المطبعة السلفية - ومكتبتها
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة ٨٤٠٣٦٤
[ ٣ / ١ ]
(الطبعة السادسة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م)
حقوق الطبع محفوظة
[ ٣ / ٢ ]
غزوة الأحزاب
[ ٣ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيد الأبرار، نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار وصحابته الذين هاجروا إلى الله والذين آووا ونصروا، رهبان الليل وفرسان النهار.
وبعد، لقد منَّ الله تعالى علينا فأصدرنا (بعونه وتوفيقه) كتابنا الأول (غزوة بدر الكبرى) وكتبانا الثاني (غزوة أُحد)، وهما حلقتان من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي اعتزمنا بعون الله تعالى إصدارهما تباعًا.
ويسرني اليوم أن أتقدم إلى القراء الكرام بهذا السفر الجديد (غزوة الأحزاب)، وهو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، والذي سيتلوه (قريبًا إن شاء الله) الكتاب الرابع، عن معركة تصفية العنصر اليهودى وتخليص الجزيرة العربية من شروره وآثامه ومؤمراته التي لم تنته إلا بضرب هذا العنصر الخبيث ضربة صاعقة في أوكاره (في خيبر وبنى قريظة في المدينة).
١
إن هذا الكتاب كسابقيه (غزوة بدر الكبرى) و(غزوة أُحدُ) لن يقتصر في محتواه على تفصيل حوادث معركة الأحزاب فقط، بل سيحتوى
[ ٣ / ٥ ]
ملخص دقيق لكل الأحداث السياسية والعسكرية التي عاشها المسلمون ما بين (غزوتى أحد والأحزاب).
ومن ذلك سبع حركات عسكرية سريعة قام بها الجيش الإسلامى (أكثرها بقيادة النبي - ﷺ - نفسه) لتعزيز مركز المسلمين وتوطيد هيبتهم التي اهتز مركزها في النفوس وأخذ الأعراب يطمعون في الإغارة على المدينة، نتيجة الانتكاسة العسكرية التي أصابت المسلمين في معركة أُحد.
٢
سيتضح للقارئ الكريم (من تتبع أحداث غزوة الأحزاب هذه، ودراسة تفاصيل أسبابها ومسبباتها وبواعثها وغاياتها) أن هذه الغزوة الخطيرة المريعة، ليست في (حقيقتها) إلا حملة يهودية صرفة، قد مونت بأموال إسرائيلية، وجاءت وفق تصميمات دقيقة مدروسة محكمة، وضعها مفكرون إسرائيليون تطفح نفوسهم بالحقد القاتل على الإسلام ونبي الإسلام.
فهذه الغزوة التاريخية الخطيرة، وإن كانت (في الشكل والمظهر) تحمل الطابع العربي (القرشي والغطفانى) إلا أنها - في أهدافها العميقة ومراميها البعيدة وغاياتها الخبيثة - هي غزوة يهدية (لحمًا ودمًا).
فكل الأدلة القاطعة، قد تقاطرت على أن هذه الغزوة - عندما وجهت لإبادة المسلمين وتهديم كيانهم من الأساس- لم يكن لها من محرك حقيقى
[ ٣ / ٦ ]
فعال - منذ بدأت حتى فشلت - سوى اليهود واليهود فقط.
٣
لقد كان حرص اليهود على الإطاحة بالمسلمين والقضاء على الإسلام ذاته، قديمًا، قدم الصراع بين اليهودية والإسلام، هذا الصراع الذي كان قد بدأ منذ اللحظة التي بزغت فيها شمس الإسلام.
ولكن هذا الصراع الذي لم يتخذ طابع الوضوح والعنف، إلا عندما وصل النبي - ﷺ - إلى المدينة. وأخذ حلفاء اليهود (الأوس والخزرج) يتسابقون إلى الدخول في هذا الدين بسوعة أذهلت اليهود وأقلقت بالهم وأقضت مضاجعهم.
لأنهم بمجرد وصول النبي - ﷺ - إلى يثرب شعروا باهتزاز سلطانهم الفكرى والسياسى والمالى الذي به كانوا يسيطرون على سكان يثرب وما جاورها منذ قرون عديدة، وذلك لأن هؤلاء العرب (سواء فى يثرب أو ما جوروها) كانو (في الجاهلية) دون اليهود فيما يختص بالثقافة ومعرفة الأديان، والخبرة الاقتصادية وأساليب جمع المال وكنزه، فكان اليهود (لسذاجة هؤلاء الأعراب) يتحكمون فيهم اقتصاديًا، عن طريق قروض الربا، التي هي دعائم اقتصاد اليهود في كل عصر وزمان، بالإضافة إلى أن هؤلاء اليهود كانوا (قبل الإسلام) مرجعًا لهؤلاء الأعْراب في كثير من استفساراتهم الروحية، فكان ذلك مصدر سلطانهم على المنطقة.
ولذلك (وحسدًا للنبي - ﷺ -) قاموا بعدة محولات لتنفير العرب عن
[ ٣ / ٧ ]
الدين الجديد بشتى وسائل الكذب والتشكيك والإرجاف وكانت هذه محاولاتهم الأولى لمقاومة دعوة الإسلام.
ولكنهم فشلوا في هذه المحاولة فشلًا ذريعًا، حيث لم يمر على قلوم صاحب الرسالة العظمى محمد - ﷺ - إلى يثرب، ستة أشهر حتى أصبح أكثرية عرب هذه المنطقة يدينون بالإسلام، ويبذلون المهج والأرواح في سبيل حمايته ونصرته، الأمر الذي جعل اليهود يلجأون إلي العنف.
وفي خلال أربع سنوات قام اليهود للتخلص من الإسلام وحامل (رسالته) بعدة محاولات جريئة يائسة، ولكن هذه المحاولات كلها فشلت وعادت على هؤلاء اليهود بنتائج عكسية حيث كانت هذه المحاولات العدوانية سببأ في نفى قبيلتين كبيرتين من هؤلاءاليهود عن المدينة (هما بينو قينقاع وبنو النضير) (١).
وكانت آخر محاولة عدوانية خطيرة قام بها اليهود هي محاولة بنى النضير اغتيال النبي - ﷺ - وهو آمن في ديارهم، الأمر الذي أدى إلى ضرب الحصار وإجلائهم عن يثرب وذلك قبل معركة الأحزاب بستة أشهر فقط، ولقد نزل بنو النضير مدينة خيبر التي كانت - منذ القدم - مركزًا للتجمع اليهودى.
٤
لقد كان يهود بنى النضير من أغنى أغنياء اليهود، وكانوا
_________________
(١) سيأتي تفصيل حادثة إجلاء بنى النضير في هذا الكتاب إن شاء الله.
[ ٣ / ٨ ]
يتحكمون في اقتصاد منطقة يثرب وما جاورها تحكمًا كاملًا، وكان زعماؤهم - بالإضافة إلى هذا - يمتازون بالدهاء والمكر والحقد العارم على النبي - ﷺ - خاصة (١).
ولم يكن النبي - ﷺ - شديدًا في معاملتهم عندما نفاهم من المدينة بعد ضرب الحصار عليهم، فقد سمح لهم بأن ينقلوا معهم كل ما يقدرون على حمله من الأموال، ومن المعروف عن اليهود منذ القدم أن أكثر ما يكنزونه هو الذهب والفضة.
ولهذا فقد أوقر هؤلاء اليهود عشرات الجمال وحملوا معهم كل ما يملكون من ذهب وفضة وهو شيء عظيم، حتى إن أحد زعمائهم
_________________
(١) روى ابن إسحاق في السيرة عن صفية (أم المؤمنين) وهي بنت حيى بن أخطب كبير زعماء يهود بنى النضير، قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمى ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذانى دونه، قالت .. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل (قبا) في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيى بن أخطب، وعمى ياسر بن أخطب مغلسين، قالت فلم يرجعا، حتى كانا مع غروب الشمس، قالت .. فأتيا كالين كسلاتين ساقطين، يمشيان الهوينا. قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله مالتفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت .. فسمعت عمى ياسر يقول لأبي حيى بن أخطب: أهو، هو؟؟ . (يعى النبي ﷺ). قال نعم والله. قال أتعرفه وتثبته؟؟ . أي مما تجد من صفاته في التوراة؟ . قال نعم. قال فما في نفسك منه؟؟ . قال: عداوته (والله) ما بقيت. ومن خلال هذا الحديث الذي دار بين زعيمى بن النضير يتضح للقارئ مدى البغض الشديد والحقد العارم الذي ينطوى عليه هؤلاء اليهود للنبي ﷺ ومدى تصميمهم على التخلص منه مهما كانت الوسائل التي يكون بها هذا التخلص.
[ ٣ / ٩ ]
(هو سلام بن أبي الحقيق) حمل معه عند الجلاء خزينة كبيرة (جلد ثور) مملوءة ذهبًا وفضة، وكان يضرب على هذه الخزينة قائلًا (وكأنه يهدد المسلمين بالغزو): "هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها".
ولقد حاول اليهود (فعلًا) - عن طريق سلطانهم المالى - أن يخفضوا الأرض ويرفعوها، فلم تمضى على إقامتهم في منفاهم الجديد (خيبر) ستة أشهر حتى خرجوا بمخطط جهنمى رهيب، يهدفون من وراء تنفيذه إلى سحق المسلمين في المدينة سحقًا كاملًا ليستعيد بنو إسرائيل (من جديد) سيطرتهم على منطقة يثرب.
فقد رسم اليهود في (خيبر للتخلص من المسلمين في يثرب) مشروع غزو كبير، تقوم به قوة ضاربة متحدة من أقوى القبائل العربية المعادية للإسلام (وخاصة قريش وغطفان).
ولتحقيق هذ المشروع الخطير التي رسمت خطوطه في (خيبر) قام زعماء اليهود وعلى رأسهم (حُيى بن أخطب سيد بنى النضير) بالسفر إلي مختلف الأقاليم العربية في الجزيرة وطافوا على مختلف القبائل واجتمعوا بزعمائها شارحين لهم تفاصيل مشروعهم الكبير ومثيرين فيهم روح العداوة للمسلمين، مستخدمين (في الدرجة الأولى سلاح المال، سلاح اليهود الرئيسى في كل عصر وزمان) الأغراء لزعماء الأعراب وشرائهم بالرشاوى ليستجيبوا لهم، حتى إن هؤلاء اليهود جعلوا لقبائل غطفان النجدية جميع ما أنتجته (خيبر) من ثمار لسنة واحدة مقابل قبول هذه القبائل المشروع اليهودى والموافقة عليه.
[ ٣ / ١٠ ]
ولقد نجح اليهود نجاحًا كبيرًا في مهمتهم، حيث وافقت قريش وغطفان (وهم أقوى وأعظم قبائل الجزيرة) على مشروع اليهود لغزو المدينة.
ولم يعد وفد خيبر من رحلته إلا وهو على رأس عشرة آلاف مقاتل (أربعة آلاف من قريش وأحلافها، وستة آلاف من غطفَان وأحلافها).
وقد أنزل اليهود هذه الجيوش العظيمة بأطراف المدينة .. وأحلام العودة إلى المدينة والسيطرة عليها من جديد تستولى على كل مشاعرهم.
والحق أن عملية الغزو هذه كانت عملية منظمة مركزة مخيفة، فكان كل شيء في الظاهر عند وصول جيوش الأحزاب يوحى بأن أيام الكيان الإسلامى كله أمام هذا الغزو الساحق الرهيب، أصبحت معدودة.
ولم لا؟ .. عشرة آلاف مقاتل من فرسان العرب وشجعانهم مجهزة أحسن تجهيز يساندها رأس المال اليهودى المخيف ويخطط لها الفكر الإسرائيلى الخبيث، تُطبق من كل ناحية على ألف مقاتل من المسلمين، ينقصهم كل شيء إلا الإيمان بالله .. ولكن الله غالب على أمره.
٥
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
[ ٣ / ١١ ]
إن هذه الآية (وهي تصف أهوال غزوة الأحزاب) تعبر في إيجاز أبلغ من التفصيل - أصدق تعبير عن مدى خطورة هذه الغزوة، ومدى ما تعرض له المسلمون فيها من عظيم الكرب وشدة القلق والخوف والفزع الذي بلغ بهم حد الاختناق.
لقد تحدث القرآن الكريم عن متاعب المسلمين في كثير من معارك التحرير الكبرى التي خاضها المسلمون بقيادة نبيهم الأعظم - ﷺ - كبدر وأُحد وحنين، ولكنه لم يذكر أن حالة الجيش الإسلامي قد بلغت بهم من الكرب والشدة والرعب إلى الدرجة التي تحدث عنها في غزوة الأحزاب هذه.
فمعركة الأحزاب (إذن)، وإن لم يكن جرى فيها كبير قتال، هي (بشهادة القرآن الكريم) أخطر معركة في تاريخ الإسلام، وهي بحق معركة المصير.
إنها (فعلًا) لم تكن معركة فضل فيها الرمح والسيف، ولكنها كانت معركة أعصاب، كان السلاح الرئيسى الذي واجهه المسلمون فيها هو الخوف والرعب والقلق والإرجاف والانقسام والغدر والخيانة في الساعات الحاسمة.
وفاعلية هذا السلاح تكون في المعارك (غالبا) أشد من فاعلية السيف والرمح والسهم.
لقد أجمع المعنيون بأخبار معارك الإسلام على أن المسلمين لم يكونوا على درجة من الخوف والشدة والقلق والجزع والاضطراب، مثلما كانوا عليه في غزوة الأحزاب.
قالت أم المؤمنين (أم سلمة - ﵂): "شهدت مع
[ ٣ / ١٢ ]
رسول الله - ﷺ - مشاهد فيها قتال وخوف .. المريسيع وخيبر، وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين، لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله - ﷺ - ولا أخوف عندنا من الخندق (تعنى معركة الأحزاب)، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة (الشجرة الصغيرة الملتف عليها الشجر من كل ناحية) وأن قريظة لا نأمنها على الذرارى، فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصبحوا خوفًا، حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا" أهـ.
٦
وبينما كان المسلمون في أمر عظيم من الكرب والشدة والامتحان إذا بحلفائهم يهود بنى قريظة (الواقعة منازلهم خلف خطوط الجيش الإسلامي) يعلنون - في خسة ونذالة - نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين، ويعلنون انضمامهم إلى جيوش الأحزاب الغازية، فيصبحون (وهم ما يقرب من ألف مقاتل) قوة ثانية مستعدة لضرب مؤخرة الجيش الإسلامي الصغير الذي لا يزيد عدده (في أصح، التقديرات) على ألف مقاتل، والذي قد وقف بأكمله لمواجهة عشرة آلاف مقاتل تهدده أمواجها بالغرق في كل لحظة.
وهكذا تضاعف الكرب وازداد البلاء على المسلمين واستحكمت فصول المحنة، ولم يقف الكرب والبلاءُ والامتحان عند هذا الحد، بل أبي الله (لحكمة يعلمها) إلا أن يبلغ الكرب والبلاءُ والامتحان بجيش المدينة الذروة.
[ ٣ / ١٣ ]
فقد ظهرت (في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة) داخل الجيش الإسلامي نفسه قوة ثالثة أعلنت التمرد وظهر رجالها على حقيقتهم جبناء رعاديد يظهرون ما لا يبطنون، وهم المنافقون الذين أخنوا (في تلك اللحظات الحاسمة من ساعات المصير) ينسحبون من صفوف الجيش متذرعين بشتى الأعذار تاركين النبي - ﷺ - والقلة من صفوة أصحابة في مهب العاصفة المدمرة.
وهكذا هزَّت المحن والبلايا جيش محمد، في غربالها بعنف من جديد فتساقط من ثقوب هذا الغربال من تساقط، من ضعاف الإيمان.
ولم يبق بجانب النبي الأعظم - ﷺ - في تلك الليالى الرهيبة المرعبة، إلا ذلك النوع من الرجال الذين عندما اهتز غربال المحن والبلايا كانوا أكبر من ثقويه فضاقت عن أن تستوعبهم فيسقطوا، لأنهم كانوا (بإيمانهم ويقينهم) أعظم من تلك المحن والخطوب وأكبر من البلايا والكروب، فقد ثبتت للك الصفوة المختارة من صحابة محمد - ﷺ - مع نبيها العظيم - ﷺ - أمام للك الخطوب والأهوال التي تنخلع لها القلوب، وقاوموا ذلك الغزو الساحق الرهيب، بصبر وجلد منقطع النظير حتى جاءهم النصر من عند الله فهزم الأحزاب، وجنت قريظة الغادرة ثمار غدرها وخيانتها فدفعت ثمن هذا الغدر والخيانة غاليًا، رؤوس ثمانمائة من رجالها قطعت بأيدى المسلمين بعد محاكمة عادلة نزيهة.
إن النظر بتفهم ووعى وتبصر في مواقف أصحاب محمد - ﷺ -، من حوادث معركة الأحزاب الرهيبة مع التطبيق يمكن (بل يجب) أن يكون قاعدة لكل العقائد بين الذين يريد ون (صادقين لا متاجرين) أن يتحملوا مسئولية الدعوة إلى الله والنضال في سبيل إعلاء كلمة الله.
[ ٣ / ١٤ ]
فبالنظر في تفاصيل حوادث هذه المعركة المثيرة سيرى شباب الإسلام العقائدى وكهوله الصادقون، كيف يكون الثبات على الحق وكيف يكون النضال والتضحية والفداء، في سبيل حماية ورفع راية الدعوة الإسلامية التي كثر الضجيج (في زماننا هذا) باسمها ولكنه ضجيج كضجيج الرحى الذي يصم الآذان دون أن يرى الناس له طحنًا.
فإلى كل المناضلين الصادقين في سبيل البعث الإسلامي الصحيح (أينما كانوا ومن أي لون أو جنس كانوا) نتقدم بهذا السفر من تاريخ أولئك العظماء الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقامت على قواعد جهادهم الحق ونضالهم الصادق أعظم وأعدل دولة عرفها التاريخ، فعسى أن يستفيد المناضلون الأحفاد من درس تاريخ أولئك البناة الاجداد، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محمد أحمد باشميل
مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية
شهر صفر ١٣٨٥ هـ - يونية ١٩٦٥ م
[ ٣ / ١٥ ]
الفصل الأول
الفصل الأول مجمل الأحداث العسكرية والسياسية بين معركتي أحد والأحزاب
* ست حملات عسكرية يقوم بها النبي - ﷺ - لتأديب الأعراب قبل غزوة الأحزاب.
* محاولة بني النضير اغتيال النبي - ﷺ -.
* إجلاء هؤلاء اليهود عن المدينة.
* محاولة المنافقين إثارة الحرب الأهلية بين المسلمين.
* حديث الإفك.
الأثر السييء بعد معركة أحد
بالرغم من الهزة العنيفة التي تعرض لها المسلمون بعد انتكاستهم العسكرية في معركة أحد، فإنهم ظلوا مسيطرين على الموقف سيطرة تامة.
لاسيما بعد الحركات العسكرية السريعة الناجحة التي قام بها جيش المدينة - بعد معركة أُحد.
إن أهم الأحداث السياسية للمسلمين. بعد معركة أُحد، هي أن مركزهم في منطقة يثرب خاصة والجزيرة العربية عامة، قد تأثر تأثرًا
[ ٣ / ١٧ ]
ملموسًا كنتيجة حتمية لانتكاستهم العسكرية الموجعة في موقعة أحد.
- فقد انخفضت نسبة هيبتهم في نفوس القبائل العربية الباقية على الوثنية وفي نفوس اليهود والمنافقين الذين كانوا قد امتلأت نفوسهم رعبًا وفزعًا من المسلمين بعد انتصارهم الساحق في معركة بدر الكبرى الشهيرة.
ولم تخف على المسلمين هذه الحقيقة المُرة، فصار المسلمون يبذلون قصارى جهدهم (عسكريا وسياسيا) ليثبتو عمليا) لهؤلاء الأعداء بأنهم مخطئون جدًّا، إذ يظنون أن المسلمين - بعد معركة أحُد - من الضعف بحيث يقدرون على النيل منهم.
وليثبتوا لهم أنهم (أي المسلمين) قادرون على سحق كل من تحدثه نفسه بالاعتداء عليهم قاموا بحركات عسكرية سريعة ناجحة أنزلوا فيها بالأعداء ضربات زلزلت معنوياتهم زلزالًا شديدًا وجعلتهم يصححون مفاهيمهم الخاطئة عن مدى قوة المسلمين العسكرية وترابطهم السياسى والمعنوى، وخاصة المعسكر القرشى واليهودى الذين شهد و(قبل غيرهم) أول حركة عسكرية بارعة رائعة ناجحة قام بها المسلمون ليثبتوا للأعداء أن وجودهم العسكرى والسياسى والعقائدى لا يزال على ما كان عليه من القوة والمتانة، وأن أحداث الانتكاسة في موقعة أُحد لم يكن لها أي تأثير على هذا الوجود.
حملة حمراء الأسد
وكانت هذه الحركة التي نعنى هي حملة حمراء الأسد التي قام بها
[ ٣ / ١٨ ]
النبي - ﷺ - صبيحة اليوم الذي دارت فيه معركة أُحد، فطارد جيش مكة الذي وصله خبر هذا الحملة وهو معسكر في فج الروحاء يعتزم الرجوع إلى المدينة لاستئصال شأفة المسلمين، فدبَّ الفزع في نفوس قادته لحركة المطاردة الجريئة هذه، فلم يعدلوا عن الزحف على المدينة فحسب، بل لقد انتابهم الخوف فجبنوا عن ملاقاة جيش المدينة الذي خرج لمطارتهم والذي ظنوه قد تحطم تحطيمًا كاملًا في معركة أُحد.
فقد اجتمع قادة قريش في الرَّوحاء وتدارسوا الأمر فيما بينهم فقرروا مواصلة الانسحاب إلى مكة بالرغم من علمهم بوجود جيش المدينة (الذي خرج لمطاردتهم) على بعد عدة أميال منهم.
فانسحبوا إلى مكة مفضلين عار الفرار على الاشتباك مع هذا الجيش المدني الحانق الذي كانوا على يقين بأنه (على صغره) سيكون إذا ما اصطدموا به كالإعصار الذي يحطم كل ما يلاقى.
وهكذا نجح النبي - ﷺ - في هذه الحملة العسكرية السريعة (حملة حمراء الأسد) نجاحًا باهرًا فسجل نصرًا عسكريًا سريعًا عظيمًا، ظفر المسلمون على أثره بنصر سياسى أعظم في المحيط اليثربى خاصة، وفي الجزيرة العربية عامة. حيث صحح هذا النصر النظرة الخاطئة التي كان اليهود والمنافقون ينظرونها إلى الجيش الإسلامي بعد انتكاسته في معركة أُحد.
فقد تأكد لدى اليهود والمنافقين في المدينة (خاصة) بعد نجاح المسلمين في حملة حمراء الأسد أن هؤلاء المسلمين هم من القوة والصلابة
[ ٣ / ١٩ ]
بحيث يستحيل على أية قوة - وخاصة في يثرب - القيام ضدهم بأي عمل عسكرى مهما كان نوعه.
وهذا عكس ما كان يعتقد هؤلاء الأعداء، ولهذا فإنهم أصيبوا بالدهشة والذهول عندما بلغهم أن جيش مكة - الذي ظنوه انتصر على المسلمين في أُحد - قد نكل عن المعركة وفر هاربًا أمام جيش المدينة الذي اعتقدوا أنه قد تحطم عند سفوح جبل أُحد، رأوا هذا الجيش يعود إلى المدينة مرفوع الرأس، ولسان حاله يقول لهؤلاء اليهود المتربصين، من الأصلح لكم أن تلتزموا الهدوء فإن آية حركة تأتى من ناحيتكم فإن مصيرها لن يكون إلا السحق الكامل.
وفعلًا .. فإن اليهود وأنصارهم السريين (المنافقين) قد أعادوا النظر في مخططهم ولم يتسرعوا في تنفيذ هذا المخطط فالتزموا الهدوء، والسبب المباشر في ذلك كله هو نجاح النبي - ﷺ - في حملة حمراء الأسد (١) الجريئة تلك الحملة التي أعادت للجيش الإسلامي هيبته وجعلته يعود سيدًا للموقف في يثرب كما كان دون منازع، بالرغم من الخسائر الباهظة التي تعرض لها - في الرجال - في معركة أُحد.
الحركات العسكرية ضد الأعراب
وبينما كان الرسول - ﷺ - يوطد دعائم الأمن والاستقرار في منطقة يثرب كانت قبائل العرب الأخرى في منطقة الحجاز ونجد ترسم مخططاتها وتشرع في تجمعاتها للإغارة على المدينة وضرب المسلعين فيها، مغتنمين
_________________
(١) انظر تفاصيل حملة حمراء الأسد في كتابنا (غزوة أُحد).
[ ٣ / ٢٠ ]
فرصة أثر الضربة الموجعة التي نزلت بالمسلمين في معركة أُحد، والتي ظنها هؤلاء الأعراب ضربة قاتلة.
فقد طمع هولاء الأعراب الوثنيون في المسلمين وأخذ كل منهم يفكر في ضربهم ويعد العدة للإغارة عليهم وانتهاب أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم.
نشاط الاستخبارات النبوية
ولم تكن الاستخبارات النبوية العسكرية غافلة عن هذا التفكير والتحرك، فقد كان المسلمون يتوقعون أن يقوم الأعراب بتحركات عسكرية سريعة ضد المسلمين، بعد الذي نزل بهم في معركة أُحد.
ولذك فقد نشطت استخبارات المدينة نشاطًا واسعًا في مجال مراقبة مناطق هؤلاء الأعراب لتكون على علم مسبق بأية حركة يعتزم هؤلاء الأعراب القيام بها ضد المدينة، فتنقل هذه الاستخبارات كل ما يجد بهدا الصدد إلى القيادة العليا في المدينة أولًا بأول.
فصارت القيادة في المدينة على علم تام بأية حركة يعتزم أحد من هؤلاء الأعراب القيام بها ضد المسلمين، وقد ساعد نشاط استخبارات المدينة القيادة فيها على التيقظ والتحرك بسرعة لضرب أية قبيلة تنوى الهجوم على المدينة، وذلك قبل أن تتم هذه القبيلة عمليات الحشد والتجهيز.
فقد سارع النبي - ﷺ - إلى القيام بعدة حركات عسكرية هجومية حاسمة وسريعة، قادها بسرعة خاطفة إلى منازل هؤلاء الأعراب، فوضع بها حدًّا لأطماعهم وألقى بها عليهم دروسًا عملية قاسية، جعلتهم
[ ٣ / ٢١ ]
يصححون مفاهيمهم الخاطئة عن مدى قوة المسلمين العسكرية التي ظنوها قد انهارت نتيجة ما أصابهم في ملحمة أُحد.
عدد الحملات العسكرية بين أحد والأحزاب
لقد كانت الحملات العسكرية التي حدثت ما بين معركتى (أُحد والأحزاب) سبع حملات، كان المسلمون هم البادئون فيها بالهجوم.
ولما كان الأعراب (وخاصة أعراب نجد) هم أول المفكرين في الإغارة على المسلمين في المدينة وأكثر الناس جرأة وأسرع إلى التجمع لتنفيذ ما كانوا يفكرون فيه، فإن أكثر الحملات العسكرية التي جردتها المدينة قد وجهت ضد هؤلاء الأعراب.
فقد كانوا هدفًا لست من هذه الحملات العسكرية التي قاد النبي - ﷺ - بعضها بنفسه.
بينما لم يتعرض اليهود (قبل غزوة الأحزاب وبنى قريظة) إلا لحملة عسكرية واحدة، وهي الحملة التي قام بها المسلمون ضد يهود بنى النضير في ضواحي المدينة.
ولعل مما ساعد القيادة في المدينة على ضرب هؤلاء الأعراب والتنكيل بهم في ديارهم ووضع حد لأطماعهم بطريقة حاسمة، هو أنهم لم يكونوا عند تفكيوهم في الإغارة على المدينة جبهة واحدة.
لأن باعث تفكيرهم للإغارة على المسلمين لم يكن باعثًا عقائديًا أو سياسيًا جاء نتيجة مخطط مدروس، وإنما كان باعث ذلك التفكير هو
[ ٣ / ٢٢ ]
الرغبة في السلب والنهب والسبى فحسب ثم العودة إلى ديارهم، كما هي العادة المتبعة لديهم في حووبهم منذ عشرات القرون.
فلم يكن هدفهم من الإغارة على المدينة احتلالها والتخلص من المسلمين نهائيًا كما هو الحال عند اليهود ومشركى مكة الذين كانوا يحاربون المسلمين (وفق مخططات عقائدية وسياسية)، كما حدث في غزوة الأحزاب التي خطط لها اليهود وحملوا بعض اعراب نجد على الاشتراك فيها عن طريق إغرائهم بالمال.
ولهذا فقد تمكن المسلمون (قبل معركة الأحزاب) من ضرب هذه القبائل وتشتيتها في مكان تجمعها، كل قبيلة على انفراد في ست حملات عسكرية قام بها الجيش الإسلامى وهي:
١ - تأديب بني أسد (ذو الحجة سنة ثلاث للهجرة)
وأول حملة عسكرية تأديبية قام بها جيش المدينة ضد الأعراب هي دورية القتال التي بعث بها الرسول - ﷺ - لضرب قبيلة بنى أسد في منطقة نجد.
فقد تلقت القيادة في المدينة من استخباراتها العسكرية أن قبيلة بني أسد هذه قد أخذت في التحشد بقيادة المحارب الشهير (طليحة بن خويلد (١) وأخيه سلمة).
_________________
(١) قال في الأعلام .. هو طليحة بن خويلد الأسدي، من أسد بن خزيمة متنبيء، شجاع، من الفصحاء، يقال له طليحة الكذاب (لأنه أدعى النبوة)، كان من أشجع العرب، يعد بألف فارس -كما يقول النووي- قدم على النبي ﷺ في وفد بنى أسد، سنة تسعة من الهجرة وأسلموا، ولما رجعوا ارتد طليحة، وادعى النبوة في حياة رسول الله =
[ ٣ / ٢٣ ]
وأن هدف هذا التحشد هو الإغارة على المدينة، ولهذا سارع النبي - ﷺ - إلى تجهيز قوة من المهاجرين والأنصار قوامها مائة وخمسون راكبًا، أعطى قيادتها لأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي (١).
وقد كان ضمن هذه القوة، أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص (٢) وغيرهم من كبار المهاجرين والانصار، وقد كانت هذه الحملة في شهر ذي الحجة سنة ثلاث من الهجرة، أي بعد شهر واحد (تقريبًا) من غزوة أُحد.
وقد رسم الرسول - ﷺ - لهذه الحملة خطة أمر قائد الحملة أبا سلمة أن يسير عليها، وأهم نقطة في الخطة هو الكتمان والسرعة وأخذ قبائل بنى أسد على حين غرة وقبل أن يتجمعوا.
وقد جاء في المرسوم النبوى الذي عين به القائد الأعلى أبا سلمة
_________________
(١) = ﷺ فوجه إليه ضرار بن الأزور، فضربه ضرار بالسيف يريد قتله، فنبا السيف، فشاع بين الناس أن السلاح لا يؤثر فيه، ومات النبي ﷺ فكثر أتباع طليحة: من أسد وغطفان، وطيئ، وكان يقول: إن جبريل يأتيه، وتلا على الناس أسجاعًا أمرهم فيها بترك السجود في المملاة، وكانت رايته حمراء، وطمع في امتلاك المدينة فهاجمها بعض أتباعه فردهم أهلها، وغزاه أبو بكر، وسير إليه خالد بن الوليد، فانهزم. طليحة إلى بزاخة (بأرض نجد) وكان مقدمه في سميراء (بين توز والحاجر - في طريق مكة) وقاتله خالد، ففر إلى الشام، ثم أسلم بعد أن أسلمت أسد وغطفان كافة ووفد على عمر، فبايعه وخرج إلى العراق، فحسن بلاؤه في الفتوح "فشهد القادسية، واستشهد في معركة نهاوند بأرض فارس، هو وفارس اليمن (عمرو بن معدى كرب الزبيدى).
(٢) أبو سلمة، اسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان ممن شهد معركة بدر مع النبي ﷺ.
(٣) انظر ترجمتهما في كتابنا (غذوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ٢٤ ]
لقيادة الحملة، قوله - ﷺ - لأبي سلمة القائد .. سر حتى تنزل أرض بنى أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم.
وفي حدود الخطة المرسومة تحركت قوات هذه الحملة في اتجاه ديار بنى أسد بأرض نجد، ونحو قطن - جبل لهم - بالذات وهو النقطة التي حددتها الخطة.
ولما كان الكتمان من لوازم هذه الدورية العسكرية صار القائد أبو سلمة يسير برجاله ليلًا وبأقصى سرعة، ويكمن بهم نهارًا، وكان يسلك برجًا له طريق غير مطروق حتى وصل منازل بنى أسد.
وكان القصد من هذا هو إخفاء خبر هذه الحملة بحيث لا يعلم بها أحد، حتى تصل ديار بنى أسد.
ولقد نجحت هذه الحملة (فعلًا) في تحقيق أهدافها حيث تمكن رجالها من مباغتة بنى أسد في ديارهم وأخذهم على حين غرة قبل أن يستكملوا تحشيدهم.
حيث فاجأتهم قوات المسلمين في ديارهم فجرًا وأخذت في تطويق منازلهم وهم على غير أهبة، فأخذتهم الدهشة فلم يستطيعوا الثبات، بل ولوا الأدبار دون أية مقاومة.
فسيطرت قوات المسلمين على ديارهم، وبعث أبو سلمة القائد مفرزتين من رجاله لمطاردة القوم فاستولى رجالها على عدد كبير من أغنام بنى أسد وإبلهم.
كما تمكن رجال إحدى المفرزتين من أسر ثلاثة مماليك من رُعاة
[ ٣ / ٢٥ ]
إبلهم، أما بقية رجال القبيلة فقد تفرقوا منهزمين في بطون الشعاب ورؤوس الجبال.
وهكذا، وبعد أن نجحت هذه الدورية في مهمتها وحققت أهدافها، بتأديب بنى أسد وضربهم في منازلهم بللك الصورة المباغتة التي ما كانوا يتصورونها، عاد القائد أبو سلمة إلى المدينة ظافرًا.
وقد استغرقت العمليات العسكرية التي قامت بها هذه الدورية بضع عشرة ليلة، وكان لنجاحها أكبر الأثر في نفوس القبائل المجاورة التي كانت تحدث نفسها بالإغارة على المدينة، لأن قبيلة بنى أسد تعتبر من أقوى القبائل النجدية وأشدها شكيمة، فكان نجاح المسلمين في ضرب هذه القبيلة وتشتيت جموعها بتلك السرعة بمثابة إنذار حاسم لمن تحدثه نفسه بالقيام بما اعتزمت هذه القبيلة القيام به من عدوان.
٢ - سرية عبد الله بن أنيس (١) (٢٥ المحرم سنة أربع من الهجرة)
وبعد عودة القائد أبي سلمة برجال دوريته ظافرين من ديار بنى أسد بنجد مباشرة، نقلت استخبارات الجيش إلى القائد الأعلى الرسول - ﷺ - أخبارًا تفيد أن القائد الهذلى الشهير، خالد بن سفيان قد جرأه هو الآخر ما أصاب المسلمين في معركة أُحد فطمع في الإغارة على المدينة بغية
_________________
(١) هو عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى، حليف بنى سلمة من الأنصار، من السابقين إلى الإسلام، شهد بيعة العقبة والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان ممن صلى إلى القبلتين، توفاه الله بالشام سنة أربع وخمسين للهجرة.
[ ٣ / ٢٦ ]
السلب والنهب، وأنه أخذ يُعد العدة ويحشد أعراب تلك المنطقة (منطقة عرنة) من قبائل هذيل وبنى اللحيان وكلهم من قبائل الحجاز المجاورة لقبائل قريش.
الفتك بقائد الحشد الهذلي
فسارع الرسول - ﷺ - إلى إرسال أحد أصحابه إلى تلك الديار للاستطلاع والتأكد فيما إذا كانت المعلومات التي تلقاها صحيحة أم لا. ثم أمره بقتل قائد الحشد هذا إذا ما تأكد من صحة الخبر، لأن قتل هذا القائد سيوفر على جيش المدينة مهمة القيام بحملة عسكرية كاملة إلى تلك الديار البعيدة.
وكان الرجل الذي وقع عليه الاختيار للقيام بهذه المهمة هو عبد الله بن أنيس الجهني، وأعتقد أن من أهم لأسباب هذا الاختيار هو أن عبد الله بن أنيس يمتاز بمعرفة مواطن تلك القبائل لمجاورتها ديار قومه (جهينة).
يضاف إلى هذا أن عبد الله بن أنيس يعتبر من شجعان العرب.
فقد استدعاه النبي - ﷺ - وأمره بالتوجه إلى ديار هذيل والفتك بقائدها خالد بن سفيان بأية وسيلة كانت، ولما كان ابن أنيس لا يعرف خالد ابن سفيان شخصيًا، طلب من النبي - ﷺ - عندما تبلغ منه الأمر بالتوجه - أن يصف له خالدًا قائلًا: "صفه لي يا رسول الله".
فوصفه - ﷺ - له بقوله .. إذا رأيته هبته وفرقت (١) منه وذكرت الشيطان، قال عبد الله: وكنت لا أهاب الرجال.
_________________
(١) فوق بفتح أوله وثانيه: خاف.
[ ٣ / ٢٧ ]
وكجزء من المخطط الذي رسمه ابن أنيس لإنجاح مهمته استأذن النبي - ﷺ - في التنكر وأن يسمح له بأن يكذب في حدود إكمال مهمته إذا ما اقتضى الأمر ذلك، فسمح له، والكذب على العدو المحارب لإيقاعه والتغرير به مباح في الإسلام.
سار عبد الله بن أنيس على عجل قاصدًا مكان التجمع في عرنة من ديار هذيل، ولما وصل إلى للك الديار وجد الخبر صحيحًا.
استدراج قائد هزيل لقتله
وهنا أخذ يحتال لتنفيذ مهمته، فعندما وصل إلى تلك الديار انتسب إلى قبيلة خزاعة زيادة في التمويه على العدو.
وما زال يتحين الفرص حتى التقى بقائد الحشد الموكل إليه قتله وعندما سأله خالد .. من الرجل؟ أجابه بقوله .. رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، فأكد له خالد بن سفيان ذلك قائلًا .. أجل أننى لأجمع له، ورحب بانضمامه إلى الحشد.
ولقد وجد ابن أنيس خالدًا كما وصفه رسول الله - ﷺ - من حيث الهيبة، وخاف منه بالفعل، ولقد تحدث عبد الله بن أنيس عن هيبة الرجل وقوة شخصيته، حيث قال .. فعرفته بنعت رسول الله - ﷺ - وهبته فرأيتنى أقطر (أي من الخوف) فقلت: صدق الله ورسوله.
ولما اطمأن خالد بن سفيان إلى عبد الله بن أنيس، أخذ الأخير يماشه ويتحدث إليه بأحاديث استحلاها منه، وقد استدرجه حتى انفرد
[ ٣ / ٢٨ ]
به بعيدا عن مكان التجمع، ولما رجع عنه حرسه الخاص من أصحابه وبقى منفودًا حمل عليه عبد الله بن أنيس وعاجله بضربة من سيفه أودت بحياته في الحال، ثم أنصرف راجعًا إلى المدينة، ولئلا يتمكن أصحاب القائد الهذلى من العثور على قاتله ابن أنيس اختفى في أحد الغيران في الجبل، ولقد جد الهذليون في طلب ابن أنيس ولكنهم فشلوا في العثور عليه.
قال عبد الله بن أنيس .. يصف قتله للقائد خالد بن سفيان: حتى إذ هدأ الناس وناموا، اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارًا في الجبل، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين، ثم خرجت فكنت أسير بالليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله - ﷺ - في المسجد فلما رآني قال .. أفلح الوجه، قلت .. أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبرى (١) وقد استغرقت هذه العملية ثماني عشرة ليلة.
وبهذا العمل وفر الفدائى الجهني، على المسلمين مشقة القيام بحملة عسكرية كاملة لتأديب تلك القبائل، فقد انهارت عزائم قبائل هذيل بقتل قائدها وزعيمها، وتفرقت جموعها المحتشدة، لأنها رأت أن لا فائدة من غزو المسلمين، وهكذا قام الفدائى البطل عبد الله بن أنيس مقام جيش بأكمله.
فاجعة بئر معونة .. (صفر سنة أربع من الهجرة)
وفي شهر سفر من السنة الرابعة للهجرة، ولما يمض على نكسة
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٥١.
[ ٣ / ٢٩ ]
(أُحد) المريعة خمسة وأربعون يومًا، نزلت بالمعسكر الإسلامي فاجعة مروعة فقد المسلمون فيها مثل الذي فقدوه من رجالهم في غزوة أحد، فقد قتل منهم غدرًا في ديار نجد سبعون رجلًا من خيرة صحابة محمد - ﷺ -.
وتفصيل ذلك، أنه وفد على رسول الله - ﷺ - أحد أعيان بنى عامر وهو الفارس الشهير أبو براء عامر بن مالك (١) بن جعفر الملقب (بملاعب الأسنة)، فعرض عليه النبي - ﷺ - الإسلام فلم يسلم ولكنه لم يبعد من الإسلام وذلك أنه اقترح على النبي - ﷺ -، أن يرسل وفدًا من أصحابه إلى أرض نجد يدعوا أهلها إلى الإسلام حيث قال .. يا محمد لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك.
فراقت الفكرة للرسول - ﷺ - إلا أنه أبدى تخوفه من غدر أهل نجد قائلًا .. إني أخاف عليهم أهل نجد، فأبدى ملاعب الأسنة استعداده لأن يكون الوفد النبوى في جواره قائلًا .. أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
فشكل النبي - ﷺ - وفدًا من صحابته ومن الأنصار خاصة، وكلهم من الشباب، برئاسة المنذر بن عمرو الأنصاري.
ومن المؤلم الذي جعل خسارة المعسكر الإسلامى تبلغ غايتها في الجسامة هو أن وفد الدعوة هذا كان مؤلفًا من صفوة أصحاب محمد - ﷺ -
_________________
(١) هو أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري، من فرسان العرب المشهورين، وقد اختلف المؤرخون في إسلامه، والمرجح أنه أسلم، فقد ذكره البغوي وخليفة وابن السكن وابن البرقى والعسكري وابن قانع والبارودى، في الصحابة، وقال الدارقطنى إنه من الصحابة. وقد مات عامر بن مالك هذا غيظًا لما بلغه غدر ابن أخيه بصحابة رسول الله في بئر معونة، وهم في جواره.
[ ٣ / ٣٠ ]
ومن خيرة مثقفيهم، فقد كانوا يقولون لهم (القراء) لما يمتازون به بين قومهم من ثقافة عالية، بالإضافة إلى ميزتهم العسكرية.
ويكفى أن يفهم القارئ أن رجال هذا الوفد كانوا على مستوى ذلك المحارب الشهير البطل (الحارث بن الصمة) (١) الذي كان أحد الأفذاذ الذين ثبتوا يوم أحد، ودافعوا عن رسول الله - ﷺ - دفاعًا رائعًا ساعة انهزام المسلمين عنه بعد الانتكاسة، فقد كان هذا البطل المثقف الشجاع ضمن من لقى حتفه من القراء (غدرًا) في ديار نجد.
تحرك وفد الدعوة المسالم هذا وغادر المدينة في جوار سيد بنى عامر، عامر بن مالك، ولم يكن هذا الوفد (طبعًا) مستعدًا للحرب.
لأنه إنما جاء لدعوة القبائل إلى الإسلام وكان على ما يشبه اليقين بأن لن يلقى حربًا أثناء قيامه بمهمته السلمية التي أوكلت إليه، لا سيما وأنه في جوار سيد من سادات بنى عامر.
مكان الكارثة
واصل وفد الدعوة سيره حتى وصل إلى مكان بين منازل بنى عامر وديار بنى سليم يقال له (بئر معونة) وإذ وصل الوفد ذلك المكان بعث أحد أعضائه - حرام بن ملكان - (٢) بكتاب رسول الله - ﷺ - الذي كان يحمله
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) هو حرام بن ملكان بن مالك بن خالد النجارى الأنصارى، من السابقين الأولين في الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا مع رسول الله ﷺ واستشهد في حادثة بئر معونة كما هو مفصل في هذا الكتاب.
[ ٣ / ٣١ ]
الوفد إلى زعيم تلك القبائل، عامر بن الطفيل، وهو ابن أخي ملاعب الأسنة.
وكان عامر هذا رجلًا شرسًا شديد العداوة للإسلام، فلما جاءه الرسول بخطاب النبي - ﷺ - لم ينظر فيه بل عدا على حامل الخطاب فقتله، بالرغم من أنه رسول، والرسول لا يقتل في عرف جميع البشر.
وبعد أن قتل هذا الغادر رسول وفد الدعوة استصرخ قبائل بنى عامر وطلب منهم مشاركته القضاء علي جميع أعضاء الوفد النبوى الثقافى المسالم.
إلا أن هذه القبائل (بالرغم من شركها) لم تستجب لهذا الغادر، فرفضت طلبه بعد أن أبلغته بأنه من العار عليها المشاركة في قتل قوم مسالمين، هم في جوار زعيم من زعمائها وهو عامر بن مالك ملاعب الأسنة.
ولما يئس عامر بن الطفيل من مساندة قومه بنى عامر له في الغدر بالمسلمين غضب ولجأ في الحال إلى قبائل رعْل وعُصية وذكوان وهم من بنى سليم فأجابوه إلى ذلك.
وعندها تحركت قوات الغدر والخيانة البالغ عددها حوالي الألف فارس فأخذت المسلمين على حين غرة، فقد كان رجال الوفد مطمئنين في رحالهم ينتظرون عودة رسولهم الذي أرسلوه بخطاب النبي على عامر بن الطفيل، وما كانوا يتصورون أن الغدر سيبلغ بهذه القبائل إلى درجة الاعتداء على الآمنين في جوارهم، الأمر الذي كان العرب جميعًا مسلمهم ووثنيهم يستهجنونه ويستبشعونه.
[ ٣ / ٣٢ ]
إبادة رجال الوفد عن آخرهم
فبينما كان هؤلاءالمسلمون من الوفد العلمي مطمئنين في رحالهم هكذا إذا بخيل عامر بن الطفيل تحيط بهم من كل جانب، تسانده جموع غفيرة من أعراب سليم.
فلم يكن من رجال الوفد الإسلامى - وعددهم سبعون - إلا أن يسارعوا إلى سيوفهم للدفاع عن أنفسهم، وقد قاتلوا الغادرين قتلًا مريرًا ولكن دون جدوى.
فلم تترك لهم قوة العدو العديدة الغامرة المنظمة المتأهبة فرصة حيث اقتحمت رحالهم من كل جانب فاعتورتهم سيوفها وتخطفتهم رماحها حتى قتلوا عن آخرهم يرحمهم الله، ولم ينج من القتل إلا رجلان فقط هما .. كعب بن زيد (١) وعمرو بن أمية الضمرى (٢).
أما كعب فقد تركه الغادرون جريحًا دون أن يعلموا حقيقة أمره فارتث وبقى بين القتلى فعاش بعد ذلك حتى قتل شهيدًا في معركة الأحزاب، أما عمرو بن أمية الضمرى أحد أعضاء الوفد الذي كان في سرح القوم ساعة الهجوم على المسلمين فقد وقع أسيرًا فأعتقه عدو الله - قائد الغادرين - عامر بن الطفيل.
_________________
(١) هو كعب بن زيد بن قيس بن مالك النجارى الأنصاري، شهد بدرًا، وقد استشهد في غزوة الأحزاب، أصابه سهم قاتل، رماه به ضرار بن الخطاب الفهرى ..
(٢) هو عمرو بن أمية بن خويلد بن إياس الضمرى، من مشاهير الصحابة والسابقين إلى الإسلام ومن رواة الحديث عن رسول الله ﷺ، وهو الذي أرسله النبي ﷺ إلى النجاشي في الحبشة في زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكان من شجعان العرب، وهو الذي أرسله النبي ﷺ ليأخذ جثة الشهيد حبيب بن عدي من على الخشبة التي صلبه عليها كفار مكة، عاش إلى أيام الخليفة معاوية ومات بالمدينة، قال أبو نعيم مات قبل الستين.
[ ٣ / ٣٣ ]
قال ابن إسحاق .. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل من الأنصار فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر.
فقال: والله إنَّ لهذا الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو ن أمية .. ما ترى؟ .
قال أرى أن نلحق برسول الله - ﷺ - فنخبره الخبر، فقال الأنصاري لكنى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو -يعني رئيس الوفد- وما كنت لتخبرنى عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل.
وقاتل عمر بن أُمية الضمرى حتى وقع أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجزَّ ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أُمه، وقد كان المشركون قد عرضوا على رئيس الوفد الأمان فقالوا .. إن شئت أمناك فأبى ثم قاتلهم حتى قتل.
وقع الكارثة في المدينة
وقد تلقت المدينة نبأ هذه الفاجعة بحزن شديد لا يقل عن حزن كارثة أُحد، وقد كان لها في نفس رسول الله أبلغ الأثر، فقد قال - ﷺ - حينما بلغه نبأ الكارثة - هذا عمل أبي براء - يعني عامر بن مالك الذي اقترح عليه إرسال هذا الوفد من القراء - قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا.
وروى ابن سعد في طبقاته الكبرى عن أنس بن مالك، قال:
[ ٣ / ٣٤ ]
ما رأيت رسول الله - ﷺ - وجد (أي تألم) على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
وكان الذي نقل نبأ الفاجعة إلى النبي - ﷺ - هو عمرو بن أُمية، الناجى الوحيد من المذبحة المروعة. وجاء في السيرة الحلبية أن وفد القراء لما أحاطت بهم خيل عامر بن الطفيل قالوا .. اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك عنا السلام غيرك، فأقرئه منا السلام، فنزل الوحى على الرسول - ﷺ - بذلك، فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال .. إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم.
وذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى - راويًا عن أنس بن مالك أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة قرآنًا وأنه نسخ فيما بعد وهو قول الله تعالى مبلغًا عن الشهداء المغدور بهم (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه).
وقد تألم النبي - ﷺ - لما نزل بأصحابه من القتل حتى إنه (كما في الصحيحين) ظل يقنت في الصلوات الخمس شهرًا كاملًا يدعوا على قبائل رعل وذكوان وعصية الدين غدروا بأصحابه في بئر معونة.
الضمري يغتال رجلين من بني عامر
وأثناء عودة عمرو بن أمية الضمرى إلى المدينة التقى في وادي قناة بالقرب من المدينة برجلين من بنى كلاب - رهط عامر بن الطفيل - فاستدرجهما حتى قتلهما وهو يرى أنه أصاب بهما ثؤرة.
وقد فعل ذلك وهو لا يعلم أن الرسول - ﷺ - قد أعطاهما أمانا، ولذلك لما
[ ٣ / ٣٥ ]
أخبر الرسول - ﷺ - بقتلهما قال .. بئس ما صنعت قد كان لهما مني أمان وجوار، لأدِينَّهما، ثم بعث - ﷺ -، بديتهما إلى قومهما من المشركين تنفيذًا لقانون العهد والجوار السائد بين القبائل العرب.
وقد تألم أبو براء عامر بن مالك لما فعل ابن أخيه عامر بن الطفيل وشق عليه ما أصاب أصحاب النبي - ﷺ - على يد هذا الغادر الطاغية، حتى إن أبا براء (كما يقول ابن برهان الدين) مات أسفًا على ما صنع ابن أخيه من الغدر الشنيع بأصحاب رسول الله - ﷺ - الذين كانوا في جواره وأمانه.
