المَكْتَبَةُ السَّلَفِيَّة - وَمَطْبَعَتُهَا
٢١ شارع الفتح بالروضة * القاهرة * تليفون ٨٤٠٣٦٤
[ ١ / ١ ]
(حقوق الطبع محفوظة)
(الطبعة الثامنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م)
[ ١ / ٢ ]
غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى
[ ١ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
انتصار الإسلام في يوم بدر
بقلم
اللوَاء الرُّكن
محمُود شيت خَطَّاب
عضو المجْمَع العِلمي العِراقي
- ١ -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي سيدي ومولاي رسول الله وعلى آله وأَصحابه أَجمعين ورضي الله عن قادة الفتح الإسلامي وجنوده الغر الميامين.
قضى رسول الله - ﷺ -، فترة حياته المباركة في مكة المكرمة من بعثته رحمة للعالمين إلى هجرته إلى المدينة المنورة في الجهاد الأكبر لوضع الأُسس السليمة لدولة الإسلام موحدًا من أجل الجهاد.
وفي هذه الفترة لاقى المسلمون أَذى كثيرًا: طوردوا وعذابوا، وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
وهاجر المسلمون إلى المدينة بأنفسهم تاركين ذويهم الأقربين تحت رحمة أعدائهم في خطر داهم مقيم، فابتدأَت في المدينة فترة الجهاد الأصغر من حياة سيد القادات وقائد السادات عليه أفضل الصلاة والسلام، فكانت حياته الغالية في المدينة من هجرته إليها حتى التحاقه بالرفيق الأعلى جهادًا من أجل التوحيد.
[ ١ / ٥ ]
وأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، فركبات خيل الله عليها فرسان النهار ورهبان الليل: البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، لا مدد لهم ولا كمين، يهدرون بالقرآن الكريم وبذكر الله ويرددون في دعائهم: "يا نصر الله اقترب".
وفي بدر، التقى الظلام بالنور، والكفر بالإيمان، والباطل بالحق، والتقت الجاهلية بالإسلام، فجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.
ودارت في بدر رحى معركة طاحنة بين فئتين غير متكافئتين: فئة قليلة مؤمنة، وفئة كثيرة كافرة، فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة بإذن الله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
ولست أعرف معركة حاسمة من معارك الحرب الحاسمة، كيوم بدر، انتصرت فيه العقيدة السليمة على العقيدة الفاسدة، فكانت العقيدة وحدها هي السلاح الأول والأخير للمنتصرين.
كان المشركون أكثر عددًا من المسلمين، وكانوا أحسن عددًا وأغنى في قضاياهم الإدارية: كان عدة أصحاب رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدة المشركين ألفًا، وكان مع المسلمين فرسان، وكان مع المشركين مائة فرس، وكان المسلمون حفاة عراة جياعًا، وكان المشركون ينحرون في يومًا عشرًا ويومًا تسعًا من الإبل، وكان المسلمون من قبائل شتى، وكان المشركون من قريش! ! .
إنه انتصار عقيدة لا مراء، فكيف كان ذلك؟
لقد بدل الإسلام العقول والنفوس من حال إلى حال! كان الرسول القائد - ﷺ - مثالًا شخصيًا رائعًا لأصحابه في التضحية والفداء.
[ ١ / ٦ ]
كان المسلمون يوم بدر كل ثلاثة على بعير، فكان إذا كانت عقبة النبي - ﷺ - قال له صاحباه: "اركب حتى نمشي عنك"، فيقول: "ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأَجر منكما".
وعند نشوب القتال يوم بدر، خرج ثلاثة من رجالات المشركين وقادتهم فدعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، فكره رسول الله - ﷺ - أن يكون أول قتال لقى فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا بني هاشم! قوموا قاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم إذ جاؤوكم بباطلهم ليطفئوا نور الله".
وفي المعركة كان النبي - ﷺ - يضرب بنفسه لأصحابه في الشجاعة والإقدام أروع الأمثال. قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: "ولمَّا كان يوم بدر وحضر البأس، اتقينا برسول الله - ﷺ -، وكان من أشد الناس بأسًا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه".
وكان رسول الله - ﷺ - في أثر المشركين بعد انهيار صفوفهم يتلو الآية الكريمة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، فأجاز على جريحهم وطلب مدبرهم.
وبعد المعركة سلم - ﷺ - الغنيمة للمسلمين الذين حضروا بدرًا، وأخذ سهمه مع المسلمين، لا فرق بينه وبين أي مسلم آخر.
لم يستأثر بالدعة والأمن بل قاتل هو قتال الأبطال الصناديد أمام المقاتلين من أصحابه، ولم يؤثر ذوي قرباه بالراحة والاطمئنان بل آثرهم بالنزال والطعان، فلما انتصر المسلمون كان نصيبه من الغنائم نصيب أحدهم لا يزيد.
[ ١ / ٧ ]
لقد كان الرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه أُسوة حسنة لأصحابه بأعماله لا بأقواله، وشتان بين الأعمال والأقوال، فلا موعظة في كلام لم يمتلئ من نفس صاحبه ليكون عملًا، ليتحول في النفوس الأُخرى عملًا ولا يبقى كلامًا.
ذلك هو الرسول القائد - ﷺ -، أما جنوده فكان أمرهم كله عجبًا.
آخى النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، فآخى مثلًا بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ﵄، فقال سعد لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالًا. فأُقسم مالي إلى نصفين، ولى امرأتان فانظر أعجبهما إليك قسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها".
هذا مثال واحد للإيثار الذي كان نتيجة من نتائج هذا التآخي.
وفي الطريق إلى بدر، هتف متكلم المهاجرين: "والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك حتى تنتهي إليه". وهتف متكلم الأنصار: "فامضںى يا نبي الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقى منا رجل واحد".
ويوم بدر، قتل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أباه، وكان أبو بكر ﵁ مع المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن مع المشركين، وكان عتبة بن ربيعة مع قريش، وكان ولده أبو حذيفة مع المسلمين.
في هذه المعركة التقى الآباءُ بالأبناءِ، والإخوة بالإخوة! .
خالفت بينهم المبادئ، ففصلت بينهم السيوف! ..
[ ١ / ٨ ]
وفي يوم بدر تسابق المسلمون إلى الشهادة، وكان كل واحد منهم يتمنى أن يموت قبل صاحبه، وكان كل واحد من المشركين يتمنى أن يموت صاحبه قبله، وكان الشهيد يردد وهو يحتضر: " ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
وبعد معركة بدر، استشار النبي - ﷺ - أصحابه في مصير الأسرى، فقال عمر بن الخطاب ﵁ "أرى أن تمكني من فلان - قريب عمر - فأضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديادهم وأئمتهم وقادتهم".
وكان فداء أسرى بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يكن عنده شيء كان فداؤه أن يعلم غلمان الأنصار الكتابة.
هكذا كان جنود الرسول القائد ﵊ يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، ويؤثرون عقيدتهم على آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم، بل يؤثرون عقيدتهم على أنفسهم، فيتسابقون إلى الشهادة، فيقول أحدهم للآخر: "هنيًا لك الشهادة"، وتقول الأُمهات والأخوات والزوجات حين يعلمن باستشهاد ذويهن: "الحمد لله الذي أكرمهم بالشهادة".
وهؤلاء قادة وجنودًا، يبنون للمستقبل، فيعتبرون العلم فريضة لا نافلة، ويعتبرونه عبادة لا تجارة، ويعتبرونه غاية لا وسيلة .. ! .
كانوا إخوة في الله يحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه، وكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وكانوا كالجسد السليم المعافى إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي!
هؤلاء قادة وجنودًا، كانوا يبنون ولا يهدمون ويعمرون ولا يخربون ويفعلون ولا يقولون ..
[ ١ / ٩ ]
كان انتصار المسلمين في بدر، إيذانًا بمولد دولة الإسلام عمليًّا، فقاد المسلمون بعدها العالم إلى الخير والصلاح والمدينة والنور قرونًا طويلة.
وكان انتصارهم بالإسلام، ولن ينتصروا بغيره، وتاريخ المسلمين خير دليل على ذلك.
كان العرب في الجاهلية متفرقين فتوحدوا بالإسلام، وكانوا أعداء فأَلف الإسلام بين قلوبهم، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الإسلام منها، فأصبح العرب بالإسلام (وحدة) رصينة، و(دولة) عظيمة و(أُمة) متماسكة و(قوة) ضاربة وجدت لها متنفسًا بالفتح الإسلامي العظيم، فسارت رايات العرب المسلمين تهدى الدنيا وتحضِّر العالم وتمدِّن الناس، فامتدت دولة الإسلام من سيبيريا شمالًا إلى فرنسا غربًا إلى الصين شرقًا إلى المحيط جنوبًا.
كانوا ضعفاء فأصبحوا بالإسلام أقوياء، وكانوا أعداء فأصبحوا إخوة، وكانوا مستعبدين فأصبحوا فاتحين .. ! .
ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فأصبحوا مستعمرين مستعبدين أذلاء غثاء كغثاء السيل، والله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أصبح هؤلاء الخلف يستوردون المبادئ من الشرق والغرب مبهورين متخاذلين، وأَصبحوا يتعشقون تراث الأجنبي ويحتقرون تراثهم، ويتدارسون تاريخ أعدائهم ويتركون تاريخ هم وراءَهم ظهريًا، حتى أصبحنا نسمع بعض العرب والمسلمين يقولون ويكتبون ويذيعون علنًا
[ ١ / ١٠ ]
باسم الثقافة وباسم التحرر ما لم يستطع أن يقوله أو يكتبه أو يذيعه المبشرون وأعداء الإسلام! ! ..
وإذا كان أكثر المستشرقين قد بذلوا قصارى جهودهم لتعميق آثار الاستعمار الفكري بين العرب والمسلمين، فما عذر المستغربين من العرب المسلمين؟ ! .
إن الدعوة إلى تبناها المبشرون وعملاء الاستعمار وأذنابهم في أبعاد الدين الإسلامي عن الحياة، دعوة مريبة هدفها إبعاد العرب عن الناحية المعنوية في حياتهم، فالعرب جسم والإسلام روحه، ولا بقاء للجسم بدون روح.
والدعوة التي تبناها هؤلاء لاستعمال العامية بدل العربية الفصحى دعوة مريبة، هدفها أن يجعلوا من الأُمة العربية أُممًا، ومن الشعب العربي شعوبًا، لأَن العربية لغة القرآن الكريم ولغة الرسول - ﷺ -، ولغة قادة الفتح وجنوده ولغة الفكر وجنوده.
والدعوة التي تبناها هؤلاء لإشاعة الفحشاء والتخنيث في العرب خلافًا لعقيدتهم وتقاليدهم، دعوة مريبة لا تخدم غير الاستعمار وأعداء العرب وإسرائيل، وكيف تنتظر من الديوثين والبغايا أن يبذلوا أرواحهم في ميادين الشرف والفداء لا؟ ! !
إني أتحدى كل من يزعم أن هناك عقيدة أفضل من عقيدتنا، وأن هناك رجالا أعظم من رجالنا وأن هناك تاريخًا أنصع من تاريخنا، وأن هناك تراثًا أروع من تراثنا ..
والذين يزعمون أنهم طردوا الاستعمار العسكري والاستعمار السياسي والاستعمار الاقتصادي من بلادهم ثم يعملون ليلًا ونهارًا
[ ١ / ١١ ]
على ترسيخ الاستعمار الفكري في بلادهم، لم يصنعوا شيئًا أكثر من إخراج الاستعمار من باب ضيق، وإدخاله بمحض إرادتهم من باب فسيح.
نطرد الاستعمار ثم نترجم قوانينه ونعمل بها نصًّا وروحًا، فنشيع في بلادنا فجور القانون !
ونتخلص من الاستعمار ثم نستورد مبادئه ونطبقها حرفيًّا.
فنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ونحارب الاستعمار ثم نستورد منه التحلل الخلقي، فنفسد جيلنا الصاعد ونشيع بينهم الفاحشة والمنكر! عقوبة السارق في الإسلام قطع اليد، فيقول عن ذلك الجهلاء منا: أن ذلك رجعية، وهذا همجية وهو لا يتفق مع روح القرن العشرين! !
وعقوبة السارق في أعظم دول الاشتراكية الإعدام، فيقول عن ذلك الجهلاء منا: هذه تقدمية، وهذه مثالية، وهذا يتفق مع روح القرن العشرين! !
فلمصلحة من هذا التهافت الذليل؟؟ ! ! وأَي استعمار فكري شنيع نعاني؟؟ ! !
أن الذين يدّعون بأن السلوك السياسي لا علاقة له بالسلوك الشخصي التزامًا بالمبادئ الخلقية الرفيعة، واهمون كل الوهم أو أغبياء كل الغباوة أو عملاء كل العمالة.
والذين يريدون إشاعة الفحشاء والتخنث في أبنائنا لا يخدمون غير الاستعمار وإسرائيل.
إن عقيدتنا المستمدة من رسالة السماء، وتاريخنا الذي هو التطبيق العملي لتعاليم الإسلام، ورجالنا الذين هم الترجمة العملية لروح
[ ١ / ١٢ ]
الإسلام، وتراثنا الذي هو حصيلة الفكر الإسلامي، هي أَعظم وأَرفع وأَنصع وأَروع وأَنقى وأَطهر وأَسمى وأَبهر من كل ما وجد على الأَرض من عقائد وتواريخ وتراث.
وأَتحدى كل من يدعي خلاف ذلك، إلا أَن يكون جاهلًا أَو غبيًا أَو عميلًا، فلا يجدى شيء مع الجهلاء والأَغبياء والعملاء ..
إن الماضي هو أَساس الحاضر والمستقبل، فكيف نتنكر لماضينا الجيد؟ .
وهل هناك عاقل يبدأُ ببناء البنيان أَول ما يبدأُ من قمته؟ ! !
إننا سدنا بالإسلام عقيدة وعملًا وتضحية وفداء، ولن نسود بغيره أَبدًا مهما نحاول من محاولات ..
