قدم له وقام بمراجعته وتقويم مصطلحاته العسكرية الحديثة اللواء الركن محمود شيت خطاب عضو المجمع العلمي العراقي
المطبعة السلفية - ومكتبتها
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة ٨٤٠٣٦٤
[ ٢ / ١ ]
(الطبعة الخامسة ١٤٠٦ هـ)
حقوق الطبع محفوظة
[ ٢ / ٢ ]
المقدمة
قبس من نور الرسول القائد
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ "القرآن الكريم"
بقلم اللواء الركن محمود شيت خطاب (*)
_________________
(١) (*) الأخ اللواء الركن محمود شيت خطاب من كبار ضباط الجيش العراقي .. ولد في (الموصل) عام ١٩١٤ ودخل الكلية العسكرية عام ١٩٢٧ واشترك بأربعة وعشرين دورة عسكرية، واجتاز دورة الأركان في العراق، ودورة الضباط الأقدمين (الضباط العظام) في انكلترا، وكان الأول على مائة ضابط من مختلف جيوش العالم. =
[ ٢ / ٥ ]
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
- ١ -
الرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه أسوة حسنة للمسلمين، واقتفاءِ آثاره وهديه السبيل لإِنقاذهم من التخلف والضلال.
_________________
(١) = كان ولا يزال ذا نزعة إسلامية قوية، وهو رجل صلب العود، يعتبر مثالا حيًّا للثبات على العقيدة، سجنه قاسم العراق عام ١٩٥٩ عامًا واحدًا، نال من التعذيب والتنكيل من الشيوعيين (في عهد قاسم) ما لا يمكن البشر أن يتحمله، إلا من كان على مستوى متانة عقيدته وقوة إيمانه. . . وكان من نتائج شدة التعذيب الذي ناله على أيدي الشيوعيين، وجود (٤٢) كسرًا في جسمه. . والسبب في تعذيبه أنه مسلم صريح يكفر بالشيوعية وكل مبدإ يخالف الإسلام. . ظل صامدًا في وجه الشيوعيين والديكتاتورية رافضًا التعاون مع قاسم العراق طيلة حكمه، حتى ثورة ١٤ رمضان ١٩٨٢ هـ التي كان أحد العاملين فيها. . . ثم أسند إليه منصب وزير البلديات والشؤون القروية، كان أحد أعضاء اللجنة التي أسند إليها وضع دستور للعراق في العهد الحالي وهو عضو المجمع العلمي العراقي، ويحمل وسام الرافدين من الدرجة الأولى، وهو أعلى وسام في العراق. . له مؤلفات تاريخية وعسكرية مهنية مهمة، منها كتاب (الرسول القائد)، وكتاب (القضايا الإدارية في الميدان والتدريب الفردى ليلا) وله الآن تحت الطبع، كتاب (قادة الفتح الإسلامي) ويقع في سبعة أجزاء، صدر منه الآن الجزء الأول عن قادة فتح العراق والجزيرة. يعد كتابه (الرسول القائد) من أروع ما خطته الأقلام المسلمة. في تاريخ الرسول العسكري، حيث لم يسبقه أحد إلى الطريقة التي سلكها في وصف المعارك التي قادها الرسول - ﷺ -، حيث أثبت للقارى (بفلسفة عسكرية شيقة) أن محمدًا - بالإضافة إلى كونه نبيًّا مرسلًا - هو أعظم قائد عسكرى عرفته البشرية. أكثر الله من أمثال هذا الضابط المؤمن في رجالنا العسكريين.
[ ٢ / ٦ ]
وأعماله في السلم والحرب لا بد أن نتدارسها بإمعان ودقة ونتفهمها كما تفهمها أصحابه والسلف الصالح من بعدهم تجسيدًا حيًّا لتعاليم الإسلام: عقيدة وعملًا وتضحية وجهادًا.
نتدارس أعماله ونتفهمها بعقولنا وقلوبنا معًا: بعقولنا لنعرف الحقائق الناصعة التي حدثت (فعلًا) دون مبالغة واختلاق، وبقلوبنا لنلمس النور والهدى الذين يسّرا للمسلمين الأولين التقدم والنجاح.
إن الإِسلام في روحه عقيدة بناءة منشئة ترتكز على (المادة) كما ترتكز على (الروح)، فهو دولة ودين؛ سيف وكتاب، ثكنة ومسجد، جامعة وجامع، أرض وسماء، جسد وروح، توكل وعمل. . إيمان بالعمل المادي من أجل الدنيا، وإيمان بالعمل الروحي من أجل الآخرة. . وإيمان بالمنطق وإيمان بالغيب.
إن الإسلام كفاح لا يهدأُ، وجهاد لا ينقطع، واستشهاد في سبيل الحق والعدل والمساواة، فهو يبدأُ في ضمير (الفرد) وينتهي في محيط (الجماعة). . وهذا هو سر خلوده: مادة وروح، تسيطر عليه روح المسجد مكانًا للعبادة وثكنة للجهاد ومدرسة للعلم.
- ٢ -
كان العرب قبل الإسلام ماهرين في حروب العصابات. ماهرين في استخدام السلاح والفروسية، لهم قابلية ممتازة على الحركة من
[ ٢ / ٧ ]
مكان إلى آخر بسهولة ويسر وسرعة وبأَقل تكاليف إدارية، ولكنهم كانوا متفرقين، بأْسهم بينهم شديد، لهذا كانت خبرتهم الحربية وشجاعتهم الفطرية تذهب عبثًا في الغارات والمناوشات المحلية بين القبائل المختلفة وحتى بين القبيلة الواحدة:
وأَحيانًا على بكر أَخينا إذا ما لم نجد إلا أَخانا
فلما جاء الإِسلام وحد عقيدتهم ونظم صفوفهم وغرس فيهم روح الضبط والطاعة وطهّر نفوسهم ونقّى أَرواحهم وأَشاع فيهم انسجامًا فكريًا. فأَصبحت قوتهم المبعثرة وجهودهم المضاعة تعمل بنظام دقيق وضبط متين بقيادة واحدة لهدف واحد، وأَصبح المؤمنون في مشارق الأَرض ومغاربها إخوة يتحابون بنور الله ويهتدون بهديه وهم أُمة واحدة تحيتها السلام وغايتها السلام ودينها الإِسلام.
وكانت حياة النبي - ﷺ - بمكة بعد بعثه حتى هجرته توحيدًا من أَجل الجهاد، وكانت حياته بالمدينة بعد هجرته إليها حتى التحاقه بالرفيق الأَعلى جهادًا من أجل التوحيد.
واستطاع الرسول القائد في حياته توحيد شبه الجزيرة العربية كلها تحت لواءِ الإِسلام واستطاع أصحابه من بعده بعد سنين قليلة نشر سلطانهم في المشرق والمغرب.
- ٣ -
لقد انتصر العرب المسلمون على العرب في أَيام النبي - ﷺ -، كما انتصر العرب المسلمون على الغساسنة والمناذرة من العرب وعلى الفرس والروم من بعده، ولم يكن انتصارهم لأَنهم عرب وكفى، بل لأَنهم
[ ٢ / ٨ ]
عرب مسلمون، فهو انتصار عقيدة لا مراء: عقيدة غرست في نفوسهم حب الضبط والنظام، وحبّبت إليهم الاستشهاد في سبيل الحق، وجعلتهم يرون هذا الاستشهاد نصرًا دونه كل ناصر، كما بعثت فيهم الاعتزاز بالنفس والشعور بأن عليهم (رسالة) واجبة الأداء للعالم.
هذه العقيدة التي ملأَت قلوبهم في مبدإ سيرهم ونهايته وصحبتهم من (بدر) في الحجاز إلى (بلاط الشهداء) في فرنسا، وخالفتهم مشرّقين ومغرّبين وهازمين ومهزومين، وجعلتهم يثقون بوعد الله لهم في فتح الأرض والسيطرة عليها بالحق والعدل.
لقد تقبل العرب الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والجهاد والتضحية والفداء، لذلك سادوا العالم ودوّخوا الدنيا، فلما أصبحوا يتقبلون الإسلام بدون تكاليفه خسروا كل شيء وأصبحوا أذلاء مستبعدين حتى في ديارهم، فما أحرانا أن نتفهم الإسلام ونتفهم حياة النبي الكريم - ﷺ - التي هي التطبيق العملي للإِسلام كما تفهَّم ذلك الصحابة والسلف الصالح لنستعيد مكانتنا التي كانت للصحابة والسلف الصالح من قبل؟ .
- ٤ -
وما دمنا بصدد غزوة (أُحد) موضوع هذا الكتاب فما الذي نقتبسه من دروس وعبر. حكامًا ومحكومين. قادة وجنودًا، من جهاد النبي - ﷺ - وجهوده وجهاد أصحابه وجهودهم رضوان الله عليهم في هذه الغزوة بالذات.
كان هدف المشركين في غزوة (أحد) هو أخذ ثاراتهم من المسلمين،
[ ٢ / ٩ ]
وكان هدف المسلمين هو الدفاع عن عقيدتهم حماية لحرية نشرها، لذلك كانت حرب المشركين حربًا عدوانية وكانت حرب المسلمين حربًا عادلة (١).
وكان المسلمون يؤمنون بعقيدة واحدة أشاعت فيهم الانسجام الفكري والعلمي، أما المشركون فلا عقيدة لم تشيع فيهم هذا الانسجام.
وكانت قيادة الرسول - ﷺ - في هذه المعركة نموذجًا حيًّا للقيادة الواعية المثالية: حصل على المعلومات عن عدوه، وعقد المؤتمرات الحربية وأصدر قرارات سريعة جازمة وتمسك بها، ووضع خطة واضحة دقيقة وأصدر أوامر حاسمة صريحة، وسيطر على أعصابه في أحلك الظروف، وتثبہت بأسباب رفع المعنويات وأبدى شجاعة خارقة.
إن قيادة النبي الكريم في معركة (أُحد) تبهر أنفاس كل مفكر عسكري وقائد إعجابًا بها وتقديرًا لمزاياها
لقد اصْطَرعت عبقرية الرسول القائد وعبقرية خالد بن الوليد في (أُحد)، فكانت الغلبة لعبقرية قيادة النبي القائد على عبقرية الصحابي القائد (٢).
فقد كان خالد قائد فرسان المشركين في (أُحد) وكان التفوق العددي إلى جانب المشركين، ومع ذلك استطاع المسلمون بفضل
_________________
(١) الحرب العادلة: حرب توجه ضد شعب ارتكب ظلمًا نحو شعب آخر ولم يشأ أن يرفعه، ويشترط فيه أن تكون مطابقة للقواعد الإنسانية وتكون لغرض تحقيق سلم دائم، ووجوب احترام حياة وأملاك الأبرياء وحسن معاملة الأسرى والرهائن، فهي إذًا حرب دفاعية، والحرب العدوانية بعكس ذلك، انظر قوانين الحرب والحياد.
(٢) كان خالد -بعد أن أسلم من أكابر الصحابة الفاتحين، وستأتي ترجمته إن شاء الله.
[ ٢ / ١٠ ]
قيادة الرسول - ﷺ - أن يدحروا المشركين في الصفحة الأُولى من المعركة حتى أخذ المسلمون ينتهبون معسكر المشركين، مما جعل بعض رماة المسلمين يتركون مواضعهم ظنًّا منهم أن المعركة قد انتهت لصالح المسلمين، فانتهز خالد فرصة انسحاب مؤلاء الرماة لضرب المسلمين من الخلف، فأصبح المسلمون مطوقين من كل جانب بقوات المشركين المتفوقة عليهم تفوقًا ساحقًا، في هذا الموقف الرهيب العصيب بالنسبة للمسلمين. يبرز اصطراع عبقريتى القائدين العظيمين، فينجح الرسول القائد في إنقاذ أصحابه من هلاك أكيد، ويفشل خالد في القضاء على المسلمين، ولولا مخالفة الرماة لأوامر الرسول - ﷺ - الصريحة الجازمة في الثبات حتى النهاية في مواضعهم، لاستحال على خالد أن يوفق في ضرب المسلمين من الخلف ولما كان له في هذه المعركة من أثر ملموس.
واصطرعت عبقريتا القائدين العظيمين في (الخندق) وفي (الحديبية) أيضًا، فانتصرت عبقرية الرسول القائد على عبقرية خالد، إذ لم يظهر لخالد فيهما أثر حاسم في الوقت الذي ظهر للرسول - ﷺ - فيهما أثران حاسمان، في كل معركة أثر حاسم.
ولست أعرف قائدًا في تاريخ العرب والمسلمين غير الرسول القائد - ﷺ - يمكن أن يفضل على القائد العبقرى خالد بن الوليد.
تلك هي عوامل انتصار المسلمين تحت قيادة رسول الله - ﷺ -، حرب عادلة دفاعًا عن حرية نشر الإسلام وتوطيدًا لأركان السلام، تقابلها من جانب المشركين، حرب عدوانية انتهاكًا للمحرمات وطلبًا
[ ٢ / ١١ ]
للثارات والمغانم، والنصر دائمًا للحرب العادلة على الحرب العدوانية في المدى القريب أو البعيد.
وعقيدة منشئة بناءة تدعو السلام وتأمر بالعروف وتنهى عن المنكر وتساوي بين الناس، تقابلها من جانب المشركين عقيدة فاسدة تدعو للعصبية وتبشر بالتفرقة العنصرية وتحث على الظلم والعدوان، والنصر دائمًا للحق على الباطل، وللنور على الظلام، وللخير على الشر، وللخلق الكريم على الخلق الذميم.
وقيادة رشيدة فذة لا ينافسها في كفاءتها منافس، تقابلها قيادات ضعيفة منحرفة يتنافس أصحابها على حب الظهور والسيطرة والسلطة والسلطان.
- ٥ -
بقى علينا أن نتعلم عبرة (أُحد) في مخالفة الأوامر والتعلق بمتاع الحياة.
فقد كان السببان المباشران لانتكاسة المسلمين في (أُحد) هما:
مخالفة الأوامر أولًا وعدم مطاردة المشركين بعد انتصارهم عليهم في الصفحة الأُولى من صفحات القتال يوم (أُحد).
لقد أخطأَ رماة المسلمين خطأ لا يغتفر في مخالفتهم لأوامر الرسول - ﷺ - الصريحة الجازمة وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم، ولولا انسحابهم هذا لما استطاع خالد بن الوليد ضرب مؤخرة المسلمين، ولا استطاعت قريش تطويق المسلمين وتكبيدهم سبعين من الشهداء.
[ ٢ / ١٢ ]
إن مخالفة الأوامر في (أُحد) درس لا يُنسى عن نتائج كل مخالفة عسكرية للأوامر في الحرب، وإن نتائجها المعروفة كافية لغرس هذا الدرس في النفوس.
كما أخطأَ المسلمين خطأ لا يغتفر أيضًا في مطاردة المشركين بعد فرارهم من موضعهم وابتعادهم عن معسكرهم لكي يجمعوا الغنائم والأسلاب.
ولو أن المسلمين طاردوا المشركين إلى مسافة مناسبة لقضى على أكثرهم قتلًا وأسرًا ولأصبحت مخلفات المشركين في متناول أيديهم بعد القضاء على قواتهم الضاربة (١).
ترى أنعتبر بهذين الدرسين المفيدين في هذه الأيام نغض عن المتاع المادي مؤثرين عليه ما عند الله، فما عند الناس لا يبقى وما عند الله خير وأبقى.
- ٦ -
إن قصة حياة أبطال العرب والمسلمين وعلى رأسهم بطل الأبطال ورجل الرجال سيد القادات وقائد السادات محمد بن عبد الله صلوات الله وتسليمه عليه تبهر العقول والأبصار.
فهل ستصمت الأصوات المنكرة التي عملت جاهدة لتهدم تاريخنا وتراثنا لتستورد تاريخًا وتراثًا من وراء الحدود، أم على قلوب أقفالها؟
أما الذين هداهم الله، فسيقولون بفخر واعتزاز؛: (أولئك آبائي فجئني بمثلهم).
_________________
(١) انظر تفاصيل غزوة أُحد في كتاب: الرسول القائد - لكاتب المقدمة.
[ ٢ / ١٣ ]
وأما الذين في قلوبهم مرض، من الذين ارتفعت أصواتهم المنكرة المريبة يدعون إلى رجال غير رجالنا، وقادة غير قادتنا، وأفكار غير أفكارنا ومعتقدات غير معتقداتنا، فيجب أن تُخرس - بطولات وإيمان أجدادنا الغر الميامين - ألسنتهم وتُسكت أصواتهم إلى الأبد.
والحمد لله الذي يسّر للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل أن يكتب صفحات رائعة من حياة الرسول القائد - ﷺ - بهذا الأسلوب الرائع وهذا الفهم السليم.
وهذا الكتاب الذي أقدمه اليوم أقوى ما أكون أملًا في أن يملأ فراغًا وأن يسد حاجة سيتلوه للمؤلف (بمشيئة الله) كتب عن المعارك الحاسمة التي شهدها النبي - ﷺ - في حياته والتي شهدها المسلمون من بعده فحملوا رايات الإسلام من الصين شرقًا إلى فرنسة غربًا إلى حدود سيبيريا شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا.
وفق الله الأخ الجليل محمد أحمد باشميل وسدد خطاه وأعانه علي تحقيق أمانيه في خدمة العرب والمسلمين.
اللواء الركن محمود شيت خطاب (١)
عضو المجمع العلمي العراقي
_________________
(١) انظر مقدمة الجزء الأول من كتاب قادة الفتح الإسلامي عن قادة فتح العراق والجزيرة - لكاتب المقدمة - صدر عن دار القلم بالقاهرة.
[ ٢ / ١٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المؤلف
الحمد لله والصلاة والسلام عل رسوله الأمين، محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الأبطال الميامين الذين قال الله تعالى في حقهم - ثناء عليهم - ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾.
وبعد، لقد منَّ الله علينا في مثل هذا الشهر المبارك من السنة الماضية (١٣٨٢ هـ) فأصدرنا كتاب (غزوة بدر الكبرى وهو الكتاب الأول من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي اعتزمنا بعون الله تعالى إصدارها تباعًا لنضع بين يدي هذا الجيل (وخاصة الشباب الناشئ) صفحات رائعة وضاءة مشرقة من تاريخ هذه الأمة الإسلامية المجيدة .. صفحات تحالف على طمسها وعقد العزم على مسخها أعداء من الداخل وخصوم من الخارج فافتقدها الطالب المسلم في فصل المدرسة ومدرج الكلية، وحيل بينه وبين العثور على هذه الصفحات (بأسلوب وآخر) حتى في غير المدرسة والكلية، فنشأَ جاهلًا (كل الجهل) بتاريخ دينه القويم وأخبار صفوة أمته المجيدة.
[ ٢ / ١٥ ]
وتلك أغلى أمنية تتحقق للعدوّ الحريص على محو الإسلام وإلغاء شخصية الأمة الإسلامية.
إننا (بعون الله تعالى، وفي محاولة نرجو أن تكون موفقة لخدمة التاريخ الإسلامي) نضع الآن بين يديك أيها القاريء الكريم هذا الكتاب (غزوة أُحد) وهو الكتاب الثاني من سلسلة كتاباتنا عن (معارك الإسلام الفاصلة).
وإنك سترى في هذا الكتاب تفاصيل معركة رهيبة خاضها الرسول القائد - ﷺ - بنفسه وأصيب فيها بجراحات بليغة، كما تعرضت فيها حياته الغالية للخطر، كما فقد - ﷺ - في هذه المعركة الطاحنة، ساعده الأيمن فارس الفرسان وبطل الأبطال عمه (حمزة بن عبد المطلب) ﵁.
لقد صهر الله (في وقائع هذه المعركة الرهيبة) صحابة محمد والمنتسبين إلى دينه كما يصهر التبر في بوتقته (١) الحامية لنفي الخبث عنه وتصفيته:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٢).
نعم لقد ذاق محمد - ﷺ - وأصحابه ﵃ (في هذه المعركة) حلاوة النصر ثم تجرعوا مرارة الهزيمة، كما أخذوا دروسًا قاسية من عواقب العصيان المريرة ومخالفة الخطط المرسومة للمعارك.
_________________
(١) البوتقة، الوعاء الذي يذيب الصائغ فيه المعدن.
(٢) آل عمران: ١٣٨.
[ ٢ / ١٦ ]
لقد كانت معركة أُحُد (بحق) سلسلة من الامتحانات القاسية، سبّبتها مفاجآت مثيرة وتحوّلات ومباغتات مذهلة غير منتظرة، امتحن الله بها صفوة هذه الأمة في مختبر المصائب والنكبات، فابتلاها بأنواع من القتل والجرح والاندحار، ليختبرها (وهو الأَعلم بها):
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
ولقد ظهرت في معركة أُحُد أنواع من البطولات الإسلامية وضروب من التضحية والبذل والفداء. لم تشهد الدنيا لما مثيلًا، كما سيرى القاريء تفاصيل ذلك في هذا الكتاب.
وإنها لدروس في الصدق والإيمان بالله والوفاء بالعهد والإخلاص للعقيدة والتضحية في سبيل المبدإ، سجلها (في هذه المعركة) أولئك الأجداد البررة، دروس جديرة بأن يعيها الأحفاد ويترسموا خطاها ويهتدوا بهديها، إذا ما كانوا راغبين (حقًّا) في تحقيق الخير لهذه الأُمة وتوفير الأمن والرخاء والسعادة والعزة والاستقرار لها.
إن التاريخ (دائمًا) مرآة تنعكس فيها حقيقة كل أمة ويظهر فيها واقع كل جيل.
وكل أُمة واعية لها ماض مجيد، فإن رجال الحكم المخلصين فيها، وقادة الفكر وأساطين العلم الأُمناء، يحرصون دائمًا على نشر هذا الماضي وتجسيده تجسيدًا كاملًا، أمام أجيالها، فيعملون على تغذية عقول الشباب (وخاصة المثقف منهم والعسكريين) بأخبار ذلك الماضي المجيد في كل وجبة من وجبات غذائهھم الفكري والثقافي لتواكبهھم صور ذلك
_________________
(١) آل عمران: ١٤١.
[ ٢ / ١٧ ]
الماضي المجيد المشرق في جميع مراحل تكوينهم العقلي والروحي والثقافي والعسكري.
إن نظر الأحفاد (بتمعن وتفهم) في تاريخ الأجداد الملئ بروائع المجد والفخار والزاخر بأخبار البطولة والثبات على العقيدة لهو من أكبر العوامل التي تنشط في نفوس الشباب المسلم عناصر طلب المعالي، وتحفزهم على التخلق بأخلاق أولئك الأساطين البررة (الذين نحّوا القياصرة والأكاسرة عن مقبض قيادات العالم فقادوا الدنيا قيادة حازمة حكيمة عادلة) وتحبّب إليهم التمسك بالمبادئ التي بنى عليها أولئك الأجداد دعائم مجد الأُمة الإِسلامية الذي كان ولا يزال حديث الدنيا.
إننا مرة أُخرى نهيب بالحكام المخلصين لشعوبهم، الصادقين في إيمانهم بدينهم، ونأْمل من قادة الفكر وأساتذة التربية في الأُمة الإسلامية (وخاصة العربية منها) أن يعملوا - جادين - على رفع الحظر الذي وضعه خصوم الإسلام على تدريس التاريخ الإِسلامي تدريسًا يفي بالغرض المطلوب ويحقق الثمرة المرجوة، أيام تسلطهم (فكريًا وسياسيًا) على أكثر أقطار عالمنا الإسلامي.
إن شبابنا المثقف لا يزال (حتى هذه اللحظة) يعاني نقصًا كبيرًا ويحس بفراغ هائل في معلوماته عن التاريخ الإسلامي، وتلك إحدى ركائز الانحراف الذي يشاهد في كثير من المثقفين عصريًا، الذين كان مصدر انحرافهم هذا، افتتانهم بكل ما هو أجنبي.
لقد ارتكبت في حق التاريخ الإِسلامي (منذ بداية هذا القرن) ولا تزال تُرتَكَب حتى هذه اللحظة، جنايتان كبيرتان، ارتكبهما فريقان من أَبناء الأُمة الإسلامية نفسها.
[ ٢ / ١٨ ]
فريق جعل من نفسه (باسم العلم) أداة طمس وتشويه للتاريخ الإسلامي، حيث عمل (بحكم منصبه القيادي في المدرسة والجامعة) على حرمان الطالب المسلم من معرفة أي شيء مفيد عن التاريخ الإسلامي بل إن هذا الفريق لم يكتف بهذا العمل التخريبي، فقد حشى أذهان تاريخ أُمتهم، وزحم مخيلاتهم بصور بطولات رجال لا يمتون إلى دينهم أو وطنهم بأية صلة، وبهذا (وكما يريد الأجنبي المستعمر) قطعت الصلة بين الشباب المسلم (المثقف عصريًا) وبين تاريخ دينه القويم وماضي الأماجد من قادة أمته وأبطالها (١).
وفريق وهم الرجعيون (وهذا هو التعبير الصحيح للرجعية) يتكلمون بلغتنا، بل وينتسبون إلى ديننا، أرادوا أن يرجعوا بنا إلى ما قبل بزوغ شمس الإسلام. فتخطوا مروج التاريخ الإسلامي الزاهرة، الفوّاحة بعبير المجد الصحيح وشذا العزة الحقيقية، واجتازوا مناطق إشراقات هذا التاريخ المجيد مغمضين أعينهم، ثم انحدروا إلى زوايا التاريخ المظلمة، حيث امتزجت خزايا أي جهل بحماقات أبي لهب واختلطت مباذل كيلوباترا بخرافات أبي الهول! .
فقد أراد هذا الفريق أن يجعل من نعرات تلك العهود السوداء المظلمة (عهود الجاهلية الأولى) مذهبًا حديثًا أو دينًا جديدًا تسير عليه (في حياتها) أمة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
لقد تجاهل هذا الفريق (عن قصد وإصرار) التاريخ الإسلامي، وعمل (ما سنحت له الفرصة) على إلغائه ومحوه من ذهن الطالب المسلم،
_________________
(١) انظر مقدمة كتابنا - غزوة بدر الكبرى.
[ ٢ / ١٩ ]
واستبعاد مادة هذا التاريخ من جميع وجبات الفكر والثقافة، عند تقديم هذه الوجبات لتغذية عقل الطالب المسلم، ابتداءً من أول فصل في المدرسة حتى آخر مرحلة في الجامعة.
بل إن هذا الفريق لم يكتف بهذا، فقد سطا على التاريخ الإسلامي (كما يسطو اللصوص وقطاع الطرق) فجرَّد جيده من كل ما يزينه من روائع أمجاد المسلمين وأخبار بطولات الفاتحين ويواقيت أفكار العلماء الصالحين، ثم ألقى بها في جيد تاريخ جثة شوهاء، هي العصبية المقيتة والعنصرية الضيقة البغيضة.
فصارت بطولة خالد بن الوليد وشجاعة سعد بن أبي وقاص وفروسية علي بن أبي طالب وعدل عمر بن الخطاب وغيرهم من عظماء الإسلام وقادته (وحي روائع حياة النبي الأعظم - ﷺ -) يمط لسانه بها هذا الفريق (لا للاستشهاد بها على عظمة الإسلام وأصالة عقيدته وترغيب الناس فيه والدعوة إليه باعتباره المصدر الوحيد الذي كوَّن هؤلاء الأبطال وصنع هؤلاء العظماء الذين حشوا فم التاريخ بذكراهم العاطرة) وإنما لصدّ الناس عن هذا الدين، والدعاية لهذه العصبية الكريهة والعنصرية الضيقة المقيتة، على اعتبار أن ما حققه هؤلاء العظماء والقادة هو جانب مشرق من جوانب تاريخ هذه العصبية المقيتة والعنصرية الضيقة وثمرة من ثمرات جهادها، وباعتبار أن هؤلاء العظماء والقادة هم مؤسسو هذه العصبية اللادينية ومشيدي أركان هذه العنصرية اللاأخلاقية، وتلك لعمر الحق أحط أنواع السرقة والاختلاس.
ودليلنا على ذلك، هو أن هذا الفريق يتجاهل الإسلام ولا يشير إليه، لا من قريب، ولا من بعيد، عندما يمط لسانه ويتشدق بعظمة
[ ٢ / ٢٠ ]
أبطال وقادة الإسلام هؤلاء، بل إن هذا الفريق لتتمعر وجوههم ويعلوها الاكفهرار فيهمهمون همهمة السحرة ويزمزمون زمزمة المشعوذين ويلوون رؤوسهم عندما يجابههم أحد بالقول بأن عليًّا وسعدًا وخالدًا وعمرًا وطارقًا وصلاح الدين وغيرهم من أبطال هذه الأمة وقادتها المظفرين، لم يتربعوا على القمة في تاريخ الخالدين إلا بعد أن اتخذوا من الإسلام دينًا ودولة وخلقًا ومعاملة وسيفًا وكتابًا وفكرًا وسياسة، وأن تجاهل الإسلام وإخراجه من الحساب (عن قصد مبيت) عند الإشادة بهؤلاء الأبطال والقادة هو من العقوق المشين وغمط الحق وتزوير التاريخ، لأن بطولة هؤلاء الأبطال وأمجاد أولئك القادة مرتبطة بالإسلام ارتباط الجسد بالروح، فلولا الإسلام، ما كان لهؤلاء القادة والأبطال ذكر في دنيا المجد والبطولة والفخار.
فقد كان كثير من هؤلاء الأبطال موجودين قبل الإسلام فما هي حصيلتهم من المجد والبطولة والسمو يوم ذاك؟؟ .
لا شيء
إذن .. فلتخرس تلك الأصوات المحمومة التي تحاول أن تجعل من هؤلاء القادة والعظماء الميامين، أبطالا وطنيين صنعتهم خصائص العنصر ومزايا الدم، متجاهلة دور الإسلام الرئيسي وفعالية زخم عقيدته البناءة في تكوين هؤلاء العظماء والقادة وبناء كل ما سجلوه لهذه الأُمة من مسجد وفخار وذكرى عاطرة.
إن وقوف هذا الفريق (المنتسب إلى الإسلام) من الإسلام وتاريخه هذا الموقف ليس فيه أية خدمة لهذه الأمة أو هذا الوطن.
وإنما فيه الخدمة (كل الخدمة) لخصوم هذه الأمة وأعداء هذا
[ ٢ / ٢١ ]
الوطن، من شيوعيين حاقدين وصليبيين مستعمرين، الذين لا يثلج صدورهم ويغمر نفوسهم بالبهجة والسرور شيء مثل أن يروا أبناء الإسلام (وفي وطن الإسلام) يتولون بأنفسهم محاربة هذا الدين وخنق صوته ومحو معالم تاريخه وإهالة التراب على كنوز هذا التاريخ الغالية الثمينة.
فهذه غاية ما يبتغي هؤلاء الأعداء وأقصى ما يتمنون.
فمحاربة الإسلام ومصادرة تاريخه لمنعه (بأيدى أبنائه) من الظهور في مقررات التدريس في فصل المدرسة ومدرج الكلية، يسهّل لهؤلاء الأعداء (على اختلافهم في المقاصد والغايات) نشر مذاهبهم الهدامة وثقافاتهم المخربة المنحلة بين طلبة هذه الأمة.
لأن الأمة (أية أمة) إذا ألغت شخصيتها، بنفض يدها من عقيدها التي هي مصدر تكوين هذه الشخصية، وتنكرها وتجاهلها لتاريخها الذي يمد هذه الشخصية بطاقات الحيوية والاستقلال الذاتي، فإنها ولا شك تضطر للبحث عن (عقيدة جديدة) لتكوين شخصيتها الجديدة وصيغ هذه الشخصية بلون العقيدة الجديدة، لأن أية أمة لا يمكن أن تكون لها شخصيتها المستقلة إلا في إطار عقيدة تستظل بظلها وتهتف باسمها.
ثم إنه لا بد لهذه الأمة (بعد تنكرها لتاريخها ومحوها لمعالمه) من النظر في تاريخ أبطال وقادة وساسة ومفكرين يكونون مثلها الأعلى وقدوتها في كثير من شؤونها، ولابد - والحال هذه - من أن تتجه إلى خارج محيطها وتفتش في غير تاريخها بحثًا عن هؤلاء القادة والأبطال والساسة والمفكرين.
[ ٢ / ٢٢ ]
وهذا هو الذي حداث بالفعل (داخل الوطن الإسلامي الكبير) لكثير من الشعوب التي ألغت شخصيتها الإسلامية المتمثلة في إسلامها (كدين ودولة وخلق ومعاملة وتاريخ وعقيدة).
فقد شهدت مناطق كثيرة من هذا الوطن الكبير فيوضات مختلفة من المذاهب الأجنبية المستوردة والأفكار الدخيلة المستهجنة والعقائد الغريبة المستنكرة، حاول مستوردوها أن يبنوا (في ظلها) لأنفسهم ولشعوبهم شخصية جديدة مستقلة بعد إلغاء شخصيتهم الإسلامية.
ولكنهم فشلوا في محاولاتهم هذه فشلًا ذريعًا، فصاروا كالغراب الذي حاول تقليد الحمام في مشيته فصار يتخبط (بعد أن ألغى مشيته الأصلية) فلا هو احتفظ بمشيته الطبيعية التي هي جزء من تكوينه ولا هو أجاد مشية الحمام، وإنما بقى حائرًا متخبطًا بين بين.
وما نعانيه هذه الأقطار (التي ألغت شخصيتها الإسلامية وننكرت لتاريخها الإسلامي وأهالت التراب عليه) من قلق واضطراب وعدم استقرار في شتى نواحيها، ليس له سبب إلا أن قادتها ومفكريها المسئولين حاولوا أن يكونوا لها شخصية جديدة، قوامها مزيج من مذاهب وعقائد وأفكار عريبة دخيلة، ترفضها طبيعة هذه الشعوب ولا تنسجم معها في قليل أو كثير.
وإن اليوم المشهود الذي تبدأ فيه هذه الأمة سيرها في الطريق المستقيم، طريق الموحدة والتكاتف والعزة والاستقرار هو اليوم الذي تعود فيه هذه الامة إلى إطار بشخصيتها الإسلامية الحقيقية التي قوامها عقيدة القرآن، وترى عنها أثواب كل الشخصيات الأجنبية الدخيلة
[ ٢ / ٢٣ ]
المستعارة، التي قوامها عقائد ومذاهب وأفكار هي أساس الشخصية الإسلامية على طرفي نقيض، وتفتح صفحات تاريخها الإسلامي المجيد لتنتشر موجات نوره الساطع في فصل المدرسة ومدرج الكلية ومقعد النادي وثكنة الجيش، لينظر فيه الطالب بوعي وتبصر وفهم وإدراك ليستخلص من روائع هذا التاريخ ما يكون له حافزًا ومشجعًا على التمسك بالمبادئ القويمة والعقائد البناءة المستقيمة التي صنعت أولئك الأفذاذ من الأبطال والقادة والمفكرين الذين قامت على كواهلهم دعائم هذا التاريخ المشرق الشامخ الذي لا يزال فم الدنيا محشوًا بذكراه العاطرة، وفي مقدمتهم الأبطال الأوائل من صفوة هذه الأمة (المهاجرون والأنصار) الذين خاضوا (بضراوة يمدها زخر الإيمان) معركة المصير هذه - معركة أحُد - التي هي موضوع كتابنا هذا، والتي نرجو أن نكون (بوضع تفاصيل هذه المعركة بين يدي الشباب المؤمن بربه ودينه والمعتز بتاريخه) قد أدّينا بعض ما يجب علينا نحو ديننا وأمتنا وتاريخنا.
والله أسأل أن يمدنا بعونه وتوفيقه وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه تعالى، وأن يجنب أعمالنا عيوب السمعة والرياء المحبطة إنه سميع مجيب، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
رمضان المبارك ١٣٨٣ هـ - فبراير ١٩٦٤ م.
مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية.
محمد أحمد باشميل
_________________
(١) الجاثية: ٣٦.
[ ٢ / ٢٤ ]
أُحد
أُحُد (بضم أوله وثانيه) جبل شهير من جبال المدينة المنورة، ويقع هذا الجبل في شمالي المدينة، ويقع على بعد حوالي أربعة كيلو مترات منها.
ويفصل جبل أُحُد عن المدينة وادي قناة الذي يأتي من شرق المدينة الذي يمر حذاء جبل أُحُد متجهًا نحو الغرب حتى يصب في زغابة.
أما وصف جبل أُحُد الطبيعي، فهو صخرى من الجرانيت وطول من الشرق إلى الغرب ستة آلاف متر، وفيه رؤوس كثيرة وهضبات شتى، من كثرتها يكاد الناظر إليه، يتخيلها جبالًا شبه مستقلة، أو يخيل إليه أن أحُدًا هذا هو عبارة عن جبال كبار وصغار مرتبطة بعضها ببعض، ومن مجموعها العمومي تشكلت وحدة هذا الجبل .. ومن تلاصق هذه الجبال ووجود منفرجات بينها تكونت في أحد المهھاريس التي هي نقر طبيعية لحفظ المياه المنحدرة من أعالي الجبل (١).
وقد وقعت المعركة بالقرب من سفوح هذا الجبل من الناحية الجنوبية في بطن وادي قناة وما حواليه من السهول.
_________________
(١) آثار المدينة المنورة ص ١٤١ السيد عبد القدوس الأنصاري.
[ ٢ / ٢٥ ]
[صورة]
منظر عام لجانب من جبل أحد، وقد ظهر أمامه الفضاء الواسع الذي يقع بينه وبين المدينة.
[صورة]
المؤلف يتسلق إحدى هضاب جبل أحد أثناء تجواله حول مواقع المعركة
[ ٢ / ٢٦ ]
وقد ورد في الحديث الشريف "أحُد جبل يحبنا ونحبه".
وفي فم الشِّعب من هذا الجبل عسكر النبي - ﷺ - بجيشه، وبهذا احتل مركزًا مرتفعًا ممتازًا أجبر المشركين على قبول المعركة عنده، مما ساعد المسلمين على إنزال الهزيمة بالمشركين في الصفحة الأولى من المعركة، ويسّر لهم الانسحاب بانتظام إلى هضاب جبل أحُد بعد الانتكاسة.
وفي فم الشِّعب من أُحُد توجد مقبرة الشهداء الذين صرعوا في معركة أحد، ولا يعرف الآن (على وجه التحديد) من قبور هؤلاء الشهداء.
[صورة]
الواقف في جدول الماء من بطن وادي قناة، هو الشيخ سيف بن سعيدہ اليماني رئيس هيئة الأمر بالمعروف في المدينة الذي تكرم مشكورًا فساهم مساهمة كبيرة في إرشادنا إلى أماكن كثيرة لها علاقة بالمعركة كنا نجهلها.
سوى قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش ﵄ اللذين دفنا في قبر واحد، ويوجد هذا القبر على مرتفع من فم الشعب مما يلي وادي قناة، وتقع شمال هذا القبر مقبرة الشهداء الآخرين ﵃.
[ ٢ / ٢٧ ]
جبل عينين
أما جبل عينين، وهو المسمى بجبل الرماة، فهو جبل صغير يغلب عليه لون الاحمرار، وهو يقع جنوب فم الشعب الذي اتخذه الرسول معسكرًا لجيشه قبل المعركة، ويبعد عن نقطة هذا المعسكر حوالي ستين مترًا، ويقع هذا الجبل على الضفة الجنوبية لوادي قناة الذي يفصل بينه وبين جبل أُحُد.
وفي جبل عينين هذا أمر الرسول - ﷺ - أن تتمركز فصيلة من رماة النبل قوامها خمسون راميًا، وقد تمركزت في الجبل بقيادة عبد الله بن جبير (١)، وقد كان هدف الرسول من تمركز هؤلاء الرماة في هذا الجبل حماية مؤخرة المسلمين من أن تضر بها خيالة المشركين من الخلف عند احتدام المعركة.
_________________
(١) هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأوسي الأنصاري أحد البدريين ومن الذين شهدوا بيعة العقبة في منى، استشهد ﵁ عندما عصاه جنده من الرماة وتركوا الجبل وثبت هو مكانه حتى كر عليه خالد بن الوليد بفرسانه الذين قاتلهم حتى قتل ومن ثبت من الرماة ﵃.
[ ٢ / ٢٨ ]
الفْصَل الأوّل
مجمل الأحداث السياسية والعسكرية بين معركتي بدر وأحد
عندما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة وجد بها يهودًا (١) توطنوا فيها، وعلى الرغم من الاختلاف الذي بين الإسلام واليهودية، فإن النبي - ﷺ -، لم يتخذ (ابتداء) ضد اليهود أَي موقف من مواقف النفي أو التضييق أو المصادرة (بسبب الاختلاف في الدين).
_________________
(١) اليهود هي الأمة المشهورة في تاريخ العالم ببنى إسرائيل، أصلهم من الساميين، وحلوا تحت قيادة إبراهيم - ﵇ -، في القرن (الثالث والعشرين) قبل الميلاد، ونزلوا بأرض كنعان (جنوب الشام) وقد تكاثر اليهود بمصر أيام حكم نبي الله يوسف لها، وذلك أن يوسف - ﵇ - هو ابن يعقوب (الذي هو إسرائيل) فقد أحضر يوسف بني إسرائيل إلى مصر (باعتبارهم إخوة له كما هو مشهور) فتكاثروا في مصر لأنهم مكثوا فيها أربعة قرون، ولكنهم بعد ذلك لقوا من ملوك مصر اضطهادًا فأرسل الله إليهم موسى فأنقذهم من فرعون كما هو معروف في القرآن .. ويرجع عھهد وجود اليهود في المدينة (كما جاء في دائرة معارف فريد وجدى) إلى سنة ١٦٠٠ قبل المسيح، وذلك أن موسى وهو في طريقه إلى فلسطين أرسل فرقة منهم لتكتشف له تلك الجهات فساروا إليها وبلغهم موته ثم ساكنوا العرب في أرضهم (يثرب).
[ ٢ / ٢٩ ]
بل رضي (عن طيب خاطر) أن يبقى هؤلاء اليهود في المدينة، (مواطنين) أحرارًا لهم دينهم وللمسلمين دينهم ولم يحدث أن أجبر الرسول - ﷺ - أحدًا من هؤلاء اليهود على الدخول في الإسلام.
المعاهدة بين الرسول واليهود
بل لقد ذهب - ﷺ - إلى أبعد من هذا، حيث عقد مع هؤلاء اليهود (رغبة منه في شيوع السلام في المنطقة) معاهدة تضمنت عدم الاعتداء والدفاع المشترك عن منطقة يثرب.
ومن أهم بنود هذه المعاهدة:
أ - الدفاع المشترك.
فقد جاء (في المعاهدة) بهذا الخصوص.
"وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأَبرّه، وأَنه لا تجارُ قريش ولا من نصرها، وأن بينهم (أي المسلمون واليهود) النصر على من دهم يثرب.
وإذا دعوا إلى مصلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه.
وأَن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأَن بينهم النصر على من حارب أَهل هذه الصحيفة (أي صحيفة المعاهدة) وأَن بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم".
[ ٢ / ٣٠ ]
ب- عدم الاعتداء وحسن الجوار
وجاء (في صلب المعاهدة) بهذا الخصوص.
"وأَن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وأَن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأَنه لا تجار حرمة إلا بإذن أَهلها، وأَن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأَنه لا يحول هذا الكتاب (أَي صك المعاهدة) دون ظالم أو آثم. وأَنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة. إلا من ظلم (بفتح أوله) أو أَثم".
ج - حرية العقيدة للفريقين
وبهذا الشأن جاءَ (في صلب المعاهدة).
"وأَن يهود بني عوف أُمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم (بفتح أَوله) أو أثم فإنه لا يوتغ (أَى لا يهلك) إلا نفسه وأَهل بيته، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وَن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني الأَوس مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن لبنى الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأَن بطانة يهود كأَنفسهم" (١).
وكانت هذه المعاهدة قد عُقِدَت بين المسلمين واليهود عقب هجرة النبي - ﷺ - من مكة وقبل معركة بدر.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥٠٣ - ٥٠٤.
[ ٢ / ٣١ ]
سلسلة المتاعب الداخلية
وقد كان النبي - ﷺ - حريصًا كل الحرص على تنفيذ ما جاءَ في هذه المعاهدة، وفعلًا لم يأْت من جانب المسلمين ما يخالف حرفًا واحدًا من نصوصها.
ولكن اليهود، بعد انتصار المسلمين في بدر أَخذ القلق يساورهم، وازداد حقدهم على الإسلام والنبي - ﷺ -، وخافوا أَن يجمع النبي الناس على الإسلام، فيهدم بذلك سيطرة اليهود المادية والسياسية المبنية على تفرّق العرب وتناحرهم وعصبيتهم وتقاتلهم المشهور في الجاهلية.
ولهذا عادت لليهود طبيعتهم المشهورة في نكث العهود، وبتك المواثيق، وأخذوا يفكرون (جديًا) في الكيد للإسلام والإطاحة بالنبي وأتباعه، بالرغم من المواثيق التي أَبرموها والعهود التي أَعطوها.
اليهود ينقضون المعاهدة
وهكذا صار المسلمون (بعد انتصارهم في بدر) يواجهون سلسلة من المتاعب والقلاقل داخل المدينة التي اجتهد اليهود (يساندهم المنافقون) في إثارتها لإشغال المسلمين وتفريق كلمتهم.
لقد كان الرسول حريصًا على أَن يستتب الأَمن في المدينة. وأَن يتعايش سكانها (علي اختلافهم في الدين) تعايشًا سلميًا كما هي طبيعة دعوة الإسلام وليتفرغ لمواجهة الهجمات التي كان يتوقعها من مشركي العرب، وخاصة أهل مكة الذين بات من المؤكد (لدى المسلمين) أَنهم
[ ٢ / ٣٢ ]
سيقومون بحرب شاملة (١) ضدهم ليردوا اعتبارهم الذي فقدوه في معركة بدر.
ولكن اليهود (علي الرغم من تظاهرهم بحب السلام ورغبتهم في التعايش مع المسلمين سلميًا) أخذوا يبحثون لهم كل يوم عن متاعب جديدة، فصاروا يثيرون القلاقل ضد النبي، ويتحدون شعور المسلمين ويستفزونهم.
بل إن البعض من هؤلاء أخذ يدعو (علنًا) إلى محاربة المسلمين، ويغرى قبائل العرب الوثنية بهم ويحرضهم على قتالهم، خلافًا لنصوص المعاهدة المعقودة بين المسلمين واليهود.
وكان المسلمون (مع هذا) يقابلون كل ذلك بصبر عظيم وحلم واسع، ويحاولون (جهدهم) تذكير اليهود وإعادتهم إلى جادة الصواب بالطرق السليمة.
ولكن اليهود تمادوا في غيهم، وازداد طغيانهم، فتوسعوا في تحرشاتهم بالمسلمين وأكثروا من تحدياتهم واستفزازاتهم.
فتنة يهود بني قينقاع
وكان بنو قينقاع (وهم من سكان المدينة) أول من أثار الشغب على
_________________
(١) قال اللواء الركن محمود شيت خطاب: الحرب الشاملة أو الحرب الاجتماعية مصطلح عسكرى يراد تحشيد كافة الإمكانات المادية والمعنوية لنيل النصر في الحرب، وكان الألمان يباهون الأمم بأنهم أول من طبق هذه الحرب، في الحرب العالمية (الثانية) بينما طبقها المسلمون قبل أربعة عشر قرنًا، قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
[ ٢ / ٣٣ ]
المسلمين واستفزهم وسخر منهم واستهان بأَمرهم. وكانوا من أغنياء المدينة، وكانت لهم حصون حربية بها.
وهم أَول من نكث العهد من اليهود، قال ابن إسحاق:
"وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أَن بني قينقاع (بفتح أَوله وسكون ثانيه وضم ثالثه) كانوا أَول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - ﷺ - وحاربوا فيما بين بدر وأُحُد".
يتحدون النبي
وعندما تفاقم أمر يهود بني قينقاع، واشتد طغيانهم، جمعهم النبي - ﷺ - (في مؤتمر عقده في سوقهم بالمدينة) حاول فيه إصلاحهم وإرجاعهم عن غيهم. وإعادتهم إلى جادة الصواب والتزام نصوص المعاهدة المبرمة بين المسلمين ويهود
فنصحهم وحذرهم مغبة البغي. وذكرهم بالثمار المرّة التي جنتها قريش يوم بدر كحصيلة البغي والعدوان.
ولكن جواب يهود (إزاء هذا النصح النبوي والمحاولة الإصلاحية الصادقة) كان في غاية الوقاحة المشوبة بالغطرسة والتحدّي. حيث أجابوا النبي - ﵇ - على نصحه في هذا المؤتمر بقولهم:
يا محمد أَتري أَنَّا قومك (يعني قريش). لا يغرنّك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأَصبت منهم فرصة .. أما نحن أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنّا نحن الناس" (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٤٧.
[ ٢ / ٣٤ ]
وأمام هذا الاستفزاز والتحدي، كظم النبي - ﷺ - غيظه وتركهم، لو بقى المسلمون صابرين، يَنْتظرون ما تتمخض عنه الليالى.
الشرارة الأولى
واستبد الطغيان (بيهود بني قينقاع). فاستمروا في غيهم واستهتارهم بالمسلمين وتحرشهم بهم، حتى كانت الشرارة الأُولى التي أشعلوها (سفهًا) فأَحاطوا أَنفسهم بنيران الفتنة التي أَذكوا لهيبها فوضعت حدًّا لطغيانهم وبغيهم وغدرهم.
فقد حدث أَن امرأَة مسلمة قدمت بحليّ لها لتبيعه في سوق بني قينقاع، ولما جلست إلى صائغ هناك اجتمع حولها نفر من اليهود يتحرشون بها، ويجرحون شعورها وأَرادوها على كشف وجهها، فأَبت ذلك. فعمد أَحد الصاغة اليهود إلى عقد طرف ثوبها إلى ظهرها (وهي غافلة) فلما قامت انكشفت سوءتها فضحك اليهود منها وسخروا، فاستغاثت المرأة، وكان أحد المسلمين حاضرًا فوثب على الصائغ اليهودي وقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه.
الحصار ثم التسليم
وهكذا أشعل بنو قينقاع الشرارة الأُولى، فوقعت الحرب بينهم وبين المسلمين، وقد أَسرع اليهود إلى حصونهم استعدادًا للحرب، واعتصموا فيها، وكان ذلك في منتصف شهر شوال من السنة الثانية للهجرة (أَي بعد معركة بدر بحوالي خمسة وعشرين يومًا).
[ ٢ / ٣٥ ]
وضرب النبي - ﷺ - عليهم الحصار خمس عشرة ليلة فحاربوه، فلما اشتد عليهم الحصار اضطروا إلى التسليم ونزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - دون قيد أو شرط، وكان الحصار بقيادة (أبي لبابة بشير بن عبد المنذر) وبعضهم يسميه رفاعة بن عبد المنذر (١).
ومن الجدير بالذكر أن الفئات اليهودية الأخرى في المدينة وضواحيها (بالرغم من حرصهم على القضاء على المسلمين) لم يجرأوا على مساندة إخوانهم بني قينقاع الذين وجدوا الجرأة في أنفسهم لمحاربة المسملين.
رأس النفاق يتوسط
وكان عبد الله بن أبي بن سلول (١) الخزرجى (رأس المنافقين) حليفًا لبنى قينقاع فلما مكن الله رسوله منهم جاء ابن أبي إلى رسول الله - ﷺ - وطلب منه أن يصدر عنهم (بصفتهم حلفائه) عفوًا عامًا وبعد محاولات متكررة من عبد الله بن أبي أصدر الرسول - ﷺ - عفوًا عامًا عن هؤلاء اليهود، بشرط أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروا المسلمين فيها، فخرجوا وطهر الله المدينة من شرورهم ودسائسهم.
وذكر ابن إسحاق (٢) أن يهود قينقاع لما نزلوا على حكم رسول الله، قام إليه عبد الله بن أبي بن سلول، فقال:
"يا محمد أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه - ﷺ - فكرر ابن أبي طلبه، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر).
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٤٨.
[ ٢ / ٣٦ ]
درع رسول الله - ﷺ -، فتغير لون النبي - ﷺ - وقال له، أرسلني وغضب - ﷺ - حتى رأوا لوجه ظللًا، ثم أعاد - ﷺ - وهو مغضب (أرسلنى ويحك) قال ابن أبي:
لا والله لا أُرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائه حاسر (١)، وثلاثمائة دارع (٢) قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله: هم لك.
الجلاء عن المدينة
وقد عفا رسول الله - ﷺ - عن يهود بني قينقاع على شرط أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروا المسلمين فيها، فرحلوا إلى أذرعات الشام (٣) ولم يبقوا هناك طويلًا حتى أهلكهم الله (٤) وقد كان بنو قينقاع أول فئة يهودية يتم إجلاؤها عن المدينة.
وبالرغم من إخماد الرسول - ﷺ - لفتنة بني قينقاع وعفوه الشامل عن مثيرى هذه الفتنة فإن الآخرين من يهود، لم يتعظوا ولم يزدادوا إلا عنادًا وحقدا وتوغلًا في الكيد لرسول الله - ﷺ - وصحبه، وإثارة للقلاقل، واغتنامًا للفرص للقضاء عليه وعلى دعوته
_________________
(١) الحاسر: الذي لا دراع له.
(٢) الدارع: الذي عليه الدرع.
(٣) أذرعات بالفتح ثم السكون وكسر الراء، بلد في طرف الشام وتجاوز أرض البلقاء.
(٤) فقه السيرة ص ١٨٦.
[ ٢ / ٣٧ ]
طاغية اليهود يتمرد
وكان المرابي الكبير كعب بن الأَشرف الطائي (١) من أشد اليهود إيذاء لرسول الله - ﷺ - وتظاهرًا بالدعوة إلى حربه.
كان كعب هذا من قبيلة طيء (٢) ثم من بني نبهان، وأُمه من بني النضير، وكان غنيًّا مترفًا ومن المشهورين بالجمال بين العرب.
ولما بلغه انتصار المسلمين فہى بدر قال إنَّ بطن الأَرض خير من ظهرها.
وبالرغم من العهود والمواثيق التي عقدت بين المسلمين واليهود (والتي منها عدم مظاهرة قريش أَو تأْييدها) فإن كعبًا هذا نكث بالعهد، وخرج من المدينة يحرّض قبائل العرب على الرسول - ﷺ -، ويدعوهم إلى حربه، حتى وصل إلى مكة وأخذ يحرض قريشًا على المسلمھين، ويثير حفائظهم ويذكي حقدهم على النبي - ﷺ -.
وقد لجأَ هذا اليهودى الحاقد إلى كافة السبل لإثارة قريش، وحتى الأَشعار أذاعها يبكى فيها قتلى بدر من المشركين والتي قال فيها يبكي أَصحاب القلب:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله ولمثل بدرٍ تستهل وتدمع
وعندما كان كعب هذا بمكة سأَله أبو سفيان بن حرب .. أَيّ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر).
(٢) طئ (بفتح الطاء) قبيلة عظيمة من قبائل كهلان، من القحطانية، تنتسب إلى طئ بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، كانت منازهم باليمن، ثم رحلوا عنها إلى نجد وانتشروا لكثرتهم في الحجاز والشام والعراق.
[ ٢ / ٣٨ ]
الفريقين أهدى سبيلًا، محمد وإسلامه، أم قريش وأوثانها؟؟ فقال أنتم أهدى سبيلا.
فأنزل الله تعالى بهذا الشأْن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١).
مصرع الطاغية
ولم يرجع كعب بن الأشرف من رحلته الشريرة حتى حشد (٢) قريشًا لقتال النبي - ﷺ -، ولما رجع إلى المدينة أخذ يعلن العداوة ويحرِّض الناس على قتال النبي وحرب المسلمين.
ولم يكتف بهذا، بل أَخذ يتحدَّى شعور المسلمين ويشبب بنسائهم (في أشعاره) بأَسمائهن الصريحة، مما أدّى إلى إيذاء المسلمين.
وهكذا صار كعب بن الأَشرف في منزلة العدو المحارب الذي لم يبق له عهد ولا ذمة، حيث أصبح مصدر تهديد لأَمن المسلمين وخطرًا على كيانهم فأصبح من الضروري وضع حد لتصرفاته، لتنجو الأُمة من شره وبلائه، لا سيما في تلك الظروف الحرجة التي هي (بالنسبة للمسلمين) أَشبه بالظروف الاستثنائية.
_________________
(١) النساء: ٥٢.
(٢) مبدأ التحشد (كما يقول اللواء الركن خطاب) مبدأ من مباديء الحرب، وهو جمع أكبر قوة عسكرية في المكان والزمان اللازمين.
[ ٢ / ٣٩ ]
فقد أصبح هذا المرابى اليهودى ومن يمالئه جبهة حربية تهدد المسلمين داخل المدينة، لاسيما أن كعبًا هذا من أغنى أغنياء العرب وله حصن منيع في ضواحي المدينة، ومن حواليه كثير من اليهود الذين بإمكانه أن يغريهم بنقض العهد الذي بينهم وبين الرسول، ويقوم (بالاتفاق معهم) بهجوم مفاجئ كاسح على المسلمين داخل المدينة.
ولهذا قرر النبي - ﷺ - التخلص من هذا العدو اللدود، فانتدب لقتله محمد بن مسلمة الأنصاري (١) مع جماعة من الأنصار قاموا بقتله خارج حصنه بضواحى المدينة، كما هو مفصل في أمهات التاريخ.
استكانة اليهود
وبهذا المواقف الحازمة التي اتخذها الرسول - ﷺ - إزاء استهتار بني قينقاع بالعهود وعبث كعب بن الأشرف بالمواثيق تأكد اليهود أن الرسول لن يتوانى في اللجوء إلى قوة حين لا يجدى النصح لمن يريد العبث بالأمن وإثارة القلاقل وعدم احترام العهود والمواثيق.
وبقتل كعب بن الأشرف أسرعت الأفاعى ترتجف إلى جحورها وصار لدى المسلمين ما يشبه اليقين بأن اليهود لن يخاطروا بأنفسهم (في ذلك الظرف على الأقل) لإيذاء المسلمين أو ممالأة المشركين ضدهم.
_________________
(١) هو محمد بن مسلمة الأوسى الأنصاري الحارثى. من أجلاء الصحابة. ومن الأمراء المشهورين، شهد بدرًا وكان ممن ثبت يوم أحد مع رسول الله ﷺ وشهد المعارك كلها مع رسول الله ﷺ إلا تبوك، وكان عمر بن الخطاب يعتمد عليه في مراقبة الولاة والتفتيش عليهم، اعتزل الفتنة أيام عليّ ولم ينضم إلى أي من الجانبين، مات ﵁ بالمدينة سنة ٤٣ هـ.
[ ٢ / ٤٠ ]
وبهذا استقرت الأحوال الداخلية في المدينة (نوعًا ما) وانطوى اليهود على أنفسهم ولم يحركوا ساكنًا لقتل طاغيتهم (كعب بن الأشرف) بل لزموا الهدوء، وتظاهروا بأنهم عند عهدهم.
وهنا تفرغ النبي لمواجهة الأحداث الخطيرة التي توقع حدوثها خارج المدينة، من جانب الأعراب والمشركين وخاصة قريشًا الذين تأكد للمسلمين أنهم سيقومون بحرب واسعة النطاق ضدهم انتقامًا لما أصاب قريشًا في بدر.
وفعلًا حدثت هذه الحرب المنتظرة، فغزت قريش الباغية. محمدا - ﷺ - في عقر داره. بجيش بلغ ثلاثة آلاف مقاتل، واشتبك الشرك مع التوحيد في معركة طاحنة، دارت في ضواحي المدينة، وهي معركة أحد التي نحن بصددها.
النشاط العسكري قبل موقعة أحد
وفيما بين معركة بدر وموقعة أُحد، حدثت مناوشات عسكرية بين المسلمين من جهة وبين قريش وبعض اليهود ومشركى العرب من جهة أُخرى.
ولم يكن القرشيون والأعراب واليهود في هذه المناوشات جبهة واحدة، وإنما كانت مناوشات متفرقة أكثرها يأتي من ناحية المسلمين، الذين كانوا أبسط الفريقين وأسرعهم لمباغتة هؤلاء الأعداء وضربهم في أماكنهم قبل أن يتحركوا للعدوان.
والنشاط العسكري الذي حدث قبل معركة أُحد هو أشبه بدوريات عسكرية قام بها المسلمون، أي أنه لم تدر في تلك الفترة ما يمكن تسميته بمعارك التحم فيها الفريقان.
[ ٢ / ٤١ ]
دوريات المسلمين
ويمكن تلخيص الأعمال العسكرية التي قام بها المسلمون بين معركة بدر وأُحد كما يلي:
١ - حصار بني قينقاع: قام المسلمون بحصار يهود بني قينقاع في حصونهم داخل المدينة، وكان ذلك في أوائل شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وكانت نتيجة هذا الحصار استسلام بني قينقاع. ثم إجلاءهم عن المدينة، وقد تقدم تفصيل ذلك.
٢ - قتل (كعب بن الأشرف) وقد تولى قتله محمد بن مسلمة الأَنصاري مع جماعة من الأَنصار كما تقدم تفصيل ذلك.
٣ - غزوة بني سليم (١): وهي دورية قتال قادها النبي - ﷺ - إلى منازل بني سليم وغطفان (٢) الواقعة في قرقرة الكدر (٣) وهي منطقة تقع على الطريق التجارية الشرقية الحيوية بين مكة والشام.
وسبب القيام هذه الدورية (٤) هو أن الرسول - ﷺ - بلغه أن قبائل
_________________
(١) سُليم (بہضم أوله وفتح ثانيه) قبيلة عظيمة من قيس بن عيلان من العدنانية، وهي من قبائل مصر الشهيرة. تقع منازل هذه القبيلة في عالية نجد. وقد تفرعت هذه القبيلة إلى عدة عشائر وبطون ملأت السهل والجبل، ويطلق اسم (سُليم) على عدة قبائل غير عدنانية، ومن هذه القبائل؛ قبيلة سُليم من جذام من القحطانية. وقبيلة (سُليم) بطن من المردان، من عبدة من شمر القحطانية، وقبيلة من بني مالك من جهينة، وقد انتشرت بطون هذه القبيلة العظيمة في أفريقيا والشام والعراق، ولا تزال عدة قبائل في العراق والسودان والأردن تسمى بهذا الاسم (سُليم) حتى هذا اليوم.
