محمد - ﷺ - كل هذه المشاكل المعقدة، وتغلب على كل هذه المصاعب المضنية المرهقة بعميق حكمته وسداد رأْيه
[ ٥ / ١٦ ]
ورجاحة عقله وبعد نظره وسعة حلمه، حتى كانت الثمرة اليانعة لذلك المجهود العظيم الذي بذله سيد البشر ومنقذ البشرية، هي صلح الحديبية التاريخي الخالد الذي (كثمرة من ثمراته العظيمة المباركة) دخل على الدعوة الإسلامية من المكاسب وتحقق لها من الانتصارات خلال سنتين اثنتين ما لم يدخل عليها وما لم يتحقق لها خلال تسعة عشر عامًا، كما سجل ذلك المحدِّثون الثقاة في كتب السنة النبوية.
إن صلح الحديبية هو حدث من أهم أحداث التاريخ، بعقده تحول مجرى الصراع بين الإسلام والوثنية في جزيرة العرب لصالح الإسلام والمسلمين حتى قضى قضاءً تامًّا على الشرك والوثنية وكانت السيادة التامة للتوحيد والتوحيد فقط.
وفي صلح الحديبية عبر ومواعظ. . وحكم ودروس، في الحلم والصبر وضبط النفس والوفاء بالعهد، وتقبل الانتقاد الهادف، وتحمل المعارضة النزيهة، وتحمل الأَذى، لبلوغ الأهداف النبيلة السامية. . عبر، ومواعظ، وحكم، ودروس، جديرة بالاهتمام والبحث والتمعن للاستفادة منها والاستضاءة بنورها، وخاصة لمن هم في مقعد الريادة وكرسي القيادة. . والله نسأَل أَن يوفقنا جميعًا للاهتداء بهدي نبينا محمد - ﷺ - وعلى آله وصحبه وسلم، والله أكبر والله الحمد.
محمد أحمد باشميل
جدة - المملكة العربية السعودية
١٣٨٩ هـ- ١٩٦٩ م
[ ٥ / ١٧ ]
الفصل الأول
الفصْل الأول مجمل الأحداث السياسية والعسكرية بين غزوة بني قريظة وصلح الحديبية
لم تعد هناك قبيلة من قبائل الوثنيين العرب (عندما ظهر الإسلام) إلا وناصبته العداءَ.
وعندما وجد هذا الدين أنصارًا، أَقوياء في المدينة مؤمنين يذبون عنه وعن نبيه أكثر مما يذبُّون عن نسائهم وأطفالهم تضاعفت عداوة من بقى من الأعراب على الوثنية للإسلام. وكان هؤلاء الأعراب الوثنيون يتربصون (دائمًا بالإسلام) الدوائر ويحاول الكثير منهم الإغارة على المسلمين في المدينة (حاضرة الإسلام الجديدة).
الأعراب والأحزاب:
وعندما كانت معركة الأحزاب (في أواخر السنة الرابعة من الهجرة) ناشبة بين المسلمين (وهم لا يزيدون علي ألف مقاتل) من جهة، وبين أعراب نجد وقبائل الحجاز واليهود وعددهم لا يقل عن أحد عشر ألف مقاتل) من جهة أُخرى كان الأَعراب الوثنيون - بعواطفهم ومشاعرهم وقلوبهم دونما استثناءٍ مع إخواهم الوثنيين من قبائل الحجاز وعشائر نجد وأحلافهم من اليهود يتمنون أَن يكون لهم النصر الساحق
[ ٥ / ١٩ ]
على جيش الإسلام الصغير. . بل وما كانوا يشكون لحظة في تحقيق هذا النصر. . لأَن كل شيء ماديّ يشير على نحو ساحق بأَن الأَحزاب الوثنية ومحزبيها من اليهود سيكونون هم المنتصرين في المعركة.
ولكن الأَمر جاء على خلاف ما يتوقع ويتمنَى هؤلاء الأَعراب الوثنيون حيث كتب الله الفشل الذريع لمشروع الغزو اليهودي الكبير فاندحرت جيوش الأَحزاب الجرارة، وعادت إلى نجد ومكة تجر أذيال الهزيمة والعار، بعد أن فشلت (أَمام القلة المسلمة الجبارة) في اقتحام المدينة. . فانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا لم يحققوا مثله في عهد النبوة (بالنسبة لقلتهم وكثرة عدوهم)، ووقع اليهود في عملهم السيء، فتم إعدام ثمانمائة من خونة بني قريظة وعلى رأْسهم محزِّب الأحزاب ورأس الفتنة والشر (حيّي بن أخطب النضري) وفر إلى خبير مرعوبًا زميله في الخيانة والتآمر (سلام بن أَبي الحقيق) الذي تمكن خمسة من الفدائيين الأَنصار من قتله وهو على فراش نومه في رأْس حصنه كما سيأْتي تفصيله.
وبهذا انقلب ميزان القوى في جزيرة العرب انقلابًا خطيرًا لصالح معسكر الإسلام وبصورة جعلت القائد الأَعلى لهذا المعسكر (النبي محمد - ﷺ -) يشدد من قبضته على دفة القيادة للجزيرة العربية بأكملها. . الأَمر الذي ما كانت تتخيّل (سوى حدوث عكسه) أحزاب الوثنية والكفر، عندما كانت لها قوات ضاربة مؤلفة من أحد عشر ألفًا) تحاصر المدينة التي لم يبلغ الجيش المدافع عنها أكثر من ألف مقاتل.
[ ٥ / ٢٠ ]
العمليات العسكرية:
ك انت الدروس الستفادة من الماضي والتي رعاها المسلمون من تجاربهم (عَبر أربع سنوات) مع الأَعراب الوثنيين وكل أَحزاب الكفر من اليهود .. أثبتت أَن العمل العسكري (وخاصة ضد الأَعراب واليهود) هو السبيل الوحيد لتأْمين وسلامة أَمن المنطقة وتهيئة الجو لدعوة التوحيد لتأْخذ طريقها إلى العقول والقلوب بالقدر المطلوب من الحرّية المطلوبة.
ولهذا (كما أَثبتت الأَحداث فيما بعد) قرر النبي القائد - ﷺ -، مضاعفة النشاط العسكري ضد اليهود وسكان البوادي من الأعراب في نجد والحجاز على السواء.
فقرر اجتثاث سلطان اليهود الزنيم (بقوة السلاح) نهائيًا - في خيبر وبقية المناطق الشمالية، كما قرر القيام بحملات عسكرية تأديبية قويّة ضد الأعراب في نجد والحجاز
خيبر آخر المطاف:
وكان آخر المطاف في هذا العمل العسكري هو غزوة خيبر التي بها تم للمسلمين تصفية العنصر اليهودي الدخيل في جزيرة العرب تصفية كاملة.
وقبل القيام بالحملة الكبرى لتصفية اليهود في (خيبر) قام النبي - ﷺ - بعشرين عملية عسكرية كانت علي شكل سرايا يبثها لتأْديب العرب وخضد شوكتهم. . ومنها حملتان وطئ فيهما رجاله من الأَنصار مدينة خيبر، وتمكنوا من الفتك فيها بملكين من ملوكها الواحد تلو الآخر، وهما: سلام بن أَبي الحقيق الملقب (بأَبي رافع) وأَسير بن برزام.
[ ٥ / ٢١ ]
حملة القرطاء - ١٠ محرم سنة خمس للهجرة
كانت العشائر النجدية من أجرإِ العناصر البدوية الوثنية على المسلمين، لأن النجديين أهل قوة وبأْس وعدد غامر، وقد رأَينا كيف أن العمود الفقري لقوات الأحزاب الضاربة، كان من هذه القبائل النجدية حيث كان رجال هذه القبائل الشرسة يشكلون الأغلبية الساحقة من تلك القوة الضاربة. . ستة آلاف مقاتل من غطفان وأشجع وأسلم وفزاره وأسد، كانت ضمن الجيوش التي قادها أَبو سفيان لحرب المسلمين، فحاصرهم أهل المدينة.
ولهذا فإن أول حملة عسكرية وجهها النبي لتأْديب خصومه (بعد انتصاره الساحق في غزوة الخندق وبني قريظة) وهي تلك الحملة التي جردها على القبائل النجدية من بني بكر بن كلاب (١) الذين كانوا يقطنون القرطاءَ بناحية ضريَّة (٢) على مسافة سبع أميال من المدينة.
ففي أَوائل شهر المحرم عام خمس للهجرة - وبعد الانتهاء مباشرة من القضاء على يهود بني قريظة - وجَّه النبي - ﷺ - إلى هؤلاء الأعراب حملة تأديبية بقيادة رئيس حرسه الخاص (محمد بن مسلمة الأَنصاري) وكان عدد قوات هذه الحملة ثلاثين راكبًا فقط.
_________________
(١) بكر بن كلاب من قبائل نجد العظيمة، قال في معجم قبائل العرب: وهي من قيس عيلان من العدنانية، بلادها واسعة، فيها كثير من الجبال والمياه.
(٢) قال ابن بليهد في (صحيح الأخبار) ضرية - بالفتح ثم الكسر وياء مشددة قرية عامرة قديمة على وجه الدهر في طريق مكة من البصرة من نجد.
[ ٥ / ٢٢ ]
ويظهر أن النبي - ﷺ - أمر قائد هذه الحملة أَن لا يتعرّض لنساء بني كلاب بالسبي إذا ما ظفر بهم في حملته.
وقد تحرك (ابن مسلمة بهذه الحملة العسكرية، وكان يكمن النهار ويسير بالليل حتى أَغار على بني بكر بن كلاب في ديارهم بعد أَن باغتهم، فأَبدوا بعض المقاومة، إلا أَنهم هربوا في النهاية بعد أن تركوا عددًا من القتلى (قال في السيرة الحلبية: إنهم عشرة).
قال ابن سعد في (طبقاته الكبرى): كان بنو بكر ينزلون البكرات بناحية ضريَّة، وقد أمر النبي - ﷺ - ابن مسلمة أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، وأَغار عليهم فقتل نفرًا منهم وهرب سائرهم، واستاق خمسين بعيرًا وثلاثة آلاف شاة.
قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة لم يعرض المسلمون للظعن (أَى النساء) وقد قسم النبي - ﷺ - بين الغازين الغنيمة بعد تخميسها فعدَّلوا الجزور (واحدة من الإبل بعشرة من الغنم)، وقد استغرقت هذه الحملة من الوقت تسع عشرة ليلة (١).
سيد حنيفة في الأسر:
ويقول المؤرخون: إن هذه السرية التي يقودها محمد بن مسلمة، قد أَسرت (وهي في طريقها) سيدًا من سادات بني حنيفة وهو (ثمامة بن أُثال الحنفي).
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ (ص ٧٨).
[ ٥ / ٢٣ ]
وكان قد جاء متنكرًا لاغتيال النبي - ﷺ - بإيعاز من (مسيلمة الكذاب) (١) وكانت سرية ابن مسلمة قد أَخذت (ثمامة وهي لا تعرفه)، فلما رآه النبي - ﷺ - قال: أَتدرون من أَخذتم؟؟ هذا ثمامة بن أُثال الحنفي فأَحسنوا أُساره .. وأَمر - ﷺ - بتخصيص ناقة يأْتي لبنها إلى ثمامة كل مساءٍ وصباح.
وقد أَحسن النبي - ﷺ - معاملة سيد بني حنيفة الأَسير، وكان يزوره في معتقله ويلاطفه. . حتى أَثَّرت هذه المعاملة النبوية الحسنة في نفسه إلى درجة تحوَّل معها من أَشد الناس بغضًا للنبي - ﷺ - إلى أَعظمهم حبًّا وتفانيًا في تدعيم دعوته.
فقد زاره النبي مرة وهو في معتقله، فقال له (ملاطفًا): ما عندك يا ثمامة؟ . . فقال: يا محمد عندي خير. . إِن تقتل تقتل ذا دم. . وإِن تعف. . تعف عن شاكر. . وإِن تريد المال فسل، تعط منه ما شئت! ! .
غير أَن النبي - ﷺ - لم يقتله ولم يطلب فدية، بل عفا عنه ليذهب حرًّا كيف شاءَ. . إِلا أَن ثمامة (وقد ملكت عليه مشاعره وأَخذت بزمام قلبه تلك المعاملة النبوية الكريمة النبيلة) لم يعد إلى قومه كما جاءَ مشركًا بل عاد إليهم داعية إلى دين التوحيد (وكأَشد ما يكون الداعية المخلص).
فبعد أَن عفا عنه النبي - ﷺ - وأَمر بإطلاق سراحه جاءَ إِلى النبي - ﷺ - وقال له: يا محمد والله ما كان على الأَرض وجه أَبغض إليَّ من وجهك. . فقد أَصبح وجهك أَحب الوجوه كلها إليّ.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ (ص ٢٩٧).
[ ٥ / ٢٤ ]
والله ما كان على الأَرض من دين أَبغض إليّ من دينك .. فقد أَصبح دينك أَحب الدين كله إِليّ.
والله ما كان من بلد أَبغض إِليَّ من بلدك، فقد أَصبح بلدك أَحب البلاد إليَّ.
ثم شهد شهادة الحق فأَعلن إِسلامه، فكان من خيرة الصحابة ومن أَثبت بني حنيفة إِسلامًا. . وعندما أَشعل مسيلمة الكذاب نيران فتنة الرَّدة في نجد، ثبت ثمامة على إِسلامه، وكان إِلى جانب جيوش الخلافة يقارع الكذاب.
ثمامة ينتصر للإسلام من قريش:
وفي صحيح البخاري أَن ثمامة قال للنبي - ﷺ - (بعد أَن أَسلم): إن خيلك أَخذتني وأَنا أُريد العمرة فماذا ترى؟ .
فأَمره النبي - ﷺ - أَن يعتمر ففعل.
قريش تقتل ثمامة:
ولما كان ثمامة يستند إلى عصبية قبلية قوية (إذ هو سيد بني حنيفة) أَبى أَن يدخل إِلا مجاهرًا في عمرته بالتلبية، فلما قدم بطن مكة لبّى رافعًا بها صوته.
فاعتبرت قريش ذلك تحديًا لها فاعتقلته وقالت له: لقد اجترأْت علينا، ثم اتهموه بأَنه قد صبا حيث قالوا له: صبوت يا ثمامة.
[ ٥ / ٢٥ ]
فقال: ما صبوت، وإِنما أَسلمت وتبعت خير دين. . دين محمد، فزاد ذلك من غيظهم، فشددوا من حبسه .. وكان قد أَنذرهم حالفًا بالله بأَنهم لن يروا حبَّة حِنْطة تصل إليهم من اليمامة، حتى يأْذن فيها رسول الله - ﷺ -. . وكانت اليمامة ريفًا لأَهل مكة يعتمدون على محاصيلها لتموينهم بالمواد الغذائية الضرورية.
ولقد حاول كفار مكة قتل ثمامة .. وفعلا قدَّموه لضرب عنقه، إلا أَن أَحد عقلائهم نصحهم بأَن لا يفعلوا (خوفًا من أَن يكون رد فعل قتله لدى قومه بني حنيفة قطع المواد الغذائية عن مكة فيهلك الناس جوعًا) حيث قال: دعوه فإِنكم تحتاجون إِلى اليمامة، فخلّوا سبيله خوفًا من انتقام قومه.
منع بيع محاصيل اليمامة في مكة:
وفعلا لقد بَرَّ هذا الزعيم الحنفي العظيم بقسمه، فأَمر قومه في اليمامة بأَن يمنعوا عن قريش ما كان يأْتي إِليها من اليمامة من حبوب ومنافع، فأَضر ذلك بقريش ضررًا كبيرًا إلى درجة تفشَّت معها المجاعة في مكة. حتى أَكلت قريش العِلهز (١).
ولم تجد قريش وسيلة لرفع ضائقة الجوع إلا التوجه إِلى النبي - ﷺ - ليطلب من سيد بني حنيفة رفع الحصار الاقتصادي الذي فرضه عليهم.
_________________
(١) العلهز (بكسر العين وسكون اللام وكسر الهاء): الدم يخلط بأوبار الإبل فيشوى على النار.
[ ٥ / ٢٦ ]
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وكتبت قريش إلى رسول الله - ﷺ - إن عهدنا بك تأْمر بصلة الرَّحِم وتحث عليها، وأَن ثُمَامَةَ قَد قطع عنا ميرتَنا وأَضرَّ بنا، فإِن رأَيت أَن تكتب إِليه أَن يخلِّي بيننا وبين ميرتَنا فافعل.
فاستجاب النبي - ﷺ - لرجاءِ قومه (بالرغم من أَنه في حالة حرب معهم)، وكتب إِلى سيد بني حنيفة (ثمامة): أَن خَلِّي بين قومي وبين ميرَتهم. . فامتثل ثُمَامة أَمر نبيّه وسمح لبني حنيفة باستئناف إِرسال المحاصيل إِلى مكة فارتفع عن أَهلها كابوس المجاعة (١).
- ٢ -
حملة الغمر (٢) - ربيع الأول سنة خمس للهجرة
ك انت قبائل بني أَسد وهي من أَقوى القبائل النجدية قد اشتركت (بقيادة طليحة بن خويلد) في معركة الخندق إلى جانب الأَحزاب ضد المسلمين. . فأَصبحت بذلك عدَّوًا محاربًا للمسلمين.
فكان من البدهي أَن يقوم النبي - ﷺ - بتأْديبها وإِرهابها بالإِغارة عليها لإِعطائها درسًا بأَن المسلمين في حالة من القوة العسكرية تمكنّهم من أَن يصلوا بهجماتهم إِلى قلب بني أَسد.
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٩٨ والاستيعاب لابن عبد البر (ترجمة ثمامة بن أثالة الحنفي).
(٢) ويقال لها الغمار قال ابن بليهد (في صحيح الأخبار): اسم يطلق على موضعين: أحدهما محاذ بلد سميراء من الجهة الجنوبية من حدود بلاد بني أسد، ويقال له اليوم: (الغمار) وهو جبل شاهق أحمر إلى السماء وتصطاد منه الصقور وبه مياه كثيرة.
[ ٥ / ٢٧ ]
لذلك جهّز حملة تأْديبية (إلى ديار بني أَسد)، صغيرة في عدد رجالها كبيرة في معناها عظيمة في تأْثيرها.
وقد أَسند النبي - ﷺ - قيادة هذه الحملة إلى الصحابي الشهير (عكاشة بن محصن) وهو من بني أَسد أَنفسهم. . وكان عدد رجال هذه الحملة أَربعين فارسًا.
وقد أَمره بأَن يغير على بني أَسد في ديارهم.
فتحرك (عكاشة) برجاله، وما يزال يغذّ السير بهم ليفاجئ الوثنيين من قومه، غير أَن القوم نذروا (١) به قبل وصوله، فهربوا واعتصموا بالمناطق الجبلية من بلادهم، ولما وصل عكاشة (٢) إلى ديارهم لم يجد بها أَحدًا منهم.
غير أَن القائد عكاشة لم ييئس، فبعث بشجاع بن وهب (٣) طليعة (عينًا عليهم) فعاد وأَخبر القائد أَنه رأَى أَثر نعم قريبًا .. فتحرك بقواته في اتجاه الأَثر فوجد رجلًا نائمًا فسأَله عن بني أَسد، فقال: وأَين بني أَسد؟؟ قد لحقوا بعليات بلادهم عندما نذروا بكم.
ولما سأَلوه عن النَّعَم قال: أَخذوها معهم. غير أَن أَحد رجال استخبارات الحملة ضربه بالسوط للحصول منه على معلومات. . ولما
_________________
(١) نذر (بفتح أوله وكسر ثانيه) به أي علم به.
(٢) انتظر ترجمة عكاشة بن محصن في كتابنا (غزوة الأحزاب).
(٣) هو شجاع بن وهب الأسدي، من السابقين الأولين، شهد بدرًا وممن هاجر إلى الحبشة، قاله ابن إسحاق وموسى بن عقبة، كان شجاع بن وهب، سيدًا من سادات بني أسد، وكان مبعوث النبي - ﷺ - إلى الملك المنذر بن الحرث بن شمر الغساني، كما بعثه النبي - ﷺ - إلى جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة المنتصر .. استشهد شجاع بن وهب في حروب اليمامة، قاله ابن سعد والكلبي.
[ ٥ / ٢٨ ]
أَحس بالضرب قال: أَتؤمنوني على دمي وأُطلعكم على نعم لبعض القوم لم يعلموا بمسيركم إِليهم؟ قالوا: نعم.
فانطلقوا معه (بعد أَن أَمنوه) فأَمعن بهم في الطلب، حتى خافوا أَن يكون ذلك منه استدراجًا وغدرًا، فاستوقفه القائد (عكاشة) وقال له: والله لتصدقنا أَو لنضربن عنقك.
وهنا خاف فقال: ارتقوا هذا المكان المرتفع ثم انظروا. . فلما أَشرفوا من ذلك المكان الذي أَشار إِليه وجدوا نعمًا (١) رواتع فأَغاروا عليها فاستاقوها فإِذا هي مائتا بعير، فاكتفوا بذلك حيث فاتهم القوم هربًا، ثم عادوا إِلى المدينة ولم يلقوا كيدًا.
ولقد أَثبتت عمليات هذه الحملة العسكرية أَن الرعب من المسلمين قد شحن نفوس الأَعراب وحتى أَعظمهم شراسة وأَشدهم بأْسًا مثل قبيلة بني أَسد التي ما كان يتوقع أَحد أَنها (وهي القبيلة العظيمة) ستفرّ (وفيها آلاف الفرسان) بمجرد علمها أَن المسلمين ينوون القيام بغزو أَراضيها. . ولا شك أَن هذا مصداقًا لقول النبي - ﷺ -: "نصرت بالرعب" الحديث.
- ٣ -
غزوة بني لحيان (٢) - سنة خمس من الهجرة
ك انت قبائل بني لحيان هذه (وهي من قبائل الحجاز) قد غدرت باثني عشر من خيرة أَصحاب النبي - ﷺ - فقتلوهم جميعًا بعد أَن
_________________
(١) النعم: الإبل.
(٢) لحيان (بكسر أوله وسكون ثانية) بطن من هذيل من العدنانية وقال القلقشندي - =
[ ٥ / ٢٩ ]
أَعطوهم الأَمان، وأَخذوهم من المدينة في جوارهم وذلك في السنة الرابعة من الهجرة.
وقد ذكرنا في حينه أَن وفدًا من هذه القبائل جاءُوا إِلى النبي - ﷺ - في المدينة متظاهرين بالإِسلام وطلبوا من النبي - ﷺ - أَن يُرسل بعثة من أَصحابه تعلِّم بني لحيان شرائع الإِسلام، فاستجاب النبي - ﷺ - لهذا الطلب، فأَوفد معهم بعثة تعليمية من خيرة أَصحابه تتكون من عشرة أَنفار على رأسهم البطل المشهور (عاصم بن ثابت). "انظر ترجمته في كتابنا غزوة أُحد".
غير أَن هذه البعثة لم تكد تصل ديار بني لحيان حتى غدر بها هؤلاءِ الخونة، فاستشهد جميع أَفراد هذه البعثة حيث قتلوا جميعهم غدرًا (١).
وقد تأَلم النبي - ﷺ - أَشد الأَلم لفقد أُولئك العشرة البررة الأَعزاء عليه. . وخاصة أنهم قُتلوا بطريقة تمثل أَحطَّ أَنواع الخيانة والغدر.
وكان النبي - ﷺ - راغبًا كل الرغبة في تأْديب تلك القبائل الخائنة الغادرة، والاقتصاص منها لأُولئك الشهداءِ من القراءِ الأَبرار المغدور بهم.
إِلا أَن الظروف في تلك السنة (وهي السنة الرابعة من الهجرة) كانت غير مواتية لتحقيق هذه الرغبة. . حيث كان النبي مشغولا بدفع الأَخطار الجسام التي تهدد الإِسلام والمسلمين في عقر دارهم من الداخل والخارج، لا سيما مؤامرات اليهود الخطيرة التي يدبرونها الإِطاحة
_________________
(١) = في نهاية الأرب: بطن من جرهم من القحطانية (والأول أصح). . تقع منازلهم بين عسفان ومكة.
(٢) انظر تفاصيل هذه الحادثة المؤلمة في كتابنا (غزوة الأحزاب) ص ٤٢ الفصل الأول.
[ ٥ / ٣٠ ]
بالمسلمين والتي كانت ثمرتها تلك الغزوة الرهيبة، غزوة الأَحزاب، التي قاموا بها لسحق المسلمين في السنة الرابعة الهجرية نفسها.
النبي يقود الحملة بنفسه:
غير أن النبي - ﷺ - لم يكد يتخلص من تلك الأَخطار الجسام، على أَثر فشل غزو الأَحزاب واندحارهم ذلك الاندحار المشهور حتى تحرَّك بنفسه لتأْديب أَعراب بني لحيان من هذَيل الغادرين الخونة.
إِذ تحرك من المدينة نحو منازل بني لحيان على رأْس قوة قوامها مائتامقاتل بينهم عشرون فارسًا. وذلك بعد مضي حوالي شهرين فقط على العملية الحاسمة الكبرى التي قام بها النبي - ﷺ - لتصفية يهود بني قريظة في المدينة.
وكانت غزوة (بني لحيان) أَول حملة عسكرية يقودها النبي - ﷺ - بنفسه بعد غزوة بني قريظة التي انتهت في أَواخر شهر ذي الحجة من السنة الرابعة للهجرة.
تضليل العدو:
لقد كانت أَرض (بني لحيان) من هُذيل تبعد عن المدينة أكثر من مائتين من الأَميال. وهي مسافة بعيدة، يلاقي مشاق كبيرة كل من يريد قطعها وخاصة إِذا كان غازيًا، ولكن النبي - ﷺ - لم يبال بذلك فقد كان حريصًا كل الحرص على الاقتصاص لأَحبابه من الصحابة الذين استشهدوا (غدرًا) على يد هذه القبائل المتوحشة التي لا تقيم للعهود والمواثيق اعتبارًا.
[ ٥ / ٣١ ]
وكما هي عادة النبي - ﷺ - في تضليل العدو الذي يريد مهاجمته اتجه بجيشه نحو الشمال بينما تقع منازل بني لحيان (الذين قرر غزوهم) في أَقصى الجنوب.
وقد أَعلن النبي - ﷺ - قبل تحركه نحو الشمال: أَنه يريد الإِغارة على الشام.
وسبب هذه التعمية: هو أَنه أَدخل في حسابه وجود جواسيس في المدينة أَو حواليها يعملون لحساب قبائل بني لحيان الذين كانت لهم صولة ودولة قبل الإِسلام (١).
واتجاهه نحو الشمال وإِعلانه بأَنه يريد غزو الشام يفوّت على هؤلاءِ الجواسيس الغرض الذي من أَجل تحقيقه قاموا بالتجسس. . وحتى أَصحابه كانوا لا يشكُّون في أَنه يريد أَن يغزو بهم الشام، ولم يعلموا أَنه يريد بني لحيان إِلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب، بعد أَن اتَّجه بهم متوغلًا نحو الشمال حوالي عشرين ميلا. . في حركة تمويهية على العدو بارعة.
وكان تغيير خط سيره من الشمال إِلى الجنوب عند مكان يقال له (البتراءُ) ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتى استقام على الجادة منْصَبًّا نحو الجنوب.
فرار اللحيانيون قبل وصول النبي:
ولقد بذلت قيادة الجيش النبوي قصارى جهدها في اتباع طريق
_________________
(١) انظر ذلك في Emcyclodie de Islam tome ٣ p ٢٦ - ٢٨
[ ٥ / ٣٢ ]
السرية والكتمان (ومن ذلك سلوك السبل غير المطروقة) ليأخذوا الغادرين على حين غرة ويقتصوا منهم للشهداءِ المغدور بهم.
ولكن (هذيل) الغادرة، لتوقعها قيام النبي - ﷺ - بمثل هذه الحملة التأْديبية. . كانت على غاية التيقظ والانتباه، فقد بثَّت الأَرصاد والجواسيس في الطرق ليتحسسوا لها ويتجسسوا.
لذلك فما كاد النبي - ﷺ - يقترب بجيشه من منازل هؤلاءِ الغادرين حتى انسحبوا منها فارين. . فاعتصموا برؤوس الجبال وذلك بعد أَن نقلت إليهم عيونهم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم.
المطاردة:
ولما وصل النبھي - ﷺ - إلى ديار (بني لحيان) وتأَكّد له فرارهم منه، عسكر في ديارهم بجيشه، ثم بث السرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاءِ الغادرين، ويأْتوا إِليه بمن يقدرون عليه.
وقد استمرت السرايا النبوية في البحث والمطاردة يومين كاملين إِلا أَنها لم تجد أَي أَثر لهذه القبائل التي تمنعت في رؤوس تلك الجبال الشاهقة.
الإِقامة في أرض العدو:
وبعد أَن يئس النبي - ﷺ - من العثور على (بني لحيان) أقام في ديارهم لإِرهابهم وتحديهم (كما هي عادته) وليظهر للأَعداءِ مدى قوة المسلمين وثقتهم بأَنفسهم، وقدرتهم على الحركة حتى إِلى قلب ديار العدو متى شاؤوا.
[ ٥ / ٣٣ ]
إرهاب المشركين بمكة:
ولما كانت الحالة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة في ذلك الظرف في حالة حرب .. فقد رأى النبي - ﷺ - أن يغتنم فرصة وجوده بجيشه قريبًا من مكة فقرر أن يقوم بمناورة عسكرية يرهب بها المشركين في مكة.
فتحرك بجيشه حتى نزل به وادي عُسفان (١) وهناك استدعى أَبا بكر الصديق وأَعطاه عشرة فوارس من أَصحابه وأَمره بأَن يتحرك بهم نحو مكة ليبث الذعر والفزع في نفوسهم، فاتجه الصدِّيق بالفرسان العشرة نحو مكة حتى وصل بهم كراع الغميم (٢) وهو مكان قريب جدًّا من مكة.
فسمعت قريش بذلك فظنت أَن النبي - ﷺ - ينوي غزوها فانتابها الخوف والفزع والرعب، وساد صفوفها الذعر .. هذا هو الذي هدف إليه النبي - ﷺ - بهذه الحركة التي كلف الصدِّيق أن يقوم بها.
أما الصدِّيق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كُراع الغميم وعلموا أنهم قد أَحدثوا الذعر والفزع في نفوس أَهل مكة عادوا سالمين إلى النبي القائد - ﷺ - فتحرَّك بجيشه عائدًا إلى المدينة.
قال ابن سعد في طبقاته الكبرى: فأَقام النبي - ﷺ -، في منازل بني لحيان يومًا أَو يومين، فبعث السرايا في كل ناحية فلم يقدروا على أَحد، ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس
_________________
(١) عسفان (بضم أوله وسكون ثانيه) واد شمال وادي فاطمة.
(٢) كراع الغميم: موضع قرب مكة.
[ ٥ / ٣٤ ]
لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أَحدًا، ثم انصرف رسول الله - ﷺ - إلى المدينة وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وغاب عن المدينة أَربع عشرة ليلة (١).
وزاد ابن إسحاق عن جابر أَنه - ﷺ - قال أَيضًا أَعوذ بالله من وعناء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأَهل والمال.
الترحم على الشهداء:
وعندما وصل النبي - ﷺ - إلى بطن (غران) (٢) حيث لقى الشهداءُ من أَصحابه مصرعهم على أَيدي الخونة من هذيل، ترَّحم على هؤلاء الشهداء ودعا لهم (٣).
نهي النبي عن الاستغفار لأمه:
وذكر بعض المؤرخين أَن النبي - ﷺ - أَثناءَ عودته من غزوة (بني لحيان) وقف على قبر أُمه فاستأَذن ربه في أَن يستغفر لها فلم يأْذن له .. وأنزل الله بهذا الصدد ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وفي صحيح مسلم عن أَبي أَيوب الأَنصاري قال: زار رسول الله - ﷺ - قبر أَمه فبكى وأَبكى من حوله، فقال: فاستأْذنت ربي في أَن أستغفر لها فلم يأْذن لي، واستأْذنته في أَن أَزورها فأَذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت.
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٧٩.
(٢) غران بضم أوله: واد بين ساية ومكة.
(٣) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٧٩.
[ ٥ / ٣٥ ]
غزوة الغاية (١) .. ربيع الأول سنة خمس الهجرة
كان عيينة بن حصن الفزاري من أَعظم الزعماء نفوذًا بين القبائل النجدية حتى إنه لذلك (ومع تهوره) كان مشهورًا بلقب (الأَحمق المطاع) لأَنه كانت تتبعه وتطيع أَمره عشرة آلاف قناة من فزارة وحدها، يوجِّه هذه الآلاف أينما شاء فيطيعونه دون أَن يسألوه: كيف، ولم؟ .
وكان عيينة هذا من أَلدِّ أعداء رسول الله - ﷺ - حتى إنه (في غزوة الأَحزاب) كان قائد أَحد الأَجنحة الأربعة من القبائل النجدية التي اشتركت مع اليهود في حصار المدينة.
ولما كانت الحالة التي أَعقبت اندحار الأحزاب ومحزِّبيهم اليهود في غزوة الخندق، هي حالة حرب بين المسلمين وقبائل غطفان وفزارة، فليس من المستغرب أَن يقوم عيينة بل خصن الفزاري بالإِغارة على المسلمين وانتهاب أي شيء تابع لهم، ولا سيما وأن منازل فزارة (٢) أقرب المنازل النجدية إلى يثرب.
_________________
(١) الغاية .. قال في مراصد الاطلاع: هي الشجر الملتف، وهي موضع شمالي المدية تقع على بريد من المدينة، وقال في معجم البلدان: تبعد الغابة عن المدينة ثمانية أميال.
(٢) انظر ترجمة قبيلة فزارة في كتابنا (غزوة الأحزاب).
[ ٥ / ٣٦ ]
فزارة تغير على المسلمين:
كانت (الغابة) منطقة خصبة كثيرة النبت والشجر، وكانت بها أَملاك زراعية للمسلمين، وكانت تعتبر إِحدى مراعي المدينة الرئيسية وكانت (الغابة) أقرب ما تكون إلى منازل عيينة بن حصن (١) وقومه فزارة.
كان النبي - ﷺ - قد بعث بمجموعة كبيرة من الإبل لترعى في (الغابة) بعث بها مع غلام له .. وكان أبو ذر الصحابي المشهور موجودًا في هذه الإبل مع ولده .. كما كان معهم الفارس العدَّاءُ المشهور (سلمة بن الأَكوع) (٢).
ولما وصلوا إلى المرعى في الغابة وباتوا، أَغار عليهم عند طلوع الفجر عبد الرحمن بن عيينة بن حصن سيد فزارة تسانده قوة كبيرة من فرسان غطفان.
وقد استولى المغيرون على جميع إبل المسلمين واستاقوها بعد أَن قتلوا ابن أبي ذر الغفاري (٣) الذي دافع عن الإبل واحتملوا امرأَته معهم سبيَّة.
_________________
(١) انظر ترجمة عيينة بن حصن في كتابنا (غزوة الأحزاب).
(٢) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع واسمه (سنان) الأسلمي. قال ابن حجر في الإصابة: كان أول مشاهده الحديبية وكان من الشجعان والعدائين الأفذاذ (يسبق الفرس عدوًا) بايع النبي ﷺ عند الشجرة مات سنة أربع وسبعين.
(٣) أبو ذر الغفاري الصحابي المشهور، واسمه جندب بن جنادة بن سكن كان من السابقين الأولين في الإسلام، ومن الزاهدين ذوي اللهجة للصادقة، وقصة إسلامه قصة شيقة مفصلة في صحيح البخاري، وفيه قال النبي ﷺ: ما أقلت =
[ ٥ / ٣٧ ]
ولم يكن من الصحابة المحاربين حاضرًا (ساعة الغارة) سوى سلمة بن الأَكوع الذي كان يركب فرسًا لطلحة بن عبيد الله، استعارها منه عند خروجه مع الرعاة استعدادًا للطواريء.
الصريخ في المدينة:
ولما كانت المسافة بين الغابة والمدينة غير قريبة، وأَنه لا بد من إبلاغ النبي القائد وأَصحابه (بسرعة) لكي يسرعوا بالنجدة لاستنقاذ الإبل من مشركي فزارة .. ورأَى سلمة بن الأَكوع أنه من الصعب عليه وحده الالتحام بالمشركين المغيرين لاستخلاص الإِبل منهم .. قرر التخلي عن الفرس التي كان يركبها، واستدعى الراعي الوحيد الذي نجا من القتل، فطلب امتطاء ظهر الجواد والانطلاق بأَقصى سرعة نحو المدينة لإِبلاغ النبي - ﷺ - خبر اعتداء ابن حصن على إبله، وطلب النجدة لاستنقاذها.
وفعلا امتطى الراعي (واسمه رباح) - امتطى صهوة جواد ابن الأَكوع وانطلق نحو المدينة يسابق الريح، ولم تكن إلا سويعات قليلة حتى كان في المدينة يصرخ (الفزع الفزع).
_________________
(١) = الغبراء وأظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر .. كانت لأبي ذر ﵁ آراء في شئون المال خالفه فيها جمهور الصحابة بمن فيهم الخلفاء الراشدون، وقد ماتت هذه الآراء مع أبي ذر إذ لم يطبقها أَحد من الخلفاء بمن فيهم أمير المومنين علي بن أبي طالب، أشد المعجبين بأبي ذر ﵃ أجمعين وفي أبي ذر قال النبي ﷺ: يرحم الله أَبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده .. وقد استغل الذين حاولوا هركسة الإسلام آراء أبي ذر الشاذة استغلالا فظيعًا حتى يظن من يقرأ هؤلاء المضللين أَن أبا ذر ﵁ هو واضع أسس الاشتراكية العلمية (التي هي الماركسية بعينها) ألا ساء ما يحكمون (انظر كتابنا أكذوبة الاشتراكية).
[ ٥ / ٣٨ ]
وكانت هذه الكلمة كافية لتعبئة كل من في المدينة من المحاربين لأَنه لا يُصرَح بها إلا عندما تتعرض بلاد المسلمين لخطر جسيم من قبل أعدائهم.
ولما تبلغ المسلمون جلية الخبر، اهتم النبي - ﷺ - اهتمامًا شديدًا لاستيلاء النجديين على الإبل لأَن ذلك يعد تحديًا صارخًا من غطفان للمسلمين واستهانة بقوتهم حيث جرأَت غطفان وأَغارت على سرْح المسلمين في منطقة تعتبر من ضواحي المدينة.
واجتياح إبل المسلمين منها اعتبره المسلمون عملا بالغ الخطورة وفسِّر بأَنه قد يكون بمثابة جس النبض لقوات المسلمين، ومقدمة لهجوم شامل تقوم به قبائل غطفان على المدينة نفسها، لأَن فزارة وحدها التي يتزعمها عيينة بن حصن، تستطيع أَن تحشد عشرة آلاف مقاتل.
لذلك اهتم النبي - ﷺ - لهذه الحادثة اهتمامًا عظيمًا وجهز جيشًا كبيرًا لمطاردة المغيرين وردعهم قوامه سبعمائة مقاتل تحركوا من المدينة بقيادة الرسول - ﷺ - نفسه إلى منطقة الغابة.
اندحار المغيرين واستعادة الإبل:
وكان النبي - ﷺ - قد بعث أمامه بقوة خفيفة من الفرسان لمقاتلة المغيرين وإِشغالهم بقيادة الفارس الأَنصاري الشهير سعد بن زيد بن مالك (١) ثم لحقهم النبي - ﷺ - في عامة الجيش.
وقد اشتبكت فصيلة الفرسان النبوية مع المغيرين (وعلى قلة رجالها
_________________
(١) انظر ترجمة سعد بن زيد في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة).
[ ٥ / ٣٩ ]
وكثرة العدو) تمكنت من دحرهم واستعادة كل ما انتهبوه من إبل المسلمين، ثم طاردتهم حتى قذفت بهم إلى ما وراء حدود المسلمين ولم يصل النبي القائد - ﷺ - إلى منطقة الغابة إلا بعد أَن دحرت فصيلة فرسان قوات الغطفانيين المعتدين على النحو الذي ذكرنا.
وقد أَبدى سلمة بن الأَكوع في هذه المعركة بطولة نادرة (وخاصة قبل وصول كتيبة الفرسان النبوية) حيث ظل بمفرده يشاغل المغيرين ويراميهم بالنبل، وكان من أَعظم الرماة في عصره، وقد استخلص مجموعة كبيرة من الإِبل المنهوبة قبل قدوم كتيبة الفرسان النبوية.
قتلى الفريقين في المعركة:
وقد استشهد في هذه العملية ثلاثة من المسلمين، اثنان من أَفراد فصيلة الفرسان النبوية هما محرز بن نضلة (١) قتله عبد الرحمن بن عيينة بن حصن: ووقاص بن محرز (٢)، وابن أَبي ذر لم يذكر اسمه أَحد فيما رأَيت من المؤرخين، أَما قتلى المشركين فقد كانوا ثلاثة من فرسانهم وهم: حبيب وعبد الرحمن، أَبناءَ عيينة بن حصن الفزاري، وفارس يقال، له مسعدة، من فزارة (٣).
_________________
(١) لقبه: الأخرم الأسدي، واسمه محرز بن فضلة بن عبد الله، من بني أسد بن خزيمة، القبيلة العدنانية النجدية العظيمة، يلقب الأخرم هذا بفارس رسول الله ﷺ شهد مع رسول الله - ﷺ - بدرًا.
(٢) قال في الإصابة: هو وقاص بن محرز المدلجي، ونفى ابن إسحاق أن وقاص قد قتل في هذه العملية.
(٣) انظر تفاصيل هذه الغزوة الهامة في سيرة ابن هشام ومغازي الوافدي وطبقات ابن سعد الكبرى، والسيرة الحلبية وصحيح مسلم.
[ ٥ / ٤٠ ]
عودة المرأة الأسيرة:
أَما المرأة التي أَسرها المغيرون من غطفان وهي زوجة ابن أَبي ذر الذي قتله المشركون أثناء الغارة في الغابة، فقد عادت إلى المدينة سالمة بعد أَن تمكنت من الإفلات من القوم على ظهر ناقة تابعة لرسول الله - ﷺ -.
قال ابن برهان الدين: وانفلتت المرأة من الوثاق ليلا فأَتت الإِبل فجعلت إذا دنت من البعير، رغا فتركته حتى انتهت إلى العضباء فلم ترغ فقعدت على عجزها ثم زجرتها، وعلموا بها فطلبوها، فأَعجزتهم ونذرت إن نجاها الله ﷿ لتنحرنَّها فلما أَخبرت النبي - ﷺ - خبر هذا النذر تبسم وقال: بئسما جزيتيها أي أنها حملتك ونجت بك من الأَعداء فيكون جزاؤها النحر، ثم قال لها - ﷺ -: لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين.
وهذه الغزوة تعتبر من أَكبر الغزوات التأْديبية التي يقودها النبي - ﷺ - بنفسه ضد أعراب نجد بعد غزوة الأَحزاب وبني قريظة وقبل غزوة خيبر.
-٥ -
حملة ذي القصة .. شهر ربيع الآخر سنة خمس من الهجرة
ذو القصة (بفتح القاف وتشديد الصاد) منزل من منازل بني ثعلبة من غطفان أعداءُ الرسول - ﷺ - الأَلداء. وتبعد عن المدينة أربعة وعشرون ميلا.
بعث النبي - ﷺ - إلى ذي القصة بدورية استكشاف قوامها عشرة نفر بقيادة الفارس المشهور محمد بن مسلمة الأَنصاري.
[ ٥ / ٤١ ]
وكانت عيون بني ثعلبة قد أَبلغتهم بتحرك هذه الدورية نحوهم وأنها تقصد ديارهم فاستعدُّوا لها وكمنوا وأعدوا (للإحاطة بهم) مائة رجل.
فلما وصل ابن مسلمة بدوريته إلى (ذي القصة) لم يجد أحدًا فاستراح بأَصحابه فأَخذهم النوم، ولم يشعر إلا بمائة من فرسان بني ثعلبة يحيطون بهم من كل جانب، فثار الصحابة إلى سلاحهم وأخذوا يرامونهم بالنبل ولكن دون جدوى، فالكثرة تغلب الشجاعة كما يقولون.
فقد هجم المشركون على الصحابة فأَبادوهم عن بكرة أَبيهم أَما قائد الدورية (محمد بن مسلمة) فقد وقع جريحًا فضربوا كعبه فلم يتحرك، فظنوه قد مات فتركوه بعد أَن أخذوا كل خيلهم وأَسلحتهم وحتى الثياب جرَّدوهم منها ثم انصرفوا.
غير أَن رجلا من المسلمين مر بابن مسلمة وأَصحابه، فلما رآهم صرعى استرجع فلما تأَكد ابن مسلمة بأنه مسلم تحرك، وهنا حمله الرجل حتى ورد به المدينة، حيث عولج من جراحه حتى شفى.
-٦ -
حملة ذي القصة أيضًا .. سنة خمس من الهجرة .. شهر ربيع الآخر
وسبب القيام بهذه الحملة، هو أَن النبي - ﷺ - بلغه أَن بني محارب وبني ثعلبة وأنمار (١) قد تحركوا إلى منطقة تغلبين والمراض (٢) التي
_________________
(١) بني محارب وأنمار، بطنان من قبائل نجد العدنانية، ويتصل نسبهما بأسد بن ربيعة بن نزار، أما ثعلبة فيظهر أنهم من غطفان: بنو ثعلبة بن قيس، (انظر معجم.
(٢) تغلبين والمراض: موضعين يقعان على حدود بلاد نجد ناحية غطفان.
[ ٥ / ٤٢ ]
تبعد عن المدينة ستة وثلاثين ميلا، تحركوا للإغارة على سرح المدينة (١) الذي كان يرعى بها على بعد سبعة أَميال من المدينة بغية نهب هذا السرح والاستيلاء عليه.
لذلك سارع النبي - ﷺ - فبعث (على جناح السرعة) بكوكبة صغيرة من الفرسان قوامها أربعون فارسًا بقيادة أَبي عبيدة عامر بن الجراح ليحموا السرح ويصدوا المشركين عنه.
فتحرك أَبو عبيدة بكوكبته مسرعًا بعد صلاة المغرب، فوصل بفرسانه إلى ذي القصة مع عماية الصبح فوجد المشركين هؤلاء يتحفزون (فعلا) للإغارة على السرح فهاجمهم (بطريقة مباغتة لم يتوقعوها) ففروا هاربين في الجبال، وأعجزوا (بهربهم) أَبا عبيدة ورجاله إلا أنه تمكن من أَسر رجل واحد منهم، كما استولى رجاله على بعض الإبل التابعة لهم وغنموا بعض أمتعتهم التي تركوها عندما هربوا.
وقد عاد أَبو عبيدة برجاله إلى المدينة ومعه الأَسير والغنائم أَما الأَسير فأَسلم، فأَطلق النبي - ﷺ - سراحه، وقسم النبي - ﷺ - الغنيمة بين الأَربعين فارس بعد أَن خمسها كالمتبع أَي أَخذ خمسها للمصالح العامة.
_________________
(١) السرح (بفتح السين مع تشديد) وسكون الراء، كناية عن الإبل التي تنفش في المراعي لترعى.
[ ٥ / ٤٣ ]
-٧ -
حملة الجموم (١) .. ربيع الآخر سنة خمس من الهجرة
كانت بنو سليم من أهل الجموم (وادي فاطمة) قد أَعانوا أَبا سفيان في حربه ضد المسلمين في معركة (الأحزاب) فاشترك منهم معه حوالي سبعمائة مقاتل، وافوه في مر الظهران (وادي فاطمة) وهو في طريقه إلى المدينة.
وكان الأعراب الذين اشتركوا في غزوة الأحزاب (ومنهم بنو سليم) قد أصبحوا بعملهم ذاك أعداءً محاربين للنبي - ﷺ -.
لذلك من البدهي، (وخاصة بعد اندحارهم في معركتهم الخاسرة) أن يلقي عليهم النبي - ﷺ - دروسًا تأْديبية بنقل المعركة إلى ديارهم حتى وإن بعدت، مثل ديار بني سليم القريبة من مكة ليرسخ في أَذهان هؤلاء الأَعراب المشركين أَن المسلمين أصبحوا سادة الموقف في الجزيرة، وأنهم قادرون على نقل المعركة إلى أي مكان يريدون من أَرض أعدائهم.
ومن ذلك أنّ النبي - ﷺ - بعث إلى ديار بني سليم بسرية بقيادة (زيد بن حارثة) للإِغارة عليهم وإرهابهم في الجموم (٢).
_________________
(١) الجموم (بفتح أوله وضم ثانيه) منزل من منازل بني سليم، قال ابن بليهد في (صحيح الأخبار): الجموم: عين جارية عليها زروع وغروس وهي في الظهران الذي يقال له اليوم (وادي فاطمة).
(٢) انظر، السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٩، وقد أسمى الموضع بالجموح، ويظهر أنه تصحيف.
[ ٥ / ٤٤ ]
وقد أَغار عليهم زيد بن حارثة، وفي طريقه وجد امرأَة من مزينة يقال لها: (حليمة) فدلتهم على محلة من محال بني سلم، فأَغاروا عليهم وأَوقعوا بهم، ففر من (سُليم) من قدر على الفرار، ووقع الباقون أسرى في يد رجال السرية.
كما استولى رجال زيد بن حارثة على مجموعة من الإبل والغنم فقفلوا راجعين إلى المدينة ومعهم المرأَة (حليمة المزنية) وزوجها أَسيرين غير أنهم لما وصلوا المدينة وأخبروا النبي - ﷺ - الخبر، وهب للمرأَة المزينية نفسها ووهب لها زوجها مكافأَة لها على إرشادها لرجال السرية، فأطلق سراحهما (١).
-٨ -
حملة العيص (٢) .. جمادى الأولى سنة خمس من الهجرة
كان سبب هذه الحملة أنه بلغ النبي - ﷺ - أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام عائدة بالبضائع إلى مكة.
ولم يكن بين النبي - ﷺ - وبين قريش في تلك الفترة أَي صلح أو معاهدة، وإنما كانوا في حالة حرب، والجو بين الفريقين على غاية من التوتر .. لا سيما المسلمون الذين لم ينسوا بعد ذلك الغزو الظالم الغاشم المخيف الذي تعرضت له المدينة حيث فرض عليها أبو سفيان
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٨٦.
(٢) العيص (بكسر أوله) موضع على ساحل البحر الأحمر، يقع شمال غربي المدينة، تمر به القوافل الآتية من الشام لمكة، ويبعد عن المدينة مسافة أربع ليال بسير القوافل.
[ ٥ / ٤٥ ]
الحصار الخانق وكان يقود عشرة آلاف مقاتل، قرر أَن يقتحم بهم المدينة ويبيد كل من فيها من المسلمين .. لم ينس المسلمون هذا الغزو المخيف الذي لم يمر عليه أكثر من ستة أَشهر .. والذي لو قدِّر له النجاح لكان المسلمون في خبر كان.
لذلك كان من البدهي أن يتحيَّن المسلمون الفرص للإيقاع بمشركي مكة الذين سعوا ذلك السعي الخطير لتدميرهم وإبادتهم.
ولهذا فإنه عندما تبلغ النبي القائد - ﷺ - من جهاز استخباراته العسكرية أَن قافلة للعدو عائدة من الشام إلى مكة وأنها قد وطئت التراب الحجازي، جهز كتيبة من الفرسان قوامها مائة وسبعون فارسًا، وأعطى قيادتهم لمولاه (زيد بن حارثة). وكلفهم بالتعرض لهذه القافلة والاستيلاء عليها كجزء من أَموال عدو محارب.
وقد تحرك زيد بن حارثة بكتيبته من المدينة حتى وصل منطقة العيص .. وهناك التقى بقافلة قريش، فاستولى رجاله على هذه القافلة وأَخذوا جميع الذين يقودونها أَسرى .. ولم يذكر أَحد من المؤرخين أن قادة القافلة قد أَبدوا أي شيء من المقاومة إذ لم يشر أَحد إلى أَنه جرى أَي قتال عند استيلاء المسلمين على هذه القافلة التي كانت فيها (يومئذ) كمية كبيرة من الفضة عائدة للتاجر القرشي الكبير المعروف (صفوان بن أُمية) (١).
وقد عاد زيد بن حارثة بالقافلة وبالأَسرى القرشيين إلى المدينة.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا غزوة بدر الكبرى.
[ ٥ / ٤٦ ]
ابنة النبي وزوجها الأسير:
وكان أبو العاص بن الربيع بن أُمية بن عبد شمس (١) (زوج زينب ابنة النبي - ﷺ - من بين الأَسرى الذين وقعوا ضمن رجال القافلة في أَيدي فرسان كتيبة (زيد بن حارثة).
ويقول المؤرخون: إن أبا العاص بن الربيع عندما وصل (ضمن الأَسرى) إلى المدينة استجار بزوجته زينب .. إذ نادت في الناس في المسجد حين صلى الرسول - ﷺ - الفجر: (إني قد أجرت أبا العاص) فقال النبي - ﷺ -: هل سمعتم ما سمعت؟ (يعني إعلان زينب أنها قد أجارت أبا العاص)؟ قالوا: نعم.
قال - ﷺ -: أما والذي نفسي بيده ما علمت شيئًا من هذا، ثم أجاز ما فعلت زينب قائلًا: (وقد أجرنا من أَجرت).
رد الأموال وإطلاق الأسرى:
ويدل سياق المؤرخين وأهل الحديث، على أَن أَبا العاص بن الربيع كان قائد هذه العير التي استولت عليها سرية (زيد بن حارثة) بدليل أن زينب لما أَجارت زوجها (وكان على شركة) دخلت على النبي - ﷺ -، وسأَلته أن يرد على أَبي العاص ما أَخذت سرية زيد منه من العير، أَجابها إلى ذلك ولكنه استدعى زيد بن حارثة ورجال سريته لأَخذ موافقتهم (قبل كل شيء) حيث قال - ﷺ - لهم:
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا غزوة بدر الكبرى.
[ ٥ / ٤٧ ]
"إن هذا الرجل (يعني أَبا العاص) منَّا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالًا فإن تُحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك .. وإن أبيتم فهو (أي ما أخذتم منه) فيء الله الذي أفاء عليكم فأَنتم أحق به".
فأجابوا جميعًا بالموافقة قائلين: يا رسول الله بل نرد عليه فردُّوا عليه كل ما أخذوا منه بما في ذلك الأموال التي ائتمنه عليها كفار مكة لشراء البضائع لهم من الشام والتي جاءت تحملها العير التي وقعت بأكملها في قبضة سرية زيد بن حارثة .. كما وافقوا على إطلاق سراح جميع أسرى العير.
وجاء في السيرة الحلبية: أن بعض المسلمين قالوا لأبي العاص (بعد أن رد رجال السرية إليه العير وما تحمل من أَموال كفار مكة): يا أَبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول الله - ﷺ - أي لأنه يلتقي مع النبي - ﷺ - في جده عبد مناف - فهل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أَموال أهل مكة (لأنهم كفار مشركون)! .
فقال: بئسما أَمرتموني .. أفتتح ديني بغدره كلا والله.
ثم إنه (بعد أن أضمر الإسلام) ذهب بالعير إلى أهل مكة فأَعطى كل ذي حق حقه .. ثم قام فقال: يا أهل مكة، هل بقي لأحد منكم مال لم يأَخذه؟ هل وفيت ذمتي؟ .
فقالوا: اللهم نعم فجزاك الله خيرًا .. فقد وجدناك وفيًّا كريمًا.
وهنا (وعلى ملأ منهم) أعلن إسلامه قائلًا: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده (أي في المدينة) إلا خشية أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، ثم
[ ٥ / ٤٨ ]
غادر مكة وقدم إلى المدينة، فرد عليه النبي - ﷺ - زينب بالنكاح الأَول (١).
-٩ -
حملة الطرف (٢) - جمادى الآخرة سنة خمس من الهجرة
وهي دورية عسكرية قام بها زيد بن حارثة (٣) ومعه خمسة عشر رجلا إلى ديار بني ثعلبة وهم بطن من غطفان الذين شاركوا في الهجوم على المدينة في غزوة الأَحزاب.
وقد وصلت دورية زيد بن حارثة منطقة (الطرف) التي بها منازل بني ثعلبة هؤلاءِ والتي تبعد عن المدينة ستة وثلاثين ميلا.
غير أن رجال دورية زيد بن حارثة لم يلاقوا أي صدام مع بني ثعلبة، لأَن هؤلاء الأَعراب كانوا قد هربوا من ديارهم إلى رؤوس الجبال بمجرد علمهم بتحرك هذه الدورية المسلحة نحو ديارهم.
وقال استولى زيد بن حارثة ورجال دوريته الصغيرة على عشرين بعيرًا من أَباعر هذه القبيلة فأَخذتها الدورية غنيمة وعادت بها إلى المدينة بعد غيبة قصيرة لم تزد على أربع ليال.
ويظهر أَن الهدف من إرسال هذه الدورية المسلحة هو إرهاب الأَعراب
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص: ٥٥٤.
(٢) الطرف (بضم أوله وفتح ثانيه) ماء الغطفان على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة، قاله الواقدي، انظر صحيح الأخبار لابن بليهد ج ٥ ص ٢٣٧.
(٣) زيد بن حارثة .. انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٥ / ٤٩ ]
الوثنيين وإشغالهم وترويعهم وجعلهم في حالة خوف دائم لا يستطيعون معه التفكير في القيام بغزو المدينة كما كانوا يفعلون في السابق.
وفعلًا حققت هذه الدورية أَهدافها إذ (على قلة عدد رجالها) فرَّت من أمامها قبيلة بأكملها يقدر عدد رجالها بعدة مئات قد تتعدى الأَلف وبث الدوريات العسكرية المستمرة هو من سياسة النبي القائد الناجحة، حيث كانت دوريات العسكرية التي تسمى (في عرف المؤرخين القدامى) بالسرايا تجوس باستمرار خلال ديار القبائل الوثنية المعادية حتى رست قواعد الإسلام وشمخ بناء دولته في السماء عاليًا.
- ١٠ -
حملة حسمى (١) - جمادى الآخرة سنة خمس من الهجرة
وهي حملة عسكرية تأْديبية قام بها إلى منطقة (حسمَى) خلف وادي القرى .. زيد بن حارثة لتأْديب قبيلة جُذام (٢) الواقعة ديارها قرب تلك المنطقة.
_________________
(١) حسمى (بالكسر ثم السكون مقصور) قال ياقوت: أرض ببادية الشام بينهما وبين وادي القرى ليلتان .. وقال ابن السكيت: حسمى لجذام جبال وأرض بين إيلة (إيلات) وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي إيلة، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة تهيا، فذلك كله (حسمى) وهذا يعني أن (حسمى) تقع على خليج العقبة حتى تحوم (سيناء)، وقال ياقوت: وأهل تبوك يرون جبل (حسمى) في غربيهم: وفي أخبار المتنبي قال: حسمى أرض طيبة تودى لين النخلة من لينها مملوءة جبالا في كبد السماء متناوحة ملس الجوانب، إذا أراد الناظر إلى قلة أحدها قتل عنقه حتى يراها بشدة، ما لا يقدر أحد أن يراه ولا يصعده، ولا يكاد القتام يفارقها ولهذا قال النابغة: فأصبح عاقلا بجبال حسمى دقاق الترب محتزم القنام
(٢) جذام (بضم أوله) قبيلة قحطانية عظيمة وهي من كهلان، كانوا من العناصر اليمنية التي هاجرت من مأرب بعد انهدام السد.
[ ٥ / ٥٠ ]
وسبب هذه الحملة العسكرية التأديبية أن النبي - ﷺ - كان في تلك السنة قد أَرسل دِحية بن خليفة الكلبي (١) برسالة إلى الملك قيصر يدعوه فيها إلى الإسلام.
فأَكرم الملك قيصر دحية الكلبي وكساه وأَجازه .. فقفل دحية من الشام عائدًا إلى المدينة، إلا أنه لما وصل إلى منطقة (حسمى) على الحدود الشمالية الغربية لجزيرة العرب هاجمه الهُنَيد (بضم الهاء) ابن عارض وابنه عارض في أُناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فسلبوه كل ما معه، ولم يتركوا عليه إلا ثوبا رتًّا خلِقًا.
غير أَن نفرًا من بني الضُّبَيب (من قبيلة جذام نفسها ممن أسلموا) لما بلغهم ما فعل الهنيد وابنه برسول الله - ﷺ - دحية الكلبي نفروا إليها واستعادوا منهما ومن معهما (بالقوة) كل ما أخذوه من دحية الكلبي وأعادوه إليه.
فواصل دحية سيره حتى وصل المدينة، وهنا أخبر النبي - ﷺ - بما فعل به الهنيد بن عارض وعصابته من قطاع الطرق.
فقرر النبي - ﷺ - إرسال حملة عسكرية كبيرة قوامها (خمسمائة
_________________
(١) هو دحية (بكسر أوله وسكون ثانيه) بن خليفة بن فروة الكلبي، صحابي مشهور كانت أول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، وكان جميل الصورة يضرب بجماله المثل، وكان (على ما ذكره أهل الحديث) ينزل جبريل على صورته بالوحي، وكان من ذوي الرأي والشجاعة، وكان رسول النبي ﷺ إلى هرقل ملك الروم، شهد دحية معركة اليرموك وكان قائد أحد الكتائب فيها، عاش حتى خلافة معاوية وسكن المزة قرب دمشق.
[ ٥ / ٥١ ]
رجل) لتجوس جلال ديار المعتدين على دحية الكلبي وتغير عليهم لتؤديهم وتجعلهم عبرة لمن اعتبر.
وقد أعطى النبي - ﷺ - قيادة هذه الحملة التأديبية لمولاه (زيد بن حارثة) فتحرك زيد برجال هذه الحملة نحو الشمال (ومعهم دحية الكلبي نفسه).
ولكي لا يعلم الأَعداءُ بخبر هذه الحملة صار القائد (زيد) يسير الليل ويكمن النهار، وكان دليله من بني عُذْرة (١).
وما زال زيد يسير بحملته حتى باغت القوم وأغار عليهم مع (عماية الصبح) وأَحاط رجال حملته بهم من كل جانب فقتلوا منهم عددًا غير قليل من بينهم (الهنيد وابنه عارض).
ثم استولى زيد ورجاله على ماشية قوم الهنيد) ونعمهم ونسائهم وصبيانهم.
فأَخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاة خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان.
احتجاج بني الضبيب لدى القائد زيد:
ولما سمع بنو الضبيب (وهم مسلمون من جُذام نفسها) لما سمعوا بما
_________________
(١) عذرة (بضم أوله وسكون ثانيه) قبيلة عظيمة من قضاعة القحطانيين ومن عذرة تتفرع أفخاذ كثيرة، وهم بنو عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد ليث بن سود بن أسلم بن الحافي بن قضاعة، وبنو عذرة هؤلاء هم المشهورون بشدة العشق، قال مرة سعيد بن عقبة لأعرابي منهم وهو لا يعرفه: ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا قال: عذرى ورب الكعبة - فسأل الأعرابي ولماذا؟ فقال: في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفة.
[ ٥ / ٥٢ ]
صنع زيد ورجاله بقومهم من جُذَام جاء أَحد زعمائهم إلى قائد الحملة زيد محتجًا بأَنهم مسلمون وأنهم (أَي بني الضبيب) هم الذين استرجعوا (عَنوةً) من الهنيد وجماعته كل ما سلبوا من دحيةَ الكلبي وأَعادوه إليه، فطلب زيد من هذا الزعيم أن يقرأَ الفاتحة ليتأَكدون من إسلامه فقرأَها .. ولكن يظهر أن قائد الحملة زيد قرر أَن لا يعيد إلى القوم ما غنم منهم وما أسر من رجالهم ونسائهم وصبيانهم، فواصل سيره بالسبي والغنائم نحو المدينة جنوبًا.
زيد بن رفاعة يحتج لدى الرسول ﷺ:
غير أَن أَحد زعماء قبيلة (جُذَام) وهو (زيد بن رفاعة الجذامي) أسرع في نفر من قومه إلى المدينة لمقابلة رسول الله - ﷺ -.
ولدى مقابلته - ﷺ - احتج على ما فعل زيد بن حارثة في غارته على مناطق (حسمى) قائلًا:
يا رسول الله لا تحرِّم علينا حلالًا، ولا تحل لنا حرامًا، ثم دفع إليه - ﷺ - كتابه الذي كان قد كتبه له ولقومه ليالي قدومه عليهم عندما أَسلموا.
الأمر بإعادة الغنائم والسبي:
وهنا قرر سيد من أوفى بالعهد على وجه الأرض - ﷺ - .. قرر - ﷺ - أن يعيد إلى سادات (جذام) الوافدين عليه المحتجين لديه .. قرر أن يعيد إليهم كل ما غنمته ومنبته حملته العسكرية التي قادها ابن حارثة.
[ ٥ / ٥٣ ]
ولم يكتف بهذا - ﷺ - بل بحث (مع وفد جُذام) موضوع القتلى منهم الذي صرعوا بسيوف رجال حملة زيد بن حارثة قائلًا: (كيف أصنع بالقتلى؟؟).
فقال له أَحد سادات جذام المشكَّل منهم الوفد وهو (أَبو زيد بن عمرو): أَطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قُتل فهو تحت قدمي هاتين.
فقال رسول الله - ﷺ -: صدق أَبو زيد.
ثم استدعى - ﷺ - علي بن لأَبي طالب، وأَمره بأَن يكون مبعوثه الخاص إِلى قائد الحملة زيد بن حارثة ليبلغه أَمره - ﷺ - بأَن يرد على القوم كل ما أَخذ منهم في غارته من أَموال وسبايا وأَسرى، وكانت شيئًا عظيمًا كما تقدم.
فقال علي: يا رسول الله إنَّ زيدًا لا يطيعني. فقال - ﷺ -: خذ سيفي هذا (أَي كعلامة).
فانطلق علي ومعه زيد بن رفاعة وباقي أَعضاء الوفد الجُذامي نحو الشمال، ليبلغ القائد زيدًا أمر رسول الله - ﷺ -، فلقى (وهو في طريقه) رافع بن مكيث الجُهني (١) على ناقة من إِبل القوم، أَرسله القائد زيد بشيرًا بالنصر، فأَخذ الناقة منه وردَّها على القوم وأَردف البشير خلفه ثم واصل سيره حتى لقى القائد زيدًا وحملته العسكرية ومعهم تلك
_________________
(١) هو رافع بن مكيث (بفتح أوله وكسر ثانيه) الجهني، قال ابن حجر في الإصابة شهد بيعة الرضوان، وكان يوم فتح مكة يحمل لواء جهينة استعمله النبي ﷺ على صدقات قومه، شهد الجابية في الشام مع الخليفة عمر.