إن الإسلام مفخرة الدنيا ومعجزة العالم، فيجب أَن نهاجم به أَعداء الإسلام.
يا أَتباع محمد - ﷺ - في كل مكان من دار الإسلام:
يجب أَن تهاجموا بالإسلام أَعداء الإسلام، فلا يقولن قائل بعد اليوم، إني أُدافع عن الإسلام، لأَن الإسلام أَقوى من أَن يدافع عنه إنسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾.
تمسكوا بالإسلام بما فيه من تكاليف التضحية والفداء، وبذلك وحده تعودوا إلى قيادة العالم كما فعل أجدادكم من قبل، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.
رددوا معي ما كان يردده السلف الصالح من رجالنا الغر الميامين: "يا نصر الله اقترب".
[ ١ / ١٣ ]
إننا مع المسلمين في كل مكان على أعدائهم في كل مكان فهم إخوتنا في الدين، وهم إخوتنا في الله، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وعلينا واجب نصرهم، والذي لا ينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا عليه ألا يدّعى الإسلام.
إننا مع لغة القرآن، لغة النبي - ﷺ -، ولغة العرب الفاتحين، على دعاة العامية الذين يتظاهرون بالشعارات الزائفة ويخفون ما لا يظهرون.
وكل من لا يكون مع مبادي القرآن ولغة القرآن، منحرف عن الحق، يعمل لحساب الاستعمار وإسرائيل ولو تظاهر بالعروبة والإسلام.
وإلى هؤلاء المنحرفين، أقول مذكرًا ومنذرًا ما قاله الله في القرآن الكريم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال﴾.
وحّد الله العرب من المحيط إلى الخليج تحت لواء الإسلام، وجعل وحدتهم قاعدة رصينة لوحدة المسلمين من المحيط إلى المحيط، فالعرب بالاسلام كل شيء، والعرب بغير إسلام لا شيء
والحمد لله كثيرًا، وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله: سيد القادات وقائد السادات، ورجل الرجال وبطل الأبطال، ورضي الله عن أصحابه وعن كل من يخدم العرب والإسلام بأمانة وإخلاص.
[ ١ / ١٤ ]
مقدمةہ المؤلف عن الطبعة الثانيةہ
الحمد لله نستعينه ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الذين نصروه في كل موطن وحين.
وبعد، لقد كان صدور كتابنا هذا - وهو الكتاب الأول من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة - تجربة شجعنا نجاحها على المضہي فيما اعتزمنا القيام بتنفيذه من إصدار سلسلة كاملة عن معارك الإسلام الفاصلة.
لقد صدرت الطبعة الأُولى من هذا الكتاب في شهر محرم ١٣٨٣، ولم يأْت شهر شوال من السنة نفسها إلا وقد نفدت نسخ هذه الطبعة، فشجعنا ذلك النجاح على المسارعة إلى إصدار الطبعة الثانية هذه، التي أضفنا إليها زيادات بلغت أكثر من ضعف الطبعة الأُولى.
فقد كانت صفحات الكتاب من الطبعة الأُولى لا تزيد على ١٦٠ صفحة، بينما بلغت صفحات الكتاب في هذه الطبعة (كما يرى القاريء) أكثر من ٢٩٦ صفحة، كما شجعنا ذلك النجاح على المسارعة إلى إصدار كتابنا (غزوة أُحد) وهو الكتاب الثاني من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة، وعلى المضي في إخراج كتابنا (غزوة الأحزاب) وهو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، والذي سيأخذ طريقه إلى المطابع قريبًا إن شاء الله.
[ ١ / ١٥ ]
فشكرًا لله أُولًا وآخرًا، وله الحمد والمنة، على ما تفضل به علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ونسأله تعالى أن يمدنا بعونه ويسندنا بتوفيقه، وأن يحمينا من مضلات الفتن ومزالق الغرور. وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه تعالى، وأن يكون نصيرنا -ما دمنا على الحق- إنه نعم المولى ونعم النصير.
محمد أحمد باشميل
مكة المكرمة: ربيع الثاني ١٣٨٤ هـ
آب - أغسطس ١٩٦٤ م
[ ١ / ١٦ ]
مقدمة الطبعة الأَولى
اللهم صل على محمد سيد المكافحين وإمام المجاهدين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأَصحابه الأوفياء الصامدين.
اللهم نستمد منك العون والتوفيق.
وبعد، لقد عزمنا (بعون الله تعالى) على وضع سلسلة تاريخية مفصلة عن معارك الإسلام الفاصلة، التي قلبہت موازين القوى وغيرت ارتكزت عليها وحملت لواءَها في العالمين.
إن هذه السلسلة لن تقتصر على المعارك الكبرى التي تم الفوز فيها للإسلام فقط، كمعركة بدر الكبرى.
بل سنتناول كبريات المعارك الهائلة الشهيرة الأَخرى التي خاضها المسلمون وتمت الغلبة فيها لأعدائهم كمعركة أُحد في يثرب، ومعركة بلاط الشهداء في فرنسا.
والهدف الأَول من وضع هذه السلسلة هو إزاحة الستار (وخاصة أَمام الشباب المثقف ثقافة عصرية) عن جزء ثمين من كنوز تاريخنا الإسلامي الزاخر بالبطولات والتضحيات، والذي تآمر عليه العدو من الخارج بالاتفاق مع فئات آثمة في الداخل.
فئات اصطنعها العدو الخارجي (أَيام حكمه) وأَجلسها أَمام قيادات التربية والتعليم، وجعل لها الهيمنة على مركز الصحافة وقيادة الإذاعة والنشر.
[ ١ / ١٧ ]
فأَجرمت في حق تاريخنا الإسلامي إجرامًا كبيرًا، إذ طمست (في فصل المدرسة ومدرج الكلية)، عن عمد وإصرار، كل جانب مشرق من جوانب هذا التاريخ العظيم، وخاصة جانب البطولة والفداء والنجدة الذي يتمثل في المعارك الفاصلة إلى خاضها الإيمان ضد الكفر، وقادها العدل ضد الطغيان، والتي تجلى فيها زخم العقيدة وشرف المبدأَ.
فقد رأَينا ولا نزال نرى حتى هذا اليوم، هذه الفئات التي شاء لها الأَجنبي أَن تضع (حسب وحيه ورغبته) برامج التعليم ومقررات التدريس للنشء الإسلامي في كثير من أَقطارنا الإسلامية.
نعم رأَينا ولا نزال نرى هذه الفئات الآثمة، تجعل هذا الجيل الناشئ يتلهى (في مراحل دراسته التاريخية)، بالنظر في وقائع تاريخ مبتوت الصلة كليًّا بتاريخنا الإسلامي.
وإذا ما تعرضت هذه الفئات الخطيرة للتاريخ الإسلامي، (سواء تدريسًا أَو محاضرة أَو إذاعة) لا تتعرض (في الغالب) إلا لما كان نزاعًا واختلافًا بين المسلمين.
كالحوادث المؤسفة التي حدثت أَيام عمان وبعد موته، بين علي ومعاوية (١)
_________________
(١) هو معاوية بن أَبي سفيان، صخر بن حرب الأَموى القرشي، أَول من وضع أَسس الدولة الأَموية العظيمة في الشام، ولد بمكة وأَسلم يوم فتحها، وكان أحد كتاب الوحي، تولى قيادة إحدى الكتائب تحت قيادة أَخيه يزيد في حرب الروم في الشام، بأَمر من الخليفة أَبي بكر، كان على رأَس الجيوش التي فتحت بيروت وصيداء وعرفة وجبيل، قاد الجناح الأَكبر من المعارضة المسلحة لخلافة علي، بعد أَن اتهمه بدم عثمان، بايعه المسلمون بالخلافة العامة سنة إحدى وأَربعين من الهجرة، وذلك بعد وفاة أَمير المؤمنين علي، فقد تنازل له الحسن بن علي وبايعه بالخلافة إطفاء للفتنة وحقنا لدماء المسلمين، كان معاوية أَحد عظماء الفاتحين في الإسلام، فقد وصلت طلائع جيوشه إلى شواطئ المحيط الأَطلسي في الشمال الإفريقي، وفي أَيامه ثم فتح السودان، وكان أَول من حاصر القسطنطينية (أَسطنبول) برًا وبحرًا، ومعاوية هو الذي قام بإنشاء أَول أَسطول بحري =
[ ١ / ١٨ ]
وعائشة (١) وطلحة والزبير ﵃ أَجمعين.
فتطنب هذه الفئات في ذكر تلك الحوادث وتتفلسف في أَسبابها ومسبباتها، وتنشرها بين الطلبة تدريسًا ومطالعة ومحاضرة، وكأَنها وحدها هي التاريخ الإسلامي.
بينما تهمل إهمالًا كاملًا. باقي الجوانب الوضاءَة المشرقة التي يمكن أن تكون حافزًا للشباب المسلم على السير في طريق الرجولة والتضحية والاستقامة تحت لواء القرآن.
ولا شك أَن هذا عمل تخريبي مقصود، سارت عليه هذه الفئات الآثمة في المدرسة والجامعة، منذ عشرات السنين، لتثبيت دعائم الاستعمار الثقافي والفكري -الذي هو الاستعمار الأَكبر- والذي قرر الأَعداء أَن يكون خليفة الاستعمار السياسي - الذي هو الاستعمار الأَصغر وهذا ما حدث فعلًا، عندما رحل الأَجنبي بجلدته عن أَكثر الأَوطان الإسلامية.
إن القصد من إهمال التاريخ الإسلامي - إلا ما كان نادرًا، أَو خلافًا بين المسلمين أَو مجونًا ولهوًا من بعض حكامهم -هو قطع الصلة
_________________
(١) = للإسلام، وهو أَول حاكم مسلم قام بأَول حملة بحرية ضد الرومان في البحر الأَبيض المتوسط، وقام أسطوله باحتلال جزائر كريت ورودس وقبرص، وجزر الدردنيل، ويقدر بعض المؤرخين أَسطول الإسلام الذي أَنشأَه معاوية بأَلف وسبعمائة سفينة يعيب عليه الكثير أَخذه البيعة لابنه يزيد الذي لم يكن أَهلا لها، ومطاعن الشيعة فيه أَكثر من أَن تحصى وغلاتهم يعتبرونه كافرًا، مات معاوية بدمشق سنة ستين من الهجرة.
(٢) هي أَم المؤمنين، عائشة بنت أَبي بكر الصديق غنية عن التعريف، أَفقه نساء المسلمين وأَكثرهن علمًا بالدين والأَدب، تزوجها النبي ﷺ في السنة الثانية من الهجرة، كانت أَكثر النساء حديثًا عن رسول الله. روى المحدثون عنها ٢٢١٠ حديثًا. كانت أَحب نساء رسول الله ﷺ إليه، شهدت معركة الحمل، وكانت من الناقمين على قتلة عثمان توفيت ﵂ سنة ثمان وخمسين من الهجرة =
[ ١ / ١٩ ]
بين الشباب المسلم وبين الاطلاع على الصفحات الناصعة المشرقة، من تاريخ أَسلافهم المجيد، الذي يخشى الأَجنبي الحاقد على الإسلام، أَن يحملهم النظر في هذا التاريخ على التأَسي بأَولئك الأَبطال الميامين الذين اجتذبهم الإِسلام من الكهوف وأَغوار الوديان، حفاة أَشباه عراة، ثم أَقعدهم (بعد أَن صهرهم في بوتقة الإيمان) أَمام دفة قيادة الدنيا، فصنعوا بالإِسلام، وصنع الإسلام بهم تاريخًا، لم تشهد الدنيا مثله في البناءِ والعظمة والنزاهة والإشراق، من لدن آدم حتى يومنا هذا.
تاريخًا لو اعتنى به الأَستاذ في مدرسته والعميد في جامعته؛ لصنعت لنا هذه المدارس والجامعات، شبابًا قويًّا في عقيدته، متينًا في خلقه، عظيمًا في بطولته، فذًا في استقامته، مفلح في قيادته.
شبابًا بإمكانه أَن يجمع بين صدق أَبي بكر، وعدل عمر، ونبل عثمان، وبسالة عليّ، وفروسية خالد، وحنكة عمرو، وحلم معاوية، وإقدام ابن الزبير.
ولما خلقت لنا هذه المشكلة الخطيرة التي نواجهها في كل قطر إسلامي .. مشكلة هذا القطيع الهائج، ممن يسمون أَنفسهم التقدميين، المتحررين، الذين أَصبحوا، أَشد ضررًا على الإسلام، وأَعظم تجريحًا لتاريخه من أَعدائه الأَصليين الذين قاموا بتفريخهم في معامل استعمارهم الثقافي، أَيام سيطرتهم وحكمهم.
ولكنه الاستعمار الحقود، وسماسرته من المحسوبين علينا، دبروا (في غفلة منا طويلة) خطة اغتيال هذا التاريخ، ونجحوا في إهالة التراب عليه، بأَيدي رجال ينتسبون إلينا، فلم يبقوا منه في مقررات التدريس، إلا مقاطع لا تصلح لشيء، إلا للنيل من ماضي الإسلام والطعن على بناة دولته، والتشهير بمن قادوا معارك الإسلام والحط من
[ ١ / ٢٠ ]
مكانتهم (١) كتطاولهم على عثمان وابن الزبير (٢) ومعاوية وعمرو بن العاص (٣) وتوسعهم في نشر ما يظنه خصومهم طعنًا في دينهم وأَمانتهم، وكتعمدهم الإسهاب في نظرية أَبي ذر الغفاري ﵁
_________________
(١) قرأت مرة قصة فِلم في مجلة المصور، عن خالد بن الوليد وإذا أبرز ما في الفلم قصة قتل مالك بن نويرة وغرام خالد بزوجة القتيل نوار التي يقول بعض المؤرخين إن خالدًا تزوجها بعد قتله ابن نويرة (كمرتد) في حروب الردة، وأوجع منظر رأيته أن ممثل البطل في الفلم، قد ظهر ملتصقًا (في حالة مزرية) بممثلة أخرى، على اعتبار أن هذا الممثل هو خالد بن الوليد، والممثلة نوار، زوجة القتيل مالك بن نويرة، وهكذا يشن فروخ الاستعمار حربًا واسعة على قادة الإسلام وأبطاله حتى في الأفلام السينمائية. فقد عز علي هؤلاء العملاء أن يمر هذا الفلم في جميع أدواره مرور البطولة الكاملة المنزهة عن نزوات الجنس، فأفسدوه بذلك المنظر الذي كان من أسباب كساده.