ولم يرو التاريخ أن رهط ملاعب الأسنة أبي براء قد ردوا اعتبار زعيمهم بالانتقام من عامر بن الطفيل وقومه اللهم إلا أن ابن أبي براء (واسمه ربيعة) قد حاول الانتقام لشرف أبيه من الطاغية الغادر عامر بن الطفيل فحمل عليه بالرمح في نادى قومه يريد قتله وقد طعنه فعلًا إلا أن الطعنة لم تكن قاتلة حيث جاءت في فخذه، فلم يمت منها، وقد حال رهط ابن الطفيل وبين ابن عمه من أن يسدد إليه طعنة اقتص منه فرفضى قائلاُ: إن أنا مت، فدمى لعمى - يعني ملاعب الأسنة أبا براء - ويروى أصحاب السير أن ربيعة بن مالك هذا جاء إلى النبي - ﷺ - يعرب عن أسفه لما أصاب أصحابه في جوار أبيه وقال له: أيغسل عن أبي هذه الغدرة أن أضرب عامر بن الطفيل ضربة أو طعنة؟ قال .. نعم فطعنه بالرمح كما هو مفصل فيما مضى.
[ ٣ / ٣٦ ]
توالي الامتحان على المسلمين
وهكذا يتوالى امتحان الله تعالى لصفوة هذه الأمة في مختبرات المصائب والفجائع، فقد فقدوا في للك الظروف العصيبة سبعين وجلًا هم في أمس الحاجة إليهم.
ولكن هذا الامتحان لم يزدهم تواليه إلا ثباتًا على الحق وصمودًا في وجه الباطل، وذلك الذي أواده الله منهم بهذا الاختبار ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١).
نازلة أخرى .. حادثة الرجيع (شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة)
وفي الوقت الذي كان فيه الحزن والأسى يخيم على المدينة لمصرع السبعين الذين لقوا حتفهم (غدرًا على يد قبائل سليم)، في هذا الوقت تلقت المدينة نبأ كارثة غدر أُخرى ذهب ضحيتها نخبة من خيرة أصحاب محمد - ﷺ - وحادثة الغدر هذه تشبه (تمامًا) حادثة بئر معونة.
وإذا كانت حادثة الغدر المروعة التي تعرض لها المسلمون وفقد فيها المعسكر الإسلامى سبعين شهيدًا في بئر معونة، قد حدثت على أيدى القبائل النجدية.
فإن الحادثة التي نحن بصددها الآن قد جاءت من قبل القبائل
_________________
(١) سورة البقرة: ٢١٤.
[ ٣ / ٣٧ ]
الحجازية ومن جيران الحرم بالذات أهل مكة، وهذه الحادثة الثانية - وإن كانت ضحاياها في العدد أقل من ضحايا بئر معونة - إلا أن الغادرين قد مثَّلوا فيها أحط أنواع الغدر والخيانة.
وتفصيل ذلك أن وفدًا من عضل والقارة من الهون بن خزيمة ابن مدركة، وفدوا على النبي - ﷺ - في شهر صفر، الشهر الذي حدثت فيه حادثة بئر معونة، تظاهر أمامه بالإسلام وطلبوا منه أن يرسل معهم بعثة من أصحابه المثقفين لكى يعلموهم دين الإسلام قائلين:
"يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام".
فاستجاب النبي - ﷺ - لطلبهم، ثم شكل أعضاء البعثة الثقافية المطلوبة على النحو التالي:
مرثد بن أبي مرثد الغنوى (١) رئيسًا .. وتسعة أعضاء، من بينهم عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (٢) البطل الرامى، والذي صرعت نباله اثنين من حملة لواء قريش في تلك المعركة.
غادر وفد التفقيه هذا مدينة الرسول - ﷺ - متجهًا جنوبًا نحو مكة يصحبه وفد الخيانة الذي حضر إلى المدينة متظاهرًا بالإسلام.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى) طبعة ثانية.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ٣٨ ]
الغدر برجال البعثة
ولما وصلوا إلى مكان يقال له .. ذات الرجيع - وهو ماء لهذيل بين عسفان ومكة - غدر بهم الذين تظاهروا بالإسلام وطلبوا ابتعاثهم من النبي - ﷺ - إلى قومهم ليعلموهم الإسلام.
ففي ذلك المكان (ذات الرجيع) مثلث قبائل دلك المنطقة (من هُذيل) أبشع أنواع الغدر وأحط أساليب اللؤم والخسة والدناءة.
فبينما كان رجال بعثة التعليم الإسلامية مطمئنين في رحالهم حول الماء ومعهم رجال الوفد الغادر، إذا بهؤلاء الرجال الغادرين يتسللون الواحد تلو الآخر من بين رجال البعثة الإسلامية التفقيهية، ثم يتجهون نحو قبيلة هذيل فيستصرخونها على رجال البعثة الآمنة طالبين منها المشاركة في الغدر بهذا الوفد العلمي المسالم الذي - لم يكن يفكر مطلقًا في الحرب.
ولقد استجابت قبيلة هُذيل لداعى الخسة والغدر إذ لم يرُعْ رجال البعثة التفقيهية الإسلامية التي لا يتجاوز عددها العشرة إلا الرجال بأيديهم السيوف وقد أحاطوا بهم من كل جانب.
فسارع رجال البعثة العشرة إلى سيفوهم للدفاع عن أنفسهم ولكن الجبناء الغادرين لما رأوا شدة المقاومة وضراوة القتال طلبوا منهم الكف عن القتال وعرضوا عليهم الأمان قائلين .. إنا والله ما نريد قتلكم ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.
القتلي من رجال البعثة
وأمام هذا العرض اختلف رجال البعثة فيما بينهم .. فريق وهم
[ ٣ / ٣٩ ]
الأكثر، رفضوا ما عرض عليهم الغادرون وقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا.
وعلى رأس هذ الفريق مرثد بن أبي مرثد (رئيس البعثة) وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، فقد شد هؤلاء - وعددهم سبعة - على الغادرين وقاتلوهم قتال الأبطال، ولكن كثرة الهذليين المجرمين تغلبت على هؤلاء الأصفياء فسقطوا جميعهم صرعى يرحمهم الله.
أما الفريق الثاني من رجال البعثة النبوية - وعددهم ثلاثة - فقد رأوا أن لا فائدة من المقاومة ووثقوا بالأمان الذي عرضه عليهم رجال قبيلة هذيل فاستسلموا فأوثقهم الغادرون كتافا، وهؤلاء المستسلمون هم .. زيد بن الدَّثنة (١) .. وخبيب بن عدي (٢) .. وعبد الله بن طارق (٣).
وبعد أن وقع هؤلاء الثلاثة في الأسر، أسرع بهم الهذليون إلى مكة ليبيعوهم فيها من مشركى قريش الذين تعلم هذيل أنه يسرهم جدًّا أن يقع في أيديهم أمثال هؤلاء الرجال من أصحاب محمد - ﷺ -.
_________________
(١) هو زيد بن الدثنة (بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون) بن معاوية البياضى الأنصاري، من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا قتله المشركون صبرًا بالتنعيم في مكة كما سيأتي تفصيله.
(٢) هو خبيب (بضم أوله وفتح ثانية) بن عدي بن مالك الأوسى الأنصاري من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا، قتله أهل مكة وصلبوه في التنعيم مع زيد بن الدثنة كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
(٣) هو عبد الله بن طارق بن عمرو بن مالك البلوى، والأنصارى بالحلف، عده موسى بن عقبة في أهل بدر.
[ ٣ / ٤٠ ]
غير أن واحدًا من هؤلاء الثلاثة - وهو عبد الله بن طارق - ندم لاستسلامه فنزع يده من القيد ثم اختطف سيفًا فقاتل القوم لكن الجبناء تكاثروا عليه ولم يجرؤ أحد منهم على منازلته بالسيف بل قذفوه بالحجارة حتى فارق الحياة يرحمه الله.
هذيل تبيع الأسيرين لقريش
أما خُبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقد قدمت هذيل بهما إلى مكة، ولما كانت الحالة (يوم ذاك) بين مكة والمدينة هي حالة حرب فقد سُر زعماء مكة بجلب هذين الأسيرين وأخذوا في مساومة هذيل لابتياعهما بغية الانتقام من معسكر المدينة بقتلهما.
وقد انتهت هذه المساومة بأن سلم القرشيون لقبيلة هذيل أسيوين كانا قد وقعا في أيدى أهل مكة في حرب سابقة نشبت بين القبيلتين وسلمت هذيل - مقابل ذلك - لقريش هذين الصحابيين فنفذت قريش فيهما حكم الإعدام.
وذكر ابن سعد في طبقاته الكبوى أن صفوان بن أمية الجمحى (١) اشترى زيد بن الدثنة فقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتله المسلمون في معركة بدر، وأن حجير بن أبى أهاب اشترى خبيب بن عدي وسلمه لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه الذي لقى مصرعه على أيدى المسلمين.
ولما كانت هذه الحادثة قد حدثت في الأشهر الحرم فإن مشركى مكة
_________________
(١) انظر ترجمته في كتبانا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ٤١ ]
قد أجّلوا تنفيذ حكم الإعدام في هذين الصحابيين الكريمين حتى تنقضى هذه الأشهر التي لا يسفك العرب فيها دمًا.
ولذلك فقد أودعت قريش هذين الأسيرين السجن في انتظار انقضاء أيام الأشهر الحرم، ولما انقضت أيام هذه الأشهر أعدم مشركوا مكة أسيريهما، وبطريقة هي غاية في الوحشية والبشاعة.
كيف أعدمت قريش الأسيرين
ولما كان المشركون (يوم ذاك) لا يستبيحون سفك الدم داخل حدود الحرم فقد خرجوا بهذين الصحابيين الكريمين إلى ما وراء حدود الحرم.
وهناك - وفي منطقة التنعيم بالذات - قتل المشركون زيد بن الدّثنة وخبيب بن عدي.
أما زيد بن الدثنة فقد سلمه صفوان بن أمية إلى مملوكه يقال له نسطاس (١) وأمره بقتله ففعل، وقد حضر تنفيذ هذه الجريمة البشعة زعماء مكة معهم النساء والصبيان والعبيد وفيهم أبو سفيان بن حرب.
ولقد أظهر هذان الصحابيان العظيمان ضروبًا من الشجاعة والثبات على العقيدة ما جعلهما في أعلى مستويات الصديقين والشهداء.
_________________
(١) نسطاس، مولى صفوان بن أمية الجمحى، شهد أحدًا مع المشركين وأنقذ مولاه صفوان من الموت إذ طعن بخنجر رجلًا من المسلمين كاد يقتل صفوان بن أمية هداه الله للإسلام. ولا يعرف تاريخ إسلامه، ويظهر أنه أسلم عام الفتح.
[ ٣ / ٤٢ ]
فعندما قُدم زيد بن الدَّثنة للقتل قال له أبو سفيان ممتحنًا، أنشدك الله يا زيد، أتحب محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ .
فكان الجواب من زيد ﵁ .. لا والله ما أحب أن محمدًا الآن في المكان الذي هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس في أهلى.
فقال أبو سفيان .. ما رأيت أحدًا يحب كحب أصحاب محمد لمحمد، وبعد ذلك تقدم نسطاس بتعذيب زيد ﵁ حيث أوثقوه وصاروا يرمونه بالنبل في أماكن غير قاتلة لعله يفتن ويرجع عن دينه فما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا لربه، فقتلوه يرحمه الله.
أما الشهيد حبيب فقد كان احتفال كفار مكة بقتله أكبر من احتفالهم بقتل زيد بن الدَّثنة، فقبل أن يقتلوه وبعد أن صلبوه على الخشبة استعدادًا لطعنه بالرمح ساوموه في دينه وحاولوا أن يزعزعوا من إيمانه، إذ عرضوا عليه إعفاءه من القتل إن هو رجع عن دينه وتبرأ من محمد - ﷺ - حيث قالوا له ارجع عن دينك نخل سبيلك وإن لم ترجع لنقتلنك.
فكان جوابه ذلك المؤمن الصادق الذي يستعذب الموت في سبيل الله .. إن قتلى في سبيل الله لقليل .. ورفض المساومة.
وقبل تنفيذ القتل طلب خبيب من كفار مكة أن يهملوه حتى يصلى لله ركعتين، ففعلوا، فصلاهما وأحسنهما ثم أقبل على المشركين وقال لهم .. أما والله ولولا أن تظنوا أنى إنما طولَّت جزعًا من القتل لاستكثرت من
[ ٣ / ٤٣ ]
الصلاة .. قال ابن إسحاق .. فكان حبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل.
كيف قتل المشركون خبيبًا؟
وبعد أن صلب كفار مكة خبيبًا على الخشبة دعا وهو مصلوب قائلًا .. اللهم إنه ليس أحد هنا يبلغ رسولك عنى السلام فبلغه أنت عنى السلام، وبلغه ما يصنع بنا.
ولقد استجاب الله دعاء هذا العبد الشهيد المظلوم، فنزل الوحى على النبي - ﷺ - بما حدث لخبيب، فقد روى أسامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان (في اليوم الذي أعدم فيه خبيب) جالسًا مع أصحابه فأخذه ما كان يأخذه عند الوحى. فسمعناه يقول: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال هذا جبريل يقرئنى السلام، خبيب قتلته قريش.
ثم إن خبيبًا توجه بالدعاء إلى الله قائلًا .. اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدًا .. وذكر بن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان مع أبيه فيمن حضر مقتل خبيب، قال معاوية فلقد رأيت أبي - عندما دعا عليهم خبيب - يلقينى إلى الأرض خوفًا من دعوة خبيب، وكانوا يعتقدون أن الرجل إذا دُعِيَ عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.
ثم إن قريشًا دعت أربعين فتى ممن قتل المسلمون آباءهم يوم بدر فأعطت كل واحد منهم رمحًا وقالت .. هذا الذي قتل أباءكم، فطعنوه بتلك الرماح حتى مزقوه، ﵁ وأرضاه.
[ ٣ / ٤٤ ]
ويقال إن الذي قتل خبيبًا هو عقبة بن الحارث وكان غلامًا صغيرًا جعل بعض القرشيين الحربة في يده ثم أخذ بيده فطعن بها خبيبًا حتى قتله، فكان عقبة (١) بن الحارث يقول (بعد أن أسلم) والله ما أنا قتلت خبيبًا لأننى كنت أصغر من ذلك .. ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية.
من آثار تلك الجريمة
وكان سعيد بن عامر الجمحى (٢)، الأمير الزاهد الورع المشهور فيمن حضر مصرع الشهيد خبيب قبل أن يسلم، فكان بعد ذلك لا يخطر على باله ذكر مصرع خبيب إلا أُغمى عليه.
قال ابن هشام: كان عمر بن الخطاب قد استعمل سعيدًا هذا على بعض نواحى الشام، فذكر لعمر أنه يغمى عليه أحيانًا في مجلس الإمارة، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه، فقال له: ما هذا الذي يصيبك؟ .
فقال .. والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، وكنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل، وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبى
_________________
(١) هو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، أبو سروعة، أسلم وله صحبة، مات في خلافة ابن الزبير.
(٢) هو سعيد بن عامر بن حديم بن سلامان القرشي الجمحى، من كبار الصحابة ومن فضلائهم، تأخر إسلامه حتى غزوة خيبر حيث أسلم قبلها وشهدها وما بعدها مع رسول الله الله ﷺ، من المشهورين بالزهد والصلاح، ولذلك أحبه عمر وولاه على بعض نواحى الشام، مات سنة عشرين في خلافة عمر.
[ ٣ / ٤٥ ]
وأنا في المجلس إلا غُشى على فزاده ذلك عند عمر خيرًا.
وكان خبيب ﵁ وأرضاه هو قائل ذلك البيت الذي أصبح مثلا سائرًا:
فلست أُبالى حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعى
سرور اليهود والمنافقين بالنكبة
ولقد اغتبط اليهود والمنافقون بما أصاب البعثة الإسلامية على أيدى هذيل، فصاروا يتهكمون عليهم ويسخرون منهم فكانوا، يقولون في هؤلاء الشهداء الأبرار (على سبيل التشفى) .. يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم.
فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المنافقين ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١).
٣ - غزوة بنى النضير .. (ربيع الأول سنة أربع من الهجرة)
أما الحملة العسكرية الثالثة التي قام بها المسلمون بعد معركة أحد وقبل غزوة الأحزاب، فهي الحملة التي جردها الرسول - ﷺ -، للتخلص من
_________________
(١) البقرة: ٢٠٥.
[ ٣ / ٤٦ ]
يهود بنى النضير القاطنين في ضواحي المدينة، ووضع حدًّا لدسائسهم ومؤامراتهم التي تستهدف القضاء على النبي - ﷺ -، والإطاحة بالدولة التي أقامها في ظل الإسلام.
فقد كان هؤلاء اليهود يتحينون الفرص للتخلص من المسلمين منذ أن تمركزوا في المدنية، وقد ظلت أعمال هؤلاء اليهود العدوانية مقتصرة على الدس والوقيعة والتحريض لتفريق كلمة المسلمين وتفكيك وحدتهم والتشكيك في صدق نبوة محمد - ﷺ -.
وكان يهود بنى قينقاع (كما ذكرنا في الفصل الأول) أول من حول النزاع بين اليهود والمسلمين من نزاع مدنى إلى نزاع مسلح، فحاصرهم المسلمون في حصونهم ثم استزلوهم وتم إجلاؤهم من المدنية.
ولم يشترك يهود بنى النضير في معركة بنى قينقاع حربيًّا، وإن كانت عواطفهم معهم، وقد بقى يهود بنى النضير (كبنى قريظة) على عهدهم مع المسلمين، ولم يقوموا بأي عمل عسكرى ضد المسلمين، وخاصة بعد أن رأوا العبرة في يهود بنى قينقاع الذين كانت نتيجة حملهم السلاح في وجه المسلمين هو استسلامهم ثم أجلاؤهم عن المدينة في السنة الثانية من الهجرة.
ولكن بنى النضير لما رأوا أن سلوك هذا الطريق لا يشفى لهم غليلا ولا يحقق لهم هدفًا، قرروا الإقدام على عملية غدر رهيبة تصل بهم إلى أهدافهم السيئة من أقرب الطرق، ساعدهم على ذلك وشجعهم ما تعرض له المسلمون من نكبات متلاحقة في معركة أُحد التي أصيبوا فيها بتلك الانتكاسة الحربية التي فقدوا فيها سبعين شهيدًا، ثم في حادثتى بئر معونة وذات الرجيع اللتين فقدوا فيهما (وبعد أقل من شهرين من نكبة
[ ٣ / ٤٧ ]
أُحد) ثمانين رجلًا من خيرة محاربيهم وعلمائهم مما جعل اليهود يستضعفون المسلمين ويطمعون فيهم.
بنو النضير يحاولون اغتيال الرسول في ديارهم
ولذلك قرر اليهود اغتيال النبي - ﷺ -، معتقدين أن تنفيذ مثل هذه الجريمة سيضع حدًّا لنشاط الدعوة الإ سلامية ويخرس صوتها إلى الأبد، ويفسح الطريق أمام سيطرتهم على (يثرب) من جديد.
وظل يهود بنى النضير يتحينون الفرص لتفنيذ مؤامرة الاغتيال، وفعلًا سنحت لهم هذه الفوصة إلا أن الله تعالى نجى نبيه - ﷺ - من شرها.
وتفصيل ذلك أن أحد أصحاب النبي - ﷺ - وهو عمرو بن أمية الضمرى قتل رجلين من بنى عامر كان الرسول - ﷺ - قد أعطى لهما عهدًا لم يعلمه ابن أمية الضمرى الناجى الوحيد من المذبحة التي دبرها بنو عامر في نجد غدرًا وذهب ضحيتها سبعون من صحابة محمد - ﷺ -، في بئر معونة كما فصلنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب تحت عنوان (فاجعة بئر معونة).
النبي في ديار بني النضير
ووفاء بالعهد الذي أعطاه النبي - ﷺ - لذينك المشركين العامريين التزم النبي - ﷺ - بدفع ديتهما للورثة بالرغم من أنهما من قبيلة ارتكب أحد زعمائها أشنع جريمة غدر بحق المسلمين، وهو عامر بن الطفيل المجرم والمسئول الأول عن مذبحة المسلمين الرهيبة في بئر معونة.
[ ٣ / ٤٨ ]
ولما كانت المعاهدة لا تزال قائمة بين المسلمين وبين يهود بنى النضير، وكان بنو عامر بالإضافة إلى ذلك حلفاء هؤلاء اليهود، فقد ذهب النبي - ﷺ - بنفسه إلى منازل يهود بنى النضير مع وفد من كبار أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، ليطلب من اليهود (كحلفاء) المشاركة في دفع دية ذينك العامريَّين.
وقد أظهر اليهود الترحيب بالوفد وأبدوا للرسول - ﷺ - استعدادهم لإجابة طلبه قائلين .. نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه.
مخطط اليهود لاغتيال النبي
وبينما كان النبي - ﷺ - وباقي رجال الوفد في انتظار إنجاز ما وعد به اليهود من مشاركة في دفع الدية، كان زعماء هؤلاء اليهود يرسمون مخططًا لاغتيال النبي - ﷺ - في اجتماع سوى عاجل عقدوه في أحد حصونهم، وكان المخطط الذي اتفقوا عليه بإلقاء صخرة على النبي - ﷺ - وهو في المكان الذي كان جالسًا فيه في ظل أحد حيطان حصن من حصونهم.
وفي اجتماعهم الذي بحثوا فيه موضوع اغتيال الرسول - ﷺ -، عارض سلام بن مشكم - أحد زعمائهم - في هذا الموضوع وحذر قومه من السير في هذا الطريق الشائك قائلًا لهم، لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقضى العهد الذي بيننا وبينه.
ولكن معارضة ابن مشكم هذه لم تلق تأييدًا من المجتمعين فساروا في طريق مؤامرة الاغتيال ورسموا الخطة لتنفيذها، وكانت تقضى بأن يصعد
[ ٣ / ٤٩ ]
عمرو بن جحاش بن كعب (أحدهم) إلى سطح الحصن الذي جلس الرسول - ﷺ - في ظله ثم يلقى عليه صخرة تقضى عليه.
كيف نجا النبي من المؤامرة؟
إلا أن الله تعالى نجى نبيه فترك المكان الذي كان يجلس فيه قبل تنفيذ المؤامرة بقليل، بعد أن تلقى إخبارية بما اعتزم اليهود القيام به من اغتياله، فقد جاءه المحبر من السماء، ففضح الله أمر هؤلاء اليهود المجرمين وتذكروا ما قاله لهم سلام بن مشكم عندما حذرهم من الاستمرار في المؤامرة وأنذرهم بأن محمد - ﷺ - سيكشف الوحى له هذه المؤامرة فلم يستمعوا لتحذيره.
وبعد اكتشاف النبي - ﷺ - لهذه المؤامرة الدنيئة توجه فورًا إلى المدينة راجعًا دون أن يتحدث إلى اليهود بكلمة وتبعه بقية أعضاء الوفد من أصحابه دون أن يعلموا سببًا لمغادرته منازل بنى النضير على للك الصورة المفاجئة، إلا بعد أن لحقوا به في المدينة حيث أطلعهم على جلية الخبر.
براعة الرسول السياسية
وعندما غادر النبي - ﷺ - ديار بنى النضير لم يترك هولاء اليهود يشعرون بمغادرته للك الديار حيث أوهمهم (عندما تحرك هن مكانه) بأنه ذاهب لقضاء حاجته.
ويظهر أنه - ﷺ - قد قدَّر أسوأ الاحتمالات، وهو أن اليهود (وقد
[ ٣ / ٥٠ ]
قرروا التخلص منه عن طريق الاغتيال في ديارهم) لا يستبعد أن يغتنموا فرصة وجوده منفردًا في ديارهم مع قلة من أصحابه كلهم غير متسلح فيطوقوهم (إذا ما علموا بأن النبي اكتشف المؤامرة) ثم يستعجلوا الفتك بالنبي - ﷺ - قبل أن يتمكن من العودة سالمًا إلى المدينة، ولهذا فإنه - ﷺ - عندما تحرك من مكانه في ظل الحائط أوهم اليهود بأنه لا يعتزم مغادرة ديارهم وإنما هو ذاهب لقضاء حاجته وبهذا فوت على هؤلاء اليهود فرصة قد تكون من أثمن فرصهم للقضاء عليه.
إنذار اليهود بالجلاء عن المدينة
وقد اعتبر النبي - ﷺ - ما اعتزم اليهود القيام به من الفتك به غدرًا في ديارهم نقضًا للعهد الذي بينه وبينهم فقرر إجلاءهم من منطقة يثرب اتقاء لشرهم وتخلصًا من مؤامرتهم ودسائسهم.
فقد وجه إليهم إنذارًا بالجلاء عن المدينة، وقد حمل هذا الإنذار إليهم محمد بن مسلمة الأنصاري الذي استدعاه النبي - ﷺ - وقال له:
"اذهب إلى يهود بنى النضير وقل لهم .. إن رسول الله - ﷺ - أرسلنى إليكم أن اخرجوا من بلادى، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم مما هممتم به من الغدو، لقد أجّلتكم عشرًا فمن رؤى بعد ذلك ضربت عنقه (١).
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٥٧.
[ ٣ / ٥١ ]
وفورًا، حمل ابن مسلمة هذا الإنذار إلى اليهود، ولما تسلموا الإنذار أسقط في أيديهم، ولم يرو التاريخ أنهم تنصلوا من مسئولية ما هموا من الغدر بالنبي - ﷺ -.
اليهود يرفضون الإنذار
ولقد انهار اليهود أمام هذا الإنذار الشديد فلم يروا بدًا من الرحيل فأخذوا يتجهزون لذلك فأرسلوا إلى ظهر لهم (ناقلات من الإبل) في مسارحها، واستأجروا إبلًا من قبيلة أشجع استعدادًا لمغادرة المدينة تحت وطأة الإنذار الشديد الذي للقوه من القائد الأعلى النبي - ﷺ -.
ولكن زعماء النفاق في المدينة (وعلى رأسهم عبد الله بن أبي) أرسلوا إلى هؤلاء اليهود يشجعونهم على البقاء ويطلبون منهم رفض الإنذار النبوى والاستعاد لحرب المسلمين إذا ما أصروا على إجلائهم بالقوة، وأكد لهم هؤلاء المنافقون مساندتهم عسكريًا إذا ما شن المسلمون عليهم الحرب، فأرسلوا إليهم قائلين لهم .. أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم (١).
وبعث إليهم رأس النفاق عبد الله بن أبي (٢) (سرًّا) من يؤكد لهم (باسمه) وقوفه بجانبهم حتى النهاية قائلًا: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معى ألفين من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ١٩١.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ٥٢ ]
ونتيجة لهذه التحريضات والتأكيدات التي تلقاها اليهود تشجعوا وقرروا الثبات والمقاومة لاسيما بعد أن انضم إليهم إخوانهم من بنى قريظة وأعلنوا الحرب معهم ضد المسلمين (١). ثم أرسلوا إلى النبي - ﷺ - من يبلغه رفض إنذاره قائلين .. إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. ثم أخذوا يتحصنون في معاقلهم، فأقاموا المتاريس والخنادق في شوارعهم للاحتماء بها، وأخذوا ينقلون الحجارة إلى أسطحة المنازل لقذف المسلمين بها إن هم هاجموها، كما اختزنوا في حصونهم من المؤن الغذائية ما يكفيهم لمدة سنة كاملة، أما الماء فقد كان متوفرًا لديهم داخل حصونهم حيث توجد لديهم آبار كثيرة داخل هذه الحصون.
ضرب الحصار على بني النضير
ولما بلغ النبي - ﷺ - رفض اليهود إنذاره لم ير بدًا من ضرب الحصار عليهم فأعلن التعبئة وأصدر أوامره بالزحف على معاقلهم.
وقد تحركت القوات الإسلامية من المدينة بقيادة النبي - ﷺ - نفسه وضربت الحصار على حصون بنى النضير وقلاعهم التي اعتصموا بها.
وقد كانت هذه القلاع والحصون على غاية من المناعة والتحصين، وقد استفاد منها اليهود استفادة كبيرة في المقاومة.
_________________
(١) لم يذكر ابن إسحاق أن بنى قريظة حاربوا الرسول ﷺ مع إخوانهم بنى النضير، ولكن الإمام البخاري أكد ذلك في صحيحه، قال السمهودى في كتبه وفاء الوفاء ج ١ ص ٣٠٤ .. وفي البخاري ما يقتضي أن قريظة كانوا قد حاربوا قبل ذلك مع بنى النضير، ولفظ البخاري: عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بنى النضير وأقر قريظة ومن عليهم، حتى حاربت قريظة (أي مرة ثانية) فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم بين المسلمين الخ.
[ ٣ / ٥٣ ]
ولما رأى القائد الأعلى النبي شدة مقاومة اليهود واستفادتهم من مناعة هذه الحصون لجأ النبي - ﷺ - إلى وسيلة أضعف بها حماسة اليهود في المقاومة كإجراء من إجراءات الحرب.
عملية إحراق نخيل اليهود
لقد كان اليهود -منذ عرفوا- مشهورين بعبادة المادة والحرص الشديد على اقتناء الأموال، وكانوا يملكون من بساتين المدينة ونخيلها أحسنها.
وكما هي ظروف الحرب استولى المسلمون- أثناء عملية الحصار على هذه البساتين والنخيل، وكان بوسع المسلمين أن يكتفوا بهذا الاستيلاء الذي به (كما هي قاعدة الحرب المتبعة) أصبحت هذه البساتين والنخيل من أملاك المسلمين، إذ في وسع المسلمين بعد هذا الاستيلاء أن يستمروا في محاصرة اليهود ويمنعوهم من الانتفاع بثمار هذه البساتين والنخيل.
ولكن المسلمين (وعلى رأسهم القائد الأعلى النبي- على ما يظهر) كانوا يعرفون طمع اليهود وحبهم المفرط للمال، لذلك فقد أمر النبي - ﷺ - بالقيام بعملية أزعج بها اليهود المحاصرين حيث أمر بالبدء في قطع نخيلهم وتحريقها.
عدم جدية إحراق النخيل
ولم يكن المسلمون (على ما يظهر) جادين في قطع النخيل وإحراقه
[ ٣ / ٥٤ ]
وإنما يقصدون إزعاج اليهود الذين لا يفزعهم شيء مثل ضياع المال.
يدلنا على ذلك أن النبي - ﷺ - كما ثبت في كتب السيرة- لم يأمر بالشروع في إتلاف إلا أردأ أنواع نخيل اليهود الذي لا يقتاتون منه، وهو نوع (اللينة) وهو نوع يخالف نوع العجوة والبُرنى الذي كان الغذاء الرئيسى لأهل المدينة.
فإن (اللينة) من النخل إنما كان ثمرها (على ما يظهر) في الغالب علفًا للجمال وغيرها، قال السهيلى- عند تعليقه على قوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية- اللينة (بكسر اللام) ألوان التمر ما عدا العجوة والبُرنى ثم قال .. ففي هذه الآية أن النبي - ﷺ - لم يحرق من نخلهم (أي اليهود) إلا ما ليس بقوت للناس، وكانوا يقتاتون العجوة. أهـ.
ولقد نجحت خطة الإزعاج هذه التي اتبعها النبي - ﷺ -، إذ لم يكد يرى هؤلاء اليهود الدخان يتصاعد من جذوع نخيلهم وفروع هذه النخيل تتساقط من جراء القطع حتى سادهم الذعر واجتاحتهم موجة من الارتباك خوفًا على نخيلهم، وشرعوا يفاوضون في التسليم.
مع أنهم لو فكروا قليلًا لتبين لهم أن هذا النخيل لم يعد من ممتلكاتهم بعد أن استولى عليه الجيش الإسلامي المحاصر الذي ما قام بالحصار إلا لإجبارهم على الجلاء من المدينة، فلو أدرك اليهود هذا لما ارتاعوا ولما ارتبكوا لمجرد البدء في عملية الحرق والقطع التي قام بها الجيش الإسلامي، ولما أثر ذلك على مقاومتهم بتلك السوعة، ولكنهم اليهود الذين لا يقدسون شيئًا مثل المال.
[ ٣ / ٥٥ ]
احتجاج اليهود على حرق النخيل
وقد احتج اليهود على عملية القطع والحرق احتجاجًا شديدًا، فرفض احتجاجهم، ولم لا يرفض؟ أليست هي الحرب، كما أن بعض المسلمين تحرجوا عندما صدرت الأوامر النبوية بالشروع في القطع والحرق، قال السهيلى .. ووقع في نفوس بعض المسلمين من هذا (أي الأمر بالقطع والحرق) شيء فأنزل الله تعالى مؤيدًا رسوله في هذه العملية قوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
مفاوضة اليهود للتسليم
وهكذا نجحت المناورة إلى قام بها الجيش الإسلامي والتي بدأت بقطع وحرق الردئ من نخيل اليهود، فقد جزع اليهود جزعًا شديدًا، وتأكد لديهم أن النبي - ﷺ - لن يتركهم حتى يرحلوا عن المدينة، أو يبيدهم بعدما اتضح له منهم من خيانة للعهد ونقض للمعاهدة بتدبيرهم المؤامرة الخبيثة التي كانت تستهدف حياته الكريمة بالذات فشرعوا في المفاوضة.
وقد انتظر اليهود (عبثًا) مسارعة المنافقين وحلفائهم من غطفان لنجدتهم كما وعدهم بذلك رأس النفاق عبد الله بن أبي ولكن بدون جدوى.
فقد خذلهم الله عبد بن أبي وجلس في بيته بعد أن ورطهم.
_________________
(١) الحشر: ٥.
[ ٣ / ٥٦ ]
أما غطفان (فالطبع) لم يأت منهم أحد فاستحكمت حلقات الورطة علي بنى النضير بعد أن يئسوا من نجدة المنافقين لهم، فأسقط في أيديهم، وقذف الله الرعب في قلوبهم.
وشدد المسلمون الحصار وقاوم اليهود وصاروا يرمون المسلمين من حصونهم بالنبال والحجارة، وقد ضرب النبي - ﷺ - خيمته في مقر قيادته حول الحصون، فركز رماة بنى النضير نبالهم على خيمة النبي - ﷺ - إلا أن أكثر هذه النبال لم يصل.
قتلى اليهود في الحصار
فاستدعى اليهود أحد رماتهم المشهورين وكان أعسرًا راميًا شديد النزع يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره، فطلبوا منه أن يجعل خيمة الرسول - ﷺ - هدفًا لنباله ففعل، وأخذت نبال هذا اليهودى تتساقط على خيمة النبي القائد، وعند ذلك أمر النبي - ﷺ - بنقل مقر قيادته إلى مكان يكون في مأمن من نبال هذا اليهودى الرامى.
وقد قام علي بن أبي طالب بقتل هذا اليهودى الرامى وأسمه (غزول)، وذلك أن غزولًا هذا كان من شجعان بنى النضير، فقد خرج في عشرة من أصحابه لعله يصيب غرة من المسلمين، فوقع في كمين نصبه له علي بن أبي طالب مع سهل بن حُنيف وأبي دجانة (١) فشد عليّ على غزول اليهودى فقتله ثم شد أبو دجانة وأصحابه على الباقين فقتلوا جميعهم وعددهم عشرة، وأتى علي بن أبي طالب ﵁ برأس ذلك اليهودى الرامى إلى مقر القيادة النبوية.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٥٧ ]
اتفاقية الجلاء
ولم يستمر اليهود في المقاومة طويلًا، فقد خارت قواهم إذ لم يمض على ضرب الحصار عليهم أكثر من عشرين يومًا حتى بعثوا بمندوبهم إلى النبي - ﷺ - للتفاوض بشأن تنفيذ ما طلبه منهم في إنذاره من الجلاء عن المدينة.
وقبل النبي - ﷺ - التفاوض، وقابل وفد اليهود في مقر قيادته فكانت نهاية هذه المفاوضة اتفاقية الجلاء التي تتضمن ما يلي:
١ - أن يجلوا يهود بنى النضير عن منطقة يثرب جلاء تامًّا إلى أي مكان يشاءون.
٢ - أن يسلم اليهود للمسلمين كل ما يمتلكون من سلاح بكافة أنواعه، ويكونوا ساعة جلائهم من يثرب مجردين من السلاح تمامًا.
٣ - لليهود أن يحملوا من أموالهم ما يقدرون على حمله (ما عدا السلاح) مهما كانت قيمة أو نوع هذا المال.
٤ - بعد الذي يقدر اليهود على حمله من المال يكون كل ما تبقى من أموالهم المنقولة وغير المنقولة فيئًا للمسلمين وملكًا من أملاكهم.
٥ - على القيادة الإسلامية في المدينة أن تضمن ليهود بنى النضير سلامة أرواحهم ما داموا داخل المنطقة الخاضعة لسطان المسلمين.
كيف تم إجلاء بني النضير
ونتيجة لاتفاقية الجلاء هذه، شرع يهود بني النضير في الجلاء عن
[ ٣ / ٥٨ ]
المدينة وصاروا يحملون على الإبل كل ما يقدرون على حمله، حتى إن أحدهم صار يعمد إلى عتبة باب داره فيخلعها ثم يضعها على ظهر البعير فينطلق.
وكان يهود بنى النضير من أكثر أهل المدينة ثراء، وقد أوقروا ستمائة بعير من الأموال التي قدروا على حملها، وكانوا (بالطبع) يتخيرون في النقل ما خف حمله وغلا ثمنه، فحملوا معهم كميات هائلة من الذهب والفضة، حتى إن سلام بن أبي الحقيق وحده (كما يقول صاحب السيرة الحلبية) حمل معه جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة، وكان عند خروجه من المدينة يضرب بيده على هذا الجلد المملوء بالذهب والفضة وهو يقول مخاطبًا المسلمين (في حنق يشبه التهديد): هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها وإن كنا تركنا نخلًا، ففي خيبر النخل (١).
وكان اليهود عند مغادرتهم المدينة يعمدون إلى سُقف بيوتهم وعمدها وجدرانها فينقضونها لئلا يستفيد منها المسلمون، وهذا الذي عناه الله تعالى بقوله في هؤلاء اليهود، في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ﴾.
مظاهرة اليهود عند الجلاء
وقد أظهر يهود بنى النضير التجلد عند جلائهم، فخرجوا من
_________________
(١) وهذا القول يدل بوضوح على أن اليهود كانوا (منذ أقدم العصور) يستغلون ثراءهم الواسع لإثارة القلاقل وإشعال الحروب، ويحاولون الوصول (دائما) إلى أغراضهم عن طريق سيطرتهم المالية كما هو مشاهد منهم اليوم حيث يعبثون (عن طريق الذهب) بكثير من ساسة العالم فيسخرونهم في سبيل أطماعهم السياسية.
[ ٣ / ٥٩ ]
المدينة في شبه مظاهرة غادروها في طوابير، قد أركبوا النساء على الهودج في أبهى زينة، عليهن الديباج والحرير وقطف الخز الأخضر والأحمر وحلى الذهب والفضة، تصحبهم مرق الموسيقى من القيان يضربن بالدفوف ويعزفن بالمزامير.
نموذج لحرية العقيدة
وقد جلا مع يهود بنى النضير بعض أولاد الأنصار الدين اعتنقوا اليهودية، فقد كانت المرأة من الأنصار (قبل الإسلام) إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها عهدًا إن عاش لها ولد تهوده، ولما أخذ يهود بنى النضير في الجلاء وأخذ أبناء الأنصار يجلون معهم بحكم اتباعهم لدينهم - حاول الأنصار منع أولادهم من الجلاء قائلين: لا ندع أبناءنا يخرجون مع اليهود، ولكن النبي - ﷺ - عملًا بحرية العقيدة لم يمكن الأنصار مما أرادوا، ما دام أن أبناءهم قد دخلوا في اليهودية قبل الإسلام وجلوا مع بنى النضير بمحض اختيارهم، وقد اتخذ النبي - ﷺ - هذا القرار ونفذه بعد أن أنزل الله عليه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ كما يقول ابن برهان الدين في السيرة الحلبية.
وجهة اليهود بعد الجلاء
وقد اتجه اليهود عند الجلاء بعضكهم إلى أذرعات الشام وبعضهم إلى خيبر وهم الأكثرية، وكان من الذين نزلوا خيبر من أكابرهم حُيى بن أخطب وسلام بن أبي الحُقيق وكنانة بن الربيع، وقد دانت خيبر لهؤلاء
[ ٣ / ٦٠ ]
الزعماء الذين اتخذوا منها فيما بعد قاعدة للتآمر على المسلمين كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
وقد أسلم من يهود بنى النضير رجلان هما يامين بن عمير (١) (ابن عم عمرو بن جحاش) الذي أوكلت إليه مهمة القيام باغتيال النبي - ﷺ - وأبو سعد بن وهب (٢)، فقد قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله، ثم اتفقا على الدخول في الإسلام، فأسلما، وكان إسلامهما أيام الحصار حيث نزلا (ليلًا) من حصون بنى النضير واتصلا بالنبي - ﷺ - ثم أعلنا إسلامهما فأحرزا أموالهما.
وقد تقرب يامين بن عمير إلى الله تعالى بدم ابن عمه (عمرو بن جحاش) الذي أراد أن يلقى الحجر على الرسول - ﷺ - لقتله، وذلك أن عميرًا جعل خمسة أوسق من تمر لرجل من قيس إن هو قتل عمرو بن جحاش فقام القيسى بقتله غيلة قبل استسلام بنى النضير.
وبالرغم من الحرية المطلقة إلى أعطاها النبي لبنى النضير ليحملوا كل ما يقدرون على حمله من أموالهم فإنهم قد تركوا للمسلمين، مغانم كثيرة ومنها خمسون درعًا وثلاثمائة وأربعون سيفًا وغلال عظيمة مع مساحات شاسعة مزروعة بالنخيل وغيرها من الزروع.
_________________
(١) قال في الإصابة .. هو يامين بن عمير بن كعب النضرى، ذكره ابن عبد البر فقال: كان من كبار الصحابة ولم أطلع على تاريخ وفاته.
(٢) أبو سعد بن وهب النضرى، أخرج له ابن سعد حديثًا عن رسول الله ﷺ من رواية ابنه أسامة بن أبي سعد عن أبيه قال .. شهدت رسول الله ﷺ يقضى في سيل (مهروز) أن يحبس الأعلى من الأسفل حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل.
[ ٣ / ٦١ ]
مصير غنائم بني النضير
ومن الجدير بالذكر أن النبي - ﷺ - لم يقسم غنائم يهود بنى النضير كما تقسم غنائم الحرب على المقاتلين المسلمين كما هو المتبع، وإنما قسم هذه الغنائم على المهاجرين دون الأنصار، وذلك بعد استشارة الأنصار وأخذ موافقتهم على ذلك.
فقد جمع الأنصار ووقف فيهم خطيبًا قائلًا .. إن إخوانكم المهاجرين ليس لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الأموال (يعني ما ترك بنو النضير) التي أفاء الله عليّ وخصنى بها مع أموالكم بينكم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت فيهم هذه خاصة، فقالوا .. بل أقسم هذه فيهم وأقسم لهم من أموالنا ما شئت (١) فسرّ النبي - ﷺ - لموافقة الأنصار على طلبه واغتبط بتلك الروح الكريمة التي أظهروها نحو إخوانهم من المهاجرين حتى أنه (﵊) قال: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار. وفي موقف الأنصار المشرف هذا، أنزل الله تعالى (ممتدحًا فعلهم الحميد هذا) قوله جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢).
ولم يعط النبي - ﷺ - أحدًا من الأنصار شيئًا من غنائم يهود بنى النضير إلا رجلين (كانا محتاجين) وهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة (٣) وكانا من أبطال معركة أُحد الذين ثبتوا مع النبي - ﷺ - ساعة انهزام المسلمين، وقد أعطى النبي - ﷺ - سيف سيد بنى
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٦٠.
(٢) الحشر ٩.
(٣) أبو دجانة وسهل بن حنيف انظر ترجمتها في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٦٢ ]
النضير (سلام بن أبي الحُقيق) لسيد الأوس سعد بن معاذ، وكان ذلك السيف له ذكره عند العرب.
تألم المنافقين لجلاء اليهود
وقد تأثر المنافقون لجلاء بني النضير تأثرًا كبيرًا، فنزل بهم من الغم والهم أمر عظيم، لأن هؤلاء اليهود كانوا لهم سندًا وعضدًا في مقاومتهم للنبي - ﷺ -، لذلك حزن هؤلاء المنافقون (وخاصة عبد الله بن أُبى) لجلاء اليهود حزنًا شديدًا.
وبجلاء يهود بنى النضير عن المدينة لم يبق من هذا العنصر الخطر في منطقة يثرب سوى قبيلة بنى قريظة الذين كانت نهايتهم الإبادة الكاملة على أيدى المسلمين بسبب ارتكابهم الخيانة العظمى في معركة الأحزاب كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، فقد عفا عنهم النبي بالرغم من محاربتهم في جانب بنى النضير.
القرآن وجلاء بنى النضير
وقد أنزل الله تعالى في حادثة إجلاء يهود بنى النضير سورة الحشر بأكملها فقال تعالى (مشيرًا إلى جلاء يهود بنى النضير .. ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ ٣ / ٦٣ ]
٤ - غزوة ذات الرقاع
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) إلى آخر الآيات الكريمة.
وقد تضمنت سورة الحشر نصًّا صريحًا بأن ما تركه يهود بنى النضير من أموال يجب أن يكون تحت تصرف النبي (بصفة خاصة) ليس لأحد من المحاربين فيه شيء وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية.
وبالرغم من هذا النص الصريح فإن النبي - ﷺ - تطييبًا لخاطر الأنصار - قد استأذنهم عندما عزم أن يخص المهاجرين بغنائم يهود بنى النضير.
كذلك جاء في سورة الحشر تبكيت للمنافقين الذين حرضوا بنى النضير على رفض الإنذار النبوى وشجعوهم على مقاومة المسلمين وأكدوا لهم الوقوف بجانبهم حتى الموت ثم خذلوهم فقال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٢).
٤ - غزوة ذات الرقاع (جمادى الأولى من السنة الرابعة للهجرة).
وهي الحملة العسكرية الرابعة التي قام بها المسلمون بغد معركة أُحد وقبل معركة الأحزاب.
_________________
(١) الحشر الآية ٢ - ٣ - ٤.
(٢) الحشر ١١ - ١٢.
[ ٣ / ٦٤ ]
وقد قاد هذه الحملة النبي - ﷺ - بنفسه إلى ديار غطفان من أرض نجد الواقعة بين السعد والشقرة، وكانت القوة التي قادها النبي في هذه الحملة تتكون من أربعمائة مقاتل.
وكان الهدف من هذه الحملة هو ضرب أعراب نجد من قبيلة غطفان في منازلهم، فقد تلقت استخبارات الجيش الإسلامي أن محارب وبنى ثعلبة من غطفان قد اعتزموا الإغارة على المدينة مستهينين بالمسلمين بعد الذي أصابهم في معركة أُحد، وأنهم لذلك أخذوا في التحشد .. استقت استخبارات المدينة هذه المعلومات من رجل جاء إلى المدينة بجلب له.
ولم يتردد النبي - ﷺ - في إصدار الأوامر بالتأهب بسرعة للزحف على هذه القبيلة عندما بلغه نبأُ تحشدها لأن المسلمين كانوا يتوقعون ذلك من غطفان لأنها أقوى وأشجع قبيلة محاربة في نجد وعلى عداء شديد للمسلمين، وهي من الكثرة بحيث تستطيع حشد عدة آلاف في وقت وجيز، وقد كان رجال هذه القبيلة هم العمود الفقرى لغزوة الأحزاب التي هي موضوع كتابنا هذا. وكان هدف الرسول - ﷺ - أن يتمكن من مداهمة هذه القبيلة قبل أن تتحرك قواتها من منازلها، وهذه ثانى مرة يسارع النبي - ﷺ - إلى غزو غطفان في ديارهم، فقد قام بتأديبهم في حملة عسكرية قبل هذه إلى مكان من أرض نجد يقال له (ذي أمر) وذلك بعد غزوة بدر وقبل معركة أُحد.
أمير المدينة بالنيابة
وعندما اعتزم النبي - ﷺ - مغادرة المدينة بقوته في اتجاه غطفان،
[ ٣ / ٦٥ ]
أصدر (كما هي عادته) مرسومًا عين بموجبه عثمان بن عفان حاكمًا على المدينة ينوب عنه مدة غيابة في هذه الغزوة.
وفي شهر جمادى الأول من السنة الرابعة للهجرة تحركت القوات الإسلامية من المدينة (بسرعة) في اتجاه غطفان بقيادة النبي - ﷺ -.
ويظهر أن قبائل غطفان هذه المرة كانت أسرع في التحشد، وذلك أن الجيش الإسلامي لم يكد يصل إلى مكان يقال له (نخلا) وعلى مرحلتين فقط من المدينة حتى وجد قوات غطفان قد استعدت له بجمع عظيم.
فتقارب الفريقان إلا أنهم تواقفوا حيث خاف الناس بعضهم بعضًا، ولم يحدث اشتباك وإنما ظل الفريقان متواقفين مدة من الزمن دون أن يبدأ أحدهم بالهجوم على الآخر.
إلا أن قبائل غطفان في النهاية فضلت الانسحاب من مكان التلاقى فانهزمت وتفرق رجالها في رؤوس الشعاب، ويظهر أن المسلمين لم يتعقبوهم في انهزامهم وإنما اكتفوا بتشتيتهم، وبهذا حققوا الغرض الرئيسى الذي تحركت قوات المدينة من أجله، ولم يغنم المسلمون شيئًا من أموال غطفان ولم يقع أحد منهم في أسر المسلمين اللهم إلا بعض نسائهم وقعن سبايا كما هو العرف السائد بين المتحاربين في ذلك الظرف.
صلاة الخوف في هذه الغزوة
وفي غزوة ذات الرقاع صلى المسلمون (ولأول مرة صلاة الخوف)
[ ٣ / ٦٦ ]
وذلك بسبب تواقف الفريقين مدة من الزمن واضطرار المسلمين إلى مواجهة العدو وعليهم السلاح مدة غير قصيرة.
وكان مشركو غطفان يعلمون أن المسلمين يقومون بأداء الصلاة جماعة في أوقات مختلفة، فكانوا يترقبون محاولين أخذهم على حين غرة وكبسهم ساعة أداء فروض الصلاة.
فأوحى الله إلى النبي - ﷺ - بهذا الصدد وبين له الخطة التي بها يتمكن هو وأصحابه من أداء الصلاة في حالة الحرب مع الاستمرار في مواجهة العدو والاستعداد له وحراسة معسكر الإسلام ساعة أداء الصلاة.
والقرآن الكريم هو الذي رسم للمسلمين صفة الصلاة ساعة مواجهة العدو وهي المسماة في الفقة الإسلامى بصلاة الخوف، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيكُمْ مَيلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١) وقد ظلت هذه الخطة التي رسمها القرآن لصلاة المجاهدين الذين هم في حالة تهيؤ للحرب هي الأصل الذي يسير عليه المؤمنون في صلاتهم (ساعة الحرب) في كل العصور.
وفي هذه الغزوة، لما كان العدو في غير جهة القبلة فرق النبي - ﷺ -
_________________
(١) النساء ١٠٢.