[ ٥ / ٥٤ ]
الغنائم العظيمة في منطقة الفحلتين مكان بين المدينة وذي المروة (١)، وهناك أَبلغه أَمر رسول الله - ﷺ - بأَن يرد على القوم كل ما أَخذ منهم، وروى أَن القائد زيد قال لعلي: ما علامة ذلك؟؟ فقال: هذا سيفه - ﷺ - فعرف زيد سيف رسول الله - ﷺ-، فصاح برجال الحملة فاجتمعوا فأَمرهم بأن يردوا على القوم كل ما أَخذوا منهم قائلًا: هذا سيف رسول الله - ﷺ-، فأَطاع الناس الأَمر فردوا على القوم كل ما ما أَخذوا منهم من غنائم وسبايا وأَطلقوا سراح الأَسرى الذين لم يعرف عددهم.
- ١١ -
حمله وادي القرى .. رجب سنة خمس من الهجرة
وهي دورية عسكرية أُعطيت قيادتها لزيد بن حارثة ولم أَرَ فيما بين يدي من مصادر التاريخ أَن هذه الدورية قامت بأَي عمل عسكري، ولم أَرَ أحدًا من المؤرخين ذكر القوم الذين وجهت إِليهم هذه السرية .. وكل ما اطلعت عليه هو أَن ابن سعد قال في طبقاته الكبرى قال: - بعد انتهائه من سرد حوادث حملة (حِسمى الكبيرة): بعث زيد بن حارثة سرية إلى وادي القرى في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله - ﷺ -. قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - زيدًا أميرًا سنة ست هـ إلا أَن الإِمام ابن سعد ذكر في طبقاته (كما سيأْتي) أَن زيد بن حارثة قام بحملة عسكرية كبيرة إلى بني فزارة في وادي القرى (٢) في شهر رمضان من هذه السنة. والله أعلم
_________________
(١) ذو المروة: قرية بوادي القرى.
(٢) ولما لهذا الوادي من أهمية كبرى عبر التاريخ قبل الإسلام وبعده، لا بد من أن =
[ ٥ / ٥٥ ]
حملة دومة الجندل (١) .. شعبان سنة خمس من الهجرة
وهي حملة عسكرية كبرى قادها عبد الرحمن بن عوف الزهري
_________________
(١) = نعطي القارئ الكريم لمحة عنه قال ياقوت في معجمه: قال أبو المنذر: سمى وادي القرى (بضم القاف وفتح الراء) لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة، وكانت من أعمال البلاد وآثار القرى إلى الآن بها ظاهرة إلا أنها في وقتنا هذا كلها خراب .. مياهها جارية، تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد، قال أبو عبيد الله السكوني: وادي القرى والحجر والجناب منازل قضاعة ثم جهينة وعذرة وبلى، وهي بين الشام والمدينة يمر بها حاج الشام، وهي كانت قديمًا منازل ثمود وبها أهلكهم الله وآثارها إلى الآن باقية، ونزلها بعدهم اليهود واستخرجوا كظائمها وأساحوا عيونها وغرسوا نخلها، فلما نزلت بهم القبائل عقدوا بينهم حلفًا وكان لهم فيها على اليهود طعمة وأكل في كل عام ومنعرها لهم على العرب ودفعوا عنها قبائل قضاعة، وروي أن معاوية بن أبي سفيان مر بوادي القرى فتلى قوله تعالى: أتتركون فيما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل الآية .. ثم قال: هذه الآية نزلت في أهل هذه البلدة وهي بلاد ثمود فأين العيون؟ فقال له رجل: صدق الله في قوله، أتحب أن أستخرج العيون؟ فقال: نعم، فاستخرج ثمانين عينًا فقال معاوية: الله أصدق من معاوية، وكان النعمان بن الحارث الغساني ملك الشام أراد غزو وادي القرى فحذره نابغة بني ذبيان ذلك بقوله في أبيات منها: تجنب بني حن فإن لقاءهم كريه وإن لم تلق إلا بصابر هموا قتلوا الطائي بالحجر عنوة أبا جابر واستنكحوا أم جابر وهم ضربوا أنف الفزارى بعدما أتاهم بمعقود من الأمر قاهر أتطمع في وادي القرى وجنابه وقد منعوا منه جميع المعاشر ويظهر أن وادي القرى ازدهرت في العصر الإسلامي مزارعه وبساتينه حتى صار الشعراء به يتغنون ومن ذلك قول جميل بثينة: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي القرى إني إذن لسعيد
(٢) دومة الجندل (بضم أو فتح أوله وسكون ثانيه) موضع مشهور في التاريخ، وهي راحة كثيرة المياه والزروع، قال في معجم البلدان: تقع في غائط من الأرض وبها عين تثج فتسقي ما بها من الزروع والنخل، وحصنها مارد وسميت دومة الجندل لأن =
[ ٥ / ٥٦ ]
إلى ديار بني كلب (١) بدومة الجندل، وكانت هذه الحملة تتأَلف من سبعمائة مقاتل (هكذا جاء في مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٦٠).
وكانت دومة الجندل تقع في الشمال الغربي للجزيرة العربية قريبًا من حدود العراق، وكان بها ملك اسمه (الأَصبغ بن عمرو الكلبي) وكان وقومه على النصرانية.
وذكر المؤرخون أَن النبي - ﷺ - عندما عقد لعبد الرحمن بن عوف لواءُ الإِمارة على هذه الحملة الكبيرة عممه بعمامة سوداءَ بيده الكريمة ورخى بين كتفيه منها قدر أَربع أَصابع ثم قال: هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أَحسن وأَعرف.
وكما هي عادة النبي - ﷺ - في توجيه وصاياه الإِنسانية النبيلة إلى قادة جيوشه وجَّه إلى قائد هذه الحملة وصية قال فيها: "أُغز بسم
_________________
(١) = حصنها مبني بالجندل، وهو الصخر العظيم الصلب وكانت في الجاهلية مملكة يحكمها ملوك كندة القحطانيين، وكان آخر ملوكها أكيدر بن عبد الملك السكوني الكندي، وكان على دين النصرانية وهو الذي وجه النبي ﷺ إليه القائد خالد بن الوليد عندما كان في تبوك غازيًا سنة تسع من الهجرة، فأسر خالد الملك (أكيدر) وقتل أخاه حسان وفتح دومة الجندل وكانت ذات أسوار عالية، وقد أسلم أكيدر إلا أنه نقض الصلح بعد وفاة النبي ﷺ فأجلاه عمر إلى العراق، هكذا قال ياقوت في معجمه، إلا أنه استدرك فقال: وأهل كتب الفتوح مجمعون على أن خالد بن الوليد غزا دومة الجندل مرة أخرى، أيام أبي بكر جاءها من العراق (وكانت دومة الجندل قريبًا من الحدود العراقية) في أقصى شمال الجزيرة، وقد قتل خالد (أكيدر) سنة ١٢ هـ لأنه ارتد ونقض العهد.
(٢) هذا السياق يدل أن بدومة الجندل إمارات متعددة منها: إمارة الأصبغ بن عمرو الكلبي، ولكن سياق المؤرخين يدل على أن أعظم أمراء أو ملوك دومة الجندل هم من كندة الذين آخرهم (أكيدر الذي ذكرنا قصته آنفًا).
[ ٥ / ٥٧ ]
الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا (أَي صبيًّا) فهذا عهد الله وسنة نبيكم (١).
بعد ذلك تحرك عبد الرحمن بن عوف بسيرته الكبيرة، وما زال سائرًا نحو الشمال (يكمن النهار ويسير الليل) حتى وصل إلى دومة الجندل.
ولما كان القوم يدينون بالنصرانية، لم يهاجم عبد الرحمن بن عوف بغتة كما هي الحال في غزو الأَعراب الوثنيين.
بل دعاهم إلى الإِسلام وظل يدعوهم ويفاوضهم ثلاثة أَيام وهم يأْبون ويقولون لا نعطي إلا السيف أَو تعود من حيث أَتيتم.
إلا أَنه في اليوم الثالث استجاب ملكهم (الأَصبغ بن عمرو الكلبي) (٢) فأَسلم وتبعه على الإسلام خلق كثير من قومه وكلهم كانوا نصارى.
وهكذا حققت هذه الحملة الكبيرة أغراضها، وكفى الله المؤمنين شر القتال .. أَما من بقى من أهل دومة الجندل على النصرانية (وكلهم عرب) فقد تركهم القائد عبد الرحمن بن عوف وشأْنهم أَحرار في دينهم على أَن يؤدوا الجزية لدولة الإِسلام كاعتراف بسلطانها ومقابل حمايتها لهم فقبلوا.
_________________
(١) انظر طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٨٩ والسيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٠٤ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٦٠ تحقيق مارسدن جونس جامعة أكسفورد.
(٢) اسم كلب يطلق على عدة قبائل عربية ولكن الكلبيين أصحاب دومة الجندل هؤلاء هم بطن من قضاعة من القحطانية وهم بنو كلب بن وبرة، وهم قبيلة عظيمة تمتد ديارهم حتى تبوك وأطراف الشام، وفي الفتوح الإسلامية كان لقبائل كلب شأن عظيم في نصرة الإسلام، وكانوا عماد جند الشام في عهد معاوية، وكانت مدينة تدمر وسلمية والعاصمية هي منازل كلب، وكان الخليفة معاوية قد أصهر إليهم إذ تزوج منهم، وكان منهم جيل عظيم يسكن الدهناء شرق جزيرة العرب.
[ ٥ / ٥٨ ]
وقد تزوج القائد عبد الرحمن بن عوف ابنة ملك دومة الجندل واسمها (تماضر بنت الأَصبغ) وأَحضرها معه إلى المدينة فولدت له ابنة (سلمة بن عبد الرحمن).
وقفة فقهية:
وذكر المؤرخون أَن عبد الرحمن بن عوف توفي وتماضر الكلبية لمَّا تزل في عدتها من طلاقه فورَّنها فيه الخليفة عثمان، وهذا صار سندًا فقهيًا قويًّا للذين يقولون بقدم صحة الطلاق في المرض الذي يموت فيه المطلق وهو مذهب المالكية.
- ١٣ -
حملة إرهاب بني سعد (١) بفدك .. (٢) شعبان سنة ست من الهجرة.
هي دورية عسكرية كبيرة قام بها علي بن أَبي طالب لبث الرعب في قلوب قبائل بني سعد بن بكر بفدك، وكان عدد رجال هذه الدورية مائة فارس، أَعطى النبي - ﷺ - قيادتهم لعلي بن أَبي طالب، وأَمره بأَن يغير على بني سعد بعد أَن تلقى - ﷺ - من استخباراته أَن بني سعد قد
_________________
(١) اسم سعد يطلق على عدة قبائل منهم العدنانية والقحطانية، وأما هؤلاء فهم (على ما يظهر) بنو سعد بن ثعلبة، بطن من ذبيان ثم من غطفان العدنانية.
(٢) فدك (بفتح أوله وثانية) قرية زراعية من أرباض خيبر، وكانت حاضرتها من اليهود حيث كانوا بها زراعًا لأنها كانت مثل خيبر ذات مياه وتربة خصبة، أما أما باديتها فكلهم من العرب من بني سعد، وهؤلاء هم الدين غزاهم علي بن أبي طالب.
[ ٥ / ٥٩ ]
قرروا أَن يساندوا يهود خيبر ويمدُّوهم بالرجال مقابل أن يعطي اليهود هذه القبيلة جزءًا كبيرًا من تمر خيبر (١).
وهذا يدلُّ على أن اليهود كانوا يستعدون (منذ زمن طويل) للغزو المنتظر الذي قام به النبي - ﷺ - أَخيرًا لخيبر، فأَخضعها وأَنهى الوجود اليهودي فيها، كما يأْتي تفصيله إن شاءَ الله في كتابنا السادس.
وقد تحرك علي بن أَبي طالب بدوريته المسلحة، واستمر في تحركه ستة أيام يكمن فيها ليلًا ويسير نهارًا.
وفي اليوم السابع، وصل عليٌّ بدوريته مشارف (فَدَك) وهناك وجد رجلًا (لم يذكر المؤرخون اسمه) فسأَله عن العدو من بني سعد، فخاف الرجل، فطمْأَنه قائد الدورية (عليّ) بأَنهم لا يريدون به شرًّا، فاستوثق لنفسه قائلًا: أُخبركم عن مكان القوم على أَنكم تؤمِّنوني، فأَعطوه الأَمان، فأَرشدهم إلى الوادي الذي تتجمع فيه بنو سعد.
فأَغار عليهم الإِمام علي برجال دوريته، وكان على رأْس العدو (وبر بن علم) ولم يُبدِ بنو سعد (بالرغم من كثرة عددهم) أَية مقاومة.
بل كان همهم النجاة بأَنفسهم، ففروا ومعهم النساءَ والأَطفال فقط، وتركوا مواشيهم، فاستولى عليها رجال دورية علي بن أبي طالب.
وكانت خمسمائة بعير وأَلفي شاة، قسمها القائد علي على رجال دوريته كما تقسم الغنائم بعد أَن عزل الخمس منها ليوضع تحت تصرُّف النبي ورئيس الدولة ليدَّخرَها لنوائب المسلمين كما هو المتبع .. ثم عاد علي بدوريته إلى المدينة دون أَن يلقى كيدًا.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٤٦٢.
[ ٥ / ٦٠ ]
- ١٤ -
حملة تأديب بني فزارة (١) .. رمضان .. سنة ست من الهجرة
قبيلة فزارة (بفتح أَوله وثانيه) تعتبر من أَعظم القبائل النجدية وأكثرها عددًا في العهد النبوي، وكان السيد الذي يرجع إليه أَمرها هو عيينة بن حصن الفزاري الملقب (بالأَحمق المطاع)، فقد ذكر المؤرخون أَن عشرة آلاف رمح من هذه القبيلة تتحرك (مطيعة) أَينما تحرك هذا الأَحمق.
وكانت بنو فزارة من أَشد الناس عداوة للمسلمين وأَكثرهم تحرّشًا بهم لقرب منازلهم من منطقة المدينة، وكانت بعض فخائذ هذه القبيلة تنزل وادي القرى الواقع بين المدينة وخيبر.
وكان رجال هذه القبيلة الوثنية طالما شنُّوا اعتداءَات متكررة على المسلمين، وكثيرًا ما يستأْجرهم اليهود لمحاربة المسلمين.
وقد عرفنا كيف أَغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن على المسلمين في الغابة بضواحي المدينة فاستاق إِبلهم بعد أَن قتل من قتل منهم سنة خمس من الهجرة كما تقدم تفصيله في غزوة الغابة).
_________________
(١) فزارة (بفتح أوله وثانيه) قبيلة عدنانية عظيمة، وهي جناح رئيسي في غطفان العظيمة، وفزارة هو ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وكان قائد فزارة في الجاهلية وسيدها عيينة بن حصن الملقب بالأحمق المطلع، لأنه كانت تتبعه عشرة آلاف قناة يوجه أصحابها إلى أي حرب فيطيعون دون أن يسألوه عن السبب أو المبرر، وتقع ديار فزارة في الجاهلية وعند ظهور الإسلام في نجد، وعقب انتشار العرب خارج الجزيرة من الفتح الإسلامي تفرقت قبائل فنزلوا مصر وبرقة وطرابلس والمغرب الأقصى (انظر معجم قبائل العرب، لعمر كحالة).
[ ٥ / ٦١ ]
ولهذا كان من الطبيعي أَن يتحيّن المسلمون الفرص لضرب هذه القبيلة وإرهابها وكسر شوكتها بنقل المعركة إلى ديارها وضربها في منازلها ومسارحها.
لا سيما وأَن المسلمين يتهيئون لخوض معركة فاصلة مع اليهود في خيبر التي تقع هؤلاءِ منازل الفزاريين بينها وبين المدينة. الأَمر الذي يحتم على القيادة العليا في المدينة القيام بعمل عسكري حاسم تكون به خطوط المسلمين في مأْمن عندما يقومون بالزحف على مدينة خيبر والذي قاموا به (بالفعل) في أَوائل السنة السادسة من الهجرة.
الصدِّيق القائد:
وجهَّز الرسول القائد - ﷺ - لتأْديب (فخيذة بني بدر من قبيلة فزارة) حملة عسكرية قوية اختلف المؤرخون في القائد الذي أُسندت إليه قيادة هذه الحملة الكبيرة.
فابن سعد يذكر في طبقاته الكبرى أَن قيادة هذه الحملة أُعطيت لزيد بن حارثة .. بينما يذكر الإِمام مسلم في صحيحه (عن سلمة بن الأَكوع): أَنَّ قائد هذه الحملة هو أَبو بكر الصدِّيق.
وعلى كل فإن الروايتين ليس بينهما اختلاف في التفاصيل. ونحن نرجح رواية الإِمام مسلم لأَنه (وصحيح البخاري) أَصح الكتب وأَصدقها بعد كتاب الله تعالى.
تحرك القائد الصديق من المدينة على رأْس قوة كبيرة من المهاجرين والأَنصار (لم أَر أَحدًا من المؤرخين ذكر عدد أَفرادها) وكان تحرُّكه في
[ ٥ / ٦٢ ]
شهر رمضان من السنة السادسة للهجرة على ما حققه ابن حزم والسابعة على ما ذكره غيره من المؤرخين.
نجاح الحملة:
وقد حققت حملة الصدِّيق العسكرية التأْديبية أَهدافها .. فقد بثَّ الله الرعب في نفوس بني بدر (من فزارة).
إذا لم يكادوا يشعرون بوصول أَبي بكر الصديق برجاله حتى عمَّهم الذعر والخوف فلم يبدوا أَية مقاومة، بل أَخذوا في الفرار أَشتاتًا.
إلا أَن المسلمين حالوا بينهم وبين ذلك فقتلوا عددًا منهم وأَسروا عددًا آخر بمن فيهم (أَم قرفة) فاطمة بنت ربيعة بن بدر وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر. وهي من أَجمل بنات العرب.
أَما (أُم قرفة) فكانت امرأَة شيطانة، وكانت (بَرْزة مسترجلة) وفي شرفٍ من قومها تحتل بينهم مكان القائد والزعيم.
وكان يعلَّق في بنيتها خمسون سيفًا كل هذه السيوف لها محرم .. وكان لها إثنا عشر ولدًا كلهم يحمل السلاح.
ومن ثم كانت العرب: تضرب بها المثل في العزّة.
فتقول: لو كنت أَعز من أَم قرفة.
تحاول اغتيال النبي:
وقد كانت هذه الشيطانة (أُم قرفة) على أَشد ما تكون من البغض للنبي - ﷺ -، لذا صممت على اغتياله داخل المدينة.
[ ٥ / ٦٣ ]
فجهزت ثلاثين فارسًا من ولدها وولد ولدها وأمرتهم بالذهاب إلى المدينة لكي يقوموا باغتيال الرسول - ﷺ - إلا أَنهم لم يتمكنوا من ذلك (١).
ويظهر أَن (أُم قرفة) هذه كانت القائد الفعلي لقومها من بني بدر .. يدل على ذلك أَنَّ بعض المؤرخين أَسمى هذه الحملة التي أَسرت فيها قرفة وابنتها (بسرية أَم قرفة) (٢).
أَما كيف حققت الحملة أَهدافها فقد ذكر المؤرخون أَن رجال الحملة المسلمين شنوا الغارة على بني بدر في عماية الصبح، بعد أَن فرغوا من أَداء فريضة الصلاة.
قال سلمة بن الأَكوع (كما في صحيح مسلم): بعث رسول الله - ﷺ - أبا بكر الصديق إلى فزارة، وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أَمرنا فشنينا الغارة، فوردنا الماءَ، فقتل أَبو بكر من قتل، ورأَيت طائفة (منهم الذرارى) فخشيت أن يسبقوني إِلى الجبل فأَدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأَوا السهم وقفوا، وفيهم امرأَة هي (أُم قرفة) عليها قشع من أَدم .. معها ابنتها من أَحسن العرب، فجئت بهم أَسوقهم إلى أَبي بكر فنفلني أَبو بكر ابنتها فلم أَكشف لها ثوبًا.
وقد جاءَ في مسلم (كما نقله ابن برهان الدين) أَنَّ النبي - ﷺ - لما عاد سلمة بن الأَكوع طلب منه أَن يهب له تلك الفتاة الجميلة (جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر) قائلًا: يا سلمة: هب لي المرأَة لله أَبوك
_________________
(١) انظر السيرة الحلبيةج ٢ ص ٣٠٣.
(٢) انظر طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٩٠ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٦٥.
[ ٥ / ٦٤ ]
فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث - ﷺ - بهذه الفتاة إلى مكة ففدى بها أَسرى من المسلمين هناك.
وقفة تأمل وتدبر:
ولعل في هذا التصرف النبيل من قبل النبي الأَعظم - ﷺ - أَكبر دليل على دحض مزاعم أَعداءِ الله ورسوله من المستشرقين وفروخهم في الشرق الإِسلامي الذين ينكرون على الرسول الأَعظم - ﷺ - تزوجه بتسع نساءٍ، ويدَّعون أَنَّ ذلك منه بدافع الرغبة الجنسية .. والميل الشديد إلى اقتناء النساءِ.
فلو كان كما يزعمون (قبَّحهم الله) لاحتفظ لنفسه بهذه الفتاة الفزارية التي وهبها له سلمة بن الأَكوع، والتي هي (بإجماع المؤرخين) من أَجمل بنات العرب .. ولكننا نراه - ﷺ - يبعث بها إلى مكة ليفتدى بها أَسرى من أَصحابه .. الأَمر الذي يؤكِّد بطلان مزاعم أَعداءِ الله الآنفة الذكر.
وقد كان من بين القتلى المشركين في هذه الحملة: النعمان وعبيد الله أَبناءُ مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر.
وذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى: (الذي ذكر أَن قائد الحملة هو زيد بن حارثة) ذكر أَن القائد زيدًا قتل أُم قرفة (الشيطانة)، أَمر بأَن تربط رجلاها بحبل بين جملين ثم زجرهما كل منهما في اتجاه معاكس فذهبا حتى قطعاها.
أما رواية الإمام مسلم (وهي المرجحة والأصح) فلم يذكر فيها قتل أم قرفة والله أعلم.
[ ٥ / ٦٥ ]
وقال ابن برهان الدين في السيرة الحلبية: أَما ابنها قرفة؛ الذي تُكنَّى به فقد قتله النبي - ﷺ -، كما أَن بقية أَولادها قتلوا مع أَهل الردة في نجد، فلا خير فيها ولا في بنيها.
والذي يجدر ذكره هنا أَن إِحدى بنات أُم قرفة هذه واسمها (سلمى) كانت قد قادت تمرّدًا كبيرًا ضد جيش خالد بن الوليد الذي بعثه الصدِّيق لإِخضاع المرتدين قادت سلمى (وهي شيطانة مثل أمها) هذا التمرد في منطقة ظفر بنجد فتبعتها جموع غفيرة من فلال المرتدين الذين انهزموا في معركة بزاخة الشهيرة. وقد قُتِلت سلمى هذه في المعركة بعد أَن عانت منها جيوش خالد ومن أَتباعها الأَهوال حيث اشتبكوا معها في قتال مرير ليس بأَقل ضراوة من القتال الذي نشب بين جيوش خالد وجيوش المرتد طليحة بن خويلد الأَسدي (١) في بُزاخة.
_________________
(١) انظر ترجمة طليحة بن خويلد في كتابنا (غزوة الأحزاب).
[ ٥ / ٦٦ ]
- ١٥ -
سرية كرز الفهري (١) إلى العرنين .. شوال، سنة ست من الهجرة
ففي هذا الشهر قدم نفر من عرينة (٢) ثمانية على رسول الله - ﷺ -، فأسلموا، إلا أَنهم استوبأُوا المدينة وأُصيبوا ببعض الأَمراض.
فأَمر الرسول - ﷺ - بنقلهم إلى منطقة (الجدر) ناحية قباءٍ وعلى بعد ستة أَميال من المدينة بالقرب من جبل عير للاستشفاءِ حيث ترعى لقاحه (٣) في المنطقة الجيِّدة الهواءِ.
فمكثوا فيها مدة يتمتعون بالهواءِ النقي ويشربون من لبن لقاح النبي - ﷺ - حتى صحّوا وسمنوا، وهنا فعلوا فعل اللئيم الغادر الخائن المنكر للجميل.
_________________
(١) هو كرز بن جابر بن حسل بن الأحب الفهري القرشي، كان من سادات المشركين وقادتهم المحاربين قبل أن يسلم، وهو الذي أغار بقوات قريش على ضواحي المدينة فطارده النبي ﷺ في الجاهلية حتى منطقة سفوان ولم يتمكن من اللحاق به، أسلم (كرز) فحسن إسلامه، وكان قائد إحدى الكتائب في فرقة خالد بن الوليد التي دخل بها مكة عام الفتح، وكان (كرز) أحد اثنين من الصحابة استشهدا في فرقة خالد عند افتتاح مكة وكان الرجل الشهيد الثاني حبيش بن الأشعر الخزاعي.
(٢) عرينة: موضع ببلاد فزارة بنجد قاله ياقوت، ويظهر أن هؤلاء العرينين هم من فزارة.
(٣) اللقاح: إبل من الإناثى تتخد خاصة لإنتاج اللبن، وكان اللبن عند العرب من الأعذية الرئيسية للكبار والصغار وكان النبي ﷺ يقتني مجموعة من اللقاح لتغذية الوفود وغيرهم ممن يرد على المدينة من الغرباء والمساكين والضعفاء.
[ ٥ / ٦٧ ]
فقد عَدَوا على اللقاح التي غذاهم لبنها وأَسمنهم فاستاقوها وحاولوا الهرب بها إلى ديارهم، فأَدركهم يسار (١) مولى رسول الله - ﷺ -، لاسترجاع اللقاح منهم (ومعه نفر قليل) فقاتلهم فتغلبوا عليه وعلى رجاله حتى قتلوه، وقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه.
ولما بلغ النبي - ﷺ - نبأَ هـہذا الحادث الفظيع انتخب عشرين فارسًا من أَصحابه وأَسند قيادتهم لكرز بن جابر الفهري، وأَمرهم بمطاردة العرينيين وإِلقاءِ القبض عليهم، فأَدركوهم، ثم أَلقوا عليهم القبض بعد أَن أَحاطوا بهم، ثم ربطوهم وأَردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة.
وكان النبي - ﷺ - موجودًا بالغابة فخرجوا بهم إليه لاتخاذ ما يراه من إِجراءٍ ضدهم، فالتقوا به - ﷺ - بالزغابة (مجمع الأَسيال) في ضواحي المدينة.
وبعد أَن أُجرى التحقيق معهم ثبتت إِدانتهم، فأَصدر النبي - ﷺ - حكمًا صارمًا ضدَّهم ليكونوا عبرة لغيرهم .. إِذ أَمر بهم فقطِّعت أَيديهم وأَرجلهم وسمل أَعينهم (٢) ثم أُمر بهم فصلبوا هناك.
ويقول ابن سعد: وفي ذلك أَنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية.
فلم يسمل النبي - ﷺ - بعد ذلك عينًا.
_________________
(١) هو يسار النوبي مولى رسول الله ﷺ ومن حديث سلمة بن الأكوع أخرجه الطبراني. قال: كان لرسول الله ﷺ غلام يقال له يسار فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، وذكر قصة مقتله (انظر الإصابة ج ٣ ص ٦٢٨).
(٢) سمل عينه: فقأها.
[ ٥ / ٦٨ ]
- ١٦ -
سرية زيد بن حارثة إلى مدين؟؟
ولم أَر فما بين يدي من مصادر تاريخ هذه الحملة .. ولكن الغالب على الظن أَنها حدثت في السنة الخامسة من الهجرة .. بدليل أَن ذكرها في السيرة الحلبية جاءَ قبل ذكر حملة علي بن أَبي طالب التي قام بها إِلى فَدَك لتأْديب بني سعد في شعبان سنة خمس من الهجرة.
قاد هذه السرية زيد بن حارثة إلى مدين وهي قرية نبي الله شعيب - ﷺ - وهي تجاه تبوك (على ما ذكره صاحب السيرة الحلبية).
ولم أَطلع في شيء من المصادر، على من جردت هذه الحملة، وكل ما في الأَمر أَن ابن برهان الدين ذكر في السيرة الحلبية أَن زيدًا ظفر بالقوم وأَصاب سببًا، ففرقوا في بيعهم بين الأُمهات والأَولاد، فخرج رسول الله - ﷺ - وهم يبكون، فقال: ما لهم؟ .
فأَخبر أَنه فرَّق بين الأُمهات والأُولاد في البيع، فقال رسول الله - ﷺ -: لا نبيعوهم إِلا جميعًا، فصار ذللك النهي تشريعًا حرم العلماءُ بموجبه التفريق بين الأُم وأَي من أولادها في البيع، واعتبر الإِمام الشافعي البيع باطلًا إِذا كان فيه تفريق بين الأُم وأَحد أَولادها (١).
_________________
(١) انظر بحثنا المستفيض عن الرق الحربي في الإسلام، في كتابنا (غزوة بني قريظة) ففيه فندنا التهم الباطلة التي ألصقها أعداء الإسلام بهذا الدين لإباحته الرق الحربي.
[ ٥ / ٦٩ ]
- ١٧ -
بعث عمرو بن أمية الضمرى .. لقتل أبي سفيان بمكة .. شوال من السنة السادسة
وفي شوال وقبل الحديبية بحوالي شهر واحد بعث رسول الله - ﷺ -، الفائك الفدائي المشهور (عمرو بن أُمية الضمري) وسَلمة بن أَسلم، إِلى أَبي سفيان بن حرب الذي كان قائدًا عامًّا لجيوش المشركين في مكة، وأَمرهما - ﷺ - أَن يقتلاه أَينما وجداه.
محاولة اغتيال الرسول ﷺ:
والسبب في الأَمر بقتل أَبي سفيان هو أَنه استأْجر رجلًا من الأَعراب وأَمره بالذهاب لاغتيال النبي - ﷺ -، وفعلًا ذهب الأَعرابي حتى وصل المدينة وحاول اغتيال الرسول - ﷺ -، إلَّا أَن الله كشف أَمره. فأَلقى عليه القبض قبل الشروع في جريمته ولدى إِجراء التحقيق معه اعتراف بكل شيء فعفى عنه النبي - ﷺ - ثم أَسلم بعد ذلك.
وخلاصة القصة أَن أَبا سفيان بن حرب جرى بينه وبين بعض القرشيين حديث حول تزايد قوة المسلمين وما أَنزلوا بالمشركين من هزائم. فقال أبو سفيان: أَلا أَحد يغتال محمدًا فإِنه يمشي في الأَسواق؟ .
فأَتاه رجل من الأَعراب (وقد بلغه ما قال أَبو سفيان) فقال له: قد وجدت أَجمعَ الرجال قلبًا وأَشدّهم بطشًا وأَسرعهم عدْوًا (يعني نفسه)
[ ٥ / ٧٠ ]
فإِن أَنت قويتني (وفي رواية فديتني): خرجت إِليه حتى أَغتاله فإِن معي خنجرًا كخافية النسر فأَسوره ثم آخذه في عير، وأَسبق القوم عدوًا. فإِني هاد بالطريق خِرّيت.
فاغتبط أَبو سفيان قائلًا للأَعرابي: أَنت صاحبنا .. ثم أَعطاه بعيرًا ونفقة كافية، وطلب منه أَن يكتم أَمره قائلًا: أَطو أَمرك.
فخرج من مكة ليلًا. وكانت المسافة بين المدينة لا يقطعها الراكب إِلا بعد أَحد عشر يومًا، غير أَن الأَعرابي المذكور قطع هذه المسافة في خمسة فقط، إِذ لم تكن صبيحة اليوم السادسة إِلا وهو في المدينة.
وبمجرد وصوله عَقل راحلته ثم أَخذ يسأَل عن الرسول - ﷺ - لينفِّذَ الجريمة فاهتدى إِليه بسهولة لَأن النبي - ﷺ - لم يكن له حارس أَو حاجب يحول بين الناس وبين مقابلته في أَي وقت.
إن هذا ليريد غدرًا:
وفي مسجد بني عبد الأَشهل كاد الأَعرابي المأْجور ينفِّذ جريمة الاغتيال .. إِذ هناك وجد النبي - ﷺ - جالسًا، فدخل عليه المسجد كأَحد عامة المسلمين.
غير أَنَّ النبي - ﷺ - تفرّس في الأَعرابي وأَدرك أَنه يريد شرًّا فقال لتنفيذ الجريمة المكلف بتنفيذها.
إِلا أَن سيد الأَوس (أُسيد بن الحُضَير) (١) حال دون ذلك، إِذ
_________________
(١) أسيد بن حضير (بضم أوله وفتح ثانيه) انظر ترجمته في كتابنا غزوة الأحزاب.
[ ٥ / ٧١ ]
أَمسك بالأَعرابي وشدَّه من يديه، وبعد أَن تم القبض عليه، قام أُسيد بن الحضير بتفتيشه فوجد الخنجر مخفيًا داخل إِزاره فأُسقطَ في يديه، وصاح خائفًا (بعد أَن اكتشفَ أَمره) دمى: دمى، فأَخذ أُسيد بن الحضير بلبتَّه وكاد يخنقه من الغيظ.
ثم أَجرى التحقيق معه في الحال، وأَثناء التحقيق، قال له النبي - ﷺ - (وكان كعادته عفوًّا رحيما): أَصدقني ما أَنت؟ قال: وأَنا آمن؟، قال - ﷺ -: نعم، فأَخبره بكامل مخطط المؤامرة، فعفى عنه - ﷺ - ثم خلى سبيله، فاعتنق الأَعرابي الإِسلام بمحض إرادته.
وقد تحدَّث الأَعرابي إلى النبي - ﷺ - بعد أَن أَصبح عضوًا في الأُسرة الإِسلامية، عما اعتراه ساعة شروعه في تنفيذ الاغتيال قائلًا: يا رسول الله، ما كنت أَخاف الرجال، فلما رأَيتك ذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به فعلمت أَنك على الحق، فجعل رسول الله - ﷺ - يبتسم.
السعي لاغتيال أبي سفيان:
وبعد هذه الحادثة استدعى النبي - ﷺ - عمرو بن أُمية الضمري (وكان فدائيًّا ممتازًا ومشهورًا في الجاهلية بأَنه فاتكًا يخافه الناس) استدعاه - ﷺ - وكلَّفه بأَن يذهب إِلى مكة لاغتيال أَبي سفيان بن حرب، وندب معه سلمة بن أَسلم (١) (وقيل جبار بن صخر
_________________
(١) هو سلمة بن أسلم بن حريش الأوسي الأنصاري، شهد بدرًا واستشهد في العراق تحت قيادة أبي عبيد الثقفي في معركة الجسر الشهيرة.
[ ٥ / ٧٢ ]
الأَنصاري (١» قائلًا: إِن أَصبتما منه (أَي أَبي سفيان) غِرّه فاقتلاه.
فصدع عمرو بالأَمر. وما هي إِلا أَيام قلائل حتى كان وصاحبه بمكة إِلا أَنهما لم يتمكنا من اغتيال أَبي سفيان إِذ اكتشف أَمرهما بمجرد وصولهما مكة.
قال ابن إِسحاق: فخرج عمرو وصاحبه حتى قدما مكة ليلًا. فقال جبار لعمرو: لو أَنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؟ فقال عمرو: إِن القوم إِذا تعشوا جلسوا بأَفنيتهم (تعبيرًا منه عن خوفه من أَن يكتشفوهم قبل أَن يقتلوا أَبا سفيان). فقال جبار: كلا إن شاءَ الله.
قال عمرو: فطفنا بالبيت، وصلَّينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فوالله إِنا لنمشي بمكة إذ نظر إِليَّ رجل من أَهل مكة (قال ابن سعد: هو معاوية بن أَبي سفيان) فقال عمرو بن أُمية الضمري: إِنْ قدمها (أَي ما قدمِها) إِلَّا لشرّ، فقلت لصاحبي النَّجاءَ: فخرجنا نشتد حتى صعدنا في جبل وخرجوا في طلبنا حتى إِذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فدخلنا كهفًا في الجبل فبتنا فيه، وقد أَخذنا حجارة فرضمناها دوننا.
فلما أَصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسًا له ويخلي عليها. فقلت: إِن رآنا صاح بنا فأَخذنا فقتلنا. قال: ومعي خنجر قد أَعددته لأَبي سفيان، فأَخرج إِليه فأَضربه على ثديه ضربة. وصاح
_________________
(١) هو جبار بن صخر بن أمية بن خنساء الأنصاري، قال موسى بن عقبة في مغازيه إنه شهد بيعة العقبة، وكان (بعد عبد الله بن رواحة) يحرص على أهل خيبر، وقد روى ابن السكن أن جبار بن صخر قال: سمعت النبي ﷺ يقول إننا نهينا عن أن نرى عوراتنا، توفي جبار بن صخر في خلافة عثمان عن ٦٢ عامًا.
[ ٥ / ٧٣ ]
صيحة أَسمع أَهل مكة، وأَرجع فأَدخل مكاني، وجاءَه الناس يشتدون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ فقال: عمر بن أُمية الضمري، وغلبه الموت، فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه.
قال عمرو: فلما أَمسينا خرجنا ليلًا من مكة نريد المدينة.
أخذ جثة الشهيد خبيب (١):
قال: ثم مررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي فقال الحراس: والله ما رأَيت كالليلة أَشبه بمشية عمرو بن أُمية لولا أَنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أُميَّة.
قال عمرو: فلما حاذيت الخشبة؟ شددت على الخشبة فاحتمالتها وخرجت شدًّا (أَي عدوًا) وخرج الحراس ورائي فلم يقدروا علي، ثم أَتيت جرفًا بمهبط مسيل يأَجج فرميت بالخشبة في الجرف فغيَّب الله عنهم جثة (الشهيد) خبيب فلم يقدرا عليه.
قتل جاسوس:
وبينما كان عمرو وصاحبه عائدين إلى المدينة أَويا إلى كهف فوجدا به رجلًا من بني بكر ثم من بني الديل أَعور في غنيمة له فلم يتعرضا له بسوءٍ، ولكن الشيخ الأَعور رفع عقيرته بعد أَن اضطجع وقال:
ولست بمسلم ما دمت حيًّا ولا دان لدين المسلمين
_________________
(١) انظر ترجمة خبيب بن عدي في كتابنا (غزوة الأحزاب) ص ٤٦.
[ ٥ / ٧٤ ]
فغاظ ذلك عمرو فقال في نفسه: ستعمه، فأَمهله حتى إذا نام أدخل طرف قوسه في عينه الصحيحة ثم تحمل عليها حتى بلغت العظم.
ثم انطلق وصاحبه حتى إذا هبطا على النقيع (على ليلتين من المدينة) وجدا رجلين من قريش من المشركين بعثت بهما قريش للتجسس على المسلمين، فأَنذرهما عمرو وصاحبه بأَن يستسلما، فأبيا، فرمى عمرو أَحدهما بسهم فقتله ثم تمكن من أَسر الثاني، فأَوثقه ثم قدم به إلى المدينة.
- ١٨ -
مصرع ملك خيبر (أبو رافع): رمضان سنة ست من الهجرة
ك ان سلَّام بن أَبي الحُقيق النضري (بعد مصرع طاغية بني النضيرُ حيِّي بن أَخطب) سيد خيبر المطاع، وكان لا يقل (عن حُيي بن أَخطب) عداوة للرسول - ﷺ -.
بالإضافة إلى ذلك كان من كبار مجرمي الحرب الغادرة الظالمة التي شنَّها على المسلمين في المدينة (وبتدبيرٍ من يهود خيبر) عشرة آلاف مقاتل من الأَحزاب الوثنية المتحالفة (قريش وغطفان وأَشجع وَفزَارة وأَسلم).
فقد كان سلام بن أَبي الحُقيق في مقدّمة وفد التحريض اليهودي الذي غادر خيبر في أَواسط السنة الرابعة من الهجرة ليطوف بمضارب البدو وفي نجد ومواطن القبائل في الحجاز لتحريضهم على غزو المسلمين وتدميرهم في المدينة.
[ ٥ / ٧٥ ]
وعندما تحوَّل المشروع اليهودي من نطاق الفكر إلى حيِّز العمل، وتحركت (لإِبادة المسلمين في المدينة) تلك القوة الضاربة من أَعراب نجد وقبائل قريش كان (سلام بن أَبي الحقيق) هذا مع حيي بن أَخطب على رأْس هذه القوة الضاربة الغازية (١).
كما أَن سلَّام بن أَبي الحُقَيق النَّضري هذا كانت له سابقة خطيرة في الإجرام والتآمر في المدينة قبل إجلاءِ بني النضير عنها.
فقد كان سلَّام هذا، أَحد أَركان تلك المؤامرة الدنيئة التي كانت تستهدف حياة النبي الأَعظم - ﷺ - والتي شرع يهود بني النضير في تنفيذها عندما كان النبي - ﷺ - موجودًا أعزلًا في ديارهم مع قلة من أَصحابه جاؤوا إلى ديار بني النضير للبحث معهم في القيام ببعض التزامات تفرضها على اليهود معاهدة الحلف المعقود بين المسلمين وهؤلاءِ اليهود (٢).
ولم يكن العفو الكريم الذي منحه النبي - ﷺ - يهود بني النضير والذي شمل في الدرجة الأُولى (سلَّام بن أَبي الحُقَيق) أَحد أَركان المؤامرة لم يكن العفو الكريم ليغيّر شيئًا من طبيعة هذا اليهودي.
_________________
(١) قال ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ٩١: كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الحفل العظيم لحرب رسول الله - ﷺ -، فبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عتيك وأربعة آخرون وأمرهم بقتله. وقال ابن القيم (زاد المعاد ج ٢ ص ٢٩٣): كان أبو رافع ممن ألب الأحزاب على رسول الله - ﷺ - ولم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب ورغبت الخزرج في قتله مساواة للأوس من قتل كعب بن الأشرف.
(٢) انظر التفاصيل الكاملة لقصة هذه المؤامرة الخطيرة في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول ص ٥٤.
[ ٥ / ٧٦ ]
طبيعة الأَنانية والغدر والخيانة والتآمر والسعي للوصول (على أَكتاف الغير) إلى الغرض المنشود بأَية وسيلة مهما بلغت من الخسة والوضاعة (طبيعة اليهود في كل زمان ومكان).
فقد رأَينا (كما تقدم) كيف أَنَّ (سلام بن أَبي الحُقَيق) بالرغم من تلك المعاملة الكريمة التي عامل بها النبي - ﷺ - يهود بني النضير. رأَينا كيف أَن سلَّام هذا وعصابته، لم تكد أَقدامهم تطأُ مدينة خيبر: حتى شرعوا في حبك المؤامرة الخطيرة التي كانت ثمرتها تعريض النبي - ﷺ - وأَصحابه لأَعظم خطر شهدوه في حياتهم وهو غزوة الأَحزاب. التي رافقَ قواتها الضاربة سلَّام بن أَبي الحُقيق هذا وزميله في التآمر حُيي بن أَخطب اللذان كانا يحلمان بالعودة إِلى المدينة .. أَما حيي بن أَخطب فقد لقى مصرعه في المدينة على أَثر محاكمة يهود بني قريظة.
أَما أَبو رافع (سلَّام بن أَبي الحقيق) .. فقد تمكن من الإِفلات، فعاد إلى خيبر عقب انفضاض جيوش الأَحزاب عن المدينة مهزومة مدحورة.
وقد رأَت القيادة الإِسلامية العليا في المدينة أن التخلص من هذا اليهودي (سلام بن أَبي الحقيق) الذي آلت إِليه زعامة اليهود في خيبر بعد حيي بن أَخطب - رأَت أَن التخلص من هذا اليهودي (كمجرم حرب) أَمر لا بد منه.
لأَن عداءَه المستحكم للإِسلام وحقده العارم المغتلم في نفسه على النبي - ﷺ - لن يتركا له فرصة يستريح فيها من عناء الكيد للإِسلام والتأْليب على المسلمين لإفنائهم حتى ولو أَعطاهم أَلف عهد ووقَّع معهم أَلف ميثاق.
[ ٥ / ٧٧ ]
فمن المحتمل جدًّا (بما لدى هذا اليهودي المرابي من ثراءٍ واسع ولما يتمتع به من نفوذ اقتصادي كبير بين قبائل العرب الوثنية المعادية بطبعها للإِسلام) أَن يقوم مرة أُخرى بتأْليب هذه القبائل وتحزيبها وأَن يزيِّن لها غزو يثرب من جديد.
فيشعل على المسلمين نارًا أُخرى. كما أَشعل (بالاشتراك مع حيي بن أَخطب) نار حرب الأَحزاب التي كاد فيها المسلمون أَن يبادوا عن آخرهم.
بل إن حديث المؤرخين ليشير إلى أَن سلَّام بن أَبي الحقيق هذا لم يكد يصل خيبر (بعد فراره) حتى شرع في اتصالاته المشبوهة بزعماءِ القبائل الوثنية وخاصة قبائل غطفان .. وأَخذ يحرِّضها على المسلمين ويهيئها من جديد لشن حرب ثانية ضد المسلمين بقصد إبادتهم. الأَمر الذي يجعل المسلمين (حفاظًا على سلامتهم وأَمن أَراضيهم) أَن يفكروا في التخلص سريعًا من هذا اليهودي العنيد المتآمر الذي لن يترك لهم فرصة يستريحون فيها ما بقي على قيد الحياة. وما قدر على فعل ما يعتقد أَن فيه تدميرًا (أَو إزعاجًا وإقلالًا وترويعًا على الأَقل) لهم.
لأَن من طبيعة اليهود عدم التردد في ارتكاب فعل الشر ما وجدوا السبيل إلى فعله، وما دام أَن فعله يخدم غرضًا من أغراضهم الخبيثة أَو يحقق هدفًا من أَهدافهم الشريرة.
لذلك رأَت القيادة الإِسلامية العليا في المدينة القضاءَ على هذا الزعيم اليهودي بأَسرع ما يمكن باعتباره مصدر خطر جسيم يهدد أَمن وسلامة أُمة بأكملها هي أُمة الإِسلام الوليدة في يثرب .. وباعتباره غادرًا
[ ٥ / ٧٨ ]
وخائنًا متآمرًا، لن يتورع (لإِلحاق الضرر بالمسلمين) عن سلوك أَي سبيل .. في وقت فيه المسلمون أَحوج ما يكونون إلى الهدوءِ والاستقرار لمواجهة ما يهددهم من أَخطار لا تزال نُذُرُها تلمع في أُفق نجد والحجاز، حيث تتحفز قبائل غطفان (في انتظار الفرصة) لضرب المسلمين في المدينة لسلبها ونهبها. ولإعادة الاعتبار الذي فقدته عندما عادت قوتها دام أَكثر من أربعة أسابيع.
كما أن قريشًا من جانبها وكل قبائل الحجاز الوثنية تتحين الفرص للإغارة على المسلمين وكسر شوكتهم كأَعداءَ عقائديين للوثنية التي هي دين تلك القبائل التي غضبت غضبًا شديدًا بسبب ظهور دعوة التوحيد التي جاء بها الإِسلام لتقام أَركانها على أَنقاض هذه الوثنية.
وبالجملة فقد كانت القيادة الإِسلامية العليا في المدينة (بالرغم من إحساسها إِحساسًا كاملًا بأَنها من الناحية العسكرية أَقوى مما كانت عليه قبل معركة الأَحزاب) تشعر بأَنها لا تزال محاطة بالأَخطار من الشمال والشرق والجنوب.
بالإضافة إلى الخطر الداخلي الذي لا يزال الكيان الإِسلامي الوليد يعاني منه الشيء الكبير .. وهو خطر المنافقين الذين يتربصون (داخل المجتمع الإسلامي) بالإِسلام والمسلمين الدوائر.
ولعل أَعظم خطر يخشاه المسلمون في تلك الفترة هو الخطر اليهودي الجاثم في خيبر على بعد مسافة لا تزيد على ٧٠ ميلًا من المدينة.
وهذا الخطر وإن لم يكن متمثلا في قيام هؤلاء اليهود بغزو المدينة. إذ أن ذلك بعيد الاحتمال. حيث أَن القيام بالغزو ليس من طبيعة
[ ٥ / ٧٩ ]
اليهود (طيلة وجودهم في جزيرة العرب) وإنما من طبيعتهم (كما وصفهم القرآن الكريم) القتال خلف جُدُرِ الحصون والقلاع والمستعمرات المحصنة (١).
وإِنما يتمثل هذا الخطر اليهودي (في الدرجة الأُولى) في أَن تعاود اليهود طبيعتهم في التحريض على المسلمين والسعي لحشد حشود جديدة هائلة من الأَعراب ليقوموا بحرب خاطفة شاملة ضد المسلمين لحساب هؤلاءِ اليهود تحت تأْثير الإِغراءِ بالعطايا الجزيلة والرشاوى الكبيرة.
ولهذا كان لا بد للمسلمين من القيام بعمل حاسم يتسم بالترويع والتخويف .. يكون فيه درس رادع لليهود وإنذار عملي بأَن هؤلاءِ اليهود (وخاصة زعماءُهم وكبار مجرميهم) لن يكونوا بمنأى عن تأْديب المسلمين وإنزالهم العقاب الصارم بهم جزاءَ تآمرهم حتى ولو كانوا في بروج مشيَّدة وحصون محصَّنة.
ولم يكن هذا العمل الجريء المتسم بطابع المغامرة إِلا قتل ملك اليهود وكبيرهم في قصره وعلى فراش نومه.
لأن ذلك يُعطي اليهود فكرة مجسَّدة عن قدرة المسلمين على المغامرة وعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله.
وفي ذلك إذا ما نجح (دونما شك) تمزيق لأَعصاب اليهود وجعْلهم يتصورون أَن المسلمين معهم أَينما كانوا وأَنهہم قادرون على قتلهم متى شاءُوا .. الأَمر الذي ينسخ من أَذهانهم فكرة السعي مرة أخرى لغزو
_________________
(١) جاء في القرآن الكريم إشارة إلى واقع هؤلاء اليهود: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ الحشر: ١٤.
[ ٥ / ٨٠ ]
المسلمين في المدينة .. ويجعلهم (فقط) يحصرون همُّهم واهتمامهم في التحصن وحماية أَنفسهم من هؤلاءِ المسلمين.
وهل هناك قوم يخيفون أَكثر من الذين يتمكنون من قتل أَكبر إنسان في قومه وهو في علياء حصنه وعلى فراشه بالسيف بالرغم من كثرة الأبواب الموصدة دونه والأَحراس المقامة عليه.
ذلك بعض ما هدف إليه الفدائيون الخمسة الذين اتجهوا من المدينة إلى خيبر خصيصًا لقتل سيدها اليهودي وكبير مجرميها وزعيم متآمريها على الإِسلام والمسلمين (سلَّام بن أَبي الحُقيق الملقَّب بأَبي رافع).
فللقيام بهذه المغامرة الخطيرة (وبعد استشارة النبي - ﷺ -) تحرّك من المدينة المنورة ناحية خيبر خمسة من الفدائيين الأَنصار وكلهم من الخزرج.
وهؤلاء الخمسة الفدائيون هم:
١ - عبد الله بن عتيك.
٢ - مسعود بن سنان.
٣ - عبد الله بن أَنيس.
٤ - الحارث بن ربعي أَبو قتادة.
٥ - خزاعي بن أَسود.
وقد أَسند النبي - ﷺ - قيادتهم إلى (عبد الله بن عتيك) لأن من عادة النبي - ﷺ - أن لا يسند القيام بأَي عمل إلى أَكثر من اثنين إلا وأَمَّر عليهم أَحدهم لتكون روح الانضباط سائدة ولئلا تجد الفوضى لها أيَّ منفذ.
[ ٥ / ٨١ ]
وبعد أَن تهيأ هؤلاء الفدائيون للتوجه إلى خيبر لإنقاذ مهمتهم الشاقة الخطيرة، زودّهم النبي الأَعظم - ﷺ - بوصاياه الإِنسانية النبيلة المعهودة التي يوصي بمثلها (دائمًا) كل من يريد الإِقدام على أَيِّ عمل حربي .. أَوصاهم بأن لا يقتلوا وليدًا ولا يعتدوا على امرأَة (١).
وبعد أَن تزوَّد هؤلاء الفدائيون الخمسة بتلك الوصايا الإِنسانية النبوية السامية التي لا تزال قاعدة يتبَّعها العالم المتمدن في الحروب العادلة تحرَّكوا من المدينة نحو منطقة خيبر.
وكان ذلك في أَواخر السنة السادسة للهجرة في شهر رمضان (٢).
الفدائيون في خيبر:
ولم تكن إلا عدة أيام حتى كان الفدائيون الخمسة في مدينة خيبر.
لقد كان دخول العرب إلى منطقة خيبر غير مستنكر لا سيما وأن أهلها (وخاصة أبا رافع المطلوب القضاء عليه) مرابون يقرضون الأعراب فروضًا ربوية تقوم عليها تجارة هؤلاء اليهود في خيبر بل في جميع أنحاء جزيرة العرب .. فالربا صفة تجارية ملازمة لليهود أينما حلّوا.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٧٤ طبعة الحلبي.
(٢) على ما حققه أبو محمد بن حزم في كتابه (جوامع السيرة) وعلى أساس أن غزوة الأحزاب وقريظة حدثتا في السنة الرابعة من الهجرة كما حققه أبو محمد واعتمدناه. في كتابنا (غزوة الأحزاب)، يرى ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ٩١ أن سرية عبد الله بن عتيك سنة ست من الهجرة.
[ ٥ / ٨٢ ]
تخفي الفدائيين بالنهار:
ولقد كان بإمكان عبد الله بن عتيك وفصيلته من الفدائيين أن يتجولوا في مدينة خيبر. بل وأن يدخلوا إلى حصونها ويتحدثوا إلى أهلها بحرية تامة وفي أي وقت أرادوا كما يفعل غيرهم من الأعراب المجاورين لخيبر وغير المجاورين الذين يعرفھم يهود خيبر أو لا يعرفونهم لأن اكتظاظ خيبر دائمًا بالأعراب شيء مألوف، لأنها سوقهم الرئيسية التي يبتاعون منها حاجاتهم الضرورية من المواد الغذائية كالتمر والبر والشعير والذرة وغير ذلك. إذ أن خيبر تعتبر من أعظم تلك المناطق إنتاجًا للحبوب والتمور. ولذلك يسميها العرب آن ذاك. (ريف الحجاز) غير أن الذي حال بين الفدائيين الخمسة وبين التجوال في مدينة خيبر والظهور فيها نهارًا. واضطرهم إلى الإختفاء بالنهار والتحرك. بالليل فقط، وتحاشي التحدث إلى أي يهودي أو الاجتماع به، هو أن جميع يهود بني النضير نساءًا ورجالًا والذين أصبحوا من سكان مدينة خيبر يعرفون هؤلاء الفدائيين الخمسة فردًا فردًا، وحتى أصواتهم سيعرفونهم بها لأنهم منذ خلقوا وهم يعيشون معهم في المدينة. ولم يمض على خروج يهود خيبر بني النضير من المدينة إلى خيبر إلا بضعة عشر شهرًا. ولو عرف يهود خيبر هؤلاء الفدائيين لاكتشفوا أمرهم ولألقوا عليهم القبض وقتلوهم في الحال.
لأنهم يعتبرون أَنفسهم في حالة حرب مع المسلمين. ولأنهم سيدركون أن هؤلاء الفدائيين (وهم أعداء ألداء اليهود). إما أن يكونوا جواسيس وإما أن يكونوا جاءُوا لقتل أحد من سادات اليهود.
ـ
[ ٥ / ٨٣ ]
اللغة العبرية:
غير أن هناك أمرًا ساعد قائد فصيلة الفدائيين على تخطى بعض هذه الصعاب الشديدة وهو أنه كان يجيد اللغة العبرية (لغة دينهم) كأهلها .. وكانت هذه اللغة بالنسبة للسواد الأعظم من يهود الجزيرة تعتبر لغة ثانوية إلى جانب اللغة العربية التي يجيدها السواد الأعظم من اليهود أكثر مما يجيدون اللغة العبرية (لغة دينهم) والتي لا يجيدها إلا الأحبار والزعماءُ والقادة.
ولقد ساعد إلمام عبد الله بن عتيك باللغة العبرية على تيسير مهمته، حيث يسَّر له الاختلاط ببعض يهود خيبر، ويحتمل أن عن طريق مخاطبتهم باللغة العبرية حصل على أهم المعلومات التي يتوقف تنفيذ خطة قتل (أبي رافع) على الحصول عليها.
الخطة .. والتنفيذ:
بعد الحصول على المعلومات الهامة التي يظهر أن الحصول عليها استغرق عدة أيام، شرع الفدائيون الخمسة في رسم الخطة للقضاء على رأس الغدر والخيانة والتآمر (أبي رافع سلام بن أبي الحقيق) حسب أوامر القيادة العليا في المدينة.
وكانت الخطة تتلخص فيما يلي حسب وصف جمهرة المؤرخين:
١ - على الفدائيين الخمسة أن يتسللوا ليلًا إلى داخل الحصن بطريقة يتم الاتفاق عليها.
٢ - عند نجاحهم في الدخول إلى الحصن عليهم أن يستولوا على
[ ٥ / ٨٤ ]
مقاليد أبواب الحصن التي كان قائد الفدائيين قد عرف أين توضع بعد قفل الأبواب.
٣ - بعد ذلك، عليهم الاختفاء في أماكن الدواب حتى يمضي من الليل أكثره فيسكن الناس وينام الحراس .. وينصرف من مجلس رافع سُمَّاره الذين يسامرونه من الزعماء كل ليلة.
٤ - في النصف الثاني من الليل، على الفدائيين أن يتحركوا في غلس الظلام نحو الممرات والدهاليز التي تؤدي إلى غرفة نوم (أبي رافع) على أن يكون ذلك بحذر شديد ويقظة متناهية.
٥ - عند اجتياز كل باب من أبواب دهاليز وممرات الحصن عليهم أن يقفلوا هذه الأبواب من الداخل على أنفسهم ويأخذوا المفاتيح بأيديهم.
٦ - بما أن تحركهم في الممرات نحو غرفة الطاغية سيكون آخر الليل حيث يكون جميع الحرس قد ناموا، فإن عليهم أن يقفلوا من الخارج باب كل غرفة (في حذر) على من فيها من الحرس والخدم، ويأخذوا الأقاليد (المفاتيح) معهم بعد القيام بكل هذه العمليات التي كان تنفيذها يكاد يكون من المستحيلات، لأنها من الصعوبة بمكان عظيم في زمن يشعر فيه اليهود بأنهم معرضون لأي خطر من قبل المسلمين الذين هم معهم في حالة حرب .
٧ - بعد قيام الفدائيين بهذه العمليات الصعبة التنفيذ .. عليهم أن يتجهوا بأسلحتهم المخفية داخل ثيابهم نحو غرفة الطاغية (أبي رافع سلام بن أبي الحقيق) التي عرفها قائد الفدائيين بالتحديد لدى
[ ٥ / ٨٥ ]
قيامه بالتحرِّي)، وذلك لتنفيذ المرحلة الأخيرة من الخطة وهي قتل الطاغية.
٨ - اتفقوا على أن يقتحموا غرفة الطاغية وهو على فراش نومه. ولدى اقتحام الغرفة ليس من حق أي من الفدائيين التحدث إلى كائن من كان. إلا قائد الفدائيين (ابن عتيك) فإن من حقه أن يتكلَّم بما تمليه الضرورة لأنه الوحيد الذي يجيد اللغة العبرية والتي يمكنه عن طريقها التمويه على اليهود. إذا ما اكتشف أمره وأمر فصيلته.
٩ - عليهم ألا يهيِّجوا أحدًا من يہهود الحصن. وأن لا يقتلوا أحدًا إلا في حالة الدفاع عن النفس لأن ذلك يفسد عليهم خطتهم ولأنهم لم يؤمروا إلا بقتل الطاغية (أبي رافع فقط).
١٠ - وكما هي أوامر النبي - ﷺ - عليهم أن لا يقتلوا امرأة أبي رافع التي أدخلوا في حسابهم أثناء وضع الخطة وجودها في حجرته وقيامها بمدافعتهم أو الصياح، وكل ما يجوز لهم فعله في حالة وجودها تهہديدها أو تكميم فمها (عند الفتك بأبي رافع) إذا اقتضت الضرورة ذلك.
هذه هي الخطوط العريضة للخطة التي رسمها الفدائيون الخمسة للتخلص من رأس الغدر والخيانة والتآمر أبي رافع.
لقد رسم الفدائيون هذه الخطة الجريئة. وعند رسمها لم يفكروا كيف يمكنهم العودة من قمة الحصن الذي ينام في عليته أبو رافع وكيف يمكنهم المرور بالدهاليز والممرات الطويلة والحجر المنتشرة على جوانبها والتي لن يصلوا إليها إلا وقد وصل خبر اغتيال الطاغية .. إن باقي اليهود
[ ٥ / ٨٦ ]
نعم لم يفكروا في العودة، لأن هدفهم هو تنفيذ أوامر قائدهم الأعلى النبي - ﷺ -، وإذا تمَّ تنفيذ الأمر فلا يهمهم بعد ذلك كيف تجئ نتائج هذا التنفيذ.
اختلاف المؤرخين:
ومع إجماع المؤرخين وأصحاب الحديث على أن الفدائيين الخمسة قد نجحوا في القضاء على طاغية يهود خيبر وهو على فراش نومه .. إلا أنهم اختلفوا في كيفية تنفيذ الخطة .. ومن هو الذي قام (شخصيًّا) بالقضاء على أبي رافع.
فأكثر أصحاب المغازي والسير وعلى رأسهم إمامهم (محمد بن إسحاق) يرون أن الفدائيين الخمسة كلهم اشتركوا (مع قائدهم عبد الله بن عتيك) في القضاء على الطاغية اليهودي، وأن الذي أثبت أبا رافع وقضى عليه هو (عبد الله بن أنيس).
وكل أصحاب الكتب الستة والسير (ما عدا الإمام البخاري) يتفقون مع ابن إسحاق في رأيه، إلا أن الإمام البخاري (مع اتفاقه مع أصحاب الكتب الستة وأصحاب السير في نجاح الفدائيين في مهمتهم)، يختلف معهم في أمرين اثنين (فقط) وهما:
١ - أنه روى أن قاتل (أبي رافع) هو قائد الفدائيين عبد الله بن عتيك، لا عبد الله بن أنيس.
٢ - لم يذكر أن بقية الفدائيين لم يدخلوا الحصن.
[ ٥ / ٨٧ ]
ونحن سنورد رواية ابن إسحاق التي عليها الجمهور، ثم نورد رواية البخاري، لأنها بحق أكثر تفصيلًا، وأدقّ في السياق عند وصف الحادث.
رواية ابن إسحاق
وخلاصة رواية ابن هشام عن ابن إسحاق هي أن قائد الفدائيين الخمسة لما وصل بهم خيبر دخل بهم دار (أبي رافع) ليلًا ولم يحدثنا كيف دخل هؤلاء الفدائيون.
إلا أنه قال: إنهم لم يدعوا بيتًا في الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان (أبو رافع) في عليَّة له لا يصل إليه إلا على عجلة (١) منصوبة له إليها، فأُسندوا فيها (٢) حتى قاموا على بابه فاستأذنوا عليه فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟
قالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة.
قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه.
فلما دخلوا عليه أغلقوا عليهم وعليها الباب تخوّفًا أن تكون دونه مجاولة (٣) تحول بينهم وبينه.
قال أحد الذين روى عنهم ابن إسحاق الحادثة: "غير أن امرأته
_________________
(١) العجلة: جذع النخلة ينقر فيه فيجعل كالسلم يصعد عليه.
(٢) أسندوا: علوا.
(٣) مجاولة: مدافعة ونحوها.
[ ٥ / ٨٨ ]
صاحت فنوَّهت بنا (١) وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا فوالله ما يدُلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية (٢) ملقاه.
قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع سيفه ثم يذكر نهى رسول الله - ﷺ - (٣) فيكفّ يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، أي لقتلناها.
قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: (قطني، قطني) أي: حسبي حسبي، قال فخرجنا، وكان عبد الله بن عتيك رجلًا سيء البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثبت يده وثبًا شديدًا - ويقال - رجله فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتي منهرًا (٤) من عيونهہم فندخل فيه.
قال: فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، قال: حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي بينهم.
قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟ .
قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس، قال فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح. تنظر في وجهه وتحدِّثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي وقلت: أنَّى ابن عتيك بهہذه البلاد؟ .
_________________
(١) نوهت بنا: رفعت صوتها تشتهر بنا.
(٢) القبطية: بضم القاف وكسرها نوع من الثياب البيض تصنع بمصر في تلك الأيام.
(٣) يعني وصية الرسول ﷺ التي أوصى بها الفدائيين ونهاهم عن قتل النساء والأطفال.
(٤) المنهر: مدخل الماء من خارج الحصن إلى داخله.
[ ٥ / ٨٩ ]
ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه، ثم قالت: فاظ (١) وإله يهود، فما سمعت من كلمة كانت ألذَّ إلى نفسي، ثم احتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله - ﷺ - فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله، كلنا يدَّعيه، فقال رسول الله - ﷺ -: هاتوا أسيافكم، قال: فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.
وفي رواية ابن سعد في الطبقات الكبرى: أن النبي - ﷺ - لما رأى الفدائيين عائدين إلى المدينة قال: أفلحت الوجوه! فقالوا: أفلح وجهك يا رسول الله.
رواية البخاري:
أما رواية الإمام البخاري والتي هي أكثر تفصيلًا وتناسقًا فهي كما يلي:
فقد ذكر في صحيحه في باب قتل أبي رافع (٢) أن الفدائيين لما وصلوا إلى خيبر أمرهم قائدهم عبد الله بن عتيك بالبقاء حيث هم كي ينطلق للقيام بالتحري قائلًا:
اجلسوا مكانكم، فإني منطلق لأنظر (أي أتحرَّى) قال ابن عتيك: فتلطفت أن أدخل الحصن، قال: ففقدوا حمارًا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه قال فخشيت أن أُعرف، قال: فغطيت رأسي ورجلي كأني أقضي حاجة .. ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل
_________________
(١) فاظ: أي مات.
(٢) صحيح البخاري ج ٥ ص ٢١٠ - ٢١٢.
[ ٥ / ٩٠ ]
أن أغلقه (وفي رواية فهتف به أي بابن عتيك - يا عبد الله (ناداه بذلك كما ينادي الشخص شخصًا لا يعرفه. وهو يظنه من أهل الحصن) إن تريد أن تدخل فادخل. فإني أريد أن أغلق الباب.
قال: فدخلت .. فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علَّق الأغاليق (١) على وتد. أما أنا فاختبأت في مربط حمار عند باب الحصن وكان أبو رافع يُسمَر عنده وكان في علاليّ له فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة قمت إلى الأقاليد (٢) فأخذتها ففتحت الباب .. قال: قلت: إن نذر (٣) بي القوم انطلقت على مهل.
قال: ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهرها وجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت على من داخل .. قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله (٤). فانتهيت إليه فإذا هو في بنيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت فقلت: يا رافع. قال: من هذا؟ .
قال: فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دَهِش (٥) فما أغنيت شيئًا (أي لم تصنع به الضربة شيئًا). وصاح. فخرجت من البيت غير بعيد (٦).
_________________
(١) الأغاليق: المفاتيح.