(٢) هو عبد الله بن الزبير بن العوام أشهر من نار علي علم، كأن فارس قريش في زمنه، كان أحد القادة الذين اشتركوا في فتح تونس، وهو الذي قتل جرجس ملك الرومان هناك، نازع بني أمية الخلافة، أعلن نفسه خليفة عقيب موت يزيد بن معاوية فتمت له السيطرة على الحجاز ومصر والعراق واليمن وخراسان وأكثر الشام، كانت له مع الأمويين وقائع رهيبة، تغلب عليه عبد الملك بن مروان في آخر الأمر، حاصرته جيوش الشام في الحرم بقيادة الحجاج، فقاتل قتال الأبطال حتى قتل وهو في الثمانين وذلك سنة ثلاث وسبعين: كان أول مولود في المدينة بعد الهجرة استمرت خلافته تسع سنين:
(٣) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، قال صاحب كتاب (الأعلام) كان أحد عظماء العرب ودهاتها وأولي الرأي والحزم والمكيدة فيهم، كان عمرو من أشد الناس على رسول الله ﷺ في الجاهلية، سافر إلى الحبشة للإيقاع بالمسلمين فيها عند النجاشي فلم يفلح، أسلم في هدنة الحديبية وكان إسلامه وخالد بن الوليد في آن واحد، ولاه الرسول قيادة جيش (ذات السلاسل) وأمده بأبي بكر وعمر، ثم جعله عاملا علي منطقة عمان، كان أحد القادة الأربعة الكبار الذين تولوا فتح الشام، إليه يعود الفضل في فتح فلسطين ومصر، ولاه ابن الخطاب إمارة فلسطين ثم مصر، عزله عثمان عن الإمارة، كان في جانب معاوية أيام الفتنة، وتولي مصر بعد أن تم الأمر لمعاوية ومات وهو أمير عليها، كان ابن الخطاب من المعجبين برجاحة عقله ودهائه، كان يقول إذا رأى رجلا يتلجلج كلامه: .. إن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد، توفي ﵁ في مصر سنة ثلاث وأربعين من الهجرة.
[ ١ / ٢١ ]
التي خالف بها جميع الصحابة ونفاه الخليفة الثالث من أَجل التمسك بها .. إلى الربذة.
وكتوسعهم في تدريس القصص والتمثيليات (المفتعل أَكثرها) التي تصور بذخ ومجون بعض الخلفاء من بني أُمية وقادتهم الذين لم يكره الصليبيون والوثنيون والمجوس، محاربين إسلاميين أَعظم منهم. لأَن زحف الإِسلام وقوته العسكرية وهيبته السياسية وصلت (أَيام هؤلاء الخلفاءِ والقادة) إِلى درجة لم يصل إليها أَحد قبلهم ولا بعدهم.
فبينما كانت جيوشهم تتوغل في أَحشاءِ أوروبا الغربية، ويقف منها (أَيام بني أُمية) خمسمائة أَلف مقاتل علي بعد ثلاثمائة كيلو مترًا من باريس، كانت مئات الآلاف من جنود دمشق الأُموية .. وقادتها تندفع كالطوفان نحو الشرق جارفة أَمامها معالم الوثنية وآثار المجوسية.
وهذا هو السبب في الحقد المشبوب من هذا الثالوث المعادي علي هؤلاءِ القادة والخلفاءِ، هذا الحقد الذي نراه متمثلًا فيما يدرسه وينشره ويذيعه فروخ الصليبيين من أَدعياءِ الإِسلام، من طعن في خلفاءِ الإِسلام وكبار قادته ممن خاض الإِسلام بقيادتهم أعنف المعارك ضد الصليبيين في الغرب والوثنيين والمجوس في الشرق.
إن إِهمال التاريخ الإِسلامي في فصل المدرسة ومدرج الكلية أَو الاقتصار على مقاطع مشوهة مما نسب إليه، إنما يخدم الأَعداءَ ويزهد الشباب المسلم، بل ويكرهه في تاريخ الإِسلام.
وهذا أَقصي ما يهدف إليه أَعداءُ الإِسلام الذين نجحوا (بواسطة المخربين من أَبنائه) في أَن ينحرفوا بالشباب المسلم (إلا من عصم الله، وقليل ما هم) عن الاتجاه الإِسلامي الصحيح، واتجهوا به نحو أَوروبا
[ ١ / ٢٢ ]
وحضارة وعظمة رجالها، حتى أَصبحوا لا يرون شيئًا جديرًا بالدرس وأَولى بالإِعجاب والتقدير إلا ما كان آتيًا عن أَوروبا، وأَوروبا وحدها.
والسبب في ذلك أَنهم (منذ تفتح أَعين عقولهم)، وطيلة مراحل التدريس لم يسمعوا ولم يقرأُوا في معرض تاريخ البطولات والمعارك والحضارات والتضحية والعلوم إلا عن معارك الطرف الأغر، ووقائع (واترلو) وبطولات انطونيو، وغرام كليوبترا، وشجاعة نابليون وثبات ولنجتون، وبسالة نلسون، ومغامرات كرستوف كولمبس، وحضارات الفراعنة، ومدنيات روما، وفلسفات اليونان، وصلاح سانت ماريا، وعفة جان دارك، وغير ذلك مما لا يجعلون معه أَي مكان في ذهن الطالب المسلم لما يجب أَن يعرفه عن تاريخ دينه، وأَخبار بطولات رجالاته، وشجاعة قادته، ونزاهة حكامه، وعدل خلفائه وإِشراق حضاراته وعظمة مدنياته ونباهة علمائه، وذكاءِ فلاسفته.
والأَغرب من هذا أَن هؤلاء الآثمين في حق التاريخ الإِسلامي، عندما يضطرون إِلى التحدث عن تاريخ الإسلام، يتجنبون ذكر الإِسلام كليًا، ويتحدثون عنه كتاريخ قومي مجرد وكأَنه قد بنته سواعد لا علاقة لها بهذا الدين البتة.
سأَلت (مرة) أحد هؤلاءِ الحائزين علي الشهادات العالية من تلك الجامعات، سأَلته عن معركة الصواري، فاستغرب هذا الاسم، وقال ضاحكًا، إنه لم يسمع بمعركة تحمل هذا الاسم الغريب.
بينما هذه المعركة تعد من أَهم المعارك البحرية الفاصلة في تاريخ حروب الإِسلام والإِمبراطورية الرومانية، فقد هزم الأسطول الإِسلامي الأُسطول الروماني في هذه المعركة شر هزيمة لم تقم بعدها للرومان
[ ١ / ٢٣ ]
قائمة وذلك في عصر الخليفة عثمان بن عمان وبقيادة الأَمير عبد الله بن سعد بن أَبي سرح بالقرب من المياه التونسية.
ولكني عندما سأَلت هذا الجامعي المثقف (الذي يجهل معركة الصواري) عندما سأَلته عن معركة الطرف الأَغر (١) أَخذ يشرح لي تفاصيل هذه المعركة وكأَنه أَحد الذين شهدوها، فقد اندفع يتحدث عن بسالة نلسون وثباته وكيف جرح وهو على ظهر سفينة القيادة يدير دفة العركة، وكيف انهزم الأُسطول الفرنسي بعد أَن خسر ثماني عشرة سفينة وكيف أَسر الإِنكليز قائد الأُسطول الفرنسي.
وما هذا الجهل بالتاريخ الإِسلامي والإِلمام بالتاريخ الأَجنبي إلا حصيلة التثقيف الحديث الذي أَخذه شبابنا المسلم حسب المخطط التعليمي الذي وضعه أَعداءُ الإِسلام منذ عشرات السنين.
نسأَل الله تعالى بأَسمائه الحسني وصفاته المثلي أَن يثبتنا علي ديننا ويأْخذ بأَيدينا للسير علي الصراط السوي إنه على كل شي قدير.
محمد أحمد باشميل
مكة المكرمة رمضان المبارك ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م
_________________
(١) معركة بحرية شهيرة دارت بين الأسطول الفرنسي والبريطاني بالقرب من الشواطئ الأسبانية في عهد نابليون بونابرت عام ١٨٠٥ م.
[ ١ / ٢٤ ]
بَدْر
بدر -بفتح أَوله وسكون ثانيه- ماء من مياه العرب الشهيرة وأَسواقهم المشهورة، وقد أُطلق على هذا المكان اسم أَول من حفر بئرًا فيه وهو رجل من غفار، واسمه: بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة.
وقال الزبير بن بكار، هو قريش بن الحارث سميت به قريش قريشًا، فغلب عليها، لأَنه كان دليلها وصاحب ميرتها، وكانوا يقولون جاءَت عبر قريش، وخرجت عبر قريش، وابنه بدر بين قريش به سميت بدر التي كانت بها الواقعة المباركة (١).
تقع بدر جنوب غرب المدينة، والمسافة بينها وبين المدينة - بطرق القوافل التي سلكها الرسول - ﷺ - حوالي ١٦٠ ميلًا.
كما أَن بدرًا تقع شمالي مكة، والمسافة بينها وبين مكة - بطرق القوافل القديمة التي سلكها المشركون - حوالي ٢٥٠ ميلًا.
أَما المسافة اليوم بين مكة وبدر - بطرق السيارات - فهي ٣٤٣ كيلو مترًا، والمسافة بين المدينة وبدر بهذا الطريق فهي ١٥٣ كيلو مترًا.
أَما المسافة بين بدر وساحل البحر الأَحمر الواقع غربيها فهي حوالي ثلاثين كيلو مترًا.
_________________
(١) عمدة الأخبار ص ٢٣٨.
[ ١ / ٢٥ ]
الفَصْل الأوّل مَا قبْل المَعْركة
• بدء الصراع بين الإسلام والوثنية في مكة.
• حرب الدعاية والتشويش والإيذاء ضد النبي ﷺ.
• قريش تنذر أبا طالب بحرب أهلية.
• أبو طالب يرفض الإنذار.
• فرض العزل المدني والحصار الاقتصادي علي بني هاشم وبني المطلب.
• فشل سياسة العزل والحصار.
قبل الدخول في تفاصيل هذه المعركة، لا بد من إلقاءِ نظرة عابرة علي الحوادث والتطورات الهامة التي سبقت هذه المعركة مما له علاقة بها ويعد بعضًا من أَسبابها.
لقد استمر الرسول - ﷺ - في منطقة مكة ثلاث عشرة سنة، وهو يدعو إِلى ربه مناضلًا ومجاهدًا من أَجل نشر العقيدة التي ألقى الله تعالى على عاتقه مهمة نشرها.
وقد كان جهاده (طيلة تلك السنين) جهادًا سلميًا بحتًا لم يشهر فيه سلاحًا. وكان خصوم دعوته من جانبهم (كذلك) يسلكون كافة السبل ويعملون بكل الوسائل لمقاومة دعوة الإِسلام وقطع تيار نورها عن أَقوامهم، (بالإِيذاءِ، بالتهديد، بالمقاطعة) إلا الحرب.
فقد اقتصرت قريش (أول الأمر) في مقاومتها لدعوة الإسلام،
[ ١ / ٢٧ ]
على استخدام وسائل الإعلام والنشر للتشويش علي صوت هذه الدعوة الكريمة لئلا يصل (أَو لكي يصل علي غير حقيقته) إلي الأَسماع.
ففي داخل مكة جندت قريش السفهاء، واستخدمت القاصين والشعراءِ ليقوموا بحملات السخرية والاستهزاءِ ضد النبي - ﷺ - ويشنوا عليه حرب أعصاب قاسية بغية إقلاقه ومضايقته والتضييق علي الذين اتبعوه رجاء أَن ينفضوا من حوله.
ولقد لاقت هذه الحملات من قريش نجاحًا كبيرًا في أَول الأَمر، حيث تمكنت من عزل الناس عن النبي - ﷺ - ودعوته عزلًا يكاد يكون تامًّا قال ابن هشام:
"إن أَشد ما لقى رسول الله - ﷺ - من قريش أَنه خرج يومًا فلم يلقه أَحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد فرجع - ﷺ - إلي منزله (مغتمًّا) فتدثر من شدة ما أصابه، فأَنزل الله تعالى عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، الآية".
تنظيم الحملات الدعائية ضد النبي ﷺ
أما في مجال الدعاية الخارجية (ونعني بها العمل علي صد غير القرشيين عن دعوة الإِسلام) فقد كان القرشيون (في هذا المجال) يقومون بأَعمال المقاومة على شكل وفود وبعثات تشويش وتضليل، وكانت أهم حركات تلك المقاومة، هي حركات تلك الجماعات المنظمة التي كانت قريش تشكلها كل عام عند اقتراب موسم الحج لبلبلة أَفكار الحجاج وتشويش أَذهانهم وتشكيكهم فيما يقوله النبي - ﷺ - ويدعو إِليه.
لقد فشلت قريش في إِيقاف تيار دعوة محمد - ﷺ - بالرغم من النجاح الذي أَحرزته ضدها أَول الأَمر - عن طريق حرب الاستهزاءِ
[ ١ / ٢٨ ]
والسخرية والاستعداءِ والتنفير التي كانت تقوم بها داخل مكة - فقد ظل النبي - ﷺ - ثابتًا علي دعوته لم يتزحزح.
فبدلا من أَن ينكمش نشاط دعوته ويتلاشي داخل مكة (كما كانت تطمع قريش) نقل هذا النشاط إِلي خارج النطاق القرشي، حيث أَخذ في الاتصال بوفود الحجيج من مختلف قبائل العرب التي كانت كلها يوم ذاك علي دين الوثنية، وصار يشرح لهم دعوته وأَهدافها ويدعوهم إلي اعتناق الإِسلام.