(٢) غطفان (بفتح أوله وثانيه) بن سعد، قبيلة يمانية عظيمة من كهلان، من القحطانية، وهم بنو غطفان بن سعد بن مالك بن حرام بن جذام. نزحت هذه القبيلة عن اليہمن واستوطنت نجد بجوار بني سليم.
(٣) قرقرة الكُدر (بضم الكاف وسكون الدال) ماء لبني سُليم بينه وبين المدينة ثمانية مراحل.
(٤) الدورية جماعة من المحاربين إما للاستطلاع أو للقتال.
[ ٢ / ٤٢ ]
غطفان وسلم قد كونت اتحادًا فيما بينها، وأخذت في التحشد لغزو المدينة، فجرّد - ﷺ - هذه الحملة التأْديبية التي بلغت قوتهہامائتي راكب.
وقد باغت النبي - ﷺ - هذه القبائل المحتشدّة في عُقْر دارها، حيث وصل بقواته السريعة إلى مكان التحشد وداهمهم على حين غفلة منهم ففروا بمجرد وصول المسلمين، بعد أن تركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها جيش المدينة، وقد قسم النبي هذه الغنيمة أَربعة أخماسها بين أفراد الجيش، فخص كل رجل منهم بعيران، وقد بقي الرسول - ﷺ - بجيشه في ديار سلم وغطفان ثلاثة أيام، لإظهار هيبة المسلمين ولإرهاب العدو، ثم عاد أدراجه إلى المدينة دون أن يلقى حربًا، وكانت هذه الدورية في أواخر شهر شوال من السنة الثانية للهجرة.
٤ - غزوة السويق
وهي قوة مطاردة، ألَّفَهَا الرسول - ﷺ - بسرعة، لمطاردة القوة القرشية التي أغارت بقيادة أبي سفيان بن حرب (١) على المدينة ليلا خلسة.
وتفصيل ذلك أن أبا سفيان عند رجوعه من بدر نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة، حتى يغزو محمدًا، ولذلك جهز مائتي راكب من قريش وقادهم إلى منطقة المدينة ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة بهذه القوة، وإنما قام بأعمال هي أشبه بأعمال القرصنة، حيث عسكر بقوته على مسافة بعيدة من المدينة، ثم دخل إليها تحت جنح الظلام مستخفيًا
_________________
(١) تقدمة ترجمة أبي سفيان في كتابنا (غزوة بدر الكبري).
[ ٢ / ٤٣ ]
ونزل علي (سلام بن مشكم) اليهودي سيد بني النضير، فآواه الخائن ودله على عورات المسلمين، ثم رجع إلى معسكره.
ولما رجع إلى قومه أرسل منهم مفرزة (١) صغيرة فأغارت على ناحية بأطراف المدينة، يقال لها (العريض) ليقوموا بأعمال التخريب، وفعلًا قامت هذه المفرزة المتسللة بحرق مجموعة من النخيل وقتلت رجلين من المسلمين كانا يعملان هناك، ثم هربت هذه المفرزة القرشية إلي معسكرها بالوادي.
وفورًا علم المسلمون بعملية التسلل هذه فسارع الرسول - ﷺ -، (على رأس قوة من أصحابه) لمطاردة أبي سفيان وجد في مطاردته، ولكن أبا سفيان تمكن من الإفلات، لأن حملته كانت من الفرسان الذين ألقوا بتمويناتهم (٢) من الطعام أثناء هربهم، ليكونوا أسرع على الهروب.
وقد وصل الرسول في مطاردته لأبي سفيان إلى منطقة قرقرة الكدر، ثم عاد إلى المدينة دون أن يلقى حربًا، وكانت هذه الحركة في شهر ذي الحجة من السنة الثانية.
٥ - غزوة ذي أمر
وهي أكبر حملة عسكرية يقودها الرسول - ﷺ - خارج المدينة قبل معركة أُحُد، فقد بلغ عدد رجال هذه الحملة أربعمائة وخمسين مقاتلًا ما بين راكب وراجل.
_________________
(١) المفرزة اصطلاح عسكرى معناه جماعة قليلة خفيفة من المقاتلين.
(٢) كانت المواد التموينية لقريش يومها من السويق، ولذلك سميت هذه الغزوة بغزوة السويق على اسم هذه المادة التي تخففوا من حملها بإلقائها للإمعان في الهرب.
[ ٢ / ٤٤ ]
وسبب هذه الحملة أن استخبارات (١) المدينة، نقلت إلى القيادة فيها، أن جمعًا كبيرًا من بني ثعلبة (٢) ومحارب (٣) احتشدوا بذى أمر. وأن هدفهم الإغارة على أطراف المدينة.
فسارع الرسول - ﷺ - كعادته في إرهاب الأعراب، فجهز هذه الحملة الكبيرة، وقادها بنفسه، لضرب هؤلاء الأعراب في ديارهم قبل أن يتحركوا.
وفي أثناء سير الرسول - ﷺ - بجيشه نحو العدو، ألقى جنوده القبض على رجل من بني ثعلبة المقصودين بالحملة فأدخل علي الرسول - ﷺ - فدعاه الرسول إلي الإسلام فأسلم، وضمه الرسول إلي مفرزة بلال.
ثم قال الرجل (واسمه حباب) للنبي - ﷺ - إنهم (أي بني ثعلبة ومحارب) لن يلاقوك ولو سمعوا بمسيرك إليهم لهربوا في رؤوس الجبال، ثم صار هذا الرجل دليلًا لجيش النبي إلى أرض العدو.
وقبل أن يصل الرسول إلي مكان تجمع تلك القبائل، بلغهم خبر حملة المدينة فسارعوا إلي الهرب، وتفرقوا في رؤوس الجبال، وقد كان قائد هذا التجمع رجلًا من بني محارب اسمه (دعثور بن الحرث الغطفاني).
وقد وصل الرسول - ﷺ - بجيشه إلى مكان التجمع وهو الماء المسمى (بذى أمر) ولم يعد - ﷺ - إلي المدينة إلا بعد أن أقام هناك بجيشه
_________________
(١) الاستخبارات: الحصول على المعلومات عن نوايا العدو بالطرق المختلفة، وقسم الاستخبارات يطلق عليه في بعض الدول قسم الأمن، وفي بعضها، قسم المباحث.
(٢) هؤلاء هم بنو ثعلبة بن أمية فخذ من غطفان الذين تقدمت ترجمتهم وثعلبة اسم لكثير من قبائل العرب ومنها قبيلة ثعلبة من كهلان من القحطانية.
(٣) محارب .. بطن من هيت بن بهثة من سُليم من العدنانية، وهي قبائل نجد.
[ ٢ / ٤٥ ]
شهرًا كاملًا، وذلك ليشعر الأَعراب بقوة المسلمين ويرهب من تحدثه نفسه بالاستخفاف بهم. وقد كان القيام بهذه الجملة في شهر محرم من السنة الثالثة للهجرة.
محاولة اغتيال النبي
وقد حاول قائد قبائل بني ثعلبة ومحارب الذين فروا هربًا من جيش المسلمين. حاول اغتيال النبي - ﷺ - وهو معسكر بذي أمر (مكان تجمع القبائل).
وتفصيل ذلك أن مطرًا أصاب الجيش الإسلامي، ابتلّت على أثره ثباب النبي - ﷺ - وثياب أَصحابه فنزع الرسول - ﷺ - الوحيدين اللذين كانا منه، ونشرهما على شجرة ليجفا، ثم اضطجع، وانشغل بقية الجند كذلك بسبب ما أَصابهم من المطر، وفي هذا الظرف بالذات تسلل (دعثور قائد قبائل العدو) لاغتيال النبي - ﷺ - مغتنمًا فرصة انشغال أَصحابه بأَنفسهم، وكان دعثور هذا شجاعًا فاتكًا، وقد حرضه قومه على قتل النبي، فقال لهم قتلنى الله إن لم أقتل محمدًا.
وقد نجح دعثور هذا في التسال (دون أَن يشعر به أَحد) حتى وصل إلى النبي الذي لم يشعر إلا ودعثور قائمًا على رأْسه بالسيف مصلتًا يريد الفتك به. والنبي - ﷺ - أَعزلًا لم يكن في يده أَي سلاح.
ثم قال دعثور للنبي - ﷺ -:
من يمنعك مني الآن؟؟ .
فقال له النبي - ﷺ -:
الله.
[ ٢ / ٤٦ ]
وبينما المحاورة تدور هكذا، إذ وقع دعثور على ظهره فجأَة، فسقط السيف من يده. فأَخذه النبي - ﷺ - ثم قال لدعثور (والسيف مصلت على رأْسه):
"من يمنعك مني"؟؟
فقال .. لا أحد، ثم أَعلن إسلامه فورًا. فأَعاد الرسول - ﷺ - إليه سيفه، وتوجه إلى قومه يدعوهم إلى الإِسلام وأَخبرهم أَن الذي جعله يقع على الأَرض حتى سقط السيف من يده؛ رجل طويل دفع في صدره، وقال لهم لقد علمت أنه ملك فأَسلمت.
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أَن الذي طرح دعثور علي الأَرض حتى سقط السيف من يده. هو جبريل الذي دفع في صدره حتى سقط على الأَرض. وكانت هذه ثاني محاولة لاغتيال النبي - ﷺ -.
وقد أنزل الله تعالى في هذه الحادثة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١).
٦ - غزوة بحران (٢)
وهي دورية قتال كبيرة قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول - ﷺ - بنفسه إلى ديار بي سُلَيم الذين بالغه أَنهم يقومون بحشد قوات كبيرة من قبائل تلك المنطقة لغزو المدينة.
_________________
(١) المائدة: ١١.
(٢) بحران (بفتح الباء وضمها): قال في السيرة الحلبية موضع بالحجاز معروف بينه وبين المدينة ثمانية برد.
[ ٢ / ٤٧ ]
فأسرع إليهم بجيشه، وحث السير ليباغتهم، قبل أن يتحركوا (كما هي عادته) في تأديب الأعراب.
ولكن بني سُلَيم لما بلغهم أن الرسول - ﷺ - قد تحرك بجيشه نحوهم، تفرقوا في الجبال ولم يثبتوا للقاء، ولكن الرسول (إمعانًا في إرهاباهم) جاس بدوريته خلال ديارهم، ولم يرحل عنها إلا بعد أن أقام بها شهرين، وقد كان القيام بهذه الحملة في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة.
٧ - سرية زيد بن حارثة
غير أن أهم هذه المناوشات (في تلك الفترة) هي تلك الحملة العسكرية الموفقة التي قادها زيد بن حارثة الكلبى (١) بعد سبعة أشهر من معركة بدر.
وتفصيل ذلك أن قريشًا بعد هزيمتهم في معركة بدر وسيطرة المسلمين على منطقة يثرب حتى البحر غربًا أصبحوا لا يأمنون الطريق الغربية التي كانوا يمرون عبرها بتجارتهم من الشام إلى مكة والتي تمر بالقرب من يثرب.
وقد كانت هذه الطريق أيسر وأقرب طريق بالنسبة لسير القوافل من مكة إلى الشام وبالعكس، فكان المكيون (عبر مئات السنين) يمرون بهذا الطريق بقوافلهم، فيدخلون الشام عن طريق الحدود الأردنية الحالية، وهي أول حدود الشام القديمة بالنسبة لجزيزة العرب، حيث كان (في ذلك الوقت) كل من سورية والأردن وفلسطين ولبنان يُعبّر
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٤٨ ]
عنه بالشام، حتى جاءت الحرب العالمية الثانية فحصلت التجزئة الحالية.
ولما أصبحت هذه الطريق الغربية تحت سيطرة المسلمين (تقريبًا)، قرر القرشيون أن لا تمر قوافلهم مرة أخرى عبر هذا الطريق، خوف وقوعها في قبضة المسلمين، وذلك على أثر مؤتمر عقدوه في مكة، قال فيه صفوان بن أمية (١) لقريش (وهو من كبار تجارها وقادتها).
إن محمدًا وصحبه عوروا علينا متجرنا (يعني بسيطرتهم على الطريق الغربية)، فما ندرى كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندرى أين نسلك، وإن أقمنا في ديارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء.
وبعد مناقشات ومداولات تم الاتفاق بين زعماء قريش على أن تكون رحلاتهم التجارية إلى الشام عبر الطريق الشرقية وهي طريق طويلة جدًّا تمر بأرض نجد ثم العراق حتى الشام، وهي أطول وأكثر صعوبة من الطريق الغربية، ولكنهم قرروا سولكها ظنًّا منهم أنها أكثر وأضمن سلامة من الطريق القديمة التي سيطر عليها المسلمون.
ولما كانت قريش تجهل هذه الطريق الجديدة كل الجهل، استأجرت رجلا نجديًا من بني بكر بن وائل (اسمه فرات بن حيان) (٢) ليدلهم على الطريق.
_________________
(١) تقدمة ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) هو فرات بن ثعلبة اليشكري ثم العجلي حليف بني سهم، وأسرته دورية زيد بن حارثة عند استيلائها على عير قريش بأرض نجد، ثم أسلم وحسن إسلامه، وقد =
[ ٢ / ٤٩ ]
وفعلًا سافرت أول قافلة قرشية إلى الشام عبر هذا الطريق الجديد، وقد سافرت هذه القافلة بقيادة صفوان بن أمية، يرافقه أبو سفيان بن حرب وغيره من قادة قريش.
استخبارات الرسول تكشف القافلة
وقد علم أحد رجال استخبارات الجيش الإسلامي خبر سفر هذه القافلة، فسارع إلى إبلاغ القائد الأعلى النبي - ﷺ - بذلك، وأطلعه على تفاصيل الخطة الجديدة التي رسمتها قريش لمعاودة تجارتها مع الشام.
والذي نقل تفاصيل الخطة إلى الرسول - ﷺ - هو سليط بن النعمان (١) وذلك أنه حضر مجلسًا للشراب في المدينة (وذلك قبل أن تحرم الخمر) ضم هذا المجلس (في حي اليهود) كنانة بن أبي الحقيق اليهودى، ونعيم بن مسعود (٢) وسليط بن النعمان هذا، وكان نعيم على دين قومه،
_________________
(١) = ذكره ابن سعد في طبقة أهل الخندق، وكان ممن هجا رسول الله ﷺ ثم مدحه فقبل منه، وقد أقطعه رسول الله ﷺ أرضًا باليمامة تغل أربعة آلاف، وذكر ابن حبان أن فرات هذا من أعرف الناس بالطرق، ولذلك اختارته قريشًا ليكون دليلها في طريقها الجديد.
(٢) لم أعثر له على ترجمته.
(٣) هو نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، صحابي جليل، كان في الجاهلية نديم يهود بني قريظة، أسلم في إحدى الليالى التي كانت الأحزاب (بقيادة أبي سفيان) تحاصر فيها المدينة وذلك سنة ٥ هـ وقد كان نعيم هذا يعمل ضد النبي (ضمن جيش الأحزاب) فهداه الله للإسلام فأسلم ثم اتصل بالنبي (دون أن يعلم اليهود أو الأحزاب) بإسلامه، ووضع نفسه في خدمة الرسول، فقال له النبي ﷺ، إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة، فقام ﵁ بدور هام في التفرقة بين قادة الأحزاب وقادة بني قريظة مما كان له أكبر الأثر في تنازعهم وعدم ثقتهم ببعضهہم البعہض الأمر الذي جہعل أبا سفيان قائد الأحزاب، يسارع بالانسحاب وفك =
[ ٢ / ٥٠ ]
ولما أخذت الخمر من رأس نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير وسلوك القرشيين بها إلى الشام عبر الطريق الشرقية، فسارع سليط بن النعمان وأبلغ الرسول - ﷺ - ذلك.
مصادرة العير
فجهز الرسول - ﷺ - على الفور حملة قوامها مائة راكب أعطى قيادتها لزيد بن حارثة الكلبي وأمره بالتوجه نحو الطريق الشرقية الجديدة التي سلكتها قافلة قريش، والتربص بهذه القافلة والاستيلاء عليها.
فاتجه زيد بحملته مسرعًا نحو نجد يتحسس خبر العير.
وإذا كان أبو سفيان قد نجحت مخابراته في اكتشاف حملة المسلمين التي خرجت من المدينة بقيادة الرسول، للاستيلاء على عير قريش قبل سبعة أشهر، ونجا بهذه العير التي نشبت - بعد إفلاتها - معركة بدر الكبرى، فإن مخابرات العبير هذه المرة لم تنجح في اكتشاف حملة زيد بن حارثة، التي بوغتت بها مباغتة كاملة وأخذت على حين غرة، ولعلها ما كانت تتوقع أن دوريات المسلمين العسكرية سيصل نشاطها إلى ذلك المكان البعيد.
ففي مكان بنجد يقال له قردة (بالتحريك) (١) دهم زيد بن حارثة
_________________
(١) = الحصار عن المدينة وترك بني قريظة يلقون (على أيدى المسلمين) جزاء خيانتهم العظمى، كما سنفصل ذلك في كتابنا القادم (غزوة الخندق وبنى قريظة) إن شاء الله: قتل نعيم بن مسعود في أول خلافة علي في موقعة الجمل، وقيل مات أيام عثمان.
(٢) قال البغدادي في كتابه مراصد الإطلاع .. قردة (بالتحريك) ما أسفل مياه الثلبوت بنجد في الرمة مبنى نعامة: والرمة (بضم أوله مع التشديد) واد معروف بعالية =
[ ٢ / ٥١ ]
عير قريش وهي نازلة على الماء فلم يكن من صفوان بن أمية وأبي سفيان ومن معهما من حرس القافلة إلا ينجوا بجلدهم، ففروا وتركوا العير دون أن يبدوا أية مقاومة.
فاستولت دورية المسلمين على تلك العير دون قتال، ووقع في أسر الدورية ثلاثة من حرس القافلة، منهم دليلها (فرات بن حيان).
وقد كانت الغنيمة في الغزوة عظيمة جدًّا، وكان أكثرها من الفضة والآنية، وقد قدرت قيمتها (على ما ذكره ابن كثير) بمائة ألف، قسم الرسول - ﷺ - أربعة أخماسها على أفراد الحملة، واحتفظ بخمس واحد للمصلحة العامة.
وبمصادرة هذه العير، اشتد قلق قريش من المسلمين، وازداد حقدها وحنقها عليهم وازدادت تصميمًا على غزوهم في ديارهم.
_________________
(١) = نجد، وقال ابن دريد، الرمة قاع عظيم بنجد تنصب فيه جملة أودية، وقال الأصمعى بطن الرمة واد عظيم يدفع عن يمين الفلجة الدثينة.
[ ٢ / ٥٢ ]
الفصل الثاني
* رسم الخطط - الاستعدادات
* الاستحضارات - التحركات
* تحديد مكان المعركة.
أسباب المعركة
نشبت هذه المعركة الهائلة بين المسلمين والمشركين يوم السبت الموافق الخامس عشر من شهر شوال سنة ثلاثة من الهجرة.
وقد كانت هذه المعركة ثانى معركة دامية طاحنة يخوضها المسلمون ضد مشركى مكة، وهي أعظم من معركة بدر (حيث كثرة الاستعداد وضخامة القوات التي اشتبكت فيها).
وسبب هذه المعركة، هو أن قريشًا لما هزمت في معركة بدر، وفتك المسلمون بقادتها وزعمائها، وهدموا هيبتها في نفوس العرب، صممت على الانتقام من المسلمين، وقررت (استعادة لهيبتها) مهاجمة المسلمين في عقر دارهم.
فقد مشى زعماء مكة بعضهم إلى بعض وتذاكروا فيما لحق بهم من خزى وعار نتيجة الهزيمة التي نزلت بهم واتفقوا فيما بينهم على أنه لا يمكن محو هذا العار إلا بغزو المسلمين في ديارهم، وأن هذا هو السبيل
[ ٢ / ٥٣ ]
الوحيد لاستعادة مركزهم الممتاز الذي فقدوه بين سكان الجزيرة على أثر هزيمتهم في موقعة بدر.
الاستعداد المعركة
وبينما كان المسلمون (عقب معركة بدر مباشرة) يقومون بحركاتهم العسكرية وتنظيماتهم الاجتماعية، (داخل المدينة، وخارجها) لتوطيد سلطانهم وتأمين قاعدة دعوتهم (المدينة)، كانت قريش من جانبها تقوم باستعدادات واسعة النطاق لخوض المعركة الفاصلة التي قررت خوضها مع المسلمين في ديارهم.
وقد كان عكرمة بن أبي جهل (١) وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن أبي ربيعة (٢)، أكثر زعماء قريش نشاطًا وتحمسًا لخوض المعركة، فقد كان هؤلاء هم المحرك الدائم القبائل قريش، بل ولمن جاورها من قبائل كنانة وثقيف، وتهييجهم ضد النبي وتحريضهم على الاشتراك في حربه.
ميزانية الحملة
وكان أول هذه الاستعدادات العملية، هو وضع ميزانية ضخمة لتمويل هذا الغزو الذي قررت مكة القيام به إلى أرض يثرب لضرب المسلمين فيها.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) لم أعثر له على ترجمة إلا أن ابن برهان الدين ذكر في السيرة أنه أسلم.
[ ٢ / ٥٤ ]
لقد اجتمع زعماء قريش في برلمانهم (دار الندوة) للتشاور في الأمر، وبعد مناقشات ومداولات وافقوا بالإجماع على اقتراح قدمه كل من عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، يقضي برصد خمسين ألف دينار ذهبًا (وهو ما يساوى اليوم حوالي مليون ريال سعودي) كميزانية لذلك الغزو، كما وافق (برلمان قريش) بالإجماع على أن يكون هذا الرصيد من أموال العير المشؤومة التي نجا بها أبو سفيان من قبضة جيش المدينة قبل معركة بدر بقليل.
فقال احتجزت قريش تلك العہير وأوقفتها في دار الندوة ولم تعط لأربابها شيئًا منها حتى اتخذت قريش ذلك القرار الذي يقضى برصد ميزانية الغزومن أموال هذه العير (١).
وقال أنزل الله تعالى في تدبيرات قريش الحربية هذه قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٢).
المتطوعون في الغزو
ك ما وافق برلمان قريش على (اقتراح قدمه صفوان بين أُمية) يقضي بفتح باب الطواع لغير القرشين من القبائل المجاورة للمشاركة في غزو المسلمين، على أن ترسل قريش مندوبين للقيام بهذه المهمة، لتشجيع قبائل كنانة على هذا التطوع.
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٣.
(٢) الأنفال: ٣٦.
[ ٢ / ٥٥ ]
وقد اختارت قريش لهذه المهمة شاعرين من قبيلة (جُمح القرشية) أحدهما مسافع بن عبد مناف بنوهب بن حذافة بن جمح (بضم الجيم وفتح الميم) (١) والثاني أبو عزة (عمرو بن عبد الله الجمحى) (٢) أما أبو عزة فقد استدعاه صفوان بن أمية (وكان من أغنياء قريش) وطلب منه القيام بمهمة تحريض قبائل كنانة على التطوع لحرب محمد قائلًا:
(يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنَّا بلسانك، فقال: إن محمدًا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه).
فأغراه صفوان قائلًا:
(فأعنَّا، فلك الله على إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر)، فانصاع أبو عزة لإغراء صفوان.
فخرج الشاعران إلى قبائل كنانة يحضانها على الاشتراك مع قريش في حرب النبي - ﷺ -.
وكان مما قاله مسافع يحرض بني مالك من كنانة، ناشدًا إياهم الرحم والجوار:
يا مال، مال الحساب المقدم أنشد ذا القربى وذا التذمم
من كان ذا رحم ومن لم يرحم الحلف وسط البلد المحرم
عند حطيم الكعبة المعظم
_________________
(١) قال في السيرة الحلبية إن مسافعا هذا لا يعلم له إسلام، لكن في كلام ابن عبد البر: مسافع بن عياض بن صخر القرشي التيمي له صحبة، وكان شاعرًا.
(٢) أبو عزة هذا أسره المسلمون في غزوة بدر، ولكن الرسول ﷺ من عليه لفقره ولكثرة بناته، على أن لا يظاهر عليه أحدًا، ولكنه غدر، فأسر مرة أخرى في معركة أحد فضربت عنقه.
[ ٢ / ٥٦ ]
ومما قاله أبو عزة داعيًا كنانة إلى محاربة المسلمين:
إيهًا بني عبد مناة الرّزام أنتم حماة وأبوكم حام
وتعدوني نصركم بعد العام لا تسلموني لا يحل إسلام
وقد نجح هذا الشاعران في مهمتهما حيث أقنعا كثيرًا من أفراد قبائل كنانة المجاورة لقريش بالتطوع في جيش مكة لغزو المسلمين.
مبلغ قوة قريش الغازية
وقد بلغت قوة قريش في هذه الحملة ثلاثة آلاف مقاتل، منهم: ألفان وتسعمائة من قريش ومواليها وأحابيشها (١) ومائة من قبائل كنانة المتطوعين.
أما سلاح النقليات فقد كان في هذه الحملة ثلاثة آلاف بعير ومعهم من سلاح الفرسان مائتا فرس جنَّبوها حتى أُحُد أما سلاح الوقاية فقد كان لهم منه سبعمائة درع.
توزيع القيادة
وقد انتخبت قريش أبا سفيان بن حرب قائدًا عامًا للجيش كما أعطت قيادة سلاح الفرسان لخالد بن الوليد (٢) بمعاونة عكرمة بن أبي جهل.
_________________
(١) الأحابيش قبائل غير قرشية، وهم بنو المصطلق وبنو الهون بن خزيمة، حالفوا قريشًا، وسبب تسميتهم بالأحابيش هو أنهم اجتمعوا عند جبل اسمه حبشى يقع أسفل مكة، وتحالفوا عنده على أنهم مع قريش يدًا واحدة على غيرهم ما سجى ليل ووضح نهار وما رَسَا حبشي مكانه، فسموا أحابيش باسم الجبل.
(٢) هو خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، سيف الله، القائد المظفر الشهير والصحابي الفاتح الكبير، كان من أشرف قريش في الجاهلية، يلي أعنة الخيل في =
[ ٢ / ٥٧ ]
كما أُسندت مهمة حمل اللواء (وهو علم الجيش) إلى بني عبد الدار بن قصي.
وكان حامل اللواء عند الصدمة الأُولى طلحة بن أبي طلحة العبدرى الذي كان أول قتيل من حملة اللواء الذين أبادهم المسلمون في أول المعركة عن بكرة أبيهم حتى سقط لواءُ قريش على الأرض ونزلت بهم الهزيمة.
نساء القادة في الجيش
وزيادة من قريش في التصميم على القتال، ولئلا يحدّث أحدٌ منهم نفسه بالفرار من المعركة استصحب قادة قريش معهم نسائهم إلى المعركة.
وكان عدد النساء اللواتي خرجن مع الجيش إلى أُحُد خمس عشرة امرأة.
فخرج أبو سفيان بن حرب بزوجته هند (١) بنت عتبة بن ربيعة.
_________________
(١) = الحروب لها، شهد مع المشركين حروب الإسلام إلى عمرة الحديبية أسلم هو وعمرو بن العاص قبل فتح مكة سنة ٧ هـ، فسر رسول الله بإسلامه وولاه قيادة الخيل، وجهه أبو بكر الصديق لمحاربة المرتدين في نجد، فأخضعهم بعد أن قتل مسيلمة الكذاب، ثم توجه إلى العراق سنة ١٢ هـ فقام بفتح جانب عظيم من العراق، ثم توجه إلى الشام (بأمر الخليفة أبي بكر) وتولى قيادة الجيوش فيها لحرب الروم، عزله عمر بعد أن تولى الخلافة وولى أبا عبيدة بن الجراح مكانه، فلم يثن ذلك من عزيمته بل ظل يقاتل بإخلاص بين يدي أبي عبيدة إلى أن تم لهما الفتح عام ١٤ هـ، قال فيه أبو بكر الصديق "عجزت النساء أن يلدن مثل خالد" وروى البخاري ومسلم له ١٨ حديثًا، توفى ﵁ بحمص (في سورية) عام ٢١ هـ.
(٢) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عباد مناف، صحابية، قرشية، عالية الشهرة، وهي أم الخليفة معاوية بن أبي سفيان، تزوجت أبا سفيان بعد أن فارقها =
[ ٢ / ٥٨ ]
وخرج عكرمة بن أبي جهھل بزوجته، أم حكيم (١) بنت الحارث بن هشام بن المغيرة.
وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة، بزوجته فاطمة بنت الوليد (٢) ابن المغيرة.
_________________
(١) = زوجها الأول الفاكهة بن المغيرة المخزوى، كانت فصيحة جرئية صاحبة رأى وحزم، ومن كلامها المأثور "المرأة غل لا بد للعنق منه فانظر من تضعه في عنقك" أسلمت يوم فتح مكة، وكان النبي قد أهدر دمها فيما أهدر، فجاءته مع بہعض نساء قريش إلى الأبطح، فأعلنت إسلامها، فرحب بها الرسول، وعندما أخذ الرسول البيعة على النساء وكانت بينهن قال (ضمن شروط البيعة) وأن لا يسرقن ولا يزنين، فقالت هند مستغربه (وهل تزنى الحرة أو تسرق يا رسول الله؟؟) ولما قال "ولا يقتلن أولادهن" قالت هند: (ربيناهم صغارًا وقتلتهم أنت بيوم بدر كبارًا) وكان لها صنم تعبده في بيتها: فلما أسلمت عادت إليه وأخذت نضربه بالقدم حتى حطمته وهي تقول: كنا منك في غرور، كانت هند من أشد الناس عداوة النبي ﷺ في الجاهلية، شهدت هند معہركة اليرموك وكانت تحرض ں على قتال الروم، وكانت طہموحة للغاية، نظر بعض العقلاء إلى ابنها معاوية وهو معها، فقال لها: إن عاش ساد قومه، فقالت ثكلته إن لم يسد إلا قومه، توفيت هند سنة ٣٦ هـ:
(٢) هي أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومية، أسلمت بعد فتح مكة مباشرة، وكان زوجها عكرمة ممن أهدر الرسول دمهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فهرب زوجها إلى اليمن، فأخذت له أمانًا من رسول الله ﷺ فذهبت إليه وأحضرته معها، فأسلم وحسن إسلامه، ولما استشهد زوجها في اليرموك تزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص ں قائد إحدى كتائب جيش الشام، وهم في الميدان، ولما كانت معركة (مرج الصفراء بالشام) أراد خالد أن يدخل بها والمعركة على الأبواب، فقالت له: لو تأخرت حتى يهزم الله هذه الجموع، فقال ﵁ إن نفسي تحدثني أني أقتل، قالت فدونك، فأعرس بها ثم أقبلت جيوش الروم صبيحة تلك الليلة، فنشبت المعركة بين الروم والسلمين فاقتتلوا على النهر فاستشهد زوجها خالد بن سعيد كما استشهدت هي أيضًا يوم ذاك بعد أن قتلت (بعمود الفسطاط الذي أعرس بها خالد فيه) سبعة من الرومان ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة.
(٣) هي فاطمة بنت الوليد بن المغيرة أخت خالد بن الوليد، أسلمت يوم الفتح وبايعت رسول الله ﷺ صحابية كريمة كانت عاقلة ذات رأي، وكان =
[ ٢ / ٥٩ ]
وخرج صفوان بن أمية بزوجته برزة (١) بنت مسعود بن عمر الثقفية.
وخرج عمرو بن العاص بزوجته ريطة (٢) بنت منبه بن الحجاج وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلاقة (٣) بنت سعد بن شهيد الأنصارية وخرجت، خناس بنت مالك بن المضرب إحدي نساء بني مالك مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين ﵁.
وخرجت عمرة بنت علقمة، إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة من كنانة.
التحريض على اغتيال حمزة
وقبل خروج الجيش من مكة، دعا جبير بن مطعم (٤) غلامًا
_________________
(١) = أخوها خالد (على عظم منزلته العسكرية) يستشيرها في بعض أمره، خرجت مع زوجها الحارث إلى الشام في الغزو، روت عن رسول الله ﷺ حديثًا واحدًا.
(٢) هي برزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، أسلمت مع زوجها صفوان بن أمية عام الفتح.
(٣) هي ريطة بنت منبه بن الحجاج السهمية، وهي والدة عابد الصحابة (عبد الله بن عمرو بن العاص) أسلمت بعد زوجها، وذلك يوم الفتح على ما ذكره الواقدي، وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ.
(٤) هي سلاقة بنت سعد الأنصارية الأوسية والدة عثمان بن طلحة، قتل عنها زوجها (قائد كتيبة لواء المشركين يوم أحد) صحابية أسلمت عام الفتح، وهي التي كان عندها مفتاح الكعبة يوم فتح الرسول مكة.
(٥) جبير بن مطعم (بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي كان من زعماء قريش في الجاهلية، أسلم وحسن إسلامه، فهو صحابى جليل، وكان من كبار علماء قريش وسادتهم، وهو من أعرف قريش بأنساب العرب، =
[ ٢ / ٦٠ ]
له حبشيًّا اسمه (وحشى) (١) كان يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها، دعاه وطلب منه أن يخرج مع الجيش، وطلب منه أن يترصد حمزة بن عبد المطلب ويغتلاه بالحربة، وقال له:
إن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدي (وكان حمزة هو الذي قتله يوم بدر) فأنت عتيق، فوعده ذلك، وفعلا قام الحبشي باغتيال سيد الشهداء حمزة ﵁ والمعركة على أشدها كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
جيش مكة يتحرك نحو المدينة
وبعد أن أتمت قريش استحضارات الحركة، وأتمت كامل تجهيزاتها أخذت في التحرك بجيشها الضخم نحو المدينة.
وكان جيش مكة هذه المرة على غاية من التنظيم والاستعداد، وقد تجنب قادة مكة الاختلاف هذه المرة فلم يحدث أي شقاق في الرأي حتى انتهت المعركة.
نشاط الاستخبارات النبوية
وكان العباس بن عبد المطلب (عم النبي - ﷺ -) قد رجع من المدينة بعد أن تم إطلاق سراحه من الأسر بالفداء الذي دفعه عن نفسه، كما فصلنا ذل في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
_________________
(١) = فقد عده الجاحظ في النسايين، وفي الإصابة، كان كأنسب قريش لقريش والعرب قاطبة روى له البخاري ومسلم ستين حديثًا، توفى - ﵁ - عام تسعة وخمسين هـ.
(٢) هو وحشي بن حرب، أبو دسمة، من موالي بني نوفل، كان من أبطال الموالي في الجاهلية، صحابي أسلم مع وفد أهل الطائف، شهد معركة اليرموك، وشهد =
[ ٢ / ٦١ ]
ولكنه بالرغم من عدم إسلامه آنذاك فقد كان مخلصًا لابن أخيه النبي - ﷺ -، فكان يخشى عليه الدوائر، وكان لذلك يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية.
ولما أتمت قريش تجهيزات جيشها وأخذ هذا الجيش في التحرك أرسل من مكة رسالة مستعجلة، مع أحد رجاله الأَمناء، ضمّن هذه الرسالة التفصيلات الكاملة عن محملة مكة، فذكر فيها عدد القوات واليوم الذي خرجت فيه وغير ذلك مما يجب أن يعرفه الرسول - ﷺ -، عن جيش عدوه.
ك يف تلقى الرسول نبأ الغزو
وقد أسرع رسول العباس (وهو رجل من غفار) بالرسالة وجدّ في السير، حتى أنه قطع الطريق ما بين مكة والمدينة في ثلاثة أيام، مع أن قطعها (عادة) لا يتم إلا في عشرة أيام.
وقد سل رسول العباس رسالته إلى النبي - ﷺ - وهو في مسجد قبا (١).
ولما كان الرسول - ﷺ - أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فقد دفع الكتاب
_________________
(١) = مع خالد بن الوليد حرب الردة، وكان أحد اثنين قتلا مسيلمة الكذاب، وكان يقول بعد ذلك، قتلت بحربتى هذه خير الناس (يہعنى حمزة) وشر الناس (يہعنى مسيلمة الكذاب) مات وحشى بحمص عام خمسة وعشرين هـ:
(٢) قبا (بضم القاف)، قال في مراصد الاطلاع: قرية قرب المدينة، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وفيها مسجد التقوى.
[ ٢ / ٦٢ ]
إلى أبيّ بن كعب (١) ليقرأه عليه، وبعد أن عرف الرسول - ﵇ - مضمون رسالة عمه العباس، طلب من أُبيّ بن كعب أن يكتم الخبر، ولا يبوح لأَحد منه بشيء.
استعداد المدينة للمعركة
ونهض - ﷺ - من فوره، وعاد إلى المدينة. وأخذ في الاتصال بقادة المهاجرين والأَنصار، ليتداول معهم الأَمر لمواجهة الموقف.
وكان - ﷺ - قد استدعى سيد الأَنصار سعد بن الربيع وأَطلعه على خبر رسالة العباس. فقال والله إني لأَرجو أن يكون خيرًا، فاستكتمه إياه. فلما خرج رسول - ﷺ - من عند سعد، قالت له امرأَته، ما قال لك رسول الله؟؟ .
فقال لها لا أُمّ لك وأنت وذاك، فقالت قد سمعت ما قال لك، وأخبرته بما أسرّ به إليه الرسول - ﷺ - فاسترجع سعد، وأَخذ بيد زوجته ولحق برسول الله - ﷺ - فأَخبره خبرها، وقال: يا رسول الله، إني خفت أن يفشو الخبر فترى أنى أَنا المفشى له وقد استكتمتني إياه فقال رسول الله - ﷺ - خلّ عنها.
_________________
(١) هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري النجاري، سيد القراء، صحابي جليل شهاد بيعة العقبة الثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله وهو الذي قال له النبي ﷺ، ليهنك العلل أبا المنذر، (إن الله أمرني أن أقرأ عليك) وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسميه سيد المسلمين، وكان أول من كتب للنبي ﷺ، وكان يعد من أصحاب الفتيا الستة، كان عمر يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في الہمعضلات، روى عن رسول الله ﷺ مائة وسبعة وخمسين حديثًا، مات كعب ﵁ سنة ثلاثين هـ في عهد عمان بن عفان.
[ ٢ / ٦٣ ]
حالة الطواريء في المدينة
وبعد أن تأكد المسلمون من تحرك الجيش المكي نحوهم، ظلوا متيقظين، وظلت المدينة في حالة استنفار عام، على رجالها السلاح لا يفارقهم، حتى وهم في أوقات الصلاة استعدادًا الطوارئ.
وانتشر جند الإسلام حول مداخل المدينة يحرسونها، خوفًا من أن يؤخذوا على غرة.
وانتخبت مفرزة من الأنصار لحراسة رسول الله - ﷺ - في بيته، وقد كان ضمن هذه المفرزة ثلاثة من سادات الأنصار، هم (سعد بن معاذ وأسيد بن حضير (١) وسعد بن عبادة) باتوا وعليهم السلاح في المسجد على باب رسول الله - ﷺ - يحرسونه.
محاولة نبش قبر والدة الرسول
تابعت جيوش مكة سيرها نحو المدينة، وقد سلكت الطريق الغريبة المعتادة، التي تمر بعسفان ثم خليص، فالجحفة، فرابغ، فالأبواء، فالمدينة (٢).
لما وصل جيش مكة إلى الأبواء، (وهو مكان دفنت فيه أم الرسول الأعظم - ﷺ - آمنة بنت وهب) (٣) أشارت هند بنت عتبة
_________________
(١) تقدمت ترجمتهما في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) تقدم تحقيق وتحديد هذه الأماكن في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) هي أم سيد الأنبياء، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، تزوجها عبد الله بن عبد المطلب، وهي أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، أمها لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار القرشية، توفيت أم سيد الأنبياء آمنة لست سنوات لمولد ابنها ﷺ، وكانت وفاتها بالأبواء =
[ ٢ / ٦٤ ]
(زوج القائد العام أبي سفيان) بنبش قبر أُم الرسول - ﵇ - قائلة:
لو بحثتم قبر أُم محمد، فإن أُسر منكم أحد فديتم كل إنسان بأَرب من آرابها (أي جزء من أَجزائها). ولكن العقلاء في الجيش حذروا من نبش قبر أُم النبي ونهوا عن ذلك، قائلين، لا يفتح هذا الباب، وإلا نبش بنو بكر أمواتنا عند مجيئهم (١) فلم تحقق رغبة هند بنت عقبة.
دوريات استطلاع (٢) المدينة
وقد نشطت دوريات المسلمين لاستطلاع أخبار العدو، وكانت تضرب باستمرار في أعمالها حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين.
وبينما كان رجلان من المسلمين يقومان بأَعمال الدورية، (بعثهما الرسول خصِّيصًا لاكتشاف تحركات العدو) إذا بهما يريان جيش مكة الضخم قد عسكر على بعد عدة أميال من المدينة فعادا ليخيراه بذلك، ونقلت الاستخبارات الخبر الأَخير عن تحركات جيش مكة، وهو أن هذا الجيش قد سلك وادي العقيق، وانحرف منه إلى ذات
_________________
(١) = وذلك أنها قد قدمت بابنها ﷺ وهو طفل لزيارة أخواله من بني علي بن النجار في المدينة، وعند عودتها إلى مكة توقيت بالأبواء وهناك دفنت، على ما قاله بعض المؤرخين.
(٢) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٤.
(٣) الاستطلاع معناه: الحصول على المعلومات عن قوة العدو وتجهيزه وتسليحه وعن طبيعة الأرض.
[ ٢ / ٦٥ ]
اليمين وعسكر في السبخة من وادي قناة الواقع شمالي المدينة، في مكان يقع بالقرب من جبل عينين الذي سمّي فيما بعد بجبل الرماة.
المجلس العسكري الأعلى
وبعد أن تأكد الرسول - ﷺ - من أن المشركين قد اتخذوا السبخة من وادي قناة معسكرًا لهم، سارع إلى عقد مؤتمر عسكري استشاري أعلى لبحث الموقف، حضره جميع قادة الجيش النبوي وأهل الرأي من أهل المدينة وقد حضر هذا المجلس عبد الله بن أُبَيّ بن سلول (المنافق) بصفته أحد زعماء الخزرج.
وكان عقد هذا المجلس في الرابع عشر من شهر شوال سنة ٣ هـ.
الاختلاف في الرأي
وقد دار النقاش في هذا المجلس (بصفة رئيسية) حول المكان الذي يجب أن يلقي فيه المسلمون عدوّهم، وقد كان رأْي النبي - ﷺ - أن يتحصن المسلمون بالمدينة، لإِجبار قريش على مهاجمتها، وكان يهدف من اتباع هذه الخطة، إلى أن يتبع المسلمون (في منازلة المشركين) خطة قتال الشوارع، لأن ذلك يمكن المسلمين من إيقاع الخسائر الجسيمة بالمشركين، دون أن يتحمل المسلمون خسائر تذكر، ذلك أن المسلمين سيقاتلون وهم متحصنون في مواقع يجهلها المشركون كل الجهل.
يضاف إلى ذلك أن اتِّباع هذه الخطة، يمكّن النساء من الاشتراك في مقاتلة المشركين بإلقاء الأَحجار الثقيلة عليهم عندما يقتحمون شوارع المدينة.
[ ٢ / ٦٦ ]
وقد أعلن الرسول - ﷺ - رأيه هذا في ذلك المؤتمر بقوله:
"فإن رأَيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإِن أَقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها".
وكان عبد الله بن أُبَيّ يرى هذا الرأْي، فقد قال للرسول - ﷺ - في هذا المجلس:
يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قط، إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أَقاموا، أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءُوا.
النبي يترك رأيه للأغلبية
ولكن كثيرًا من الشباب كانوا متحمسين للخروج ومقاتلة المشركين خارج المدينة، فقد قال قائلهم يا رسول الله: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه إلينا وقرب المسير. وكان على رأس هؤلاء الشباب المتحمسين للخروج حمزة بن عبد المطلب، الذي قال للنبي - ﷺ -:
والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة (١).
ومالت أيضًا كثرة (ممن لم يكن لهم شرف الاشتراك في معركة بدر) إلى هذا الرأي الأخير، حيث قال قائلهم للرسول - ﷺ -:
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٤.
[ ٢ / ٦٧ ]
اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جَبُنَا عنهم وضعفنا، والله لا نطيع العرب في أن تدخل علينا منازلنا.
واتضح للرسول - ﷺ - على أثر هذه المناقشات أن الأغلبية ترى خلاف رأْيه، فلم يسعه إلا الاستجابة لرأْي هذه الأَغلبية، وأَعلن أنه خارج لمقاتلة العدوّ حيث هو بوادي قناة، بالرغم من أنه - ﷺ - كاره للخروج.
النبي يرفض الرجوع إلى رأيه الأول
وبعد ارفضاض المجلس ذهب المسلمون لأداء صلاة الجمعة، وبعد أن صلى النبي - ﷺ - بالمسلمين دخل إلى منزله فتدجج بسلاحه فظاهر بين درعين (أي لبس درعًا فوق درع) ثم خرج على قومه بكامل عادته الحربية، وأذن فيهم بالخروج إلى العدو.
وقال ندم ذوو الرأي حين شعروا أنهم استكرهوا الرسول - ﷺ - على اتباع خطة لمقاتلة العدو ويفضّل عليها غيرها.
فبلّغوه استعدادهم للتنازل عن رأْيهم والرجوع إلى رأْيه الأَول، فقالوا له:
ما كان لنا أن نخالفك ولا نستكرهك على الخروج فاصنع ما شئت، أمكث كما أمرتنا.
فلم يقبل منهم هذا العرض، وقال لهم (مصممًا على الخروج): "وما ينبغي لنبي إذا لبس لأْمته (أَي كامل سلاحه) أَن يضمها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأْس وانتظروا ما آمركم به فافعلوا".
[ ٢ / ٦٨ ]
الجيش يتحرك من المدينة
وخرج النبي - ﷺ - إلى العدو على رأس جيش بلغ حوالي ألف مقاتل.
قد قسم - ﷺ - هذا الجيش إلى ثلاث كتائب.
١ - كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها لمصعب بن عمير (١) العبدري القرشي.
٢ - كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطى علمها للحباب بن المنذر بن الجموح (١).
٣ - كتيبة الخزرج الأنصار أيضًا، وأعطى علمها لأُسيد بن حضير (١).
مبلغ قوة جيش المدينة
وقد بلغت قوة جيش النبي - ﷺ - قبل أَن يتمرد المنافقون - ألف مقاتل، كما تقدم، يقابلهم من جانب المشركين ثلاثة آلاف مقاتل، وبعد أن تمرد المنافقون، صار جيش الرسول سبعمائة مقاتل فقط.
ولم يكن مع المسلمين من سلاح الوقاية سوى مائة دارع، بينما يوجد في جيش المشركين سبعمائة دارع.
كما أن المسلمين ليس لهم من سلاح المطاردة أكثر من فرس واحد، بينما يوجد في جيش مكة من هذا السلاح المهم مائتا فرس.
_________________
(١) تقدمت ترجمة هؤلاء الثلاثة ﵃ في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٦٩ ]
لا ننتصر بأهل الكفر
وعندما فصل - ﷺ - بجيشه من المدينة، وجاوز ثنية الوداع (١) رأي كتيبة حسنة التسليح لها رجل منفردة عن سواد الجيش، فقال ما هذا؟؟؟ .
فأبلغوه، أن هذه الكتيبة مؤلفة من اليهود حلفاء عبد الله بن أُبي، يرغبون مشاركة المسلمين في مقاتلة المشركين.
فقال (متسائلًا). أَسلموا؟؟ ..
فقالوا .. لا، يا رسول الله.
فأصدر أمره بإبلاغهم الاستغناء عنهم، وإرجاعهم، قائلًا:
"مروهم فليرجعوا، فإنا لا ننتصر بأَهل الكفر على أهل الشرك".
استعراض الجيش
وعندما وصل - ﷺ - بجيشه إلى مكان يقال له الشيخان (٢) قام باستعراض جيشه، ولدى عرض المقاتلين عليه أَمر برد بعض الشباب الصغار، انخرطوا في سلك الجيش، فلم يسمح لهم بالاشتراك في القتال لصغر سنهم.
_________________
(١) ثنية الوداع (بفتح أوله) قال في مراصد الاطلاع .. اسم موضع في ثنية مشرفة على المدينة، يطؤها من يريد مكة.
(٢) الشيخان: هما جبلان صغيران في أطراف المدينة.
[ ٢ / ٧٠ ]
ومن هؤلاء الشباب عبد الله بن عمر بن الخطاب (١) وزيد بن ثابت (٢) وأسامة بن زيد (٣) وزيد بن أرقم (٤) والبراء بن عازب (٥) وأسيد بن
_________________
(١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، من أعز بيوتات قريش في الجاهلية، كان ورعًا جريئًا جهيرًا، نشأ في الإسلام وهاجر مع أبيه إلى المدينة، غزا إفريقيا مرتين، لما قتل عثمان عرضت عليه البيعة بالخلافة فرفضها، كان من كبار المحدثين، اعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، وقد كف بصره في آخر حياته، ولد قبل الهجرة بعشر سنين، ومات ﵁ سنة ثلاث وسبعين هـ، وروي عن رسول الله ﷺ ألفين وتسعمائة وثلاثين حديثًا.
(٢) هو زيد بن ثابت بن الضحاك النجاري الأنصاري الخزرجي، من أكابر الصحابة، كان كاتب الوحي، قتل أبوه يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين، ولد زيد بالمدينة ونشأ بمكة هاجر مع النبي ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة، كان رأسًا في القضاء والفتوى، وكان ابن عباس - على جلالة قدره - يأتيه إلى بيته لأخذ العلم عنه، كان زيد أحد اللذين جمعوا القرآن في عهد النبي ﷺ، وكان يقوم بدور الترجمة بين الرسول وبين اليهود، لأنه قد تعلم العبرية بأمر من رسول الله ﷺ وكان زيد من أعلم الصحابة بالفرائض وفيه قال النبي ﷺ: "أفرضكم زيد" ولد قبل الهجرة بأحد عشرة سنة، ومات سنة خمس وأربعين، قال في الأعلام للزركلي (له في الصحيحين اثنان وتسعون حديثًا).
(٣) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٤) ہ هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس ں الأنصاري الخزرجي غزا مع النبي سبع عشرة غزوة وكانت أول المشاهد التي شهادها مع الرسول غزوة الخندق، وهو الذي سمع رأس النفاق (عبد الله بن أبي) يقول (في غزوة بني المصطلق) لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأبلغ رسول الله ذلك، فسأل ابن أبي فأنكر فأنزل الله تصديق زيد، شهاد زيد حرب صفين مع علي ﵁، ومات بالكوفة (أيام المختار) سنة ثمان وستين هـ، روى له البخاري ومسلم سبعين حديثًا.
(٥) هو البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي، صحابي جليل حاول الاشتراك في معركتي بدر وأحد، فرده رسول الله ﷺ لصغر سنه، وكانت أول غزوة يشهدها غزوة الخندق، ولاه عثمان إمارة (الري) بفارس ففتح قزوين وما حوليها في شمال إيران، وعاش إلى أيام مصعب بن الزبير، توفي سنة واحد وسبعين هـ.
[ ٢ / ٧١ ]
ظهير (١) وعرابة بن أوس (٢) وأبو سعيد الخدري (٣) وزيد بن حارثة الأنصاري (٤) ورافع بن خديج (٥) وسمرة بن جندب (٦) وسعد بن حبته (٧) فقد رد هؤلاء جميعًا، لأنهم دون الخامسة عشرة، ولكنه بعد ذلك أجاز من هؤلاء الشباب وسمح لهم بالقتال، كلًّا من رافع بن خديج، وسمرة بن جندب على صغر سنهما.
وذلك أن رافع بن خديج كان ماهرًا في رماية النبل، أما سمرة
_________________
(١) هو، أسيد (بضم أوله وفتح ثانيه) بن ظهير بن رافع الحارثي الأنصاري (ابن عم رافع بن خديج الصحابي الشهير) روى عن رسول الله ﷺ حديثين فقط، مات ﵁ في خلافة عبد الملك بن مروان.
(٢) هو عرابة (بفتح أوله والراء الخفيفة) بن أوس بن قيظي الأوسي الأنصاري كان مشهورًا بالجود والكرم، صحابي جليل وفيه قال الشاعر الشماخ: إذا ما راية وقعت لمجد تلقاها عرابة باليمين عاش عرابة إلى أيام معاوية، وله معه أخبار.
(٣) أبو سعيد الخدري، اسمه سعد بن مالك بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر الحارثي الخزرجي الأنصاري (مشهور بكنيته) صحابي جليل، كان من أفقه صحابة رسول الله ﷺ ومن أفاضل الصحابة، وقد تضلع بالعلم وهو لما يزال حديث السن، وكان من المكثرين من رواية الحديث، روى عن رسول الله ﷺ ألفًا ومائة وسبعين حديثًا، مات ﵁ سنة أربع وستين هـ (على خلاف في ذلك).
(٤) تقدمت ترجمته كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٥) هو رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الأوسي الحارثي، صحابي جليل، كان عريفًا على قومه بالمدينة، شهد معركة أحد والخندق وما بعدهما، روى له في كتب الحديث ثمانية وسبعون حديثًا، مات متأثرًا بجراح أصابته، سنة أربع وسبعين هـ.
(٦) هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، والأنصاري (بالحلف) شهد أحدًا، كان من الولاة في العهد الأموي، فقد كان زياد (أيام فتن الخوارج) يوليه أمر البصرة إذا سار إلى الكوفة وكان سمرة من أصحاب الفتيا المشهورين وكان من أشد الناس على الخوارج، توفي عام تسعة وخمسين ھہ.
(٧) واسمه سعد بن بجير بن معاوية البجلي، الأنصاري (بالحلف) ذكر في الإصابة أنه شهد أحدًا.
[ ٢ / ٧٢ ]
ابن جندب، فقد قال لأُمه، إن رسول الله - ﷺ - أجاز رافعًا، وأنا أصرعه، أي إنني أَقوى منه، فأَعلم الرسول بذلك، فطلب من الاثنين أن يتصارعا أمامه، فتصارعا، فلما غلب سمرة رافعًا أَجازة.
المبيت بين أحد والمدينة
وفي منطقة الشيخين (وحيث استعرض الرسول جيشه) أدركهم المساءُ، فأذن بلال بالمغرب، فصلى النبي - ﷺ - بأَصحابه، ثم أَذن بالعشاہء فصل بهم، وبات بذلك الموضع القريب من مہعسكر المشركين.
وقد انتخب مفرزة لحراسة المعسكر قوامها خمسون رجلًا، باتوا يقومون بأعمال الدورية طائفين حول المعسكر، وقد أُعطى الرسول - ﷺ - قيادة قوة الحراسة هذه إلى محمد بن مسلمة الأَنصاري.
وتولى ذكوان بن عبد قيس تلك الليلة حراسة الذات النبوية الكريمة.
التمرد في جيش المدينة
وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج الرسول - ﷺ - بجيشه، حتى إذا كانوا بالشوط (١) أدركتهم صلاة الصبح فصلى بأَصحابه وعليهم السلاح، لأَن العدو كان قريبًا منهم، يرونه ويراهم.
وفي هذا المكان تمرّد عبد الله بن أُبيّ، وانسحب راجعًا إلى المدينة بثلاثمائة مقاتل، كانوا قد خرجوا ضمن جيش ں النبي، وكان هؤلاء جميعًا من المنافقين.
_________________
(١) الشوط بالفتح بستان يقع بين المدينة وأحد.
[ ٢ / ٧٣ ]
وقد رجع هذا المنافق (ابن أُبَي) بكتيبة النفاق هذه، وانفصل بها عن الجيش النبوي في ذلك الظرف الدقيق، متظاهرًا بالاحتجاج بأَن الرسول عصاه وأَطاع غيره من الشباب حينما قرر الخروج إلى العدو، الأمر الذي كان يعارض فيه.
وقد أَفصح هذا المنافق على ذلك بقوله (وهو يحرض الجنود على العصيان في ذلك الظرف الحرج):
(لقد عصاني - يعني الرسول - وأطاع الولدان، ومن لا رأي له، سيعلم، ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ارجعوا أيها الناس) فرجع معه أهل الريبة والنفاق.
هدف المنافقين من التمرد
ولا شك أن الباعث الرئيسي لهذا التمرد لم يكن (كما ادّعى زعيم المنافقين) مخالفة الرسول - ﷺ - لرأي عبد الله بن أُبَي حول المكان الذي يأتي فيه المسلمون المشركين.
وإنما الباعث الحقيقي لهذا التمرد في ذلك الظرف الدقيق، هو إحداث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوّهم ليكون ذلك أَسرع في القضاء عليهم.
ولقد كاد ينجح رأْس النفاق في تحقيق ما كان يهدف إليه من تمزيق جيش المسلمين ونسف وحدته وكاد الاضطراب والاختلاف يحدث داخل الجيش النبوي على أثر انسحاب هذا المنافق بعصابته
[ ٢ / ٧٤ ]
الخائنة، فقد هم بنو حارثة من الأَوس (١) وبنو سلمة من الخزرج، بالانسحاب والعودة إلى المدينة، متأَثرين بوساوس ذلك المنافق الكبير.
وكادت تكون كارثة لو أَنهم انسحبوا وخذلوا نبيهم، غير أَن الله تولى هاتين القبيلتين فثبتهما، فعدلتا عن الانسحاب، واستمرتا على ولائهما للرسول - ﷺ - حتى نهاية المعركة، وهاتان القبيلتان هما اللتان عناهما الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
محاولة نصح المتمردين
ولقد حاول أحد زعماء الخزرج البارزين (وهو عبد الله بن عمرو بن حرام) (٣) حاول إقناع هؤلاء المنافقين بالعدول عن الانسحاب والثبات مع المسلمين، مذكرًا إياهم، أن عملهم هذا مخالف لأَبسط قواعد الشرف والرجولة، حيث يخذلون نبيهم وإخوتهم في الوقت الذي أحاطتهم فيه الأَخطار من كل جانب.
_________________
(١) الأوس (بضم الهمزة وسكون الواو)، والخزرج (بفتح الخاء وسكون الزاي وفتح الراء) اسما رجلين وهما جدّا الأنصار، وهما ابنا حارثة بين ثعلبة بن عمرو (مزيقياء) بن عامر (الملقب بماء السماء) بن حارثة - (الغطريف) بن امرئ القيس (البطريق) بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان (أخو حمير) ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كان موطن (الأوس والخزرج) بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب (بالحجاز) فصارت لهم موطنًا، وقد دارت عدة معارك شهيرة (في الجاهلية) بين هاتين القبيلتين في يثرب، ولما جاء الإسلام قام النبي صلى الله الله عليه وسلم بتصفية كل ما بينهما من خلافات وآخى بينهما فصارا من أعظم العناصر الفعالة في نصر الإسلام وتأييد الرسول، ولهذا أطلق عليهم اسم الأنصار.
(٢) آل عمران ١٢٢.
(٣) ستأتي ترجمته.
[ ٢ / ٧٥ ]
فقد أتبعهم لهذا الصحابي الجليل هاتفًا بهم (في نصح وإخلاص):
"يا قوم أذكركم الله أَن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوّهم".
فكان جواب هؤلاء المنافقين الرفض مشفوعًا بقولهم:
"لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم. ولكنا لا نرى أَنه يكون قتال".
فتركهم عبد الله بن عمرو بن حرام بعد أن يئس منهم ورجع عنهم وهو يقول:
"أَبعدكم الله، أعداءُ الله، فسيغني الله عنكم نبيّه".
وفي عبد الله بن أُبَي وزمرته الخائنة، أَنزل الله تعالى قوله:
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (١).
فشل مؤامرة التمرد
لا شك أَن حركة التمرد الخبيثة التي قام بها رأس النفاق في ذلك الظرف، هي مؤامرة خسيسة، قصد بها المنافقون تفتيت وحدة الجيش الإسلامي وإضعاف قوته وهو على أبواب معركة حياة أَو موت، وهي لا شك مؤامرة فظيعة للغاية.
ولكن هذه المؤامرة (ولله الحمد) فشلت فشلًا ذريعًا، إذ لم ينجح رأس النفاق إلا في الانسحاب بأَصحابه من أهل الريبة والنفاق.
_________________
(١) آل عمران ١٦٧.
[ ٢ / ٧٦ ]
الذين قد يكون بقاؤهم داخل الجيش المحمدي (ساعة القتال) عاملا من عوامل تحطيم الجيش الإسلامي.
إذ لا يبعد (وهذه نواياهم الخبيثة) إذا ما بقوا داخل الجيش المحمدي حتى النهاية، أن يميلوا على المسلمين وهم داخل الجيش فيضربوهم (ساعة احتدام المعركة) ثم ينضمون إلى العدو.
فكأَنّ الله ﷾ كشف نياتهم الخبيثة وهم لا يزالوا في منتصف الطريق، فكان رجوعهم من ذلك المكان بمثابة تصفية للجيش المحمدي، أراد الله بها تطهير هذا الجيش من عناصر التآمر والانهزامية والخذلان، ليلقى المسلمون عدوهم، وهم وحدة متماسكة وكتلة متراصة.
فانطبق على هؤلاء المنافقين قوله تعالى:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (١).
اختلاف جديد داخل الجيش
وبعد أن أخذ المنافقون في الانسحاب من الجيش، اختلف المسلمون فيما يصنعون خيال هذا التمرد الخطير الذي قاده عبد الله بن أبي في تلك اللحظات الخطيرة التي كان الجيش المسلم يمر بها.
فقد رأى فريق من قادة جيش النبي تأْديب هؤلاء المتمردين والقضاء عليهم للتخلص منهم قبل الاشتباك مع جيش المشركين.
ولكن فريقًا آخر (وعلى رأسهم النبي القائد الأعلى) رأوا غير الرأْي الأَول، رأوا ترك هؤلاء المتمردين وشأْنهم الآن ..