(٢) الأقاليد: المفاتيح أيضًا، وهي لغة عامة مشهورة في حضرموت.
(٣) نذر: بفتح أوله وكسر ثانيه - علم -.
(٤) انظر كيف لم يهتم بمصير حياته بقدر اهتمامه بتنفيذ أمر نبيه ﷺ.
(٥) دهش: (بفتح أوله وكسر ثانيه) متحير.
(٦) قال ابن برهان الدين في كتاب (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ٢٨٦ - وهو ينقل رواية البخاري هذه - إن امرأة أبي رافع قالت له: هذا صوت عبد الله بن عتيك، =
[ ٥ / ٩١ ]
ثم جئت كأني أغيثه. فقلت: (أي بالعبرية): ما لك؟ وغيَّرت صوتي.
فقال: لأُمك الويل. دخل عليَّ رجل فضربني بالسيف. قال: فعمدت له أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا: فصاح وقام أهله .. ثم جئت وغيَّرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه. ثم انكفى عليه حتى سمعت صوت العظم (بعد أن أخذ السيف في ظهره) فعرفت أني قتلته.
قال: فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا ثم خرجت دهشًا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل. فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل (١) فقلت: انطلقوا فبشِّروا رسول الله - ﷺ - فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية.
فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز (٢). فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي - ﷺ - فبشرته وحدَّثته، فقال لي: ابسط رجلك. فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط (٣). وقد علق الإمام ابن كثير في البداية والنهاية على
_________________
(١) = فقال لها زوجها: ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ وهذا يوافق (من حيث الأصل) ما جاء في سيرة ابن هشام وباقي الأمهات، من أن زوجة أبي رافع قد عرفت صوت قائد الفدائيين لأنها نشأت مع زوجها في المدينة، فليس مستغربًا أن تعرف صوت ابن عتيك بالرغم من أنه كان يتحدث (ساعة مخاطبة أبي رافع) باللغة العبرانية (لغة اليهود الدينية).
(٢) حجل: مشى على رجل واحدة.
(٣) منذ القدم تعد خيبر ضمن أقاليم الحجاز.
(٤) نقلنا هذا السياق من صحيح البخاري (اختيارًا) من روايتين متشابهتين: الأولى رواها البخاري عن يوسف بن موسى، والثانية عن أحمد بن عثمان .. صحيح البخاري ج ٥ ص ٢١٠ - ٢١٢ طبعة إدارة الطباعة المنيرية بمصر.
[ ٥ / ٩٢ ]
روايتي البخاري هذه بقوله: (تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة". ثم قال: (أي البخاري) قال الزهري: قال أُبي بن كعب: فقدموا على رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر فقال: أفلحت الوجوه، قال: (أي ابن عتيك): أفلح وجهك يا رسول الله، قال: أفتكتموه؟ قالوا: نعم، قال: ناولني السيف. فسلمه فقال: أجل، هذا طعامه في ذباب السيف (١).
ليس هناك تناقضًا:
قد يبدو (لأول وهلة) للقارئ، أن هناك تناقضًا بين رواية البخاري وبين رواية ابن إسحاق وبقية أصحاب الكتب الستة حول سياق قصة الفدائيين الخمسة.
غير أن الناظر بتأمل وتفحص يجد أن لا تناقض بين الروايتين. بل يجدانهما قد اتفقتا حول عناصر القصة الأساسية وأن ما يمكن اعتباره تباينًا بين الروايتين هو تصريح البخاري في روايته بأن قاتل (أبي رافع) هو قائد الفدائيين عبد الله بن عتيك. وقول ابن إسحاق وبقية أصحاب الكتب الستة: أن قاتله هو عبد الله بن أنيس، لا عبد الله بن عتيك.
وهذا إشكال يمكن حله بالقول أنه: يمكن أنه حصل التباس من الراوي، فأملى أن قاتل الطاغية هو عبد الله بن أنيس (كما هو عند ابن إسحاق) بدلًا من اسم عبد الله بن عتيك (كما هو عند البخاري). لا سيما وأن هناك تشابهًا كبيرًا بين الاسمين.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٣٩.
[ ٥ / ٩٣ ]
نقول هذا لأَننا نرجح رواية الإمام البخاري لاسيما وأَنها جاءت في صحيحه الذي هو أَصح كتاب بعد كتاب الله العزيز. وأَن أَسانيد بقية الروايات لا تصل إلى سند رواية البخاري من حيث القوة.
أَما ما جاء في صحيح البخاري من أَن ابن عتيك قال لبقية رجاله: أَبقوا مكانكم حتى أَنظر، فليس فيه ما ينفي اشتراكهم معه في العملية، إذ يحتمل أَنه بعد أَن نظر وقام بالاستكشاف رجع وأَخذهم معه كقائد مسؤول، وأَنه كان يتحدث باسان القائد الذي ينسب إليه فعل كل شيء حتى وإِن لم يكن هو الذي فعل كل شيء .. كما أن عدم ذكر دور بقية الفدائيين في رواية البخاري لا ينفي اشتراكهم. إذ يحتمل أَن يكونوا ظلوا كالحرس يحمون ظهر قائدهم حتى قام بالقضاءِ على أَبي رافع .. أَما قول ابن عتيك (في رواية البخاري) ثم أَتيت أَصحابي أحجل الخ. فلا ينفي أَيضًا اشتراكھهم مع قائدهم في العملية إذ لا يستبعد أَن يكونوا قد سبقوه فخرجوا قبله وتأَخر هو بسبب ما حدث له من كسر في رجله، ولأَن القائد عند الانسحاب عادة يكون آخر من ينسحب. بهذا يتضح أَنه لا تناقض ولا تباين يذكر بين الروايتين. كما قد يتسرب إلى بعض الأَذهان.
المطاردة:
وبعد أَن نجح الفدائيون في القضاء على (سلام بن أبي الحقيق) وعرب يهود خيبر حقيقة الخبر تأَكد لهم أن فدائيين من المسلمين هم الذين قضوا عليه. لا سيما بعد تصريح زوجته أَنها سمعت صوت عبد الله بن عتيك.
[ ٥ / ٩٤ ]
وقد جد اليهود في مطاردة الفدائيين بغية قتلهم أَو اعتقالهم فانتشر منهم ثلاثة آلاف يفتشون عن الفدائيين قبل طلوع الفجر ولكن دون جدوى، فبالرغم من أَن اليهود كانوا سريعين جدًّا في القيام بعمليات التفتيش، وبالرغم من أَن قوات اليهود كانت تقوم بهذا التفتيش، والفدائيين لمَّا يزالوا داخل خيبر، إلا أَن هذه القوات عجزت عن أَن تعثر على واحد منهم.
قال ابن سعد -يصف مطاردة اليهود الفدائيين الخمسة: وصاحت امرأَته فتصايح أَهل الدار واختبأَ القوم في بعض مناهر خيبر. وخرج الحارث أَبو زينب (١) في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران (أَي بالمشاعل في ظلام الليل) فلم يروهم، فرجعوا ومكث القوم (أَي الفدائيون) في مكانهم يومين حتى سكن الطلب ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة (٢).
-١٩ -
مقتل ملك اليهود الثاني في خيبر .. أَسيد بن زارم شوال سنة ست للهجرة
وبعد أَن لقى ملك خيبر الثاني (أَبو رافع) مصرعة على أَيدي الفدائيين في شهر رمضان من السنة السادسة للهجرة .. قامت يهود بتنصيب (أُسيد بن زارم) ملكًا على خيبر خلفًا لأَبي رافع.
_________________
(١) الحارث أبو زينب هذا فارس يهودي شجاع مشهور، كان أحد الفرسان، الذين قتلوا مبارزة أمام حصن مرحب. انظر كتابنا السادس (غزوة خيبر).
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٩١.
[ ٥ / ٩٥ ]
فجدُّ أُسَير، كسلفه أَبي رافع في مواصلة السعي لشن حملة أَحزاب جديدة على المسلمين في المدينة.
فلدي تنصيبه جمع سادات اليهود في خيبر وأَبلغهم بأَن لديه خطة لغزو المسلمين، لم يسبقه إليها أَحد من ملوك خيبر.
فقد قال لزعماء اليهود في خيبر: إني صانع بمحمد ما لم يصنعه أَصحابي.
فقالوا له: وما عسيت أَن تصنع؟
قال: أَسير في غَطفان فأَجمعهم بنفسي لحزبه.
فوافقوه قائلين: نعم ما رأَيت (١).
وفعلًا، غادر (أُسير بن زارم) خيبر لتنفيذ خطته العدوانية ضد المسلمين، فذهب إلى مناطق القبائل النجدية (غطفان وغيرها من القبائل المحيطة بالمدينة) وصار يتنقَّل بين مضارب البدو. ومخيمات العشائر الوثنية يحرِّضها على حرب رسول الله - ﷺ - ويجمعها لغزو المدينة.
وكان كسلفه (حيي بن أَخطب وسلَّام بن أَبي الحقيق) يستخدم المال الرشوة زعماءِ العشائر الوثنية أي ليحشدوا له أَكبر عدد ممكن من الرجال لحرب النبي - ﷺ - تمامًا كما فعل حُييُّ بن أَخطب وباقي زعماء خيبر عندما سعوا بين أَعراب نجد وعشائر الحجاز فجمعوا تلك الجيوش الجرارة التي جاءُوا يقودونها في شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة فأُندحروا ذلك الاندحار الشنيع كما هو مفصل في كتابنا (غزوة الأحزاب) وهو الكتاب الثالث من سلسلة (معارك الإِسلام الفاصلة).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٠٦ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٦٦.
[ ٥ / ٩٦ ]
الاستخبارات النبوية في خيبر:
ولم تكن المدينة غافلة عن التحركات المشبوهة التي يقوم بها اليهود في خيبر ضد المسلمين فقد جعلتهم أعمال الخيانة إلى قام بها اليهود في غزوة الأَحزاب على حذر دائم وتنبّه مستمر لكل حركة أَو سكنة تقوم بها الزعامة اليهودية في منطقة خيبر.
ولذلك فقد تبلَّغ النبي - ﷺ - من عيونه على اليهود نبأَ المشروع العدواني الذي أَخذ أُسير بن زارم (ماك خيبر الجديد) في الإعداد لتنفيذه ضد المسلمين.
وكان هذا كافيًا لقيام النبي - ﷺ - بقتل هذا اليهودي المتآمر الخطير .. إلا أَن النبي القائد - ﷺ - أحب التأَكد من هذه الأَنباء قبل الإقدام على أَى عمل كما هي عادته - ﷺ - في تحرِّي الأَمور وعدم التسرع في تصديق كل ما يصل إلى أذنه من أخبار.
عبد الله بن رواحة في خيبر:
فاستدعى ثلاثة من أَصحابه على رأْسهم عبد الله بن رواحة (١) أَمره - ﷺ - بأَن يذهب مع صاحبيه إلى خيبر المتحرّي عن الذي بلغه من اعتزام (أُسير بن زارم) تحشيد الأَعراب وقيادتهم لغزو النبي - ﷺ -، ومحاربته في المدينة.
فصدع عبد الله بن رواحة الأَمر وانطلق مع صاحبيه حتى دخلوا خيبر متنكرين، وبعد التحرّي والبحث وجدوا أَن الخبر كان صحيحًا كما بلغ النبي - ﷺ -.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٥ / ٩٧ ]
وهنا رأَى النبي - ﷺ - أَنه لا بد من القيام بعمل حاسم لدرء خطر هذا اليهودي الشرير، لئلا تتعرض المدينة لغزوة أَحزاب أُخرى قد يصعب على المسلمين النجاة من أَهوالها.
لذلك استدعى ثلاثين من أَصحابه وأَعطى قيادتهم لعبد الله بن رواحة، وأَمره بأَن يتوجه برجاله إلى خيبر، وأَن يتصل أَولًا (بأُسير بن زارم) ويحاول بالطرق السامية إقناعه بالتخلي عن فكرة الحشد ومحاربة المسلمين وأن يجنح للسلم والتفاوض مع النبي - ﷺ -.
ففي أَوائل شهر شوال من تلك السنة تحرك عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا نحو خيبر وحتي إذا ما وصلوا مشاوفها بعث الأَمير عبد الله بن رواحة إلى ملكها (أُسَير) بضم أَوله وفتح ثانيه: بأَنه يرغب في مفاوضته ويطلب منه الأَمان والسماح له ولرجاله بدخول خيبر قائلًا: (نحن آمنون - نعرض عليك - ما جئنا له؟) فوافق (أُسَير) على طلبهم قائلًا: نعم، ولي منكم مثل ذلك، فقالوا: نعم (١).
وبعد أَن وثق كل من الفريقين بأَمان الآخر، دخل عبد الله بن رواحة برجاله مدينة خيبر ولدى اجتماعه بملكها (أُسَير بن زارم) أَبلغه بأَنه يحمل إليه رسالة شفوية من النبي - ﷺ -.
وكانت الرسالة تتضمن دعوة ملك اليهود (أُسير) الذهاب إلى المدينة ليقابل النبي - ﷺ - بنفسه لينهوا حالة الحرب القائمة بين الفريقين على أَن يبقيه النبي - ﷺ - أَميرًا على خيبر حيث قال له ابن رواحة: يا أُسير إن رسول الله - ﷺ - بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك (٢).
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٩٢.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٦١٨ والحلبية ج ٢ ص ٣٠٦.
[ ٥ / ٩٨ ]
خروج ملك خيبر إلى المدينة:
ولدى عرض هذه الدعوة على ملك خيبر طلب من المبعوث النبوي إعطاءَه مهلة للتشاور مع بقية زعماء خيبر.
ولدى اجتماع (أُسير) ببقية الزعماء اليهود أَخبرهم بفحوى الدعوة النبوية له إلى المدينة، وطلب استشارتهم، فأَشاروا عليه بأَن لا يجيب هذه الدعوة وأَن لا يذهب إلى المدينة قائلين: ما كان محمد ليستعمل رجلًا من بني إسرائيل.
ولكن (أُسيرًا) خالفهم في رأْيهم وقرر الذهاب إِلى المدينة لمقابلة النبي - ﷺ - كما دعاہهـ قائلًا: بلى لقد ملّ (محمد) الحرب.
ولما كان أُسير بن زارم ملكًا، فلم يعترض باقي زعماءُ خيبر على قراره، فخرج في ثلاثين من خلصاء أَصحابه بصحبة عبد الله بن رواحة وقومه.
وقد أَردف كل رجل من أَصحاب عبد الله بن رواحة رجلًا من أَصحاب (أُسير بن زارم) وكان سيد خيبر (أُسير) رديف عبد الله بن أَنيس (١) وكان أُسير بن زارم رجلًا شجاعًا (٢).
ك يف قتل ملك خيبر:
لقد كان عبد الله بن رواحة وأَصحابه أمناء في أَداء رسالة النبي - ﷺ - إلى ملك خيبر (أُسير بن زارم) وصادقين فيما أَعطوا من عهد
_________________
(١) انظر ترجمة عبد الله بن أنيس في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٦٦.
[ ٥ / ٩٩ ]
بالأَمان لملك خيبر وأَصحابه، ولم تراودهم أَية فكرة عن قتل هؤلاء اليهود أَثناءَ الطريق، لأَن الغدر جريمة كبرى حرَّمها الإِسلام وخاصة بمن أعطى عهدًا وأَمانًا.
حاولوا الغدر فقتلوا:
غير أن طبيعة الغدر المتأَصلة في اليهود جعلت عبد الله بن رواحة وأَصحابه يكونون على حذر دائم من غدرهم.
ولهذا جعل كل رجل من أَصحاب ابن رواحة رجلًا من أَصحاب ابن (زارم) رديفًا خلفة.
وبينما كانوا سائرين في اتجاه المدينة حاول اليهود الغدر بالمسلمين، فقد أَهوى أُسير بن زارم بيده إلى سيف عبد الله بن أَنيس ليقتله، إلا أَنه كان أَسرع منه إذ فطن لذلك، فانتزع السيف من يده وقتله، ثم دارت معركة بين بقية الركب تمكن فيها المسلمون من القضاء على ابن زارم وجماعته ما عدا رجلًا واحدًا تمكن من الفرار.
[ ٥ / ١٠٠ ]
الفصل الثاني
* رسوخ جذور الإسلام في جزيرة العرب.
* قوة المسلمين وقدرتها على الصمود والردع.
* النبي يستنفر أصحابه لزيارة الكعبة بعد حرمان دام ست سنوات.
* استجابة المؤمنين للنبي .. وتخاذل المنافقين والأعراب عنه.
* الخطر المحدق بالرحلة.
* النبي يبلغ قريشًا (رسميًّا) أن خروجه ليس للحرب وإنما للعمرة.
* قريش تغضب وتقرر صد المسلمين عن البيت بقوة السلاح.
* ثمانية آلاف مقاتل تخرج من مكة لاعتراض المسلمين ومنعهم من دخول الحرم.
* النبي ﷺ يعلن أسفه لاتخاذ قريش قرارها الغاشم.
* خالد بن الوليد يسد الطريق على المسلمين بفرسانه.
* النبي يغير اتجاه سيره نحو الحديبية لئلا يصطدم بفرسان خالد.
* النبي يعسكر في الحديبية (خارج الحرم) في انتظار فرصة يتحقق فيها السلام.
* إعلان الرسول ﷺ استعداده لقبول أية خطة تعرضها قريش فيها صون للحرم عن سفك الدم.
* قريش ترفض ثلاثة عروض عرضها النبي وهو في الحديبية.
* أربعة وسطاء يفشلون في حل الأزمة المعقدة.
* الانشقاق الخطير في معسكر قريش.
[ ٥ / ١٠١ ]
* سيد الأحابيش، حليف قريش الأكبر ينتقد موقفها ويهدد بالغاء الحلف إن لم تسمح للمسلمين بزيارة البيت.
* عروة بن مسعود الثقفي يترك معسكر حلفائه القرشيين احتجاجًا على صدهم المسلمين.
***
لقد ظل النبي - ﷺ - يدعو قومه في مكة (بالطرق السلمية) طيلة ثلاث عشرة سنة، لقى فيها وأَصحابه من قريش شتى أَنواع المضايقة والإِرهاب والتنكيل إِلى درجة بلغ فيها الطغيان بقريش إلى تعذيب المستضعفين تعذيبًا وحشيًّا، فقد البعض منهم أَرواحهم تحت وطأَته الشديدة، لا لشيء إِلا أَنهم اختاروا على دين الوثنية دين التوحيد فاتبعوه واتبعوا حامل لواءِ دعوته.
بل لقد لجت قريش في بغيها وعدوانها حتى بلغ بها العناد والطغيان إلى أَن دبَّرت مؤامرة دنيئة تستهدف حياة النبي الأَعظم - ﷺ -، وذلك في أَواخر السنة الثالثة عشرة من بدء حمل النبي - ﷺ - لواءَ الدعوة إلى التوحيد، فاتفق ساداتها ونواب عشائرها (بالإِجماع) في برلمانهم الوثني بمكة (دار الندوة) على قتل النبي - ﷺ - إعتقادًا منهم أَن دعوة التوحيد التي رسخت جذورها في نفوس المؤمنين بها داخل مكة وخارجها ستموت بموته.
إلا أَن الله ﷾ نجَّى رسوله من شَرِّ هذه المؤامره الخطيرة فتمكن (هو وصاحبه الصدِّيق الأَكبر) من مغادرة مكة في الليلة التي اتفق فيها المشركون على تنفيذ المؤامرة (١).
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه المؤامرة وقصة الهجرة الشيقة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى) الطبعة الرابعة.
[ ٥ / ١٠٢ ]
كما غادر مكة (قبله وبعده) الأَغلبية الساحقة من الأَصحاب الذين آمنوا بدعوته واجتمع شمل الجميع هناك في دار الهجرة (المدينة المنوّرة).
وما كانت قريش ترغب في أَن يغادر النبي - ﷺ - مكة إلى المدينة، بل إنها لتخشى ذلك أَشدَّ الخشية، لذلك قررت في برلمانها قتله - ﷺ -. لأَن وصوله إلى المدينة سالمًا معناه بناءِ أُمَّة جديدة هناك قد يقودها هذا الذي تمكنَّ من الإِفلات من سيوف الشرك للإِطاحة بالكيان الوثني داخل مكة مقر كرسي كهنوت الوثنية الرئيسي.
ولكن ما حيلة قريش، فقد وقع الذي تخشاه، حيث وصل النبي - ﷺ - إلى المدينة سالمًا فاستقبل أَعظم استقبال عرفته المدينة في تاريخها.
حروب فاشلة:
لم تتم قريش ولم تستكن بعد هجرة النبي - ﷺ - وأَصحابه إلى المدينة، لا سيا بعد أَن أَصبحت المدينة الحاضرة الأَولى لدولة إِسلامية انضوى تحت لواءِها الأَغلبية الساحقة من سكان يثرب.
لقد ظلت الرغبة الشريرة المتأَججة في نفوس مشركي مكة تضغط عليهم بشكل عنيف (هو أَقرب إلى الجنون) ليسيروا في طريق بغيهم وعدوانهم على المسلمين وظلمهم لهم.
وأول قرار غاشم ظالم اتخذه برلمان مكة (دار الندوة) هو ذلك القرار الذي أَعلنوا فيه أَنهم يعتبرون المسلمين أَعداء محاربين يجب قتلهم أَينما وجدوا.
كما اتخذ المشركون قرارًا غاشمًا آخر يقضي بمنع المسلمين (دون سائر العرب) من دخول الحرم.
[ ٥ / ١٠٣ ]
ونتيجة تنفيذ هذا القرار، ظل المسلمون في المدينة (طيلة ست سنوات) محرومين من دخول الحرم ممنوعيين من الطواف بالبيت الذي يتحرقون شوقًا إلى زيارته.
ولم تكتف قريش بذلك، بل رغبة منها في هدم الإسلام ومحو آثاره من الوجود سلكت كل سبيل تقدر على سلوكهـ لقتل النبي - ﷺ -، وهو في المدينة .. فدبرت عدة مؤامرات لاغتياله، ولكن هذه المؤامرات كلها فشلت كما هو مفصَّل في غير هذا المكان من هذا الكتاب ومن كتبنا الأربعة السابقة له ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة).
الحرب الشاملة:
بل لقد ألح الحقد الوثني المتأجج في نفوس مشركي مكة .. ألحَّ هذا الحقد العارم عليها القيام بحروب شاملة وغزوات منظمة لخضد شوكة المسلمين وقطع تيار دعوة التوحيد إلى الأبد.
فقامت بعدة حملات عسكرية قوية ضدّ المسلمين، وصلت ببعضها إلى أسوار المدينة (حاضرة الإسلام الأولى) التي كادت تسقط (فعلًا) في أيدي المشركين.
ولعل أعظم هذه الحملات العسكرية العدوانية وأخطرها هي الحملات المشهورة الثلاث:
١ - حملة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة.
٢ - حملة أُحد .. في السنة الثالثة من الهجرة.
٣ - حملة الأحزاب .. في السنة الرابعة من الهجرة.
[ ٥ / ١٠٤ ]
غير أن قريشًا (بالرغم من تفوقها الساحق في كل شيء مادي) فشلت في كل حملاتها العسكرية الكبرى الثلاث.
ففي الأولى (وهي حملة بدر الكبرى) أنزل المعسكر الإسلامي (ولأول مرة في التاريخ) أشنع هزيمة تمرّغت فيها سمعة قريش العسكرية في الوحل حينما جاءت (باغية ظالمة معتدية) تقصد خضد شوكة المسلمين .. فقتل في هذه المعركة سبعون من ساداتها وقادتها، ووقع في أسر المسلمين سبعون مثله وفرَّ الباقون منهزمين شتتتهم الهزيمة في وهاد ووديان تهامة كما تشتت العاصفة الورق اليابس.
أما الحملة العسكرية الثانية وهي (غزوة أُحد) التي نقلت بها قريش المعركة إلى ضواحي حاضرة الإسلام (المدينة)، فقد فشل القائمون بها في تحقيق شيء من أهدافهم الرئيسية التي من أجل تحقيقها شنّوا هذا العدوان، بالرغم من الإعداد الكامل والتحضير المنظم الذي سبق هذه الحملة التاريخية.
فقد عادت قريش من هذه المعركة وكل مكسبها سبعون قتيلًا من المسلمين استشهدوا في هذه المعركة مقابل ستة وعشرين قتلوا من الجانب القرشي.
أما الحملة الثالثة وهي غزوة الأحزاب (والتي تعتبر أعظم غزو يتعرّض له المسلمون في تاريخهم أثناء العهد النبوي)، فقد كانت آخر سهم في كنانة آمال قريش، يتحطم على صخرة المقاومة الإسلامية الصلبة.
إذ كانت هذه الحملة العظيمة آخر حملة عسكرية تشنها قريش على المسلمين في تاريخها، فقد اندحرت وأحلافها النجديون في هذه
[ ٥ / ١٠٥ ]
الحملة اندحارًا مهينًا فاضحًا، بعد حصار دام على المدينة شهرًا كاملًا. إذ عادت قريش وأحلافها من هذه الغزوة دون أن يحققوا أي شيء من الأهداف التي حشدوا لها تلك الحشود الهائلة، اللهم إلا إيقاع يهود بني قريظة وتعريضهم للإبادة على أيدي المسلمين بعد أن أغواهم قادة الأحزاب بالغدر بالمسلمين ونقض العهد الذي بينهم (١).
رسوخ جذور الإسلام:
لقد كانت قريش تهدف من وراء تجريد تلك الحملات العسكرية الكبرى (وخاصة حملة الأحزاب) محو كيان المسلمين واقتلاع جذور الإسلام نهائيًّا.
ولكن العكس هو الذي حدث (وخاصة بعد اندحار قريش وأحلافها في غزوة الأحزاب).
فبعد هذا الاندحار الشنيع الذي انكسر به العمود الفقري للآمال القرشية العريضة، ازدادت قواعد الدولة الإسلامية صلابة وقوة، وأخذ الإسلام يضرب بجذوره وينشر ظلاله في الجزيرة بسرعة هائلة وبشكل لم يسبق له مثيل.
وأصبح المسلمون (بعد فشل الأحزاب في غزوهم وبعد إنزال الضربة الصاعقة بخونة يهود بني قريظة) قوة ضاربة يخشاها كل أعداء الإسلام ولا تخشى أحدًا، وخاصة العناصر العربية الوثنية.
_________________
(١) انظر أوسع التفاصيل عن هذه الحملات العسكرية التاريخية الثلاث في كتبنا (غزوة بدر الكبرى) و(غزوة أحد) و(غزوة الأحزاب) و(غزوة بني قريظة).
[ ٥ / ١٠٦ ]
بهہود خيبر فقط:
والقوة الوحيدة التي ظل المسلمون يحسبون لها حسابًا هي قوة اليهود الموجودين في منطقة خيبر، الواقعة إلى الشمال الشرق من المدينة، وعلى بعد حوالي ثمانين ميلًا منها.
فقد كان في خيبر حوالي عشرة آلاف مقاتل من اليهود يتربصون بالمسلمين الدوائر ويحاولون بكل الوسائل (وفي جهد مضني الإطاحة بهم).
إلا أن المسلمين (قبل الحديبية) ألقوا عليهم دروسًا أشعرتهم بأن المسلمين أصبحوا قوة لا تقهر، وخاصة بعد أن تمكن الفدائيون من هؤلاء المسلمين من قتل ملكين من ملوك خيبر الواحد بعد الآخر، داخل منطقة خيبر نفسها، وهما: (أبو رافع سلَّام بن أبي الحُقيق)، (وأُسير بن زارم). وقد تقدم تفصيل الطريقة التي بها تمَّ القضاء على هذين الملكين الذين بتمكن الفدائيين المسلمين من القضاء عليهما انهارت معنويات اليهود وانخفضت نسبة اعتزازهم بأنفسهم واعتدادهم بقوتهم التي هي بالفعل قوة ضاربة إذا ما قورنت بقوة المسلمين من ناحية العدد، حيث أن قوة المسلمين في المدينة لا تزيد على ألفي مقاتل على أكثر تقدير .. بينما قوة اليهود في خيبر هي لا تقل عن عشرة آلاف مقاتل على أقل تقدير.
ومع ذلك فقد خالط الخوف نفوسهم واستولى الرعب على قلوبهم بعد مصرع ملكيهم على أيدي الفدائيين داخل خيبر، وتلاشت من أذهانهم فكرة غزو المدينة التي كانت تراود أحلامهم .. وأصبحوا فقط محصورًا همهم في الدفاع عن أنفسهم داخل حصونهم ومعاقلهم التي لم يعد لديهم أدنى شك في أن المسلمين سيشنون الغارة لاحتلالها وإنهاء الوجود اليهودي عند مواتاة الظروف وتهيؤ الفرص.
[ ٥ / ١٠٧ ]
الخروج للعمرة:
ويظهر أن المسلمين أدركوا ما عليه اليهود من خوف ورعب منهم، وأنهم أصبحوا في حالة من الانهيار المعنوي، بحيث يستحيل عليهم التحرك من خيبر لغزو المدينة حتى ولو غادرها أكثر المحاربين المسلمين إلى أية جهة أرادوا.
ولذلك وبعد أن أصبح المسلمون في ذلك المركز العسكري الممتاز وأصبحوا قوة فرضت هيبتها على كل منطقة يثرب وكل المناطق المجاورة لها بعد الانتصارات الساحقة التي سجلتها على قوات الأحزاب الضاربة، وعلى خونة يهود بني قريظة بتلك التصفية الدموية العادلة الحاسمة وبعد أن بثت الرعب وأشاعت الخوف بين عناصر يهود خيبر .. قرروا (على ما في ذلك من تحدّ لمعسكر الشرك الحانق في مكة) أن يقوموا بزيارة البيت الحرام .. مطلب ظلوا عاجزين عن تحقيقه طيلة خمس سنوات كاملة لبطر وتعنُّت المشركين في مكة الذين كانت لهم الصولة والدولة طيلة هذه المدة.
لقد كان العرف المتبع والقانون السائد -غير المكتوب- بين العرب منذ آلاف السنين أن زيارة البيت العتيق والطواف به حق مشاع لجميع العرب مهما تباينت آراؤهم واختلفت مذاهبهم في العبادة .. لا يجوز لقريش سادنة البيت والمسؤولة عن الأمن في الحرم أن تحول بين أيِّ إنسان وبين دخول الحرم لزيارة البيت وباقي المشاعر التي درج العرب على زيارتها منذ عهد الخليل إبراهيم - ﵇ -.
ولكن قريشًا (وهي الحاكمة بأمرها في مكة) بلغ بها البغي والشطط إلى منع المسلمين (خاصة) من زيارة البيت وباقي المشاعر، وهدر دمائهم وإباحة سفكها حتى ولو وُجِدوا مُهلِّلين ملبين داخل الحرم.
[ ٥ / ١٠٨ ]
لقد صبر المسلمون وامتنعوا عن الذهاب إلى مكة طيلة هذه الخمس السنوات، والسبب في ذلك أنهم كانوا (من الناحية العسكرية) في مركز لا يمكنهم من مباشرة حقهم الشرعي من الطواف بالبيت واقتحام مكة عنوة لمباشرة هذا الحق المشروع إذا ما حاولت قريش منعهم من مباشرته بالقوة.
أما وقد أصبحوا قوة لها وزنها قادرة على مباشرة هذا الحق ولو عن طريق اقتحام مكة عنوة، فلا بد لهم من التوجه إلى مكة لأداء نسك العمرة الذي حرموا منه (بغيًا وعدوانًا) طيلة خمس سنوات كاملة.
لذلك أعلن النبي - ﷺ - في الحاضرة والبادية أنه قرر التوجه إلى مكة، وأعلن صراحة أنه لا يريد دخول مكة غازيًا وإنما معتمرًا مسالمًا .. وأرسل إلى قريش ممن يبلغها ذلك لئلا تظن أنه جاء محاربًا.
الاستعداد للطواريء:
ولكنه - ﷺ - مع نواياه السلمية وتجرُّده الكامل في هذه الرحلة للنسك أدخل في حسابه أن قريشًا قد تحاربه وتصده عن البيت بقوة السلاح، فقرر أن يحتاط لهذا الاحتمال الذي لا يستبعد حدوثه والذي أقدمت عليه قريش الشرك بالفعل.
فقد استنفر المسلمين حاضرة وبادية ليصاحبوه فيه هذه الرحلة التي هي دونما شك رحلة محفوفة بالأخطار .. لأنه لم يكن بينه وبين قريش (عدوه الرئيسي) أي عهد أو صلح، بل كانت الحالة بين الفريقين حالة حرب مُعلنة.
[ ٥ / ١٠٩ ]
تثبيط المنافقين:
وبالرغم من كثرة المنتسبين إلى الإسلام في الحاضرة والبادية في تلك الفترة، فإنه لم يستجب لدعوة الإستنفار هذه إلا الخلصاء المؤمنون الصادقون من أصحابه - ﷺ -.
أما المنافقون من أهل المدينة، وضعاف الإيمان من الأعراب الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فقد تخاذلوا وقرروا عدم مرافقة النبي - ﷺ - في هذه الرحلة التاريخية. لأنه رسخ في نفوسهم المريضة أن مشركي مكة سيحولون دون دخول النبي - ﷺ - ومن معه مكة بالقوة ومعنى ذلك أن المسلمين ونبيهم سيضطرون لخوض حرب ضروس بعيدين عن بلادهم. فهي إذن رحلة محفوفة بالأخطار الجسام، والمنافقون ليس لديهم أي رصيد من الإيمان يجعلهم يستهينون بهذه الأخطار في سبيل مرضاة الله.
لذلك تثاقلوا وتخلفوا عن ركب الإيمان متعللين بشتى الأعذار الكاذبة من ذلك أن انشغالهم بأهليهم وأموالهم، لا يسمح لهم بمصاحبة النبي - ﷺ - في هذه الرحلة.
بينما الباعث الحقيقي لهذه الانهزامية والتثاقل هو ما رسخ في نفوسهم الضعيفة، من أن المسلمين سيخوضون حربًا ضروسًا مع قريش، وأنهم قد لا يعودون سالمين إلى المدينة، هكذا ظنوا. بل هكذا كانوا يتهامسون فيما بينهم، قائلين: (أنذهب إلى قوم قد غزره في عُقْرِ داره بالمدينة وقتلوا أصحابه (١)، ولكنهم تظاهروا بأنهم مشغولون بأهليهم وأموالهم واعتذروا بذلك.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٣٢.
[ ٥ / ١١٠ ]
القرآن يفضحهم:
غير أن ضعاف النفوس هؤلاء، قد فضحهم القرآن الكريم فيما بعد وكشف لنبيه ولكل الناس حقيقة أمرهم فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١).
وقال تعالى كاشفًا ما يعتقده هؤلاء المنافقون من أن المسلمين سيبادون في رحلتهم هذه عن بكرة أبيهم على أيدي قريش: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (٢).
الصفوة المختارة:
غير أن هذه الإنهزامية التي قعدت بالمنافقين وجعلتهم يثبِّطون عزائم ضعاف النفوس ليمتنعوا عن مرافقة النبي الأعظم - ﷺ - في هذه الرحلة السلمية التاريخية .. هذه الانهزامية لم يكن لها أي أثر على عزائم الصفوة المختارة من أصحاب محمد - ﷺ - الذين لم يكادوا يسمعون صوت الاستنفار الذي وجهه النبي - ﷺ - للانضمام إلى ركبه المبارك للتوجه إلى مكة حتى تسابقوا فرحين مستبشرين ملبِّين نداء نبيهم العظيم، مستهينين بما يهوِّله المنافقون من أخطار جسام قد تحف
_________________
(١) سورة الفتح ١١.
(٢) سورة الفتح ١٢.
[ ٥ / ١١١ ]
(من جانب قريش) بهذه الرحلة التي تحمل كل معاني التحدي لقريش وكبريائها الوثني.
لأن هذه الصفوة المختارة واثقة كل الثقة من أن سعادتها في الدنيا وفلاحها في الآخرة إنما هو في طاعة أوامر نبيها الذي لا يمكن أن يدعوها إلا إلى خير.
فقد التف حول النبي - ﷺ - ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار تهيئوا معه للخروج إلى مكة.
وبعد أن تجهزوا للسفر خرج بهم - ﷺ - من المدينة في اتجاه مكة وكان بينهم مائتا فارس. وعندما وصل ذا الحليفة (١) (في ضواحي المدينة) أحرم بالعمرة وأعلن ذلك ليعلم الناس جميعًا أنه لم يخرج للحرب وإنما خرج لزيارة البيت وأداء مناسك العمرة .. وقد أحرم معه عامة أصحابه ﵃.
أمير على المدينة:
وكما عادته (عندما يعتزم الغياب عن المدينة في غزو أو غيره) أصدر مرسومًا عيّن بموجبه نُميلة بن عبد الله الليثي (٢) محافظًا على المدينة
_________________
(١) ذو الحليفة (بضم الحاء) إحدى ضواحي المدينة، تقع على بعد حوالي عشرة أميال منها، وتسمى ذو الحليفة اليوم: بأبيار علي.
(٢) هو نميلة بن عبد الله بن فقيم الليثي، من قبيلة كلب اليمنية الواقعة ديارها في شمال شرقي الجزيرة .. صحابي شجاع، شهد نميلة فتح مكة، وكان ضمن فرقة خالد بن الوليد عند دخول مكة، ونميلة هو الذي قتل مقيس بن صابة الذي كان ضمن من أهدر النبي ﷺ دمهم فأمر بقتلهم حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة استعمل النبي ﷺ نميلة واليًا على خيبر بعد فتحها.
[ ٥ / ١١٢ ]
يصرِّف أمورها نيابة عنه حتى عودته، كما عيَّن ابن أمُّ مكتوم (١) على الصلاة يؤم المسلمين نيابة عنه حتى يعود.
حمل السلاح:
وفي ذي الحليفة أشار عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة على رسول الله - ﷺ - أن يسلِّح أصحابه التسليح الكامل، استعدادًا للطوارئ، لأنه لا يستبعد أن تشن قريش الحرب على المسلمين .. وما يمنعها من ذلك - إذا ما قدرت عليه؟ - أليست في حالة حرب معهم؟ .
فقد قال ابن الخطاب: تدخل على قوم هم لك حرب، بغير سلاح ولا كراع؟ فعمل النبي - ﷺ - بنصيحة عمر، فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها كراعًا ولا سلاحًا إلا حمله.
علامات النسك لا الحرب:
وساق معه - ﷺ - سبعين بدنة (٢) هديًا أشعرها (٣) وقلدها ليعلم الناس أنهہاهَدْي فيكفوا.
_________________
(١) انظر ترجمة ابن أم مكتوم في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) البدنة -بفتح أوله وثانيه-: من الإبل والبقر كالأضحية تهدى إلى مكة. قاله في القاموس المحيط.
(٣) أشعرها: أي أعلمها، قال في النهاية في غريب الحديث: إشهار البدن هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها. ويجعل ذلك علامة تعرف بها أنها هدي.
[ ٥ / ١١٣ ]
شاري بدن رسول الله:
وعندما قرر النبي - ﷺ - القيام بالعمرة طلب من بُسْر بن سفيان الكعبي ثم الخزاعي (١) أن يشتري له بُدْنًا لتكون هدية إلى الكعبة في عمرته حيث قال لبسر (الذي كان قدم مسلمًا عليه): يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنَّا إن شاء الله معتمرون، فأقام بسر في المدينة .. ثم أمره النبي - ﷺ - أن يبتاع له بدنًا. فذهب إلى البادية وأخذ يبتاع البدن ويبعث بها إلى ذي الجدُر لترعى هناك، وكانت ذو الجدر من مسارح المدينة التي ترعاها اللقاح.
وعندما أكمل بسر بن سفيان شراءَ البُدن التي بلغت سبعين بَدَنة حضر بها إلى المدينة، وذلك بعد أن تهيأَ النبي - ﷺ - وأصحابه للخروج منها معتمرين.
ناجية بن جندب على الهدي:
وعندما تهيأَ النبي للخروج من المدينة استعمل على هَدْيه ناجية بن جندب الأسلمي وأَمره أن يقدمها إلى ذي الخليفة.
وخرج النبي - ﷺ - وأصحابه من المدينة وهم لا يشكُّون في الفتح للرؤيا اليت رأى النبي - ﷺ -.
_________________
(١) هو بسر (بضم أوله وسكون ثانيه) ابن سفيان بن عمرو بن عمرو الخزاعي، من سادات خزاعة وزعمائها يضاهي بديل بن ورقاء في زعامته، قال ابن عبد البر أسلم سنة ست. وبسر هذا هو الذي لقى النبي ﷺ بذي طوى بالقرب من مكة (على ما ذكره ابن إسحاق) وقال له: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم.
[ ٥ / ١١٤ ]
هدي الموسرين من الصحابة:
وساق الموسرون من الصحابة (أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن عبادة) معهم هديًا خاصًّا بهم.
تاريخ الخروج للعمرة:
وكان خروج النبي - ﷺ - من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة سبع من الهجرة، وكان - ﷺ - قد اغتسل في بنيته بالمدينة ولبس ثوبين من نسيج صحار وركب راحلته القَصْواء من عند بابه، وما زال يسير بالمسلمين حتى وصل بهم (ذي الحليفة) وهناك توقف وصلَّى بهم الظهر، ثم دعا بالبُدْن فجلَّلت ثم أشعر بنفسه منها عدة وهن موجهات إلى القبلة، وكان بين البُدْن جمل أَبي جهل بن هشام، وكان من الجمال المهرية الأصيلة المشهورة، غنمه النبي - ﷺ - ببدر، فساقه مع الهدي إغاظة للمشركين.
الإحرام بالعمرة:
ومن ذي الحليفة أحرم النبي - ﷺ - بالعمرة، حيث دعا براحلته فركبها من باب المسجد، فلما انبعثت به مستقبلة القبلة أحرم ولبى بأربع كلمات: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأحرم عامة المسلمين بإحرامه، ومنهم من لم يحرم إلَّا من الجحفة - بالقرب من رابغ.
[ ٥ / ١١٥ ]
النساء المعتمرات:
وخرج مع النبي - ﷺ - في هذه العمرة أربع نساءٍ، واحدة من نسائه وهي أُمُّ سلمة (١) وثلاث أنصاريات وهن: أُم عمارة وأُم منيع وأُم عامر.
والمنافقون أيضًا:
كما صاحبه في هذه الرحلة التاريخية أيضًا اثنان من كبار المنافقين وهما عبد الله بن أُبي بن سَلول (٢) والجد بن قيس (٣)، وذلك بالرغم من أن أكثرية المنافقين لم يخرجوا، ولا شك أن ابن أُبيّ والجد بن قيس لم يخرجا بدافع الإيمان، وإنما لدوافع قد يكون منها محاولة إثارة الفتنة والتشكيك بين المسلمين في هذه الرحلة إن أمكنهم ذلك، كما حدث وأن خرجوا في غزوة بني المصطلق، وأثاروا نيران تلك الفتنة اللاهبة التي كادت تشعل نيران حرب أهلية لا تبقى ولا تذر (٤).
_________________
(١) انظر ترجمة أم سلمة في كتابنا (غزوة الأحزاب).
(٢) انظر ترجمة عبد الله بن أبي في كتابنا (غزوة بدر الكبرى ط ٤).
(٣) هو الجد بن قيس بن صخر بن خنساء الأنصاري، اختلفت في أمره كان الجد بن قيس سيد بني سلمة (الخزرج) قال في الإصابة: ويقال: إن الجد بن قيس هذا منافقًا، روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس أنه نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ ومن حديث جابر بسند فيه مبهم أن الجد بن قيس تخلف يوم الحديبية عن البيعة، أخرجه ابن عساكر من طريق الأعمش، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: إن الجد بن قيس تاب وحسنت توبته ومات في خلافة عثمان .. للجد أخبار ستأتي عليها إن شاء الله في هذا الكتاب في موضعها.
(٤) انظر تفاصيل هذه الفتنة في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول، (غزوة بني المصطلق).
[ ٥ / ١١٦ ]
طلائع للاستكشاف ورجل الاستخبارات:
ومع أن النبي - ﷺ - أعلن بكل صراحة ووضوح أنه لا يريد الحرب، فقد أدخل في حسابه احتمال أن تقوم قريش بالعدوان عليه وعلى أصحابه في أيِّ مكان لأنه في حالة حرب معها، ولأنَّها أُمة مشركة لا يمكن أن يأمن المسلمون جانبها حتى وإن كانوا على حالة من النسك هي عنوان المسلمة، لا يجوز (في عرف جميع العرب مسلمين ووثنيين) التعرُّض لمن هو عليها حتى ولو كان في ظروف حربية.
فقد أمر (أولًا) بسر بن سفيان الكعبي ثم الخزاعي بأن يقوم بمهمة الاستخبارات بين قريش للمسلمين، فيجمع المعلومات عنهم وعن نواياهم، وماذا يمكن أن يقولوه أو يفعلوه إذا ما بلغهم أن النبي قد خرج بأصحابه قاصدًا مكة للعمرة.
فقال قال النبي - ﷺ - لبسر بن سفيان: إن قريشًا قد بلغها أني أريد العمرة فخبِّر لي خبرهم، ثم ألقى بما يكون منهم، فتقدم بسر أمامه، ودخل مكة وظل بها يرصد قريشًا ويجمع المعلومات، ولم يخرج إلَّا عندما وصل النبي عسفان حيث لاقاه هناك.
كذلك كوّن النبي - ﷺ - وهو بذي الحليفة - فصيلة من الفرسان لتكون طليعة أمامه ولتقوم بأعمال الاستكشاف حتى مكة، وذلك، تحسُّبًا للطوارئ، وبالرغم من أنَّه سيمر بقبائل إما مسلمة، أَو موادعة (١).
وقد كانت هذه الفصيلة مكوَّنة من عشرين فارسًا فيهم رجال من
_________________
(١) الموادعة بلغة هذا العصر معاهدة عدم الاعتداء.
[ ٥ / ١١٧ ]
المهاجرين والأنصار، منهم المقداد بن الأسود (١) وأبو عياش الزرقي (٢) والحباب بن المنذر (٣) وعامر بن ربيعة ومحمد بن مسلمة الأنصاري وسعد بن زيد وعباد بن بشر، وكان أمير الفصيلة عباد بن بشر الأنصاري.
طريق الرسول إلى مكة:
ووصف الواقدي تحركات الرسول - ﷺ - في هذه الرحلة التاريخية، وأشياء حدثت له وهو في طريقه، وأحاديث قالها لأصحابه ولغيرهم كانت بمثابة أصول تشريعية وآداب إسلامية، كما حدّد الطرق الرئيسية التي سلكها الرسول - ﷺ - إلى مكة فقال: (وخرج معه المسلمون ست عشرة مائة، ويقال ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلًا) (٤).
وخرج معه من أسلم (٥) وحدها مائة رجل، وخرج معه أربع نسوة، فجعل رسول الله - ﷺ - يمر بالأعراب فيما بين مكة والمدينة، وكان يُقدّم الخيل ثم يقدم ناجية بن جندب (٦) مع الهدي، وكان معه فتيان
_________________
(١) انظر ترجمة المقداد في كتابنا (غزوة بدر الكبرى ط ٤).
(٢) انظر ترجمة أبي عياش في هذا الكتاب.
(٣) انظر ترجمة الحباب بن المنذر في كتابنا (غزوة بدر الكبرى ط ٤).
(٤) أصح الأقوال أنهم ألف وأربعمائة.
(٥) أسلم: اسم لعدة قبائل قحطانية، ويظهر أن هذه القبيلة هم بنو أسلم بن أقصى، بطن من خزاعة، تقع منازلهم على الطريق ما بين المدينة ومكة.
(٦) هو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر الأسلمي وكان اسمه ذكوان فسماه النبي ﷺ ناجية حين نجا من قريش، كان ناجية هو الذي سار بالنبي ﷺ وأصحابه في طريق لا تمر بقريش حين قرر عدم مصادمتها بعد أن علم أن =
[ ٥ / ١١٨ ]
من أسلم، وخرج رسول - ﷺ - حين أصبح يوم الثلاثاء بملل (١)، فراح من ملل وتعشَّى بالسيَّالة (٢) ثم أصبح بالروحاءِ (٣) فلقى بها أصرمًا من بني نهد معهم نعم وشاءُ، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا له وانقطعوا من الإسلام، فأَرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - بلبن مع رجل منهم فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبل منهم وقال: لا أقبل هدية مشرك، فأمر رسول الله - ﷺ - أن يُبتاع منهم فابتاعوه من الأعراب فسرّ القوم وجاوا بثلاثة أُضب (جمع ضب) أحياء يعرضونها، فاشتراها قوم أَحِلة من العسكر، فأَكلوا وعرضوا على المحرمين فأبوا حتى سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: كلوا فكلُّ صيد ليس لكم حلالًا في الإحرام تأكلونه إلا ما صدتم أو صيد لكم، قالوا: يا رسول الله فوالله ما صدنا ولا صادته إلا هؤلاء الأعراب أهدوا لنا وما يدرون أن يلقونا، إنما هم قوم سيَّارة يصبحون اليوم بأرض وهم الغد بأرض أُخرى يتبعون الغيث وهم يريدون سحابة وقعت من الخريف بفرش ملل. فدعا رسول الله - ﷺ - برجل منهم فسأله: أين تريدون؟ فقال: يا محمد، ذكرت لنا سحابة وقعت بفرش ملل منذ شهر، فأرسلنا رجل منا يرتاد
_________________
(١) = خالد بن الوليد معسكرًا على الطريق الرئيسي لمقاتلته، فخرج به جندب حتى جاء الحديبية توفي ناجية بالمدينة في خلافة معاوية.
(٢) قال ياقوت: ملل (بفتح أوله وثانية) منزل على طريق المدينة إلى مكة على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة.
(٣) السيالة (بفتح أوله وتخفيف ثانيه) أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة، قال ابن الكلبي: مر بها تبع اليمن بعد رجوعه من قتال أهل المدينة وواديها يسيل فسماها السيالة.
(٤) الروحاء سهل فسيح واسع، يقع على بعد أربعين ميلا من المدينة ويقال أنها سميت بهذا الاسم لأن تبع اليمن استراح بها وهو عائد من قتال أهل المدينة يريد مكة.
[ ٥ / ١١٩ ]
البلاد، فرجع إلينا فخبَّرنا أن الشاة قد شبعت، وأنَّ البعير يمشي ثقيلًا مما جمع من الحوض، وأن الغُدُر كثيرة مرويَّة فأردنا أن نلحق به.
وقال أبو قتادة: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في عمرة الحديبية ومنا المحِلُّ ومنا المحرم، حتى إذا كنا بالأبواء وأنا مُحلّ فرأيت حمارًا وحشيًّا فأسرجت فرسي فركبت، فقلت لبعضهم: ناولني سوطي، فأبى أن يناولني فقلت: ناولني رمحي، فأبى، فنزلت فأخذت سوطي ورمحي ثم ركبت فرسي فحملت على الحمار فقتلته فجئت به أصحابي المحرمين والمحلين، فشك المحرمون في أكله حتى أدركنا رسول الله - ﷺ - وقد كان تقدّمنا بقليل فأدركناه فسألناه عنه فقال: أمعكم منه شيء؟ قال: فأعطيته الذراع فأكلها حتى أتى على آخرها وهو محرم فقيل لأبي قتادة: وما خلفكم عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: طبخنا الحمار فلما نضج لحقناه وأدركناه. وقد أخرج البخاري في صحيحه حديث أبي قتادة بلفظ آخر والمعنى واحد.
ك يف تلقت قريش النبأ؟
لقد شاع بين العرب نبأ خروج النبي - ﷺ - وأصحابه معتمرين ولم يكن في هذا الخروج ما يدعو إلى الدهشة أو الاستغراب بين العرب الوثنيين عمومًا.
لأنَّ زيارة البيت (وخاصة في الأشهر الحرم) حقٌّ لكل إنسان مهما كان دينه أو لونه أو جنسه ذلك قانون غير مكتوب مجمع على العمل به بين جميع قبائل العرب.
[ ٥ / ١٢٠ ]
غير أن قريشًا تجاهلت هذا القانون الذي كان يجب أن تكون أوَّل من يلتزم به ويحرص على تنفيذه، لأنها حتى ذلك العام كانت السادن للكعبة والمسؤول بين العرب عن جميع المشاعر التي يعظِّمها العرب في نسكهم، ومطلوب منها إعطاءَ كل التسهيلات لمن جاء راغبًا في زيارة البيت حتى ولو كان في حالة نزاع مسلَّح معها، ما دام أنه لم يأت محاربًا، لأن لمنطقة الحرم قدسية عند العرب تجعل من المحرَّم تحريمًا قاطعًا سفك أي دم وإنشاب أَيِّ حرب داخل حدوده، ذلك هو القانون والعرف السائد بين عرب الجزيرة منذ آلاف السنين.
ولكن قريشًا قد تملكها الغرور - بعد أن استبدَّ بها الغضب ونزا بها الحمق - فرمت بهذا العرف عرض الحائط حينها قررت (في إصرار) من النبي - ﷺ - وأصحابه من دخول مكة بالرغم من تبلغها أنهم لم يأتوا للحرب وإنما جاؤوا محرمين لزيارة البيت فحسب.
لقد اعتبرت قريش خروج النبي - ﷺ - نحو مكة (وفي هذا العدد الكبير من أصحابه) بادرة خطيرة، أحسَّ سادات مكة أن فيها مساسًا بكرامتهم وخدشًا لكبريائهم الوثني، وأنه - بالنسبة للعرب أَجمعين - بمثابة الدليل العمل على ضعف قريش السياسي وانخفاض هيبتها العسكرية، وتضعضع دورها القيادي بين العرب.
كما اعتبرت قريش هذا التصرف من النبي - ﷺ - ردًّا (في صورة التحدي) على ما قامت به من أعمال إرهابية ضده وضد القلة من أصحابه عندما كانوا في مكة، مما اضطرهم إلى مغادرتها هربًا مرغمين.
ولم يستطع النبي - ﷺ - (منذ خرج مكة خائفًا يترقب بعد أن أهدرت قريش دمه وقررت الفتك به) ولا أحد من أصحابه الاقتراب من مكة فضلًا عن دخولها.
[ ٥ / ١٢١ ]
ولكن ها هو (وبعد مرور خمس سنوات على نجاته من سيوف قريش) يتحرك نحو مكة، (ليس وحيدًا ولا خائفًا ولا مستخفيًا هذه المرة كما كان حاله عند مغادرته لها قبل خمس سنوات) وإنما على رأس ألف وأربعمائة من أصحابه، كلهم يفديه بروحه.
إنه (إذن) التحدي السافر لقريش في أبرز صوره.
هكذا قرَّ في نفوس القرشيين، فعمّت مكة - لهذا النبإ - موجة من الغضب والاستياء والقلق والارتباك.
قريش في برلمانها:
ولدى تأكد قريش من نبإ خروج النبي وأصحابه نحو مكة سارع زعماؤها إلى عقد اجتماع هام في دار الندوة للتشاور فيما بينهم والاتفاق على خطة لمواجهة هذا التطور الخطير.
لجنة المتابعة والتنفيذ:
وبعد هذا القرار الذي اتخاذته قريش في برلمانها (دار الندوة) بالإجماع انتخبت من يمكن تسميتهم بلجنة المتابعة .. مهمة هذه اللجنة متابعة هذا القرار الخطير، والعمل (بالطرق التي تراها اللجنة) على تنفيذه.
وكان أعضاء هذه اللجنة المنتخبون ثلاثة من سادات مكة، وهم:
١ - عكرمة بن أبي جهل المخزومي (١).
_________________
(١) انظر ترجمة عكرمة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٥ / ١٢٢ ]
٢ - صفوان بين أُميَّة الجمحي (١).
٣ - سهيل بن عمرو العامري (٢).
وقد أُعطيت هذه اللجنة (من جميع نواب الندوة) التفويض الكامل المطلق في اتخاذ ما تراه من تدابير وتصرفات تضع قرارًا ضد المسلمين عن البيت موضع التنفيذ.
قال الواقدي: (ولما بلغ المشركون خروج رسول الله - ﷺ - إلى مكة راعهم ذلك، وأجمعوا له، وشاوروا فيه ذوي الرأي منهم، فقالوا: يريد (أي النبي - ﷺ -) أن يدخل علينا في جنوده معتمرًا، فتسمع به العرب، وقد دخل علينا عنْوة (٣) وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا، والله لا يمكن هذا أبدًا ومنَّا عين تطرف، فارتأوا رأيكم، فأجمعوا أمرهم وجعلوه إلى نفر من ذويهم (صَفوان بن أُمية .. وسُهَيل بن عمرو. وعكرمة بن أبي جهل) (٤).
قريش تستعد لمنع المسلمين بالقوة:
وقد وضعت لجنة المتابعة الثلاثية (بالتشاور مع سادات مكة الآخرين) خطة كاملة لمواجهة المسلمين وصدّهم عن البيت بقوة السلاح، إن هم أصرُّوا على دخول مكة معتمرين.
_________________
(١) انظر ترجمة صفوان في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) انظر ترجمة سهيل بن عمرو في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) عنوة (بفتح العين وسكون النون): أي بالقوة.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٧٩.
[ ٥ / ١٢٣ ]
ويمكن تلخيص خطة قريش التي بموجبها قرَّرت صد المسلمين فيما يلي:
١ - إعلان حالة الاستنفار بين جميع القرشيين ممن يقدرون على حمل السلاح وتعبئتهم لمقاتلة المسلمين.
٢ - طلب مساعدة الحلفاء (الأَحابيش (١) وثقيف وغيرهم) - بالوقوف إلى جانب قريش عسكريًّا لمواجهة المسلمين.
٣ - اعتماد ميزانية حرب خاصة لتموين جنود الحلفاء الذين يقررون الانضمام إلى قريش في هذا النزاع الذي قررت قريش أن يكون نزاعًا مسلحًا.
٤ - ولإِخراج فكرة صد المسلمين بقوة السلاح من الحيِّز النظري إلى الحيِّز العملي قررت لجنة الحرب العليا بالتشاور مع سادات مكة أَن يخرج كلُّ حمَلَة السلاح من قريش وحلفائها إلى خارج مكة ليكونوا على أُهبة الاستعداد لمنع المسلمين من دخول الحرم، على أَن يكون ذلك قبل وصول المسلمين إلى حدود الحرم.
٥ - أَن يصاحب المشركين عند خروجهم لصدّ النبي - ﷺ - نساؤهم وأطفالهم، ليلمس المسلمون الدليل العملي على تصميم قريش على صدّهم وأنهم غير مستعدين للتراجع عن هذا القرار الخطير، وليكون وجود النساء والأطفال في معسكرات قريش وحلفائها بمثابة قطع خط الرجعة على الذين لا يرون من القرشيين التعرض للنبي - ﷺ - لصدّه عن البيت.
٦ - تكوين قوات كثيفة من الفرسان وإِعطاء قيادها لفارسي قريش خالد بن الوليد، على أَن تعسكر هذه القوات من الفرسان على الطريق
_________________
(١) الأحابيش: مجموعة من القبائل غير القرشية حالفت قريشًا حتى صارت وكأنها جزء منها.
[ ٥ / ١٢٤ ]
الرئيسي بين مكة والمدينة وبالقرب من الحرم لاعتراض المسلمين وإفهامهم (عمليًّا) بأَن قريشًا قد قررت (وبدون تراجع) منعهم من دخول الحرم.
٧ - إقامة جهاز دقيق من الاستخبارات العسكرية، تكون مهمة رجاله الضرب في الأَرض إلى أَبعد مكان ممكن على الطريق الذي سيمر به النبي وأصحابه، وإبلاغ قريش في معسكرها الرئيسي (أَولًا بأَول) عن كل ما تحتاجه من معلومات عن تحركات المسلمين ومدى قوتهہم وحقيقة أمرهم من جميع الوجوه.
تنفيذ خطة الصد:
وقد نفَّذت قريش كامل بنود هذه الخطة تنفيذًا تامًّا .. ففيما يختص بالاستنفار العام في مكة، فقد خرج منها لمواجهة المسلمين كل قادر على حمل السلاح.
وفيما يتعلق بمساعدة الحلفاءِ، فقد نجحت قريش في إِقناع الأَحابيش بالانضمام إليها بعد أَن شوَّهت لسيّدهم الحُليس بن زبّان حقيقة موقف المسلمين السلمي وصورتهم له بأَنهم جاؤوا محاربين معتدين كما نجحت أيضًا في إقناع حلفائها (ثقيف) فانضموا وجاؤوا إليها من الطائف بقيادة سيد هم (عروة بن مسعود)، فاستطاعت بذلك قريش أن تحشد من أَبنائها ومن حلفائها قوة ضخمة ضاربة بلغت حوالي ثمانية آلاف مقاتل، كلها وقفت على أُهبة الاستعداد لمحاربة المسلمين لحساب الزعامة القرشية.
[ ٥ / ١٢٥ ]
المعسكر الرئيسي لقريش:
وقد عسكرت قريش هذه القوات الضاربة المشتركة (بصفة رئيسية) في منطقة بلدح (١) الواقعة غربي مكة، كما أَن قريشًا أَخرجت بالفعل النساءَ والأَطفال ليكونوا موجودين في المعسكر الرئيسي في بلدح.
وفيما يختص بقوات الفرسان الي قررات قريش تكليفها باعتراض النبي - ﷺ - وأَصحابه، فقد تحرَّك خالد بن الوليد بمئتي فارس ورابط بهم في كراع الغميم على الطريق الرئيسي الذي من المفروض أَن يمر به النبي - ﷺ - وأَصحابه وهم في طريقهم من المدينة إلى مكة .. وكانت لدى القائد خالد أَوامر صارمة مشددَّة بأَن يمنع المسلمين بالقوة من اجتياز الطريق كما هو قرار سادة قريش.
أما فيا يتعلق بجهاز الاستخبارات، فقد أقامته قريش على أدقِّ ما يكون، فقد انتخبت عشرة رجال أَعطت قيادهم للحكم بن عبد مناف فتولَّى تنظيمهم، فوزعَّهم في رؤوس الجبال المطلة على الطريق الرئيسي الذي سيمر به النبي - ﷺ - وأَصحابه، فكان الأَول ينقل إلى الثاني ما يرى ويسمع من المسلمين، والثاني إلى الثالث حتى يصلي إِلى العاشر فينقله بدوره إلى قيادة قريش العليا في وادي (بلدح).
وهكذا وبواسطة تنظيم هذا الجهاز من الاستخبارات تلقت قيادة قريش في بلدح كل شيء عن تحركات المسلمين أولًا بأَول، فعرفوا كل ما يريدون معرفته عن مدى قوة المسلمين، وما يقولونه ويفعلونه قبل أن يصلوا إلى حدود الحرم.
_________________
(١) بلدح (بفتح أوله وسكون ثانية) قال في مراصد الاطلاع: واد قبل مكة من جهة الغرب.
[ ٥ / ١٢٦ ]
قال الواقدي (المغازي ج ٢ ص ٥٧٩): (وقدَّموا خالد بن الوليد في الخيل ووضعوا العيون على الجبال حتى انتهوا إلى جبل يقال له: وزر، وزع: كانت عيونهم عشرة رجال قام عليهم الحكم بن عبد مناف يوحي بعضهم إلى بعض الصوت الخفي. فعل محمد كذا وكذا حتى ينتهي ذلك إلى قريش).
إطعام المرتزقة:
وفيما يختص بتموين المرتزقة الموجودين مع قريش في معسكرهم، والمسمين بالحلفاء من غير القرشيين، فقد تولَّى أربعة من زعماءِ قريش إطعامهم، وهؤلاءِ الزعماءِ الذين تولوا تموين المرتزقة بالنيابة عن قريش هم سهيل بن عمرو وعكرمة بن أَبي جهل وصفوان بن أُمية وحويطب بن عبد العزَّى، وكلهم ما عدى الأَخير أَعضاء في لجنة الحرب التي كلفتها قريش في دار الندوة بمتابعة وتنفيذ قرارات البرلمان القرشي المتعلقة بصدِّ المسلمين عن البيت ومنعهم من دخول مكة مهما كانت النتائج.
الاستخبارات النبوية في مكة:
ك ان النبي - ﷺ - عند خروجه من المدينة (وفي ذي الحليفة بالذات) كلف بُسْر بن سفيان الكعبي الخزاعي بأَن يقوم بمهمة الاستخبارات في مكة، وأَمره بأَن يتوجه إليها لينقل إليه كل أَخبار القرشيين، ما يقولونه وما يفعلونه كردِّ فعل لتلقيهم نبأَ خروج المسلمين معتمرين
[ ٥ / ١٢٧ ]
وقد صدع بسر بن سفيان بأَمر نبيه - ﷺ -، فتوجَّه إلى مكة، وما هي إلا أَيام قلائل حتى كان فيها، وظلّ بسر في مكة يرصد (بطريقه الخاص) حركات القرشيين ويدوِّن في ذاكرته كل ما يراه أَو يسمعه مما تقوله وتفعله قريش، وظلَّ في مكة عدة أَيام عرف فيها كل ما يحب أن يعرفه رجل مكلَّف بمثل هذه المهمة الخطيرة التي كلِّف بها.
وقد بلغ رجل الاستخبارات النبوية في إنجاح مهمته إلى حدِّ المخاطرة بروحه، حيث صاحب الجيوش المشتركة (من القرشيين والأَحلاف) في تحركاتها حتى استقرت في معسكرها الرئيسي في وادي (بلدح)، ولم يتركها إِلا بعد أَن رآها تقيم الأَبنية وتضرب الخيام في هذا الوادي مصممة على صد المسلمين عن البيت بالقوة.
فقد توجَّه (بسر) بعد ذلك ليلتقى بالرسول - ﷺ - في (ذات الأَشطاط) من وراءِ عُسفان على مسافة غير بعيدة من حدود الحرم.
وهناك أخبر النبي - ﷺ - بكل شيء عن قريش .. فعندما رآه النبي - ﷺ - قال: يا بسر ما وراءك؟ .
قال: يا رسول الله تركت قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد سمعوا بمسيرك ففزعوا وهابوا أَن تدخل عليهم عنوة وقد استنفروا الأَحابيش ومن أَطاعهم، معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا لك جلود النمور ليصدُّوك عن المسجد الحرام، وقد خرجوا إلى (بلدح) وضربوا الأَبنية، وتركت عُمادهم (أَي قادتهم) يُطعمون الجزر أَحابيشهم ومن ضوَى (أي انضم إليهم) في دورهم، وقدموا الخيل عليها خالد بن الوليد .. مائتي فرس .. وهذه خيلهم بالغميم وقد وضعوا العيون على الجبال، ووضعوا الأرصاد (١).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٠.
[ ٥ / ١٢٨ ]
النبي يستشير أصحابه:
وكما هي عادة النبي - ﷺ -، وتمشيًا مع روح الشورى التي جاء بها الإسلام والمتمثلة في قوله تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، جمع الرسول - ﷺ - أصحابه حيث يعسكر في وادي عسْفان وأطلعهم على حقيقة الموقف، مشيرًا إلى التطورات الخطيرة التي حدثت نتيجة تعنُّت قريش وإصرارها على صدّ المسلمين عن المسجد الحرام بالقوة، ذلك الإصرار، الذي تمثل بأَجلى مظاهره في خروج حوالي ثمانية آلاف مقاتل إلى وادي (بلدح) تصحبهم نساؤهم وأَطفالهم وفي مرابطة مائتي فارس على مقربة من المسلمين في كراع الغميم.