برلمان مكة يجتمع
وهنا اتسع نطاق دائرة الخطر بالنسبة لمركز قريش الروحي الممتاز بين العرب، فقد خافت قريش مغبَّة تزايد هذا النشاط النبوي بين وفود الحجيج، ولذلك سارع زعماءُ مكة إِلي الاجتماع في برلمان قريش (دار الندوة) للتشاور فيما يجب اتخاذه من وسائل فعالة يضعون بها حدًّا للنشاط المتزايد الذي يقوم به صاحب الدعوة الجديدة النبي محمد - ﷺ - مما اعتبروه خطرًا علي دينهم وشتمًا لآلهتهم.
وقد استعرض المجتمعون الموقف من جميع نواحيه وناقشوه مناقشة طويلة واستمعوا إِلي مختلف الحلول والاقتراحات التي تقدم بها بعض الرؤساءِ والقادة.
وكان أَول الخطباءِ في (برلمان مكة) الوليد بن المغيرة المخزومي الذي تحدث إلي المجتمعين قائلًا:
يا معشر قريش إِنه قد حضر هذا الموسم (يعني الحج) وإِن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأَمر صاحبكم هذا (يعني النبي - ﷺ -)، فأجمِعوا فيه رأْيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم
[ ١ / ٢٩ ]
بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا: فأَنت يا أَبا عبد شمس، فقال وأَقم لنا رأْيًا نقول به، قال .. بل أَنتم فقولوا أَسمع، وهنا تعاقب الخطباءُ للإِدلاء بآرائهم، فقال أحدهم .. نقول كاهن .. فقال الوليد .. لا والله ما هو بكاهن. لقد رأَينا الكهّان فما هو بزمزمة الكهان (١) ولا سجعه، فقالوا .. نقول مجنون .. قال: ما هو بمجنون، لقد رأَينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا .. فنقول شاعر، قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا .. فنقول ساحر، قال .. ما هو بساحر، لقد رأَينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا، فما نقول يا أبا عبد شمس؟؟ فقال لهم (في صراحة): والله إن لقوله لحلاوة، وإِن أَصله لعذق (٢)، وإِن فرعه لجناة، وما أَنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أَنه باطل، ثم قال لهم الوليد:
وإِن أقرب القول فيه لأَن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرءِ وأَبيه، وبين المرءِ وأخيه، وبين المرءِ وزوجته، وبين المرءِ وعشيرته، وقد وافق المجتمعون علي هذا الاقتراح الذي قدمه الوليد بن المغيرة بالإِجماع.
منظمات التشويش
وتنفيذًا لهذا الاقتراح نظمت قريش جماعات مخصوصة كَلفتها بالمرابطة في كل سبيل يمر به القادمون إلي الحج لتذكر لهم أَمر
_________________
(١) الزمزمة، الكلام الخفي الذي لا يسمع.
(٢) العذق (بفتح أوله) النخلة: يشبهه بالنخلة التي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جني.
[ ١ / ٣٠ ]
النبي - ﷺ - وأنه ساحر يفرق بين المرء وأبيه الخ، وتحذرهم الاستماع إليه والإصغاء لما يقول:
قال ابن إسحاق .. فجعل أُولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله - ﷺ - لمن لقوا من الناس. . وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله - ﷺ -، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
غير أن كل هذه المقاومة الدعائية أو الحرب الباردة (كما يسمونها اليوم) لم تستفد قريش منها شيئًا، فلم تفتَّ في عضد النبي - ﷺ - ولم توهن من عزمه كل المشاغبات والعراقيل والاتهامات الي قامت بها قريش لصد الناس عن الإسلام، والتأثير على حامل رسالته رجاء أن يتخاذل فيتخلى عن دعوته، بل ظل النبي الأعظم - ﷺ - صامدًا في وجه كل هذه الأحداث المتعبة، يواصل الدعوة إلى ربه صابرًا محتسبًا، غير آبه بكل ما يعترضه من عراقيل، فزاد أمره انتشارًا، وتزايد عدد الذين اتبعوه على دينه، مما ضاعف قلق قريش وزاد من حيرتها.
التهديد بالحرب الأهلية
ولما رأى قادة مكة أنهم قد فشلوا في حربهم الدعائية المنظمة التي شنوها على النبي - ﷺ - ودعوته، وتأكد لديهم تصميم الرسول على المضي في دعوته مهما كلفه الأمر، سلكوا سبيلًا آخر لإجبار النبي محمد - ﷺ - على التخلي عن دعوة الإسلام التي قامت على أساس هدم الوثنية التي هي دين القرشيين يوم ذاك سلكوا سبيل التهديد بالحرب أن لم يكف محمد - ﷺ - عن عيب آلهتهم ودعوة الناس إلى اعتزالها.
ولما كان أبو طالب (وهو عم النبي وكافله بعد جده عبد المطلب) بمثابة الحامي لرسول الله - ﷺ - والذائد عنه بين هذه القبائل الناقمة
[ ١ / ٣١ ]
عليه، فقد قررات قريش إرسال وفد إلى أبي طالب ليبلغه احتجاجها الشديد على ما يقوم به ابن أخيه النبي محمد - ﷺ - من عيب لآلهتها وتحقرها لأوثانها، وقد فوض برلمان مكة أعضاء هذا الوفد بأن يحذر عميد الأسرة الهاشمية (يوم ذاك أبا طالب) من حرب أهلية قد يندلع لهيبها إذا ما استمر ابن أخيه في دعوته القائمة على هدم الوثنية ونبذ الأصنام، واستمر هو (أي أبا طالب) في حمايته لابن أخيه وسكوته على ما يقوم بهه من نشاط معاد لدينهم.
وفد قريش عند أبي طالب
وفعلًا اجتمع وفد دار الندوة بعميد الأُسرة الهاشمية بمقره في نادى بني هاشم.
وعلي مسمع من أقطاب أسرة بنى عبد مناف تكلم رئيس الوفد وقال:
يا أبا طالب .. إن لك سنًّا وشرقًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"، أو كما قال له.
ولقد أثَّرت كلمات هذا الإنذار الشديد على أبي طالب تأثيرًا كبيرًا، ودب عند سماعها ضعف الشيخوخة في نفسه فكاد يرضخ للإنذار.
فقد بعث إلى رسول الله - ﷺ -، ولما حضر أبلغة خبر الوفد الذي جاء إليه بشأنه، وحدّثه عن الإنذار الشديد الذي تبلغه من قبائل قريش على لسان ذلك الوفد، ثم قال له طالبًا منه الكف عن عيب آلهتهم: "فأبْقِ علي وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أُطيق".
[ ١ / ٣٢ ]
وكان هذا كافيًا لأن يفهم النبي - ﷺ - أن عمه قد ضعف عن نصرته وفكر في التخلي عنه.
إلَّا أن النبي - ﷺ - أَمام هذا الحدث العظيم أعلن - دونما أي تردد أو تلجلج - بأنه غير مستعد للدخول في آية مساومة على حساب الإخلال بالأمانة العظمى التي كلفه الله بأدائها، حتى وإن تخلى عمه أبو طالب عن نصرته.
فقد قال لعمه (وفي عزم يدكُّ الجبال): "ويا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأَمر ما تركته"، ثم غادر المجلس.
أبو طالب يرفض الإنذار
غير أن هذه الكلمات النبوية كان وقعها على نفس أبي طالب أشد من وقع كلمات الإنذار الذي سمعه من وفد قريش، فلم يكد يسمع هذه الكلمات العظيمة من ابن أخيه النبي حتى عاد إليه صوابه، فقد نسى قريشًا وتناسى قوتها أمام تلك الكلمات النبوية الرائعة، ونادى ابن أخيه محمدًا - ﷺ - وكان قد ولَّى خارجًا؛ - فقال له .. أقبل يا ابن أَخي، فلما أَقبل عليه رسول الله - ﷺ - قال له:
"اذهب يا ابن أخي، فقال ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشئ أبدًا" وقد كان أبو طالب يعرف ماذا سيكون رد الفعل من جانب قريش إزاءَ تصريحه بحماية ابن أَخيه وعدم التخلى عنه، ولذلك فقد استدعى زعماءَ بني هـہاشم وبني المطلب، وأَبلغهم خطورة الموقف (بعد التصريح الذي أَدلي به وتحدثت به مكة كلها) وطلب منهم أن يكونوا بجانبه لحماية محمد من قريش، فاستجاب له جميع بني المطلب وبني هاشم
[ ١ / ٣٣ ]
(مسلمهم وكافرهم) إلا أبا لهب (عم النبي - ﷺ -) فإنه صارحهم العداوة ورفض الانضمام إليهم وانضم إلى خصومهم.
وبهذا التصريح الذي أدلى به أبو طالب وأَبلغه زعماءَ مكة رسميًا، دخل النزاع بين الوثانية والإسلام في طور جديد، وازدادات مخاوف قريش أَكثر من ذي قبل، لا سيما بعد موقف التحدي الذي وقفته لهما وزنهما الكبير بين القبائل المكية، سواءٌ كان ذلك في ميدان الحرب أو السياسة.
ولا شكَّ أن قريشًا قد فكرت في شن حرب دموية على قبيلتي بني الإسلام، ولكن عقلاءَ قريش خافوا مغبة هذه الحرب الأَهلية التي خوفهم منها دائمًا هو الذي كان يحول بينهم وبين الإقدام على قتل النبي الأَعظم.
ولذلك عدلوا هذه المرة (أيضًا) عن اتباع خطة الحرب الدموية لمقاومة دعوة الإسلام (ولو مؤقتًا) ولجأُوا (بدلا عنها) إلى حرب المقاطعة، وهي لا شك حرب قاسية لا تقل ضررًا عن الحرب الدامية، ففرضوا الحصار الاقتصادي على قبيلتي بني هاشم وبني المطلب، كما اتبعوا خطة عزل هاتين القبيلتين عن المجتمع القرشي عزلا تامًّا.
قريش تساوم الرسول شخصيًا
غير أن قريشًا قبل أن تقدم على تنفيذ مخطط الحصار الاقتصادى والعزل الاجتماعى، لجأَت إلى مساومة النبي - ﷺ - شخصيًا، لعله يقبل المساومة فتنتهى الخصومة.
[ ١ / ٣٤ ]
فقد تحدث مرة عتبة بن ربيعة في برلمان مكة واستعرض تزايد خطر الدعوة المحمدية بشدة إقبال الناس عليها وخاصة الشباب القرشي، وكان عتبة هذا من سادات بني عبد مناف وذوي الحلم والرأى فيهم وبعد مناقشات ومداولات وافق برلمان مكة (دار الندوة) على انتداب عتبة هذا شخصيًا، ليتصل بمحمد شخصيًا أيضًا فيساومه ويعرض عليه كل ما يمكن أن يرضيه من منصب أو جاه أو مال لقاءَ سكوته عن دعوته.
وفعلا تم الاجتماع الشخصي بين الزعيم القرشي (عتبة) والنبي محمد - ﷺ -، وفي هذا الاجتماع (الذي كاد يكون سريًا) قال عتبة لمحمد - ﷺ -:
يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأَمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفَّرت به من مضي من آبائهم، فاسمع مني أَعرض عليك أُمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله - ﷺ - قل يا أبا الوليد أسمع.
قال: يا ابن أَخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أَموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا حتى لانقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأْتيك رئيًا (١) تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا لك فيه أَموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع (٢) على الرجل حتى يداوي منه.
_________________
(١) الرئي (بفتح الراء وكسرها) ما يتراءي للإنسان من الجن.
(٢) التابع من يتبع الناس من الجن.
[ ١ / ٣٥ ]
فشل خطة المساومة
فلما انتهى عتبة بني ربيعة حديثه، قال له رسول الله - ﷺ -: أقد فرغت يا أبا الوليد؟؟ قال .. نعم قال - ﷺ - فاسمع مني، قال: أَفعل، فقال النبي - ﷺ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١)، ثم مضى - ﷺ - في تلاوة آيات هذه السورة. وعتبة يستمع إليه منصتًا وقد أَلقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، ولما وصل النبي - ﷺ - إلى السجدة منها قطع التلاوة ثم سجد لله تعالى، وبعدها قال لزعيم قريش ومندوبها (عتبة بن ربيعة) .. قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، وكان النبي - ﷺ - يعني أن جواب قريش على عروضها واقتراحاتها التي حملها عتبة هو ما سمعه عتبة من الآيات القرآنية التي تلاها عليه من سورة السجدة.
ولقد دهہش عتبة لبلاغة وروعة ما سمع حتى لقد ارتج عليه فلم يرد على النبي - ﷺ - بكلمة واحدة، بل بمجرد انتهاء الرسول - ﷺ - من تلاوة الآيات البينات على مسامع عتبة، انصرف هذا مأخوذًا إلى قومه، وقد تغيير رأيه في النبي - ﷺ - وتبدل موقفه من دعوته تبدلًا جذريًا.
وقد عرف زعماءُ مكة هذا التغير والتبدل في وجه عتبة لما أقبل عليهم، فقال بعضهم (بعد أن رأَى عتبة قادمًا): نحلف بالله، لقد جاءَكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
_________________
(١) سورة فصلت: آية ١ - ٣.
[ ١ / ٣٦ ]
وكان عتبة بن ربيعة من خيار القوم وذوي العقل الراجح، وكان مشهورًا ببعد النظر وأَصالة ألفكر وحسن السياسة وشدة الصراحة.
ولذلك فإنه لما جلس إلى زعماء مكة وقالوا (مستفسرين عن نتائج محادثاته مع الرسول - ﷺ -): ما وراءك يا أبا الوليد؟؟ قال:
ورائى أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا هو بالسحر، ولا بالكهانة، ثم قال ناصحًا قومه يا معشر قريش اطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل (يعني محمدًا - ﷺ -، وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكهـ ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا .. سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فاصنعوا ما بدا لكم.