_________________
(١) التوبة ٤٧.
[ ٢ / ٧٧ ]
وهذا الرأْي (دونما جدال) هو غاية في الحكمة والصواب، لأن مقاتلة المتمردين في تلك الساعات الحرجة فيه من الخطورة على سلامة الجيش الإسلامي ما لا يخفى على أي خبير عسكري يقدر النتائج.
فمقاتلة المتمردين في تلك الساعة يجعل المسلمين بين نارين، جيش المشركين وهؤلاء المتمردين، وهذا مما يسهّل على جيش مكة الإِحاطة بجيش المدينة وضربه ضربة قد تكون مدمّرة قاضية.
وبهذا الموقف الذي سيطرت فيه قيادة الجيش العليا على الأَعصاب إزاء ذلك التمرد الغادر، أثبت الرسول القائد - ﷺ - بأَنه يجب أن يكون (عن جدارة واستحقاق) على رأس أمهر قادة العالم العسكريين خبرة ودراية وإدارة وحنكة.
خلاصة الجيش بعد التمرد
وبعد حادثة تمرد المنافقين وانسحابهم إلى المدينة. بقى النبي - ﷺ - في سبعمائة مقاتل فقط، واصل السير بهم نحو جبل أُحُد، ليقاتل بهم ثلاثة آلاف يفضلونهم (من ناحية التسليح والتموين في كل شيء إلا العقيدة والإيمان).
إلى أحد
ولما كان المشركون قد سبقوا المسلمين إلى وادي قناة وعسكروا فيه بالسبخة (١) قبل خروج المسلمين من المدينة. ولما كان النبي - ﷺ -،
_________________
(١) السبخة؛ الأرض التي بها نز وملح.
[ ٢ / ٧٨ ]
بجهل كل المسالك إلى أحد في تلك المنطقة لحداثة عهده بها، فقد طلب ممن لهم خبرة بالمسالك والطرق في تلك المنطقة أن يدلوه على طريق يفضى به إلى الشعب من جبل أحد دون أن يمر على جيش مكة المنتشر في السبخة من الوادي، والذي كان يحول (في مناطق كثيرة) بين المسلمين وبين الشعب من أحد.
الدليل إلى أحد
لذلك قال الرسول - ﷺ - باحثًا عن دليل خبير:
"من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قرب) من طريق لا يمر بنا عليهم"؟؟ .
فقال أبو خيثمة (أخو بني الحارث): أنا يا رسول الله.
فتحرك الجيش الإسلامي، فسلك به الدليل أبو خيثمة طريقًا قصيرًا وصل به إلى الشعب من أحد دون أن يمر على عسكر مكة.
فقد نفذ الدليل بالمسلمين في حرة (١) بني حارثة وبين مزارعهم متجهًا بهم شمالًا نحو جبل أحد، وتاركًا جيش المشركين شماله غربًا.
أعمى القلب أعمى البصر
وقد حدثت أثناء مرور النبي - ﷺ - بجيشه في مزارع بني حارثة، حادثة، من المناسب ذكرها للقارئ الكريم لأن فيها للنشء الإسلامي
_________________
(١) الحرة (بفتح الحاء) كل أرض ذات حجارة سود نخرة كأنما أحرقت بالنار، وأكثر هذه الحرار توجد حول المدينة، وتسمى مضافة إلى أماكنها.
[ ٢ / ٧٩ ]
(بل ولكل إنسان) دروسًا قيمة عالية في التربية الخلقية وضبط النفس حتى في أحرج الأوقات وأمام أوقح الاستفزازات، دروسًا عملية يلقيها الرسول الأعظم إلى أمته ليرفع بها من شاء ممن يوفقهم الله للسير في حياتهم حسب نهجها.
فقد حدث أثناء اجتياز النبي - ﷺ - بجيشه في حرة بني حارثة، أن مر بمزرعة لرجل يقال له مربع بن قيظي، وكان منافقًا ضرير البصر. فلما سمع حس النبي - ﷺ - وحركة جيشه لم يستطع السيطرة على أعصابه للبغض العارم الذي يغتلم في نفسه للنھبي - ﷺ -.
ولذلك قام هذا المنافق غاضبًا، وأخذ يحثو التراب في وجوه الجيش وهو يقول:
إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي (أي مزرعتي) ثم أخذ حفنة من تراب وقال، والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.
فابتدره بعض أفراد الجيش ليقتلوه، فسارع الرسول - ﷺ - إلى الحيلولة بينهم وبين ذلك قائلا:
"لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".
ففي هذا العمل النبوي النبيل درس عظيم، وخاصة للحكام والقادة، الذين يجب عليهم أن يجعلوا الانتقام لأنفسهم، حتى ممن أساء إليهم أو أراد بهم شرًّا، تحت أقدامهم، ليتربعوا على القلوب طوعًا واختيارًا.
المعسكر النبوي في أحد
ثم مضى رسول الله - ﷺ - بالجيش حتى قطع وادي قناة، وحتى إذا ما وصل إلى فم الشعب من أحد (وهو المطل عليه وادي قناة الذي رابط
[ ٢ / ٨٠ ]
فيه المشركون) عسكر بجيشه مستقبلًا المدينة وجاعلًا ظهره إلى هضاب جبل أحد.
[صورة]
منظر لإحدي شرائع وادي قناة وقد ظهر فيها الماء يجري
وعلى هذا أصبح جيش العدو فاصلًا بين جيش المسلمين وبين المدينة التي لم يبق فيها من الرجال إلا المنافقون واليهود، والعاجزون عن القتال من المسلمين، وإلا النساء والصبيان تقريبًا.
التعبئة للقتال
قام النبي - ﷺ - بتعبئة جنوده وهيأهم صفوفًا للقتال، ثم ألقى فيهم كلمة حثهم فيها على الجهاد، ومما قاله لهم في هذه الكلمة:
"ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه، وأنه قد نفث وألقى في روعي (بضم الراء) الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في طلب الرزق
[ ٢ / ٨١ ]
لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده (١).
كتيبة الرماة في الجبل
وأثناء التعبئة (وكجزء من الخطة النبوية الحكيمة) اختار - ﷺ -، خمسين من رماة النبل الماهرين في الرماية وأوكل إليهم (بقيادة آمر مسئول، هو عبد الله بن جبير) (٢) مهمة المرابطة في جبل عينين، وهو المسمى اليوم بجبل الرماة.
ويقع هذا الجبل الصغير جنوب غرب معسكر المسلمين، على ضفة الوادي الجنوبية، وعلى بعد حوالي مائة وخمسين مترًا من مقر قيادة الجيش الإسلامي.
[صورة]
جبل الرماة، المسمى (بجبل عينين) وقد ازدحمت عليه الأبنية فأضاعت كثيرًا من معالمه، ومن الجدير بالذكر أن جميع الأبنية التي على الجبل ومن حواليه من الشعب والوادي هي حادثة بعد المعركة بعدة قرون
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٧.
(٢) تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٢ ]
[خريطة]
_________________
(١) • انظر الاستدراك المهم في آخر الكتاب.
[ ٢ / ٨٣ ]
وقد كان هدف الرسول القائد - ﷺ - من وضع فصيلة رماة النبل (التي هي في ذلك العصر بمثابة سلاح المدفعية في عصرنا هذا). كان هدفه من تمركز هذه الفصيلة في الجبل، هو حماية جيش المسلمين من خطر الالتفاف أو ضرب المسلمين من الخلف وخاصة ساعة احتدام المعركة.
أنضح الخيل عنا بالنبل
فقد كان النبي - ﷺ - يعلم أن لدى المشركين قوة كبيرة من الفرسان لا يستهان بها، لا تقل عن مائتي فارس يقودها باطل مقدام هو خالد بن الوليد.
وكتيبة الفرسان هذه، هي واحدها التي يمكن للمشركين استخدامها للقيام بحركات الالتفاف الضرب المسلمين من الخلف عندما تضطرهم ظروف المعركة إلى ذلك.
ولذلك كانت خيل خالد بن الوليد تتمركز حول جبل الرماة (بصفة خاصة) لأن ناحية هذا الجبل هو الاتجاه القوي الوحيد الذي يمكن لخيل المشركين من ناحيته استخدامها لضرب مؤخرة المسلمين عند احتدام المعركة أو لمحاولة التسلل إلى ما وراء صفوف المسلمين (قبل نشوب المعركة).
لذلك حرص الرسول - ﷺ - أشد الحرص على احتلال ذلك الجبل، ووضع فصيلة الرماة فيه، الذين أكد عليهم أن يراقبوا (بشدة) خيالة المشركين، وقال لهم:
"انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا".
[ ٢ / ٨٤ ]
لا تبرحوا حتى أرسل إليكم
والذي يتيسر له رؤية مكان المعركة والاطلاع على موقع جبل الرماة الذي لا يزال جاثمًا على ضفة وادي قناة، يدرك مدى الخبرة العسكرية العظيمة التي يمتاز بها النبي الأعظم في وضع خطط المعارك، والمهارة الواسعة في تنظيم القوي العسكرية واختيار المواقع التعبوية الممتازة لكسب المعركة.
وعندما توجهت فصيلة الرماة لاحتلال الجبل (بأمر القائد الرسول) أصدر إليهم الأوامر المشددة بألا يتركوا مواقعهم في الجبل (مهما كانت الظروف والتطورات) إلا بأمر منه - ﷺ -، فقد قال لهم:
"احموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا وارشقوهم بالنبل. فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنا لا نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم".
وليتأكد الرماة من جسامة المسئولية الحربية الملقاة على عاتقهم، اختتم الرسول - ﷺ - أمره العسكري المشدد هذا بقوله: "اللهم إني أشهدك عليهم".
كما أنه - ﷺ - قال لهم (أيضًا) ومخاطبًا قائدها المسئول: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا".
كما أنه - ﷺ - قال لهم في أمر آخر (كما في بعض الروايات):
"إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا (١).
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٧ ص ١٨، ودائرة معہارف وجدي ج ١ ص ٨٦.
[ ٢ / ٨٥ ]
التهھيؤ للمعركة
وبعد أن اطمأن الرسول - ﷺ - إلى وضع فصيلة الرماة التي تمركزت في الجبل أخذ يهيئ الصفوف ويوزع المسئوليات على القادة.
لقد كان الوضع دقيقًا جدًّا بالنسبة للمسلمين، فقد كان التفاوت في العدد والمداد وجوده التسلح بين الفريقين كبيرًا جدًّا.
فقد كانت النسبة في العدد، كل مسلم مقابل أربعة من المشركين (على الأقل)، كما أن المشركين يمتاز جيشهم بكتيبة سلاح الفرسان التي تتألف من مائتي فارس، في حين أن جيش الإسلام ليس فيه من هذا السلاح سوى فرس واحد فقط. يضاف إلى هذا أن أكثر رجال الجيش الإسلامي من الحاسرين، إذ لا يوجد بيھنهم سوى مائة من لابسي الدروع.
بينما يوجد في جيش مكة من لابسي الدروع سبعمائة مقاتل، وهو عدد يوازي جيںش المدينة بأكمله.
فكل هذا التفاوت يستوجب الاهتمام والملاحظة والدقة والتركيز في وضع الخطط واختيار الأكفاء من الشجعان ليكونوا في مقدمة الصفوف لمواجهة الموقف والثبات عند الصدمة الأولى.
ولقد نجح الرسول - ﷺ - في التعويض عن النقص العددي في رجاله، باختياره نخبة ممتازة من صناديد المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة، والذين يوزنون بالآلاف، وجعلهم في مقدمة، الصفوف ليكونوا طليعة جيشه حين تلتحم الجموع.
وفي مقدمة هؤلاء حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو بكر الصديق ومصعب بن عمير
[ ٢ / ٨٦ ]
وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ (١) وسعد بن عبادة (٢) وسعد بن الربيع، وأبو دجانة (٣) وأنس بن النضر (٤)، وأمثالهم من أهل النجدة والبأس واليقين.
_________________
(١) هؤلاء التسعة تقدمت ترجمتهم في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل كان سيد الخزرج، وكان من الأمراء الأشراف المرموقين في الجاهلية والإسلام. وكان أحد الإثني عشر نقيبًا الذين تولوا (عن قومهم) إبرام معاهدة العقبة في منى، قيل إنه لم يشهد بدرا لمرض ألم به، كان من أجواد العرب المشهورين، وهو الذي دعا له الرسول ﷺ ولأهل بيته بقوله "اللهم صلاواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" كان يطمع في الخلاقة بعد رسول الله ﷺ، لذلك امتنع عن مبايعة أبي بكر ولما تولى الأمر عمر بن الخطاب، عاتبه على تخلفه عن البيعة، فقال له سعد، كان والله صاحبك (أبو بكر) أحب إلينا منك، وقد أصحبت كارهًا لجوارك، فقال عمر: من كره جوار جاره تحول عنه، فلم يلبث سعد أن خرج إلى الشام مهاجرا ومكث بحوران حتى مات فيها سنة أربع عشرة هـ، وروى سعد عن الرسول ﷺ واحدًا وعشرين حديثًا.
(٣) أبو دجانة، اسمه، سماك (بفتح أوله وثانيه مع التشديد) بن خرشة (بالتحريك مع الفتح) الخزرجي البياضي الأنصاري، صحابي جليل، شجاع مقدام، له آثار عظيمة في الإسلام شهد بدر، وأرعب المشركين يوم أحد، ثبت بعد حادثة الجبل مع رسول الله ﷺ وكان (ساعة انفضاض الناس عن الرسول) قد ترس عليه بنفسه لحمايته من النبل، فكان النبل يقع في ظهره وهو غير مكترث، وقد دافع عن رسول الله ﷺ دفاعًا مجيدا، وقد جرح يوم أحد جراحات كثيرة، شهد أبو دجانة حرب اليمامة وشارك في قتل مسيلمة الكذاب وقتل شهيدًا في تلك الحرب.
(٤) هو أنس بن النضر بن ضمضم الخزرجھي الأنصاري، وهو عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ. ثبت أنہس ﵁ يوم أحد، وهو الذي قال لما رأى بعض المسلمين يلقون بأسلحتهم، لانتشار إشاعة مقتل النبي ﷺ: ماذا تصنعون بالحياة بعده (أي إن كان قتل حقًّا) ثم أخذ سيفه وغاص في جيش المشركين وهو يقول: "اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين ..، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، فاته الاشتراك في معركة بدر، ولذلك كان حريصا على حضور معركة أحد فاستشهد فيها ﵁.
[ ٢ / ٨٧ ]
وقد أوكل - ﷺ - إلى كتيبة من الجيش (بقيادة الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود (١) مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد لمساندة الرماة لصد أي هجوم يقوم به الفرسان في أول المعركة ..
من يأخذ هذا السيف بحقه؟
وبعد أن أتم الرسول - ﷺ - تعبئة جنده، جرّد سيفًا باترًا، ثم عرض السيف على أصحابه ونادى فيهم "ليبعث التنافس الشريف لإظهار البطولة" (٢).
"من يأخذ هذا السيف بحقه"؟
فقام إليه رجال ليأخذوه فأمسكه عنهم، ومن هؤلاء الرجال، علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب، ثم قام إليه أبو دجانة (وكأن الرسول يقصده) فقال:
"وما حقه يا رسول الله"؟؟
فقال - ﷺ -:
وتضرب به حتى ينحني".
فقال أبو دجانة .. أنا آخذه .. فدفعه إليه.
مشية يبغضها الله إلا في الحرب
وكان أبو دجانة الأنصاري، رجلا شجاعا مهيبا مشهورا يختال ويتبختر في مشيته عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء، تسمى
_________________
(١) تقدمت ترجمتهما في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) الرسول القائد ﷺ ص ١١١ ط ٢.
[ ٢ / ٨٨ ]
عصابة الموت، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت.
ولهذا فإنه لما أخذ السيف من الرسول - ﷺ - (على أن يقوم بحقه) أخرج عصابته الحمراء، وعصب بها رأْسه، ثم خرج يختال (في تبختر وخيلاء) بين الصفين كعادته المتبعة عند الحرب، فلما رآه النبي - ﷺ - يختال في مشيته، قال: "إنها لمشية ببغضها الله إلّا في مثل هذا الموطن".
العدو يتهيأ للقتال
أما المشركون فقد قاموا بتعبئة جيشهم في بطن وادي قناة، وهو المكان الذي أجبروا عل قبول المعركة فيه، وكان مكانًا منخفضًا بالنسبة لجيش المسلمين الذي احتل المرتفع من الشعب وعبأ صفوفه فيه.
وكانت تعبئة جيش مكة هذه المرة، حسب نظام الصفوف، وكانت هذه، أَول مرة يقاتل فيها المكيون صفوفًا حيث كانوا دائمًا في حروبهم يقاتلون على طريقة الهنود الحمر وهي طريقة الكر والفر.
وهي الطريقة الي قاتلوا بها المسلمين يوم بدر وفاجأَهم النبي (في ذلك اليوم) بقتال الصفوف الذي لم يعهدوه والذي كان أَحد الأسباب التي أدت إلى هزيمتهم في ذلك اليوم.
ويظهر أن المشركين أخذوا دروسًا في معركة بدر في نظام الصفوف عن المسلمين ثم طبقوه يوم أُحد
[ ٢ / ٨٩ ]
القائد العام لجيش مكة
ك ما أن المشركين (أَيضًا) قد انتخبوا هذه المرة لجيشهم قائدًا عامًّا مسئولًا، هو أبو سفيان صخر بن حرب الأموي، وهو ما لم يفعلوه في معركة بدر، حيث قاتل جيشهم دون أن تكون له قيادة موحدة، بل كانت القيادة متنازعًا عليها بين الزعماء.
وقد أعطى المشركون لواءهم إلى مفرزة، كلها من قبيلة بني عبد الدار القرشية، وقد وقفت هذه المفرزة بقيادة طلحة بن أبي طلحة العبدري في مقدمة الصفوف.
وقد كان النظام القبلي المجمع عليه والمتبع في الحروب بين قبائل قريش، أن يكون حملة اللواء دائمًا من بني عبد الدار، كما تكون قيادة الجيوش في بني أُمية، وقيادة الخيل خاصة في بني مخزوم.
أبو سفيان يحرض حملة اللواء
وبعد أن أخذ بنو عبد الدار اللواء، قال لهم القائد العام أبو سفيان، (يحرضهم على الثبات ويلفت نظرهم إلى ما لسقوط اللواء أثناء القتال من أثر سيِّئ في نفوس المحاربين، ويذكرهم بما أصاب قريشًا على يدهم يوم بدر حين وقع حامل اللواء في أسر المسلمين، وهو النضر بن الحارث بن كلدة العبدري) قال لهم أبو سفيان:
"يا بني عبد الدار وقد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأَيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه".
[ ٢ / ٩٠ ]
فغضب بنو عبد الدار لقول أبي سفيان هذا أشد الغضب، وهمّوا به وتواعدوه، وقالوا له: "نحن نسلم إليك لواءنا؟؟ ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع"، وكان ذلك الذي أراده أَبو سفيان، وقد أثر استفزاز أبي سفيان في حملة اللواء أشد الأَثر، مما حملهم على الثبات ساعة احتدام المعركة، فلم يسقط لواءُ مكة من أيديهم حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
ك يف عبأت قريش جيشها؟
عبَّأت قريش جيشها صفوفًا، وجعلت له ميمنة وميسرة، أعطت قيادة الميمنة لخالد بن الوليد، وقيادة الميسرة لعكرمة بن أَبي جهل، بينما تمركز القائد العام أَبو سفيان في القلب، بعد أَن أسند قيادة مشاته لصفوان بن أُمية (١)، أَما رماة النبل فقد أَعطت قريش قيادتهم لعبد الله بن أَبي ربيعة، وهو أحد الزعماء المحرضين على غزو المسلمين، وأَعطت قريش لواءها إلى بني عبد الدار كما تقدم.
المنازعات السياسية قبل المعركة
وقبل نشوب المعركة (وبالرغم من تفوق قريش في كل شيء مادي على المسلمين) فإِن الخوف من المسلمين ظل مسيطرًا على نفوس قادة قريش.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٩١ ]
لأنهم عرفوا (عن تجربة) ضراوة المسلمين في القتال، وأن النقص العددي الذي يصاحب المسلمين (عادة) في جميع معاركهم، تحل محله (دائمًا) القوة المعنوية العارمة، والتنظيم الدقيق واتحاد الكلمة الذي منشؤه وحدة العقيدة الصادقة التي يمتاز بها المسلمون، الذين يرتبطون بقائد محنك فذ لا يقول إلّا حقًّا ولا ينطق إلا بصواب.
ولهذا قامت قريش (قبيل المعركة بقليل) بمناورتين سياسيتين خبيثتين، قصدت بهما إحداث الفرقة بين المسلمين وإشاعة النزاع داخل صفوفهم.
فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار خاصة طالبًا منهم التخلى عن رسول الله - ﷺ - وأبلغهم بأنه لم يأْت لقتالهم، وإنما جاء (فقط) لقتال قومه من قريش قائلًا:
"يا معشر الأنصار، خَلّوا بيننا وبين ابن عمنا (يعني النبي - ﷺ -، فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم" ولكن الأَنصار ﵃ ردوا عليه ردًّا عنيفًا، ورفضوا عرضه، بعد أَن أَسمعوه ما يكره.
أبو عامر الراهب الخائن
ولما فشل أبو سفيان في محاولته هذه لجأَت قريش إلى محاولة أُخرى، قام بها هذه المرة عميل خائن من أَهل المدينة، وهو أبو عامر الراهب (عبد عمرو بن صيفي الأوسي) (١).
_________________
(١) كان أبو عامر هذا زعيمًا لقومه الأوس في الجاهلية، وكان شريفًا بينهم فلما جاء الإسلام شرق به وفاض قلبه حقدًا على رسول الله ﷺ فترك المدينة حانقًا على الرسول، وغادرها إلى مكة، ومعه خمسون من خونة الأوس ذهبوا جميعًا =
[ ٢ / ٩٢ ]
فقد بعثت قريش (قبيل نشوب المعركة) بهذا الخائن لاستمالة قومه الأَوس من الأَنصار ليتركوا النبي - ﷺ - وينحازوا إلى جانب المشركين.
فوقف بين الصفوف، ونادى قومه من الأَوس في معسكر المسلمين قائلًا:
"يا معشر الأَوس أنا أبو عامر الراهب" (وكان المذكور رأس الأوس وسيدهم قبل الإسلام).
ولكن قومه (الأَوس) بمجرد أن سمعوا صوته، لم يتركوا له فرصة ليسترسل في الكلام، بل أجابوه بصوت واحد: (لا مرحبًا بك ولا أهلًا يا فاسق).
فلما سمع الخائن ردهم، قال: "لقد أصاب قوي بعدي شر"، وكان هذا الخائن أبو عامر يزعم لقريش وهو بمكة، أنه مسموع الكلمة بين قومه الأوس، وأنهم بمجرد أن يروه ويسمعوا صوته سيتركون مواقعهم في الجيش الإِسلامي وينضمون إلى جيش مكة تحت قيادته هو.
وكانت قيادة مكة قد أعطت أبا عامر الراهب هذا، اللفيف
_________________
(١) = إلى مكة" يحرضون المشركين على قتال المسلمين، ثم انضموا إلى جيش المشركين وقاتلوا المسلمين يوم أحد تحت قيادة زعيمهم أبي عامر .. ومن المفارقات العجيبة، أن لهذا الخائن (أبي عامر) ابنًا شابًّا اسمه حنظلة، كان مثلًا رائعًا في قوة الإيمان ومتانة اليقين والولاء النبيه ودينه الإسلام، فقد صادفت ليلة المعركة زفاف هذا الشاب المؤمن الذي دخل بزوجته الأولى تلك الليلة، ولكنه في الصباح عندما سمع صوت الجهاد تركها وحمل سيفه والتحق برسول الله ﷺ على عجل، وقاتل معه قتال الأبطال حتى قتل، وحنظلة بن أبي عامر هذا هو المسمى غسيل الملائكة، لأنه خاض المعركة وهو جنب، إذ خرج إليها قبل أن يغتسل، استعجالًا منه لئلا يفوته الجهاد، فغسلته الملائكة كما جاء في الحديث الشريف، وكما سنفصله فيما يأتي إن شاء الله.
[ ٢ / ٩٣ ]
المكوّن من العبدان والأَحابيش، فخاضوا المعركة تحت قيادته ضد المسلمين.
مجهود نساء قريش في المعركة
وكان نصيب نساء قادة قريش اللواتي خرجن مع الجيش، كان نصيبهن من المشاركة في المعركة إثارة حفائظ الأَبطال وتهييج عواطف الفرسان، وتحريك مشاعر المقاتلين وإشاعة روح الأخذ بالثأر وإذكاء نيران الانتقام من المسلمين، وتذكير القرشيين بما أَصاب أهل مكة يوم بدر على أيدي المسلمين.
وكان أشد هؤلاء النسوة تحريضًا على المسلمين هند بنت عتبة التي قتل المسلمون (يوم بدر) أباها عتبة وأخاها الوليد وعمها شيبة وابنها حنظلة.
فقد خرجت هذه المرأة العنيدة مع زوجها (القائد العام) أبي سفيان بن حرب، لتشهد بنفسها معركة الانتقام لعلها تشفي غليلها من المسلمين.
ولقد بذل هؤلاء النسوة مجهودًا كبيرًا لرفع معنويات الجيش القرشي وإثارة روح الثبات والتضحية في نفوسهم، فقد انتشرت بين صفوف المحاربين المتأهبين للقتال، وهن ينشدن الأشعار الحماسية المحرضة على الانتقام من المسلمين والثبات ضدهم في المعركة.
ويهًا بني عبد الدار
وقد كان تحريضهن موجهًا (بصفه خاصة) إلى حملة اللواء من بني عبد الدار، لعلمهن أن مصير جيش مكة (في الدرجة الأُولى)
[ ٢ / ٩٤ ]
مرتبط بمصير هؤلاء لأنهم يحملون راية الجيش، وفي ذلك العصر لا تأْتي هزيمة الجيش إلا من قبل حاملي رايته إن هم انهزموا، أو قُتلُوا.
وهذا هو الذي جعل القائد العام (أَبا سفيان) يقول في كلمته لحاملي اللواء من بني عبد الدار:
"لقد وليتم لواءنا يوم بدر فأَصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قِبَل راياتهم إذا زالت زالوا".
برزت نساء قريش أمام حملة لواء مكة العبدريين وهن ينشدن الأَشعار المحرضة الموجهة إليهم بصفته خاصة والتي منها:
ويهًا بني عبد الدار ويهًا حماة الأَدبار
ضربًا بكل بتّار
ثم أَخذن يتجولن تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخرتها وفي أَيديهن الدفوف يضربن بها ويغنين باسم نساء الجيش كله، شعرًا يهددن الرجال فيه بالعزوف عنهم ومفارقتهم إن هم فروا من القتال، ويوعدنهم بأن كل امرأة ستبقى مع زوجها تسعده وتخدمه، إن هم ثبتوا ولم يفروا، ومن هذا الشعر قولهن:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق (١)
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق (٢)
ولا شك أن تحريض نساء قريش كان له أثره الفعال في نفوس الجيش المكي، وخاصة حملة الواء (٣) من بني عبد الدار الذين استبسلوا في المعركة، وثبتوا يدافعون عن اللواء حتى أبادهم المسلمون عن آخرهم.
_________________
(١) النمارق جمع نمرقة وهي الوسادة الصغيرة.
(٢) الوامق، المحب.
(٣) حامل اللواء: منصب عسكري معترف به عند العرب في الجاهلية والإسلام كما أنه منصب معروف في الجيوش القديمة، كالجيش اليوناني والجيش الفارسي والجيش الروماني، وكانت قريش في الجاهلية، عشرة بطون لكل بطن منها واجب، وكان حمل اللواء في بني عبد الدار.
[ ٢ / ٩٥ ]
الفصل الثالث
* ساعة الصفر.
* نشوب المعركة.
* مصرع حمزة بن عبد المطلب.
* انتصار المسلمين.
* اندحار الجيش المكي.
واقتربت ساعة الصفر، فبعد أن أتم الفريقان تعبئتهما وأخذ كل من القادة والجنود مكانه المرسوم له، تقابل الخصمان وجهًا لوجه.
ثلاثة آلاف من فرسان المشركين وأبطالهم، تقودهم الحمية الجاهلية، وتدفعهم الرغبة في الأخذ بالثأر، مجهزين أعظم تجهيز ومسلحين أحسن تسليح، يواجهون سبعمائة من المسلمين، تدفعهم الرغبة الصادقة في الاستشهاد في سبيل الله والانتصار لرفع كلمة الله، وليس لديهم ما يتفوقون به على خصومهم سوى سلاح الإيمان القوي وتجهيزات العقيدة الصادقة الثابتة الصامدة، وأعظم به من سلاح وأكرم بها من تجهيزات.
أخذ كل من الفريقين يحرض رجاله على الصبر والثبات، وكان الرسول - ﷺ - قد خطب جيشه عند التعبئة وأصدر أوامره بأن يظل الجيش الإسلامي في موقف الدفاع حتى يتلقى منه الأوامر الخاصة حيث قال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال (١).
وقد ركز بنو عبد الدار لواء المشركين في مقدمة الصفوف وأحاط به ابنا أبي طلحة العبدري وشاعرهم يقول:
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٦٥.
[ ٢ / ٩٧ ]
إن على أهل اللواء حقًّا أن تُخْضَبَ الصعدةُ أو تندقا
وبعد إتمام التعبئة تقارب الجمعان، فجاشت العواطف وركضت القلوب بين الجنوب، واحمرت الحدق، وارتفع غليان الدم في العروق، واختلط صهيل الخيل بقعقعة السلاح، ونداءات الأبطال وصيحات الفرسان.
هجوم المشركين
كان المشركون يوم أُحد هم البادئين بالهجوم، فقد قامت قوة من مشاتهم بقيادة الخائن (أبي عامر الراهب الأوسي) تساندها كوكبة من الفرسان بقيادة عكرمة بن أبي جهل على جناح المسلمين الأيسر بغية تحطيم هذا الجناح والتسرب إلى داخل الشعب الضرب المسلمين من الخلف، لإحداث الارتباك في صفوفهم.
ولكن مواقع الجيش الإسلامي التي اختارها الرسول لمرابطة جيشه قبل المعركة واحتلال هذا الجيش المواقع التعبوية الهامة في جبل الرماة عند مدخل الشعب أحبط هذه المحاولة إحباطًا كاملًا، حيث قوبل هذا الهجوم (وخاصة هجوم الفرسان) بسيل منهمر من نبال الرماة في الجبل، كما تصدى المشاة (بقيادة الزبير والمقداد) للمهاجمين وقاوموهم مقاومة عنيفة، مما أجبر المهاجمين على الارتداد، وقد ساعد في تشتيت المهاجمين (على ما يظهر) رجال رابطوا في مواقع مختارة من جبل أُحد رجموا المهاجمين بالحجارة وسلطوا عليهم (من الصخور) قطعًا كبيرة دحرجوها نحوهم، فأحدثت الارتباك في تشكيلاتهم وأجبرتهم على الابتعاد من سفح الجبل.
[ ٢ / ٩٨ ]
قد عاود فرسان مكة الهجوم ثلاث مرات، ولكنهم فشلوا فيها جميعها، وذلك بسبب يقظة الرماة في الجبل، وهذا في أول المعركة، أما في آخرها فقد نجح هجوم خيالة مكة بعد انسحاب الرماة من مواقعهم في الجبل، كما سنفصل ذلك فيما يأتي إن شاء الله.
أولى ثمرات الخطة الحكيمة
وكان فشل المشركين في هجومهم الأول هذا أولى ثمرات الخطة الحكيمة الدقيقة التي رسمها الرسول القائد لإدارة دفة المعركة، واختار بموجبها المرابطة في ذلك المكان التعبوي الحصين من الشعب.
فلو لم يختر الرسول - ﷺ - ذلك المرتفع من الشعب المحاط بهضاب جبل أُحد من جهاته الثلاث، لنجح سلاح خيالة المشركين في التسرب بسرعة إلى مؤخرة الجيش الإسلامي لضربه من الخلف وإشغاله عن مواجهة صدر الجيش المكي.
وبعد أن فشل هجوم الفرسان وتقهقر أبو عامر الراهب أمام مقاومة المسلمين العنيدة توترت الحالة ثم حمى الوطيس وصدرت الأوامر من قادة الفريقين بالهجوم العام فاصطدم الجيشان.
وكما هي العادة في اللحظات الأولى من كل معركة، حاول الفريقان الثبات والاستبسال للسيطرة على الموقف، وأبدى كل من أعيان الجيشين شجاعة وبطولة واضحة.
وكان المشركون (عندما طارت الشرارة الأولى لإشعال المعركة)
[ ٢ / ٩٩ ]
مغترين بكثرتهم وقوة تسليحهم ووفرة أبطالهم المشهورين بين العرب لذلك كانوا هم البادئين بالهجوم والداعين إلى المبارزة دائمًا.
نقل المعركة حول لواء قريش
وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فقد كان هجوم المسلمين المضاد (١) مركزا (بصفة خاصة) على حملة هذا اللواء، ولذلك دار القتال (أول ما دار) بضراوة وعنف حول هذا اللواء.
فقد كان حملته من صناديد قريش المشهورين بالشجاعة والثبات وقد كان هدف المسلمين من تركيز الهجوم على حملة اللواء، الإطاحة بهذا اللواء، لأن الإطاحة باللواء (وخاصة في ذلك العصر) يعجل بهزيمة من يسقط لواؤهم، ولهذا كان لا يتحمل مسئولية حمل اللواء في تلك المعارك إلا الأبطال المغاوير.
مصرع قائد حملة لواء مكة
وقد أبدى حملة اللواء العبدريون من ضروب الشجاعة والثبات ما أثبت أنهم (فعلًا) في مستوى مسئولية حمل الألوية، فقد قاتلوا حول لوائهم بضراوة وشراسة وعناد، وظلوا محافظين عليه مرفوعًا، يدافعون عنه دفاع المستميت حتى أباد المسلمون مفرزتهم عن بكرة أبيها.
وكان أول وقود المعركة قائد حملة لواء المشركين (طلحة بن أبي طلحة العبدري)، كان من أشجع فرسان قريش وكان يوم أحد راكبًا جملا ومعه لواء مكة، وكان المسلمون (لشجاعته) يسمونه كبش الكتيبة.
_________________
(١) يطلق على الهجوم المضاد، اصطلاح الهجوم المقابل في الجيش العراقي.
[ ٢ / ١٠٠ ]
فقد دعا طلحة العبدري هذا المسلمين إلى البراز، فأحجم الناس عنه ولكن الزبير بن العوام أجابه إلى البراز، ولما كان طلحة راكبًا جملًا، لم يهمله الزبير حتى ينزل الأرض، بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض وبرك عليه ثم عاجله بطعنة من سيفه فصلت رأسه عن جسده.
حواري رسول الله ﷺ
وكان النبي القائد يرقب صراع الزبير مع قائد حملة لواء مكة، فلما قتل الزبير طلحة بن أبي طلحة (وهو كبش الكتيبة كما يقول ابن سعد في طبقاته) سر النبي - ﷺ - سرورًا عظيمًا، ورفع صوته بالتكبير، فكبر المسلمون لتكبيره، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن النبي - ﷺ - أثنى على الزبير بن العوام لقتله حامل لواء المشركين، فقال في حقه: "إن لكل نبي حواريًّا وحواريي الزبير" (١) وأنه - ﷺ - قال أيضًا بعد أن صرع الزبير حامل اللواء: "لو لم يبرز إليه الزبير لبرزت أنا إليه، لما رأيت من إحجام الناس عنه" (٢).
إبادة حملة المشركين
وبعد أن قتل الزبير قائد حملة اللواء طلحة بن أبي طلحة تعاقب بنو عبد الدار لحمله حتى أبادهم المسلمون جميعًا، فقد حمل اللواء - بعد أبي
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٨.
(٢) المصدر نفسه.
[ ٢ / ١٠١ ]
طلحة - أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، وتقدم للقتال وهو يقول:
إن على أهل اللواء حقًّا أن تخضب الصعدة (١) أو تندقَّا
فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه حتى وصلت إلى سرته فبانت رئته.
وبعد أن قضى عليه رجع وهو يقول أنا ابن ساقي الحجيج.
وفي الحال رفع اللواء أبو سعيد بن أبي طلحة، فرماه ابن سعيد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه، ومات لحينه، فسقط لواء مكة من يده، فسارع إلى رفعه مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن الأفلح بسهم (٢) أصاب منه مقتلًا، فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فانقض عليه الزبير بن العوام وقاتله حتى قتله.
ثم حمل اللواء (أخو كلاب ومسافع) الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فلم يمهله طلحة بن عبيد الله (٣) حتى طعنه طعنة أودت بحياته.
فهؤلاء ستة من بيت واحد، (وهو بيت أبي طلحة عبد الله بن عثمان بن عبد الدار) صرعوا جميعًا حول لواء المشركين، ثم حمل اللواء بعدهم (من بني عبد الدار) أرطاة بن شرحبيل فلم يمهله علي بن أبي طالب بل قتله، وقيل قتله حمزة، ثم سارع إلى حمل اللواء شريح بن قارظ فقتله
_________________
(١) الصعدة نوع من الرماح.
(٢) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) تقدمت أيضًا ترجمته في ذلك الكتاب.
[ ٢ / ١٠٢ ]
قزمان (١) (حليف بن ظفر) فسارع إلى حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتله قزمان أيضًا، وبهذا قضى المسلمون تمامًا على جميع حملة اللواء العبدريين.
ولما أباد المسلمون جميع حملة اللواء من بني عبد الدار بن قصي بن كلاب، سارع إلى حمله بعدهم، غلام لهم حبشي يقال له (صواب)، وقد أبدى هذا العبد ضروب الشجاعة والثبات، ما جعله يفوق جميع حملة اللواء من مواليه الذين صرعوا قبله.
فقد ذكر بن كثير أن هذا الغلام لما أخذ اللواء صار يقاتل تحته حتى قطعت يداه، ولئلا يسقط اللواء في الأرض برك عليه بصدره وعنقه، حتى قتل وهو يقول: اللهم هل أعززت يعني هل أعذرت؟
احتدام المعركة
وبينما الصراع يدور رهيبًا هكذا حول لواء مكة، كانت نيران المعركة قد اندلعت واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان.
فقد اختلط الفريقان واندفعت قريش إلى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن مات من أشرافها وساداتها منذ عام ببدر (٢) وسادت روح الإيمان صفوف المؤمنين المجاهدين فانطلقوا -خلال الشرك- انطلاق الفيضان تقطعت أمامه السدود (٣).
_________________
(١) قزمان (بضم القاف) حليف لبني ظفر، لم يكن مسلمًا وإنما كان منافقًا قاتل مع المسلمين حمية لا عن الإسلام كما اعترف بذلك عند موته، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ أنه من أهل النار لما ذكروا له شجاعته، وفعلا مات قزمان منتحرًا حيث قتل نفسه لما اشتد عليه ألم الجراح التي أصابته في المعركة.
(٢) الرسول القائد ص ١١٤.
(٣) فقه السيرة ص ١٩٤.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وكان حمزة بن عبد المطلب وأبو دجانة الأنصاري كفرسي رهان في سباق البطولة، حيث انطلقا يهدان صفوف المشركين هدًّا.
أما حمزة، فبعد أن أصدر الرسول - ﷺ - أوامره بالقتال، هتف بكلمة التعارف التي اتفق عليها المسلمون وهي (أمت أمت) ثم اندفع إلى قلب جيش الشرك كالصاعقة (وفي يديه سيفان) لا يقف له أحد.
فبالإضافة إلى مشاركته الفعالة في إبادة حملة لواء المشركين، فعل الأفاعيل بأبطالهم الآخرين، وكان يجول الأبطال أمامه كما تجول الريح أمامها الورق اليابس، لما له من هيبة في نفوس الأبطال.
وقد تعرض له أحد فرسان قريش الأفذاذ المشهورين، وهو سباع ابن عبد العزى الغبشاني، فناداه حمزة للبراز قائلًا له (في سخرية): هلم إلي، فأسرع إليه سباع يكت كتيت الفحل الهائج. فالتقاه حمزة بضربة هاشمية مسلمة جعلته كأمس الدابر.
وقد كان لمقتل سباع هذا أثر سيِّيء في نفوس المشركين لأنه من أبطالهم المعتمد عليهم ساعة الشدة.
الهزيمة تنزل بجيش مكة
وشد المسلمون على صفوف المشركين فزعزعوها وأشاعوا الذعر فيها وبدأ الاضطراب في صفوف جيش مكة.
وساد الاضطراب صفوفهم بعد أن سقط لواؤهم على الأرض عقب
[ ٢ / ١٠٤ ]
إبادة المسلمين لجميع أفراد حملة هذا اللواء، فأخذت روحهم المعنوية في الانهيار، وهذا طبيعي - بعد سقوط لوائهم - لأن سقوط اللواء (وخاصة في ذلك العصر) معناه بداية الهزيمة.
وهذا الذي عناه أبو سفيان بقوله (لبني عبد الدار) عندما سلم إليهم لواء مكة: "إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم يا بني عبد الدار إما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه".
ولقد أوفى بنو عبد الدار على الغاية حيث قاتلوا على اللواء بشراسة وعناد جاهلي حتى أبادتهم سيوف الإسلام عن آخرهم، وهنا سقط اللواء من أيديهم على الأرض، وبقى مطروحًا عليها حتى رفعته (بعد كارثة الجبل) عمرة الحارثية فالتفت حوله قريش من جديد. وإلى هذا أشار حسن بن ثابت يعير قريشًا في شعره بقوله:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بيع الجلائب
انتصار المسلمين
وبعد معركة اللواء تلك تبلور الموقف وبدأ رجحان كفة المسلمين في المعركة ظاهرًا، فضاعف المسملون من حملاتهم وبذلت قريش قصارى جهدها للصمود في وجه المسلمين الذين سيطروا على الموقف، ولكن دونما جدوى، فقد تخاذل المشركون (على كثرتهم) أمام المسلمين (على قلتهم) وأخذوا يولون الفرار ونزلت الهزيمة بجيش مكة نزول السيل العرم بالسد الخرب المتهدم.
[ ٢ / ١٠٥ ]
مصرع الأسد
وعندما بدأ سيل الهزيمة يجرف صفوف المشركين، فقد المسلمون (وهم في غمرة النصر) بطلًا من أعظم أبطالها وقائدا من أمهر قوادها، وهو أسد الله ورسوله (حمزة بن عبد المطلب) عم النبي - ﷺ -، وأخوه من الرضاعة، فقد امتدت يد الغدر والاغتيال إلى هذا الأسد وهو يهدم صفوف الشرك بسيفه.
وكان الذي قتل حمزة (والمسملون في غمرة النصر) عبد حبشي اسمه (وحشي، ولقبه أبو دسمة) قتل الأسد غيلة إذ اغتاله بحربته على بعد منه، قذف بها وهو كامن وراء شجرة.
قاتل حمزة يروي القصة
ولنترك هذا القاتل الغادر يروي بنفسه قصة الفاجعة التي أنزلتها حربته الغادرة بالمسلمين وهم في ذروة النصر، يوم أُحد.
قال وحشي: "كنت غلامًا لجبير بن مُطعم" (وكان عمه طعيمة بن عدي قد قتله حمزة يوم بدر) فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: (إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق).
قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلًا حبشيًّا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس كأنه جمل أورق يهد الناس بسيفه ما يبقى به شيئًا، فوالله إني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة أو حجر إذ تقدم منه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال: (هلم إلي يا بن
[ ٢ / ١٠٦ ]
مقطعة البظور) أتحاد الله ورسوله، قال فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه.
قال وحشي، وهززت حربتي حتى إذ رضيت منها دفعتها نحوه، فوقعت في ثنتيه حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغُلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله - ﷺ - مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله - ﷺ - ليسلموا، تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد، فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك والله لا يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق.
قال وحشي فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله المدينة، فلم يرعه إلا بي قائمًا على رأسه أشهد شهادة الحق، فلما رآني قال لي:
أوحشي أنت؟؟
قال نعم يا رسول الله.
قال .. اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة.
قال .. فحدثته، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك، فكنت أتنكب برسول الله حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله".
ومن الجدير بالذكر أن وحشيًّا هذا كان يواصل الجهاد مع المسلمين (وكان شجاعًا فاتكًا) شهد معركة اليرموك ضد الرومان.
[ ٢ / ١٠٧ ]
ووحشي هذا هو الذي قتل مسيلمة الكذاب.
فقد روى البخاري أن وحشيًّا قال: "فلما قبض رسول الله - ﷺ -، وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة.
قال فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان، فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس (وهو مسيلمة) قال وحشي .. فرميته بحربتي حتى وضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف.
فكان وحشي يقول (بعد ذلك": فإن كنت قتلت مسيلمة الكذاب فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله - ﷺ - يعني (حمزة بن عبد المطلب) وقتلت شر الناس (يعني مسيلمة الكذاب) ".
رجل يعد بالآلاف
وهكذا فقد المسلمون (بمصرع حمزة بن عبد المطلب) رجلًا يعد بالآلاف، فقد كان ﵁ من أكبر سواعد النبي في الملاحم، كان في أُحد (كيوم بدر) نجم المعركة اللامع.
كان المشركون موتورين من حمزة، وكانت قلوبهم تغلي حقدًا عليه، لأنه صرع الأحبة من فرسانهم يوم بدر، وكان الذين وترهم حمزة يوم بدر في ذويهم يودون قتله انتقامًا. ولكنهم جميعًا يدركون أن مواجهة حمزة بن عبد المطلب ليس بالأمر الهين، فشهرته الحربية واستفاضة ضراوته في القتال جعلت فرائص أعظم الأبطال ترتعد لمجرد التفكير في ملاقاة هذا البطل ولهذا لجأ المتوتورون من حمزة إلى طريق الاغتيال، فتم الاتفاق
[ ٢ / ١٠٨ ]
(كما تقدم) بين جبير بن مطعم ومولاه وحشي على عتقه مقابل أن يقتل حمزة.
ونفذت خطة الاغتيال الدنيئة، قال الأستاذ محمد حسين هيكل "وصرع الأسد حمزة (لا كما تصرع الأبطال وجهًا لوجه في ميدان القتال، وإنما كما يغتال الكرام في أحلك الظلام) وهل كان أحد من شجعان العرب جميعًا يحسب نفسه كفئا لحمزة ونزاله؟ .
وهل كان يظن أحد أن يطالع الموت حمزة في معركة على طول ما مشى بين صفوف الموت مختالًا، ولكن ما عسى أن تغني الشجاعة والنبل حين يختبئ الاغتيال في حندس الليل فيورد صاحبها حتفه" (١).
السيطرة على الموقف
وبالرغم من الخسارة الفادحة التي نزلت بالمسلمين، بمصرع الأسد حمزة فإن قواتهم ظلت مسيطرة على الموقف، فلم يتراخوا ولم يحدث أي انحسار في مد الانتصار الذي سجلوه على جيش مكة.
لا سيما أن مصرع حمزة لم يكتشفه المسلمون إلا بعد انتهاء المعركة، التي فقد المسلمون فيها كثيرا من أبطالهم، ولأن قتل حمزة لم يكن إلا غيلة في غمرة النصر والمسلمون يطاردون العدو المنهزم.
_________________
(١) في مهبط الوحي ص ٧٥٥.
[ ٢ / ١٠٩ ]
الفارس ذو العصابة
أما أبو دجانة، وهو الركن الثاني من أركان المعركة، والذي أبى الرسول - ﷺ - أن يعطي سيفه لأحد سواه عندما عرضه على أصحابه (قبل المعركة) فقد أبلى بلاء عظيمًا، فكان يوم أُحد لا يقوم له أحد وقد كان لبسالته أثر عظيم في اندحار المشركين في الصفحة الأولى من المعركة.
قال الزبير بن العوام .. وجدت في نفسي حين سألت رسول الله السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت أنا ابن صفية عمته (١) ومن قريش وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني؟؟ والله لأنظر ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:
_________________
(١) هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية، عمة رسول الله - ﷺ - وشقيقة حمزة ووالدة الزبير بن العوام، أمها هالة بنت وهب (خالة رسول الله) كان أول من تزوج صفية: الحارث بن حرب بن أمية، فلما هلك عنها خلف عليها العوام بن خويلد أخو خديجة أم المؤمنين، كانت من السابقات إلى الإسلام، هاجرت مع ولدها الزبير، وكانت - ﵂ - ذات شجاعة وإقدام، فقد ذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - لما خرج لملاقاة الأحزاب في الخندق، جعل النساء في حصن يقال له (فارغ) وجعل معهن حسان بن ثابت، وصادف أن تسلق أحد اليهود الحصن. قالت صفية، فقلت لحسان قم فاقتله، فقال لو كان ذلك في، كنت مع رسول الله - ﷺ -، قالت صفية فقمت إليه فضربته حتى قطعت رأسه، وقلت لحسان قم فاطرح رأسه على اليهود وهم أسفل الحصن، فقال والله ما ذاك، (أي لا أستطيع) قالت فأخذت رأسه فرميت به عليهم، فقالوا: قد طعنا، إن هذا (يعني النبي) لم يكن ليترك أهله خلوا، ليس معهم أحد، فتفرقوا، وكانت صفية - ﵂ - أول امرأة قتلت رجلا من الكفار، وذكر ابن حجر في الإصابة أن صفية بنت عبد المطلب، لما انهزم الناس في أحد كان بيدها رمح تضرب به في وجوههم، توفيت سنة عشرين هـ حزنت صفية على أخيها البطل حمزة حزنًا شديدًا، وقد رثته بأبيات شعر غاية في الجودة والرقة ومنها: إن يومًا أتى عليك ليوم كورت شمسه وكان مضيئا.
[ ٢ / ١١٠ ]
أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع جريحًا إلا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله (١).
وقال كعب بن مالك (٢) كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين (أي بعد الانتكاسة) قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة (أي استكمل كل عدة حربه) يجوز المسلمين وهو يقول (استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم) وإذا رجل من المسلمين ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصرى، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيأة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم
_________________
(١) البداية والنهاية ٤ ص ١٧.
(٢) هو كعب بن عمرو بن مالك بن القين الأنصاري السلمي الخزرجي، صحابي شهير وكان من أكابر الشعراء المشهورين في الجاهلية وفي الإسلام، كان من شعراء رسول الله - ﷺ - وكان أحد الذين اشتركوا في إبرام بيعة العقبة، تخلف عن بدر وشهد أحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - إلا تبوك، وكان من الثلاثة الذين تخلفوا وتاب الله عليهم، كما جاء في القرآن الكريم، كان كعب من الذين ساندوا الخليفة عثمان أيام المحنة وحرض الأنصار على نصرته وأنجده يوم الثورة، التزم كعب الحياد في الفتنة التي حدثت بين علي ومعاوية، وقال روح بن زنباع الجذامي أشجع بيت وصف به رجل قومه، قول كعب بن مالك. نصل السيوف إذا قصرن بخطونا يومًا ونلحقها إذا لم تلحق أخرج أصحاب الحديث في كتبهم ثمانين حديثًا لكعب عن رسول الله - ﷺ -، توفي كعب سنة خمسين هـ.
[ ٢ / ١١١ ]
كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟؟ أنا أبو دجانة (١).
فاختيار النبي - ﷺ - أبا دجانة وإعطاؤه السيف من بين جميع أصحابه، يدل على خبرته بالرجال ومعرفته كيف يختار الأكفاء في المواطن الحرجة، والساعات الدقيقة من المعارك الفاصلة.
كاد يقتل هند بنت عتبة
ومن عجائب الصدف أن أبا دجانة هذا كاد يقتل تلك المرأة العنيدة هند بنت عتبة زوج القائد العام لجيش مكة التي حضرت لتحريض الناس على سفك الدماء، فقد التقى بها أبو دجانة، وهي بلباس الميدان كالرجال وكاد يفلق رأسها بالسيف، لولا أن أدركتها أنوثتها فولولت عندما أحست بالموت يقترب منها.
وكان أبو دجانة قد تحدث بهذا فيما تحدث به من أخبار أُحد، فقال: "رأيت يوم أُحد إنسانًا يحمس الناس حماسًا شديدًا (أي يحرضهم على القتال) فصمدت له، فلما حملت عليه بالسيف ولول (أي صاح فزعًا)، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله - ﷺ - أن أضرب به امرأة، وكانت المرأة هند بنت عتبة"، قال الزبير بن العوام "رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها".
لم يترك المسلمون فرصة للمشركين المنهزمين ليجمعوا صفوفهم التي بعثرتها حملات المسلمين الصاعقة، وكان منظرًا رائعًا (حقًّا) سبعمائة مقاتل يشتتون ثلاثة آلاف مقاتل يفوقوهم في كل شيء إلا الإيمان.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٧.
[ ٢ / ١١٢ ]
لقد كانت هزيمة قريش هزيمة منكرة، إلى درجة أن الصنم الذي احتملته القيادة للتبرك به سقط من فوق الجمل الذي كان يحمله، وتحطم تحت أقدام عابديه دون أن يفكر فيه أحد لأن الهزيمة أنستهم كل شيء.
وبلغت الهزيمة بالمشركين إلى أن جلوا عن معسكرهم تمامًا فاحتله المسلمون، وأحاطوا بمن فيه من نساء المشركين.
قال ابن إسحاق .. ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدق وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها، قال في السيرة الحلبية:
"ثم لما قتل أصحاب لواء المشركين واحدًا بعد واحد، ولم يقدر أحد يدنو منه انهزم المشركون وولوا الأدبار لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل بعد فرحهم وضربهم بالدفوف، وألقين الدفوف وقصدن الجبل كاشفات سيقانهن يرفعن ثيابهن، وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم".
[ ٢ / ١١٣ ]
الفصل الرابع
* غلطة الرماة الفظيعة.
* انتكاسة المسلمين بعد النصر.
* تحول مجرى القتال لصالح المشركين.
* تطويق الجيش الإسلامي.
وهكذا (مرة أخرى) انهزم الكفر أمام الإيمان (مع التفاوت الهائل في العدد والعدة) فتبعثر ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين أمام سبعمائة محارب من المسلمين، كما يتبعثر الورق اليابس أمام العاصفة.
وكادت المدينة تسجل مرة أخرى، على مكة نصرًا ساحقًا، لا يقل روعة وفعالية عن النصر الذي سجلته عليها يوم الملحمة الأولى (ملحمة بدر).
ولكن (كما يقولون) هناك مزالق بين الكأس والشفة. ذلك أن عملًا واحدًا من أعمال الخروج على النظام والانضباط العسكري (١)، ارتكبه الرماة (المتمركزون في الجبل) حول نصر المسلمين المؤزر إلى كارثة.
كان النبي (كقائد عسكري) خبير مسئول قد اختار (وفقًا للخطة المرسومة) فصيلة من رماة النبل بقيادة آمر مسئول، وأمرها بأن تتمركز في جبل عينين (كما ذكرنا ذلك فيما مضى) وأفهم هذه الفصيلة بأن
_________________
(١) الانضباط العسكري: تعبير عسكري يراد به تنفيذ الأوامر نصًّا وروحًا برحابة صدر، والانضباط العسكري هو الطابع المميز للجيش عن المدنيين، وفي بعض الدول يدعى الضبط العسكري، وهو الإطاعة وتنفيذ الأوامر بدون تردد.
[ ٢ / ١١٥ ]
مهمتها الرئيسية هي حماية ظهر الجيش الإسلامي، وصد أية محاولة (في أي وقت يقوم بها خيالة المشركين) بأن يلزموا مواقعهم في الجبل حتى يتلقوا منه أوامر خاصة.
ولكي يدركوا خطورة الواجب الملقى على عاتقهم وأن مصير الجيش الإسلامي قد يكون (في ساعة من الساعات) مرتبطًا ببقائهم في هذا الجبل حذرهم من مغادرتهم حتى ولو رأوا الطير تتخطف المسلمين.
الخوف من اقتحام الخيالة الجبل
وقد كان أخشى ما يخشاه الرسول - ﷺ - هو أن يعمد سلاح فرسان المشركين إلى مباغتة المسلمين وضربهم من الخلف ساعة احتدام المعركة.
ولما كانت هذه العملية التي كاد يخشى أن تقوم بها خيل قريش، لا يمكن القيام بها إلا عن الطريق الذي يشرف عليه الجبل الذي تمركز فيه المسلمون، لفت - ﷺ - نظر هؤلاء الرماة بصفة خاصة إلى خطر خيل مكة وأمرهم بأن يترقبوها دائما، ويرشقوها بالنبل إن حاولت المرور لضرب المسلمين من الخلف.
(وفعلًا) حدث الذي كان يخشاه الرسول - ﷺ - ويتوقع حدوثه فقد فكر فيه خالد بن الوليد قائد سلاح فرسان المشركين منذ اللحظة الأولى.
فقد ظل ابن الوليد يرقب مواقع الرماة في الجبل مراقبة دقيقة ويتحين الفرص لعله يجد فرصة لاتقتحام الموقع في الجبل وإجلاء المرابطين أو إبادتهم، ثم التسرب من فم الشعب إلى داخله، لضرب المسلمين من الخلف وإحداث الارتباك في صفوفهم في أول المعركة.
[ ٢ / ١١٦ ]
وفعلًا قام في بداية الملحمة بثلاث هجمات لاقتحام الشعب من ناحيته الغربية (وهي الناحية الوحيدة الصالحة لانطلاق خيله) ولكنه فشل في كل هذه الهجمات فشلًا تامًّا حيث أصلاه المرابطون في الجبل نارًا حامية من سهامهم، فارتد بخيله، لأن الخيالة لا يقدمون الخيل على النبل.
قيام الرماة بواجبهم أول المعركة
وهكذا قام الرماة بواجبهم في أول المعركة خير قيام، حيث صدت نبالهم الحادة كل المحاولات التي قام بها فرسان خالد بن الوليد لاقتحام فم الشعب في أول المعركة.
وظلت مؤخرة المسلمين في مأمن تحت حراسة هؤلاء الرماة الأشداء في جميع مراحل المعركة، حتى ساعة الانتكاسة وهذا يعني أن فصيلة الرماة قد ساهمت مساهمة كبرى في تحقيق النصر الذي أحرزه المسلمون ضد المشركين في أول المعركة.
غلطة الرماة الشنيعة
ولكن هؤلاء الرماة إذا كان ذلك شأنهم في أول المعركة، فإنهم قد تسببوا في النهاية في كارثة مروعة أضاعت كل ثمرات النصر التي أحرزها المسلمون ببسالتهم، كما تسبب هؤلاء الرماة في مصرع أكثر من ستين مسلمًا من جند المدينة، وكادوا يكونون سببًا في مقتل النبي الأعظم - ﷺ - الذي تعرض نتيجة لغلطة هؤلاء الرماة لجراحات كثيرة. وتفصيل ذلك أن هؤلاء الرماة (وعددهم خمسون) لما رأوا أن المسلمون قد كشفوا المشركين عن المعسكر وركبوا ظهورهم يقتلون ويغنمون، ورأوا لواء
[ ٢ / ١١٧ ]
المشركين مطروحًا على التراب تأكدوا من هزيمة العدو، وهنا اختلفوا فيما بينهم.
فبينما كان سواد الجيش الإسلامي يوالي ضرباته ضد العدو المنهزم، كان النقاش يدور حادًّا بين الرماة في الجبل حول ما إذا كان من حقهم ترك مواقعهم للاشتراك في مطاردة العدو وأخذ حصتهم من الغنائم التي رأوها مبعثرة على أرض المعركة فسال لها لعاب أكثرهم.
وكانت الأغلبية من الرماة تميل إلى ترك الجبل والاشتراك في جمع الغنائم، حتى بعضهم قال:
"لم تقيمون ها هنا في غير شيء، وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا واغنموا مع الغانمين، ثم استأذنوا في مغادرة الجبل".
الرماة يتمردون على قائدهم
ولكن آمر الموقع وقائد هؤلاء الرماة المسئول (عبد الله بن جبير الأنصاري) كان يرى خلاف هذا الرأي، كان يرى أن من الضروري أن تطبق حرفيًّا أوامر النبي القائد العام التي تقضي بعدم مغادرة الجبل إلا بأمر خاص منه، ولما اشتد اللغط بين الرماة، وقف قائدهم فيهم خطيبًا، وحذر الذين استأذنوا في ترك مواقعهم، وذكرهم بأوامر الرسول المشددة التي تقضي بعدم ترك الجبل مهما كانت الظروف والملابسات إلا بأمر من النبي - ﷺ -.
ثم أعلن هذا القائد بأنه مصمم على البقاء في الجبل حتى يتلقى
[ ٢ / ١١٨ ]
الأوامر الخاصة من النبي - ﷺ - بالانسحاب أو يفنى، ثم نهى الذين استأذنوه، ولم يسمح لهم بمغادرة الجبل بل أمرهم بالبقاء في مراكزهم.
ولكن الأكثرية في الجبل من الرماة (ولأمر يريده الله) تمردوا على قائدهم، وتركوا مواقعهم في الجبل والتحقوا بسواد الجيش للمشاركة في جمع الغنائم ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١) فبقى القائد ابن جبير في الجبل منفردًا مع أقلية دون العشرة أطاعوه.
نزول الكارثة بالمسلمين
وبانسحاب أكثرية الرماة من الجبل انكشفت مؤخرة الجيش الإسلامي تمامًا، حيث بقيت دونما حراسة كافية، لأن عشرة من رماة النبل لا يمكن أن يقفوا في وجه مائتين من الفرسان الغائصين في الحديد.
ولم يكن من السهل إبلاغ المسلمين بما حدث ولأن خالد بن الوليد لم يترك فرصة لقائد الرماة ومن بقى معه لينبهوا المسلمين إلى ما حدث على الأقل.
فقد لمح قائد سلاح فرسان مكة (الذي كان يراقب موقع الرماة في الجبل مراقبة شديدة) لمح ترك أكثر الرماة لمراكزهم في الجبل فاهتبل الفرصة على عجل، وصاح في كتيبته من الخياله آمرًا بالهجوم على المسلمين من الخلف ..