[ ٣ / ٦٧ ]
أصحابه (ساعة الصلاة) فرقتين، فرقة أمرها بعدم مباشرة الصلاة وأن تقف في وجه العدو ثم صلّى هو بالفرقة الثانية ركعة، وعند قيامه للركعة الثانية فارقته الفرقة التي كانت تصلى معه وأتمت بقية صلاتها منفردة ثم انسحبت من المصلى ووقفت في وجه العدو محل الفرقة الأولى التي لم تصلّ والتي اتجهت إلى المصلى حيث اقتدت بالنبي - ﷺ - الذي كان في ركعته الثانية فأدت خلفه ركعة، وفي التشهد الأخير من صلاة النبي - ﷺ - تركته هذه الفرقة جالسًا ينتظرها حتى أتمت بقية صلاتها ثم لحقته في جلوس التشهد إياه فسلم بها، وهذه الكيفية في الصلاة الرباعية التي أمر الإسلام باختصارها ركعتين في السفر دائمًا.
تحقيق الحملة أغراضها
وهكذا انصرف النبي - ﷺ - من غزوة ذات الرقاع دون أن يلقى حربًا إلا أن حملته العسكرية هذه قد حققت أغراضها كاملة.
وذلك أنه بحركته العسكرية السريعة هذه قد تمكن من تشتيت الحشد الذي قامت به غطفان لغزو المدينة فأرهب تلك القبائل وألقى عليها درسًا بأن المسلمين ليسوا قادرين (فقط) على سحق من تحدثه نفسه بالاقتراب من المدينة بل قادرين على نقل المعركة إلى أرض العدو نفسه وضربه في عقر داره.
وهذا هو الذي جعل قبائل نجد المشركة تتبخر من رووس زعمائها جميعًا فكرة غزو المسلمين في عقر دارهم فلم يجرأوا على غزو المسلمين إلا
[ ٣ / ٦٨ ]
عندما طلب منهم اليهود المشاركة (مع قريش) في غزوة الأحزاب التي هي موضوع كتابنا هذا.
وهكذا انصرف النبي بجيشه من ديار غطفان وقد سجّل نصرًا ساحقًا كان له أبلغ الأثر لا في نفوس قبائل غطفان وحدها بل في نفوس جميع القبائل النجدية التي كانت تطمع في المسلمين وتحدث نفسها بالإغارة عليهم متوهمة ضعفهم بعد الانتكاسة التي أصابتهم في معركة أُحد.
والنصر الساحق هذا يتجسد في أن النبي - ﷺ - استطاع بحركته السريعة هذه إلى ديار نجد أن يرهب أعظم القبائل النجدية (غطفان) ويشتت جموعها العظيمة للك التي ماكانت لتنفض حتى تغير على المدينة لولا أن الله تعالى ألهم الرسول القائد المحنك فقام بتلك الحركة السريعة وباغت (كما هي عادته في تأديب الأعراب) للك الجموع الغطفانية وهي لما تزل في ديارها.
محاولة اغتيال النبي للمرة الرابعة
وفي غزوة ذات الرقاع (هذه) تعرض الرسول - ﷺ - لمحاولة اغتيال رابعة، وذلك أنه بينما كان الفريقان متواقفين في أرض غطفان، إذ أقبل رجل من بنى محارب واسمه (غورث)، وكان تعهد لقومه بقتل النبي (غيلة) أقبل هذا الرجل (غورث) إلى النبي - ﷺ -، في صورة المسالم حتى وقف عليه - ﷺ - وهو مدجج بسلاحه وفي حجره السيف.
[ ٣ / ٦٩ ]
فطلب من النبي - ﷺ - أن يسمح له بالنظر إلى سيفه وفحصه قائلًا .. يا محمد انظر إلى هذا؟ . قال نعم .. وكان السيف جميلًا باترًا ومحلى بفضة.
قال ابن هشام فأخذ السيف غورث ثم استله وجعل يهزه ويهم برسول - ﷺ - فيدب الرعب في نفسه فيتخاذل وبعد أن كبته الله ورجع عن تنفيذ مخطط اغتيال الرسول - ﷺ - قال:
يا محمد أما تخافنى؟ . قال .. لا، وما أخاف منبه؟، قال .. أما تخافنى وفي يدي السيف؟ قال لا .. يمنعنى الله منك.
وبعد ذلك أرجع غورث السيف إلى رسول الله - ﷺ -، وبعد أن أخذ الرسول - ﷺ - السيف قال لغورث .. من يمنعك منى؟
فقال (يا محمد) .. كن خير آخذ.
قال .. تشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله.
قال .. أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى النبي - ﷺ - سبيله، فجاء إلى قومه، فقال جئتكم من عند خير الناس .. وأسلم بعد ذلك وكانت له صحبة.
حادثة مثيرة
وفي غزوة ذات الرقاع هذه حدثت حادثة لا بد من سرد ذكرها لأنها تعطى درسًا للشباب المسلم في الإيمان والرجولة والثبات على العقيدة والتمسك بالنظام، وتكشف للقارئ عن سر قيام الدولة الإسلامية وانتشار
[ ٣ / ٧٠ ]
العقيدة الإسلامية على أيدى أولئك الرجال من صحابة محمد بتلك السرعة التي أذهلت الدنيا.
ففي ليلة شاتية ذات ريح مزعجة من ليالى هذه الغزوة نزل النبي - ﷺ - بجيشه في شعب من شعاب نجد فطلب انتخاب من يقوم بالحراسة، فقال .. من يكلؤنا هذه الليلة؟ .
فقام عباد بن بشر (١) وعمار بن ياسر (٢) ﵄ فقالا نحن نكلؤكم، ثم رابطًا على فم الشعب، فقال عباد بن بشر لعمار بن ياسر: أنا أكفيك أول الليل وتكفينى آخره. فنام عمار وقام عباد يصلى وكان أحد رجال العدو يتربص قريبًا من المعسكر (وكان قد حلف أن لا ينثنى حتى يصيب محمدًا أو يهريق في أصحابه دما) فلما رأى سواد عباد قال .. هذا ربيئة القوم (أي حرسهم) فضرب نحوه سهمًا فأصابه، فانتزعه عبدا فرماه دون أن يخرج من صلاته، فرماه بسهم آخر فانتزعه
_________________
(١) هو عباد بن بشر بن وقش بن زغبة الأشهلى الأنصاري، كان من السابقين الأولين الذين أسلموا على يد سفير الإسلام الأول إلى المدينة (مصعب بن عمير)، أسلم قبل سيد الخزرج سعد بن عبادة، آخى الرسول ﷺ بينه وبين أبي حنيفة بن عتبة بن ربيعة، كان في الذروة من الفضل والشرف، قالت عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا كلهم من بنى عبد الأشهل (أسيد بن حضير .. وعباد بن بشر وسعد بن معاذ). كان عباد بن بشر قائد الحرس النبوى ليلة الخندق، وقد شهد مع رسول الله ﷺ كل المشاهد بدرا وأحدا والخندق وغيرها، وكان فيمن اشترك في قتل الطاغية كعب بن الأشرف، وكان عباد كذلك (قائد الحرس النبوى في غزوة تبوك) قال بن سعد في طبقاته، استشهد عباد بن بشر في معركة اليمامة عام أثنى عشر وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكان عباد بن البشر في الذروة من الشجاعة والنجدة، قال أبو سعيد الخدري نظرت إلى عباد بن بشر يوم اليمامة وأنه ليصيح: أخلصوا أخلصوا، فأخصلوا أربعمائة رجل من الأنصار ما يخالطهم أحد، يقدمهم عباد بن بشر أبو دجانة، والبراء بن مالك حتى انتهوا إلى باب الحديقة (مقر قيادة مسيلمة الكذاب) فقاتلوا أشد القتال، وقتل عباد بن بشر ﵀، فرأيت بوجهه ضربًا كثيرا ما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى) طبعة ثانية.
[ ٣ / ٧١ ]
واستمر في صلاته فلما، غلبه نزيف الدم خشى أن يغمى عليه فيبقى الجيش بدون حارس، فنبه عمار وقال له، (معتذرا) .. لولا أننى خشيت أن أضيع ثغرًا أمرنى به رسول الله - ﷺ - ما انصرفت ولو أُتى على نفسي (١).
عودة النبي إلى المدينة
وقد استغرقت العمليات العسكرية في غزوة ذات الرقاع خمس عشرة ليلة عاد بعدها النبي إلى المدينة بجيشه، وكان قد بعث أمامه رجلًا من أصحابه اسمه جعال بن سراقة مبشرًا بقدومه وعودة الجيش الإسلامي سالمًا ظافرًا.
وقد سميت هذه الغزوة (بغزوة ذات الرقاع) لأن الجبل الذي نزل به الجيش الإسلامي في أرض غطفان كانت حوله أرض ذات ألوان تشبه الوقاع فيه أبقع حمر وسود وبيض، ويقال سميت بهذا الأسم، لأن كثيرًا من رجال الجيش كانوا حفاة لا نعل لهم فلفوا على أقدامهم الخرق لما حصل لهم الحفاء.
٥ - غزوة بدر الآخرة (شعبان السنة الرابعة للهجرة).
وهي الحركة العسكرية الخامسة التي قام بها المسلمون ضد أعدائهم بعد معركة أُحد وقبل غزوة الأحزاب، وقد كان هدف هذه الحملة هو تحدى معسكر الشرك في مكة ووفاء بالوعد الذي أعطاه النبي القائد لزعيم قريش وقائدها أبي سفيان بن حرب يوم أُحد.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٦٣.
[ ٣ / ٧٢ ]
وذلك أن أبا سفيان بن حرب أشرف يوم أحد من على جبل ونادى بأعلى صوته (متحديًا) .. الموعد بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقى، فقال النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب .. قل .. نعم إن شاء الله. فافترقوا على ذلك.
وقد أخذ الفريقان يستعدان لخوض معركة ثانية في بدر، وكان المتوقع أن تكون رهيبة أعنف من معركة بدر الأولى لضخامة القوات التي كان الجانبان قد جهزها لخوضها، لولا أن أبا سفيان قائد عام جيش مكة قد تخاذل وجبن عن اللقاء بعد أن فصل من مكة (في اتجاه بدر) بجيش بلغ عدد رجاله ثلاثة آلاف مقاتل، فرجع بهذا الجيش إلى مكة قبل أن يتجاوز منطقة القضيمة (١).
أما جيش المدينة الذي بلغ ألفًا وخمسمائة مقاتل فقد تحرك من المدينة يقوده النبي - ﷺ - بنفسه في اتجاه بدر وواصل زحفه حتى نزل بدرًا وعسكر فيها وفاء بالكلمة التي أعطاها النبي - ﷺ - لقائد عام جيش مكة يوم أُحد.
مناورة أبي سفيان لتفادي المعركة
أما أبو سفيان فإنه لما كان هو الذي تحدى المسلمين وطلب منهم تحت تأشير نشوة النصر المؤقت التي أحرزه في أُحد -الموافقة على ملاقاة جيش مكة في بدر، فقد وجد نفسه بعد أن ذهبت عنه سكرة الانتصار المزيف - ملزمًا بأن يفى بوعده فيلاقى بجيش مكة جيش المدينة في بدر وفي الميعاد المحدد.
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٥٩.
[ ٣ / ٧٣ ]
ولكنه كقائد مسئول يقدر النتائج خشى ملاقاة المسلمين، وكان شديد الرغبة في أن لا يحدث هذا اللقاء غير أنه كان على يقين بأن القائد الأعلى للجيش الإسلامي (النبي - ﷺ -) لن يخلف الميعاد وأنه لا بد زاحف إلى منطقة بدر وفاء بالكلمة التي أعطاها.
ولذلك فإن أبا سفيان (وقبل أن يتحرك الجيش النبوى من المدينة) قام بمناورة قصد بها تخويف المسلمين لعلهم يعدلون عن الخروج إلى بدر فيحصل له ما أراد، دون أن يفهم العرب أنه نكل عن الحرب.
فقد أرسل إلى المدينة من يشيع بين المسلمين أن قريشًا قد خرجت إلى بدر بجيش لم تشهد الجزيرة العربية ملكه في الضخامة والتنظيم، وذلك لتثبيط المسلمين وبث الرعب في نفوسهم.
أبو سفيان يستأجر نعيم بن مسعود للإرجاف
وقد استأجر زعيم مكة أبو سفيان للقيام بهذه المهمة رجلًا اسمه نعيم بن مسعود (١) إذ جعل له أبو سفيان مكافأة عشرين بعيرًا إن هو قام بهذه المهمة.
حيث قال له: إنه بدا لي أن لا أخرج وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا .. فيزيد المسلمين ذلك جرأة، فلأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلى من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة له بنا ولك عندي من الإبل كذا وكذا أدفعها لك على يد سهيل بن عمرو (٢).
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمة سهيل بن عمرو ﵁ في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ٧٤ ]
وبعد أن ضمن سهيل بن عمرو لنعيم بن مسعود ما تعهد أبو سفيان بدفعه من الإبل له، سافر إلى المدينة وأخذ يرجف بين المسلمين بكثرة جموع أبي سفيان، وصار يطوف بذلك بين المسلمين في المدينة حتى أثر إرجافه تأثيرًا كبيرًا على المسلمين ساعده في ذلك اليهود والمنافقون.
تأثر المسلمين بالإرجاف
ولقد قذفت إشاعة نعيم بن مسعود الرعب في نفوس المسلمين حتى لم يبق لهم نية في الخروج (١) وشاع ذلك في المدينة فسر اليهود والمنافقون سرورًا عظيمًا، وقالوا .. محمد لا يفلت من هذا الجمع.
وغاظ أبا بكر وعمر ما سمعا من إرجاف وتثبيط بين المسلمين فجاءا مشجعين إلى النبي - ﷺ - يحضانه على الخروج إلى بدر لئلا يطمع المشركون فيهم، فقالا له:
يا رسول الله .. إن الله مظهر نبيه ومعز دينه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فو الله إن في ذلك لخيرة، فسر النبي - ﷺ - بذلك وأعلن أنه خارج إلى بدر قائلًا .. والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معى أحد، ثم أعلن التعبئة، فأذهب الله عن المسلمين ما كان قد أصابهم من الخوف نتيجة إرجاف نعيم بن مسعود، وتسابق المسلمون إلى حمل السلاح فاجتمع منهم حوالي ألف
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٦٧.
[ ٣ / ٧٥ ]
وخمسمائة مقاتل، تحرك به النبي - ﷺ - نحو بدر، وقد أعطى النبي - ﷺ - راية الجيش لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
الأمير النائب علي المدينة
وقبل أن يغادر الرسول - ﷺ - المدينة أصدر مرسومًا عين بموجبه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول (١) أميرًا على المدينة ينوب عنه مدة غيابه في هذه الحملة.
وقد وصل الجيش الإسلامي (فعلًا) إلى بدر في اليوم المحدد وعسكر بها ثماني ليال في انتظار جيش مكة، كما هو الاتفاق بين الفريقين.
ولكن قادة الجيش المكي جبنوا عن ملاقاة المسلمين وخافوا الاصطدام بهم بالرغم من أن قواتهم تبلغ ضعف قوات المسلمين التي خرجت للقائهم.
جيش مكة ينكل عن المعركة
فقد خرج أبو سفيان بالجيش المكي إلا أن قادة هذا الجيش (وتحت تأثير عقدة الخوف المستحكمة في نفوسهم من المسلمين) آثروا السلامة وقرروا العودة بالجيش إلى مكة بعد أن قطعوا في اتجاه بدر عدة مراحل، وكان عُسْفان هو المكان الذي عادوا منه إلى مكة.
_________________
(١) انظر ترجمة عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سلول في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٧٦ ]
ففي هذا المكان اجتمع قادة الجيش المكي وزعماؤه وانتهى اجتماعهم بقرار يقضى بعودة الجيش والتوقف عن مواصلة الزحف إلى بدر، والحجة التي برروا بها هذا التراجع هي أن الظروف غير ملائمة للحرب لأنها ظروف جدب وجفاف لا تتناسب وتحركات جيش ضخم مثل ذلك الجيش الذي عليه أن يقطع أكثر من ٢٥٠ ميلًا.
أبو سفيان يخطب في الجيش
فقد وقف القائد العام للجيش المكي (أبو سفيان بن حرب) خطيبًا في الجيش معلنا أوامره بعودة الجيش إلى مكة والعدول عن ملاقاة المسلمين وشارحًا الأسباب قائلا:
يا معشر قريش .. إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا.
فأطاع الجيش الأوامر، وعاد أدراجه إلى مكة مفضلًا عار النكول على الهزيمة الساحقة التي يتوقع نزولها به لو أنه أقدم على ملاقاة المسلمين في بدر.
أما المسلمون فقد أقام بهم النبي - ﷺ - في بدر ثماني ليال في انتظار الجيش المكي لخوض المعركة الفاصلة، ولكنهم بعد أن بغلتهم أنباء انخذال الجيش المكي ونكوله عن الحرب ورجوعه من عسفان إلى مكة عالوا إلى المدينة.
ولقد محا الجيش الإسلامي بوصوله إلى بدر آخر أثر من الآثار السيئة التي تركتها انتكاسة المسلمين في معركة أُحد في السنة الماضية.
[ ٣ / ٧٧ ]
محو آثار هزيمة أُحد
لقد كانت تحركات الجيش الإسلامي من المدينة حتى بدر مناورة رائعة ناجحة أثبت بها وجوده وأعطى الدليل القاطع لأعداء الإسلام (داخل المدينة وخارجها) أنه أصبح أقوى قوة مرهوبة، لا في منطقة يثرب فحسب بل في جزيرة العرب بأجمعها.
ولا أدلّ على ذلك من أن جيش مكة، وهو من أعظم الجيوش في الجزيرة من حيث كثرة العدد وقوة التنظيم وجودة التسلح قد هاب الجيش الإسلامي ونكل عن حربه بعد أن خرج للقائه بموجب ميعاد سابق حدده (في تحدٍّ) قائد عام جيش مكة نفسه.
ولا شك أن حملة بدر (الآخرة) التي قادها النبي - ﷺ - قد كانت تحديًا صارخًا مهينًا لمعسكر قريش الوثنى، كما أنها كانت - كذلك - بمثابة إرهاب وتأديب لجميع القبائل العربية المعادية للإسلام، والتي كانت - بعد ما أصاب المسلمين في أحد - تحدث نفسها بالاعتداء عليهم.
فقد لزمت قريش الهدوء ولم تقم بأية حركة عسكرية ضد المسلمين بعد حملتهم هذه التي قاموا بها إلى بدر حتى موقعة الأحزاب الفاصلة التي اشتركت فيه أكثر القبائل العربية المشركة.
ومما يدل على نجاح المناورة الكبيرة التي قام بها الجيش الإسلامى حتى بدر وأن المنطقة الشاسعة الممتدة من المدينة حتى بدر وما حواليها أصبحت تخشى بأس المسلمين، بعد أن كان زعماؤها يعدون العدة لسحقهم، هو أن مخشى بن عمرو الضمرى أحد زعماء قبائل منطقة بدر
[ ٣ / ٧٨ ]
قد جاء إلى النبي - ﷺ - وهو معسكر بها في انتظار جيش مكة، قال له (جاسًا النبض وكالمحتج): يا محمد (- ﷺ -) أجئت للقاء قريش على هذا الماء، أي ماء بدر الواقع في أراضى بنى ضمرة؟ .
فأجابه النبي - ﷺ - بلهجة القوى الواثق من نفسه وجيشه- نعم يا أخا ضمرة وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
وكان النبي - ﷺ - قبل معركة بدر الكبرى - قد عقد بينه وبين قبائل بنى ضمرة معاهدة عدم اعتداء، وذلك أثناء قيامه بإحدى الدوريات الاستطلاعية في منطقة (ودّان) في السنة الأولى من الهجرة.
لقد أسمع النبي - ﷺ - سيد قبائل بنى ضمرة هذا الجواب الذي عرض فيه إنهاء المعاهدة بينه وبين بنى ضمرة - في منطقة تموج بالمسلحين من هذه القبائل- ولكن سيد بنى ضمرة (مخشى بن عمرو) قال للنبي - ﷺ - في تلطف ووجل- لا والله يامحمد ما لنا بذلك من حاجة، وهذا دليل على أن قوة المسلمين العسكرية يوم ذاك بلغت درجة لم تخش معها أحدًا من هذه القبائل وأن كل آثار انتكاسة أُحد قد زالت.
٦ - غزوة دومة الجندل .. (المحرم السنة الرابعة للهجرة)
تقع دومة الجندل هذه في الطرف الشمالي الغربي للجزيرة العربية مما يلي الشام وعلى بعد ست عشرة ليلة من المدينة وخمس ليال من دمشق.
[ ٣ / ٧٩ ]
وغزوة دومة الجندل هذه، هي الحملة العسكرية السادسة التي قام بها المسلمون قبل معركة الأحزاب وبعد غزوة أُحد.
وسبب تجريد هذه الحملة هو أن استخبارات الجيش النبوى حصلت على معلومات مفادها أن قبائل دومة الجندل قد أخذوا في التجمع لغزو المدينة، وأنهم يخيفون الناس ويقطعون الطريق ويظلمون من يمر بهم.
وعلى عادة النبي المتبعة في سلوك خطة المباغتة وتأديب الأعراب بنقل المعركة إلى مضاربهم بسرعة، جهز قوة خفيفة قوامها ألف مقاتل وأسرع بها في اتجاه دومة الجندل.
ولما كان المسلمون يجهلون للك المسالك الشاسعة البعيدة اتخذوا أُحد العذريين الخبيرين بللك المناطق واسمه (مذكور) دليلًا إلى دومة الجندل.
أمير المدينة بالنيابة
وقبل مغادرة النبي المدينة أصدر مرسومًا نبويًا عين بموجبه سبّاع بن عرفطة (١) الغفاري أميرًا على المدينة ينوب عنه حتى عودته من هذه الغزوة.
وقد تحرك النبي - ﷺ - بجيشه بأقصى سرعة ممكنة لكى يأخذ
_________________
(١) هو سباع بن عرفطة الغفاري ويقال الكنانى، قال البخاري في التاريخ الصغير، عن أبي هريرة أنه قال: قدمت المدينة والنبي ﷺ بخيبر وقد استخلف على المدينة سباع بن عوفطة فشهدنا معه الصبح وجهرنا، وهذا يعني أن النبي ﷺ استعمله أميرًا على المدينة مرتين.
[ ٣ / ٨٠ ]
المحتشدين من الأعداء على حين غرة، وكان (زيادة في إخفاء خبر هذه الحملة) يسير الليل ويكمن النهار حتى وصل مكان التجمع.
ولكن المحتشدين في دومة الجندل نقلت إليهم استخباراتهم خبر تحركات المسلمين قبل وصولهم إليهم بيوم تقريبًا، فبمجرد علم هؤلاء الأعراب المجتمعين في دومة الجندل بدنو الجيش الإسلامي من بلادهم انتابهم الرعب والخوف فتفرقوا بسرعة تاركين منازلهم فرارًا بأرواحهم.
وكان الدليل العذرى، قد أرشد المسلمين إلى المراعي التي فيها سوائم بنى تميم، فداهم الجيش للك المراعي فاستولى على عدد كبير من مواشيهم، وقد فر الرعاة بما أمكنهم الفرار به من المواشى.
نجاح الحملة
ثم واصل الجيش تقدمه حتى نزل منازل القوم فلم يجد بها أحدًا فعسكر بها أيامًا وبث الدوريات العسكرية للتتعقب فلولهم، فانتشرت في المنطقة، ولكنها وجدتهم قد تفرقوا واختفوا، ولم تجد الدوريات إلا رجلا واحدًا أتوا به رسول الله - ﷺ - فسأله عن قومه، فأخبره أنهم هربوا قبل وصول الجيش بيوم واحد. فعرض عليه الرسول، الإسلام فأسلم.
المغزى البعيد للحملة
ولا يستبعد أن يكون الرسول - ﷺ - قد قصد بهذه الحملة العسكرية
[ ٣ / ٨١ ]
التي قطع بها إلي دومة الجندل ست عشرة ليلة .. لا يستبعد أن يكون قصد به إرهاب الرومان الذين تقع المنطقة التي وصل إليها بجيشه على حدودهم وعلى مسافة خمس ليال من عاصمة ملكهم الثانية دمشق.
بل لقد أكد الواقدي هذا في مغازيه. كما نقل عند ابن كثير في البداية والنهاية حيث قال .. قال محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا .. أراد رسول الله - ﷺ - أن يدنو إلى أدنى الشام، وقيل له .. إن ذلك مما يفزع قيصر.
مدة الحملة
وقد عاد الرسول - ﷺ - من هذه الغزوة إلى المدينة بعد غيبة استغرقت حوالي خمسين يومًا، وأثناء عودته من غزوة دومة الجندل عقد مع الزعيم الفزاري المعروف (عيينة بن حصن) معاهدة عدم اعتداء، بموجب هذه الموادعة سمح النبي - ﷺ - لعيينه بن حصن أن يرعى بأرض تابعة للمسلمين تقع على بعد ستة وثلاثين ميلًا من المدينة، لأن الزعيم الفزاري هذا اشتكى للنبي جدب أرض فزارة بنجد.
٧ - غزوة بني المصطلق. (١) (أول شعبان سنة أربع من الهجرة).
وبنو المصطلق بطن من خزاعة الحجاز، تقع منازلهم ناحية (قُديد) وعلى بعد حوالي مائة وسبعين ميلا من المدينة. وسبب هذه الغزوة أن
_________________
(١) بنو المصطلق (بطن من خزاعة من القحطانين الذين نزحوا من اليمن بعد انهيار سد مأرب) واسم المصطلق، جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعه كانت لهم في الجاهلية وقائع حربية شهرية، مع هذيل من العدنانية.
[ ٣ / ٨٢ ]
الاستخبارات الإسلامية نقلت إلى النبي - ﷺ - نبأ مفاده أن سيد بنى المصطلق (الحارث بن أبي ضرار) (١) قد أخذ يحشد قومه ومن أطاعه من قبائل العرب المجاورة لحرب رسول الله - ﷺ -، وأنه قد جمع جموعًا كبيرة يريد بها غزو المدينة.
فسارع الرسول - ﷺ - وأرسل أحد استخباراته الأذكياء المحنكين ليستطلع له وينظر فيما إذا كان الخبر الذي تلقاه صحيحًا أم لا، وكان الذي وقع عليه الاختيار لهذه المهمة هو بريدة بن الحصيب الأسلمي (٢).
وقبل أن يغادر رجل الاستخبارات النبوية المدينة طلب من الرسول - ﷺ - أن يسمح له باللجوء إلى الكذب على العدو إذا ما اضطر إلى ذلك أثناء قيامه بمهمته في أرض العدو، فسمح له بذلك كضرورة يلجأ إليها رجل الاستخبارات في مثل هذه المواقف.
وبأقصى سرعة انطلق رائد الاستخبارات النبوية (بريدة) ولم تمض أيام قليلة حتى كان بين بنى المصطلق في مضاربهم، وبعد إجراء التحرى الكزم وجد الخبر صحيحًا.
وقد استقى الحقيقة من مصدرها إذ قابل قائد الحشد الحارث بن
_________________
(١) هو الحارث بن أبي ضرار بن خبيب بن عائذ بن مالك بن المصطلق الخزاعي، قائد هذه القبيلة العظيمة في تلك المعركة الخاسرة، وهو والد جويرية أم المؤمنين، أسلم بعد غزوة بنى المصطلق، وحسن إسلامه.
(٢) هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، قال ابن السكن، أسلم حين مر به النبي ﷺ - مهاجرًا - بالغميم .. من فضلاء الصحابة، وفي الصحيحين أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، وكان من قادة الفتح الإسلامي غزا خراسان في خانة أمير المؤمنين عثمان، وتوفى في خلافة يزيد بن معاوية.
[ ٣ / ٨٣ ]
أبي ضرار نفسه، وبعد أن عرفه بنفسه منتحلًا اسمًا غير اسمه ومنتسبًا إلى غير قبيلته وأنه جاء للانضمام إلى الحشد لحرب محمد، سأل الحارث هل هو مصمم على غزو المدينة، فأكد له ذلك قائلًا: فنحن على ذلك فعجل علينا بأصحابك، فصافحه بريدة مودعًا على أن يأتي بقومه للانضمام إلى الحشد ثم أركض فرسه وانصرف.
طار بريدة على فرسه (وبأقصى سرعة) وصل المدينة وأخبر الرسول الخبر وأطلعه على تفاصيل ما رأى، فاستنفر الرسول قوات الجيش وأعلن أنه ذاهب إلى ديار بنى المصطلق لضربهم وتأديبهم، فتمت التعبئة بسرعة، وفصل النبي - ﷺ - من المدينة بجيش كبير فيه من سلاح المطاردة ثلاثون فرسًا.
أمير للمدينة بالنيابة
وقبل مغادرته المدينة عين عليها أميرًا زيد بن حارثة، وقد قسم النبي - ﷺ - جيشه الزاحف علي بنى المصطلق إلى قسمين:
(١) المهاجرون، وأعطى رايتهم لأبي بكر الصديق ﵁.
(ب) الأنصار، وأعطى رايتهم لسيد الخزرج سعد بن عبادة ﵁.
المنافقون في الجيش
وفي هذه الحملة خرج مع الرسول جمع كبير من المنافقين لم يخرج مثله في غزاة مثلها قط، وكان من بين هؤلاء المنافقين رأس النفاق (عبد الله بنى أبي بن سلول).
[ ٣ / ٨٤ ]
سار النبي - ﷺ - بجيشه يحث السير لكى يأخذ بنى المصطلق على حين غرة، وأثناء تحركات الجيش الإسلامي قبض رجال استخبارات هذا الجيش على رجل اشتبهوا في أمره، فجاوأ به إلى النبي القائد - ﷺ -، ولدى استجوابه اتضح أنه جاسوس للعدو أرسله زعيم بنى المصطلق للاستكشاف ومعرفة تحركات الجيش الإسلامي، وبعد استجوابه عرض النبي على هذا الجاسوس الإسلام فأبى، فأمر بإعدامه في الحال، وكان الذي تولى إعدامه (ضربًا بالسيف) عمر بن الخطاب ﵁ بأمر خاص من النبي - ﷺ -.
وقد بلغ قائد الحشد في بني المصطلق نبأ إعدام جاسوسه فانزعج لذلك، وشاع خبر مقتل الجاسوس بين القبائل التي كانت قد تجمعت مع الحارث لحرب النبي، وبلغها خبر زحف النبي بجيشه عليهم فخافوا خوفًا شديدًا، فتفرق لذلك عن الحارث كثير ممن اجتمعوا إليه لحرب النبي.
وواصل النبي - ﷺ - السير بجيشه حتى فاجأ بنى المصطلق في مكان تحشدهم في قُديد بالقرب من ساحل البحر الأحمر على ماء لهم - ﷺ - يقال له المريسيع (١) فعسكر هناك.
نشوب المعركة وانهزام العدو
وبعد أن تصاف الفريقان وقبل أن يعطى الرسول - ﷺ - شارة الهجوم
_________________
(١) قال في مراصد الاطلاع (بالضم ثم الفتح وياء ساكنة وسين مهملة مكسورة وياء أخرى وآخره عين مهملة) ورواه بعضهم بالغين المعجمة - ماء من ناحية قديد إلى الساحل، به غزوة النبي ﷺ إلى بنى المصطلق.
[ ٣ / ٨٥ ]
أمر عمر بن الخطاب أن يتوجه إلى بنى المصطلق بنداء يدعوهم فيه إلى الدخول في الإسلام ليحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم.
فوقف ابن الخطاب ونادى .. يا بني المصطلق، قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم (١) وأموالكم .. فرفضوا وأبوا إلا الكفر والحرب.
ثم ترامى الفريقان بالنبل، وبعدها أعطى الرسول إشارة الهجوم فحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد ثم أحاطوا بهم فما أفلت منهم رجل واحد.
فقد استسلموا جميعهم للأسر بعد أن سقط منهم عشرة قتلى، ثم استولى الجيش الإسلامي على منازلهم وعلى كل ما فيها واستاق كل ما يملكون من الخيل والشاة والإبل، وسبى نساءهم وذراريهم.
الأسرى والغنائم
وقد كانت الغنائم في هذه الغزوة عظيمة جدًّا، فقد بلغت الغنائم من الإبل ألفى رأس وخمسة آلاف شاة كما أن عدد السبى من النساء والذرارى بلغ سبعمائة (١) بينهم جويرية بنت الحارث زعيم بنى المصطلق وقائد الحشد المهزوم، وقد تزوجها رسول الله - ﷺ -، بعد أن افتداها أبوها وأسلمت وأسلم أبوها.
وبعد أن تم جمع الغنائم ووضع الأسرى من الرجال في القيود، وفي
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٧٠.
[ ٣ / ٨٦ ]
مكان للمعركة قسم الرسول - ﷺ - الغنائم بين المحاربين حسب النظام المتبع في قانون الحرب الإسلامي.
فأعطى للفارس ثلاثة أسهم، سهمان للفرس وسهم لصاحبه، وأعطى للرجال سهمًا واحدًا بعد أن أخذ - ﷺ - خمس الغنيمة ليتصرف فيها وفق المصلحة العامة وتمشيًا مع النص الثابت في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية (١).
أما الأسرى والسبايا من النساء والذرية فقد أطلق النبي - ﷺ -، سراح بعضهم (منًا) والبعض الآخر دفع أهله فديته فأطلق سراحه في مكان المعركة.
وقد حمل الجيش معه إلى المدينة بعض الأسرى والسبى، ولكن أهلوهم لحقوا بهم فافتدوهم (أي دفعوا مقابل إطلاق سراحهم مبلغًا معلومًا من المال)، فلم تبق امرأة من بنى المصطلق وقعت في السبى إلا رجعت إلى أهلها، اللهم إلا جويرية بنت الحارث التي تزوجها النبي - ﷺ -.
ولم يقتل النبي - ﷺ - أحدا - ﷺ - ممن وقع في الأسر من بنى المصطلق.
إطلاق سراح جميع الأسرى
ولما علم المسلمون بتزوج النبي - ﷺ - من جويرية بنت الحارث، قالوا (في حق بنى المصطلق) .. أصهار رسول الله - ﷺ - ثم أعتقوا كل من بقى
_________________
(١) الأنفال ٤١.
[ ٣ / ٨٧ ]
في أسرهم من الرجال والنساء إكرامًا لرسول الله - ﷺ -، فكان الذين تم عتقهم بلا فدية من بنى المصطلق أهل مائة بيت، فكانت عائشة ﵂ تقول .. لا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية، أُعتق بتزويجها لرسول الله - ﷺ - أهل مائة بيت (١).
المنافقون يثيرون الفتنة داخل الجيش
وفي غزوة بنى المصطلق هذه كادت تنشب حرب أهلية طاحنة بين المسلمين وهم ديار بنى المصطلق، وذلك أن رجلًا من غفار حليف للمهاجرين اسمه جهجاه، وسنان بن وبر الجهني حليف الخزرج، تخاصما على الماء، فصرخ الغفاري مستغيثًا .. يالكنانة، وصرخ الجهني يا للأنصار، وعندها أقبل جمع من الفريقين (الأنصار وقريش) وقد شهروا السلاح حمية فكادت تحدث فتنة ومعركة دامية لولا أن الرسول - ﷺ - بادر بالخروج إلى مكان الحادث وقضى على الفتنة بحكمته المعروفة.
حيث وقف - ﷺ - في ذلك الحشد من المسلمين مستنكرًا ما حدث قائلا .. ما بال دعوى الجاهلية، (أي تلك الكلمة القبلية التقليدية، يالفلان)؟ فقالوا .. رجل من المهاجرين ضرب رجلًا من الأنصار، فقال .. دعوها (أي دعوى العنصرية الجاهلية) فإنها منتنة، من دعا دعوى الجاهلية كان من محشى جهنم، قيل يا رسول الله .. وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم؟ قال .. وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم (٢).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٩٥.
(٢) السيرة الحلبية ٢ ص ٧٦.
[ ٣ / ٨٨ ]
وقد انتهت هذه الفتنة، لاسيما وأن الأنصاري المضروب تنازل عن حقه لدى المهاجرى، فماتت بذلك الفتنة.
رأس الفتنة يتكلم
ولكن انتهاء الفتنة الأهلية بهذه السرعة لم يرق لرأس النفاق عبد الله بن أبي الذي كان موجودًا في الجيش مع المسلمين، فقد اعتبر هثل ذلك الحادث فرصة المنافقين الذهبية لإذكاء نيران الفتنة بين أصحاب محمد، ولكن هذه الفرصة فاتت على المنافقين بتصالح الرجلين وانصياع الفريقين لتوجيهات نبيهم - ﵇ -، فغاظ ذلك عبد الله بن أبي فقال: (وهو في رهط من قومه الخزرج في المعسكر وفيهم، زيد بن أرقم- وكان غلامًا صغيرًا)، قال (في حنق وعصبية وغيظ) .. أو قد فعلوها- يعني المهاجرين- ما رأيت كاليوم مذلة قط .. قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا .. والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول (سمّن كلبك يأكلك) أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ثم أقبل رأس النفاق على من حضر من قومه - مذكيًا في نفوسهم روح العداء للمهاجرين - قائلًا .. هذا مافعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم (١).
ثم قال الخبيث (وكلامه موجهًا للأنصار) .. ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضًا للمنايا فقتلتم دونه (يعني النبي - ﷺ -)
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٩١.
[ ٣ / ٨٩ ]
فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد ..
وفي الحال نقل زيد بن أرقم (١) هذا الكلام الخطير الذي فاه به رأس النفاق إلى رسول الله - ﷺ -، وقد غضب الرسول - ﷺ - لهذا الخبر غضبًا شديدًا وتغير وجهه.
إلا أنه - ﷺ - (ولئلا تتسع الشقة وتحدث فتنة في المعسكر من جديد) أحب تلطيف الأمر وأظهر شكه في صدق ما نقل إليه زيد بن أرقم (وكان شابًّا صغير السن) فقال له .. يا غلام لعلك غضبت عليه، قال .. والله يا رسول الله .. لقد سمعته منه .. قال .. لعله أخطأ سمعك.
وقد لام الغلام رجال من قومه الخزرج، فقالوا له .. عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، فقال زيد والله لقد سمعت ما قال، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله - ﷺ - وإى لأرجو أن ينزل الله تعالى على نبيه - ﷺ - ما يصدق حديثي.
حكمة الرسول تنقذ الموقف
وكان عبد الله بن أبي سيدًا في قومه الخزرج، وما كانت عدواته للنبي وبغضه للمسلمين لتخفى على النبي - ﷺ - ولكنه - ﷺ - لم يشأ التوسع في الموضوع، بل حاول إسدال الستار عليه خوف الفتنة.
وعندما طلب عمر بن الخطاب من رسول الله - ﷺ - أن يسمح له بضرب
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا غزوة أحد.
[ ٣ / ٩٠ ]
عنق رأس النفاق عبد الله بن أبي - وهم لما يزالوا في ديار بنى المصطلق - رفض النبي هذا الطلب قائلًا .. فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟؟ . فقال عمر .. إن كرهت أن يقتله مهاجرى فأمر أنصاريًا يقتله، فلم يوافق النبي - ﷺ - على ذلك. بل رفض هذا الاقتراح أيضًا قائلًا لعمر .. ترعد له (إذن) أُنُفُ كثيرة بيثرب، .. يعني النبي - ﷺ - بقوله هذا إقتل عبد الله بن أبي على هذه الصورة قد يكون سببًا في إثارة حرب أهلية بين المسلمين لأنه كان يتوقع غضب رجال كثيرين من الخزرج لقتل زعيمهم عبد الله بن أبيّ، لاسيما وأن كثيرًا منهم لا يعلمون حقيقة نفاقه.
خطوة حكيمة حاسمة
غير أن النبي - ﷺ - كقائد أعلى للجيش ورئيس دولة مسئول لما رأى تطور الموقف وازدياد الخطر نتيجة للكلام الذي فاه به عبد الله ابن أبي وحرض به على الفتنة في المعسكر سارع إلى اتخاذ خطوة سريعة حاسمة بها أشغل الناس (تمامًا) عن الخوض في الحديث الذي كان بالأمس من عبد الله بن أبي.
فقد أمر - ﷺ - بأن يتحرك الجيش بسرعة في اتجاه المدينة وأمر بأن يسير الجيش حوالي ثلاثين ساعة دونما توقف، وكان يقصد بذلك أن يتعب الناس فلا يجدوا مجالًا للحديث عن الموضوع الخطير الذي أثاره رأس النفاق وهم في ديار بنى المصطلق.
قال ابن كثير في البداية والنهاية - يصف ذلك - ثم مشى رسول
[ ٣ / ٩١ ]
الله - ﷺ - بالناس يومئذ حتى أمسى وليلتهم أحتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل رسول الله - ﷺ - ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي (١).
هو والله الذليل وأنت العزيز
وقال ابن إسحاق .. فلما استقل رسول الله - ﷺ - وسار، لقيه أسيد بن حضير (٢) - من سادات الخزرج - فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال يانبي الله،، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال له (وكان أسيد من خاصة أصحابه) .. أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ . قال .. وأى صاحب يا رسول الله؟، قال .. عبد الله بن أبي، قال .. وما قال: قال .. زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال .. فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال .. يا رسول الله .. إرفق به .. فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا (٣).
_________________
(١) انظر ترجمة هذا المنافق في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) انظر ترجمته في كتابنا غزوة بدر الكبرى الطبعة الثانية.
(٣) هذا الكلام الذي رواه ابن إسحاق عن النبي ﷺ يدل على أن النبي القائد واثق من صدق الغلام زيد بن أرقم فيما تقل إليه من كلام المنافق عبد الله بن أبي إلا أنه ﷺ أحب أن لا يتسع الحديث والنقاش حول هذا الموضوع الخطير ولذلك قال لزيد بن أرقم .. لعلك غضبت عليه، أو لعله أخطأ سمعك ثم أمره (فورًا) بالرحيل لينسى الناس هذا الحديث الخطير.
[ ٣ / ٩٢ ]
ولم يشأ النبي - ﷺ - أن يجرى أي تحقيق فيما نسب إلى رأس النفاق من قول خطير أو يتخذ أي إجراء ضده للمقالة القبيحة التي قال، إلا إن وجوه قوم ابن أبي من الخزرج جاءوا إليه وقالوا له .. يا ابا الحُباب، إن كنت قلت ما نقل عنك فأخبر به النبي - ﷺ - فليستغفر لك ولا تجحده فينزل فيك ما يكذبك وإن كنت لم تقله فائت رسول الله - ﷺ - فاعتذر له.
فحلف لقومه بالله العظيم أنه ما قال من ذلك شيئًا، ثم مشى إلى رسول الله - ﷺ - وأخذ يحلف له بالله أنه لم يقل شيئًا مما نقله إليه زيد بن أرقم.
هكذا تصنع العقائد الرجال
وقد كان لهذا المنافق الكبير عبد الله بن أبي، ابن صالح بار، فلما بلغه مقالة أبيه الخبيثة وما أشيع من استئذان ابن الخطاب في قتله، جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال:
"يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله (يعني والده) فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرنى أن أحمل لك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده منى، إني أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشى في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار".
فقال رسول الله - ﷺ - لهذا الشاب المؤمن .. ما أردت قتله ولا أمرت به ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا، وكان لهذا الموقف الحيكم الذي وقفه
[ ٣ / ٩٣ ]
النبي - ﷺ - من رأس النفاق أثر كبير في الحد من شرور هذا المنافق، فكان قومه- بعد ذلك إذا أحدث الحدث هم الذين- يعاتبونه ويأخذون ويعنفونه.
يمنع أباه من دخول المدينة
وذكر عكرمة أن عبد الله هذا لما بلغته مقالة أبيه الخبيثة وقف له- آثر عودة الجيش من بنى المصطلق- عند مضيق المدينة ثم قال له قف فو الله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله - ﷺ - في ذلك، فلما جاء رسول الله - ﷺ - استأذنه في ذلك فأذن له فأرسله حتى دخل المدينة.
وبعد أن عرف قوم ابن أبيّ حقيقة هذا المنافق وقف منه ابنه وقومه ذلك الموقف حيث صاروا هم وودن تعنيفه وتبكيته، وقد أحب الرسول - ﷺ - أن يبين لعمر بن الخطاب نتائج الموقف الحكيم الذي وقفه من رأس النفاق ساعة أن قال تلك المقالة الخبيثة، فقال - ﷺ - .. ياعمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي، لأرعدت له أُنُفَ لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله - ﷺ - أعظم بركة من أمرى.
مقالة ابن أبي في القرآن
وأنزل الله تعالى سورة من القرآن - بعد المقالة الخبيثة التي قالها رأس النفاق، فوضح فيها أمر هذا المنافق الكذاب ومن ذلك قوله تعالى:
[ ٣ / ٩٤ ]
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
ولما نزلت هذه السورة وفيها (بالطبع) تأكيد ما قاله الغلام زيد بن أرقم عن رأس النفاق، أخذ النبي - ﷺ - بأذن الغلام زيد، ثم قال -مؤكدًا صدقه- هذا الذي أوفى الله بأُذُنِه (٢).
وقد عاد النبي - ﷺ - إلى المدينة من غزوة بنى المصطلق في غرة شهر رمضان، فاستغرقت غيبته عن المدينة في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يومًا وقد كان بعض المؤرخين يسمونها (بغزوة العجائب) لكثرة ما حدث فيها من الأمور العجيبة.
المعركة الكبرى .. حديث الإفك
وأثناء عودة الرسول - ﷺ - من غزوة بنى المصطلق هذه، قال المنافقون في أم المؤمنين عائشة ﵂ تلك المقالة الخبيثة من الإفك، الذي به نالوا عرض رسول الله - ﷺ - حتى آذوه أشد الإيذاء وجعلوه عرضه لأعنف الآلام النفسية وأشدها.
الشرارة الأولى
كان رأس النفاق، ممثل عصبة اليهود والمنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول، موجودًا ضمن الجيش الإسلامي الذي غزا بنى المصطلق،
_________________
(١) المنافقون آية ٨.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٩٢.
[ ٣ / ٩٥ ]
وكان هذا المنافق المجرم، لا يجد فرصة يكيد فيها للإسلام ويحط من شأن رسالته إلا اغتنمها.
وبينما هذا المنافق الأكبر موجودًا في المعسكر بين قومه الخزرج، إذا بالصحابى الجليل صفوان بن المعطل يمر بهودج أم المؤمنين عائشة ﵂، فيقول هذا المنافق (ابن أبي): من هذه؟ . فيقولون: عائشة ﵂، فيقول المنافق الأكبر: والله ما نجت منه ولا نجا منها، ثم يعقب على ذلك بقوله: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها.
هذه القولة الخبيثة المنكرة، هي الشرارة الأولى التي أشعلت حديث الإفك، فكانت (بسببها) معركة كبرى من الآلام خاضها النبي - ﷺ - طيلة شهر كامل.
لقد كان حديث الإفك من تدبيرات المنافقين القاتلة، وهو أحد الأسلحة السياسية الكبيرة الفتاكة التي تلجأ إليها عصابة النفاق للكيد للإسلام وتفريق كلمة المسلمين وتفتيت وحدتهم.
ولقد نظم المنافق الأكبر وحزبه حملات واسعة أشاع بها هذا الحديث المفترى، وروج له بدقة وإحكام حتى انخدع به كثير من المسلمين، فخاض فيه منهم من خاض حتى وصل البعض منهم في الخوض في هذا الحديث المفترى، إلى الدرجة التي بها أقيم عليه الحد، كحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، وقد تضخم حديث الإفك حتى صار شغل أهل المدينة الشاغل.
ولقد آتت مساعى عصبة الإفك والنفاق ثمارها إلى حد بعيد فقد فعلت حملات الإفك الظالمة فعلها المخيف في نفوس المجتمع الإسلامي ..
[ ٣ / ٩٦ ]
وحتى ذلك القلب الكبير النقى الطاهر، قلب النبي محمد - ﷺ - صار عرضة لنزوع الشك والحيرة والقلق، فقد أثرت تلك الإشاعات الكاذبة في نفسه فأعرض عن زوجته الطيبة الطاهرة الحنون، مما اضطرها إلى الانتقال إلى بيت أبيها الصديق ﵁ مشكوكًا فيها من زوجها العظيم وظلت هناك حتى نزلت براءتها من السماء قرآنًا يتلى أبد الآبدين.
وكانت محنة (بل أعظم محنة نفسية شاقة مضنية) تعرض لها النبي محمد - ﷺ - في حياته، وهل هناك أعظم وأشد إيلامًا من أن يطعن الإنسان في عرضه، وخاصة من هو على مستوى النبوة والقيادة للأمة كلها؟ .
ولقد استمرت المحنة (التي تكلف فيها صاحب أطهر نفس في تاريخ الإنسانية من الآلام ما تنهد له الجبال) شهرًا كاملًا انقطع خلاله اتصال السماء بالأرض، وظل فيه ذلك القلب الكبير النقى معلقًا بحبال الشك تعتصره الآلام إلى أخف منها آلام طعن الرماح ووقع السيوف.
أما آل الصديق، أما بنت الصديق، أما زوج الصديق، أما الصديق نفسه، ذو الوقار المتناهى والحساسية المرهفة والطيبة الكاملة فقد كانت مصيبتهم أعظم من أن توصف، ويا لها من مصيبة، وهل هناك أعظم من أن يصاب بيت كريم رفيع العماد بالطعن في عرض ابنته .. وزوجة من؟؟ .. زوجة محمد بن عبد الله - ﷺ -، حبيب أبيها ورفيقه في النضال والجهاد منذ بزغت شمس الإسلام على هذه الأرض.
ولقد عقد هول الفاجعة ألسنة أهل ذلك البيت الطاهر بيت الصديق
[ ٣ / ٩٧ ]
الأكبر، فكانوا أمام تلك الإشاعات الظالمة الكاذبة المدبرة المغرضة التي أغرقت المدينة، لا يحيرون جوابًا. وماذا عساهم أن يقولوا، والشك في ابنتهم قد تسرب إلى قلب زوجها النبي - ﷺ - نفسه، ولقد انطوى أهل البيت الطيب الوادع الكريم على أنفسهم، يهد منهم الألم بعنف وضراوة وهم لا يدرون ما يصنعون أو يقولون، أمام هذه النازلة التي امتحنهم الله بها، ولقد فاض الألم المدمر على لسان ذلك الرجل الوقور الصابر المؤمن، الذي استفزته ضراوة ألم تلك الإشاعات القاتلة مرة فقال: والله ما رمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ .
وعندما قالت له ابنته البرئية المعذبة المظلومة (والألم يطحن قلبها الأبيض الطاهر): أجب عنى رسول الله - ﷺ - قال- في ألم وإشفاق: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله - ﷺ -.
حقًّا لقد كان حادث الإفك معركة آلام عنيفة طاحنة خاضها البيت النبوى الكريم، وأضنت جروحها الثخينة قلوبًا كبيرة طاهرة نقية، وكادت تودى بنفوس بريئة كمدًا وغمًا.
عائشة تروي القصة المؤلمة
ولما في هذا الحادث الخطير من عبر وعظات وتربيات يمكن أن يستفيد منها الذين يتسرعون في رمى الأبرياء، فإنا سندع أم المؤمنين عائشة ﵂ تروى لنا قصة هذا الألم القاتل الذي عاشته طيلة شهر كامل.
فقد روى الزهري عن عروة وغيره عن عائشة ﵂ قالت:
[ ٣ / ٩٨ ]
كان رسول الله - ﷺ - إذار أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، وإنه أقرع بيننا في غزوة (وهي غزوة بنى المصطلق) فخرج سهمى، فخرجت معه بعد ما أُنزل الحجاب وأنا أُحمل في الهودج، وأنزل فيه.
فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الرحل فلمست صدرى فإذا (عقد) لي من جزع أظفار قد انقطع.
فرجعت فالتمسته فحبسنى ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوننى، فاحتملوا هودجى، فرحلوه على بعيرى، وهم يحسبون أنى فيه، وكان النساءُ، إذا ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، وإنما نأكل العلقة (١) من الطعام.
فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه منهم، فتيممت منزلى الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوننى فيرجعون إليّ.
فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت، وكان صفوان بن المعطل (٢) السُلمى، ثم الذكوانى، قد عرَّس (٣) وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند
_________________
(١) العلق (بضم ففتح): جمع علقة، وهي ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء.
(٢) هو صفوان بن المعطل بن ربيعة (بالتصغير) بن خزاعى بن محارب السلمي ثم الذكوانى، من السابقين في الإسلام، شهد الخندق والمشاهد كلها (في قول الواقدي) كان في غزوة بنى المصطلق أميرًا على ساقة الجيش، ولذلك كان آخر من يرتحل من رجال الجيش، في تلك الغزوة، وقد عاش إلى أيام الخليفة الفاروق، فغزا مع المسلمين حتى استشهد في معركة بأرمينية سنة تسع عشرة.
(٣) قال في (اللسان): والتعريس نزول القوم في السفر من أخر الليل- يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم ينيخون وينامون نومة خفيفة ثم يثورون مع انفجار الصبح سائرين.
[ ٣ / ٩٩ ]
منزلى، فرأى سواد إنسان نائم، فأتانى فعرفنى حين رآني، وكان يرانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (١) حين عرفنى، فخمرت وجهى بجلبابى، والله ما كلمنى بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها.
فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين (٢) قالت: فهلك في شأنى من هلك، وكان الذي تولى كبر الإثم عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت (٣) بها شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر، وهو يريبنى في وجعى أنى لا أرى من النبي - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكى، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبنى منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت (٤).
فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبررنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكُنُف، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط.
_________________
(١) الاسترجاع هو قوله (إنا لله وإنا إليه راجعون).
(٢) سبق تفسير التعريس.
(٣) كناية عن المرض، فإذا مرض الإنسان قالوا: (اشتكى).
(٤) يعبر بالنقاهة عن قرب العهد بالمرض.
[ ٣ / ١٠٠ ]
فأقبلت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأُمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشى، فعثرت أم مسطح في مرطها (١) فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: ياهنتاه ألم تسمعى ما قال: فقلت: وما قال؟ .
فأخبرتنى بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضى، فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله - ﷺ -.
فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي أن آتى أبويَّ وأنا حينئذ أُريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي.
فأتيت أبويَّ فقلت لأمى: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به؟ .
فقالت: يا بنية هونى على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى أصبحت أبكى.
فدعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحى يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، والذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرًا.
_________________
(١) المرط (بكسر الميم) الكساد.
[ ٣ / ١٠١ ]
وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تخبرك، قالت: فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئًا يربيك؟
فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا إن رأيت (أي ما رأيت) منها أمرًا أغمصه (١) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن (٢) فتأكله.
النبي يطلب كف أذى رأس النفاق
قالت: فقام رسول الله من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول "كبير مجرمى الإفك والناشرين له "فقال - وهو على المنبر: - (من يعذرنى من رجل بلغني أذاه في أهلى؟ فوالله، ماعلمت على أهلى إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ماعلمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلى إلا معى).
قالت: فقام سعد بن معاذ - ﵁ - فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه. إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك.
فقام سعد بن عبادة - ﵁ - وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحًا ولكن أخذته الحمية، فقال: لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير (٣) - وهو
_________________
(١) أغمصه: أعيبه.
(٢) الداجن: الشاة في البيت.
(٣) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ١٠٢ ]
ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عبادة (١): كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
كادت الفتنة أن تنشب بين الأوس والخزرج
قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا "وهذا أغلى ما يتمناه ويسعى إليه عبد الله بن أبي وحزبه من المنافقين واليهود" ورسول الله - ﷺ - على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل.
قالت: وبكيت يومى ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواى عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالق كبدى، فبينما هما جالسان عند وأنا أبكى إذا استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكى معى.
فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله - ﷺ -، ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأنى بشيء.
فتشهد حين جلس، ثم قال: "أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإذا كنت بريئة فسيبرؤك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله تعالى وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله تعالى عليه".
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٣ / ١٠٣ ]
قالت: فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب عنى رسول الله - ﷺ - فيما قال:
قال: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله - ﷺ -، فقلت لأمى أجيبى عنى رسول الله - ﷺ - قالت: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله - ﷺ -.
قالت عائشة: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثًا تحدث الناس به. فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونى بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة، لتصدقننى، فوالله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: [فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون). ثم تحولت فاضطجعت على فراشى، وأنا والله حينئذ أعلم أنى بريئة، وأن الله تعالى مبرئى ببراءتى، ولشأنى في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيّ بأمر يتلى.
نزول الوحي ببراءة عائشة
قالت: ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرؤنى الله تعالى بها، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه - ﷺ - فأخذة ما كان يأخذه من البرحاء، فسرى عنه، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة إحمدى الله تعالى فإنه قد برأك، فقالت أمى: قومى إلى رسول الله - ﷺ -
[ ٣ / ١٠٤ ]
فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله تعالى، وهو الذي أنزل براءتى.
قالت: فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ .. العشر آيات﴾.
قال عائشة: وكان رسول الله - ﷺ - سأل زينب بنت جحش عن أمرى، فقال: (يا زينب. ما علمت وما رأيت؟) فقالت: يا رسول الله أحمى سمعى وبصرى، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، وهي التي كانت تسامينى من أزواج النبي - ﷺ - فعصمها الله تعالى بالورع، قالت: فطفقت أُختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. إ هـ
وقصة الإفك هذه أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري، وهكذا رواها ابن إسحاق كذلك مع اختلاف يسير.
آيات التبرئة
وكانت الآيات التي نزلت لتبدد غيوم فتنة الإفك عشر من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ (١) مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ - وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا
_________________
(١) أي تحمل أكبر قسط من إثم الإفك: وهو رأس النفاق عبد الله بن أبي، رأس كل فتنة وأساس كل إرجاف، وحامل لواء الكيد للإسلام ونبي الإسلام، فقد روى=
[ ٣ / ١٠٥ ]
وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١) (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) = أن هذا المنافق (وكان ضمن الجيش) لما رأى صفوان بن المعطل يمر بهودج أم المؤمنين، (قال في ملإ من قومه الخزرج): من هذه؟ فقالوا عائشة - ﵂ - .. فقال المجرم: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها. وهي قولة شنعاء نجح رأس النفاق إلى حد بعيد في الترويج لها، وكادت تصيب من المجتمع الإسلامي كله مقتلًا لولا أن الله كان من وراء هذا المنافق وعصابته المجرمة محيطًا، فحفظ دينه وعصم رسوله ورعى أمته، ففضح هذا المنافق وحزبه في قرآن يتلى أبد الآبدين.
(٢) هذه الآية تعنى أبا أيوب الأنصاري وزوجته -﵄-، فقد روى الإمام محمد بن إسحاق: أن أبا أيوب - خالد بن زيد - قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال فعائشة خير منك، وفي تفسير الإمام الزمخشرى (الكشاف): أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله - ﷺ - سواءًا؟ قال: لا. قالت ولو كنت أنا بدل عائشة، ما خنت رسول الله - ﷺ - فعائشة خير منى وصفوان خير منك، فذلك الذي عنى الله تعالى بقوله ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية.
[ ٣ / ١٠٦ ]
لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ (٢) لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٣)﴾.
القضاء على الفتنة
وبذلك انتهى حديث الإفك وبطل مفعوله المدمر فقضى على تلك الفتنة الاجتماعية التي كادت تذهب بوحدة المسلمين، بل وتثير بينهم حربًا أهلية طاحنة، فتزلزل بنيان هذا الدين الوليد.
_________________
(١) نزلت هذه الآية ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في أبي بكر الصديق الذي كان ينفق على مسطح بن أثاثة لأنه قريبة، ثم امتنع عن الإنفاق عليه، وآلى على نفسه أن لا ينفع مسطحًا لأنه ممن خاضوا في حديث الإفك، بل ممن أدينوا، وأقيم عليهم الحد (ثمانين جلده) وكان مسطح من فقراء المهاجرين ولكنه انزلق مع المنزلقين، وقد ذكر القرآن الصديق أنه من الخير الصفح عن مسطح والاستمرار في الإنفاق عليه ففعل الصديق الأكبر، وواصل الإنفاق على مسطح بالرغم مما حدث.
(٢) وهذه الكلمة ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ خاصة بأم المؤمنين عائشة التي رميت بما هي منه بريئة.
(٣) النور آية ١١ إلى آية ٢٦.
[ ٣ / ١٠٧ ]
وما قصدت عصبة النفاق (والله) من تضخيم حديث الإفك والتنظيم لإشاعته إلا تفريق كلمة المسلمين بإثارة النزعات بينهم، لأن هذه العصبة الخبيثة تعلم أن إشاعة مثل هذا الحديث الخطير سيكون مثار جدل واختلاف بين المسلمين، يصل بهم إلى درجة التلاحى وإثارة النعرات القديمة مما قد يكون سببًا في إثارة حرب قبلية بين الخصمين القديمين العنيدين (الأوس والخزرج)، ولقد كاد يحدث ذلك فعلًا، وذلك هو الغاية الكبرى التي يهدف إلى تحقيقها حزب النفاق الذي حمل لواء حديث الإفك وقام (بطرق مدروسة ملتوية) بإشاعته، فباعث الحديث هذا (في حد ذاته) هو باعث سياسى خبيث ذو مرامى بعيدة، ويكفى لتأكيد ما نقول أن مطلق شرارة فتنة حديث الإفك، هو رأس النفاق عبد الله بن أبي، الذي منذ وطئت قدما الرسول الأعظم تراب المدينة المنورة، وهو يحيك الدسائس وينظم المؤمرات ضد هذا النبي الكريم والدين القويم الذي جاء به.
إقامة الحد على المفترين
وبعد نزول القرآن بتبرئة أم المؤمنين عائشة - ﵂ - أجرى التحقيق مع الذين لهم ضلع في إشاعة حديث الإفك، فلم يثبت التحقيق سوى إدانة ثلاثة نفر .. رجلين وامرأة، وهم حسان بن ثابت)، و(حمنة بنت جحش) و(مسطح بن أثاثة، وقد أُقيم حد القذف على هؤلاء الثلاثة (ثمانين جلدة جلد بها كل واحد منهم).
والغريب في الأمر أن كل الذين تعرضوا لعقاب الجلد ليس بينهم
[ ٣ / ١٠٨ ]
منافق واحد، بل كلهم مسلمون تأثروا بقوة الأراجيف فجرفهم تيار الإشاعات الكاذبة، فنطقوا بما أوقعهم تحت طائلة العقوبة من صريح الكلام في عرض زوج نبيهم الطهور.
ولقد نجا عبد الله بن أبي وعصبته المنافقة من عقوبة القذف لأن التهمة لم تثبت عليه قانونًا، بالرغم من أن الناس يعلمون (في قرارة أنفسم ويشعرون ومنهم النبي الأعظم) أن المحرك الأول لحديث الإفك إنما هو هذا المنافق (ابن أبي وحزبه)، ولكن الشعور والاعتقاد شيء، والقانون وإجراءاته الرسمية شيء آخر.
ولهذا نجا رأس النفاق وعصابته من العذاب (عذاب السياط التي أصابت غيرهم حدًّا) لأن هذا المنافق كان يعلم عقوبة القذف الصريح، فكان لذلك أحذر من أن يقع تحت طائلة القانون، بكلام صريح مشهود يفوه به من حديث الإفك الذي لم يكن له سواه باعثًا ومروجًا، ولهذا أفلت من العقوبة بعد أن أوقع غيره لينال عذابها.
أضخم معركة يخوضها الرسول
قال في ظلال القرآن: لقد كانت - حادثة الإفك - معركة خاضها رسول الله - ﷺ - وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها الرسول - ﷺ - وخرج منها منتصرًا كاظمًا لآلامه الكبار محتفظًا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره، فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله، والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه.
[ ٣ / ١٠٩ ]
وإن الإنسان ليقف متململًا أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول - ﷺ - وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة زوجته المقربة وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة، تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة والرفرفة الشفيفة.
فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة، ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها ونظافة تصوراتها، ها هي ذي ترمى في أعز ما تعتز به، وترمى في شرفها وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الظاهر الرفيع، وترمى في أمانتها، وهي زوج محمد بن عبد الله من ذرية بنى هاشم، وترمى في وفائها وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير .. ثم ترمى في إيمانها وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة، وهي زوج رسول الله - ﷺ -.
ها هي ذي ترمى وهي بريئة غرة غافلة، لا تحتاط ليس، ولا تتوقع شيئًا، فلا تجد ما يبرؤها إلا أن ترجوا في جناب الله، وتترقب أي يرى رسول الله - ﷺ - رؤيا تبرؤها مما رميت به، ولكن الوحى يتلبث لحكمة يريدها الله شهرًا كاملًا، وهي في مثل هذا العذاب.
ويالله لها وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح، وهي مهدودة من المرض فتعاودها الحمى وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا، وفي رواية أُخرى تسأل: وقد علم به أبي؟ .
فتجيب أمها: نعم! .
فتقول: ورسول الله - ﷺ -؟ . فتجيبها أمها كذلك نعم.
[ ٣ / ١١٠ ]
ويالله ورسول الله - ﷺ - نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه يقول لها: "أما بعد فإنه بلغني عنك كذا، فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله تعالى وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه".
فتعلم أنه شاك فيها، لا يستيقن من طهارتها، ولا يقضى في تهمتها وربه لم يخبره بعد، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها، فتمسى وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها، وأحلها في سويدائه.
وصف محنة الصديق الأكبر وأهل بيته
وها هو ذا أبو بكر الصديق - في وقاره وحساسيته وطيب نفسه يلذعه الألم وهو يرمى في عرضه في ابنته زوج محمد صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل، لا يطلب دليلًا من خارجه .. وإذا الألم يفيض على لسانه وهو الصابر المحتسب القوى على الألم، فيقول: والله ما رُمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ .
وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة: أجب عنى رسول الله - ﷺ - قال، في مرارة هامدة والله ما أدرى ما أقول لرسول الله - ﷺ -.
وأُم رومان - زوج الصديق - وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء. المريضة التي تبكى حتى تظن أن البكاء فالق كبدها، فتقول
[ ٣ / ١١١ ]
لها: يا بنية هونى على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.
ولكن هذا التماسك يتزايل وعائشة تقول لها: أجيبى عنى رسول الله - ﷺ - فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله - ﷺ -.
ابن المعطل يضرب حسانًا بالسيف
والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله، صفوان بن المعطل. وهو يُرمى بخيانة نبيه في زوجه. فيرمى بذلك في إسلامه وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حميته، وفي كل ما يعتز به صحابى وهو من ذلك كله برئ.
وهو يفاجأ بالاتهام الظالم وقلبه برئ من تصووه، فيقول: سبحان الله! والله ما كشفت كتف أنثى قط، ويعلم (وهو الشجاع) أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه.
فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف على رأسه ضربة تكاد تودى به، ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم، وهو منهى عنه، أن الألم قد تجاوز طاقته فلم يملك زمام نفسه الجريح (١).
_________________
(١) قال ابن إسحاق: ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه، وقد كان حسان قال شعرًا مع ذلك يعرض بابن المعطل وبمن أسلم من مضر فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف ثم قال: تلق ذباب السيف عنى فإننى غلام إذا هوجيت لست بشاعرًا ولقد ألقى رهط حسان القبض على صفوان فذهبوا به إلى رسول الله - ﷺ - فأخمد الفتنة بحكمته، بعد أن كادت تشتعل بين الأنصار والمهاجرين أنفسهم، لأن صفوانًا مهاجرى وحسانًا أنصارى.
[ ٣ / ١١٢ ]
ثم ها هو ذا الرسول - ﷺ - وهو رسول الله، وهو في الذروة من بنى هاشم .. ها هو ذا يرمى في بيته وفي من؟ في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الإبنة والزوجة الحبيبة.
وها هو ذا يرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يرمى في صيان حرمته، وهو القائم على الحرمات في أُمته، وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له، وهو الرسول المعصوم من كل سوء.
ها هو ذا - ﷺ - يرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة - ﵂ .. يرمى في فراشه وعرضه وقلبه ورسالته، يرمى في هذا كله، ويتحدث الناس به في المدينة شهرًا كاملًا، فلا يملك أن يضع لهذا كله حدا والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهرًا كاملًا، لا يبين فيه بيانًا، ومحمد الإنسان يعانى ما يعانيه الإنسان في هذا الموقف الأليم، يعانى من العار، ويعانى فجيعة القلب، ويعانى فوق ذلك الوحشة المؤرقة، والوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق.
والشك يعمل في قلبه - مع وجود القرائن الكثيرة على براءة أهله، ولكنه لا يطمئن نهائيًا إلى هذه القرائن - والفرية تفوح في المدينة، وقلبه الإنسان المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك، فلا يملك أن يطرد الشك لأنه في النهاية (بشر) ينفعل في هذه انفعالات (البشر)، وزوج لا يطيق أن يمس فراشه .. ورجل تتضخم بذرة الشك في قلبه متى استقرت ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم.
وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده، فيبعث إلى أسامة بن زيد حبه
[ ٣ / ١١٣ ]
القريب إلى قلبه، ويبعث إلى علي بن أبي طالب، ابن عمه وسنده، يستشيرهما في خاصة أمره.
ورسول الله - ﷺ - في لهفة الإنسان، وفي قلق الإنسان يستمد من حديث أسامة، ومن شهادة الجارية مددًا وقوة يواجه بهما القوم في المسجد، فيستعذر ممن نالوا عرضه، ورموا أهله، ورموا رجلًا من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء.
فيقع بين الأوس والخزرج من تناور - وهم في مسجد رسول الله - ﷺ، وفي حضرة رسول الله - ﷺ - ويدل على هذا الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة، وقد خدشت قداسة القيادة.
ويحز هذا في نفس الرسول - ﷺ - والنور الذي اعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها يصارحها بما يقول الناس، ويطلب منها (هي) البيان الشافى المريح.
وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة، وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع، ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم أهـ.
[ ٣ / ١١٤ ]
الفصل الثاني
* مخطط اليهود لغزو المدينة
* طواف زعماء اليهود بين القبائل العربية لتحريضها علي الغزو.
* اليهود يرشون زعماء الأعراب.
* قيام التحالف بين الأحزاب - قريش - غطفان - اليهود - لاحتلال المدينة.
* رسم الخطط واستعداد الفريقين للمعركة الفاصلة.
* المسلمون يحفرون الخندق كخط رئيسي للدفاع عن العاصمة.
كما قلنا في مقدمة هذا الكتاب، إن غزوة الأحزاب الخطيرة هذه هي وإن كانت في الشكل والمظهر، غزوة قرشية غطفانية، إلا أنها في أهدافها البعيدة ومراميها العميقة هي غزوة يهودية لحمًا ودمًا، فاليد الحقيقية التي تكمن وراء هذه الحملة المخيفة الموجهة لإبادة المسلمين إبادة كاملة هي يد يهودية.
فغزوة الأحزاب الموجهة لاحتلال المدينة والقضاء على المسلمين وهدم الإسلام في عقر داره، قد جاءت وفق تصميمات مدروسة وضعها مفكرون إسرائيليون، كما أن تمويل هذه الحملة الخطيرة قد ساهم اليهود فيه مساهمة كبيرة.
[ ٣ / ١١٥ ]
لقد كان اليهود - وهم مصدر الفتن والقلاقل ومثيروا الحروب في كل عصر وزمان - هم الذين حزبوا تلك الأحزاب وحشدوا عشرة آلاف مقاتل من أعراب الجزيرة العربية لغزو المدينة واستئصال شأفة المسلمين فيها.
كما أن قريشًا - العدو العربي التقليدى للمسلمين - لها يد كبيرة في تنسيق هذا الغزو والتشجيع عليه والترحيب بفكرته التي جاءت من جانب اليهود.
أما قريش فقد كان نزاعها مع النبي - ﷺ - ودعوته نزاعًا قديمًا قدم الدعوة الإسلامية، وكان صراعها من أجل القضاء على الإسلام والمسلمين صراعًا قديمًا مزمنًا يرجع عهده إلى أول ظهور الإسلام، وقد خاضت قريش - في سبيل تحقيق هذا الهدف - مع المسلمين معارك رهيبة أولها معركة بدر الكبرى وآخرها معركة أُحد التي - بالرغم من انتصارها الوقتى فيها - لم تحقق لها هدفها المنشود.
أما اليهود فقد كانت العداوة والكره لكل من سواهم من البشر طبيعة متأصلة في نفوسهم، فما ظنك بمن جاء يحمل رسالة سماوية فيها الخطر كل الخطر على كيان هؤلاء اليهود المبنى على الغش والدس والوقيعة والاستغلال.
حقد اليهود على النبي - ﷺ -
لقد كان اليهود (دونما جدال) يضمرون للنبي ودعوته من الحقد والبغض والحسد ما هو أعمق مما تضمره قريش وأحلافها من
[ ٣ / ١١٦ ]
أعراب الجزيرة، فكان اليهود - لذلك - أحرص من أعراب الجزيرة على محو الإسلام والقضاء على المسلمين.
وإذا كانت قريش في مكة قد استطاعت أول الأمر - لقوتها وضعف المسلمين - أن تنكل بهم وتفتن البعض منهم عن دينه تحت وسائل التعذيب بل وتجبر النبي - ﷺ - على مغادرة وطنه الأصلي (مكة) لجرأتها على الائتمار بقتله، فإن اليهود الذين يودون أن يفعلوا ذلك وأكثر بالنبي وصحبه، لم يكن في مقدورهم أن يفعلوا شيئًا من ذلك بمفردهم عندما جاءهم النبي - ﷺ - إلى يثرب.
لأنه - ﷺ - لم يصل إلى المدينة إلا وقد سبقه تكوين جبهة عسكرية قوية مشكلة من جميع القبائل القحطانية (الأوس والخزرج) في يثرب.
بالإضافة إلى مهاجرى قريش المسلمين الذين تركوا وطنهم فرارًا بدينهم، وانضموا إلى معسكر يثرب، فكانت هذه الجبهة العسكرية القوية درع الرسول الحربى الواقى الذي يحتمى به. الأمر الذي غاظ اليهود وقهرهم، وجعلهم يعجزون عن القيام منفردين بأي عمل عسكرى أو شبه عسكرى ضد المسلمين كما كانت تفعل قريش، لأن هؤلاء اليهود بالرغم من قدمهم في الجزيرة هم عنصر أجنبي دخيل على الأمة العربية لم يستطع الامتزاج بهذه الأمة - بالرغم من إقامته بينها آلاف السنين.
وكل ما قام به اليهود في يثرب ضد النبي - قبل غزوة الأحزاب - هو عمليات دس وتفريق بين المسلمين ومحاولات لإثارة الحرب
[ ٣ / ١١٧ ]
الأهلية بينهم، وحركات عصيان ضيقة النطاق .. عمليات كلها باءت بالفشل.
وآخر محاولة جريئة قام بها اليهود هي محاولة بنى النضير اغتيال النبي - ﷺ - وهو بين منازلهم، فكانت نهاية هذه المحاولة الفاشلة هي طرد يهود هذه القبيلة وإجلاءهم عن المدينة نهائيًا.
تفكير اليهود في تحزيب الأحزاب
من أجل ذلك ازداد حقد اليهود على النبي - ﷺ -، وصار زعماؤهم يفكرون في رسم خطة محكمة تكون نهايتها سحق المسلمين سحقًا كاملًا وهدم كيان الإسلام من الأساس. فكانت ثمرة هذا التفكير اليهودى (غزوة الأحزاب) الخطيرة هذه التي كادت (فعلًا) أن تعصف بكيان الإسلام والمسلمين.
فقد توالت اجتماعات زعماء يهود بنى النضير في "خيبر" لبحث الوضع الذي آل إليه اليهود في الجزيرة العربية بعد انهيار مركزهم الرئيسى في المدينة وقيام الدولة الإسلامية قوية متماسكة في يثرب.
بعد بحث شامل دقيق للموضوع من جميع نواحيه قرر برلمان اليهود في خيبر وضع خطة محكمة لغزو شامل كامل ساحق ضد المسلمين يشترك فيه أكبر عدد ممكن من القبائل العربية القوية، وخاصة قبائل نجد وكنانة وقريش، على أن تتولى خيبر اليهود الدعوة إلى هذا الغزو وتنظيمه بل وتحمل جانب كبير من نفقاته المالية.
[ ٣ / ١١٨ ]
وفد اليهود يطوف بين الأعراب
ونتيجة لهذا القرار الخطير، قرر برلمان خيبر تشكيل وفد من أعضائه البارزين للقيام بهذه المهمة الخطيرة، والاتصال بالقبائل العربية المطلوب الاتصال بها للقيام بذلك الغزو.
وقد تكون هذا الوفد اليهودى على النحو التالي:
١ - حيي بن أخطب، رئيسًا.
٢ - سلام بن مشكم، عضوًا.
٣ - كنانة بن أبي الحقيق، عضوًا.
٤ - هوذة بن قيس الوائلى، عضوًا.
٥ - أبو عامر الفاسق، الذي كان قائد فصيلة خونة الأوس في معركة أحُد ضد المسلمين، عضوًا.
وقد غادر هذا الوفد اليهودى مدينة خيبر في أوائل شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة -أي بعد مرور حوالي سنة على معركة أُحد وبعد مرور أربعة أشهر (فقط) على إجلاء بنى النضير من المدينة.
الوفد اليهودي في مكة
وبالرغم من أن قبائل غطفان النجدية - التي ألفت فيما بعد العمود الفقرى لغزو الأحزاب - كانت منازلها أقرب إلى هؤلاء اليهود من قبائل الحجاز، فإن الوفد اليهودى قد توجه رأسًا إلى مكة.
فاتصل (أولًا) بزعمائها وقادتها وعرض عليهم كامل المخطط الذي يحمله لإنشاء الاتحاد العسكري القبلى الكبير لغزو المدينة ووضع حد لسلطان المسلمين باستئصال شأفتهم.
[ ٣ / ١١٩ ]
ولدى اطلاع زعماء مكة على المخطط اليهودى سروا سرورًا عظيمًا وأبدوا موافقتهم الكاملة عليه واستعدادهم لتنفيذه بكامله، بعد أن شكروا لليهود مجهودهم الكبير في وضع هذا المخطط والسعى من أجل تنفيذه.
اليهود في برلمان مكة
فعند وصول الوفد اليهودى إلى مكة عقد برلمانها جلسة خاصة لبحث المخطط اليهودى الموضوع لإنشاء الاتحاد العربي الوثنى اليهودى لمحاربة الإسلام والقضاء على المسلمين.
وبعد أن ألم أعضاء دار الندوة (برلمان مكة) بالمشروع اليهودى ودرسوه من جميع نواحيه وعرفوا أن في تنفيذه هدم الإسلام والقضاء على المسلمين أبدوا للوفد اليهودى سرورهم العظيم وموافقتهم الكاملة، ووقف قائد عام جيش مكة (أبو سفيان بن حرب) خطيبًا في البرلمان الذي سمحت مكة للوفد اليهودى بحضور جلسته الخاصة لأنها تتعلق ببحث مشروعهم لغزو المدينة.
وقف وأعلن أبو سفيان في خطبته باسم برلمان مكة وجيشها
الترحيب بفكرة اليهود الداعية إلى انشاء الإتحاد العربي اليهودى العسكري لغزو المدينة وسحق المسلمين فيها سحقًا كاملًا، فقال - مرحبًا باليهود - .. أهلًا ومرحبًا، وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد (١).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٦ طبعة الحلبي.
[ ٣ / ١٢٠ ]
وقد جرت داخل برلمان مكة بين زعمائها وأعضاء الوفد اليهودى مناقشات حول الإسلام والوثنية، وتقدم بعض نواب مكة إلى أحبار اليهود في الوفد بأسئلة يسألونهم فيها (بصفتهم أهل كتاب والأكثر معرفة بالأديان منهم) عن دين محمد ودين الوثنية وأيهما أحق بالاتباع.
قال ابن إسحاق - يصف محادثات الوفد اليهودى مع قريش للتأليب على رسول الله - ﷺ - وهم (أي اليهود) الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة.
فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ - وقالوا .. إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت قريش .. يا معشر يهود .. إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ .
وهنا تجلت طبيعة اليهود في الكذب والتزوير والتحريف حيث أجابوا قريشًا بعكس الحقيقة التي يعلمون إذ قالوا لقريش .. بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه لأنكم تعظمون هذا البيت وتقومون على السقاية وتنحرون البدن وتعبدون ما كان يعبد أباؤكم، بل إن اليهود لم يكتفوا بهذا الكذب والافتراء إذا سجدوا لأصنام قريش إرضاء لهم عندما طلبوا منهم ذلك ليطمئنوا إلى قولهم الذي قالوا بشأن الوثنية والاسلام (١).
وذكر ابن إسحاق أن الله تعالى أنزل في هذا الوفد اليهودى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٦.
[ ٣ / ١٢١ ]
وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١).
الوفد اليهودي في ديار غطفان
وبعد أن ضمن الوفد اليهودى موافقة قريش على مشروع غزو المدينة وحدد موعدًا لهذا الغزو، توجه هذا الوفد الشرير إلى ديار غطفان بنجد لعرض مخططه على زعماء تلك القبائل، وعندما وصل إلى منزل غطفان صار ينتقل بين مضارب البدو وخيامهم للدعاية لمشروعه الخبيث وإيغار صدر الأعراب على النبي - ﷺ - وشحن نفوسهم بالكره للمسلمين.
ثم شرع في محادثاته مع زعماء هذه القبائل العظيمة، فعرض عليهم مشروع غزو المدينة وأطلعهم على مخطط هذا الغزو، وأبلغهم موافقة قريش عليه، وأنها قد أخذت تتجهز للزحف على المدينة وفق هذا المخطط.
وقد دارت محادثات الوفد اليهودى الرئيسية مع عيينة بن حصن (٢)
_________________
(١) النساء، آية ٥١ - ٥٢.
(٢) هو عيينة بن حصن بن بدر أبو مالك سيد بنى فزارة (من غطفان)، قال ابن السكن له صحبة، وكان من المؤلفة قلوبهم، شهد فتح مكة وحنينًا والطائف مع النبي - ﷺ-، وكان يتميز بالغلظة وجفاء الأعراب، أخرج الطبراني أن عيينة بن حصن دخل على النبي - ﷺ -، فقال (وعنده عائشة) .. قبل أن ينزل الأمر بالحجاب - من هذه الجالسة إلى جانبك؟، فقال النبي - ﷺ - .. هذه "عائشة" قال .. أفلا أنزل لك عن خير منها يعني امرأته؟ . فقال له النبي - ﷺ - .. أخرج فاستأذن. فقال .. إنها يمين على أن لا أستأذن على مضرى، فقالت عائشة .. من هذا .. فقال النبي - ﷺ - هذا الأحمق المطاع (يعني في قومه) =
[ ٣ / ١٢٢ ]
الفزاري لأنه أقوى شخصية مطاعة بين قبائل غطفان، وهو الذي وصفه النبي - ﷺ - بالأحمق المطاع لأنه مع (حمقه) من جرارى الجيوش المشهورين تتبعه عشرة آلاف قناة ..
كما حضر محادثات الوفد اليهودى من زعماء قبائل غطفان كل من (الحارث بن عوف) قائد بنى مرة، و(أبي مسعود بن رخيلة) قائد بنى أشجع، و(سفيان بن عبد شمس) قائد بنى سليم، و(طليحة) ابن خويلد) (١). قائد بنى أسد.
وقد وافق زعماء هذه القبائل الغطفانية على المشروع اليهودى وأعجبهم المخطط المرسوم لغزو المدينة، وتم الاتفاق بينهم وبين اليهود على تنفيذه بحذافيره.
نجاح اليهود في إنشاء الاتحاد ضد المسلمين
وهكذا نجح اليهود في محادثاتهم مع قبائل غطفان نجاحًا كبيرًا هذه القبائل التي لم تكن أقل تحمسًا من قريش لفكرة قيام الاتحاد العربي الوثنى اليهودى العسكري ضد المسلمين.
فكم حاولت قبائل غطفان هذه القيام بغزو المسلمين في المدينة
_________________
(١) = لأنه كان (فعلًا) مطاعًا في قومه، تتبعه (كما هو مشهور بين العرب) عشرة آلاف مقاتل، كان عيينه بن حصن ممن ارتد عن الإسلام في عهد الخليفة أبي بكر وقاتل المسلمين تحت قيادة طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة، ثم عاد إلى الإسلام، ويقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة .. إنه قرأ في كتاب الأم للشافعي أن عمر بن الخطاب قتل عيينه بن حصن الفزاري هذا على الردة، وأنه لم ير من قال ذلك غير الشافعي والله أعلم.
(٢) تقدمت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٣ / ١٢٣ ]
منفردة فتفشل، حيث يحبط النبي القائد محاولاتها بضربها (بسرعة) في ديارها فيشتت جموعها قبل أن تتحرك.
ولهذا فقد كان ما عرضه اليهود في مشروعهم على هذه القبائل من المشاركة مع قريش واليهود في غزو المدينة أمنية تتمناها هذه القبائل.
اتفاقية الاتحاد وشروطها
وقد أبرم الوفد اليهودى مع زعماء أعراب غطفان اتفاقية الاتحاد العربي الوثنى اليهودى العسكري ضد المسلمين، وكان أهم بنود هذا الاتفاق هو:
١ - أن تكون قوة غطفان في جيش الاتحاد هذا ستة آلاف مقاتل.
٢ - أن يدفع اليهود لقبائل غطفان (مقابل ذلك) كل ثمر نخل خيبر لسنة واحدة.
وهكذا لم يعد الوفد اليهودى الشرير إلا بعد أن حشد عشرة آلاف مقاتل من قبائل قريش وغطفان وجمعها على حرب النبي - ﷺ -، وهو جمع لم يسبق للمسلمين أن واجهوا مثله في حروبهم مع الأعداء وقد أبلغ الوفد اليهودى قادة قريش بتفاصيل الاتفاقية التي تمت بينه وبين قبائل غطفان ليكون تنسيق الغزو بموجبها، فاغتبطت قريش غاية الاغتباط بذلك.
[ ٣ / ١٢٤ ]
الأحزاب يتجهزون
وقد شرع قادة الأحزاب في التجهيز، وبذلوا جهودًا جبارة لحشد جيوشهم وتنظيمها وتموينها لكى يكون الغزو مركزًا ناجحًا محققًا أهدافه.
أما قريش فقد استطاعت أن تحشد أربعة آلاف مقاتل بما في ذلك حلفاؤها، وكان جيشها في هذا الغزو أحسن جيش من حيث دقة التنظيم وجودة التسليح ووفرة التموين.
فقد كان لقريش من سلاح النقليات ألف وخمسائة بعير، ومن سلاح المطاردة ثلثمائة فرس.
وفي دار الندوة عقدت قريش اللواء وأعطته لعثمان بن طلحة (١) العبدرى، أما قيادة الجيش فقد أسندت إلى أبي سفيان بن حرب الأموي، وتسلم خالد بن الوليد المخزومي قيادة سلاح الفرسان، وهذا كله تم ويتم بموجب نظام أبدى تسير عليه قريش في حروبها منذ عهود سحيقة.
حيث كان النظام المتفق عليه بين قبائل قريش أن تكون القيادة العامة للجيش في بني أمية، والسقاية والرفادة في بني هاشم، وحمل اللواء في الحروب يختص به بنو عبد الدار مع الحجابة، وقيادة الفرسان (ضمن القيادة العامة) تكون دائمًا في بني مخزوم.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ١٢٥ ]
تحالف قريش عند أستار الكعبة
وزيادة في التصميم من قريش على حرب النبي - ﷺ - خرج من بطونها خمسون رجلًا إلى الحرم فتحالفوا وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة متعلقين بأستارها وتعاهدوا (وهم كذلك) على أن لا يخذل بعضهم بعضًا، ويكونوا يدًا واحدة على محمد ما بقى منهم رجل واحد (١).
قادة جيوش غطفان
أما قبائل غطفان فقد حشدت ستة آلاف مقاتل منها ومن أحلافها، ولما كانت غطفان ليس لها نظام ثابت تسير عليه في الحروب كما هو الحال عند قريش التي يكون القائد العام لجيوشها رجل من بنى أمية (دائمًا) فقد تحركت قواتها تحت أربع قيادات، وذلك حسب القبائل الرئيسية في غطفان وهي:
١ - بنو فزارة، وقائدها (عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر).
٢ - بنو أسد .. وقائدها (طليحة بن خويلد).
٣ - بنو أشجع .. وقائدهم (مسعود بن رخيلة بن نويرة).
٤ - بنو مرة .. وقائدهم (الحارث بن عوف).
الموقف في المدينة
ولم تكن المدينة غافلة عما يجرى ضدها في مكة وبين مضارب البدو في نجد، فقد كانت استخباراتها العسكرية على غاية من التيقظ والنشاط.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٦.
[ ٣ / ١٢٦ ]
فقد كان رجالها يتتبعون حركات الوفد اليهودى منذ فصل من خيبر في اتجاه مكة، وكانت على علم تام بكل ما يجرى بين الوفد اليهودى وبين قريش (أولًا) ثم غطفان ثانيًا.
فكان رجال هذه الاستخبارات يبعثون بمعلوماتهم الخطيرة عن مفاوضات الأحزاب، أولًا بأول.
فظل المسلمون على غاية من الحذر والترقب ينتظرون النتائج النهاية للمساعى التي كان يقوم بها وفد خبير لدى تلك القبائل العربية المعادية للمسلمين.
وبمجرد حصول الوفد اليهودى على موافقة قريش وغطفان على إنشاء الإتحاد العسكري الثلاثى المؤلف من اليهود وغطفان وقريش تلقت المدينة من رجال استخباراتها هذا النبأ الخطير، كما تلقت المدينة بعد ذلك من رجال استخبارات جيشها ما يجب أن تحصل عليه من معلومات دقيقة عن مبلغ قوة جيوش الأحزاب وعدد جنوده وأسماء قادته ومتى سيكون ميعاد تحركه نحو المدينة.
وفور حصول المدينة على هذه المعلومات عن العدو، شرع الرسول - ﷺ - في اتخاذ الإجراءات الفورية الدفاعية اللازمة، ودعا إلى اجتماع عاجل حضره كبار قادة جيشه من المهاجرين والأنصار، بحث فيه معهم هذا الموقف الخطير الناجم عن مساعى اليهود الخبيثة.
خطة الدفاع عن المدينة
ولما كانت المعلومات قد أكدت أن الهدف الرئيسى من الغزو هو احتلال المدينة نفسها، فقد دار البحث في مجلس الرسول
[ ٣ / ١٢٧ ]
العسكري (بصفة رئيسية) حول ما يجب اتخاذه من خطوات فعالة حاسمة للدفاع عن العاصمة، وهل يخرج المسلمون للقاء الأحزاب خارج المدينة كما فعلوا في غزوة أُحد أم يبقون متحصنين داخل المدينة؟ .
وأخيرًا، تقرر أن يتحصن المسلمون في المدينة للدفاع عنها لا سيما وأن الجيش الذي جاء لغزوهم لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل بينما لا يزيد جيش المدينة (في أكبر تقدير) على ثلاثة آلاف مقاتل: بينهم كثير من المنافقين الذين لا يؤمن جانبهم (ساعة الحرب).
ولقد اختيرت المنطقة الشمالية من المدينة لتكون خطًا للدفاع الرئيسى فيها.
المشكلة الكبرى
وبالرغم من توفيق القيادة الإسلامية في اختيار ذلك المكان للدفاع عن المدينة، والذي لا يوجد أصلح منه للصمود في وجه الغزاة فإن مشكلة (لدى وضع الخطط) قد اعترضت القادة المسلمين وأقلقت بالهم، وهي أنهم فكروا (لدى وضع خطة الدفاع عن المدينة) كيف يمكنهم الصمود في وجه جيوش الأُحزاب الجرارة ومنعها من احتلال المدينة إذا ما شدّت عليهم شدة رجل والتحموا معها في معركة فاصلة في ذلك المكان الواسع الواقع عند مداخل المدينة الشمالية؟ .
فجيش المسلمين وإن كان رجاله يمتازون بالشجاعة النادرة التي مبعثها قوة العقيدة الصادقة، إلا أن كثرة العدد الغامرة الساحقة التي
[ ٣ / ١٢٨ ]
يتفوق بها جيش العدو، لا بد من أن يحسب حسابها بتعقل لأن الكثرة في أغلب الأحيان تغلب الشجاعة (كما يقولون).
صاحب فكرة الخندق
ولهذا كان المسلمون (وهم يبحثون خطة الدفاع عن المدينة) يفكرون في إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب الجرارة المتفوقة (عددًا وعدة) في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وتعطيلها عن الحركة على النحو الواسع الذي تريد وترغب.
ولدي بحث هذا الموضوع، كان سلمان الفارسى موجودًا ضمن هيئة أركان حرب الجيش الإسلامى للتشاور، فتقدم إلى القائد الأعلى النبي - ﷺ - بمشروع مهم عظيم، وافق عليه النبي - ﷺ - واغتبط به القادة من أصحابه الكرام. ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعى أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية.
الخندق أعظم خط للدفاع عن المدينة
فقد اقترح سلمان الفارسى أن يسارع المسلمون إلى حفر خندق عميق يشمل كل المنطقة التي يتوقع أن ترتادها جيوش الأحزاب لاقتحام المدينة منها، على أن يتم حفر هذا الخندق قبل وصول جيوش الأحزاب إلي المكان الذي تبلغت القيادة في المدينة أنها قررت الوصول إليه، وهو السهل الواقع شمال غرب المدينة.
[ ٣ / ١٢٩ ]
فقد قال سلمان الفارسى - بعد أن تقدم بمشروعه - يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا.
تفاصيل خطة الدفاع
وهكذا تم الاتفاق بين قادة الجيش الإسلامي على خطة الدفاع عن المدينة، وهي كما يلي:
١ - أن يبقى المسلمون في المدينة للدفاع عنها وأن لا يخرجوا إلى الأحزاب خارجها.
٢ - أن تكون خطوط الدفاع الرئيسية في الطرف الشمالي من المدينة والواقع أمام جبل (سلع) على أن يكون هذا الجبل خلف ظهر القيادة الإسلامية.
٣ - أن يقوم المسملون بحفر خندق عميق يكون حاجزًا بينهم وبين جيوش الأحزاب.
٤ - أن يقوم المسلمون بإخلاء المدينة من النساء والأطفال والعجزة، على أن يجمعوهم في الحصون والآطام المنيعة، بعيدين عن العدو، ولتسهل حمايتهم (وخاصة من يهود بنى قريظة الواقعة منازلهم في المدينة والذين لا يأمن المسلمون جانبهم).
٥ - أن تقوم الدوريات الإسلامية بحراسة المدينة على التوالى، طول الليل حتى الصباح.
استراتيجية موقع الجيش الإسلامي
لقد كان اختيار المنطقة الشمالية من المدينة لتكون موقعًا رئيسيًا للجيش الإسلامي، اختيارًا موفقًا من الناحية الاستراتيجية.
[ ٣ / ١٣٠ ]
فقد كان ذلك المكان هو أصلح مكان يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لا بد لأى غاز يريد احتلال المدينة من أن يتجه إليها.
لأن الجهات الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة الأخرى، والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة التي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد، الأمر الذي يجعل قادة الأحزاب لا يفكرون في ارتياد تلك الجهات للهجوم على المدينة منها.
فالناحية الوحيدة الصالحة للقتال على أوسع نطاق (كما يريد قادة الأحزاب) هي الناحية الشمالية للمدينة حيث المسالك الواسعة والميادين الفسيحة، دونما حواحز طبيعية تذكر، وهذه الناحية هي التي قررت القيادة الإسلامية حفر الخندق فيها بصفة رئيسية.
كيف وأين حفر الخندق؟
لقد كانت الخارطة التي وضعت (على أساس مشروع سلمان الفارسى) لحفر الخندق تقضى بحفر خندق رئيسى يمتد من الطرف الغربي لجبل (سلع) حتى طرف (حرة الوبرة) المطبقة على المدينة من الناحية الغربية، على أن يمر هذا الخندق بشكل قوس في الطرف الشرقي للحرة المذكورة، ثم يمتد على خط (شبه مستقيم) أمام جبل سلع متجهًا نحو الشرق حتى أطراف (حرة واقم) المطبقة على المدينة من الناحية
[ ٣ / ١٣١ ]
الشرقية، فيفصل (تمامًا) بين معسكر الأحزاب الوقع في الناحية الشمالية حول (أُحد ومجمع الأسيال) وبين معسكر الإسلام الواقع أمام جبل سلع وعند مداخل المدينة الشمالية الواقعة ما بين الحرتين.
كما يتناول المشروع حفر خنادق جزئية ثانوية يرتبط بعضها ببعض تمتد من طرف الخندق الرئيسى عند الطرف الغربي لجبل سلع وتتجه جنوبًا حتى مجمع وادي بطحان ورانونا بحيث تجئ هذه الخنادق المترابطة خلف المسجد النبوى من الناحية الغربية (١).
وبموجب الخريطة الموضوعة للخندق شرع رجال الجيش في حفره فورًا، وكان الرسول القائد - ﷺ - يشترك معهم في الحفر، فكان يعمل كأى فرد من المسلمين حتى انتهى حفر الخندق.
وقد باشر جند الإسلام في الحفر بجد وتصميم ومثابرة، وكانت قيادة المدينة قد قررت بذل الجهد لإنجاز حفر الخندق قبل أن تصل جيوش الأحزاب إلى ضواحي المدينة، وذلك أن هذا الخندق هو الذي سيكون خط الدفاع الرئيسى عن العاصمة، ولهذا كان لا بد من إنجازه قبل وصول جيوش العدو.
الجيش هو الذي حفر الخندق
وكان الذي قام بحفر الخندق هم أفراد الجيش الإسلامي فقط (بما فيهم النبي القائد) لأنهم ليس لهم خدم ولا عبيد (كالأمم الأخرى) يسخرونهم لمثل هذا العمل العسكري الشاق.
_________________
(١) انظر خارطة المعركة مفصلة في آخر الكتاب.
[ ٣ / ١٣٢ ]
وبالرغم من أن يهود بنى قريظة هم من سكان يثرب ومواطنون ملزمون (بموجب المعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين) بالمشاركة في حفر الخندق، كعمل من أعمال الدفاع عن المدينة، فإن هؤلاء اليهود لم يشارك منهم أحد في عملية حفر الخندق، وكان هذا أول عمل (غير ودى) ومخالفًا لنصوص المعاهدة قام به يهود بنى قريظة.
ومن أجل إنجاز حفر الخندق (قبل وصول جيوش الأحزاب) أجهد الجيش نفسه في العمل، فكانوا يعملون في الحفر طيلة النهار ولا يستريحون إلا في الليل، وكان النبي القائد * يشرف بنفسه على أعمال الحفر، ويحفر بيده الكريمة مع المسلمين حتى تم إنجاز الخندق.
ظروف صعبة
وبالإضافة إلى أن عملية حفر الخندق (الذي لا يقل طوله عن خمسة آلاف ذراع) كانت -في حد ذاتها- عملية شاقة لغاية، فإن الظروف المعيشية التي قام المسلمون فيها بحفر الخندق، كانت ظروفًا صعبة جدًّا.
فقد كان ذلك العام (بالنسبة للمسلمين) عام مجاعة، فكان أكثر المسلمين الذين يقومون بأعمال حفر لا يجدون القوت الضرورى الذي يسدون به جوعتهم، بما في ذلك النبي الأعظم * الذي كان (وهو يقوم بأعمال الحفر) يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وكان الطعام الرئيسى، للذين يجدونه، هو التمر فقط.
[ ٣ / ١٣٣ ]
ومما يدل على أن المسلمين كانوا عند حفر الخندق في ظروف معيشية صعبة، وفي حالة مجاعة شديدة ما رواه ابن إسحاق عن سعيد بن مينا أنه حدث: أن ابنة لبشير بن سعد -أخت النعمان بن بشير- قالت دعتنى أمى عمرة بنت رواحة، فأعطتنى حفنة من تمر في ثوبى، ثم قالت: أي بنية، أذهبى إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها، فانطلقت بها فمررت برسول الله - ﷺ - وأنا ألتمس أبي وخالى فقال: تعالى يا بنية ما هذا معك؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتنى به أمى إلى أبي بشير بن سعد، وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه.
قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفى رسول الله - ﷺ - فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دعا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: أصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
وبالإضافة إلى حالة المجاعة الشديدة التي كان عليها المسلمون عند حفر الخندق، كان البرد قارصًا والرياح شديدة مزعجة.
قال البخاري روايًا عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي - ﷺ - في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله - ﷺ -:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وفي البخاري أيضًا عن أنس، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون (في غداة باردة)، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا
مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا
النبي يحمل التراب في الخندق
ولقد كان النبي القائد - ﷺ - يعمل في حفر الخندق ويحمل التراب على ظهره كأنشط واحد في الجند، فقد روى البخاري من حديث البراء، قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله - ﷺ -، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بشعر ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
الصخرة التي حطمها الرسول
وقد جاء في صحيح البخاروى عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية (١) شديدة (وعند النسائي: صخرة لا تأخذ منها المعاول) فجاءوا إلى النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق،
_________________
(١) الكدية (بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتانية) هي القطعة الصلبة.
[ ٣ / ١٣٥ ]
فقام -وبطنه مشدود بحجر (من الجوع) - ولنا ثلاثة أيام لا نذوق ذوقًا، فأخذ النبي - ﷺ - المعول فضرب، فعادت (أي الكدية) كثيبًا أهيل.
وعند أحمد والنسائي، فاشتكينا ذلك لرسول الله - ﷺ - فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله، فضرب ضربة فنثر ثلثها، وقال: والله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثًا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، وإى والله لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكانى الساعة أهـ.
وهذا القول النبوى الكريم أثبتت الأحداث (فيما بعد) صدقه فصار من أعلام النبوة التي لا تخطئ، فقد تم استيلاء المسلمين على كل الأماكن التي ذكر النبي - ﷺ - عند تفتيت هذه الصخرة في الخندق- أنه أعطى مفاتيحها (الشام واليمن وفارس بعاصمتها المدائن وقصرها الأبيض) وتم فتح كل ذلك في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر.
وبالرغم من الهول وجو الرعب والفزع الذي يحيط المنطقة التي أصبحت كلها اذان في انتظار وصول جيوش الأحزاب التي سبقتها سيول من التخويف والترويع لأهل المدينة، بالرغم من ذلك كله، فقد كان المسلمون يعملون في حفر الخندق بثقة واطمئنان وثبات، قدوتهم الكبرى في ذلك نبيهم الأعظم - ﷺ - الذي (هو بينهم يعمل) يتبسط معهم في الحديث، ويداعب ويمازح في روح حلوة حانية لا يقول صاحبها إلا حقًّا.
[ ٣ / ١٣٦ ]
وإنه لمنظر رائع حقًّا، محمد بن عبد الله النبي والقائد يحفر التراب بالمسحاة في الخندق ويضرب بالفأس والمعول، وينحنى ليجرف التراب ويحمله في المكتل على ظهره.
ويختلط بأصحابه كواحد منهم، ويرفع صوته مع المرتجزين وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع، وقد كانوا يتغنون بأغانى ساذجة من وحى الحوادث الجارية.
كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل، فكره رسول الله - ﷺ -، اسمه وسماه عمرًا، فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج
سماه من بعد جعيل عمرًا وكان للبائس يومًا ظهرًا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة "عمرو" قال: رسول الله - ﷺ -، "عمرا" وإذا مروا بكلمة "ظهر" قال رسول الله - ﷺ - "ظهرًا".