وبدلا من أَن تستجيب قريش لنصيحة عتبة بن ربيعة اتهمته بأنه قد وقع تحت تأثير سحر محمد - ﷺ -، فقالوا له .. سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه .. فقال لهم عتبة (بلسان الواثق بما يقول) .. هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.
سياسة العزل الاجتماعي والمقاطعة الاقتصادية
ولما فشلت قريش في حمل النبي - ﷺ - على التخلي عن دعوته، ابن ربيعة في ذلك، كما فشلت من قبل في إقناع أَبي طالب وبني هاشم وبني المطلب بالتخلى عن رسول الله - ﷺ -، لجأت إلى تنفيذ مخطط الحرب الاقتصادية والاجتماعية ضد هاتين القبيلتين (بني هاشم وبني المطلب)، ففرضت عليهما حصارًا اقتصاديًا خانقًا وعزلًا اجتماعيًا قاسيًا.
[ ١ / ٣٧ ]
فقد اجتمعت في برلمانها للتشاور فيما يجب أن يتخذوه من خطوات حاسمة إزاء الانتصارات المتزايدة التي تسجلها دعوة النبي - ﷺ - يومًا بعد يوم، لا داخل مكة فحسب، بل وخارجها بين القبائل المجاورة، ومما زاد مركز قريش حرجًا أن أسلم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب، وهما رجلان تحسب لهما قريش حسابًا كبيرًا، وفعلا أحدث إسلامهما ثقلًا كبيرًا في كفة المسلمين الذين اشتد بهما جانبهم.
موافقة البرلمان على قرار المقاطعة
فإزاء هذا كله اتخذ برلمان مكة قرارًا يقضي بفرض الحصار الاقتصادي والعزل الاجتماعي على قبيلتي بني هاشم وبني المطلب، الشديد، فلم تخذل محمدًا بل ظلت بجانبه تحميه بالرغم من الأضرار الجسيمة التي نزلت بها نتيجة لذلك الحصار الشديد.
قال ابن إسحاق، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - ﷺ - قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم، أن يكتبوا كتابًا يتعاقدوا فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم.
فلما فعلت ذلك قريش انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب،
[ ١ / ٣٨ ]
فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب) إلى قريش فظاهرهم.
تطور النزاع بعد المقاطعة
وهكذا تطور النزاع بين الفريقين واتسع نطاقه، حيث لم يعد محمد - ﷺ - وحده في الميدان، بل وقفت إلى جانبه قبيلتان لا يستهان بهما من قبائل قريش.
ولقد اشتد الحصار على المسلمين ومن معهم من قبيلتي بني هاشم والمطلب، وتعنتت قريش في مقاطعتها الآثمة، حتى أقامت مخافر على الطرق المؤدية إلى الشعب الذي حوصر فيه المسلمون، لمراقبة ما قد يتسرب على أيدى بعض ذوي المروءات من طعام إلى المحصورين في الشعب، والدليل على ذلك أن أبا جهل بن هشام كان بنفسه يقوم (أحيانًا) بأعمال الدورية لهذا الغرض، فقد التقى أبو جهل مرة بحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، ولدي تفتيشه وجد غلامًا له يحمل شيئًا من القمح يريد إيصاله إلى عمته خديجة بنت خويلد (١)
_________________
(١) هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشية، أول زوجة تزوجها الرسول ﷺ وكانت (عند زواجها) تكبره بخمس عشرة سنة، قتل أبوها في حرب الفجار، وكانت قبل زواجها من النبي ﷺ قد تزوجت من أبي هالة بن زرارة التميمي فمات عنها، كانت (﵂) من أصحاب الأموال الكثيرة، وكانت ذات نشاط تجاري واسع، وكانت تستأجر ذوي النشاط للتجارة، وتدفع لهم رؤوس الأموال (مضاربة) وخاصة في رحلات مكة التجارية المشهورة إلى الشام، اتفقت مع النبي ﷺ - قبل البعثة - ليذهب في تجارة لها إلى الشام، فتوجه مع القافلة وتاجر باسمها في سوق بصرى في الشام، وعاد من رحلته تلك رابحًا، وكان (يوم ذاك) قد بلغ الخامسة والعشرين، وبعد عودته من الشام أرسلت إليه من يعرض عليه الزواج بها فقبل، وعند ذاك، أبلغت عمها (عمرو بن أسد بن عبد العزى) رغبتها فوافق مسرورًا، ثم تم عقد زواجها = ـ
[ ١ / ٣٩ ]
(زوجة رسول الله - ﷺ - والموجودة عنده في الشعب) فمنعه من ذلك وحاول مصادرة القمح.
دوام الحصار ثلاث سنوات
وقد دامت المقاطعة التي فرضتها قريش علي بني هاشم وبني المطلب ثلاث سنوات كاملة، عانى المحصورون فيها الحرمان ألوانًا، وبلغ بهم الضيق غايته، فلم يكن يتاح لهم الاتصال بالناس أو الاختلاط بهم، فتضرروا لذلك كثيرًا.
وقد كانت قريش تهدف من وراء سياسة التجويع والمقاطعة هذه إجبار قوم محمد (من بني هاشم وبني المطلب) على اعتزاله ليعود وحيدًا فلا يبقي له ولا لدعوته من خطر.
ولكن هذه السياسة الغاشمة لم تحقق لقريش شيئًا مما كانت تهدف إليه، فلم يردد محمد - ﷺ - إلا اعتصامًا بحبل الله وثباتًا على عقيدته، ولم يزدد الذين آمنوا به إلا تكتلًا والتفافًا حوله، وظل الذين لم يتابعوه على دينه من أهله بجانبه يحرسونه ويذودون عنه، ولم تؤثر على موقفهم سياسة التجويع والمقاطعة بأي حال من الأحوال.
أما بالنسبة لانتشار الإسلام، فإن تنفيذ مخطط الحصار الاقتصادى
_________________
(١) = على رسول الله - ﷺ - قبل النبوة - له ﷺ ذكرين هما القاسم (وكان يكفي به) وعبد الله (وهو الطاهر والطيب)، كما ولدت له أربع إناث وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة ﵂، ولما بعث رسول الله ﷺ كانت أول إنسان آمنت به، كانت (﵂) أعلى مثل للزوجة الصالحة الطيبة الحنون، فقد كانت ﵂ (بمعاملتها الحسنة وقلبها الطيب المشرق الكبير من أكبر مصادر تخفيف الآلام عن النبي ﷺ أيام اشتداد المحنة عليه في مكة قبل الهجرة، توفيت بمكة سنة ثلاث قبل الهجرة عن عمر دام ٦٤ سنة.
[ ١ / ٤٠ ]
والعزل الاجتماعي ضد النبي ومن ناصره وآمن به لم يكن له أثر فعال في منع هذا الدين من الانتشار، فقد ظلت الدعوة إلى الإسلام تشق طريقها وتسجل كل يوم نصرًا جديدًا، لا بين أهل مكة فحسب، بل بين كثير من قبائل العرب خارج مكة، فقد فشا ذكر الإِسلام في شبه الجزيرة العربية بأَكملها، مما حمل الكثير على السفر إلى مكة للتعرف على هذا الدين الذي جاء به من عند الله، ثم الدخول فيه بعد الاقتناع بصدقه.
إلغاء الحصار الآثم
ظل النبي - ﷺ - ومن تبعه على دينه ناصره من ليس علي دينه، ظلوا صامدين ثابتين أمام تعنت قريش وتعسفها، وتحدوا ذلك الحصار الآثم بشجاعة وثبات، بالرغم من أنهم كادوا أَن يهلكوا جوعًا لشدة ذلك الحصار الاقتصادي الخانق، لولا أَن بعض المروءَة والنجدة من مشركي مكة أَنفسهم، كانوا يقومون (في ظلام الليل) بتهريب بعض الأَطعمة الضرورية إِليهم داخل الشعب.
غير أَن العنت والتعسف والقسوة إِذا كانت قد بلغت من أَكثر زعماءِ مكة غايتها، فارتكبوا جريمة المقاطعة الاقتصادية والعزل الاجتماعى في حق إخوانهم وأَبناءِ عمومتهم وأَصهارهم من بني هاشم وبني المطلب، فإن ضمائر بعض هؤلاءِ الزعماءِ قد تيقظت فشعروا بفدح ما ارتكبہت قريش من ظلم وقسوة وتعسف.
فقد تذاكر هؤلاءِ الزعماءُ حول بشاعة الجريمة التي ارتكبتها قريش بحق المحصورين في الشعب، وتعاهدوا على إزالة معالم هذه الجريمة بالسعي الجدى لإِلغاءِ ذلك الحصار الآثم.
[ ١ / ٤١ ]
بل لقد بلغ بهم النبل إلى التعاهد على تحقيق هذا المطلب الشريف، حتى ولو أَدى بهم الأمر إلى أَن يمزقوا بأَيديهم صحيفة المقاطعة الظالمة المعلقة في جوف الكعبة.
النبلاء الخمسة
وكان الدين فكروا في هذا العمل النبيل ونفذوه في النهاية هم:
١ - هشام بن عمرو بن ربيعة العامري (١).
٢ - زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي (٢).
٣ - المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (٣).
(٤) - البختري بن هشام (٤).
٥ - زمعة بن الأَسود بن المطلب الأسدي (٥).
فقد عقد هؤلاء الخمسة النبلاءُ، اجتماعًا سريًا فيما بينهم (ليلا) في منطقة الحجون بأَعلى مكة، وتم الاتفاق فيما بينهم على تمزيق الصحيفة ليكون ذلك نهاية المقاطعة الآثمة.
_________________
(١) أسلم هذا الرجل النبيل (هشام بن عمرو) وحسن إسلامه، وقد أعطاه النبي ﷺ من غنائم معركة حنين خمسين من الإبل.
(٢) هو زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أسلم هذا الرجل النبيل بعد الفتح، وهو أخو أم سلمة (زوج النبي ﷺ).
(٣) مات مطعم هذا كافرًا على ما ذكر ابن حجر في الإصابة.
(٤) قتل هذا الرجل الشهم (أبو البختري) يوم بدر مشركًا، وقد كان النبي أمر الجند الإسلامي بعدم قتله اعترافًا له بالفضل لما له من موقف مشرف في إلغاء هذا الحصار الآثم، ولكن لأمر بريده الله قتله المجذر بن زياد البلوى بعد أن رفض أبو البختري إلا القتال.
(٥) قتل زمعة بن الأسود مشركًا يوم بدر، وقد كان هذا الشاب من أحب أبناء أبيه إليه:
[ ١ / ٤٢ ]
وقد رسموا لتنفيذ ذلك محكمة حيث اتفقوا على أن يقف زهير بن أَبي أُمية بين أَندية قريش في المسجد ويشجب ما تضمنته تلك الصحيفة من مقاطعة بنى هاشم وبنى عبد المطلب ويدعوا إِلى إِنهاء هذه المقاطعة، وإِذا ما عارضه أَحد من زعماء مكة سارع إِلى تأْييده بقية الخمسة حسب تكتيك منظم اتفاق عليه الخمسة في اجتماعهم السري بالحجون.
هذا أمر قضي بليل
ففي صبيحة تلك الليلة غدا كل من النبلاءِ الخمسة إِلى نادى قومه بالمسجد، وغدا زهير بن أَبي أُمية فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على أَندية قريش ونادى بصوت يسمعه الجميع:
يا أهل مكة، أَنأْكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع، ولا يبتاع منهم؟، والله لا أَقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة (١).
وهنا ثار أَبو جهل غاضبًا وصاح بزهير بن أَبي أُمية كذبہت والله لا تشق، فقاطع أَبا جهل (حسب الخطة المرسومة) زمعة بن الأسود قائلًا .. أَنت والله أَكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت، ثم ساند زمعة في قوله أبو البختري بن هشام قائلا صدق زمعة، لا نرضي ما كتب فيها ولا نقرّ به، ثم ساند الثلاثة في رأْيهم المطعم بن عدي فقال - معقبًا بالتأْييد على قول زمعة وأَبي البخترى - صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأُ إلى الله منها، ومما كتب فيها ولا نقر به.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٧٦.
[ ١ / ٤٣ ]
تمزيق الصحيفة وانتهاء المقاطعة
وهنا أَدرك أَبو جهل أَن الأَمر قد جاءَ بتدبير سابق، فقال كلمته المشهورة .. هذا أَمر قضي بليل .. كما أَنه أَيقن أنه من الصعب الحيلولة بين هؤلاءِ الزعماءِ الخمسة وبين ما اعتزموا تحقيقه من إنهاءِ المقاطعة، وأَن مقاومتهم قد تثير شرًّا وتشعل حربًا، فتراجع ولاذ بالصمت، وهنا تقدم المطعم بن عدي إلى صحيفة المقاطعة ليمزقها، ليكون ذلك إيذانًا بانتهاء المقاطعة الآثمة، فوجد الصحيفة قد أَكلتها الأَرضة إلا فاتحتها (باسمك اللهم). وبتمزيق الصحيفة وإِخراجها من جوف الكعبة أصبح الحصار الاقتصادى والعزل الاجتماعى (الذي فرضته قريش علي بنى هاشم وبنى المطلب) لاغيًا.
وبهذا خرج المسلمون ومَن ناصرهم من مشركى بنى هاشم وبنى المطلب منتصرين من محنتهم، وعادوا من الشعب إِلى مكة لم تنحن لهم هامة، يبيعون كما يشاؤون، وتنفست الدعوة الإِسلامية الصعداء من جديد وازداد نشاطها، وفشلت (نهائيًا) سياسة التجويع والتضييق والمقاطعة.
[ ١ / ٤٤ ]
الفصل الثاني
* التحول الخطير في الصراع.
* اللقاء الأول بين النبي والأنصار.
* بيعة العقبة الأولى.
* التحالف العسكري بين النبي والأنصار.
* قريش تنزعج وتحتج على هذا التحالف.
* هجرة المسلمين قبل النبي ﷺ إلى المدينة.
* برلمان مكة في جلسته التاريخية.