فاندفعت خيل المشركين تسابق الريح (يقودها خالد وعكرمة ابن
_________________
(١) آل عمران: ١٥١.
[ ٢ / ١١٩ ]
أبي جهل) نحو مواقع الرماة في الجبل للقضاء (أولًا) على من بقى فيه من الرماة.
وقد صمد قائد الرماة مع من بقى معه في وجه فرسان مكة وقاوموا مقاومة الأبطال، ولكن أنَّى لعشرة من المشاة (مهما بلغوا من الشجاعة) بالمقاومة في وجة مائتي فارس مسلحين أحسن تسليح يقودهم خالد بن الوليد.
ولهذا لم تمض برهة حتى أباد خالد جميع من ثبت من الرماة في الجبل ومنهم قائدهم البطل (عبد الله بن جبير) ﵏ جميعًا.
المسلمون بين نارين
ثم استدار ابن الوليد بسرعة وانقض بفرسانه على مؤخرة الجيش الإسلامي، بعد أن صاح فرسانه صيحة عرف منها المشركون المنهزمون أن ابن الوليد قد قام بحركة التفاف ناجحة ضد جيش المدينة، فانقلب المشركون نحو المسلمين وقاموا ضدهم بهجوم مضاد، وأسرعت عمرة الحارثية إلى لواء المشركين المطروح على الترب فرفعته ليلتف المنهزمون حوله من جديد، وتنادى المشركون المنهزمون وشجع بعضهم بعضًا على العودة إلى الميدان بعد أن رأوا لواءههم يرفع من جديد.
وبهذا تغير الموقف تغيرًا كاملًا، وتحول مجرى القتال لصالح المشركين.
أما المسلمون فقد صاروا بين نارين، فأصبح لذلك همهم الوحيد (في تلك اللحظة السيئة) النجاة بأرواحهم من الطوق الذي ضربه المشركون حولهم.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وبحركة خالد المباغتة التي يسرت لها غلطة الرماة النجاح الكامل، ضاعت على المسلمين معالم الخطة الحكيمة التي رسمها الرسول القائد لإدارة دفة المعركة، فصاروا يقاتلون دونما تماسك، إذ وجدوا أنفسهم وبطريقة فجائية (بعد نسف الرماة بتمردهم خطة القتال التي وضعها الرسول القائد للمعركة) أمام أسلوب من القتال جديد.
فصاروا وكأنهم يخوضون معركة جديدة، يقاتلون فيها دونما خطة مرسومة، أو تعبئة سابقة، أو قيادة موحدة حيث أصبح كل فرد من أفراد الجيش المطوق (وقبل الاتصال بالنبي القائد الأعلى) يرسم لنفسه خطة يحاول بموجبها الإفلات من الحزام الذي وجد المسلمون أنفسهم (فجأة) داخله.
المسلمون يقتلون بعضهم
لقد فقد المسلمون تنظيمهم (بعد غلطة الرماة) وانتقضت صفوفهم، وعمتهم الفوضى والارتباك، فاختلطوا، وألقوا ما في أيديهم من الغنائم، وانقلب بعضهم يضرب بعضًا، فعمت الفوضى والارتباك صفوفهم، وصاروا يقتتلون على غير شعار.
وتاه الكثيرون منهم، لا يدرون إلى أين يتجهون، لا سيما بعد أن صاح صائح المشركين (إن محمدًا قد قتل).
فكانت محنة قاسية سقط فيه كثير من المسلمين قتلى بأيدي إخوانهم من غير قصد.
[ ٢ / ١٢١ ]
ولقد كان من المتوقع أن تقضي كثرة العدو العديدة المتفوقة - التي أعادت تنظيمها بعد حركة خالد الناجحة - كان من المتوقع أن تقضي هذه الكثرة على القلة من المسلمين المطَّوقين وتسحقهم سحقًا كليًّا.
ولكن الليوث لا تصاد بسهولة.
فالبرغم من المأزق الحرج الذي وقع فيه سواد الجيش الإسلامي، فإنهم أخذوا يقاتلون بضراوة ليشقوا طريقهم نحو قائدهم النبي - ﷺ -، الذي تأكدوا من سلامته بعد أن سمعوه يناديهم بصوته الكريم من مقر قيادته.
فشقوا طريقهم (ولكن بصعوبة كبيرة) وسط غابات الرماح والسيوف التي أحاطهم المشركون بها من كل جانب بعد نجاح حركة خالد المفاجئة.
ولقد اتصل المسلمون من جديد بنبيهم الذي بقى (مع بعض هيئة أركان حربه) يرقبون مطاردة المسلمين للعدو وتخلصوا من الطوق المضروب عليهم ولكن بعد أن دفعوا الثمن غاليًا.
كيف انقسم الجيش الإسلامي
كان المسلمون بعد كشف المشركين عن معسكرهم ونزول الهزيمة بهم، قد انقسموا إلى فرق ثلاث:
١ - الفرقة الأولى وهم الرسول - ﷺ - وبعض أركان حربه ظلوا في مركز القيادة العامة ولم يشتركوا في المطاردة، ومن بين هؤلاء أبو بكر
[ ٢ / ١٢٢ ]
الصديق وطلحة بن عبيد الله وغيرهما من المهاجرين والأنصار وقد كانت الفرقة قليلة العدد جدًّا إذ لم يزد عددهم على أربعة عشر رجلًا (١).
٢ - وفرقة ثانية اشتركت في مطاردة العدو، ولكنها لم تتوغل، وبقيت على مقربة من مقر قيادة الرسول، وهذه الفرقة لم يتمكن المشركون من تطويقها، عندما تغير مجرى القتال، ويظهر أن من أفراد الفرقة أنس بن النضر وعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص (٢).
وهذه الفرقة أيضًا كانت صغيرة جدًّا، إلا أن رجالها كانوا يعدون بالمئات، فقد سارع هؤلاء بالانضمام إلى الرسول في مقره، وألفوا جبهة لحماية الرسول من كرة العدو.
٣ - وفرقة ثالثة، وهي الفرقة الكبرى التي ضمت سواد الجيش الإسلامي، وقامت بمطاردة العدو حتى أجلته عن معسكره واحتلت مقر قيادته واستولت على ما في المعسكر من غنائم.
وهذه الفرقة (وإن شئت قل هذا الجيش) هو الذي تمكن جيش قريش من تطويقه توطيقًا كاملًا بعد ضربة خيالة بن الوليد المفاجئة وقد انقسم الجيش الإسلامي المطوّق إلى قسمين:
١ - القسم الأول (وهو صغير جدًّا) تمكن من الإفلات وانهزم نحو المدينة، حيث لم يوفق في شق طريقه نحو مقر قيادة الرسول في الشعب، متوهمًا أن جيش المسلمين قد هزم، وأن نبيهم قد قتل.
_________________
(١) سمط النجوم العوالي، للعصامي ج ٢ ص ٨٥.
(٢) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ١٢٣ ]
ولكن هذا القسم الصغير لما وصل بعضه أسوار المدينة عنفهم النساء اللواتي كن هناك في الآطام (١) وعلى التلال يرقبن المعركة .. عنف النساء هؤلاء الرجال المنهزمين وحَثَتْ الزوجات التراب في وجوه أزواجهن، ونبهنهم إلى أن الرسول لم يُقْتَل.
فعاد هؤلاء المنهزمون أدراجهم مسرعين نحو المعركة، ولكنه لم يتمكنوا من الاتصال بالنبي - ﷺ - إلا بعد انتهاء المعركة، ويقال أن بعضًا من هؤلاء المنهزمين لم يرجعوا إلا بعد ثلاثة أيام من المعركة، وهؤلاء هم الذين قال لهم النبي - ﷺ -، لقد ذهبتم فيها (أي الهزيمة) عريضة، أو كما قال:
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الفئة المنهزمة ونص على أن الله تعالى عفا عنهم، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢).
أما القسم الأكبر من سواد الجيش المطوّق، فقد حدث ارتباك شديد داخل صفوفه، وانهارت الروح المعنوية (أو كادت) في نفوس بعض أفراده الذين أصابهم الذهول بعد الانتكاسة، وخاصة عندما سرت بينهم إشاعة مصرع النبي الأعظم - ﷺ - ولقد كان والد حذيفة بن اليمان (٣)
_________________
(١) الآطام: الحصون.
(٢) آل عمران: ١٥١.
(٣) هو حذيفة بن حميل بن جابر اليماني العبسي، من كبار الصحابة، أسلم حذيفة وأبوه، وأراد شهود بدر فصدهما المشركون، شهد حذيفة الخندق وأحد وما بعدهما، وكان من الولاة =
[ ٢ / ١٢٤ ]
(واسمه حسيل بن جابر) (١) أحد الذين قتلهم المسلمون ساعة الارتباك والدهش الذي أصاب المسلمين بعد الانتكاسة.
فقد روى البخاري عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: لما كان يوم أُحد هُزِم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس، أي عباد الله أُخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت مع أُخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه فنادى أي عباد الله (أبي أبي).
فقالت، فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم (٢).
إشاعة مقتل الرسول
ومما زاد النكبة أن إشاعة سرت مفادها أن المشركين تمكنوا من قتل النبي - ﷺ - ونادى مناديهم بذلك، وسبب هذه الإشاعة أن أحد فرسان
_________________
(١) = الشجعان الفاتحين، كانت أكثر فتوحاته في أرض فارس (أيام عمر) غزا نهاوند وافتتح الدينور، وماه سندان، وغزا همذان والرى (منطقة طهران) فافتتحمها عنوة، ولاه عمر على المدائن بفارس، فكان من أعف الولاة، وكان دائما محل ثقة الخليفة عمر، وكان حذيفة من المقربين إلى رسول الله ﷺ وكان عينه على المنافقين لم يعلمهم أحد غيره، وكان عمر إذا مات ميت يسأل عن حذيفة فإن حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر، وإلا لم يصل عليه، روى حذيفة ٢٢٥ حديثًا توفي بالمدائن سنة ٣٦ هـ.
(٢) هو حسيل (بالتصغير) والد حذيفة، استشهد يوم أحد، قال حسيل ما منعني أن أشهد بدرً إلا إني خرجت أنا وابني حذيفة فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدًا فقلنا ما نريده، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال انصرفا.
(٣) سيرة ابن هشام.
[ ٢ / ١٢٥ ]
المشركين (واسمه ابن قمئة) التقى بمصعب بن عمير العبدري (١) حامل لواء المسلمين فقتله، وكانت طلعة مصعب شبيهة بطلعة النبي - ﷺ -، وخاصة إذا لبس السلاح، فظن الفارس المشرك أنه قد قتل الرسول - ﷺ - فصاح: "لقد قتلت محمدًا، فشاع هذا الخبر الكاذب بين المقاتلين.
فوقع (لهذه الإشاعة) مزيد من الذعر والارتباك في صفوف المسلمين المطوقة.
تفكير بعض المسلمين بالاستسلام
فقد صار بعض المسلمين حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، وتوقف آخرون عن القتال وألقوا بأسلحتهم، وفكر فريق في الاتصال بعبد الله بن أبي في المدينة، ليعرض استسلامهم على القائد العام للمشركين أبي سفيان، ويأخذ لهم الأمان منه، ظنًّا منهم أن محمدًا - ﷺ - قد قتل.
فقد قال قائل هؤلاء: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم" (٢).
إن رب محمد لم يقتل
وبينما هم حائرون هكذا، إذ أقبل إليهم أنس بن النضر (٣) الخزرجي، فلما رآهم قد ألقوا السلاح قال لهم: ما لكم قد ألقيتم بأيديكم هكذا؟؟ أو كما قال.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتبانا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٣.
(٣) تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٢ / ١٢٦ ]
فقالوا له: قُتل رسول الله.
فقال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - ﷺ -.
ثم استقبل المشركين بسيفه واندفع نحوهم كالإعصار وهو يقول: "اللهم إني أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء (يعني المشركين) وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء" (يعني المسلمين الذين ألقوا السلاح وفكروا في الاستسلام) ثم قاتل المشركين قتالا منقطع النظير حتى قتل - ﵁ -.
كما أن ثابت بن الدحداح (١) عندما رأى الانهيار بين بعض المقاتلين المسلمين (لإشاعة مقتل الرسول)، صاح في قومه الأنصار يحرضهم على الاستبسال والمقاومة:
"يا معشر الأنصار إن كان محمد - ﷺ - قد قتل فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم فإن الله مظفركم وناصركم"، فنهض إليه نفر من الأنصار، فحمل بهم على كتيبة من سلاح فرسان مكة، فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله بالرمح وقتل من حمل معه من الأنصار (٢).
الرسول ينقذ الموقف
وهكذا أخذ المسلمون المحاصرون يشجع بعضهم بعضًا، فعدلوا عن فكرة الاستسلام، وأخذوا سلاحهم، واندفعوا (في بسالة) يصارعون
_________________
(١) هو ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غنم البلوي - حليف الأنصار - صحابي جليل.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٢.
[ ٢ / ١٢٧ ]
أمواج جند الشرك المتلاطمة حولهم وقد عادت إليهم روحهم المعنوية التي فقدها الكثير منهم وأخذوا يشقون لهم بسيوفهم طريقًا عبر صفوف العدو المحيطة بهم، وذلك بعد أن تأكدوا من سلامة قائدهم النبي - ﷺ -، الذي سمعوه يناديهم بصوته الكريم لينضموا إليه: (أنا رسول الله) حول المقر الذي ظل فيه مرابطًا بعد أن كشف المسلمون المشركين في أول المعركة.
وكان بقاء الرسول وهيئة أركان حربه في مقر القيادة وعدم اشتراكهم في المطاردة جاء (كما قال صاحب كتاب حياة محمد ورسالته) بموجب خطة وقائية.
وذلك أن الرسول عندما وضع خطة المعركة وصف رجاله للقتال أدخل في حسابه - شأن القائد اليقظ - إمكان تطور الموقف لغير صالح المسلمين (١)، فجعل ظهره وظهر أصحابه إلى جبل أُحد، ليتخذ من هذا الجبل مفزعًا يلجأ إليه إذا ما ألمت بهم كارثة.
وكان الرسول (كقائد أعلى للجيش) حين شُغل المسلمون بمطاردة العدو قد تخلف (مع بعض أركانه حربه) سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فلم يبرحوا مواقعهم (وكأن الجميع ظلوا يتتبعون سير المعركة وعينهم على جبل الرماة) فلم يكد الرسول يرى خالدًا ينقض على المسلمين ويحتل الموقع الذي هجره الرماة حتى أدرك عظم الخطر المحدق بالجيش الإسلامي.
ولم يكن أمامه - في تلك اللحظات - غير سبيلين اثنين يستطيع انتهاجهما ..
_________________
(١) حساب أسوأ الاحتمالات مبدأ لا يغفل عنه القادة العسكريون في الحرب.
[ ٢ / ١٢٨ ]
١ - إمَّا أن يكفل السلامة الشخصية لنفسه بالشخوص إلى مفزع ما، تاركًا أصحابه لمصيرهم المقدور.
٢ - وإمّا أن يناديهم مخاطرًا بنفسه لكي ينقذهم من الخطر (ليجعل من مقره مكان تجمع لهم) فينقذهم بذلك من خطر الإبادة أو الضياع والتفكك.
ولقد اختار السبيل الثانية، وإذ وجدهم في ضيق صاح بأعلى صوته.
"هلَمّ إلي، أنا رسول الله" (١).
ولقد أشار القرآن الكريم إلى موقف الرسول الرائع البطولي هذا، الذي أنقذ به الجيش من حيرته وارتباكه، فقال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢).
تحسن الحالة بعد النكسة
ولقد كان صوت الرسول الكريم - ﷺ - بمثابة تيار أعاد إلى المنهزمين رشدهم، فلم يكد صوته - ﷺ - يصل إلى آذانهم حتى عادت إليهم الطمأنينة، وأخذوا يتوافدون نحوه، ونجح الكثير من المطوَّقين في شق طريقهم عبر صفوف العدو غير مبالين بالخسائر الباهظة في الأرواح.
وبهذا تحسنت حال المسلمين، وأخذوا (بقيادة نبيهم) في استعادة تنظيمهم.
_________________
(١) حياة محمد ورسالته ص ١٨٤.
(٢) آل عمران ١٥٢.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وصاروا يتجمعون من حوله، وأخذوا في إنشاء جبهة قتال متحدة جديدة، وبهذا أخذ مجرى القتال يتغير عما كان عليه (يوم نجح المشركون في تطويق المسلمين وإشاعة الارتباك في صفوفهم بعد حركة خالد وإشاعة مقتل الرسول ﷺ).
الهجوم على النبي ﷺ
شديد ولكن صيحة الرسول ﷺ إذا كانت قد جمعت شتات المسلمين المبعثرين على صعيد الهزيمة، وأعادت إليهم روحهم، فإنها كذلك نبّهت المشركين إلى أن الرسول - ﷺ - حي لم يقتل، ودلتهم على مكانه.
مما جعل الذات النبوية الكريمة هدفًا لهجمات المشركين السريعة المتلاحقة.
ولقد كانت فترة عصيبة حقًّا، تعرضت فيها حياة النبي الأعظم لأشد الأخطار، فقد عرف المشركون القريبون منه ﷺ مكانه بالتحديد.
فمالوا عليه بثقلهم - وهو لما يزال في قلة قليلة من أصحابه - بغية التخلص منه والقضاء عليه، قبل أن يتمكن سواد أصحابه من الالتفاف حوله.
المعركة تحتدم حول الرسول ﷺ
وهنا دخلت المعركة في طور آخر وأخذت نيرانها في الاشتعال من جديد.
فقد أدرك الصحابة الخطر الجسيم المحدق بنبيهم، فخشوا أن يطوّقه المشركون الذين عرفوا مكانه لا سيما في تلك الفترة التي لم يكن فيها معه سوى بعض هيئة أركان حربه وقلة ممن سارع بالانضمام إليه لا يزيدون على عدد أصابع اليادين.
[ ٢ / ١٣٠ ]
ولهذا تَدَافع الصحابة نحو نبيهم، وأخذوا في إقامة سور بشري من أنفسهم لمواجهة ضربات المشركين الموجهة إلى الرسول (شخصيًّا).
وكان هدف الصحابة هذه المرة (في الدرجة الأولى) الحفاظ على حياة نبيهم الكريم التي أصبحت مهددة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب التي خاضها ﷺ.
ذلك أن النبي ﷺ (بعد الانتكاسة واضطراب المسلمين وتشتتهم) بقي منفردًا في مقر القيادة العامة مع نفر قليل جدًّا من أصحابه، ولذلك اغتنم المشركون القريبون منه الفرصة هذه، فقامت مجموعة من فرسانهم ومشاتهہم بهجمات خاطفة ركزوها على شخص الرسول الأعظم، للتخلص منه والقضاء عليه - مغتنمين انفرادہ وتفرّق عامة أصحابه عنه -.
النبي الجريح
وقد ثبت محمد بن عبد الله الهاشمي النبي القائد، لتلك الهجمات السريعة المتلاحقة ثبوت الرواسي، وقاتل المهاجمين بضراوة وشجاعة منقطعة النظير، يسانده (في ذلك) قلة من أصحابه الذين ثبتوا معه، والذين لم يفارقه بعضهم منذ بداية المعركة، ومنهم من سارع بالانضمام إليه ساعة الانتكاسة.
أثناء هذا الصراع الرهيب أُصيب الرسول القائد - ﷺ - بجراحات كثيرة فقد تحطمت الخوذة (١) الحديدية التي كانت على رأسه نتيجة
_________________
(١) الخوذة (بفتح الخاء) ما يجعله المحارب على رأسه.
[ ٢ / ١٣١ ]
للضربات التي أصابه المشركون بها كما أنه أيضًا جرح في وجهه الشريف عدة جراحات ..
فقد حمل عليه أحد فرسان المشركين (واسمه ابن قمئة) وهو يقول: "أين محمد لا نجوت إن نجا".
وأثناء صراعه مع ابن قمئة علاه الأخير بالسيف وضربه به ضربة شديدة فلم تضره كثيرًا، لأنه - ﷺ - كان قد لبس درعين، وقد أصابت هذه الضربة عاتق النبي فتأثر منها وشكا بسببها أكثر من شهر، فقد كانت ضربة عدو الله عنيفة إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين بها فنجا رسول الله - ﷺ - منها.
كما أنه - ﷺ - أثناء هذا الصراع جُرح في وجه، جَرَحَه ابن قمئة الذي كان يلح مع أصحابه في الهجوم على رسول الله.
[صورة]
عند هذا المكان من الشعب جرح الرسول ﷺ وكسرت رباعيته.
فقد دخلت حلقتان من حلق المغفر (١) في وجنتيه الشريفتين وأخذ
_________________
(١) المغفر (بكسر الميم) زرد يلبسه المحارب تحت القلنسوة.
[ ٢ / ١٣٢ ]
الدم يسيل على أثر ذلك، نتيجة لضربة أُخرى أصابه بها أيضًا ابن قمئة، وكان عدو الله من فرسان المشركين الفاتكين.
كما شُجّ وجهه الشريف، شجّه كبيرة (بقي أثرها في وجهه حتى التحق بالرفيق الأعلى) نتيجة لضربة جاءته أثناء احتدام المعركة، من عبد الله بن شهاب الزهري (١) - جد الإمام محمد بن شهاب الزهري المشهور.
كذلك تكسرت رباعيتها (٢) السفلى وانشقت شفته عندما قذفه (بحجر كبير) عتبة بن أبي وقاص (أخو سعد بن أبي وقاص - ﵁ -).
كما وقع - ﷺ - (أثناء تلك الساعة العصيبة الدامية) في حفره عميقة فجرحت ركبتاه، وأغمى عليه، وقد سارع أصحابه المدافعون عنه إلى إنقاذه وأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله من الحفرة حتى استوى قائمًا.
ليس لك من الأمر شيء
ولما جرح النبي - ﷺ - وجعل الدم يسيل بغزارة على وجهه الشريف أخذ يمسح الدم وهو يقول:
"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم اشتد غضب الله على قوم أدْموا وجه رسول الله". فأنزل الله عليه (بسبب هذا الكلام) قوله تعالى:
_________________
(١) هو عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي، صحابي، أسلم بعد معركة أحد، ومات بعد الفتح.
(٢) الرباعية، هي السن التي بين الثنية والناب.
[ ٢ / ١٣٣ ]
﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. (١)
المشركون يديمون زخم الهجوم على النبي
لقد تعرض الرسول ﷺ لما تعرض له وأصيب بما أصيب به من جراحات، وهو في قلة من أصحابه، وبينما كان كذلك كان أصحابه الذين شتتهم النكسة، يتدافعون نحوه، كما أن المشركين (أيضًا) أخذوا في التكاثر عليه، فحمي الوطيس من جديد، ودارت المعركة ضارية حول الرسول ﷺ.
_________________
(١) آل عمران: ١٢٨.
[ ٢ / ١٣٤ ]
الفصل الخامس
* تماسك المسلمين بعد الهزيمة.
* تخلصهم من حزام التطويق.
* نجاحهم في الانسحاب بعد النكبة.
* اعتصامهم بجبل أُحُد.
تكاثر المشركون على النبيّ في عناد، وتزاحم أهل القوة والبأس منهم للفتك به، واشتد البلاء على صفوة أصحابه الذين سارعوا إلى التحلق حوله، مسترخصين الأرواح في سبيل الدفاع عن حياته - فقد تضاعف هجوم العدوّ واشتد زخمه، وانقض العدو بكامل قوته مركزًا الهجوم على الذات النبوية.
ولكنه في هذا الوقت، كان كثير من المسلمين الشجعان قد تجمعوا حول نبيهم القائد، وبالرغم من تفوق العدو في هذا الهجوم الصاعق (الذي استهدف النبي شخصيًّا) تفوقًا ساحقًا، فإن المسلمين (دفاعًا عن نبيهم) وقفوا في وجه هذا الهجوم كالرواسي، وأقاموا (في وجه هذا الهجوم) من أنفسهم سورًا بشريًّا ترسوا به عن نبيهم المحبوب، فلم يمكنوا أحدًا من المشركين يخلص إليه، فلم يمس بأي أذى بعد الذي أصابه من الجراح عندما كان منفردًا في قلة من أصحابه.
بطولة الأنصار
ولقد حنق المشركون لهذا الاستبسال الذي فوّت عليهم فرصة الفتك بالنبي - ﷺ - فشددوا من هجومهم على مقر قيادة الرسول، وأخذ الحرس
[ ٢ / ١٣٥ ]
النبوي يخرون صرعى فرحين حول نبيهم، واحدًا إثر واحد، وكلما حدثت ثغرة بمصرع أحدهم سارع آخر وسد هذه الثغرة، وقد كان أكثر الذين قتلوا وهم يدافعون عن الذات النبوية من الأنصار.
روى حماد بن سلمة، أن المشركين رهقوا النبي - ﷺ - وهو في سبعة من الأنصار، ورجل من قريش، فقال: من يردهم وهو رفيقي في الجنة، فجاء رجل من الأنصار حتى قتل، فلما رهقوه أيضًا قال من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة، فذكر حماد أن السبعة الأنصاريين كلهم قتلوا وهم يدافعون عن رسول الله.
دور الرماة في الدفاع عن النبي
وكان لرماة النبل من الصحابة أبلغ الأثر في صد المشركين والدفاع عن النبي - ﷺ -، وكان الرسول - ﷺ - راميًا فقد رمى عن قوسه (ساعة تكاثر المشركين) حتى تقطع وتر القوس وتحطمت وصارت شظايا (١) من كثرة الرمي.
وكان من الرماة الذين اشتهروا بالاستماتة في الدفاع عن رسول الله - ﷺ - في تلك الساعة العصيبة من المعركة، والذين كان لنبالهم الحادة الصائبة أبلغ الأثر في حماية الرسول - ﷺ - من أذى المشركين، أبو طلحة الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص (- ﵄ -).
أما أبو طلحة فقد روى أحمد عن أنس أن أبا طلحة هذا كان يرمي يوم أُحُد بين يدي النبي - ﷺ - ساعة تكالب المشركين عليه-، والنبي عليه
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٢ الحلبي.
[ ٢ / ١٣٦ ]
السلام خلفه يترس به، وكان أبو طلحة راميًا شديد الرمي، فكان إذا رفع رسول الله شخصه ينظر أين سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره - ليقى رسول الله من سهام العدو - وهو يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك.
وكان أبو طلحة البطل، (في تلك الساعات الحرجة) يسور نفسه بين يدي رسول الله - ﷺ - ويقول:
إني جَلِد يا رسول الله فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت.
ولقد ناضل أبو طلحة (أمام رسول الله بالنبل) نضالًا شديدًا حتى تكسرت ثلاث أقواس في يده من شدة الرمي.
قال البخاري، لما كان يوم أُحد انهزم الناس عن النبي، وأبو طلحة (١) بين يديه مجوّب عليه بجحفة (٢) له، وكان رجلًا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا.
_________________
(١) هو أبو طلحة .. زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي، أحد الذين شهدوا إبرام بيعة العقبة، وكان من أجلاء الصحابة وشجعانهم المشهورين، وقد شهد له النبي ﷺ بالشجاعة الفائقة بقوله (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل) وقد ذكر ابن عبد البر أن أبا طلحة قتل وحده (يوم حنين) عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، شهد أبو طلحة معركة بدر مع رسول الله، وكان عند احتدام المعارك يجثو بين يدي رسول الله ﷺ ثم ينثر كنانته ويناضل الأعداء بمهارة فائقة، وقد كان موقفه في الدفاع عن النبي يوم أحد من أنبل المواقف، مات أبو طلحة سنة ٥١ هـ وقيل سنة أربع وثلاثين هـ.
(٢) الجحفة هي الدرقة التي يتستر بها المحارب بيده.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وكان الرجل يمر معه الجعبة (١) من النبل فيقول (أي النبي) أنثرها لأبي طلحة.
يرمي المشركين بألف سهم
أما سعد بن أبي وقاص (وهو أيضًا من الرماة المشهورين) فقد ثبت مع رسول الله ﷺ ساعة انهزام الناس عنه وكان من الرماة الخلصاء الأبطال الذين ساهموا بنبالهم الحادة في إحباط المحاولات العنيدة التي قام بها المشركون (بعد الانتكاسة) للقضاء على نبي الإسلام.
فقد وقف سعد ساعات البلاء المتلاحق، وهي الساعات الدقيقة التي تعرضت فيها الذات النبوية لهجمات القرشيين العارمة، وقف سعد الباسل بين يدي رسول الله ﷺ يدافع عنه وكان له في ذلك المقام المحمود أكبر الأثر في إبعادهم عن رسول الله ﷺ فقد قذف المشركين (في تلك الساعات العصيبة) بألف سهم
وسعد بن أبي وقاض هو الرجل الوحيد الذي قال له الرسول - ﷺ -: فداك أبي وأمي.
وذلك لما رأى من بطولته وشجاعته واستبساله وبراعته في إصابة الهدف.
فقد روى المؤرخون أن النبي - ﷺ - كان كلما رمى سعد المشركين المتزاحمين للفتك بالنبي، قال له: إرم فداك أبي وأمي. قال سعيد ابن
_________________
(١) الجعبة (بضم أوله) مجمع السهام.
[ ٢ / ١٣٨ ]
المسيب سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله - ﷺ - كنانته يوم أحد وقال، ارم فداك أبي وأمي.
وفي صحيح البخاري عن علي كرم الله وجهه قال: ما سمعت النبي - ﷺ - جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك (يعني سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول: (يوم أحد): يا سعد إرم فداك. أبي وأمي (١).
ومن الرماة الأبطال الذين ناضلوا المشركين (دفاعًا عن رسول الله ساعة تعرضه للخطر) سهل بن حنيف (٢) كان سهل هذا قد بايع الرسول - ﷺ - على الموت يوم أحد، فلما شتتت الهزيمة سواد الجيش الإسلامي، ثبتت مع الخلصاء الأصفياء بجانب رسول الله ﷺ واسترخص روحه في سبيل الدفاع عنه.
فقد وقف يناضل عن رسول الله بالنبل نضالا شديدًا، حتى أن النبي ﷺ كان يقول (وسهل يناضل أمامه): نبّلوا سهلا (أي موّنوه بالنبل). وذكر ابن كثير أن سهلًا هذا كان أحد القلائل الذين ثبتوا مع الرسول ساعة الانتكاسة، فقد نقل عن ابن جرير أن ابن قمئة الحارثي
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤.
(٢) هو سهل بن حنيف بن وهب الأنصاري الأوسي، كان من السابقين في الإسلام، شهد بدرًا مع الرسول، وشهد المشاهد كلها مع النبي، آخى النبي بينه وبين علي بن أبي طالب، كان له المقام المحمود في الدفاع عن النبي يوم انهزم الناس عنه، ولاه أمير المؤمنين على البصرة، وشهد معه حرب صفين ضد معاوية، روى له البخاري ومسلم ٤٠ حديثًا، مات بالكوفة في خلافة علي سنة ٣٨ هـ وصلى عليه أمير المؤمنين علي (﵁).
[ ٢ / ١٣٩ ]
رمى رسول الله - ﷺ - بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجه فأثقله، فتفرق عنه أصحابه، وجعل - ﷺ - يدعوا الناس: (إليّ عباد الله إليَّ عباد الله) فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة بن عبيد الله وسهل بن حنيف (١) (لعل هذا كان قبل أن يتكتل الأبطال الآخرون حول رسول الله).
بطولة نادرة
ومن الذين أبلوا بلاء حسنًا وأظهروا بطولة نادرة في الدفاع عن الذات النبوية الحبيبة ساعة المحنة، أبو دجانة الأنصاري (٢) الذي أعطاه الرسول - ﷺ - سيفه في بداية المعركة.
فقد كان أبو دجانة من الخلصاء الأبطال الذين ثبتوا مع النبي - ﷺ - ساعة الشدة، فقد أقام أبو دجانة هذا من نفسه سورًا ليقي رسول الله - ﷺ - وقع سهام العدو المنهالة عليه، فقد ترس بنفسه دونه معرضًا جسمه لسيل نبال العدو المنهمر من أقواس المشركين.
وقد ذكر المؤرخون أن نبال المشركين المصوبة نحو رسول الله - ﷺ -، كانت تقع في ظهر أبي دجانة البطل وهو مسور بنفسه على رسول الله، وكان لا يأبه لها مع أنها تغرز في ظهره بكثرة حتى أن بعض المؤرخين شبه ظهر أبي دجانة (لكثرة السهام المزروعة فيه ساعة وقوفه دون رسول الله) بظهر القنفذ.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٣.
(٢) تقدمت ترجمته في أول هذا الكتاب.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ومن الذين ثبتوا مع رسول الله ساعة الهزيمة حاطب بن أبي بلتعة (١)، وهو من الأبطال المشهورين، فقد وقف حاطب هذا يجالد دون رسول الله بسيفه ساعة انهزام الناس، وهو الذي انتقم لرسول الله - ﷺ - فقتل عتبة بن أبي وقاص الذي سبق له أن أدمى وجه النبي - ﷺ - ساعة الهجوم عليه، وقد قتله حاطب في تلك الساعة التي أصاب الذات النبوية بالجراح.
فقد روى ابن كثير في تاريخه عن حاطب نفسه قوله .. لما رأيت ما فعل عتبة (بن أبي وقاص) برسول الله قلت له (أي النبي - ﷺ -): أين توجه عتبة؟ فأشار إلى حيث توجه، قال حاطب: فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت رأسه ثم نزلت فأخذت فرسه وسيفه، وجئت به إلى رسول الله، فقال لي: رضي الله عنك رضي الله عنك (مرتين)، وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه عتبة هذا، إلا أنه لم يظفر به، فقد ذكر عن سعد ﵁ قوله: ما حرصت على قتل أحد قط مثل حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص، وإن كان ما علمت لسييء الخلق مبغضًا في قومه.
_________________
(١) هو حاطب بن أبي بلتعة (بفتح الباء وسكون اللام وفتح التاء) بن عمرو اللخمي ثم القحطاني اليماني، حليف بني أسد بن عبد العزي، من السابقين في الإسلام ومن المهاجرين، كان من فرسان قريش المشهورين، شهد بدرًا مع رسول الله وأحدًا والخندق وكان صديقًا للزبير بن العوام (خاصة)، وهو الذي كتب لكفار مكة يخبرهم بعزم رسول الله على غزوهم، وقصته في التاريخ مشهورة، وقد اعتذر لرسول الله عما فعل فقبل منه، وشهد له بأنه لن يدخل النار، لأنه من أهل بدر وقد طلب ابن الخطاب من النبي ﷺ السماح له بضرب عنق حاطب يوم ذاك فلم يسمح له وقال إنه شهد بدرًا، مات حاطب سنة ٣٠ هـ.
[ ٢ / ١٤١ ]
وقاتل طلحة بن عبيد الله التيمي (١) يوم ذاك دون رسول الله قتال جيش كامل.
ولعل قتال طلحة (يوم انهزم الناس عن النبي) كان أروع وأصدق قتال، فقد روى البيهقي في الدلائل عن أبي الزبير عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله يوم أُحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيدہ الله، وهو يصعد في الجبل فقال النبي:
"ألا أحد لهؤلاء؟ " فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: كما كنت يا طلحة، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري، فلحقوا رسول الله، فقال: ألا رجل لهولاء؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال له رسول الله مثل قوله، فقال رجل من الأنصار فأنا يا رسول الله، فقاتل، وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوا رسول الله فلم يزل يقول مثل قوله الأول، وطلحة يقول: أنا يا رسول الله، فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى قتلوا جميعًا، ولم يبق مع الرسول إلا طلحة حتى غشيهم المشركون، فقال رسول الله ﷺ، من لهولاء؟؟ فقال طلحة أنا.
فقاتل قتال جميع من كان قبله.
وقد جرح طلحة البطل (وهو يذود المشركين عن رسول الله) أكثر من سبعين جرحًا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ١٤٢ ]
فقد روى أبو داود الطيالسي عن أم المؤمنين عائشة، قالت كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد قال ذاك كلمة لطلحة ثم أنشأ يحدث .. قال:
كنت أول من فاء يوم أُحد فرأيت رجلًا يقاتل في سبيل الله، دون رسول الله، فقلت كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، وكابيني وبين المشركين رجل إلا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله منه وهو يخطف المشي خطفًا، لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح (١) فانتهينا إلى رسول الله وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه ودخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله - ﷺ - عليكما صاحبكما - يريد طلحة - وقد نزف (أي من كثرة الجراحة) فأتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية، وإذا به قد قطعت أصبعه (٢) فأصلحنا من شأنه:
كذلك من الذين قاتلوا (بضراوة) وجرحوا أثناء الدفاع عن رسول الله (ساعة المحنة) عبد الرحمن بن عوف، فقد ناضل عن رسول الله (ساعة الانتكاسة) حتى أصابه أكثر من عشرين جرحًا، فقد جرح في
_________________
(١) هو القائد والفاتح الشهير واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، من أعيان الصحابة، كان ﵁ يلقب بأمين الأمة، ولد بمكة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، ولما قدم وفد اليمن ليعلن إسلام أهل اليمن، قال لرسول الله ﷺ ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيدي أبي عبيدة هذا، فقال هذا أمين هذه الأمة، كان أبو عبيدة أحد الأمراء الأربعة الذين وجههم الخليفة أبو بكر لفتح الشام ثم ولاه عمر القيادة العامة لجيوش المسلمين في الشام بعد أن عزل عنها خالد بن الوليد، فتم على يده فتح الأقطار الشامية، ووصلت جيوش الإسلام الفاتحة (تحت قيادته) إلى الفرات شرقًا وآسيا الصغرى شمالا، شهد أبو عبيدة معركة بدر، وقد قام بقتل أبيه الذي كان مشركًا في تلك المعركة، ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة، وكان أبو عبيدة مشهورًا بالدهاء والإناة والحكمة والتواضع، قال ابن عساكر، داهيتا قريش (اثنان) أبو بكر وأبو عبيدة، له في الصحيحين ١٤ حديثًا، توفي ﵁ بمرض الطاعون في الشام سنة ١٨ هـ.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠.
[ ٢ / ١٤٣ ]
فمه وأصابه العرج في إحدى رجليه، وقد زال هذا العرج من رجله عندما حمل رسول الله - ﷺ - ليعلوا الصخرة التي اعتصم بها بعد نجاح الانسحاب، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
كذلك كان أبو عبيدة بن الجراح من الذين ثبتوا مع رسول الله وناضلوا عنه ساعة انهزام الناس، وأبو عبيدة هو الذي (عندما غاصت حلقتا المغفر في وجنتي رسول الله ساعة تعرضه لهجوم المشركين بعد الانتكاسة) انتزع هاتين الحلقتين من وجه الرسول بفمه، وقد سقطت ثنيتا أبي عبيدة عندما نزع بهما الحلقتين من وجنتي رسول الله - ﷺ -، وذلك لتوغل الحلقتين في وجهه - ﵇ -.
يستشهد يوم زفافه
وقاتل يوم أُحد في جانب رسول الله - ﷺ - حنظلة (١) بن أبي عامر الراهب.
ووالد حنظلة أبو عامر (٢) هذا الذي قاد رفقة الخيانة من أوس المدينة الذين لجأوا إلى مكة مغاضبين لرسول الله - ﷺ - وقد شرفوا بالإسلام، كما فصلنا ذلك فيما مضى.
ولكن أبا عامر الراهب هذا إذا كان قد مثل دور الخيانة بانضمامه إلى مشركي مكة ضد معسكر يثرب المسلم وحمل السلاح مع عصابته ضد
_________________
(١) تقدمت ترجمته هذا البطل (حنظلة) فيما تقدم من هذا الكتاب.
(٢) أبو عامر الخائن هذا فر إلى أرض الروم ومات بها وذلك بعد أن فتح المسلمون مكة وقد تقدمت طرف من ترجمته.
[ ٢ / ١٤٤ ]
النبي وصحبه، فإن ابنه الشاب (حنظلة) قد مثل أعلى أدوار البطولة والشهامة والوفاء لدينه ونبيه.
يستأذن النبي في قتل أبيه
فقد استأذن حنظلة هذا رسول الله - ﷺ - في قتل أبيه الخائن (١)، (أبي عامر الراهب) ولكن الرسول - ﷺ - نهاه عن ذلك.
وقد خاض هذا البطل الشاب معركة أُحد، وقتل شهيدًا ولما يمض على زواجه يوم واحد.
فقد كانت ليلة المعركة، الليلة التي دخل فيها بزوجته، وهي جميلة بنت أبي بن سلول (أخت عبد الله بن أبي).
كاد يقتل القائد العام
وقد كاد البطل حنظلة يقتل أبا سفيان (قائد عام جيش المشركين)
_________________
(١) وليس الشاب حنظلة أول مسلم يستأذن الرسول في قتل أبيه الخائن - فقد كان لرأس النفاق (عبد الله بن أبي بن سلول) ابن مسلم صادق الإيمان مخلص لدينه ولنبيه، شهد بدرًا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ واسمه عبد الله بن عبد الله بن أبي، فقد روى ابن عبد البر أن عبد الله هذا لما بلغه قول المنافق (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له (هو والله الذليل يا رسول الله وأنت العزيز) ثم قال للرسول (إن أذنت لي في قتله قتلته)، فلم يأذن له الرسول ﷺ في قتله بل قال له: لا يتحدث الناس أنه (أي النبي) يقتل أصحابه ولكن بر أباك وأحسن صحبته، وهكذا تصنع العقائد الصحيحة الأبطال وتهذبهم إلى درجة التضحية بأقرب الناس إليهم، في سبيل نصر هذه العقيدة الحقة، قُتل عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، شهيدًا في معركة اليمامة تحت قيادة خالد بن الوليد ﵁.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وذلك انه التقى به في قلب المعركة، فحمل عليه حنظلة، وبعد أن عقر فرس أبي سفيان وقع أبو سفيان على الأرض فعلاه حنظله ليذبحه بسيفه، ولكن أحد مرافقي أبي سفيان من هيئة أركان حربه (وهو شداد بن الأسود الملقب بابن شعوب) سارع لإنقاذ أبي سفيان وضرب حنظلة بالسيف فقتله وهو بارك على صدر القائد العام.
قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر هو وأبو سفيان صخر بن حرب فعقر فرس أبي سفيان فوقع أبو سفيان على الأرض فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله ..
غسيل الملائكة
قال ابن كثير، وحنظلة هذا هو غسيل الملائكة المشهور، وذلك أنه ﵁ استشهد وهو جنب، فغسلته الملائكة فقد كانت معركة أُحد صبيحة زفافه، فعندما سمع داعي الجهاد ترك عروسه على عجل وحمل سلاحه فالتحق برسول الله قبل أن يغتسل من الجنابة.
فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال (بعد أن استشهد حنظلة البطل): "أن صاحبكم (يعني حنظلة) لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه"؟ .
فسئلت زوجته (قال الواقدي وهي جميلة بنت أبي بن سلول) وكانت عروسًا عليه تلك الليلة، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة (يعني صيحة الجهاد) فقال رسول الله ﷺ: كذلك غسلته الملائكة.
[ ٢ / ١٤٦ ]
هيه أيها الشباب المسلم
هكذا تكون التضحية في سبيل العقيدة الحقة، أيها الشباب المسلم، وليكن الشباب المسلم (الذي يهدف حقًّا إلى إعزاز دينه وأمته) على مستوى حنظلة البطل من البذل في سبيل الإسلام، الذي السير تحت لوائه (بصدق وإخلاص وتضحية) هو السبيل الوحيد لإعزاز هذه الأمة وتخليصها من ويلاتها التي أخذت بخناقها في كل بقعة من بقاع الوطن الإسلامي. فيا لها من تضحية وشهامة ورجولة ويقين ..؟
شاب يافع خرج مسرعًا ليجيب داعي الجهاد مختارًا ليلة عرسه، فيترك عروسه التي لم يمض على التقائه بهہاأكثر من ليلة واحدة (والتي كما يقول المؤرخون تشبثت به وحاولت إقناعه بعدم الخروج كامرأة تغلبها العاطفة) فيتركها ليمضي (على عجل) ليخوض معركة طاحنة رهيبة ثم يقتل فيها راضي البال مرتاح الضمير.
ألا رحمة الله على هذا الطراز من الشباب المؤمن، الذي بأمثاله (وبأمثاله فقط) تخفق البنود عالية وتشاد الدول قوية راسخة، وتشق العقائد طريقها لتصل بأصحابها إلى الأهداف الشريفة السامية.
الإجازة الأبدية
لقد كان بوسع هذا الشاب (لو كان من غير طرازه)، نعم لقد كان بوسعه (لو كان من طراز الشباب العقائدي الذي يشرح اليوم نواحي عقائده التقدمية على صخب كاسات الخمر وضحكات الغانيات في الحانات ويهذي عن اضطلاعه بمسؤولية تحرير الأمة وحماية الشعب .. وهل من يستوحي
[ ٢ / ١٤٧ ]
أفكاره ويستمد شجاعته من كحول الوسكي والشمبانيا، يمكن أن تتحرر على يديه أمة أو تنتصر به عقيدة، أو تستقر في ظل سلطانه أمة؟؟).
نعم لو كان الشاب المؤمن حنظلة من طراز هذا الشباب الضائع المائع المغرور (شباب الملذات) لاستطاع أن يجعل من يوم عرسه أجازة قصيرة يعفي نفسه فيها من القتال لينعم بعروسه، لا سيما أنها أول ليالي عرسه.
ولكنه الإيمان الصادق بالعقيدة الصادقة (لا الجعجعة الفارغة بالوسوسة المبهمة المسماة بالعقيدة المتحررة) .. الإيمان الصادق (الذي لا تستطيع الوقوف في وجهه أية عاطفة مهما كانت لتثني صاحبه عن عزمه) هو الذي جعل حنظلة الشباب المؤمن الباسل يمضي لسبيله ويقضي نحبه شهيدًا بطلًا صادقًا، موفيًا لله بما عاهده عليه، فيظفر بأجازة أبدية يقضيها في سماء الخلود مع الصديقين والشهداء ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ (١).
فرحم الله غسيل الملائكة حنظلة الشهيد البطل، ورزق الله أمتنا الإسلامية شبابًا من أمثاله وعلى مستوى يقينه ورجولته.
الأب يركل جثة ابنه
ومن عجائب الأمور أنا أبا عامر الراهب مر بابنه الشهيد حنظلة وهو مجندل بين الشهداء فركله برجله في تشف وقسوة، وكأنه ليس ابنه.
_________________
(١) الأحزاب: ٢٣.
[ ٢ / ١٤٨ ]
فقد جاء في البداية والنهاية، أنا أبا عامر الخائن هذا مر - بعد انتهاء المعركة مع بعض قادة قريش - بابنه حنظلة البطل وهو مضرج بدمائه بين الشهداء قتيلًا، فضربه برجله في صدره، وقال له:
ذنبان أصبتهما، ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولًا للرحم.
منقذ أبي سفيان
وكان ابن شعوب الذي أنقذ أبا سفيان من سيف حنظلة، يمن دائما على أبي سفيان ويذكره بفضله عليه، ومن هذا المن ذلك الشعر الذي سار مع الركبان، والذي قاله ابن شعوب يذكر أبا سفيان ليعرف فضله عليه يوم أنقذه من سيف حنظلة البطل:
ولولا دفاعي يابن حرب ومشهدي لأُلفيت يوم النعف (١) غير مجيب
ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت (٢) ضباع عليه أو ضراء كليب
وقد اعترف أبو سفيان بهذا الفضل لابن شعوب في شعر قوي سار مع الركبان أيضًا وهو قوله:
_________________
(١) النعف (بفتح أوله) أسفل الجبل.
(٢) قرقرت، أسرعت وخفت لأكله.
[ ٢ / ١٤٩ ]
ولو شئت نجتني كميت (١) طمرّة ولم أحمل النعماء لابن شعوب
وما زال مهري مَزْجَرَ الكلب منهمو لدن غدوة حتى دانت لغروب
ويقال أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تمثل بهذا البيت عندما تذاكر مع أصحابه قصة عزمه على الفرار يوم صفين ثم ثباته وعدوله عن هذا العزم حتى انتهت المعركة دون أن يسجل أحد الفريقين نصرًا حاسمًا على الآخر.
دور المرأة في المعركة
وقد كانت معركة أحد أول معركة قاتلت فيها المرأة المسلمة المشركين في الإسلام.
ومن الثابت أن امرأة واحدة فقط اشتركت في هذه المعركة، فقاتلت بالسيف وقذفت بالنبل حتى أثخنتها الجراحة وهي تدافع عن رسول الله ﷺ.
كما أنه من الثابت أيضًا أن المرأة التي اشتركت في معركة أحد، لم تخرج بقصد القتال فهي لم تكن مجندة فيها كالرجال.
وإنما خرجت لتنظر ما يصنع الناس لتقوم بأية مساعدة يمكنها القيام بها للمسلمين كإغاثة الجرحى بالماء وما شابه ذلك.
يضاف إلى هذا أن هذه المرأة التي خاضت معركة أُحد، هي امرأة قد تخطت سن الشباب، كما أنها لم تخرج إلى المعركة إلّا مع زوجها وابنيها الذين كانوا من الجند الذي قاتل في
_________________
(١) الطمرة (بكسر الطاء وتشديد الراء مع الفتح) الفرس السريعة الوثب.
[ ٢ / ١٥٠ ]
المعركة (١).
يضاف إلى هذا الرصيد الهائل الذي لديها من المناعة الخلقية والتربية الدينية، فلا يقاس على هذه الصحابية الجليلة مجنّدات هذا الزمان اللواتي يرتدين لباس الميدان وعنصر الإغراء والفتنة هو أهم عنصر يتميزن به ويحرصن على إظهاره للرجال فأين الثرى من الثريا؟؟ .
كذلك رجال ذلك العصر لا يقاس عليهم أحد من رجال هذا الزمان (من ناحية الشهامة والاستقامة والعفة والرجولة).
فكل المحاربين التي اشتركت معهم المرأة في معركة أُحد .. من هم؟؟ .
أنهم صفوة الأمة الإسلامية ورمز نبلها وشهامتها وعنوان رجولتها واستقامتها، صحابة محمد بن عبد الله النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار، الذين لا يرقى إليهم الشك، ولا يمكن (مطلقًا) أن يفكر واحد منهم في ريبة.
فلا يصح مطلقًا جعل اشتراك تلك المرأة في معركة أُحد قاعدة تقاس عليها (من الناحية الشرعية) إباحة تجنيد المرأة في هذا العصر لتقاتل بجانب الرجل (كعنصر أساسي من عناصر الجيش) فالقياس، في هذه الحالة قياس الفارق هو قياس باطل قطعًا.
_________________
(١) الواقع أن القيام بالتمريض ونقل الماء وإعداد الطعام وإعداد عدة الحرب من النساء يجعلهن في عداد المجاهدين أيضًا، فليس المجاهد هو الذي يقاتل فقط، إنما الذين يؤمنون القضايا الإدارية في الحرب مجاهدون أيضًا .. أن هيئة تأمين القضايا الإدارية في الميدان لا تقل مطلقًا عن مباشرة القتال. (هكذا يقول اللواء خطاب).
[ ٢ / ١٥١ ]
المرأة التي قاتلت يوم أحد
أما المرأة التي قاتلت (يوم أُحد) وناضلت عن رسول الله - ساعة الانتكاسة - نضالًا بلغ حد البطولة فهي أم عمارة نسيبة المازنية (١).
خرجت هذه المرأة الصالحة في بادئ الأمر تحمل الماء على ظهرها مع زوجها وابنيها إلى المعركة، ولنترك هذه السيدة الفاضلة لتروي لنا قصة قتالها في جانب النبي يوم أحد.
قالت أم سلمة بنت سعد بن الربيع دخلت على أم عمارة فقتلت لها أخبريني خبرك.
فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله - ﷺ - وهو في أصحابه والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله - ﷺ - فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراحة إلي، قالت (أي أم
_________________
(١) هي، أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو المازنية النجارية الأنصارية صحابية جليلة القدر عظيمة الهمة، من السابقين الأولين في الإسلام، كانت إحدى ثلاث نساء شهدن بيعة العقبة، كما شهدت بيعة الرضوان أيضًا، وذكر الواقدي أن زوج أم عمارة (عربة بن عمرو) ساعة إبرام معاهدة العقبة قال يا رسول الله هاتان امرأتان (أم عمارة وأم سبيع) حضرتا تبايعانك، فقال ﷺ قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه إني لا أصافح النساء، شهدت أما عمارة أحدًا والحديبية وعمرة القضاء وحنينًا، وحضرت حرب اليمامة ضد مسيلمة الكذاب مع ابنها حبيب الذي استشهد يومذاك وقطعت يدها في حرب اليمامة، وكان الخليفة أبو بكر يكرمها أيام خلافته حيث كان يعودها ويسأل عن حالها، روت عن النبي أحاديث، وروى عنها ابنها عباد بن تميم والحارث بن عبد الله بن كعب، وعكرمة وليلى (مولاة لهم) كانت وفاتها ﵂ سنة ١٣ هـ.
[ ٢ / ١٥٢ ]
سعد) فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور، قلت لها من أصابك هذا؟؟ قالت ابن قمئة أقمأه الله .. لما ولى الناس عن رسول الله أقبل يقول، دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس كانوا ممن ثبتوا مع رسول الله - ﷺ -، فضربنيهذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان" (١).
متى يجب القتال على المرأة؟
ولا شك أن حديث أم عمارة هذا يدل على اشتراكها في القتال يوم أحد، إنما اضطراريا، فهي لما رأت أن رسول الله - ﷺ -، أصبح في خطر (لانهزام المسلمين عنه بعد غلطة الرماة) وأصبحت هي مهددة بالسبي لخلو المكان الذي كانت فيه، من عسكر المسلمين، صار لا مناص لها من حمل السلاح، للمشاركة في الدفاع عن القائد الأعلى النبي الذي أحدق به الخطر بعد انكشاف الناس عنه واشتداد هجوم المشركين عليه ولحماية نفسها أيضًا.
لا سيما أنها كانت موجودة ساعة الهزيمة في أخطر نقطة في
المعركة، وهي النقطة القريبة من رسول الله - ﷺ - الذي صار هدفًا لموجات.
متتابعة من هجمات المشركين.
فأم عمارة (إذن) كانت في حالة، أصبح معها حمل السلاح واجبًا على من يقدر على حمله، رجلًا كان أم امرأة.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٥٨٢.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ثناء الرسول على أم عمارة
وقال أصيبت أم عمارة ﵂ يوم أُحد باثني عشر جرحًا، وقد أثنى عليها رسول الله ﷺ مشيدًا ببسالتها لأنها كانت من الثابتين معه ساعة الانتكاسة.
فقد روي عنه ﷺ أنه قال في حق أم عمارة: (ما التفت يمينًا وشمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني) (١).
وفي السيرة الحلبية، أن نسيبة المازنية خرجت يوم أُحد مع زوجها زيد بن عاصم (٢) وابنيها حبيب، (٣) وعبد الله (٤)، وأن الرسول - ﷺ - قال لهم: "بارك الله فيكم أهل بيت .. قالت أم عمارة .. ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال .. اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة"، وعند ذلك قالت أم عمارة .. ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا (٥).
لم تشترك امرأة غير نسيبة في القتال
أما غير نسيبة المازنية من نساء المسلمين فلم يثبت أن واحدة منهن قد اشتركت في القتال يوم أُحد.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥.
(٢) هو زيد بن عاصم بن عمرو بن غنم النجاري الأنصاري، ذكر ابن عبد البر أنه ممن شهد بيعة العقبة وبدرًا وأنه قتل يوم أحد ﵁.
(٣) هو حبيب بن زيد بن عاصم بن عمرو، النجاري الأنصاري، ذكر ابن إسحاق أنه ممن شهد بيعة العقبة، وقال ابن سعد شهد حبيب المذكور أحدًا والخندق والمشاهد كلها، وهو الذي أخذه مسيلمة الكذاب فقتله.
(٤) هو عبد الله بن زيد بن عاصم النجاري الأنصاري، قيل أنه شهد بدرًا مع الرسول ﷺ وبه جزم الحاكم وشهد أحدًا واشترك مع خالد بن الوليد في حرب اليمامة، وشارك وحشيًّا في قتل مسيلمة الكذاب، وكان عبد الله هذا شجاعًا، كان من رواة الحديث عن النبي ﷺ، روى عنه ٤٨ حديثًا.
(٥) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥.
[ ٢ / ١٥٤ ]
غير أن المؤرخين ذكروا أن بعضًا من نساء المسلمين خرجن من المدينة بعد انسحاب المشركين إلى مكان المعركة فساهمن في إغاثة الجرحى وإسعافهم بالماء غيره، ومن هؤلاء عائشة زوج النبي ﷺ ابنته فاطمة الزهراء.
فقد روي البخاري عن أنس (١) ﵁ أنه قال: لقد رأيت عائشة (٢) وأم سليم (٣)، وأنهما لمشمرتان تنقزان القرب (قرب الماء).
_________________
(١) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الأنصاري، خادم رسول الله ﷺ وأحد المكثرين من الرواية عنه، قدم النبي ﷺ المدينة وأنس في العاشرة من عمره، وجاءت به أمه إلى الرسول ﷺ وقالت له هذا غلام يخدمك فقبله، وقد خرج أنس مع النبي إلى بدر ولم يشترك في القتال لأنه كان غلامًا صغيرًا وإنما خرج لخدمة رسول الله ﷺ وقد شهد (بعد ذلك) ثمان غزوات مع رسول الله ﷺ وقد دعا النبي ﷺ لأنس فقال (اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة) عاش ١٠٣ سنة، وروى عن رسول الله ﷺ ٢٢٨٦ حديثًا. توفي بالبصرة سنة ٩٣ هـ. وكان آخر من مات من الصحابة بالبصرة.
(٢) تقدمت ترجمتها في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) هي أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس بن مالك خادم رسول الله، أسلمت مع السابقين إلى الإسلام، وقد غضب زوجها (مالك بن النضر) لإسلامها فخرج إلى الشام فمات بها، ثم تزوجها بعد ذلك أبو طلحة وكان صداقها إسلامه، وذلك أنه خطبها وهو مشرك، فقالت له لا أريد منك صداقًا غير الإسلام فأسلم، وكانت أم سليم تغزو مع رسول الله ﷺ وقد شهدت معه غزوة حنين، وكان ﷺ يعطف عليها كثيرًا، ويقول أني أرحمها، قتل أخوها وأبوها معي.
[ ٢ / ١٥٥ ]
على متونهما، تفرغان الماء في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم (١).
أما فاطمة الزهراء (٢) ﵂ فقد ذكر الطبراني أنه لما انصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة لتقديم العون لهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت النبي - ﷺ - اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئًا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم (٣).
نساء المدينة يقمن بالإسعاف
وكذلك ذكر بعض المؤرخين أن بعض نساء المسلمين كن يقمن بعملية الإسعاف ساعة احتدام المعركة، ومن هؤلاء أم أيمن (٤) حاضنة رسول الله - ﷺ -.
فقد ذكر المؤرخون أن الطائفة المنهزمة من المسلمين لما أرادوا دخول المدينة (والرسول لم يزل يصارع في قلب المعركة) لقيتهم أم أيمن هذه
_________________
(١) = الشام فمات بها، ثم تزوجها بعد ذلك أبو طلحة وكان صداقها إسلامه، وذلك أنه خطبها وهو مشرك، فقالت له لا أريد منك صداقًا غير الإسلام فأسلم، وكانت أم سليم تغزو مع رسول الله ﷺ وقد شهدت معه غزوة حنين، وكان ﷺ يعطف عليها كثيرًا، ويقول إني أرحمها، قتل أخوها وأبوها معي.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٧.
(٣) تقدمت ترجمتها في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٤) سمط النجوم العوالي ج ٢ ص ٨٨.
(٥) هي أم أيمن (مولاة رسول الله ﷺ) واسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن، صحابية جليلة، كانت مملوكة لأم رسول الله ﷺ وكان ﷺ يقول (أم أيمن أمي بعد أمي) ولا غرابة فهي حاضنته ﷺ ومربيته، وقد أعتقها ﷺ حين تزوج خديجة، وقد تزوج أم أيمن، عبيد بن زيد الخزرجي فولدت له أيمن الذي صحب النبي ﷺ حتى استشهد يوم خيبر، =
[ ٢ / ١٥٦ ]
وجعلت تحثوا التراب في وجوههم وتقول لبعضهم: هاك المغزل وهلم سيفك، توبيخًا لهم، وقد كانت أم أيمن هذه تقوم بإسعاف الجرحى والمعركة لا تزال مشتعلة حول الرسول - ﷺ -، حتى إنها ﵂ تعرضت لنبال المشركين وهي تقوم بعملية الإسعاف.
فقد جاء في الكامل لابن الأثير أن أم أيمن كانت تسقي الجرحى في الجيش، فرماها حبان (بكسر الحاء) بن العرقة بسهم فوقعت وتكشفت فأغرق عدو الله في الضحك.
فشق ذلك على رسول الله - ﷺ - فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهمًا لا نصل له وقال: ارم به فرمى به سعد فوقع السهم في نحر حبان المشرك فوقع مستلقيًا حتى تكشف فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه (١) ثم قال: استقاد لها سعد أجاب الله دعوته (٢).
يفقد عينه في المعركة
وممن ثبت مع النبي - ﷺ - ساعة انهزام الناس عنه، قتادة بن
_________________
(١) = وذكر ابن سعد في طبقاته أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى أم أيمن يقول (هذه بقية أهل بيتي) وذكر ابن سعد بسنده عن عثمان بن القاسم، أنه قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالنصر (ودون الروحاء) فعطشت وليس معها ماء وهي قائمة فدلى عليها من السماء دلو برشاء أبيض فأخذته فشربته حتى رويت فكانت تقول ما أصابني بعد ذلك عطش، ولا يستبعد هذا أبدًا، فالله سبحانه يكرم من يشاء من عباده بما يشاء وهو القادر على كل شيء، كان رسول الله ﷺ (في حياته) يزور أم أيمن، فلما - توفاه الله، قال أبو بكر لعمر انطلق بنا نزور أم أيمن كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما دخلا عليها بكت: فقالا ما يبكيك فما عند الله خير لرسول الله، قالت أبكي أن وحي السماء انقطع فهيجتهما على البكاء، فجعلت تبكي ويبكيان معها، أخرج أصحاب الحديث لأم أيمن عن رسول الله ﷺ ستة أحاديث، توفيت ﵂ في خلافة عثمان.