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسملون، والرسول - ﷺ - بينهم يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويرجع هذا الغناء (إن صح تسميته غناء)، ولنا أن نتصور آية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم، وأى ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز (١).
أبو رقاد
ولم يخل ذلك الجو الجاد من ممازحة ومداعبة وتبسط، فقد كان زيد بن ثابت (٢) غلامًا صغيرًا، وكان فيمن يعمل بنقل التراب في الخندق،
_________________
(١) في ظلال القرآن ج ٢١ ص ١٤٧.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ١٣٧ ]
وقد أثنى عليه النبي - ﷺ - عندما رآه (على صغر سنه) يعمل في الخندق) فقال: أما إنه نعم الغلام.
وغلبت الغلام (زيد) عيناه فنام في الخندق -بعد أن أحس الدفئ، وكان البرد شديدًا- فأخذ عمارة بن حزام سلاحه (مازحًا) وهو لا يشعر، فلما قام الغلام ولم يجد سلاحه، فزع، وكان النبي - ﷺ - حاضرًا، فقال له (مداعبًا): "يا أبا رقاد نمت حتى ذهب سلاحك" ثم قال: "من له علم بسلاح هذا الغلام؟ " فقال عمارة: يا رسول الله هو عندي، فقال: رده عليه، ونهى - ﷺ - أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبًا.
وما أحلاها روح الدعابة واللطف التي مازح بها النبي الأعظم والقائد الأعلى ذلك الغلام الصغير الذي غلبه النوم أثناء العمل، فنام حتى أخذ منه سلاحه "يا أباد رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك". وجرس الدعابة الحلوة الحانية يتجلى في كلمة "يا أبا رقاد" التي داعب بها النبي القائد - ﷺ - ذلك الغلام الصغير، وصدق الله الذي يقول في هذا النبي الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
عمل المنافقين التخريبي في الخندق
وبينما العمل يجرى بجد ونشاط واجتهاد وإخلاص لحفر الخندق من جانب النبي - ﷺ - والصفوة من أصحابه، وبالرغم من حرص قيادة المدينة على إنجاز حفر الخندق، حتى يتم قبل وصول جيوش الأحزاب، فإن قيادة المدينة قد واجهت (منذ اللحظة الأولى) متاعب وأعمالًا عليها طابع التخريب والتفتيت، من فئات ينتسبون
[ ٣ / ١٣٨ ]
إلى الإسلام وهم ليسو منه في شيء (وهم المنافقون) قد كان لهم (منذ بدأت الاستعدادات لمعركة الخندق) أدوار غير مشرفة وسيئة.
فقبل وصول الأحزاب، وأثناء عملية حفر الخندق كان هؤلاء المنافقون (الذين كانوا بحكم الظاهر جزءًا من الجيش الإسلامي) يتكاسلون في العمل أثناء عملية الحفر، وإن عملوا مع الجند، لا يعملون إلا الضعيف التافه من العمل.
وكانوا بالإضافة إلى هذا التكاسل، يقومون بأعمال تخريبية يشجعون بها ضعاف النفوس على التهاون في العمل في الخندق، بغية تأخير إنجاز الخندق حتى تصل جيوش الأحزاب.
فقد كان هؤلاء المنافقون (بالرغم من الأوامر العسكرية المشددة التي تقضى بأن لا يترك أحد مكانه في العمل في الخندق إلا بإذن خاص من النبي القائد - ﷺ -) يتركون العمل ويتسللون منه إلى أهليهم دون أن يستأذنوا الرسول القائد - ﷺ -، فيكون لأعمالهم التخريبية هذه آثار سيئة على سير العمل في حفر الخندق.
أما المسلمون الصادقون فقد كانوا يقدرون الظروف الاستثنائية الخطيرة التي تستلزم مواصلة الحفر لإنجاز الخندق بأسرع ما يمكن، فكانوا لذلك، لا يتركون العمل في الخندق إلا لضرورة قصوى تستدعى ذلك.
ومع ذلك فقد كانوا إذا نابت أحدهم نائبة من الحاجة التي لا بد منها، لا يتركون العمل لقضائها، إلا بعد أن يأخذوا إذنًا خاصًّا من النبي القائد - ﷺ - امتثالًا لأمر الله تعالى الذي جاء فيه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى
[ ٣ / ١٣٩ ]
يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فيأذن لهم النبي - ﷺ - في اللحاق بحاجتهم، فإذا قضوها عادوا إلى ما كانوا عليه من العمل في الخندق بأقصى سرعة رغبة منهم في الخير وحرصًا على إطاعة أوامر نبيهم الكريم.
أما المنافقون فقد كانوا يتسللون من الخندق ويتركون العمل فيه، ويذهبون إلى حيث شاءوا دون أن يستأذنوا النبي القائد - ﷺ - يفعلون ذلك بقصد التخريب والتثبيط)، لأنهم لا يؤمنون في قرارة أنفسهم بالنبي - ﷺ - ولا بما يدعو إليه بالرغم من تظاهرهم بالإسلام وانخراطهم في سلك جيشه، ذلك التظاهر الذي لم يكن إلا (تقية) تجعلهم -فقط- يتمتعون بحقوق المواطن المسلم، وهم في حقيقتهم بأنهم غير ملزمين بالطاعة أمر النبي - ﷺ -، وعلى أساس هذا الشعور كان تصرفهم المشين أثناء عملية حفر الخندق.
تنديد القرآن بالمنافقين
ولقد ندَّد القرآن الكريم بهولاء المنافقين الذين يتركون العمل في الخندق بدافع التخريب، فيتركونه دون أن يستأذنوا النبي القائد - ﷺ -، فقال تعالى:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
[ ٣ / ١٤٠ ]
اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
وبالرغم من عمل المنافقين التخريبى وتكاسلهم عن العمل في الخندق، فإن عملهم الخبيث هذا لم يؤثر (كثيرًا) على سير عملية الحفر، فقد أجهد الصحابة أنفسهم في العمل حتى تم حفر الخندق كما أراد الرسول القائد - ﷺ - وقبل وصول جيوش الأحزاب بعد أيام.
ورغبة من القيادة العامة إنجاز حفر الخندق بأسرع ما يمكن لجأت إلى بث روح التنافس الشريف بين المسلمين في الحفر.
طول الخندق
فقد قسم الرسول - ﷺ - المساحات المطلوب حفرها خندقًا، بين أصحابه لكل عشرة منهم أربعين ذراعًا، عليهم أن ينجزوا حفرها، (في حدود العمق والعرض الذي حددته القيادة لهم)، بأسرع ما يمكن.
وقد بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، أما عمق الخندق فلا يمكن أن يكون أقل من سبعة أذرع، والعرض (كذلك) لا يمكن أن يكون أقل من تسعة أذرع، لأن الخيل باستطاعتها أن تقتحم ما هو أقل من هذه المسافة.
وقد استغرق حفر الخندق (كما يقول ابن القيم في الهدى النبوى) شهرًا كاملًا.
_________________
(١) النور ٦٣.
[ ٣ / ١٤١ ]
فعالية الخندق في الدفاع عن المدينة
وبعد حفر الخندق أصبحت المدينة كالحصن المنيع الذي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق المغامرات الانتحارية، وبعد تضحيات باهظة جسيمة.
فقد كانت المدينة -بالإضافة إلى الخندق وهو خط الدفاع الرئيسى- مشبكة بالبنيان ومحاطة بأشجار النخيل الكثيفة ولمسافات بعيدة، وغير النخيل من الزورع الأخرى بالإضافة إلى الحواجز الطبيعية الصعبة الكبرى، وهي الحرار الثلاث التي تكتنف المدينة من جهاتها الثلاث .. حرة من الجنوب وحرة واقم من الشرق، وحرة الوبرة من الغرب.
والحرار في منطقة المدينة تشكل حواجز طبيعية فعالة لايستطيع أحد (راجلًا كان أم راكبًا) اجتيازها إلا بصعوبة كبيرة لأنها مزروعة بحجارة سوداء محروقة يكون لها (غالبًا) رؤوس جارحة كأطراف الآلات الحادة.
وهكذا وبحفر الخندق استطاعت قيادة الجيش الإسلامي أن تعزل جيوش العدو عن مكان تجمع الجيش الإسلامى المدافع عن المدينة عزلًا تامًّا وأن تحول بينه وبين اقتحام مداخل المدينة كما يريد لأن هذه المداخل صارت بعد حفر الخندق خلفه ممنوعة به.
فقد حال الخندق بين الجيشين وبين أي التحام جدى شامل، وهذا هو الذي تهدف إليه القيادة الإسلامية، وتكرهه ولا تريد حدوثه قيادة جيوش الأحزاب التي ما حشدت للك الحشود التي لم تشهد الجزيرة مثلها
[ ٣ / ١٤٢ ]
إلا لتشتبك مع المسلمين في معركة فاصلة تهدف من ورائها إلى محو الكيان الإسلامى إلى الأبد.
لقد تحصن المسلمون وراء الخندق الواسع العميق الذي يبلغ طوله حوالي اثنين من الكيلو مترات، الخندق الذي لا يجرؤ على اقتحامه إلا فارس فذ زاهد في الحياة، أما المشاة فلا سبيل لهم إلى اقتحامه أبدًا.
وقد استفاد الجيش الإسلامى من مناعة جبل سلع الذي جعله خلف ظهره، كما استفاد من وعورة حرة الوبرة لحماية جناحه الأيسر ووعرة حرة واقم لحماية جناحه الأيمن، والحرة الجنوبية لحماية مؤخرته.
فأمن كليًّا من خطر أي التفاف يقوم به العدو، فظهره إلى جبل سلع ومن ورائه المدينة وأبنيتها المتشابكة ونخيلها المتلاصق مع الحرة وجناحاه محميتان بالحرتين مع جزء من الخندق، أما صدره فقد واجه به جيوش الأحزاب التي صار الخندق فاصلًا بينه وبينها.
وهكذا نجحت خطة الدفاع التي اتبعها المسلمون نجاحًا كاملًا، حيث صاروا بعد تطبيقها وكأنهم في قلعة منيعة يكون الموت مصير من تحدثه نفسه بالاقتراب منها من ناحية الخندق الشمالية التي لا يمكن لجيوش الأحزاب أن تقوم بأي قتال جدى وعلى نطاق واسع كما تريد إلا عن طريقها.
فكان الخندق بحق من أعظم الأعمال الدفاعية التي قام بها المسلمون لإحباط هجوم الأحزاب على المدينة، فقد وجد قادة الأحزاب المكان الذي حددوه ليكون هدف هجومهم الرئيسى وهو مداخل المدينة الفسيحة الواقعة بين الحرتين، وجدوا هذا المكان تعسكر فيه جيوش الإسلام رابضة ليوثها وراء الخندق العميق، فتحطمت أمالهم وانهارت خططهم التي رسموها لاقتحام المدينة من الأساس،
[ ٣ / ١٤٣ ]
الفصل الثالث
* وصول جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة.
* ضرب الحصار على المدينة.
* بنو قريظة ينقضون العهد ويحاولون ضرب المسلمين من الخلف. * إنسحاب المنافقين من الجيش الإسلامي وإرجافهم ضد المسلمين.
* تشديد الحصار إلي درجة الإختناق.
* إقتحام الفرسان الخندق وقتل فارس قريش.
* اشتداد الكرب وبلوغ القلوب الحناجر.
* النبي يحاول عقد صلح منفرد مع غطفان ويعرض عليهم ثلث ثمار المدينة.
* الأنصار يرفضون فكرة عقد هذا الصلح ويقررون المقاومة حتى النهاية.
بعد أن أتم المسلمون حفر خندقهم حول المدينة بقيت قواتهم خلفه مرابطة متيقظة في انتظار جيوش الأحزاب بينما انتشرت دورياتهم المسلحة تطوف بمشارف المدينة مظهرة التهليل والتكبير لحراسة المدينة من أية مباغتة، وخاصة من ناحية يهود بنى قريظة الذين (بالرغم من الحلف المعقود بينهم وبين المسلمين) كان المسلمون يتوقعون منهم الشر.
[ ٣ / ١٤٥ ]
النبي يستعرض جيشه
وكان النبي - ﷺ - بعد حفر الخندق قد استعرض جيشه وقام بتنظيمه (كما هي عادته) فقسم الجيش إلى فرقتين:
١ - المهاجرون وأعطى لواءهم لمولاه زيد بن حارثة (١).
٢ - الأنصار، وأعطى لواءهم لسعد بن عبادة.
وكانت أغلبية الجيش تتألف (كما هي العادة) من الأنصار.
وعند استعراض الجيش، عُرض عليه فتيان المسلمين الذين حاولوا الاشتراك في معركة الدفاع عن المدينة. وبعد استعراضهم أمر من لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره بأن يرجع إلى أهله ولم يسمح له بالانخراط في سلك الجيش، وأجاز من الفتيان من بلغ الخامسة عشر، ومن هؤلاء الذين سمح لهم بالاشتراك في المعركة: عبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري والبراء بن عازب (٢).
أمير المدينة بالنيابة
وكما هي عادته عند العزم على خوض المعارك أصدر مرسومًا عين بموجبة ابن أم مكتوم (٣) ليكون أميرًا على المدينة حتى تنتهي معركة الأحزاب.
كما انتخبت لحراسة المدينة قوة خاصة، قسمها إلى فصيلتين،
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) انظر ترجمة هؤلاء الأربعة في كتابنا (غزوة أحد).
(٣) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ١٤٦ ]
فصيلة أعطى قيادتها لزيد بن حارثة، والأخرى أعطى قيادتها لمسلمة بن أسلم (١)، وأمر هاتين الفصيلتين بأن تقوما بأعمال الدورية داخل المدينة وعلى مشارفها وخاصة ناحية الجنوب حيث تقع منازل بنى قريظة الذين لم يكن المسلمون على ثقة منهم بالرغم من الحلف العسكري المعقود بين الفريقين.
وكان أخشى ما يخشاه المسلمون من ناحية يهود بنى قريظة هو تعرضهم للنساء والذرارى، ولذلك فإن الرسول - ﷺ - أمر بأن ترفع النساء والصبيان في الحصون والآطام ليمتنعوا فيها.
تحركات الأحزاب نحو المدينة
أما جيوش الأحزاب فبعد أن تكامل حشدها وتم تجهيزها تحرك بها قادتها نحو المدينة، ففصل من ديار غطفان وأحلافها ستة آلاف مقاتل يقودها أربعة من زعمائهم. هم (كما تقدم): عيينة بن حصن، قائد بنى فزارة، وطليحة بن خويلد الأسدي، قائد بنى أسد، ومسعود بن رخيلة، قائد بنى أشجع، والحارث بن عوف، قائد بنى مرة.
كما فصل من ديار قريش وأحلافها أربعة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان بن حرب، وقد كان (ضمن الجيش القرشي) سبعمائة مقاتل من بنى سليم (٢)، يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف بنى أمية، وقد وافى قريشًا بجيشه هذا بمر الظهران (٣)، أما اليهود فقد كان جيشهم الذي
_________________
(١) مسلمة بن أسلم بن حريش بمهملة بوزن (عظيم) الأنصاري، قال في الإصابة ذكره ابن عبد البر، وقال قتل شهيدًا يوم الجسر في فارس.
(٢) انظر ترجمة هذه القبيلة في كتابنا (غزوة أحد).
(٣) قال في مراصد الاطلاع .. مر الظهران، مكان على مرحلة من مكة.
[ ٣ / ١٤٧ ]
كان من المتفق بين الوفد اليهودى وقريش أن يشترك مع جيوش الأحزاب هو جيش بنى قريظة الواقع في الطرف الجنوبي للمدينة، والذي تعاهد حيى بن أخطب لقادة الأحزاب أن يوجه ضربته المميتة من الخلف للمسلمين ساعة الصفر.
القائد العام لجيوش الأحزاب
وقد اتفق قادة جيوش الأحزاب على إسناد القيادة العامة لكل هذه الجيوش إلى أبي سفيان (صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ن عبد مناف).
وقد كان الميعاد المتفق عليه بين قادة الأحزاب للتجمع حول المدينة هو شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة.
ففي أول هذا الشهر تكامل حشد جيوش الأحزاب حول المدينة، فرابطت هناك عشرة آلاف مقاتل من قريش وأحلافها وغطفان وأحلافها يساندهم حوالي ألفين من اليهود داخل المدينة وخارجها، ظلوا لهم كالاحتياطى، بينما لا يزيد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل على أكثر تقدير.
حقيقية عدد قوات المسلمين
وذكر ابن حزم في كتابه (جوامع السيرة) ص ١٨٧ (وصححه) أن جيش المسلمين لم يزد على تسعمائة في غزوة الأحزاب.
وأقول .. هذا أقرب إلى الصواب، وخاصة بعد انسحاب المنافقين الذين كانوا يشكلون جزءًا كبيرًا من الجيش وتركهم المسلمين وشأنهم
[ ٣ / ١٤٨ ]
عندما اشتد الكرب وتأزمت الحالة، وتصويبنا لرأى الإمام ابن حزم يستند إلى الأمور المنطقية التالية:
أ- أن الجيش الذي اشترك في معركة أُحد (وهو كل القوة التي لدى الدولة في المدينة) لا يزيد على سبعمائة مقاتل، حيث لم يتخلف عن معركة أُحد من يقدر على حمل السلاح.
ب- من الموكد أن المدة بين معركة الأحزاب وغزوة أُحد لا تزيد على سنة واحد (١)، ولم تكن هذه السنة إلا فترة صراع مرير بين الإسلام والوثنية في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وخاصة المناطق المحيطة بالمدينة.
جـ- لذلك يكون من المؤكد أن الداخلين في الإسلام (في تلك المدة) هم قليلون جدًّا، وعلى هذا يكون من المستبعد أن يرتفع عدد الجيش الإسلامى (في فترة الصراع العصبية تلك) من سبعمائة مقاتل إلي ثلاثة آلاف مقاتل.
_________________
(١) اختلف أصحاب المغازي والسير في تاريخ غزوة الأحزاب، فقال ابن إسحاق إنها كانت في شوال سنة خمس للهجرة، وبذلك صرح غيره من المؤرخين، ولكن الذي رجحه البخاري ومال إليه هو قول (موسى بن عقبة) إنها كانت في شوال سنة أربع للهجرة، وقد رجح الإمام ابن حزم ما ذهب إليه الإمام البخاري من أن هذه الغزوة كانت في السنة الرابعة، لا الخامسة، وقد استند الإمام البخاري ومن تبعه عى القول بأنها كانت سنة أربع، وبقول عبد الله بن عمر بن الخطاب الذين أرادوا الاشتراك في معركة أحد (وهي سنة ثلاث للهجرة) رد عبد الله بن عمر ولم يجزه لأنه كان ابن أربع عشرة سنة وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه (أي سمح له بالاشتراك في القتال لبلوغه) سن الرشد، فيكون (على هذا) بين غزوة أحد وبين الأحزاب سنة واحدة، وغزوة أحد كانت سنة ثلاث فتكون الأحزاب (بالتأكيد) سنة أربع، والله أعلم.
[ ٣ / ١٤٩ ]
د- مما يعضد الرأي الذي ذهب إليه ابن حزم هو أن المصادر التاريخية (كما في حديث حذيفة بن اليمان في البداية والنهاية) ذكرت أنه في الليالى الأخيرة الحاسمة من ليالى الخندق، لم يبق مع النبي - ﷺ - في وجه الأحزاب أمام الخندق سوى ثلاثمائة مقاتل أو نحوهم (١).
هـ- لو كان جيش المسلمين الذي ظل صامدًا في وجه الأحزاب طيلة ليالى الخندق، هو ثلاثة آلاف مقاتل، لما خاف المسملون ذلك الخوف الشديد الذي بلغ حد الزلزال وبلوغ القلوب الحناجر، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٢).
ذلك أن نسبة المسلمين تكون (إذا كان جيشه ثلاثة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب) واحدًا لثلاثة تقريبًا، وهذه ليست أول مرة تكون فيها نسبة المحاربين المسلمين واحدًا لثلاثة من المشركين، ففي معركة أحد كانت النسبة أقل من ذلك، حيث كانت نسبة المسلمين واحد لأربعة من المشركين (تقريبًا) حيث خرج من المدينة سبعمائة مقاتل اصطدموا في العراء (حيث لا خندق ولا أبنية ولا حرار تحميهم) بثلاثة آلاف مقاتل فأنزلوا بهم في الجولة الأولى هزيمة منكرة كادت تكون ساحقة لولا غلطة الرماة.
فكيف (إذن) يبلغ الخوف والفزع بالمسلمين إلى تلك الدرجة وهم متحصنون داخل المدينة وكأنهم في قلعة منيعة، ونسبة محاربيهم واحد
_________________
(١) سيأتي حديث حذيفة بن اليمان هذا مفصلًا فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
(٢) الأحزاب ١١.
[ ٣ / ١٥٠ ]
لثلاثة فقط من محاربى الأحزاب، وهي نسبة أكثر من نسبتهم في معركة أُحد التي قابلوا فيها جيش العدو، دون أن يشعروا بخوف أو فزع؟ .
فهل انخفضت نسبة الشجاعة والثبات والإقدام بين المسلمين بعد معركة أُحد، حتى يبلغ بهم الخوف والفزع إلى تلك الدرجة في معركة الأحزاب، ونسبة عددهم إزاء عسكر الأحزاب فيها أكثر من نسبته إزاء عسكر مكة في معركة أُحد؟ . . الجواب الصحيح هو النفي (قطعًا) فالمسلمون بعد معركة أحد لم يزدادوا إلا شجاعة وثباتًا وإقدامًا وتضحية.
(إذن) وقد ثبت أن الخوف والفزع قد بلغ بين المسلمين إلى درجة الزلزال وبلوغ القلوب الحناجر في غزوة الأحزاب لا بد من القول (أو الترجيح على الأقل) بأن مصدر ذلك الخوف والفزع الأساسي، هو أن المسلمين (على شجاعتهم) كانوا (لكثرة عدوهم وقلتهم) كالجزيرة الصغيرة التي يحيط بها البحر الهائج ويهددها بالابتلاع في كل لحظة، وأن كثرة العدو الغامرة الهائلة التي بلغت فيها النسبة واحدًا من المسلمين لعشرة من المشركين مع تربص اليهود وتوقع المسلمين منهم نقض العهد وضربهم من الخلف، مع إرجاف المنافقين داخل الجيش، هي السبب الأكبر في ذلك الخوف والفزع الذي انتاب المسلمين بصورة لم يسبق لها مثيل.
وعلى هذا لا بد من ترجيع القول الذي قال به الإمام ابن حزم، وهو أن جيش المسلمين الذي رابط وراء الخندق وصمد في وجه عشرة آلاف مقاتل من عساكر الأحزاب لم يزد على تسعمائة مقاتل.
ولا يستبعد أن يكون عدد الجيش الإسلامي أول الأمر- وعندما كان
[ ٣ / ١٥١ ]
المنافقون يشكلون جزءًا منه- قد بلغ الألفين أو أكثر، وأنه بانخذالهم وتسللهم منه عندها بدأت جيوش الأحزاب تصل إلى المنطقة لم يبق فيه إلا تسعمائة من المؤمنين الصادقين الذين لم يجد الشك سبيلًا إلى نفوسهم، فيكون صحيحًا القول بأن الجيش الإسلامي الذي واجه الأعداء يوم الأحزاب لم يزد على تسعمائة مقاتل كما أكد ذلك الإمام ابن حزم، وبهذا (فقط) نستطيع أن نجد تفسيرًا مقنعًا لذلك الخوف الشديد الذي بلغ بالقلوب الحناجر.
أول شهيدين من المسلمين
وكان النبي - ﷺ - قبل وصول جيش الأحزاب قد بعث رجلين من رجال استخبارات الجيش الإسلامي للاستطلاع ومعرفة تحركات العدو والحصول على المعلومات الكافية عنه.
والرجلان هما (سليط) و(سفيان بن عوف) (١) وقد وقع هذان الرجلان في قبضة العدو، حيث التقيا وهما يقومان بعملية الاستكشاف التقيا بدورية كبيرة مسلحة من دوريات جيوش الأحزاب الاستطلاعية فطوقهما رجال الدورية ثم قبضوا عليهما، ثم سلموهما لقيادة الأحزاب، وبمجرد علم هذه القيادة أن الرجلين عينًا لمعسكر المدينة أمرت بإعدامهما فأعدما فورًا، وقد تمكن المسملون من نقل جثتى هذين الشهيدين إلى المدينة فدفنهما النبي - ﷺ - في قبر واحد، فكانا أول شهيدين قتلا في معركة الأحزاب.
_________________
(١) ذكر ذلك في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٠١ فقال: وأرسل سليطا، وسفيان بن عوف طليعة للأحزاب فقتلوهما، غير أننى لم أجد (فيما بين يدي من مصادر) ترجمة واضحة لهذين الشهيدين.
[ ٣ / ١٥٢ ]
أين عسكر الأحزاب؟
ورد عد أن وصلت جيوش الأحزاب إلى المدينة. . عسكر الجيش المكي في مجمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة، كما عسكرت غطفان بجيوشها بذنب نقمى إلى الطرف الغربي من جبل أحد.
وكان الزعيم اليهودى الكبير محزَّب الأحزاب، حيي بن أخطب موجودًا مع الأحزاب ينتقل بين المعسكرين وعلى اتصال دائم بقادة الفريقين (غطفان وقريش) يرسم الخطط ويقدم المشورة.
خطة الأحزاب لاحتلال المدينة
كانت الخطة التي وضعها قادة الأحزاب لاحتلال المدينة (باستشارة قادة اليهود) تقضى بأن يكون زحف جيوش الأحزاب على المدينة من الناحية الشمالية على هيئة قوس يمتد من الشمال الغربي حتى الشمال الشرقي، فيطبق هذا القوس -زحف سريح ساحق عارم- على عسكر الإسلام المرابط عند مداخل المدينة الشمالية.
على أن يتحرك -ساعة الصفر (كما هو المتفق عليه بين زعماء اليهود وقادة الأحزاب) تسعمائة مقاتل من يهود بنى قريظة (حلفاء المسلمين) والواقعين في الطرف الجنوبي من المدنية وخلف ظهو الجيش الإسلامى، فيسددوا إلى الجيش الإسلامى الصغير- ساعة الالتحام. من الخلف ضربة قاتلة، وبهذا (وكما تتصور قيادة الأحزاب) يتم استئصال شأفة المسلمين بسهولة.
[ ٣ / ١٥٣ ]
الحلف بين المسلمين واليهود
ومن الجدير بالذكر أن حلفًا عسكريًا ومعاهدة دفاع مشترك كانت حتى وصول جيوش الأحزاب- معقودة بين المسلمين وبين يهود بنى قريظة، إلا أن زعيم خيبر وسيدها حيى بن أخطب النضرى قد أقنع يهود بنى قريظة بنقض هذا العهد والانقضاض على المسلمين من الخلف ساعة الصفر كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
الخندق يحبط خطة الأحزاب
وكانت خطة الأحزاب خطة دقيقة رهيبة محكمة كان من الممكن (لو نجحت) أن يحقق الغزو أهدافه فتجنى قيادة الأحزاب ثمار هذه الخطة بسهولة بسحق المسلمين واستئصال شأفتهم لو لم يهد الله المسلمين إلى حفر الخندق.
إذا لولا هذا الخندق لكان من السهل على أحد عشر ألف مقاتل تحيط بتسعمائة مقاتل من كل مكان أن تقضى على هذه التسعمائة إذا ما اشتبكت معها في معركة فاصلة، وخاصة إذا كانت هذه التسعمائة بينها من يتربص بها الدوائر ويشيع روح الهزيمة بين صفوفها من المنافقين كما هو واقع المسلمين في المدينة.
ولكن المسلمين بحفر الخندق نسفوا خطة الأحزاب المرسومة للمعركة من الأساس وأبطلوا مفعلوها، إذ حال هذا الخندق بين جيوش الأحزاب وبين الإلتحام مع عسكر الإسلام في معركة فاصلة كما تريد، وكما هي الخطة المرسومة سلفًا للمعركة.
[ ٣ / ١٥٤ ]
فقد وقف قادة الأحزاب حائرين أمام هذه المكيدة الكبيرة (الخندق) هذه المكيدة التي ما كان العرب يكيدونها ولا يعرفون عنها شيئًا في تاريخهم الطويل.
تجيمد نشاط جيوش الأحزاب
فقد جمد وجود هذا الخندق نشاط تلك الآلاف المؤلفة من جيوش الأحزاب، التي كما سنفصله لم تستطع مقاتلة المسلمين إلا عن طريق حركات تسلل انتحارية عبر (الخندق) كانت نتيجة الإقدام عليها إما القتل وإما الفرار كما حدث لفرسان عمرو بن ود الذين اقتحموا الخندق بأفراسهم كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
لقد ذهب قادة الأحزاب ومعهم رأس الفتنة ومثير عواصف هذا الغزو (حُيى بن أخطب) ذهبوا بأنفسهم لارتياد واختيار مواقع الهجوم العام على المدينة ليوزعوا الكتائب ساعة الزحف على أساس هذا الاختيار.
مكيدة ما كنت العرب تكيدها
ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام مفاجأة عسكرية وبدعة حربية ذهلوا لها وصعقوا. . وجدوا أنفسهم أمام خندق وكأنه أفعى تكاد تلف المدينة من جميع نواحيها (١). . خندق يبلغ طوله حوالي ألفى متر في سعة أربعة
_________________
(١) انظر موضوع الخندق من الخارطة العامة للمعركة في هذا الكتاب.
[ ٣ / ١٥٥ ]
أمتار وعمق ثلاثة، ترابط على مشارفه وتطوف بنواحيه ليل نهار كتائب من جند الله كأنها الأسد الضوارى في انتظار الفرائس.
فأسقط في يدي أولئك القادة، وأخذوا يطوفون بخيلهم (في ذهول وغيظ) حول الخندق لتفقده والكشف عليه فوجدوه أمنع خط دفاع أقامه المسلمون في وجههم.
فحاروا في هذه المكيدة الحربية العظيمة التي كانت سببًا في قلب خططهم رأسًا على عقب، وشل حركاتهم الواسعة التي كانوا ينوون القيام بها والتي كانت مناط أملهم للإطباق على المدينة وسحق المسلمين فيها.
وبعد أن طاف قادة الأحزاب بجيمع نواحى الخندق وتأكدوا من صعوبة اقتحامه، وقفوا على مشارفه فقالوا (وقد أخذ الغيظ منهم كل مأخذ). . إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. . وفعلا فقد كانت عملية الخندق بدعة حربية ما كان العرب يعرفونها في تاريخهم الطويل بالرغم من أنهم شعب محارب منذ عرف.
ولكن المشركين بالرغم من أن الخندق قد شل حركة جيوشهم وجعلهم يقفون أمامه مكتوفي الأيدى حائرين، فإنهم قد صمموا على البقاء وفرض الحصار الخانق على المدينة، والقيام بمناوشة المسلمين على الدوام بالتناوب ليلًا ونهارًا لإرهاقهم، وفي إِنتظار الفرص المواتية لإقتحام المدينة. لا سيما وأنهم كانوا يتوقعون من اليهود ضرب المسلمين من الخلف. .
أما المسلمون، فالبرغم من تحصنهم وراء الخندق التي كان أحسن وأمن خط دفاع أقاموه في وجه جيوش الأحزاب الجرارة الغامرة، فإنهم ظلوا على حذر وخوف، لأفهم كانوا يخشون غدر يهود بنى قريظة الواقعة
[ ٣ / ١٥٦ ]
حصونهم خلف خطوطهم، كما يخشون قيام المنافقين الموجودين بينهم بحملات تثبيط وإرجاف يشيعون بها روح الهزيمة بين ضعاف الإيمان داخل الجيش.
خوف المسلمين من غدر اليهود
وأخشى ما يخشاه قادة جيش المدينة (داخليًا) هو غدر يهود بنى قريظة عندما تتحرج الحالة، لأن ذلك يعني تعريض الكيان الإسلامى بأكمله لأشد الأخطار.
لأن انضمام يهود بنى قريظة الذين توازى قواتهم (فقط) قوات الجيش الإسلامي بأكمله، يجعل المسلمين بين نارين. . اليهود خلف خطوطهم، والأحزاب -بآلافهم العشرة- أمامهم.
ودخول بنى قريظة المعركة ضد المسلمين وضربهم من الخلف يقلل من أهمية الخندق بالنسبة لجيوش الأحزاب، لأن الخندق إنما يكون ذا أهمية بالنسبة للدفاع عن المدينة إذا كان هناك قوة كافية من المسلمين تطوف حوله ليلًا نهارًا لضرب آية قوة تحاول المغامرة باقتحامه عن طريق القفز بالخيل أو عن طريق الردم.
فضرب بنى قريظة المسلمين من الخلف، وهم (أي بنو قريظة) قوة لا يستهان بها يجبر المسلمين أو قسمًا كبيرًا من قواتهم المرابطة في وجه الأحزاب على مشارف الخندق يجبرهم على ترك مراكزهم حول الخندق لمواجهة الهجوم اليهودى الآتي من الخلف.
وهذا دونما شك يسهل لقوات الأحزاب اجتياز الخندق ناحية المسلمين، بأعداد كبيرة، سواء عن طرق القفز بالخيل، أو عن طريق ردم
[ ٣ / ١٥٧ ]
الخندق في مواضع يستطيع رجال الأحزاب ردمها للعبور دون أن يجدوا مقاومة تذكر من المسلمين لأن رجالهم سيكونون قليلين جدًّا بعد الهجوم اليهودى مما يجعل مراقبة الخندق وحراسته حراسة فعالة من الأمور الصعبة، لا سيما وأن الخندق يبلغ طوله حوالي ألفى متر، قد جندت قيادة المدينة كل جيشها (تقريبا) لمراقبته وحراسة مشارفه.
ولقد حدث ما كان المسلمون يتوقعون حدوثه ويخشونه، سواء من ناحية نقض اليهود العهد وانضمامهم إلى جيوش الأحزاب، أو من ناحية انفضاض المنافقين من حول النبي - ﷺ - وتسللهم من الجيش ساعة الشدة وقيامهم بعمليات الإرجاف والتثبيط وبث روح الهزيمة بين المحاربين المسلمين.
كيف نقض اليهود العهد
لقد كانت استخبارات الجيش الإسلامى تراقب مناطق بنى قريظة مراقبة شديدة وتتبع حركاتهم وسكناتهم لتأتى بما يجد من أخبارها إلى النبي القائد - ﷺ - أولًا بأول، وذلك لئلا يؤخذ المسلمون على حين غرة.
فقد كانت القيادة الإسلامية في المدينة عند وصول الأحزاب على غاية من الحرج، وموقفها بلغ من الدقة إلى أبعد الحدود.
كان قادة جيش المدينة على يقين بأن شيطان بنى النضير (حيي بن أخطب) سيتصل بيهود بني قريظة لتحريضهم على نقض العهد وحملهم على الانضمام إلى جيوش الأحزاب.
[ ٣ / ١٥٨ ]
وقد أجمع أصحاب المغازي والسير على أن زعيم يهود بنى قريظة (كعب بن أسد) ما كان راغبًا (مطلقًا) في نقض العهد الذين بينه وبين المسلمين ولم تكن له آية رغبة في الغدر بهم، خوفًا على اليهود من النتائج المخيفة التي ستترتب على نقض العهد والغدر بالمسلمين في تلك الظروف الخانقة التي بلغت فيها حالة المسلمين من الدقة والحراجة أقصى الدرجات، لأن اليهود لم يكونوا واثقين من تغلب الأحزاب على المسلمين.
شيطان خيبر في صفون بني قريظة
ولكن شيطان خيبر والعدو رقم واحد للإسلام والمسلمين- حيى بن أخطب. . الذي تعهد لقادة قريش وغطفان- عندما حزّبها وشجعها على حرب النبي - ﷺ - وفد علي بنى قريظة يدعوهم إلى اغتنام فرصة وجود جيوش الأحزاب وحسن لهم الغدر بالمسلمين والمشاركة مع الأحزاب في استئصال شأفتهم، هذا الاستئصال الذي ما كان سيد خيبر اليهودى الحاقد يشك لحظة في نجاح عمليته.
ولقد قاوم سيد بني قريظة كعب بن أسد هذه المحاولة الخطيرة طويلًا، وقبح لحيى بن أخطب فكرة ما يدعو إليه من الغدر بالمسلمين، وذكره بالعواقب الوخيمة التي سيتعرض لها شعب قريظة نتيجة هذا الغدر الذي يلح حيى بن أخطب في القيام به.
ممانعة سيد قريظة في نقض العهد
حتى إن كعبًا هذا عندما علم بقدوم حيى بن أخطب إلى ديار بنى قريظة لمقابلته أمر بإقفال باب الحصن في وجهه ورفض (أول الأمر
[ ٣ / ١٥٩ ]
مقابلته) وطلب منه مغادرة ديار بنى قريظة والعودة من حيث أتى لأنه يعلم أن مجيئه لم يكن إلا لحمل بنى قريظة على نقض العهد والغدر بالمسلمين، فكعب هذا يعرف مدى العداوة الشديدة التي يحملها حُيى بن أخطب للنبي - ﷺ - خاصة.
ولكن هذا اليهودى الشرير (حيى بن أخطب) بالرغم من إقفال باب الحصن في وجهه وأمره بمغادرة ديار بنى قريظة ظل (في مكر وخبث) لاصقًا بباب حصن سيد بنى قريظة، طالبًا منه (وبإلحاح) أن يفتح له باب الحصن ليكلمه، حتى خجل من كلامه القارص الذي كان يوجهه إليه، ففتح له.
المناقشة بين الزعيمين اليهودين
ولقد دارت بين سيد بنى النضير وسيد بنى قريظة حول هذا الموضوع الخطير المناقشة التالية:
فعندما وقف حيى بن أَخطب بباب الحصن، نادى كعب بن أسد طالبًا منه أن يفتح له (وقد تمنع) قائلًا:
"ويحك يا كعب. . افتح لي".
فقال له كعب. . "ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا".
فقال حيى. . "ويحك افتح لي أكلمك".
فقال: .. "ما أنا بفاعل".
[ ٣ / ١٦٠ ]
فغاظ ذلك حييًا، فقال لكعب. . لا والله ما أغلقت دونى إلا تخوفًا على جشيشتك (١) أن آكل معك منها" فخجل منه كعب (على أثر هذا الكلام اللاذع) ففتح له.
فقال له حيى. . ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بجمع الأسيال وبغطفان حتى أنزلتهم بجانب أُحد. قد عاهدونى وعاقدونى أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدًا ومن معه.
فقال له كعب. . جئتنى والله بذل الدهر، وكل ما يخشى، فإني لم أر في محمد إلا صدقًا ووفاء. . جئتنى يا حيى بجهام قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. يعني بذلك كعب: أن جيوش الأحزاب على كثرتها وعظمتها ليست إلا كالسحاب العظيم الذي تصك رعودة الآذان ويخطف برقة الأبصار وليس فيه قطرة ماء.
ثم أردف كعب قائلًا. "ويحك يا حيى فدعنى وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً".
ولما ألح حيي بن أخطب في كلامه وأخذ بأسلوبه الخادع الماكر يؤثر في نفوس القوم دعا سيد بنى قريظة كعب بن أسد إلى اجتماع حضره جميع زعماء وقادة بنى قريظة للتشاور في الأمر وبحث ما عرضه عليهم سيد بنى النضير من الانضمام إلى جيوش الأحزاب ونقض العهد الذي بين قريظة والمسلمين.
أحد زعماء اليهود يحذر من نقض العهد
وفي هذا المجلس تكلم أحد عقلائهم من القادة وهو عمرو بن
_________________
(١) الجشيشة: البر يطحن غليظا.
[ ٣ / ١٦١ ]
سعدى، فنصح بنى قريظة وحذرهم مغبة نقض العهد، وذكرهم بوفاء محمد الدائم وصدقه في معاملته لهم، وأنهم ملزمون بالقتال إلى جانبه، فكيف يسوغ لهم (بدلًا من ذلك) أن يشهروا السلاح في وجهه ويعينوا عدموه عليه؟ ثم طلب منهم الثبات على العهد وألا يصغوا لكلام حيى بن أخطب، بل وطلب منهم حمل السلاح إِلى جانب المسلمين كما تفرض ذلك المعاهدة المعقودة بينهم، وطلب عمرو بن سعدى في هذا المجلس من قومه أن يقفوا على الأقل موقف الحياد إذا لم ينصروا النبي - ﷺ - قائلًا: "إذا لم تنصروا محمدًا فاتركوه وعدوه".
ولكن وساوس وتأثيرات حيى بن أخطب كانت أقوى من كل معارضة حيث ما زال -كما قال بن إسحاق- يستدرج زعماء بنى قريظة ويفتل كعبًا في الذروة والغارب حتى أجابوه إلى ما طلب، فوافقوا على نقض العهد والغدر بالمسلمين والانضمام إلى جيوش الأحزاب.
وذلك بعد أن أخذوا العهد والميثاق على سيد بنى النضير حيى بن أخطب أن يبقى معهم في حصونهم ليصيبه ما أصابهم إذا رجعت قريش وغطفان دون أن تقضى جيوشها على المسلمين، ويعد أن أخذت قريظة العهد على حيي بن أخطب بهذا الخصوص، أعلن زعيمها كعب بن أسد نقضه للعهد وبرئ ما كان بينه وبين النبي - ﷺ -.
إعلان قريظة الغدر بالمسلمين
ثم استدعى كعب زعماء بنى قريظة، ومنهم: الزبير بن باطا. . وعزال بن ميمون. . وشاس بن قيس وعقبة بن زيد وعمرو بن سعدى، وأحضر الصحيفة التي تتضمن نص العهد المعقود بين النبي - ﷺ - ويهود
[ ٣ / ١٦٢ ]
بنى قريظة وطلب منهم الموافقة على تمزيقها إيذانًا بنقض العهد والانضمام إلى الأحزاب.
فوافق الجميع على ذلك، إلا الزعيم القرظى (عمر بن سعدى) فإنه أبي ذلك وأعلن رفضه المشاركة في جريمة الغدر هذه قائلًا: "والله لا أغدر بمحمد أبدًا" وبقى على عهده، وسانده في موقفه النبيل هذا ثلاثة من هؤلاء اليهود وهم ثعلبة وأسيد أبناء سعية، وأسد بن عبيد.
وقد كان موقف عمرو بن سعدى اليهودى هذا سببًا في نجاته عندما حاق بيهود بنى قريظة مكرهم السئ وأعدمهم المسلمون بعد انصراف الأحزاب عن المدينة، أما الثلاثة الآخرون فقد خرجوا إلى النبي - ﷺ -، وأعلنوا إسلامهم كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
تمزيق صحيفة المعاهدة
أما كعب بن أسد فقد تغلب طيشه على عقله وحلمه فأصر مع زعماء قريظة على الغدر بالمسلمين فأخذوا الصحيفة التي تتضمن نص العقد الذي بينهم وبين المسلمين فمزقوها، وبهذا أصبحوا حربًا على النبي - ﷺ - وجزءًا من قوة الأحزاب.
ولما كانت ديار بنى قريظة تحت مراقبة رجال الاستخبارات الإسلامية، فقد علم هؤلاء الرجال بالحدث الخطير الذي أحدثته قريظة الخائنة، فسارعوا بنقل الخبر إلى الرسول القائد - ﷺ -.
فجاءوا إليه وهو في معسكره وراء الخندق، وبلغوه (سرًّا) هذا الخبر الخطير، فشق عليه ذلك كثيرًا، إلا انه كتم الخبر وأمر بأن لا يشاع منه شيء.
[ ٣ / ١٦٣ ]
وفد النبي إلى بني قريظة
ثم استدعى - ﷺ - حليف بنى قريظة وسيد الأوس (سعد بن معاذ) وهو شاب لم يبلغ الأربعين من عمره، كما استدعى سيد الخزرج (سعد بن عبادة) وهما قطبا الأنصار وعبد الله بن رواحة وأسيد بن حضير، والجميع من الأنصار، ويعد أن حضروا كلفهم النبي - ﷺ - بأن يذهبوا إلى بنى قريظة وأمرهم بأن يتصلوا رسميًا بزعماء هؤلاء اليهود، ويسألوهم عما بلغهم من خبر نقضهم العهد.
وقد أمر النبي - ﷺ - رجال هذا الوفد بأن يكتموا الخبر عن الجيش إذا ما صح أن يهود بنى قريظة قد نقضوا العهد وأعلنوا الحرب، وذلك لكى لا يؤثر هذا الخبر الخطير على معنويات الجند الإسلامى، الذي هو في حالة كرب وشدة لمواجهته الأحزاب على مشارف الخندق ليلًا ونهارًا.
قال ابن إسحاق. . فقال - ﷺ -. . انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقًّا، فالحنوا لي لحنًا أعرفه، دون القوم، ولا تفتوا في عضد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فذهب الوفد النبوى إلى منازل بنى قريظة لمعرفة الحقيقة ومراجعة هؤلاء اليهود ومحاولة إعادتهم إلى الصواب إذا كانوا قد نقضوا العهد.
المشادة بين الوفد النبوي وبنى قريظة
ولما وصل الوفد النبوى استقبلهم زعماء بنى قريظة ودخلوا معهم حصنهم، وهناك بدأوا المحادثات، وقد بدأ الوفد الإسلامي هذه المحادثات
[ ٣ / ١٦٤ ]
بدعوة بنى قريظة إلى توثيق الحلف الذي بينهم وبين المسلمين أو الوقوف على الحياد على الأقل (بالموادعة).
ولكن اليهود بمجرد سماعهم ذكر النبي - ﷺ - والحديث عن العهد قالوا. . في قحة وصفاقة: "من هو رسول الله هذا؟؟ " ثم أردفوا قائلين للوفد النبوى: "لا عهد بيننا وبين محمد"، وقالوا للوفد (وقدر تملكهم الغرور) ما معناه: " الآن جئتم تطلبون منا الوفاء بالعهد الذي بيننا وبين محمد، وهو الذي كسر جناحنا وأخرج إخواننا بنى النضير اذهبوا لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد".
فغضب عند ذلك سيد الخزرج سعد بن عبادة (وكان في طبعه حدة) وأخذ يشاتم اليهود فشاتموه وأغضبوه كثيرًا.
غير أن سيد الأوس الشاب وحليف هؤلاء اليهود (سعد بن معاذ) تدخل في الأمر، وطلب من سعد بن عبادة أن يسيطر على أعصابه قائلًا: "دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة".
سعد بن معاذ ينصح حلفاءه من اليهود
ثم توجه سعد بن معاذ إلى حلفائه (في محاولة أخيرة) ناصحًا إياهم بالرجوع عن غيهم ومحذرهم العواقب المخيفة التي ستترتب على إصرارهم على نقض العهد.
فقد قال سعد بن معاذ ليهود بنى قريظة: "إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا أخاف عليكم مثل يوم بنى النضير أو أمّر منه".
[ ٣ / ١٦٥ ]
فكان جواب هؤلاء اليهود لحليفهم الناصح على مستوى الخسة والسفاهة التي هي من طبيعتهم، حيث قالوا لسعد ساخرين من نصحه: "أكلت أير أبيك".
فقال لهم سعد (وكان حليمًا ثبتًا): "غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن يا بني قريظة"، فتمادى بنو قريظة في غيهم وصاروا ينالون من النبي - ﷺ - ويقعون فيه، وهنا يئس سعد من معاذ من عودة حلفائه إلى جادة الصواب، فعاد الوفد الإسلامي يحمل إلى النبي - ﷺ - تأكيد غدر اليهود ونقضهم العهد.
كلمة السر بين النبي والوفد
وعندما وصل الوفد إلى المعسكر وراء الخندق سلموا على النبي - ﷺ -، وأبلغوه (بواسطة كلمة السر) حقيقة الموقف وأن يهود بنى قريظة (فعلا) قد غدروا ونكلوا.
وكلمة السر هذه التي تبلغ بها النبي - ﷺ - هذا الخبر المزعج (دون أن يعلم أحد غيره في المعسكر) هي -عضل والقارة- فبمجرد أن قال رئيس الوفد هذه الكلمة للنبي - ﷺ - أدرك- حالًا- أن اليهود قد غدروا ونقضوا العهد.
وعضل والقارة هما قبيلتان من هذيل سبق منهما الغدر بأصحاب النبي - ﷺ - في ذات الرجيع من أرض الحجاز وهم في طريقهم للقيام بتعليم تلك القبائل أصول الدين الإسلامى -كما فصلناه فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٣ / ١٦٦ ]
الموقف بعد نقض اليهود العهد
لقد كان نشاط الأحزاب العسكري -قبل أن تنقض قريظة العهد الذي بينها وبين المسلمين- فاترًا إلى حد ما فلم يكن هناك من عمل عسكرى يذكر سوى الطواف بالخيل للاستكشاف والإزعاج والإرهاب لأن المشركين قد قطعوا الأمل في عبور الخندق بأعداد كبيرة تمكنهم من الالتحام في معركة فاصلة مع جيش المدينة، لأن هذا الجيش قد أصبح بأكمله يقوم بأعمال الدورية وحراسة مشارف الخندق.
ولكن لما تلقت الأحزاب (رسميا) انضمام يهود بنى قريظة إليهم ازداد نشاطهم العسكري وصاروا يضاعفون من جولاتهم وتحفزاتهم الجدية حول الخندق حيث عاد إليهم الأمل في اقتحام مواقع المسلمين وراء الخندق بأعداد كبيرة بسهولة.
ذلك أن انضمام قريظة إليهم سيجبر أكثرية الجيش الإسلامي على ترك مواقعة التي يرابط فيها لحراسة مشارف الخندق، وإذا ما قامت القوات اليهودية -التي ليس بينها وبين المسلمين أي حاجز من خندق أو غيره- بالهجوم على معسكر المسلمين من الخلف كما هو المتفق عليه بين قادة قريش وغطفان وبين اليهود، فسيؤدى ذلك إلى إشغال عدد كبير من قوات المسلمين.
تدهور الحالة عند المسلمين
لقد كان موقف القوات الإسلامية منذ وصول جيش الأحزاب -وقبل نقض اليهود العهد- موقفًا حرجًا (دونما شك).
[ ٣ / ١٦٧ ]
لأنه مهما يقال من مناعة خط الدفاع الأول (الخندق) ومهما يمتاز به المسلمون من شجاعة وثبات وإقدام فإن وجود تسعمائة مقاتل من هوْلاء المسلمين أمام عشرة آلاف مقاتل كلهم غيظ وحقد على المسلمين، يتحفزون لابتلاعهم، كما يتحفز البحر الهادر المحيط بالجزيرة الصغيرة جدًّا لابتلاعها -هو أمر من الخطورة بحيث يجعل مركز قوة المسلمين الصغيرة من الحراجة بمكان يقض مضاجع القيادة المسئولة عن هذه القوة ويجعلها في مركز حرج للغاية.
غير أن انضمام يهود بنى قريظة إلى معسكر الأحزاب قد عقد الوضع داخل المعسكر الإسلامى وجعل الحالة فيه تسير من سيء إلى أسوأ.
بلغت الحالة أعلى درجات الحراجة والتأزم، فأصبح مصير الكيان الإسلامى كله في مهب العاصفة.
بلوغ القلوب الحناجر
ولقد تحدث القرآن الكريم عن حالة الحرج والتدهور هذه ووصف ما وصل إليه المسلمون من جزع وخوف وفزع في تلك المحنة الرهيبة أصدق وصف، حيث قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١).
_________________
(١) الأحزاب: ٩ - ١٠.