* إجماع قريش على قتل النبي ﷺ ومنعه من الهجرة.
* فشل المؤامرة ونجاح الهجرة.
لقد ظلت جل أَعمال المقاومة القرشية لدعوة الإسلام وحامل لوائها منذ بدأَت مقتصرة على حرب الدعاية والتضييق والإِعانات والمقاطعة، وكان كفار مكة يظنون أَن سلوك هذا السبيل كفيل وحده بأَن يحقق لهم ما يصبون إليه من تفرّق الناس عن النبي - ﷺ - وانفضاض أَتباعه من حوله، وتركه ودعوته وحيدًا في الميدان مما يحقق لها الظفر به والقضاء عليه منفردًا.
إِلا أَنه في أَواخر سنوات الصراع حدث تطور سياسي خطير، أَقضَّ مضاجع مشركى مكة، وأَثبت لهم خطأَ ظنهم وجعلهم يغيِّرون من
[ ١ / ٤٥ ]
نظرتهم إِلى المشكلة، وهذا التطور هو نجاح النبي - ﷺ - في الاتصال بأَهل يثرب وإِقناع الكثير منهم باعتناق الإِسلام، ثم إِقامة حلف عسكري بينهم وبين النبي - ﷺ - يہمنعونه بموجبه كمھايھمنعون أَنفسهم ونساءَهم وأَولادهم.
فقد كان من عادة النبي - ﷺ - أن يغتنم فرصة كل موسم من مواسم الحج فيعرض نفسه على قبائل العرب ويشرح لهم دعوته وأَهدافها، ويدعوهم إلى الإِسلام.
وأَثناءَ هذا العرض اتصل ببعض رجالات قبيلتى الأَوس والخزرج (١) من سكان يثرب، وهم من قبائل قحطان، وأَقوى القبائل العربية وأَمنعها في الجزيرة.
أَول لقاء بين النبي ﷺ والأَنصار
وكان أَول من لقى رسول الله - ﷺ - من أهل المدينة ستة نفر من شباب الخزرج، التقى بهم - ﷺ - في موسم الحج عند العقبة من منى، فقال لهم .. من أَنتم؟؟ .
قالوا .. نفر من الخزرج ..
قال .. أَمن موالى يهود؟؟ . أَى حلفاءِهم.
قالوا: نعم. قال: أَفلا تجلسون أَكلِّمكم؟ .
قالوا: بلى .. فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة دعوته، ودعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، فوقع قوله من نفوسهم موضع الرضى والقبول، واستبشروا به خيرًا.
_________________
(١) انظر ترجمة هاتين القبيلتين في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٤٦ ]
وكان هؤلاءِ الرهط من عقلاءِ يثرب التي أَنهكتها الحرب الأَهلية المستعر لهيبها بين الأَوس والخزرج، فأَمَّلوا أَن يضع الله بدعوته حدًّا للحرب الأَهلية المدمرة الناشبة في يثرب.
فقالوا للنبي - ﷺ - بعد أَن قبلوا ما عرض عليهم من الإِسلام -: إِنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أَن يجمعهم الله بك.
وأَبدوا استعدادهم للنبي - ﷺ - أَن يكونوا رسل دعوته إِلى أَهل يثرب قائلين:
فسنقدم عليهم، فندعوهم إِلى أَمرك، ونعرض عليهم الذي أَجبناك إِليه من هذا الدين، فإِن يجمعهم الله عليه فلا رجل أَعز منك، فكان هؤلاء النفر أول من أَسلم من الأَنصار.
وكان هذا اللقاءُ بين النبي وأَهل يثرب سنة ثلاث قبل الهجرة (على أَغلب الظن).
وبعد أن أسلم هؤلاء، حملوا إلى المدينة (ولأَول مرة) رسالة الإِسلام، وصاروا يبثونها (بكل جد وإِخلاص) بين قبائلهم في يثرب فلم يستدر العام إِلا وقد انتشر ذكر النبي في كل دار من دور أَهل المدينة.
وأَسماءِ رجال هذه الطليعة المباركة هم:
١ - أَسعد بن زرارة (من بنى النجار). (١)
_________________
(١) هو أَسعد بن زرارة بن عبدس بن عبيد، الأنصاري النجارى الخزرجى، كان طليعة الشباب اليثربى المسلم. شهد بيعة العقبة الأولى والثانية، وكان نقيبًا على قبيلته في بيعة العقبة الثانية (وهي المعاهدة العسكرية الأولى التي عقدت بين النبي ﷺ وبين الأنصار)، ولم يكن في نقباء الأنصار الإثنا عشر أصغر سنًّا من أسعد.
[ ١ / ٤٧ ]
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة (من بنى النجار) (١).
٣ - رافع مالك بن العجلان (من بنى زريق) (٢).
٤ - عقبة بن عامر بن حديدة (من بنى سلمة) (٣).
٥ - عقبة بن عامر بن نابى (من بنى حرام بن كعب) (٤).
٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب (من بنى عبيد بن غنم) (٥).
بيعة العقبة الأولى
وفي العام التالي للقاء الأَول بين النبي والطليعة المباركة (النفر الستة) الْتقى النبي - ﷺ - وفي موسم الحج - بإثنى عشر رجلا من
_________________
(١) = ابن زرارة، كان أسعد هذا، أول من بايع الرسول صلى الله عليه ومسلم ليلة العقبة، وكان ﵁ أول من صلى بالمسلمين الجمعة، وذلك في المدينة عندما جاء إليها داعيًا إلى الإسلام، قبل الهجرة، توفي أسعد ﵁ والمسلمون يبنون المسجد النبوي، كان أسعد وذكوان بن قيس أول من أدخل الإسلام إلى المدينة، وذلك أنهما (كما ذكر الواقدي) جاءا إلى مكة في حاجة لهما لدى عتبة بن ربيعة، فسمعا برسول الله ﷺ فأتياه، فلما عرض عليهما الإسلام أسلما، فعادا إلى المدينة، دون أن يتصلا بعتبة بن ربيعة وذلك (قبل بيعة العقبة الأولى).
(٢) استشهد عوف هذا في معركة بدر مع أخيه معوذ بعد أن شاركا في قتل الطاغية أبي جهل.
(٣) هو رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الخزرجي، وذكر ابن إسحاق أنه شهد بدرًا، وحكى ابن إسحاق أن رافع هذا كان أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وروى الزبير بن بكار أن النبي ﷺ لما لقى رافع بن مالك بالعقبة أعطاه ما نزل عليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع المدينة ثم جمع قومه، فقرأ عليهم في موضعه من المسجد، وأن مسجد بنى زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن لم أطلع على تاريخ وفاة رافع ﵁.
(٤) قطبة هذا كانت معه راية بنى سلمة يوم الفتح، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، توفى في خلافة عمر بن الحطاب، وقال ابن حبان ماتت في خلافه عيان.
(٥) انظر ترجمة عقبة هذا في كتابنا (غزوة أحد).
(٦) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٤٨ ]
الأَنصار عند العقبة، فيهم أَربعة من الستة الذين التقوا بالرسول - ﷺ -، في العام السابق، وهناك بايعوا رسول الله - ﷺ - بيعة النساء (كما يقول ابن إِسحاق) وهي أنهم التزموا بموجب هذه البيعة العمل بأَحكام الإِسلام من فعل الواجبات وترك المحرّمات، ولم يأْت ذكر في هذه البيعة للناحية العسكرية، لأَن هذه البيعة تمت قبل أَن يأْذن الله لنبيه بالقتال.
سفير النبي في المدينة
وبينما كانت قريش تشدد من ضغطها على النبي - ﷺ - وتضاعف من إِيذائها للضعفاءِ من أَتباعه، كان - ﷺ - يوثق من صلاته بأَهل يثرب ويوسع من نطاق اتصالاته بهم.
فبعد أَن تمت بيعة العقبة الأُولى، وانتهى موسم الحج بعث مع القوم الذين عقدوا معه هذه البيعة أَول سفير له في يثرب ليعلِّم المسلمين فيها شرائع الإِسلام ويفقههم في الدين، ويقوم بنشر الإِسلام بين الذين لا زالوا على الشرك ..
وقد اختار النبي - ﷺ - لهذه السفارة الشاب الصالح التقى الشجاع (مصعب بن عمير العبدرى) (١)، الذي كان من السابقين الأَولين إِلى الإِسلام من شباب قريش.
ولقد أَثبت الشاب مصعب أَنه خير سفير للإِسلام اعتمده، النبي - ﷺ - لدي أَهل يثرب، فقد قام بمهمته خير قيام، إِذ استطاع بدماثة خلقه وصفاءِ نفسه أَن يجمع كثيرا من أَهل يثرب على الإِسلام حتى إِن قبيلة من أَكبر قبائل يثرب (وهي قبيلة بنى عبد الأَشهل) قد أَسلمت جميعها على يده بقيادة رئيسها سعد بن معاذ.
_________________
(١) ستأتي ترجمته فيما يلي من هذا الكتاب.
[ ١ / ٤٩ ]
عودة السفير إلى مكة
وبعد أَن اطمأَن سفير الإِسلام الأَول (مصعب) إِلى نجاح الدعوة وشاهد مغتبطًا، سرعة انتشار دين الله بين تلك القبائل القحطانية العظيمة التي صارت فيما بعد أَعظم قوة حربية اعتمد عليها الإِسلام في عهده الأَول، وبعد أَن قضى هذا السفير النبوى بين أَهل يثرب تسعة أَشهر، عاد إِلى مكة يحمل إِلى رسول الله - ﷺ - بشائر الفوز، وقدم له تقريرًا ضافيًا عن النجاح الباهر المطَّرد الذي تلاقيه دعوة الإِسلام بين قبائل الأَوس والخزرج، وقص على النبي - ﷺ - خبر هذه القبائل، وما هي عليه من منعة وقوة .. فسر النبي - ﷺ - لهذا النصر العظيم الذي سجلته دعوة الإِسلام في يثرب على يد ذلك السفير الشاب التقى الصالح مصعب بن عمير.
معاهدة العقبة الثانية
وفي العام التالي للبيعة الأُولى (أَى سنة اثنين قبل الهجرة النبوية) حضر لأَداء مناسك الحج من أَهل يثرب ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأَتان ممن أسلموا. وقد جاءُوا ضمن حجاج قومهم من أهل الشرك.
وبمجرد وصولهم إِلى مكة، جرت الاتصالات (سرًّا) بينهم وبين النبي - ﷺ - وانتهت هذه الاتصالات بالاتفاق على أَن يجتمع الفريقان في اليوم الثاني من أَيام التشريق، على أَن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة وفي ظلام الليل، وقد حددوا مكانًا لهذا الاجتماع .. الشِّعب من منى عند العقبة حيث الجمرة الأُولى، أَو الشيطان الكبير (كما يسميه العامة اليوم).
وفي الميعاد المحدد من تلك الليلة، حضر النبي - ﷺ - إِلى الشعب عند العقبة وأَخذ الأَنصار يتوافدون على النبي، واحدًا بعد واحد (في
[ ١ / ٥٠ ]
ظلام الليل) خوفًا من أَن ينكشف أَمرهم لكفار مكة والمشركين من قومهم أهل يثرب.
ولنترك أَحد قادة الأَنصار يصف لنا كيف تم ذلك الاجتماع التاريخي الذي كان بداية التحول الخطير في تاريخ الصراع بين الإِسلام والوثنية .. وهو كعب بن مالك (١) ﵁:
قال كعب .. ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله - ﷺ - بالعقبة من أَوسط أَيام التشريق، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - ﷺ - لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام (٢)، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له .. يا أَبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أَشرافنا، وإنا نرغب بك عما أَنت فيه أَن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأَخبرناه بميعاد رسول الله - ﷺ - إيانا العقبة قال .. فأَسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا.
قال كعب، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحلنا لمعاد رسول الله - ﷺ -، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأَتان من نسائنا .. نسيبة بنت كعب، أُم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأَسماء بنت عمرو، وهي أُم منيع ..
فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - ﷺ - حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه -. إلا أنه أحب أَن يحضر أَمر أن يحضر أمر ابن أخيه ويوثق له، وكان أَول متكلم
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٤١.
[ ١ / ٥١ ]
بداية المحادثات وأول المتكلمين
وهكذا، وبعد أن تكامل المجلس شرع المجتمعون في المحادثات التمهيدية لإِبرام التحالف العسكري بين هذه النخبة الممتازة من صفوة الأَوس والخزرج وبين النبي - ﷺ -.
وكان أَول المتكلمين في هذا الاجتماع التاريخي العظيم العباس بن عبد المطلب ﵁، فقد وقف خطيبًا في القوم ليشرح لهم (بكل صراحة) خطورة ما هم مقدمون عليه، ويبين لهم (ليستوثق منهم - عظم المسئولية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة هذا التحالف العسكري، فقد قال لهم فيما رواه ابن إسحاق.
"يا معشر الخزرج - وكأن العرب إِنما يسمون هذا الحي من الأَنصار .. الخزرج - .. إن محمدًا منا حيث قد علمتهم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على رأْينا فيه (أي من ناحية الاختلاف في الدين) فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أَبى إِلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أَنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأَنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده".
وبعد أَن فرغ العباس من إِلقاءِ بيانه قال له اليثربيون (بلهجة تأكد العباس من صدقها): قد سمعنا ما قلت، ثم التفتوا إلى رسول الله - ﷺ - قائلين (في عزم وتصميم وشجاعة وإيمان):
فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، وبعد ذلك أَلقي الرسول - ﷺ - بيانه، ثم تم عقد التحالف بين الفريقين.
[ ١ / ٥٢ ]
معاهدة حماية
وقد كانت أهم بنود هذا التحالف من الناحية العسكرية، هو أن اليثربيين من الخزرج والأَوس، قد تعهدوا بحماية رسول الله - ﷺ - كما يحمون أَنفسهم ونساءهم وأَولادهم.
شرع في وضع بنود المعاهدة التي أراد - من هذه النخبة اليثربية المباركة المصادقة عليها قائلًا موجها خطابه إلى الأنصار:
"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأَبناءكم".