(٢) النواجذ: أقصى الأضراس وهي أربعة.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٢.
[ ٢ / ١٥٧ ]
النعمان (١)، فقد ناضل عن رسول الله مع المناضلين حتى عينه أصابها سهم المشركين حتى قفزت من محجرها ووقعت على وجنته.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول - ﷺ - رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها (٢). فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى خرجت ووقعت على وجنته فأخذها رسول الله - ﷺ - بيده وردها إلى موضعها وقال: اللهم أكسه جمالًا فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا.
الانسحاب المنظم
ضاعف المشركون من حملاتهم على مقر النبي - ﷺ - بعد أن عرفوا مكانه بعده الانتكاسة، وتلاحقت هجماتهم عليه بغية التخلص منه، وقد كان خليقًا بالمشركين أن يسحقوا المسلمين سحقًا كليًّا عند انتقاض صفوفهم وانفراط عقد نظامهم، وأن يقضوا على القائد الأعلى النبي - ﷺ - ساعة انفراد بعد انهزم الناس عنه.
ولكن ثبات الرسول ﷺ واستبسال القلة من خلصاء أصحابه الذين استماتوا في الدفاع عنه ساعة اضطراب صفوف المسلمين بعد غلطة الرماة، كان له أكبر الأثر في إحباط الهجمات التي قام بها المشركون بغية الفتك بالذات النبوية، كما كان له أكبر الأثر في إعادة تنظيم المسلمين الذين ما كادوا يسمعون بسلامة قائدهم الأعلى النبي ﷺ ويعرفون مقره حتى سارعوا
_________________
(١) هو قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر الأوسي أخو أبي سعيد الخدري لأمه، شهد بدرًا، صحابي جليل، كان من الرماة المشهورين شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ شهد فتح مكة وكان معه يومه راية بني ظفر توفي سنة ٢٣ هـ.
(٢) سيت القوس طرفها.
[ ٢ / ١٥٨ ]
على التكتل حوله من جديد مما فوّت على المشركين أثمن فرصة كانت قد سنحت لهم.
الرسول يشرع في الانسحاب نحو الجبل
لقد كان هدف الرسول هذه المرة (وبعد أن تجمع الكثير من جنده حوله) الارتداد بجيشه إلى مواقع حصينة في جبل أُحد، لتجنيبهم خطر التطويق والإبادة من جديد.
لا سيما وأن بقاءهم في المكان الذي دارت فيه المعركة يعرضهم لذلك، فهم وإن أبدوا بطولة نادرة في الاحتفاظ بمواقعهم حول نبيهم، وحمايته من هجمات المشركين السريعة الخاطفة، إلا أنهم مهددون (مع نبيهم) بالتطويق من جديد، وخاصة إذا تجمعت حولهم كل القوى القرشية التي كان الكثير منها لم ينضم إلى القوة التي كانت تهاجم الرسول - ﷺ - والذين تجمعوا حوله وهذا هو الذي جعل الرسول ﷺ يسارع بالانسحاب نحو الجبل، بعد أن تجمع حوله من أصحابه قوة كانت كافية لحماية النبي ﷺ ومن معه أثناء هذا الانسحاب.
نجاح الانسحاب وإشاعة مقتل النبي
ومما ساعد في تسهيل انسحاب المسلمين إلى مواقع حصينة في الجبل دونما خسارة تذكر هو أن كثيرًا من المشركين صدّقوا نبأ مصرع النبي الذي أعلنه ابن قمئة الذي قتل مصعب بن عمير فظنه الرسول ﷺ فنادى لقد قتلت قتلت محمدًا.
فكثير من هؤلاء المشركين (ومنهم القائد العام أبو سفيان) ظنوا أن محمدًا ﷺ قد قتل، ولذلك كف الكثير منهم عن القتال ظنًّا منهم أن هزيمة المسلمين كانت ساحقة لا قومة لهم بعدها، فأخلد الكثير منهم إلى الراحة وانشغل البعض بالتمثيل بقتلى المسلمين.
[ ٢ / ١٥٩ ]
قال العصامي .. واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله - ﷺ - (١).
ولقد اغتنم الرسول - ﷺ - فرصة تصديق بعض المشركين إشاعة مقتله فسارع بالارتداد نحو الجبل بمن معه من الصحابة الذين سارعوا إلى التجمع حوله.
وقد كان - ﷺ - حريصًا على أن لا يعرف المشركون مكانه (حينذاك) ولا أدل على ذلك من أن كعب بن مالك (٢)، لما عرفه بعد إشاعة مقتله صاح بأعلى صوته، يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليه - ﷺ - بأن يسكت لئلا يزداد عدد الذين يعرفون مكانه من المشركين.
وبالرغم من أن المشركين سمعوا صيحة كعب بن مالك فإن أكثرهم لم يصدقها ظنًّا منهم أنها صيحة إنما أريد بها شد عزائم المسلمين الذين ألقى البعض منهم سلاحه لإشاعة مقتل النبي.
انسحاب المسلمين ليس انسحاب المنهزم
واصل الرسول - ﷺ - انسحابه عبر الشعب نحو الجبل تحت حماية قوة منظمة من خلصاء أصحابه، وكان هذا الانسحاب ليس بانسحاب المنهزم الذي لا يلوى على شيء ولا يقاتل ساعة الانسحاب.
بل كان انسحاب الرسول هذا انسحابًا منظمًا جرى (في حالة استعداد وتعبئة وانتظام) من الذين قاموا به وأشرفوا على تنفيذه.
فقد ظل الذين قاموا بهذا الانسحاب المنظم (وعلى رأسهم الرسول القائد) يقاتلون بثبات وقوة أثناء قيامهم بهذا الانسحاب حتى وصلوا إلى المكان الذي حدده القائد الأعلى الرسول من الجبل للاعتصام به والتحصن فيه.
_________________
(١) سمط النجوم العوالي ج ٢ ص ٨٧.
(٢) تقدمت ترجمته في أول هذا الكتاب.
[ ٢ / ١٦٠ ]
ضراوة القتال أثناء الانسحاب
ولقد اشتد المشركون في مطاردتهم وضاعفوا من هجومهم بغية الفتك بالرسول القائد - ﷺ - منذ ما شرع في الارتداد بجيشه نحو الجبل.
فكرّ أحد فرسان المشركين (وهو عثمان بن عبد الله بن المغيرة) وأركض فرسه نحو رسول الله - ﷺ - قاصدًا الفتك به، وهو يقول: لا نجوت إن نجا، (يعني النبي).
فوقف الرسول واستعد لمواجهته، ولكن الفرس أثناء ركضها عثرت به في بعض الحفر، فسارع إليه أحد حرس الرسول الأقوياء (وهو الحارث بن الصمة) (١) لمنازلته، وبعد مصادمة طويلة جرت بينهما بالسيف ضربه الحارث على رجله فأقعده ثم ذفف عليه وأخذ سلاحه ثم التحق بالرسول - ﷺ -، فقال النبي ﵊: الحمد لله الذي أحانه (أي أهلكه).
ثم تزايد هجوم المشركين لعرقلة انسحاب المسلمين وتسابق فرسان مكة لقتل النبي - ﷺ - وهو لما يزل في بطن الشعب، وانقض أحد فرسان مكة (وهو عبيد الله بن جابر العامري) على الحارث بن الصمة فضربه بالسيف على عاتقه وأصابه بجرح بليغ مما أجبر المسلمين على إسعافه وحمله.
ولكن أبا دجانة البطل المشهور عطف على الفارس القرشي (عبيد الله العامري) وضربه بسيفه ضربة أطارت رأسه وأراح المسلمين من شره.
الشقي الذي قتله الرسول بيده
ثم أقبل الشقي (أُبيّ بن خلف (٢) الجمحي) يركض فرسه (في غطرسة جاهلية) نحو الرسول يريد الفتك به وهو يقول .. أين محمد؟
_________________
(١) هو الحارث بن الصمة (بكسر الصاد وتشديد الميم) بن عمرو بن عتيك النجاري الخزرجي الأنصاري فارس شهير وبطل محارب شهم، خرج مع الرسول في غزوة بدر ولكنه لم يشهدها، لأنه كسر وهو بالروحاء، فرده الرسول ﷺ وضرب له بسهم فصار في عداد البدريين، آخى الرسول ﷺ بينه وبين صهيب بن سنان، استشهد ﵁ في غزوة بئر معونة.
(٢) أبيّ بن خلف هذا هو أخو أمية بن خلف أحد زعماء مكة الذين قتلهم المسلمون يوم بدر، وأبي هذا هو عم صفوان بن أمية ﵁.
[ ٢ / ١٦١ ]
لا نجوت إن نجا، فوقف له النبي - ﷺ - ثم أرداه قتيلًا بحربة قذفه بها قبل أن يقترب منه، فكأن أبي، الشقي هذا، الإنسان الوحيد الذي قتله الرسول - ﷺ - بيده الكريمة.
قال ابن إسحاق .. فلما أسند رسول الله - ﷺ - في الشعب أدركهـ أبي بن خلف وهو يقول، أين محمد لا نجوت إن نجا.
فقال القوم (أي الحرس المحيطون بالرسول): يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟؟ فقال رسول الله - ﷺ -: دعوه، فلما دنا تناول - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمة فلما أخذها - ﷺ - انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء (١) عن ظهر البعير إذ انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه (أي تقلب من شدة دفع الحربة وجعل يتدحرج) وقد مات رأس الكفر هذا من الطعنة النبوية التي أصابته.
وكان أبي بن خلف الشقي هذا شديد العداوة لرسول الله - ﷺ - وكان يؤذيه بمكة قبل الهجرة ويهدده بالقتل.
قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف يلقى رسول الله - ﷺ - بمكة فيقول .. يا محمد إن عندي العوذ، فرسًا أعلفه كل يوم فرقا (٢) من ذرة، أقتلك عليه، فيقول رسول الله - ﷺ -، بل أنا أقتلك إن شاء الله.
ولهذا فإن (أُبي بن خلف) لما رجع إلى قومه وقد خدشه الرسول بالحربة خدشًا غير كبير، قال .. قتلني والله محمد .. قالوا له، ذهب والله
_________________
(١) الشعراء بكسر أوله ذباب له لدغ.
(٢) الفرق (بفتح الراء وإسكانها) مكيال يسع ستة عشر منًا، وقيل اثني عشر منًا.
[ ٢ / ١٦٢ ]
فؤادك، والله إنْ بك من بأس (أي ما بك من بأس) قال .. إنه قد كان قال لي بمكة .. أنا أقتلك، فهو الله لو بصق عليّ لقتلني، فمات عدو الله بسَرِف (١) متأثرًا بالجرح الذي أصابه الرسول - ﷺ -.
اعتصام المسلمين بالجبل
وهكذا نجح المسلمون في انسحابهم المنظم، وقطعوا الشعب نحو هضاب جبل أحد بعد اشتباكات متعددة تغلبوا فيها على خيالة المشركين الذين قاموا بمحاولات يائسة لإعاقة هذا الانسحاب وقتل الرسول - ﷺ -، ثم وصل المسلمون إلى هضبة عالية من هضاب جبل أحد، وجعلوا منها خط دفاع حصين تحدوا منه كل المحاولات التي قام بها المشركون لسحقهم أو تشتيتهم من جديد.
والفضل في نجاح هذا الانسحاب الذي به نجا من خطر الإبادة تسعون في المائة من قوات المسلمين الذين بعثرتهم النكسة التي تسبب فيها تمرد الرماة على قائدهم في الجبل الفضل يعود في نجاح هذا الانسحاب (في الدرجة الأولى) إلى الموقع الذي اختاره (الرسول القائد العظيم) معسكرًا لجيشه ومقرًا لقيادته قبل المعركة وهو فم الشعب من أحد الذي تكتنفه من الخلف هضاب هذا الجبل التي أصبحت (بعد النكسة) حصونًا منيعة اعتصم بها المسلمون وصدوا منها كل الهجمات اليائسة التي قام بها المشركون.
_________________
(١) سرف (بالفتح ثم الكسر وآخره فاء) موضع على ستة أميال من مكة، من طريق مرو، ذكره في مراصد الاطلاع ج ص ٧٠٨.
[ ٢ / ١٦٣ ]
[صورة]
جانب من الصخرة العظيمة التي اعتصم بها الرسول ﷺ بعد الانتكاسة، وقد ظهر أسفل منها الطريق الذي سلكه الرسول في الشعب ساعة الانسحاب إلى الجبل، وقد أخذنا هذه الصورة من على قمة جبل أحد، وقد ظهر على بعد حيث السهم مجرى وادي قناة الذي دارت فيه المعركة.
كاد المسلمون يقتلون النبي ﷺ
ويدل سير حوادث المعركة على أن بعض المسلمين الذين لم يعلموا بنجاة الرسول - ﷺ - من القتل، قد سبقوا النبي إلى الهضبة التي قرر الاعتصام بها عندما انسحب من الميدان، وهم لا يعرفون مصيره بعد النكسة التي انعزل لها المسلمون بعضهم عن بعض.
وفي تلك الظروف العصيبة حاول أحد هؤلاء المسلمين الذين اعتصموا
[ ٢ / ١٦٤ ]
بالجبل قبل وصول النبي إليه .. حاول قتل النبي - ﷺ - وهو في مقدمة أصحابه صاعدًا نحو الجبل، ظنًّا منه أن الرسول والصاعدين معه في الجبل، هم من الأعداء الذين جاءوا لمطاردة المسلمين.
ك اد يكون أشأم سهم في الدنيا
فقد وضع هذا الرجل المسلم سهمًا في قوسه وصوبه نحو الرسول - ﷺ - لإطلاقه عليه، وكاد السهم ينطلق إلى صدر الذات المحمدية الشريفة، لولا أن الرسول - ﷺ - لحظ ذلك، فصاح (وقد عرف أن المتهيئ للرمي من المسلمين): أنا رسول الله.
فنزع الرجل السهم من قوسه وفرح ومن معه في الصخرة بالرسول - ﷺ - ووصوله إليهم سالمًا، ويعلم الله كيف كانت حال هذا الرجل المسلم الذي كاد يقتل بسهمه سيد الأولين والآخرين؟ .
لا شك أن أسعد لحظة في حياته، هي تلك اللحظة التي نزع فيها سهمه من وتر القوس الذي كاد يكون أشأم قوس في الدنيا لو انطلق السهم منه نحو سيد البشر - ﷺ -.
واصل الرسول - ﷺ - صعوده في الجبل حتى وصل إلى المكان الذي قرر التمركز فيه والاعتصام به، وهو مكان حصين (يشبه الصخرة العظيمة) في الناحية الشرقية من الشعب.
[ ٢ / ١٦٥ ]
تأثير الجراح على قوة الرسول
ويظهر أن الجراحة التي أصيب بها النبي - ﷺ - أثناء صراعه مع المشركين بعد النكسة، قد أثرت عليه وأن هذه الجراح قد سببت له ضعفًا في قوته الجسمية.
ودليل ذلك أنه عندما أراد ارتقاء الصخرة لم يستطع إلا بعد أن جلس تحته طلحة بن عبيد الله، الذي نهض به حتى استوى عليها.
قال ابن إسحاق، ونهض رسول الله - ﷺ - إلى الصخرة من الجبل ليعلوها - وكان قد بدّن - (١) وظاهر بين درعين (٢) فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله حتى استوى عليها (٣).
فكان ثواب طلحة على هذا العمل الجليل الجنة، فقد روى ابن إسحاق أن النبي - ﷺ - قال "بعد أن حمله طلحة إلى الصخرة": أوجب طلحة (أي وجبت له الجنة).
كما أن نهوض طلحة بالنبي كان بركة عليه، إذ تسبب ذلك في علاج إحدى رجلي طلحة من العرج الذي أصابها أثناء دفاعه عن النبي - ﷺ - بعد النكسة، وذلك أن طلحة عندما حمل النبي - ﷺ -، تكلف استقامة المشي لئلا يشق على النبي - ﷺ - فاستوت رجله العرجاء لهذا التكلف فشفي من العرج، ويظهر أن سبب العرج الذي أصاب طلحة انفراط في الورك، وهذا
_________________
(١) بدن (بتشديد الدال) أي ضعف وأسن.
(٢) ظاهر بين درعين، لبس درعًا فوق درع.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٨٦.
[ ٢ / ١٦٦ ]
الانفراط يسبب قصرًا في الرجل، ولا يزول هذا إلا بعد عودة ما انفرط إلى مكانه، وهذا لا يعود إلى مكانه إلا بعملية شد عنيفة تعيد العضو المفروط إلى مكانه، ولكن تكلف استقامة المشي ناب عن هذه العملية فعادت الورك إلى حالتها الطبيعية.
تجمع المسلمين في الجبل
وبعد أن وصل الرسول إلى المثابة المقصودة من الجبل أخذ المسلمون المشتتون هنا وهناك يتوافدون عليه ويتجمعون حوله، وبهذا أخذت حالة المسلمين في التحسن وأخذت قوتهم تتزايد من جديد، بعد أن أصبحوا في مركز حصين صدوا منه جميع المحاولات التي قام بها مشركو مكة لتطويقهم أو (تشتيتهم من جديد)، ذلك أن الرسول تحصن بالمسلمين في شرف عال من الجبل يشبه الصخرة العظيمة الممتنعة، فأصبح لذلك من الصعب وصول المشركين إليه، بل صار مجرد اقتراب المشركين من مقر قيادة الرسول الجديدة في الجبل يعرضهم لسهام المسلمين الذين أصبحوا (بعد انسحابهم) في مكان يشرف (تمامًا) على جيش المشركين الذي تجمع الكثير منه تحت المسلمين في فم الشعب من أُحد.
طلب الرسول للماء
وقد أصاب النبي - ﷺ - عطش شديد أثناء الانسحاب، فطلب الماء، فذهب علي بن أبي طالب - وهم في الشعب أثناء الانسحاب - إلى المهراس (١) فملأ درقته ماء فجاء به إلى رسول الله - ﷺ - ليشرب منه فوجد
_________________
(١) المهراس .. قال أبو ذر، قال أبو العباس، ماء بأحد، وقال غيره المهراس حجر ينقر ويجعل إلى جانب البئر، ويصب فيه الماء لينتفع به الناس.
[ ٢ / ١٦٧ ]
له ريحًا فلم يشرب منه، ولكنه غسل به عن وجهه الدم الذي سال عليه نتيجة الجراح التي أصابته ساعة هجوم المشركين عليه وهو منفرد، وصب على رأسه وهو يقول: (اشتد غضب الله على من دمّى وجه نبيه (١) وعندما لم يستسغ الرسول شرب الماء الذي جاء به علي بن أبي طالب، ذهب محمد بن مسلمة الأنصاري (٢) إلى مكان آخر للماء فجاء بماء عذب فشرب منه النبي - ﷺ - ودعا لابن مسلمة بخير (٣). ويظهر أن محمد بن مسلمة طلب الماء للرسول وجاءه به بعد أن استقر في مكانه من الجبل بعد الانسحاب.
آخر هجوم يقوم به المشركون
وبعد أن تمركز المسلمون في هضاب جبل أحد حاول المشركون القيام بالهجوم عليهم عدة مرات، ولكن جميع هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح، فقد شن المسلمون (وهم في معتصمهم بالجبل) هجمات مضادة على المشركين ردوهم بها على أعقابهم مما جعلهم يفقدون الأمل في النيل من المسلمين من جديد.
وكانت آخر محاولة قام بها جيش مكة لضرب المسلمين في مواقعهم في الجبل هي تلك المحاولة التي قامت بها كتيبة من فرسان مكة. اقتحمت الجبل (ناحية الرسول) بقيادة القائد العام أبي سفيان وخالد بن الوليد بغية ضرب المسلمين في مقرهم الرئيسي حيث عسكر الرسول - ﷺ -.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٨٥.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٠.
(٣) محمد بن مسلمة هذا تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وفعلًا وصلت كتيبة الخيالة في هجومها إلى نقطة في الجبل لا تبعد كثيرًا عن مقر قيادة الرسول - ﷺ - ولكن المسلمين (بقيادة عمر بن الخطاب) (١) شنوا على خيل أبي سفيان هجومًا مضادًا فقاتلوهم حتى أجبروهم على الانحساب والهبوط إلى الوادي.
خسارة قريش في هجومها الفاشل الأخير
قال ابن الأثير في الكامل، وصعد أبو سفيان ومعه جماعة من المشركين في الجبل (قال ابن إسحاق إنهم من الخيالة وفيهم خالد بن الوليد) فقال رسول الله - ﷺ -: ليس لهم أن يعلونا، فقاتلهم عمر بن الخطاب وجماعة من المهاجرين حتى أهبطوهم.
وقد تكبد المشركون في هذا الهجوم الفاشل ثلاثة من القتلى كلهم صرعوا بنبال الرامي الشهور سعد بن أبي وقاص.
ففي مغازي الأموي: أن المشركين صعدوا الجبل، فقال رسول الله لسعد: أَجبنهم - يقول ارددهم - فقال كيف أجبنهم وحدي؟
قال ذلك ثلاثًا - فأخذ سعد سهمًا من كنانته فرمى به رجلًا فقتله، قال ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر فقتله، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتله، فهبطوا من مكانهم (٢).
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) زاد المعاد لابن القيم ج ٢ ص ٢٤٠.
[ ٢ / ١٦٩ ]
النبي يصلي قاعدًا من تأثير الجراح
وقد أدى النبي - ﷺ - فريضة الصلاة يوم أحد وهو قاعد لأنه لم يتمكن من أداء الصلاة قائمًا وذلك لشدة تأثير الجراح التي أصيب بها في المعركة.
وقد صلى الجيش خلفه كلهم قعودًا، المجروح منهم وغير المجروح.
إنهاء القتال
وبفشل المحاولة اليائسة الأخيرة التي قام بها أبو سفيان بنفسه للهجوم على المسلمين (بعد اعتصامهم بهضاب جبل أحد) يئست قريش من المسلمين، وتأكد لدى قادتها أن المسلمين أمنع من أن ينالوا منهم شيئًا من جديد بعد أن أعادوا تنظيمهم والتفوا حول قائدهم الأعلى النبي - ﷺ - في تلك المواقع الحصينة.
يضاف إلى هذا أن الإعياء والتعب قد بلغ من الجيش المكي مبلغًا عظيمًا، لا سيما أن هذا الجيش قد تلقى من جند الإسلام في الصفحة الأولى من المعركة ضربات موجعة مزلزلة، كان لها أبلغ الأثر في إدخال الرعب والفزع إلى قلوب جند مكة الذين أباد المسلمون (في لحظات خاطفة) جميع أفراد فصيلة لوائهم حتى مرغوه في التراب، ثم أنزلوا بجيش مكة (في هجوم خاطف مذهل عارم) هزيمة كادت تكون ساحقة لولا غلطة الرماة غفر الله لهم.
وهكذا وبعد أن يئس قادة قريش من المسلمين، قرر أبو سفيان إنهاء القتال، وأعطى الأوامر إلى جنده بالاستعداد للرحيل، وبهذا وضعت الحرب أوزارها، وانتهت العمليات العسكرية في منطقة أُحد.
[ ٢ / ١٧٠ ]
تشويه جثة سيد الشهداء
وبعد أن قرر أبو سفيان إنهاء القتال أخذ المشركون في التهيؤ للرحيل وانصرفوا إلى ساحة المعركة يتفقدون قتلاهم، كما انشغل فريق بإرواء ظمئهم الجاهلي وإشفاء حقدهم الوثني بالتمثيل بشهداء المسلمين وتشويه جثثهم تشويهًا فظيعًا.
حيث بقروا البطون وانتزعوا الأحشاء منها بأيديهم، وجدعوا الأنوف وقطعوا الأذان، بل لقد قطعوا الأعضاء الحساسة التناسلية من بعض الشهداء (١).
وكان سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ أكثر الشهداء تعرضًا لوحشية التشويه والتمثيل، وبربرية الانتقام.
لأنه ﵁ كان عنده أكثر من ثأر لسادات قريش، فقد قتل يوم بدر (بالاشتراك مع ابن أخيه علي بن أبي طالب) سيدي قريش عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة - أخا هند بنت عتبة - وكلهم من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
ولهذا كانت هند بنت عتبة من أشد الناس غيظًا وحنقًا على حمزة بن عبد المطلب، وكانت قد حضرت مع زوجها القائد العام أبي سفيان فيمن حضر من نساء قادة مكة لتحريض الجيش على قتال المسلمين.
_________________
(١) انظر سمط النجوم العوالي للعصامي ج ٢ ص ٨٧.
[ ٢ / ١٧١ ]
وكانت قد علمت هذه المرأة العنيدة أن جبير بن مطعم (١) قد وعد عبده وحشيًّا العتق إن هو قتل حمزة، فكانت كلما مرت بهذا العبد الحبشي تشجعه ليفي بوعده لسيده جبير، وتوعده المكافأة السخية إن هو تمكن من قتل حمزة.
ك بد حمزة تقضمها هند
فلما انتهت المعركة جاء العبد وحشي إلى هند بنت عتبة (بعد اغتيال سيد الشهداء حمزة) وقال لها:
ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟؟ .
فقالت سلبي
فأكد لها بأنه قد اغتال حمزة.
فأعطته ثيابها وحليها، ووعدته أنها إذا وصلت مكة ستدفع له مكافأة نقدية ذهبية كبيرة، ثم قادها العبد القاتل المغتال، إلى حيث صرع أسد الله وأسد رسوله، فعمدت (في وحشية وقسوة) إلى بطن حمزة فبقرتها ثم انتزعت كبده وأخذت تتشفى بالنظر إليها والدم ينساب من بين أصابعها التي أرعشها الغيظ الجاهلي والحنق الوثني، وكانت هند نذرت (في الجاهلية) إن قدرت على حمزة لتأكلن من كبده، ولذلك قضمتها وأخذت تلوكها لتبتلعها ولكنها لم تستسغها فلفظتها (٢).
ويقول بعض المؤرخين إن هندا انتزعت أحشاء الشهيد حمزة وجعلت
_________________
(١) تقدمت ترجمته في أول هذا الكتاب.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧.
[ ٢ / ١٧٢ ]
منها إكليلًا وقطعت أذنيه وجدعت أنفه ثم جعلت ذلك كالسوار في يدها وقلائد في عنقها واستمرت كذلك حتى قدمت مكة (١).
وهذا عمل يمثل أحط أنواع الوحشية والهمجية والقسوة، ولا يستبعد صوره من امرأة موتورة كانت تدين دين الجاهلية.
قال ابن إسحاق .. ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله - ﷺ - يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدمًا (أي خلاخيل).
وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيًّا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها فلفظتها (٢).
هند تفتخر شعرًا
ولقد استفز هند ما حققته غلطة الرماة لزوجها القائد العام أبي سفيان من نصر تعبوي على المسلمين فارتقت صخرة قريبة من المسلمين وصرخت بأعلى صوتها تخاطبهم شعرا متشفية قائلة:
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان من عتبة (٣) لي من صبر ولا أخي وعمه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشيّ عليّ عمرى حتى ترم أعظمي في قبري
_________________
(١) نفس المصدر.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٩١، لفظتها: طرحتها، لم تستسغها أي لم تقو نفسها على ابتلاعها.
(٣) عتبة بن ربيعة هو والد هند، قتلة حمزة برازًا يوام بدر.
[ ٢ / ١٧٣ ]
فأجابتها (من جانب المسلمين) هند بنت أُثاثة بن عباد بن المطلب (١) شعرًا وعلى الروى نفسه:
خزيت في بدر وبعد بدر يا بنت وَقّاع عظيم الكفر
صبّحك الله غداة الفجر ملهًا شميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري حمزة ليثي وعليّ صقري
إذ رام شيب (٢) وأبوك غدرى فخضبًا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر
ويحك اكتمها عني
وبينما كان بعض الرجال من المشركين يمثلون بالشهداء، كان القائد العام (أبو سفيان) يتجول في ميدان المعركة ومعه كبار قادة الجيش المكي، لمعرفة عدد القتلى من الفريقين والتعرف عليهم
وبينما هو يتجول كذلك إذ مر بجثمان سيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب) وكان أبو سفيان - كزوجه) موتورًا منه، فوضع زج الرمح في شدقه وأخذ يضربه وهو يقول ذق عقق (٣).
وكان التمثيل بالقتلى وتشويه جثث الأعداء (حتى في الجاهلية) أمرًا يعيبه العرب ويستهجنونه، ولذلك فإن سيد الأحابيش (٤) (الحليس
_________________
(١) هي بنت أثاثة بن عياد بن المطلب بن عبد مناف، شاعرة قرشية اشتهرت في الجاهلية، أسلمت بعد غزوة بدر، ولها أخبار في يوم خيبر، وقد تزوجت أبا جندب وولدت له ابنته ريطة، وهند هذه هي أخت مسطح الذي جاء ذكره في حديث الإفك توفيت هند هذه سنة ١٠ هـ.
(٢) هو شيبة بن ربيعة عم هند بنت عتبة.
(٣) عقق بضم أوله، أي عاق
(٤) تقدم ذكرهم فيما مضى.
[ ٢ / ١٧٤ ]
ابن زبان بن عبد مناة) (١) لما رأى أبا سفيان يضع زج الرمح (٢) في شدق حمزة استنكر فعله ونادى غاضبًا:
يا بني كنانة، هذا سيد قريش (يعني أبا سفيان) يصنع بابن عمه (٣) ما ترون لحمًا (أي ميتًا لا يقدر على الانتصار) فخجل أبو سفيان وقال لسيد الأحابيش (ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة).
_________________
(١) هو الحليس (بضم الحاء) بن زيان الحارثي، لم نعثر في شيء من المراجع أنه أسلم، والحليس هو الذي قال فيه النبي (يوم الحديبية) لما رآه، هذا من قوم يعظمون البدن.
(٢) الزج (بضم أوله) الحديدة التي في أسفل الرمح يقابله السنان.
(٣) وذلك أن أبا سفيان يلتقي بحمزة في عبد مناف الذي هو جد بني أمية وبني هاشم.
[ ٢ / ١٧٥ ]
الفصل السادس
* انتهاء المعركة - انسحاب الجيش المكي.
* النبي يتفقد الضحايا - مخلفات المعركة.
* دفن الشهداء.
وبعد أن شفى المشركون غليلهم بالتمثيل بجثث شهداء الإسلام، وعرفوا مبلغ خسارة الفريقين من القتلى قرروا الانصراف فأصدر القائد أبو سفيان أوامره بذلك إلى الجيش فتجهز.
وقبل أن ينصرف أبو سفيان بجيش مكة من أحد صعد إلى جبل قريب من المسلمين وأشرف منه (ليفتخر على المسلمين، ويبدى لهم اغتباطه بما أصابهم في المعركة).
فقد صرخ بأعلى صوته من على الجبل (يخاطب نفسه في زهو جاهلي) أنعمت فعال (بفتح تاء أنعمت) وهي كلمة يقولها الرجل منهم إذا أراد الافتخار بعمله.
ثم نادى يخاطب المسلمين قائلًا:
الحرب سجال، يوم بيوم، يوم علينا ويوم لنا، ويوم نساء ويوم نسر، ثم قال:
أُعل هبل (أي أظهر دينك).
و(هبل) (صنم قريش الأكبر).
فلما قال أبو سفيان ذلك، أمر النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب بأن يجيبه قائلًا:
[ ٢ / ١٧٧ ]
قم يا عمر فأجابه، فقل الله أعلى وأجل، لا سوى، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فلما أجابه ابن الخطاب هكذا، قال أبو سفيان:
العزى لنا ولا عزى لكم.
فأجابه المسلمون (حسب أمر النبي).
الله مولانا ولا مولى لكم.
أبو سفيان لا يعلم حقيقة مصير الرسول
وكان أبو سفيان (حتى أن وضعت الحرب أوزارها) على غير علم تام بحقيقة مصير النبي - ﷺ - وكبار هيئة أركان حربه بعد الانتكاسة، وكان في شك من خبر مقتل النبي - ﷺ - الذي أشاعه ابن قمئة بين جند مكة.
ولهذا لما أشرف على الجبل (قبل انصرافه بقليل) نادى المسلمين بأعلى صوته (ليتأكد من الحقيقة):
أفيكم محمد؟؟ فلم يجييوه، فنادى:
أفيكم ابن أبي قحافة (يعني أبا بكر الصديق)؟؟ فلم يجيبوه، فنادى:
ولم يسأل عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم (١).
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢ ص ٢٣٧.
[ ٢ / ١٧٨ ]
ولما لم يجبه أحد على نداءاته، التفت إلى كبار قادة جيشه من المشركين المحيطين به وقال لهم (في غطرسة مؤكدًا مقتل النبي وصاحبيه) أما هؤلاء فقد كفيتموه.
أبو سفيان يقابل ابن الخطاب
ولكن عمر بن الخطاب ﵁ - عند سماع ما قاله أبو سفيان لم يملك نفسه أن قال:
يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوؤك (١) فلما سمع أبو سفيان صوت عمر طلب مقابلته وقال .. هلم إلي يا عمر.
ولما علم الرسول برغبة أبي سفيان في مقابلة عمر، قال له (ائته فانظر ما شأنه؟ (٢).
فذهب إليه عمر (بالرغم من حالة الحرب القائمة بينهم) فلما التقيا، قال أبو سفيان، أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟؟ .
قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.
فقال أبو سفيان لعمر أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر. وكان ابن قمئة هو الذي زعم للمشركين بأنه قد قتل النبي، وذلك أنه قتل مصعب بن عمير (٣) وكان أشبه برسول الله، وخاصة إذا لبس السلاح.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٩.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٨.
(٣) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ١٧٩ ]
أبو سفيان يعتذر للمسلمين عن المثلة
وقد اعتذر أبو سفيان للمسلمين (كقائد مسئول) عما تعرضت له جثث شهدائهم من التشويه والمثلة على أيدي بعض المشركين، وأبلغهم اعتذاره هذا وهو على رأس الجبل قائلًا:
إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة (١)، ولم آمر بها ولم تسرني.
ولما أراد أبو سفيان الانصراف بجيشه واعد المسلمين على التلاقي في بدر على أن يكون في العام التالي للسنة التي حدثت فيها معركة أحد، فوافقه المسلمون على ذلك، وكان هذا التواعد آخر حديث يوجهه أبو سفيان إلى المسلمين من على رأس الجبل بعد معركة أحد.
الجيش المكي ينسحب
قال ابن إسحاق .. ولما انصرف أبو سفيان نادى، إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله - ﷺ - لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد.
وبعد هذا مباشرة هبط أبو سفيان من الجبل وانسحب بجيشه إلى مكة.
وبهذا اختتم آخر فصل من فصول معركة أحد الرهيبة الدامية التي امتحن الله فيها المسلمين وميزت شدائدها ونكباتها الطيب من الخبيث:
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧ ط، الحلبي ١٣٤٩ هـ.
[ ٢ / ١٨٠ ]
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١).
مراقبة تحركات العدو
وبعد أن تحرك جيش مكة وأخذ في الانسحاب من نقطة أحد انتدب الرسول - ﷺ - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ليقوم بعملية الاستكشاف وأمره بأن يتعقب جيش مكة ويراقب حركاته وإلى أين يتجه.
أيتجه إلى المدينة (التي لا تبعد عن مكان المعركة أكثر من ميلين لمهاجمتها أم يتجه إلى مكة؟
وقد أكد الرسول (كقائد خبير مطلع) لهيئة أركان حربه، بأن المشركين، إن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهم يريدون مهاجمة المدينة وإن جنبوا الخيل وركبوا الجمال، فهم عازمون على الانسحاب إلى مكة رأسًا.
ثم أبلغ جيشه بأنه مصمم على منازلة الجيش المكي، والحيلولة بينه وبين احتلال المدينة إن هو اعتزم ذلك.
غير أن علي بن أبي طالب - بعد أن قام بعمليته الاستكشافية - رجع وأخبر الرسول - ﷺ - أن المشركين جنبوا الخيل وركبوا الإبل، واتجهوا إلى مكة.
قال ابن إسحاق .. ثم بعث رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب ﵁، فقال "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وما يريدون؟؟ .
_________________
(١) آل عمران ١٧٩.
[ ٢ / ١٨١ ]
فإن كانوا جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) (١).
قال علي: فخرجت في آثارهم، انظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
لماذا لم يهاجم أبو سفيان المدينة؟
كانت المدينة (عند انسحاب الجيش المكي من مكان المعركة) مفتوحة تمامًا، لأنها خالية من الجيش الإسلامي الذي لا زال (في تلك الساعة) في مكان المعركة، فلم يكن بالمدينة سوى النساء والأطفال ومن لا قدرة لهم على القتال من العجزة ساعة انسحاب المشركين.
فكانت الفرصة مواتية لأن يهاجم أبو سفيان بجيشه المنتصر المدينة لاحتلالها، والأخذ بعض الغنائم منها واقتياد بعض الأسرى حيث فاته ذلك في معركة أُحد ..
ولا شك أن أبا سفيان وقادة جيشه قد فكروا في اغتنام هذه الفرصة ومهاجمة المدينة فيها لاسيما وأنها كانت مكشوفة تمامًا وخالية من الجيش الإسلامي، ولكن الذي حدث خلاف ذلك وهو أن جيش مكة قد سارع بالانسحاب من مكان المعركة صوب مكة رأسًا، دون أن يوانس في نفسه الشجاعة لاحتلال المدينة أو حتى مجرد التعرض لها مع أنها كانت على قيد المدينة وتقرر الانسحاب رأسًا إلى مكة، مع سنوح تلك الفرصة الذهبية لها؟
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٩٤ ط، الحلبي ١٣٧٥ هـ.
[ ٢ / ١٨٢ ]
السبب الحقيقي
والحقيقة أن المشركين (من الناحية الواقعية) محقون كل الحق في عدم توريط جيشهم بالهجوم على المدينة وأن القائد العام أبا سفيان لم يرتكب أي خطأ من الناحية العسكرية ولم يجانب الصواب عندما صرف النظر عن مهاجمة المدينة، كما يتراءى للبعض (من الوجهة العسكرية).
بل إن أبا سفيان بعمله هذا، قد أثبت بأنه من القادة العسكريين البعيدين عن السطحية الذين لا يستجيبون لداعي الغرور، ولا تستفزهم نشوة الانتصارات العابرة، ومن القادة الذين يقدرون نتائج الأعمال قبل القدوم عليها.
فأبو سفيان عند انسحابه من منطقة أُحد يدرك تمامًا أنه لا يوجد في (تلك اللحظة) ما يحول بينه وبين مهاجمة المدينة أو حتى احتلالها، لأن جيشه في تلك اللحظة كان يفصل بين المدينة وبين جيشها الذي كان لا يزال في مكان المعركة بأُحد مشغولًا بدفن قتلاه وإسعاف جرحاه.
ولكن أبا سفيان (مع إدراكه لهذه الحقيقة) يعلم في قرارة نفسه (كقائد مسئول) ما في مهاجمته المدينة من مغامرة قد تكون سببًا في إهلاك جيش مكة أو تضييع قيمة النصر الأسمى الذي حصل عليه في آخر المعركة بسبب عصيان الرماة لقائدهم.
ذلك أن قائد جيش مكة موقن (تمامًا) بأن النصر الذي سجله المشركون على المسلمين في الصفحة الأخيرة من المعركة، لم يكن نتيجة
[ ٢ / ١٨٣ ]
بسالة رجال الجيش المكي وصبرهم وثباتهم، وإنما كان نتيجة غلطة تعبوية جاءت من جانب خصومهم غلطة لم يكن لهم (أي المشركين) أي يد في إحداثها، سببت هذه الغلطة الشنيعة (وهي غلطة الرماة) تخريبًا خطيرًا في الخطة الحكيمة الدقيقة التي أدار المسلمون بموجبها دفة القتال.
مما أدى إلى ذلك التحول المفاجئ المذهل في سير القتال الذي يسر للمشركين:
١ - إيقاف سيل الهزيمة النازل بهم.
٢ - التمكن من تكبيد المسلمين خسائر فادحة في الأرواح.
٢ - إضاعة النصر الحاسم الذي سجله المسلمون في الصفحة الأولى من المعركة.
٤ - جعل المشركين (ظاهريًّا) في موقف الغالب المنتصر.
فأبو سفيان يعلم أن شيئًا من هذه الأمور الأربعة ما كان ليحدث لولا الغلطة الشنيعة التي ارتكبتها فصيلة الرماة التي انسحبت من مواقعها في الجبل قبل الوقت المحدد.
فالذي منع أبا سفيان من مهاجمة المدينة (في تلك اللحظة) وجعله لم يغتر بالنصر التي حصل عليه جيشه في الساعات الأخيرة من المعركة، هو يقينه بأن عناصر تحقيق مثل هذا النصر لم تكن موجودة أصلًا في جيش مكة.
وذلك أن هذا النصر إنما جاء نتيجة غلطة ارتكبها بعض الجيش الإسلامي، ومثل هذه الغلطة غير مضمون تكرارها ليحصل الجيش المكي
[ ٢ / ١٨٤ ]
على مثلها إذا ما غامر بالهجوم على المدنية، ولا سيما أن حال هذا الجيش ليس بأحسن من حال جيش المدينة من ناحية الإنهاك والتعب.
إن شبح الهزيمة المرعبة التي أنزلها الجيش المدني (على صغره) بالجيش المكي (على ضخامته) لا يزال ماثلًا أمام عين أبي سفيان القائد وهو يعلم علم اليقين أن الرعب والخوف من المسلمين لا يزالان يملأن قلوب جند المشركين بالرغم من النصر التعبوي المفاجئ غير المتوقع الذي أعطته لهم غلطة رماة المسلمين، بعد تلك الهزيمة التي أنزلها المسلمون بهم والتي ما كانت تنتهي حتى مكة لولا غلطة الرماة غفر الله لهم.
ولهذا كان أبو سفيان على ما يشبه اليقين بأنه لو غامر بمهاجمة المدينة فإن نتيجة هذه المغامرة لن تكون إلا الهزيمة الساحقة، لأن الجيش المدني سيتصدى للمشركين وسيضربهم داخل المدينة ضربة قد تكون القاضية على سمعة قريش حتى النهاية.
وهكذا فإن أبا سفيان لم يصرف النظر عن مهاجمة المدينة فحسب بل انسحب بطريقة تشبه الفرار، حيث اجتاز بجيشه الضخم الثقيل أكثر من أربعين ميلًا في يوم واحد وكأنه خاف (إن هو تباطأ في انسحابه، أو عسكر في مكان قريب من المدينة) أن يجمع المسلمون هؤلاء شتاتهم ويجبروه على خوض معركة قد يكون النصر فيها حليف هؤلاء المسلمين (الذين بالرغم من انتكاسهم في معركة أُحد) قد أوجدوا في نفوس جند مكة عقد خوف مستعصية، للضراوة المفزعة التي لمسوها منهم في المرحلة الأولى من المعركة، عندما أبادوا فصيلة كاملة من حملة لواء المشركين، ثم أنزلوا بهم الهزيمة الساحقة (وبطريقة مذهلة) في أول القتال.
وفعلا، فإن ما كان قد قدره أبو سفيان وخشي منه قد حدث، فبعد
[ ٢ / ١٨٥ ]
أقل من خمس عشرة ساعة من انتهاء القتال في معركة أُحد صدرت الأوامر النبوية إلى الجيش الإسلامي (الذي خاض المعركة خاصة) بأن يتحرك لمطاردة جيش مكة الغازي، كما سنفصل ذلك عند حديثنا عن حملة حمراء الأسد في هذا الكتاب إن شاء الله.
النبي يتفقد القتلى والجرحى
وبعد أن تأكد الرسول من إحجام المشركين عن مهاجمة المدينة، انصرف إلى التحقيق في نتائج المعركة والتعرف على من استشهد من أصحابه.
فخرج وخرج المسلمون معه من معتصمهم في الجبل للنظر في شؤون الضحايا من الشهداء، وإنقاذ من يمكن إنقاذه من الجرحى، وتجهيز الذين قضوا نحبهم وإيداعهم مقرهم الأخير.
سعد بن الربيع
وعلى وجه الخصوص أمر النبي - ﷺ - بالتحقيق في مصير البطل سعد بن الربيع (١) أحد قادة الأنصار المشهورين (أهو في الأحياء أم في الأموات؟؟؟).
فانتدب لهذه المهمة محمد بن مسلمة الأنصاري الذي انطلق إلى حيث احتدمت المعركة لمعرفة مصير سعد بن الربيع.
_________________
(١) هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير الخزرجي الأنصاري، كان من السابقين إلى الإسلام، شهد إبرام معاهدة العقبة قبل الهجرة بمنى، وكان أحد الرؤساء الذين تولوا إبرامها عن قومهم، آخى الرسول ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف عند =
[ ٢ / ١٨٦ ]
وبينما هو يتجول في أنحاء المعركة إذا به يجد البطل سعد مضرجًا بدمائه، تنزف جراحه بغزارة (وعلى آخر رمق).
فانحنى عليه وأخبره بأن الرسول - ﷺ - بعثه خصيصًا تفقد حاله ومعرفة مصيره فأبلغه سعد (بصوت لا يكاد يسمع) بأنه لم يعد من أهل الدنيا للجراحة المميتة التي أصيب بها ثم لفظ أنفاسه الطاهرة.
هكذا تصنع العقائد الأبطال
والعظيم في الأمر أن آلام النزع لم تنس سعد بن الربيع الاهتمام برسول الله - ﷺ - والتفكير فيما قد يتعرض له من مكروه.
فإنه (وهو في تلك اللحظات التي يودع فيها الدنيا) لم يفكر في زوجه ولا في أولاده وإن ظل فكره مشغولًا بمصير الرسول - ﷺ -، فقد أنساه حبه العظيم لنبيه كل شيء (حتى نفسه) وظل حتى فارق الدنيا، وهو شديد الخوف على النبي - ﷺ - وشديد الحرص على أن لا يمس بسوء.
ولا أدل على ذلك من أنه قبل أن تصعد روحه إلى باريها، حمل محمد بن مسلمة إلى رسول الله - ﷺ - رسالة ملؤها المحبة والإخلاص والوفاء،
_________________
(١) = الهجرة، شهد سعد معركة بدر مع النبي ﷺ، كان ﵁ من كرام الصحابة الأوفياء، أصيب يوم أحد باثنتي عشرة طعنة قاتلة، وكان أبو بكر الصديق يحبه كثيرًا، روي الطبراني أن أم سعد بن الربيع دخلت على أبي بكر أيام خلافته فألقى لها ثوبه حتى جلست عليه، فدخل عمر فسأله، فقال هذه ابنة من هو خير مني ومنك، قال: ومن هو يا خليفة رسول الله؟ قال رجل قبض على عهد رسول الله تبوأ مقعدة من الجنة وبقيت أنا وأنت ..
[ ٢ / ١٨٧ ]
كما حمله (أيضًا) رسالة إلى قومه الأنصار ضمنها التحذير من التهاون في واجب الذَّب عن رسول الله - ﷺ - وأبلغهم بأن الله لن يقبل لهم عذرًا إذا ما تعرض نبيهم لمكروه وفيهم رجل على قيد الحياة، وبعد أن أملى هاتين الرسالتين فاضت روحه الطاهرة إلى باريها.
قال ابن إسحاق: وفرغ لقتلاهم، فقال رسول الله - ﷺ -: من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات فقال رجل من الأنصار "قال السهيلي هو محمد بن مسلمة" أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد.
فنظر فوجده جريحًا وبه رمق، قال فقلت له إن رسول الله - ﷺ -، أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ .
قال: نعم في الأموات، فأبلغ رسول الله - ﷺ - عني السلام، وقل له .. إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك (يعني الأنصار) عني السلام، وقل لهم، إن سعد بن الربيع يقول لكم، إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم - ﷺ - ومنكم عين تطرف، قال (محمد بن مسلمة) ثم لم أبرح حتى مات، قال فجئت رسول الله - ﷺ - فأخبرته خبره (١).
والحقيقة أن جيشًا يكون رجاله على مستوى يقين وإيمان وبسالة سعد بن الربيع، لا يستبعد أن يصنعوا في المعارك ما يشبه المعجزات، ويسجلوا من الانتصارات ما يعتبره الجاهلون بأقدار هؤلاء الرجال، ضربًا من الأساطير التي لا تصدق.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٩٥ ط، الحلبي ١٣٧٥ هـ.
[ ٢ / ١٨٨ ]
أغيظ موقف يقفه الرسول في حياته
وأثناء تفقد القتلى، بحث رسول الله - ﷺ - عن عمه حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن وادي قناة قد مثل به المشركون أشنع تمثيل، حيث فتحت بطنه وانتزعت كبده من بين جنبيه للتشفي.
فكان منظرًا مريعًا لم يكن أوجع منه لقلب رسول الله - ﷺ - (كما صرح هو بذلك).
فقد كان حمزة ﵁ عم النبي - ﷺ - وأخاه في الرضاعة وكان فوق ذلك كله رجلا يعد بالآلاف في المعارك، وكان مثلًا عاليًا للشهامة والنجدة والنبل، وكان عضد رسول الله - ﷺ - عندما يستعر لهيب الحرب، فكان الإسلام (يوم مقتل حمزة) في أمس الحاجة إلى أمثاله من القادة الشجعان، لأن الأخطار العسكرية كانت تكتنف الدعوة الإسلامية الناشئة من كل جانب.
فكان مصرع حمزة (بحق) يوم ذاك خسارة عسكرية فادحة بالنسبة للمسلمين، ولم ينل رسول الله - ﷺ - من الحزن مثل ما ناله يوم أن وقف على جثمان عمه البطل الشهيد.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله - ﷺ - فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه.
[ ٢ / ١٨٩ ]
فلما وقف رسول الله - ﷺ - على عمه حمزة ورأي ما به من تشويه شنيع، قال: لن أُصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا أغيظ إلى من هذا (١).
ثم قال النبي - ﷺ - لئن أظهرني الله على قريش في موطن لأمثلن بثلاثين رجلًا منهم - ولما رأى المسلمون ما برسول الله - ﷺ - من حزن وغيظ علي من فعل بعمه ما فعل قالوا، لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر (يعني قريشًا) لنمثلن بهم مثلة (٢) لم يمثلها أحد من العرب (٣).
فأنزل الله في قوله هذا الذي توعد به قريشًا، قوله تعالى:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٤).
وبعد نزول هذه الآية عدل رسول الله - ﷺ - عن عزمه الذي اعتزم به للتمثيل بقتلى العدو، ثم عفا وصبر، بل نهى عن المثلة أيا كانت وفي أي كان.
فعن الحسن بن سمرة بن جندب قال ما قام رسول الله - ﷺ - في مقام قط ففارقة حتى يأمرنا بالصدقة وينهانا عن المثلة (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٩٦ ط الحلبي ١٣٧٥ هـ.
(٢) المثلة (بضم أوله وسكون ثانية) هنا تشويه جثث القتلى والعبث بها في تشف.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٤٠.
(٤) النحل ١٢٧.
[ ٢ / ١٩٠ ]
إني أخاف على عقلها
وخرجت صفية بنت عبد المطلب (١) (عمة رسول الله وشقيقة حمزة الشهيد) تطلب أخاها، وقد بلغها ما نزل به، وكان رسول الله - ﷺ - يعلم حبها العظيم لشقيقها حمزة ﵁، ولذلك خشى على عقلها أن يزول إن هي رأت ما بجثة أخيها من التشوية الفظيع والمثلة الشنيعة، فطلب من ابنها (الزبير بن العوام) أن يعمل على إرجاعها إلى المدينة، لئلا ترى ما حل بأخيها.
فالتقى بها ابنها الزبير، وقال لها يا أمه .. إن رسول الله - ﷺ -، يأمرك أن ترجعي.
فقالت .. ولم؟؟ وقد بلغني أنه مثّل بأخي؟ وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى، فرجع الزبير فأخبره بما قالت صفية، فقال خل سبيلها، فاتجهت نحو النبي - ﷺ - فلما رآها قال .. إني أخاف على عقلها (٢) (لما يعلم من حبها الشديد لشقيقها حمزة)، فلما جاءته - ﷺ - وضع يده على صدرها (وهي عمته) ودعا لنا فاسترجعت وبكت.
وكان ابنها الزبير بن العوام يحاول الحيلولة بينها وبين رؤية أخيها، رحمة بها، لأنها قد كبرت وأسنت ولكنها قالت، لا أرجع حتى أنظر إليه،
_________________
(١) تقدمت ترجمتها ﵂ في أول هذا الكتاب.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٠ ط الحلبي عام ١٣٤٩ هـ.
[ ٢ / ١٩١ ]
فلما سمح لها النبي - ﷺ - بالنظر إلى جثمان أخيها حمزة، رأت منظرًا مريعًا تتفتت له الأكباد، رأت أخاها الشاب اليافع البطل معفرًا بالتراب، قد فتحت يد الحقد الوثني بطنه وجدعت أنفه وأذنه، ففاضت عيناه بالدموع، فبكت وأبكت، واستغفرت لأخيها (في هدوء المؤمن وثبات المسلم) ثم انصرفت، وكان - ﷺ - يبكي لبكائها.
قال ابن مسعود: ما رأينا رسول الله عينة باكيًا أشد من بكائه على حمزة (﵁) وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق (أي شهق) حتى بالغ به الغشي (١).
ك يف دفن المسلمون قتلاهم؟
ثم أمر الرسول - ﷺ - بدفن الشهداء، وجاء في السيرة النبوية لابن هشام (٢) أن النبي - ﷺ - أمر بحمزة بن عبد المطلب فسجى ببردة، ثم صلى عليه فكبر عليه سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى فيضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة.
ولكن الصحيح الذي عليه أهل العلم من الفقهاء والمفسرين وأهل الحديث أن النبي - ﷺ - لم يصل على شهيد معركة أبدًا، لا في أحد ولا في غيرها من المعارك، وإنما كان يأمر بدفن الشهداء بثياب المعركة (دونما غسل أو صلاة).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٠.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٧.
[ ٢ / ١٩٢ ]
دفن الشهداء دونما غسل أو صلاة
قال الإمام الشافعي ﵁، جاءت الأخبار كأنها عيان (من وجوه متواترة) أن النبي - ﷺ - لم يصل على قتلى أُحد، وما روى أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيره لم يصح، وثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا.
وقد أمر الرسول بأن يكفن الشهداء في ثياب المعركة (١) فكفنوا فيها بعد أن نزع ما عليهم من حديد وجلود.
وكفن حمزة بن عبد المطلب بنمرة كانت له، فكانوا إذا مدوها على رأسه انكشفت رجلاه وإن مدوها على رجليه انكشفت رأسه، فمدوها على رأسه وجعلوا على رجليه الحرمل تكميلًا لتكفينه (٢).
دفن أكثر من شهيد في قبر واحد
وقد دفن مع حمزة بن عبد المطلب (في قبر واحد) عبد الله بن جحش الأسدي، وكان حمزة خاله (٣).
وعلى طريق الخصوص أمر الرسول - ﷺ - بأن يدفن عمرو
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٤٢.
(٢) السيرة الحلبية.
(٣) وذلك أن أم عبد الله بن جحش، هي أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وأخت حمزة، وكان الذي قتل عبد الله بن جحش يوم أحد أبو الحكم بن الأخنس بن شريق (الذي قاد أبوه المعارضة الأولى لأبي جهل في حرب بدر، ورجع بقبيلة بني زهرة إلى مكة من رابغ فلم يشهد أحد منهم معركة بدر) وقد قتل أبو الحكم هذا كافرًا يوم أحد.
[ ٢ / ١٩٣ ]
ابن الجموح (١) وعبد الله بن عمرو بن حرام (٢) في قبر واحد وقال .. فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد.
[صورة]
أخذنا هذه الصورة من علي قمة جبل الرماة البارز منه جانب أسفل الصورة، والجانب المشار إليه بالسهم هو الذي اعتصم به الرسول ﷺ بعد الانتكاسة، وقد ظهرت مقبرة الشهداء في فم الشعب، ويقع وسطها (حيث الواقفون) قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش ﵁.
_________________
(١) هو عمرو بن الجموح (بفتح أوله وضم ثانيه) بن زيد بن حرام السلمي الأنصاري سيد من سادات الأنصار، قال بن الكلبي: كان عمرو بن الجموح آخر الأنصار إسلامًا، وكان شريفًا في قومه مشهورًا بالكرم، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ لأحد الأنصار (بل سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح) كان ابن الجموح أعرج شديد العرج، وقد ذكرنا طرفًا عن تاريخه في صلب هذا الكتاب.
(٢) هو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي السلمي والد جابر بن عبد الله الصحابي المشهور، كان عبد الله هذا من السابقين في الإسلام، شهد بيعة العقبة وكان أحد النقباء الذين تولوا إبرامها مع النبي عن قومهم. شهد بدرًا، وهو الذي حاول نصح فرقة عبد الله بن أبي من المنافقين الذين تمردوا ورجعوا إلى المدينة والنبي ﷺ لما يزل في طريقه إلى أحد، وفي عبد الله بن عمرو هذا قال النبي ﷺ لما قتل يوم أحد (ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها).
[ ٢ / ١٩٤ ]
ودفن خارجة بن زيد (١) وسعد بن الربيع (٢) في قبر واحد، كما دفن النعمان بن مالك (٣) وعبد بني الحسحاس (٤) في قبر واحد.
وكان - ﷺ - يشهد عملية الدفن، وكان يقول: احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد) وكان يقول: (انظروا أكثر هؤلاء جمعًا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر).
النبي يأمر بإعادة القتلى من المدينة
وقد بلغ الرسول - ﷺ - أنا أناسًا احتملوا قتلاهم إلى المدينة لدفنهم فيها، فأصدر أمره بإعادة هؤلاء القتلى وأمر بأن يدفنوا حيث قتلوا.
وأرسل الرسول - ﷺ - مندوبًا خاصًّا إلى المدينة، فنادى (بأمر الرسول) ردوا القتلى إلى مضاجعهم، فوجدوهم قد دفنوا جميعهم إلا واحدًا لم يدفن، فأعادوه فدفن في مكان المعركة.
_________________
(١) هو خارجة بن زيد بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل شهد بدرًا، وهو صهر أبي بكر الصديق، تزوج أبو بكر ابنته ومات عنها وهي حامل، يعتبر خارجة هذا في عداد الأبطال المحاربين، أخذته الرماح يوم أحد فجرح بضعة عشر جرحًا، فمر به صفوان بن أمية فعرفه فأجهز عليه ثم قال الآن شفيت نفسي حين قتلت الأماثل من أصحاب محمد، قتلت خارجة بن زيد وقتلت أوس بن أرقم وقتلت أبا نوفل.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) هو النعمان بن مالك بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي صحابي جليل شهد بدرًا، وهو الذي قال لرسول الله .. والله لأدخلن الجنة، فقال له (بم؟) قال بإني أشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله وإني لا أفر من الزحف، فقال صدقت.
(٤) لم أقف على ترجمة له.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وروى الإمام أحمد أن جابر بن عبد الله ﵁ قال: استشهد أبي بأُحد فأرسلني أخواتي إليه بناضح لهن فقلن، اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل، فادفنه في مقبرة بني سلمة، فقال فجئته وأعوان لي فبلغ نبي الله وهو جالس بأُحد، فدعاني .. فقال، والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوانه فدفن مع أصحابه بأُحد.
وعن جابر أيضًا، قال بينما أنا في الناظرين، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي - عادلتهما علي ناضح - فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي .. ألا إن النبي - ﷺ - يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا (١).
وبهذا استدل أهل العمل على تحريم نقل الميت ليدفن في المنطقة التي لم يمت فيها.
الأرض لا تأكل جسد الشهيد في الله
وقد شهد الرسول - ﷺ - بأن الشهداء يبعثون يوم القيامة على الحالة التي دفنوا عليها من غير تغيير.
قال ابن إسحاق، لما أشرف رسول الله - ﷺ - على القتلى يوم أُحد قال .. أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه .. اللون لون دم والريح ريح مسك (٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٤٣.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٩٨.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وقد حديث (عمليًّا) ما يصدق حديث النبي الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى.
فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال .. فبينا أنا في خلافة معاوية (١) بن أبي سفيان، إذ جائني رجل فقال يا جابر بن عبد الله والله لقد أثار أباك عمّال معاوية فبدا فخرج طائفة منه، فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير.
وروى البيهقي عن جابر أيضًا، أنه قال لما أجرى معاوية العين عند قتلى أُحُد بعد أربعين سنة، استصرخناهم إليهم، فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة (بن عبد المطلب) فانبعث دمًا، وفي رواية ابن إسحاق، فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس.
وفي رواية الواقدي عن جابر أيضًا .. فحفرنا عنهم فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائم على هيئته ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح ويده على جرحه فأُزيلت عنه فانبعث جرحه دمًا، ويقال إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك (﵃ وأرضاهم) وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا.
دعاء الرسول بعد المعركة
وبعد أن فرغ المسلمون من دفن قتلاهم، واعتزم الرسول - ﷺ -، الرجوع بجيشه إلى المدينة، وقف ﵊ على فرسه بأصل جبل أُحد، وأمر المسلمين أن يصطفوا، فاصطفوا من خلفه وعامتهم جرحى، واصطف خلفهم النساء وهن أربع عشرة امرأة ثم قال - ﷺ -:
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ١٩٧ ]
استووا حتى أثنى على ربي، فاستووا، فقال اللهم لك الحمد لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت.
اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعت منا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق (١).