فقد قال النبي - ﷺ -: هذا خالد بن الوليد على خيل المشركين بالغميم، ثم وقف - ﷺ - خطيبًا في المسلمين فأَثنى على الله بما هو أَهله، ثم قال (مستشيرًا أصحابه): "أَما بعد فكيف ترون يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين استنفروا إليَّ من أطاعهم ليصدُّونا عن المسجد الحرام؟ أترون أَن نمضي أوجهنا إلى البيت فمن صدَّنا قاتلناه، أم ترون أَن نخلف هؤلاء الذين استنفروا لنا، إلى أَهليهم، فإن اتَّبعونا اتبعنا منهم عنُق يقطعها الله، وإن قعدوا قعدوا محزونين موتورين؟ ".
فقام أَبو بكر الصدِّيق فقال: الله ورسوله أَعلم، نرى يا رسول الله الله أن نمضي لوجهنا، فمن صدّنا عن البيت قاتلناه، فقال رسول الله - ﷺ -: "فإن خيل قريش فيها خالد بن الوليد بالغميم".
فقال أبو هريرة: فلم أر أحدًا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله - ﷺ -، وكانت مشاورته أصحابه في الحرب فقط.
[ ٥ / ١٢٩ ]
المقداد بن عمرو يتكلم:
وقام المقداد بن عمرو الكندي (١) فقال: يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله لو سرت إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقى منا رجل.
وتكلم سيد الأوس (أسيد بن الحُضَير) وقال قريبًا من قول أبي بكر الصديق.
وبعد هذا التشاور تبيَّن أن جميع المسلمين موافقون على المضيِّ نحو غايتهم وهي زيارة البيت العتيق، وأَنهم مستعدون للصدام إذا ما ألجأَتهم قريش إلى ذلك بإصرارها على منعهم من دخول الحرم.
مشادة بين الصديق وابن ورقاء:
وإلى وادي عسفان خضر حليف المسلمين سيد خزاعة (بُدَيل بن ورقاء) وعلى مسمع من الناس قال: يا محمد لقد اغترت بقتال قومك جلابيب العرب (٢)، والله ما أَرى معك أحدًا له وجه، مع أَني أَراكم قومًا لا سلاح معكم، فجرت (لهذا القول) بينه وبين أبي بكر الصديق مشادة كلامية أغلظ له فيها القول أَبو بكر الصديق، وأَسمعه ما يكره ظنًّا منه أنه متحيز لقريش.
غير أن بديلا أعلن بأن لا باعث لمقاله إلا الإخلاص لحليفه النبي وأصحابه حيث قال مجيبًا علي مقالة أبي بكر الصدَّيق: أَما والله لولا
_________________
(١) انظر ترجمة المقداد في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) الجلابيب: جمع جلباب، وهو الإزاء والرداء.
[ ٥ / ١٣٠ ]
يدٌ لك عندي لأَجبتك فوالله ما أنهم أنا ولا قومي، ألا أكون أحب أن يظهر محمد، إني رأَيت قريشًا مقاتلتك عن ذراريها وأموالها، قد خرجوا إلى بلدح، فضربوا الأَبينة، معهم العوذ المطافيل (١)، ورادفوا على الطعام يطعمون الجزر من جاءهم، يتقوون بهم على حربكم، فَرِ رأيك.
وعندما تبلغ النبي - ﷺ - نبأ شطط قريش وتصلفها وطغيانها - وإصرارها (هكذا) على منعه من زيارة البيت (بغيًا وعدوانًا) قال مبديًا أَسفه الشديد لهذا التصرف الجاهلي الأَحمق:
(يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أَصابوني كان الذي أرادوا، وإن أَظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، ثم أعلن - ﷺ - تصميمه على المضي في نشر رسالته مهما كانت فعالية القوة إلى تحاول الوقوف في وجهها لصد تيارها قائلا:
فوالله لا أَزال أَجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أَو تنفرد هذه السالفة.
ثم تبلغ النبي - ﷺ - من عيونه (رجال استخباراته): أن أَساطين الكفر في مكة قد خرجوا بقرارهم المتهور من حيز القول إلى حيز الفعل فحشدوا كل ما لديهم من قوة وعسكروا بها في وادي بلدح .. وأنهم قد استنفروا حلفاءهم من ثقيف بقيادة عروة بن مسعود، وحلفاءُهم من
_________________
(١) العوذ (بضم العين): جمع عائذ وهي الإبل الحديثة النتاج؛ والمطافيل: جمع مطفل وهي التي لها طفل، يريد أنهم صمموا على صده عن الحرم إلى درجة إخراج النساء والصبيان معهم لملاقاته.
[ ٥ / ١٣١ ]
الأحابيش بقيادة الحليس بن زبان (١) فأطاعوهم جميعًا وانضموا إلى معسكرهم.
نذر الحرب:
وهكذا (وباتخاذ قريش ذلك القرار المتعسف المخالف للقيم والتقاليد المرعية حتى بين الوثنيين العرب) تراءَت نذر الحرب في الأُفق، والتى لم يأْت لها المسلمون ولم يفكرِّوا فيها عندما خرجوا من المدينة معتمرين ملبِّين مكبِّرين.
ومع كره النبي - ﷺ - للحرب وعدم رغبته في خوضها مع قريش، فقد أَدخل في حسابه أن قريشًا قد تُقدم على مثل هذا التصرف الأَخزق الذي أقدمت عليه .. فاتخذ كل الاحتياطات الضرورية تحسُّبًا للطواريء فظل أصحابه (في حالة استنفار واستعداد يحملون السلاح وهم في حالة الإحرام لابسين نسك العمرة).
النبي يتحاشى الصدام المسلح:
غير أن النبي - ﷺ - مع كل ما صنعته قريش من التحدِّي ومع ما قامت به من استفزاز للمسلمين وتحرُّش بهم، بتكليفها قائد
_________________
(١) الحليس (بضم الحاء وفتح اللام) سيد بني كنانة وزعم الأحابيش جميعًا، كان سيدًا مطاعًا راجح العقل، ولم يصل إلى علمي هل أسلم مات مشركًا، وقد انتقد قريشًا أشد الانتقاد في موقفها المتصلب في منع النبي ﷺ وأصحابه من أداء مناسك العمرة.
[ ٥ / ١٣٢ ]
فرسانها خالد بن الوليد بأَن يربط بمائتين من الفرسان في الطريق الرئيسي بين عسفان ومكة لاعتراض المسلمين ومنعهم من المرور بالقوة .. فإنه - ﷺ - قرر أن يتحاشى الصدام المسلح مع قومه ما أمكنه ذلك حرصًا منه على حقن الدماء التي ليس شيئًا أبغض إليه من إراقتها بدون مبرر وخاصة في تلك الظروف التي لم يأْت فيها لحرب أَو قتال وإنما جاء فقط لزيارة البيت الحرام.
ولذلك قرر أن لا يمر في طريقه إلى مكة بالطريق الرئيسي الذي يأتي من ناحية الشمال وينتهي عند حدود الحرم جنوبًا عند التنعيم ثم مكة.
غير أنه يظهر أن خالد بن الوليد قائد فرسان المشركين قد سار في طريق التحدى بسرعة مذهلة وبصورة جعلت النبي - ﷺ - وأصحابه أمام امتحان صعب للغاية.
فقد تحرّك خالد بفرسانه من كراع الغميم إلى وادي عُسفان حيث يعسكر النبي - ﷺ - بالمسلمين، وقصد خالد من ذلك (دونما شك) هو تحدّي المسلمين وإثارتهم، ومحاولة اقتناص فرصة يتمكن فيها قائد سلاح فرسان مكة من ضرب المسلمين فيها ضربة قاتلة.
وقد كان تصرُّف خالد المتحدي هذا كافيًا لأن يجعل المسلمين يُعجِّلون بالصدام ويقابلون استفزازات خالد المثيرة بالهجوم عليه، لا سيما وأَنه جاءَ في صورة المهاجم المعترض المتحدي .. نعم لقد كان يمكن أن يحدث ذلك من جانب المسلمين، لولا أنهم عرفوا أن نبيهم - ﷺ - لا يرغب في مقاتلة قومه ما وجد إلى تجنب هذا القتال سبيلًا. ولهذا كظموا غيظهم أَمام استفزاز وإثارة قائد سلاح فرسان المشركين مع
[ ٥ / ١٣٣ ]
قدرتهم التامة على تأْديبه وردعه ووضع حد (بحد السيف) لتحدِّيه واستفزازه.
ولقد بالغ خالد بن الوليد الذي كان قائد أَول قوة المشركين يواجهها المسلمون في رحلتهم السلمية التاريخية هذه .. بالغ في التحدِّي والاستفزاز إِلى أَن وقف بخيَّالته المائتين بين المسلمين وبين القبلة وقت أَداءِ الصلاة في عُسفان مستفزًا بذلك مشاعرهم ومستعرضًا عضلات قريش ومُدخلا في روع المسلمين بأَن صنيعه هذا هو أَحد مظاهر قوة قريش العسكرية الضاربة القادرة على منع المسلمين من دخول مكة في صورة من الصور.
سلاح فرسان الفريقين في حالة المواجهة:
وإِزاءَ تصرف خالد بن الوليد هذا، أَمر النبي - ﷺ - قائد سلاح فرسان المسلمين (عبّاد بن بشر) أَن يقف بفرسانه إِزاءَ فرسان خالد لصد أَية محاولة قد يقوم بها خالد على حين غرَّة بالهجوم على المسلمين، فصفَّ عباد بن بِشر فرسانه، وبهذا أَصبح خيَّالة الفريقين في حالة مواجهة كاملة.
ومع هذا فقد تلقى قائد سلاح فرسان المسلمين (على ما يظهر) أَمرًا من النبي - ﷺ - بأَن لا يباشر أَي قتال ضد فرسان خالد بن الوليد إِلا في حالة واحدة هي حالة الدفاع عن النفس ومنع أَية محاولة قد يقوم بها خالد للهجوم على النبي وأَصحابه.
[ ٥ / ١٣٤ ]
صلاة الخوف في عسفان:
وقد اضطر النبي - ﷺ - إِزاءَ تحفز خيالة المشركين، وتحرشهھم بالمسلمين - أَن يصلي بالمسلمين صلاة الخوف، وهي صلاة خاصة بمن هم في حالة حرب، يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها من صور الصلاة المعتادة.
خالد يحاول مهاجمة المسلمين وقت الصلاة:
وقد حاول قائد فرسان مكة أَن يشن هجومًا كاسحًا على المسلمين وهم في حالة الصلاة، إِلا أَن النبي - ﷺ - تنبَّه لذلك فصلى بأَصحابه صلاة الخوف، وبهذا أَحبط على خالد بن الوليد خطته التي بها أَراد أن يأْخذ المسلمين علي حين غرَّة فيضربهم وهم في صلاتهم آمنين.
قال الواقدي (المغازي ج ٢ ص ٥٨٢): (ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله - ﷺ -، فصفَّ خيله فيما بين رسول الله - ﷺ - وبين القبلة، وهي مائتا فارس، وأَمر رسول الله - ﷺ -، عبَّاد بن بشر فتقدم في خيله فقام بإِزائه فصف أَصحابه، فحانت صلاة الظهر فأَذَّن بلال وأَقام، فاستقبل رسول الله - ﷺ - القبلة وصفَّ وصفَّ الناس خلفه يركع بهم ويسجد، ثم سلم فقاموا ما كانوا عليه من التعبئة، فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرَّة أو كنا حملنا عليهم لأَصبنا منها، ولكن تأْتي الساعة صلاة هي أَحب إليهم من أَنفسهم وأبنائهم (يعني صلاة العصر).
(وكان خالد بهذا القول قد قرر الهجوم عليهم وقت صلاة العصر، ولا شك أَنه سينزل بهم خسائر فادحة لو صلوا صلاتهم العادية، ولكن
[ ٥ / ١٣٥ ]
النبي - ﷺ - أَحبط محاولة خالد الغادرة إِذ صلى بأَصحابه صلاة الخوف) قال الواقدي: (فحانت العصر فأَذَّن بلال، وأَقام، فقام رسول الله - ﷺ - مواجهًا القبلة والعدو وأَمامه وكبر رسول الله - ﷺ - وكبر الصفان جميعًا، ثم ركع وركع الصفان جميعًا، ثم سجد فسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونه، فلما قضى رسول الله - ﷺ - السجود بالصف الأَول وقاموا معه، سجد الصف المؤخر السجدتين، ثم استأَخر الصف الذي يلونه، وتقدم الصف المؤخر، فكانوا يلون رسول الله - ﷺ - فقاموا جميعًا، ثم ركع رسول الله - ﷺ - فركع الصفَّان جميعًا، ثم سجد رسول الله - ﷺ - وسجد الصف الذي يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو، فلما رفع رسول الله - ﷺ - رأْسه من السجدتين سجد الصف المؤخر السجادتين اللتين بقيتا عليهم، واستوى رسول الله - ﷺ - جالسًا فتشهد، ثم سلم عليهم، فكان ابن عباس يقول: هذه أَول صلاة صلّاها رسول الله - ﷺ - في الخوف.
وعن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلّاها بعد بعسفان بينهما أَربع سنين (١)، قال الواقدي: وهذا أَثبت عندنا.
الحديبية بدلا من التنعيم:
ومع كل ما أَقدمت عليه قريش من تحدّ واستفزاز بحشد جيوشها وإعلانها أَنها ستصد المسلمين عن المسجد الحرام، وبالرغم من تكليفها
_________________
(١) انظر تفاصيل غزوة ذات الرقاع في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول.
[ ٥ / ١٣٦ ]
قائد سلاح فرسانها خالد بن الوليد باعتراض سبيل المسلمين في الطريق ومحاولة الهجوم عليهم في عُسفان إن أَمكنه ذلك، وهو ما قام به خالد بن الوليد (فعلًا) كما تقدم، الأَمر الذي يعتبر (صراحة) عملًا حربيًّا تقوم به قريش (بغيًا وعدوانًا ضد المسلمين) مع كل هذا قرر النبي - ﷺ - أَن يتحاشى الصدام المسلح مع خالد بن الوليد الذي قطع الطريق على المسلمين بخيله محاولًا استدراجهم إِلى الاشتباك معه وجرَّهم إلى خوض حرب ما جاؤوا لها ولا يرغبون فيها.
وقد كان قرار النبي هذا نابعًا من حرصه على حقن الدماء التي لا مبرر لإِراقتها وخاصة في تلك الظروف التي لم يأْت فيها لحرب وإنما جاءَ (فقط) زائرًا لبيت الله الحرام.
لذلك قرر أَن لا يمر (في طريقه إِلى مكة) بالطريق الرئيسي الذي سدَّه خالد بن الوليد بمائتين من الفرسان، والذي لا يمكن للنبي وأَصحابه أَن يمرُّوا به دون أَن يشتبكوا مع خالد وفرسانه في صدام مسلح.
لقد كان المفروض أَن يستمر النبي - ﷺ - وأَصحابه في تحركهم من عسفان نحو الجنوب في اتجاه مكة (عبر التنعيم) (١) وهو الطريق الرئيسي المعتاد أَن يطرقه كل من يقصد مكة من المدينة.
ولكنه بناءً على القرار الذي اتخذه بتجنب الاشتباك مع فرسان خالد بن الوليد - وبالتالي بتجنب القتال مع قومه بصورة عامة، ما وجد إِلى ذلك سبيلًا - فقد قرر أَن يغيّر اتجاهه بحيث يمكنه المرور بأَصحابه
_________________
(١) التنعيم، قال في مراصد الاطلاع: (موضع بمكة خارج الحرم، وهو أدنى الحل إليها على طريق المدينة وهو على ثلاثة أميال عن مكة).
[ ٥ / ١٣٧ ]
من طريق تقضي بهم إلى مكة دون أَن تمرُّوا بالطريق الذي يرابط فيه خالد بن الوليد بفرسان قريش، فقال - ﷺ -: (هل من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟) (١).
ثم قال النبي - ﷺ - آمرًا بتغيير اتجاه السير -: تيامنوا في هذا العمل، فإِن عيون قريش بمرِّ الظهران أَو بضجنان، فأَيكم يعرف ثنية ذات الحَنظل؟ .
وبعد أَن سأَل ما إِذا كان أَحد من أَصحابه يعرف طريقًا إِلى مكة لا تمر خيل خالد بن الوليد، ويعرف ثنيّة ذات الحنظل قال بُريدة بن الخصيب الأَسلمي: أَنا يا رسول الله عالم بها. فقال النبي - ﷺ -: اُسلك أَمامنا.
وقد سلك الدليل بالنبي - ﷺ - وأَصحابه ذات اليمين بعد أَن انحرف بهم عن الجادة، فسلك بهم طريقًا وعرًا غير مطروق، وما زالوا يسيرون في مسالك مجهولة، وعرة حتى أَفضوا إِلى سهل الحديبية، عبر مضيق (ذات الحنظل).
النبي وأصحابه يضلون الطريق عدة مرات:
وبسبب كون المسالك التي سلكها النبي - ﷺ - وأَصحابه مهجورة وليست من الطرق المعروفة إلا لدى أَفراد قلائل من بادية المنطقة، لقى النبي وأَصحابه عَناءً شديدًا أَثناءِ مرورهم بهذا الطريق.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٠٩.
[ ٥ / ١٣٨ ]
فقد ضلوا الطريق إلى الحديبية ثلاث مرات بعد أَن فشل ثلاثة من بني سُليم (العالمين بمسالك المنطقة) في معرفة هذا الطريق، وتحيّروا فيها، بالرغم من أَنه قد سبق لهم أَن مروا بها عدة مرات.
فقد جاءَ في (مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٣)، أَن الدليل الأَول (بريدة بن الخصيب الأَسلمي) قاد النبي وأَصحابه في طريق متعرّج كان قد سلكه عدة مرات قبال جبال سراوع قبال الغرب، فسار قليلًا تنكّبة الحجارة وتعلقه الشجر، وحار حتى كأَنه لم يعرفها قط، فقال بريدة: (وكأَنه أَعلن فشله في معرفة الطريق): فوالله إِن كنت لأَسلكها في الجمعة مررًا.
فلما رآه رسول الله - ﷺ - حائرًا لا يتوجه، قال له: اركب، ثم نادى رسول الله - ﷺ -: من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل؟ فنزل حمزة، بن عمرو الأَسلمي فقال: أَنا يا رسول الله أَدلّك، فسار قليلًا ثم سقط بهم في خَمر الشجر فلا يدري أَين يتوجه، فقال رسول الله - ﷺ - اركب، ثم نادى - ﷺ - مرة أُخرى: من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل، فنزل عمرو بن عبد نهم الأَسلمي فقال: أَنا يا رسول الله أَدلّك، فقال: انطلق أَمامنا، فانطلق عمرو أَمامهم حتى نظر رسول الله - ﷺ - إِلى الثنية فقال: هذه ثنيّة ذات الحنظل؟ فقال عمرو: نعم يا رسول الله، فلما وقف على رأْسها تحدّر به. قال عمرو: والله إنْ كان ليهمني نفسي وجدّي، إِنما كانت مثل الشراك فاتسعت لي حتى برزت وكانت محجة لا حبة، ولقد كان النفر يسيرون تلك الليلة جميعًا معطفين من سعتها يتحدثون.
[ ٥ / ١٣٩ ]
الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل:
وبعد الخروج من متاعب الضياع في الطريق، وبعد الوصول إِلى ثنيّة ذات الحنظل عند منقطع الوادي، طرف سهل الحديبية أَضاءَت السماءُ الأَرض تلك الليلة حتى كأَن الناس في قمر (لم تكن ليلة مقمرة) فقال رسول الله - ﷺ -: فوالذي نفسي بيده ما مثل هذه الثنية الليلة مثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: (وادخلوا الباب سجّدًا وقولوا حطة)، وقال الرسول - ﷺ -: الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل: (لا إِله إِلا الله وادخلوا البابُ سجَّدًا) قال: باب بيت المقدس، فدخلوا من قبل أَستاههم وقالوا: (حبة في شعيرة)، وقال - ﷺ -: الكلمة التي عرضت على بني إِسرائيل، أَن يقولوا: "نستغفر الله ونتوب إليه".
ويقول ابن إِسحاق: إِن النبي - ﷺ - لما مرَّ بأَصحابه في ذلك الطريق الوعر المهجور الذي شق عليهم وأَرهقهم - وقد أَفضوا إِلى أَرض سهلة عند منقطع الوادي - قولوا: نستغفر الله ونتوب إِليه، فقالوا ذلك، فقال - ﷺ -: والله إِنها للحطة (١) التي عرضت على بني إِسرائيل، فلم يقولوها (٢).
أصحاب الثنية المغفور لهم:
قالوا: ثم قال رسول الله - ﷺ - (وهم يجتازون ثنية ذات الحنظل) هذه الثانية أَحد إِلا غفر الله له.
_________________
(١) الحطة: بكسر الحاء مع تشديد الطاء - يريد قول الله تعالى لبني إسرائيل (كما في سورة البقرة): (وقولوا حطة) ومعناه: اللهم حط عنا ذنوبنا.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٠٩.
[ ٥ / ١٤٠ ]
قال أَبو سعيد الخدري (١): وكان أَخي لأَمي قتادة بن النعمان (٢) في آخر الناس، قال: فوقفت على الثنية فجعلت أَقول للناس: أَن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يجوز هذه الثنية إِلا غفر له) فجعل الناس (وكانوا أَلفًا وأَربعمائة) يسرعون حتى جاز أَخى في آخر الناس، وفرقت (٣) أَن يصبح قبل أَن يجوز (٤).
بعيره أهم إليه من أن يستغفر له الرسول:
وعن أَبي سعيد الخدري أَن رسول الله - ﷺ - قال - حين نزل ليلًا: من كان معه ثقل (٥) فليصطنع (٦)، قال أَبو سعيد الخدري: وإِنما كان عامة زادنا التمر، فقلنا: يا رسول الله، إِنا نخاف من قريش أَن ترانا، فقال - ﷺ -: إِنهم لن يروكم، إِن الله سيعينكم عليهم، فأوقدوا النيران، واصطنع من أَراد أَن يصطنع، فلقد أَوقدوا أَكثر من خمسمائة نار. فلما أَصبحنا صلى رسول الله - ﷺ - الصلاة ثم قال: والذي نفسي بيده، لقد غفر الله للركب أَجمعين وإِلا رويكبًا واحدًا على جمل أَحمر، التقت عليه رجال القوم ليس منهم، فطلب في العسكر وهو يظن أَنه من أَصحاب رسول الله - ﷺ - فإِذا به ناحية إِلى ذرى سعيد بن عمرو بن نفيل من بني ضمرة أَهل سيف البحر، فقيل لسعيد:
_________________
(١) انظر ترجمة أبي سعيد الخدري في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) هو قتادة الخ.
(٣) فوق بكسر الراء: خشى.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٥.
(٥) الثقل: بفتح أوله وثانيه (الدقيق).
(٦) اصطنع: المراد به هنا طبخ على النار.
[ ٥ / ١٤١ ]
إن رسول الله - ﷺ - قال كذا وكذا. قال سعيد للضَّمري: ويحك، اذهب إِلى رسول الله - ﷺ - يستغفر لك، قال: بعيري والله أَهمُّ إِليّ من أَن يستغفر لي - وإِذا هو قد أَضلّ بعيرًا له يتبع العسكر يتوصل بهم ويطلب بعيره - وأَنه لفي عسكركم فأَدُّوا لي بعيري. فقال سعيد: تحوَّل عني لا حيَّاك الله إِلا لا أَرى قربى إِلا داهية، وما أَشعر به.
فانطلق الأَعرابي يطلب بعيره بعد أَن استبرأَ العسكر، فبينا هو في جبال سراوع إِذ زلقت نعله فتردّى فمات فما علم به حتى أكلته السباع (١).
عودة خالد إلى مكة:
وبعد أَن تأَكد لدى خالد بن الوليد أَن النبي - ﷺ - قد التف حوله ذات اليمين وأَنه قد وصل بأَصحابه إِلى سهل الحديبية (عبْر ذلك الطريق الوعر الغير المسلوك)، وأَنه يعتزم دخول الحرم من ناحية الغرب (عبر الحديبية) أَغاظه ذلك، لأَن النبي بانحرافه ذات اليمين فوَّت على خالد الفرصة إِذ نسف خطته المحكمة التي رسمها لملاقاة المسلمين وضربهم في موقع استراتيجي اختاره هو وعسكر فيه بفرسانه لينقَضَّ منه على المسلمين حالة وصولهم.
ولقد كرَّ خالد بفرسانه راجعًا إِلى مكة ليُبلغَ قادة قريش بما حدث ويتلقى منهم تعليمات جديدة بعد أَن نسف: الرسول - ﷺ - خطته الأَساسية باتجاهه بأَصحابه نحو الحديبية بدلًا من التنعم الطريق
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٥ وما بعدها.
[ ٥ / ١٤٢ ]
[خريطة]
(١) الطريق الذي سلكه الرسول ﷺ إلى الحديبية عن الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة.
[ ٥ / ١٤٣ ]
الطبيعي الرئيسي والأَقرب لمن يريد مكة قادمًا من المدينة (انظر خريطة الحرم).
لم يكن النبي - ﷺ - يقصد بتحاشي الصدام مع فرسان خالد في كراع الغمام علي الطريق الرئيسي لم يكن يقصد التراجع عن دخول مكة لأَداء مناسك العمرة .. وإنما يقصد التنزُّه عن سفك الدم وإعطاء قريش فرصة أطول لعلها تعود إلى صوابها، فتخلِّي بينه وأَصحابه وبين البيت ليطوفوا به ويسعوا سالمين ثم يعودوا من حيث أَتوا سالمين كما هي خطتهم منذ تحركوا من المدينة.
ومع رغبة النبي - ﷺ - في تجنب الحرب .. وابتعاده لذلك عمّا يؤدّي إلى الصدام المسلح كما فعل عندما تحاشي المرور بفرسان خالد في كراع الغميم .. مع ذلك فقد ظل الجو مكهربًا والموقف على غاية من الدقة.
فالمسلمون قد قطعوا أكثر من مائتين وخمسين ميلًا محرمين بالعمرة، وها هم بعد ذلك السفر الشاق قد وصلوا حدود الحرم ولم يبق بينهم وبين البيت العتيق الذي خرجوا لزيارته سوى عدة أَميال لا تزيد على العشرة.
ومن الصعب عليهم جدًّا، أن يعودوا إلى المدينة دون أَن يحققوا أمنيتهم التي قطعوا كل هذه المسافات الطويلة الشاقة من أجل تحقيقها وهي زيارة البيت العتيق.
وقريش من ناحيتها قد أقسمت أن لا يدخل محمد وأصحابه مكة عَنْوةً .. وحشدت لتبر بهذا القسم الآثم كل إمكاناتها العسكرية، كما
[ ٥ / ١٤٤ ]
استنفرت كل حلفائها من ثقيف والأحابيش ليقفوا إلى جانبها ضد المسلمين.
وها هي تغدو وتروح ينزو بها الغضب ويشتط بها الكفر ويجمح بها الشرك .. قد لجَّت في العناد وأمعنت في البغي، قد أخذ الشيطان مقودها وسار بها في دروب العناد والمكابرة.
فقد خرجت بجيوشها التي كانت ترابط بالقرب من التنعيم شمال مكة حيث من المنتظر أَن يمر النبي - ﷺ - بأصحابه إلى مكة .. خرجت بجيوشها إلى منطقة الحديبية وعسكر بها داخل الحرم بالقرب من الحديبية مصممة على منع النبي وأصحابه من اجتياز حدود الحرم بقوة السلاح تساندها قوات كبيرة من حلفائها ثقيف والأحابيش.
حابس الفيل:
وبهذا أصبحت الحرب بين الفريقين قاب قوسين أو أدنى .. بعد أَن أصبح كل منهما قريبًا من الآخر، فالنبي - ﷺ - وأصحابه بعد أَن أفضى بهم الدليل من الطريق الفرعي إلى سهل الحديبية غربي الحرم. أخذوا في التحرك نحو مكة مصممين على دخولها معتمرين ومصرِّين على مقاتلة قريش إن هي حاولت منعهم بالحرب.
غير أنه وبينما كان - ﷺ - يقترب وأصحابه من حدود الحرم (في منطقة الحديبية)، حدث حادث عجيب عاقه عن اجتياز حدود الحرم.
وكأَنَّ الله تعالى أراد بذلك الحادث العجيب أَن يجنِّب الفريقين مأْساة مجزرة رهيبة، كانت وشيكة الحدوث، لو اجتاز النبي - ﷺ -، بأَصحابه حدود الحرم نحو مكة.
[ ٥ / ١٤٥ ]
فقد بركت ناقته (القَصْوى) وكانت من أَجود النوق المطاويع .. . بركت القصوى مكانها بالقرب من حدود الحرم، ولم تنهض من مبركها بالرغم من محاولة إنهاضها، فظن الناس أنها تعبت فعجزت، فقالوا: خلأَت القصوى (أي حرنت) (١)، فقال النبي - ﷺ -: ما خلأَت وما هو لها بخُلُق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. ثم قال - ﷺ - (بعد أَن أَدرك ما لم يدركه غيره): والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها (٢)، رواية: لا يسألوني (أي قريش) اليوم خطة فيها تعظيم حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها (٣).
وهذا إِعلان صريح من النبي الأعظم - ﷺ - بأنه مستعد (من أجل حقن الدماء ي الحرم) للتفاوض مع قريش إلى أَبعد الحدود، وأنه سيبذل كل ما في وسعه للحيلولة دون إراقة الدماء ما وجد إلى ذلك سبيلا.
ثم زجر ناقته فقامت، فعاد بها راجعًا عوده على بدئه (٤) آمرًا أصحابه بالنزول في الحديبية، وقرّر عدم اجتياز حدود الحرم وأَصدر بذلك أمرًا حتى إشعار آخر.
فأطاع أصحابه (وعددهم أَلف وأَربعمائة) أوامره فنزلوا على بئر في الحديبية، ويظهر أنها البئر التي يراها اليوم الذاهب إلى على يمينه بالقرب من أعلام الحرم في الشميسي.
_________________
(١) أي استعصت ولم تقم من مبركها، وهو عيب في الإبل.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٠.
(٣) الواقدي ج ٢ ص ٥٨٧.
(٤) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٧.
[ ٥ / ١٤٦ ]
هكذا (وبالرغم من أَن النبي - ﷺ - قادر على اقتحام مكة عنوة بما لديه من قوات قادرة على قهر المشركين تعرف قريش ما سيصيبها من دمار على يدها إذا ما التحمت معها في صدام مسلح) فإنه - ﷺ - - رغبة منه في حقن الدماء - قد آثر التريُّث، وظل برجاله معسكرًا خارج حدود الحرم في انتظار ما تأْتي به الأقدار، مما يمكن أَن تكون فيه مصلحة الفريقين.
فلعل عقلاء قريش يہكبحون من جماح سفهاء قومهم وغلاتهم - فيتخلون عن فكرة استخدام القوة لصد المسلمين عن زيارة البيت، فيؤدِّي المسلمون العمرة دونما إراقة قطرة دم، ثم يعودون إلى عاصمتهم المدينة التي لم يخرجوا منها إلا لزيارة البيت.
وبالرغم من التزام النبي - ﷺ - جانب التسامح وسلوكهـ سبيل التريث ضنًا بالدماء من أَن تراق في الحرم، فقد استمرت قريش في عنادها، فأَبقت قواتها بجانب المسلمين في حالة استنفار عام .. بل لقد ذهبت في الشطط والغرور إلى أبعد من ذلك، حيث حاول بعض سفهاء المشركين الهجوم على المسلمين وأخذهم على حين غرّة في الظلام.
إلا أَن الصحابة الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية بقيادة رئيس الحرس محمد بن مسلمة الأنصاري، أحبطوا مؤامرة هؤلاء السفهاء، وحالوا بينهم وبين التسلل إلى معسكرات المسلمين التي اعتزموا التسلل إليها ليلا للقتل والاغتيال، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
فصائل حراسة المسلمين:
وعندما وصل النبي - ﷺ - إلى سهل الحديبية وقرر التريّث والانتظار فيها - ونظرًا لحالة التوتر الشديد التي نجمت نتيجة بغي قريش
[ ٥ / ١٤٧ ]
وتعنتها وتهديدها المسلمين بمنعهم من دخول الحرم عن طريق الحرب - فقد أمر بإنشاء ثلاث كتائب من أصحابه للقيام بأعمال الحراسة في الحديبية لصد أَي عدوان قد يقوم به الطائشون من القرشيين.
وكان قادة فصائل الحراسة هذه ثلاثة كلهم من الأنصار وهم:
١ - عبّاد بن بشر.
٢ - أوس بن خولى.
٣ - محمد بن مسلمة.
وكان هؤلاء القادة الثلاثة يبيتون يحرسون معسكر المسلمين بالتناوب كل ليلة يحرس واحد من رجاله المعسكر، يقوم بأعمال الدورية حول المعسكر حتى الصباح (١).
معجزة الرسول في الحديبية:
وعندما عاد النبي - ﷺ - بأصحابه إلى الحديبية بعد أَن قرر عدم التعجل في دخول مكة، وأعلن ما يمكن تسميته فتح باب المفاوضة لإيجاد حل سلمي للمشكلة التي بلغت بينه وبين قومه حل الانفجار وذلك بقوله: "والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطَّة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" (٢).
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٢٠٦.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٧.
[ ٥ / ١٤٨ ]
عندما عاد إلى الحديبية نزل بأَصحابه على بئر ليس فيها من الماء إلا شيء يسير، تسابق إليه الصحابة كل يريد أَن يشرب ويسقى فرسه أو بعيره، فوجدوا أَن الماءَ الذي في البئر لا يكفي لإرواء عطش نفر قليل، وكان الصحابة ألفًا وأربعمائة أكثرهم راكبًا.
وقد تفاقم الأَمر واشتدت أزمة الماء إلى درجة خطيرة أصبحت معها حياة الصحابة ومواشيهم مهددة، لا سيما إذا أَخذنا بعين الاعتبار أنهم سيقومون بالحديبية مدة غير قصيرة، وأنه لا يوجد مصدر للماء في تلك المنطقة، وما يمكن الالتجاء إليه من مياه قريبة من الحديبية قد سيطر عليها القرشيون ومن المستحيل في ذلك الظرف المتوتر (غاية التوتر) أَن يسمحوا للمسلمين بالسقيا منها.
وعندما بلغت أزمة الماء غايتها وحار الصحابة ماذا يصنعون جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - واشتكوا له ما يعانون من نقص خطير في الماء، فلجأَ إلى ربه ﷾، ثم أمر أحد أصحابه بأَن ينزل في عين البئر الشحيحة بالماء وأَن يغرز فيها سهمًا أعطاه إياه بيده الشريفة، ولم يكد صاحبه يغرز السهم في عين البئر حتى تدفقت منها المياه بغزارة إلى درجة أَن امتلأت البشر بالماء، فارتوى الصحابة وأرووا خيلهم، وبهذا حل الله مشكلة الماء الخطيرة، وعادت إلى الصحابة طمأنينتهم الكاملة، وتعاظم إيمانهم بنبيهم العظيم - ﷺ -.
فقد جاء في كتب الحديث والتاريخ أَن النبي - ﷺ - لما عاد راجعًا بأصحابه إلى الحديبية - وكان قد اتجه نحو مكة - نزل بالناس على
[ ٥ / ١٤٩ ]
ثمد (١) من ثماد الحديبية ظنون (٢) قليل من الماء تبرضًا (٣)، فاشتكى الناس إلى رسول الله - ﷺ - قلة الماء، فانتزع سهمًا من كنانته فأمر به فغرز في الثّمد فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه (٤) بعطن (٥) قال: وإنهم ليغرفون بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر، والذي نزل بالسهم في البئر ناجية بن الأعجم (٦) من أسلم، ويقال إن الذي نزل بالسهم في البئر حتى جاشت هو ناجية بن جندب الأسلمي (٧).
فكان ناجية بن الأعجم يحدّث فيقول: دعاني رسول الله - ﷺ - حين شُكي إليه قلة الماء، فأَخرج سهمًا من كنانته ودفعه إليّ ودعاني بدلو منم ماء البئر، فجئته به فتوضَّأ، فقال: مضمض فاه، ثم مجَّ في الدلو، والناس في حر شديد وإنما هي بئر واحدة وقد سبق المشركون إلى بلدح فغلبوا على مياهه، فقال: انزل بالماء فصبه في البئر وأثِّر (٨) ماءُها بالسهم، ففعلت فوالذي بعثه بالحق ما كنت أَخرج حتى كاد يغمرني، وفارت كما تفور القدر حتى طمّت، واستوت بشفيرها يغترفون ماءَ من جانبها حتى نهلوا من آخرهم.
_________________
(١) الثمد: بفتح أوله وثانيه: الماء القليل الذي لا مادة له، كذا قال في الصحاح، ص ٤٤٨.
(٢) الظنون: بفتح أوله: قال في الصحاح ص ٢١٦٠: البئر التي لا يدري أفيها ماء أم لا، ويقال القليلة الماء.
(٣) قال في الصحاح ص ١٠٦٦: (برض الماء من العين إذ خرج وهو قليل).
(٤) صدر عن الماء: تركهـ.
(٥) العطن بفتح أوله وثانيه: مبرك الإبل حول الماء.
(٦) هو ناحية بن الأعجم الأسلمي قال في الإصابة: ذكره ابن سعد في الصحابة كان ناجية هذا يحمل لواء بني سليم يوم الفتح ويحمل اللواء الثاني بريدة بن الخصيب، قال ابن شاهين: ماتت ناجية بالمدينة في آخر خلافة معاوية.
(٧) ناجية بن جندب: تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
(٨) أثر في الشيء: ترك الأثر فيه.
[ ٥ / ١٥٠ ]
موقف المنافقين من هذه المعجزة:
وقد كان نفر من المنافقين (عبد الله بن أبيّ (١) والجد بن قيس (٢) حاضرين عندما جاشت البئر بالماء، فدار بينهم نقاش حول المعجزة النبوية، وقد لام بعضهم عبد الله بن أُبَيّ، على التمسك بالسير في خط النفاق بعد الذي رأَوا بأَعينهم. ولكنه أصرَّ على أَن يبقى وأصحابه في عماءِ النفاق.
قال ناجية بن الأعجم: وكان على لماء يومئذ نفر من المنافقين، الجد بن قيس وأوس، وعبد الله بن أبي، وهم جلوس ينظرون إلى الماء، والبئر تجيش بالرواء وهم جلوس على شفيرها، فقال أوس بن خولى (٣) لعبد الله بن أبي: ويحك يا أبا الحباب، أما آن لك أَن تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا شيء؟ وردنا بئرًا يتبڑرَّض ماؤهھا - يتبرّض: يخرج في القعب جرعة ماءٍ - فتوضأ رسول الله - ﷺ - في الدلو ومضمض فاه في الدلو، ثم أفرغ الدلو فيها ونزل بالسهم فحثحثها فجاشت بالرواء. قال: يقول ابن أُبَيّ: قد رأَيت مثل هذا، فقال: أوس: قبَّحك الله وقبَّح رأيك.
_________________
(١) انظر ترجمة ابن أبي في كتابنا (غزوة بدر).
(٢) تقدمت ترجمة الجد بن قيس فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) هو أوس بن خولى بن عبد الله بن الحارث الخزرجي الأنصاري، كان رجلا قوي البنية خلفه رسول الله صلى الله عليه وسله عليى مفرزة من أصحابه ليترقبوا قريشًا في عمرة القضاء ويحبطوا عليها أي كيد تريد أن تكيد به المسلمين، خلفه على هذه المفرزة بذي طوى (ضواحي مكة) ذكره الزهري وموسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا، وآخى الرسول ﷺ بينه وبين شجاع بن وهب، شارك أوس في غسل النبي ﷺ بعد وفاته، ومات أوس في خلافة عثمان قبل حصاره، وقال في الإصابة: كان أوسًا أحد الخمسة الذين فتكوا بزعيم اليهود سلام بن أبي الحقيق في خيبر.
[ ٥ / ١٥١ ]
نموذج من نفاق ابن أُبي:
وقد بلغ رسول الله - ﷺ - عدم تسليم عبد الله بن أُبي بمعجزته - ﷺ -، الآنفة الذكر وسخريته منها أثناء مناقشة أوس بن خولى له.
ولذلك عندما جاء عبد الله بن أبي إلى مجلس رسول الله - ﷺ - (وكان ابن أُبي سيدًا من سادات الخزرج)، قال له النبي - ﷺ -: (أَي أَبا الحباب، أَين رأَيت مثل ما رأَيت اليوم؟) فقال: ما رأَيت مثله. قط، فذكَّره النبي - ﷺ - بما قاله لأوس بن خولى قائلا: (فلم قلت ما قلت؟) فلم ينكر ابن أبي مقالته النكراء، بل أُسقط في يده فقال (ليتجنب نقمة المسلمين): أستغفر الله، قال ابنه عبد الله بن عبد الله: (وكان من أبرّ وأصلح شباب الصحابة: استغفر له يا رسول الله، فاسغفر له - ﷺ -.
مقالة الجد بن قيس المنافق:
وكان الجد بن قيس زعيمًا في قومه الأنصار، وكان لا يبعد عن ابن أُبَي من حيث النفاق والبغض للنبي - ﷺ - ولكنه خرج معه ليس للعمرة، وإنما لتخذيل الناس عنه وبث الفتنة في نفوسهم إن أمكنه ذلك.
فقد ذكر الواقدي عن أبي قتادة أنه قال: لما نزلنا على الحديبية، والماء قليل، سمعت الجد بن قيس يقول: ما كان خروجنا إلى هؤلاء القوم بشيء، نموت من العطش عن آخرنا، قال أبو قتادة: قلت لا تقل هذا يا أبا عبد الله، فلم خرجت؟ قال: خرجت مع قومي: فلم تخرج معتمرًا؟ قال: لا والله ما أحرمت. قال أبو قتادة: ولا نويت
[ ٥ / ١٥٢ ]
العمرة؟ قال: لا، فلما دعا رسول الله - ﷺ - الرجل فنزل بالسهم، وتوضأ رسول الله - ﷺ - في الدلو ومج فاه فيه، ثم ردَّه في البئر فجاشت البئر بالرواء، قال أبو قتادة: فرأَيت الجد مادًّا رجليہهـ على شفير البئر في الماءِ، فقلت: أبا عبد الله أين ما قلت؟ قال: إنما كنت أمزح معك، لا تذكر لمحمد مما قلت شيئًا. قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرته قبل ذلك للنبي - ﷺ - قال: فغضب الجد وقال: بقينا مع صبيان من قومنا لا يعرفون لنا شرفًا ولا سنًّا، لبطن الأَرض اليوم خير من ظهرها، قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرت قوله للنبي - ﷺ -، فقال: - ﷺ - ابنه خير منه. قال أَبو قتادة: فلقيني نفر من قوي فجعلوا يؤنِّبونني ويلومونني حين رفعت مقالته إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت لهم: بئس القوم أنتم، ويحكم، عن الجد بن قيس تذبون؟ قالوا: نعم، كبيرنا وسيدنا. فقلت: وقد والله طرح رسول الله - ﷺ - سؤدده عن بني سلمة، وسوَّد علينا بِشر بن البرَاء بن معرور (١)، وهدمنا المنامات التي كانت على باب الجد وبنيناها على باب بشر بن البراء، فهو سيدنا إلى يوم القيامة.
يمتنع عن المبايعة تحت الشجرة:
وقال أبو قتادة: فلما دعا رسول الله - ﷺ - إلى البيعة (في الحديبية) فرَّ الجد بن قيس، فدخل تحت بطن البعير، فخرجتُ أَعدو، وأخذت بيد رجل كان يكلمني فأَخرجناه من تحت بطن البعير، فقلت: ويحك ما أدخلك ها هنا؟ أفرارًا مما نزل به الروح القدس؟ قال: لا، ولكني
_________________
(١) انظر ترجمة البراء بن معرور في كتابنا (غزوة خيبر).
[ ٥ / ١٥٣ ]
رعبت وسعيت الهيعة (١) قال الرجل: لا نضحت عنك أَبدًا، وما فيك خير، فلما مرض الجد بن قيس ونزل به الموت، لزم أَبو قتادة بيته فلم يخرج حتى مات ودفن، فقيل له في ذلك، فقال: والله ما كنت لأُصلي عليه وقد سمعته يقول يوم الحديبية: كذا وكذا، وقال في غزوة تبوك: كذا وكذا واستحيت من قومي يروني خارجًا ولا أَشهده (٢).
الغلام الذي أعجب الرسول بفصاحته:
كانت قبيلة خزاغة اليمنية (مسلمها وكافرها) على ولاء المسلمين ولهذا فإن النبي - ﷺ - وأصحابه لما نزلوا الحديبية (وكانت قريبة من منازل خزاعة) أَحبت خزاعة إظهار مشاعر الود والصداقة للمسلمين فأَهدى عمرو بن سالم (٣) وبسر بن سفيان الخزاعيان غنمًا وجزورًا للمسلمين أَهدى عمرو، وبُسْر غنمًا لرسول الله - ﷺ - وأَهدى عمرو بن سالم جَزورًا لسعد بن عبادة، وكان صديقًا له، فجاء سعد بالغنم إلى رسول الله - ﷺ - فقال - ﷺ -: وعمرو قد أَهدى لنا ما ترى فبارك الله في عمرو (٤).
_________________
(١) الهيعة، بفتح الهاء: (قال في النهاية: الصوت وتفزع وتخافه من عدو).
(٢) انظر مجمع الزاوئد ج ٦، ص ١٤٤ وسيرة ابن هشام ج ٢ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٧ وما بعدها.
(٣) هو عمرو بن سالم بن حضير بن سالم الخزاعي، أسلم قبل الفتح وكان أحد أعضاء الوفد الذين جاءوا إلى المدينة يبلغون رسول الله - ﷺ - نقض قريش وبني بكر صلح الحديبية باعتدائهم على خزاعة والصلح قائم، حمل عمرو أحد ألوية خزاعة يوم الفتح.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٩٢.
[ ٥ / ١٥٤ ]
قال الواقدي: (المغازي ج ٢ ص ٥٩٢)، وكان الذي جاء بالهدية غلام منهم، فأَجلسه رسول الله - ﷺ - بين يديه، والغلام في بردة بلية، فقال: يا غلام، أَين تركت أَهلك؟ قال: تركتهم بضجنان وما والاه. فقال: كيفَ تركت البلاد؟ فقال الغلام: تركتها وقد تيسرت، قد أَمشر (١) عضاها، وأَغدق إذخزها (٢) وأَسلب ثمامها (٣) وأَبقل حمضها (٤) وانبلَّت الأَرض فتشبعت شاتها إلى الليل، وشبع بعيرها إلى الليل مما جمع من خوص وضمد الأَرض (٥) وبقل وتركت مياههم كثيرة تشرع فيها الماشية، وحاجة الماشية إلى الماء قليل لرطوبة الأَرض، فأَعجب رسول الله - ﷺ - لسانه، فأَمر رسول الله - ﷺ - بكسوة للغلام، وقال الغلام: إني أُريد أَن أَمسّ يدك أَطلب بذلك البركة، فقال رسول الله: أَدن مني، فدنا فأخذ يد رسول الله - ﷺ - فقبّلهھا، ومسح رسول الله - ﷺ - على رأْسه وقال: بارك الله فيك فكان قد بلغ (الغلام) سنًّا، وكان له فضل وحال في قومه حتى توفي زمن الوليد بن عبد الملك اهـ.
النبي يبلع قريشًا نواياه السلمية رسميًّا:
وعندما استقر المقام بالنبي - ﷺ - في الحديبية، (ولما كان قد استبعد فكرة الحرب (أَساسًا) منذ خروجه من المدينة) بعث إلى قريش
_________________
(١) أمشر: خرج ورقه.
(٢) الإذخر، بكسر الهمزة: الحشيش الأخضر والحشيش طيب الريح (كذا قال في القاموس المحيط).
(٣) أسلب ثمامها: أي أخرج خوصها (كذا قال في النهاية لابن الأثير ج ٢ ص ١٧٣).
(٤) أبقل: أي نبت وظهر.
(٥) ضمد الأرض: رطبها (النهاية في غريب الحديث ج ٣ ص ٢٥).
[ ٥ / ١٥٥ ]
من يبلغهم رسميًّا، أَنه - ﷺ - لم يأْت للحرب، وإنما جاءَ مسالمًا، لا هدف له من مجيئه سوى أَداءِ مناسك العمرة ثم الانصراف بعد ذلك إلى المدينة، وطلب من مبعوثه الخاص (خِراش بن أُميَّة الكعبي (١) في رسالة شفوية حمَّله إياها إلى قريش) أن يبلغهم ذلك، ويحاول إِقناعهم بأَن يتركوا التصلب، فلا يتسببوا في إثارة حرب مدمرة لا ضرورة لها، وذلك بأَن يخلوا بينه وأَصحابه وبين مكة ليقضوا مناسكهم ثم يعودوا إلى المدينة.
وكان مبعوث النبي - ﷺ - إلى قريش رجلًا من خزاعة (جارة قريش والتي ليست على خلاف معها بل كانت أَقرب ما تكون إلى الحياد).
وقد ذهب خراش بن أُمية - الذي يمكن تسميته بمبعوث السلام - ذهب إلى قريش حيث تعسكر بقضها وقضيضها وحلفائها ونسائها - وأطفالها في وادي بَلدح .. ذهب ليبلغها عرض الرسول - ﷺ - المتضمن دعوتها إلى التخلي عن فكرة الحرب والجنوح إلى السلم، ولكن مبعوث السلام لم يكد يصل إلى معسكر قريش ليبلغ أَشرافها رسالة النبي - ﷺ -، حتى حال بينه وبين ذاك المتهوِّرون منهم، فهاجموه وعقروا الجمل الذي كان يركبه وحاولوا قتله، لولا أَن حماه عقلاؤهم من ذلك، وكان الذي حاول قتله عكرِمة بن أَبي جهل.
_________________
(١) هو خراش بن أمية بن ربيعة بن الفضل الخزاعي، كان حليف بني مخزوم، قال ابن عبد البر: حضر خراش خيبر والحديبية وما بعدهما، بعثه رسول الله - ﷺ - إلى مكة فأدته قريش وعقرت جمله، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، وذكر ابن الكلبي أنه كان حجامًا، حلق خراش رأس رسول الله - ﷺ - عند المروة في عمرة القضية، قاله في الإصابة.
[ ٥ / ١٥٦ ]
قال الواقدي: وكان أَول من بعث رسول الله - ﷺ - إلى قريش - خراش بن أُميَّة الكعبي على جمل لرسول الله - ﷺ - يقال له الثعلب، ليبلِّغ أشرافهم عن رسول الله - ﷺ - ما جاءَ له ويقول: إنما جئنا معتمرين معنا الهَدْي معكوفًا، فنطوف بالبيت ونحلّ وننصرف، فعقروا جمل النبي - ﷺ -، والذي ولى عقره عكرمة بن أَبي جهل وأَراد قتله، فمنعه مَنْ هناك من قومه حتى خلوا سبيله، فرجع إلى النبي - ﷺ - ولم يكد، فأَخبر النبي - ﷺ - بما لقى فقال: يا رسول الله ابعث رجلًا أَمنع مني (١)
وسيط السلام الأول:
ويذكر المؤرخون أن أول وفد من عرب المنطقة المجاورة للحرم قابل النبي - ﷺ - هو وفد خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح (٢) رسول الله - ﷺ - بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع (٣) لا يخفون عليه بتهامة شيئًا.
فقد جاءَ الوفد منهم برئاسة بُديل بن ورقاءَ فسلموا على رسول الله - ﷺ - ثم قال بُدَيل بن ورقاءَ - وكأَنه يحاول التوسط لتخفيف حدة التوتر بين الفريقين -: قد جئناك من عند قومك، كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد استنفروا لك الأَحابيش ومن أَطاعهم، معهم العُوذ
_________________
(١) انظر الإصابة لابن حجر ج ١ ص ٤٣١ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٤ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٩٣.
(٢) عيبة رسول الله: قال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية (أي موضع الأمانة على سره).
(٣) الموادعة: معاهدة عدم الإعتداء.
[ ٥ / ١٥٧ ]
المطافيل - النساء والصبيان - يقسمون بالله لا يخاون بينك وبين البيت حتى تَبيدَ خضراؤهم.
وقد أَجاب النبي - ﷺ - على الوسيط سيد خزاعة بقوله - ﷺ -: "إِنَّا لم نأْتِ لقتال أَحد، إِنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا قاتلناه، وقريشٌ قوم قد أَضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأْمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس، والناس أَكثر منهم، فإِن ظهر أَمري على الناس كانوا بين أَن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أَو يقاتلوا وقد جمعوا، والله لأَجهدنَّ على أَمري هذا حتى تنفرد سالفتي (١) أَو ينفذ الله أَمره".
بديل بن ورقاء يتأثر بقول النبي - ﷺ - وينصح قريشًا بقبول عرضها السلمي:
ويظهر أَنَّ سيد خزاعة لم يأْت وسيطًا من قبل قريش، وإنما جاءَ من تلقاءِ نفسه باذلًا مساعيه الحميدة ليكون داعية سلام بين الفريقين، كزعيم له وزنه وتأْثيره، لا يزال في موقف المحايد، خارجًا عن دائرة الصراع بين المسلمين وقريش، لأَنه لم يكن حتى تلك الساعة قد أَسلم، وإنما كانت بہينه وبين النبي - ﷺ - اتفاقية موادعة (معاهدة عدم إعتداءٍ) كما أَنه وقومه ليسوا في حالة حرب مع قريش.
والمتعمق فيما قاله النبي - ﷺ - لوسيط السلام بُدَيل بن ورقاءَ يجد
_________________
(١) السالفة: صفحة العنق، وكان هذا من النبي - ﷺ - تعبيرًا عن أنه لن يتخلى عن دعوته حتى ولو كان في ذلك ذهاب روحه.
[ ٥ / ١٥٨ ]
أَنه قول يحمل كل معاني الحصافة والمرونة والاتزان مع إعلان الثقة والقدرة العسكرية.
فهذا الرد النبوي الكريم يضمن الرغبة الصادقة الأَكيدة في السلم وحقن الدماءِ، إلا أَنه في الوقت نفسه يتضمن التصريح بعدم الخوف من الحرب، بل الترحيب بها إذا ما فرضتها قريش الشرك على المسلمين وعلى نفسها، بغيًا وبطرًا، كما تضمن الرد النبوي إبلاغ قريش بأَن تزيل من مخيِّلتها (وإلى الأَبد) فكرة الأَمل في أَية تنازلات يعطيها النبي - ﷺ - على حساب الإِخلال بجوهر دعوته، مهما كانت الظروف والأَحوال.
ولقد وعى بديل بن ورقاءَ ما سمع من النبي - ﷺ - بل وتأَثَّر به غاية التأَثر، وكان عمرو بن سالم الذي كان ضمن الوفد الخزاعي، أَحد الذين تأَثَّروا بما سمع من النبي - ﷺ - من دعوة صادقة إلى السلام إلى درجة أَنه كان يقول (وهو عائد مع بُدَيل وكأَنه يخاطب قريشًا): والله لا تُنصَرون على من يعرض هذا أبدًا (يعني العرض السلمي الذي كلَّف النبي - ﷺ - بُدَيل بن ورقاءَ - ضمنًا - أَن يعرضه على قريش حين يلقاها.
يطلبون مقاطعة الوفد الخزاعي:
وقبل أَن يصل ساعي السلام بُدَيل بن ورقاءَ ووفده إلى معسكر قريش في وادي (بَلْدح) حاول بعض المتطرفين من سادات قريش الشباب حمل قريش على مقاطعة وفد السلام لأَنهم أَدركوا سلفًا أَنه ما جاءَ إلا ساعيًا لإِحلال السلام والعمل على منع نشوب الحرب بين النبي
[ ٥ / ١٥٩ ]
وقومه، فقد قال هؤلاء المتطرفون: هذا بدَيل وأَصحابه إنما جاؤوا يريدون أَن يستخبروكم، فلا تسأَلوهم عن حرف واحد.
فلما رأَى بُدَيل وأصحابه أَنهم لا يستخبرونهم قال بُديل: إِنا جئنا من عند محمد، أَتحبُّون أَن نخبركم؟ فقال عِكرِمة بن أَبي جهل والحكم بن العاص: لا والله ما لنا حاجة بأَن تخبرنا عنه، ولكن أَخبروه عنا أَنه لا يدخلها علينا عامه هذا أَبدًا حتى لا يبقى منا رجل.
وكان عروة بن مسعود سيد ثقيف حاضرًا يسمع ما يدور من حديث بين وفد خزاعة والمتطرفين من قريش، لأَن عروة حليف قريش، وجاءَ من الطائف بقومه ليساندها عسكريًّا ضد المسلمين إذا ما نشبت الحرب بينهما.
لا يفلح قوم فعلوا هذا أبدًا:
إلا أَنه كسيِّد حاذق محنَّك ذي عقل راجح وتجارب عديدة استهجن صنيع عِكْرِمة بن أَبي جهل والمتطرفين من الشباب القرشي الطائش فقال: والله ما رأَيت كاليوم قط رأَيًا أعجب، وما تكرهون أَن تسمعوا من بُدَيل وأَصحابه؟، فإِن أَعجبكم أَمر قبلتموه، وإِن كرهتم شيئًا تركتموه، لا يفلح قوم فعلوا هذا أَبدًا.
وقد مال عقلاءِ مكة وأشرافها (فيهم الحارث بن هشام (١) وصفوان بن أُمية) إِلى الأَخذ بنصيحة عروة بن مسعود، فأَسكتوا المتطرفين من
_________________
(١) هو الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المخزومي، أَخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد، كان من أشراف مكة في الجاهلية، مدحه الشاعر اليهودي كعب بن الأشرف عندما جاء إلى مكة يحرض قريشًا =
[ ٥ / ١٦٠ ]
أَبنائهم، ثم قالوا لبُدَيل بن ورقاءِ ورجال وفد السلام الذين معه: أَخبرونا بالذي رأَيتم والذي سمعتم.
فأَبلغهم رجال الوفد الخزاعي بما قالوه للنبي - ﷺ - وما قاله لهم، ثم أَبلغوهم العرض الذي عرضه النبي - ﷺ - الذي يدعوهم فيه إلى إِقامة سلم بين المسلمين وقريش يأْمن فيه كلٌّ من الجانبين الآخر ولو لمدة معينة، تبدأُ هذه المدة بالسماح للمسلمين بأَداءِ مناسك عمرتهم، وتقف قريش أَثناءِها موقف الحياد عندما يشتبك النبي - ﷺ - مع باقي العناصر الوثنية، فإن انتصر النبي على باقي العرب دخلت قريش فيما يدخل فيه العرب، وإن لم ينتصر، تستطيع قريش أَن تقاتل المسلمين وهي على جانب كبير من القوة.
_________________
(١) = على المسلمين بعد معركة بدر الكبرى .. شهد الحارث بدرًا وأحدًا مع المشركين، ثم أسلم عام الفتح فحسن إسلامه حتى صار في عداد خيار الصحابة، حضر الحارث سقيفة بني ساعدة (وكان يومئذ سيد بني مخزوم) ساهم في مناقشة الأنصار لصالح قريش عندما احتدم الخلاف حوله (في من تكون الخلافة)، وكان له مقال مشهور خالد يدل على رجاحة العقل ومتانة الدين: (والله لولا قول رسول الله - ﷺ - الأئمة من قريش - ما أبعدنا منها الأنصار ولكانوا لها أهلا، ولكنه قول لا شك فيه، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصير الله هذا الأمر فيه .. عندما تدفقت الجيوش الإسلامية خارج الجزيرة للجهاد، خرج الحارث من مكة بأهله مجاهدًا إلى الشام، وذلك في عهد عمر، وما زال يجاهد حتى توفاه الله وهو مرابطًا في حالة الجهاد وذكر الواقدي (كما في الإصابة) أن الحارث مات في طاعون عمواس، كان الحارث يضرب به المثل في الشرف والسودد حتى قال الشاعر في ذلك: أظننت أن أباك حين تسبى في المجد كان الحارث بن هشام أولى قريش بالمكارم والندى في الجاهلية كان والإسلام
[ ٥ / ١٦١ ]
قريش ترفض عروض السلام النبوية:
هذه خلاصة العرض النبوي للسلام والذي حمله بُدَيل بن ورقاء الذي تبرع مشكورًا وجعل من نفسه ومن أَصحابه (كما يقولون) حمامة سلام بين الفريقين.
وبعد أَن أَبلغ بُدَيل بن ورقاءَ وأَصحابه رسالة النبي السلمية إلى قريش، قال لهم - ناصحًا ومنتقدًا في آن واحد -: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد وإن محمدًا لم يكن باعث حرب، ولم يأْت لقتال وإِنما جاءَ زائرًا لهذا البيت فشتموه واتهموه بالتحيُّز للمسلمين ثم أَصرُّوا على موقفهم المتعنِّت قائلين: (حتى وإن كان جاءَ محمد ولا يريد قتالًا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أَبدًا، أَيريد محمد أَن يدخلها علينا في جنوده معتمرًا .. تسمع العرب أَنه قد دخل علينا عَنوة، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا، والله لا كان هذا أبدًا، ومنَّا عين تطرف (١).
الوسيط الثاني:
غير أَن عروة بن مسعود الثقفي (٢)، نصح حلفاءَه بالتزام جانب الاعتدال وأَنكر عليهم رفض العرض النبوي الذي حمله إليهم بديل بن ورقاء الخزاعي.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١١ وصحيح البخاري ج ٥ ص ٢٦٧ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٣٦ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٩٣ - ٥٩٤ نشر جامعة أكسفورد، طبعة دار المعارف المصرية، والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٦٦، وتاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٢٥ وما بعدها.
(٢) هو عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، سيد عظيم من سادات ثقيف =
[ ٥ / ١٦٢ ]
لقد كان عروة بن مسعود هذا سيدًا مطاعًا في قومه وكان (كما تقدم حليفًا لقريش ومرابطًا مع قومه ثقيف في معسكر قريش أَثناءِ أَزمة الحديبية، وكان فوق ذلك له نسب وصهر في قريش، إذ كانت أُمه سيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف.
وكان هذا السيد الثقفي بحكم وجوده وحكم مركزه القيادي في معسكر قريش (كقائد لقوات القبائل الثقفية الحليفة) يرقب الأَحداث والتطورات في أَزمة الحديبية، وكان يطلّع (بدقة) على ما يدور بين النبي - ﷺ - وقريش حول هذه الأَزمة الحادة، مما جعله يدرك الصورة الصحيحة لموقف النبي - ﷺ - وأصحابه، وهي الصورة التي أعطت قريشًا حلفاءُها من ثقيف والأَحابيش عكسها إذ زعمت لهم أَن محمدًا - ﷺ - وأصحابه جاؤوا معتدين بقصد إهانة قريش والمسّ بكرامتها وإنهاءِ وجودها، ولم تذكر لهم الحقيقة أَو شيئًا منها، وهي أَنَّ النبي وأَصحابه لم يأْتوا إلا معتمرين مسالمين، وأَن فكرة الحرب لم يكن لها أَيّ وجود في أَذهان النبي وأَصحابه منذ أَن غادروا المدينة في اتجاه مكة.
_________________
(١) = كانت له اليد الطولى في تقرير صلح الحديبية، أسلم سنة تسع من الهجرة وحسن إسلامه، وفيه قال النبي - ﷺ - (كما في صحيح مسلم): عرض على الأنبياء ورأيت عيسى، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود .. بعد أن أسلم استأذن النبي - ﷺ - في أن يذهب إلى قومه ثقيف ليدعوهم إلى الإسلام، فقال - ﷺ -: إني أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له، فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصموه، ثم قتلوه، قتله رجل منهم بسهم، فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - قال: مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه وقيل له: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي.
[ ٥ / ١٦٣ ]
وعلى أَساس الإدراك الصحيح والتقييم للموقف (كما هو) لدى عروة بن مسعود، ولدى سيّد الأَحابيش الحُليس بن زبَّان تبين لهما أَن النبي وأَصحابه لم يكونوا مخطئين ولا معتدين حينما جاؤوا محرمين، قاصدين تعظيم البيت فحسب، لأَن ذلك حق لهم كسائر العرب، ليس من حق أَحد أَن يحول بينهم وبين مباشرته.
وتكوَّن لدي عروة بن مسعود (آنيذ) أَن العرض النبوي الذي يدعو فيه قريشًا إلى السلم والموادعة ونبذ الحرب عرض عادل وخُطة رشد لا يجوز لقريش أَن ترفضها، لأَن هذا الرفض يجعل قريشًا (أَمام العرب) في الموقف البغيض الذي أَراد سادات مكة أَن يضعوا النبي - ﷺ - فيه.
ولهذا فقد وجَّه عروة بن مسعود اللوم صراحة إلى حلفائه القرشيين، ونصحهم بأَن يقبلوا العرض النبوي القائم على أَساس إنشاء معاهدة سلام يمكن المسلمين والقرشيين.
فقد قال لهم: يا معشر قريش تتهموني؟ قالوا: ما أَنت عندنا بمتهم، ثم قال لهم: أَلستم الوالد وأَنا الولد؟ وقد استنفرت لكم أَهل عكاظ لنصرتكم، فلما بلحّوا (١) عليّ نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أَطاعني، فقالوا: قد فعلت، فقال: إني ناصح لكم شفيق عليكم، لا أَدخر عنكم نصحًا، وإن بُديلًا قد جاءَكم بخطة رُشْد (يعني العرض النبوي) لا يردّها أَحد إلا أَخذ شرًّا منها فاقبلوها منه.
ثم اقترح عليهم أَن يكون مبعوثهم ووسيطهم إلى النبي - ﷺ - ليتفاوض معه ويتباحث حول هذا النزاع عساه أَن يتوفق لحل هذه
_________________
(١) بلحوا: أي امتنعوا من الإجابة.
[ ٥ / ١٦٤ ]
المشكلة الخطيرة التي كادت (بسبب تصلّف قريش وعنادها) أَن تتحول إلى حرب ضروس مدمِّرة، كلا الفريقين يخشى الإِقدام عليها.
فقد قال عروة القريش: ابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده (يعني الخطة التي عرضها النبي - ﷺ - على قريش، وأَكون لكم عينًا عليه آتيكم بخبره (١).
عروة بن مسعود في معسكر المسلمين:
فوافقت قريش على أَن يكون عروة مبعوثها إلى النبي - ﷺ -، فذهب عروة إلى الحديبية، وهناك استقباله النبي - ﷺ - كوسيط يمكن أَن يكون في وساطته إِبعاد لشبح الحرب الذي أَصبح مطلًا بوضوح نتيجة بغي قريش وعنادها.