[ ٣ / ١٦٨ ]
فقد عظم البلاء على المسلمين وتضاعف الابتلاء، واشتد الخوف وانتاب الفزع كل القلوب (تقريبًا)، وبلغ الجزع بأفراد الجيش الصغير (كما حدثنا القرآن) إلى درجة الزلزال، بعد أن أصبح هذا الجيش الإسلامي الصغير -بعد غدر اليهود- بين نارين. . الأحزاب من الإمام. . واليهود من الخلف.
وكأن الله تعالى أراد بهذ البلاء العظيم أن يمتحن هذه الأمة الناشئة التي ستنشئ على كاهلها أعظم دولة عرفها التاريخ، ويوكل إليها مهمة نشر أشرف عقيدة عرفتها الدنيا.
فقد ظهر بهذا الامتحان العظيم الطيب من الخبيث والصادق من الكاذب.
أما المؤمنون فقد ثبتوا على إيمانهم ولم يزدهم توتر الحالة وتدهور الموقف إلا تمسكًا بدينهم والتفافًا حول نبيهم.
ظهور النفاق داخل جيش المدينة
أما الذين في قلوبهم مرض والذين يتسترون وراء التظاهر بالإسلام فقد كشفتهم هذه التطورات الخطيرة وظهروا- أمام هذه الامتحان العظيم على حقيقتهم كذابين مخادعين يظهرون ما لا يبطنون.
فقد كانت فئات من هذا النوع الخبيث (كالطابور الخامس (١) داخل
_________________
(١) الطابور الخامس، أو الرتل الخامس كما يطلق عليه في العراق، هم جماعة من الناس يكونون معك (ظاهريًا) ومع عدوك (سرًّا). وأول ما استعمل في الحرب الإسبانية الأهلية بين الوطنيين من جهة وبين الشيوعيين، وكانت النتيجة استيلاء قوة فرانكو.
[ ٣ / ١٦٩ ]
الجيش الإسلامي، يتظاهرون بالإسلام وهم -في حقيقتهم- يعملون ضد الإسلام ويتمنون زوال المسلمين، وهؤلاء هم المنافقون.
وكان ظهور هذا النوع الخبيث على حقيقته، بل وتظاهره (داخل الجيش الإسلامى) بميله نحو الأحزاب وإطلاقه الإشاعات والأراجيف ضد مقدرة المسلمين على الصمود في وجه العدو، كل ذلك ضاعف من بلاء المسلمين وجعل محنة جيش المدينة الصغيرة تستحكم حلقاتها.
ظهرت من داخل الجيش الإسلامى جماعة تناؤه وتتمرد على قيادته في تلك الساعات الحاسمة من تاريخه، وهذا من أخطر الأخطار التي تواجهها الجيوش المحاربة وتهددها بالدمار -حتى وإن كانت ضخمة كبيرة- فكيف بجيش صغير تبلغ نسبة جنوده حيال أعدائه المحيطين به واحدًا لأحد عشر.
لقد ظنت فئة المنافقين الموجودين داخل الجيش الإسلامي -وخاصة بعد غدر قريظة وانضمامها إلى الأحزاب- ظنت هذه الفئة أن الكيان الإسلامى أصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.
ولذلك تجرأت تلك الفئة المنافقة، وصارت -داخل المعسكر الإسلامي- تتفوه بكلمات خطيرة من شأنها إشاعة الفزع وتحطيم الروح المعنوية بين صفوف الجيش التي استحكمت عليه حلقات المحنة.
مقالة المنافقين
وقف واحد من هؤلاء المنافقين داخل المعسكر الإسلامى وقال -في سخرية واستهزاء: - "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى
[ ٣ / ١٧٠ ]
وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا".
ويقول ابن إسحاق: إن الذي قال هذا القول المنكر، هو معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف، غير أن الذي لا غبار عليه هو أن معتب بن قشير هذا كان من البدريين، وقد ذكر اسمه في عدادهم ابن إسحاق نفسه، ولهذا عقب ابن هشام الرواى للسيرة على قول ابن إسحاق بقوله. . وأخبرنى من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر.
وعلى العموم فقد تفوه المنافقون بهذا القول المنكر، وقد أشار القرآن إلى الذين تفوهوا به فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ (١).
وهكذا كان وجود فئات المنافقين داخل الجيش الإسلامي ابتلاءًا ثالثًا ابتلى به المسلمون.
القوة الثالثة ضد المسلمين
فقد كان هؤلاء المنافقون -بالإضافة إلى قوة الأحزاب ويهود بنى قريظة- قوة ثالثة ضد المعسكر الإسلامي، صارت عن قصد وإصرار -وخاصة بعد نقض اليهود العهد- تقوم بأعمال تخريبية داخل صفوف
_________________
(١) سورة الأحزاب ١٢.
[ ٣ / ١٧١ ]
المسلمين معا زاد الطين بلة (كما يقولون) وضاعف من متاعب القيادة العليا في الجيش الإسلامي.
فقد صار هؤلاء المنافقون (وخاصة بعد غدر اليهود واشتداد الحالة على المسلمين) صاروا وبصورة شبه علنية يبثون روح الفزع والتخاذل واليأس داخل صفوف جيش المدينة.
انسحاب المنافقين من الجيش
ولم تكتف فئات المنافقين بالإرجاف والسخرية من الإسلام وبث روح الانهزام بين صفوف جيش المدينة، بل لقد ذهبوا إلي أبعد من ذلك حيث أخذوا في الانسحاب والتحريض على الانسحاب من الجيش في ذلك الظرف الدقيق الذي يمر به الكيان الإسلامي كله هادفين من وراء ذلك إلى مساندة الأحزاب وتسهيل مهمتهم بطريق غير مباشر، وتحت ستار حماية منازلهم من غارات يهود بنى قريظة.
ففي تلك الحالة التي بلغ فيها موقف المسلمين الذروة من الحرج، تقدم أحد هؤلاء المنافقين الموجودين في الجيش الإسلامي، فطلب -باسم ملأ من قومه- أن يسمح لهم الرسول القائد - ﷺ - بالانسحاب من المعسكر المواجه للأحزاب على مشارف الخندق بحجة أنهم بحاجة إلى حماية بيوتهم المكشوفة الواقعة في أطراف المدينة.
وما كان قصد هولاء المنافقين حماية بيوتهم، وإنما قصدهم الفرار ثم بث الفزع وروح الهزيمة والتذمر داخل الجيش الصغير الذي أحاط به عدوه من كل مكان.
[ ٣ / ١٧٢ ]
قال أوس بن قيظى -أحد بنى حارثة بن الحارث- يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو (وذلك على ملأ من رجال قومه) فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى ديارنا، فإنها خارج المدينة.
وقد فضح القرآن الكريم هؤلاء المنافقين، حيث صرح بأن طلبهم الانسحاب من الجيش في ذلك الظرف الدقيق، لم يكن لحماية بيوتهم، وإنما كان القصد منه الفرار وتفتيت وحدة الجيش، وبث مزيد من الخوف والفزع في نفوس الجند، فبيوتهم لم تكن عورة (كما زعموا) وإنما هم كاذبون منافقون لا سيما وأن دوريات المسلمين داخل المدينة قد كلفت بحماية ديار هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾ (١).
وهكذا ازدادت حالة المسلمين دقة وازداد موقفهم تحرجًا، بعد اكتشاف فئات المنافقين الذين ظهروا على حقيقتهم داخل صفوف الجيش، وصاروا يسخرون من المسلمين ويبثون روح الهزيمة واليأس داخل صفوفهم.
وبالرغم من أن الخندق قد جمد نشاط جيوش الأحزاب، وجعلها عاجزة عن القيام بأي هجوم جدى واسع، فإن النبي كان (وخاصة بعد نقض اليهود العهد وانضمامهم إلى الأحزاب ونجوم النفاق داخل الجيش الإسلامي) يشعر بحراجة مركز جيشه ويخشى عليه -مع قلة رجاله بين
_________________
(١) الأحزاب: ١٣.
[ ٣ / ١٧٣ ]
فكى الكماشة الرهيبة التي تمثلها جيوش الأحزاب وبنى قريظة، هذه الكماشة التي بدأت -وخاصة بعد غدر يهود بنى قريظة- تضغط بعنف على عنق جيش المدينة نفسه الذي برزت -داخل صفوفه- فئات المنافقين، تثبط وتُخَذِّلْ وتنشر روح الهزيمة والعصيان داخل هذا الجيش الصغير الذي بلغت نسبته إلى أعدائه واحدًا لأحد عشر.
محاولة النبي عقد صلح منفرد مع غطفان
ففي هذه الظروف الخانقة التي بلغت فيها الخطورة والاختناق بالجيش الإسلامي الذروة، وكان لا بد للقائد الأعلى النبي - ﷺ - من أن يفكر في وسيلة تخفف (على الأقل) من الضغط الخانق الذي يتعرض له جيشه الصغير، والذي ينتظر أن يتعرض لمزيد من الأخطار المزلزلة إذا ما وفت قريظة الخائنة بوعدها للأحزاب وشنت قواتها الهجوم من الخلف على الجيش الإسلامي، الذي كان قد جند كل إمكانياته المحدودة للمرابطة وراء الخندق ومنع الأحزاب من اجتياز هذا الخندق.
ولهذا -وقبل أن تقوم قريظة بأي هجوم فعلى على المسلمين- فكر النبي - ﷺ - كقائد عسكرى وسياسى- فكر في القيام بعمل يحدث به الفرقة والاختلاف بين قادة الأحزاب، ليخفف من شدة وطأة الحصار العنيف المضروب على المدينة، وليفت في عضد اليهود ليؤخروا (على الأقل) عملية القيام بضرب المسلمين من الخلف، هذه العملية المخيفة التي كان الجيش الإسلامى يتوقعها بين لحظة وأخرى.
[ ٣ / ١٧٤ ]
اتصال النبي بقيادة غطفان
فقد اتصل الرسول القائد - ﷺ - بقائدى غطفان (سرًّا)، وهما (عيينة بن حصن الفزاري) و(الحارث بن عوف المرى). فقد أرسل إليهما (في جنح الظلام) أحد رجال استخباراته الأمناء الأذكياء ليبلغهما رغبته في الاجتماع بهما (سرًّا) في مقر قيادته وراء الخندق.
وكان النبي - ﷺ - كقائد أعلى مسئول وكسياسى محنك مجرب- أعلم الناس بنفسيات الرجال، وكان على علم تام بأهداف وغايات كل من القادة والزعماء الذين يقودون هذا الغزو الخطير الساحق.
فهو يعلم (مثلًا) أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك في هذا الغزو أي هدف سياسى يريديون تحقيقه أو باعث عقائدى يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأول والأخير من الإشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء على ما يمكنهم الاستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها.
ولهذا فإن الرسول القائد السياسي المحنك، لم يحاول الاتصال بقادة الأحزاب من اليهود (كحييى بن أخطب وكنانة بن الربيع) أو قادة قريش كأبى سفيان بن حرب، لأن هدف أولئك الرئيسى، لم يكن المال وإنما كان هدفهم، هدفًا سياسيًا وعقائديًا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامى من الأساس، لذا فقد كان اتصاله (فقط) - بقادة غطفان، الذين (فعلًا) لم يترددوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم النبي - ﷺ -.
فقد ليستجاب القائدان الغطفانيان (عيينة بن حصن والحارث بن عوف) لطلب النبي القائد - ﷺ - وحضرا (مع بعض أعوانهما) إلى مقر
[ ٣ / ١٧٥ ]
قيادة النبي - ﷺ -، اجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحد.
بنود الصلح المقترح
ولدى وصولهما، شرع النبي - ﷺ - في مفاوضتهما، كانت هذه المفاوضة تدور -بصفة رئيسية- حول عرض تقدم به النبي - ﷺ - يدعو فيه إلى عقد صلح منفرد بينه وبين غطفان، وأهم البنود التي جاءت في هذه الاتفاقية المقترحة هي:
١ - عقد صلح منفرد بين المسلمين وغطفان الموجودين ضمن جيوش الأحزاب.
٢ - توادع غطفان المسلمين وتتوقف عن القيام بأي عمل حربي ضدهم (وخاصة في هذه الفترة).
٣ - تفك غطفان الحصار عن المدينة وتنسحب بجيوشها عائدة إلى بلادها.
٤ - يدفع المسلمون لغطفان (مقابل ذلك) ثلث ثمار المدينة كلها من مختلف الأنواع، ويظهر أن ذلك لسنة واحدة.
وقد وافق قائد غطفان (عيينة بن حصن والحاثر بن عوف) على هذا العرض موافقة تامة إلا أنهما طلبا نصف ثمار المدينة بدل الثلث، ولكن النبي (في هذه المفاوضة الأولية) أصر على الثلث.
فقبلت غطفان ذلك ورضوا بثلث ثمار المدينة، وتم (مبدئيًا) الاتفاق على عقد الصلح، وفعلا، حررت المعاهدة وسجلت بنودها، وكان كاتبها
[ ٣ / ١٧٦ ]
عثمان بن عفان ﵁، ولم يبق لإنفاذها إلا توقيع الطرفين عليها وإشهاد الشهود.
استشارة الأنصار
ويظهر أن النبي - ﷺ - قد اشترط موافقة سادة الأوس والخزرج من الأنصار على هذه الاتفاقية لتكون نافذة المفعول، لأن ثمار المدينة هي ملك للأنصار وحدهم، ولا يمكن التعهد بإعطاء أحد شيئًا من هذه الثمار دون موافقة مالكيها وخاصة إذا كان الأمر اجتهادًا سياسيًا من النبي - ﷺ - لا وحيًا من السماء.
ولهذا -وقبل التوقيع على هذه الاتفاقية- استدعى النبي - ﷺ -، سعد بن معاذ (سيد الأوس) وسعد بن عبادة (سيد الخزرج) وشرح لهما -بحضور عيينة بن حصن والحارث بن عوف- ما دار بينه وبين هذين القائدين وما توصل إليه من اتفاق معهما تنسحب بموجبها وتفك الحصار عن المدينة جميع قبائل غطفان (التي يتكون منها العمود الفقرى لهذا الغزو الكبير) مقابل إعطائها ثلث ثمار المدينة.
ثم استشار النبي - ﷺ - السعدين في الأمر -وخاصة البند المتعلق بإعطاء ثلث ثمار المدينة لغطفان- وطلب منهما إبداء رأيهما الأخير في هذه الاتفاقية.
سادة الأنصار يرفضون الصلح
وبعد أن استمعا إلى النبي - ﷺ - وأطلعا علي بنود الاتفاقية - لم يعجبهما ولم يرق لهما البند المتعلق بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، فلم يلق قبولًا من نفسيهما بل استعظماه.
[ ٣ / ١٧٧ ]
إلا أنهما كمؤمنين صادقين لا يبيحان لأنفسهما الخروج على أمر النبي -حتى ولو كان فيه هلاكهما- أبلغا النبي القائد - ﷺ - أنهما -باسم الأنصار جميعًا- على أتم استعداد للموافقة على هذه الاتفاقية بكاملها إذا كان ذلك عن أمر الله ووحى منه.
أما إذا كان الأمر، لا يعدو أن يكون رأيًا فيه مجال لأخذ والرد فإن لهما رأيا غير الرأي الذي رآه النبي - ﷺ - وهو أنهما يرفضان (بصراحة) إعطاء قبائل غطفان تمرة واحدة من ثمار المدينة على هذه الصورة.
فقد قال السعدان. . يا رسول الله. . أمرًا تحبه فتصنعه أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا، فإن كان أمرًا من السماء فامض له، وإن كان أمرًا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي، فما لهم عندنا إلا السيف.
فقال رسول الله - ﷺ -. . لو أمرنى الله ما شاورتكما، والله ما أصنع ذلك إلا لأنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمر ما.
والله لا نعطيهم إلا السيف
فقال له سعد بن معاذ (سيد الأوس) .. وكان شابًّا لم يكمل الأربعين من عمره: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم -يعني
[ ٣ / ١٧٨ ]
غطفان لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة، إلا قِرى (١) أو بيعًا، وإن كانوا ليأكلوا العِلْهِز (٢) في الجاهلية من الجهد.
ثم قال سعد بن معاذ -معترضًا على الاتفاقية الآنفة الذكر-. . أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، ونقطعهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم (٣).
ولما رأى رسول الله - ﷺ - معارضة سيدى الأنصار لهذه الاتفاقية التي كتبت ولم يبق إلا التوقيع عليها وشهادة الشهود (٤) عدل النبي - ﷺ - عن رأيه ومال إلى رأى السعدين قائلًا لسعد بن معاذ الذي تولى المناقشة. . فأنت وذاك.
وهنا أخذ سيد الأوس -سعد بن معاذ- الصحيفة التي قد تم فيه تسجيل اتفاقية الصلح ومزقها، ثم وجه حديثه إلى سيدى غطفان عيينة
_________________
(١) القرى -بكسر القاف وفتح الراء- الضيافة.
(٢) العلهز -بكسر أوله وسكون ثانية وكسر ثالثه- وبر يخلط بدماء الحلم -بفتح الحاء واللام- كانت العرب في الجاهلية تأكله في الجدب.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٠٣ وما بعدها.
(٤) قال ابن إسحاق. . فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم -عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما -أي عرض عليهما- ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا مراوضة، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه. . إلى أن ذكر بن إسحاق كيف أن السعدين لم يوافقا في النهاية على الاتفاقية المذكورة.
[ ٣ / ١٧٩ ]
ابن حصن والحارث بن عوف قائلًا -وقد رفع صوته في تحد- إرجعا ليس بيننا وبينكم غير السيف، فانصرفا إلى مقر قيادتهما في قيادة الأحزاب.
وهكذا ازداد البلاءُ على المسلمين، فقد ضاعف رفض سادة الأنصار فكرة عقد الصلح المنفرد مع غطفان مقابل إعطائهم ثلث ثمار المدينة. . ضاعف هذا الرفض من متاعب المسلمين العسكرية، وبدد الأمل في تخفيف الضغط عليهم، هذا التخفيف الذي كان هو المقصود بالدعوة إلى مصالحة غطفان.
إلا أن هذا الرفض من ناحية أخرى، أثبت للقادة المسئولين في الجانبين -الأحزاب والمسلمين- أن هناك داخل الجيش الإسلامى الصغير، رجالًا يعدون بالآلاف، لا تزيدهم المحن إلا قوة، ولا البلايا إلا إيمانًا وثباتًا وتمسكًا بينهم والتفافًا حوله.
فارتفعت (لهذا الموقف المتصلب) نسبة الروح المعنوية بين المؤمنين الصادقين، وخرج قادة غطفان من معسكر الجيش الصغير، وصور أولئك الأسود الضوارى الذين جاءوا ليقولوا لقادة أقوى قوة ضاربة تبلغ نسبة رجالها إلى رجالهم (أحد عشر لواحد) وقفوا ليقولوا لقادة هذه القوة (التي تكاد تغرقهم بكتائبها الهائجة من كل مكان وقفوا ليقولوا لها (في تحد واستخفاف). . والله لا نعطيكم ثمرة واحدة من ثمار المدينة إلا ضيافة، فافعلوا ما يحلو لكم.
موقف رائع
نعم عاد قادة غطفان من معسكر المسلمين، وقد أدركوا حقيقة كانوا يجهلونها كل الجهل، وهي أن الذي يصنع الانتصارات الحقيقية ويبعث
[ ٣ / ١٨٠ ]
الأمن والطمأنينة في النفوس -ساعة الروع- ليس كثرة الجيوش وقوتها، وإنما الذي يصنع كل ذلك هو قوة العقيدة وزَخَم الإيمان بالله تعالى، عاد قادة غطفان من معسكر الجيش الصغير وهذه الكلمات تدوى في آذانهم دوى الرعود:
"يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون في أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نقطعهم أموالنا؟؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم".
كلمة قالها سعد بن معاذ -سيد الأوس- أمام قادة غطفان، في ذلك الظرف الحرج الدقيق الذي بلغت فيه قلوب المسلمين الحناجر من شدة الكرب وتلاحق المحن وتقاطر البلايا، . . كلمة ما كان ليقولها (لولا الإيمان الصادق) أمام قادة تلك القوة الضاربة، إلا الذي يملك قياد عشرين ألف مقاتل على الأقل.
ولكن محور العجب (هنا) هو أن الذي قال هذه الكلمة التي تتفجر منها ينابيع الرجولة والشجاعة والأنفة والإيمان والثقة المتناهية بالنفس ليس وراءه أكثر من ثمانمائة مقاتل تقابلها في الجانب المعادى الآخر أحد عشر ألف مقاتل ومن ورائها احتياطى لا يقل عن ثلاثة آلاف مقاتل في خيبر والمدينة.
ولعل هذه الكلمة التي قالها سعد بن معاذ للرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه بحضور قادة غطفان، كانت من أكبر الأسباب التي جعلت قادة هذه القبائل يعيدون النظر في مخططهم العدوانى، فيتقلّون بشأن
[ ٣ / ١٨١ ]
المجازفة في مقاتلة المسلمين، فمن الجدير بالذكر أنه (بعد عودة عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى من معسكر المسلمين وسماعهم الذي سمعوا من سعد بن معاذ) لم يكن لغطفان أي دور حربى ضد المسلمين، حيث ظلت قوات هذه القبائل مرابطة في معسكراتها حتى أذن القائد العام أبو سفيان بالرحيل وفكت الأحزاب الحصار عن المدنية.
توتر الحالة ومضاعفة التيقظ
ومما لا جدال فيه أن التوتر بعد نقض قريظة العهد ورفض الأنصار فكرة عقد الصلح المنفرد مع غطفان -كما اقترح النبي - ﷺ - قد بلغ الذروة.
وحسبانا للطوارئ التي ينتظر المسلمون حدوثها نتيجة هذه التطورات الخطيرة، ضاعف المسلمون من يقظتهم واستعدادهم وصاروا يرهقون أنفسهم بالعمل المتواصل للدفاع عن كيانهم.
فقد وضعت قيادة المدينة المواقع الضيقة من الخندق، المحتمل اقتحامها من جهة خيل الأحزاب- تحت المراقبة الشديدة المتواصلة، خوفًا من أن تدفع نشوة الفرح بانضمام اليهود إلى جانب الأحزاب، بعض شجعانهم إلى اقتحام الخندق بالخيل.
حتى إن الرسول القائد - ﷺ - قد رابط بنفسه حول أخطر نقطة يتوقع المسلمون اقتحامها من قبل خيل الأحزاب. كما ضاعفت القيادة النبوية من نشاط دوريات الحراسة المتجولة على طول الخندق. كما كلفوا قوة أخرى من احتياطيهم بالمرابطة خلف خطوطهم الخلفية لمراقبة اليهود والصمود في وجههم إذا ما حاولوا الهجوم.
[ ٣ / ١٨٢ ]
ولقد تضاعف الخوف واشتد الفزع وركضت القلوب بين الجُنُوب (رعبًا وهلعًا) حتى بلغت الحناجر، وأخذ المنافقون -في تلك الليالى المخيفة التي تحالفت فيها (على المسلمين) البلايا وتقاطرت فيها ضدهم الخطوب والرزايا- أخذ هؤلاء المنافقون يتسللون (هربًا) من مواقعهم داخل صفوف الجيش الإسلامي، تاركين هذا الجيش الصغير لمصيره في مهب العاصفة التي تنوشه رياحها الهُوج بعنف وقسوة تنخلع لها القلوب.
ثبات العصبة المؤمنة
وظلت الصفوة المختارة من صحابة محمد - ﷺ - الأبرار بجانب الرسول القائد العظيم، صامدة ثابتة، في تلك الليالى الحاسمات المثقلات بالمحن والكروب، في انتظار ما ستتمخض عنه هذه الليالى من أحداث خطيرة مقلقة، لا يعلم مداها إلا الله، وخاصة ما يتوقعه المسلمون من هجوم تقوم به قريظة الغادرة على الجيش الإسلامي من الخلف، كما هي الخطة المتفق عليها بين اليهود والأحزاب.
نقطة التحول في المعركة عسكريًا
وبعد نقض قريظة العهد وانضمامها إلى الأحزاب، دخلت (فعلًا) الحرب في مراحل أكثر جدية من ذي قبل. فقد كانت مفاجأة قيادة المدينة لقيادة الأحزاب بحفر الخندق (كخط أول للدفاع عن المدينة) صدمة عنيفة جعلت قادة الأحزاب يفقدون الأمل في سحق المسلمين عن طريق الالتحام بهم في معركة فاصلة كما هي الخطة المرسومة للمعركة والمتفق عليها من الأساس.
[ ٣ / ١٨٣ ]
ولكن الأمل في سحق المسلمين عن طريق الالتحام بهم في معركة فاصلة أخذ يعود إلى نفوس قادة الأحزاب، بعد أن تبلغوا من يهود بنى قريظة (رسميًا) انحيازهم إليهم واستعدادهم لضرب المسلمين من الخلف.
فأخذوا لذلك يضاعفون من تحفزاتهم ومحاولاتهم لاقتحام الخندق وعبوره نحو المسلمين، وضاعفوا من دورياتهم الاستفزازية على طول الخندق لإرهاب المسلمين وتحطيم معنوياتهم تمهيدًا للخطة الحاسمة التي يشنون فيها الهجوم العام المرتقب عليهم بالإشتراك مع يهود بنى قريظة.
ولذلك فقد اتفق قادة قريش (أبو سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب الفهرى وعكرمة بن أبي جهل وهيبرة بن أبي هبيرة، ونوفل بن عبد الله) اتفقوا على أن يقودوا عملية مناوشة المسلمين وإزعاجهم بأنفسهم.
فقد اتفق هؤلاء القادة على أن يكون لكل واحد منهم يوم، يقود فيه عمليات الاستفزاز والمناوشات على طول مشارف الخندق، فصار رجال كل قائد من هؤلاء القادة يقوم بهذه العمليات لمدة يوم وليلة دونما انقطاع. (١)
_________________
(١) قال ابن سعد في طبقاته الكبرى .. وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله ﷺ مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة، فكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدوا أبو سفيان بن حرب في أصحابه يومًا ويغدو خالد بن الوليد يومًا، ويغدو عمرو بن العاص يومًا ويغدو هيبرة بن أبي وهب يومًا ويغدو ضرار بن الخطاب الفهرى يومًا، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ ويقدمون رماتهم فيرمون.
[ ٣ / ١٨٤ ]
إلا أن هذه المناوشات الجديدة المنظمة -بسبب وجود الخندق- لم تتعد الجولان بالخيل والرمى بالنبل والقذف بالحجارة، مما لم يكن له أي أثر حاسم يذكر في سير المعركة.
اللغز العسكري في المعركة
واللغز العسكري في سير عمليات الأحزاب الحربية هو أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر أنه قد كان لقبائل غطفان النجدية- التي يشكل رجالها العمود الفقرى لهذا الغزو -أي عمل حربى بارز ضد المسلمين في هذه الغزوة المقصود بها استئصال شأفة المسلمين وهدم الإسلام.
فقد كان من المفروض أن يشارك قادة غطفان قادة قريش في عمليات الاستفزاز والمناوشة التي قادها أولئك القادة القرشيون بأنفسهم ضد المسلمين على مشارف الخندق، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث طيلة أيام الحصار.
وهذا يعني بالتأكيد أن قبائل غطفان (طيلة أيام الحصار) لم تطلق سهمًا واحدًا ضد جيش المدينة ولم يقم أحد من رجالها بأي عمل حربى ضد المسلمين، فكل الذين جاء ذكرهم في كتب التاريخ أنهم قاتلوا وقاموا بمختلف العمليات الحربية ضد المسلمين طيلة أيام حصار المدينة إنما هم من قريش فقط.
ترى. ما هو السبب في هذا وما سر هذا اللغز؟ .
قد نتمكن في تعليقنا على المعركة في آخر الكتاب من الوصول إلى حل هذا اللغز العجيب.
[ ٣ / ١٨٥ ]
نقل المعركة إلى معسكر المسلمين
ظل الحال هكذا مدة من الزمن قصيرة -ترام بالنبل وجولان بالخيل (للإرهاب) من جانب قريش، ودوريات مستمرة منظمة تتطوف بالخندق من الجانبين- حتى تطور القتال (قليلًا) من جانب الأحزاب.
فقد قام فريق من فرسانهم الأشداء المغامرين باقتحام الخندق بخيلهم من ناحية ضيقة به، فنقلوا المعركة (جزئيًّا) إلى معسكر المسلمين وراء الخندق.
فقد اقتحم عمر بن عبد ودّ العامري وعكرمة بن أبي جهل المخزومي وضرار بن الخطاب الفهرى، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ونوفل بن عبد الله. . اقتحم هؤلاء الفرسان (وكلهم من قريش) بخيلهم مضيقًا في الخندق، فسارع إلى ملاقاتهم ذوو النجدة والبأس من المسلمين، فأخذوا عليهم (أولًا) الطريق الذي اجتازوه، فقطعوا عليهم خط الرجعة، حيث احتلوا فم المضيق الذي اقتحموه، ثم اشتبكوا معهم في معركة سريعة عنيفة حتى أبادوا أكثرهم، وأجبروا الباقين على الفرار.
قال ابن إسحاق. . فأقام رسول الله - ﷺ - والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ودّ، أخو عامر بن لؤى، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر، وابن مرداس أخو بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا تهيئوا يا بني
[ ٣ / ١٨٦ ]
كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا. . والله إن هذه لمكيدة ما كنت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة، بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب (﵁) في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم (أي تسرع) أهـ.
مصرع فارس قريش
وكان عمر بن عبد ودّ العامري (وهو كبش الكتيبة) قد حضر معركة بدر الكبرى وذاق مرارة الهزيمة بعد أن جرح في المعركة، فنذر أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمدًا، ولهذا كان أول الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين، فالتقى به علي بن أبي طالب فبارزه حتى قتله.
قال ابن إسحاق. . وكان عمرو بن عبد ودّ العامري (وهو كبش الكتيبة) قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أُحدًا (لأنه كان لا يزال جريحًا) فلما كان يوم الخندق خرج مُعلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال .. من يبارز، فبرز إليه علي بن أبي طالب أهـ.
ولما مشى علي إلى عمرو ليبارزه قال له. . يا عمرو إنك كنت تقول لا يدعونى أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها، قال له. . أجل.
فقال له. . إني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتسلم لرب العالمين.
[ ٣ / ١٨٧ ]
فقال عمرو. . يا ابن أخي أخِّره عنى هذه.
قال علي. . وأخرى، ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد رسول الله صادقًا كنت أسعد الناس به وإن يك كاذبًا كان الذي تريد.
فقال عمرو. . هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبدًا.
كيف وقد قدرت على استيفاء ما نذرت.
ثم قال عمرو. . فالثالثة ما هي؟ .
فقال علي. . البراز. .
فضحك فارس قريش عمرو -وكان فارسًا مشهورًا معمرًا قد جاوز الثمانين- ثم قال لعلي. . إنّ هذه الخصلة ما كنت أظن أحدًا من العرب يروعنى بها.
ثم قال لعلي. . لم يا بن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك.
فقال عليّ كرم الله وجهه. . ولكني والله أحب أن أقتلك فغضب عند ذلك عمرو غضبًا شديدًا.
ولما كان عمرو فارسًا وعليّ راجلًا، إقتحم عمرو عن فرسه، فعقره وضرب وجه (١) ثم أقبل على عليّ فتنازلا بالسيف حتى قتله وأراح المسلمين من شره.
وقد جُرح علي بن أبي طالب جرحًا بسيطًا في رأسه أثناء المبارزة (٢).
_________________
(١) وهذا من تقاليد العرب المرعية- حتى في الجاهلية- وهو أنه- وقت المبارزة ولكى يتم التكافؤ لا بد من أن ينزل الفارس من على فرسه ليبارز خصمه راجلًا مثله.
(٢) سيرة ابن هشام ص ٢٢٤ وما بعدها. . والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٠٦ وما بعدها. . والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٠٤ وما بعدها.
[ ٣ / ١٨٨ ]
قال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة. . إن عمروًا لما التقى بعلي قال له. . من أنت؟ .
قال له. . أنا عليّ.
قال .. ابن عبد مناف؟ .
فقال علي. . أنا علي بن أبي طالب.
فقال عمرو. . يا ابنى أخي. . من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أُهريق دمك.
فقال له على. . ولكنى والله لا أكره أن أُهريق دمك.
فغضب عند ذلك عمرو، فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبًا واستقبله عليّ بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدَّها وأثبت السيف فيها وأصاب رأسه فشجه، وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله - ﷺ - التكبير، فعرف الناس أن عليًّا قد قتل عمروًا.
إنهزام الفرسان الفدائيين
وبعد أن تم القضاء على فارس قريش قائد رعيل (١) الفدائيين من فرسانهم (عمرو بن عبد ودّ) فر باقي أفراد الرعيل القرشي وخرجت بهم خيلهم مسرعة تسابق الريح منهزمة نحو المضيق الذي اقتحموه من الخندق.
_________________
(١) الفصل يطلق على مجموعة من المشاة (٣ - ٤٠)، ويطلق على مثلها من الفرسان: رعيل محمود شيت خطاب.
[ ٣ / ١٨٩ ]
فطاردهم بعض فرسان المسلمين، ولحق الزبير بن العوام بنوفل بن عبد الله فضربه بالسيف حتى شقه نصفين، ووصلت الضربة إلى كاهل الفرس.
فقيل للزبير. . يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: . والله ما هو السيف، ولكنه الساعد، كما أن الزبير أيضًا طارد فارسًا آخر من رعيل الفدائيين القرشيين -وهو هبيرة بن أبي وهب- فضرب ثغر فرسه فقطعه ولكنه تمكن من الفرار.
وقد حاول فارسان فدائيان من فرسان قريش الفدائيين الانتقام لقائدهم -عمرو بن عبد ود- وهما ضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب، حاول هذا الفارسان الفتك بعلي بن أبي طالب، ولكنه صمد لهما وقاتلها حتى هزمهما.
وهكذا انتهت المعركة الجانبية -التي نقلها الفدائيون القرشيون إلى حيث يرابط المسلمون وراء الخندق- انتهت هذه المعركة الجانبية بالقضاء على كل أفراد رعيل الفرسان الفدائيين، ما عدا ثلاثة منهم تمكنوا من الفرار، إذ اقتحموا الخندق بأفراسهم، وهم ضرار بن الخطاب الفهرى (١)، هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي، الذي ألقى برمحه عندما فر من المعركة.
_________________
(١) هو ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهرى القرشي، من فرسان قريش المعدودين، وكان من أشعرهم وكان محاربًا شهيرًا، ومن أشد المحاربين على المسلمين، كان أبوه رئيس بنى فهر، ولم يكن في قريش أشعر منه، وكان يقول في الجاهلية، زوجت عشرة من أصحاب محمد بالحور العين، يعني بذلك قتلهم، أسلم ضرار في الفتح، وهو الذي قال للخليفة أبي بكر. . نحن خير لقريش منكم أدخلناهم الجنة (يعني الذين استشهدوا على أيديهم)، =
[ ٣ / ١٩٠ ]
أما المسلمون فلم يُصب أحد منهم أثناء هذه المعركة الجانبية اللهم إلا جرح بسيط أصاب علي بن أبي طالب في رأسه، وذلك عند مبارزته لعمرو بن ودّ العامري كما تقدم.
قريش تطلب جثة فارسها
وبعد انتهاء المعركة الجانبية بعث قادة قريش إلى النبي - ﷺ -، يعرضون عليه عشرة آلاف ثمنًا لجثة فارسهم (عمرو بن عبد ودّ) فأبى النبي - ﷺ - أن يأخذ الثمن، وقال: . هو لكم لا نأكل ثمن الموتى.
وفي رواية الإمام أحمد (كما في البداية والنهاية) قال النبي - ﷺ -: ادفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئًا أهـ. وقد حملت قريش جثة فارسها إلى معسكرها.
وبهذا فشل رعيل الفدائيين من فرسان مكة في مهمته وعاد يجر أذيال الخيبة والهزيمة بعد أن قتل المسلمون أكثر أفراد هذا الرعيل.
ويظهر أن قيادة الأحزاب قررت القيام بهذه المغامرة لاختبار مدى قوة المسلمين الحربية، ومعرفة ما إذا كان الحصار الخانق قد أثر على معنوياتهم أم لا؟ .
_________________
(١) = وأدخلتموهم النار (يعني الذين قتلهم المسلمون على الشرك)، واختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع يوم بدر، فمر بهم ضرار هذا فقالوا هذا شهدها وهو عالم بها، فبعثوا إليه فتى منهم فسالمه عن ذلك، فقال: . لا أدرى ما أوسكم من خزرجكم، ولكن زوجت يوم أحد منكم أحد عشر رجلًا من الحور العين، يعني أنه قتل يوم أحد هذا العدد وحده، حضر ضرار بن الخطاب الفهرى معركة اليمامة وقتل فيها شهيدًا، انظر تفاصيل حياة ضرار في كتاب: قادة فتح الشام ومصر.
[ ٣ / ١٩١ ]
رد فعل الهزيمة في نفوس الأحزاب
وكانت تهدف قريش -على ما يظهر- من وراء قيام فرسانها بهذه المغامرة، مواصلة القيام بمثل هذه الحركات الخاطفة- إذا ما نجحت التجربة التي قام بها الفرسان عبر الخندق- لأن قادة الأحزاب أدركوا أنه مع وجود الخندق حاجزًا بينهم وبين عدوهم ويستحيل عليهم القيام بأي هجوم شامل على مواقع المسلمين وراء الخندق، وخاصة من ناحية المشاة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في جيوش الأحزاب ولهذا قرر قادة الأحزاب الاعتماد على سلاح الفرسان ليكون هو السلاح الرئيسى في المعركة التي كانوا ينوون نقلها إلى هعسكر المسلمين ذاته، لا سيما وأنهم على موعد مع يهود بنى قريظة ليضرب هؤلاء اليهود المسلمين من الخلف ساعة الصفر.
ولكن فشل رعيل الفرسان هذا في المغامرة التي قام بها رجاله والتي انتهت بالقضاء على أكثرهم وفرار الباقين منهم أكدت لقادة الأحزاب أن كل هذه الزلازل والمحن والبلايا التي أحاطت بالمسلمين (على قلتهم وكثرة عدوهم) لم يكن له أي تأثير على قوتهم المعنوية وأن ذلك كله لم يزدهم إلا ثباتًا وضراوة وإيمانًا وتلهفًا للاستشهاد في سبيل الله.
توقف قريش عن مغامرات القفز بالخيل
ولهذا كفت قيادة الأحزاب عن مغامراتها الحربية، فتوقفت عمليات قفز الفرسان الأشداء بخيلهم عبر الخندق، فلم يستطع فرسان الأحزاب القيام بأية مغامرة من هذا النوع- بعد تلك المغامرة الفاشلة التي قتل فيها
[ ٣ / ١٩٢ ]
المسلمون فارس قريش عمرو بن عبد ودّ- حتى انسحاب الأحزاب نهائيًا.
ولكن الأحزاب، إذا كانوا قد أوقفوا عمليات المغامرة عن طريق قفز الخيل عبر الخندق، فإنهم من ناحية أُخرى قد شددوا الحصار على المسلمين وضاعفوا من عمليات الضغط عليهم، فكأنهم أرادوا الاعتماد على حرب الأعصاب المرهقة عن طريق إرهاب المسلمين وإزعاجهم والجلب عليهم بالخيل والرجل وكل وسائل الإعنات والتخويف لعل ذلك يوهن من قوة المسلمين المعنوية التي هي السلاح الوحيد الرئيسى الذي بقى في أيديهم أمام هذه الجيوش الهائلة الجبارة التي تطبق عليهم من كل مكان.
(وفعلًا) لقد تقاطرت البلايا (من جديد) وتضخمت متاعب الجيش الصغير القابع وراء خطوطه خلف الخندق وكأنه نقطة يابسة بيضاء وسط بحر محيط هائج أسود، وبلغ الكرب والضيق والشدة (من جديد) بالرسول وصفوة أصحابه الأوفياء مبلغًا عظيمًا لم يكن ليصمد معه ويثبت إلا من كان على مستوى محمد - ﷺ - وصحبه الأبرار (﵃)، إيمانًا وعزيمة وثقة بالله واطمئنانًا بوعده.
الفقر والجوع في الجيش الإسلامي
ولقد كان المسلمون -بالإضافة إلى المتاعب والمحن والكروب التي سببها لهم هذا الحصار الخانق الرهيب- يعانون متاعب كبيرة أخرى مصدرها حالة الفقر والعوز التي كانوا عليها في ذلك الظرف مع عوامل الطبيعة القاسية من برد قارص يلسع أجسادهم شبه العارية، وهم
[ ٣ / ١٩٣ ]
مرابطون أو يقومون بأعمال الدورية الدائمة على طول الخندق ليلًا ونهارًا، فقد كانت تلك السنة سنة جدب وقحط بالنسبة للمسلمين، كما أن الفصل كان فصل شتاء قارس تتخلله الرياح الهوجاء.
روى البخاري عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله - ﷺ -، إلي الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى النبي - ﷺ - ما بهم من النصب والجوع قال:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة".
كما جاء في "البداية والنهاية" -نقلًا عن صحيح البخاري- أن المجاعة كانت منتشرة بين المسلمين أيام الأحزاب، وأن النبي - ﷺ -، كان من شدة الجوع -وقت حفر الخندق- يربط الحجر على بطنه الكريم.
وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٨. . وحصل للصحابة ﵃ تعب وجوع، لأنه كان في زمن عسرة وعام مجاعة، ولما رأى رسول الله - ﷺ - ما بأصحابه من النصب والجوع قال متمثلًا بقول عبد الله بن رواحة:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فبارك الأنصار والمهاجرة
ومع هذه المحن والبلايا التي غرق فيها المسلمون جاءت قريظة الغادرة لتنقض العهد الذي بينها وبين المسلمين وتتواطأ مع الأحزاب على ضربهم.
فازدادت حلقات المحنة استحكامًا، وتحالفت عوامل الكرب والبلاء على المسلمين، ولكنهم -رغم كل هذا- ظلوا صامدين في انتظار الفرج من عند الله الذي كانوا على ثقة تامة من نصره لهم.
[ ٣ / ١٩٤ ]
مصادرة قافلة للعدو
وقد استولى جيش المدينة على عشرين بعيرًا كانت محملة تمرًا وشعيرًا وتبنا، أرسلها اليهود لقريش مددًا وتقوية، فصادرها المسلمون وأتوا بها إلي الرسول القائد - ﷺ - فخفف الله بها من ضائقة المجاعة التي كان المسلمون فيها.
وكان الذي استولى على هذه القافلة دورية مسلحة من الأنصار كان قد خرج رجالها ليدفنوا ميتًا منهم في المدينة فصادفوا هذه القافلة، ولما بلغ أبا سفيان خبر استيلاء جيش المدينة على قافلة التموين هذه قال: . إن حيى بن أخطب لمشؤوم قطع بنا، ما نجد ما نحمل عليه إذا رجعنا (١).
نشاط خيل المشركين
ولقد تزايد نشاط خيل المشركين، فكانت هذه الخيل تطوف بأعداد كبيرة كل ليلة حول الخندق حتى الصباح، فتخلفها أعداد أخرى طول النهار حتى الليل، وأصحابها يطمعون في أن يأخذوا المسلمين على حين غرة، مما جعل البلاء يشتد والجهد ينال منهم إلى قرب درجة الإعياء.
فقد أجبرهم (في ليالى الخندق الأخيرة) نشاط خيل المشركين المتزايد حول الخندق على السهر (طول الليل) حتى الصباح، وذلك للقيام بأعمال الدورية لحراسة مشارف الخندق خوفًا من أن تأخذهم خيل العدو على حين غرة. .
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٠٧.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وقد كان الرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه عندما اشتد ضغط خيل الأحزاب- يقوم بنفسه (ليلا) لحراسة أخطر نقطة في الخندق يخشى المسلمون أن يأتيهم المشركون عن طريقها.
فقد روى عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يرابط ليلًا على ثلمة في الخندق لمنع العدو من اقتحامها وكان يقول - ﷺ -. . "ما أخشى أن يؤتى المسلمون إلا منها" أهـ.
فإذا أخذته شدة البرد جاء إلى خيمته ليدفأ فيها بعض الوقت، فإذا دفى عاد ليرابط على تلك الثلمة الخطيرة ويحرسها بنفسه.
وفي ليلة من تلك الليالى الباردة، وبينما هو في خيمته القريبة من الثلمة (يستدفئ) وباله على تلك الثلمة، قال (كما روت عائشة). . ليت رجلًا صالحًا يحرس هذه الثلمة الليلة.
فسمع - ﷺ - في غلس الظلام، صوت السلاح حول خيمته فقال: من هذا؟ .
فقال سعد بن أبي وقاص. . سعد يا رسول الله، أتيتك أحرسك، فطلب منه أن يتولى تلك الليلة (بدلًا منه) المرابطة على تلك الثلمة المهمة قائلًا. . عليك هذه الثّلمة فاحرسها.
فأطاع سعد أمر نبيه وسارع بمن معه من الجند ورابطوا عندها لحراستها.
وبعد أن أطمأن الرسول - ﷺ - إلى أن تلك النقطة الخطيرة الحساسة قد أصبحت تحت حراسة فارس يثق به، نام (وكان متعبًا من شدة السهر) نومًا هادئًا فترة من الليل حتى غط في نومه (كما قالت عائشة).
[ ٣ / ١٩٦ ]
النبي يقوم بأعمال الدورية
وبعد أن أخذ النبي - ﷺ - قسطًا من النوم قام -قبل انقضاء الليل- وصلى ركعتين ثم خرج من خيمته، واتجه نحو مشارف الخندق ليشارك في القيام بأعمال الدورية، وترصد العدو الذي كان لا يكف عن الطواف بخيله حول الخندق طول الليل.
وأثناء قيامه - ﷺ - بأعمال الدورية (وكان ذلك في الثلث الأخير من الليل) شعر بحركة خيل المشركين وهي تتحفز حول مشارف الخندق فنبه أصحابه إلى مكانها قائلًا. . هذه خيل المشركين.
ثم نادى رئيس حرسه الخاص، وأمره بأن يراقب هو رجاله خيل العدو قائلًا. . يا عباد بن بشر، قال: لبيك (يا رسول الله) قال: . هل معك أحد، قال: نعم أنا في نفر حول قبتك يا رسول الله.
فأمره بأن يطيف بالخندق، وأخبره أن خيل المشركين تطيف به، فنفذ عباد أمر قائده الأعلى وصار يطيف برجاله إزاء خيل الأحزاب أينما طافت.
خالد بن الوليد واقتحام الخندق (١)
وفي ليلة من ليالى الأحزاب العصيبة حاول خالد بن الوليد مع مجموعة من فرسان قريش أن يقتحم الخندق على المسلمين في ناحية ضيقة منه ويأخذهم على حين غرة.
_________________
(١) انظر التفاصيل في: قادة فتح العراق والجزيرة ص (٥٨ - ٥٩).
[ ٣ / ١٩٧ ]
ولكن دوريات المسلمين حالت بينه وبين ما يهدف إليه، فقد كان المسلمون أعرف من المشركين بالمناطق الضيقة من الخندق، والتي يتوقعون أن تقتحمها خيل الأحزاب في غلس الظلام.
ولهذا كانت هذه المناطق تحت حراسة دوريات المسلمين المستمرة اليقظة، فعندما حاول خالد بن الوليد اقتحام ذلك المضيق من الخندق بخيله وجد نفسه أمام دورية مسلحة كبيرة من المسلمين بقيادة أسيد بن حضير الأنصاري الذي كان في مائتين من أصحابه، فتراجع خالد بن الوليد عن اقتحام المضيق.
إلا أن خيل خالد ناوشت المسلمين تلك الليلة، وكانت المناوشة (طبعًا) عبر الخندق بالنبال والحواب، وقد استشهد في تلك المناوشة الليلية، الطفيل بن النعمان، قتله وحشى الحبشى (قاتل حمزة يوم أُحد) زرق الطفيل بحربة عبر الخندق فأصابت منه مقتلا.
أبو سفيان يقود الخيل بنفسه
وقد بلغ نشاط خيل المشركين في الليالى الأخيرة من الخندق حدًّا خطيرًا، أرهق المسلمين وأجهدهم، فقد تولى القائد العام لجيوش الأحزاب، أبو سفيان بنفسه، القيام بعمليات التطواف بالخيل حول الخندق -إذ قاد الفرسان بنفسه- وصار بالإشتراك مع خيل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص يتجول بخيل الأحزاب (في أعداد كبيرة وفي استفزاز وعناد وإصرار) حول مضايق الخندق.
[ ٣ / ١٩٨ ]
ويظهر أن قيادة الأحزاب إنتابها السأم والملل بعد أن ظلت جيوشها أكثر من عشرين يومًا حائرة لا تدرى ماذا تصنع حيال هذه المكيدة الحربية العظيمة (الخندق) الذي يسر للمسلمين مهمة الدفاع عن مدينتهم إلى أبعد الحدود، فقد بقيت (طيلة هذه المدة) عشرة آلاف مقاتل من جيوش الأحزاب معطلة الحركة غير قادرة على القيام بأي عمل عسكري يذكر ضد المسلمين.
وليس أبعث على التذمر بين الجنود (وخاصة في ذلك العصر) من تجميدهم من معسكراتهم سيما إذا كانوا بعيدين عن أهاليهم وأوطانهم.
المحاولة الأخيرة لاحتلال المدينة
ويظهر أن قيادة الأحزاب لهذا كله قد قررت (بالرغم من فشل كل المحاولات التي قامت بها للعبور ناحية المسلمين) أن تقوم بمحاولة أخيرة لإجبار المسلمين على خوض معركة فاصلة، وكانت المحاولة هذه المرة أكبر من كل المحاولات التي سبقتها، وكانت مسبوقة بتخطيط ودراسة اشترك فيها كبار قادة الأحزاب الذين كانوا (كقادة جيوش مسئولين) يقدرون خطورة بقاء جيوشهم الجرارة تلك معطلة الحركة في معسكراتها بعيدة عن أوطانها وأهاليها، لا سيما وأن المحارب البدوى الذي هو عماد جيوش الأحزاب لم يتعود إلا على الحرب السريعة الخاطفة التي لا تزيد (في أطول أوقاته) على يوم واحد.
فقد جاء كل قادة الفرق من قريش بكل ما تحت يدهم من سلاح الفرسان إلي مشارف الخندق، ومن ورائهم كثير من المشاة وقفوا خلفهم كاحتياطى لدعوته عند اللزوم.
[ ٣ / ١٩٩ ]
تفاصيل الخطة الجديدة
وصار قادة هذه الفرق من الفرسان يجولون بخيلهم بانتظام وحسب تكتيك معين وفق خطة مرسومة، وكانوا يديمون الجولان والتحفز حول المضايق من الخندق، التي يتصورون أنه بإمكانهم السيطرة عليها من الجانبين عن طرق قفز الخندق بأعداد كبيرة من فرسانهم، في أماكن متقاربة، بحيث يمكنهم (إذا ما نجحوا من القفز بأعداد كبيرة من الخيل) أن يقيموا الجيش من فرسانهم نقطة ارتكاز قوية على مشارف الخندق في مناطق معينة من ناحية المدينة.
وبهذا يسيطر سلاح فرسانهم على مناطق استراتيجية من الخندق تكون تحت حراستهم من الجانبين، ويقوم سلاح الفرسان الذي يتمكن من احتلال مناطق معينة ناحية المسلمين بالصمود في وجه المسلمين إذا ما أرادوا إجلاءهم عن هذه المناطق.
وبتنفيذ هذه الخطة يتمكن رجال الأحزاب -تحت حراسة سلاح الفرسان المتمركزين على مشارف الخندق من ناحية المدينة- من ردم مناطق ضيقة من الخندق قد حددت، وبردم هذه المناطق يتمكن مشاة الأحزاب (الذين يشكلون أكثرية جيوشهم) من عبور الخندق بسهولة إلى حيث يعسكر المسلمون.