الرسول يتحدث عن مقام الشهداء
وقد تحدث الرسول - ﷺ - عن مقام الشهداء الذين يسقطون صرعى في سبيل الله، ودرجتهم العظيمة عند الله، فقد روى عن ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال:
لما أُصيب إخوانك بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله ﷿:
_________________
(١) رواه البخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده.
[ ٢ / ١٩٨ ]
أنا أُبلغهم عنكم .. فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
مصير قتلى الوطنية المجردة
ذلك هو مصير شهداء الإسلام الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، أما غيرهم ممن يقتل خارج نطاق العقيدة الإسلامية وفي غير سبيل نصرتها، فإن مصيره في الآخرة على عكس مصير شهداء الإسلام حتى وإن قتل في جيش يقوده النبي - ﷺ - وخلف لواء يعقده الرسول.
فهذان رجلان من أهل المدينة قاتلا مع النبي يوم أُحد وتحت رايته قتال الأبطال، ولكنهما كان (بالرغم من ذلك) من أهل النار.
والسبب في ذلك انهما لم يقاتلا على عقيدة الإسلام، وإنما كان قتالهما، قتالًا وطنيًّا قوميًّا فحسب، فقد كان اشتراكهما في القتال حمية لقومهما ودفاعًا عن وطنهما المدينة لا غير.
هذان الرجلان، إحداهما من عرب المدينة يقال له قزمان (بضم أوله وسكون ثانيه) فقد كان من شجعان المدينة المشهورين، لما اعتزم المسلمون
_________________
(١) الآيات ١٦٩ - ١٧٠ - ١٧١، آل عمران.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ملاقاة المشركين في أُحد خرج قزمان مع المسلمين، وقاتل معهم قتال الأبطال، فكان من أشد الناس على مشركي مكة، حتى إنه قتل وحده يوم أُحد عشرة من المشركين، من بينهم خمسة من فرسان بني عبد الدار (حملة لواء الجيش المكي).
يهودي في صفوف المسلمين
أما الثاني فهو عربي الأصل يهودي الدين (من يهود بني ثعلبة) واسمه مخيريق.
كان ميخريق هذا يرى أنه من الواجب على اليهود القتال في جانب النبي للدفاع عن المدينة تنفيذًا للمعاهدة المبرمة بين النبي وبين اليهود (١) والتي بموجبها يلزم اليهود بمقاتلة من دهم يثرب مع المسلمين.
فقد دعا مخيريق اليهود إلى حمل السلاح للقتال مع المسلمين يوم أُحد، ولكنهم اعتذروا بأن ذلك اليوم هو يوم السبت وأنهم لا يقاتلون فيه.
فلم يقبل منهم مخيريق هذا العذر وقال لهم: (لا سبت لكم اليوم) ثم حمل سلاحه وقاتل في جانب المسلمين حتى قتل، كما سنفصل ذلك فيما يلي إن شاء الله.
_________________
(١) انظر بعض بنود هذه المعاهدة في الصفحات الأولى من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
شجاعة قزمان المنافق
أما قزمان فقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان عندنا رجل غريب لا ندري ممن هو يقال له قزمان، وكان ذا بأس وقوة، وكان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر له يقول: إنه من أهل النار.
فلما كان يوم أحد قاتل قزمان قتالًا شديدًا، ويقال إنه أول من رمى من جانب المسلمين بسهم في المعركة وكان يرمي النبال كأنها الرمال، ثم فعل بالسيف الأفاعيل.
وذكر أنه (عند احتدام المعركة) كان يكت كتيت الجمل الفحل ولقد لقى المشركون منه الأهوال.
القومي غير الديني
وذكر ابن الأثير في الكامل أن قزمان هذا قد جرح جراحات كثيرة في المعركة يوم أُحد فحمل إلى داره بالمدينة وكان المسلمون يفدون عليه ويقولون، أبشر قزمان، فيقول لهم بم أبشر؟؟ وأنا ما قاتلت إلا عن أحساب قومي (أي على شرفهم ومفاخرهم)، وفي رواية أن قتادة ﵁ قال لقزمان، هنيئًا لك الشهادة يا أبا الغيداق، فقال: إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين (١) ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير إلينا
_________________
(١) وعقيدة قزمان هذا، هي عقيدة القوميين العلمانيين غير الدينيين الذين يرون أنه من الرجعية والطائفية التزام الكفاح في سبيل الإسلام أو باسمه، بل إنهم ليحاربون كل من يدعو إلى الإسلام ليتخذ المسلمون منه (في الوطن العربي) دينًا ودولة، ويستنكرون (حتى محاربة المستعمرين باسم الإسلام ومع هذا يدعى البعض منهم أنه مسلم، بل لا يخجل (مع هذا) أن يشبه نفسه بصلاح الدين الأيوبي وأمثاله من قادة الأمة الإسلامية المجيدة، =
[ ٢ / ٢٠١ ]
قريش حتى تطأ أرضنا، قالوا: ولما اشتدت على قزمان جراحه مات منتحرًا، حيث أخذ سهمًا من كنانته فقطع به رواهشه (١) فنزف منه الدم حتى مات.
أشهد أنك رسول الله
ولما مات قزمان الشجاع على هذه الصورة جاء رجل إلي النبي - ﷺ -، وقال أشهد أنك رسول الله، فقال وما ذاك؟؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أصحاب النار فعل كذا وكذا (عند موته) وذكر قصة قزمان.
وقد حدثت مثل حادثة قزمان هذا حادثة لرجل آخر يوم خيبر، قاتل في جانب المسلمين حتى قتل، ولكن قتاله لم يكن على الإسلام وإنما كان قتالًا وطنيًا قوميًا مجردًا (كقتال قزمان المنافق) وعندها أمر رسول الله - ﷺ - بلالًا فنادى في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، روى هذه الحادثة أحمد في مسنده عن أبي هريرة.
وفي مثل هؤلاء القوميين غير الدينيين، سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله، فقال من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (٢).
_________________
(١) = فهل تظن أن مصير هؤلاء عند الله أحسن من مصير قزمان؟ .
(٢) الرواهش عروق باطن الذراع ومنها الشريان.
(٣) السيرة الحلبية ٢ ص ٣٣.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
مخيريق خير يهود
أما اليهودي العربي الذي قاتل في جانب رسول الله - ﷺ - حتى قتل فقد ذكر قصته ابن حزم في كتابه (جوامع السيرة) فقال:
وكان مخيريق (أحد يهود بني ثعلبة) (١) من اليهود فدعا مخيريق إلى نصر رسول الله - ﷺ - وقال لهم، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد سلاحه ولحق برسول الله - ﷺ - فقاتل حتى قتل.
وقال ابن كثير (في البداية والنهاية) إن النبي - ﷺ - لما بلغه مقتل مخيريق (في جانب المسلمين) قال: مخيريق خير يهود، وقد أوصى مخيريق هذا قائلًا:
إن أُصبت (أي قتلت) فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، وذكر السهيلي أن رسول الله - ﷺ - جعل أموال مخيريق اليهودي (بعد قتله) (وكانت سبعة بساتين) أوقافًا بالمدينة لله، ويقال إنها أول أوقاف بالمدينة.
ومما يلاحظ وينبغي الوقوف عنده أن هذا العربي المنافق. (قزمان) واليهودي العربي (مخيريق) بالرغم من أنهما قاتلا ببسالة وشجاعة في جانب المسلمين حتى قتلا، فإن النبي - ﷺ - لم يعتبرهما من الشهداء ولم يذكر أحد المؤرخين واحدا منهما في عدد الشهداء الذين استشهدوا يوم أُحد، وفي هذه عبرة وموعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
_________________
(١) في الأنصار قبيلتان يقال لهما بنو ثعلبة، أحداهما من الأوس وهم بنو ثعلبة بن عمرو بن عوف، والأخرى من الخزرج يقال لهم بنو ثعلبة بن عمرو بن الخزرج.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
المفارقات العجيبة
ومن عجائب المفارقات أن رجلًا من بني عبد الأشهل يقال له الأصيرم، كان شديد النفور من الإسلام، وكان يعيب قومه على اتباع محمد، وظل مشركًا غير مقتنع برسالة النبي، حتى كان يوم أُحد، إذ أدركته هداية الله فحمل سلاحه صبيحة ذلك اليوم العظيم واتجه إلى المعركة (دون أن يعلم أحد بحقيقة أمره) فقاتل في جانب النبي قتالًا مريرًا حتى أثبتته الجراحة فمات ودخل الجنة دون أن يصلي أو يصوم.
وذكر ابن برهان الدين في السيرة الحلبية أن الأصيرم (واسمه عمر ابن ثابت بن وقش) كان يأبى الإسلام على قومه بني عبد الأشهل، فلما كان يوم خرج النبي - ﷺ - إلى أُحد جاء إلى المدينة فسأل عن قومه فقيل له بأُحدُ، فبدا له في الإسلام (أي رغب فيه فأسلم) ثم أخذ سيفه ورمحه ولأمته واتجه نحو أُحدُ.
وذكر ابن كثير في تاريخه أن الصيرم كان يأبى الإسلام على قومه حتى يوم أحد حيث بدا له فأسلم ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عُرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة، قال فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا والله إن هذا للأصيرم ما جاء به؟؟ لقد تركناه وإنه لمنكر هذا الحديث (يعني الإسلام) فسألوه، فقالوا ما جاء بك ياعمرو؟؟ أحدب على قومك أو رغبة في الإسلام؟ فقال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله - ﷺ - فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، فلم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله - ﷺ - فقال (إنه لمن أهل الجنة)، فكان أبو هريرة
[ ٢ / ٢٠٤ ]
يقول (في حق الأصيرم هذا) حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصل.
وعلى هذين النقيضين (الأصيرم وقزمان) ينطبق قول النبي - ﷺ -، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة.
فقزمان كان (فيما يبدو للناس مسلمًا) حيث قاتل في جانب النبي يوم أُحد قتال الأبطال فكان الناس يظنونه من أهل الجنة مات شهيدًا على عقيدة الإسلام وفي سبيلها، بينما هو في الحقيقة عكس ذلك لم يقاتل على دين وإنما قاتل حمية ودفاعًا عن أحساب قومه فحسب، فظهرت حقيقته عندما أشرف على الموت، إذ اعترف بأنه لم يقاتل من أجل الإسلام وإنما قاتل قتالًا وطنيًا مجردًا فاستحق بذلك النار لأنه قاتل على غير عقيدة دينية.
وهذا هو (دائمًا وأبدًا) مصير كل قتيل من المنتسبين إلى الإسلام يُخرج أثناء قتاله (من حسابه) عقيدة الإسلام فيرفض القتال باسمها وتحت لوائها، ولا يتحرج من التشنيع على الذين يدعون إلى أنه من الضروري ربط كل كفاح أو جهاد في الوطن الإسلامي بعقيدة الإسلام .. نعم إن كل منتسب إلى الإسلام هذا شأنه فإن مصيره إلى النار حتى وإن قتل بسلاح أعداء الإسلام، لأنه لا فرق بينه وبين هؤلاء الأعداء ما دام أنه على هذه الدرجة من رفض عقيدة الإسلام ومحاربة الداعين إليها ومقاومة المنادين بالجهاد في سبيلها وتحت رايتها.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أما الأُصيرم، فقد كان على العكس - فيما يبدو للناس - مشركًا، فقاتل في جانب النبي دون أن يعلم أحد حقيقة أمرة حتى ساعة وفاته، فكان الناس يظنونه مشركًا، قاتل مع أهل المدينة دفاعًا عن أحساب قومه فحسب، بينما هو في الحقيقة مسلم قاتل على الإسلام وفي سبيله، وظهرت حقيقته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فاستحق بذلك الجنة لأنه قاتل حتى قتل، على عقيدة دينية يرضاها الله ورسوله.
وهكذا فإنه كثير ما يكون ظاهر الأمر خلافًا لباطنه، نسأل الله تعالى أن يختم لنا جميعًا بالحسنى وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه إنه على كل شيء قدير.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الفصل السابع
* عودة الجيش الإسلامي من أُحد.
* حالة الطواريء في المدينة.
* المطاردة غداة المعركة.
* حملة حمراء الأسد.
* نكول المشركين عن الحرب.
عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة
وبعد أن فرغ المسلمون من دفن قتلاهم في منطقة أُحد، أمر الرسول - ﷺ - جيشه بأن يتحرك نحو المدينة فاحتمل المسلمون جرحاهم، ثم تحرك الجيش النبوي يقدمه الرسول - ﷺ - بينما أحاطه من كل جانب كبار قادة المهاجرين والأنصار.
وفي طريق عودة النبي - ﷺ - من المعركة إلى المدينة حدثت حادثة تجلى فيها حب المسلمين الصادق لرسول الله - ﷺ - ذلك الحب الذي يقصر دونه حب الزوج والابن والأب والأخ.
فقد خرج الناس من المدينة للاستفسار عن نبيهم وذويهم المشتركين في المعركة .. وقد كانت من بينهم امرأة من بني دينار (١) قتل يوم (أُحدُ) أبوها وزوجها وأخوها وابنها، فلما نعوا لها لم تكترث كثيرًا، فقد أنساها قلقها على حياة الرسول - ﷺ - كل أحد، ولهذا قالت بعد أن نُعي لها أبوها وابنها وأخوها وزوجها (في لهفة) ما فعل رسول الله؟
_________________
(١) لم أعثر على اسمها في شيء من المراجع التي تحت يدي.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
قالوا خيرًا يا أُم فلان هو بحمد الله كما تحبين، قالت (ليزول ما علق بقلبها من قلق عليه نهائيًا): أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته سالمًا قالت (مشيرة إلى مصيبتها بفقد أبيها وزوجها وابنها وأخيها): "كل مصيبة بعدك جلل" (١).
وفي رواية أن الدينارية هذه جاءت إلى مصارع القوم في المعركة فمرت بأبيها وابنها وأخيها وزوجها صرعى، وصارت كلما سألت عن واحد وقالت من هذا قيل لها:
هذا أبوك وابنك وزوجك وأخوك، فلم تكترث، بل صارت تقول (والقلق يتناولها): ما فعل رسول الله؟؟ .
فيقولون: أمامك حتى جاءته وأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب" (٢).
إن زوج المرأة لبمكان
وفي طريق عودة الجيش إلى المدينة التقى النبي - ﷺ - ببنت عمته (حمنة بنت جحش) (٣) فقال لها (معزيًا في مصابها) احتسبي.
فقالت من يا رسول الله؟؟ .
_________________
(١) تريد صغيرة، قال ابن هشام، الجلل يكون من القليل ومن الكثير.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٤.
(٣) هي حمنة بنت جحش الأسدية، كانت زوج مصعب بن عمير العبدري (حامل لواء المسلمين يوم أحد) فلما استشهد تزوجها طلحة بن عبيد الله، أمها وأم أختها زينب زوجة الرسول ﷺ) أميمة بنت عبد المطلب، كانت حمنة من المبايعات، وكانت (كما قال في الإصابة تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم، قال ابن سعد أطعمها رسول الله صلى =
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فقال، خالك حمزة.
قالت، إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئًا له الشهادة.
فقال لها احتسبي.
فقالت من، يا رسول الله؟؟ .
قال أخاك عبد الله بن جحش (١).
قالت إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئًا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي.
فقالت من يا رسول الله؟؟ .
فقال لها زوجك مصعب بن عمير.
فقالت .. واحزناه، وصاحت وولولت.
فقال رسول الله - ﷺ - .. إن زوج المرأة لبمكان ما هو لأحد، لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها، وصياحها على زوجها.
ثم قال لها (بعد أن تولت) .. لم قلت هذا؟ .
قالت تذكرت يتم بنيه، فراعني، فدعا لها النبي - ﷺ - ولولدها أن يحسن عليهم الخلف، فتزوجت طلحة بن عبيد الله عنه - وكان
_________________
(١) = الله عليه وسلم من خيبر ثلاثين وسقًا، وهي والدة محمد بن أبي طلحة العابد المشهور بالسجاد، روت حديثًا واحدًا عن رسول الله ﷺ.
(٢) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
من كبار أغنياء الصحابة - فكان أوصل الناس لولدها وأبرهم بهم.
أم سعد بن معاذ
وقبل أن يدخل الرسول - ﷺ - المدينة، جاءت أم سعد بن معاذ (سيد الأنصار) تعدو نحو رسول الله - ﷺ - وهو على فرسه آخذ بلجامها.
فقال سعد يا رسول الله .. أُمي .. فقال مرحبًا بها، فوقف لها، فلما دنت من رسول الله - ﷺ - عزّاها بابنها عمر بن معاذ (١).
ثم دعا رسول الله - ﷺ - لأهل من قتل بأُحد، وقال لأُم سعد: يأُم سعد أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعًا، وقد شفعوا في أهلهم جميعًا.
قالت رضينا يا رسول الله .. ومن يبكي عليهم بعد هذا؟؟ .. ثم قالت .. يا رسول الله، ادع لمن خلفوا منهم، فقال - ﷺ -: "اللهم أذهب حزن قلوبهم واجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا" (٢).
جيش النبي يدخل المدينة
وفي مساء ذلك اليوم، يوم معركة أُحد، وهو اليوم الخامس عشر من
_________________
(١) هو عمر بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري - أخو سعد بن معاذ - صحابي جليل، شهد بدرًا، قتله يوم أحد ضرار بن الخطاب، وقال ضرار (حين طعنه فأنفذه) لا تعدمن رجلا، يزوجك من الحور العين، قالها ضرار (استهزاء) وذلك قبل أن يسلم، استشهد عمرو وهو في شرخ الشباب، ابن اثنتين وثلاثين سنة ﵁.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٧.
[ ٢ / ٢١٠ ]
شهر شوال عام ثلاثة من الهجرة، دخل الرسول - ﷺ - المدينة عائدًا بجيشه من أُحد. تحيط به هيئة أركانه وعامة جيشه.
ويظهر أن ألم الجراح التي أُصيب بها الرسول - ﷺ - في معركة أُحد قد اشتد عليه بعد وصوله إلى المدينة يدل على ذلك أن الرسول - ﷺ -، عندما وصل إلى بيته، سارع إليه السعدان (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة) فاحتملاه ثم أنزلاه من على فرسه، ثم سار متكئًا عليهما حتى دخل بيته (١).
غسل السيوف من الدم
ولما انتهى رسول الله إلى بيته - ﷺ - ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: (اغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله لقد صدقني في هذا اليوم (٢).
وكذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁ بسيفه قد انحنى من شدة الجلاد يوم أحد فأعطاه لزوجته فاطمة الزهراء قائلًا، هاك السيف حميدًا، فإنه قد شفاني، فقال رسول الله - ﷺ -.
لئن كنت قد أجدت الضرب بسيفك فقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت (٣) والحارث بن الصمة.
وفيما حدث للمسلمين من امتحان يوم أُحد، قال النبي لعلي بن أبي
_________________
(١) السيرة الحلبية أيضًا ج ١ ص ٤٧.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٤٧.
(٣) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٢١١ ]
طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا، وفعلًا فبعد معركة أحد لم تنتكس للنبي راية حتى لقى ربه.
كيف تلقت المدينة نبأ الكارثة؟
قبل سنة تمامًا من معركة أُحد كانت مكة تخيم عليها سحابة من الحزن العميق، فقد تلقت على أيدي المسلمين (في معركة بدر) ضربة موجعة مذهلة مزلزلة، حيث فقدت يوم ذاك سبعين قتيلًا فيهم الكثير من قادتها وأشرافها كما أصاب الذل والهوان سبعين محاربًا من أبناء مكة وقعوا في أسر المسلمين يوم بدر، فكان (يوم ذاك) أول فاجعة من نوعها تصاب بها مكة في تاريخها.
ويشاء الله أن يمتحن المسلمين بعد سنة من هزيمة المشركين في بدر، وكان الامتحان والاختبار هو ما أصابهم في معركة أُحد.
ومن عجائب صنع الله أن عدد القتلى الذين خسرهم المسلمون في معركة أُحد هو نفس العدد الذي خسره المشركون (قبل سنة في معركة بدر) إلا أنه لم يقع أحد من المسلمين في أسر المشركين يوم أُحُد، بينما وقع سبعون أسيرًا من أهل مكة في أيدى المسلمين يوم بدر، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا بقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني سبعين قتيلًا في أحد ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا﴾ يعني قتل سبعين مشركًا وأسر سبعين في بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ (١).
_________________
(١) آية ١٦٥ آل عمران.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وقد كانت كارثة المدينة كارثة كبيرة موجعة (دونما شك). إلا أن الفرق كان شاسعًا بين مكة والمدينة في تلقي كل منهما خبر كارثته.
فإن مشركي مكة إذا كانوا قد تلقوا نبأ كارثتهم في بدر بشيء من الانهيار والاضطراب والهلع، فإن المدينة قد تلقت نبأ كارثتها في أُحد بصبر وإيمان وثبات وشجاعة منقطعة النظير.
فلم يظهر على أحد من أهلها أي أثر للهلع أو الاضطراب والانهيار والتخاذل، لما أصاب جيشها في أُحد.
ولا أدل على ذلك من أن امرأة مسلمة فقدت ابنها وزوجها وأخاها وأباها في معركة أُحد فلم تذهل ولم يخرجها وقع المصيبة العظيمة عن حدود الاعتدال، وهي المرأة الدينارية التي ذهبت إلى مكان المعركة فرأت ابنها وزوجها وأخاها وأباها قتلى مضرجين بدمائهم فلم تكترث (فضلًا عن أن تفقد توازنها) وإنما ظلت تسأل عن مصير إنسان أحب إليها من هؤلاء الأربعة جميعًا، وهو محمد الرسول - ﷺ - الذي لما رأته سالمًا أعلنت أن كل مصيبة مهما عظمت تهون بجانب سلامته.
إنه الإيمان (إذن) ولا شيء أعظم من الإيمان ..
منع النياحة على القتلى
غير أن أهل المدينة (كما هي عادة العرب قبل الإسلام) ناحوا على قتلاهم، فارتجت المدينة بأصوات الباكيات يندبن الشهادة، ولكن الرسول - ﷺ - نهى في تلك الليلة عن النياحة على الموتى، فصارت النياحة محرمة في الإسلام تحريمًا قاطعا إلى الأبد.
[ ٢ / ٢١٣ ]
قال ابن إسحاق: ومر رسول الله - ﷺ - بدار بني عبد الأشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله - ﷺ - ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له، فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى دار بني عبد الأشهل أمر نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبين فيبكين على عم رسول الله - ﷺ -، ولكن رسول الله - ﷺ - لما سمع بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين فقال: "ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسك"، ثم نهى رسول الله - ﷺ - يومئذ عن النوح فيما قال ابن هشام، وفي رواية أُخرى .. لما سمع النبي النوائح قال ماهذا؟؟ فأخبر خبر بكاء نساء الأنصار على عمه حمزة فقال: ما هذا أردت وما أحب البكاء ونهى عنه (١).
حالة الطواريء في المدينة
ولما كانت تلك الليلة (التي عاد فيها الجيش الإسلامي من أُحد) أشبه بحالة الطوارئ، فقد باتت المدينة متيقظة ساهرة، على رجالها السلاح يحرسون مداخلها لاحتمال أن يحمل زهو الانتصار أبا سفيان على العودة لمهاجمتها.
وأنشأ الأوس والخزرج (من أنصار رسول الله - ﷺ -) من وجوههم وأبطالهم الأسداء مفرزة، وأوكلوا إليه القيام بحراسة الرسول - ﷺ -، فبات رجال تلك المفرزة واقفين (في كامل سلاحهم)، على باب النبي - ﷺ - خوفًا عليه من كرة العدو، الذي ليس من المستبعد أن يقوم بهجوم مفاجئ على المدينة لا سيما في تلك الليلة التي فيها عامة الجيش الإسلامي الذي شهد معركة أُحد مثقلا بالجراح قد أنهكه التعب.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٨ ص ٤٨ وقد وردت أحاديث أخرى صحيحة كثيرة تنهى عن البكاء والنوح على الأموات.
[ ٢ / ٢١٤ ]
حملة حمراء الأسد
لقد كان للنجاح المفاجيء الذي حصل عليه الجيش المكي في معركة أُحُد، أثر في زعزعة سلطان المسلمين وإضعاف هيبتهم في نفوس خصومهم المتربصين بهم (داخل المدينة وخارجها) فقد أخذ البعض من هؤلاء يحدثون أنفسهم ويفكرون في القيام ضد المسلمين ببعض الاضطرابات والقلاقل، بل صار البعض منهم (وخاصة اليهود والمنافقين) يتفوهون مساء يوم المعركة مباشرة، بما أشعر المسلمين بأن ما أصابهم في أُحُد من نكسات قد أوهم هؤلاء الأعداء الألداء المتربصين بأن ما أصابهم في هذه المعركة قد أوهن من روحهم المعنوية وأضعف من قوتهم العسكرية، وأنهم (لذلك) لم يعودا قادرين كما كانوا على الاحتفاظ بسلطانهم وفرض هيبتهم على من يريد بهم سوء، ولهذا شعر قادة الجيش الإسلامي بأن هؤلاء الأعداء (سواء كانوا في الداخل أم الخارج) سيظلون على ظنهم ما لم يثبت لهم المسلمون (عمليًّا) خطأ هذا الظن وفساده.
نصر مزيف
كذلك النصر الذي أحرزه جيش مكة في معركة أُحد، لم يعرف إلا النزر اليسير من سكان الجزيرة بأنه نصر مزيف لم يأت نتيجة بسالة الجيش المكي وبطولته، وإنما نتيجة غلطة شنيعة ارتكبها المسلمون أنفسهم (في تنفيذ الخطة الحربية للمعركة) أعطت هذه الغلطة جند مكة نصرًا تعبويًّا أعادهم هذا النصر المفاجئ (وهم يركضون في دروب الهزيمة) إلى ساحة القتال، ليعودوا إلى مكة وهم في هيئة الجيش الظافر المنتصر، الذي لم يكن (في حقيقته) كذلك
[ ٢ / ٢١٥ ]
لهذا كان لا بد من إقامة الدليل (عمليًّا) لسكان الجزيرة العربية (أولًا) بأن النصر الذي أحرزه جيش أبي سفيان في ملحمة أُحُد، لم يكن إلا نصرًا مزيفًا، وإن الجيش الذي أُشيع بأنه قد أحرزه عن بطولة، هو أضعف من أن يثبت للمسلمين في معركة جديدة، وأن قادة هذا الجيش (وعلى رأسهم أبو سفيان) لا يمكن أن يقبلوا التحدي ويوافقوا على خوض معركة جديدة ضد المسلمين (في هذا الظرف بالذات) وإن هذا الجيش من الانهيار والخوف والهلع بحيث لا يقوى على الدخول في معركة (حتى مع جيش أُحُد الذي يقال إنه قد هزمه هناك وتغلب عليه)، وذلك للحفاظ على انتصارهم العفوي الذي لم يكونوا يحلمون به.
كما أنه كان لا بد للمسلمين (في هذا الظرف الحرج) من أن يثبتوا (عمليًّا أيضًا) لخصومهم من اليهود والمنافقين والأعراب، المجاورين للمدنية بأنهم مخطئون في ظنهم بأنهم غلبوا على أمرهم، وأن ما حدث المسلمين في معركة أُحُد لم يكن له أي أثر على معنوياتهم.
وإن لديهم من القوة ما يجعل كلمتهم (كما كانت) هي العليا ويمكنهم من سحق أية حركة يفكر أحد من هؤلاء الخصوم في القيام بها ضد المسلمين.
جيش المدينة يطارد جيش مكة
وكان لا بد لتحقيق هذين الهدفين من عمل عسكرى جرئ سريع.
لذلك اتخذ القائد الأعلى للمسلمين - ﷺ - قرارًا في غاية في الجرأة
[ ٢ / ٢١٦ ]
والسرعة والإقدام، قرارًا قد يعتبره بعض العسكريين اليوم مغامرة عسكرية خطيرة أو عملًا انتحاريًّا خطيرًا.
فالبرغم من أن الجيش الإسلامي الذي خاض معركة أُحُد (لا تزال جراحة تنضح دمًا) فقد صدرت أوامر القائد الأعلى الرسول - ﷺ - بأن يتحرك (وعلى جناح السرعة) لمطاردة جيش مكة الذي يقال إنه المنتصر ومتى صدرت هذه الأوامر إلى الجيش الإسلامي؟؟ .
لقد صدرت إليه هذه الأوامر النبوية بعد مرور أقل من خمس عشرة ساعة على انتهاء المعركة الرهيبة التي خاضها هذ الجيش في أُحد، والتي ناله فيها ما ناله من اندحار تعبوي.
وحرصًا من النبي القائد المحنك الحكيم، على إظهار المسلمين (أمام أعدائهم المتربصين بهم والظانين بهم ظن الضعف والانهيار) بمظهر القوة والنجدة والتماسك والثبات، وعدم الاكتراث بما أصابهم في معركة أُحُد .. أمر بأن لا يشترك في حملة مطاردة الجيش المكي إلا الجند الذين خاضوا معركة أُحد فقط.
قال ابن إسحاق: فلما كان الغد من يوم أُحُد (لست عشرة ليلة من شوال) أذن مؤذن رسول الله ﵊ في الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد، إلا أحد حضرنا يومنا بالأمس (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٠١.
[ ٢ / ٢١٧ ]
جابر بن عبد الله
ولم يسمح الرسول - ﷺ - لأحد (من غير عسكر أُحُد) بالاشتراك في حملة لواء الأسد إلا لرجل واحد هو جابر بن عبد الله (١)، الذي قدم التماسًا خاصًّا إلى القائد الأعلى الرسول ليسمح له في هذه الحملة وكان من الأسباب الوجيهة التي تذرع بها هذا الشاب ليسمح له الرسول بالاشتراك في الحملة، هو أنه كان قد فاته شرف الاشتراك في معركة أحد مع حرصه الشديد على ذلك، لأن أباه عبد الله بن عمرو بن حرام (٢) لم يسمح له بالاشتراك فيها وأمره بالبقاء في المدينة إلى جانب أخواته السبع اللاتي لم يبق بينهن رجل سواه.
فقد روى ابن إسحاق، أن جابر بن عبد الله ﵁ جاء إلى النبي - ﷺ - فقال:
يا رسول الله، إن أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال يا بني، أنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هؤلاء النسوة، لا رجل فيهن ولست
_________________
(١) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري من مشاهير الصحابة، غزا (في سبيل الله تسع عشرة غزوة) لم يشهد جابر بدرًا، ويظهر أن أباه قد طلب منه ذلك كما طلب منه في أحد ليبقى مع أخواته السبع، كان جابر من المكثرين في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ ومن أوعية العلم، فكان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ فيها عنه العلم، وكان آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة (على ما رواه ابن حجر في الإصابة) مات ﵁ سنة ٧٤ هـ وذكر البخاري في تاريخه، أن الحجاج شهد جنازته، روى له أصحاب الحديث عن رسول الله ﷺ ١٥٤٠ حديثًا ذكر ذلك ابن حزم، في كتابه جوامع السيرة.
(٢) قتل شهيدًا في أحد.
[ ٢ / ٢١٨ ]
بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلف عليهن. فائذن لي يا رسول الله معك، فأذن له، واستأذن رأس النفاق (عبد الله بن أبي) رسول الله - ﷺ - في الخروج معه فلم يأذن له (١).
الحملة تتحرك
تحركت قوة المدينة المطاردة وغادرت المدينة بعد صلاة الفجر (بقيادة النبي) - ﷺ -، وقد استخلف الرسول - ﷺ - أميرًا على المدينة ابن أم مكتوم (٢).
ركب الرسول - ﷺ - فرسه المسمى (بالسكب) وقد تدجج بسلاحه وتقدم يقود الجيش في اتجاه الجنوب مسرعًا لمطاردة أبي سفيان.
وقد أعطى لواء هذه الحملة إلى علي بن أبي طالب ﵁، وهو اللواء الذي قاتل المسلمون في ظله يوم أُحد، والذي بقى معقودًا لم يحل من ساريته حتى رجع المسلمون من هذه الحملة ظافرين.
كبت المنافقين واليهود
ولقد استولى الدهش والذهول على اليهود والمنافقين (فعلًا) عندما
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) هو عمرو بن أم مكتوم، ويقال اسمه عبد الله، وعمرو أكثر، وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم وهو قرشي ومن قبيلة بني عامر بن لؤي، وأمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، كان ابن أم مكتوم من المهاجرين الأولين قدم المدينة قبل أن يهاجر النبي ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس، ذكر الزبير بن بكار أن ابن أم مكتوم كان يحمل اللواء في معركة القادسية، وأنه استشهد فيها، وفي ابن أم مكتوم أنزل الله تعالى (معاتبًا نبيه) قوله جلّ =
[ ٢ / ٢١٩ ]
رأوا هذا الجيش الصغير (الذي ظنوه قد هزم وتحطم) يتسابق أفراده (في عزم وتصميم وثبات) إلى حمل السلاح، لمطاردة العدو الذي يظنون أنه قد انتصر على المسلمين وأخضد شوكتهم.
ولقد هالهم أكثر وأدار رؤسهم وأثبت لهم خطأ ظنهم الفاسد، أن رأوا الجرحى من الجيش الإسلامي يتسابقون، هم أيضًا إلى حمل السلاح للاشتراك في الحملة استجابة لنداء الرسول القائد - ﷺ -، حيث لم يتخلف من هؤلاء الجرحى عن الخروج مع رسول الله في هذه الحملة، ولا رجل واحد، حتى الذين كانت جراحهم غائرة مثقلة، تحاملوا على أنفسهم وخرجوا مع رسول الله - ﷺ -.
ومن هؤلاء رجلان من بني عبد الأشهل جرحا جراحات بليغة في معركة أُحد، فقد روى عن أحدهما أنه قال:
شهدت أُحُدًا مع رسول الله - ﷺ - أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين (١) فلما أذن مؤذن رسول الله - ﷺ - بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي، أتفوتنا غزوة مع رسول الله - ﷺ -؟، والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله - ﷺ -، وكنت أيسر جرحًا، فكان أخي إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون (٢).
_________________
(١) = وعلا ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (الآية) كما هو مفصل في تفسير سورة (عبس).
(٢) وهذان الجريحان هما عبد الله ورافع ابنا سهيل بن رافع.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٠١.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وقد كان من كبار الصحابة الذين اشتركوا في حملة حمراء الأسد، مع الجراح البليغة التي أصيبوا بها في معركة أحد:
١ - طلحة بن عبيد الله، به أكثر من ستين جرحًا.
٢ - الحارث بن الصمة، به عشر جراحات.
٣ - عبد الرحمن بن عوف، به عشرون جرحًا.
٤ - كعب بن مالك، به أكثر من عشر جراحات.
٥ - أسيد بن حضير، به تسع جراحات.
٦ - عقبة بن (١) عامر، به (أيضًا) تسع جراحات.
كما أن عامة الجيش كانوا من الجرحى، حتى أن قبيلة بني سلمة وحدها جرح من رجالها أربعون، مما جعل النبي - ﷺ - يقول في هذه القبيلة، لما رأى جرحاها: (اللهم ارحم بني سلمة) (٢).
تحركت القوة المطاردة من المدينة (كما قلنا) بعد صلاة الفجر (بقيادة الرسول) - ﷺ - وهو (أيضًا) ممن أثخنتهم الجراح في معركة أُحد، وسارت هذه القوة مسرعة في طلب أبي سفيان حتى أدركها المساء في مكان يقال له (حمراء الأسد) (٣)، وكان دليل الجيش الإسلامي في هذه الحملة ثابت بن الضحاك (٤)، وقد عسكر الرسول - ﷺ -، بجيشه في حمراء الأسد.
_________________
(١) هو عقبة بن عامر بن نابي السلمي الأنصاري صحابي جليل، شهد إبرام بيعة العقبة وشهد مع رسول الله ﷺ بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد، وكان يعلم نفسه بعصابة خضراء في مغفره في الحرب، قتل شهيدًا في اليمامة.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٥٠.
(٣) حمراء الأسد موضع على بعد ثمانية أميال من المدينة.
(٤) هو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأوسي الأنصاري صحابي جليل شهد بدرًا ومن الذين =
[ ٢ / ٢٢١ ]
مؤتمر الروحاء
وكان أبو سفيان قد توقف بجيشه وعسكر به في الروحاء (١) وهو مكان لا يبعد كثيرًا عن حمراء الأسد، ويظهر أن بعض القادة في جيش مكة وجهوا اللوم إلى القائد العام أبي سفيان بن حرب، لعدم هجومه على المدينة ساعة انسحابه من أحد، ومسارعته بالانسحاب من الميدان قبل أن يقضي على جيش المدينة ويستأصل شأفته، وطلبوا منه (في إلحاح) بأن يسارع بالعودة لمهاجمة المسلمين في المدينة، حتى إن بعضهم قال (موجهًا) اللوم لأبي سفيان.
لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم (يعني السبايا) بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد تركتموه، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة (٢).
هذا الكلام وجهه البعض إلى أبي سفيان في المؤتمر الذي عقده قادة جيش مكة في فج الروحاء لمناقشة اقتراح بعض القادة الذين دعوا إلي أن يعود جيش مكة من الروحاء لمهاجمة المدينة.
وبالرغم من أن أكثر القادة في الجيش المكي كانوا يحبذون هذا الرأي فإن الزعيم (صفوان بن أمية الجمحي) (٣).
_________________
(١) = بايعوا تحت الشجرة، كان رديف رسول الله ﷺ يوم الخندق، روى له أصحاب الحديث ١٤ حديثًا، توفي سنة ٤٥ هـ.
(٢) الروحاء فج واسع يقع على بعد ثلاثين ميلا من المدينة.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٩.
(٤) صفوان هذا أسلم وصار من خيار الصحابة وقد تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قد خالفهم في هذا الرأي ونصحهم بأن يمضوا في انسحابهم وأن لا يفكروا في العودة بجيشهم لمقاتلة الجيش المدني، لأنه يخشى عليهم أن يصابوا بنكسة كبيرة، حيث قال لهم:
يا قوم لا تفعلوا، فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف عن الخروج (يعني المسلمين الذين لم يشهدوا أُحد) فارجعوا، والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم.
ويظهر أن القائد العام أبا سفيان كان يشاطر صفوان بن أمية رأيه، إلا أنه مال أخيرًا إلى رأي القادة الذين أصروا على العودة بالجيش لمهاجمته المسلمين في المدينة.
المفاجأة المذهلة
وبينما قادة الجيش المكي يتداولون الرأي في مؤتمرهم بالروحاء، إذا باستخباراتهم العسكرية تنقل إليهم خبر خروج الجيش المدني لمطاردتهم (بقيادة النبي) - ﷺ - وأن هذا الجيش قد عسكر بالقرب منهم في حمراء الأسد في تحد سافر.
فأُسقط في أيديهم وخارت عزائمهم وامتلأت نفوسهم رعبًا من المسلمين، وتأكد لديهم أنهم أجبن من أن يخوضوا المعركة مع المسلمين في العراء، فضلًا عن أن يهاجموهم في المدينة.
فاستصوبوا رأي (صفوان بن أمية).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وبدلًا من أن يرسموا الخطط لمهاجمة المسلمين (كما تقرر في المؤتمر) أخذوا يفكرون في الطريقة التي بها ينسحبون من الروحاء (مع محافظتهم على قيمة النصر الأسمى الذي حصلوا عليه في معركة أُحد) هذه القيمة التي ستضيع في نظر سكان الجزيرة العربية إذا ما علموا أن جيش مكة قد نكل عن الحرب التي خرج ليخوضها معه جيش المدينة الذي عسكر في تحد على مقربة منهم.
فقد وقع في روع قادة الجيش المكي أن النبي - ﷺ - قد جاء من المدينة بمدد جديد لمقاتلتهم، فخافوا من المسلمين خوفًا شديدًا.
حليف مشرك يخلص للمسلمين
وزاد أبا سفيان رعبًا وفزعًا من المسلمين حرب أعصاب دعائية عنيفة شنها عليه وعلى جنده أحد حلفاء المسلمين من مشركي خزاعة وهو معبد بن أبي معبد الخزاعي (١).
فقد مر معبد هذا برسول الله - ﷺ - (وهو معسكر بحمراء الأسد) فأبلغه استياء خزاعة لما أصاب المسلمين فقال له، يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك منهم (٢)، ثم غادر حمراء الأسد (وقد أضمر القيام بعمل نبيل في صالح جيش حليفه محمد).
_________________
(١) هو معبد بن أبي معبد الخزاعي، أسلم وحسن إسلامه ولم أطلع (في شيء من التراجم) على تاريخ وفاته ﵁.
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر ص ٤٣٤ من ج ٣ من الإصابة لابن حجر.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وفعلًا، تعمد معبد أن يمر (في طريقه) بجيش أبي سفيان العسكر في الروحاء.
ويحك ما تقول
فلما وصل معبد إلى الروحاء أسرع أبو سفيان إليه قائلًا:
ما وراءك يا معبد؟؟؟ .
قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقًا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه بالأمس من الأوس والخزرج وتعاهدوا على أن لا يرجعوا حتى يلقوكم فيثأروا، وغضبوا لقومهم غضبًا شديدًا، ندموا على ما فعلوا .. فيهم من الحنق شيء لم أر مثله قط.
فقال أبو سفيان (في انزعاج وفزع).
ويلك ما تقول؟؟
قال معبد والله ما أرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل.
فقال أبو سفيان .. والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم.
قال معبد .. فإني أنهاكم عن ذلك (١).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٥١.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
حراجة موقف جيش مكة
فكان لهذا العمل الدعائي المركز، الذي قام به معبد (لمصلحة المسلمين) أكبر الأثر في تهديم عزائم قادة الجيش المكي وإشاعة الذعر والفزع في نفوس الجيش القرشي، فقد أدخل هذا النبأ الذي نقله معبد الخزاعي في روع المشركين أن النبي قد جاء بمدد جديد، وأنه لو لم يكن كذلك لما أقدم على هذه الحركة السريعة وبهذا التحدي السافر المكشوف.
ولهذا قرر قادة جيش المشركين مواصلة الانسحاب إلى مكة وتحاشي الاصطدام بالمسلمين، في هذا الظرف. ولكن خروج المسلمين على هذا الشكل من التحدي أوقع قائد عام المشركين (أبا سفيان) في مركز حرج، فانسحابه إلى مكة (وقد علم العرب بخروج النبي لمطاردته) يكشف لسكان الجزيرة أن أبا سفيان لم يكن حقًّا منتصرًا في معركة أُحد.
إذ أنه لو كان كذلك لما نكل عن الحرب وجبن عن ملاقاة جيش المسلمين الذين خرج في طلبه، وعسكر (في تحد مكشوف) على مقربة من جيش مكة الذي يظنه الناس قد انتصر وحطم الجيش الإسلامي في أُحد. فكان منطق الأحداث (لا سيما في ذلك الظرف الذي ظهر فيه الجيش المكي أمام العرب بمظهر الغالب المنتصر) يقضي على أبي سفيان أن يخوض المعركة (من جديد) ضد جيش محمد - ﷺ - الذي خرج يطلب حربه في عزم وتصميم.
وهذا أقل ما يفرض منطق الأحداث (في ذلك الظرف) على أبي سفيان أن يفعله، لأن الواعين من الخبراء المحاربين قد تساءلوا (في استغراب) كيف لم يهاجم أبو سفيان المدينة عند انسحابه من أحد بجيشه
[ ٢ / ٢٢٦ ]
المنتصر، مع أن المدينة كانت مفتوحة تمامًا وليس بها من حملة السلاح القادرين على القتال من المسلمين أحد؟؟ .
فكيف بهؤلاء (إذن) إذا علموا أن أبا سفيان قد نكل عن الحرب وفر أمام الجيش الإسلامي الذي زعم العرب وطيّر الأخبار بينهم بأنه قد حطمه وأخضد شوكته وانتصر عليه؟ .
أبو سفيان ينحني للعاصفة
هكذا كان منطق الأحداث يقضى على أبي سفيان أن يقبل التحدي ويخوض المعركة (من جديد) مع الجيش المدني الذي خرج دون تردد ولا إبطاء يطلبه ويتحداه أن يخوض الحرب ضده.
ولكن أبا سفيان (كقائد محارب خبير) كان يعرف أكثر من غيره أن الانتصار التعبوي لجيشه في معركة أُحد (إن جاز تسميته انتصارًا) إنما جاء نتيجة غلطة، والغلطات لا تتكرر.
وكان (لذلك) يهاب ملاقاة المسلمين (وخاصة في ذلك الظرف) لأنه يخشى إن اصطدم معهم (في الروحاء أو حمراء الأسد) أن ينزلوا بجيشه هزيمة لا تنجيه منها غلطة مثل غلطة الرماة التي سحبت رؤوس جنده (يوم أُحد) من تحت مطارق هزيمة كادت تكون ساحقة. فيضيع عليه النصر الذي حصل عليه بسبب غلطة الرماة (غفر الله لهم).
ولا شك أن أبا سفيان كان لديه ما يشبه اليقين بأن جيش مكة لو اصطدم ضد الجيش النبوي (المطارد الحانق المغيظ المتوثب) سيكون نصيبه (من هذا الاصطدام) هزيمة قد تكون أفظع وأشد أثرًا من هزيمته في معركة بدر الشهيرة.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
لذلك قرر (بالاتفاق مع زعماء الجيش المكي) النكول عن الحرب وتحاشي الاصطدام ضد الجيش النبوي المطارد.
مناورة أبي سفيان لتغطية انسحابه
ولكن أبا سفيان (قبل تنفيذ هذا الانسحاب) لجأ إلى حيلة لعله يستر بها فضيحة ما اعتزم عليه من الفرار، أمام الجيش النبوي الذي خرج لمطاردته.
فقرر أن يقوم بمناورة دعائية لإرهاب الجيش المدني بإيهامه بأنه عازم على مهاجمته وإبادته (في حمراء الأسد) لعله أن يخاف ويعود إدراجه إلى المدينة، قبل أن يتحرك الجيش المكي من مكانه (بالروحاء) في اتجاه مكة. وبذا يُفهم أبو سفيان العرب الذين علموا (في ذهول واستغراب خروج المسلمين لمطاردة جيش مكة الذي شاع أنه هزم الجيش الإسلامي وحطمه في معركة أُحد) أنه (أي أبا سفيان) قد أرهب الجيش النبوي وأجبره على الارتداد إلى المدينة، وبهذا تبقى للجيش المكي صبغة الجيش المنتصر.
رسالة التهديد
ولهذا حمل أبو سفيان ركابًا من بني عبد القيس (١) (كان متوجهًا إلى المدينة) حمّله رسالة تهديد إلى النبي مضمونها أن أبا سفيان قد عقد
_________________
(١) بنو عبد القيس، بطن من أسد من ربيعة من العدنانية، كانت ديارهم بتهامة ثم خرجوا إلى البحرين.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
لعزم على مهاجمة المسلمين في حمراء، وأجمع السير إلى محمد وأصحابه ليستأصل بقيتهم (١).
وفعلًا، أبلغ ركب عبد القيس رسالة أبي سفيان التهديدية إلى النبي - ﷺ -، ولكن الرسول ﵊ تجاهل هذا التهديد، فلم يتضعضع عزمه بل ظل مكانه (في حمراء الأسد) معسكرًا بجيشه ثلاثة أيام يوقد النيران طيلة لياليها، ليدل قريشًا (في تحد) على مكانه وأنه على عزمه مستعد لخوض المعركة الفاصلة ضدهم، ولما لم تفد هذه المناورة القرشية في زعزعة عزائم المسلمين، وتأكد لدى أبي سفيان ثبات الجيش الإسلامي وإصراره على اللقاء، انحنى للعاصفة (كما يقولون) وولى الأدبار، مفضلًا عار الانسحاب (أمام تحدي المسلمين) على الدخول بجيشه في مغامرة عسكرية قد تكون سببًا في القضاء على سمعة قريش إلى الأبد، فتراجع إلى مكة بينما كان النبي - ﷺ - لا يزال معسكرًا بجيشه في حمراء الأسد .. انسحب أبو سفيان بالجيش المكي هاربًا به من الروحاء، بالرغم من أن هذا الجيش يبلغ عدده أكثر من أربعة أضعاف الجيش الإسلامي الذي خرج لمطاردته من المدينة.
عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة
وبعد انسحاب أبي سفيان بعسكره من الروحاء إلى مكة، عاد النبي - ﷺ - بجيشه الباسل إلى المدينة مرفوع الرأس وقد سجل بهذه الحركة العسكرية الجريئة السريعة نصرًا سياسيًا وعسكريًا باهرًا.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٥١.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
فقد كانت حملة حمراء الأسد الناجحة هذه سببًا في استعادة هيبة المسلمين ومكانتهم في النفوس، حيث أثبتوا بهذه الحملة الجريئة للمتربصين (من المنافقين واليهود والأعراب) فساد ظنهم وخطأ تفكيرهم، وأن المسلمين أعظم وأشد وأقوى مما كانوا يظنون.
كما أثبت الرسول القائد العظيم، بهذه الحركة السريعة للعرب أجمعين أن أبا سفيان لم يكن منتصرًا انتصارا حقيقيا في معركة أُحد، وأن نصره لم يكن إلا نصرًا مزيفًا، جاء نتيجة غلطة فحسب.
وقد أقر كبار القادة العسكريين (في السابق والحاضر) بأن حركة المطاردة التي قام بها النبي إلى حمراء الأسد، كانت مناورة عسكرية رائعة حيث حفظ بها النبي - ﷺ - سمعة جيشه واستعاد بها هيبتهم ومكانتهم التي كادوا يفقدونها على أثر ما أصابهم في معركة أُحُد.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الفصل الثامن
* إحصاء دقيق عن خسائر الفريقين.
* القرآن يتحدث عن مراحل المعركة.
قتلى الفريقين في المعركة
لقد بلغت خسارة المسلمين في هذه المعركة (على ما حققه البخاري) سبعين قتيلًا.
وهذا يعني أن المسلمين فقدوا في هذه المعركة عشرة في المائة من قواتهم.
وقد كانت الأغلبية الساحقة من شهداء الصحابة في معركة أُحُد من الأنصار ﵃، فقد قتل منهم في هذة المعركة أربعة وستون رجلًا، أكثرهم (بالطبع) من الخزرج الذين يؤلفون الأغلبية دائمًا.
أما شهداء المهاجرين في هذه المعركة فقد كانوا أربعة فقط، وهم:
عدد شهداء المهاجرين وأسماؤهم
١ - من بني هاشم بن عبد مناف، . حمزة بن عبد المطلب، قتله وحشي الحبشي مولى جبير بن مطعم
٢ - من بني عبد شمس بن عبد مناف عبد الله بن جحش (حليف لهم) وهو من بني أسد بن خزيمة.
[ ٢ / ٢٣١ ]
٣ - من عبد الدار ابن قصي .. مصعب بن عمير (١) قتله ابن قمئة الليثي.
٤ - من بني مخزوم شماس بن عثمان (٢).
عدد شهداء الأنصار وأسماؤهم
أما شهداء الأنصار فهم (كما قلنا) أربعة وستون، وهم:
أ - من بني عبد الأشهل (وهم بطن من الأوس) أربعة عشر رجلًا وهم:
١ - عمرو بن معاذ بن النعمان (٣).
٢ - الحارث بن أنس بن رافع (٤).
٢ - عمارة بن زيد بن السكن (٥).
٤ - سلمة بن ثابت بن وقيش (٦).
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) هو شماس بن عثمان الشريد بن هرمي، كان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، كان كما قال (الزبير بن بكار) أحسن الناس وجهًا، جرح عثمان هذا جراحات بليغة فنقل إلى المدينة فمات بها بعد يوم واحد من المعركة فدفن بالبقيع.
(٣) هو عمرو بن معاذ بن النعمان، أخو الصحابي الشهير -سعد بن معاذ- سيد الأوس-، شهد بدرًا، وقد قتله يوم أحد ضرار بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب.
(٤) قال عبدان المروزي سمعت أحمد بن سيار يقول، الحارث بن رافع من أصحاب النبي ﷺ استشهد بأحد لا يعرف له حديث.
(٥) هو عمارة بن زياد بن السكن، بطل قتل بين يدي رسول الله ﷺ وهو يدافع عنه أثناء الانسحاب إلى الجبل.
(٦) سلمة هذا شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
٥ - عمرو بن ثابت بن وقش (١).
٦ - أبوهما ثابت بن وقش (٢).
٧ - حسيل بن جابر (٣).
٨ - صيفي بن قيظي (٤).
٩ - حباب بن قيظي (٥).
١٠ - عباد بن سهل (٦).
١١ - الحارث بن أوس بن معاذ (٧).
١٢ - رفاعة بن وقش (٨).
١٣ - إياس بن أوس بن عتيك (٩).
_________________
(١) عمرو بن ثابت هذا هو المسلم الوحيد الذي يدخل الجنة ولم يصل قط وذلك أنه كان يأبى الإسلام حتى كان يوم أحد أسلم وحمل سلاحه والتحق بالمسلمين فقتل شهيدًا في أول المعركة، وعمرو هذا، هو المسمى (بالأصيرم) وقد ذكرنا قصته مطولة في صلب الكتاب.
(٢) ثابت هذا كان شيخًا كبيرًا أعفاه الرسول من القتال، ولكنه لما رأى لهيب المعركة حمل سلاحه وقاتل حتى قتل وقد ذكرنا قصته في صلب الكتاب.
(٣) حسيل بن جابر هذا هو والد حذيفة الصحابي الشهير، وهو الذي قتله المسلمون خطأ ساعة الانتكاسة كما ذكرنا ذلك في صلب الكتاب.
(٤) هو صيفي بن قيظي، أمه الصفية بنت التيهان، قتله ضرار بن الخطاب.
(٥) حباب هذا أخو صيفي، شهد بدرًا مع رسول الله.
(٦) هو عباد بن سهل بن مخرمة، قتله صفوان بن أمية الجمحي.
(٧) هو الحارث بن أوس بن معاذ بن النعسان، ابن أخي سعد بن معاذ -سيد الأوس- شهد الحارث بدرًا، واستشهد يوم أحد وهو ابن ثمان وعشرين سنة.
(٨) رفاعة هذا أخو ثابت بن وقش، قتله خالد بن الوليد.
(٩) زعم البعض أن إياس هذا استشهد يوم الخندق والصحيح خلاف ذلك.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
١٤ - عبيد بن التيهان (١).
ب - ومن بني ظفر (وهو بطن من الأوس)، رجل واحد وهو:
١ - يزيد بن خاطب بن أمية (٢)
ج - ومن بني ضبيعة (وهم بطن الأوس) رجلان وهما:
١ - أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد (٣).
٢ - حنظلة بن أبي عامر (غسيل الملائكة) (٤).
د - ومن بني عبيد (بضم العين) (وهم بطن من الأوس) رجل واحد وهو:
١ - أنيس بن قتادة (٥).
هـ - ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف (بطن من الأوس رجلان، وهما:
١ - أبو حية بن عمرو بن ثابت (٦).
_________________
(١) كان عبيد هذا من الذين شهدوا بيعة العقبة وشهد بدرًا.
(٢) لم أطلع على تفصيل يذكر في ترجمته.
(٣) أبو سفيان هذا شهد بدرًا، كان يقال له أبو البنات، ولما انهزم المسلمون يوم أحد قال اللهم إني لا أريد أن أرجع إلى بناتي ولكن أريد أن أقتل في سبيلك فقتل فأثنى عليه النبي ﷺ.
(٤) تقدمت ترجمته فيما مضى.
(٥) شهد أنيس هذا بدرًا، كان زوج خنساء بنت خذام فلما استشهد بأحد زوجها، أبوها رجلا من مزينة فكرهته فجاءت إلى رسول الله فرد نكاحه وزوجها أبا البابة.
(٦) قال أبو حاتم، اسمه عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، شهد أبو حية بدرًا مع رسول الله ﷺ، ذكره ابن إسحاق.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
٢ - عبد الله بن جبير، وهو أمير فصيلة الرماة الذين وضعهم الرسول في الجبل لحماية مؤخرة المسلمين (١).
و- ومن بني السلم (بفتح السين مع التشديد وسكون اللام) (بطن من الأوس) رجل واحد:
١ - خيثمة، أبو سعد بن خيثمة (٢).
ز - ومن بني العجلان (بطن من الخزرج) رجل واحد:
١ - عبد الله بن سلمة البلوي (٣).
ح - ومن بني معاوية بن مالك بن عوف (بطن من الأوس) رجل واحد:
١ - سبيع بن حاطب (٤).
ط - ومن بني النجار بن ثعلبة (بطن من الخزرج) اثنا عشر شهيدًا:
١ - عمرو بن قيس (٥).
٢ - ابنه قيس بن عمرو (٦).
_________________
(١) تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب
(٢) هو حيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب، قتله هيبرة بن أبي وهب المخزومي القرشي.
(٣) هو عبد الله بن سلمة بن مالك بن الحارث البلوي الأنصارى (بالحلف) شهد بدرًا وكان شجاعًا مقدامًا، ولما قتل استأذنت أمه رسول الله ﷺ نقل جثته لتأنس به فأذن لها فنقلته إلى المدينة (على ما رواه الطبري).
(٤) هو سبيع بن حاطب بن قيس بن هيشة، شهد بدرًا.
(٥) هو عمرو بن قيس بن زيد بن سواد ذكره الواقدي فيمن شهد بدرًا.
(٦) وهو ابن عمرو بن قيس بن زيد بن سواد اختلف في شهوده بدرًا.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
٣ - ثابت بن عمرو بن زيد (١).
٤ - عامر بن مخلد (٢).
٥ - أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة (٣).
٦ - عمرو بن مطرّف بن علقمة بن عمرو (٤).
٧ - أوس بن ثابت بن المنذر (٥).
٨ - أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام (٦).
٩ - قيس بن مخلد (٧).
١٠ - كيسان (عبد لهم) (٨).
١١ - سليم بن الحارث (٩).
١٢ - نعمان بن عبد عمرو (١٠).
_________________
(١) هو ثابت بن عمرو بن زيد بن عدي بن سواد، شهد بدرًا، وقيل إنه ليس من بني النجار وإنما هو نجاري (بالحلف) وإنه من قبيلة أشجع.
(٢) هو عامر بن مخلد بن الحرث ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا.
(٣) هو أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن كعب، قتله خالد بن الوليد بعد أن ذبح أحد المشركين كما تذبح الشاة وكان هبيرة شجاعًا يشبه السبع في المعارك.
(٤) هو عمرو بن مطرف بن عمرو من بني مبذول.
(٥) هو أوس بن ثابت أخو حسان بن ثابت الشاعر المشهور، كان أوس ممن شهد بيعة العقبة وشهد بدرًا.
(٦) تقدمت ترجمته فيما مضى.
(٧) هو قيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن ثعلبة شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ.
(٨) كيسان، قال في الإصابة: من بني مازن بن النجار، استشهد يوم أحد، وقال أبو عمر، كيسان الأنصاري مولى لبني عدي بن النجار وذكر فيمن قتل بأحد شهيدًا، وقد قيل إنه من بني مازن بن النجار، وقيل مولاهم، قال ويحتمل أن يكون اثنين.
(٩) هو سليم بن الحارث بن ثعلبة بن كعب النجاري الأنصاري ذكره ابن إسحاق في البدريين.
(١٠) هو نعمان بن عبد عمرو بن مسعود بن كعب الأشهلي النجاري الأنصاري الخزرجي كان فيمن شهد بدرًا.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ي - ومن بني الحارث (بطن من الخزرج) ثلاثة نفر، هم:
١ - خارجة بن زيد بن أبي زهير (١).
٢ - سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير (٢).
(دفن الاثنان في قبر واحد).
٣ - أوس بن الأرقم بن زيد (٣).
ك - ومن بني الأبجر (بطن من الخزرج) ثلاثة نفر، وهم:
١ - مالك بن سنان بن عبيد (٤).
٢ - سعيد بن سويد بن قيس (٥).
٣ - عتبة بن ربيع بن نافع (٦).
ل - ومن بني ساعدة (بطن من الخزرج) رجلان وهم:
١ - ثعلبة بن سعد بن مالك (٧).
٢ - ثقف بن فروة بن البدي (٨).
_________________
(١) تقدمت ترجمته في هذا الكتاب.
(٢) تقدمت ترجمته أيضًا.
(٣) قال ابن عبد البر (في الاستيعاب) أوس بن الأرقم بن زيد بن قيس بن النعمان الأنصاري من بني الحرث بن الخزرج قتل يوم أحد شهيدًا.
(٤) هو مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الخدري (والد أبي سعيد الخدري) الصحابي الشهير، ومالك هذا هو الذي استقبل الرسول ﷺ لما جرح في المعركة (في وجهه) فامتص الدم عنه، وكان ممن ثبت يوم أحد.
(٥) هو سعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر، أخو سمرة بن جندب لأمه.
(٦) لم أجد له من الترجمة أكثر من أنه استشهد بأحد ﵁.
(٧) هو ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن حارثة، شهد بدرًا، ذكر ذلك الطبراني.
(٨) ثقف هذا يقال له (الأخرش) ولم أجد له في التراجم أكثر من ذكر استشهاده بأحد ﵁.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
م - ومن بني طريف (بطن من الخزرج) رجلان وهما:
١ - عبد الله بن عمرو بن وهب (١).
٢ - ضمرة (حليف لهم) من بني جهينة (٢)
ن - ومن عوف بن الخزرج (بطن من الخزرج) خمسة نفر، وهم:
١ - نوفل بن عبد الله (٣).
٢ - عباس بن عبادة بن نضلة (٤)
٣ - نعمان بن مالك بن ثعلبة (٥).
٤ - المجذر بن زياد البلوى الأنصاري الخزرجي (بالحلف) (٦).
٥ - عبادة بن الحسحاس (٧).
_________________
(١) هو عبد الله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة، من رهط سعد بن عبادة.
(٢) هو ضمرة بن عمرو بن كعب الجهني الخزرجي الأنصاري (بالحلف) من البدريين، وهو أخو بشير بن عمرو بن ثعلبة.