لقد كان سيد ثقيف يعلم يقينًا بأَن الحق في جانب النبي وأَصحابه وأَن الخطأَ كل الخطأَ في أَن تصر قريش على منعهم من دخول مكة لزيارة البيت وأَداء مناسك العمرة، ومع ذلك فإنه كوسيط سياسي لقوم هم حلفاؤه وأَصهاره، فإنه قد تجاهل هذه الحقيقة أَثناء محادثاته التي أَجراها مع النبي - ﷺ - في الحديبية، بل حاول في هذه المحادثات إلقاء اللوم على النبي - ﷺ - وتحميله مسؤولية تصعيد الأَزمة التي بدت وكأَنها تتحول إلى حرب يتفانى فيها الفريقان، قاصدًا بذلك إقناع النبي - ﷺ - بل تخويفه ليخرج عروة حلفاءه من ورطتهم، وذلك لن يكون إلا بأن يعود النبي - ﷺ - وأَصحابه دون أَن يدخلوا مكة، ودونما
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٣ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٩٤.
[ ٥ / ١٦٥ ]
أَيّ قيد أَو شرط، وهذا ما حاول عروة بن مسعود أَن يركّز في محادثاته لتحقيقه.
فقد قال عروة بن مسعود للنبي - ﷺ -: أَجمعت أَوشاب الناس (١) ثم جئت بهم إلى بيضتك (أَي أَصلك) لتفضها بهم.
ثم أَخذ عروة يضرب على وتر الإِشارة بقوة قريش العسكرية والتلويح بأَنها قادرة على منع النبي وأَصحابه من دخول الحرم إن هم أَصرُّوا على دخوله فقال: (إنها قريش قد خرجت معها العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أَن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، يا محمد إِني تركت قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي على أَعداد (٢) الحديبية، قد استنفروا لك أَحابيشهم ومن أَطاعهم، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أَنت من قتالهم بين أَحد أَمرين، أَن تجتاح قومك، ولم نسمع برجل اجتاح أَصله قبلك، أَو بين أَن يخذلك من نرى معك.
ثم حاول عروة أَن يضعف من ثقة النبي - ﷺ - في أصحابه ويدخل في روعه أَنه لا يمكنه الاعتماد عليهم إذا تحول النزاع إلى حرب شاملة بينه وبين قريش، فقال: (وأَيم الله يا محمد لكأَني بهؤلاء قد انكشفوا عنك إِني لا أَرى معك إلا أَوباشًا من الناس لا أَعرف وجوههم وأَنسابهم، خليقًا بهم أَن يفروا ويدعوك (٣).
_________________
(١) الأوشاب: الأخلاط، مثل الأوباش.
(٢) الأعداد: قال في الإصحاح: جمع العد (بكسر أوله) وهو الماء الذي له مادة لا تنقطع، كماء البئر والعين.
(٣) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٣ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٩٤ وما بعدها، وتاريخ الطبراني ج ٢ ص ٦٢٦.
[ ٥ / ١٦٦ ]
مشادة بين الصديق وعروة بن مسعود:
وكان أَبو بكر الصدّيق واقفًا خلف النبي - ﷺ - أَثناء المحادثات فغضب غضبًا شديدًا لقول عروة بن مسعود الذي هدّد فيه النبي - ﷺ -، بقوة قريش وتنقّص أَصحابه، وقال أَبو بكر العروة (غاضبًا): أَعضض بظر اللات، (واللات صنم ثقيف) أَنحن نفرّ عنه؟؟ .
فقال عروة: من هذا يا محمد؟ .
فقال النبي - ﷺ -: هذا أَبو بكر بن أَبي قحافة.
فقال عروة (يخاطب أَبا بكر): أَما والله لولا يد لك عندي لم أَجزك بها بعد لا أَجبتك (١).
مفارقة رائعة:
ومن عجائب المفارقات التي يستشف منها الدليل القاطع على قدرة تعاليم الإِسلام على تحويل الإِنسان من شيطان مريد إلى آدمي مثالي فاضل نبيل، أَن المغيرة بن شعبة (٢) الثقفي (ابن أَخي عروة بن مسعود)
_________________
(١) كانت اليد التي لأبي بكر الصديق على عروة بن مسعود أنه كان سيدًا في قومه، يحمل الديات لفض المنازعات القبلية، فحمل مرة دية فاستعان بالأشراف فأعانه بالفريضتين والثلاث وأعانه أَبو بكر بعشر فرائض، فكانت هذه هي اليد التي لأبي بكر عند عروة.
(٢) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود (الثقفي) يكنى بأبي عيسى وأبي محمد، كان من الشباب الفاتك في الجاهلية، طوال من الرجال ضخم قوي، عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين، يعد من الشجعان، وكان من قطاع الطرق والعادين على الناس في الجاهلية، من المهاجرين، أسلم قبل الحديبية وكانت أولى مشاهده مع رسول الله ﷺ. شهد بيعة الرضوان، فكان من أهل الشجرة الذين بايعوا رسول الله ﷺ فأعلن الله في القرآن رضاه عنهم (لقد ﵁ المؤمنين =
[ ٥ / ١٦٧ ]
كان أَحد الذين يتولون حراسة النبي الأَعظم - ﷺ - أثناء محادثاته مع عروة.
وكان المغيرة (قبل أَن يهديه الله للإسلام) شابًّا صعلوكًا سكيرًا قاطع طريق، غير أَن اعتناقه للإسلام حوَّله إلى إنسان آخر، صار من الصفوة المختارة والشباب المؤمن القوي الذين اختيروا للقيام بمهمة حراسة النبي - ﷺ - في ذلك الجوّ الملبد بغيوم الحرب.
_________________
(١) = إذ يبايعونك الآية)، وكان من دهاة العرب المشهورين، قال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة فلو أَن مدينة لها ثلاثة أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، كان من قادة الفتح الإسلامي، ولاه الخليفة عمر البصرة، فغزا ميسان وهمذان وفتحها مع بلاد أخرى، حضر حروب الفرس في عهد عمر، وكان ضمن الوفد الذي أرسله القائد سعد إلى قائد الفرس الأعلى للتفاوض ودعوتهم إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب، وهو الذي خرق برمحه بساط رستم، وجلس معه على سريره تحديًا، ولما غضب حراس رستم، فجبذوه من الكرسي بالقوة، قال: الآن علمت أن ملككم سيزول، كان أحسن من الذي صنعتم لو أخبرتموني أن بعضكم أربابًا لبعض، إننا معشر المسلمين نتساوى، وفي صحيح البخاري أن المغيرة كان من مستشاريي القائد الثقي الورع العظيم النعمان بن مقرن، فاتح نهاوند التي يسمى فتحها بفتح الفتوح، لأنه لم تقم للفرس بعد فتحها قائمة، عزل الخليفة عمر المغيرة بعد تلك التهمة التي وجهت إليه والتي جلد بسببها الخليفة ثلاثة من الصحابة بسبب عدم ثبوت هذه التهمة شرعًا .. كذلك ولاه الفاروق إمارة البحرين، وكان المغيرة، أول من سلم عليه بالإمارة .. عندما نشب الصراع الدامي المؤسف بين علي ومعاوية، اعتزل المغيرة الفريقين والتزم الحياد، إلا أنه في النهاية بايع معاوية عندما اجتمع عليه المسلمون بعد مقتل أمير المؤمنين علي وتنازل الحسن ﵃ أجمعين. شهد المغيرة معركة اليرموك التاريخية، وفقد فيها إحدى عينيه، فصار بعدها أعور ويسميه خصومه السياسيون بأعور ثقيف تنقصًا له، ولاه الخليفة معاوية الكوفة فاستمر عليها واليًا حتى مات سنة خمسين، قال الطبري: لا يقع المغيرة في أمر إلا وجد له مخرجًا، ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهر الرأي في أحدهما، اشترك المغيرة مع أبي سفيان في هدم اللات طاغية ومعبود ثقيف، وكان قد عرف مصر حيث سافر إليها وقابل المقوقس في الجاهلية وكان إسلامه عقب عودته من مصر.
[ ٥ / ١٦٨ ]
يقرع عمه بقائم السيف:
وكان من عادة العرب في الجاهلية أَن يمسك الزي بلحية الذي يراه نِدًّا له أَثناء الحديث، وعلى هذه القاعدة، كان عروة بن مسعود يمسك بلحية رسول الله - ﷺ - أَثناءَ المناقشة .. الأمر الذي استهجنه المغيرة بن شعبة، فانتهر عمه وزجره وقرع يده بقائم السيف قائلا:
اكفف يدك عن مسِّ لحية رسول الله قبل أَن لا تصل إليك فاستعظم عروة (الزعيم) هذا التهديد من الحارس المغيرة قائلا:
ويحك ما أَفظَّك وأَغلظك.
وكان النبي - ﷺ - يبتسم للذي يجري بين عروة المشرك وبين بن أَخيه المسلم.
ولما كان المغيرة لابسًا عُدةً الحرب ومكفَّرًا بالدرع لم يعرفه عمَّه عروة، ولذلك سأل النبي - ﷺ - وهو يكاد يتميَّز من الغيظ -: (يا محمد ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أَصحابك، والله إِني لا أَحسب فيكم أَلأَم منه ولا شرّ منزلة.
فتبسم رسول الله - ﷺ - لهذه المفارقة العجيبة وقال: هذا ابن أَخيك المغيرة بن شعبة.
فازداد غيظ عروة وكاد أَن يجن من الغضب، وقال: أَي غُدْرُ (أَي يا غادر): والله ما غسلت غدرتك بعكاظ إِلا بالأَمس وقد أَورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر (١)؟ .
_________________
(١) يشير عرْوة بن مسعود إلى ما ارتكبه ابن أخيه المغيرة في الجاهلية من قتل ثلاثة عشر رجلا من قومه بني مالك، فقد روى الواقدي (وهو يتحدث عن محادثات عروة في الحديبية): أن المغيرة بن شعبة (وكان شجاعًا، فاتكًا) خرج من نفر من بني مالك =
[ ٥ / ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن حطيط بن جشم بن قسي - والمغيرة أحد ذوي الألباب - ومع المغيرة حليفان له يقال لأحدهما: دمون - رجل من كندة - والآخر الشريد، وإنما اسمه عمرو، فلما صنع المغيرة بأصحابه ما صنع شرده، فسمى الشريد .. وخرجوا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فجاء بنو مالك وآثرهم على المغيرة، فأقبلوا راجعين، حتى إذا كانوا بيسان شربوا خمرًا، فكف المغيرة عن بعض الشراب وأمسك نفسه، وشربت بنو مالك حتى سكروا، فوثب عليهم المغيرة فقتلهم، وكانوا ثلاثة عشر رجلا: فلما قتلهم ونظر إليهم دمون تغيب عنهم، وظن أن المغيرة إنما حمله على قتلهم السكر، فجعل المغيرة يطلب دمون ويصيح به فلم يأت، ويقلب القتلى فلا يراه فبكى فلما رأى ذلك دمون خرج إليه فقال المغيرة: ما غيبك؟ قال: خشيت أن تقتلني كما قتلت القوم. قال المغيرة: إنما قتلت بني مالك بما صنع بهم المقوقس. قال: وأخذ المغيرة أمتعتهم وأموالهم ولحق بالنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: لا أخمسه (أي مال المقتولين)، هذا غدرًا. وذلك حين أخبر النبي ﷺ خبرهم وأسلم المغيرة. وأقبل الشريد (دمون الكندي). فقدم مكة فأخبر أبا سفيان بن حرب بما صنع المغيرة ببني مالك، فبعث معاوية بن أبي سفيان إلى عروة بن مسعود يخبره الخبر - فقال معاوية: خرجت حتى إذا كنت بنعمان (نعمان وادي لهذيل علي ليلتين من عرفات يقع بين مكة والطائف تقطعه اليوم السيارات وهي في طريقها من مكة إلى الطائف). قلت في نفسي: أين؟ - إن سلكت - ذا غفار فهي أبعد وأسهل، وإن سلكت ذا العلق فهي أغلظ وأقرب، فسلكت ذا غفار، فطرقت عروة بن مسعود، قال معاوية: فخرجنا إلى مسعود بن عمر والمالكي فناداه عروة ولم يكن قد كلمه من عشر سنين، فقال: من هذا؟ فقال: عروة. فأقبل مسعود إلينا يقول: أطرقت عراهية أم طرقت بداهية؟ بل طرقت بداهية! أقتل ركبهم أم قتل ركبنا ركبهم؟ لو قتل ركبنا ركبهم ما طرقني عروة بن مسعود! فقال عروة: أصبت، قتل ركبني ركبك يا مسعود انظر ما أنت فاعل، فقال مسعود: إني عالم بحدة بني مالك وسرعتهم إلى الحرب، فهبني صمتًا، قال: فانصرفنا عنه فلما أصبح غدا مسعود فقال: يا بني مالك، إنه قد كان على أمر المغيرة بن شعبة أنه قتل إخوانكم بني مالك فأطيعوني وخذوا الدية، اقبلوها من بني عمكم وقومكم. قالوا: لا يكون ذلك أبدًا، والله لا تقرك الأحلاف أبدًا حين تقبلها. قال: أطيعوني وأقبلوا ما قلت لكم، فوالله لكأني بكنانة بن عبد ياليل قد أقبل تضرب درعه روحتي رجليه، لا يعانق رجلا إلا صرعه، والله لكأني بجندب =
[ ٥ / ١٧٠ ]
حاول عروة بن مسعود تخويف النبي - ﷺ - ليعود من حيث أَتى، وحاول التأْثير (عن طريق التلويح بعظمة قوة قريش) بأَن من مصلحته ومصلحة أَصحابه أَن يزيلوا من أَذهانهم فكرة الأَمل في الطواف بالبيت ما دام القريش سلطان في مكة.
ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وأَصرَّ النبي - ﷺ - على أَن من حقه ومن حق أَصحابه أَن يدخلوا مكة ويطوفوا متى شاءوا، إلا أَنهم لن يتعجلوا الأَمور لنيل هذا الحق عن طريق اقتحام مكة بحدِّ السلاح .. وذلك رغبة منهم في حقن الدماء وأَملًا منهم في يصحو عقلاءُ قريش من سكرة طغيانهم فينتهجوا أَي نهج به يحولون دون سفك الدماءِ، ويفسحون الطريق للمسلمين ليباشروا حقهم الطبيعي في زيارة بھيت الله الحرام شأْنهم في ذلك شأْن كل العرب.
وهكذا انتهت المفاوضة بين النبي - ﷺ - وعروة بن مسعود، دون أَن يتم التوصل إلى أَي اتفاق ينهى الأَزمة .. إِلا أَنه من خلال هذه المحادثات أَكدت لعروة بن مسعود صدق نوايا المسلمين السلمية وأَنهم (فعلًا) إنما جاؤوا في رحلة روحية خالصة (معتمرين لا محاربين) وأَن
_________________
(١) = من ابن عمرو وقد أقبل كالسيد (السيد بكسر السين مع التشديد: الذئب) عاضًا على سهم مفوق بآخر، لا يسير إلى أحد بسهمه إلا وضعه حيث يريد، فلما غلبوه أعد للقتال واصطفوا، أقبل كنانة بن عمله ياليل يضرب درعه روحتي رجليه يقول: من مصارع؟ ثم أقبل أطيعوني! قالوا: الأمر إليك قال: فبرز مسعود بن عمرو فقال: يا عروة بن مسعود أخرج إلي! فخرج إليه، فلما التقيا بين الصفين قال: عليك ثلاث عشر دية فإن المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلا فاحمل بدياتهم. قال عروة: حملت بها، هي علي. قال: فاصطلح الناس، فذلك الذي عناه عروة بن مسعود حينما قال للمغيرة: (والله ما غسلت غدرتك بعكاظ بالأمس).
[ ٥ / ١٧١ ]
قريشًا إنما تفتري وتكذب على المسلمين حينما تروِّج بين عامة العشائر والأَعراب، أَن النبي - ﷺ - وأَصحابه إنما جاؤوا ليهتكوا حرمة مكة فيدخلوها عنوة بقصد الحرب.
ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش:
لذلك عاد الوسيط الثاني إلى حلفائه قريش (بعد أَن فشل في حمل النبي على تنفيذ رغبة قريش بالانسحاب والعودة إلى المدينة دون أَن يطوف بالبيت ودونما أَية ضمانات تعطى له) عاد الوسيط حاملًا إليهم نهاية مفاوضاته الفاشلة، وحاملًا لهم التحذير ومُسْديًا لهم النصح بأَن يحنوا رؤوسهم للعاصفة لتمر بسلام، بأن يخففوا من غلوائهم.
كما نصحهم (في صراحة متناهية) بأَن لا يورِّطوا أَنفسهم في صدام مسلَّح مع النبي - ﷺ - وأَصحابه، لأَن الهزيمة (حسب ملاحظاته وتقديراته) ستكون من نصيب حلفائه القرشيين إن هم تسرَّعوا، وتعجلوا العُدوان.
وقد بانت له هذه الحقيقة التي لم يخفها عن حلفائه .. بانت له على ضوء ما لمسه ورآه من تماسك وحدة القوى الإسلامية داخل معسكر محمد بشكل لم يسبق له أَن سمع أَو رأَى مثله، وعلى ضوء ما رآه من حب عجيب بين المسلمين لنبيهم، وتفان أَعجب في حمايته والدفاع عنه.
فقال عروة السادات مكة: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأَيت ملكًا قط أَطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدُّون إليه النظر، وما
[ ٥ / ١٧٢ ]
يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أَن يشير إلى أمر فيفعل، وما يتنخّم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأَ إلا ازدحموا عليه أَيّهم يظفر منه بشيء، وقد حزرت القوم، واعلموا إن أَردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأَيت قومًا ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأَيت نسيَّات (تصغير نسوة) معه إن كنَّ ليسلمنِّه أبدًا على حال فروا رأَيكم، وإياكم وإضجاع الرأَي (١).
عروة بن مسعود ينصح قريشًا:
ثم نصحهم بأَن يقبلوا ما عرض عليهم النبي - ﷺ - من مهادنة تنهي حالة الحرب بينهم، وحذرهم أَن يذهب بهم الطيش إلى الدخول في صدام مسلَّح مع المسلمين، لأَنه واثق من عدم انتصارهم عليهم، وكرَّر مرة أَخرى انتقاد قريش لإِصرارها على منع المسلمين من دخول الحرم فقال: (وقد عرض عليكم خطة فمادوه (٢) يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أَني أَخاف أَلا تنصروا عليه، ثم قال مستنكرًا فعل قريش في تعجّب: رجل أَتى هذا البيت معظمًا له معه الهدي ينحره وينصرف (٣).
ولدى سماع سادات مكة وزعمائها حديث حليفها عروة بن مسعود (الذي هو أَشبه بالتقرير الدقيق الصحيح يقدمه لهم عن حقيقة الموقف)
_________________
(١) إضجاع الرأي قال في القاموس: (هو الوهن في الرأي).
(٢) مادوه: (أي اجعلوا بينكم وبينه عهد سلام لمدة من الزمن، وكان النبي ﷺ قد عرض عليهم ذلك في رسالة شفوية إليهم مع بديل بن ورقاء الخزاعي كما تقدم.
(٣) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٩٨ وما بعدها.
[ ٥ / ١٧٣ ]
أُسقط في أَيديهم ورأَوا لا مناص لهم من أَن ينحنوا المعاصفة فقرروا التخلِّي عن فكرة منع المسلمين من دخول الحرم (أَبدًا) وقرروا أَن يسمحوا للمسلمين بدخول مكة، ولكن بصورة تحفظ لهم شيئًا من ماءِ وجوههم، وهي أن يعود النبي - ﷺ - وأَصحابه إلى المدينة هذا العام ثم يأْتوا ليدخلوا مكة ويظنون ويسعوا في العام القادم.
وهو الأَمر الذي ما كانت قريش لتوافق عليه مطلقًا عندما ركبت رأْسها وأَعلنت أَنها ستمنع المسلمين من دخول مكة أَبد الآبدين.
وقد أَفصحوا لحليفهم (عروة) عن مشروعهم هذا، وأَنهم سيعرضون الصلح على النبي - ﷺ - على أَساس هذا المشروع، رجاءَ أَن يقبله كحلّ وسط للأزمة.
فقد قالوا لعروة: (راجين منهم كتمان ما صارحتهم به): - لا تتكلم بهذا يا أَبا يعفور (وهذه كنيته)، ولكن، نرده عامنا هذا ويرجع إلى قابل (أَي ليأْتي وأَصحابه ليدخلوا مكة في العام التالي)، فقال عروة (وقد بدا عليه الرضى حتى بهذا المشروع): ما أَراكم إِلا ستصيبكم قارعة ثم انصرف ومن معه من ثقيف إلى الطائف (١).
أول انشقاق في معسكر الشرك:
كان رجوع عروة بن مسعود الثقفي بقومه إلى الطائف (احتجاجًا) على تشدّد قريش وتعنُّتها) أَول انشقاق عملي في المعسكر القرشي، إِذ أَضعف انسحاب عروة بن مسعود بقومه من معسكر قريش مركز هؤلاء القرشيين إِلى حد كبيرـ
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٣٩.
[ ٥ / ١٧٤ ]
ومع ذلك ومع رغبتهم في الصلح وخوفهم من الصَّدام المسلح ظلُّوا على عنادهم يتظاهرون بأَنهم مصممون على منع المسلمين من دخول مكة مهما كانت النتائج .. وذلك مناورة وأَملًا منهم في أَن يضيق المسلمون لطول المقام في الحديبية محرمين شُعْثًا غبُرًا، فيضطروا المعودة إلى المدينة دون أَن يطوفوا بالبيت، ودون أَن يحصلوا على ضمان يضمن لهم دخول مكة معتمرين.
وزاد قريشًا طمعًا في هذا وشجّعها على الاستمرار في المناورة والتهديد، أَن النبي - ﷺ - أَعلن عدم رغبته في الحرب، وأَنه مستعد لقبول أَيّة خطة تعرضها قريش يكون فيها حقن الدم وصيانة حرمة الحرم.
وبالرغم من أَن الوسطاءَ لحل المشكلة يأْتون دائمًا من جانب قريش، فكلّهم يأتي إلى النبي - ﷺ - وهو يحمل الطلب من قريش بأَن يعود المسلمون من حيث أَتوا -كما تقدم- فقد ظل الجو متوترًا رزاده توترًا طول احتباس المسلمين في الحديبية.
فقد ثقل عليهم المقام هناك ممنوعين من دخول الحرم كل هذه المدة .. الأَمر الذي لا يمكن أَن يظلوا صابرين عليه إلى ما لا نهاية فللصبر حدود .. لا سيما وأَنهم قادرون على اقتحام مكة وموقنون بأَن القوات القرشية لن تقوى على الصمود أَمامهم إذا ما أَقدموا على ذلك.
الوسيط الثالث:
ك ان مكرز بن حفص (١) من شياطين قريش وعَلمًا من أَعلامها وكان مشهورًا بالمراوغة والغدر والختل.
_________________
(١) هو مكرز بن حفص بن الأخيف قرشي من بني عامر بن لؤي، اختلفت =
[ ٥ / ١٧٥ ]
لذلك عندما فشل وسيطها الثاني (عروة بن مسعود في وساطته لدى النبي - ﷺ - بعثت قريش بمكرز هذا إلى الحديبية وسيطًا لدى النبي - ﷺ - لعله (بوساطته أَو قل: بدهائه) يحقق كسبًا لقريش في هذه الأَزمة التي بدا لقريش أَنها تزداد استعصاءَ وتعقدًا، لا سيما بعد أَن فارقها أَحد حلفائها الأَقوياءَ (عروة بن مسعود) الذي انسحب بقومه من معسكرها احتجاجًا على تعنتها وعدم إِصغائها لنصحه ومماطلتها في قبول خطة السلم التي عرضها النبي - ﷺ - عليها بواسطة سيد خزاعة، بديل بن ورقاءَ.
فشل الوسيط الثالث:
وصل الوسيط الثالث، مكرز بن حفص، إِلى الحديبية للاجتماع بالنبي - ﷺ - لبحث موضوع الأَزمة القائمة بين الفريقين.
وعندما رآه النبي - ﷺ - مقبلًا، قال: هذا رجل غادر.
إلا أَن النبي - ﷺ - استقبل مكرزًا في مقر قيادته في الحديبية ولم يرفض مقابلته بالرغم من علمه بأَنه من النوع الغادر الذي لا يوثق به.
وقد أجرى مكرز مع النبي - ﷺ - محادثات حول مجيئه، وكانت محادثات مكرز بن حفص تتركز - على ما يظهر - حول إِبلاغ النبي - ﷺ - رغبة قريش في أَن يعود من حيث أَتى، وإِلا فإِن قريشًا قد صممت على منع المسلمين من دخول مكة.
_________________
(١) = في إسلامه، فقد ذكره ابن حبان في الصحابة، وذكر المرزباني في معجم الشعراء أنه لم يسلم، وهو الذي حضر بعد الهجرة إلى المدينة وافتدى سهيل بن عمرو بعد أن وقع أَسيرًا في معركة بدر.
[ ٥ / ١٧٦ ]
غير أَن مكرزًا لم يسمع من النبي - ﷺ - جوابًا على كل ما قاله أَكثر مما أَعلنه صراحة للوسيطين السابقين (بُدَيل بن ورقاءَ وعروة بن مسعود)، وأَبلغه قريشًا رسميًّا، وهو أَنه لم يأَت لقتال، وإِنما أَتى زائرًا معظِّمًا للبيت - إلا أَنه مع ذلك مستعد لمقاتلة من يقاتله.
فعاد مكرز إِلى قريش وأَبلغها تمسُّك النبي - ﷺ - بموقفه الذي أَعلنه للوسيطين (عروة) و(بُدَيل).
الوسيط الرابع:
وعندما لم يفلح مكرز بن حفص العامري في وساطته لجأَت قريش إلى سيد الأَحابيش، الحليس بن زبّان (١) حليفها الأَكبر، فطلبت منه أَن يكون وسيطها الرابع لدى النبي - ﷺ - عسى أَن يتمكن من حلِّ هذا النزاع الخطير لصالحها.
فقد كان الحُلَيس بن زبّان ذا عقل راجح وبصيرة نافذة، وكان سيدًا مطاعًا .. وكان النبي - ﷺ - يعرفه ويعرف فيه التأَله الشديد والتعظيم للحرم.
لذلك كانت قريش - حينما اختارته وسيطها - تطمع في أَن يكون لمركزه الممتاز بين العرب، ولا يتمتع به من تقدير لدي النبي - ﷺ - تأْثير على الرسول - ﷺ - وأَصحابه، تكون نتيجته عودتهم من حيث أَتوا دون أَن يدخلوا مكة أَو يحصلوا على ضمان يضمن السماح لهم بدخولها في وقت آخر.
_________________
(١) تقدمت ترجمة الحليس في هذا الكتاب.
[ ٥ / ١٧٧ ]
أخطر انشقاق في معسكر قريش:
غير أَن الذي حدث، هو أَن وساطة سيد الأَحابيش جاءَت لقريش بعكس ما كانت تأْمل، حيث كانت نتيجة هذه الوساطة نقطة التحول الحاسم لصالح المعسكر الإِسلامي، وتأْييدًا للمبدإِ والفكرة والتي يتمسك بها النبي - ﷺ - وأَصحابه، وهي أَن من حقهم الطواف بالبيت وليس لأَحد كائنًا من كان أَن يحول بينهم وبين مباشرة هذا الحق.
فقد قبل الحليس بن زبّان أن يكون وسيط قريش إلى ابنها النبي - ﷺ - .. كانت قريش تزيَّف الحقائق وتلبس على حليفها الحليس وأَمثاله بأَن محمدًا - ﷺ - وأَصحابه إنما جاؤوا بغاة معتدين يريدون هتلك حرمة البيت بالحرب والقتال.
فكان سيد الأَحابيش - حتى وصوله معسكر المسلمين في الحديبية - يحمل في قرارة نفسه عن المسلمين هذه الفكرة الخاطئة التي رسّبتها في الأذهان دعايات المشركين وأَبواق الوثنيين القرشيين.
ما ينبغي لهؤلاء أَن يصدوا عن البيت:
توجّه الوسيط الرابع (الحليس بن زبّان) من معسكر قريش داخل الحرم إلى حيث يعسكر النبي - ﷺ - بأَصحابه خارج الحرم في الحديبية فلما رآه النبي - ﷺ - مقبلًا، قال لأَصحابه: إِن هذا من قوم يتأَلهون (أَي يتعبَّدون) ويعظمِّون الإِله، ابعثوا الهدي (بفتح الهاءِ وسكون الدال، وهي الإِبل التي تساق لنحرها في الحرم تقرّبًا إلى الله) في وجهه حتى يراه، ففعلوا.
[ ٥ / ١٧٨ ]
فلما رأَى الحليس الهدْي يسيل عليه بقلائده من عرض الوادي قد أَكل أَوباره من طول الحبس عن محله (أَي موضعه الذي ينحر فيه من الحرم) ورأَى المسلمين قد استقبلوه يلبّون وقد شعثوا من طول المكوث على إحرامهم .. صاح (مستنكرًا تصرُّف قريش): سبحان الله ما ينبغي لهؤلاءِ أَن يصدُّوا عن البيت.
أَبى الله إِلا أَن يحجّ لخّم وجُذَام ونَهد، وحِمير ويمنع ابن عبد المطلب.
ثم شدد نكيره على قريش قائلًا: هلكت قريش ورب الكعبة، إنما القوم (يعني المسلمين) أَتوا عمارًا.
فقال النبي - ﷺ -: "أَجل يا أَخا بني كنانة (١).
ودون أن يفاتح سيد بني كنانة النبي - ﷺ - أو يفاوضه كما كلفته قريش، انصرف راجعًا إِعظامًا لما رأَى ومقتنعًا بأَن قريشًا غير محقة في تصرفها إِزاءَ المسلمين.
ولما عادل إِلى قريش قال لها: إِني قدر رأَيت ما لا يحل صده، رأَيت الهدْي في قلائده قد أَكل أَوباره، معكوفًا عن محله، والرجال قد تفلوا وقملوا أَن يطوفوا بهذا البيت! أَما والله ما على هذا حالفناكم، ولا عاقدناكم على أَن تصدُّوا عن بيت الله من جاءَ معظمًا لحرمته مؤديًا لحقه وساق الهدي معكوفًا أَن يبلغ محله (٢).
فغضبت قريش لصراحته، ورأَت في هذه الصراحة تقوية لحجة النبي - ﷺ - وإِسنادًا لمنطقه، لذلك قالت للحليس (ساخرة): اجلس إنما أَنت أَعرابي ولا علم لك (٣).
_________________
(١) (١، ٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٣٧.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٠.
[ ٥ / ١٧٩ ]
سيد الأحابيش ينذر قريشًا:
وهنا غضب هذا السيد الكناني لقول قريش هذا غضبًا شديدًا، ثم هددها بإلغاء الحلف الذي بينه وبينها والانحياز إلى جانب المسلمين إذا لم تقلع عن غيِّها، فتفسح الطريق للنبي وأَصحابه ليطوفوا بالبيت كسائر العرب، فقال: (يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم والذي نفس الحليس بيده لتخلّن بين محمد وبين ما جاءَ له، أَو لأَنفرن بالأَحابيش نفرة رجل واحد (١).
وكان هذا الإِنذار من سيد الأَحابيش الذي أَملته عليه الرجولة، كافيًا لأَن يحداث الذعر والفزاع بين صفوف المشركين في مكة ويجعلهم يفكِّرون مليًّا في إعادة النظر في موقفهم المتعنِّت المتصلف الذي وقفوه من المسلمين.
فقد كان تهديد سيد الأَحابيش بنسف التحالف الذي بينه وبين قريش إِذا لم يخلوا بين النبي وأَصحابه ليطوفوا بالبيت، يعني أن أَخطر انشقاق بل أَخطر تمرّد سيحدث في معسكر الشرك في مكة التي كانت في حالة تأَهب واستنفار للحرب.
لأَن الأَحابيش الذين هم تحت قيادة الحليس بن زبّان الكناني يمثَّلون عدة قبائل قوية غير قرشية صارت قرشية بالحلف تسالم من سالم قريشًا وتحارب من حاربها.
وهذه القبائل هي بنو الهون بني خزيمة، وبنو الحرث بن عبد مناف بن كنانة .. وبنو المصطلق بن خزيمة.
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٢٨.
[ ٥ / ١٨٠ ]
وخروج هذه القبائل على القرشيين وإِلغاؤها الحلف الذي بينها وبينهم يعتبر بمثابة ضربة صاعقة للمعسكر القرشي وخاصة في ذلك الظرف الحرج الذي بلغ فيه التوتر ذروته بين المسلمين ومشركي مكة.
لذلك اهتز المعسكر القرشي لتصريحات سيد الأَحابيش الذي كان يعني كل كلمة قالها في إِنذاره الموجه لطغاة مكة وعتاتها.
فتجسد لسادات مكة ما يهددهم من خطر الانقسام بعد الموقف المشرِّف الذي وقفه سيد الأَحابيش، ضد طغيانهم.
وتبين لسفهاءِ قريش وعقلائها على السواءِ أَن النفوس - حتى وإِن لم يكن أَصحابها مسلمين - ليست كلها بالتي ترضي البغي وتُقرّ العدوان والظلم والتعسف .. وذلك على ضوءِ ما سمعته من حليفها المشرك سيد الأَحابيش الذي شجب تصرفاتها التعسفية وحملَّها مسؤولية تأَزُّم الموقف الذي يهدد بانفجار حرب ليس لها من مبرر إلا العنجهية والنزق.
وعلى أَثر موقف سيد الأَحابيش الحازم الجادّ المنبثق من جداول الخلق العربي الأَصيل، لم يعد لدى قريش أَدنى شك في أَن المتهورين والسفهاءِ ودعاة الحرب منها قد أَوقعوها في ورطة كبيرة، عندما استجابت لهم، فركبت رأْسها (بعد أَن نفخ الشيطان في مناخر زعمائها) فأَعلنوا بأَنهم سيصدون النبيي - ﷺ - وأَصحابه عن البيت، ولو استدعى ذلك امتشاق الحسام وصدّهم عن طريق الحرب. بالرغم من تأَكدهم من نوايا المسلمين السامية واستيقانهم بأَنهم لم يأْتوا محاربين وإنما معتمرين زائرين للبيت.
[ ٥ / ١٨١ ]
البحث عن مخرج من الورطة:
وبعد غضبة سيد الأَحابيش لتصرفات قريش الرعناءِ، وإنذاره الصريح الشديد الذي وجهه إليها أَحد سادتها وزعمائها يبحثون جدِّيًا عن مخرج ينقذهم من الورطة التي وقعوا فيها أَنفسهم ورأَت أَن هذا المخرج لن يكون بالا بعقد صلح يتم بينها وبين النبي - ﷺ - يحفظ لها ماء وجهها، بعد أَن أَقسمت أَن لا يدخل محمد عليها مكة أَبدًا حتى تفنى عن بكرة أَبيها.
وتمهيدًا للظفر هذا الصلح الذي لا سبيل لقريش إِلى الخروج من ورطتها إِلا بالظفر به، أَخذت في ملاطفة حليفها الأَكبر سيد الأَحابيش (بعد أَن أَسمعها كلمات الرجولة والعدل) تلك التي أَداخت باطلها وأزالت عنها كل فعاليات سُكْر البغي والطغيان، حتى صَحَت كل الصحو لترى جريرة تعنتها وبطرها تكاد تحيق بها ويلاتها من كل جانب.
فقد طلب سادات قريش (في رجاءٍ) من سيد الأَحابيش الذي أَعلن أَنه سينحاز إِلى جانب الحق إذا لم ترجع قريش عن غيّها فتخلي بين المسلمين وبين البيت .. طلبوا منه أَن يمنحهم الفرصة الكافية ليبحثوا عن مخرج من ورطتهم قائلين: (منه، كف عنا يا حُليس، حتى نأَخذ لأَنفسنا ما نرضى، وكان الذي يرضون هو الصلح الذي أَبرموه مع النبي - ﷺ - كما سيأتي.
وقد أَجابهم سيد الأَحابيش إِلى ما طلبوا فلم ينسحب من حلفهم بعد أَن رأَى أَنَّ ثمار إِنذاره قد أتت أُكلها بتراجع قريش عن موقفها المتصلب وسعيها للصلح مع المسلمين.
لقد أَوقعت تصريحات سيد الأَحابيش الشديدة قريشًا في مأْزق حرج للغاية، وزاد من موقفها حراجة إن ارتفعت أَصوات كثيرة (بعد تصريح
[ ٥ / ١٨٢ ]
سيد الأَحابيش) داخل المعسكر القرشي تستهجن الحماقة التي أَقدمت عليها قريش بمنعها المسلمين وصدّهم عن البيت بغيًا وعدوانًا.
إِن قريشًا وجدت نفسها في نهاية المطاف في موقف لا تحسد عليه .. بين جذب وشد .. تتخبط في جو من الحيرة والتردُّد.
فلا شيء أَثقل على نفسها من أَن يدخل محمدًا وأَصحابه وهم على هذه الهيئة من العزة والقوة والمنعة، وهم بالأَمس القريب خرجوا من مكة ضعفاءَ خائفين، يتحسسون رؤوسهم وهم يغادرون مكة في جنح الظلام خلسة.
ماذا سيكون مصير مركز قريش الروحي والسياسي الممتازين بين العرب وأَكثرهم يوم ذاك لا يزال على الشرك يدين لقريش بالريادة والقيادة لمكانتها من البيت)؟ .. ماذا سيكون مصير مركزها بين عرب الجزيرة إذا ما علموا أَن محمدًا وأَصحابه البالغ عددهم أَلفًا وخمسمائة، قد دخلوا مكة آمنين مطمئنين دون أَن يلقوا من سدنة الشرك والوثنية أَية مقاومة؟ .
إِن المصير معروف، وهو تصدّع وانهيار هذا المركز في نفوس كل العرب الوثنيين. هكذا كانت تتصور قريش الباغية.
من هنا كانت الرغبة ملحة في نفوس سادات مكة للحيلولة دون دخول المسلمين مكة، ولو أَدَّى هذا إلى استخدام القوة المسلحة.
غير أَن المشركين مع هذه الرغبة الشريرة الملحة في نفوسهم يشعرون شعورًا كاملًا بأَنهم سيكونون الخاسرين لذا ما نشبت الحرب بينهم وبين المسلمين المرابطين في الحديبية .. وهذا الشعور مصدره التجارب العملية القاسية التي مرت بقريش في معارك بدر وأُحد والخندق، حيث
[ ٥ / ١٨٣ ]
تلقوا على أيدي المسلمين (وهم قلة قليلة) أشنع الهزائم والاندحارات المريعة.
فشبح انقضاض ثلاثمائة من المسلمين كالنمور الكاسرة على لف من فرسان مكة وصناديدها يتفوَّقون عليهم في كل شيء - لا قوة العقيدة - في بدر (وبعثرتهم في الشعاب والوهاد كما يبعثر الريح العاصف أوراق الخريف) لا يزال كابوسًا مخيفًا يرعب سادات مكة ويشدهم إلى الوراء كلما أرادوا التفكير (جدِّيًا) في الدخول في حرب ضد المسلمين لصدهم عن البيت بالقوة.
وزاد الطين بلّة موقف سيد الأَحابيش الذي شجب تصرفات قريش التعسُّفية وحمَّلها مسؤولية ما قد يحدث من صدام مسلح داخل الحرم، بل وأنذرها بأَنه لن يلوِّث يده بالدم في هذا الصِّدام إذا ما أصرت قريش على عنادها وبطرها.
ومن جهة أُخرى ازداد موقف المسلمين قوة لا سيما بعد أن وجدوا داخل المعسكر القرشي (كالحليس بن زبَّان) وبين جيران الحرم من غير القرشيين (كسيد خزاعة بديل بن ورقاء) من يؤيدهم ويرى الحق في جانبهم، ويلقي باللوم على قريش ويحمِّلها مسؤولية الأزمة الحادة القائمة والتي كادت تصل إلى درجة اشتعال نار الحرب. ولكن الأَمل الكاذب ظل يراود سادات مكة في تحقيق أَهدافهم العدوانية.
[ ٥ / ١٨٤ ]
الفصل الثالث
* المشركون يهاجمون المسلمين في الحديبية.
* وقوع سبعين أسيرًا في أيدي المسلمين، والنبي يعفو عنهم فيطلق سراحهم.
* قريش تحتجز عثمان بن عفان في مكة، وإشاعة تقول أنه قتل.
* التهاب الموقف بين المسلمين في الحديبية.
* النبي ﷺ يقرر مناجزة قريش ويستنفر أصحابه للحرب.
* الصحابة يبايعون النبي على الموت تحت الشجرة بالحديبية.
* قريش تذعر لإعلان النبي حالة الاستنفار في الحديبية.
* جلسة طارئة في برلمان مكة (دار الندوة) لبحث الموقف المتفجر.
* قريش تسعى لصالح بعد سعيها لحرب.
* النبي ﷺ يرحب بالصلح.
* الوفد القرشي المفاوض في الحديبية.
* مباحثات الصلح بين الفريقين.
* اتفاق الفريقين على بنود الصلح.
* معارضة المسلمين العنيفة للصلح.
* عمر بن الخطاب يجادل الرسول ﷺ منتقدًا بشدة بعض شروط المشركين.
* الصحابة يستجوبون النبي ﷺ حول بعض بنود الصلح.
[ ٥ / ١٨٥ ]
* النبي يقنع أصحابه فيكفون عن المعارضة.
* خزاعة تداخل في عهد المسلمين، وبنو بكر في عهد قريش.
* توقيع اتفاقية الصلح وتبادل الوثائق.
* المسلمون يحلون إحرامهم ويعودون إلى المدينة.
اعتقال سبعين متسللا من المشركين:
بالرغم من الانشقاق الخطير الذي حدث في صفوف المشركين نتيجة معارضة سيد الأَحابيش الحليس بن زبّان وعروة بن مسعود لتصرّف قريش المتعنِّت ازاء المسلمين، هذا التصرف الطائش الذي انسحب (احتجاجًا عليه) سيد ثقيف عروة بن مسعود من التجمع القرشي بقومه إلى الطائف، وهدد أيضًا (احتجاجًا على هذا التصرف الأخرق) الحُليس ابن زبّان بالتمرّد على قريش والانسحاب من تجمعها بقومه الأحابيش كما تقدم .. بالرغم من هذا الانشقاق الخطير في معسكر الشرك، فإن قريشًا (بدلًا من أن تسلك سبيل الاعتدال وتخفف من تصلفها وغلوائها وتحرشها بالمسلمين) أخذ سفهاؤها في تصعيد الأَزمة وزيادة حدّة التوتر إلى درجة كادت تصل بالتوتر إلى حد انفجار الحرب.
فبينما كان النبي وأصحابه في الحديبية محافظين على ضبط النفس وعاملين - بكل الوسائل - على قفل كل باب يمكن يؤدي فتحه إلى إشعال نار الحرب بينهم وبين قريش، وبينما كان العقلاء في المعسكر القرشي نفسه - أمثال الخليس بن زبان وقائد الأحابيش الحلفاء - يتوقعون من سادات مكة أن يضعوا حدًّا لتسلط الغلاة المتطرفين في معسكرهم، فيجنحوا المسلم ويعملوا على تجنب ما من شأنه الاقتراب
[ ٥ / ١٨٦ ]
بالفريقين إلى حافة الحرب، إذا بقريش ترسل العنان لسفائها - ومتطرفيها ليذهبوا في تصعيد الأزمة وتعقيدها إلى درجة العدوان على المسلمين بالهجوم عليهم - عن طريق التسلل - في معسكرهم بالحديبية.
فقد ذكر جمهرة المؤرخين أن سبعين من فرسان المشركين تسللوا في جماعات أثناء الليل إلى معسكر المسلمين لعلهم ينالون منهم (بالقتل أو الأسر) غدرًا في غلس الظلام، إلا أن رجال دوريات الحراسة إلى أقامها النبي - ﷺ - عند نزوله الحديبية كانوا لهم بالمرصاد، حيث حبطوا جميع مخططات هؤلاء المتسللين، الذين انتهى بهم التسلل إلى الوقوع في أسر دوريات المسلمين مجموعة بعد أخرى، حتى بلغ عدد الذين ألقى عليهم الحرس الإسلامي القبض أثناء الليل سبعين فارسًا، أتى بهم الحراس مقيدين إلى مقر قيادة النبي الأعظم - ﷺ - في الحديبية.
وكان هؤلاء المتسللون الأشرار قد نجحوا - في غلس الظلام - من أسر بعض الصحابة حيث هاجموهم غدرًا وهم عزل آمنون، إلا أن دوريات المسلمين استنقذت هؤلاء الأسرى المسلمين عندما ألقت القبض على السبعين من المتسللين المشركين.
النبي يعفو عن المتسللين ويطلق سراحهم:
غير أن النبي - ﷺ - بالرغم من هذا التصرف من قبل المشركين المتسللين الذي يحتل كل معاني البغي والاستفزاز، قد عفى عنهم فأطلق سراحهم جميعهم، قائلًا لأصحابه: دعوهم يكن لهم بدءُ الفجور (١)
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٠.
[ ٥ / ١٨٧ ]
نشوب القتال في الحديبية:
فقد ذكر الواقدي التي مغازيه (ج ٢ ص ٦٠٢) أَن قريشًا بعثت ليلًا خمسين رجلًا عليهم مكرز بن حفص، وأمروهم أَن يطيفوا بالنبي - ﷺ - رجاء أَن يصيبوا منهم أحدًا أو يصيبوا منهم غرّة، فاعتقلهم محمد بن مسلمة - قائد إحدى فصائل الحراسة الليلية -، فجاء بهم إلى رسول الله - ﷺ -، فجاء جمع آخر من المسلحين القرشيين إلى النبي - ﷺ - وأصحابه - بلغهم وقوع الخمسين أَسرى في أيدي المسلمين - وهاجموا المسلمين فنشب قتال بين الفريقين استخدمت فيه الحجارة والنبال، إلا أَن المسلمين تمكنوا من دحر المهاجمين بعد أَن أسروا عدة منهم.
وذكر الطبري في تاريخه (ج ١ ص ١٧٠) عن إياس بن مسلمة عن أبيه: أنه ألقى القبض وحده على أربعة من المتسللين المشركين، قال سلمة: فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله - ﷺ - وجاء عمّي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده مجففًا (١) حتى وقفنا بهم على رسول الله - ﷺ - في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله - ﷺ -، فقال: دعوهم يكن لهم بدءُ الفجور، فعفا عنهم، قال: فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (٢).
وذكر سلمة - فيما ذكره الطبري أيضًا - أنه وحده اعتقل ستة من المتسللين وأنقذ - بالاشتراك مع زملاء له - كل المسلمين الذين وقعوا في أسر المتسللين في الحديبية فقال: فشددنا على من في أيدي المشركين
_________________
(١) مجففًا: أي لابس التجفاف، وهو آلة الحرب، يلبسها الفرس والإنسان.
(٢) سورة الفتح الآية: ٢.
[ ٥ / ١٨٨ ]
منا، فما تركنا في أيديهم منا رجلًا إلا استنقذناه، وغلبنا على من في أيدينا منهم، فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم، ما يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فأَتيت بهم النبي - ﷺ - فلم يسلب ولم يقتل، وعفا (١).
قريش تقتل رجلا من المسلمين:
بل لقد بلغ البغي بقريش إلى أَن أقدمت على قتل أحد أصحاب النبي - ﷺ - بقصد استفزاز المسلمين، وكان هـہدف السفهہاء الذين أقدموا على القتل استدراج المسلمين إلى الدخول في حرب شاملة تجعل المتعقِّلين في المعسكر القرشي أمام الأمر الواقع، فيخوضوا حربًا هم لها كارهون ولكن النبي - ﷺ - فوّت على هؤلاء المتطرّفين فرصتهم، إذ التزم جانب الحكمة والحلم والتروّي، فلم يسمح لأن يكون ذلك العدوان الطائش باعثًا للمسلمين على خوض حرب شاملة لا يرغبون فيها.
فقد روى الطبري في تاريخه - بإسناده إلى قتادة - أَن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: زنيم، اطلع الثنيّة من الحديبية، فرماه المشركون فقتلوه، فبعث رسول الله - ﷺ - خيلًا فأتوه باثنى عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم نبي الله: "هل لكم عليّ عهد؟ هل لكم عليَّ ذمة؟ " قالوا: لا، قال: فأرسلهم رسول الله - ﷺ -.
المبعوث النبوي عثمان في مكة:
بالرغم من محاولات إحلال السلام التي بذلت جديًّا - بنيَّة صادقة -
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٢٩.
[ ٥ / ١٨٩ ]
من قبل النبي الأعظم - ﷺ -، ومن قبل بعض الوسطاء الآخرين، فقد ظل الموقف في الحديبية وفي بلدح (١) متوترًا بل زاده توترًا، أَن قام سبعون من سفهاء المشركين بالتسلل - ليلًا - إلى معسكر المسلمين في الحديبية للعدوان، وتمكنوا من قتل رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.
ولكن النبي - ﷺ - وهو سيد الحكماء وإمام العقلاء لم يقفل باب الأمل في التوصل إلى حلّ سلمي لهذه الأزمة الخطيرة التي بدت مؤشراتها تشير إلى أنها ستتحول إلى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر .. حرب أعلن النبي الأعظم - ﷺ - أنه سيعمل على تجنبها ما وجد إلى ذلك سبيلًا.
كان النبي - ﷺ - ليؤكد لأهله وعشيرته نواياه السلمية في مجيئه هذا - قد بعث حال نزوله الحديبية مبعوث خاص إلى قريش، يبلغها - وهي في بلد حسب هذه النوايا وينصحها بالتعقل والتخلي عن فكرة الحرب وكان مبعوثه الخاص هذا -كما تقدم - هو خراش بن أُمية الكعبي ثم الخزاعي.
غير أَن الحمية الجاهلية والعنجهية الوثنية لم تترك فرصة لسادات مكة لينظروا بتعقل في العرض السلمي النبوي الذي حمله إليهم مبعوثه الخاص، فلم يكتفوا برفض هذا العرض السلمي وعدم النظر فيه، بل حاول سفاؤهم قتل حامله خراش بن أُمية، بمجرد علمهم أنه جاءَ يہحمل هذا العرض، فعاد المبعوث النبوي الأول دون أَن يتمكن من إبلاغ قريش هذا العرض السلمي، وقال للنبي - ﷺ - يا رسول الله ابعث رجلًا - أمنع مني - أي أقوى وأكثر عصبية بين قريش.
_________________
(١) هو الوادي الذي كانت قريش فيه بجيوشها أثناء أزمة الحديبية.
[ ٥ / ١٩٠ ]
ولما كانت فكرة السلام في هذه الأَزمة الخطيرة تحتلّ المقام الأَول في ذهن النبي الأعظم - ﷺ - بين الحلول التي يمكن اتباعها فقد قام من جانبه "بالرغم مما أقدمت عليه قريش من حماقات واستفزازات طيلة البضعة عشر يومًا التي مرّت على الأزمة قام من جانبه النبي - ﷺ - بمحاولة سلمية أُخرى، وكانت هذه المحاولة الجديدة عن طريق مبعوث خاص آخر بعث به إلى قريش في معسكرها بوادي بلدح وفي مكة ذاتها.
عمر بن الخطاب يعتذر عن الوساطة:
فقد رأى النبي الأعظم - ﷺ - أن ينتدب عمر بن الخطاب ليكون مبعوثه الخاص إلى قريش يدعوها إلى السلام، وطرح فكرة الحرب جانبًا.
فاستدعى الرسول - ﷺ - عمر وأبلغه بأنه يرغب في أَن يكون رسوله إلى قريش، ليمرض عليهم من جديد نفس العرض السلمي الذي حمله إليهم خراش بن أُمية، فلم يتمكن من إبلاغهم إياه لمحاولتهم الفتك به قبل أَن يفاتحهم بشأن هذا العرض.
غير أَن عمر بن الخطاب اعتذر للنبي - ﷺ - عن القيام بهذه المهمة، وأعطى لهذا الاعتذار مبرِّرات معقولة جدًّا، وهي شدّة العداوة التي بين عمر بن الخطاب وبين المشركين، وضعف عصبيته القبلية بين قريش.
فقد قال ابن الخطاب (معتذرًا): يا رسول الله إني أخاف على نفسي وليس لي من بني عدي بن كعب أحدٌ يمنعني، وقد عرفت قريش - عداوتي إياها وغلظتي عليها.
[ ٥ / ١٩١ ]
ثم أشار على النبي - ﷺ - بأن يبعث إلى قريش رجلًا ذا عصبية ومنعة في قومه بمكة، ليكون بمأْمن من القتل .. لا سيما بعد الذي حدث لِخراش بن أُمية الذي كاد أَن يقتله المشركون لولا حماية الأحابيش له، وإعادته سالمًا إلى الحديبية.
وكان الرجل (ذا العصبية القوية في قومه) والذي أشار ابن الخطاب على النبي - ﷺ - أَن يبعثه، هو (عثمان بن عفان) لأنه ينتسب إلى بني عبد شمس بن عبد مناف، وهي من أقوى القبائل القرشية ذات القوة والعدد والنفوذ في مكة.
فقد قال ابن الخطاب للنبي - ﷺ - حينما اعتذر عن القيام بدور الوساطة -: ولكني أدلّك على رجل أعزّ مني (يعني في قومه بمكة): عثمان بن عفّان.
فقبل النبي - ﷺ - اعتذار عمر بن الخطاب، واستصواب مشورته بشأن إرسال عثمان بن عفان مبعوثًا خاصًّا إلى قريش.
فقد استدعى النبي - ﷺ - عثمان وقال له: (اذهب إلى قريش فأخبرهم أنَّا لم نأْتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف (١).
فصدع عثمان بأمر نبيِّه الكريم، وفي ذلك الجوّ المكهرب المشحون بالتوتر الشديد توجه عثمان إلى مكة ليبلغ ساداتها حقيقة موقف النبي - ﷺ - ونواياه السلمية المحضة، في رسالة (بعضهم يقول خطية، وبعضهم يقول شفوية) حملها عثمان إلى سادات قريش وزعمائها.
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٩٧.
[ ٥ / ١٩٢ ]
محاولة الاعتداء على عثمان
ولم يكن ابن الخطاب مخطئًا في تقديراته بأن قريش لن تتورّع عن الفتك بمن تجده من أصحاب النبي - ﷺ - حتى ولو كان عند أستار الكعبة.
لقد اجتاز عثمان بن عفان حدود الحرم بمفرده قاصدًا مكة غير مبال بخطر الموت الذي قد يتعرض له على أيدي السفهاء من قريش الذين وفعلًا كاد المشركون المتهوّرون أَن يقتلوا عثمان أولًا أَن أَجاره أَحد أفراد قبيلته (العزيزة في مكة)، ففي ضواحي مكة وفي وادي (بلدح) (١) التقى عثمان بدورية مسلحة من فرسان قريش فكادوا أَن يفتكوا به لولا وجود أَبان بن سعيد بن العاص بن أَبي العاص بن أُمية بن عبد شمس، الذي كان ضمن رجال الدورية.
عثمان في معسكر قريش ببلدح:
ففي أَطراف مع مسكر التجمع القرشي في وادي (بلدح) غربي مكة، التقت دورية مساحة من فرسان قريش بعثمان فحاولوا الفتك به (بعد أَن عرفوه) لولا أَن أبان بن سعيد بن العاص (٢) الأَموي كان بينهم، فحال
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ص ٣٠٨.
(٢) هو أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، كان من أشراف قريش، وأبوه كان من أكابرها، وعندما لقى ابن عمه عثمان أخذه في جواره وقال شعرًا يطمئنه: أسبل وأقبل ولا تخف أحدًا بئر سعيد أعزة الحرم كان لأبان أولاد نجباء هدى الله منهم إثنين للإسلام قبله، وهما: خالد وعمرو، الذين كانا من السابقين الأولين، هاجرا إلى الحبشة، وفيهما قال أبان مستنكرًا إسلامهما:
[ ٥ / ١٩٣ ]
بين رجال الدورية وبين الاعتداءِ على عثمان، حيث أُعلن حمايته لابن عمه إِذ نادي: يا معشر قريش إِن عثمان بن عفان في جواري فكفّوا عن عثمان.
قيمة الجوار في الجاهلية:
وهذا الإِعلان من أَبان بن سعيد كافٍ لأَن يشلّ أي يريد صاحبها أن يمسَّ عثمان بن عفان بسوءٍ، ذلك أن قانون الجوار عند العرب في الجاهلية (وهو قانون غير مكتوب) له مكان القداسة، مجمعون على احترامه والعمل به، ولا يخرق هذا القانون إلا الذي لا يبالي أَن يعرض نفسه وقبيلته لحرب ضروس مدمِّرة.
فقد كان المتعارف عليه أَن من حق أيِّ فرد في القبيلة أَن يُعطى جواره ويعلن حمايته لأَيّ إنسان أراد .. وإذا ما فعل ذلك، فإن قبيلة المجير تصبح - تلقائيًا - ملزمة بتحمل مسؤولية هذا الجوار، وهي حماية الإنسان الذي يجيره الفرد المنتسب إليها.
_________________
(١) = ألا ليت ميتًا بالضريبة شاهد لما يفتري في الدين عمرو وخالد غير أن أبان نفسه هاجر قبل الفتح وأسلم أيام خيبر وشهدها مع النبي ﷺ، وجعله النبي صل الله عليه وسلم قائدًا لإحدي السرايا، وزعم ابن إسحاق أن أبان ممن هاجر إلى الحبشة ولكن الأول أصح، وقد شهد أبان بن سعيد بدرًا مشركًا، فقتل أخواه (العاص وعبيدة) مشركين، ولاه النبي ﷺ البحرين، وتوفي ﷺ وأبان أمير عليها قاله الواقدي شهد أبان بن سعيد معارك الجهاد في الشام، واختلف المؤرخون في تاريخ وفاته، والراجح أنه قتل يوم أجنادين بفلسطين سنة ١٣ هـ.
[ ٥ / ١٩٤ ]
وحسب قواعد قانون الجوار هذا كفَّ رجال الدورية القرشيون عن عثمان بن عفان، لأَنهم يعرفون أن التعرض له بسوء سيعرّضهم لمتاعب ومصاعب عديدة بعد أن أصبح (بإعلان هذا الجوار) في حماية بني عبد شمس جميعًا، وهي قبيلة لها ثقلها العظيم بين القبائل القرشية.
اجتماع عثمان بسادات المشركين في بلدح:
وفي وادي (بلدح) خارج مكة حيث تعسكر قريش وحلفاؤها بقواتهم الضاربة، اجتمع عثمان بن عفان بقادة قريش وأَبلغهم الرسالة التي كلفه النبي - ﷺ - أَن يبلغهم إياها، والمتضمنة تخييرهم بين أَحد أَمرين: إمّا الدخول في الإسلام، وإما إقامة سلام بينهم وبين المسلمين، وترك النبي - ﷺ - وسائر العرب، على أَن يلتزم القرشيون الحياد التام إِزاء أَي صراع دام ينشب بين النبي - ﷺ - وبقية مشركي العرب، كما تضمنت الرسالة أَيضًا إبلاغ قريش رسميًّا أَنَّ النبي - ﷺ - لم يأْت للحرب ولا رغبة له فيها، وإنما جاء معتمرًا، وأَنه فور انتهائه وأَصحابه من نحر الهدي وإكمال مناسك العمرة سيغادرون مكة عائدين إلى المدينة. ولكن قريشًا رفضت كل هذه الحلول السلمية التي تضمنتها الرسالة النبوية الكريمة وأصروا على التشبث بموقفهم المتعنّت.
خلاصة الرسالة النبوية إلى قريش:
وقد ذكر الواقدي خلاصة هذه الرسالة الهامة فقال: (فخرج عثمان حتى أَتى بَلدَح، فيجد قريشًا هنالك، فقالوا: أَين تريد؟ قال: بعثني
[ ٥ / ١٩٥ ]
رسول الله - ﷺ - إليكم يدعوكم إلى الله وإلى الإسلام تدخلون في الدين كافة، فإن الله مظهر دينه ومعزّ نبيّه، وأُخرى تكفّون، ويلي هذا منه غيركم، فإِن ظفروا بمحمد فذلك ما أَردتم، وإن ظفر محمد كنتم بالخيار، أَن تدخلوا فما دخل فيه الناس أَو تقاتلوا وأَنتم وافرون جامّون، إن الحرب قد نهكتكم وذهبت بالأَماثل منكم .. وأُخرى أَن رسول الله - ﷺ - يخبركم أَنه لم يأْتِ لقتال أحد، إنَّما جاءَ معتمرًا معه الهَدْي عليه القلائد ينحره وينصرف، فجعل عثمان يكلمهم فيأْتيهم بما لا يريدون، ويقولون قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا أبدًا، ولا دخلها علينا عنوة فارجع إلى صاحبك فأَخبره أَنه لا يصل إلينا (١).
عثمان في مكة:
وبعد أَن أبلغ عثمان رسالة النبي - ﷺ - إلى كبار قادة قريش الموجودين في المعسكر بوادي (بَلداح) قرر أَن يتوجّه إلى مكة نفسها ليبلغ الرسالة النبوية من لم يكن حاضرًا في بلدح من سادات قريش.
وعندما علم أَبان بن سعيد (مُجِير عثمان) برغبة ابن عمه في دخول مكة قرَّر أَن يكون في صحبته ليعرّف الناس أَنه في جواره فلا يعتدى عليه أَحد، فقد أَحضر أَبان فرسه وأَردف عثمان خلفه ثم انطلق به نحو مكة، ولما وصل مكة رأَى الناس عثمان وكانوا يعرفونه، وكانت رغبتهم جامحة في أَن يفتكوا به كأَحد الأَركان من أَصحاب محمد، ولكنَّهم لما رأَوه رديفًا لأبان بن سعيد بن العاص على فرسه، عرفوا أَنه في جواره فكفّوا عن أَذاه على مضض.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٠ وما بعدها.
[ ٥ / ١٩٦ ]
وفي مكة أبلغ أبان بن سعيد عثمان بن عفان بأَن له مطلق الحرية أَن يبقى في مكة أَية مدة يشاء وأَن يذهب فيها إلى حيث يشاءَ، وأَن يتصل بمن يشاءَ من سادات مكة ممن لم يكن قد اجتمع بهم في بلدح.
عثمان عند أبي سفيان:
ولما كان أَبو سفيان بن حرب هو سيِّد بني أمية وكل عبد شمس وزعيم قريش الكبير، فقد نزل أَبان بن سعيد بعثمان عليه في داره، فاستقبل أبو سفيان عثمان فيها.
وكان أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وزعماء قرشيون آخرون غير حاضرين في معسكر قريش (ببلدح) حين بلَّغ عثمان وجوه القوم وقادتهم رسالة النبي - ﷺ -.
ولذلك اجتمع عثمان بهؤلاء الزعماء (صفوان بن أُمية وأبي سفيان بن حرب وبقية الزعماء) في مكة فأبلغهم رسالة النبي - ﷺ - وقال لهم: مثلما قال لزملائهم من الزعماء والقادة في وادي بلدح.
ولكن جواب أبي سفيان وصفوان وبقية الزعماء في مكة لم يكن يختلف عن القادة الذين في معسكرهم ببلدح، حيث كان جوابهم في مكة الرفض الكامل لكل ما جاءَ في الرسالة النبوية جملة وتفصيلا.
قريش تطلب من عثمان أن يطوف فيرفض:
ولما كان عثمان في ضيافة قومه بني أمية وفي جوارهم لم يجرؤ أَحد من المشركين على التعرّض له بأَي أَذى، بل صاروا يتودَّدون إليه، فقد
[ ٥ / ١٩٧ ]
قالوا له: إن شئت أَن تطوف بالبيت فطف به، وما كانوا ليقولوا له ذلك لولا أَنه في جوار بني عبد شمس وحمايتهم.
غير أَن عثمان رفض عرض القرشيين فقال: ما كنت لأَفعل حتى يطوف رسول الله - ﷺ - (١).
وشاع بين المسلمين في الحديبية بأَن عثمان طاف بالبيت، فقال الصحابة: يا رسول الله وصل عثمان إلى البيت فطاف، فقال الرسول - ﷺ -: ما أظن عثمان يطوف بالبيت ونحن محصورون، قالوا: يا رسول الله وما يمنعه وقد وصل إلى البيت؟ فقال - ﷺ -: ظني به أَلّا يطوف حتى نطوف (٢).
بئس ما ظننتم:
فلما رجع عثمان إلى الحديبية قال له الصحابة: اشتفيت من البيت يا عبد الله؟؟ فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي، لو كنت بها سنة والنبي - ﷺ - مقيم بالحديبية ما طفت، ولقد دعتني قريش إِلى أَن أَطوف فأَبيت ذلك عليها، فقال المسلمون لرسول - ﷺ -: كان أَعلم بالله تعالى وأحسننا ظنًّا (٣).
مبعوث السلام يزور المستضعفين في مكة:
وقد انتهز مبعوث النبي - ﷺ - قريش عثمان بن عفان فرصة وجوده في مكة والحرية الكاملة التي أُعطيت له في ظلّ جوار قومه بني
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣١.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠١ وما بعدها.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٢.
[ ٥ / ١٩٨ ]
أَمية المشركين .. انتهز فرصة وجوده هذه، فقام بزيارة المستضعفين المسلمين من النساء والرجال الذين ظلوا يعيشون داخل المجتمع القرشي المشرك في مكة، لعدم تمكنهم من الهجرة واللحاق بالمسلمين في المدينة، إما لكونهم من النساء، وإما لكونهم من الذين لا عصبية لهم في قريش تحميهم من الاضطهاد، كالموالي أَو كالأَفراد الذين استوطنوا مكة وهم ليسوا من أَهلها.
فقد قام عثمان بزيارة هؤلاء المستضعفين المسلمين في مكة (فردًا فردًا) وبشَّرهم بأَن عهد التخلص من الظلم الوثني قد أَزف وأَن اليوم يكونون فيه أَحرارًا لا يستخفون فيه بدينهم من أَحد بمكة لقريب جدًّا، وقد كان هذا التبشير ضمن رسالة خاصة حملها عثمان إلى هؤلاء المستضعفين من النبي محمد - ﷺ -.
فقد قال عثمان نفسه - فيما يرويه المحدثون عنه ضمن قصة سفارته إلى قريش : ثم كنت أَدخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء - مستضعفين فأَقول: إنَّ رسول الله - ﷺ - يبشركم بالفتح ويقول: "أَظلّكم حتى لا يستخفى بمكة الإِيمان"، قال عثمان: فقد كان الرجل منهم والمرأَة تنتعب حتى أَظن أَنه يموت فرحًا بما خبّرته، فيسأَل عن رسول الله - ﷺ - فيخفي المسأَلة، ويشتد ذلك على أَنفسهم، ويقولون: اقرأْ على رسول الله - ﷺ - منا السلام، إنَّ الذي أَنزله بالحديبية لقادر أن يدخله مكة (١).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠١ (نشر جامعة أكسفورد).