فأَخذ البراءُ بن معرور (١) بيد رسول الله - ﷺ - ثم قال .. نعم، والذي بعثك بالحق (نبيًّا) لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا (٢) فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أَبناءُ الحروب، وأهل الحلقة (٣) ورثناها كابرًا (عن كابن)، وبينما البراءُ بن معرور يتكلم مؤكدًا القيام بالتزام ما يفرض هذا الحلف من دفاع عن النبي - ﷺ -، اعترض أبو الهيثم بن التيهان (٤) قائلا:
يا رسول الله بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أَظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم الرسول - ﷺ - ثم قال:
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد):
(٢) أزرنا أي نساءنا، والمرأة قد يكفي عنها بالازار.
(٣) الحلقة (بفتح الحاء) السلاح.
(٤) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٥٣ ]
بل الدم الدم، والهدم الهدم (١). أَنا منكم وأَنتم منى، أُحارب من حاربتم وأُسالم من سالمتم.
وبعد أَن ارتضى الأَنصار (بالإجماع) شروط البيعة وأَرادوا الشروع في عقدها بالمصافحة طلب منهم العباس بن عبادة بن نضالة الأَنصاري (٢) قائلا (ليعرف مدى استعداد قومه للتضحية في سبيل تنفيذ ما عقدوا لرسول الله - ﷺ - من حلف ومبايعة):
يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ .
قالوا .. نعم
"قال .. إنكم تبايعونه على حرب الأَحمر والأَسود من الناس، فإن كنتم ترون أَنكم إذا أُنهكت أَموالكم مصيبة، وأَشرافكم قتلا أَسلمتموه، فمن الآن، فهو والله (إن فعلتم) خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أَنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة (٣) الأَموال وقتل الأَشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة".
قالوا. . فإنا نأْخذه علي مصيبة الأَموال، وقتل الأَشراف" ثم التفتوا إلى رسول الله - ﷺ - قائلين:
فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ .. قال .. الجنة، قالوا .. ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
_________________
(١) كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار:: دمي ودمك، وهدمي هدمك، وهي كلمة تعني أن ذمتي ذمتك وحرمتي حرمتك، قاله ابن قتيبة وابن هشام.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٣) نهكة الأموال: نقصها.
[ ١ / ٥٤ ]
معاهدة غير مكتوبة
والتبادل الثقة المطلقة بين الفريقين استعھاضوا (عن تسجيل هذه المعاهدة والتوقيع عليها كتابيًا) بالمبايعة بالأَيدى .. وكانوا يرون ذلك (لشدة إيمانهم ولسجية الوفاء المتأَصلة في نفوسهم الشريفة) أَعظم من إبرام المعاهدة كتابيًا، فقد بسط رسول الله - ﷺ - لهم يده الشريفة فبايعهم واحدًا واحدًا، وبهذا اعتبرت المعاهدة نافذة المفعول .. هذا من جانب الرجال .. أما الجناح النسوى في هذه الطليعة المباركة .. والذي تمثله امرأتان .. هما أُم عمارة، نسيبة بنت كعب المازنية، وأَسماء بنت عمرو، فلم يبايعن رسول الله - ﷺ - بالأَيدي لأَنه - ﷺ - ما صافح امرأة أجنبية حتى توفاه الله (١)، ولذلك كانت مبايعتهما بالموافقة التامة علي بنود المعاهدة.
النقباء الإِثنا عشر
وبعد أَن تمت المراسيم العامة للبيعة بالمصافحة من الجميع، طلب رسول الله - ﷺ - من المبايعين انتخاب اثنى عشر زعيمًا من زعمائهم ليكونوا نقباء على قومهم وكفلاء مسئولين عنهم في تنفيذ بنود هذه المعاهدة قائلا: أخرجوا إليَّ منكم اثنى عشر نقيبًا، ليكونوا علي قومهم بما فيهم فتم انتخابهم في الحال، وبعد أن قُدِّموا لرسول الله - ﷺ - أخذ عليهم النبي - ﷺ - العهد (كرؤساء مسئولين) قائلا:
_________________
(١) روى الواقدي أن زوج أم عمارة (عربة بن عمرو) قال - ساعة إبرام هذه المعاهدة - يا رسول الله هاتان امرأتان (أم عمارة وأم سبيع) حضرتا يبايعنك، فقال ﷺ: قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه، إني لا أصافح النساء.
[ ١ / ٥٥ ]
"أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيہسى ابن مريم، وأَنا كفيل علي قومي" -يعني المسلمين قالوا. نعم (١).
الجاسوس الذي اكتشف المعاهدة
وقد تم إبرام هذا الحلف العسكري في هدوء تام وانسجام كامل، غير أَن القوم ما كادوا يفرغون من إبرام هذا التحالف حتى اكتشفه أحد الشياطين الذين يعملون في مخابرات مشركى مكة، فقد كان هؤلاء الجواسيس يراقبون حركات محمد - ﷺ - لتزويد زعماء قريش بالمعلومات عن مدى نشاط دعوته، وخاصة في موسم الحج الذي يتزايد فيه نشاط النبي - ﷺ - بين قبائل العرب التي كان يتصل بزعمائها ويدعوهم وقومهم إلى الإِسلام.
ولما كان اكتشاف هذا الجاسوس لاجتماع الأَنصار بالنبي جاء متأَخرًا، بحيث لا يمكن إبلاغ زعماءِ قريش خبر هذا الاجتماع سرًّا ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، حيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأَخيرة من الاجتماع الذي كان على وشك الارفضاض .. لما كان الأَمر هكذا وقف هذا الجاسوس علي مرتفع يشرف على (منى) حيث يخيم الحجيج وصاح بأَعلى صوته يلفت نظر قريش إلى الخطر الذي يتهددهم قائلًا:
يا أَهل الجباجب (أي المنازل) .. هل لكم في مذمم (٢) والصباة (٣) معه قد اجتمعوا علي حربكم.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٤٦.
(٢) كان مجرمو كفار مكة يسمون النبي ﷺ مذمما.
(٣) الصباة جمع صابئ، وهو (الصابئ) بالهمزة، وكان يقال للرجل إذا أسلم (في زمن النبي - ﵇ -) صابئ.
[ ١ / ٥٦ ]
استعداد الأنصار لضرب قريش في منى
وعند سماع الأنصار صوت الجاسوس وهو ينبه قريشًا إلى ذلك الاجتماع في العقبة، قال أَحد زعماء الأَنصار (وهو العباس بن عبادة بن نضلة) وكان أَحد النقباء الإثنى عشر .. قال يخاطب النبي - ﷺ - والاجتماع على وشك الارفضاض -: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أَهل منى غدًا بأَسيافنا؟ .
إلا أن النبي - ﷺ - لم يوافق على فكرة هذا الهجوم قائلا للزعيم الأَنصاري البطل:
لم نؤمر بذلك ..
ثم سمح رسول الله - ﷺ - لطليعة يثرب المباركة بالانصراف إلى رحالهم.
فانصرف أَبطال العقبة إلى رحالهم في منى وقد أَرسوا قواعد النضال المسلَّح لحماية دعوة الإِسلام والدفاع عن حاملها، وبهذا كتبوا الفصل الأَول في تاريخ تحول مجرى الصراع بين الإِسلام والوثنية.
قريش تتقدم باحتجاجها على المبايعة
وفي صبيحة تلك الليلة التي تم فيها ذلك الحدث الخطير (بيعة العقبة) وعلى أَثر ما نقله إليها جاسوسها من خبر هذه البيعة، توجه وفد كبير من زعماء مكة وقادتها إلى مضارب أَهل يثرب في منى ليقدّموا احتجاجهم الشديد على ما تم من إِبرام هذا التحالف العسكري بين النبي - ﷺ - وأَهل يثرب.
فقد قالوا (في احتجاجهم هذا) .. يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا (يعني النبي - ﷺ -) تستخرجونه من بين
[ ١ / ٥٧ ]
أَظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أَبغض إلينا، أَن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
ولما كان مشركوالخزرج لا يعلمون شيئًا عن التحالف الذي تم بين الفئة المسلمة من قومهم وبين النبي - ﷺ - لأَنه تم في ظلام الليل وفي سرية تامة، انبرى هؤلاءِ المشركون من اليثربيين يحلفون بالله لقريش أَن شيئًا من هذا لم يتم.
حتى إن عبد الله بن أُبيّ بن سلول (١) (زعيم الخزرج) أَكد لقريش عدم حدوث شيء من هذا قائلا:
والله إن هذا الأَمر جسيم، ما كان قومى ليتفوتوا على بمثل هذا، وما علمته كان (٢).
وقد كان الذين قاموا بإبرام معاهدة العقبة حاضرين في نادى قومهم ساعة أن تقدم زعماء مكة باحتجاجهم إلى زعماء يثرب، وكان بعضهم ينظر إلى بعض وقد لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أَحد منهم بنفى أَو إثبات. لا سيما بعد أَن رأَوا زعماء قريش قد مالوا إلى تصديق شركاءِهم في الوثنية من زعماءِ يثرب.
تأكد خبر البيعة لدى قريش
وبعد أَن سمع زعماءُ مكة جواب قادة الخزرج على الاحتجاج الذي تقدموا به عادوا إلى منازلهم وهم على ما يشبه اليقين بأَن خبر هذه البيعة إنما هو من قبيل المبالغة، ولكنهم (مع هذا) بقى الشك عالقًا بنفوسهم حيال هذا الأَمر، فأَخذوا في التحري يتنطسون الخبر،
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٤٩.
[ ١ / ٥٨ ]
فوجدوا أن البيعة قد تمت فعلًا، فقامت قيامتهم فسارع فرسانهم إلى مطاردة اليثربيين علهم يظفرون بالذين أَبرموا تلك المعاهدة أَو بعضهم لينتقموا منهم، ولكن حركة المطاردة هذه جاءت بعد فوات الأَوان، حيث لم تقم قريش بها إلا بعد أن نفر الحجيج كل إلى وطنه إلا أَن المطاردين تمكنوا من إلقاء القبض على أحد سادات المسلمين اليثربيين الذين اشتركوا في إبرام هذه المعاهدة وهو (سيد الخزرج سعد بن عبادة) الذي عادوا به إلى مكة، والذي أَجاره فيما بعد رجلان هما: جبير بن مطعم (١) والحارث بن أُمية، ثم أُطلق سراحه.
أسماء الطليعة المباركة من الأنصار
وهنا يجدر بنا أَن نحلى جيد هذا الكتاب بذكر أَسماء الطليعة المباركة من الأَوس والخزرج الذين وضعوا بتحالفهم العسكري مع النبي أُسس النضال المسلح لحماية دعوة الإِسلام وحامل لوائها من عبث العابثين وطيش المستهترين، فصاروا بذلك (﵃ وأَرضاهم) طليعة القوات الرادعة التي أَدّب بها الإسلام (فيما بعد) الجبابرة ونكَّس أَعلام الطغيان والجبروت.
عدد أبطال معاهدة العقبة
لقد بلغ عدد أَبطال هذه المعاهدة العسكرية المباركة ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان .. منهم أَحد عشر رجلًا من الأَوس، واثنان وستون رجلًا وامرأَتان من الخزرج (٢). وأسماؤهم كما يلي:
_________________
(١) انظر ترجمتهما في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٥٩ ]
من شهدها من الأوس
أ - من بني عبد الأَشهل ثلاثة نفر، وهم:
١ - أسيد بن حضير (١).
٢ - أبو الهيثم بن التيهان (٢) (حليف لهم) من بلى.
٣ - سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة (٣).
ب- ومن بني حارثة ثلاثة نفر، وهم:
١ - ظهير بن رافع بن عدي (٤).
٢ - أَبو بردة بن نيار (٥) (حليف لهم) من قضاعة.
٣ - نهير بن الهيثم (٦).
ج- ومن بني عمرو بن عوف بن مالك، خمسة نفر.
١ - سعد بن خيثمة (٧).
٢ - رفاعة بن عبد المنذر (٨).
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد):
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد):
(٣) سلمة بن سلامة هذا شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول ﷺ كما شهد بيعة العقبة الأولى مع أسعد بن زرارة، كان من فضلاء الصحابة، ولاه عمر بن الخطاب اليمامة، ولما قال عبد الله بن أبيّ المنافق (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) قال ابن الخطاب لرسول الله ﷺ أبعث سلمة بن سلامة بن وقش يأتيك برأسه، مات سلمة سنة أربع وسبعين هـ.
(٤) شهد ظهير بدرًا مع رسول الله ﷺ:
(٥) شهد أبو بردة بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ مات في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين هـ بعد أن شهد مع علي بن أبي طالب كل حروبه ضد مناوئيه.
(٦) لم يشهد هذا الصحابي الجليل بدرًا:
(٧) تقدمت ترجمته في هذا الكتاب.
(٨) شهد رفاعة بدرًا وقتل شهيدًا في معركة خيبر، وهو أخو أبي بابة الصحابي الشهير.
[ ١ / ٦٠ ]
٣ - عبد الله بن جبير (١).
٤ - معن بن عدي بن الجد (حليف لهم) من بلى.
٥ - عويم بن ساعدة (٢).
عدد الذين شهدوا العقبة من الخزرج
أَ - من بنى النجار أَحد عشر رجلًا، وهم:
١ - أَبو أَيوب الأَنصاري .. خالد بن زيد بن كليب (٣)
٢ - معاذ بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء.
٣ - أَخوه عوف بن الحارث.
٤ - وأَخوه معوذ بن الحارث (٤).
_________________
(١) كان قائد الرفاة في معركة أحد، وقد قتل فيها شهيدًا.
(٢) انظر ترجمته كاملة في الإصابة.