(٣) هكذا ذكره ابن إسحاق، وابن الأثير، وقال ابن عبد البر (في الاستيعاب) هو نوفل بن ثعلبة بن عبد الله بن نضلة، شهد نوفل بدرًا.
(٤) هو العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان، كان من أصحاب بيعة العقبة، وهو الذي لفت نظر قومه الذين بايعوا الرسول بيعة العقبة إلى ما يترتب على هذه المبايعة من مسؤولية يجب عليهم الالتزام بها حيث قال .. يا معشر الخزرج هل تدرون علام تأخذون محمدًا، فإنكم تأخذونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون إنكم إذا نهكتكم أسلمتموه فمن الآن فاتركوه وإن صبرتم على ذلك فخذوه، فقالوا بل أخذناه على ذلك، وقد أقام العباس هذا مع رسول الله في مكة بعد العقبة حتى هاجر فهاجر معه (فكان) أنصاريًا مهاجريًا.
(٥) تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
(٦) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٧) هو عبادة بن الحسحاس وقال في الإصابة (ابن الخشخاش) بن عمرو بن عمارة =
[ ٢ / ٢٣٨ ]
ص - ومن بني الحبلي (بضم الحاء، بطن من الخزرج) رجل واحد:
١ - رفاعة بن عمرو (١).
ع - ومن بني سلمة (بطن من الخزرج) أربعة نفر وهم:
١ - عبد الله بن عمرو بن حرام (٢).
٢ - عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام (٣).
٣ - خلاد بن عمرو بن الجموح (٤).
٤ - أبو أيمن (٥).
ف - ومن بني سواد بن غنم (بطن من الخزرج) ثلاثة نفر وهم:
١ - سليم بن عمرو بن حديدة (٦).
٢ - عنترة (مولى سليم بن عمرو) (٧).
٣ - سهل بن قيس بن كعب (٨).
_________________
(١) = البلوي الأنصاري الخزرجي (بالحلف) دفن هو والمجذر بن زياد والنعمان بن مالك في قبر واحد، شهد بدرًا.
(٢) هو رفاعة بن عمرو بن نوفل بن عبد الله، شهد بدرًا.
(٣) تقدمت ترجمته في أول هذا الكتاب.
(٤) تقدمت ترجمته في أول هذا الكتاب
(٥) هو خلاد بن عمرو بن الجموح، استشهد مع أبيه في أحد وكان من البدريين، وهو الذي حملت أمه جثته مع أبيه لدفنهما في المدينة ثم ردتهما إلى مصارعهما كما أمر رسول الله ﷺ.
(٦) أبو أيمن هذا هو مولى عمرو بن الجموح.
(٧) هو سليم بن عمرو قيل بن عامر، شهد بدرًا وكان ممن شهدوا بيعة العقبة.
(٨) لم أطلع على ترجمة له، إلا أن ابن إسحاق قال إنه مولى سليم بن عمرو.
(٩) هو سهل بن قيس بن كعب بن القين بن كعب، شهد بدرًا.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ص - ومن بني زريق بن عامر (بطن من الخزرج) رجلان وهما:
١ - ذكوان بن قيس (١).
٢ - عبيد بن المعلى (٢).
هؤلاء خمسة وستون شهيدًا من المهاجرين والأنصار ذكرهم ابن إسحاق، واستدرك عليه ابن هشام خمسة من الأنصار استشهدوا لم يذكرهم، وهم:
أ - من بني معاوية بن مالك (بطن من الأوس) رجل واحد وهو:
١ - مالك بن نميلة المزني (حليف لهم) (٣).
ب - ومن بني خطمة (بطن من الأوس) رجل واحد وهو:
_________________
(١) هو ذكوان بن قيس بن خلدة بن مخلد من السابقين في الإسلام، شهد بيعة العقبة، وكان هو وأسعد بن زرارة أتيا مكة قبل الهجرة فسمعا من النبي ﷺ فأسلما فكانا أول من أدخل الإسلام إلى المدينة، وفي ذكوان هذا قال النبي ﷺ (قبل أحد بيوم واحد): "من أحب أن ينظر إلى رجل يطأ بقدمه غدًا خضراء الجنة، فلينظر إلى هذا". وذكوان هذا هو الذي تولى حراسة الرسول ﷺ ليلة بات الجيش النبوي في منطقة الشيخين وهو في طريقه إلى أحد.
(٢) لم أعثر له على ترجمة فيما لدي من مراجع.
(٣) هو مالك بن نميلة الأنصاري، قال ابن حبان: له صحبة، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق أيضًا، أنه استشهد بأحد وكذلك ذكره ابن هشام.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
١ - الحارث بن عدي بن خرشة (١).
ج - ومن بني سواد بن مالك (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - مالك بن أياس (٢).
د - ومن بني عمرو بن مالك (بطن من الخزرج) رجل واحد وهھو:
١ - إياس بن عدي (٣).
هـ - ومن بني سالم بن عوف (بطن من الخزرج) رجل واحد وهو:
١ - عمرو بن إياس (٤).
نسبة الشهداء بين الأوس والخزرج
فهؤلاء هم الشهداء من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ونسبتهم بين القبيلتين كما يلي:
١ - أربعة وعشرون من الأوس.
٢ - واحد وأربعون من الخزرج، ﵃ وأرضاهم أجمعين.
الجرحى المسلمين
أما الجرحى المسلمين، فلم يذكر أحد من المؤرخين إحصاء كاملًا
_________________
(١) هو الحارث بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة، الأنصاري.
(٢) لم أطلع له في التراجم على أكثر من ذكر استشهاده بأحد.
(٣) لم أطلع له في التراجم على أكثر من ذكر استشهاد بأحد.
(٤) كذلك لم أطلع له على أكثر من ذكر استشهاده بأحد.
[ ٢ / ٢٤١ ]
لهم، كما أحصى عدد القتلى، ولكن المتتبع لأخبار المعركة بدقة يتضح له أن الجرحى بين المسلمين كانوا كثيرين وأنهم لا يقلون عن ١٥٠ مائة وخمسين جريحًا.
فقد جاء في السيرة الحلبية أن الجرحى من قبيلة بني سلمة وحدها بلغوا أربعين جريحًا (١).
أما الأسرى فلم يقع أسير مسلم واحد في أيدي المشركين.
خسائر المشركين في المعركة
أما خسائر المشركين في معركة أحد فقد بلغت اثنين وعشرين قتيلًا (على ما ذكره ابن إسحاق) وهم كما يلي:
أ - من بني عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب أحد عشر رجلًا، وجميعهم من حملة اللواء.
١ - طلحة بن أبي طلحة (٢). قتله الزبير بن العوام.
٢ - أبو سعيد بن أبي طلحة، قتله سعد بن أبي وقاص.
٣ - عثمان بن أبي طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب.
٤ - مسافع بن أبي طلحة، قتله (رميًا بالنبل) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (٣).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٥٠.
(٢) اسم أبي طلحة هذا (عبد الله بن عبد العزى بن عثمان عبد الدار)، وإليه ينتسب آل الشيبي الذين لا يزال مفتاح الكعبة في أيديهم حتى اليوم.
(٣) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
٥ - الجلاس (بضم الجيم) بن طلحة بن أبي طلحة، قتله أيضًا (رميًا بالنبل) عاصم بن ثابت الأفلح.
٦ - الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، قتله قزمان (١).
٧ - كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، قتله أيضًا، قزمان، وقال ابن هشام. قتله عبد الرحمن بن عوف.
٨ - أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله حمزة بن عبد المطلب.
٩ - أبو يزيد بن عمير (أخو مصعب بن عمير) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله قزمان.
١٠ - القاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله قزمان.
١١ - صؤاب (غلام حبشي لهم)، قتله قزمان، ويقال قتله علي بن أبي طالب، ويقال سعد بن أبي وقاص.
ب - ومن بني أسد بن عبد العزي بن قصي رجل واحد وهو:
_________________
(١) هو قزمان (بضم أوله وسكون ثانية) بن الحرث، لا يدرى من أين أصله، كان حليفًا لبني ظفر (من الأنصار) وكان شجاعًا فاتكًا، وكان حافظًا لبني ظفر ومحبًا لهم، وليس له ولد ولا زوجة، العجيب أنه مات منافقًا وصرح النبي ﷺ بأنه من أهل النار، وتصديقًا لذلك ثبت أنه مات منتحرًا وقد فصلنا قصته في صلب هذا الكتاب، وفيه قال النبي ﷺ (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) لما قام به من بطولة في مقاتلة المشركين، وقد صرح قزمان عند موته بأنه لم يقاتل على دين وإنما قاتل قتالًا (قوميًا مجردًا) فقد جاءه قوم يبشرونه بالجنة عند موته (ظنًّا منهم أنه قاتل على الإسلام) فقال (بماذا أبشر)؟ والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ثم أخذ سلاحه وقتل نفسه.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
١ - عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، قتله علي بن أبي طالب.
ج - ومن بني زهرة بن كلاب رجلان وهما:
١ - أبو الحكم بن الأخنس بن سريق (بفتح أوله) بن عمرو الثقفي (والزهري بالحلف)، قتله علي بن أبي طالب.
٢ - سباع بن عبد العزى الغبشاني الخزاعي (الزهري بالحلف)، قتله حمزة بن عبد المطلب.
د - ومن بني مخزوم بن يقظة أربعة نفر، وهم:
١ - هشام بن أبي أمية بن المغيرة (ابن عم خالد بن الوليد) قتله قزمان.
٢ - الوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة، قتله أيضًا قزمان.
٣ - أبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.
٤ - خالد بن الأعلم (حليف لبني مخزوم)، قتله قزمان.
هـ - ومن بني جمح (بضم أوله وفتح ثانيه) رجلان، وهما:
١ - أبو عزة، عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب (١) أمر رسول الله - ﷺ - بضرب عنقه بعد أن وقع في الأسر.
٢ - أبي بن خلف بن وهب، قتله رسول الله - ﷺ - بيده الكريمة وهو القتيل الوحيد الذي قتله النبي بيده.
_________________
(١) أبو عزة هذا هو الذي رق له الرسول ﷺ وأطلق سراحة بعد أن وقع أسيرًا في معركة بدر، وعفى عنه لفقره وكثرة بناته على أن لا يظاهر أحدًا على رسول الله، ولكنه نكث وغدر وحرض الناس على الرسول بشعره وخرج لقاتلته، ولا جيء به إلى رسول الله قال: لا يا محمد أقلني وامنن علي ودعني لبناتي وأعطيك عهدًا أن لا أعود لمثل ما فعلت" فقال ﷺ: والله لا تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدًا (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ثم أمر به فضربت عنقه.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
ز - ومن بني عامر بن لؤي رجلان وهما:
١ - عبيدة بن جابر، قتله قزمان.
٢ - شيبة بن مالك بن المضرب، قتله (أيضًا) قزمان. قال ابن هشام، ويقال قتله عبد الله بن مسعود.
فهولاء هم قتلى المشركين في معركة أحد (على مذكره ابن إسحاق) (١).
أما جرحى المشركين كذلك فلم يعرف عددهم.
تنفيذ حكم الإعداد في جاسوس
وبعد عودة الرسول - ﷺ - من حملة حمراء الأسد أمر بتنفيذ حكم الإعدام في معاوية بن المغيرة بن أبي العاص (وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه) وذلك أنه لما رجع المشركون من أحد (وكان معهم) ذهب على وجهه، ثم أتى ابن عمه عثمان بن عفان ﵁.
فلما نظر إليه قال له: أهلكتني وأهلكت نفسك، فناشده الرحم أن
_________________
(١) ويفيد سياق غير ابن إسحاق من المؤرخين أن قتلى المشركين أكثر من اثنين وعشرين، فقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد (ج ٢ ص ٢٤٠) أن سعد بن أبي وقاص قتل ثلاثة من المشركين في الهجوم الأخير الذي اقتحم به أبو سفيان الجبل، كما أن ابن إسحاق نفسه ذكر في الحديث الذي رواه الزبير أن أبا دجانة قد قتل رجلًا من المشركين كما فصلنا ذلك في صلب الكتاب هذا تحت عنوان (الفارس ذو العصابة) كما أن كعب بن مالك الصحابي الشهير روى (كما في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٧) أن أبا دجانة أيضًا قتل رجلا من المشركين: ضربه بالسيف حتى تفرق فرقتين كذلك الحارث بن الصمة قتل (أثناء الانسحاب) عثمان بن عبد الله بن المغيرة عند ما حاول الهجوم على النبي ﷺ (كما جاء في السيرة الحلبية) ج ١ ص ٣٠ كما أن أبا دجانة أيضًا قتل (أثناء الانسحاب) عبيد الله الجابري، الذي حاول قتل الحارث بن الصمة (كما ذكر ذلك في السيرة الحلبية) ج ١ ص =
[ ٢ / ٢٤٥ ]
يجيره، فتركهـ في بنيته، ثم ذهب الي الرسول وطلب له الأمان فوهبه له وأجله ثلاثًا، وأقسم إن وجده بعدها قتله.
فلما خرج الرسول - ﷺ - ومعه عثمان، اغتنم معاوية هذه الفرصة وصار يتجسس على المسلمين لحساب قريش، فلما عاد النبي - ﷺ - من حملة حمراء الأسد (وذلك في اليوم الرابع من المهلة التي أُعطيت له) خرج معاوية هاربًا فأمر رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة وعمار بن ياسر أن يتعقباه ويقتلاه فوجداه على بعد ثمانية أميال من المدينة فقتلاه (رميًا بالنبل) (١).
القرآن يتحدث عن المعركة
وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة أُحد بإسهاب، فقد أنزل الله تعالى فيها ستين آية، تناولت مجمل الأحداث والتطورات والتحولات المفاجئة والانتكاسات التي أصابت المسلمين في هذه المعركة الرهيبة.
_________________
(١) = ٣٠ (كذلك عتبة بن أبي وقاص) أخو سعد بن أبي وقاص قتله حاطب بن أبي بلتعة عندما هاجم الرسول ﷺ ساعة الانتكاسة وكسر رباعيته، كما ذكر ذلك في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٧، كما أنه أيضًا جاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٤٥ أن الحارث بن الصمة رأى سبعة من قتلى المشركين (أثناء الانسحاب إلى الجبل) بين يدي عبد الرحمن بن عوف فقال له (ظفرت يمينك) أكل هؤلاء قتلت؟ فقال ابن عوف، أما هذا وهذا فأنا قاتلتهما وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره، ثم رجح ابن برهان الدين في السيرة الحلبية أن يكون الخمسة الآخرون قد قتلتهم الملائكة (دفاعًا عن عبد الرحمن بن عوف)، وقد فصلنا قصص مصارع هؤلاء القتلى في موضعها من كتابنا هذا فليرجع إليه فهولاء خمسة عشر قتيلا من المشركين لم يذكرهم بن إسحاق فيما رواه عنه ابن هشام في السيرة النبوية، فعلى هذا يكون عدد قتلى المشركين (في معركة أحد) سبعة وثلاثين لا اثنين وعشرين، والله أعلم.
(٢) تجيز قوانين الحرب والحياد - حتى في القرن العشرين - قتل الجاسوس في أيام الحرب لخطورة عمله على مصير المقاتلين.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وأول ما تحدث عنه القرآن، المرحلة الأولى من مراحل المعركة، وهي الاستعداد والتجهيز والتهيؤ للقتال فقال تعالى:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ثم أشار القرآن الكريم إلى فئة المنافقين الذين تمردوا على النبي - ﷺ - بقيادة رأس النفاق عبد الله بن أُبي الذي رجع بهم والمسلمون
لا يزالون في منتصف الطريق إلى أُحد فقال تعالى:
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (٢)، ﴿الَّذِينَ﴾ (أي المنافقين) ﴿قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣).
ثم يتحدث القرآن عن الانقسام الخطير الذي كاد يحدث (داخل الجيش الإسلامي قبل وصوله إلى أُحد)، بسبب تمرد المنافقين وانصراف زعيمهم بثلاثمائة منهم إلى المدينة بعد أن خرجوا مع الرسول لقتال المشركين فقال تعالى:
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) آل عمران ١٣١.
(٢) آل عمران ١٦٧.
(٣) آل عمران ١٦٨.
(٤) آل عمران ١٢٢.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وقد ذكر المفسرون وأصحاب السير، أن الطائفتين اللتين تأثرتا بوسوسة المنافقين، فهمتا بالتمرد على النبي، فوقاهما الله شر هذا التمرد، هما قبيلة بني سلمة من الخزرج وقبيلة بني حارثة من الأوس، وكلهم من الأنصار، وقد تولى الله أمر هاتين القبيلتين فدفع عنهما وسوسة الشيطان، فاستمرتا في الزحف ضمن جيش نبيهما وقاتلتا بشجاعة وإيمان وثبات حتى انتهت المعركة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى النصر السريع الحاسم الذي حصل عليه المسلمون في الصفحة الأولى من المعركة، ثم الفشل المريع الذي منوا به فحول نصرهم إلى اندحار، بسبب عصيان الرماة وتركهم مواقعهم في الجبل مخالفين بذلك الخطة التي رسمها الرسول القائد للمعركة. فقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ (أي تستأصلونهم بسلاحكم) ﴿بِإِذْنِهِ﴾ (١) (وهذا إشارة إلى الهزيمة التي أنزلها المسلمون بجيش مكة في أول المعركة).
ثم أشار القرآن إلى حادثة اختلاف الرماة وتجادلهم مع قائدهم حول ترك مواقعهم في الجبل بعد انتصار المسلمين في أول المعركة، وتسبب هؤلاء الرماة في الفشل العسكري الكبير الذي أصاب المسلمين بعد تركهم مواقعهم في الجبل فقال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ (وهم الذين تركوا الجبل) ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ
_________________
(١) آل عمران ١٥٢.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الآخرة (وهم الذين ثبتوا في الجبل حتى أبادهم فرسان خالد) ثم صرفكم عنهم (إشارة إلى الانتكاسة التي أصابت المسلمين) لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
وهذا يعني أن الله تعالى قد عفا عن الرماة الذين تمردوا على قائدهم وتركوا مواقعهم في الجبل فسببوا النكبة. وقد تحدث القرآن كذلك عن ثبات النبي - ﷺ - بعد الانتكاسة، وتحدث عن تفكك المسلمين وتبعثرهم على صعيد الهزيمة، والفزع الذي أصابهم، فقال تعالى:
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وكان الرسول (بعد أن نزلت النكبة بالمسلمين وتفرقوا) قد ثبت مكانه في مقر القيادة يدعو المسلمين (وهو في مؤخرتهم) لينضموا إليه كما فصلنا ذلك في غير هذا المكان من الكتاب.
كذلك تحدث القرآن عن إشاعة مقتل النبي في المعركة وما ترتب على تلك الإشاعة من انهيار معنوي أصاب نفوس البعض من عسكر المسلمين الذين ألقى بعضهم السلاح عند سماع هذه الإشاعة، فقال تعالى مشيرًا إلى هذا ومذكرًا الجميع بأن محمدًا إنما هو بشر كغيره معرض للموت
_________________
(١) آل عمران ١٥٢.
(٢) آل عمران ١٥٣.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وليس خالدًا في الدنيا، فحتى لو قتل في المعركة فإنه لا ينبغي لأتباعه أن يلقوا السلاح لقتله، بل عليهم أن يحملوا السلاح ويناضلوا به في سبيل الدعوة التي جاء بها محمد فآمنوا هم بها، والتي لا يمكن أن تقتل أو تموت بقتل أو موت محمد، فقال تعالى:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
كما أشار القرآن كذلك إلى تشوق المسلمين إلى القتال وهم بالمدينة، وإصرارهم على الخروج منها للقاء العدو خارجها، مخالفين بذلك رأي نبيهم الذي كان يرى التحصن بها ومقاتلة المشركين في شوارعها فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٢).
كذلك أشار القرآن الكريم إلى الذين انهزموا بعد الانتكاسة، وانسحبوا إلى المدينة ولم ينحازوا إلى الرسول - ﷺ - في مقر قيادته في الشعب، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
_________________
(١) آل عمران ١٤٤.
(٢) آل عمران ١٤٣.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).
كذلك نبه القرآن الكريم المسلمين إلى أن ما أصابهم من نكسات في أُحد إنما هو من فعل أنفسهم وسبب التصرف الخاطئ الذي تصرفه البعض منهم وهم الرماة، فقال تعالى:
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ (يعني ما حدث لهم في أحد) قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢).
ثم نبه القرآن المسلمين إلى أنه لا داعي للخوف والفزع من الموت، وإن كل إنسان لن يموت إلا بعد انقضاء أجله الذي قدره الله فقال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (٣) كذلك لفت القرآن نظر عسكر أحد من المسلمين إلى أنهم ليس أول عسكر مؤمن تعرضوا للبلايا والمحن مع أن نبيهم بينهم.
بل إن كثيرًا من النبيين الذين خلوا قد تعرضوا مع جندهم لكثير من النكبات والمصائب في المعارك التي خاضوها، ولكنهم لم يتضعضوا بل ثبتوا وقاتلوا مع أنبيائهم ولم يستكينوا ولم يهنوا لما أصاب مجموعهم من الجرح والقتل (حتى إن كان المقتول نبيهم) فقال تعالى يذكر عسكر أُحدُ الذين أُخذِوا وأصابهم الدهش لإشاعة مقتل نبيهم:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي
_________________
(١) آل عمران ١٥٥.
(٢) آل عمران ١٦٥.
(٣) آل عمران ١٤٥.
[ ٢ / ٢٥١ ]
سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
كذلك أشار القرآن الكريم إلى ما تعرض له المسلمون في معركة أُحد من قتل وجرح وحثهم على الثبات، وأن لا يكون لما أصابهم أي أثر على روحهم المعنوية، وأن لا يكون ذلك مبعث حزن لهم.
ولفت نظرهم إلى أن الله تعالى قضى أن تكون الحرب سجالًا بين الناس وأن المسلمين لا يمكن أن يكونوا دائما هم المنتصرين.
بل لا بد من أن تدور الدائرة عليهم في بعض حروبهم مع العدو ليتخذ الله منهم شهداء، وليختبر إيمانهم، لكي يعلم الصادقين الثابتين (وهو الأعلم بهم) فقال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤) (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٥).
ثم عقب القرآن على ماأصاب المسلمين في معركة أُحد من بلاء
_________________
(١) آل عمران ١٤٦.
(٢) آل عمران ١٤٧.
(٣) آل عمران ١٤٨.
(٤) آل عمران ١٣٩.
(٥) آل عمران ١٤١.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ومصائب وأشار إلى أن ذلك إنما هو بمثابة اختبار وامتحان تميز به الخبيث من الطيب والمؤمن من المنافق، وتبين به المؤمن القوى من المؤمن الضعيف أيضًا فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
كذلك أشار القرآن الكريم إلى الطمأنينة والهدوء الذي أنزله الله عليهم وملأ به قلوبهم فثبتهم بعد عاصفة الغم والارتباك التي اجتاحت نفوسهم بعد النكبة، فقال تعالى:
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ (٣).
وفعلا ثبت في جميع كتب السيرة أن النعاس جاء طائفة من المسلمين بعد الانتكاسة (٤)، فكان هذا النعاس دليل الطمأنينة وعدم الخوف، لأن النعاس لا يأتي الإنسان إلا إذا كان آمنًا مطمئنًا.
_________________
(١) آل عمران ١٧٩.
(٢) آل عمران ١٤٢.
(٣) آل عمران: ١٥٤.
(٤) قال الزبير بن العوام ﵁، لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم أحد، حين اشتد علينا الخوف وأرسل علينا النوم فما منا أحد إلا وذقنه في صدره، وعن كعب بن عمرو الأنصاري، قال، لقد رأيتني يومئد (في أربعة عشر من قومي) إلى جنب رسول الله ﷺ وقد أصابنا النعاس أمنة منه (تعالى) ما منهم أحد إلا غط غطيطًا حتى إن الجحف (أي الدرق) تناطح، ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده وما يشعر (من النعاس).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وقد أشار القرآن أيضًا إلى طائفة من المؤمنين من عسكر أُحدُ كانوا
ضعفاء فلم يكونوا على مستوى الآخرين من حيث قوة الإيمان وثبات
الجنان، فقال تعالى في حقهم: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١).
وجمهرة المفسرين على أن هذه الآية تعنى جماعة من المنافقين كانوا قاتلوا مع عسكر الإسلام في أُحدُ ولكن الأستاذ الإمام محمد عبده ذهب في تفسيره إلى خلاف هذا الرأي، فقد ذكر عنه الأستاذ محمد رشيد رضا أنه قال:
لا حاجة إلى جعل هؤلاء في عداد المنافقين (٢)، لأن هؤلاء المنافقين لم يشهد منهم أحد معركة أحد، لأنهم جميعًا قد انخذلوا ورجعوا إلى المدينة مع رئيسهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجيش لا يزال في منتصف الطريق إلى أحد، ويؤيد الأستاذ الإمام رأيه هذا بكون الخطاب كله في هذه الآيات موجهًا إلى المؤمنين، وأن الكلام عن المنافقين إنما جاء في آيات أخرى.
_________________
(١) آل عمران: ١٥٤.
(٢) مما يجعلنا نجنح إلى رأي الأستاذ الإمام أن الذي قال ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ هو أحد السابقين في الإسلام ومن الذين شهدوا بيعة العقبة وناصروا رسول الله وآزروه، وهو (معتب بن قشير الأنصاري) وكان ممن شهد بدرًا وقد غفر الله تعالى لأهل بدر ما تقدم من ذنبهم وما تأخر (كما ثبت في الحديث الصحيح).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وقد أشار الأستاذ الإمام إلى أنه ما من أمة إلا وفيها الأقوياء والضعفاء في الإيمان وغيره.
والحقيقة أن هؤلاء الذين أشارت إليهم الآية قد يكونون من الذين لم يكونوا (في إيمانهم) على المستوى الذي عليه الآخرون إما لكون بعضهم حديث عهد بالإسلام، وأما لعلة أُخرى، وله في خلقه شؤون.
وكذلك أشار القرآن إلى الذين فكروا (بعد الانتكاسة وإشاعة مقتل النبي) في الاتصال بعمدة المنافقين عبد الله بن أبي ليطلب لهم الأمان من قائد عام جيش المشركين (أبي سفيان) فحثهم وحث المسلمين جميعًا على أن يكونوا (دائمًا) ذوي ثبات وإيمان، وأن لا يستسلموا لإرجافات المرجفين فقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (١).
كما أشار القرآن أيضًا (في هذه الآيات) إلى المنافقين الذين اغتبطوا وفرحوا لما أصاب المسلمين من امتحان في معركة أحد، فأخذوا يتشدقون في المدينة بأن المسلمين لو أطاعوهم ولم يخرجوا للقتال مع النبي لما قتلوا، وحذر القرآن المجاهدين من أن يكونوا مثل هؤلاء المنافقين، فقال تعالى:
_________________
(١) آل عمران ١٤٩ - ١٥٠.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١).
كما تحدث القرآن كذلك عن المنافقين الذين قاموا بالإرجاف في المدينة بعد المعركة قائلين إن محمدًا لو كان نبيًّا ما انهزم وجرح فقال تعالى في حقهم:
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
كذلك أشار القرآن (في هذه الآيات) إلى الموقف النبيل الذي وقفه النبي - ﷺ - من الذين عصوه وخالفوا أمره، فتسببوا في هزيمة الجيش بعد أن رأى النصر بعينه، وكذلك الذين تركوا ساحة المعركة (بعد الانتكاسة)، وكيف أن الله تعالى وفق الرسول (وهو القائد الأعلى للجيش) وفقه في ذلك الظرف العصيب، فلم يتشدد في عتب ولا توبيخ فضلًا عن العقوبة، فعامل هؤلاء المخالفين معاملة لين ورحمة، كانت من أسباب تأليف الجند والتفافهم حول قائدهم النبي الحكيم فقال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
_________________
(١) آل عمران ١٥٦ - ١٥٨.
(٢) آل عمران: ١٧٦
[ ٢ / ٢٥٦ ]
عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١).
كما تحدث القرآن الكريم أيضًا عن نجاح حملة المطاردة الجريئة
التي قام بها النبي (بجيش أحد) لمطاردة أبي سفيان فأثنى الله تعالى
على رجال هذه الحملة وهم (فقط) عسكر أُحد الذين أجابوا دعوة
الاستنفار مطيعين الله ورسوله بالرغم مما بهم من جراح لا تزال دماؤها
تسيل فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
كذلك بين الله تعالى (في هذه الآيات) منزلة الشهداء الذين يسقطون
صرعى في سبيل الله دفاعًا عن دين الله وعقيدة الإسلام، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
_________________
(١) آل عمران ١٥٩.
(٢) آل عمران ١٧٢ - ١٧٤.
(٣) آل عمران ١٦٩ - ١٧١.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الفصل التاسع نظرة وتحليل ومقارنة
لقد كانت حوادث معركة أحد سلسلة من الامتحانات أخذ بعضها برقاب بعض، فقد كان يومًا تخالفت فيه المحن والبلايا على المسلمين وكأن هذه المحن والبلايا مختبر أراد الله أن يصهر فيه جوهر جيش محمد ليتميز فيه الطيب من الخبيث، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا بقوله ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
مقارنة بين بدر وأحد
وإذا كان الوئام والاتفاق ومراعاة الانضباط العسكري وعدم الشغب على القائد الأعلى النبي، وعدم مخالفته قد واكب المسلمين (في غزوة بدر) منذ تحرك الجيش الإسلامي من المدينة حتى رجوعه إليها، فإن المسلمين في (غزوة أحد) قد صاروا يواجهون المتاعب والاختلاف منذ بدأ جيشهم في التحرك من المدينة نحو العدو في أحد بل قبل أن يتحرك هذ الجيش.
وقد كانت أولى هذه المتاعب الاختلاف الذي حدث بين القائد الأعلى النبي (يوافقه عبد الله بن أبي زعيم الخزرج) وبين جمهرة قادة الجيش، يؤيدهم الشباب الذين فاتهم شرف الاشتراك في معركة بدر.
وذلك عندما طرح النبي - ﷺ - على بساط البحث، موضوع ملاقاة
[ ٢ / ٢٥٩ ]
العدو، في المؤتمر الاستشاري (١) العلني الذي عقد بالمدينة مع أعيان الجند وقادة الجيش، والذي استجاب فيه الرسول - ﷺ - لرأي الأغلبية، وهو الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، على الرغم من أن هذا الرأي مخالف لرغبة القائد الأعلى النبي - ﷺ - الذي كان يحبذ التحصن بالمدينة ومقاتلة المشركين في شوارعها إن هم قاموا بالهجوم عليها (٢).
استمرار الخلافات داخل الجيش
ثم تلا هذا الخلاف (الذي لم يكن فيه أي خطر على سلامة الجيش الإسلامي) خلاف أكبر وهو الانشقاق الخطير الذي كاد يكون له أسوأ الأثر على وحدة الجيش قبل وصوله إلى العدو، ذلك هو التمرد الذي حدث في الجيش النبوي، والذي قاده (في أحرج الظروف) رأس النفاق عبد الله بن أبي، كما فصلنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب في موضعه.
كما نتج عن تمرد المنافقين ورجوعهم إلى المدينة متاعب وامتحانات تعرض لها القائد الأعلى النبي وصحبه، وذلك عندما همت وحدات من الجيش الإسلامي بالتمرد متأثرة بوساوس المنافقين ودسائسهم لولا أن الله تعالى تولى هذه الوحدات وربط على قلوب أفرادها، فعادوا إلى صوابهم وثبتوا على إيمانهم وولائهم لنبيهم وقائدهم - ﷺ - كما فصلنا ذلك فيما مضى.
_________________
(١) عقد النبي ﷺ هذا المؤتمر في الرابع عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة.
(٢) هذا مثال رائع للشورى، وقد كان النبي ﷺ يأخذ بآراء أصحابه في السلم والحرب على حد سواء.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
كذلك (ونتيجة لتمرد المنافقين وانسحابهم إلى المدينة) ظهر رأي نادى به بعض قادة الجيش، لو نفذ العاد بأوخم النتائج على المسملين قبل أن يصلوا إلى أُحد.
فقد نادى بعض القادة بضرورة تأديب المنافقين المتمردين الخونة، والقضاء عليهم قبل أن يلقى المسلمون عدوهم بأحد ..
ولكن حكمة الرسول - ﷺ - وهدوءه وبعد نظره وخبرته العسكرية وحنكته السياسة حالت دون تنفيذ هذ الرأي، فَتُرِكَ المتمردون وشأنهم وواصل المسلمون سيرهم حتى عسكروا بالشعب من أُحد.
وبالرغم من تلك الهزات الخطيرة التي تعرض لها هذا الجيش الفتي (قبل أن يشتبك بعدوه) فإنه ظل متماسك الأجزاء رابط الجأش على غاية من النظام والانضباط.
وعند احتدام المعركة قاتل هذا الجيش ببسالة وإيمان منقطع النظير فقد أظهر من ضروب الشجاعة والبطولة ما قد يظنه البعض من ضروب الخيال.
فالبرغم من تفوق جيش مكة عليه في كل شيء مادي تفوقًا ساحقًا أنزل هذا الجيش الصغير الهزيمة المزلزلة بذلك الجيش المكي الضخم في الساعات الأولى من المعركة.
ولكن هل انتصر المشركون حقًّا؟
ولكن إذا كان الجيش الإسلامي قد خرج سليمًا من كل ما تعرض له من بلايا الخلاف والتمرد قبل أن يصل إلى معسكره في أحد، فإنه لم
[ ٢ / ٢٦١ ]
يستطع النجاة من نكبات مخالفة الأوامر التي حدثت في بعض وحداته وهو في أوج نصره وذروة ظفره.
فقد جلت الرماة بمخالفتهم الأوامر، تلك النكسة المريعة التي تلتها سلسلة من الفجائع والنكبات، التي كاد يودي فيها بحياة النبي الأعظم - ﷺ -.
تلك النكبات التي انتهت بفقدان سبعين شهيدا من جند الإسلام، وأضاعت النصر الذي سجله المسلمون في أول معركة، ثم سجلت للمشركين نصرًا ما كانوا يتوقعونه أبدًا.
ولكن هل انتصر المشركون حقا؟ .
مما لا جدال أن الانتكاسة التي أصابت جيش الإسلام بعد حادثة الجبل، كان مريعة.
وقد ترتب عليها ما ترتب من خسائر فادحة في الأرواح، وضياع مكاسب عظيمة، هي الانتصارات السريعة الحاسمة التي سجلها جند محققة، كان من المؤكد أن تكون أعظم من الكارثة التي نزلت به في معركة بدر، لولا غلطة الرماة.
ولكن هل الذي حدث يمكن اعتباره (من الوجهه العسكرية) نصرًا للمشركين (بمعنى كلمة النصر) وهزيمة المسلمين (بمعنى كلمة هزيمة)؟؟ .
يرى كثير من المؤرخين (وإن شئت قل أكثرهم) أن ما انتهت إليه
[ ٢ / ٢٦٢ ]
معركة أحد هو نصر المشركين واندحار للمسلمين بكل معاني كلمة نصر واندحار.
المشركون لم ينتصروا حقًّا
والذي نراه (ولكل رأيه) أن المشركين لم يكونوا منتصرين في معركة أحد بالمعنى المتعارف عليه في الحروب، وكذلك المسلمون لم يكونوا منهزمين في هذه المعركة، بالمعنى المتعارف عليه، وخاصة في ذلك العصر.
وكل ما في الأمر أن المسلمين كانوا هم المنتصرين في ابتداء المعركة حيث ركبوا المشركين وطردوهم عن معسكرهم وأحاطو بنسائهم واستولوا على كل ما في العسكر بعد أن عفروا لواءهم في التراب إثر القضاء على الفصيلة التي كانت مسئولة عن حمله.
ثم حدثت الانتكاسة بعد تمرد الرماة، فاضطربت صفوف المسلمين وأضاعوا النصر الذي أحرزوه ودخلت المعركة في طور جديد، تغيرت بعده موازين القوى وعادت الريح للمشركين.
إلا أنه بالرغم من هذا التحول المريع فإن المسلمين لم ينهزموا كما انهزم المشركون الذين ولوا الأدبار وتركوا معسكرهم ونساءهم تحت رحمة جند الإسلام؛ ولواءهم مطروحا على التراب في الصفحة الأولى من المعركة.
بل إنهم (أي المسلمين) إلا قليلًا منهم، ظلوا يقاتلون بضراوة ليشقوا طريقهم وسط طوابير العدو المحيطة بهم، للاتصال بقائدهم والالتفاف حوله من جديد، مما جعلهم يدفعون الثمن غاليًا وهو سبعون قتيلًا وعشرات من الجرحى، حتى نجحوا في الوصول إلى نبيهم وتحلقوا
[ ٢ / ٢٦٣ ]
حوله، وأقاموا خطًّا جديدًا للقتال صمدوا به في وجه القرشيين وظلوا بقيادة نبيهم يقاتلون قتالًا مريرًا، مما أحبط كل المحاولات اليائسة التي قام بها المشركون للقضاء على المسلمين أو تشتيتهم من جديد.
وخاصة بعد أن تجمع المسملون حول قائدهم وأخذوا في إنشاء سور من رجالهم تكسرت عليه كل هجمات المشركين الضارية كما تتكسر الأمواج على الصخور، مما حمل المشركين على اليأس والانسحاب من الميدان دون أن يتمكنوه من أسر رجل واحد من المسلمين.
فهل الجيش الذي انسحب يائسًا من الميدان (وعلى جناح السرعة) تاركًا مكان المعركة لتسعين في المائة من الجيش الذي اشتبك معه وهو مدجج في سلاحه دون أن يقوى على نزاع سلاح واحد منهم، ووضعه في الأسر .. هل هذا الجيش الذي شأنه هكذا يعد منتصرًا؟؟ .
أدلة الانتصار الحقيقي
إن من الأدلة التي تثبت بها الجيوش انتصارها (وخاصة في ذلك العصر) الأسرى والغنائم .. كذلك تحطيم قوة العدو تحطيمًا لا يمكنه من القيام بأية مقاومة، ثم السيطرة علي مكان المعركة والبقاء فيها يومين أو ثلاثًا على الأقل، ليثبت الجيش المنتصر أنه منتصرًا حقًّا وأنه سيد الموقف تمامًا، وإن خصمه قد تحطم ولم تبق له أية قوة في مكان المعركة يمكنها التحرك.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ك يف انتصر المسلمون في بدر؟
وذلك كما فعل المسملون في معركة بدر، فإنه قد وقع في أيديهم سبعون أسيرًا وغنائم كثيرة جدًّا، عادوا بالجميع إلى المدينة، واشتهر أمر كل هذا بين العرب جميعًا.
كما أن المسلمين بعد تحطيم الجيش المكي في بدر، مكثوا في مكان المعركة ببدر ثلاثة أيام مسيطرين تامة، فأثبتوا بذلك أنهم منتصرون فعلًا.
يضاف إلى هذا أن جيش مكة في بدر قد تمزق شر تمزق، فقد تبعثر رجاله (منهزمين) في الوهاد والوديان وفروا إلى مكة فرادى وعلى غير نظام.
انسحاب أشباه بالفرار
أما جيش مكة الذي خاض معركة أحد (والذي يقال إنه قد انتصر) فإنه قد عاد إلى مكة وليس معه أسير واحد، ولا أي شيء يمكن تسميته غنيمة، كما أنه ترك مكان المعركة على عجل.
بينما ظل جيش الإسلام (الذي يقال إنه قد انهزم) مرابطًا في مكان المعركة بأحد حول قائده الأعلى مسيطرًا على الميدان سيطرة تامة، مما مكنه من دفن شهدائه وإسعاف جرحاه والانسحاب إلى المدينة في حالة هدوء وانتظام.
وقد كان انسحاب أبي سفيان من مكان المعركة بأُحد أشبه بالفرار.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ولا شك أنه قد اغتنم فرصة الانتكاسة التي سببتها للمسلمين غلطة الرماة، فسارع بالانسحاب (في غمرة هذه الانتكاسة وبعد أن يئس من القضاء على المسلمين) خوفًا من أن ينظموا صفوفهم من جديد ويقوموا بهجوم مضاد قد ينزل بجيش مكة هزيمة ساحقة.
ومما يدل على قلق أبي سفيان أثناء انسحابه، وأن هذا الانسحاب أشبه بالفرار، هو أنه لم يجرؤ على الاقتراب من المدينة التي كانت على بعد خطوات من جيش مكة، والتي كانت مفتوحة تمامًا وخالية من كل حراسة إسلامية، حيث لم يكن بها من الرجال سوى اليهود والمنافقين، وقلة قليلة من رجال المسلمين الذين كان أكثرهم عاجزًا عن القتال تركهم النبي - ﷺ - مع النساء والأطفال.
فكانت الظروف مواتية لأبي سفيان تمامًا، للإغارة على المدينة، ولو لأخذ بعض الغنائم واعتقال بعض الأسرى وأخذ بعض السبايا، ليعود بالجميع إلى مكة، لكي يظهر بمظهر الغالب المنتصر، نعم كانت الظروف مواتية لأبي سفيان لأن يفعل هذا على الأقل، لا سيما أن المدينة وقت ذاك كانت مليئة باليهود والمنافقين الذين (بالرغم من الحلف الذي بينهم وبين المسلمين) كانت قلوبهم مع المشركين.
ولكن أبا سفيان كان في شاغل عن كل هذا (كما هو في الواقع) كان مشغولًا بالنجاة بجيشه لئلا يدخل مرة أخرى في معركة من هؤلاء الذين خبر ضراوتهم وشدة مراسهم في أول المعركة، يؤيد قولنا هذا فرار أبي سفيان وعدم ثباته أمام هذا الجيش الذي ظنه الناس منهزمًا، وقد خرج لمطاردته بقيادة النبي في حملة حمراء الأسد صبيحة اليوم الثاني لمعركة أُحد.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
فما انتهت إليه (إذن) معركة أحد لا يمكن (من الناحية العسكرية أو السياسية) اعتباره نصرًا مؤزرًا لجيش مكة أو هزيمة (بمعنى كلمة هزيمة) لجيش المدينة.
نعم كانت خسارة المسلمين في معركة أُحُد خسارة باهظة في الأرواح (بالنسبة لخسارة المشركين) حيث بلغ عدد قتلى المسلمين ضعفي عدد قتلى المشركين (تقريبًا).
نتائج المعارك لا تقاس بالخسائر
فالمسألة (إذن) ليست أكثر من أن خسارة المسلمين في الأرواح هي أكثر من خسارة المشركين فحسب، ولكن هذا (من الناحية العسكرية) لا يمكن لأي خبير عسكري أن يعتبره نصرًا للمشركين وهزيمة للمسلمين.
قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) ص ١١٩، الطبعة الثانية:
أنا لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة أحد نصرًا للمشركين واندحارًا للمسلمين، لأن مناقشة المعركة عسكريًا تظهر انتصار المسلمين على الرغم من خسائرهم الفادحة في الأرواح في هذه المعركة. ثم يقول اللواء خطاب .. ونبدأ المناقشة من الوجهة العسكرية البحتة لإظهار نتائج غزوة أُحد.
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم وتعفير لوائهم، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين وقطع خط رجعتهم وهجوم المشركين من الإمام جعل قوات المشركين تطبق - من كافة الجوانب - على قوات المسلمين.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر. ولكن بقى النصر بجانبهم إلى الآخر، لأن نتيجة كل معركة عسكرية لا تقاس بالخسائر في الأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء على العدو، ماديًا ومعنويًا.
فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًا ومعنويًا؟ يجيب اللواء خطاب على هذا التساؤل بقوله:
إنَّ حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب، وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين.
كل ذلك كان يجب أن تكون نتائجة القضاء الأكيد على كافة قوات المسلمين، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة بالمائة من موجودها إلا انتصارًا لتلك القوة الصغيرة.
ولا يمكن اعتبار فشل تلك القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة (ماديًا ومعنويًا) في مثل هذا الموقف الحرج للغاية إلا فشلًا لها .. هذا من الناحية العسكرية.
أما من الناحية المعنوية فيقول اللواء الركن (خطاب): إن قريشًا لم تستطع أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاعوا الخروج لمطاردتهم بعد يوم فقط من يوم أحد، دون أن تتجرأ قريش على لقائهم
[ ٢ / ٢٦٨ ]
بعيدًا عن المدينة، خاصة إن الرسول قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت (فعلًا) بمعركة أُحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس".
وقال مولانا محمد علي (١) في كتابه (حياة محمد ورسالته) (٢) ص ١٥٣ الطبعة الأولى:
أنه لما ينم عن جهل بالوقائع التاريخية أن يستنتج المرء أن المسلمين هزموا في معركة أحد .. صحيح أن المسلمين منوا بخسائر باهظة،، ولكن من الثابت - بالقدر نفسه - أن قريشًا أكرهت على العودة خائبة أيضًا، وهل نقع في صفحات التاريخ على حادثة انتصار واحدة أثبت فيها العدو المغلوب إقدامه في الميدان وانقلب الجيش المنتصر عائدًا إلى وطنه من غير أن يأسر أسيرًا واحدًا؟؟ ووجد فيها العدو المنهزم الجرأة على مطاردة المنتصرين في غد بعد بضع ساعات من المعركة ليس غير؟ .
على حين ولى المنتصرون الأدبار لدى سماعهم نبأ المطاردة؟؟ ثم يقول (مولانا محمد علي):
ليس من شك أن المسلمين اجتازوا هذه المعركة بمحن قاسية، لقد جرح الرسول نفسه جراحات بليغة، بل لقد سرت شائعة تقول إنه قتل، وبذلك خُيل إلى القوم أن أمر الإسلام قد انتهى قولًا واحدًا.
ثم يختتم مولانا محمد علي نقاشه هذا بقوله:
_________________
(١) لم أطلع له على ترجمته.
(٢) كتب المؤلف هذا الكتاب بالإنكليزية ونقله إلى العربية الأستاذ منير البعلبكي.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
"إن العدو قد يهلل ابتهاجًا لما يتراءى في ناظريه قضاء على الإسلام ولكن القلب المسلم يجب أن يظل ناعمًا بالطمأنينة، فالإسلام خالد لا يموت، وكل مصيبة تلم به مهما تكن عظيمة لا بد أن تحمل إليه انتصاره الحقيقي متنكرًا بقناع".
الصفحات الثلاث
لا شك أن الصفحات البارزة في معركة أُحد، هي ثلاث صفحات:
١ - انتصار المسلمين الخاطف السريع في الصفحة الأولى من المعركة.
٢ - انتكاسة المسلمين وتطويق جيشهم وضياع النصر الذي سجلوه في أول المعركة.
٢ - تماسك المسلمين من جديد وانتصارهم (أخيرًا) على المشركين بالحيلولة بينهم وبين الحصول على هدفهم الرئيسي من الغزو. وهو القضاء على المسلمين ماديًا ومعنويًا وإجبار هؤلاء المشركين على الانسحاب من ميدان القتال دون أن يسجلوا ما يمكن تسميته نصرًا بالرغم من المركز الممتاز للغاية الذي حصلوا عليه بعد معركة خالد بن الوليد وتطويق الجيش الإسلامي.
أ - أسباب انتصار المسلمين أول المعركة
لا شك أن الفوارق المادية بين الملتحمين في معركة أحد كبيرة جدًّا.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فالمشركون إذا كان جيشهم قد بلغ (في غزوة بدر) ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، فإن جيش مكة قد بلغ (في معركة أحد) أكثر من أربعة أضعاف جيش المسلمين مع التفوق الساحق في جودة السلاح ووفرته ووسائل الوقاية الحربية من دروع ومغافر، يضاف إلى ذلك (وهو الأهم) وجود مائتي فرس في جيش مكة يقودها أمهر الفرسان بينما لا يوجد لدى المسلمين من سلاح الفرسان سوى فرس واحد أو فرسين على الأكثر.
ولكن مع هذا التنظيم والقوة الهائلة التي استغرق إعدادها وتنظيمها سنة كاملة، انتصر الجيش الإسلامي في المرحلة الأولى من المعركة، وشتت هذا الجيش الصغير ذلك الجيش الضخم وأنزل به هزيمة كادت تكون ساحقة، لولا نجاح حركة التفاف فرسان خالد.
فما هي (إذن) الأسباب الرئيسية التي مكنت هذا الجيش الصغير من تسجيل ذلك النصر السريع المذهل على ذلك الجيش الضخم الهائل المسلح أقوى تسليح؟؟ .
لا شك أن السبب الرئيسي في ذلك هو: العقيدة.
فالعقيدة هي (دائمًا) السبب الرئيسي في كل نصر يحرزه المسلمون على أعدائهم في ذلك العصر.
فقد كان محمد - ﷺ - وأصحابه يخوضون المعارك وهم (كما قلنا في تحليل أسباب نصرهم في بدر) على صلة وثيقة بربهم، حيث أن السبب الرئيسي الذي يجعلهم يبذلون الأرواح رخيصة، ويسيرون إلى المعارك
[ ٢ / ٢٧١ ]
فرحين مستبشرين، هو يقينهم بأن أسعد الناس الذي يكون محل رضا الله تعالى ورحمته وإنعامه في عالم الخلود (العالم الآخر) هو الذي يفقد حياته مقاتلًا في سبيل إعلاء كلمة الله (١).
فالعقيدة الصافية التي جاء بها الإسلام، هي (دائمًا) السلاح الأول الذي كان يعتمد عليه أصحاب محمد في كل المعارك.
والعقيدة هي (دونما جدال) المصدر الأول للروح المعنوية التي كان - ولا يزال - القادة العسكريون يعتبرونها (حتى اليوم) لازمة للجند قبل العتاد والذخيرة.
فالقوة المادية مهما كانت ضخمة وعظيمة ومنظمة، فإنه لا تفيد أصحابها شيئًا ما لم يكونوا متسلحين بعقيدة يؤمنون بها ويرون الموت في سبيلها سعادة واعتزازًا.
وقد رأينا ولا نزال نرى (حتى اليوم) رجالًا جمعت بينهم العقيدة حققوا ما يشبه المعجزة، حيث تغلبوا بسلاح القرن العاشر (في معارك ضاربة) على خصومهم الذين يحملون أفتك أسلحة القرن والعلوم العسكرية تفوقًا ساحقًا.
وهكذا فإن المسلمين في معركة أُحد كانوا يمتازون على خصومهم (في الدرجة الأولى) بالعقيدة الصادقة والمبدأ الراسخ الثابت السليم،
_________________
(١) ولا أدل على ذلك من أن أحد كبار الصحابة (وهو عبد الله بن جحش الأسدي) تضرع إلى الله أن يقتله المشركون بل وأن يمثلوا به (كما ثبت في كتب السيرة) كذلك طلب عمرو بن الجموح من رسول الله أن يسمح له بالاشتراك في معركة أحد (بعد أن منعه أبناؤه لكبر سنه والعرج شديد برجله) فأصر على الاشتراك في المعركة قائلا: إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة)، وقد استشهد الإثنان في معركة أحد، والأمثلة على ذلك كثير.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فالعقيدة هي التي دفعت بهم إلى خوض المعركة في استبسال وثبات وتضحية.
جيش بلا عقيدة
بينما خصومهم من المشركين لا يحملون أية عقيدة تحفزهم على الاستبسال واسترخاص الأرواح، فهم مشركون لا يربطهم أي سبب بالله تعالى.
فليس بينهم من يحمل الاعتقاد بأنه يقاتل في سبيل الله، وأن مصيره الجنة إن هو قتل. والاعتقاد باتساع رقعة مجال عقيدته وحملها إلى العالم إن هو انتصر.
وإنما كان جيش مكة خليطًا، بعضه لا يدري لماذا يقاتل، وبعضه من المرتزقة الذين من طبيعة حياتهم العيش على السلب والنهب.
والبعض الآخر (وهم الأقلية من قادة الجيش ومفكريه) خرجوا للدفاع فقط عن مراكزهم القيادية المهددة بالانهيار داخل قبيلة قريش العظيمة، التي هي الأخرى صارت منزلتها الممتازة مهددة بالانهيار أيضًا بين جميع قبائل العرب.
فحشر هؤلاء القادة هذه الجموع، بغية استخدامها للإطاحة بالنبي ودينه الجديد الذي هو المصدر الحقيقي لذلك التهديد.
وهكذا فإن جيش مكة (بالرغم من صرف سنة كاملة في إعداده وتنظميه) كان غير صالح (من الأساس) لتسجيل أي نصر على جيش النبي محمد - ﷺ -.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
والسبب في ذلك أن جيش مكة كان يفقد كل العناصر الأساسية التي من توفرها لأي جيش يطمع قادته في تحقيق النصر الحقيقي على أعدائهم، وهي (أي العناصر الأساسية التي كان الجيش المكي خلوًا منها:
١ - وحدة الهدف
٢ - وحدة الجيش.
٣ - وحدة العقيدة.
٤ - وبالتالي الإيمان بصدق هذه العقيدة الذي يجعل حاملها يوقن في قرارة نفسه بأن خذلان هذه العقيدة والنكول عن الحرب في سبيلها جريمة عقوبتها العذاب الشديد الطويل في جنهم (١).
بينما كل هذه العناصر الأربعة (التي كانت مفقودة في الجيش المكي) متوفرة كاملة في جيش المدينة، فلا غرابة (إذن) في أن يسجل ذلك الجيش الصغير هذا النصر السريع على ذلك الجيش الضخم في الصفحة الأولى من المعركة.
بل أن يَحُولَ هذا الجيش الصغير (حتى بعد الانتكاسة) بين جيش مكة القوي الضخم وبين تحقيق أي هدف من أهدافه الرئيسية، حيث ظل يقاتل بشراسة وعناد حتى أجبر جيش المشركين - الذي أعطته غلطة الرماة مركزًا ممتازًا - على الانسحاب راضيًا من الغنيمة بالإياب.
_________________
(١) كما هو الحال عند المسلمين الذين يعتبر عند المسلمين الذين يعتبر عندهم الفرار عند =
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ب - أسباب الانتكاسة
وإذا رجعنا إلى أسباب الانتكاسة التي أصابت المسلمين (أو الهزيمة كما يسميها البعض) لوجدنا أن أهم هذه الأسباب أربعة:
١ - عصيان الرماة
فمما لا جدال فيه وكاد يجمع عليه المؤرخون، هو أن أهم أسباب الانتكاسة هذه عصيان الرماة (١) الذين خالفوا الخطة المرسومة لإدارة المعركة، فتمردوا على قائدهم عبد الله بن جبير، وتركوا مواقعه في الجبل للاشتراك مع أخوانهم في جمع الغنائم قبل أن يسيطر جيش المدينة على ميدان المعركة سيطرة تامة، مما مكّن خالد بن الوليد - قائد سلاح الفرسان في جيش مكة - من اقتحام معقل الرماة في الجبل والقضاء على العشرة الباقين منهم، ثم الانقضاض على مؤخرة المسلمين الذين كان الكثير منهم مشغولًا بجمع الغنائم - وضربهم من الخلف بسرعة فائقة، وإعطاء المنهزمين من عسكر مكة الإشارة بأن يعطفوا على المسلمين - وسط حزام من فرسان العدو ومشاته، فوقع الارتباك في صفوفهم وانفرط عقد نظامهم، حتى صار بعضهم يضرب بعضًا من الدهش، فكانت مخالفة
_________________
(١) = الزحف من أكبر الكبائر التي يتعرض فاعلها للعذاب الشديد في جهنم، كما نص على ذلك القرآن الكريم في الآية ١٥: ١٦ من سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
(٢) ذكرنا (في أول هذا الكتاب عند التعرض لذكر تعبئة الجيش الإسلامي) أن الرسول - ﷺ - وضع في الجبل خمسين راميًا وأوكل إليهم مهمة حماية مؤخرة المسلمين، فانظر تفاصيل هذا الموضوع في أول الكتاب تحت عنوان (كتيبة في الجبل =
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الرماة للأوامر النبوية والخروج عن الخطة المرسومة، خطأ كبيرًا كان من أهم أسباب النكبة.
رأي آخر لضابط عسكري عراقي
قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد):
أخطأ رماة المسلمين في مخالفتهم لأوامر الرسول وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم، ولولا انسحابهم لما استطاع خالد بن الوليد تطويق مؤخرتهم ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين، ثم قال:
إن مخالفة الأوامر في أُحد، درس في نتائج كل مخالفة عسكرية للأوامر في الحرب وإن نتائجها المعروفة كافية لغرس هذا الدرس لكيلا يعود أحد لمثلها.
وقال اللواء خطاب في موضع آخر من كتابه المذكور:
تنفيذ الأوامر، هو الضبط العسكري الذي يعتبر روح الجندية والسبب المباشر لكل انتصار في كل معركة، ومخالفة الرماة في ترك مواقعهم والإسراع لحمل الغنائم خطأ كبير وقع فيه المسلمون (حينذاك) إذ كشف العدو ظهورهم، فاستفاد خالد من هذه الفرصة السانحة لتطويقهم من الخلف مما أدى إلى الإطباق عليهم من كافة الجهات.
٢ - الانشغال بالغنائم
كذلك من أسباب الانتكاسة انشغال كثير من المسلمين بجمع الغنائم، والكف عن مطاردة المشركين بعد إنزال الهزيمة بهم في الصفحة الأولى من المعركة.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وقد توقف الكثير من المسلمين عن مطاردة المشركين، وانشغلوا بجمع الغنائم التي ازدحمت بها أرض معسكرهم مما خفف على جيش مكة المنهزم من وطأة الهزيمة، وجعل المنهزمين لا يوغلون في الفرار كثيرًا، وهذا هو الذي جعلهم يدركون حركة الالتفاف التي قام بها سلاح الفرسان القرشي بقيادة ابن الوليد، ويستجيبون (بسرعة) لندائه، بعد الصيحة التي أرسلها رجاله عند القيام بهذه الحركة الخطيرة، فقاموا بهجوم مضاد، أوقع المسلمين بين نارين، مما أضاع عليهم ثمرة نصرهم، وأنزل بهم النكبة الموجعة.
وأعتقد أن حركة خالد ستكون فاشلة، لو أن المسلمين لم ينشغلوا بجمع الغنائم، وشدوا على المشركين واغتنموا فرصة الذعر والهلع الذي أصابهم (ساعة انهزمهم) فتابعوا مطاردتهم بنفس القوة التي ركبوهم بها عند أول الهزيمة، حتى يبعدوهم عن ساحة المعركة ولو لعدة أميال.
فلو أن المسلمين فعلوا ذلك لتمكنوا (على ما أعتقده) من القضاء على الجيش المنهزم، أو تشتيت شمله تشتيتًا كاملًا (على الأقل) ولتمكنوا (أيضًا) من الحيلولة بين جيش مكة وبين معرفة حقيقة حركة خالد.
لأن جيش مكة إذا كان على بعد عدة أميال لا يمكنه سماع صوت خالد، بل ولو سمعه (وهو على هذه المسافة من البعد) لما أمكنه أن يقوم بما قام به من الاستجابة السريعة لمشاركة خالد بن الوليد في عملية التطويق الناجحة.
وبهذا يسهل على المسلمين القضاء على حركة خالد (فيما لو قام بها)، لأن مائتي فارس منعزلين لا يمكنهم الصمود في وجه المسلمين (وخاصة عندما يكونون في أوج نصرهم).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
بل قد لا يجرؤ خالد بن الوليد على القيام بحركة الالتفاف التي قام بها، لو أن جمهرة الجيش الإسلامي تابعت مطاردتها لجيش مكة المنهزم ولم تشتغل بجمع الغنائم.
بل قد لا يغادر الرماة مواقعهم في الجبل لو أن إخوانهم المنتصرين لم ينشغلوا بجمع الغنائم، فقد شجع الرماة على مغادرة مواقعهم ما رأوه من كثرة الغنائم التي رأوا إخوانهم يتسابقون لجمعها.
قال صاحب كتاب (الرسول القائد) عند تعرضه لذكر أسباب انتكاسة المسلمين في أُحد:
لم يقم المسلمون بالمطاردة في الصفحة الأولى من المعركة بعد انهزام المشركين بعيدًا عن معسكرهم، بل انشغلوا بالغنائم، ولو أنهم قاموا بالمطاردة (فورًا) بعد انهزام المشركين لقضوا على قوتهم بسهولة، من بعد ذلك يعودون لجمع الغنائم.
وقال اللواءُ الركن (خطاب) في موضع آخر من كتابه المذكور:
وقد أخطأ المسلمون في عدم مطاردتهم للمشركين بعد فرار المشركين من مواضعهم وابتعادهم عن معسكرهم والتفاف المسلمين حول نساء المشركين ومواشيهم وإبلهم في الصفحة الأولى من المعركة، ولو قام المسلمون بالمطاردة إلى مسافة عشرة أميال على الأقل، لأوقعوا بالمشركين خسائر فادحة ولانتهت معركة أُحد إلى نتائج في مصلحة المسلمين.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
٢ - المباغتة
مما لا نزاع فيه (بين خبراء الحرب) أن المباغته لها رد فعل خطير في نفوس من تحدث ضدهم، فالمباغتة من أخطر أساليب الحرب التي تتبع (حتى هذا اليوم) لقلب موازين القوى وإحداث التحولات السريعة المفاجئة في سير المعارك.
وكم كسب كثير من القادة الجولة الأخيرة، بسبب قيامهم بمباغتات (ضد خصومهم) أثناء المعارك من كمين أو هجوم غير متوقع (١).