[ ٥ / ١٩٩ ]
إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان:
لقد مضى على المسلمين في سهل الحديبية حوالي عشرين يومًا وهم محصورون ممنوعون من دخول الحرم.
وكانوا طيلة هذه الأَيام مُحرمين، لا يقلّمون ظفرًا ولا يقطعون شعرًا ولا يمسّون طيبًا، ولا يقربون إمرأَة، قد شعث واتَّسخ شعرهم وقمل بعضهم، لطول بقائهم محرِمين، ولا يخفى ما في طول المكث بالإحرام من مشقة نفسية وجسدية على المحرم.
ولا شك أن صحة الكثير منهم باتت معرّضة للخطر، نتيجة هذا الحبس والإِحصار الذي لا مبرّر له، والذي نالهم بسبب تهديد قريش باستخدام السلاح ضد المسلمين والدخول معهم في حرب ضروس إن اجتہازوا حدود الحرم حرب ما كان مخفف آلام البشرية ومنقذ الإنسانية والداعية الأَول المسلم والمحبة والسلام، راغبًا فيها بل حريصًا كل الحرص على تجنبّها، ولذلك لم تكن واردة ضمن برنامجه منذ تحرّك في رحلته الروحية السلمية من المدينة، والتي كان شعارها الوحيد: (إننا لم نأْتِ لقتال أَحد إِنما جئنا لنطوف بهذا البيت) (١).
لقد بذل النبي ﷺ - بروحه السمحة العالية المحبة للسلام - والكارهة للحرب - بذل كل ما وسعه لإِحلال السلام بينه وبين قومه وعشيرته، وإبعاد شبح الحرب البغيض التي بدا واضحًا أن كبرياءَ سفهاء قريش الوثنية تتوق إلى إشعال نيرانها، ظنًّا من هؤلاء السفهاءِ أَنهم بخوضهم هذه الحرب ضد المسلمين بالقرب من مكة قد يستعيدون
_________________
(١) كلمة يردد النبي - ﷺ - مقناها في كل مناسبة وهو في رحلته السليمة هذه.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
ما فقدوه من كرامة عسكرية في بطاح بدر وسمعة حربية وسياسية عند مشارف الخندق قرب أَسوار المدينة.
بذل النبي الأَعظم - ﷺ - كل ما في وسعه ليجنب أَصحابه المؤمنين في الحديبية، وقومه وعشيرته المشركين في مكة شرور وويلات هذه الحرب، وذلك في مختلف العروض السلمية البناءة الهادفة، التي تقدم بها إلى أهله وعشيرته في مختلف المواقف والمناسبات.
عرضها للوسطاء الذين بعثت بهم قريش لمفاوضته ومناقشته، بل وبعث بها (إلى زعماءِ قريش في مكة) سفراءَ من خاصته وبطانته لعله ينجح في إقناع قريش بالجنوح إلى السلم، والتخلي عن فكرة الحرب التي لم يكن لدى قريش من مبرّر لها أَو موجب، لا سيما وأَن سادات مكة قد تبلغوا (بما لا يدع مجالًا للشك) أَن النبي - ﷺ - وأَصحابه لم يأْتوا للحرب ولم تكن لهم أَية رغبة فيها، بدليل أَن كلَّ شيء في مخيماتهم بالحديبية يدل على أَنه ليس بينهم أَية علامة تدل على نيّة للحرب، وإنما كل شيء يشير (كما شهد بذلك رسل قريش ووسطاؤها والمحايدون الذين قاموا بزيارة المسلمين في معسكرهم) إلى السلم والسلم فقط.
تضايق المسامين من طول المكث:
لقد بدا واضحًا أَن المسلمين باتوا متضايقين لطول مكثهم في الحديبية دونما الوصول إلى حلّ يدخلون بموجبه مكة لأَداء مناسك العمرة والتحلل من إِحرامهم الذي أَجبرهم بغي قريش وشططها على الالتزام بمواجباته الشاقة حوالي عشرين يومًا.
[ ٥ / ٢٠١ ]
وأَخذت حدّة التوتر تتزايد نتيجة تضايق المسلمين من طول الاحتباس في الحديبية، ونتيجة استمرار قريش في تمسكها بموقفها المتعنّت المتصلّف، رغم العروض السلمية العادلة المنصفة التي عرضها النبي - ﷺ - على سادات مكة حقنًا للدماء والمتضمنة أَن توافق قريش على السماح للمسلمين بزيارة البيت على أَن يغادر هؤلاء مكة إلى المدينة بمجرد تحللهم من إحرامهم المتلبسين به منذ خروجهم من المدينة.
المسلمون واقتحام مكة بالقوة:
لقد كان رأْي الصحابة أَن يقوموا باقتحام مكة وشقّ طريقهم إليها بحدّ السيف، ما دام أَن جميع المحاولات السلمية الصادقة ظلت تُبذَل من جانب النبي - ﷺ - طيلة حوالي عشرين يومًا دون أَن تلقى من جانب القرشيين أَية استجابة أَو حتى تخفّف غطرستهم وشططهم.
وكان بإمكان المسلمين أَن يقتحموا مكة ويحتلوها بالرغم من الفارق الكبير بينهم وبين قريش في العدد، حيث أَن القوات القرشية وحلفاءها يفوقون عدد المسلمين عدة أَضعاف، ولكن التجارب في بدر وأُحد والخندق وكل المعارك التي خاضها المسلمون ضد أَعدائهم أَثبتت أَن النصر دائمًا ليس للكثرة الغامرة وإنَّما لمن يحمل العقيدة الصادقة.
غير أَن المسلمين مع رغبتهم العارمة في دخول مكة وقدرتهم على اقتحامها بالقوة لكسر طوق الحصار الذي فرضته قريش عليهم بدافع من كبرياءِ الوثنية والعنجهية الجاهلية ليس إلا، فإن هناك شيئًا واحدًا قد قيَّدهم تقييدًا كاملًا عن الإِقدام على ما يريدون، وهو رغبة النبي
[ ٥ / ٢٠٢ ]
الأَعظم - ﷺ - الذي يدرك ما لا يدركون - في تجنب القيام بأَي عمل يكون من شأْنه زيادة حدة التوتر والإِسراع إلى إِراقة الدماءِ.
وهكذا فإن النبي - ﷺ - إزاء كل ما أَقدمت عليه قريش من حماقات تمثَّلت في استفزازتها للمسلمين والإصرار على اللجوءِ إلى السلاح لمنعهم من دخول الحرم، التزم ضبط النفس وكظم الغيظ، ولم يتسرَّع في الإِقدام على أَية خطوة من شأْنها قدح شرارة الحرب إلى أَعلن - على لسان مبعوثيه الخاصين إلى قريش وأَمام رسالها ووسطائها الذين زاروه في معسكره بالحديبية - كرهه لها ورغبته الأَكيدة الصادقة في تجنبها، وأَنها آخر ما يفكر فيه من الوسائل لإِقناع قريش بالتسليم بحق النبي وأَصحابه في الطواف بالبيت وتركهم يباشرون هذا الحق.
بيعة الرضوان نقطة التحول في حل الأزمة:
ك ان النبي - ﷺ - يعني كل كلمة يقولها عندما أَعلن في اليوم الأَول الذي نزل فيه بأَصحابه الحديبية، بأَنه قد استبعد نهائيًا فكرة محاربة قومه عن طريق البدءِ بالهجوم، وأَنه مستعد لفتح الحوار معهم، وعلى استعداد لقبول أَية خطة سلام يعرضونها يكون فيها للحفاظ على صلة الرحم وصون حرمة الحرم عن سفك الدماء حين قال: "لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسأَلوني فيها صلة الرحم إلَّا أَعطيتهم إياها" (١) وفي رواية: "أَما والله لا يسأَلوني اليوم خطة في تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها" (٢). ثم أَمر أَصحابه بالعودة حيث عسكروا في الحديبية
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٢٤.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٧.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
وكان قد ترك الحديبية وأخذ في الاتجاه لاجتياز حدود الحرم، وكان ساعتها - وقبل أن يُدْلي بهذا التصريح السلمي الهام - قد رسخ في أذهان أصحابه الألف والأربع مائة أنه سيستخدم السلاح لمقاتلة قريش (في اليوم الأول من وصوله) إن هي حاولت التعرُّض له ومنعه من دخول مكة بالقوة. ولذلك استعدّ أصحابه للحرب تحسبًا لأي طارئ، إلَّا أن تصريحه الهام هذا، وابتعاده بأصحابه عن حدود الحرم قد جعل نشوب الحرب بينه وبين قومه أمرًا بعيد الإحتمال.
وقد ظلت فكرة السلم والبعد عن الحرب والحرص على صون دماء الفريقين من أن تراق في حرم الله، هي السائدة لدى النبي القائد - ﷺ - ولهذا فإنه - ﷺ - كنبيّ جاء رحمة للعالمين أولًا، وكقائد حكيم يحرص على هداية قومه وصلة أرحامهم وأن يبرَّهم وإن عقّوه ثانيًا) ابتعد وأمر أصحابه بالابتعاد عن أية مزايدات كلامية أو تصريحات عنترية يكون من شأنها إلهاب الموقف والاقتراب بالفريقين إلى حافة حرب لم يأتِ لها ولا رغبة له فيها، ولهذا ظل - ﷺ - شعاره الرئيسي دعوة قومه - وعشيرته إلى السلام في كل حديث أو حوار يدور بينه وبينهم طيلة إقامته محصورًا في الحديبية.
فعل ذلك بالرغم من أن قومه من أهله وعشيرته لم يتركوا وسيلة من وسائل الاستفزاز والتحدِّي له ولأصحابه إلا واتبعوها، فملأوا الدنيا بالمزايدات الكلامية والتصريحات العنترية، واستنفروا حلفاءهم للحرب سفهًا وبطرًا ورئاء الناس، وأخذوا فوق ذلك (في استفزاز ملهبًا للأعصاب) يستعرضون - أمام النبي وأصحابه - عضلاتهم العسكرية بإقامة استعراضات حربية لمختلف كتائب جيوشهم من خيالة ومشاة على
[ ٥ / ٢٠٤ ]
مرمى الحجر من المسلمين، بل ذهبوا في سفههم إلى أبعد من ذلك، حيث تسللت عدة وحدات من فرسانهم إلى داخل معسكر المسلمين في الحديبية أثناءَ الظلام، بغية إثارة المسلمين واستدراجهم إلى الحرب التي لم يأتوا لها، ولن يكونوا خاسرين إذا ما خاضوها، ولكنها أوامر النبي الأعظم الذي لا يصدر إلا عن أمر ربه.
تحول المسلمين نحو الحرب، جعل قريشًا تطلب السلم:
وبالرغم من كل هذه الحماقات ظل النبي شعاره هو هو، لم يتغير (الدعوة إلى السلام وحقن الدماء) وظلت قريش من جهة أخرى ممعنة في غرورها وبطرها تهدد بالحرب وتصرّ على منع المسلمين من دخول مكة مھهما كانت النتائج.
غير أنه ظهر على سطح الأحداث (فجأة) حادث، أوجد تغييرًا جذريًّا في موقف المسلمين، جعلهم يتحولون من موقف الصبر والسلم إلى موقف الحرب، وذلك حينما اتخذ النبي - ﷺ - قرارًا حاسمًا بمحاربة قريش والدخول معها في معركة حاسمة.
الأمر الذي كان له من ناحية أُخرى الأثر الحاسم في تبخير العنجهية من أدمغة سادات مكة واختفاء التصريحات العنترية والمزايدات الكلامية، وجعل سادات مكة يبحثون عن السلم بنفس الرغبة الملحّة التي كانوا بها يسعون إلى الحرب.
وذلك عندما جاءت الفكرة وذهبت السكرة (كما يقول المثل) على أثر القرار الحاسم الذي اتخذه النبي - ﷺ - وأعلن بموجبه الاستنفار
[ ٥ / ٢٠٥ ]
العام بين جميع وحدات جيشه المرابطة في الحديبية لتكون على أهبة الاستعداد لمناجزة المشركين بالزحف على مكة.
فقد عمّ الذعر صفوف المشركين وانتاب قادتهم الخوف والفزع للقرار الحاسم الذي اتخذه النبي - ﷺ - بمحاربة قريش، وصار لذلك هم سادات المشركين محصورًا في إيجاد وسيلة لإبعاد شبح الحرب ولإحلال السلام بين الفريقين، وهو ما ظلّ النبي - ﷺ - يدعو إليه (صادقًا) طيلة عشرين يومًا، وتأباه قريش وترفضه في غطرسة بغيضة.
فبعد أن كان النبي - ﷺ - يسعى في تحقيق السلام فيبعث بالمبعوث تلو الآخر إلى قريش لتحقيق هذه الغاية، تغير الموقف عكسًا وانقلبت قريش نفسها تسعى جاهدة طالبة إحلال السلام، وانتهت مساعيها (وهي لا تكاد تصدِّق) إلى إقامة صلح بينها وبين المسلمين تحقن بموجبه الدماء وتضع الحرب أوزارها لمدة عشر سنين، ويُمكن المسلمين بموجبه من دخول مكة وزيارة البيت الذي حرموا زيارته طوال سبع سنوات كاملة.
سبب اتخاذ النبي القرار بإعلان الحرب:
أما سبب التحوّل الفجائي الحاسم في موقف المسلمين نحو الحرب، فهو أن النبي ﷺ قد بعث كما تقدم (ضمن مساعيه السلمية) عثمان بن عفان إلى مكة لإبلاغ قريش حقيقة نوايا المسلمين السلمية، وأنهم لا يرغبون في الحرب، ومحاولة إقناع قريش بالتخلي عن مواقفها المتصلفة المشبعة بروح الحرب الظالمة، كي يتاح للمسلمين أداء مناسكهم وإبلاغ الهدي محلَّه.
[ ٥ / ٢٠٦ ]
وبينما كان عثمان بن عفان موجودًا في مكة بلغ النبي - ﷺ - وهو في الحديبية - أن قريشًا بدلًا من أن تتفهَّم نواياه السلمية وتجيبه إلى ما دعا إليه من إقامة سلام بين الفريقين، عدت على عثمان وعشرة من الصحابة كانوا معه في مكة فقتلوهم جميعًا (١).
ولم يسع النبي - ﷺ - عندما بلغه مقتل عثمان وأصحابه على أيدي القرشيين إلا أن يستنفر أصحابه ويدعوهم إلى مقاتلة المشركين وذلك بأن دعاهم إلى مبايعته على الموت، بعد أن نزل الأمر بذلك من السماء.
وقد لبَّى أصحابه جميعًا (وعددهم ألف وأربعمائة) نداءه فبايعوه تحت الشجرة في الحديبية، فامتدحهم الله تعالى وأثنى عليهم وأعلن رضاه عنهم، بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
وهذه هي بيعة الرضوان المشهورة.
قال الإمام الطبري في تاريخه (ج ٢ ص ٦٣٢): أن رسول الله - ﷺ - حين بلغه أن عثمان قد قُتل قال: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.
وفي رواية أُخرى عن سلمة بن الأكوع أنه قال: نادى منادي النبي - ﷺ - أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس، قال: فسرنا
_________________
(١) ذكر الواقدي في مغازيه: أن عشرة من الصحابة دخلوا مكة مع عثمان لزيارة أقارب لهم، وهؤلاء العشرة هم: (كرز بن جابر الفهري، وعبد الله بن سهيل بن عمرو وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وحاطب بن أبي بلتعة، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، وعبد الله بن حذافة، وأبو الروم بن عمير، وعمير بن وهب الجمحي، وعبد الله بن أبي أمية بن وهب). المغازي ج ٢ ص ٦٠٣.
[ ٥ / ٢٠٧ ]
إلى رسول الله - ﷺ - وهو تحت سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١).
ابن الخطاب يمسك بيد الرسول للمبايعة:
وعن جابر بن عبد الله (٢) أنهم كانوا أربع عشرة مائة، قال: فبايعنا رسول الله - ﷺ -، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره (٣).
وذكر الواقدي تفصيلًا أوسع لقصة المبايعة فقال: (وكان رسول الله - ﷺ - يأمر أصحابه يتحارسون الليل، وكان الرجل من أصحابه يبيت على الحرس حتى يصبح يطيف بالعسكر، فكان محمد بن مسلمة على فرس النبي - ﷺ - يحرس - ليلة من تلك الليالي وعثمان بمكة، وكان عثمان قد أقام بمكة ثلاثًا يدعو قريشًا، وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن من رسول الله - ﷺ - على أهليهم، فبلغ رسول الله - ﷺ - أن عثمان وأصحابه قد قتلوا، فذلك حين دعا إلى البيعة.
ثم إن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّي ومكرز بن حفص، فأقبل رسول الله - ﷺ - يومئذ يؤمّ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعًا، قالت أم عمارة (٤): والرسل تختلف بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش، فمرّ بنا رسول الله - ﷺ - يومًا في منزلنا. قالت: فظننت أنه يريد حاجة، فإذا هو قد
_________________
(١) سورة الفتح الآية ١٨.
(٢) و(٣) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٢.
(٣) انظر ترجمة أم عمارة في كتابنا (غزوة أُحد).
[ ٥ / ٢٠٨ ]
بلغه أن عثمان بن عفان قد قتل، فجلس في رحالنا ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة. قالت: فأقبل الناس يبايعونه في رحالنا حتى تدارك الناس فما بقى لنا متاع إلا وطئ، فبايع رسول الله الناس يومئذ. قالت: فكأني أنظر إلى المسلمين قد تلبسوا السلاح -وهو معنا قليل-، إنما خرجنا عمّارًا، فأنا أنظر إلى غزيّة بن عمرو (كان زوجها) وقد توشّح بالسيف، فقمت إلى عمود كنا نستظل به فأخذته في يدي، ومعي سكين قد شددته في وسطي، فقلت: إن دنا مني أحد رجوت أن أقتله. فكان رسول الله - ﷺ - يومئذ يبايع الناس وعمر بن الخطاب آخذ بيده فبايعهم على ألا يفرّوا. وقال قائل: بايعهم على الموت. ويقال: أول الناس بايع: سنان بن أبي سنان بن محصن (١) فقال: يا رسول الله، أبايعك على ما في نفسك. فكان رسول الله - ﷺ - يبايع الناس على بيعة سنان بن أبي سنان (٢).
النبي يبايع عن عثمان:
ولما كان عثمان بن عفان غائبًا في سفارته إلى قريش بمكة، بايع عنه النبي - ﷺ - فضرب بإحدى يديه على الأخرى (٣).
وقال ابن برهان الدين: (أن النبي - ﷺ - قال حين بايع عن عثمان:
_________________
(١) هو سنان بن أبي سنان بن محصن الأسدي، أخو عكاشة بن محصن الأسدي، قال ابن حجر في الإصابة: شهد سنان بدرًا، كان سنان هذا أول من كتب إلى النبي ﷺ بتحركات طليحة بن خويلد الأسدي المشبوهة، مات سنان سنة ٣٢ هـ.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٣ وما بعدها.
(٣) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٦.
[ ٥ / ٢٠٩ ]
(اللهم إنَّ عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله فأنا أبايع عنه فضرب بيمينه شماله) (١).
وفي الترمذي: (وكانت يسرى رسول الله - ﷺ - خيرًا من أيمانهم). (٢)
وفي مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٥: (فلما رجع عثمان أتى به رسول الله - ﷺ - إلى الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له، فضرب يمينه على شماله).
عثمان يبايع النبي تحت الشجرة:
وبعد أن أطلقت قريش سراح عثمان والعشرة من الصحابة دعا النبي - ﷺ - وجاء به وبايعه تحت الشجرة، بعد أن بايع له في غيابه.
قال الواقدي: فلما رجع عثمان أتى به رسول الله - ﷺ - إلى الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له فضرب يمينه على شماله (٣).
قريش تسعى للصلح بعد البيعة:
وبعد أن تمت البيعة في الحديبية تأكد لدى سادات مكة أن ذلك يعني الاستنفار العام بين المسلمين، وأن البيعة لا تعني تصميم المسلمين
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٤١.
(٢) انظر بهجة المحافل للأشخر اليمني ص ٣٢٢.
(٣) المغازي ج ٢ ص ٦٠٥.
[ ٥ / ٢١٠ ]
على خوض الحرب ضد قريش، فخاف القرشيون خوفًا شديدًا، لأنهم يدركون (سلفًا أن نتيجة هذه الحرب إذا ما نشبت) ستكون في غير صالحهم مستمدين هذا الإدراك من التجارب العلمية القاسية التي لمسوها في بدر وأُحد والخندق.
كيف نصح سهيل بن عمرو قريشًا بالجنوح إلى السلم!؟ ..
ولهذا فقد سارع زعماء قريش إلي طلب الصلح من المسلمين، بناءً على مشورة ونصح سهيل بن عمرو سيّد بني عامر بن لؤي.
فقد كانت قريش (عندما شعرت بحراجة الموقف وازدياد حدة التوتر إلى حد الانفجار قبل البيعة) بعثت بسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى (١) وآخرين من الزعماء إلى الحديبية ليجسّوا نبض المسلمين ويطلعوا على حقيقة الموقف كما هو بين المسلمين، ثم يقدّموا تقريرًا إلى نواب دار الندوة في مكة ليتخذ هؤلاء النواب القرار النهائي بشأن هذه الأزمة التي باتت تقلق المشركين - في الواقع - أكثر مما تقلق المسلمين.
ولقد اطلع سهيل بن عمرو وباقي أعضاء وفده - الذين هم في واقعهم
_________________
(١) هو حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود العامري القرشي أسلم عام الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، شهد حنينًا مع النبي ﷺ كان صديقًا لأبي ذر، وهو الذي دخل به على النبي ﷺ في مكة فأسلم، وقد سر النبي ﷺ لإسلامه، وكان غنيًّا موسرًا، أقرض النبي ﷺ عند زحفه إلى حنين أربعين ألفًا انتقل حويطب من مكة إلى المدينة بعد الفتح، مات في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين هـ. وحويطب هو الذي جدد أنصاب الحرم في عهد الخليفة عمر.
[ ٥ / ٢١١ ]
عيونًا وجواسيس جاءوا في صورة وفد للتفاوض - اطَّلعوا على حقيقة الموقف في الحديبية وأخذوا الانطباع الصحيح عن مدى الغليان الشديد بين المسلمين ومدى استعدادهم لخوض المعركة الفاصلة إنْ هي نشبت.
سهيل بن عمرو يشاهد بيعة الرضوان:
ولعله من حسن طالع قريش أن يكون سهيل بن عمرو وباقي أعضاء وفده حاضرين في الحديبية ساعة مبايعة المسلمين لنبيّهم - ﷺ - على الموت.
فقد شاهد سهيل وأصحابه إجراءات البيعة، فرأوا مظهرًا من أعظم مظاهر التفاني في خدمة العقيدة، والاستعداد للتضحية والفداء في سبيل الله، فملئت قلوبهم رُعْبًا، وقرّ في أعماق نفوسهم أنه لا يمكن لقريش أن تنتصر على هؤلاء الذين يكاد بعضهم يطأ ظهر بعض وهم يتسابقون ليشدّوا على يد نبيّهم القائد مبايعينه على الموت، والبهجة والفرح والسرور والغبطة تعلو وجوههم.
لذلك عاد سهيل بن عمرو وأصحابه إلى قريش وقدّموا إلى دار الندوة تقريرًا شاملًا عما رأوا وشهدوا في الحديبية، وقد أفصحوا لنواب دار الندوة في هذا التقرير عن مخاوفهم من نتيجة الحرب إذا ما نشبت، وضمنوا هذا التقرير نصح قريش بأن تسارع إلى مهادنة المسلمين وعقد صلح معهم تضع بموجبه الحرب أوزارها.
وقد استجاب نواب برلمان قريش إلى الاقتراح الداعي إلى مصالحة المسلمين، فيعيّنوا منهم وفدًا برئاسة سهيل بن عمرو ليتولى مفاوضة المسلمين من أجل إقامة الصلح.
[ ٥ / ٢١٢ ]
قال الواقدي: ثم إن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى ومكرز بن حفص، فلما نظرت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى ومن كان معه وعيون قريش (١) إلى ما رأت من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم للحرب، اشتد رعبهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضيّة، فرجع حويطب بن عبد العزّى وسهيل بن عمرو ومكرز بن حفص إلى قريش، فأخبروهم بما رأوا من سرعة أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى البيعة، وما جعلوا له.
فقال أهل الرأي منهم: ليس خيرًا من أن نصالح محمدًا على أن ينصرف عنَّا عامه هذا ويرجع قابل، فيقيم ثلاثًا وينحر هَدْيه وينصرف ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا. فأجمعوا على ذلك، فلمّا أجمعت قريش على الموادعة والصلح بعثوا سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزَّى ومكرز بن حفص وقالوا (لسهيل رئيس الوفد). إئت محمدًا فصالحه، وليكن في صلحك: لا يدخل في عامه هذا، فوالله لا يتحدّث العرب أنك دخلت (لعله: أنه دخل علينا عنوة) (٢).
سهيل بن عمرو النجم اللامع:
ك ان سهيل بن عمرو من النجوم اللامعة بين سادات قريش في العقل والحلم والرزانة وأصالة الرأي وبعد النظر.
ولهذا كانت قريش تدّخره للقضايا المعقَّدة وتفزع إليه لحلّ المعضلات، لذلك لمّا تعقدت مشكلة الحديبية ووصلت إلى انفجار
_________________
(١) العيون هنا: الجواسيس.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٢، ٦٠٤، ٦٠٥ نشر جامعة أكسفورد.
[ ٥ / ٢١٣ ]
الحرب على أثر استنفار النبي - ﷺ - أصحابه وتعبئتهم للمعركة التي بات واضحًا لدى قريش أن المسلمين سيخوضونها على إثر ما وصلهم من خبر اعتقال المشركين عثمان والعشرة من المهاجرين وقتلهم في مكة. . لجأَت إلى هذا السيد العامريّ ليكون رئيس وفدها في مفاوضات السلام التي قرَّر برلمان مكة (دار الندوة) إجراءها مع المسلمين لإنهاء الأَزمة.
هيئة الوفد القرشي:
وقد تمَّ تأْليف وفد المفاوضة من ثلاثة أعضاءٍ من سادات مكة، هم:
١ - سهيل بن عمرو (عامري) رئيسًا.
٢ - حويطب بن عبد العزى (عامري) عضوًا.
٣ - مكرز بن حفص (عامري) عضوًا.
المخطوط العريضة للمعاهدة عند قريش:
ويظهر أن قريشًا قد وضعت في برلمانها (دار الندوة) لوفدها المفاوض المخطوط العريضة لما يجب أن تكون عليه المفاوضة في الحديبية بين الفريقين.
ومهما يكن فإنه يمكن القول: إن البيعة في الحديبية قد كانت عامل تحول جذري في موقف قريش من العناد والتصلُّب والشطط إلى الاعتدال.
فقد كانت نقطة الخلاف الرئيسية والتي كاد الخلاف حولها بين
[ ٥ / ٢١٤ ]
المسلمين وقريش يؤدي إلى حرب مدمِّرة، هو أن قريشًا كانت تصرُّ على منع المسلمين (كلّيًا) من دخول مكة ما بقى لقريش فيها سلطان.
ولكن قريشًا تراجعت أخيرًا عن فكرة منع المسلمين من دخول مكة ولكن بأُسلوب يحفظ لها شيئًا من ماء الوجه بين العرب الذين شاع بينهم أن قريشًا لن تسمح للمسلمين بدخول مكة أبدًا.
فقد وافقت - في قرارها الأخير في دار الندوة - على السماح - للمسلمين بدخول مكة لأَداء مناسك العمرة، ولكن ليس في هذا العام وإنما في العام القادم، وهو قرار ما كانت قريش لتتخذه لولا ذلك القرار الحازم الذي اتخذه النبي القائد - ﷺ - والذي بموجبه أَعلن لن ينصرف إلى المدينة حتى يناجز قريشًا.
لذلك - ولخوف قريش الشديد من الحرب التي لم يعد أَمرها مجرّد كلام في الهواء، ترسله قريشًا للمزايدة -، أَعطت قريش رئيس وفدها إلى الحديبية سهيل بن عمرو صلاحيات مطلقة لإحلال السلام، على أن يركِّز أثناء المفاوضات على التمسك بمطلب واحد لا يحيد عنه، وهو أَن قريشًا لا تمانع في أن يدخل المسلمون مكة، ولكن شريطة أن يكون ذلك في العام القادم.
فقد قالوا لسهيل بن عمرو: (صالح محمدًا ولا يكن في صلحه إلَّا أن يرجع عنَّا عامه هذا) (١).
وتركت باقي التفاصيل والإجراءَات في صيغة معاهدة الصلح لسهيل بن عمرو يصوغها كيف شاء، وكان سهيل رجلًا صريحًا شهمًا عفّ اللسان (ديبلوماسيًا) لبقًا في محادثاته، مع منزلة عالية في دنيا
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٦.
[ ٥ / ٢١٥ ]
الفصاحة، حيث كان يعدّ في مقدمة خطباء قريش المفوَّهين (وقد أسلم فيما بعد، وحسن إسلامه فاستشهد في معركة اليرموك الشهيرة في الشام).
سهل الله لكم من أمركم:
توجه سهيل بن عمرو والوفد المرافق له إلى الحديبية، وقد استبشر النبي - ﷺ - وبشَّر أصحابه بالفرج عندما رأى سهيلًا مقبلًا، فقال: قد سهَّل الله لكم من أمركم (١)، وقال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل (٢).
وفي رواية أن النبي - ﷺ - قال: (سهَّل الله أَمركم، القوم ماتّون إليكم بأَرحامكم وسائلوكم الصلح فابعثوا الهدي وأَظهروا التلبية، لعلّ الله يُلِين قلوبهم، ففعلوا ذلك فارتفعت أصواتهم بالتلبية من نواحي العسكر تشق عنان السماء (٣).
رغبة النبي في السلام:
ولا شك أَن هذا التصرف من النبي - ﷺ - يدل على أَنه - بالرغم من اتخاذه القرار الحاسم بمحاربة قريش - لا يزال يأْمل في الوصول إلى حل عادل للمشكلة يضمن حقن الدماء ويضمن للمسلمين مباشرة حقهم في دخول مكة للطواف بالبيت وهو الحق الذي أصرت قريش على
_________________
(١) بهجة المحافل ج ١ ص ٣٦١.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٤٣.
(٣) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٢.
[ ٥ / ٢١٦ ]
إهداره بقوة السلاح حين أَعلنت أَنها ستحول (بحدّ السيف) دون دخول المسلمين مكة حتى وإن كانوا جاءوا للعمرة فقط.
بدء المفاوضات:
كان الجو أكثر صفاءً والحالة أكثر هدوءًا في محيط الفريقين أكثر من أي وقت مضى، عندما وصل وفد قريش إلى الحديبية.
فقد كانت قريش جادة هذه المرة في المفاوضة، بل وراغبة كل الرغبة في حل المشكلة لتتجنب الصدام المسلح الذي أَرعبها وشوك وقوعه والذي لم يكن لدى سادات مكة وقادة أَلويتها المؤلفة من أكثر من ثمانية آلاف مقاتل أَن قريشًا ستكون هي الخاسرة إذا ما نشب الصدام، بالرغم من أن قوات قريش تقدّر بثمانية آلاف مقاتل، بينا قوة المسلمين لا تزيد على أَلف وأَربعمائة.
وقد استمد زعماءُ قريش وقادها العسكريون اعتقادهم بأَنهم - مع هذا التفوق - سيخسرون المعركة - استمدّوا هذا الاعتقاد من التجارب العملية التي لمسوها في المعارك التي خاضوها ضد المسلمين، والتي خرجوا منها بدرس لن ينسوه أَثناء بحث أَيّ نزاع بينهم وبين المسلمين، وهو أن التفوق البشري وكثرة السلاح وجودة التسليح ليس كافيًا لإحراز النصر في المعارك، إذ أن هذا التفوق الكبير يكون في حساب اليسار في علم الحساب لا وزن له ولا قيمة.
لهذا سارعت قريش - عندما جدَّ الجد - إلى التفاوض مع المسلمين لتتنجب الدخول معهم في صدام حقيقي مسلح.
[ ٥ / ٢١٧ ]
اعتذار رئيس الوفد القرشي للنبي - ﷺ - وإطلاق سراح عثمان وأصحابه:
كانت التحريات الأخيرة أثبتت أن المشركين في مكة احتجزوا سفير النبي - ﷺ - إليهم، عثمان والعشرة المهاجرين الذين دخلوا معه مكة فعلًا، ولكن لم يثبت أن قريشًا قد قامت بقتل هؤلاء الأحد عشر كما أشيع وأحدث غليانًا في صفوف المسلمين بالحديبية، وأدّى إلى إعلان الاستنفار العام بين المسلمين في الحديبية.
ولقد كان سهيل بن عمرو - كما قلنا - لبقًا ورجل سياسة ودولة، وكان أكثر القرشيين بُعْدًا عن العنجهيّة والعناد والتهوّر.
ولهذا فإن أول ما افتتح به رئيس وفد قريش إلى الحديبية للمفاوضة هو الاعتذار للنبي - ﷺ - عن عمليات التسلّل التي قامت بها بعض وحدات من جيش قريش إلى داخل المعسكر الإسلامي في الحديبية (١) بقصد الاعتداء على المسلمين غدرًا. كما اعتذر سهيل بن عمرو عن عمليّة احتجاز عثمان والمهاجرين العشرة في مكة، ووصف كل هذه العمليات بأَنها من عمل السفهاء ولكي يبرهن على قوله هذا وكبداية طيبة من جانبه، أَرسل إلى قريش في مكة بأَن تسارع (فورًا) إلى إطلاق سراح عثمان بن عفّان وأَصحابه العشرة، وأن تبعث بهم مكرّمين إلى الحديبية، وقد فعلت قريش ذلك في الحال، فوصل عثمان وأَصحابه المحتجزين إلى الحديبية ففرح المسلمون بعودتهم سالمين.
_________________
(١) تقدمت تفاصيل عملية التسلل فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٥ / ٢١٨ ]
النبي يطلق سراح المشركين المحتجزين:
كما أن النبيّ - ﷺ - من جانبه قام بإطلاق سراح المشركين الذين ألقى عليهم الحرس الإسلامي في الحديبية القبض أَثناءَ محاولتهم التسلل إلى داخل المعسكر للإغتيال والتخريب، وكان من بين هؤلاءِ المعتقلين عمرو بن أَبي سفيان بن حرب (١).
فقد ذكر الواقدي أَن سهيل بن عمرو قال للنبي - ﷺ - لدي اجتماعه به للمفاوضة في الحديبية: (إنَّ من قاتلك لم يكن من رأَي ذوي رأَينا ولا ذوي الأحلام منّا، بل كنّا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائنا.
تقدم سهيل بن عمرو بهذا الاعتذار إلى النبي - ﷺ - وعثمان بن عفّان والمهاجرون العشرة لا يزالون محتجزين في مكة لدى المشركين.
ولذلك فإن سهيل بن عمرو، لما طلب من النبيّ - ﷺ - (عقب هذا الاعتذار) أن يطلق سراح سفهاءِ قريش المتسلّلين، وافق على طلبه ولكن بشرط أن تقوم قريش بإطلاق سراح عثمان وأَصحابه، فوافق سهيل في الحال بعد أن صرّح بأَن المطلب النبوي مطلب عادل يجب تحقيقه.
فقد قال سهيل بن عمرو للنبي - ﷺ -: إبعث إلينا بأَصحابنا الذين أَسرت، فقال النبي - ﷺ -: إنني غير مرسلهم حتى ترسل أَصحابي. فقال سهيل: أَنصفتنا، ثم بعث سهيل بن عمرو: الشتيم بن عبد مناف التَّيمي إلى قريش يطلب منهم إطلاق سراح عثمان وأصحابه قائلًا: إنكم حبستم رجالًا، من أصحاب محمد بينكم وبينهم أرحام، لم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٤.
[ ٥ / ٢١٩ ]
تقتلوهم، وقد كنّا لذلك كارهين، وقد أَبى محمد أَن يرسل من أَسر من أصحابكم حتى ترسلوا أَصحابه، وقد أَنصفنا، وقد عرفتم أَن محمدًا يطلق لكم أَصحابكم فبعثت قريش إلى النبي - ﷺ - بمن كان عندهم وكانوا أحد عشر رجلًا، وأَرسل رسول الله - ﷺ - إليهم أَصحابهم الذين أُسروا، أَول مرة وآخر مرّة (١).
بحث بنود الصلح:
بعد عملية تبادل الأسرى بين الفريقين (إن صحَّ هذا التعبير) شرع النبيّ ﷺ وسهھيل بن عمرو في التفاوض حول البنود التي يجب أن تتضمنها معاهدة الصلح التي وافق الفريقان على إقامتها من حيث المبدإِ.
وقد طال البحث والجدل والأَخذ والردّ والشد والجذب حول الاتفاق على بنود الصلح، كل فريق - دونما شك - يريد بنودًا تكون لمصلحة قومه.
النبي في حراسة أصحابه:
وقد تعثّرت المفاوضات في كثير من مراحلها، إذ تحوّل النقاش في بعض الأَحيان إلى صخب ولغط حيث كان رئيس الوفد القرشي كلما فشل في إملاء شرط على النبيّ لا يرضاه، رفع صوته غاضبًا، إلى حدّ جعل قائدَي حرس المسلمين (عبّاد بن بشر وسلمة بن سلمة) القائمين
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٤.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
على رأْس رسول الله يلفتان نظر سهيل بن عمرو، بأَن يلتزم حدود اللياقة في مخاطبة الرسول - ﷺ - فلا يرفع صوته أَكثر من اللازم.
قالت أُم عمارة تصف جانبًا من المفاوضات في الحديبية: إني لأنظر إلى رسول الله - ﷺ - جالسًا يومئذ متربّعًا، وإن عباد بن بشر وسلمة بن سلمة بن حريش مقنَّعان بالحديد، قائمان على رأْس النبي - ﷺ - إذ رفع سهيل بن عمرو صوته قالا: إخفض من صوتك عند رسول الله - ﷺ -، وسهيل بارك على ركبتيه، رافع صوته كأَني أَنظر إلى علم (١) في شفته وإلى أَنيابه، وإن المسلمين لحول رسول الله - ﷺ -، جلوس (٢).
بنود الصلح التاريخية:
وبعد طول الأَخذ والرد بين المتفاوضين تقاربت وجهات النظر، وتمَّ الاتفاق بين النبي - ﷺ - ورئيس وفد قريش سهيل بن عمرو على حل وسط، بشأْن النقطة الرئيسية التي كانت مثار الخلاف والتوتر الذي كاد يؤدي إلى الحرب.
فقد كانت قريش تصرّ على أَن لا يدخل المسلمون مكة أبدًا ما بقى لقريش فيها سلطان، ومن أجل ذلك حشدت حوالي ثمانية آلاف مقاتل وعسكرت بهم في وادي بلدح خارج مكة لتصدّ المسلمين بالقوة إنْ هم اجتازوا حدود الحرم.
_________________
(١) العلم: الشق في الشفة العليا (قاله في الصحاح).
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٥.
[ ٥ / ٢٢١ ]
ومن جهة أُخرى فقد صمم النبي - ﷺ - على أَن يدخل بأَصحابه مكة لأَداء مناسك العمرة، ومقاتلة القرشيين إن تعرّضت قواتهم المسلحة للمسلمين وحاولت صدهم عن البيت. . وبالرغم من التزام النبي - ﷺ -، سبيل التريّث والتأَنّي في انتظار حل مرضٍ يكفل للمسلمين حقهم المشروع في زيارة البيت (دون إراقة دماء) فقد عمدت قريش إلى تصعيد الأَزمة وتأْزيم الموقف الذي بلغ حدّ الانفجار، عندما أَقدمت قريش على احتجاز سفير النبي - ﷺ - إليها عثمان بن عفّان وعشرة من المهاجرين في مكة، وزاد الحالة توتّرًا أن صاحَبَ عملية الاحتجاز التعسفيّة هذه إشاعة بأَن القرشيين قتلوا المسلمين الأَحد عشر، فقرر النبي - ﷺ - على أثر ذلك مناجزة المشركين واقتحام مكة عليهم بقوة السلاح، الأَمر الذي أَفزع قريشًا وأَرعبها وجعلها تسارع إلى طلب الصلح من المسلمين.
الحل الوسط:
وكان الحل الوسط بشأْن نقط النزاع الرئيسية هذه هو اتفاق النبيّ وقريش في هذه المفاوضات على أن يدخل المسلمون مكة للعمرة، ولكن ليس في هذه السنة، وإنَّما في العام القادم، وذلك كحل وسط رأَت قريش أنها به خرجت من الورطة التي أَوقعت نفسها فيها، مع شيء من حفظ ماء الوجه.
كما أن النبي - ﷺ - قد رأى أنه - بهذا الحل - قد حقق للمسلمين نصرًا عظيمًا دون أن يُضطر إلى إراقة قطرة دم واحدة. . وهذا النصر هو ضمان اتفاقية الصلح حقِّ المسلمين المشروع في دخول مكة لزيارة البيت،
[ ٥ / ٢٢٢ ]
وهو ما كانت قريش تعارض فيه كل المعارضة، وتصرّ على عدم الاعتراف للمسلمين به.
أما مسأَلة إرجاء مباشرة المسلمين حق دخول مكة سنة واحدة، فلا تؤثر في جوهر الانتصار الذي حققه النبي - ﷺ - المسلمين، لأَن هذا التأْخير أَمر سطحيّ بالنسبة لجوهر القضية، ما دام أَن المسلمين سيصلون إلى غايتهم التي جاءوا من أَجلها وهو الطواف بالبيت.
ويمكن القول: إن قبول النبي - ﷺ - الرجوع من الحديبية ليدخل مكة في العام القادم، هو ثمن لمكاسب أَهمها حصول المسلمين على حقهم المشروع - وهو دخول مكة - دون أَن يخسروا قطرة دم واحدة، لأَن النبي - ﷺ - كان حريصًا كل الحرص على حقن الدماء وصونها عن الضياع (١).
أهم بنود الصلح:
وبتوصّل الفريقين إلى الاتفاق على حل أَعظم مشكلة، كانت مصدر التوتر ومبعث الخلاف، تمّ إبرام الصلح التاريخي في الحديبية.
وقد تضمنت معاهدة الصلح هذه بنودًا أُخرى غير البند الرئيسي المتعلّق بدخول المسلمين مكة، وفيما يلي ملخّص للبنود التي تضمنتها معاهدة هذا الصلح:
١ - على المسلمين أن يرجعوا إلى المدينة دون أَن يدخلوا مكة ذلك العام.
_________________
(١) سيأتي ذكر هذه المكاسب في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
[ ٥ / ٢٢٣ ]
٢ - من حق المسلمين أن يأْتوا في العام القادم فيدخلوا مكة ليقضوا مناسكهم.
٣ - تلتزم قريش بعدم التعرض للمسلمين حين يدخلون مكة، بأي نوع من أنواع التعرض.
٤ - على المسلمين لدى دخولهم مكة أن لا يحملوا من السلاح إلَّا سلاح الراكب وهو السيف.
٥ - يلتزم المسلمون بأن لا يشهروا سلاحهم وهم بمكة، بل عليهم أن يتركوا السيوف في أغمادها ما داموا في مكة.
٦ - المدة المحددة التي ليس للمسلمين أن يقيموا أكثر منها في مكة، ثلاثة أيام فقط، عليهم أن يغادروا مكة بعد انقضائها فورًا.
٧ - إنهاء حالة الحرب القائمة بين المسلمين وقريش، بقيام هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات، يأمن الناس فيها على انفسهم.
٨ - يلتزم النبي - ﷺ - بأن يردّ إلى قريش كل من جاء إليه من أبنائها بعد إبرام هذه المعاهدة، إذا كان قد جاء بغير إذن أهله، وعلى النبيّ الالتزام بذلك حتى ولو كان اللاجيء مسلمًا.
٩ - ليس على قريش أن تردّ إلى النبي - ﷺ - من جاء إليها من المسلمين حتى ولو كان مرتدًا عن دينه.
١٠ - تترك الحرية المطلقة للقبائل المجاورة للحرم لينضمُّوا إلى أيِّ المعسكرين شاءُوا، ويدخلوا في عهد أي الفريقين أرادوا.
١١ - تعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي من المعسكرين جزءًا من المعسكر الذي تدخل في عهده، له ما لها، وعليه ما عليها، وعليها الالتزام بما جاء في بنود المعاهدة.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
١٢ - أي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانًا على المعسكر الداخلة في عهده كما يعتبر هذا العدوان مبطلًا للمعاهدة.
هذا الملخص هو ما يمكن تسميته بالخطوط العريضة للصلح التاريخي، هذا الذي أقرّه واتفق عليه كل من محمد بن عبد الله نبي المسلمين، وسهيل بن عمرو ممثل قريش في المفاوضة.
المعارضة الشديدة للاتفاقية:
وبعد الاتفاق على القواعد الكاملة لمعاهدة الصلح هذه، وقبل تسجيل وثائقها ظهرت بين المسلمين معارضة شديدة وقوية لهذه الاتفاقية، وخاصة البند الثامن والتاسع اللذين بموجبهما يلتزم النبي - ﷺ - بردّ من جاءَه من المسلمين لاجئًا، ولا تلتزم قريش بردّ من جاءَها من المسلمين مرتدًّا، والبند الأول الذي يقضي بأن يعود المسلمون من الحديبية إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة ذلك العام.
قد كان أشدّ الناس معارضة لهذه الاتفاقية وانتقادًا لها، عمر بن الخطاب، وأُسيد بن حُضَير سيد الأوس، وسعيد بن عبادة سيِّد الخزرج.
احتجاج ابن الخطاب ومجادلته النبي ﷺ:
فقد ذكر المؤرخون أنه بينما كانت الإجراءات تتخذ لتسجيل المعاهدة التي تم الاتفاق عليها نهائيًّا، إذا بعمر بن الخطاب يأتي إلى رسول الله - ﷺ - معلنًا معارضته لهذه الاتفاقية، وهو في حالة من الكرب والانفعال يشاركه في هذه المعارضة جمهور المسلمين الموجودين في الحديبية.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
ألسنا بالمسلمين وأليسوا بالمشركين؟
فقد قال عمر بن الخطاب للنبي - ﷺ - معارضًا الاتفاقية - يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى! قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعْطى الدنيَّة في ديننا؟ . فردّ النبي - ﷺ - على استجوابات ابن الخطاب الشديدة، ردّ عليه فقال له: (في يقين النبيِّ وحلم السيد وحكمة القائد) أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني (١).
ويظهر أن غضب ابن الخطاب ومعارضته للاتفاقية وقوة اعتقاده الغبن فيها، كانت أشدّ من أن تترك له الفرصة ليتفَّهم ما قاله له النبي - ﷺ - ردًّا على استجواباته، فذهب الفاروق - وهو على ذلك المستوى من الانفعال - إلى وزير النبيّ الأكبر أبي بكر الصدِّيق، فاحتجَّ لديه وأبلغه معارضته للاتفاقية التي وصفها بأنَّها تشتمل على الدنيَّة للمسلمين، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيَّة في ديننا؟ فقال أبو بكر - ناصحًا الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة -: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أُمر به، ولن نخالف أمر الله ولن يضيّعه الله (٢).
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٤.
(٢) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٤ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٦ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٦، وفي تاريخ الطبري (وهو الأنسب)، أن عمر بدأ في احتجاجه بأبي بكر الصديق، ثم ذهب إلى النبي ﷺ.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
اشتداد الكرب على المسلمين:
ولم يكن ابن الخطاب وحده مكروبًا من شروط القرشيين في هذا الصلح، بل كان أكثر الصحابة متأَلِّمين من هذه الشروط، وغير مرتاحين للموافقة عليها، ولكن ليس كلُّهم كابن الخطاب جرأَة في الإفصاح عن ما يريدون الإفصاح في مثل هذه المواقف، لقد كان الصحابة كارهين للصلح ومشاركين لابن الخطاب في الشعور بالامتعاض والغمِّ والهمِّ نتيجة قيام هذا الصلح الذي لم يدركوا أبعاده كما أدركها النبي الأعظم - ﷺ -.
فقد كانوا لا يشكُّون في أنهم سيدخلون مكة للرؤيا التي رأى رسول الله - ﷺ - وهو في المدينة بأنه سيدخل مكة ويأخذ مفتاح الكعبة.
ولذلك صُدِموا صدمة شديدة عندما قام الصلح بين النبي - ﷺ - وبين قريش على أساس أن يعود المسلمون. دون أن يدخلوا مكة فكادوا - يهلكون لهذه الصدمة النفسية العنيفة. وقد باحثوا النبي - ﷺ - حول ما يختلج في صدورهم حول هذا الأمر المزعج بالنسبة لهم وتقدموا إليه بعدة أسئلة، ولكن بغير الأسلوب الشديد الذي عبر به عمر بن الخطاب في معارضته.
قال أبو سعيد الخدري - يصف امتعاض الصحابة وكرههم الصلح، وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يكرهون الصلح، لأنهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رسول الله - ﷺ - أنه حلق رأسه، وأنه دخل البيت، فأخذ مفتاح الكعبة، وعرَّف مع المعرِّفين، فلما رأوا الصلح دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهہلكون.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
وقال عمر ورجال معه من أصحاب النبي - ﷺ -: يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرِّفين؟ وهَدْينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال رسول الله - ﷺ -: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا.
فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة (١).
حادثة أبي جندل المؤثرة:
وبينما كان المسلمون في حالة من الضيق والكرب يراجعون رسول الله - ﷺ - لإعادة النظر في بنود الصلح التي اعتبروها ماسَّة بكرامتهم ومخيبة لآمالهم - كما صرَّح بذلك كبير معارضيهم عمر بن الخطاب أمام الرسول الأعظم - ﷺ - وبينما كان النبي الحكيم الحليم يحاول تهدئتهم وإقناعهم بأن لا حيف ولا غمط في اتفاقية الصلح التي تم الوصول إليها بينه وبين سهيل بن عمرو، وبينما أخذ البعض من الصحابة في تفهم أبعاد هذه الاتفاقية ومدى مكاسبها بالنسبة للمعسكر الإسلامي إذا بحادث مؤثِّر يحدث فجأَة، يلهب الموقف من جديد ويضاعف من ألم المسلمين ويزيد من كربهم ويعمِّق في نفوسهم من الكره للصلح الذي كانوا في الأصل كارهين له. ومستعدِّين لإبطاله وعدم الالتزام به، لولا احترامهم الشديد المطلق لنبيّهم الذي رغب في هذا الصلح ووافق عليه.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٧ - ٦٠٩، وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٨.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
فعندما انتھهى النبي - ﷺ - ومندوب قريش سهھيل بن عمرو، من المفاوضات التي انتهت بالاتفاق على بنود الصلح، ولم يبق سوى تسجيل وثائقه للتوقيع عليها، إذا بأحد الشباب المسلم من المضطهدين في مكة، يطلع على المسلمين يرسف في قيوده والسيف في يده طالبًا من المسلمين في الحديبية حق اللجوء ليفرّ بدينه من المناخ الشركي الخانق، وقد تمكن هذا الشاب المؤمن الصابر من الاحتماء بمعسكر المسلمين حيث وصل إلى حيث يجلس رسول الله - ﷺ - مع الوفد القرشي المفاوض.
وقد زاد الأمر تعقيدًا، وكاد يؤدِّي إلى نسف اتفاقية الصلح والعودة بالأزمة الخطيرة إلى أشد مما كانت عليه قبل الاتفاق، هو أن هذا - الشاب اللاجيء المسلم، هو ابن رئيس وفد قريش المفاوض، سهيل بن عمرو، الذي لم يكد يرى ابنه المسلم (أبا جندل) حتى استشاط غضبًا، ونهض من مجلس النبي - ﷺ - في عصبية جاهلية - إلى ابنه الذي فرّ من سجنه بمكة، فضربه على وجهه، ثم أخذ يجرُّه بتلابيبه ويدفع به أمامه ليعيده إلى معسكر المشركين تمهيدًا لإعادته إلى سجنه بمكة.
وعندما اعتدى سهيل بن عمرو المشرك على ابنه المسلم بالضرب، وأخذ يدفعه بعنف لإعادته إلى المعتقل صاح أبو جَنْدل مستغيثًا بالمسلمين يا معشر المسلمين أَأُردّ إلى المشركين فيفتنونني في ديني (١)؟ .
فالتهبت عواطف المسلمين من جديد ضد اتفاقية الصلح، وساد الموقف توترًا جديدًا، كاد ينسف الاتفاقية، بعد أن تدخَّل المسلمون - لحماية أبي جندل المسلم من أبيه المشرك، إذ انتزعوه منه (على ما يظهر)
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٥.
[ ٥ / ٢٢٩ ]
ليبقى معهم، لأن تلك رغبته الخاصة، ولأنه أصبح منهم، عضوًا في الأُسرة الإسلامية الكبرى.
ولم يحاول سهيل بن عمرو انتزاع ابنه بالقوة من أيدي المسلمين، بل لجأ إلى الاحتجاج لدى النبي - ﷺ - وطلب بتسليم ابنه المسلم - تطبيقًا للبند الثامن من الاتفاقية الذي ينص على التزام النبي - ﷺ -، بإعادة كل من جاءه مسلمًا من أَبناءِ المشركين إلى أهله.
فقد قال سهيل بن عمرو في احتجاجه: هذا أول ما قاضيتك عليه، ردّوه (١) (أي ابنه أبا جندل) وقد حاول النبي - ﷺ - الاعتذار عن تسليم أبي جندل لأبيه، بأَن المعاهدة لم يجر تسجيلها والتوقيع عليها قائلًا: "إننا لم نقض الكتاب بعد" (١).
ولكنَّ سهيل بن عمرو أصرَّ على تسلم ابنه محتجًا بأن الاتفاقية تعتبر في حكم المنتهية، وهدَّد بأَنه سيلغي الاتفاقية إذا لم يتسلم ابنه أبا جندل، حيث قال: "هذا أول ما أقاضيك عليه، لقد لجّت (٢) القضية بيني وبينك قبل أَن يأْتيكَ هذا - يعني ابنه - والله لا أُكاتبك على شيء حتى تردّه إِليّ" (٣).
تسليم أبي جندل للمشركين:
ولم يسَع محمد بن عبد الله - ﷺ - وهو أبرّ من أوفى بالعهد - إلَّا أن يقف عند كلمته، ويطبق الاتفاقية نصًّا وروحًا ويسلم أبا جندل المسلم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٨.
(٢) لجت: تمت.
(٣) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٥ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٨.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
إلى أبيه المشرك، فسلَّمه على ما في ذلك من إيلام للنفوس المؤمنة، لأن الوفاءَ بالعهد - عند من هو في منزلة رسول الله - أسمى من العواطف.
النبي يعتذر لأبي جندل:
وقد اعتذر النبيّ - ﷺ - للشاب المسلم أبي جندل بأَنه لا يمكنه القيام بأَيِّ عمل يحول بين أبيه وبين اعتقاله، لأن ذلك لو فعله، يعتبر نقضًا للعهد الذي أَعطاه لقريش، وغدرًا لا يرضى أبو جندل نفسه أن يقدم عليه أحد من المسلمين العاديين فضلًا عن سيدهم وقائدهم فإن الله جاعل لك ولمن معك (أي من المستضعفين) فرجًا ومخرجًا، إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا، وإنَّا لا نغدر (١) ".
أبو جندل يستسلم ويطيع أمر الرسول:
وقد اقتنع أبو جندل كل الاقتناع بما قاله النبي - ﷺ - فأطاع أَمر الرسول - ﷺ - فاستسلم لأَبيه المشرك وكله ثقة واطمئنان بأن الله سيجعل له ولإخوته المستضعفين من الشباب المسلم في مكة مخرجًا، لأن النبيَّ - ﷺ - بشرّه بذلك، والمؤمن الثابت لا يمكن أن يكون لديه أدنى ريب في صدق ما يقوله الرسول - ﷺ -، ولذلك عاد أبو جندل يرسف في قيوده إلى سجنه الرهيب بمكة وهو قرير العين هادئ البال للبشرى التي
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٨، والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٤٦، ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٨.
[ ٥ / ٢٣١ ]
بشَّره بها نبيّه: "فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا"، وفعلًا لم تمض سنة على مأْساة أبي جندل المؤلمة في الحديبية حتى كتب الخلاص له ولسبعين من إخوته الشباب في مكة، إذ تمكنُّوا (وبصورة لا يدري أحد كيف تمت) من الهرب من سجون الشرك في مكة، وكونوا لهم تجمعًا ثوريًا إسلاميًا في الساحل على طريق قوافل المشركين بين مكة والشام، كما سيأتي تفصيله في هذا الكتاب إن شاء الله.
ازدياد الكرب على المسلمين:
وبعد أن أعاد النبہي - ﷺ - أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو تزايد ضغط الكرب والهمّ والغہمّ على نفوس المسلمين حتى كادوا يهہلكون.
وقد بلغ الألم النفسي بالمسلمين (للحالة المؤلمة التي عاد عليها أبو جندل إلى معتقل الشرك ومناخ الكفر) إلى درجة أنهم صاروا يبكون توَّجعًا لما حلَّ بأبي جندل، الشاب الطيب المثالي المسلم، الذي أخذه أبوه المشرك الفظّ يجره في وحشية وقسوة أَمامهم دون أن يقوموا بأيِّ عمل لإنقاذه، مع قدرتهم التامة على ذلك.
سهيل بن عمرو يرفض شفاعة الرسول في ابنه:
وكان الرسول الأعظم - ﷺ - بعد أن سلَّم بحق سهيل بن عمرو في اعتقال ابنه ووافق على تسليمه - طلب من سهيل أن يتركهـ له، ويتنازل عن حقه في اعتقاله، لا سيما أنه جاء بمحض اختياره راغبًا في الالتحاق بالمسلمين، ولكن سهيلًا رفض هذا الطلب، وأصرّ على استعادته فكان له ما أراد لأَن ذلك حق له كفلته شروط الصلح.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
عضوا الوفد القرشي يجيران أبا جندل:
غير أن العضوين في وفد قريش وهما (حويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص) لما رأَيا إلحاح النبيّ - ﷺ - على سهيل بن عمرو في أن يترك ابنه ويعفيه خوفًا عليه من التعذيب ورأيا سهيلًا يرفض شفاعة النبي - ﷺ - استحيا، فأبلغا النبي - ﷺ - بأن أبا جندل سيكون في حمايتهما من شرّ أَبيه، فقالا: يا محمد نحن نجيره لك، وفعلًا أبلغا سهيل بن عمرو بأن ابنه أصبح في جوارهما، ثم أدخلاه فسطاطًا، فكف أبوه عن إيذائه (١) وكان هذا أول فرج ينال أبا جندل مصداقًا لقول النبي - ﷺ - له: "فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا".
وقد روى الإمام الواقدي قصة أبي جندل المؤثرة هذه فقال: "فبينما الناس على ذلك قد أصطلحوا، والكتاب لم يُكتب، أقبل أبو جندل بن سهيل، قد أفلت يرسف في القيد متوشحًا السيف، خلا له أسفل مكة، فخرج من أسفلها، حتى أتى رسول الله - ﷺ - وهو يكاتب سهيلًا، فرفع سهيل رأسه، فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه سهيل فضرب وجهه بغصن شوك، وأخذ بلبتّه وصاح أبو جندل بأعلى صوته يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرًّا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزّى لمكرز بن حفص: ما رأيت قومًا قطّ أشد حبًّا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض أما إني أقول لك لا تأْخذ من محمد نصفًا أبدًا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عَنْوة! فقال مكرز: أنا أرى ذلك: قال الواقدي: وقال سهيل النبي - ﷺ -: هذا
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٨ والسيرة الحلبيةج ٢ ص ١٤٦.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
أَوّل ما قاضيتك عليه، ردُّوه، فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال سهيل: والله لا أُكاتبك على شيء حتى تردّه إليَّ فردّه رسول الله - ﷺ، فكلَّم رسول الله - ﷺ سهلًا أن يتركه فأَبى.
فقال مكرز بن حفص وحويطب: يا محمد نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطًا فأجاره، وكفَّ أبوه عنه. ثم رفع رسول - ﷺ - صوته فقال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإنَّ الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا! إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا، وإنا لا نغدر.
تفجر المعارضة بين المسلمين من جديد:
وكان استحكام حلقات محنة أبي جندل وتعاظم مأساته بإعادته إلى أبيه رغمًا عن إرادته سببًا في تفجير المعارضة للصلح من جديد داخل المعسكر الإسلامي، فقد طغى الحزن والأسى على نفوس المسلمين واعتبروا ما نال أبا جندل من إهانة على يد أبيه المشرك دون أن يستطيع المسلمون حمايته، بسبب التزامات نبيِّهم في الصلح .. اعتبروا ذلك أول القطاف المرّ لثمار صلح الحديبية، فعادوا إلى المعارضة من جديد، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله - ﷺ - وعاودوا مناقشته واستجوابه مبہدين ألمهھم ومعارضتھهم للصلح، ومتسائلين: كيف ولماذا يعودون إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة، وقد وعدهم رسول الله - ﷺ - ذلك وهم بالمدينة؟ .
[ ٥ / ٢٣٤ ]
التفكير في التمرد ولكن!
بل لقد فكَّر بعضهم - لشدة ما ناله من الحزن والأسى - في التمرّد والخروج لمقاتلة المشركين في الحديبية رغم اتفاقيَّة الصلح، لولا أَنْ عصمه الله من الإقدام على هذا التمرد.
فقد روى عن كبير المعارضين للصلح (الفاروق عمر بن الخطاب) أنه قال في خلافته - فيما رواه عنه ابن عبَّاس وكان يتحدّث عن صلح الحديبية - ارتبت ارتيابًا لم أرتبه منذ أسلمت إلَّا يومئذ، ولو وجدت ذلك اليوم (يوم الصلح) شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضيّة لخرجت ثم جعل الله ﵎ عاقبتها خيرًا ورشدًا وكان رسول الله - ﷺ - أعلم (١) وفي رواية أُخرى أَنَّ عمر قال: ما زلت أصوم وأتصدَّق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلَّمت يومئذ.
وقال أبو سعيد الخدري جلست إلى عمر بن الخطاب يومًا فذكر القضيَّة (أي صلح الحديبية) فقال: لقد دخلني يومئذ من الشك، وراجعت النبي - ﷺ - يومئذ مراجعة ما راجعته مثلها قط؛ ولقد أعتقت فيما دخلني يومئذ رقابًا وصمت دهرًا، وإني لأذكر ما صنعت خاليًا فيكون أكبر همي، ثم جعل الله عاقبة القضية خيرًا، فينبغي للعباد أن يتَّهموا الرأي، والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي: لو كنا مائة رجل على مثل رأْيي ما دخلنا فيه أبدًا، فلما وقعت القضيَّة أسلم في الهدنة أكثر ممّن كان أسلم من يوم دعا رسول الله - ﷺ - إلى يوم الحديبية وما كان في الإسلام فتح أعظم من الحديبية.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٧.
[ ٥ / ٢٣٥ ]
وروى البخاري في صحيح به عن عمران بن حصين (١) قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف (٢) من صفِّين أتيناه نستخيره، فقال: اتّهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله - ﷺ - أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلَّا سَهُلْنَ بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خُصْمًا إلا انفجر علينا خُصْم، ما ندري نأْتي له (٣).
ابن الخطاب يغري أبا جندل بقتل أبيه المشرك:
وبالرغم من تفكير بعض الصحابة - وعلى رأسهم الفاروق عمر - في التمرُّد بمقاتلة المشركين رغم الاتفاق على الصلح بين النبي - ﷺ - وسهيل بن عمرو - كما صرح بذلك ابن الخطاب وعمران بن حصين -
_________________
(١) هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أسلم عام خيبر وغزا عدة غزوات، كان حامل راية خزاعة يوم الفتح، كان أحد رواة الحديث المشهورين عن رسول الله ﷺ، كان مبعوث الخليفة عمر إلى أهل البصرة لتفقيههم في الدين، كان أحد العباد الزهاد المشهورين، اعتزل الفتنة ولم يشارك أيًّا من المعسكرين القتال في صفين والجمل قال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة، توفي سنة اثنين وخمسين من الهجرة.
(٢) هو سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم الأنصاري اللأوسي شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ كان أحد الأبطال الأفذاذ الذين ثبتوا إلى جانب رسول الله ﷺ يوم أحد ساعة الهزيمة، فدافع عن رسول الله ﷺ دفاعًا مجيدًا، وكان من رماة الأنصار المشهورين، فأوقفت سهامه الحادة هجمات المشركين عن النبي ﷺ، وكان الرسول ﷺ ساعة تكالب المشركين عليه يقول (وسهل ينافح عنه)، (نبلوا سهلا فإنه سهل)، آخى النبي ﷺ بين سهل وبين علي بن أبي طالب، شهد صفين إلى جانب أمير المؤمنين علي، توفي سهل بالكوفة سنة ثمان وثلاثين هـ.
(٣) صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٧٠، الطبعة المنيرية المصرية.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
فقد عصمهم الله من هذا الأمر الخطير، فكظموا غيظهم وابتلعوا آلامهم فظلوا عند أوامر النبي - ﷺ - القاضية بعدم محاربة المشركين .. والتزموا بها.
غير أن عمر بن الخطاب قام بمحاولة لقتل رئيس الوفد القرشي سهيل بن عمرو المشرك، دون أن يكون ذلك مخلًا بالتزامات النبي - ﷺ - المنصوص عليها في معاهدة الصلح، وذلك بأن لجأ عمر إلى أبي جندل وأخذ يشجعه على قتل أبيه المشرك، ولكنَّ أبا جندل مع رغبته في ذلك أبلغ عمر بأنه كمسلم يلتزم بما التزم به نبيه محمد - ﷺ -، لا يمكنه قتل سهيل، لأن ذلك يُعدّ خروجًا على أوامر النبي - ﷺ -، وهذا ما لا يرغب فيه أبو جندل.
فقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب - حين كان في شدة الانفعال - مشى إلى جنب أبي جندل، وأبوه يترّه ويدفعه، فقال: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، وإنما هو رجل وأنت رجل ومعك السيف، قال عمر: فرجوت أن يأْخذ السيف ويضرب أباه، فضنَّ الرجل بأبيه. فقال عمر: يا أبا جندل: إن الرجل يقتل أباه في الله، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله (١)، فرجل برجل! قال: وأقبل أبو جندل على عمر فقال: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله - ﷺ - عن قتله وقتل غيره، قال عمر: فقال لي أبو جندل: ما أنت بأحق بطاعة رسول الله مني (٢).
_________________
(١) يجدر بالذكر هنا أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر، كما قتل عمر بن الخطاب عمه كذلك.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٨، ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٨، ٦٠٩.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
يا عمر لعله يقوم مقامًا يحمد عليه:
وعندما بلغ النبي - ﷺ - أن عمر بن الخطاب أغرى أبا جندل بأبيه سهيل بن عمرو ليقتله قال - ﷺ -: يا عمر لعله أن يقوم في الله مقامًا يحمد عليه (١).