وبهذا يتمكن قادة الأحزاب من التعجيل بالمعركة الفاصلة كما يريدون.
فقد كان لدى قادة الأحزاب ما يشبه اليقين بأن الغلبة ستكون لهم على المسلمين (وخاصة بعد انضمام يهود بني قريظة إليهم وتهديدها للمسلمين من الخلف) إذا ما التحمت جيوشهم الضخمة الهائلة مع جيش
[ ٣ / ٢٠٠ ]
المدينة الصغير في معركة فاصلة شاملة. الأمر الذي كانت تتحاشاه قيادة المدينة وتعمل على تجنبه بكل معاني الكلمة، والذي (لكي لا يحدث) قامت قيادة المدينة الحازمة الواعية بحفر الخندق ليكون عازلًا طبيعيًا منيعًا يفصل بينهم وبين جيوش الأحزاب.
ومن أجل تنفيذ هذا المخطط الجديد، تضاعف ضغط المشركين على مواقع الجيش الإِسلامي وراء الخندق بصفة عامة، وصار أبو سفيان القائد العام لجيوش الأحزاب الذي كان يكتفى بإرسال فصائل من سلاح الفرسان لمناوشة المسلمين - يشرف بنفسه على عمليات هذا الضغط، ويقود بنفسه سلاح الفرسان الذي هو السلاح الرئيسي في عملية الضغط والإرهاق هذه.
وهكذا - وبعد فترة من الجمود استمرت عدة أيام جند الأحزاب إمكانياتهم (كمحاولة أخيرة) لإجبار المسلمين على الاشتباك معهم في معركة فاصلة يستأصلون فيها شأفة المسلمين.
ونتيجة لهذه المحاولة الجبارة الأخيرة من قبل الأحزاب، بلغ الضغط على المسلمين الذروة، فاشتد النبلاء عليهم أكثر من أي وقت مضى، وأخذ الضيق والكرب والخوف منهم كل مأخذ.
فقد أجهدتهم تنظيمات الحصار الجديدة إجهادًا شديدًا مع ما يعانون من شدة الجوع وقسوة البرد القارص والتخوف من أن يهجم عليهم اليهود من الخلف وهم بين براثن هذه المحنة الشديدة.
أشد ليالي الخندق
ونتيجة لتلاحق عوامل البلاء ضد المسلمين انسحبت فئات أخرى من ضعاف الإيمان من صفوف الجيش الإِسلامي، ولم يبق مع محمد في
[ ٣ / ٢٠١ ]
ليالى المصير الحالكة تلك - صامدًا في وجه العاصفة - سوى قلة قليلة من صفوة أصحابه الذين قد ربطوا مصيرهم بمصيره، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وطلحة بن عبيد الله ومن على مستوى هؤلاء شجاعة ويقينًا وإيمانًا.
ولقد بلغ الضيق والجهد والكرب والخوف - حتى من هذه الصفوة لشدة ما حاق بهم - شأوًا بعيدًا إلى درجة أنهم في تلك اللحظات الأخيرة من محنة الغزو المرعب، جاءوا إلى النبي القائد - ﷺ - وأفصحوا له بصراحة عما يعانونه من شدة الخوف والضيق والكرب.
فقد قالوا له .. يا رسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله؟ قال نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا (١).
وفي تلك اللحظات التي تعظام فيها البلاء على المسلمين جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فبشره بقرب انهزام الأحزاب، وأن الله سيرسل عليهم ريحًا وجنودا من عنده.
وقد ذهب الرسول - ﷺ - ليطمأنهم وأخبرهم بما أخبره به جبريل من قرب نهاية الأحزاب، وصار - ﷺ - يرفع يديه نحو السماء قائلا .. شكرًا شكرًا.
دعاء الرسول وقت الشدة
وفي صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - عندما تضافرت المحن وتحالفت البلايا عليه وعلى أصحابه وعندما تطورت عمليات الحصار واشتد ضغطها
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١١١.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
في الليالى الأخيرة من الخندق، ورأى شدة الخوف الذي عليه أصحابه دعا ربه قائلًا: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب .. اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم وزلزلهم .. ثم قام في الناس خطيبًا، فقال "أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
وكان من دعائه يوم الخندق" .. "يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين إكشف همى وغمى وكربى فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابى".
وهذا يدل على أن حالة المسلمين بلغت من التحرج - أمام محاولات الأحزاب الأخيرة المنظمة - أقصى الدرجات وأنهم صاروا في خوف شديد وكرب عظيم لا مثيل له أبدًا.
قريظة تتحرش بالمسلمين
ولقد أدركت قيادة الأحزاب ما يعانيه المسلمون من شدة وضيق وكرب وخوف، نتيجة تنظيمات الحصار الجديدة، فشددوا من ضغطهم وضاعفوا من نشاطهم، وأعطوا الإشارة ليهود بي قريظة بأن يبدأوا التحرش بالمسلمين من الخلف، فيشغلوهم ويقلقوهم بالإغارة على الحصون التي قد جمعت القيادة الإِسلامية فيها النساء والذرارى عند إخلاء المدينة، وأن يكونوا على أتم الاستعاد ليقوموا (ساعة الصفر) بالهجوم العام على مواقع المسلمين وراء الخندق.
وقد نفذ اليهود ما طلب الأحزاب منهم، فصاروا يلقون المسلمين ويشوشون عليهم (مع ما هم فيه كرب وبلاء) وبالإغارة على الحصون والآطام التي وضع المسلمون فيها نساءهم وأطفالهم.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ولا شيء أقلق لبال الإنسان من علمه بأن زوجته وأبناءه وبناته خطر، ومهددون بأن يسبيهم العدو، ويأخذهم أسرى.
وهذا هو الذي قصد إليه العدو عندما أوحى إلى يهود بني قريظة بالهجوم على الحصون والآطام التي يتحصن فيها نساء المسلمين وأطفالهم، ولقد قام اليهود (فعلًا) بالإغارة على هذه الحصون والآطام.
هجوم اليهود على النساء
فقد قام اليهود (في تلك الساعات الرهيبة من ليالى الأحزاب) بعدة محاولات للهجوم على تلك الحصون التي يعتصم بها النساء والأطفال.
ولما كانت الحصون (إيّاها) ليست بعيدة عن مواقع الجيش الإِسلامي وراء الخندق، فإن المسلمين لم يتركوا حرسًا دائمًا خاصًّا يحرس هذه الحصون؛ لأن دوريات المسلمين تطوف باستمرار داخل المدينة (وخاصة في الليل).
ولكن القيادة أوصت النساء أن يحركن السيوف في رأس الحصين إذا ما تعرضن لخطر الهجوم من قبل العدر، كإشارة لطلب النجدة، ليسارع المسملون إلى نجدتهن.
فقد روى الطبراني عن رافع بن خديج قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي - ﷺ - النساء والذرارى والصبيان فيه، وقال: إن لم يكن أحد فألمعن بالسيف.
فجاءهن رجل (من بني قريظة) من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان، أحد بني جحاش على فرس، حتى كان في أصل الحصين، ثم
[ ٣ / ٢٠٤ ]
جعل يقول للنساء: أنزلن إليَّ خير لكن، فحركن السيف فأبصره أصحاب رسول الله - ﷺ - فابتدر الحصين قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظفر بن رافع، فقال: يا نجدان أبرز، فبرز إليه، فحمل عليه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي - ﷺ -،
محاولة اليهود الهجوم على نساء الناس
ولم يكتف اليهود بمحاولة الهجوم علي نساء الصحابة في الحصون ومحاولة سبيهن، بل حاولوا الهجوم على نساء النبي القائد - ﷺ - وعلى من معهن من النساء في حصن آخر، بغية إزعاج المسلمين وإقلاقهم والتشويش عليهم، وهم يواجهون قوات الأحزاب الرئيسية على مشارف الخندق. فقد روى البزار بإسناده عن الزبير بن العوام أن رسول الله - ﷺ - لما خرج للخندق جعل نساءه وعمته صفية في أطم (حصن) يقال له (فارع) وجعل معهم حسان بن ثابت. وروى ابن إسحاق كذلك، عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله - ﷺ -، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله - ﷺ - والمسملون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: فقلت: بإحسان، إن هذا اليهودى كما ترى يطيف وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا
[ ٣ / ٢٠٥ ]
من يهود، وقد شغل عنا رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فأنزل إليه فاقتله، قال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت صفية: فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده شيئًا احتجزت (أي شددت وسطى) ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصين إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان إنزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعنى من سلمه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب.
وفي رواية البزار التي أوردها صاحب (وفاء الوفاء) ج ١ ص ٣٠٢ أن هذا اليهودى تسور الحصين حتى أشرف على نساء رسول الله - ﷺ -، صفية بعد أن قتلته، قطعت رأسه وألقت به على اليهود الذين كانوا حول الحصين فراعهم ذلك فانسحبوا مذعورين، وهم يظنون أن هناك حرسًا من الجيش الإِسلامي يحمون النساء، فقد قال هؤلاء اليهود بعضهم لبعض (وهم يهربون) قد علمنا أن لم يك (أي النبي) يترك أهله خلوفًا ليس معهم أحد، ثم تفرقوا.
وهكذا أقلق اليهود المسلمين (بتحرشهم بالنساء والذرارى) - وزادوا عن متاعبهم وضاعفوا من بلائهم، ولا شيء (كما قلنا) أشغل لبال الإنسان من أن تتعرض زوجته وأبناؤه وبناته لخطر السبى والأسر.
ولهذا اضطر المسلمون إلى أن يضاعفوا من قوات الحراسة لحماية نسائهم وأطفالهم من اليهود مما أنقص عدد قواتهم الرئيسية المرابطة على مشارف الخندق لمواجهة الأحزاب.
وشعر المشركون بالنقص الملموس في قوات المسلمين المواجهة لهم على الخندق، فاغتنموا الفرصة، فأطبقوا عليهم من كل ناحية وأشغلوهم
[ ٣ / ٢٠٦ ]
إلى درجة الإرهاق والإعياء، وإلى درجة أنهم لم يتركوا لهم فرصة يستريحون فيها أو حتى يؤدون فيها فريضة الصلاة، إذ أجبروهم على المرابطة (ليلا ونهارًا) على مشارف الخندق في حالة تعبئة لا يفارقهم السلاح.
فصار فرسان الأحزاب يطوفون (في استفزاز متزايد مرعدين ومبرقين) حول الخندق ويتجمعون بأعداد كبيرة حول المضائق طيلة ساعات الليل والنهار وبصورة مزعجة مخيفة لم يسبق لها مثيل مما أجبر المسلمين على البقاء في أسلحتهم مرابطين بصفة دائمة ليلًا ونهارًا على مشارف الخندق وخاصة النقط التي هي مظنة لأن يقتحمها سلاح فرسان الأحزاب، وضاعف المسلمون من نشاط دورياتهم التي أضناها (لقلة رجالها) الطواف المتواصل حول الخندق بصفة متعبة للغاية.
شدة الحصار تمنع المسلمين من الصلاة
وقد بلغت عملية الحراسة المتواصلة المضنية المرهقة التي يقوم بها النبي وصفوة أصحابة القلائل في تلك الليالى الأخيرة المخيفة المرعبة، بلغت بهم من جهد والإضناء والإشغال إلى درجة أن النبي - ﷺ - وبعضًا من أصحابه (الذين كانوا يتولون مراقبة وتحركات العدو وحراسة النقاط الاستراتيجية من الخندق) لم يتمكنوا من أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في أوقاتها.
ولقد صور المقريزى في كتابه (إمتاع الأسماع) حالة الكرب المتزايد والشدة المتناهية التي كان عليها المسلمون في تلك الليالى الرهيبة الحاسمة فقال:
[ ٣ / ٢٠٧ ]
"وافى المشركون سحرًا، وعبأ رسول الله - ﷺ - أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوى من الليل، وما يقدر رسول الله - ﷺ - ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم، وما قدر رسول الله - ﷺ - على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله ما صلينا؟ فيقول: ولا أنا والله ما صليت! حتى كشف الله المشركين ورجع كل من الفريقين إلى منزله.
وقام أسيد بن حضير (١) في مائتين على شفير الخندق فكرت خيل المشركين يطلبون غرة (وعليها خالد بن الوليد) (٢) فناوشهم ساعة، فزرق وحشى (قاتل حمزة بن عبد المطلب الطفيل بن النعمان بن خنساء الأنصاري بمزراق، فقتله -كما قلم حمزة ﵁ بأحد.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية - عن موسى بن عقبة "وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصين من كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية".
الهجوم على مقر قيادة الرسول
ثم قال بن كثير - يصف محاولة خيل المشركين على مقر القائد الأعلى - ﷺ -: "ووجهوا نحو منزل رسول الله - ﷺ - كتيبة غليظة فقاتلوهم يومًا إلى الليل.
_________________
(١) أسيد بن حضير، زعيم من زعماء الأنصار وفارس من فرسانهم، انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٢٠٨ ]
فلما حانت صلاة العصر، دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي - ﷺ -، ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، قال فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال .. شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم وقبورهم نارًا.
فلما اشتد البلاء نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم وفي قول .. والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا وأن يدفع الله إليّ مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله".
وجاء في رواية البخاري: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال .. يا رسول الله ما كدت أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب، قال النبي - ﷺ - .. والله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله - ﷺ - بطحان -بضم الباء- وتوطأنا للصلاة وفتوطأ لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس قال .. قاتل النبي - ﷺ - العدو فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال .. اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم نارًا واملأ قلوبهم نارًا.
وفي مسند الإمام أحمد (أيضًا) عن ابن مسعود، أن المشركين شغلوا رسول الله - ﷺ - يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، قال .. فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
وقفة ففهية
وقد استدل كثير من أئمة الإسلام -ومنهم الإمام الأوزاعي ومكحول- بهذا الصنيع الذي صنع رسول الله - ﷺ - على جواز تأخير الصلوات عن أوقاتها لعذر القتال، إلا أن آخرين -ومنهم الإمام الشافعي) قالوا: إن ذلك قد نسخ بما أنزل الله تعالى في صلاة الخوف، والذي به أباح للمحارب أن يصلى -أثناء القتال- كيفما اتفق له بشرط أن لا يؤثر ذلك في سير القتال لصالح العدو.
وقد أبى كثير من العلماء المحققين التسليم بالنسخ لأن صلاة الخوف قد شرعت قبل معركة الخندق، حيث صلاها المسلمون في غزوة (ذات الرقاع) وفي عُسفان، وهما غزوتان قام بهما المسلمون بقيادة النبي - ﷺ - قبل غزوة الخندق.
وقد تردد الإمام ابن كثير -وهو من كبار فقهاء الشافعية- في قبول القول بالنسخ قائلًا .. وهو (أي القول بالنسخ) مشكل ثم قال .. قال ابن إسحاق .. وجماعة ذهبوا، إلى أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الخوف بعسفان، وقد ذكرها ابن إسحاق (وهو إمام المغازي) قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع، ذكرها قبل الخندق، فالله أعلم.
درجة الإنهيار
وبعد حوالي اثنين وعشرين ليلة من الحصار الخانق الشديد بلغت حالة المسلمين المحصورين من الخطورة إلى درجة ليس بعدها إلا الإنهيار.
فكل شيء كان -في تلك الساعات- يوحى بالإنهيار الكلى داخل صفوف الجيش الصغير الغارق في خضم كتائب الأحزاب الهائجة التي
[ ٣ / ٢١٠ ]
تحيط به من كل جانب .. ويشعر بأن المسلمين هم قاب قوسين أو أدنى من الفناء أو الاستسلام لعدوهم الجبار المحاصر بدون قيد ولا شرط (لولا الإيمان الذي حصنهم الله به وجعله أقوى سلاح يواجهون به عدوهم الذي يفوقهم في كل شيء مادى أضعافًا مضاعفة).
ليالى الرعب المخيفة
فقد ارتفع ضغط عوامل البلاء والكرب ضد الجيش الصغير المحصور إلى درجة لم يكن لبشر أن يتحملها.
قريش وأحلافها بقواتهم العديدة الجبارة الغامرة المجهزة أحسن تجهيز تكاد (لكثرتها وقلتهم) يبتلعهم خضم جيشها الهائج المتحفز حولهم في كل مكان.
ويهود بني قريظة الغادرين الخونة يتحفزون ويستعدون (في نشوة وفرح) لانقضاض على جيش المدينة الصغير الرابض في خوف وقلق وراء استحكاماته الدفاعية خلف الخندق.
وعوامل الطبيعة التي أبى الله إلا أن تكون (في تلك الليالى الفاصلة) على هذا الجيش الصغير الممتحن قاسية مزعجة، البرد القارص الشديد والجوع المضنى والنقص المخيف في الألبسة الواقية من البرد القاتل، والريح الهائجة ذات الصفير المزعج في الظلام الدامس .. والمنافقون يتسللون (لواذًا) من صفوف الجيش المحصور الممتحن، ويثيرون بأراجيفهم الخوف والفزع في النفوس تاركين محمدًا - ﷺ - وصفوة أصحابه الأوفياء القلائل في مهب العاصفة.
[ ٣ / ٢١١ ]
ليالي الخندق الأخيرة
حقًّا، لقد كانت تلك الليالى الأخيرة الحاسمة من ليالى الأحزاب الرهيبة مختبرًا صهر الله (في بوتقة محنها وبلاياها) أمة محمد مرة أخرى ليعلم (وهو الأعلم بعباده) الصادق من الكاذب ويميز الخبيث من الطيب.
وفعلًا لم يثبت مع نبيه في خضم تلك البلايا المتلاحقة والمحن المتحالفة التي أخذ بعضها برقاب بعض، إلا ذوو الإيمان الراسخ رسوخ شوامخ الجبال، والذي لا يزعزعه شيء مهما عظم، حتى إن بعض المؤرخين ذكر أنه لم يبق في الليالى الأخيرة من ليالى الخندق الحاسمة مع النبي القائد - ﷺ - إلا حوالي ثلاثمائة مقاتل فقط، وماذا عسى أن يفعل ثمائة رجل (ينقصهم كل شيء مادى إلا الإيمان أمام أحد عشر ألف مقاتل يفوقونهم في كل شيء مادى؟ .
حذيفة يصف ليالي الكرب والشدة
ولنترك أحد الأعلام من صحابة محمد - ﷺ - الأوفياء الخلصاء الذين ثبتوا معه في تلك الليالى الرهيبة الحاسمة ليصف لنا ما تعرض له محمد - ﷺ - والصفوة من أصحابه في الليلة الأخيرة من ليالى الأحزاب المرعبة المخيفة، من محن وبلايا تعجز عن تحمل مثلها الشم الرواسى.
روى الحاكم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار، قال: ذكر حذيفة بن اليمان (١) مشاهدهم مع رسول الله - ﷺ - فقال جلساؤه (أي حذيفة) ..
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٢١٢ ]
أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا.
فقال حذيفة .. لا تمنَّوا ذلك، ثم قال .. لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا.
وما أتت علينا ليلة قط، أشد ظلمة ولا أشد ريحًا منها، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي - ﷺ - ويقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة.
فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون ونحن (في ثلاثمائة) أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله - ﷺ - رجلًا رجلًا حتى أتى وما عليَّ جُنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتى ما يجوز ركبتى.
قال (أي حذيفة) فأتانى (أي رسول الله) - ﷺ - وأنا جاث على ركبتى فقال .. من هذا؟ حذيفة؟ .
فقلت .. حذيفة، فتقاصرت لمرض فقلت .. بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم فقمت.
فقال - ﷺ -: إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم (١).
وفي رواية ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى، قال .. قال رجل من أهل الكوفة الحذيفة بن اليمان .. يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله - ﷺ - وصحبتموه؟ .
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١١٤.
[ ٣ / ٢١٣ ]
قال .. نعم يا ابن أخي.
قال .. فكيف كنتم تصنعون؟ .
قال حذيفة .. قد كنا نجتهد.
قال ذلك الرجل "هو تابعي لم يدرك النبي - ﷺ - " .. والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا، قال .. فقال حذيفة يا ابن أخي لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق وصلى رسول الله - ﷺ - هويًا من الليل ثم التفت إلينا، فقال .. من ينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - فشرط له الرجعة - (ثم قال رسول الله - ﷺ -).
أسأل الله أن يكون رفيقى في الجنة.
قال حذيفة .. فما قام رجل منا من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد فلما لم يقم أحد، دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني.
فقال .. يا حذيفة إذهب فادخل في القوم فانظر ولا تحدثنى شيئًا حتى تأتينا الخ. وقد استجاب حذيفة لرغبة نبيه القائد - ﷺ - وذهب إلى معسكر المشركين واطلع على حقيقة الموقف بينهم كما سنفصله فيما يأتي من هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله.
[ ٣ / ٢١٤ ]
الفصل الرابع
* التحول المفاجئ الخطير في الموقف الحربي لصالح المسلمين.
* الاختلاف الشديد بين اليهود والأحزاب.
* الرجل الذي بدهائه غير مجري الأحداث لصالح المسلمين.
* انهيار الاتحاد القائم بين الأحزاب واليهود.
* فك الحصار عن المدينة وانسحاب الأحزاب إلى بلادهم.
* انتهاء المعركة.
ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب كيف أن الكرب والضيق والخوف قد بلغ بالمسلمين إلى درجة الاختناق (وبلغت القلوب الحناجر) وأن كل شيء مادى كان يوحى (على نحو ساحق) بأن المسلمين كانوا (أمام ذلك الحصار الخانق الرهيب) قاب قوسين أو أدنى من الفناء أو الاستسلام بدون قيد أو شرط لقوات الأحزاب الضاربة المحاصرة.
وأن الصفوة المختارة من صحابة محمد (على متانة إيمانهم وشدة يقينهم) قد وقفوا -أمام تلك البلايا المتقة والرزايا المتشابكة والزلازل المتواصلة- حائرين لا يدرون كيف المخرج من تلك الورطة القاتلة
[ ٣ / ٢١٥ ]
المستحكمة، وأنهم قد أبلغوا الرسول القائد - ﷺ - ما يشعرون به من ضيق وخوف وقلق لعل هناك ما يقولونه مما يمكن أن يخفف عنهم من شدة الكرب والخوف والضيق والقلق.
يا رسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله (١).
التحول الخطير في الموقف
وهكذا وبينما وقف صفوة أصحاب محمد (بعد أكثر من عشرين ليلة كلها مشحونة بالمحن والبلايا والخطوب والرزايا)، نعم بينما وقفت هذه الصفوة المختارة تنظر (في قلق وخوف متزايد) إلى ميزان المصير، وشوكته تهتز على الصفر تنذر بالميل نحو نهايتهم المفزعة، إذ برجل واحد يهديه الله للإسلام في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإسلام.
ثم يسخر الله مواهب هذا الرجل الألمعى في الذكاء والدهاء ليغير (بخدعة سياسية بارعة) مجرى الأحداث الخطيرة، فيقلب موازين القوى لصالح القلة المؤمنة الصابرة الثابتة في مهب العاصفة، فتحدث المعجزة، فيهزم الله الأحزاب ويكتب النصر المؤزر للمسلمين.
فقد فعل دهاء الرجل بقيادات الأحزاب وجيوشها أكثر مما تفعله الجيوش الجرارة.
فكان صنيع هذا الداهية العظيم من أكبر العوامل التي أن إلى تشتيت قوى الأحزاب وعودة الغزاة خائبين متنافرين إلى ديارهم دون أن يحققوا شيئًا من أهدافهم.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١١١.
[ ٣ / ٢١٦ ]
فبمجهود هذا الرجل ومكره السياسي وإخلاصه لدينه الذي لم يمض في دخوله فيه أكثر من أربع وعشرين ساعة تمكن من إشاعة الفرقة بين فئات الأحزاب ويهود بني قريظة.
فبذر (بمهارة فائقة) بنور الشك والريبة في نفوس قادة الأحزاب واليهود بعضهم ضد بعض حتى انعدمت الثقة بين هؤلاء الزعماء والقادة فتصدعت جبهاتهم وتفتتت وحدتهم مما جعل قادة قريش وغطفان يحنقون على اليهود ويفكون الحصار عن المدينة، كل منهم عائد إلى بلاده، تاركين يهود بني قريظة الناكثين الغادرين لمصيرهم المحتوم الذي انتهى بإبادتهم.
الرجل الذي غير مجرى الأحداث
وهذا الرجل الذي شاء الله أن تتحطم على يديه وحدة الأحزاب الغازية المعتدية هو (نعيم بن مسعود) وهو من قبيلة غطفان النجدية التي يمثل رجالها أكبر أجنحة الاتحاد القرشي الغطفاني اليهودى العسكري، الذي جاء لاحتلال المدينة وسحق المسلمين فيها.
فقد كان نعيم بن مسعود هذا من وجوه القوم والشخصيات البارزة المشهورة في المحيط العربي واليهودى، وكان من كبار المستشارين في قيادة جيش الاتحاد العربي الوثنى اليهودى الغازى.
ولكن لحكمة أرادها الله (في الليلة التي تلتها ليلة الأحزاب الأخيرة) فتح الله قلب هذا الرجل للإسلام وهو في معسكر الأحزاب.
[ ٣ / ٢١٧ ]
نعيم بن مسعود في المعسكر النبوي
وعندما أشرق قلبه بنور الإسلام كتم الأمر في نفسه، ثم انسل من معسكر الأحزاب أمام الخندق واتجه على غلس الظلام نحو معسكر الرسول - ﷺ - حيث يرابط بجنده وراء الخندق.
وهناك تشرف بمقابلة الرسول الأعظم - ﷺ - في مقر قيادته وأبلغه (سرًّا) أن الله قد هداه للإسلام، وأبلغه أنه يضع نفسه تحت تصرفه وأنه على أتم الاستعداد للقيام بأي عمل يأمره به - ﷺ -.
فقد قال نعيم بن مسعود .. يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومى لم يعلموا بإسلامى فمرنى بما شئت، وهنا قال له الرسول القائد - ﷺ - .. أنت رجل واحد فخذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة (١) وبعد أن أعطى النبي - ﷺ - نعيمًا مطلق الحرية ليعمل (قدر طاقته) أي شيء من شأنه أن يحدث الفرقة والانقسام والتخذيل داخل صفوف الأحزاب، توجه (فورًا) إلى ديار بني قريظة الذين عقد نقضهم (العهد) الموقف، وضاعف من عوامل الكرب والبلاء على المسلمين.
داهية الخندق عند بني قريظة
كان نعيم بن مسعود من الشخصيات المألوفة المعروفة بين بني قريظة وكان نديمًا لهم في الجاهلية وصديقًا، وهو الذي تحدث في الجاهلية في
_________________
(١) وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٠٩ أن نعيم بن مسعود قال: يا رسول الله إني أقول (أي ما يقتضيه الحال) وإن كان خلاف الواقع، قال .. قل ما بدا لك فأنت في حل، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا، قال: فلما رأوني رحبوا بي وعرضوا عليَّ الطعام والشراب، فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم تخوفًا عليكم لأشير عليكم برأي ثم أورد الكلام الذي أوردناه في صلب هذا الكتاب.
[ ٣ / ٢١٨ ]
حانة من حانات اليهود في المدينة (قبل تحريم الخمر) وهو سكران عن قافلة لكفار مكة سلكت طريق العراق إلى الشام، وكان في الحانة أحد الصحابة من استخبارات الجيش الإسلامي، فسارع بنقل الخبر إلى النبي القائد - ﷺ - فجهز حملة عسكرية أعطى قيادتها لزيد بن حارثة، وأمره باعتراض هذه القافلة عند عودتها من الشام، وقد نجح زيد بن حارثة في الاستيلاء على هذه القافلة وذلك في الغزوة المسماة (بسرية زيد بن حارثة) (١).
كيف انخدعت قريظة بداهية الخندق
ولما وصل نعيم بن مسعود إلى حصون بني قريظة (وهم لم يعلموا بإسلامه) بدأ في حياكة خيوط الخدعة الكبيرة التي أدى نجاحها إلى تشتيت شمل الأحزاب وانهزامهم وتخليص المسلمين من ذلك الكرب العظيم.
فقد قال نعيم .. يا بني قريظة قد عرفتم ودّى إياكم وخاصة، ما بيني وبينكم، فلم ينكروا ذلك بل أيدوه قائلين .. صدقت لست عندنا بمتهم.
وهنا بدأ في تنفيذ ما اعتزم تنفيذه من خطة بذر بذور الفرقة والشك وعدم الثقة بين اليهود وبين جيوش الأحزاب ليتسنى له نسف ما بينهم من عهد وتحالف.
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه السرية في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٢١٩ ]
فقد جمع زعماء بني قريظة (وكلهم يعرفه ويثق به) وقال لهم - كواحد منهم يحرص على مصلحتهم - إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره.
وأن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم ..
فإن رأوا نهزة (أي فرصة) أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم.
ثم استمر نعيم يشحن نفوس هؤلاء اليهود بالخوف والشك قائلًا .. ولا طاقة لكم به (أي النبي) إن خلا بكم.
ثم ضرب ضربته الأخيرة التي أصابت الهدف في الصميم قائلًا .. فلا تقاتلوا مع القوم (أي الأحزاب) - حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم (سبعين رجلًا) يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا حتى يناجزوه.
ويظهر أن قريظة الغادرة قد بدأ الخوف والفزع ينتابها وبدأت تشعر بالحاجة الماسة إلى ضمانات تحميها من أن ينزل بها عقاب الخيانة الصارم الذي بدأ شبحه المخيف يقلق بالها.
ولهذا فقد وقع نعيم بن مسعود من نفوس زعماء بني قريظة موقع الرضى والقبول، فشكر اليهود لنعيم بن مسعود مسعاه عندما تقدم إليهم بتلك النصيحة قائلين .. لقد أشرت بالرأي، وقرروا التمسك بما أشار به عليهم.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
نعيم الداهية في قيادة الأحزاب
وبعد أن تأكد داهية الخندق (نعيم بن مسعود) من نجاح المرحلة الأولى من الخطة التي رسمها لنسف التحالف الوثني اليهودي، وتأكد لديه أن يهود بني قريظة قد انخدعوا بما قاله لهم، ولم يشكوا في أنه ناصح أمين لهم، توجه (فورًا) إلى القيادة المشتركة في معسكر الأحزاب أمام الخندق ليكمل المرحلة الأخيرة من الخطة التي رسمها لتفريق كلمة الأحزاب وإشاعة الفرقة والتخاصم بينهم وبين يهود بني قريظة.
ولما وصل نعيم إلى مقر القيادة المشتركة للأحزاب، طلب الاجتماع (أولًا وعلى انفراد) بالقائد العام لجيوش الأحزاب أبي سفيان وهيئة أركان حربه من القرشيين.
وحينما اجتمع بهم (وهم طبعًا لا يعلمون إسلامه) أخبرهم بأنه ما جاء إلا لأمر جلل، يتعلق بسلامتهم وسلامة جيوشهم، وأن حبه لهم وحرصه على سلامتهم وسمعة جيوشهم رأى أنه لزامًا عليه أن يخبرهم بأمر خطير علمه قبل حلفائهم يهود بني قريظة.
فقد قال لأبي سفيان وهيئة أركان حربه من القرشيين .. قد عرفتم ودّى لكم وعداوتي لمحمد ..
فلم ينكروا عليه هذا القول لأنهم كانوا يعرفونه مشركًا لا يدين بالإسلام، ومن وجوه الأحزاب الذين شاركوا في ضرب الحصار على المدينة ومناوشة المسلمين.
فلما رأى الثقة به بادية عليهم، نقل إليهم - كالناصح المخلص ما اعتزمت قريظة اليهود من طلب الرهائن منهم لتطمئن إلى أنهم لن يفكوا الحصار عن المدينة حتى يتم القضاء على المسلمين، وأضاف إلى هذا
[ ٣ / ٢٢١ ]
الخبر (زيادة من عنده) أن اليهود ندموا على نكثهم العهد الذي بينهم وبين محمد وأنهم لن يطلبوا الرهائن السبعين منهم إلا ليسلموهم للنبي - ﷺ - ليقتلهم كترضية له وتكفيرًا عن نقضهم العهد وكدليل على ولائهم للمسلمين من جديد، فكان هذا من أحكم خطط الدس والوقيعة لتفريق كلمة العدو.
فقد قال نعيم بن مسعود لقادة قريش .. إنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم، ولكن فاكتموا عني .. قالوا .. نفعل.
فقال لهم .. تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوه فيما بينهم وبين محمد (يعني ما قاموا به من نقض العهد) وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا - ثم أبلغوه استعدادهم لوضع يدهم في يده من جديد وأنهم مستعدون ليكونوا معه على الأحزاب وأنهم لكي يبرهنوا له على صدق ما ذكروا قالوا له - .. فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم، فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى تستأصلهم، وأنه (أي محمدًا) قد أرسل إليهم بالموافقة قائلًا .. أن نعم.
ثم قال نعيم لقادة قريش ناصحًا .. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا.
انخداع الأحزاب بداهية الخندق
وبعد أن ترك هذا الداهية العظيم - ﵁ - نفوس القادة القرشيين نهبًا لنوازع الشك والريبة والحقد على حلفائهم الجدد بني
[ ٣ / ٢٢٢ ]
قريظة، توجه فورًا إلى قومه (غطفان)، وفي معسكر هذه القبيلة العظيمة طلب (على انفراد) بزعمائها وقادتها (عيينة بن حصن الفزاري طليحة بن خويلد الأسدي والحارث بن عوف المرّى)، وعندما اجتمع بهم، قال لهم:
يا معشر غطفان: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني.
قالوا .. صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
فأبلغهم أن لديه خبرًا خطيرًا يتعلق بسلامتهم .. قائلًا فاكتموا عني.
قالوا .. نفعل.
فقال لهم مثل الذي قال لقادة قريش بشأن ما عزم عليه اليهود من طلب الرهائن منهم، وحذرهم -كما حذر قادة قريش من أن يجيبوا قريظة إلى ما طلبوا من تسليم الرهائن.
فشكروا له صنيعه وأكدوا له أنهم لن يسلموا لقريظة رهينة ولا رجلًا واحدًا.
وهكذا نجح نعيم بن مسعود في حبك خديعته الكبرى نجاحًا كاملًا.
وفد الأحزاب إلي بني قريظة
فقد اهتم أركان القيادة المشتركة من الأحزاب (قريش وغطفان) لهذه الأنباء التي نقلها نعيم بن مسعود (الذي ما كانوا يشكون لحظة بأنه
[ ٣ / ٢٢٣ ]
على دينهم) اهتمامًا بالغًا وانزعجوا لها انزعاجًا كبيرًا، بعد أن وقع في نفوسهم صدق ما نقل إليهم نُعيم بن مسعود، فباتوا بشر ليلة من القلق وقد امتلأوا حنقًا وغيظًا علي بني قريظة.
وبهذا نجح هذا الداهية العظيم في وضع مواد التفجير في المواقع الحساسة من صرح التحالف بين الأحزاب وبين يهود بني قريظة حتى نسفه نسفًا كاملًا.
فبعد أن وصل الصحابي الألمعي نعيم بن مسعود إلى هذه الدرجة من شحن نفوس الفريقين (اليهود والأحزاب) بما لا مزيد عليه من الشك والريبة وعدم الثقة في بعضهم البعض اتفقت قيادة الأحزاب المشتركة (وكان ذلك مساء يوم الجمعة) على أن تبعث إلى بني قريظة وفدًا من قادتها وزعمائها ليتصل ببنى قريظة موضوع الأنباء التي نقلها نعيم بن مسعود.
ولكي يصلوا إلى الحقيقة ويعرفوها (بطريق غير مباشر) كلفوا وفدهم بأن يطلب من اليهود الاستعداد للدخول في المعركة مع المسلمين أن يبلغهم أن صباح يوم السبت هو الوقت المحدد للهجوم العام على المسلمين.
(وفعلًا) توجه وقد الأحزاب إلى منازل بني قريظة تلك الليلة في جنح الظلام، وقد تسلل رجال الوفد هذا (سرًّا) إلى منازل بني قريظة الواقعة خلف خطوط المسلمين، وذلك خوفًا من دوريات المسلمين التي كانت تطوف حول المدينة طول الليل.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الأحزاب تطلب الهجوم وقريظة تطلب الرهائن
ولما وصل وفد الأحزاب إلى حصون بني قريظة لمس (لأول وهلة) الفتور باديًا على زعماء هؤلاء اليهود، ولكن هذا الوفد أبلغ بني قريظة (باسم القيادة المشتركة للأحزاب) رغبة هذه القيادة في القيام بالهجوم العام الخاطف على المسلمين كما هو المتفق عليه (أصلًا) بين الفريقين وطلبوا منهم الاستعداد لذلك قائلين:
(يا بني قريظة) إنا لسنا بدار مقام، لقد هلك الخُف والحافر (١) فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ونفرغ مما بيننا وبينه، ولم يشأ زعماءُ اليهود أن يصدموا أعضاء وفد الأحزاب بإعلان رفضهم الهجوم على المسلمين إلا بعد أخذ الرهائن منهم (لأول وهلة) بل تدرجوا في ذلك حتى أعلنوه أخيرًا.
فقد كان جوابهم على طلب الاشتراك في الهجوم على المسلمين (صباح يوم السبت) هو اعتذارهم عن القتال في هذا اليوم بحجة أنهم (حسب تعاليم دينهم) لا يعملون في يوم السبت شيئًا مهما كان تافهًا فكيف بالحرب.
فقد قالوا لوفد الأحزاب .. نحن لا نقاتل يوم السبت، وقد علمتم ما زال منا من تعدَّى في السبت، وكان قد أحدث فيه (أي السبت) حدثًا فأصابه ما لم يخف عليكم.
ثم أفصحوا عن مخاوفهم من أن ينسحب الأحزاب قبل القضاء على المسلمين واستئصال شأفتهم - هذه المخاوف المستحكمة التي جاءت نتيجة
_________________
(١) يعبر العرب (عادة) عن الجمال بالخف، وعن الخيل بالحافر.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
تدبير نعيم بن مسعود المحكم - أفصح هؤلاء اليهود لوفد القيادة المشتركة في الأحزاب بقولهم: ولسنا - مع ذلك - بالذي يقاتل معكم محمدًا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنثمروا عنا إلى بلادكم وتتركونا والرجل (يعني النبي - ﷺ -) في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه.
ظهور الخلاف بين الأحزاب واليهود
وبعد أن سمع وقد قيادة الأحزاب هذا الجواب من حلفائهم اليهود لم يجر معهم أية مناقشة، بل عاد أدراجه إلى مقر القيادة المشتركة وأخبر قادة الأحزاب بما سمع من جواب من يهود بني قريظة.
وهنا لم يبق أي شك لدى هذه القيادة في صدق ما قاله لهم نعيم بن مسعود من أن هؤلاء اليهود قد بيتوا الغدر بهم وأنهم لم يطلبوا الرهائن منهم إلا ليسلموهم للنبي - ﷺ - لضرب أعناقهم كدليل على ولائهم للمسلمين وتكفيرًا عن جريمة نقض العهد الذي بينهم وبين النبي - ﷺ -.
فقد قال قادة الأحزاب بعضهم لبعض (بصوت واحد) .. والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق.
وهنا تحول الشك في نفوس الأحزاب إلى يقين بأن يهود بني قريظة قد غدروا بهم واتفقوا مع المسلمين عليهم وأنهم (لا شك) مسلموا رهائنهم للنبي - ﷺ - إذا استلموهم منهم.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
الأحزاب يرفضون إعطاء الرهائن
لذلك فاضت نفوس قادة الأحزاب بالغيظ والنقمة على اليهود فأرسلوا إليهم (في الحال) وفدًا آخر ليبلغهم رفض ما طلبوا من رهائن ويطلب منهم تنفيذ الاتفاقية بالهجوم على المسلمين، إن أرادوا.
وقد أسرع الوفد بالذهاب ثانية إلى ديار بني قريظة، وأبلغهم (باسم قيادة الأحزاب المشتركة) رفض ما طلبوا من تسليم الرهائن - وأن هذا الطلب هو دليل عدم الثقة وطعن في شرف كلمة قيادة الأحزاب التي أعطوها لليهود - فقد قال الوفد لزعماء بني قريظة .. (وعلى لسان قيادة الأحزاب المشتركة) .. إنا والله لا ندفع إليكم من رجالنا رجلًا واحدًا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
ولدى سماع زعماء قريظة هذا الجواب من قيادة الأحزاب المشتركة لم يبق لدى هؤلاء اليهود أي شك في صدق ما أشار به عليهم (نديمهم السابق) نعيم بن مسعود بشأن قريش وغطفان، فقد قال بعضهم لبعض:
"إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل.
وعلى أساس هذا الاعتقاد، أرسلت قريظة إلى قيادة الأحزاب المشتركة مبعوثًا ليبلغهم (في إصرار) بأن هؤلاء اليهود لن يشتركوا في أي هجوم على الجيش الإسلامي إلا إذ أعطتهم قيادة الأحزاب الضمانات الكافية التي تضمن عدم انسحابهم إلا بعد القضاء على المسلمين قضاء تامًّا.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
فقد قال مبعوث قريظة - على لسانها - لقادة الأحزاب .. إنا والله ما نقاتل محمدًا معكم حتى تعطونا رهنًا.
وبالطبع رفضت قيادة الأحزاب (مرة أخرى) طلب اليهود احتجاز الرهائن من الأحزاب.
شيطان بني النضير يحاول رأب الصدع
ولقد حاول زعيم يهود بني النضير ورأس الفتنة (حيي بن أخطب) إنقاذ الموقف المتدهور بين الأحزاب وبني قريظة، فذهب إلى يهود بني قريظة محاولًا إقناعهم بالإشتراك في الهجوم على المسلمين، ولكن محاولته هذه باءت بالفشل، فقد أصر بنو قريظة على موقفهم المتشدد قائلين لحيي بن أخطب.
"والله لا نقاتل معهم حتى يدفعوا إلينا سبعين رجلًا من قريش وغطفان رهنًا عندنا" (١).
وبهذا تم إحكام آخر فصل من فصول الخدعة الكبرى التي نسج خيوطها الداهية العظيم نعيم بن مسعود فاستحكمت حلقات الأزمة بين اليهود وقيادة الأحزاب وأصبح من المستحيل التوفيق بينهما، وبدأ المسلمون يتنفسون الصعداء.
_________________
(١) انظر طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٦٩ والبداية والنهاية جـ ٤ ص ١١١ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٠٨ وما بعدها وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٢٩ والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ١٢٥ وجوامع السيرة لابن حزم ص ١٩٠ وما بعدها.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
بنو قريظة يفاوضون الناس في الصلح
ونقل البيهقي في (الدلائل) عن موسى بن عقبة أن اليهود لما تفاقم الخلاف بينهم وبين قيادة الأحزاب، ورفضت هذه القيادة إعطاء اليهود الرهائن الذين طلبوا، إتصلوا بالنبي - ﷺ - يطلبون الصلح على أن يسمح النبي - ﷺ - بعودة إخوانهم بني النضير إلى المدينة، ولكن هذا الطلب رفض من قبل النبي - ﷺ -.
وعلى كل حال فإن الشقاق قد حصل بين الأحزاب وحلفائهم الجدد (يهود بني قريظة)، وظن بعضهم ببعض سوءًا، ووصل الخلاف والتنافر بين الفريقين (اليهود والأحزاب) إلى درجة أصبح الحلف العسكري المعقود بينهما في حكم المنتهى، وصار كل منهما يحمل الآخر مسؤلية انفصام عرى هذا الحلف.
إنهيار الاتحاد الوثني اليهودي
وعندما وصل الخلاف والتنافر إلى هذه الدرجة، فكرت القيادة المشتركة للأحزاب في إنهاء الحصار المضروب على المدينة والرجوع بجيوشها كل إلى بلاده، وترك اليهود وشأنهم، ليلقوا مصيرهم الرهيب، لا سيما وأن التذمر والاستياء أخذ يظهر في معسكر الأحزاب الذي ظل جنوده (وهم أكثر من عشرة آلاف) قرابة ثلاثين يومًا معوقين مجمدين أمام الخندق لا يستطعون القيام بأي عمل عسكري حاسم ضد المسلمين وهذا مما يبعث السأم والضيق في نفوس هؤلاء القوم الذين لم يألفوا طيلة حياتهم (في الحروب) التجميد والمرابطة أمام المدن، وإنما ألفوا الحروب
[ ٣ / ٢٢٩ ]
الخاطفة والغارات السريعة التي لا تستغرق عملية القيام بها سوى يوم أو بعض يوم.
يضاف إليها أنه في الوقت الذي استحكم الخلاف فيه بين اليهود والأحزاب هبت على المنطقة التي يعسكر فيها الأحزاب رياح هوج كانت لقوتها تقتلع الخيام وتهدم الأبنية وتكفأ القدور ولا تترك نارًا تشتعل.
أبو سفيان يأمر بالإنسحاب
فأزعجهم هذا الوضع إلى حد سارع معه القائد العام أبو سفيان بن حرب - بعد التشاور مع بقية القيادة المشتركة - إلى إصدار الأوامر إلى جنود الأحزاب بالإنسحاب أن يعود كل منهم إلى دياره، وشرح لهم الأسباب التي ليسوا بحاجة إلى شرحها - والتي منها - وقد يكون أهمها - اعتقاد الأحزاب أن اليهود قد تصالحوا مع المسلمين وغدروا بهم.
ولما كان النبي - ﷺ - يتوقع انسحاب الأحزاب بعد الذي حدث بينهم وبين اليهود من خلاف، فقد كلف أحد رجال استخباراته الأذكياء الشجعان بأن يذهب ويدخل (متنكرًا) إلى قلب معسكر الأحزاب ليأتي إليه بحقيقة الموقف هناك.
وكان هذا الرجل هو حذيفة بن اليمان الذي ذكرنا جانبًا من قصته فيما مضى من هذا الكتاب.
ولنترك هذا البطل ليقص تسلله إلى معسكر الأحزاب وكيف حصل
[ ٣ / ٢٣٠ ]
على كل ما تحتاج القيادة النبوية من معلومات قيمة هامة عن حالة العدو.
فقد ذكر حذيفة أن النبي - ﷺ - في تلك الليلة الحاسمة - استدعاه وقال له .. يا حذيفة، إذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتيني، قال .. فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل بهم لا تقر لهم قدرًا ولا بناء.
فقام أبو سفيان فقال .. يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه - وهذا من أبي سفيان تحفظ من أن يكون داخل المعسكر أحد يتجسس لحساب المسلمين.
وقد أوقع هذا الأمر حذيفة في مأزق، ولكنه لذكائه تخلص في هذا المأزق حيث سارع إلى الرجل الذي بجانبه وبدأه بالسؤال قائلًا: من أنت، فقال: فلان بن فلان، وبهذا العمل تمكن حذيفة من الخروج من المأزق الذي وقع فيه والذي (فيه) كاد يقع في قبضة المشركين لو انكشف أمره (١).
أبو سفيان يخطب في الجيش
قال .. حذيفة (ثم) قال أبو سفيان .. يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا
_________________
(١) ومن طريق آخر روى عن حذيفة (كما في السيرة الحلبية) أنه قال: فسمعت أبا سفيان يقول: يا معشر قريش ليتعرف كل امرئ منكم جليسه واحذروا الجواسيس والعيون، فأخذت بيد جليسي على يميني وقلت .. من أنت، فقال معاوية بن أبي سفيان، وقبضت على يد من على يساري، وقلت .. من أنت، قال .. عمرو بن العاص فعلت ذلك خشية أن يفطن بي.
[ ٣ / ٢٣١ ]
عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءُ فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
ويحدثنا حذيفة كيف أنه كان من السهل عليه قتل القائد العام أبي سفيان، وأنه حاول ذلك، لولا أنه تذكر الأوامر المشددة الصادرة إليه من قائده الأعلى رسول الله - ﷺ - بأن لا يحدث شيئًا حتى يأتيه.
فقد حدث حذيفة - يصف محاولته قتل أبي سفيان - فقال .. فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول على النار بيده ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار فذكرت قول رسول الله - ﷺ - .. لا تحدثن شيئًا حتى تأتيني فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي.
فك الحصار عن المدينة نهائيًا
قال حذيفة .. ثم إنني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون .. الرحيل الرحيل، لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم، فوالله لأني أسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضرب بها، قال .. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
ويختتم حذيفة حديثه هذا قائلًا: ثم رجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله - ﷺ -، فلما انتصف بي الطريق أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارسًا أو نحو ذلك معتمين فقالوا .. أخبر صاحبك أن الله قد كفاه.
فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت حتى راجعني القُرُّ (١) وجعلت أُقرقف من البرد، فأومأ إلي رسول الله - ﷺ - بيده وهو يصلي فدنوت منه، فأسبل عليَّ شملته، وكان رسول الله - ﷺ - إذا حزبه أمر صلَّى، فأخبرته أني تركتهم (أي الأحزاب) يرحلون (٢).
وهكذا انقشعت الغمة، وخلص الله المسلمين من براثن المحنة، وقطف المؤمنون الصادقون ثمار صدقهم وصبرهم وثباتهم مع نبيهم الحبيب في تلك الليالى الرهيبة المرعبة التي زاغت فيها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، فقد أخذت جيوش الأحزاب في فك الحصار عن المدينة، وأخذت كتائبهم تولي الأدبار تجر أذيال الخيبة والخسران، لم تجن من غزوها الكبير هذا سوى التعب والنصب.
الأحزاب تنظم انسحابها
وعندما عزم الأحزاب على الإنسحاب وإنهاء الحصار، قرر القائد العام أبو سفيان، أن يكون الإنسحاب منظمًا لا فوضى فيه ولا اضطراب وأن يكون في حماية قوات مسلحة منظمة تتولى الإشراف عليه.
_________________
(١) القر بضم القاف هو شدة البرد.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٢، والبداية والنهاية ج ٤ ص ١١٥ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٠ وما بعدها.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
ولذلك أصدر أبو سفيان إلى قائد سلاح الفرسان في الجيش القرشي (خالد بن الوليد ومساعده عمرو بن العاص) أمره بأن يتوليا الإشراف على تنظيم هذا الإنسحاب، ويقوما بحماية مؤخرة الجيوش المنسحبة من أن يقوم المسلمون بضربها ساعة الإنسحاب.
فامتثل عمرو، وخالد، أمر القائد العام وسارعا، إلى انتخاب مائتين من الخيالة، ثم تمركز هؤلاء الخيالة في المنطقة الواقعة بين مؤخرة معسكر الأحزاب وبين المسلمين، وصاروا يضربون بخيلهم في تلك المنطقة، ويماشون الجيش المنسحب وهو على تعبئة واستعداد، لحمايته من أية غارة يقوم بها عسكر الإسلام، وظلت كتيبة الفرسان القرشية هكذا حتى اكتمل انسحاب جيوش الأحزاب من مواقعها أمام الخندق (تماما) وابتعدت عن منطقة الخطر (١).
أبو سفيان يكتب إلى النبي عند الإنسحاب
ويقول المؤرخون: إن قائد عام جيوش الأحزاب (أبا سفيان) قبل انسحابه، كتب إلى النبي - ﷺ - خطابًا يعيب فيه عليه الاحتماء بالخندق، ويذكر له أنه لولا مكيدة الخندق لما بقى للمسلمين من وجود، وقد بعث أبو سفيان هذا الخطاب مع أبي سلمة الخشني.