_________________
(١) يروي التاريخ أن الإمبراطور نابليون (بونابرت) لم يهزمه ويشتت شمل جيشه (بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من النصر) في معركة (واترلو) الشهيرة التي خاضها ضد الإنكليز وحلفائهم بقيادة الضابط الإنكليزي (ولنجتون) - لم يهزمه سوى المباغتة وذلك أنه بينما كان فرسان نابليون يقتحمون أسوار قلعة (كاتريرا) التي تحصن فيها الإنكليز، وبينما أعصاب المدافعين عن القلعة أخذت في الانهيار، بعد أن نجح نابليون في تحطيم الأسوار والدروع، ونجحت طلائع جيشه في الوصول إلى داخل صفوف الإنكليز في التل وشطر الجيش الإنكليزي إلى شطرين بعد تدمير مدفعيته والفتك بجنودها، وبينما نابليون يتوقع (بين لحظة وأخرى) رفع الإنكليز العلم الأبيض على تل (كاتربرا) للاستسلام، إذا بهزيم المدافع ينطلق (فجأة) يصم الآذان من وراء ظهر جيش نابليون، فأدار وجهه وأرسل بصره من وراء منظاره المكبر ليرى ما الخبر، وإذا به يرى فرقة من الجيش البروسي قد أتت بقيادة الضابط بلوخر) لنجدة الإنكليز، فالتفت نحو التل آمرًا جيشه بمضاعفة الهجوم قبل أن يعرف الناس حقيقة النجدة ولمن قد أتت، وليجهز على جيش (ولنجتون) قبل وصول بلوخر، ولكن (ولنجتون) كان أمر وادهى، إذ سارع إلى قمة ربوته المنيعة ورفع قبعته ملوحًا بها في الهواء ناحية الجيش البروسي مرحبًا به، ثم مال بها ملوحًا نحو الفرنسيين (في سخرية وتحد) فأدرك الجيش الإنكليزي إشارة قائده، كما أدرك قادة الجيش الفرنسي أن جيشهم قد وقع بين نارين فخارت عزائمهم وجمع الجيش الإنكليزي المشتت شمله وشد (ولنجتون) بجيشه على الفرنسيين في هجوم مضاد كاسح فأخذ الجيشي الفرنسي في التراجع، وألقى كل فرد منه سلاحه وهام على وجهه، =
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ولهذا كان العرب (في العصور الأولى) كثيرًا ما يتبعون خطط الكمائن وهي قوة تقوم بمفاجأة العدو ساعة المعركة، فتحدث هذه القوة الارتباك والفوضى في صفوف العدو (حتى وإن كانت هذه القوة صغيرة) ولما للمفاجأة من أثر سيئ في نفوس من تحدث ضدهم.
ولهذا كان لمباغتة خالد بن الوليد - التي مكنه من القيام بها (ضد جيش المدينة) انسحاب أكثر الرماة من الجبل - أثر مريع في نفوس الجيش الإسلامي الذي أذهلته المباغتة حينما شعر وهو في أوج نصره (وعلى حين غفلة) بالأرض ترجف من وراء ظهره من شدة وقوع حوافر
_________________
(١) = فكانت الهزيمة الساحقة للجيش الفرنسي الذي لم يعرف (طيلة عشرين عامًا) سوى النصر والظفر، وكانت نهاية نابليون (بونابرت)، وكل ذلك حدث بسبب مباغتة حدثت لجيش نابيلون وهو في أوج نصره الذي لم يبق على تسجيله نهائيًا سوى رفع القائد الإنكليزي العلم الأبيض للاستسلام. كذلك كان من أسباب هزيمة المسلمين في معركة بلاط الشهداء بفرنسا (في أول القرن الثاني الهجري) أن كوكبة من فرسان القائد الفرنسي (شارل مارتل) قامت بهجوم مباغت (بقيادة دوق أو كتانيا) على معسكر المسلمين من الخلف فحدث الاضطراب في صفوف المسلمين، وترك البعض منهم أماكنهم في الصفوف للدفاع عن المعسكر فأسرع القائد العام (عبد الرحمن الغافقي اليماني) لإعادة هؤلاء إلى أماكنهم ولكنه لم ينجح، ثم عاجله سهم من جانب العدو فخر صريعًا، وعند ذلك وقع الفشل الكامل داخل صفوف المسلمين، ثم نزلت بهم الهزيمة فانسحبوا في اتجاه إسبانيا بعد أن خسروا حوالي مائة ألف قتيل، لأن جيشهم كان عدده نصف مليون جندي، ويزعم المؤرخون الفرنسيون أن المسلمين خسروا في معركة (بلاط الشهداء) ثلاثمائة وستين ألف قتيل، وهذا (دونما جدال) مبالغة كبيرة، وقد كانت المباغتة التي قام بها فرسان شارل مارتل مقصوده قصد بها الفرنسيون إحداث الفوضى في صفوف المسلمين الذين كانوا يعصفون بصفوف جيش شارل مارتل وحلفائه من الإيطاليين والألمان والمجر وغيرهم من الأوروبيين ولقد كانت هزيمة المسلمين في معركة (بلاط الشهداء) بفرنسا أشنع هزيمة نزلت بالجيوش الإسلامية في أوربا.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
مائتي فرس انقض عليه فرسانها وضربوا حوله نطاقًا في سرعة مذهلة، فارتبك الجيش الإسلامي لهذه المفاجأة واضطربت صفوفه، ولا سيما بعد أن تراجع النهزمون من الجيش المكي وجمعوا شملهم.
قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) عن مبادئ المباغتة في المعارك.
"المباغتة من أهم مبادئ الحرب ومعناها ضرب العدو من مكان أو في زمان أو بأسلوب لا يتوقعه (١)، حيث يمكن تحطيم قوى العدو المادية والمعنوية، ثم قال الضابط العراقي (خطاب):
كان قيام خالد بن الوليد بالالتفاف وراء قوات المسلمين في الوقت الذي انهزم فيه المشركون مباغتة تامة للمسلمين فارتبكت صفوفهم بدرجة
_________________
(١) يروى التاريخ من أسباب الانتصارات الساحقة السريعة المذهلة التي سجلها القائد الفينيقي الشهير (هنيبال) على الرومان في المعارك الشهيرة التي خاضها ضدهم اختراع الركاب .. فقد كان الفرسان (إلى ما قبل عصر هنيبال) يقاتلون على الخيل دون أن يكون لسروجها ركاب، فكان (هنيبال) أول من اخترع فكرة الركاب، وأمر بصنعه لخيالته، وعندما التحموا مع الرومان تفوق فرسان هنيبال في ضرب السيف فكانت ضرباته أشد فتكًا من ضربات فرسان الرومان مما كان له أكبر الأثر في إنزال الخسائر الفادحة بالجيش الروماني وذلك أن فرسان هنيبال (بعد وضع الركاب في سروج خيلهما) إذا أرداوا أن يضربوا بالسيف اتكئوا بأرجلهم على الركاب فيساعدهم ذلك على تسديد الضرب بالسيف وهم ثابتون مما جعل ضرباتهم أكثر إصابة وأشد فتكًا، من ضربات فرسان الرومان الذين يقاتلون وأرجلهم معلقة في الهواء، فكان هذا السلاح البسبيط (الركاب) مفاجأة لخيالة الرومان ذهلوا لنتائجها، وقد فطن الرومان (بعد مدة من الزمن) لهذا الاختراع، فصنعوا الركاب لفرسانهم مثل فرسان هنيبال، والمهم أن المفاجأة حتى ولو كانت باختراع سلاح بسيط يكون لها أثرها الفعال في المعارك.
[ ٢ / ٢٨١ ]
لم يفرقوا معها بين قوات عدوهم وبين قواتهم، فقتل بعضهم بعضًا، كما تحطمت معنويات الكثير منهم وأصبحوا لا يعرفون ما يصنعون.
إن هذه المباغتة أتاحت الفرصة لقريش للقضاء على المسلمين وإبادة قواتهم، ولكنهم لم يستطيعوا الاستفادة من موقفهم الممتاز هذا، فضيعوا هذه الفرصة السانحة لجعل معركة أحد حاسمة في نتائجها" اهـ.
٤ - إشاعة مقتل النبي
كذلك ساهمت إشاعة مقتل النبي - ﷺ - في مضاعفة النكبة .. فمما لا جدال فيه أن قتل القائد العام (وخاصة في ذلك العصر) معناه الهزيمة للجيش.
ولهذا كان للإشاعة الكاذبة التي انتشرت بين المسلمين بأن نبيهم قد قتل، أثر مزلزل في نفوس كثير من أفراد الجيش الإسلامي، حتى إن بعضهم ألقى السلاح وكف عن القتال وفكر في الاتصال بقادة مكة للاستلام وطلب الأمان عند انتشار هذه الإشاعة.
وانهارت معنويات كثير من جند الإسلام ووقفوا حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، حتى أن بعض المؤرخين يرون أن السبب الأكبر في انكسار المسلمين بعد الانتصار، هو انتشار إشاعة مقتل النبي - ﷺ -.
فقد جاء في وفاء الوفا (للسمهودي) قوله):
"وقيل كان سبب الهزيمة أن ابن قمئة الليثي قتل مصعب بن عمير وكان مصعب إذا لبس لأمته (أي عدة حربه) يشبه النبي - ﷺ - فلما قتل ظن
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أنه رسول الله - ﷺ -، فرجع إلى قريش وقال: قد قتلت محمدًا، فازدادوا جرأة وصاح إبليس من العقبة (قتل محمد) فلما سمع المسلمون ذلك (وهم متفرقون) كانت الهزيمة ولم يلو أحد على أحد" أهـ.
وعلى كل حال كان لإشاعة مقتل النبي - ﷺ - أثر كبير في اضطراب المسلمين وسريان الفوضى والارتباك داخل وحداتهم، مما ساهم في ارتفاع رصيد خسارتهم في الرجال ..
ج - تماسك المسلمين بعد الانتكاسة
لا شك أن الحركة المباغتة التي قام بها سلاح فرسان المشركين (أثناء القتال) قد أوقعت جمهرة جيش المدينة بين فكي (كماشة) نجح المشركون في إطباقها عليه من كل الجهات.
وكل جيش يقع فيما وقع الجيش الإسلامى (يوم أُحُد) يكون مصيره (غالبًا) إما السحق كاملًا، وإما استسلامه للأسر.
وإذا أضفنا إلى واقعة التطويق المباغت، تفوق الجيش المطوِّق على الجيش المطوَّق في العدد تفوقًا ساحقًا (حيث أن الجيش المدني المطوَّق لا يزيد عدده على خمسمائة مقاتل تقريبًا، بينما الجيش المكي المطوِّق لا يقل عدده عن ألفين وسبعمائة مقاتل، (على أقل تقدير) لوجدنا أنه يكاد يكون من المستحيل نجاة الجيش الصغير من قتل جميع رجاله أو استسلامهم عن آخرهم.
ولكن الذي حدث، هو خلاف ذلك، فقد تمكن المسلمون المطوَّقون من التغلب على جيش مكة المطوِّق، حيث كسروا الطوق الذي ضربه حولهم، ثم
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أفلتوا من قبضته وشقوا طريقهم عبر صفوفهم نحو الشعب من أُحد حيث يوجد قائدهم الأعلى النبي، بعد أن دفعوا لهذا التخلص ثمنًا قوامه عشرة في المائة من مجموع قواتهم، ففوتوا (بذلك) على قريش أثمن فرصة سنحت لهم للقضاء على الجيش الإسلامي بالإبادة أو الأسر.
وقد اعتبر كثير من العسكريين تمكن المسلمين من كسر الطوقال في ضربه المشركون حولهم وإفلاتهم، نصرًا جديدًا سجله المسلمون واندحارًا ثانيا مُني به المشركون.
أسباب التماسك بعد الهزيمة
فما هي الأسباب التي جعلت هذا الجيش الصغير المنكوب ينجو من فناء محقق ويجمع شتاته ويعيد تنظيمه من جديد، ويصمد في وجه جيش مكة (الذي ظن نفسه، بعد الانتكاسة سيد الموقف) ثم يجبره على الانسحاب من ميدان المعركة دون أن يحقق أهدافه، حيث حال بينه وبين تسجيل ما يمكن تسميته انتصارًا؟ يمكننا (من الناحية العسكرية) الإشارة إلى مجمل أسباب ذلك، كما يلي:
١ - القيادة الحكيمة وشجاعة القائد العام
فمما لا جدال فيه أن كل قائد عام مسئول، يعلم تمام العلم، أن مسألة تحطيم جيشه أو تماسكه في مثل تلك اللحظة الحرجة الحاسمة التي مر بها الجيش النبوي في أُحد بعد حادثة الجبل، إنما تتوقف على شجاعة هذا القائد أو تخاذله، فإن تخاذل القائد العام تخاذل جيشه وانهزم، وإن ثبت وصمد، كان جيشه تبعا له في هذا الثبات والصمود.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
ولقد أظهر الرسول القائد (ساعة انتكاسة الجيش الإسلامي في أُحد) شجاعة منقطعة النظير بلغت إلى حد الكمال، وأظهر من الحكمة في القيادة والحنكة في التصرف في تلك الساعات الدقيقة الحرجة ما مكنه من حماية جيشه الصغير من ضياع وتدمير محققين.
فقد وجد الرسول - ﷺ - نفسه - بعد حركة التفاف خالد على جنده - منعزلًا تمامًا في مقر قيادته حيث تمزقت صفوف المسلمين تمزقًا شديدًا، وتفرق من حوله عامة جندة فأصبح وحدة (تقريبًا) عرضه لهجمات المشركين الضارية، فكانت صدمة عنيفة جديرة بأن تنهار لها أعصاب أعاظم القواد (وخاصة في ذلك العصر الذي يعتمد فيه القائد على رماح جنده وسيوفهم فحسب).
ولكن الرسول القائد - ﷺ - صمد أمام هذه النازلة، وسيطر على أعصابه فثبت (ثبوت الرواسي) أمام تيارات تلك العاصفة المخيفة التي تبعثر لها جنده على ساحة الهزيمة، لا يدرون ماذا يصنعون وإلى أين يتجهون، لا سيما بعد أن سرت بينهم إشاعة مقتل نبيهم - ﷺ -، فوقف - ﷺ - على مرتفع (رابط الجأش ثابت الجنان) ونادى بأعلى صوته (هلموا إلى أنا رسول الله). فكان لصيحته تلك أكبر الأثر في إعادة الروح المعنوية إلى نفوس أصحابه الذين سمعوا صوته الحبيب، فما إن علموا بمكانه حتى توافدوا إليه وأخذوا في تنظيم صفوفهم من جديد، وانتشر بين عامة الجيش الإسلامي نبأ سلامة نبيهم القائد فتراجعت فلولهم وأخذوا يتحلقون حول قائدهم ويناضلون المشركين في شجاعة واستبسال، حتى تغلبوا على جند مكة، إذ حالوا بينه وبين تحقيق الهدف الذي جاءوا من أجله والذي
[ ٢ / ٢٨٥ ]
سنحت لهم فرصة تحقيقه (بعد الانتكاسة) وهو إنزال الهزيمة الساحقة بالجيشي الإسلامي.
وهكذا كان لثبات الرسول - ﷺ - وحكمته وشجاعته الفائقة في تلك اللحظات الشديدة الحرجة، المقام الأول في تماسك الجند الإسلامي بعودة المنهزمين وإقدام المترددين إلى ساحة الوغى وصمودهم في وجه الجيش المكي الذي أعادوه خائبًا من حيث أتى، بعد أن كان سيد الوقف بعد حادثة الجبل.
قال مولانا محمد علي في كتابه (حياة محمد ورسالته) عند تعليقه على شجاعة الرسول - ﷺ - وتضحيته وتعريض نفسه للخطر في سبيل إنقاذ أصحابه بعد الانتكاسة، قال:
فلم يكد ينظر النبي - ﷺ - إلى خالد ينقض على المسلمين ويحتل الموقع الذي هجره الرماة حتى أدرك عظم الخطر المحدق بالجيش الإسلامي، ولم يكن أمامه في تلك اللحظات غير سبيلين اثنين، يستطيع انتهاجهما. إما أن يكفل سلامته الشخصية، بالشخوص إلى مفزع ما، تاركًا أصحابه لمصيرهم المقدور، وإما أن يناديهم مخاطرًا بنفسه لكي ينقذهم من الخطر، ولقد اختار السبيل الثانية (على ما فيها من مغامرة تعرض حياته للخطر) فصاح بأعلى صوته (هلموا إلي أنا رسول الله)، ولم يكد الصوت يبلغ آذانهم حتى التفوا كلهم نحوه وشقوا طريقهم إليه عبر صفوف العدو.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
تعليق اللواء الركن خطاب
قال الضابط العراقي الكبير اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) عند تحليله العسكري لأسباب تماسك المسلمين بعد النكسة، قال (بعد أن علق على مهارة الرسول في اختيار الموقع المناسب لصف جنوده قبل المعركة).
إن كل ذلك على أهميته، لا يعتبر شيئًا بالنسبة لظهور عبقرية قيادته في أثناء القتال خلال الصفحة الثانية من معركة أُحد، حين طوَّق المشركون المتفوقون بالعدد (إلى خمسة أمثال المسلمين) قوة المسلمين القليلة، بعد أن انهارت معنويات الكثيرين منهم، لما تطاير خبر مقتل الرسول في المعركة، فلجأوا إلى الهضاب بعيدًا عن ساحة المعركة وبقى مع الرسول شرذمة قليلة من المسلمين، ثم قال اللواء خطاب:
لقد استطاع الرسول في هذا الموقف الحرج للغاية (بالنسبة للمسلمين) الموفق للغاية (بالنسبة للمشركين) أن يسيطر على أعصابه في معركة يائسة جدًّا، ويقود الباقين من المسلمين لشق طريقهم من بين القوات المتفوقة المحيطة بهم، ثم يحتل موضعًا مشرفًا ويقوم بإعادة تنظيم قواته الباقية ويعيد إليها معنوياتها ويصد بها هجمات مقابلة شديدة للمشركين، فيحيل الهزيمة الأكيدة الماحقة إلى نصر.
لأنه اضطر قريشًا إلى اليأس من القضاء على المسلمين، بعد أن كان فناء المسلمين أمرًا محتمًا، ثم اضطرهم إلى الانسحاب من المعركة بعد اليأس من إبادة المسلمين" اهـ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
٢ - مهارة الرسول في وضع الخطط
كذلك كان لمهارة الرسول - ﷺ - وحنكته في وضع الخطط الدقيقة السليمة، واختيار الموقع لإدارة المعركة، أثر كبير في تخليص المسلمين من فناء كاد يحيق بهم.
فقد خرج الرسول - ﷺ - من المدينة بجيشه لملاقاة جيش مكة، وقد يتبادر إلى الذهن أنه كان من الأفضل (من الناحية العسكرية) لو أن النبي - ﷺ - قاتل المشركين وظهره إلى المدينة ليسهل عليه التراجع إليها والاعتصام بها إذا ما تعرض جيشه لهزيمة.
[صورة]
منظر الجبال الثلاثة التي تكتنف فم الشعب الذي اختاره الرسول معسكرًا لجيشه، وقد ظهر فم الشعيب الواقع بين الجبال على المرتفع - ١ - المشرف على وادي قناة - ٢ - ونحو المكان المشار إليه بالسهم بين الجبال انسحب المسلمون واعتصموا (من الداخل بالجبل الذي على اليمين وهو الذي علاه أبو سفيان بعد الانتكاسة، كما هو مفصل في هذا الكتاب.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ولكن الواقع الذي أيدته الأحداث، هو أن المكان الذي عسكر فيه الرسول بجيشه، كان أصلح مكان لأن يلاقي فيه المسلمون أعداءهم.
فتخطى النبي المشركين بجيشه واختياره المرابطة به في فم الشعب من أُحد، وتفضيله مقاتلة العدو في تلك المنطقة البعيدة عن المدينة، على مقاتلته في السهول الواسعة التي تقع بالقرب من المدينة (والتي تقع بين المدينة وأحد) يرجع إلى أسباب وجيهة عدة .. أهمها:
[صورة]
المؤلف على قمة جبل أحد، وقد ظهر أمامه جانب من الشعب الذي ظهرت فيه بعض المساكن الصغيرة، وعن شمال المؤلف ظهر (على بعد) الوادي الذي دارت فيه المعركة.
أن قوة المسلمين كانت صغيرة (بالنسبة لقوات المشركين) التي تبلغ أَكثر من أَربعة أَضعافها، وهذا القوة الصغيرة لو عسكر بها النبي في تلك السهول الواسعة - حيث لا تلال ولا جبال - لسهل على قوات أبي سفيان الضخمة تطويقها من جميع الجهات، لا سيما أن جيش مكة (علاوة على تفوقه الساحق في العدد والعُددَ) يمتاز على جيش المدينة بقوة سلاح الفرسان الكبيرة المنظمة التي يقودها رجال من أمهر القادة وأعرفهم بأساليب الحرب، والتي من أهم أعمالها التطويق والمطاردة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ونجاح القوات الكبيرة جدًّا في تطويق القوة الصغيرة جدًّا، وفي بلقع من الأرض - قبل المعركة أو بعدها - يكون (غالبًا) من أَهم أَسباب إبادة القوة المطوقة أو إجبارها على الاستسلام.
[صورة]
الممر الخطير الذي كلف الرسول ﷺ الرماة بمهمة منع خيالة المشركين من اقتحامه لئلا يضربوا مؤخرة المسلمين، ويقع هذا الممر بين جبل الرماة (١) وجبل أحد (٢) انظر خارطة المعركة.
وهذا والله أعلم، من أهم العوامل التي جعلت الرسول - ﷺ - كقائد عسكري مسئول - يختار المرابطة بجيشه في ذلك المرتفع من شعب (١) أُحد .. الذي بالمرابطة فيه جنّب جيشه خطَر التطويق في أَول المعركة، وساهم في تيسير إنقاذه بعد أن وقع أكثره في دائرة التطويق بعد الانتكاسة.
لأن النبي - بالمرابطة في الشعب من أُحد - قد احتل مركزًا حصينًا حيث أصبح جيش المسلمين في مكان تكتنفه هضاب جبل أُحد ونتوءاته، ولم يبق مفتوحًا (أمام المشركين) إلا فم الشعب المواجه لهم، وجزء من مدخل هذا الشعب، يقع يمين معسكر المسلمين في الناحية
_________________
(١) الشعب (بكسر الشين) الطريق في الجبل.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الغربية، وهو المدخل الذي وضع الرسول الرماة في الجبل لمنع خيل المشركين من اقتحامه، ومنعهم (أَيضًا من المرور في قصبة الوادي الواقعة بين جبل الرماة والشعب من أُحد، والتي تركها المسلمون وراء ظهورهم عندما هزموا المشركين في الصفحة الأولى من المعركة، فاقتحمها خالد بعد انسحاب الرماة من الجبل ثم ضرب المسلمين من الخلف بعد أن ابتعدوا عن معسكرهم واحتلوا معسكر المشركين (١).
معسكر أشبه بقلعة
وهكذا جاءت خطة الرسول القائد العظيم (في اختيار ذلك الموقع من الشعب) خطة عسكرية حكيمة رائعة، وضع - ﷺ - بموجبها جيشه في مركز حصين أشبه بقلعة ليس لها باب واحد وقف عليه جيش المدينة بأكمله.
كما أن مرابطة المسلمين في ذلك المرتفع من الشعب جعلت المسلمين يكشفون جيش المشركين (تمامًا) ويعرفون كل حركة من حركاته لأنه واقع تحت هم في سهل منبسط مكشوف، وذلك علي عكس موقع الجيش الإسلامي في الشعب الذي لا يستطيع قادة الجيش المكي معرفة كل ما يجري داخل معسكره.
كما أن النبي (باختياره العسكرة بجيشه في الشعب) قد أجبر المشركين على قبول المعركة في مكان كانوا يودون خوضها في غيره، مما ساهم في إنزال الهزيمة السريعة بهم، لأن قبول قريش خوض المعركة
_________________
(١) انظر خارطة المعركة في أول الكتاب.
[ ٢ / ٢٩١ ]
بالقرب من سفوح جبل أُحُد جمّد نشاط خيالتهم تقريبًا، وخاصة في أول المعركة، لأن الفرسان لا يستطيعون القيام بحركاتهم العسكرية على ما يرام إلا إذا كان هناك مكان فسيح تركض فيه خيلهم بحرية تامة، وهذا هو الذي لم يتوفر لهم عندما خاضوا المعركة مع المسلمين عند سفوح الجبل، ولم ينجح خيالة قريش في القيام بمهمتهم على ما يرام إلا بعد أن ابتعد المسلمون عن سفوح جبل أحد عندما أنزلوا الهزيمة بالجيش المكي وبعد أن ارتكب الرماة غلطتهم الشنيعة، فانسحبوا من مواقعهم في الجبل فكشفوا بذلك مؤخرة الجيش الإسلامي.
وأعتقد أن المسلمين لو لم يعسكروا في المكان الذي اختاره الرسول من الشعب، وعسكروا في الفضاء الذي يقع بين المدينة وجبل أُحُد (حيث لا تلال ولا جبال) وحدث لهم ما حدث من انتكاسات لكانت نكبتهم أعظم، ولربما عجزوا كليًّا عن تنظيم صفوفهم من جديد، مما قد يعرضهم لهزيمة ساحقة.
[صورة]
في هذا المكان من الوادي دارت المعركة، وقد ظهر جانب من المرتفع الذي جعله النبي ﷺ معسكرًا لجيشه في الشعب، وقد أخذنا هذه الصورة من قمة جبل الرماة الذي ظهر منه جزء من اليمين.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وهكذا فقد كان اتخاذ الرسول القائد المحنك، الشعب من أُحُد معسكرًا لجيشه من العوامل المهمة في تخليص الجيش الإسلامي (ساعة الانتكاسة) من خطر الإبادة أو التشتيت، لأن ذلك مكنةً من الاعتصام بهضاب الجبل، الذي الاعتصام به أعطى المسلمين فرصة طيبة مكنتهم من جمع شتاتهم وإحباط كل محاولات القرشيين اليائسة للنيل منهم.
فائدة بقاء الرسول في مقر الرئاسة
كذلك كان لبقاء الرسول في مقر قيادة الجيش من أُحُد، وعدم اشتراكه في مطاردة المشركين في الصفحة الأُولى من المعركة واحتلاله مرتفعًا يشرف منه على مكان المعركة.
كل ذلك كان له أكبر الأثر في تخفيف وطأة الهزيمة على المسلمين وسرعة تجمعهم حول نبيهم وإعادة تنظيمهم من جديد.
ذلك أن اهتداء الجنود إلى مكان قائدهم الأعلى (إذا ما حاقت بهم كارثة) يكون له أكبر الأثر في تقوية معنويتهم وإشاعة روح الأمل في نفوسهم.
وهذا هو الذي حدث تمامًا عندما انهزم المسلمون بأحُد، فقد كان النصر حليف المسلمين في أول المعركة، ولكن المسلمين عندما ركبوا المشركين وأخذوا في مطاردتهم، ظل الرسول (مع بعض هيئة أركان حربه) مرابطًا حول مقر قيادته في الشعب، يرقب سير المعركة الظافرة.
وعندما حدثت النكسة واضطربت صفوف المسلمين (بعد تطويق الكثير منهم) صاح الرسول الأعظم - ﷺ - بأعلى صوته ليدل المضطربين على مكانه (هلموا إليّ أنا رسول الله).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فسارع إليه القريبون منه (كطلحة بن عبيد الله وأبي دجانة وأبي طلحة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم) وكونوا جبهة دفاعية صارت فئة للمنهزمين والمطوقين الذين أخذوا (بعد أن عرفوا مكان قائدهم الأعلى في شق طريقهم في صبر وجَلَد واستماتة) عَبر صفوف المشركين، ناحية الرسول - ﷺ -، مما مكنهم من إحباط كل المحاولات اليائسة التي قام بها فرسان المشركين وذو الشجاعة منهم للقضاء على شخص الرسول - ﷺ - وتشتيت هذه القوة التي تجمعت حوله، ثم الانسحاب بانتظام نحو هضاب الجبل.
فلو أن الرسول اشترك في مطاردة المشركين (ضمن سواد الجيش الإسلامي) وحدثت الانتكاسة وهو أسفل من الشعب بعيدًا عن مقر قيادته في المؤخرة في المرتفع من الشعب، لكان من جملة المسلمين الذين نجح الجيش المكي في تطويقهم، ولما عرف المسلمون مكانه حيًّا بالسرعة التي عرفوه بها يوم أن وقف على المرتفع وناداهم بأعلى صوته وهو مرابط في أُخراهم بالقرب من سفح الجبل.
٣ - عدم كفاءة القيادة في جيش مكة
كذلك مما ساهم في تيسير الخلاص لجمهرة الجيش الإسلامي من الورطة القاتلة التي وقع بها حادثة التمرد في فصيلة الرماة، (وإعطاء الفرصة له من جديد ليجمع شتاته)، فُقْدَان الكفاءة العسكرية في قيادة الجيش المكي وضعف شخصية القائد العام أبي سفيان الذي اتضح فيما بعد أنه لم يكن مسيطرًا سيطرة تامة على كافة قطاعات الجيش.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
أما عدم كفاءة قادة الجيش المكي وعدم خبرتهم العسكرية فقد تجلت بوضوح عندما فشلت وحدات هذا الجيش الضخم (الذي قام بتطويق جمهرة الجيش الإسلامي) في إحكام طوق الحصار وفرضه على قوات المسلمين القليلة المطوّقة واستمراره حتى الإبادة أو التسليم أو حتى التشتيت على الأقل، والحيلولة بين هذا الجيش وبين الاتصال بقائده النبي من جديد.
فقد كانت حادثة التطويق المفاجئة فرصة ذهبية للجيش المكي لم يحسن قادته استغلالها (مع أن كل الظروف والإمكانيات المادية في جانبهم) فقد تمكن المسلمون المطوقون من كسر الطوق المضروب عليهم، والنجاة بأنفسهم من هلاك محقق مقابل عشرة في المائة من مجموعهم سقطوا قتلى ثمنًا لذلك الخلاص وإن العسكريين الخبيرين ليتساءلون (حتى هذه اللحظة) كيف تمكن خمسمائة مقاتل (سادهم الدهش والفوضى والارتباك) من الإفلات من قبضة جيش لا يقل عدده عن ألفين وسبعمائة مقاتل كان زمام الموقف في أيديهم؟؟ إن هذا الذي حدث، هو (دونما جدال) من الأدلة القاطعة على ضعف القيادة في الجيش المكي وجهلها وتفككها
فلو كانت هذه القيادة على مستوى الأَحداث العسكرية (خبرة ومهارة وحنكة) ما استطاع ذلك الجيش الإسلامي الصغير الإفلات من قبضة ذلك الجيش الضخم الذي أطبق عليه (بعد الانتكاسة) من جميع الجهات.
قال صاحب كتاب (الرسول القائد) حول هذا الموضوع:
"ولو كانت قيادة أبي سفيان على شيء من الكفاءة لاستطاع إبادة
[ ٢ / ٢٩٥ ]
المسلمين بعد تطويقهم التام" كما استدل اللواء الركن خطاب على ضعف شخصية القائد العام أبي سفيان بقوله:
"ولم تظهر شخصية هذا القائد في المعركة، كما كانت سيطرته ضعيفة (على ما يظهر) بدرجة أن نساء المشركين مثلن بشهداء المسلمين (دون رغبته) فلم يستطع أن يفعل شيئًا" اهـ.
٤ - عقدة الخوف عند جند مكة
كذلك كان للهزيمة السريعة المذهلة التي أنزلها الجيش الإسلامي بجيش مكة في الصفحة الأولى من المعركة أثر كبير في تخليص المسلمين من ورطة التطويق التي وقعوا فيها.
فقد لازم شبح هذه الهزيمة المخجلة جند أَبي سفيَّان حتى ساعة انتكاسة المسلمين مما أسهم في ترخية الطوق الذي وقع المسلمون داخله بعد الانتكاسة، مما يسر لهم الإفلات.
ذلك أن قوات المشركين قد لاقت الأهوال من جند الإسلام عندما أنزلوا بهم الهزيمة في أول المعركة، وشدو عليهم بقوة وعنف مما شحن نفوسهم فزعًا ورعبًا من المسلمين.
ولم ينقذهم من تدمير شامل وضياع أكيد إلا الغلطة الشنيعة التي ارتكبها رماة المسلمين بتركهم مواقعهم في الجبل قبل نهاية المعركة.
فبينما قلوب الآلاف المؤلفة من جند مكة تركض (فزعًا) بين جنوبهم، وهم ينهبون الأرض منهزمين، أمام بضع مئات من جند المدينة إذا بالمفاجأة المذهلة تسحب رؤوس المشركين من تحت مطارق الهزيمة التي كانت ستسحقهم لولا هذه المفاجأة.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فقد أنقذت حركة خالد المفاجئة المعروفة جند مكة المنهزم فعاد إلى ساحة القتال، ولكنه عاد وصور الأَهوال التي لاقاها من جند الإِسلام لا تزال ماثلة أمامه.
فكان الرعب والفزع من المسلمين (بالرغم من وقوعهم في مأزق التطويق) يشد جند مكة إلى الوراء مما جعل هؤلاء الجند لا يشدون في التعرض للمسلمين المطوقين خوفًا من ضراوتهم التي لمسوها فيهم عندما اصطدموا بهم في الصفحة الأولى من المعركة.
فكانت التجربة الشاقة التي مرّ بها جيش مكة في أول الملحمة مصدرًا لعقدة خوف وفزع من جند الإِسلام، ظلت هذه العقدة مسيطرة على نفوس جند مكة (حتى بعد الانتكاسة) مما جعل كثيرًا من جند الشرك يتحاشون الاصطدام (جديًا) بجند الإسلام المحصورين، مما يسر لهؤلاء المحصورين التخلص والإِفلات الذي لم يدفعوا ثمنًا له سوى عشرة في المائة من مجموعهم، وهو ثمن زهيد بالنسبة لما كان ينتظرهم من فناء أكيد لو لم يفلتوا.
لأن المتوقع (بداهة) أن تبيد هذه القوة الضخمة المحاصرة (التي لا يقل عددها عن ألفين وسبعمائة مقاتل) القوة المحصورة التي لا يزيد عددها عن خمسمائة مقاتل، أو تجبرها على الاستسلام.
ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، والسبب في هذا (من ناحية جيش مكة) هو التراخي الذي مصدره عقدة الخوف من جند الإسلام، وإلا فبماذا يفسر العسكري المنصف إفلات هذه القوة الصغيرة من قبضة تلك القوة الضخمة الهائلة التي كانت (آن ذاك سيدة الموقف؟؟).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
٥ - التأكد من سلامة الرسول
كذلك إذا كان نبأ إشاعة مقتل الرسول - ﷺ - قد فت في عضد جند الإسلام وحطم معنوياتهم، فإن سماع الجند المطوقّ صوته، وهو يناديهم، ومعرفة مكانه، قد أعاد إِليهم روحهم المعنوية وشحن نفوسهم بالعزيمة والإقدام، مما جعلهم يضربون صفوف المشركين المحيطة بهم (بضراوة وعنف) ثم يهتكونها ويشقون طريقهم نحو نبيهم المحبوب، غير مبالين بالضحايا الذين سقطوا أثناء عملية التخلص هذه.
ولو لم يعرفوا مكان نبيهم القائد ويتأكدوا من سلامته لزاد ارتباكهم واشتد اضطرابهم ولساعد ذلك المشركين في التنكيل بالقوة المسلمة المحصورة، ولصعب على المسلمين أن يجمعوا شتاتهم ويعيدوا تنظيمهم بالطريقة السريعة المعروفة التي ساروا عليها في ذلك التجمع والتنظيم، لأن اختفاء القائد العام (في مثل تلك الظروف الحرجة للغاية) يكون له أسوأ الأثر في نفوس عامة الجيش الذين طالما كان اختفاء قائدهم العام سببًا في سحقهم والقضاء عليهم.
ولهذا تجلت عبقرية الرسول العسكرية وبراعته القيادية. يوم أن وقف في تلك اللحظات الحاسمة (مخاطرا بحياته) ونادى جمهرة جنده المحصور بأعلى صوته ليدلهم على مكانه "هلموا إليّ أنا رسول الله" فكان لسماع ذلك الصوت الحبيب أعظم الأثر في تخليص المسلمين المطوقين أنفسهم من قبضة العدو.
٦ - العقيدة
أما العقيدة، فلعله من تحصيل الحاصل (بالنسبة للمسلمين)
[ ٢ / ٢٩٨ ]
القول بأنها السبب الأكبر في تماسك المسلمين وثباتهم بعد النكبة المزلزلة، فلولا تغلغل عقيدة الإسلام الصادقة في نفوس جند المدينة لما ثبتوا (بعد الانتكاسة المروّعة) ذلك الثبات الذي اعتبره كثير من خبراء الحرب نصرًا مؤزرًا سجله جيش يثرب على جيش مكة ..
فالعقيدة دونما جدال، هي المصدر الأول لكل الانتصارات التي حققها الجيش الإسلامي (لا في معركة المصير بعد الانتكاسة في أُحُد) وإنما في جميع المعارك التي خاضها العرب وغير العرب في سبيل الإسلام وتحت رايته.
المشاكل بعد المعركة
لا شك أن مركز المسلمين العسكري والسياسي قد تأثر بعد معركة أُحُد، نتيجة للانتكاسة التي أُصيب بها المسلمون في المعركة.
فبعد أن كانت يثرب وما حولها تخضع لسيطرة المسلمين وترهب سلطانهم، وبعد أن كان خصوم الإسلام (وخاصة السياسيين منهم كاليهود والمنافقين في المدينة) منطوين على أنفسهم منذ انتصار المسلمين في ملحمة بدر، لا يجرأون على معالنة النبي بالعداوة، إذا بهم (بعد معركة أُحُد) يرفعون رؤوسهم ويجاهرون بالعداوة ظنًّا منهم أن المسلمين قد ضعف شأنهم وتلاشي سلطانهم، وظنوا، أنه يمكنهم اغتنام الفرصة لإثارة الشغب عليهم وضربهم سواء كان ذلك داخل المدينة أو خارجها.
وهذا يعني أن ما أصاب المسلمين في معركة أُحُد قد نتج عنه للمسلمين مشاكل داخلية وخارجية لا بد للنبي من مواجهتها والقضاء عليها.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
المشاكل الرئيسية الأربعة
ويمكن تلخيص هذه المشاكل كما يلي:
أ - المنافقون
فقد بدأ هؤلاء المنافقون بإثارة المشاكل وإحداث القلاقل ضد المسلمين بمجرد شروعهم في التهيؤ لملاقاة المشركين في أُحُد.
إذ، انخذل رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بثلاثمائة مقاتل خرجوا لمقاتلة المشركين، فرجع بهم إلى المدينة في أحرج ظرف يمر به الجيش الإسلامي، مغتنمًا هذا المنافق فرصة الأخطار المحيطة بالمسلمين، لعله يساهم بهذه الخيانة في مضاعفة هذه الأخطار التي كان يود أن تؤدي مضاعفتها إلى الإطاحة بحكم الرسول ومحو سلطانه في يثرب التي كان ذلك المنافق (قبل وصول النبي - ﷺ - إلى المدينة مهاجرًا بقليل) مرشحًا لأن يكون ملكًا عليها (١) ذلك أن عبد الله بن أبيّ هذا كان سيدًا من سادات الخزرج الذين يمثلون الأغلبية (دائمًا) في المدينة.
ولكن نجمه أفل وانهارت آماله في التربع على عرش يثرب، عندما
_________________
(١) جاء في سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٩٢ (عند تعرضه لذكر الفتنة القومية التي حاول عبد الله بن أبي إشعال نارها بين المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق) أن النبي ﷺ قال لأسيد بن حضير (أحد زعماء الخزرج)، أو ما بلغك ما قال صاحبك؟؟ فقال وأي صاحب يا رسول الله؟؟ قال، عبد الله بن أبي، قال .. وما قال: قال زعم أنه رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال .. فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال .. أرفق به. فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى إنك استلبته ملكًا ..
[ ٢ / ٣٠٠ ]
جاء الله بنبيه إليها مهاجرًا، إذ تسابقت قبيلتا الأوس والخزرج إلى الدخول في الإسلام والالتفاف حول النبي - ﷺ -، - أمام شخصيته العظيمة المحبوبة - تلاشت شخصية ذلك المنافق الذي كان قاب قوسين أو أدنى من ارتقاء عرش المدينة.
وهذا هو سر ما يحمله ذلك المنافق الكبير من بغض عظيم للنبي - ﷺ - وحقد جارف عليه، فكان (مع تظاهره بالإسلام) يتربص بالنبي ودعوته الدوائر ويتحين الفرص للإطاحة بسلطان الإسلام ورسالته. .
وقد بدأت معركة النفاق (سافرة ضد النبي) بانسحاب عبد الله بن أبي بمن أطاعه من حزب النفاق أثناء تحرك القوات الإسلامية من المدينة نحو أُحد، قال الشيخ محمد الغزالي:
"وهذا من عبد الله بن أُبيّ وحزبه عمل ينطوي على الاستهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف، وتلك أبرز خصائص النفاق" (١).
فوران النفاق بالمدينة
إنه من الملاحظ أن هؤلاء المنافقين (مع حرصهم على القضاء على المسلمين وسنوح الفرصة لهم بوجود الجيش المكي) لم يقوموا بأي عمل عسكري ضد المسلمين وهم يصارعون المشركين في أُحد.
ولا شك أن قادة النفاق (بالمدينة) قد فكروا في الانضمام إلى عسكر مكة ضد النبي (في معركة أُحد) ولكن يظهر أن الذي أثناهم عن ذلك هو
_________________
(١) فقه السيرة ص ٢٠٠.
[ ٢ / ٣٠١ ]
خوفهم أن تدور الدائرة على المشركين، أو يفشل الجيش المكي في القضاء على المسلمين (كما حدث فعلًا في معركة أُحد)، فينزل بهم (أي المنافقين) عقاب الإبادة، لذلك ظلت قلوبهم مع المشركين وسيوفهم على الحياد، في انتظار النتيجة النهائية للمعركة.
غير أن هؤلاء المنافقين اغتنموا فرصة النكبة التي نزلت بالمسلمين في معركة أُحد، فأخذوا يكاشفون النبي بعداوتهم ويعلنون سخريتهم من الإسلام والمسلمين، الأمر الذي ما كانوا يجرأون على الجهر بشيء منه قبل معركة أُحد.
ففي مساء اليوم الذي انتهت فيه المعركة بدأ المنافقون ينظمون حملات دعائية مسمومة ضد النبي ودعوته ويشككون الناس في الإسلام ونبوة محمد - ﷺ -، ويذيعون بأنه ليس نبيًّا (حقًّا) وإنما هو طالب ملك، كما أنهم أيضًا صاروا يبثون سموم التفرقة بين المسلمين، ويوهمون الناس بأن المسلمين (بعد معركة أُحد) قد ضعفوا وأن سلطانهم آخذ في الانهيار.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: وأخذ المنافقون (عند بكاء المسلمين) في المكر والتفريق عن رسول الله - ﷺ - وتحزين المسلمين، وظهر غش اليهود، وفارت المدينة بالنفاق فوران المرجل، وقالت اليهود لو كان نبيًّا ما ظهروا عليه، ولا أُصيب منه ما أصيب، ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه، وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم" أهـ.
ولا شك أن هذه الحملة الدعائية الخبيثة من اليهود والمنافقين
[ ٢ / ٣٠٢ ]
هي مقدمة لعمل عسكري اعتزموا القيام به ضد المسلمين مغتنمين فرصة ما أصابهم في أُحد من جرح وقتيل.
ولكن نجاح حملة حمراء الأسد (١) السريعة التي قام بها النبي (كما تقدم) لمطاردة جيش مكة أثبت لهؤلاء الخصوم بأن المسلمين أثبت وأقوى من أن تنحني هاماتهم أو تتضعضع عزائمهم للمصاب الذي نزل بهم في أُحد، ولذلك خفف هؤلاء الأعداء من غلوائهم في معالنة المسلمين العداء وعادوا (وخاصة المنافقين) إلى التظاهر بالإخلاص للإسلام والرسول مع انطوائهم على بغضهما والكيد لهما.
إهانة رأس النفاق في المسجد
فبعد عودة النبي من حملة حمراء الأسد (ظافرًا) وقف رأس النفاق، عبد الله بن أبيّ في المسجد متظاهرًا بتأييد رسول الله - ﷺ - والدعوة إلى الالتفاف حوله، فقام إليه المسلمون وجرّوه من مكانه، بعد أن أسكتوه وأبلغوه أنه أكذب من أن يصدقه أحد فيما يقول، بعد الذي حدث منه من أعمال وأقوال سيئة ضد المسلمين.
وكأن عبد الله بن أُبيّ بن سلول له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر (شرفًا له في نفسه وفي قومه) وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام (ابن أُبيّ) فقال:
أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذه المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا، أجلس أي عدو الله لست لذلك
_________________
(١) انظر تفصيل هذه الحملة في هذا الكتاب تحت عنوان (حملة حمراء الأسد).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج عدو الله يتخطى رقاب الناس وهو يقول، والله لكأنما قلت بجرًا (١) أن قمت أشدد من أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال .. ما لك؟ ويلك، قال .. قمت أشدّد من أمره فوثب عليّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره، قال .. ويلك أرجع يستغفر لك رسول الله - ﷺ -، قال والله ما أبتغي أن يستغفر لي (٢).
وبعد حادثة تظاهر المنافقين وإعلان فرحتهم بما أصاب المسلمين في أُحد اشتد حذر المسلمين منهم وازدادت يقظتهم.
ب - اليهود
أما اليهود فقد كانوا أكثر إظهارًا للفرح واستبشارًا بما أصاب المسلمين في معركة أُحد، بل إن حادثة أُحد قد أعطت هؤلاء اليهود مزيدًا من الجرأة على المسلمين، فأخذوا (على الرغم من المعاهدة القائمة بينهم وبين النبي) يكيدون المسلمين سرًّا وجهرًا ويتكتلون ضدهم، ويتربصون بهم الدوائر، وصاروا يعدون العدة للانقضاض على المسلمين ظنًّا منهم أنهم قد أصبحوا (بعد نكبة أُحد) ضعفاء، من السهل ضربهم، وأخذ ثارات كعب بن الأشرف وبني قينقاع (٣) منهم.
وكانت أولى أعمال اليهود العدوانية محاولة اغتيال النبي - ﷺ -،
_________________
(١) البجر (بفتح أوله وسكون ثانية) الأمر العظيم.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٠٥.
(٣) انظر في أول هذا الكتاب قصة مقتل كعب بن الأشرف اليهودي وإجلاء بني قينقاع.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
هذه المحاولة التي دبّرها يهود بني النضير، عندما ذهب إليهم النبي - ﷺ -، للاستعانة بهم في دفع دية رجلين من بني عامر لزمت المسلمين، كما سنفصل ذلك عند أول الحديث عن (غزوة الخندق وبني قريظة التي ستكون الكتاب التالي لهذا الكتاب إن شاء الله). وقد اتضح أن اليهود كانوا يعدون العدة لتسديد ضربة شديدة مفاجئة إلى المسلمين داخل المدينة مما أدى إلى إجلاء يهود بني النضير.
جـ - الأعراب
أما البدو الذين لا يبعدون كثيرًا عن المدينة، فقد كانوا - بعد نكبة المسلمين - في أُحد أكثر جرأة على المسلمين واستخفافًا بقوتهم وسلطانهم.
فقد ظن هؤلاء الأعراب (الذين لا يحترمون شيئًا غير القوة) أن ما أصاب المسلمين في معركة أُحد كفيل بأن ييسر لهم القتل والنهب والسلب، فأخذوا يفكرون (جديًا) في الإغارة على المدينة وضرب المسلمين فيها، ظنًّا منهم أن كل ما فيها أصبح (بعد نكبة المسلمين في معركة أُحد) غنيمة باردة لهم.
فقد سارعت عدة قبائل في التجمع للإغارة على المدينة، وهدم سلطان المسلمين فيها، وكانت بنو أسد (١) (وهم من قبائل نجد القوية) أول من تحرك من القبائل للإغارة على المدينة (بعد معركة أُحد مباشرة).
كما تحركت أيضًا قبائل هذيل (٢) بقيادة خالد بن سفيان
_________________
(١) هم بنو أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عبدنان، ومنهم قبيلة عنزة بن أسد وجديلة بن أسد.
(٢) تقدمت ترجمة هذه القبيلة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وتجمع كذلك بنو ثعلبة وبنو محارب من قبائل غطفان لغزو المدينة في ذلك الظرف الدقيق.
د - قريش
أما قريش فقد طارت فرحًا بنتائج أُحد على الرغم من أن نتائجها لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارًا تعبويًا، بينما كانت نتائجها فشلًا سوقيًا (١) عليهم (أي أن انتصارهم كان ظاهريًا فقط بينما كانت حقيقته فشلًا لهم (٢).
ومع هذا فقد ذهبت قريش (بما لديها من وسائل الدعاية والنشر) تضخم من معاني هذا النصر الإسمى بين العرب، وتشن حربًا دعائية ضد هيبة المسلمين وسلطانهم، فتهون من شأنهم في نفوس سكان الجزيرة العربية، الذين كانت نفوسهم قد امتلأت بهيبة المسلمين كنتيجة لمعركة بدر الحاسمة التي سحق الجيش الإسلامي فيها جيش مكة المشرك سحقًا كاملًا ذهلت له الجزيرة بأكملها.
ولقد توسعت قريش في دعاياتها الحربية (ضد المسلمين) بعد معركة أُحد، وطارت قصائد شعرائها (والشعر في ذلك العصر كان أهم وسائل الإعلام) تشيد بالنصر الذي تم لها في معركة أُحد، وتتوعد المسلمين وتهددهم، وتحط من قيمتهم العسكرية مما كان له أثر في استخفاف كثير من قبائل العرب بالمسلمين والتهيؤ لضربهم في المدينة.
_________________
(١) الانتصار التعبوي انتصار محدود في موضع محدود لوقت محدود لا أثر له مصيري أما الانتصار السوقي (بفتح السين وسكون الواو) فله أثر حاسم على نتائج المعركة هكذا عرفه اللواء الركن محمود شيت خطاب .. انظر كتابه (الرسول القائد).
(٢) الرسول القائد ص ١٣٠ ط ٢.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
استعداد قريش لغزو المدينة من جديد
غير أن قادة قريش كانوا (في قرارة أنفسهم) موقنين بأن نصرهم في أُحد لم يكن نصرًا حقيقيًّا، لأنه لم يخضد شوكة المسلمين ولم يهدم سلطانهم، كما كانت تهدف قريش من حملتها التي قامت بها إلى أُحد.
ولذلك فقد أخذ القرشيون (منذ رجوعهم من أُحد) يعدون العدة لضربة أوسع وأعمق يوجهونها إلى المسلمين للقضاء عليهم (داخل المدينة نفسها).
وقد بذل قادة قريش جهودًا جبارة لإنشاء اتحاد عسكري بينهم وبين أقوي القبائل في الجزيرة العربية لغزو المدينة والإطاحة بالمسلمين نهائيًا، وقد نجح زعماء قريش في مساعيهم فتم إنشاء هذا الاتحاد العسكري بين قريش وبين أقوى القبائل العربية (وخاصة قبائل نجد).
وفي ظل هذا الاتحاد العسكري الخطير زحفت (بقيادة أبي سفيان بن حرب) بعشرة آلاف مقاتل صوب المدينة لسحق المسلمين فيها، وذلك في الغزوة المعروفة (بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب) ..
كيف جابه الرسول الموقف؟
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم (بعد نكبتهم في أُحد) وسط سلسلة من المشاكل الداخلية والخارجية.
فقد جعل المسلمون (منذ هجرة الرسول) من المدينة قاعدة أمينة قوية لنظام حكمهم الجديد ومنطلقًا لدعوتهم الفتية، ولكن انتكاستهم في أُحد (عسكريًا) جعلت هذه القاعدة تحاط بالأخطار من كل جانب في الداخل والخارج.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فقد تجرأ عليهم الأعراب، إذ همّوا بالإغارة على المدينة، وصار المنافقون واليهود (داخل المدينة نفسها) مصدر قلق وإزعاج للمسلمين وذهبت قريش تعد العدة لضرب المسلمين ضربة قاتلة في عقر دارهم.
وهكذا تحالفت المحن والبلايا ضد المسلمين من جديد - بعد معركة أُحد - كنتيجة للنكبة التي أصابت المسلمين في هذه الغزوة.
غير أن الرسول - ﷺ - (أمام هذه المشاكل الخطيرة) لم يستسلم لليأس ولم يفت في عضده فداحة المصاب الذي نزل بجيشه في وقعة أُحد، بل سارع (في هداية النبي وحنكة القائد ويقظة الشجاع) إلى القيام بأعمال عسكرية حاسمة سريعة، كانت غاية في النجاح، أعاد بها النظام، واستعاد بها هيبة المسلمين وأمن قاعدتهم الكبرى (المدينة). فمن ناحية البدو المتحفزين للهجوم على المدينة، فقد سارع الرسول - ﷺ - إلى تأديبهم وضربهم في ديارهم حيث جرد عليهم حملات عسكرية خاطفة، أوقعت بهم في منازلهم قبل أن يتحركوا منها نحو المدينة فشتت شملهم وخضد شوكتهم وملأ نفوسهم فزعًا ورعبًا.
أما اليهود الذين سارعوا (بعد معركة أُحد) إلى إثارة القلاقل وحبك المؤامرات ضد المسلمين فقد تنبه الرسول - ﷺ - لهم وطهّر المدينة من رجسهم حيث سارع إلى نفيهم من المدينة، وهؤلاء اليهود، هم بنو النضير (١) الذين أجلاهم الرسول من يثرب بعد حصار دام عشرين
_________________
(١) بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع وكل يهود يثرب، هم من سبط لاوى بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخو موسى ﵉ ولهذا قال الرسول ﷺ لصفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين (وهي من أصل يهودي) تزوجها الرسول ﷺ بعد أن قتل زوجها (وهو من زعماء اليهود في معركة خيبر) قال لها ﷺ لما ذكرت له كلامًا قالته فيها عائشة وحفصة ﵄ .. ألا قلت وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى؟
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ليلة كما سنفصل ذلك في الكتاب القادم إن شاء الله.
أما المنافقون فقد عادوا كعادتهم - بعد هذه العمليات الحاسمة التي قام بها النبي ضد الأعراب واليهود والقرشيين في حملة حمراء الأسد إلى السكون والاستخذاء وانطووا على أنفسهم متظاهرين بالإسلام والولاء الرسول - ﷺ -، ومع هذا فإن الرسول - ﷺ - لم يتعرض لهم بأي أذى لأنهم كانوا (في ظاهرهم) مسلمين، غير أن المسلمين ظلوا يرقبونهم في يقظة وحذر.
وبهذه الأعمال السريعة الحاسمة التي قام بها النبي - ﷺ - ضد اليهود والأعراب والمنافقين، استعاد المسلمون هيبتهم وعادت لهم السيطرة التامة على المدينة ونواحيها، وتمكن الرسول القائد الحكيم من القضاء على كل المشاكل الرئيسية التي واجهها المسلمون بعد انتكاستهم في معركة أُحُد.
وظل المسلمون سادة الموقف في منطقة يثرب (بلا منازع) إلى أن قام الأحزاب بهجومهم الكبير على والمدينة الذي اشتركت فيه أقوى القبائل العدنانية، والذي باء بالفشل الذريع في النهاية كما سنفصل ذلك في (غزوة الخندق وبني قريظة) إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وآله الطيبين وأصحابه الأوفياء الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ملحق واستدراك
بعد أن أصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب تلقيت خطابًا من الصديق الحميم المجاهد الدكتور محمد حميد الله أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة السربون بفرنسا، لفت نظري فيه إلى أنني أخطأت إذ رسمت خارطة المعركة على أساس أنها دارت شرقي جبل الرماة وأن جيش مكة قد عسكر هناك.
ولفت نظري إلى أن كل المصادر التاريخية تؤكد بوضوح أن جيش مكة قد سلك في زحفه وادي العقيق الواقع غرب المدينة، ثم عسكر في السبخة الواقعة بقرب جبل الرماة مما يلي الغرب، وأن المعركة لذلك لا بد أن تكون قد دارت غربي جبل الرماة لا شرقيه كما في الخريطة التي رسمتها في أول الكتاب.
وقد تفضل الأستاذ الكبير عبد القدوس الأنصاري كذلك ولفت النظر أيضًا إلى أن النبي - ﷺ - قد ترك جيش المشركين عن يساره إلى الغرب عندما خرج به نحو الشعب وذلك في مجلة المنهل الجزء الثاني في صفر ١٩٨٤ هـ وهذا يعني أن الأستاذ الأنصاري يتفق مع الدكتور حميد الله في تعقيبه.
كما تفضل الأستاذ الكريم الشريف إبراهيم بن علي العياشي ونشر في مجلة المنهل المجلد ٢٥ جمادى الأول ١٣٨٤ هـ تعقيبًا تحت عنوان (نقد وتحليل) اتفق فيه مع الدكتور حميد الله والأنصاري بهذا الصدد
[ ٢ / ٣١٠ ]
والحقيقة أني كنت أميل إلى هذا الرأي وقد رسمت خارطة المعركة (أول الأمر) على أساس أن معسكر قريش كان غربي جبل الرماة وأن المعركة قد دارت هناك وذلك على أساس القراءة المجردة لتفاصيل المعركة ومقدماتها في أمهات التاريخ.
ولكنني عندما ذهبت إلى المدينة (خصيصًا) لأتفقد مواقع المعركة وقمت بدراسة المنطقة فتسلقت جبل أُحد، وجلت في أنحاء الوادي، وتسلقت جبل الرماة، رجعت عن الرأي الأول، فبدلت خارطة المعركة ورسمتها على أساس أنها دارت شرقي جبل الرماة، وقد كنت (ساعة تفقد مواقع المعركة) أصحب أحد الإخوة الكرام من أهل المدينة ومن ذوي المعرفة بتاريخ تلك المنطقة، فأكد لي أن المعركة إنما دارت شرقي جبل الرماة وعضد رأيه بحجج اعتبرتها (يوم ذاك) من الناحية الاستراتيجية وجيهة فكان هذا أول تحول عن الرأي الأول.
ومما جعلني أرجح - من الناحية الاستراتيجية فحسب - أن المعركة دارت شرقي جبل الرماة:
١ - أن المكان الواقع اليوم شرقي جبل الرماة أصلح للقتال (بالنسبة لجيش مكة الضخم) من المكان الوقع غربيه وذلك لسعة المكان الواقع شرقي الجبل وصلابة أرضه وعدم وجود أي عائق طبيعي ذي بال ورخاوة المكان الواقع غربي الجبل وكثرة العوائق الطبيعية، مما يجعل قريشًا تفضل نقل معسكرها إلى ذلك المكان الواقع شرقي الجبل.
٢ - المسافة التي تقع بين جبل الرماة الذي تمركزت فيه الحامية الإسلامية من رماة النبل وبين سفوح جبل أُحد الشمالية الشرقية بعيدة
[ ٢ / ٣١١ ]
بحيث لا تستطيع نبال الحامية السيطرة عليها تمامًا مما يسهل الخيل المشركين التسرب بحرية إلى داخل الشعب لضرب مؤخرة المسلمين دون أن تنالهم نبال الحامية، فاضطرت القيادة الإسلامية إلى أن تحمى ظهرها من الناحية الشمالية الغربية بجبل أُحد وتجعل مضيق وادي قناة الواقع بين جبل أُحد وجبل الرماة تحت سيطرة الحامية المتركزة في جبل الرماة لصد أي هجوم يقوم به الخيالة (عندما يلتحم الفريقان) لضرب مؤخرة الجيش الإسلامي من ناحية الغرب عن طريق المضيق المشار إليه.
هذه هي الأسباب التي جعلتني أرجح أن تكون المعركة قد دارت (أول الأمر) شرقي جبل الرماة، وهي مجرد ترجيحات لا سند لها إلا النظرة العامة لمواقع المعركة .. أما مصادر التاريخ فلم يأت تحديد دقيق فيها بأن المعركة دارت شرقي جبل الرماة إلا أن المؤرخين مجمعون على أنها دارت حوالي جبل الرماة وبالقرب من جبل أُحد، ولا يستبعد أن يكون نطاق المعركة قد اتسع فشمل شرقي جبل الرماة.
وعلى العموم فإنني (كباحث يهمني أكثر من أي شيء نقل الحقائق التاريخية إلى القارئ كما هي) لما تلقيت خطاب الدكتور الفاضل محمد حميد الله واطلعت على ما عقب به الأستاذان الكريمان (الأنصاري والعياشي) أعدت النظر وراجعت موقع المعركة من جديد ودققت في المصادر التاريخية فاتضح لي صحة ما أشار إليه هؤلاء الإخوة الباحثون الأفاضل، لا سيما بعد أن رأيت في طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٣٩ أن النبي - ﷺ - قد جعل أُحدًا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل جبل الرماة (الجاثم في بطن وادي قناة) عن يساره، وهذا يعني
[ ٢ / ٣١٢ ]
خريطة ميدان أُحُد
[ ٢ / ٣١٣ ]
بالتأكيد، أن النبي - ﷺ - قد صف جنوده في الطرف الغربي من الشعب جاعلًا ظهر جيشه إلى جبل أحُد وصدره في اتجاه معسكر مكة الواقع غربي جبل الرماة (كما هو موضح في الخريطة المرسومة في هذا الملحق (١) والتي تغاير الخريطة الأولى من بعض الوجوه). فصارت مؤخرة جيشه محمية بهضاب جبل أُحُد وميمنته بسفوحه، أما ميسرته فقد كانت محروسة بحامية جبل الرماة الذين بتمركزهم سيطروا على المضيق المهم الواقع بين جبل الرماة وجبل أُحد، هذا المضيق الذي صار (تمامًا) خلف ظهر الجيش الإسلامي عندما أنزل الهزيمة بجيش الشرك واندفع يتعقب فلوله، وانقض على المسلمين خالد بن الوليد بخيالته من الخلف عن طريقه بعد أن انسحب أكثر الرماة من الجبل وتركوا هذا المضيق المهم دونما حراسة.
وإني إذ أقرر هذه الحقيقة وأرجع إلى الرأي الصائب الذي أبداه الإخوة الباحثون الأفاضل (الدكتور حميد الله والأستاذان الأنصاري والعياشي) فإني أزجي لهؤلاء الإخوة الكرام خالص شكري وتقديري وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما فيه خير الإسلام والمسلمين وأن يهدينا جميعًا سواء السبيل.
[ ٢ / ٣١٤ ]
محمد أحمد باشميل
من معارك الإسلام الفاصلة
- ٣ -