عودة المعارضة إلى مناقشة النبي ﷺ:
وبعد حادثة أبي جندل المؤلمة المؤثرّة عاد الصحابة إلى تجديد المعارضة للصلح، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله - ﷺ - بينهم عمر بن الخطاب لمراجعته، وإعلان معارضتهم مجددًا للصلح، إلَّا أن النبي الأعظم - ﷺ - استطاع هذه المرة - بما أعطاه الله من صبر وحكمة وحلم وقوة حجة - أقنع المعارضين بوجاهة الصلح، وأنه في صالح المسلمين وأنه نصر لهم، لا نصرًا لأعدائهم كما يتوهمون، فسلّموا نهائيًّا بوجهة نظر الرسول - ﷺ - وأنَّها الحق والصواب، بمن فيهم كبير المعارضين عمر بن الخطاب، الذي بعد أن أفاق من الصدمة النفسية - ندم ندمًا شديدًا على ما بدر منه من معارضة ومجادلة شديدة للنبيّ - ﷺ - حتى صار (كما قال): يتصدق ويُعتق الرقاب تكفيرًا عن ما ردّ به على رسول الله - ﷺ - بهذا الصدد.
فقد قال الواقدي في مغازيه: إن عمر بن الخطاب ورجال معه من الصحابة، قالوا (في استجوابهم): يا رسول الله، ألم تكن حدَّثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرّفين؟ - وهَدْينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! .
_________________
(١) جامع الأصول من أحاديث الرسول ج ٩ ص ٢٢٢.
[ ٥ / ٢٣٨ ]
فقال رسول - ﷺ -: قلت لكم في سفركم هذا؟ . قال عمر: لا.
فقال رسول - ﷺ -: أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكَّة وأعرِّف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر فقال: أنسيتم يوم أُحد إذ تُصْعِدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أُخراكم؟ . أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟ . أنسيتم يوم كذا؟ . وجعل رسول الله - ﷺ - يذكرهم أمورًا - أنسيتم يوم كذا؟، وجعل رسول الله - ﷺ - يذكرهم أمورًا - أنسيتم يوم كذا؟، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله يا نبيّ الله، ما فكّرنا فيما فكَّرت فيه لأنت أعلم بالله وبأمره، قال الواقدي: فلمَّا دخل رسول الله - ﷺ - عام القضيَّة وحلق رأسه قال:
هذا الذي وعدتكم. فلما كان يوم الفتح أخذ مفتاح الكعبة فقال: ادعوا لي عمر بن الخطاب! فقال: هذا الذي قلت لكم. فلمّا كان في حجة الوداع بعرفة قال لعمر: أي عمر هذا الذي قلت لكم؟ قال عمر: أي رسول الله ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية (١).
أبو عبيدة ينصح ابن الخطاب بالكف عن المعارضة:
نعود إلى موضوع المعارضة. واستمر ابن الخطاب في المعارضة، وعاد يقول للنبي - ﷺ -: علام نعْطي الدنيَّة في ديننا؟ .
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٩.
[ ٥ / ٢٣٩ ]
قال الواقدي: ولقىَ عمر من القضيَّة أَمرًا كبيرًا، وجعل يردّ على رسول االله - ﷺ - الكلام ويقول علام نُعْطي الدنيَّة في ديننا؟ فجعل رسول االله - ﷺ - يقول: أنا رسول الله ولن يضيّعني! قال: فجعل (عمر) يردُّ على النبي - ﷺ - الكلام حتى قال: يقول أبو عبيدة بن الجراح: أَلا تسمع يا ابن الخطاب رسول - ﷺ - يقول ما يقول؟ تعوَّذ بالله من الشيطان واتهم رأيك.
عمر يرجع عن المعارضة ويندم أشد الندم
قال عمر: فجعلت أتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم حياءً، فما أَصابني قط شيء مثل ذلك اليوم، ما زلت أصوم وأتصدّق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذ.
فكان ابن عباس يقول: قال لي عمر في خلافته - وذكر قضية الحديبية -: ارتبت ارتيابًا لم أرتبه منذ أسلمت، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج رغبة عن القضية لخرجت، ثم جعل الله ﵎ عاقبتها خيرًا ورشدًا، وكان رسول الله - ﷺ - أعلم (١).
وقال عمر (في رواية أُخرى): ما زلت أتصدّق وأصوم وأُصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا (٢).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٦ وما بعدها.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٧.
[ ٥ / ٢٤٠ ]
تسجيل المعاهدة وتبادل الوثائق:
وبعد أن انتهت عاصفة المعارضة في صفوف الجانب الإسلامي المصلح واقتنع المعارضون بأنهم كانوا على خطإ في معارضتهم - بعد ما شرح لهم الرسول - ﷺ - أبعاد المكاسب العظيمة التي سيظفر بها المعسكر الإسلامي نتيجة إبرام هذا الصلح - عاد الوفدان - الإسلامي برئاسة الرسول الأعظم، والقرشي برئاسة سهيل بن عمرو - عادا إلى الاجتماع، لوضع الصيغة النهائية المفصلة للصلح الذي اتفق الوفدان من حيث المبدإِ على وضع خطوطه العريضة وقواعده الرئيسية.
الخلاف حول صيغة المعاهدة:
ولدى الشروع في وضع الصيغة النهائية للمعاهدة وكتابتها لتكون نافذة المفعول رسميًّا، حدث خلاف بين الوفدين حول بعض النقاط، كاد يعود بالأزمة إلى ما كانت عليه، فعندما شرع النبي - ﷺ - في إملاءِ الصيغة للمعاهدة المتفق على جوهرها أمر الكاتب بأن يبدأ المعاهدة بكلمة (بسم الله الرحمن الرحيم) وهنا اعترض رئيس الوفد القرشي سهيل بن عمرو وقال: لا أعرف الرحمن، اكتب (باسمك اللهم)، وعندها ثارت ثائرة الصحابة فضجُّوا محتجين على اعتراض سهيل، وأصروا على رفض اعتراض سهيل بن عمرو، وقالوا: هو الرحمن ولا تكتب إلا الرحمن، ولكن النبي - ﷺ - تمشيًا مع سياسة الحكمة والمرونة والحلم - أجاب سهيل بن عمرو وقال للكاتب: (اكتب باسمك اللهم) (١)، واستمر في الإملاء فأمر الكاتب أن يكتب: (هذا
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٤ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٧ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٤٣ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦١٠.
[ ٥ / ٢٤١ ]
ما اصطلح عليه رسول الله) وقبل أن يكمل الجملة نهض سهيل بن عمرو مرة أخرى واعترض على كلمة (رسول الله) وطلب شَطبهَا من الوثيقة قائلًا: - لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك وأاتبعتك أفترغب عن إسمك وإسم أبيك محمد بن عبد الله، فقد ظلمناك إن كنت رسول، وما منعناك أن تطوف ببيت الله. لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك، ولكن اكتب إسمك واسم ابيك (١).
سيدا الأنصار يتدخلان:
وعندما عارض سهيل بن عمرو وطالب بشطب كلمة (رسول الله) من صلب الوثيقة هاج المسلمون هياجًا شديدًا لهذا التصلُّف القرشي، وارتفعت أصواتهم بالاحتجاج الشديد وأصرُّوا على أن لا تُمحى كلمة (رسول الله) وقالوا للكاتب: لا تكتب إلَّا محمدًا رسول الله.
بل ذهب الغضب والإمتعاض بسيِّد الأَوس أُسَيد بن حُضَير وسيِّد الخزرج سعد بن عبادة إلى أن يتدخلا (عمليًّا) في الأمر فيأْخذا بيد الكاتب ليكف عن الكتابة، إلَّا إذا كتب في المعاهدة كلمة (رسول الله) وهدد المعارضون باستخدام السلاح واللجوء إلى الحرب لتأْديب قريش المتعجرفة، لأنهم اعتبروا ذلك إهانة لكرامة المسلمين حيث قالوا للكاتب بعد أن أمسكوا بيده ومنعوه من الكتابة -: لا تكتب إلَّا محمدًا رسول الله، وإلا فالسيف بيننا! علام نُعطي الدنيَّة في ديننا.
وهكذا تلبَّد الجو بالغيوم وبدت نُذُر الحرب تظهر في الأُفق من
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٧ وجوامع السيرة ص ٢٠٩، تاريخ الطبري: ج ٢ ص ٦٣٤.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
جديد، بعد أن عاد المسلمون إلى التهديد باستخدام القوة، وأَصرّت قريش من جانبها - ممثلة في سهيل بن عمرو - على التمسك بموقفها من ضرورة شطب كلمة (رسول الله) من الوثيقة، لأَنها تعتبر توقيعها عليها وهي تحمل كلمة رسول الله - إعترافًا رسميًا بأنه رسول الله لا سيما وأَنَّ هذه الوثيقة وثيقة رسمية دولية.
الرسول يحسم الخلاف:
غير أن الرسول الأعظم - ﷺ - بحكمته وتسامحه وبعد نظره وعدم اهتمامه بالشكليات في مثل هذه المواقف المصيرية الخطيرة - حسم الخلاف وأنهى الأزمة حين أمر أصحابه بالسكوت والتزام الهدوءِ ليتصرف هو حسب ما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين، فأَطاع الصحابة أمره فسكتوا، ثم أمر الكاتب - تحقيقًا لرغبة رئيس الوفد القرشي - أن يمحو كلمة (رسول الله) ويكتب بدلًا منها كلمة (باسمك اللهم) وبهذا انتهت آخر مرحلة من مراحل النزاع الخطير وكتبت المعاهدة من نسختين وتمَّ التوقيع والإشهاد عليها من الجانبين.
قال الواقدي يروي هذا القصة: فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة فيما بين رسول الله - ﷺ - وسهھيل بن عمرو، ولما التأَم الأمر وتقارب، دعا رسول الله - ﷺ - رجلًا يكتب الكتاب بينهم، ودعا أوس بن خولى يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا أحد الرجلين، ابن عمك علي أو عثمان بن عفان، فأمر النبي - ﷺ -، عليًّا يكتب، فقال رسول الله - ﷺ -: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف الرحمن، أُكتب كما كنا نكتب
[ ٥ / ٢٤٣ ]
باسمك اللهم. فضاق المسلمون من ذلك وقالوا: هو الرحمن. وقالوا: لا نكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذًا لا أقاضيه على شيء. فقال رسول الله - ﷺ -: اكتب باسمك اللهم! هذا ما اصطلح عليه رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك أفترغب عن اسم أبيك محمد بن عبد الله؟ .
فضجَّ المسلمون منها ضجة هي أشد من الأُولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: لا نكتب إلا محمدًا رسول الله.
وقال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي فروة عن واقد بن عمر، قال: حدثني من نظر إلى أُسيد بن حُضَير وسعد بن عبادة أخذًا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله وإلا فالسيف بيننا! علامَ نعطي هذه الدنيَّة في ديننا؟ فجعل رسول الله - ﷺ - يخفضهم ويوميء بيده إليهم: اسكتوا، وجعل حُويطب بن عبد العزّى يتعجب مما يصنعون، ويقبل على مِكرَز بن حفص ويقول: ما رأيت قومًا أحوط لدينهم من هؤلاء القوم! .
فقال رسول الله - ﷺ - اكتب باسمك اللهم. فنزلت هذه الآية في سهيل حين أبى أن يقرَّ بالرحمن: (﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) فقال رسول الله - ﷺ -: أنا محمد بن عبد الله فاكتب! فكتب باسمك اللهم (٢).
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ١١٠.
(٢) المغازي ج ٢ ص ٦١١.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
الصيغة النهائية لوثيقة الصلح:
وبعد أن تغلبت حكمة الرسول الأعظم - ﷺ - على كل العقبات التي اعترضت طريق إكمال المعاهدة وتوقيعها - سواء من جانب الصحابة أو من جانب قريش - وبعد أن اختفت المعارضة نهائيًا بين المسلمين، ولم يعد للمشركين ما يعترضون به على نصوص المعاهدة بعد أن قبل النبي الحكيم كل اعتراضاتهم، وُضِعتْ الصيغة النهائية لهذه المعاهدة التاريخية ثم تمت كتابتها في نسختين، نسخة أخذها النبي - ﷺ - ونُسخة أخذها سهيل بن عمرو، وهذه هي الصيغة الحرفية لهذه المعاهدة الدولية التاريخية:
(باسمك اللهم؛ هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال (١) وأن بيننا عيبة مكفوفة (٢)، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده دخل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أَتى محمدًا منهم بغير إذن وليِّه رده إليه، وأنه من أتى قريشًا من أصحاب محمد لم ترده، وأن محمدًا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا قابل (٣) في أصحابه فيقيم ثلاثًا، لا يدخل علينا بسلاح إلَّا سلاح المسافر، السيوف في القُرَبِ (٤).
_________________
(١) قال أبو ذر في شرحه ص ٣٤١: الإسلال السرقة الخفية، والإغلال الخيانة.
(٢) العيبة (بفتح العين)، قال في الروض الأنف، وأن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة، أي صدور منطوية على ما فيها، لا نبدي عداوة.
(٣) قابل. أي العام القادم.
(٤) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٤١٧ وطبقات ابن سعد ج ٢ ص ١٠١ وجوامع السيرة ص ٢٠٨ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦١١ والسيرة الحلبيةج ٢ ص ١٤٤ - ١٤٥.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
شهود الصلح من الجانبين:
وبعد الانتهاء من كتابة وثيقة الصلح، وكانت نسخة واحدة فقط قال سهيل بن عمرو: تكون عندي. وقال النبي - ﷺ -: بل عندي، وقد حُلَّ هذا الخلاف، بأن أمر النبي - ﷺ - أن يكتب نسخة طبق الأصل، ففعل، فأَعطاها سهيلًا.
وهنا استدعى تسعة شهود ليضعوا شهادتهم على وثيقة الصلح، سبعة من المسلمين هم:
١ - أبو بكر الصدِّيق.
٢ - عمر بن الخطاب.
٣ - عثمان بن عفان.
٤ - عبد الرحمن بن عوف.
٥ - سَعْد بن أبي وقاص.
٦ - أبو عبيدة بن الجراح.
٧ - محمد بن مسلمة الأنصاري.
واثنين من المشركين وهما:
١ - حُوَيْطب بن عبد العزّى.
٢ - مكرز بن حفص بن الأَخيف.
وبالتوقيع على معاهدة صلح الحديبية تقشَّعت غيوم الحرب التي كانت تغطي جوّ المنطقة نتيجة الأَزمة الحادة الخطيرة التي افتعلتها قريش والتي كادت تؤدي إلى مصادمات دامية.
كما أن هذا الصلح لم ينِه أزمة الحديبية، بل تناول النزاع الجوهري القائم بين قريش والمسلمين منذ بزغت شمس الدعوة
[ ٥ / ٢٤٦ ]
الإسلامية، أو منذ بدأت حالة الحرب بين المعسكرين لخمس سنوات مضت، حيث كان من أهم بنود الصلح إقامة هدنة بين الفريقين وإنهاء حالة الحرب لمدة عشر سنوات، يأْمن فيها الناس بعضهم من بعض.
إنهاء حالة الحرب بين خزاعة وكنانة أيضًا:
ك ما لم تنحصر نتائج الصلح الإيجابية على المعسكرين، الإسلامي والقرشي، بل انعكست نتائج هذا الصلح على قبيلتين من أعظم القبائل حالة الحرب القائمة بين هاتين القبيلتين لمدة عشر سنوات، وذلك لالتزامهما بمقررات هذا الصلح، بعد أن رضي كل منهما الدخول في أحد المعسكرين، كنانة في عهد قريش، وخزاعة في عهد المسلمين .. وذلك نتيجة التخيير الذي تضمَّنه البند العاشر والحادي عشر من هذه المعاهدة التاريخية.
عداوة الإسلام جمعت بين كنانة وقريش:
فقد كانت قريش وبنو كنانة (ومنهم بنو بكر) (١) على نزاع دام مع قريش، فكانت بينهم معارك في الجاهلية، وبقيت بينهم الثارات حتى ظهور الإسلام .. وقد عرفنا -كما فصَّلناه في كتابنا غزوة بدر الكبرى- كيف خافت قريش كنانة من أن تضربها من
_________________
(١) اسم (بكر) يطلق على قبائل كثيرة قحطانية وعدنانية .. (وبنو بكر هنا) هم بنو بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن نزار بن عدنان.
[ ٥ / ٢٤٧ ]
الخلف، عندما تتحرك بقواتها من مكة لملاقاة المسلمين في بدر، لأن القبيلتين كانتا في حالة حرب يوم ذاك، حتى تعهد سُراقة بن مالك بن جعشم الكناني لقريش بأن كنانة ستتوقف عن القيام بأَيِّ عمل حربي ضد قريش عندما تكون غائبة في حرب مع المسلمين.
وقد ظلت العداوة قائمة بين قريش وكنانة بالرغم من العهد المؤقت الذي أعطاه سراقة بن مالك لقريش، بعدم التعرّض لها عندما تشتبك مع المسلمين في بدر.
خزاعة لم تكن عدوة لقريش:
أما خزاعة فلم تكن عدوة لقريش، ومنذ عصور طويلة لم يكن بينهما وبين قريش أيُّ نزاع مسلّح، بل كانت خزاعة على وئام مع قريش قبل الإسلام وبعده حتى صلح الحديبية.
فقد كانت خزاعة أخوال قريش، وكان بُديل بن ورقاءَ سيِّد خزاعة نفسه يقيم في مكة وله بها دار وعائلة.
إلَّا أن خُزاعة منذ أن ظهر الإسلام كانت تبدي الولاءَ للنبي - ﷺ -، بالرغم من عدم اعتناقها للإسلام .. وقد رأَينا (كما في حملة حمراء الأسد المدرجة ضمن كتابنا الثاني - غزوة أُحد) كيف أَخلص مَعبَد بن أبي معبد الخزاعي للمسلمين - بالرغم من بقائه على شِركهـ يومها (١).
_________________
(١) انظر تفاصيل موقف معبد بن أبي معبد في الصفحة ٢٥٥ من كتابنا (غزوة أحد).
[ ٥ / ٢٤٨ ]
ك يف انقلب العدو صديقًا:
وبالرغم من أن خزاعة في جمهورها صديقة للمسلمين أَو بالأَحرى علل غير عداءٍ معاهم، فإنها لم تكن عدوة القريش كذالك.
أما بنو بكر (من كنانة) فقد كانوا أعداء محاربين تقليديين لقريش، ولكن يظهر أن عداوة الفريقين الإسلام قد جعلتهما يجمدان نزاعاتهما المسلحة، بدليل اشتراك فصيلة من قبائل كنانة في معركة أُحد إلى جانب قريش بقيادة الحُليس بن زبّان الكناني، وبدليل وجود عدة كتائب من كنانة أيضًا في التجمع القرشي المسلح أثناء أزمة الحديبية، بقيادة الحُليس بن زبان أيضًا.
خزاعة في عهد المسلمين؛ وكنانة في عهد قريش:
ولهذا لم يكن مفاجاة أن تداخل بنو بكر بن كنانة في عهد قريش ويدخل بنو خزاعة في عهد النبي - ﷺ -.
ويظهر أن بني بكر وخراعة، كلًّا منهما يعتبر نفسه ذا علاقة بالمفاوضات التي كانت جارية بين المسلمين والقرشيين في الحديبية.
ولذلك كان هناك في الحديبية مندبون من كل من خراعة وبني بكر حاضرين أثناء المفاوضة الجارية بين النبي - ﷺ - وقريش، كمراقبين فقط.
ويظهر أن هؤلاء المندوبين المراقبين البكريين والخزاعيين، قد كان لديهہم التفويض الكامل كلٌّ من قبيلتہهـ، ليتخذ الإِجراءَ الذي يراه مناسبًا حيال نتائج المفاوضات الدائرة بصفة رئيسية بين قريش والمسلمين.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
وبناءً على ذلك قرر مندوبو خزاعة الدخول في عهد المسلمين وأن تدخل خزاعة (مسلمها وكافرها) في عهد المسلمين، وأن تلتزم بمقررات الصلح كجزءٍ من المعسكر الإسلامي.
كما قرر مندوبو بني بكر أن يدخل بنو بكر بن كنانة في عهد قريش وأن يلتزموا بما التزمت به قريش في هذه المعاهدة.
وبدخول كل من القبيلتين في هذا الصلح أصبح كل منهما ملتزمًا بما يلتزم به المعسكر الذي دخل في عهده، كما صار هذا المعسكر مسؤولًا عن كل مخالفة ترتكبها القبيلة التي دخلت في عهده.
غضب قريش على خزاعة لدخولها في عهد المسلمين:
وقد غضبت قريش على خزاعة وأضمرت لها الشرَّ لدخولها في عهد المسلمين الذين يفصلهم عن منازلها عدة مئات من الأميال، بينما قريش تختلط منازلها بمنازل خزاعة لقرب تجاورهما الشديد.
وقد تجسَّد هذا الغضب القرشي في تصريح أدلى به أحد أركان المفاوضة في الحديبية، وهو (حويطب بن عبد العزّى) قال - مخاطبًا رئيس الوفد سهيل بن عمرو - الذي خزاعة أخواله -: بادأنا أخوالك بالعداوة وقد كانوا يستترون منَّا، قد دخلوا في عهد محمد وعقده.
فقال له سهيل: ما هم إلَّا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمنا قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرًا فما نصنع بهم؟ .
قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر. قال سهيل: إيَّاك أن تسمع هذا منك بنو بكر فإنهم أهل شؤم، فيقعوا
[ ٥ / ٢٥٠ ]
بخزاعة فيغضب محمد لحلفائه، فينقض العهد بيننا وبينه، قال حويطب: حظوت والله أخوالك بكل وجه.
فقال سهيل: ترى أخوالي أعزّ عليَّ من بني بكر؟ ولكن والله لا تفعل قريش شيئًا إلَّا فعلته، فإذا أعانت بني بكر على خزاعة فإنما أنا رجل من قريش، وبنو بكر أقرب إليَّ في قدم النسب، وإن كان لهؤلاءِ الخؤولة، وبنو بكر من قد عرفت لنا منهم مواطن كلها ليست بحسنة منها يوم عكاظ (١).
النبي يرفض تسليم لاجئين من العبيد والشباب القرشي:
وقد واجهت النبي - ﷺ - مشكله بعد توقيع الصلح، وهي أن بعضًا من عبيد المشركين وبعضًا من المستضعفين من أبناءِ قريش جاءوا إلى النبي - ﷺ - وطلبوا حق اللجوء وذلك قبل أن يتم عقد الصلح بين الفريقين.
وقد كتب موالي هؤلاء العبيد وآباءُ الشباب القرشيين اللاجئين كتبوا إلى النبي - ﷺ - يطلبون إعادتهم إلى مكة، كما أن رئيس الوفد القرشي المفاوض طالب النبي - ﷺ - بتسليم هؤلاء اللاجئين، ولكن النبي - ﷺ - أبى أن يعيدهم إليهم لأنه غير ملزم بإعادتهم، ذلك أنهم قد أعطوا حق اللجوء في الحديبية قبل عقد الصلح، ولذلك رفض النبي - ﷺ - تسليمهم إلى قريش قائلًا: (هم عتقاءُ الله).
فقد قال سهھيل بن عمرو للنبي - ﷺ -: قد خرج إليك ناس من أبنائنا وأرقائنا وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦١٢.
[ ٥ / ٢٥١ ]
وضياعنا فارددهم إلينا .. وفي رواية أُخرى كتب أهل مكة: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا هربًا من الرقِّ. فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردّهم إليهم، فغضب رسول - ﷺ - من ذلك وقال: ما أَراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردّهم، قال: هم عتقاءُ الله (١).
من ذيول أزمة الحديبية:
وبالرغم من إبرام الصلح بالتوقيع على وثيقته وتبادل الوثائق بين الوثائق بين الفريقين من عناصر من القرشيين ذات مصلحة خاصة حاولت تعكير الجوِّ من جديد بغية إعادة الأَزْمة إلى سابق عهدها .. حيث أخذت هذه العناصر (بعد الصلح) تتحرش بالمسلمين وتشتم النبي - ﷺ - بغية استفزاز المسلمين لعلهم يقومون من جانبهم بنقض الصلح وهم لمَّا يزالوا في الحديبية.
فقد جاء في جامع الأُصول (ج ٩ ص ٣٢٥) أن سلمة بن الأَكوع قال: لما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها فأتانا أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله - ﷺ - فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادي منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم، قال: فاخترطت سيفي، ثم شددت على أُولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت
_________________
(١) جامع الأصول من أحاديث الرسول ج ٩ ص ٢٢٣.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
سلاحهم، فجعلته ضغثًا (١) في يدي، قال: قلت: والذي كرَّم وجه محمد - ﷺ -، لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول - ﷺ - قال: وجاء عمِّي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز، يقوده إلى رسول - ﷺ - على فرس مجفّف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله - ﷺ -، دعوهم، يكن لهم بدءُ الفجور وثناه، فعفى عنهم رسول الله - ﷺ - (٢).
النبي يحل الإحرام في الحديبية:
كان النبي - ﷺ - منذ قرر تحاشي الصدام المسلَّح مع قومه وسلوك كل السبل المؤدية إلى تجنب الحرب، وهو مخيّم في الحديبية خارج حدود الحرم، إلا أنه كان طيلة إقامته بالحديبية (عشرين يومًا) وهو يؤدِّي وأصحابه الصلوات المفروضة داخل الحرم (٣)، لأنه كان معسكرًا بأصحابه على أطراف الحرم.
من رواسب المعارضة للصلح:
وبعد أن تمت إجراءات الصلح النهائية، فأَخذ كل من الفريقين نسخة من وثيقة الصلح التاريخية، وانصرف الوفد القرشيّ راجعًا إلى مكة، قرر النبي - ﷺ - الانصراف إلى المدينة بأَصحابه، لذلك أمر أصحابه بأن يحلّوا إحرامهم فينحروا بُدنهم ويحلقوا رؤوسهم.
_________________
(١) الضغث: الحزمة: ومعناه الحزمة في يده.
(٢) سبقت إشارة إلى هذا في ذكر عدوان المتسللين من قريش.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦١٤.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
غير أَن رواسب من المعارضة الشديدة للصلح بقيت في نفوسهم، فعز عليهم أن يعودوا دون أَن يقضوا مناسكهم فيطوفوا بالبيت وينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم داخل مكة، ولذلك عصوا الرسول - ﷺ - أول الأَمر، فلم يمتثلوا أَمره حيث التزموا الصمت فلم يجبه أَحد إلى ما أَمر به من نحر البُدن وحلق الرؤوس.
النبي يعمل بمشورة امرأة:
وقد اغتنم النبي - ﷺ - لموقف الصحابة من أَوامره التي لم ينقّذوها، فدخل خيمته غاضبًا، وكانت زوجته أُمّ سلمة موجودة معه في خيمته، فرأت عليه علامات الاستياءِ والغضب عندما دخل عليها، وكزوجة يهمها أَن تشارك زوجها همومه وأحزانه، سأَلته عن سبب ما هو عليه من الغضب، فأَخبرها بعدم استجابة أصحابه حين أمرهم بأَن يحلّوا إحرامهم فينحروا ويحلقوا.
وهنا تجلّت مشاركة المرأَة المسلمة بعقلها الراجح ورأيها الصائب إِبداءِ المشورة لحل المشكلات الكبيرة هذه المشورة التي لم يتردد حتى من هو في مقام النبوَّه من قبولها والعمل بها، الأَمر الذي يثبت إِلى أَي مدى من العمق والبعد كانت روح الشورى تضرب بجذورها في أُصول التعاليم الإسلامية، وكيف كانت روح تعاليم هذا الدين العظيم عندما تكون لها السيادة تجعل القائد - حتى وإن كان في أَعلى مراتب القيادة والسيادة - يلتزم العمل بالمشورة الصائبة حتى وإن كانت هذه المشورة قد جاءَت من امرأَة. بل لا فرق في نظر الإِسلام بين أَن تأْتي هذه المشورة من رجل أَو امرأَة طالما أنها مشورة صائبة .. وهذا عين التكريم للمرأَة
[ ٥ / ٢٥٤ ]
التي يزعم أَعداءُ الإسلام أَنه قد غمطها حقها وتجاهل وجودها .. وهل هناك اعتراف بوجود المرأَة واحترام لرأْيها أَكثر من أَن يستصوب نبي مرسل مشورتها ويعمل بتوجيهها لحل مشكلة اصطدم بها وأَغضبه نشؤها، وهو الذي قلَّ أَن يغضب؟ .
أم سلمة تشير على النبي، فتنجح في المشورة:
فقد روى المؤرخون وأَصحاب الحديث والمفسرون، أَن النبي - ﷺ - لما دخل على زوجته أُم سلمة غاضبًا مغتمًا، وعرفت أَن مصدر غضبه وغمه هو إضراب أَصحابه وامتناعهم عن النحر والحلق، وهو الأَمر الذي به يحلّون من إحرامهم في الحديبية، أَشارت عليه بأَن لا يفاتحهم مرة أُخرى بهذا الشأْن وإِنما يسلك طريقًا آخر بأَتباعه يجدون أَنفسهم مضطرين لتنفيذ أَمْره .. وهو أن يبدأَ نفسه (عمليًّا) بنحر هَدْيه، حيث قالت له: يا رسول الله انطلق أَنت إلى هَدْيك فانحره، فإنهم سيقتدون بك.
وقد استحسن النبي - ﷺ - فكرة أم سلمة هذه فعمل بمشورتها فشرع (فعلًا) في نحر هَدْيه بيده الكريمة، وقد كان لعمل النبي - ﷺ - بمشورة أُم سلمة أَحسن الثمار، حيث -كما توقعت أُم سلمة- لم يكد يشرع في نحر هديه بيده حتى أخذ أصحابه يتسابقون كلٌّ إلى نحر هديه لينحره اقتداءً بالنبي - ﷺ -.
قال الطبري -بسنده إلى المسور بن مخرمة-: فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من قضيتّه (أَي الصلح) قال لأَصحابه: قوموا فانحروا، ثم
[ ٥ / ٢٥٥ ]
احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرّات، فلما لم يقم منهم أَحد، قام فدخل على أُم سلمة، فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أُم سلمة: يا نبي الله، أَتحب ذلك! أُخرج ثم لا تُكلم أَحدًا منهم حتى تنحر بُدنُتك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج، فلم يُكلم أَحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه ودعا حلقه فحلقه فلما رأَوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. وكان الذي حلقه خِراش بن أُمية بن الفضل الخزاعي.
وقال الواقدي: إن رسول الله - ﷺ - دخل على أُمّ سلمة زوجته مغضبًا شديد الغضب، وكانت معه في سفره ذلك - فاضطجع فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارًا لا تجيبني. فقال: عجبًا يا أُمّ سلمة! إِني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارًا، فلم يجيبني أَحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي وينظرون في وجهي! ! .
قالت، فقلت: يا رسول الله انطلق أَنت إلى هَدْيك فانحره فإِنهم سيقتدون بك. قالت: فاضطبع (١) رسول الله - ﷺ - بثوبه، ثم خرج وأَخذ الحربة ينهم (٢) هَدْيه. قالت أُم سلمة، فكأَني أَنظر إليه حين يهوي بالحربة إلى البُدنَة رافعًا صوته: بسم الله والله أَكبر. قالت: فما هذا إلَّا أَن رأَوه نحر، فتواثبوا إلى الهَدْي، فازدحموا حتى خشيت أَن يغم بعضهم بعضًا.
_________________
(١) اضطبع: أخذ ثوبه فجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، وألقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره كذا قال في النهاية غريب الحديث ج ٣، ص ١٢.
(٢) نهم الرجل دابته، إذا زجرها.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
وفي الحديبية قال النبي - ﷺ - عند التحلل من الإحرام -: رحم الله المحلِّقين. وقالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم المحلِّقين، قالوا يا رسول الله: والمقصرين؟ قال: والمقصّرين.
ولما سأَل الصحابة: يا رسول الله، فلمَ ظاهرت الترحُّم للمحلِّقين دون المقصّرين؟ أَجاب قائلًا: لأَنهم لم يشكّوا (١).
قصة جمل أبي جهل:
وكان لأَبي جهل بن هشام جمل مَهْرى (٢) نجيب كان معه في معركة بدر الكبرى، وقد غنمه المسلمون فيما غنموا عقب انتصارهم الحاسم في تلك المعركة التاريخية.
وقد بقى هذا الجمل النجيب ضمن السلاح العام للدولة يغزو عليه المسلمون المغازي، كما كان هذا الجمل الفحل يضرب في لقاح رسول الله - ﷺ -، فاستاقه (معها) عيينة بن حصْن الفزاري حينما أَغارت غطفان على الغابة في غزوة ذات قرد (٣).
وإغاظة لمشركي مكة ساق النبي - ﷺ - جمل أَبي جهل هذا ضمْن الهدي الذي تقرر نحره في مكة في عمرة الحديبية.
وفي الحديبية، وبينما كان هذا الجمل المهري النجيب يرعى مع
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٦٣٧ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦١٢.
(٢) مهرى: نسبة إلى المهرة، وهم ينتسبون إلى مهرة بن حيدان من قضاعة يسكنون أقصى جنوب الجزيرة العربية شرقي حضرموت، اشتهرت بلادهم بإنجاب أجود أنواع الجمال.
(٣) انظر تفاصيل غزوة "ذات قرد" في هذا الكتاب (الفصل الأول).
[ ٥ / ٢٥٧ ]
الهدْي المحصور خارج الحرم، قاده الشوق إلى موطنه الأَصليّ مكة، فهرب من الحديبية، وبالرغم من أَن المسافة بين الحديبية ومكة لا تقل عن خمسة عشر ميلًا، وبالرغم من مضيّ خمس سنوات على غيابه عن دار مالكه أَبي جهل في مكة، فقد اهتدى تمامًا إلى دار أَبي جهل حيث لم يشعر أَهل مكة إلَّا وهو بارك أَمام هذه الدار فعرفوه فتمسّكوا به .. وكان شروده من الحديبية قبل عقد الصلح.
مائة ناقة ثمنًا لجمل أبي جهل:
إلَّا أَنَّ هذا الجمل ذا الذِكْرى المؤلمة جدًّا لمشركي مكة، لم يقع في أَيدي أَهل مكة إلا بعد أَن تمَّ عقد الصلح في الحديبية، وبعد وصول الوفد القرشي المفاوض عائدًا إلى مكة.
وقد خرج في أَثر الجمل عمر بن غنمة السّلمي (١) يطلبه ليعيده إلى الحديبية لأَنه من جملة الهَدْي المطلوب نحره في الحديبية.
إلا أَنَّ المتعصبين من سفهاءِ المشركين رفضوا تسليم الجمل لابن غنمة، فاتصل الأخير بسهيل بن عمرو - بصفته المسؤول عن تنفيذ شروط صلح الحديبية وطلب منه إعادة الجمل، فلم يتردد سهيل في إصدار الأَوامر إلى المتعصبين بإعادة الجمل إلى المسلمين تنفيذًا لاتفاقية صلح الحديبية.
_________________
(١) قال في الإصابة: هو عمرو بن غنمة بن عدي بن تابي بن عمرو، من بني سلمة (الأنصار) ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا، وفي البكائين وكذا ذكره ابن إسحاق.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
فلم يجد هؤلاء السفهاء المتعصبون بدًا من إطاعة أوامر قطب قريش في مفاوضة الصلح سهيل بن عمرو، غير أنهم عرضوا على المسلمين مائة ناقة مقابل التخلِّي عن هذا الجمل لقيمته المعنوية (في نظرهم) لأَنه يعود لقائد عام جيشهم في معركة بدر الكبرى أَبي جهل بن هشام.
وقد أُبلغَ النبي - ﷺ - بهذا العرض القرشي السخي، فأَبلغهم أنه يمكنه قبول هذا العرض أولًا أَنَّ الجمل المذكور قد سيق وسُمِّي في الهَدي فقال - ﷺ -: لولا أَنّا سمّيناه في الهدي فعلنا، فأُعيد الجمل إلى الحديبية فنُحر هناك عن سبعة، أَحدهم أبو بكر وعمر (١).
نحر عشرين بدنة عند المروة:
ولما كانت الحرب قد انتهت بين المسلمين وقريش نتيجة صلح الحديبية، بعث النبي - ﷺ - بعشرين بَدنَة من الهدى لتنحر في مكة لإطعام أَهلها منها.
وكان الذي دخل بها مكة رجل من أَسلم، نحرها عند المروة وقسّم لحمها هناك حسب تعليمات الرسول الأَعظم - ﷺ -.
مدة الإقامة في الحديبية:
وقد أقام النبي - ﷺ - محصورًا في الحديبية عشرين يومًا وبعضهم يقول: إنها خمسة عشر يومًا، بعدها حل النبي - ﷺ - وأصحابه إحرامهم خارج الحرم ثم عادوا إلى المدينة.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ١ ص ٦١٤ وزاد المعاد ج ٢ ص ٣١١ وتاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٨.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
العودة إلى المدينة:
وبعد أَن انتهت مشكله الحديبية بعقد الصلح التاريخيّ بين المسلمين وقريش، قفل النبي - ﷺ - وأَصحابه راجعين إلى المدينة.
وقد سلك النبي - ﷺ - في عودته إلى المدينة نفس الطريق الذي سلكه في مجيئه إلى الحديبية، ما عدا الطريق الفرعي الذي اضطر إلى سلوكه عندما قرر تحاشي الصدام المسلَّح مع فرسان خالد بن الوليد.
فقد مرّ بمرّ الظهران (المسمّى اليوم: وادي فاطمة) ثم عُسفان حتى وصل المدينة سالكًا الطريق الرئيسي المعتاد وهو الطريق الغربي.
المجاعة في طريق العودة:
وكان المسلمون - نتيجة طول احتباسهم بالحديبية - قد نفدت أَزوادهم، فلم يصلوا عسفان حتى فشت المجاعة بينهم، وكانوا ألفًا وأَربعمائة.
فشكوا حالهم إلى رسول الله - ﷺ - من الذي هم عليه من الجوع، وكان معهم ظهر (أَي جمال للركوب والنقل) فاستأْذنوا رسول الله - ﷺ - في نحرها ليدفعوا بلحمها الجوع فأَذن لهم.
النبي يعمل بمشورة ابن الخطاب:
وقد بلغ عمر بن الخطاب إذن النبي - ﷺ - بنحر ظهر القوم، فجاءَ إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإن يك في الناس بقيّة ظَهْر يكن أَمثلَ، ولكن ادعهم بأَزوادهم ثم ادع الله فيها.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
فأَمر رسول الله - ﷺ - بالأَنطاع فبسطت، ثم نادى مناديه: من كان عنده بقيّة من زاد فلينثره على الانطاع. قال أَبو شريح الكعبي (١) فلقد رأَيت من يأْتي بالتمرة الواحدة وأَكثره لا يأْتي بشيء، ويأْتي بالكف من الدقيق، والكف من السويق، وذلك كله قليل، فلما اجتمعت أَزوادهم وانقطعت موادّهم مشى رسول الله - ﷺ - إليها فدعا فيها بالبركة، ثم قال: قرِّبوا أَوعيتكم فجاؤوا بأَوعيتهم. قال أَبو شريح: فأَنا حاضر، فيأْتي الرجل فيأْخذ ما شاء من الزاد حتى إن الرجل ليأْخذ ما لا يجد له محملًا، فلما ارتحلوا مُطروا ما شاؤوا وهم صائفون، فنزل، رسول الله - ﷺ - ونزلوا معه، فشربوا من الماءِ، فقام رسول الله - ﷺ - فخطبهم، فجاءَ ثلاثة نفر، فجلس اثنان مع النبي - ﷺ -، وذهب واحد معرضًا، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فتاب الله عليه، وأما الثالث فأَعرض الله عنه.
_________________
(١) أبو شريح: اسمه خويلد بن عمرو بن صخر الخزاعي ثم الكعبي، قال ابن حجر في الإصابة: أسلم قبل الفتح، كان يحمل لواء خزاعة يوم الفتح، وروى عن النبي - ﷺ - وله أحاديث، وروى أيضًا عن ابن مسعود، وهو الذي نصح عمرو بن سعيد الأشدق بأن لا يسفك دمًا في الحرم، لأنه روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا - يعني مكة - فقال له عمرو: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، رواه البخاري في صحيحه .. مات أبو شريح بالمدينة سنة ثمان وستين.
[ ٥ / ٢٦١ ]
الفصل الرابع
* القرآن يتحدث عن صلح الحديبية ويصفه بالفتح المبين.
* القرآن يبشر أهل الحديبية بفتح خيبر.
* فضل أصحاب بيعة الرضوان في القرآن والحديث.
* الدروس المستفادة من صلح الحديبية.
* مكاسب الصلح العظيمة للمسلمين.
* كيف اعترفت قريش بكيان المسلمين رسميًّا.
* كيف وضع النبي أسس احترام المعارضة النزيهہة.
* قصة أبي جندل المؤثرة.
* ثوار العيص ضد قريش.
* حكومة المستضعفين في الساحل.
* قريش تطلب إلغاء أهم شرط فرضته في المعاهدة.
القرآن وصلح الحديبية:
وقد تحدّث القرآن الكريم عن صلح الحديبية فأشاد بهذا الصلح التاريخي، وأَشار إلى مكاسبه العظيمة، والتي لم يدر كلها عامة الصحابة على حقيقتها كما أدركها النبيّ - ﷺ -، فعارضوا الصلح (لذالك) معارضة شديدة (١).
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦١٦ نشر جامعة أكسفورد، وطبعة دار المعارف المصرية ١٩٦٥ م.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
كما أَن القرآن الكريم أعلن أَن صلح الحديبية، هو أَعظم نصر يحققه المسلمون، لذلك وصفه تعالى بالفتح المبين وذلك في سورة الفتح التي نزلت على النبي - ﷺ - وهو في طريقه عائد من الحديبية فقال تعالى مشيدًا بصلح الحديبية وواصفًا إيّاه بالفتح المبين:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١) .. وعامة المفسّرين والمحدّثين -كما في صحيح البخاري على أَن سورة الفتح نزلت في صلح الحديبية، وأَن المراد بالفتح في هذه السورة هو صلح الحديبية التاريخي (٢).
ثناء الله على أهل الحديبية:
وفي هذه السورة أَثنى الله تعالى على أَصحاب الشجرة الذين بايعوا النبي في الحديبية على الموت وأَعلن رضاءه عنهم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣).
السكينة هنا (كما قاله المفسرون): الطمأْنينة وهي بيعة الرضوان.
والفتح القريب: الصلح.
وأَشاد تعالى بعظمة عمل المبايعين في الحديبية، معتبرًا مبايعتهم لرسوله، مبايعة لذاته تعالى وهذا أَعلى مراتب التكريم فقال تعالى:
_________________
(١) سورة الفتح الآية ١.
(٢) انظر صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٦٥ وما بعدها.
(٣) سورة الفتح الآية ١٨.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وفي سورة الفتح ندَّد القرآن بالمنافقين والمشركين من الأَعراب الذين مرّ عليهم النبي - ﷺ - بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى مصاحبته في رحلته التاريخية تلك، فتثاقلوا ثم امتنعوا ظانِّين أَن النبي - ﷺ -، وأَصحابه ينهزمون أَمام قريش، قائلين: إِنما خرج محمد وأَكله رأْس (٢) يقدم على قوم موتورين فأَبوا أَن ينفروا معه لذلك فقال تعالى منددًا بهؤلاءِ المنافقين والمشركين: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣).
كما فضح فئة أُخرى من المنافقين الذين أُغرقوا في النفاق إِذ طلبوا من الرسول أَن يستغفر لهم بعد أَن رأوه يعود منتصرًا وأَصحابه معافين، وهم (أَي المنافقون) قد خذلوه وتخلّوا عنه حين استعان بهم واستنفرهم فاعتذروا بانشغالهم بأموالهم وأولادهم، بينما هم في الحقيقة يظنُّون أَن النبيّ وأصحابه ستكون مقبرتهم هناك في الحرم على أَيدي قريش، لذلك امتنعوا عن مرافقتهم في هذه الرحلة التاريخية التي انتهت بهذا الصلح العظيم .. فقد فضح الله النوايا الخبيثة وكشفها لرسوله ليكون على حذر منهم ومن دسائسهم فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ
_________________
(١) سورة الفتح الآية ١٠.
(٢) أكلة رأس: تعبير عن قتلهم.
(٣) سورة الفتح الآية ٦.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١)، بل ظننتم أَن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أَهليهم أبدًا وزُين ذلك في قلوبكم وظننتم ظنّ السوء وكنتم قومًا بورًا" (٢).
كما أَشار القرآن في سورة الفتح إلى تعنّت قريش وتعصبُّها الجاهلي في صدّها المسلمين عن الحرم وإلى الحكمة الخفيّة التي غابت عن البعض في صلح الحديبية فعارضوه، كما أَشار إِلى أَنَّ من أَسباب اتباع نبيّه طريق الصلح بدلًا من الحرب، هو أَن هناك مسلمين بين المشركين في مكة، أو سلك النبيّ - ﷺ - طريق الحرب فانتصر لأَبيد كثير من هؤلاءِ المسلمين المستضعفين على أَيدي الجيش النبوي دونما علم منه فيصيبهم من ذلك بلاءً عظيمًا، فقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (أَي محبوسًا بالحديبية) وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا - يقول: لو خرجوا من عند المشركين - لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣) أَي لسلطناكم عليهم فاقتحمتم عليهم مكة بالسيف ولكن الحكمة - لا تعلمونها جعلنا القضية تسوّى عن طريق الصلح بدلًا من الحرب التي لو خضتموها لانتصرتم فيها على قريش، ومن هذه الحكمة، حماية المستضعفين المسلمين من معرّة الجيش الإسلامي المنتصر الذي لا يمكنه
_________________
(١) سورة الفتح الآية ١١.
(٢) سورة الفتح الآية ١٢.
(٣) سورة الفتح الآية ٢٥.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
التمييز (ساعات الالتحام) بين المسلم والمشرك. كما أَشار القرآن إلى نجاح هذا الصلح بحقن دماء الفريقين وكفّ بعضهم عن بعض فقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١).
كما أَكد القرآن في هذه السورة للمسلمين بأَنهم لو قاتلوا أَهل مكة عام الحديبية لهزموهم ولتغلَّبوا عليهم، ولكن لحكمة يجهلها المسلمون وبانت لهم فيما بعد - حال الله تعالى دون نشوب القتال بين الفريقين فقال تعالى:
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٢).
كما ندّد القرآن بتعنُّت قريش واستفزازها للمسلمين، وتصلف مندوبهہافي المفاوضة سهيل بن عمرو وسيره في المفاوضة بروح جاهلية وحميّة وثنية حين رفض كتابة اسم (الرحمن الرحيم) في افتتاحية وثيقة الصلح. كما أَشاد القرآن في الوقت نفسه بحكمة النبي - ﷺ - وصبره أَمام استفزازات قريش وتحدّياتها الجاهلية. وأَثنى على المسلمين لكبتهم لعواطفهم الفوَّارة والتزامهم السكينة وإِطاعتهم أَمر نبيّهم رغم كرههم للصلح، فقال تعالى:
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ
_________________
(١) سورة الفتح الآية ٢٤.
(٢) سورة الفتح الآية ٢٢.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١).
وكذلك أَكد القرآن الكريم للمسلمين وهم عائدون من الحديبية. أَكد لهم أَن ما أَخبرهم به نبيهم من أَنهم سيدخلون مكة حق ولا شك في وقوعه .. وأَنهم لا بد وأَن يدخلوا مكة معتمرين رافعي رؤوسهم (تمامًا) كما أَخبرهم نبيهم، فقال تعالى:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (٢).
كما لفت نظر الذين لم يُدركوا الحكمة من هذا الصلح فكرهوه وعارضوه لفت نظرهم إِلى أَن هذا الذي كرهوا حدوثه له مكاسب عظيمة وأَنه فتح وانتصار للجماعة الإِسلامية فقال تعالى:
﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).
تبشير المسلمين بفتح خيبر:
كذلك أَنزل الله تعالى قرآنًا يبشر فيه المسلمين بفتح خيبر وأَنهم سيظفرون بغنائم عظيمة في خيبر.
وأَشار القرآن إلى أَن المخلفين من المنافقين والأَعراب سيحاولون الانخراط في سلك الجيش النبوي الذي سيتحرك (ولابد) لفتح خيبر، وذلك محاولة منهم للمشاركة في المغانم لا في الأَجر والثواب وتثبيت
_________________
(١) سورة الفتح الآية ٢٦.
(٢) سورة الفتح الآية ٢٧.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
دعائم الإِسلام، وحذَّر القرآن النبي - ﷺ - أَن يسمح لهؤلاء المخلفين بالاشتراك في غزوة خيبر، وأَن لا يسمح إلَّا لمن خاطر بحياته واتَّبع النبي - ﷺ - وخرج معه إلى الحديبية غير هيّاب ولا وجل.
فقال تعال مبشرًا بفتح خيبر وكاشفًا وقع المنافقين المشركين:
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ (أي خيبر) (١) وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى مشيرًا إلى الذين سيحاولون (من الذين تخلفوا عن الحديبية) الاشتراك في حملة خيبر من أَجل الحصول على الغنيمة فقط: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣). قال ابن كثير في تفسيره:
هذه الآية خاصة بالأَعراب الذين تخلّفوا عن رسول الله - ﷺ - في عمرة الحديبية أَخبر الله فيها نبيّه بأَن هؤلاء المخلَّفين عند ذهاب - المسلمين لفتح خيبر سيسأَلون أَن يخرجوا معهم إلى المغنم وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأَعداء ومجالدتهم ومصابرتهم فأَمر الله تعالى رسوله أَن لا يأْذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أَهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا شاركهم فيها غيرهم من الأَعراب المتخلفين فلا يقع ذلك شرعًا ولا قدرًا.
_________________
(١) انظر بهجة المحافل ص ٣٢٤.
(٢) سورة الفتح الآية ٢٠.
(٣) سورة الفتح الآية ١٥.
[ ٥ / ٢٦٩ ]
وبعد أَن أَمر الله تعالى نبيّه بأَن يمنع المخلفين من الأَعراب عن الحديبية من المشاركة في غزو خيبر، وأَن لا يسمح بالاشتراك في غزو خيبر إِلا للذين استجابوا له وخرجوا معه إِلى الحديبية على ما في ذلك الخروج من مخاطرة - أَمره أَن يدعو هؤلاءِ الأَعراب المخلفين بأَن في الجهاد، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا - وإِن تتولوا كما توليتم من قبل - أَي أَيام الحديبية التي تثاقلتم وتخلفتم عنها - يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١).
وفي هذه الآية الكريمة تصريح بأَن معارك عنيفة ستدور (بعد خيبر) بين المسلمين وبين أَقوام شہداد البأْس وقال حدثت هذه المعارك الرهيبة في حُنين واليمامة وفارس والروم وقد فاز فوزًا عظيمًا من خاضها من المسلمين إيمانًا واحتسابًا.
فضل أصحاب الشجرة:
لا شك أَن الصحابة الذين رافقوا النبي - ﷺ - في رحلته التاريخية هذه قد أَثبتوا بفعلهم هذا أَنهم على أَعلى مستويات الإِيمان واليقين، وأَنهم أَصحاب إِيمان لا تشوبه أَية شائبة، وأَنهم على درجة من الشجاعة لم يبالغها غيرهم ممن يعاصرهم.
ذلك أَنهم رافقوا نبيّهم في هذه الرحلة وهم على يقين بأَنهم سيلاقون متاعب شديدة ومصاعب عديدة، وأَن رحلتهم هذه قد تقودهم إلى
_________________
(١) سورة الفتح الآية ١٦.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
حرب ضروس يخوضونها مع قريش، بل كانوا وهم يتأَهبون الخروج من المدينة على ما يشبه اليقين بأَن هذه الحرب سيندلع لهبها بينهم وبين قريش التي هي في حالة حرب معهم تتحيّن الفرص للانتقام منهم لما أَصابها في بدر على أَيديهم.
ولكن ذلك لم يفتّ في عضدهم ولم يكن - بأَي حال من الأَحوال - باعث تردّد في نفوسهم يجعلهم (كغيرهم من ضعف الإِيمان) يفكرون في القعود عن مرافقة رسول الله - ﷺ - في هذه الرحلة المحفوفة بالأَخطار جدًّا.
بذلك استحقوا أَن يوصفوا بأَنهم خير أَمّة وأَشجع عصبة، وزاد هؤلاءِ الأَصحاب شرفًا ورفعة عند الله ورسوله أَن تسابقوا وهم في الحديبية إلي مبايعة الرسول - ﷺ - على الموت تحت الشجرة عندما بلغ طغيان قريش وتصلفها حدًّا لم يترك للنبي - ﷺ - اختيارًا في استنفار أَصحابه وإعلان عزمه على خوض الحرب ضد قريش لوضع حد لبغيها وطغيانها.
ثناء الله على أصحاب الشجرة:
وفد نزلت آيات وجاءَت أحاديث نبوية كلها تشيد بمواقف هؤلاء الأَصحاب المشرّفة وتبشرهم بالسعادة الأَبدية جزاءِ أَعمالهم المجيدة التي بها أثبتوا (في ساعة العسرة) عمق إيمانهم وصدق إسلامهم وشدة إِخلاصهم ووفائهم في وقت تخاذلت فيه فئات منتسبة إِلى الإِسلام تحت تأْثير خوفها من أَن يدخل المسلمون في حرب مع قريش في هذه الرحلة التي كانت (فعلًا) محفوفة بأَخطار هذه الحرب.
ففي القرآن الكريم قال الله تعالى مشيدًا بهذه الصفوة المختارة من
[ ٥ / ٢٧١ ]
أَهل الحديبية -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
وقال تعالى - وصفًا مبايعة أهل الحديبية بأَنها مبايعة له تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
وفي صحيح البخاري قال جابر بن عبد الله: قال لنا رسول الله - ﷺ - أَنتم خير أَهل الأَرض وكنا -أَي يوم الحديبية- أَلفًا وأَربعمائة، ولو كنت أَبصر اليوم لأَريتكم مكان الشجرة (٣).
وعن جابر أَيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يدخل النار أَحد ممن بايع تحت الشجرة رواه الشعبي مسندًا.
أهل الحديبية مثل أهل بدر:
وفي حديث آخر قال النبي - ﷺ -: "يا أيها الناس إِن الله غفر لأَهل بدر والحديبية، وقال ابن عبد البر في غزواته: ما يعدل بدرًا أَو يقرب منها إِلا غزوة الحديبية.
وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان.
_________________
(١) سورة الفتح الآية ١٨.
(٢) سورة الفتح الآية ١٠.
(٣) ذكر الإمام ابن سعد في طبقاته الكبرى أن الخليفة الفاروق عمر قطع هذه الشجرة وأزالها في خلافته.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
دروس في قضية الحديبية:
وقبل اختتام الحديث عن صلح الحديبية ولما لهذه القضية التاريخية من أَثر مصيري في تاريخ الإسلام، فإِنه يجدر بنا أَن نشير إلى ما يمكن أَن يكون دروسًا يستفيد منها في دينه ودنياه كل من ينظر فيها ويعيها كما يجب.
فقد تلقى الصحابة عن الرسول الأَعظم - ﷺ - ضمن تصرفاته في قضية الحديبية المعقدّة - دروسًا في الحكمة والحلم والصبر وضبط النفس والسياسة الصائبة وبُعد النظر، والوفاء بالعهد والحيطة والحزم والحذر والتسامح والشورى وعدم الاستبداد مع احترام المعارضة.
إنها دروس لعمر والله جديرة بأَن يتدبرها ويعيها ويسير على ضوئها الرادة والقادة من أُمّة الإسلام، في معالجة المشاكل ومواجهة الأَزمات وحل المشكلات.
١ - الحيطة والحذر:
ولعل أَول درس تعلمه الصحابة من النبي - ﷺ - في هذه القضية هو الحيطة والحذر، فبالرغم من أَنه - ﷺ - قد خرج معتمرًا لا يريد حربًا، وبالرغم من إعلانه ذلك لئلا تظن قريش أَنه يريد غزوها، وبالرغم من أَنه وعامة أَصحابه قد تجردوا من كل مخيط وارتدوا لباس الإِحرام بالعمرة، فقد قدم بين يديه طلائع من الفرسان بقيادة عبّاد بن بشر حسبانًا للطوارئ وللقيام بأَعمال الاستكشاف؛ كما زود أَصحابه بكافة الأَسلحة اللازمة.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
كما أنه بعث له عينًا - رجل استخبارات - إلى مكة ليوافيه أثناء الطريق بمدى تأْثير خروجه بين القرشيين، ورد الفعل بينهم ليتخذ لكل أَمر عدته ويرسم لكل شيء خطته.
وفعلًا لم يكد يصل بأَصحابه منطقة أشطاط بعسفان قرب مكة حتى عرف - عن طريق استخباراته - كل ما يجب أن يعرف عن أهل مكة الذين هو معهم في حالة حرب منذ معركة بدر الكبرى.
وقد استفاد - ﷺ - من المعلومات الهامة التي تلقاها من رجل استخباراته، فاستطاع (كما تقدم) تجنب الاصطدام المسلح مع طلائع فرسان قريش بقيادة خالد بن الوليد في كراع الغميم بعد أن غيَّر وجهته ناحية اليمين، وبهذا تفادى إِشعال نار حرب لم يكن راغبًا في إشعالها.
٢ - ضبط النفس ساعة الاستفزاز:
والدرس الثاني الذي ألقاه النبي - ﷺ - على أصحابه عمليًّا فوعوه، والذي يجب أن يعيه كل من هو في مركز المسؤولية ومرتبة القيادة والريادة، هو خلق ضبط النفس والسيطرة على الأعصاب والصبر - والتحمل عند تحدي الجهلاء واستفزاز السفهاء هذا الخلق الذي تحلى به النبي القائد والتزمه في أشد الساعات حرجًا وتجنِّيًا على المسلمين، مع أَنه كان قادرًا على أَن يكيل الصاع صاعين للمستفزين المتهّورين؛ ولكنه لم يفعل لأَن ذلك لم يكن ضروريًّا.
لقد خرج النبي - ﷺ - من المدينة (خروجه ذاك) وهدفه الأول
[ ٥ / ٢٧٤ ]
والأَخير هو زيارة البيت الحرام وهو هدف سلمي محض عَلِمته قريش وتبلغته من المسلمين رسميًّا للإِعذار.
ولكنَّ قريشًا التي كانت كلمة الفصل في كل أمورها (يوم ذاك) للعقلية الوثنية الحمقى، أَبت إلا أن تصدّ النبي - ﷺ - وأصحابه عن زيارة البيت.
فبمجرد علمها بخروج النبي - ﷺ - وأصحابه من المدينة نفخ الشيطان في مناخر زعمائها المشركين، فأَعلنوا التعبئة العامة واستنفروا كل ما لديهم من قوات عسكرية ثم خرجوا بها إلى ما وراء حدود مكة استعدادًا لمحاربة المسلمين ومنعهم (بحدّ السيف) من زيارة البيت.
فعلوا ذلك بالرغم من أَن المعلومات التي حصلت عليها استخباراتهم، أَكدت لهم أَن النبي - ﷺ - وأَصحابه لم يجيئوا لحربهم وإنما جاؤوا زائرين ومعظمين للبيت العتيق يسوقون الهَدْي بين أيديهم قد ارتدوا ملابس الإحرام ولكنها الجاهلية العمياء حادت بالمشركين عن جادة الصواب.
لقد كان خروج قريش بجيوشها ومرابطة خالد بن الوليد بفرسانها على الطريق الرئيسي في كراع الغميم تحديًا مثيرًا واستفزازًا خطيرًا في الإمكان أن يتسبب بسهولة في إشعال نار حرب ضروس بين المسلمين والمشركين على حدود أَو داخل الحرم، تسفك فيها دماءُ غزيرة لا يرغب النبي - ﷺ - في سفكها وتزهق فيها أرواح كثيرة كان - ﷺ - حريصًا كل الحرص على أَن لا يزهق شيء منها.
لقد كان باستطاعة النبي القائد - ﷺ - أَن يتخذ من طغيان قريش وتحدِّيها واستفزازها مبرِّر للدخول معها في صدام مسلح فيمر حيث
[ ٥ / ٢٧٥ ]
يعسكر فرسان خالد بن الوليد ويقتحم عليه حدود الحرم بحدّ السيف لا سيما وأنَّ قريشًا تعرف (سلفًا) أن قواتها ستكون هي الخاسرة إذا ما هاجمها النبي - ﷺ - ليشق طريقه نحو مكة بالقوة.
لأَن وراءه ألفًا وأربعمائة من نوع أولئك المغاوير الأشاوس الذين عرفهم مشركو مكة في ساحات الوغى حق المعرفة، حيث حطم ثلاثمائة منهم يوم بدر جيش مكة الضخم المؤلف من ألف مقاتل يمثلون صفوة فرسان وصناديد قريش ومحاربيها كما أنزل سبعمائة منهم (يوم أُحُد) تلك الهزيمة المخجلة بثلاثة آلاف مقاتل أَعدَّتهم قريش لاجتثاث الإسلام ومحو كيانه من الوجود.
غير أن النبي - ﷺ - مع قدرته على كل ذلك - قابل استفزاز قريش وتحدِّيها بالحلم والصبر، ورد على سفهها وشططها بالرزانة والتعقل حتى إنه عندما بلغه أن قريشًا قد ركبت رأْسها وأَبت إلا محاربته قال في أَسف بالغ كلمته التاريخية الخالدة تلك: "يا ويح قريش لقد أَكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أَصابوني كان الذي أرادوا، وإن أَظهرني الله عليهم دخلوا في الإِسلام وافرين، وإن يفعلوا قاتلوا وبهم قوة".
ثم أَمر أَصحابه بأَن يسلكوا طريقًا لا يمر على عسكر قريش المرابطين في كراع الغميم، لا جبنًا ولا خوفًا من الحرب، ولكن ضنًّا بالأَرواح من أَنْ تزهق وحرصًا على الدماء من أن تراق في غير ما ضرورة موجبة.
وفعلًا، كم - بهذا التصرف النبوي الحكيم - أرواح حفظت كان يمكن أن تزهق المئات منها، لو لم يتصرَّف النبي القائد هذا التصرف
[ ٥ / ٢٧٦ ]
الذي به تحاشى الاصطدام مع عسكر قريش أَرواح كان الكثير من أَصحابها على رأْس جيش المشركين، ثم صاروا فيما بعد قادة لجيوش الإِسلام دكُّوا عروش كسرى وعصفوا بكراسي قيصر مثل: خالد بن الوليد وعكرمة بن أَبي جهل وصفوان بن أُمية وعمرو بن العاص وسهيل بن عمرو، الذين - وأَمثالهم من صناديد قريش - كان يمكن أن يخرّوا صرعى في المعركة لو لم يغيَّر النبي - ﷺ - اتجاهه بأَصحابه وينزل بهم على الحديبية.
وهكذا فإن كل قائد مسؤول يجب عليه أن يقف عند هذا التصرف النبوي ليستخلص منه الدروس في ضبط النفس وعدم التسرع في مثل هذه المواقف ووزن الأُمور بموازين مصلحة الأمة والدين لا بموازين - العاطفة والعنجهية والهوى والعنتريات الفارغة.
٢ - احترام المعارضة النزيهة:
والدرس الثالث المستخلص من قضية الحديبية هو أن النبي - ﷺ - وضع قواعد احترام المعارضة، وعدم التعرض للمعارض بأَي أَذى مهما كانت منزلة هذا المعارض .. شريطة أَن تتوفر سلامة النية لدى هذا المعارض، وأَن يكون باعث معارضته الحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين.
أَما إِذا كانت المعارضة باعثها الهوى أَو المصلحة الشخصية أَو العمل على ترسيخ قواعد مبدإ يخالف الإسلام ومصلحة الأُمة فإنها معارضة يجب قمعها فليست جديرة بأَيِّ احترام.
[ ٥ / ٢٧٧ ]
والدرس المستفاد هنا بصفة رئيسية هو في قصة معارضة الفاروق عمر الصريحة بل القوية لبعض بنود معاهدة الصلح التي أَبرمها النبي الأعظم - ﷺ - بينه وبين المشركين.
لقد كان ابن الخطاب يرى - في قرارة نفسه ساعة عقد الصلح - أَن بعض الشروط التي اشترطها المندوب القرشي سهيل بن عمرو في المعاهدة، وقبل بها النبي - ﷺ - فيها مساس بكرامة الأُمة الإِسلامية تسجِّل عليها شيئًا من الدنيّة .. كان ذلك مبلغ فهمه وإحساسه وشعوره كإنسان عادي - بالنسبة للنبي - ﷺ - لم يكن (بالتأكيد) على مستواه في إِصابة الرأْي وبعد النظر والإحاطة بغوامض الأُمور .. وبالتالي، تلقِّيه الوحي من السماء وعدم صدوره إلا عن أمر الله تعالى.
لذلك فإن ابن الخطاب لم يكد يطَّلع على بنود وشروط المعاهدة - التي اتفق عليها ولم يبق غير التوقيع والإشهاد عليها - حتى نهض معلنًا عن معارضته الشديدة وذهب إلى النبي - ﷺ -، وبصراحته المعھهودة أفصح لسيِّد الحكماء وإمام الحلماء - ﷺ - عن هذه المعارضة، مستنكرًا بعض الشروط التي تضمنتها هذه المعاهدة، وخاصة المتعلقة باشتراط قريش رجوع المسلمين عن مكة ذلك العام دون أَداء مناسك العمرة .. وتعهد النبي - ﷺ - بردّ كل من جاءَه من أبناء قريش إليهم حتى ولو كان مسلمًا .. وعدم تعهد قريش (مقابل ذلك) بأن يردوا من جاءَ إليهم مفارقًا جماعة المسلمين مرتدًا عن الإسلام.
فرأينا كيف أَن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي - ﷺ - معلنًا معارضته لهذه الشروط قائلًا: ألست رسول الله حقًّا؟ قال: بلى، فقال ابن الخطاب: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ . قال النبي - ﷺ -: بلى.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
فقال عمر: فلمَ نعطِ الدنيّة في ديننا إذن؟ .
فلم ينكر النبي الأعظم - ﷺ - على ابن الخطاب معارضته القوية الصريحة ولم يعنّفه على هذه المعارضة بل حاول إقناعه بسلامة تصرفه - ﷺ - حينما وافق على هذه الشروط التي تراءَى للفاروق أنها مجحفة بالمسلمين، فقد أَبلغ النبي - ﷺ - عمر بأَنه لا يفعل إلا ما فيه مصلحة الإِسلام والمسلمين وبالتالي لا يتصرف إلا بأمر من الله حيث قال - ﷺ - جوابًا على معارضة الفاروق: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري".
وحتى بعد ذلك الجواب النبوي الرفيع المقتضب، على تلك المعارضة الفاروفية العنيفة، لم يضق صدر سيِّد البشر لاستمرار ابن الخطاب في المعارضة ومناقشة الرسول واستجوابه، حيث واصل المناقشة حول الموضوع نفسه قائلًا؛ وبتلك الصراحة التي كان النبي - ﷺ - يكبرها في عمر لنزاهة الدافع لها في كل مناسبة: "أَوَ ليس يا رسول الله كنت تحدثنا أَنَّا سنأْتي البيت ونطوّف به"؟ .