فلما أتى به دعا رسول الله - ﷺ - أبي بن كعب (٢) فدخل معه قبته فقرأه عليه، فإذا فيه:
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٦.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
"باسمك اللهم، فإني أحلف باللاة والعزى وأساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك في جمعنا وإنا نريد ألا نعود إليك أبدًا حتى نستأصلكم فرأيتك قد كرهت لقاءنا وجعلت مضائق وخنادق، واعتصمت بالخندق فاعتصمت بمكيدة ما كانت العرب تعرفها، وإنما تعرف ظل رماحها وشبا سيوفها، وما فعلت هذا إلا فرارًا من سيوفنا ولقائنا، فليت شعرى من علمك هذا، فإن نرجع عنكم، فلكم منا يوم كيوم أحد ننصر فيه النساء".
وبعد أن عرف النبي - ﷺ - محتوى خطاب أبي سفيان كتب إليه جوابًا يقول فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب أما بعد فقد أتاني كتابك وقديمًا غرك يا أحمق بني غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل الله لنا العاقبة، وأما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم وأنك لا تريد لنا العاقبة، حتى تستأصلنا فذلك أمر الله يحول بينك وبينه ويجعل لنا العاقبة وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وأسافًا ونائلة وهبل حتى أذكرك بذلك - يا سفيه بني غالب - وأما قولك "من علمك" الذي صنعنا من الخندق فإن الله تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك (١).
وهكذا (وبعد حصار خانق شديد دام حوالي شهر بلغت فيه حالة المسلمين من الضيق والتعب والإرهاق حد الإعياء والزلزال) هزم الله
_________________
(١) الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة ص ٩ وما بعدها، والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٣ وما بعدها.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
الأحزاب وكبت الخونة الغادرين من يهود بني قريظة، وكتب النصر للمؤمنين الصابرين، وكان نصرًا ساحقًا عظيمًا دون أن يتكبد المسلمون في سبيله خساره من الرجال تذكر، وهذا الذي عناه الله تعالى بقوله ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾.
وبعد أن تمت عملية انسحاب جيوش الأحزاب من معسكراتها حول المدينة، أصدر النبي - ﷺ - أمره إلى جيشه بالعودة إلى المدينة، فأخذ هذا الجيش في ترك مواقعه واتجه نحو المدينة، بعد أن تنفس الصعداء وتخلص من ذلك الكرب العظيم الذي لم يشهد مثله في تاريخه.
آخر غزوة يقوم بها العدو
ولقد أبلغ النبي - ﷺ - أصحابه (وهم يتركون مواقعهم خلف الخندق) بأن هذه الغزوة التي قام بها الأحزاب ستكون آخر عملية عسكرية يقوم بها الأعداء ضد المسلمين، وأن الجيش الإسلامي سيكون (بعد هذه الغزوة) هو الغازى دائمًا.
فقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن أن النبي - ﷺ - قال يوم الأحزاب - وقد جمعوا له جموعًا كثيرة - "لا يغزونكم بعدها أبدًا ولكن أنتم تغزونهم".
وفعلًا، فإن المسلمين - بعد غزوة الأحزاب - لم يتعرضوا لأي غزو من قبل العدو، وإنما كانو هم الذين يقومون بغزو الأعداء، حتى تمت لهم السيطرة الكاملة على جزيرة العرب، وهكذا فإن محمدًا - ﷺ -، لا ينطق عن الهوى (و) "إن هو إلا وحي يوحى"، - ﷺ - وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
الفصل الخامس
* عدد قتلى الفريقين في المعركة.
* حديث القرآن عن المعركة.
بالرغم من أن معركة الأحزاب هذه هي أخطر غزوة يتعرض لها المسلمون في تاريخهم، وبالرغم من أنها من أشد ما شهد المسلمون في عملياتهم الحربية، من حيث الخوف والقلق والتعب والرعب والإرهاق فإن قتلى الفريقين فيها لم يزيدوا على أحد عشر رجلًا وجريحين.
عدد شهداء المسلمين
فقد كان كل شهداء المسلمين في هذه المعركة (ثمانية فقط)، وكلهم من الأنصار، إذ لم يقتل أحد من المهاجرين في هذه المعركة وهؤلاء الشهداء هم:
(أ) من بني الأشهل (وهم بطن من الأوس) ثلاثة نفر، وهم:
١ - سيد الأوس وقائدهم (سعد بن معاذ (١). أصابه سهم وظل منه جريحًا حتى مات منه بعد غزوة بني قريظة.
٢ - أنس بن أوس بن عتيك (٢).
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) هو أنس بن أوس بن عتيك بن عمرو الأنصاري الأوسي، لم يشهد بدرًا، ولكنه شهد أحدًا، قال موسى بن عقبة: رماه خالد بن الوليد (يوم الخندق) بسهم فقتله، فاستشهد.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
٣ - عبد الله بن سهل (١).
(ب) ومن بني جشم (وهم بطن من الخزرج) رجلان، وهما:
١ - الطفيل بن النعمان (٢)، قتله قاتل حمزة، زرقه بحربة عبر الخندق.
٢ - ثعلبة بن غنمة (٣).
(ج) ومن بني النجار (وهم بطن من الخزرج)، نفر واحد وهو:
١ - كعب بن زيد (٤).
هؤلاء الشهداء الستة ذكرهم ابن إسحاق، غير أن هناك شهيدين لم يذكرهما ابن إسحاق، قتلا وهما يقومان بأعمال الإستكشاف لمعرفة
_________________
(١) هو عبد الله بن سهل بن زيد بن عامر الأوسي الأنصاري، قال ابن سعد في طبقاته الكبرى: وهو أخو رافع بن سهل، وهما اللذان خرجا إلى حمراء الأسد وهما جريحان (بعد معركة أحد) يحمل أحدهما صاحبه ولم يكن لهما ظهر " .. انظر قصة هذين الشابين العجيبة في كتابنا .. (غزوة أحد) ص ٢٥١" .. كان عبد الله بن سهل شهد بدرًا وأحدًا مع رسول الله - ﷺ -.
(٢) انظر ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) هو ثعلبة بن غنمة بن عدي بن سنان بن نابئ الأنصاري الخزرجي، كان من الطليعة المباركة الذين شهدوا بيعة العقبة، وكان أسلم، وهو شاب صغير فكان هو ومعاذ بن جبل وعبد الله بن أنيس يغدون على أصنام بني سلمة في المدينة فيكسرونها، شهد ثعلبة (بدرًا) و(أحدًا) استشهد يوم الخندق، قتله هبيرة بن أبي وهب المخزومي.
(٤) هو كعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب النجاري الخزرجي، كان من السابقين في الإسلام، شهد بدرًا، قال ابن إسحاق: أصابه سهم غريب (لا يدرى من أين جاء) وقال الواقدي: قتله ضرار بن الخطاب الفهري، وكان كعب هذا، هو الرجل الوحيد الذي نجا (مع عمرو بن أمية الضمري) من مذبحة (بئر معونة) التي غدر فيها بنو عامر بسبعين من صحابة رسول الله - ﷺ - فقتلوهم. (انظر تفصيل هذه المذبحة الرهيبة في أول هذا الكتاب).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
تحركات جيوش العدو قتلتهما دورية لجيوش الأحزاب، كانت تقوم بأعمال الاستطلاع بالقرب من المدينة.
وقد ذكر هذين الشهيدين ابن برهان الدين في كتابه (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ١٠١ وهما:
١ - (سليط) ولم يزد في السيرة الحلبية غير هذا، بل قال: (سليطًا) فقط.
١ - سفيان بن عوف.
ولم يذكر ابن برهان الدين في كتابه هل هذان الشهيدان من المهاجرين أم من الأنصار، والأقرب إلى الصواب أنهما من الأنصار، لأنه يستبعد (جدًّا) أن يرسل النبي - ﷺ - من يستطلع له أخبار العدو، في أرض هو ليس من أهلها، لأن الأنصار أدرى بتلك المناطق من المهاجرين، فمن المستبعد أن يرسل النبي - ﷺ - مهاجريًا للقيام - بالاستكشاف في تلك المناطق.
وقد بحثت عن ترجمة لهذين الشهيدين في "الإصابة" والاستيعاب "وطبقات ابن سعد الكبرى"، فلم أجد لهما شيئًا.
وكل ما وجدته - مما يتعلق بهما -هو ما أورده ابن برهان الدين في كتابه (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ١٠١ بقوله:
"وأرسل (أي النبي - ﷺ - سليطًا وسفيان بن عوف طليعة للأحزاب فقتلوهما، فأتى بهما رسول الله - ﷺ - فدفنهما في قبر واحد، فهما الشهيدان القرينان".
[ ٣ / ٢٣٩ ]
قتلى لم يعرف عددهم
وعلاوة على هؤلاء الثمانية الذين استشهدوا من المسلمين فإن هناك قتلى وجرحى آخرين من المسليمن، أصيبوا (خطأ) في ليلة من ليالي الخندق.
فقد ذكر المؤرخون أن دوريتين للمسلمين خرجتا (ليلًا) لحراسة مشارف الخندق، فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض - فظنت كل دورية أن الأخرى من العدو، فاصطدموا، وكانت بينهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام "حم لا ينصرون" فكف بعضهم عن بعض، ولما بلغ الخبر رسول الله - ﷺ - قال: "جراحاكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد".
إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر عدد وأسماء القتلى أو الجرحى الذين أصيبوا في هذه الحادثة، والله أعلم.
قتلى المشركين
أما قتلى المشركين في هذه المعركة، فهم أربعة فقط، وكلهم من قريش، وهم:
(أ) من بني عبد الدار رجل واحد، وهو:
١ - منبه بن عثمان بن عبيد.
(ب) ومن بني مخزوم رجل واحد، وهو:
١ - نوفل بن عبد الله بن المغيرة، قتله الزبير بن العوام بعد اقتحامه الخندق بفرسه.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
(ج) ومن بني عامر بن لؤي رجلان، وهما:
١ - عمرو بن عبد ود، قتله علي بن أبي طالب.
٢ - حسل بن عمرو بن عبدود، قتله علي أيضًا فيما رواه ابن هشام عن الزهري.
حديث القرآن عن المعركة
وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة الأحزاب، وتناول مراحل هذه المعركة في عدة آيات من سورة الأحزاب بلغت سبع عشرة آية، تبدأُ بالآية التاسعة من سورة الأحزاب، وتنتهي بالآية الخامسة والعشرين من نفس السورة.
وأول ما تحدث عنه القرآن هو نزول البلاء على المسلمين بوصول قوات الأحزاب، وإنعام الله على المسلمين بدحر هذه القوات وتسليط العوامل الطبيعية عليهم وإزعاجهم بجنود من عند الله لم يرها أحد، مما أدى إلى إجبارهم على الرحيل عن المدينة وفك الحصار عنها، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
ويعنى القرآن الكريم بالجنود الذين جاءُوا لحرب المسلمين، قريش وغطفان وبني قريظة، أما الجنود الذين أشار القرآن إلى أن الله أرسلهم لإزعاج الأحزاب، فقد ذكر كثير من أهل التفسير أنهم الملائكة، ولم يثبت أن الملائكة قاتلوا الأحزاب، ولكنهم أرسلوا للإزعاج والتضييق.
[ ٣ / ٢٤١ ]
قال الإمام الشوكاني في (فتح القدير) ج ٤ ص ٢٥٦ .. قال المفسرون .. بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر، تخويفًا للأحزاب، حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه: يا بني فلان هلم إليّ، فإذا اجتمعوا قال هلم: النجاءَ النجاءَ. أهـ.
وقد جاء هذا التأييد الإلهي للتضييق على الأحزاب، وإزعاجهم بعد أن محَّص الله المؤمنين وصهرهم في مختبر المحن والمصائب التي أخذت بخناقهم وأحاطتهم من كل جانب، فصمدوا لها وأثبتوا (عمليًّا) أنهم بإيمانهم - أكبر من هذه المصائب والنكبات، فقرروا مقاومة الغزو حتى النصر أو الفناء، ومن هنا جاءهم النصر المفاجئ من عند الله جزاء صبرهم وثباتهم وإيمانهم ويقينهم.
حديث القرآن عن تدهور الحالة
وتحدث القرآن الكريم عن تدهور الحالة بين المسلمين، وانتشار الخوف والرعب والفزع بين صفوفهم نتيجة إطباق جيوش الأحزاب عليهم (بمساعدة يهود المدينة) من كل ناحية وإحكام الحصار عليهم بشكل مخيف رهيب، فقال تعالى:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينتج منه أحد من أهلها، وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب من أعلاها ومن أسفلها، فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج، ومن ثم كان الإبتلاء كاملًا والإمتحان دقيقًا والتمييز بين المؤمنين حاسمًا لا تردد فيه (١).
حديث القرآن عن المنافقين
كما تحدث القرآن الكريم عن مواقف التخريب والإرجاف التي اتخذها المنافقون الموجودون في جيش المدينة، والتي بها ساهموا في مضاعفة الكرب والبلاء النازل بالنبي وصحبه، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾.
وذلك أن بعض المنافقين، وقفوا في تلك الساعات الحاسمة التي عم فيها الخوف والرعب بين المسلمين، وقف هؤلاء المنافقون يسخرون من وعد الله ورسوله المؤمنين بالنصر، فقالوا .. كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا الآن لا يستطيع الذهاب إلى الغائط (خوفًا) .. ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.
وتحدث كذلك عن طائفة المنافقين الذين - عندما اشتد الكرب واستحكمت حلقات البلاء - انطلقوا يشيعون روح الهزيمة والفرار بين
_________________
(١) في ظلال القرآن (تفسير) لسيد قطب ج ٢١ ص ١٤٠.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
الجند، بدائع الرغبة في نشر الفرقة والتخاذل داخل صفوف الجيش الإسلامي، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
ويستمر القرآن الكريم في التنديد بهولاء المنافقين الذين سلكوا ذلك المسلك الشائن يوم الأحزاب، فيقول:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
ويتحدث القرآن عن طبيعة المنافقين الخبيثة المخربة، طبيعة القعود عن الجهاد، وطبيعة تحريض الغير على الإنفضاض من حول النبي - ﷺ - والانضمام إلى صفوف هؤلاء المنافقين المعوقين، كما يصور حالة الجبن والخور المتأصلة في نفوسهم، عندما تكون الحرب، مع الانتفاش وسلاطة اللسان والتشدق بقارص الكلام في حالة الأمن، فيقول:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ
[ ٣ / ٢٤٤ ]
حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
قال في ظلال القرآن: فخرجوا من الجحور وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش، وانتفخت أوداجهم بالعظمة ونفشوا بعد الانزواء، وادعوا في غير حياء ما شاء لهم الإدّعاء من البلاء في القتل والفضل في الأعمال والشجاعة والاستبسال.
وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل، فهو موجود دائمًا، وهو شجاع فصيح بارز، حيثما كان هناك أمن ورخاء.
وهو جبان صامت منزو، حيثما كان هناك شدة وخوف، وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير لا ينالهم منه إلا سلاطة اللسان أهـ.
ويتحدث القرآن كيف كان الفزع والفشل مسيطرًا على قلوب المنافقين ومزيلًا لرشدهم وصوابهم - حتى بعد انصراف جيوش الأحزاب إلى درجة أنهم كانوا يعتقدون أن هذه الجيوش لا تزال في معسكراتها حول المدينة، بالرغم من أنها قد انسحبت نهائيًا.
وكيف أن هؤلاء المنافقين المحسوبين على المسلمين بالرغم من تسللهم من صفوف الجيش ساعة الشدة والروع، وهروبهم من الميدان وبعدهم عن خطر القتال، كانوا لشدة جبنهم يتمنون أنهم من أعراب البادية وأن لا علاقة تربطهم بالمدينة، التي كانت الهدف الأول للغزو، وكيف أنهم كانوا يسألون في فزع وقلق (كما يسأل الجبان الرعديد الذي يحسب كل شيء تحرك هو ضده) عن أخبار نتيجة القتال الدائر بين المسلمين والأحزاب، فقال تعالى:
[ ٣ / ٢٤٥ ]
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا﴾.
حديث القرآن عن مواقف المسلمين المشرفة
ثم ينتقل القرآن من الحديث عن الصورة الكالحة الردئية البغيضة التي كان عليها المنافقون منذ نشوب معركة الأحزاب حتى نهايتها، إلى الحديث عن الصورة الوضيئة المشرقة الرائعة التي ظهر فيها النبي الأعظم - ﷺ - والصفوة من أصحابه يوم أن حاقت بهم المحن وتحالفت ضدهم البلايا وتقاطرت عليهم الرزايا، فصمدوا في وجهها وثبتوا أمام زعازعها ثبوت الرواسي، والتي بدلًا من أن تكون هذه المحن والبلايا لهم مصدر اضطراب وتضعضع وانهيار، كانت مصدرًا للطمأنينة والثقة والإيمان واليقين والاستبشار بنصر الله.
وقد بدأ السياق بذكر الرسول الأعظم - ﷺ - وهو القدوة الكاملة في الشجاعة والثبات والإيمان وقيادة الأمم إلى شاطئ النصر والظفر عندما تضطرب الأحوال وتتقاطر المحن والرزايا، فقال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
ويتحدث القرآن هنا عن هذا النموذج من الرجال الذين (لصلتهم الوثيقة الصادقة بالسماء) لم يزدهم ذلك الكرب الذي نزل بهم - والزلزال
[ ٣ / ٢٤٦ ]
المخيف الذي أصابهم في غزوة الأحزاب، إلا صلابة في إيمانهم وصدقًا فيما عاهدوا الله عليه من الصبر والثبات والتضحية في سبيله حتى الموت، عكس ذلك النموذج الفج الهلوع المهزوز الجبان فريق المنافقين الذي لا يقف عند عهد ولا يوفي بميثاق، فقال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. ويعضهم يرى أن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر - ﵁ -، وأصحابه الذين ثبتوا مع رسول الله - ﷺ - في معركة أحد، فقد روى الإمام أحمد - بإسناده - من ثابت قال: "عمى أنس بن النضر - سميت به - لم يشهد مع رسول الله - ﷺ -، فشق عليه، وقال في أول مشهد شهده رسول الله - ﷺ - غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا فيما بعد مع رسول الله - ﷺ - ليرين الله ﷿ ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها.
فشهد مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ - ﵁ - فقال له أنس: يا أبا عمرو أين واهًا لريح الجنة، إني أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال فنزلت الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية .. قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه - ﵃ -.
وعلى أي كان الأمر فإن هذه الآية ينطبق ما جاء فيها من وصف على ذلك النوع من الرجال الأبرار الذي ثبتوا بجانب نبيهم في كل المواقف ووفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله عليه سواء كانوا أنس بن النضر وأصحابه
[ ٣ / ٢٤٧ ]
من أبطال أحد، أم الصفوة المختارة من صحابة محمد - ﷺ -، الذين ثبتوا معه في معركة الأحزاب.
الابتلاء والإختبار
ثم يعقب القرآن الكريم على تلك المشاهد المختلفة والصور المتباينة التي واكبت معركة الأحزاب بأن ما شاهده الناس من أهوال وكروب ومحن إنما هو للإبتلاء والإختبار، لكي يظهر الصادق على حقيقته (كما هو) فينال جزاءه الطيب عند الله، ويتبين المنافق الكاذب ويظهر أمام الناس (كما هو)، لكي ينال ما يستحق من عذاب ونكال، فقال تعالى معقبًا على ذكر تلك الأحداث:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ثم يختم الحديث عن هذا الحدث الضخم الرهيب (غزوة الأحزاب) بأن الله دائمًا مع المؤمنين الصادقين الصابرين لا يسلمهم لعدوهم ولا يمكنه منهم (ما داموا على صلة وثيقة بالله وعلى يقين بصدق وعده) بل ينصرهم على هذا العدو مهما كانت قوته وجبروته، كما حدث للنبي في غزوة الأحزاب المزلزلة هذه، فقال تعالى:
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا﴾.
كما تحدث القرآن الكريم عن تكاسل المنافقين وأعمالهم التخريبية أثناء حفر الخندق، وكيف أنهم كانوا، يتركون العمل في الخندق دونما
[ ٣ / ٢٤٨ ]
استئذان من النبي القائد - ﷺ - فندد القرآن الكريم بعملية التسلل التي كانوا يقومون بها تهربًا من المشاركة الفعالة في حفر الخندق الذي قررت قيادة المدينة أن يكون خط الدفاع الرئيسي عن العاصمة، كما أثنى (في الوقت نفسه) على المؤمنين الذين لا يتركون العمل في الحفر إلا عندما تدعو الحاجة الماسة الضرورية، والذين لا يتركون العمل (مع هذا) إلا بعد أخذ إذن خاص من النبي القائد - ﷺ - فقال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ثم وجه تحذيره للمنافقين فقال جل وعلا ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
قال محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات إنه لما كان تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق (الأحزاب)، فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - وما جمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله - ﷺ - ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه فدأب ودأبوا.
_________________
(١) النور آية ٦٢، ٦٣.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وأبطأ عن رسول الله - ﷺ - وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول الله - ﷺ - ولا إذنه، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، ويستأذنه في اللحوق بحاجته التي لا بد منها، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابًا له، فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنون ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ .. الآية﴾ ثم قال تعالى يعصني المنافقون الذين يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي - ﷺ - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ .. الآية﴾ أهـ.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
الفصل السادس نظرة .. وتحليل
مما لا جدال فيه أن معركة الأحزاب كانت - بالنسبة للكيان الإسلامي الوليد بأكمله - معركة حياة أو موت.
كما أنها كانت -أيضًا - (بالنسبة للذين خططوا لها وقاموا بها) الأمل الوحيد في استعادة هيبتهم الضائعة وسلطانهم المفقود، وذلك بالقضاء على المسلمين ومحو كيانهم من الوجود.
ولهذا كانت غزوة الأحزاب أضخم عمل عسكرى تقوم به اليهودية والوثنية ضد الإسلام في العهد النبوى.
لقد سبقت معركة الأحزاب (من جانب الغزاة) استعدادات هائلة وتنظيمات دقيقة، ولذلك جاءت هذه الغزوة أكثر تنظيمًا وأدق تنسيقًا من كل الغزوات والحملات التي قام بها أعداء الإسلام ضده، فكانت قوات العدو في هذا الغزو أضخم قوة عسكرية يواجهها المسلمون في عقر دارهم، بل كانت أعظم قوة غامرة غازية يقف أمامها المسملون بنسبة واحد لعشرة.
[ ٣ / ٢٥١ ]
دقة موقف المسلمين
لقد كان كل شيء مادى يوحى (على نحو ساحق) بأن الغلبة ستكون للأحزاب على المسلمين وأن نهايتهم في (حساب التقدير العسكري المجرد) أمر مفروغ منه، وذلك للأسباب الآتية:
١ - قوة العدو الساحقة المتفوقة في كل شيء مادي:
فقد أطبقت على المدينة عشرة آلاف مقاتل من العرب القرشيين والغطفانيين، مجهزين أحسن تجهيز، وكلهم غيظ وحنق على المسلمين يساند هذه القوات العسكرية الضخمة رأس المال اليهودى الطاغى ويخطط لها الفكر الإسرائيلى الماكر الخبيث.
يقابل كل هذه القوات الضخمة في الجانب الآخر (المسلمين) ألف مقاتل فقط هم دون هذه القوة في كل شيء مادى سوى الإيمان.
٢ - نقض اليهود للعهد:
- وبالإضافة إلى الخطر المدمر الذي وقف جيش الإسلام بأكمله لمواجهته، والمتمثل في هذه الحشود القرشية والنجدية الهائلة، تعرض هذا الجيش لوجة مزلزلة مخيفة وهي غدر يهود بنى قريظة، بنقضهم العهد وانضمامهم (وهم وراء خطوط جيش الإسلام) إلى الغزاة في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة.
فقد كانت هناك معاهدة دفاع مشترك بين المسلمين ويهود بنى قريظة كان المفروض أن يكون اليهود (بموجبها) جزءًا من الجيش المدافع عن المدينة.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
ولكن اليهود بدلًا من أن يشدوا من أزر حلفائهم المسلمين فيقفوا بجانبهم ضد الغزاة المعتدين، إنضموا إلى هؤلاء الغزاة وصاروا (وهم حوالي ألف مقاتل) قوة معادية للجيش الإسلامي تتحفز للانقضاض عليه من الخلف، فكان هذا العمل الشائن من اليهود ضربة موجعة وتهديدًا خطيرًا لا تقل فعاليته عن فعالية القوات الرئيسية الغازية.
لأن التهديد المفاجئ من الخلف لأى جيش (وهو في حالة مواجهة للعدو) قد يكون أشد خطرًا عليه من القوة الرئيسية التي يواجهها.
وفعلًا لقد كان لنقض اليهود العهد وانضمامهم إلى الغزاة أسوأ الأثر بين صفوف جيش المدينة الصغير، حيث تأزمت الحالة، واستحكمت المحنة وتحرج الموقف إلى درجة فكر معها النبي القائد - ﷺ - في أن يعقد صلحًا منفردا مع قادة غطفان ينصرفون بموجبه عن المدينة على أن يعطى لهم مقابل ذلك ثلث ثمار المدينة، وذلك سعى من النبي - ﷺ - لتخفيف الضغط العسكري الخانق الذي يتعرض له جيش الإسلام.
٣ - عنصر المنافقين والمرحفين الموجودين داخل جيش الإسلام كجزء منه:
فقد كان هذا العنصر من أشد البلايا على جيش الإسلام المدافع عن المدينة، حيث ظهر هذا العنصر الخبيث على حقيقتة والمسلمون في أقصى درجات المحنة.
فبعد أن نقض اليهود العهد، وآذنوا المسلمين بالحرب تحركت عوامل الخسة والدناءة المتأصلة في نفوس هؤلاء المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأخذوا - في تلك الساعات الرهيبة التي يجتازها
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الكيان الإسلامي - ينسحبون من الجيش، على شكل تسلل، واستئذان مشبوه (أحيانًا)، محدثين بذلك تصدعات خطيرة في معنويات الجند المدافع عن المدينة.
ولم يكتف المنافقون بذلك بل راحوا يشيعون روح الهزيمة في الجيش ويعملون (علنًا) على إشاعة الخوف والفزع داخل صفوفه، حتى أخذ عدده يتناقص إلى أن وصل في الليالى الأخيرة من المعركة إلى ثلاثمائة مقاتل (فقط) (١)، الأمر الذي ضاعف من متاعب قيادة المدينة إلى درجة لا مزيد عليها.
٤ - العوز وحالة الفقر مع برودة الطقس وشدة الرياح:
وبالإضافة إلى هذه الأمور الخطيرة المخيفة التي واجهتها قيادة المدينة، كان عام الأحزاب عام مجاعة وجدب بالنسبة للمسلمين، وكان الفصل فصل برد قارص ورياح هوج، وقد روى الثقاة من المؤرخين أن كثيرًا من المسلمين، يمر بهم اليوم واليومان لا يذوقون فيهما طعامًا وأن النبي - ﷺ - كما روى البخاري كان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع.
بينما كانت جيوش الأحزاب - من الناحية الأخرى - مزودة بكل المؤن الغذائية اللازمة، ويقف - مع هذا - من ورائها اليهود (وهم ملوك المال) يسدون بما لديهم من ثروات طائلة أي نقص يحدث في تموين جيوش الغزاة.
_________________
(١) انظر في هذا الكتاب حديث حذيفة وقصة دخوله معسكر الأحزاب في آخر ليلة من ليالى الغزو.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وقد رأينا (فيما مضى من هذا الكتاب) كيف كان بنو قريظة يرسلون القوافل محملة بالمؤمن إلى جيوش الأحزاب، وكيف وقعت إحدى هذه القوافل في أيدى إحدى دوريات جيش المدينة فصادرتها، وكانت عشرين بعيرًا، فخفف الله بأحمالها من ضائقة المسلمين.
كل هذه العوامل والأساب كانت توحى (لأول وهلة وعلى نحو لا يقبل النقاش) بأن النصر الساحق سيكون حليف الأحزاب ضد المسلمين وأن المدينة لا بد وأن تصبح في قبضة هذه الجيوش الغازية الضخمة الغامرة.
الأمر الذي غرر ببنى قريظة فحملهم على ارتكاب جريمة الخيانة البشعة تلك، إذ نقضوا العهد وانضموا إلى الجيوش الغازية ضد المسلمين ليأخذوا نصيبهم من ثمار النصر الذي لم يكن لديهم أدنى شك (إلا زعيمهم كعب بن أسد) بأنه سيكون حليف الأحزاب.
أسباب فشل الأحزاب
فما هي (إذن) الأسباب التي حالت دون تحقيق هذا النصر الذي توفرت للأحزاب كل أسبابه المادية؟؟ . وما هي الأسباب التي جعلت هذا النصر المتوقع يتحول إلى هزيمة منكرة، حيث مني هذا الغزو الكبير بذلك الفشل الذريع الذي يعتبر (على الإطلاق) أعظم فشل يصاب به اليهود والمشركون في تاريخ الصراع بين الإسلام وأعدائه في الجزيرة العربية؟؟ .
[ ٣ / ٢٥٥ ]
الأسباب الرئيسية
يمكننا تلخيص الأسباب الرئيسية التي حالت دون تحقيق ذلك النصر وأدت إلى ذلك الفشل الذريع، كما يلي:
السبب الأول حفر الخندق:
فقد كان نجاح قيادة المدينة في حفر هذا الخندق كخط أول للدفاع عن المدينة" مكيدة عسكرية فوجئت بها قيادة الأحزاب، بل وصعقت لها، لأن نجاح المسلمين في حفر الخندق قبل وصول جيوش الأحزاب نسف خطتهم (المرسومة لاحتلال المدينة) من الأساس.
لقد كانت قيادة الأحزاب (عندما وضعت نصب عينيها احتلال المدينة كهدف أساسى للغزو) تعتمد - لتحقيق هذا الهدف - على تلك الحشود الكبيرة التي جمعتها والتي بلغت (إزاءها) نسبة قوة المسلمين واحدًا لعشرة، وكانت تقصد من وراء هذا العدد الغامر إلى التغلب على الشجاعة الفائقة التي تميز بها المسلمون، وذلك عن طريق الالتحام معهم في معركة فاصلة، التي مهما كانت شجاعة المسلمين فيها فإن عامل التفوق العددى إلى الدرجة التي وصلت إليها جيوش الأحزاب يكون له أثره الذي لا يستهان به في كسب المعركة، وقديمًا قالوا: الكثرة تغلب الشجاعة ولكن قيام المسلمين بحفر الخندق نسف خطة الأحزاب وقلبها رأسًا على عقب، إذ حال هذا الخندق بين جيوش الأحزاب الهائجة المتدفقة وبين الالتحام مع عسكر الإسلام في معركة فاصلة كما تريد قيادة الأحزاب وكما هي الخطة المرسومة للمعركة.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
فقد جمد وجود الخندق نشاط تلك الآلاف المؤلفة من جيوش الأحزاب وشل حركتها، حيث لم تستطع مقاتلة المسلمين إلا عن طريق تسللية انتحارية عبر الخندق، وهذا العمل (مهما تكرر) لا يؤدى إلى النتيجة المرجوة من الغزو ..
وقد جربت قيادة الأحزاب عملية القفز -عبر الخندق- بالخيل لعلها تستطيع (إن نجحت) أن تقيم معابر واسعة تمر منها مشاة الأحزاب (تحت حماية سلاح الفرسان القرشي) إلى ناحية المسلمين، ولكن هذه التجربة باءت بالفشل، إذ كان مصير الفرسان الذين قاموا بها إما القتل وإما الفرار إلى حيث أتوا، وهكذا ظلت قيادة الأحزاب حائرة لا تدري ماذا تصنع إزاء هذه المكيدة الحربية التي لجأ إليها المسلمون فشلوا بها حركة جيوش الأحزاب وعطلوها عن الحركة كما تريد.
التذمر في صفوف الأحزاب
وقد نتج عن تجميد جيوش الأحزاب وعدم قدرتها على القيام بعمل حاسم في معركة فاصلة (بسبب الخندق) تذمر داخل جيوش الأحزاب لأن جل هذه الجيوش من الأعراب (البدو) الذين ألفوا في حروبهم (دائمًا) المعارك الخاطفة التي لا تزيد على يوم أو بعض يوم وما كانوا يعرفون المرابطة أمام الخنادق كل هذه المدة التي رابطوها حول المدينة.
ولهذا فقد ثقل عليهم التجمد وراء الخندق دونما قتال فملوا المرابطة على غير جدوى، الأمر الذي لاحظته قيادة الأحزاب، فأخذت تشعر بالحرج، وصارت (نتيجة لذلك) تفكر في الإنسحاب، ولكن التزامها
[ ٣ / ٢٥٧ ]
لبنى قريظة بعدم فك الحصار عن المدينة إلا بعد القضاء على المسلمين جعلها تتريث لأنها كانت تخشى اللوم إن هي خلت بين اليهود وبين المسلمين الذين سيحاسبونهم حسابًا عسيرًا على غدرهم وخيانتهم دونما شك.
ولهذا فإن قيادة الأحزاب لم تتردد في الانسحاب وترك اليهود وشأنهم عندما حدث ما يبرر ذلك (ولو في الظاهر) وهو إحجام اليهود عن المشاركة في الهجوم على المسلمين إلا بعد الحصول على رهائن من رجالات الأحزاب يحتجزونها عندهم حتى يتم القضاء على المسلمين.
وهكذا فإن نجاح المسلمين في إقامة الخندق كخط دفاع (أول) لصد الغزاة عن المدينة كان من أكبر العوامل التي أدت إلى فشل الغزو بل هو أكبر هذه العوامل إذا ما نظرنا إلى الأمر من الزاوية العسكرية المجردة.
السبب الثاني .. خديعة نعيم بن مسعود
مما لا جدال فيه أن إحداث الفرقة والشقاق في صفوف أي جيش محارب هو من أكبر الأسلحة التي تؤتى ثمارها لصالح خصوم هذا الجيش.
وقد تفعل الفرقة والشقاق بالعدو ما لم تفعله جيوش جرارة مزودة بأحدث الأسلحة وأقواها، ولهذا فإن النبي القائد وهو ذو الخبرة الواسعة والباع الطويل في السياسة العسكرية - طلب من نعيم ابن مسعود (وكان معروفًا بالدهاء والمكر بين العرب) أن يستخدم هذا السلاح - سلاح
[ ٣ / ٢٥٨ ]
الفرقة والشقاق - ضد الأعداء المتحالفين في هذا الغزو المخيف، إذ قال له: - عندما أعلن إسلامه سرًّا ودون أن يعلم به أحد من قومه - "إنما أنت فينا رجل واحد فخذِّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة".
وقد نجح نعيم بن مسعود في استخدام سلاح الفرقة والشقاق ضد الأعداء نجاحًا كاملًا، إذ استطاع أن يحطم بهذ السلاح وحدة الأحزاب وينسف اتحادهم مع اليهود من الأساس، كما هو مفصل فيما مضى من هذا الكتاب.
فكان هذا النجاح عاملًا مهمًا في تعجيل فك الحصار عن المدينة وإنهاء ذلك الغزو الكبير بانسحاب جيوش الأحزاب الجرارة على تلك الصورة المخزية.
فإقناع نعيم بن مسعود يهود بنى قريظة بعدم التعاون مع الأحزاب إلا بعد الحصول على الرهائن منهم، فتح الطريق أمام قريش وغطفان للتعجيل بالانسحاب، وحفظ لهم ماء الوجه، إن اتخذوا من عدم التعاون هذا مبررًا لانسحابهم وترك اليهود وحدهم يلقون مصيرهم على أيدى المسلمين، الأمر الذي كانت قيادة الأحزاب تتحرج من فعله، قبل أن ترفض قريظة التعاون معهم.
وقد سمعنا فيما مضى من هذا الكتاب كيف حمل أبو سفيان (قائد عام جيوش الأحزاب) بنى قريظة مسئولية ما حدث إذ قال (وهو يأمر بالانسحاب): إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
السبب الثالث .. العقيدة
وبالإضافة إلى العاملين الحاسمين في فشل الغزو (من وجهة النظر العسكرية المجردة) فإن هناك - من الناحية المعنوية - عاملًا مهمًا (وقد يكون أهم العوامل) في إحباط هذا الغزو الخطير، وهو العقيدة.
فقد كانت العقيدة عند المسلمين الصادقين هي السلاح الرئيسي الذي يعتمدون عليه في كل المعارك، ولهذا فإن العقيدة - عند المسلمين تأتى في المقام الأول بين العوامل والدواعى التي تجعلهم يصمدون ويثبتون، حيث يكون الفرار أو الاستسلام (في حساب المقاييس العسكرية المادية) أمرًا لا مناص منه، بل ولا لوم على فاعليه.
وما يمكن أن نقوله بالتفصيل عن العقيدة وأثرها في نفوس المسلمين وإسهامها (بدرجة أولية ممتازة) في انتصارات المسلمين الحاسمة، قد قلناه مفصلًا في ختام كل من كتابينا (غزوة بدر الكبرى .. وغزوة أحد) تحت هذا العنوان (نظرة .. وتحليل) فليرجع إليه من يريد.
إلا أن العقيدة في معركة الأحزاب قد كان دورها (بالنسبة للمسلمين أهم الأدوار على الاطلاق، حيث كانت هي السلاح الرئيسى بل والوحيد في مواجهة الغزو وإحباطه.
فقد كان سلاح العدو الفعال الوحيد في هذه الغزوة هو الإرجاف والإرهاب والترويع والتخويف والخيانة والغدر والنكث والإرهاق .. وهو سلاح مفزع مخيف (حقًّا) بالنسبة للألف مقاتل تناقصوا حتى لم يبق منهم في آخر ليلة من ليالى هذا الغزو الرهيب إلا ثلاثمائة مقاتل، يحيط بهم أحد عشر ألف مقاتل من كل جانب .. سلاح مخيف رهيب حقًّا، لا يقف في
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وجهه إلا سلاح رباطة الجأش وقوة الأعصاب. والاحتفاظ برجاحة العقل وهدوء النفس وثبات الجنان والثقة بنصر الله تعالى.
وهذه العوامل ذات الأثر الحاسم في مقاومة ذلك السلاح الرهيب المخيف الذي تنخلع له القلوب، لا تتوفر إلا لمن يحمل مثل تلك العقيدة الصافية السامية، عقيدة الإسلام، التي جعلت سيد الأوس الشاب (سعد بن معاذ) يقول للنبي - ﷺ - عندما حاول عقد صلح منفرد مع قبائل غطفان، مقابل ثلث ثمار المدينة (رحمة بجيشه الصغير المحصور) .. والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
لقد قال هذا الشاب السيد المؤمن هذه الكلمة الخالدة التي رفض بها الصلح مع غطفان، قالها والمسلمون في أعلى درجات الكرب والضيق قد أخذت المحنة بتلابيبهم وطوقتهم الرزايا والخطوب وأحاطتهم من كل جانب.
رفض سيد الأنصار الشاب فكرة عقد الصلح المنفرد مع غطفان على تلك الصورة، مع أن هذه الفكرة التي استشار النبي الأنصار للموافقة عليها، هي (في عرف السياسة العسكرية) فكرة صائبة لا غبار عليها يلجأ إليها القادة العسكويون ويستخدمونها لتخفيف مؤونة الحرب على جيوشهم حتى اليوم.
لأن تشتيت شمل العدو وإضعاف قوته وتفريق كلمته بأية وسيلة، لا يغيب عن بال أي قائد عسكرى مسئول في كل الحروب بلا استثناء، ولكن قوة العقيدة الراسخة البناءة التي جاء بها هذا النبي الكريم جعلت قادة الأنصار (وهم العمود الفقري لجيش المدينة) يستأذنون نبيهم في رفض فكرة الصلح هذه والاستمرار في المقاومة مهما كانت النتائج.
[ ٣ / ٢٦١ ]
الخواء العقائدي عند الأحزاب
وإذا كان موقف سعد بن معاذ وقادة الأنصار قد أوضح لنا الصورة الجلية الواضحة عن فعالية سلاح العقيدة في جيش الإسلام الصغير، ومتانة هذه العقيدة وصلابتها إلى الحد الذي جعل المؤمنين بها يقفون ذلك الموقف الرائع، فإن مجئ قادة غطفان (وهم العمود الفقرى لجيوش الأحزاب) إلى مقر القيادة النبوية (سرًّا) ومد يدهم - من وراء ظهر قريش - لعقد صلح منفرد مع المسلمين مقابل ثلث ثمار المدينة، يعطينا الدليل القاطع على الخواء العقائدى الكامل داخل جيوش الأحزاب العظيمة، وأن هذه الآلاف المؤلفة، قد جاءت يسودها التفكك لأنها ليست لها رابطة موحدة تجمعها على عقيدة راسخة صادقة تصلها بالله، فتستعذب الموت في سبيلها، كما هو الحال عند المسلمين.
وإنما جاءت هذه الآلاف المؤلفة تحدوها أهداف رخيصة محدودة ضيقة، أهداف لا يمكن أن تكون أساسًا لنضال أو قاعدة لكفاح أهداف لحمتها وسداها الحصول على ما يمكن الحصول عليه من المغانم المادية بأية طريقة كانت، ثم العودة (بسرعة) إلى خيامها ومسارحها.
مقارنة بين الأحزاب والمسلمين
وبالمقارنة بين هذه الأهداف الرخيصة المحدودة التي جاءت الأحزاب تقاتل في سبيلها، وبين تلك العقيدة الشماء التي يقاتل المسلمون في سبيلها، والتي وقفت (في ظل رايتها) تلك القلة المؤمنة لتواجه تلك الحشود الهائلة، يتضح الفارق العظيم، ويتضح أي سلاح فعال سلاح العقيدة هو، عندما تكون عقيدة بناءة سليمة.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
إنه لولا العقيدة التي تسلح به المسلمون في تلك الظروف الرهيبة المزلزلة، ما استطاعوا أن يثبتوا أمام للك الحشود الهائلة التي بلغت عشرة أضعاف المسلمين، ذلك الثبات الذي ظل (على مر العصور) مضرب الأمثال.
لقد كان باستطاعة جيوش الأحزاب الجرارة (لولا الخواء العقائدى الذي يسيطر عليها) أن تسجل على جيش المدينة الصغير، نصرًا حاسمًا حتى مع وجود الخندق، لأن الخندق لا يمكن أن يحول بينها وبين اقتحام المدينة على أية صورة من الصور، لا سيما وأنها تمتاز على المسلمين بذلك التفوق الساحق في العدد.
حقيق، أن اقتحام الخندق لاحتلال المدينة يتطلب تضحيات لا يستهان بها، وما كانت جيوش الأحزاب لتبخل بمئات من القتلى لاقتحام المدينة، لو كان باعث غزوها على مستوى الباعث العقائدى الذي وقف المسلمون (في ظله) يدافعون عن المدينة ذلك الدفاع الرائع.
ولكن لما كان الباعث الحقيقي لحشد هذه الجيوش حول المدينة هو ذلك الباعث المادى الضحل الرخيص، المتمثل في التمكن من السلب والنهب فحسب، فإنه من البديهى أن تحجم هذه الجيوش عن الإقدام على مثل هذا العمل الذي يتطلب الإقدام عليه بذل المهج والأرواح بسخاء كبير.
ولو كان الأمر على العكس، وكان المسلمون هم الذين جاءوا يقودون تلك الجيوش الجرارة التي جاء بها الأحزاب، لما وقف الخندق حائلًا بينهم
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وبين احتلال المدينة، بل لاقتحموه في لحظات، كما حدث منهم ومن أبنائهم (مرات ومرات) في الشام والعراق عندما كان الفرس والرومان يخندقون على أنفسهم، وهم أقوى سمحًا وأكثر عددًا من المسلمين.
حصيلة الغزو العكسية
اتضح فيما مضى من هذا الكتاب أن المخطط الذي خرج به زعماء اليهود من خيبر والذي بموجبه تم تحشيد تلك الجيوش الجرارة من قريش وغطفان يهدف (في الدرجة الأولى) إلى إبادة المسلمين إبادة كاملة وهدم كيان الإسلام من الأساس، يشاطرهم في ذلك زعماء قريش وقادة غطفان.
ولكن ما هي النتائج التي جناها قادة اليهود وقريش وغطفان كحصيلة لهذا الغزو الكبير المنظم المخيف؟ .
النتائج كانت - بالتأكيد - عكسية مائة في المائة، وهي تتلخص فيما يلي:
١ - لقد منيت جيوش الأحزاب بهزيمة شنعاء لم تمن بمثلها قريش وغطفان واليهود في تاريخهم الطويل السابق واللاحق.
فقد جنى الأحزاب (كثمرة لهذا الغزو الكبير) تلك الهزيمة المنكرة وذلك الفشل الذريع، بدلًا من خضد شوكة المسلمين وهدم سلطانهم ونسف كيانهم.
فانحدرت هذه الهزيمة بسمعة قريش وغطفان العسكرية إلى درجة لم يستطع معها أي من هذه القبائل (وهي أقوى قبائل الجزيرة على
[ ٣ / ٢٦٤ ]
الإطلاق) مجرد التفكير في غزو المسلمين فكانت لذلك غزوة الأحزاب هذه آخر عملية غزو تقوم بها الوثنية العربية ضد الإسلام في جزيرة العرب.
سمعة المسلمين بعد غزوة الأحزاب
بينما ارتفعت (من ناحية أخرى) سمعة المسلمين العسكرية - بعد هذه المعركة - حتى بلغت الذروة، الأمر الذي جعلهم (حتى سقوط آخر معقل لليهودية والوثنية في جزيرة العرب) أسياد الموقف، يغزون ولا يقدر أحد على غزوهم.
٢ - أما حصيلة اليهود من هذا الغزو الذي هو من صنعهم ونتيجة تفكيرهم، فقد كانت خسارة افدح من خسارة الوثنيين في نجد والحجاز.
فإن هؤلاء القرشيين والنجديين إذا كانوا قد خسروا هيبتهم العسكرية فلزموا الهدوء والسكينة حتى دخلوا فيما دخل فيه العرب من اعتناق الإسلام بعد احتلال مكة هن قبل قوات المسلمين، فإن اليهود لم تبق لهم أية هيبة عسكرية حتى يخسروها، ولكن حصتهم من ثمرة هذا الغزو الذي أثاروا عواصفه، كانت تصفية العنصر اليهودى في يثرب، بإبادة كل رجال يهود بنى قريظة في المدينة، وهم ثمانمائة مقاتل، وسبى نسائهم وذراريهم وهي النكبة المروعة التي كان اليهود قد أعدوا العدة (بالاتفاق مع الأحزاب) لإنزالها بالمسلمين. (١).
_________________
(١) سيكون موضوع كتابنا الرابع من هذه السلسلة هو (غزوة بني قريظة) إن شاء الله.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ولم تتوقف نكبة هؤلاد اليهود المجرمين على محو ما تبقى لهم من كيان في يثرب، كحصيلة لأعمالهم الشريرة، بل امتدت هذه النكبة إلى موطن الإجرام ووكر التآمر (خيبر) التي رسم فيها مخطط ذلك الغزو الرهيب.
فقد كانت حملة الأحزاب المخيفة درسًا وعته قيادة المدينة - وأيقنت على أثره أن لا مناص من ضرب قواعد العدوان في خيبر، والتي إن لم تضرب وتحطم سيظل الكيان الإسلامى عرضة لخطر التآمر والعدوان في كل لحظة.
لا سيما وأن اليهود يملكون من المال الوفير المكنوز (والمال ذو سلطان قاهر) ما يمكنهم من إثارة أية حرب يريدون إثارتها ضد المسلمين .. ولهذا قامت المدينة - بقيادة النبي الأعظم - ﷺ - بعملية غزو واسعة ضد اليهود في خيبر حتى سقطت في أيدى المسلمين، وسقط كل قادتها وزعماؤها قتلى في المعركة.
وبسقوط خيبر تمت تصفية آخر معقل لليهود في الجزيرة العربية (١) ولم يقم لليهود بعدها أي سلطان في الجزيرة العربية حتى اليوم ولن يقوم إلى يوم القيامة إن شاء الله.
بقى موضوع يحتاج إلى شيء من الإيضاح في هذا التحليل، وهو موقف التكاسل الذي وقفته من معركة الأحزاب، قبائل غطفان النجدية (وهي التي تشكل الأغلبية في حشود هذا الغزو).
فأثناء استعراضنا لجميع أدوار المعركة لم نر لأى من رجال غطفان (قادة وجنود أي نشاط حربى ضد المسلمين في هذه المعركة.
_________________
(١) سيكون موضوع كتابنا الخامس من هذه السلسلة هو غزوة (خيبر) إن شاء الله.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
فكل الذين قاموا بقفز الخندق بخيلهم هم من قريش وليس بينهم غطفانى واحد، كما أن كل القادة الذين تولوا (بالتناوب) عملية إرهاب المسلمين وإزعاجهم بالطواف بكتائبهم حول الخندق (ليلًا نهارًا) هم من قريش فقط، وليس بينهم قائد غطفانى واحد، كما أن التاريخ لم يذكر أنه كان ضمن جنود هؤلاء القادة القرشيين جندى غطفانى واحد.
فما هو السبب في هذا الموقف المتكاسل الذي وقفته قبائل غطفان في هذه الغزوة الكبيرة.
السبب الرئيسي
الذي يظهر لنا أن هناك سببًا رئيسيًا واحدًا، وهو أن قيادة غطفان قد يئست (بعد حفر الخندق) من احتلال المدينة إلا بعد تضحيات جسيمة باهظة.
وما كنت غطفان تحمل عقيدة صافية تصلها بالله، تستعذب الموت في سبيلها، وتؤمن بأن القتل تحت لوائها شهادة ترتفع بقتلاها إلى درجة الصديقين والشهداء، حتى تخاطر بأرواحها فتقتحم الخندق غير مبالية بما يصيبها من قتل وجرح كما هو الحال عند المسلمين.
بل لم تكن غطفان - على ما يظهر - تحمل للمسلمين ذلك العداء العقائدى المرير المتأصل الذي تحمله يهود وقريش، وإنما كل رجال غطفان أعراب خلص لا يعرفون للغزوات والحروب معنى، إلا أنها وسيلة (فقط) للنهب والسلب والحصول على المغنم المادى بأقل خسار ممكنة،
[ ٣ / ٢٦٧ ]
الأمر الذي كان أعراب غطفان يمنُّون النفس بالوصول إليه عندما تحركت جموعهم الغفيرة من مضاربها في صحارى نجد للمشاركة في غزو المدينة.
وحيث أن هذه المكيدة الحربية العظيمة التي ما كان العرب يكيدونها (وهي الخندق) قد جعلت من المستحيل على هؤلاء الأعراب الحصول على المغنم بالطريقة التي ألفوها في حروبهم المكشوفة الخاطفة التي لا تستغرق إلا ساعات قلائل وبصورة مفاجئة، ورأوا أن احتلال المدينة التي يحلمون بغنائمها، لن يكون (إذا ما نجحوا فيه) إلا بعد مغامرة خطيرة يكلفهم الإقدام عليها مئات القتلى مما يجعل المغنم الذي قد يحصلون عليه يتلاشى (في حسابهم المادى) أمام هذه التضحيات الجسام التي يبذلونها من الرجال للوصول إلى هذا المغنم المادى، فإنهم آثروا السلامة على المغنم المحفوف بكل هذه المخاطر الجسام ..
فمن هنا (والله أعلم) جاء إحجامهم عن القيام بأي عمل حربى يعرض أرواحهم للخطر في هذا الغزو الكبير الذي ما شاركوا فيه إلا للحصول على الغنائم والغنائم فقط، وحيث أن هذا أصبح مستحيلًا بعد حفر الخندق، فلا داعى لأن يتعرض هؤلاء الأعراب للقتل أو الجرح، وهذا أمر يتفق (تمامًا) مع منطق الأهداف الصغيرة الضيقة المحدودة التي جاء هؤلاء الأعراب لتحقيقها.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
محمّد أحمدَ باشميل
الكِتَاب الرّابع
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٤ -