فقال النبي - ﷺ - في هدوئه المعروف -: بلى. أَفأَخبرتك أنّا نأْتيه هذا العام؟ .
فقال عمر: لا.
فقال - ﷺ -: فإنك آتيه ومطوّف به.
وكان الفاروق قد اتصل بوزير النبي الأول أَبي بكر الصديق وأَعرب له عن معارضته لتلك الشروط وعدم استساغته لها حيث قال لأَبي بكر كما تقدم:
أَليس هذا نبي الله حقًّا؟ .
[ ٥ / ٢٧٩ ]
قال: بلى.
فقال: أَلسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ .
قال: بلى.
قال: فلم نعْط الدنيّة في ديننا؟ .
وهنا قال الصدِّيق الفاروق (ملفتًا نظره إلى وجوب التسليم بكل ما يقوله أَو يفعله النبي - ﷺ -): أَيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي الله ربه، وهو ناصره، فقال عمر: وأَنا أَعلم أَنه رسول الله.
فقال أَبو بكر: فاستمسكْ بغرزه فوالله إنه على الحق.
ندم الفاروق على المعارضة:
وقد أَعلن الفاروق - وبالصراحة المعروفة عنه - ندمه على تلك المعارضة التي أَبداها. وحدّث عمر عن نفسه .. أَنه كان يصوم ويتصدّق ويعتق، تكفيرًا عما صدر منه من تلك المعارضة التي صارح بها النبي الأعظم - ﷺ -.
٤ - إيضاح أهم نقطة إشكال:
لقد كان البند الذي يتضمن تعهد النبي - ﷺ - بأن يرد إلى المشركين من جاءَه من آبنائهم حتى ولو كان مسلمًا، ولا تتعهد قريش بردّ من جاءَها من المسلمين إليهم.
كان هذا البند - على وجه الخصوص ہے- مصدر تضايق للمسلمين لأنهم لم يهضموه ولم يستسيغوه كبشر، حتى قال قائلهم - عندما سمعوا
[ ٥ / ٢٨٠ ]
موافقة النبي - ﷺ -: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟؟ .
وقد أَصاب المسلمون (لقبول هذا الشرط) همٌّ عظيم.
غير أن النبي - ﷺ - بأُسلوبه الحكيم وبمنطق واقعي سليم بدَّد كل غيوم الهمَّ تلك التي خيَّمت على نفوس المسلمين فأَجابهم بصدد هذا الشرط الذي استنكروا قبوله بقوله - ﷺ -:
"أَما من أَراد أَن يلحق بنا منهم (أَي مسلمًا وتعهدنا بعدم السماح له بالإِقامة بيننا) فسيجعل الله تعالى له مخرجًا ولنا .. ومن أتاهم منا فأَبعده الله (أي مرتدًا) وهم أَولى بمن كفر".
وكان التفسير النبوي تفسيرًا واقعيًا ومعقولًا أَعاد للنفوس القلقة طمأْنينتها .. حتى أن عمر بن الخطاب - وهو أَشدّ الصحابه معارضة لقبول هذا الشرط - اقتنع بهذا القول النبوي وأَدرك أَن فعل الرسول - ﷺ - هو الصواب.
وهذا درس مهمّ أَلقاه النبي - ﷺ - على أَصحابه يجب الاستضاءَة بنوره في التأَني وعدم التسرّع في تفسير الأُمور واستخراج النتائج أَثناء الانفعال وفورة العاطفة، لأَن استخلاص النتائج (حينئذ) يكون مغلوطًا كما حدث حينما تسرّع بعض المسلمين في تفسير قبول النبي - ﷺ -، بهذا الشرط، بأَنه يحمل المساس بكرامة المسلمين ودينهم .. ثم بان لهم خطأُ هذا التفسير عندما أكد لهم النبي - ﷺ - بلغة العقل لا (العاطفة) عدم وجود أَية دنيّة عليهم في قبول هذا الشرط الذي كادوا يهلكون غمًّا لدى سماعهم موافقة النبي - ﷺ - على قبوله.
[ ٥ / ٢٨١ ]
٥ - الوفاء بالعهد:
ولعل من أَبلغ الدروس في صلح الحديبية درس أَلقاه النبي القائد والحاكم في الوفاء بالعهد والتقيد بما يفرضه شرف الكلمة من الوفاء بالالتزامات التي يعطيها المسؤول الشريف في كلمته مهما ترتب على هذا الوفاء من خسائر وآلام تصيب الموفي بالعهد.
هذا الدرس الرائع نستخرجه من حادثة أبي جندل التاريخية المؤثرة.
لقد كان لرئيس وفد الشرك في مفاوضة الحديبية (سهيل بن عمرو) ابن شاب كان قد هداه الله للإسلام في مكة فاعتقله أبوه وأودعه السجن وقام بتعذيبه لحمله على العودة إلى دين الوثنية، ولكنه صبر وتحمل وظل على دينه الصحيح مسلمًا.
وصادف أَن أَبا جندل هذا (كما تقدم) تمكن من الفرار من سجن أَبيه ووصل إلى معسكر المسلمين وهو يرسف وقيوده فرمى بنفسه فارًّا بدينه بين أَظهرهم طالبًا حمايتهم لأَنه أَصبح مسلمًا منهم وإليهم.
فرحّب به المسلمون وهنأُوه. غير أَن أَباه سهيل بن عمرو لم يكد يراه بين المسلمين حتى صرخ في وجهه وانهال ضربًا على وجهه ثم أَخذ يجره بتلابيبه ويدفع به أَمامه ليعود به إلى معسكر الشرك، حتى صاح أبو جندل (مستغيثًا بالمسلمين): يا معشر المسلمين أَأَرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني أَلا ترون ما لقيت.
ويظهر أَن المسلمين سارعوا بالتدخل لحماية أَبي جندل وانتزعوه من يد أبيه المشرك ليبقى معهم لأَن تلك هي رغبته، ولأَنه أصبح منهم عضوًا في أُسرة الإسلام.
[ ٥ / ٢٨٢ ]
لم يلجأْ سهيل بن عمرو إلى القوة لإلقاء القبض على ابنه المسلم بل لجأ إلى الاحتجاج لدى النبي القائد - ﷺ - وطالبه بأَن يسلم إليه ابنه أبا جندل وفقًا لاتفاقية الصلح التي ينص البند الثامن منها على التزام النبي - ﷺ - بأَن يرد من جاءَ إليه من قريش بغير إذن أهله.
فقد قال سهيل في احتجاجه هذا -أي موضوع ابنه - أَول ما أُقاضيك عليه، لقد لجت القضية بيني وبينك قبل أَن يأْتي هذا - يعني ابنه.
ولم يسع النبي القائد - وهو أَبرّ من أوفى بالعهد - إلا أن يقف عند كلمته ويطبق الاتفاقية نصًّا وروحًا، فقال لسهيل بن عمرو: صدقت، وسمح لسهيل بن عمرو، المشرك باعتقال ابنه المسلم وإعادته إلى مكة، رغم علمه بما في هذا التصرف من إيذاءٍ شديد لعواطف المسلمين إلا أن النبي - ﷺ - مع ذلك طلب من سهيل بن عمرو أن يسمح لابنه بالبقاء مع المسلمين قائلًا: فأجره لي، أَي أُتركهـ في جواري وأَماني وهي عادة متبعة عند العرب.
فقال سهيل: ما أَنا مجير لك ذلك.
فكرر النبي الطلب قائلا: بلى، فافعل.
فكرر سهيل الرفض قائلا: ما أنا بفاعل.
وهنا تدخل عضوا الوفد القرشي (حويطب بن عبد العزّى ومكرز بن عمرو) فأجارا أَبا جندل، وتعهدا بأَن لا يمسه العذاب في مكة، حيث قالا للنبي - ﷺ -: قد أَجرناه لك (يا محمد) لا نعذِّبه.
[ ٥ / ٢٨٣ ]
وقد استلم سهيل بن عمرو ابنه الشاب المسلم ليزجّ به في السجن مع أمثاله من شباب قريش المسلمين الذين حال طغيان أَهلهم بينهم وبين اللحاق بالنبي - ﷺ - مهاجرين.
النبي يعتذر لأبي جندل:
وقد اعتذر النبي الأعظم - ﷺ - لأَبي جندل عندما صاح بأَعلى صوته -وأَبوه يجرّه بتلابيبه- يا معشر المسلمين أَأَرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ . اعتذر النبي - ﷺ - لهذا الشاب المسلم بأنه لا يستطيع أن يقوم بأيِّ عمل يخلصه من أَسر أَبيه المشرك لأَن ذلك يعني النقض للعهد الذي أعطاه النبي - ﷺ - لقريش قبل قليل.
فقد قال - ﷺ - لأبي جندل: إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأَعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدًا وإنّا لا نغدر بهم.
غير أن النبي - ﷺ - إزاءَ هذه المأْساة التي حالت بنود معاهدة الصلح بينه وبين أن يجد مخرجًا منها لأَبي جندل المسلم، طمأَن أَبا جندل وبشَّره بقرب الفرج له ولمن على شاكلته من الشباب المسلم الذين تضيق بهم سجون أَهاليهم المشركين في مكة فقد قال - ﷺ - لأَبي جندل - وهو يواسيه -: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا.
فاقتنع أبو جندل بالبيان النبوي واطمأَن إلى البشرى التي بشَّره بها، فاستسلم لأَبيه المشرك الذي عاد به إلى مكة. حتى جعل الله له فرجًا ومخرجًا -كما بشره الرسول - ﷺ - - بعد أَقل من سنة. كما سيأْتي تفصيله إن شاء الله.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
درس رائع واختبار قاس:
حقًّا إنه لاختبار قاس وامتحان شديد. شاب مسلم فرَّ بدينه إلى المسلمين ثم ينتزع انتزاعًا ليرمى به مرة أخرى في جحيم الشرك بعد أَن خرج منه والتجأَ إلى أُسرة الإسلام في الحديبية.
لقد تأَذّى المسلمون لهذا المنظر وتأَلموا أشد الأَلم حتى إن الكثير منهم بكى إشفاقًا على هذا الشاب الطيب المسلم وهم يرون أَباه المشرك يسحبه في جلافة الوثني الفظّ.
لقد كانت الرغبة ملحَّة في نفوسهم - بل وفي مقدورهم - أَن يخلصوا هذا الشاب الصادق الإيمان من وحشية أبيه الوثني الفظ. . فقد كانت قلوبهم وكأَنها تتمزق وهم يرون سهيل بن عمرو المشرك يسحب في وحشية وقسوة من بين أَيديهم - ابنه المؤمن والدماء تسيل من شدة ضغط مقابض السلاسل على قدميه.
حقًّا لقد كان منظرًا تبكي له القلوب قبل العيون .. ولكن ماذا عسى أَن يصنع المسلمون القادرون على تخليص هذا الفتى المسلم. . ماذا عسى أَن يصنعوا؟ .
إنهم أَمام هذا المنظر الذي بكت له قلوبهم قبل عيونهم يشعرون وكأَنَّ أيديهم مشدودة إلى الوراء. . شدها الوفاءُ بالعهد الذي أَعطاه النبي - ﷺ -، قريشًا، وشرف الكلمة التي التزم تنفيذها ضمنَ نصوص معاهدة الصلح، الذي جعلهم يقفون مكتوفي الأَيدي لا يجرأُون على التعرض لسهيل بن عمرو الذي صادر حرية ابنه الشاب المسلم وأجبره على العودة ليعيش في مجتمع الوثنية الذي لا يريد العيش فيه.
[ ٥ / ٢٨٥ ]
وقد أَشار ابن إسحاق إلى أن ما حدث لأَبي جندل قد ثقل على المسلمين ودخل عليهم منه أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا غمًّا. حتى بلغ الأَمر بالكثير منهم إلى أن يستفسروا في أَلم وحرقة - لعدم إحاطتهم بما أَحاط به علم النبي - ﷺ - ولقصر إدراكهم للأَبعاد والمرامي العميقة التي يدركها النبي - ﷺ - وهو يقْبل ذلك الشرط الذي أَملاه سهيل بن عمرو أَثناء كتابة المعاهدة والذي بموجبه أعاد النبي - ﷺ - إلى سهيل المشرك ابنه اللاجئ المسلم - استفسروا: لماذا يردون إلى قريش من جاء إليهم مسلمًا ولا ترد قريش إليهم من هرب إليها منهم مرتدًا؟ .
وجاءَ الجواب من الذات النبوية على هذا الاستفسار. . حكيمًا منطقيًا وواقعيًا، فلامس القلوب المؤمنة فصار لها كالبلسم. . شفاها من الغمّ الذي أَلمّ بهہاوخاصة بعد الذي حدث لأَبي جندل. . جاءَ الجواب من النبي الحكم الحليم بأن من ذهب من المسلمين إلى قريش مرتدًا، فلا رده الله. . إذ لا خير فيه. . وماذا يستفيد المسلمون من إنسان فارق دينهم؟ .
أما المستضعفون من المسلمين الذين قد يطلبون حق اللجوء عند المسلمين فيعيدهم النبي - ﷺ - إلى كفار مكة. فسيجعل الله لهم مخرجًا - ما في ذلك شك - ما داموا ثابتين على دينهم.
وماذا عليهم لو دفعوا ضريبة الإيمان في سجون مكة؟ لقد سبق لهم إخوة ذاقوا - في سبيل التمسك بعقيدتهم - من أشد مما يذوقون هم، من التعذيب. حتى إنَّ بعضهم مات تحت التعذيب الوحشي الرهيب فصہاروا في الذروة مع السابقين الأولين. أمثال: عمّار وأُم عمّار، وبلال، ومصعب بن عمير الذين لم يكن ما تعرّضوا له هم قسوة الإرهاب-
[ ٥ / ٢٨٦ ]
والتجويع ووحشية التعذيب في سجون المشركين بمكة إلا أوسمة - إن صح هذا التعبير - جعلتهم حديث الدنيا وملءَ سمعها وبصرها، يلهج التاريخ بذكراهم العطرة في التضحية والفداء في سبيل العقيدة أَبد - الآبدين.
فكأَنّ لسان حال النبي الأعظم - وهو يعيد أَبا جندل إلى أبيه المشرك وفاءً بالعهد - يقول: فليثبت إذن أَبو جندل وإخوة أَبي جندل وليحتسبوا ما ينالهم في سجون مكة من بلاء وتنكيل في سبيل الاحتفاظ بعقيدهم، فالله منجّيهم وجاعل لهم من محنتهم مخرجًا.
أَليس الله سبحانه هو القائل في حق المؤمنين الصادقين المتقين: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١)؟ .
ولقد صدق الله وعده فقد جعل لأَبي جندل وإخوته من المسلمين المستضعفين في سجون أهاليهم بمكة مخرجًا، فلم تمرّ أقلّ من سنة حتى تمكنوا من الإفلات من سجون مكة وأَصبحوا قوة صار كفار مكة يخشونها بعد أن سيطرت على طرق قوافل المشركين الآتية من الشام، كما سيأْتي تفصيله فيما يلي من هذا الفصل إن شاء الله.
مكاسب الصلح العظيمة:
بالرغم من تضايق عامة المسلمين لما تحمله (في الظاهر) شروط صالح الحديبية التي قبلها النبي - ﷺ - واغتمّ لها عامة المسلمين، فإن هذا الصلح نتج عنه مكاسب عظيمة للمسلمين بل نصر كبير لدعوة الإسلام ظهرت جلية واضحة فيما بعد للذين تضايقوا من شروط هذا الصلح.
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ٢ - ٣.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
وقد تساءَل البعض في حينه - عن حسن نية - أين هي المكاسب الملموسة التي حققها صلح الحديبية بشروطه القاسية على المسلمين وقد أقرَّ النبي - ﷺ - صد المسلمين عن الحرم فحلّوا إحرامهم خارجه، وعادوا من حيث أَتوا دون أن يطوفوا بالبيت، وهو الهدن الرئيسي الذي لم - يخرجوا من المدينة بقضهم وقضيضهم إلا من أَجل تحقيقه؟؟ .
والجواب على هذا التساؤل، هو أن النبي الأَعظم - ﷺ - لم يقرّ في هذا الصلح ويوافق سهيل بن عمرو على صد المسلمين عن الحرم ومنعهم من الطواف أَبد الآبدين.
وإنما وافق فقط، على أن يؤجل المسلمون دخولهم الحرم معتمرين من عامهم ذاك إلى العام الذي يليه مباشرة. وهو ما أَشار إليه النبي - ﷺ - وهو يحاول إقناع المعارضين للصلح من أصحابه.
وهذا يدلّ على (دبلوماسية) رفيعة وسياسة عسكرية غاية في الحصافة إن صح هذا التعبير - (دبلوماسية) حقق باتباعها النبي - ﷺ - حقن دماء كثيرة لم تكن له أَية رغبة في إراقتها بل يكره كل الكره أن تراق داخل الحرم. . وكان يمكن أَن تراق بسهولة وبغزارة، أولًا أَن النبي - ﷺ - فعل كما القادة المتجبِّرون القادرون على تحقيق أهدافهم بحدّ السيف .. وقد كان قادرًا على اقتحام مكة بحد السيف.
ولكنه - وهو الذي أَرسله الله رحمة للعالمين - فضَّل أَن يحلّ محل هذا الاقتحام الدامي، عودة سليمة للمسلمين لزيارة البيت بعد عام واحد فقط. . فقبل (لذلك) الشرط الذي أملاه المندوب القرشي والذي يقضي بأَن يرجع المسلمون هذا العام دون أن يدخلوا مكة، على أن يكون من حقهم دخولها في العام القادم.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وأَيُّ إجحاف بحق المسلمين في الموافقة على هذا التأْجيل، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أَن هذا التأْجيل البسيط كان سببًا رئيسيًا في حفظ مئات -بل آلاف الأَرواح- يمكن أَن تُزهق من الفريقين لو لم يوافق النبي - ﷺ - على هذا التأْجيل وأَصرّ على اقتحام مكة بالقوة.
ثم ما هو الفرق بين أن يحصل الإنسان على حقه اليوم أو غدًا، ما دام أَنه قد ضمنَ الحصول على هذا الحق؟ .
وقد تضمنت معاهدة صلح الحديبية وجوب حصول المسلمين على حقهم وهو الطواف بالبيت في العام القادم.
فهل من الحكمة أو هل من مصلحة الإسلام والمسلمين أن يخاطر النبي - ﷺ - بأرواح المئات من أصحابه الذين هو في أمسِّ الحاجة إليهم وخاصة في تلك المرحلة المصيرية من بناء الدولة الإسلامية الوليدة التي هي أحوج ما تكون إلى الرجال لحماية الدعوة التي أَخذت جذورها في الرسوخ والانسياب في الأَعماق هل من الحكمة أو من المصلحة أن يقدم على مخاطرة قد لا تكون مأْمونة الجانب فيعرّض أصحابه للموت في حرب ستكون لا شك ضروسًا طاحنة، من أَجل التعجيل بمطلب هو قادر على تحقيقه بعد عام واحد، دون أن يضطر إلى إراقة قطرة دم واحدة من دم أَصحابه؟؟ .
إنه كنبيّ أَرسله الله رحمة للعالمين، وكرسول جاء يحمل شعار الحب والتسامح، وكرائد ومصلح جاءَ لحقن الدماء وصيانتها، لا لسفكها وإضاعتها ما وجد إلى ذلك سبيلًا، حتى ولو كانت هذه الدماء غير دماء المسلمين. لهذا كله ولأَنه -كقائد مسؤول عن سلامة أَرواح أَصحابه، لا يمكن أن يقدم على تلك المخاطرة فيخوض حربًا مدمِّرة ضروسًا
[ ٥ / ٢٨٩ ]
لا ضرورة لها إلَّا الاستجابة لعواطف بعض الأَصحاب التي عند جيشانها قصرت مداركهم عن فهم وإدراك ما فهمه وأدركه القائد الفذ المحنّك المسؤول، والرسول الموحى إليه من عند الله والذي لا يصدر إلا عن أمره تعالى.
شرط سطحي:
لقد قبل النبي - ﷺ - ذلك الشرط الذي اشترطته قريش في المعاهدة والذي بموجبه قبل النبي - ﷺ - الامتناع عن دخول مكة ذلك العام على أَن يدخلها وأَصحابه في العام القادم.
لقد تظاهرت قريش أنها بإملاء هذا الشرط قد انتصرت على المسلمين. بينما ذلك الشرط (في حقيقته) ليس أَكثر من غطاءٍ رقيق شفّاف، حاولت قريش - أمام السطحيين العاطفيين - أَن تغطي به هزيمتها الكبيرة في هذا النزاع الخطير الذي أثاره تصلُّفها وكبرياؤها الجاهلي. . هذه - الهزيمة المتمثلة في انحنائها للعاصفة بقبولها مبدأَ دخول المسلمين مكة واعترافها بحقهم في الطواف بالبيت، الأمر الذي كانت ترفضه وتمانع في الاعتراف به حتى توقيع مندوبها على معاهدة الصلح التي اعترفت فيها بهذا الحق.
إن كل ما كسبته قريش من هذا الشرط - الذي استعظم عامة الأَصحاب الموافقة عليه - هو أَن النبي قبل أن يؤجِّل دخول مكة للعمرة عامًا واحدًا.
وهذا أَبرز ما ظن قادة قريش، أو أوهموا السطحيين من مشركي العرب أن فيه نصرًا عظيمًا لقريش على المسلمين.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
بينما هو في الحقيقة لا يعدو أكثر من موافقة الرسول القائد على تأْجيل مباشرة حق سنة واحدة. . حق كانت قريش - إلى ما قبل إبرام هذا الصلح - ترفض الاعتراف به.
فكأَنَّ قريشًا بإبرامها هذا الصلح قد وقعت على الاعتراف بحق للمسلمين كانت ترفض الاعتراف به وتقسم الأَيمان الغليظة بأَنها لن تمكِّنهم من مباشرته أَبد الآبدين.
ولهذا خرجت من مكة إلى منطقة الحديبية بكل ما لديها من قوة لتبرَّ بهذا القسم الآثم وتجبر المسلمين على العودة من حيث أتوا دونما أيّ قيد أَو شرط أَو دخول في أَية مفاوضة.
ولكنها عندما رأت تصميم المسلمين على البقاء في الحديبية وأَن ذلك قد يؤدِّي إلى صدام مسلح قد يكون فيه تحطيم كيانها إلى الأَبد، وخاصة بعد المبايعة تجت الشجرة والتي لا تعنى سوى الاستنفار العام واستعداد المسلمين لخوض المعركة إذا لم يكن منها بدّ. ورأَت قريش -كما هو قرارة نفسها- أن لا طاقة لها بمقاومة المسلمين إذا ما اضطروا للهجوم، لذلك انحنت للعاصفة، فرجعت عن يمينها، فوافقت على أن يدخل المسلمون مكة للعمرة، ولكنها - كستار لتراجعها الذي هو عين الاندحار طلبت أن يكون ذلك في العام القادم.
فصح بهذا يقينًا أن الذي حصل على الكسب الحقيقي والنصر المؤزّر في هذه القضية الخطيرة التاريخية المعقدة إنما هم المسلمون- لا المشركين.
ولقد اعتبر الخبراء العسكريون والسياسيون القدامى والمعاصرون. اعتبروا رجوع النبي - ﷺ - بأَصحابه على تلك الصورة وبعد الظفر بتلك
[ ٥ / ٢٩١ ]
المعاهدة هو من أحكم وأَقوم ما يمكن أن يُقدم عليه قائد مسؤول عن الأُمَّة، يقدِّر النتائج ويحسب حسابها قبل الإقدام على العمل.
كما أن الباحثين وفلاسفة التاريخ اعتبروا صلح الحديبية نصرًا عظيمًا أَحرزه النبي - ﷺ - للإسلام والمسلمين.
بل إن الناظر بتفهّم وإمعان في قضية الحديبية والصلح التاريخي الذي كان خاتمة المطاف فيها، يجد أَنه قد نتج عن هذه القضية مكاسب عقائدية وسياسية وأدبية وإعلامية عادت بالنفع العظيم على الإسلام ودعوة الإسلام. . ويمكننا الإشارة إلى بعض هذه المكاسب:
١ - اعتراف قريش بكيان المسلمين:
لقد كانت قريش - منذ ظهور دعوة الإسلام في مكة ومنذ خمس عشرة سنة وحتى يوم صلح الحديبية - تعتبر النبي وأصحابه المسلمين شرذمة لا كيان لها. . لا تنظر إليهم إلا كما تنظر إلى الصعاليك من قطَّاع الطرق والخارجين على القانون الذين يجب إخضاعهم لسلطانها وإعادتهم إلى حظيرة طاعة كهنوتها الوثني أو التخلُّص منهم بأَية وسيلة الوسائل. . وما كانت قريش تفكّر أَنها في يوم من الأيام ستقعد معهم على مائدة واحدة لتفاوضهم الند للندّ وتعترف بهم في معاهدة مسجلة كأُمّة لها كيانها بل كدولة لها هيبتها ونفوذها، الأَمر الذي ترفض قريش الاعتراف (رسميًّا) بشيء منه كل الرفض حتى جاء يوم الحديبية فاعترفت فيه للمسلمين بكل ذلك ووقَّع مندوبهہاعلى وثيقة تاريخية دولية؛ تتضمن هذا الاعتراف.
[ ٥ / ٢٩٢ ]
وهكذا تكون أُولى مكاسب صلح الحديبية السياسية - بل أهمُّها - اعتراف قريش رسميًّا بأن النبي - ﷺ - وأصحابه أصبحوا أُمّة لها كيانها بل دولة لها خطرها.
وقد جاء هذا الاعتراف مجسَّدًا في وثيقة معاهدة هذا الصلح التي تضمنت اثنى عشر بندًا من بينها البند الذي ينص على عقد هدنة بين المسلمين وقريش بلدة عشر سنوات.
والهدنة لا تعقد إلا بين فئتين متكافئتين- عسكريًا وسياسيًا على الأَقل.
والتكافؤ عسكريًا ودوليًا بين المسلمين وقريش، ظلَّت قريش ترفض الاعتراف به طيلة خمس عشرة سنة حتى وقَّعت على الاعتراف به رسميًّا (مرغمة) في معاهدة الحديبية.
فكأَنَّ النبي الأعظم - ﷺ - بنجاحه في عقد هذا الصلح التاريخي مع قريش قد انتزع منها هذا الاعتراف انتزاعًا، الأمر الذي ما كانت قريش لترغب فيه أو تتوقع حدوثه لولا صَبر النبي - ﷺ - وجَلَده - وتحلِّيه بضبط النفس وقدرته الفذة على المناورة باتباعه إزاءَ قريش في قضية الحديبية سياسة اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف .. بينما ركب سادات قريش رؤوسهم في هذه القضية، فاتبعوا إزاءَ المسلمين - سياسة العناد والمكابرة والشدة والعنف والتهديد والوعيد وأعلنوا أَنهم سيشنون حربًا كاملة على المسلمين في الحديبية وأَن يرجعوا من حيث أَتوا دونما قيد أَو شرط، وأن قريشًا لن تسمح لهم بدخول مكة في أي وقت وتحت أيِّ ظرف. . ثم تراجعت بل وتخاذلت وأَرسلت بوفدها إلى الحديبية ليوقِّع وثيقة هذا الصلح الذي ظنت قريش أَنه
[ ٥ / ٢٩٣ ]
نصر لها، بينما هو في الواقع قد تجسدت فيه هزيمة سياسية كبرى نزلت بقريش التي قبلت صاغرة مبدأ دخول المسلمين مكة وقيامهم بأداءِ العمرة التي حلفت قريش أنهم لن يؤدّوها مهما كانت النتائج المترتبة على منعهم من أدائها.
٢ - تفهم المشركين لحقيقة الإسلام:
ومن المكاسب الكبرى التي جنته الدعوة الإِسلامية أَثناءَ المفاوضة في الحديبية هو أن تصرف المسلمين - وخاصة نبيّهم العظيم - طيلة الأَيام التي قضوها في الحديبية قد جعلتهم محل احترام وإِكبار كل الزعماء. والسادة الذين بعثت بهم قريش كوسطاءَ لحل المشكلة القائمة بينها وبين المسلمين.
فقد كانت وسائل قريش الإِعلامية تصوّر المسلمين بين العرب على أنهم دُعاة حرب ومصَّاصي دماءٍ معتدون. وأَنهم لم يأْتوا هذه المرة بهذا العدد الضخم إِلا للعدوان وسفك الدم الحرام داخل البلد الحرام.
غير أنه سرعان ما ينكشف زيف هذه الدعاية القرشية الكاذبة وتأْتي لقريش بعكس النتائج التي كانت قريش تسعى - من وراءِ هذه الدعاية الكاذبة - لتحقيقها.
فلا يأْتي زعيم من حلفاءِ أَو أَصدقاءِ قريش - وسيطًا إِلى الحديبية - إِلا وهو يحمل في ذهنه عن المسلمين تلك الصورة المشوّهة التي رسمتها الدعاية القرشية الكاذبة المغرضة.
ولكن سرعان ما تنكشف له الحقيقة بمجرّد أَن يتصل بهؤلاءِ المسلمين فيعود إلى قريش وقد زالت من ذهنه عن المسلمين تلك الصورة
[ ٥ / ٢٩٤ ]
الخاطئة المعتمة وتحل محلها صورة مشرقة مضيئة لهؤلاء المسلمين، ترتسم في ذهنه من واقعهم المشرِّف الذي منه يتبين له أَنهم ليسوا -كما تصوَّرهم قريش - طلَّاب شر وإِنما هم دُعاة خير ليس من باعث لمجيئهم سوى تعظيم حرمات الله وزيارة بيته الحرام.
فيعود هؤلاء الوسطاءُ وهم يلقون بكل اللوّم على قريش ويحمِّلونها وحدها مسؤولية تعقيد الموقف وما قد ينتج عنه من صدام دام، وذلك بعد أَن يلمس هؤلاء الوسطاءِ بأَنفسهم شرف المقصد وحُسن النية الصادقة بين المسلمين؛ كما حدث من الوسيط الثاني عروة بن مسعود الثقفي والوسيط الثالث الحُليس بن زبّان.
وهذه كلها مكاسب أَدبية وسياسية حصل عليها المسلمون نتيجة تصرّفات نبيّهم الحكيمة إِزاءَ استفزازات قريش وتحدياتها الجاهلية. وهي مكاسب إعلامية عظيمة، ما كان المسلمون يحصلون عليها لولا التزام نبيّهم العظيم سياسة الحلم وضبط النفس في هذه القضية المعقدة.
٣ - انشقاق معسكر الشرك:
ومن المكاسب التي صاحبت صلح الحديبية الانشقاق الخطير الذي حدث داخل معسكر الشرك بين قريش وحلفائها الذين لامها قادتهم من الوسطاءِ على عنادها ومكابرتها عندما وجهوا إِليها اللوم وأَسدوا إِليها النصح بأَن لا تحول بين المسلمين وبين مباشرة حقهم الطبيعي في الطواف بالبيت بعد أَن نقلوا إِلى مسامع زعمائها أَن المسلمين ليسوا مخطئين في إِصرارهم على دخول مكة لأَداءِ مناسك العمرة كغيرهم من فئات العرب الأُخرى.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
فقد رأَينا فيما مضى كيف غضبت قريش على سيّد الأَحابيش (الحليس بن زبّان) وهو أَقوى حاليف لها عندما صارحها بالحقيقة وأَنها تتصرف تصرّفًا سيئًا عندما تحول بين المسلمين وبين الطواف بالبيت، الأَمر الذي -كما أَشار الحليس- لا يمكن لأَيِّ عربي استساغته أَو إِقراره لأَنه بغي وظلم، ما سبق وإن أَقدم على مثله أَحد ممن سادوا أَرض الحرم عبر العصور.
ورأَينا كيف أَن زعيم الأَحابيش عندما جبهته قريش وسفَّهت رأْيه، عندما أَسمعها كلمة الحق بشأْن المسلمين - بعد أَن لمس بنفسه نزاهة مقصدهم وسلامة موقفهم - هدد قريشًا بأَنه سيلغي الحلف الذي بينه وبينها، وينسحب برجاله من تجمُّعها إِذا لم تصغ لصوت الحق فتخلِّي بين المسلمين وبين البيت ليطوفوا به.
الأَمر الذي أَزعج قريشًا وجعلها تتوسل إِلى حليفها القوي بأَن - لا ينفِّذ تهديده حتى تجد لها مخرجًا من ورطتها، بعد أَن وعدته بأَنها ستسعى لإِيجاد مخرج يكون فيه رضاه ويحفظ لها شيئًا من ماءِ وجهها ويضمن السماح للمسلمين بزيارة البيت الذي كان صدُّ قريش المسلمين عنه أَساس المشكلة ومصدر غضب سيد الأَحابيش.
وتهديد الحليس بن زبّان كان ثاني انشقاق خطير يواجهه التجمع الوثني في الحرم، مما حمل سادات قريش على التفكير جديًّا في الرجوع إِلى طريق الاعتدال والتخلي عن سياسة العنجهية والحماقة والسفه .. الأمر الذي وصل في النهاية بقريش (مكرهة) إِلى التوقيع على معاهدة هذا الصلح التاريخي.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
انسحاب سيد ثقيف:
كذلك رأَينا فيما مضى كيف انسحب سيد ثقيف وحليف قريش وصهرها (عروة بن مسعود) من التجمع الوثني، بعد أَن شجب تصرّفات قريش القاضية بمنع المسلمين من زيارة البيت، ووصف تصرف النبي - ﷺ - بالرشد والاعتدال حين لمس ذلك فيه عندما قابله في الحديبية يوم أَرسلته قريش وسيطًا يفاوض النبي - ﷺ - ويقنعه بالعودة إِلى المدينة.
فقد قال عروة بن مسعود لقريش: إِن محمدًا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوا ما عرض عليكم فإِني ناصح لكم، ثم صارحهم بأَنه يرجح أَن تكون الهزيمة من نصيبهم إِذا ما حاربوا النبي - ﷺ - قائلًا: (مع أَني أَخاف أَن لا تُنصروا عليه).
ولما أَبت قريش أَن تستجيب إِلى نصح حليفها القوي الثاني (عروة) قال غاضبًا ومحمِّلهم مسؤولية هذا العناد: (ما أَراكم إِلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش) أَيّ بسبب محاولتكم منع المسلمين من زيارة البيت. . ثم ترك التجمع الوثني وانصرف بقومه إِلى الطائف.
ومما لا جدال فيه أَن هذا الانشقاق الخطير الذي حدث في معسكر الشرك هو من المكاسب التي جناها المسلمون في هذا الصلح. . فهذا - الانشقاق كان عامل ضعف في جانب القرشيين بقدر ما كان عامل تقوية وتدعيم لمركز المسلمين. . الأَمر الذي حدا بقريش بل أَجبرها - على أَن تقبل مبدأَ الاعتراف بحق المسلمين في الطواف بالبيت، بل وتوقِّع على الاعتراف بهذا الحق في وثيقة صلح الحديبية الذي أَثبتت الأَحداث - فيما بعد - أَنه من أَعظم الانتصارات التي حققها الإِسلام على الشرك والمشركين.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
٤ - تأثر المشركين بواقع المسلمين:
ولعل من أكبر المكاسب التي جناها الإسلام والمسلمون من صلح الحديبية. هو أَن هنا الصلح قد أَتاح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواءِ بأَن يختلطوا بعضهم ببعض.
ولقد كان من نتيجة ذلك الاختلاط الذي حدث بعد أن أمِن الناس بعضهم بعضًا - نتيجة هذا الصلح - أَن عرف المشركون المسلمين على حقيقتهم والإِسلام كما هو. . لا كما كانت تصوّره لهم أَبواق الوثنية المغرضة في مكة.
وقد تأَثر كثير من عقلاءِ المشركين بواقع المسلمين المشرّف الذي لمسوه وشهدوه عن كثب. . تأَثر كثير من هؤلاء العقلاء الوثنيين تأَثُّرًا بالغًا. . . حتى أَنه لم تمض على صلح الحديبية - الذي أَتاح للفريقين بأَن يختلط بعضهم ببعض آمنًا - بضعة عشر شهرًا حتى دخل في الإِسلام من الوثنيين وخاصة القرشيين أَكثر من الذين دانوا بالإسلام خلال خمس عشرة سنة.
ويكفي للتدليل على صحة هذا الرأْي، هو أَن عدد المسلمين يوم أُبرم صلح الحديبية لم يزد على أَلفين - في أَكبر تقدير - .. بينما بلغ عددهم في السنة الثامنة - وقبل فتح مكة بقليل - أَكثر من عشرة آلاف.
صلح الحديبية هو الفتح العظيم:
وقد دخل أَكثر هؤلاءِ في الإِسلام بفضل الله ثم بفضل ما أَتاحه صلح الحديبية خلال سنتين من اختلاط وتعارف ومناقشة ومفاوضة
[ ٥ / ٢٩٨ ]
حرة بين الفريقين. . ولهذا أُطلق فيما بعد على هذا الصلح اسم الفتح العظيم.
قال ابن إسحاق؛ عن الزهري: ما فتح في الإِسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أَعظم منه. . إِنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية" ووضعت الحرب وأَمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أَحد بالإِسلام يعقل شيئًا إِلا دخل فيه. . ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإِسلام قبل ذلك أَو أَكثر (١).
فقد أَتاح هذا الاختلاط والتعارف للمشركين، أَن يروا هذا الجيل - جيل الإِسلام - على حقيقته.
فقد دهش المشركون لهذا التحول السريع العجيب في المسلمين الذين تحولَّوا من كل شيء - كانوا عليه أَيام شركهم - إِلى ضده.
لقد كانوا - قبل أَيام قليلة - مثل هؤلاءِ المشركين، تحكمهم الفوضى وتستبد بهم رغبات الجسد. عبدة أَصنام. . منتهكي حرمات. . مرتكبي جرائم، لا فرق بينهم وبين الحيوان السائم.
ولكنهم اليوم أَصبحوا يتفوقون عليهم في كل شيء. . يتفوّقون عليهم في الصدق والوفاءِ والطاعة والتقيّد بالنظام، وبالجملة أَصبحوا خلقًا جديدًا يتحلون بفضائل ومحاسن ما كان للمجتمع القرشي بها من عهد. . كانت محل دهشة هؤلاءِ المشركين القرشيين وتساؤلهم! ! .
ترى ما هو السر الذي قفز بهؤلاءِ المسلمين إِلى هذه المنزلة الرفيعة
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٢٢.
[ ٥ / ٢٩٩ ]
من السمو الإِنساني التي جعلتهم محلّ احترام وإِكبار، حتى هؤلاء الذين خرجوا من مكة لقتالهم ومنعهم من دخول مكة بحدّ السيف؟ .
سؤال كبير ظل يجول - في إِلحاح - بخاطر عقلاءِ قريش منذ أَتاح صلح الحديبية الاختلاط بهؤلاءِ المسلمين، ولمسوا فيهم ذلك التبدّل المذهل الذي جعل منهم أَرقى مثل حيّ للإِنسان الكامل الذي لا يعرف السير إِلا في طريق الخير.
لقد كان القرشيون خاصة - لكثرة دعايات ساداتهم المضللة - لا ينظرون إِلى أَصحاب محمد إلا كما ينظرون إِلى الحيوان الضار الذي لا يستحق الحياة وتلك الصورة المشوهة التي ترسمها للمسلمين في أَذهان هؤلاءِ القرشيين أَبواق دعاية سادات دار الندوة في مكة.
ولكن ها هي الحقيقة تنسخ تلك الصورة المختلقة المشوّهة، وتحل محلها الصورة الحقيقية المشرقة لهؤلاءِ المسلمين الذين لا يكاد أحدهم يفارق دين الوثنية ويعتنق الإِسلام حتى يتبدّل فيه كل شيء: أَخلاقه. . سلوكهـ. . نفسيته. . الأَمر الذي كان مصدر الدهشة والتساؤل لدي عامة المشركين الذين أَتاح لهم صلح الحديبية الاختلاط بهؤلاءِ المسلمين ومعرفتهم على حقيقتهم.
رأي سيد ثقيف في المسلمين:
ولقد أَفصح الكثير ممن أُتيح لهم الاختلاط بهؤلاءِ المسلمين أَثناءِ مفاوضة صلح الحديبية وطيلة أَيام الهدنة. . أَفصحوا عن هذه الدهشة لذلك التغيّر المذهل السريع الذي يحدثه الإِسلام في نفوس معتنقيه،
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وعلى تلك الصورة من الوضاءَة والإِشراق. وحتى الذين كانوا بالأَمس سفاكي دماءٍ وقطّاع طرق. . بمجرد أَن لامس هَدي الإِسلام قلوبهم، قفزوا إِلى أَعلى درجات السمو الإِنساني والانضباط الأَخلاقي المستقيم.
فهذا المغيرة بن شعبة (مثلًا) كان شابًّا صعلوكًا طائشًا فاتكًا من قطّاع الطرق، لا يرعوي - قبل اعتناقه الإِسلام - عن قتل أَو سلب أَو نهب. . تعرف ذلك عنه قبائل ثقيف كلها أَيام كان على دين الوثنية.
وآخر جرائمه الجاهلية البشعة إِقدامه - قبل أَن يعتنق الإِسلام بأَيام قلائل - على قتل إِثنى عشر رجلًا من بني مالك غَدرًا، وكانوا زملاءَ له في رحلة كانوا فيها عائدين من مصر.
هذا الشاب الذي كان (أَيام شركهـ) رمزًا للطيش والتهوّر والوحشية وقطع الطريق، رآه وسيط قريش في قضية الحديبية واقفًا على رأْس النبي - ﷺ - يحرسه أَمينًا على حياته بل مسؤولًا عن حمايته، بعد أَن حوّله الإِسلام من وحش كاسر إِلى إِنسان مضبوط السلوك يشعر بالمسؤولية وعلى المستوى الرفيع من الشهامة والنبل والتقيُّد بأَوامر قائده الأَعلى النبي - ﷺ -.
لقد غيّر الإِسلام فيه كل شيء كان يعرف به في الجاهلية.
وكم كانت دهشة زعيم ثقيف أَن يكون ابن أَخيه ذلك الفاتك القاطع للطريق في الماضي، أَمينًا على حياة نبي المسلمين.
وليس تغير أَحوال ابن أَخيه مثار دهشته ومبعث تساؤله فحسب، بل إِن اختلاط سيد ثقيف بالمسلمين، والذي أَتاحته له سفارته لقريش إِلى النبي - ﷺ - في الحديبية، قد مكنه من الإِلمام بأُمور كثيرة عن أَحوال المسلمين كانت محل دهشته واستغرابه أَيضًا، وكان لها الأَثر
[ ٥ / ٣٠١ ]
الكبير العميق في نفسه. مما جعله في النهاية يدخل في الإِسلام ويموت شهيدًا وهو يدعو قومه ثقيفًا في الطائف إِلى الإسلام.
مصارحة قريش:
ولقد كان من مكاسب صلح الحديبية أَن تأَثر عروة بن مسعود بواقع المسلمين المدهش الذي أَحاط به أَثناءَ تفاوضه مع النبي - ﷺ - كسفير لقريش. . فقد عاد إِلى حلفائه القرشيين من الحديبية وهو يحمل الانطباع الصحيح عن المسلمين.
ولم يخف عن حلفائه القرشيين هذا الانطباع المدهش، بل - صارحهم بالتغيّر الخطير والتحول المدهش الذي لحظه يحدث في حياة وسلوك كل من يدخل في الإِسلام، ولفت نظر القرشيين (بكل صراحة) إلى التطورات التي قد تحدث في غير صالحهم وتشهدها المنطقة نتيجة هذا التغيُّر الكامل الذي يحمله الإِسلام معه إِلى نفس كل إِنسان يدين به ويتبع نبيّه.
فقد قال لسادات مكة - عندما عاد من الحديبية -: يا معشر قريش إِني قد جئت كسرى في ملكهـ وقيصر في ملكهـ والنجاشي في ملكهـ. وإِني والله ما رأَيت ملكًا في قوم قط، مثل محمد في أَصحابه، ولقد رأَيت قومًا لا يسلمونه لشيء أَبدًا فرأَوا رأْيكم.
ومما لا شك فيه أَنَّ الانطباعات الصحيحة التي نقلها عن المسلمين عروة بن مسعود - بكل صدق وأَمانة - إلى حلفائه من سادات مكة، كان لها أَثرها البالغ في نفوس الكثير منهم.
[ ٥ / ٣٠٢ ]
من مكاسب الصلح: اختمار الإسلام في النفوس:
ولم يكن الزعماءِ والوسطاءِ وغيرهم من المشركين الذين أَتاحت لهم قضية الحديبية - وبالتالي عقد الصلح - الاختلاط بالمسلمين ومعرفتهم على حقيقتهم، أَقل تأَثرًا من عروة بن مسعود بما لمسوا وشاهدوا من واقع المسلمين الحيّ المدهش، الذي انعقدت له أَلسنتهم دهشة وإِعجابًا.
لقد كان من طبيعة العرب الصراحة واستقباح الكذب - حتى وإِن كانوا مشركين. . ولهذا فقد نقل المشركون الذين زاروا المسلمين في الحديبية واختلطوا بهم وعاملوهم بعد إِبرام الصلح. . نقلوا إِلى الجمهور القرشي كامل انطباعاتهم عن حالة المسلمين ومجتمعهم الجديد، والذي بُنيَ على أَساس من التوحيد والذي رأَوا فيه نموذجًا حيًّا للخير والصفاءِ والمحبة والتسامح والتآلف والتكاتف وضبط هذا الدين الجديد لسلوكهم.
وأَشد ما أَدهشهم ذلك الضبط الإِداري العجيب، الذي يلتزمه المسلمون كجزءٍ أَساسي من تعاليم الدين الجديد .. هذا الضبط الذي بالتزامه خلعوا من نفوسهم عنجهية الجاهلية البغيضة، وعصبية القبلية الضيقة المقيتة، التي طالما كانت الاستجابة العاطفية لنزواتها سببًا في إِثارة حروب ظللة تأْكل الأَخضر واليابس.
لقد حلّ محل كل تلك الفوضى الجاهلية انضباط إِسلامي رائع عجيب مدهش، تكفي لتنفيذه والتقيّد به كلمة هادئة تصدر من محمد بن عبد الله، النبي الذي آمن وصدَّق به هؤلاءِ المسلمون واتبعوه - طائعين مختارين.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
نموذجًا حيًّا للانضباط الإسلامي:
ولعل أروع مثال حيّ للانضباط الإسلامي وكبت المسلمين لعواطفهم تقيدًا بهذا الانضباط والذي شاهده بعض سادات قريش في الحديبية فأخذوا به، ودهشوا له، يتمثل في قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي كان أشد الناس تأثرًا - في أعماق نفسه - بهذا الانضباط.
فقد رأى سهيل بن عمرو وبقية أعضاء الوفد القرشي في المفاوضة. رأوا كيف تفجر الغضب في نفوس المسلمين، وهاجت عواطفهم عندما رأَوا سهيل بن عمرو هذا يأْخذ بتلابيب ابنه المسلم ويلطمه على وجهه، ليرده إلى قريش المشركة وهو مسلم جاء يرسف في قيوده ملتجئًا إلى المسلمين في الحديبية، لينقذوه ويحموه من إرهاب أهله الوثنيين وتعذيبهم .. رأى سهيل بن عمرو وبقية أعضاء وفده وكل من كان حاضرًا من المشركين .. رأوا أن كلمة واحدة هادئة قالها نبيهم - ﷺ - قد جعلتهم يكظمون غيظهم ويلجمون عواطفهم الثائرة .. نعم كلمة هادئة واحدة قالها محمد بن عبد الله - ﷺ - لأبي جندل:
"إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنَّا لا نغدر بهم".
هذه الكلمة الهادئة التي قالها النبي - ﷺ - لأبي جندل عندما طلب حق اللجوء إلى المسلمين، رأى سهيل بن عمرو وباق أعضاء وفده من المشركين كيف قيدت ألفًا وأربعمائة من أصحاب النبي - ﷺ - إذ رأوا جميعهم أن العهد الذي أعطاه نبيهم في وثيقة الصلح لا يسمح لهم بأن يتخذوا أَي إجراءٍ يحول بين سهيل بن عمرو المشرك، وبين استلام ابنه المسلم، فلم يحرّكوا ساكنًا لحماية أَبي جندل، مع -
[ ٥ / ٣٠٤ ]
ما يغتلم في نفوسهم من غيظ وحنق على المشركين. وعلى سهيل بن عمرو بالذات، وبالرغم من قدرتهم الكاملة على حماية أبي جندل الذي لم يستطيعوا أَن يصنعوا له شيئًا سوى تشييعه بالدموع وهو يغادر معسكرهم وأبوه يأْخذ بتلابيبه ويلاطم وجهه في وحشية المشرك الغليظ الفظ.
لأَن تلك الكلمة النبوية الهادئة التي أسمعها النبي - ﷺ - أبا جندل - وهو يوصيه بالصبر - قد جعلت لهؤلاء المسلمين حدودًا يقفون عندها في تصرفاتهم إزاءَ مأْساة أَخيهم في الإسلام أبي جندل.
فقد اعتبروا تلك الكلمة النبوية الهادئة بمثابة أَمر لهم بأَن لا يتخطوا في مساعدتهم أخاهم في الإسلام أبا جندل حدود المواساة بالتشجيع والحثِّ على الصبر والثبات حتى يكشف الله عنه الغمة ويجعل له مخرجًا. ولقد وقفوا - بالفعل - عند هذا الحد نزولًا عند رغبة قائدهم ونبيّهم الذي حرص كل الحرص على أَن يقوم المسلمون بتطبيق معاهدة ذلك الصلح نصًّا وروحًا.
كل هذه الانطباعات المشرقة المدهشة عن المسلمين ومجتمعهم الجديد، قد نقلها حاضرو صلح الحديبية من أعضاء الوفد القرشي وغيرهم إلى الجماهير القرشية في مكة، وإلى جيران مكة من كنانة وخزاعة كما هـہي، فتأثروا بها غاية التأثُّر.
وازداد ذالك السؤال الكبير إلحاحًا في نفوس العقلاء من قريش وجيران الحرم .. ترى ما هو السر في هذا كله؟؟ .
وما هو التفسير الحقيقي لقيام هذا المجتمع المتماسك المتحد الفاضل الذي قوامه هؤلاء الأصحاب من اتباع محمد - ﷺ - الذين تطلق عليھهم أبواق
[ ٥ / ٣٠٥ ]
الدعاية القرشية - تبغيضًا فيهم وتحقيرًا لشأنهم - اسم الصباة؟ . هذا المجتمع الذي لا يسع أيّ عاقل - مهما كان مذهبه وعقيدته - إلا أَن يجلّ أعضاءه ويحترمهم، بل ويوَد أَن يكون أُحد أفراد هذا المجتمع العظيم؟؟ .
وعلى ضوء البحث الحر والمقارنة النزيهة، وجد العقلاء من مشركي مكة وغيرهم، الجواب الصحيح على هذا السؤال الكبير، وتوصلوا إلى التفسير الصحيح لسبب قيام هذا المجتمع الفاضل المتكامل.
وهو أَن الإسلام، ولا شيء سوى الإسلام، هو الذي أقام هذا المجتمع وصار الالتزام بتعاليمه والقيام بتكاليفه، مصدر كل ما يتحلى به أفراد هذا المجتمع المحمدي من فضائل الاستقامة وضبط السلوك وسمو الأخلاق وانتظام الشمل واتحاد الكلمة.
وهنا، واقتناعًا بهذا التفسير الصحيح - والنبي - ﷺ - لمّا ينزل قل طريقه من الحديبية إلى المدينة - تأَثر ذوو العقول الكبيرة من سادات مكة بما نقل إليهم من انطباعات صحيحة عن هذا المجتمع الإسلامي الفاضل الجديد فاختمرت في نفوس هؤلاء العقلاء فكرة الدخول في الإسلام والانخراط في سلك الأسرة الإسلامية التي كان حسن بنائها وفضائل شمائل أفرادها - التي شهد بها العائدون إلى مكة من شاهدي صلح الحديبية - حديث مكة كلها.
وظل هؤلاء العقلاة القرشيون ينتظرون الفرصة السانحة لإعلان دخولهم في الإسلام وانضمامهم إلى هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، الذي لم يغادر أفراده الحديبية إلا بعد أَن تركوا عنهم الانطباعات الخيِّرة
[ ٥ / ٣٠٦ ]
التي فعلت في ناموس عقلاء المشركين من قرشيين وغيرهم ما يشبه فعل السحر.
وكان من الزعماء والقادة الذين تأثروا بواقع المسلمين الحيّ المشرف في الحديبية، فاختمرت في نفوسهم فكرة اعتناق الإسلام .. خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة.
فلم تمضِ سنة واحدة على أحداث الحديبية المثيرة حتى وقف فارس قريش وقائد أعنَّة خيلها خالد بن الوليد - الذي خرج أيام أزمة الحديبية يقود المئات من فرسان قريش لمنع المسلمين من دخول الحرم أو إبادتهم - رقف على الصفا وصك بها قريشًا صك الجندل حيث صارحهم بأن محمدًا - ﷺ - حامل رسالة صدق وصاحب دعوة حق. وأَنَّ على كل ذي عقل أَن يتبعه.
فقد صاح خالد بأعلى صوته: يا معشر قريش. لقد استبان لكل ذي لبّ أَن محمدًا - ﷺ - ليس بساحر ولا كذاب. وأَن على كل ذي عقل أَن يتبعه.
ثم أخذ سلاحه وركب فرسه واتجه نحو المدينة ليعلن إسلامه يرافقه صاحباه وصديقاه عثمان بن طلحة العبدري وعمرو بن العاص السهمي اللذين كانا على رأيه.
وهكذا كان صلح الحديبية - وما صاحبه من أحداث، وترتب عليه من أمور - مثار إحساسات عميقة، وتحريك مشاعر بعيدة الأغوار في نفوس العقلاء ممن كانوا على الشرك، فقادتهم هذه الإحساسات إلى الإسلام فدخلوا فيه .. وليس بعيدًا عن الحقيقة - بل هو عينها -،
[ ٥ / ٣٠٧ ]
ذلك القول: إن صلح الحديبية من أعظم الانتصارات ذات الأَثر البعيد الفعال في توطيد دعائم الإسلام وبناء دولته (١).
_________________
(١) قال الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد (ج ٢ ص ٣١٨) - يصف بعض مكاسب صلح الحديبية: "فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة". وهي أكبر وأجل من أَن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده. فمنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم، الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا أَن يوطيء لها بين يديها بمقدمات وتوطيئات تؤذن بها وتدل عليها. ومنها: أَن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، ونادوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من دان مختفيًا بالإسلام، ودخل في مدة الهدنة من شاء الله أَن يدخل. ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاء عظيمًا. وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية. وحقيقة هذا الأمر: أَن الفتح في اللغة: هو فتح المغلق. والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان بابه مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة: ضيما وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن: عزًّا وفتحًا ونصرًا. وكان رسول الله ﷺ ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم، والعز والنصر، من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر الصحابة ورؤوسهم، ورسول الله ﷺ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب، وعسى أَن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها، ما مثله سبب فدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط واحتمالها: هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون. فذلوا من حيث طلبوا العزة، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة. وعز رسول الله ﷺ وعساكر الإسلام =
[ ٥ / ٣٠٨ ]
التفرغ ليهود خيبر والشمال:
كذلك من مكاسب صلح الحديبية - بل ولعله من أهم هذه المكاسب السياسية - هو تفرغ النبي - ﷺ - لتصفية الحساب عسكريًّا مع يهود خيبر الذين يعتبرون (بحق) أخطر عنصر محارب عدو للمسلمين في جزيرة العرب.
فقد كانت تقبع في خيبر (قبل صلح الحديبية) أشد العناصر اليهودية حقدًا على النبي - ﷺ - تدعمها عشرة آلاف مقاتل من اليهود، لديهم جميعًا الرغبة الشديدة الملحة في الانقضاض على المسلمين ومحوهم من الوجود.
_________________
(١) = من حيث أنكروا لله، واحتملوا الضيم له وفيه. فدار الدور وانعكس الأمر، وانقلب العز بالباطل ذلا بحق. وانقلبت الكسرة لله عزًّا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته، وتصديق وعده، ونصرة رسوله على الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها. ومنها: ما سببه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان، والانقياد على ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضاء بقضاء الله وتصديق موعوده، وانتظار ما وعدوا به، وشهود منة الله ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوج ما كانوا إليها، في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوهم، وقويت به نفوسهم، وازدادوا به إيمانًا. ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه وهدايته إلى الصراط المستقيم، ونصره النصر العزيز ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به، مع ما فيه من الضيم، وإعطاء ما سألوه كان من الأسباب التي نال بها الرسول ﷺ وأصحابه ذلك، ولهذا ذكر الله سبحانه جزاء وغاية. وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه تعالى وفتحه. وتأمل كيف وصف سبحانه النصر بأنه (عزيزًا) في هذا الموطن؟ ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب، وقلقت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم. اهـ.
[ ٥ / ٣٠٩ ]
الأمر الذي يحتم على المسلمين العمل بحزم على إزالة هذا الخطر اليهودي الذي يهدد وجودهم بالزوال وذلك يستدعي نقل المعركة إلى عقر دار اليهود في خيبر لإنهاء الوجود اليهودي في الجزيرة كلها.
وهو ما حدث بالفعل في غزوة خيبر، التي هي موضوع كتابنا السادس (من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة) وهو الكتاب التالي لكتابنا الخامس هذا.
فقد زحف النبي - ﷺ - بأَلف وأَربعمائة مقاتل نحو خيبر. ونقل المعركة إلى عقر دار اليهود، مسافة خمسة أيام تقريبًا، وفي هذه المعركة قضى على الوجود اليهودي الدخيل الذي كانت تدافع عنه أقوى قوة ضاربة في جزيرة العرب.
وحسب مقياس العلوم العسكرية - ما كان النبي - ﷺ - ليتمكن من نقل المعركة خارج المدينة مسافة خمسة أيام ليصارع على امتداد هذه المسافة عشرة آلاف مقاتل من اليهود ودون أَن يترك أية قوة حربية لحراسة المدينة، لولا أنه - في ظل صاح الحديبية - قد أمن جانب أعظم خصم وألد عدوّ تقليدي هو (قريش) التي لم تكن أقل رغبة من اليهود في القضاء على الكيان الإسلامي والتي تدعمها قوة حربية لا تقل عن ثمانية آلاف مقاتل.
فبالرغم من أَن قريشًا كانت بعواطفها ومشاعرها مع يهہود خيبر تتمنى لهم النصر على المسلمين، إلا أن إبرامها صلح الحديبية مع المسلمين قد ألزمها بأن تقف موقف الحياد من القتال الذي ظل يدور بين المسلمين واليهود في خيبر والشمال حوال شهرين اثنين حتى انتهى بانتصار
[ ٥ / ٣١٠ ]
المسلمين الساحق على العناصر اليهودية جميعًا في خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء وكل مناطق الشمال.
ومن هنا صح (يقينًا) القول: إن تفرغ القوات الإسلامية الكامل الذي مكَّنها من أَن ترمي بكامل ثقلها لمحاربة اليهود في خيبر والشمال. والتغلُّب عليهم، هو من المكاسب والثمرات السياسية العظيمة التي جناها المسلمون نتيجة إبرامهم الصلح مع مشركي قريش وحلفائها الكنانيين في الحديبية.
نقل المعركة إلى الشام:
كذلك تمكن النبي - ﷺ - في ظل الحديبية - من أن يقوم بأول وأعظم حملة عسكرية في حياته خارج حدود الجزيرة العربية، لإشعار الإمبراطورية البيزنطية بقدرة المسلمين العسكرية التي ما كانت هذه الإمبراطورية تحسب لها حسابًا قبل أن تجتاز حدود الشام وتتوغل مسافة ثمانين ميلًا داخل الأَراضي الرومانية في منطقة الأُردن.
ففي خلال الهدنة بين المسلمين وقريش. جهَّز النبي - ﷺ - حملة عسكرية قوامها ثلاثة آلاف مقاتل - وهي أعظم جيش تمّ حشده في العهد النبوي حتى ذلك الوقت - .. وأمر النبي - ﷺ - هذا الجيش بأن يطأَ بلاد الروم في الشام ويتوغل فيها ما أمكنه التوغل.
فتوغل الجيش النبوي حتى وصل إلى قرية يقال لها (مؤْتَة)، وهنالك دارت أعنف وأول معركة بين المسلمين والجيوش الرومانية، وقد سمّيت هذه المعركة الخالدة باسم هذه القرية.
[ ٥ / ٣١١ ]
لم ينتصر المسلمون عسكريًّا في هذه المعركة الطاحنة .. ولكنهم حققوا انتصارات معنوية وسياسية عظيمة، بها صححوا ما كان مرتسمًا في أذهان قادة الجيوش الرومانية من فهم خاطئ عن حقيقة الجندي الإسلامي. حيث أذهلت شجاعة وبسالة هذا الجندي قادة الرومان - وجعلتهم يزيلون من أذهانهم - وإلى الأبد - الفكرة الخاطئة المرتسمة عن قصور وضعف الجنديّ المسلم.
حيث صمد في هذه المعركة ثلاثة آلاف جندي من المسلمين في وجه ألف مقاتل من الرومان، وتمكنوا من الانسحاب بانتظام ودونما أيّ فوضى أو اضطراب، بعد أَن فقدوا قادتهم الثلاثة وأنزلوا بالجيوش الرومانية أفدح الخسائر .. الأمر الذي أرعب الرومان وجعلهم يعدلون عن غزو الجزيرة العربية، بعد أَن كان هذا الغزو مقررًا لقيام لدى القيادة الرومانية في دمشق.
دعوة ملوك الشرق الأوسط إلى الإسلام:
كما أَن قيام هدنة الحديبية مكَّن النبي - ﷺ - من التفرّغ للعمل على إيصال دعوته - بطريق رسمي - إلى خارج حدود جزيرة العرب.
حيث قام في فترة الهدنة بالاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط ودعوتهم إلى الدخول في الإسلام. وذلك عن طريق رسائل خاصة بعث بها إليهم في السنة السابعة من الهجرة حيث بعث إلى كل ملك أو أمير واحدًا من أصحابه برسالة يدعوه فيها وشعبه إلى الدخول في الإسلام .. وقد كان لهذه الرسائل آثارها المختلفة في الأقطار التي تلقَّى ملوكها
[ ٥ / ٣١٢ ]
أو أُمراءها هذه الرسائل. ورغم اختلاف تأْثير هذه الرسائل، فقد كان وصولها وانتشار خبرها بين الشعوب لصالح الدعوة الإسلامية دونما شك.
ثوار العيص، وحكومة المستضعفين في الساحل:
في حديثنا عن قضية الحديبية أشرنا إلى أَن هناك الكثير من الشباب المسلم يعانون أشد أنواع الإذلال والتعذيب والإِرهاب في سجون أَهاليهم بمكة ومنھهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو صاحب القصة المشهورة في الحديبية.
وكان النبي - ﷺ - كما أَشرنا في معالجتنا لقضية الحديبية قد تعهد لقريش في المعاهدة بأن يمتنع عن إعطاء حق اللجوء لمن جاءَ إليه من أبناءِ مكة وأن يرده ولا يسمح له بالإقامة في المدينة حتى وإن كان مسلمًا، وهو الشرط الذي أَملاه سهيل بن عمرو فقبله النبي - ﷺ - وتضايق المسلمون من قبوله أشد التضايق.
ولم يكن حادث أبي جندل ومأْساته في الحديبية الامتحان الأَول الذي اجتازه المسلمون فوفوا بالعهد حين أَعادوا أَبا جندل المسلم إلى أبيه المشرك تنفيذًا لبنود للمعاهدة كما تقدم.
ثورة المستضعفين ضد قريش:
من آثار صلح الحديبية العائدة على الجانب الإِسلامي بأعظم المكاسب، وعلى الجانب القرشي بأشد الأضرار. هو أَن مندوب قريش في معاهدة الصلح سهيل بن عمرو العامري أملى - أثناء المفاوضة -
[ ٥ / ٣١٣ ]
شرطًا قاسيًا قبل به النبي - ﷺ - وكان مثار معارضة شديدة بين جماهير أصحابه في الحديبية .. وهو أَن يتعهھد النبي - ﷺ - بأَن يعيد إلى قريش من أَبنائها إليها كل من جاءَ إلى المسلمين بغير إذن أَهله .. يعيده إلى المشركين حتى ولو كان مسلمًا.
العمل بهذا الشرط الذي أَملته قريش سبّب لها أَعظم النكبات وأَفدح الخسائر إِلى درجة اضطرت قريش معها إلى أَن تلجأَ إلى النبي - ﷺ - وتناشده الرحم بأَن يقبل بإِسقاط هذا الشرط من بنود المعاهدة فيقبل كل من جاءَه من أَبناءِ قريش ولا يردّه.
وذلك بعد أَن تسبب قيام النبي - ﷺ - بتنفيذ هذا الشرط في التجاء أبناءِ قريش المسلمين المتمردين عليها والفارّين من سجونها إِلى منطقة العيص في الساحل، حيث تجمع منهم ومن أَبناءِ القبائل الأُخرى ثلاثمائة مقاتل، قاموا بالثورة ضد مشركي قريش. وصاروا - بقيادة أَبي بصير - يهاجمون القوافل التجارية العائدة لها. والتي تحمل السلع دائمًا من الشام إلى مكة. ويقومون بقتل الذين يصاحبون هذه القوافل من القرشيين.
الأَمر الذي أَنزل بقريش أَفدح الخسائر في الأَموال والأَرواح ولما كان هؤلاءِ الثوار المسلمون هم - بحكم رابطة العقيدة - موالين للنبي وأَصحابه في المدينة. ولا يستطيع السماح لهم بالإقامة فيه. تنفيذًا لذلك الشرط الذي أَملته قريش وأُدرج ضمن بنود المعاهدة .. فقد لجأت قريش إلى النبي - ﷺ - وبعثت إليه تناشده الرحم أن يطلب من ثوار العيص المسلمين إنهاء ثورتهم ضد قريش، ويسمح لهم ولكل
[ ٥ / ٣١٤ ]
من جاءَه من أَبناءِ قريش باستيطان المدينة .. وذلك لتنجو قوافل قريش التجارية - والتجارة عمود قريش الفقري - من هجمات هؤلاءِ الثوار الشباب.
وقد استجاب النبي - ﷺ - لرجاء قومه - بالرغم من كونهم مشركين - وبعث إلى قائد الثوار أَبي بصير ونائبه أَبي جندل بأَن يقدموا وإخوانهم الثوار إلى المدينة ويتركوا مواقعهم في العيص، فاستجاب الثوار لأَوامر النبي - ﷺ - وعادوا إِلى المدينة كما سيأْتي تفصيله في كتابنا السابع من هذه السلسلة قريبًا إِن شاءَ الله.
[ ٥ / ٣١٥ ]
محمد أحمد باشميل
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٦ -