(٣) هو الصحابي الجليل المشهور (بأبي أيوب الأنصاري) شهد بدرًا مع رسول ﷺ والمشاهد كلها، وكان بيته مقرًا لرسول الله ﷺ عند هجرته حيث نزل عليه وكان يسكن معه حتى تم بناء المسجد وبيته، آخي النبي ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير العبدرى، شهد الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، ولاه أمير المؤمنين (على) المدينة لما توجه إلى العراق، وشهد مع علي قتال الخوارج، ظل يواصل الجهاد، كانت آخر غزوة غزاها القسطنطينية في أيام معاوية، فقد جهز معاوية جيشًا عظيمًا بقيادة ابنه يزيد، وقد حاصر هذا الجيش القسطنطينية من البر والبحر، وكان فيه أبو أيوب ﵁، وقد مرض في هذه الغزوة، فجاءه قائد الجيش يزيد بن معاوية يعوده، ثم سأله ما حاجتك (يا أبا أيوب؟، قال: حاجتي، إذا أنا مت فاركب بي ما وجدت مساغًا في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني ثم ارجع، ففعل يزيد ذلك فدفن أبو أيوب في أرض الروم بالقرب من القسطنطينية (أسطنبول) وكان ذلك سنة خمس وخمسين هـ
(٤) هؤلاء الثلاثة الأبطال معاذ ومعوذ وعوف أبناء الحارث، هم المشهورون بأبناء عفراء، تقدمت ترجمة معوذ وعوف، أما معاذ فقد ذكر البعض أنه استشهد يوم بدر، ولم يذكره ابن سحاق في القتلى، أما عوف ومعوذ فقد استشهدا يوم بدر، بعد أن شاركا في قتل (أبي جهل).
[ ١ / ٦١ ]
٥ - عمارة بن حزم بن زيد.
٦ - أَسعد بن زرارة.
٧ - سهل بن عتيك.
٨ - أَوس بن ثابت بن المنذر.
٩ - أَبو طلحة، زيد بن سهل (١).
١٠ - قيس بن أَبي صعصعة (٢).
١١ - عمرو بن غزية بن عمرو.
ب - ومن بنى الحارث بن الخزرج سبعة نفر، وهم:
١ - سعد بن الربيع (٣).
٢ - خارجة بن زيد بن أَبي زهير (٤).
٣ - عبد الله بن رواحة.
٤ - بشير بن سعد بن ثعلبة.
٥ - عبد الله بن زيد بن ثعلبة.
٦ - خلاد بن سويد بن ثعلبة.
٧ - عقبة بن عمرو بن ثعلبة.
ج - ومن بنى بياضة بن عامر ثلاثة نفر، وهم:
١ - زياد بن لبيد بن ثعلبة.
٢ - فروة بن عمرو بن وذفة.
٣ - خالد بن قيبس بن مالك.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمته في الإصابة لابن حجر.
(٣) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٤) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٦٢ ]
د - ومن بني زريق بن عامر، أَربعة نفر، وهم:
١ - رافع بن مالك بن العجلان.
٢ - ذكوان بن عبد قيس بن خلدة (١).
٣ - عباد بن قيس بن عامر.
٤ - الحارث بن قيس بن خالد.
هـ - ومن بنى سلمة بن سعد أَحد عشر رجلا، وهم:
١ - البراء بن معرور (٢).
٢ - سنان بن صيفي بن صخر.
٣ - مسعود بن يزيد بن سبيع.
٤ - يزيد بن حرام بن سبيع.
٥ - جبار بن صخر بن أُمية.
٦ - الطفيل بن النعمان بن خنساء.
٧ - معقل بن المنذر بن سرح.
٨ - يزيد بن المنذر بن سرح.
٩ - الضحَّاك بن حارثة بن زيد.
١٠ - بشر بن البراء بن معرور.
١١ - الطفيل بن مالك بن خنساء.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) هو البر بن معرور بن صخر بن سابق بن سنان الخزرجي صحابي فاضل مشهور كان سيدًا من سادات الأنصار وكان من أعلمهم، وهو أول مسلم استقبل الكعبة حيًّا، توفي البراء بن معرور قبل قدوم النبي ﷺ إلى المدينة بشهر واحد، ولما وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرًا صلى على قبر البراء ﵁ وكبر أربعًا.
[ ١ / ٦٣ ]
و- ومن بني سواد بن غنم بن كعب رجل واحد، وهو:
١ - كعب بن مالك بن أَبي كعب.
ز - ومن بني غنم بن سواد خمسة نفر، وهم:
١ - سليم بن عمرو بن حديادة.
٢ - قطبة بن عامر بن حديدة.
٣ - يزيد بن عامر بن حديدة.
٤ - أَبو اليسر .. كعب بن عمرو.
٥ - صيفي بن سواد بن عباد.
خ - ومن بني نابي بن عمرو بن سواد خمسة نفر، وهم:
١ - ثعلبة بن غنمة بن عدي.
٢ - عمرو بن غنمة بن عدي.
٣ - عبسي بن عامر بن عدي.
٤ - عبد الله بن أَنيس (حليف لهم من قضاعة).
٥ - خالد بن عمرو بن عادي.
ط - ومن بني حرام بن كعب بن غنم سبعة نفر، وهم:
١ - عبد الله بن عمرو بن حرام (١).
٢ - جابر بن عبد الله (٢).
٣ - معاذ بن عمرو بن الجموح.
٤ - ثابت بن الجذع.
٥ - عمير بن الحارث بن ثعلبة.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٦٤ ]
٦ - خديج بن سلامة بن أَوس بن عمرو (حليف لهم من بلى).
٧ - معاد بن جبل بن عمرو بن أَوس (١).
ي - ومن بني عوف بن الخزرج أَربعة نفر، وهم:
١ - عبادة بن الصامت (٢).
٢ - العباس بن عبادة بن نضلة.
٣ - يزيد بن ثعلبة بن حزمة (أَبو عبد الرحمن).
٤ - من عمرو بن الحارث بن لبدة بن عمرو.
ك -ومن بني سالم بن غنم بن عوف رجلان، وهما:
١ - رفاعة بن عمرو بن زيد.
٢ - عقبة بن وهب بن كلدة (حليف لهم من غطفان).
_________________
(١) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب الأنصاري الخزرجى، الصحابي الجليل المشهور، كان الإمام المقدم في علم الحلال والحرام، قال أبو إدريس الخولانى كان أيضًا وضئ الوجه، وكان شابًّا سمحًا من خيرة شباب قومه، شهد المشاهد كلها مع الرسول ﷺ شهد بدرًا وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وقد أمره النبي ﷺ على اليمن، وعندما ولاه النبي ﷺ على اليمن كتب إليهم. إني بعثت إليكم خير أهلي، توفي رسول الله ﷺ ومعاذ باليمن وقدم المدينة في خلافة أبي بكر، مات بالطاعون في الشام سنة ١٤ هـ روى معاذ عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثًا.
(٢) هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس الأنصاري الخزرجي الصحابي المشهور، كان من القواد العسكريين في فتح مصر تحت أمره القائد عمرو بن العاص، وقد كان رئيس الوفد الذي أرسله ابن العاص للتفاوض مع المقوقس حاكم مصر (أيام الرومان)، وقد ولاه أبو عبيدة بن الجراح إمارة حمص بالشام، كان عبادة طويلا جسيما جميلا، ولهذا طلب المقوقس عدم التحدث إليه لأن نفسه قد امتلات خوفًا منه، مات عبادة بالرملة من فلسطين سنة ٣٤ وقبل سنة ٤٥ هـ.
[ ١ / ٦٥ ]
ل - ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان، وهما:
١ - سعد بن عبادة (١).
٢ - المنذر بن عمرو بن خنيس.
فهؤلاءِ هم ثلاثة وسبعون رجلًا (من الأَوس والخزرج) قاموا بإِبرام معاهدة العقبة مع النبي - ﷺ -.
المرأتان اللتان اشتركتا في المعاهدة
أَما المرأَتان اللتان اشتركتا في إِبرام معاهدة العقبة فهما من الخزرج وهما:
١ - نسيبة بنت كعب بن عمرو (وهي أُم عمارة).
٢ - أُم منيع، واسمها (أَسماءُ بنت عمرو بن عدي).
أسماء النقباء الإثنى عشر.
أَما النقباءِ الذين انتخبهم قومهم (من الأَوس والخزرج) ليكونوا كفلاءَ عليهم في تنفيذ هذه المعاهدة العسكرية (كما طلب الرسول ذلك) فهم إِثنا عشر .. تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأَوس، وهم:
نقباء الخزرج
١ - أَسعد بن زرارة.
٢ - سعد بن الربيع.
٣ - عبد الله بن رواحة.
٤ - رافع بن مالك العجلان.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٦٦ ]
٦ - عبد الله بن عمرو بن حرام.
٧ - عبادة بن الصامت.
٨ - سعد بن عبادة.
٩ - المنذر بن عمرو (١).
نقباء الأوس
١ - أُسيد بن حضير.
٢ - سعد بن خيثمة.
٣ - رفاعة بن عبد المنذر بن زبير (٢).
الحدث العظيم
وبعد هذا الحدث العظيم (قيام التحالف العسكري بين النبي وأَهل يثرب) أَخذ القلق يساور كفار مكة بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد أَمامهم الخطر الحقيقي العظيم الذي يتهدد كيانهم الوثني، نتيجة هذا التحالف العسكري.
فأَهل مكة يعلمون ما عليه قبائل الأَوس والخزرج من قوة ومنعة، وما بين هاتين القبيلتين من حروب أهلية متواصلة ضاق عقلاؤهما بها ذرعًا، وأَن ذلك مما قد ييسر لدعوة محمد الانتشار بينهم، لما في أُصولها من حث على حقن الدماءِ والدعوة إِلى التآخي ونبذ الأَحقاد،
_________________
(١) هو المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل مشهور، شهد بدرا، وكان أحد الشهداء الذين غدرت بهم قبائل عامر في نجد في بئر معونة، له حديث واحد رواه عن رسوله الله ﷺ.
(٢) هو رفاعة بن المنذر بن رفاعة بن زنبر، أخو أبي لبابة الصحابي الشهير، شهد رفاعة بدرًا واستشهد في معركة خيبر.
[ ١ / ٦٧ ]
الأَمر الذي لو نجحت فيه دعوة الإِسلام لكانت القاضية على سلطان مكة السياسي والديني والعسكري.
لذلك أَخذت قريش تفكر في الأَمر أَكثر من أَي وقت مضى لاتخاذ الخطوات العملية السريعة الحاسمة لقطع تيار نور دعوة الإِسلام نهائيًا.
ولذلك تعددت الاجتماعات في برلمان مكة للتباحث في هذا التطور الخطير الذي طرأَ على الدعوة الإِسلامية بسبب ذلك الدعم العسكري المخيف الذي حصل عليه حامل لواءِ هذه الدعوة من قبل قبائل الأَوس والخزرج في المدينة.
هجرة المسلمين قبل النبي - ﷺ -
وبينما كان المشركون المكيون من جانبهم يوالون الاجتماعات في برلمانهم لبحث الموقف الطارئ، وكان النبي - ﷺ - من جانبه غير غافل عما تفكر فيه قريش وترسمه من مخططات آثمة للقضاء عليه وعلى دعوته.
فبعد أَن تمركزت دعوة الإِسلام في يثرب ووجدت لها حماة أَقوياء عاهدوا الله على بذل الدم في سبيل الذود عنها والدفاع عن حاملها، سارع وأَصدر أَوامره إِلى أَصحابه المكيين بأَن يلتحقوا بيثرب ليدعموا الجبهة الجديدة التي أَراد الله أَن تكون (فيما بعد) القاعدة العسكرية الكبري التي استند عليها النبي - ﷺ - في كل حربه التي خاضها مع أَعداء الإِسلام.
فشرع أَصحاب النبي (من أَهل مكة) في مغادرة هذه المدينة المكرمة في اتجاه يثرب، وكانت هجرتهم، متفرقين فرادى، أَو في جماعات قليلة، وقد فعلوا ذلك (بموجب خطة سياسية حكيمة) القصد من
[ ١ / ٦٨ ]
اتباعها التعمية علي قريش ليلا تكتشف الهدف الذي يكمن وراء هذه الهجرة.
غير أَن قريشًا التي تنم عين استخباراتها عن مراقبة المسلمين
اكتشفت الأَمر، واتضح لها أن هجرة المسلمين إِلى يثرب تتم باستمرار وبانتظام وحسب خطة مرسومة ومن أَجل تحقيق غاية عسكرية تستهدف القضاءِ على الكيان الوثني في الدرجة الأُولى.
فقامت بعدة محاولات لمنع المسلمين من الهجرة إِلى المدينة، ولكن هذه المحاولات باءَت بالفشل إِذ لم تستطع أَن تمنع من الهجرة إِلا المستضعفين (وهم قلة) حبست البعض منهم وعذبت البعض الآخر، أَما بقية المسلمين فقد هاجر أَكثرهم دون أَن يقدر أَحد على منعه، ومن هؤلاءِ: عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير العبدري، وعثمان بن عفان، وغيرهم.
التطورات الخطيرة
لقد ظلت قريش تقاوم دعوة محمد - ﷺ - بمختلف الوسائل ثلاث عشرة سنة، فجربت كل أَساليب الإِرهاب والتهديد والمضايقة، وشنت على النبي وعلى دعوته حربًا دعائية واسعة منظمة، واتبعت ضده ومن ناصره سياسة التجويع والمقاطعة، وعذبت وحبست المستضعفين من أَتباعه وشنت عليهم حربًا نفسية مضنية، فقد كانت (بحق) مقاومة عنيفة مرهقة.
غير أَن هذه المقاومة بالرغم من عنفها وضراوتها لم تصل إلى إِعلان الحرب وإشهار السلاح.
[ ١ / ٦٩ ]
ولقد كان النبي - ﷺ - يتحمل وأَتباعه كل ما يلاقونه من قريش من عنت ومتاعب وويلات، فيمشي - ﷺ - قدمًا في نشر دعوته وإبلاغ رسالته في كل وسط يتسنى له الاتصال به.
إِلا أَنه في السنة الأَخيرة من هذا الكفاح السلمي حدثت من جانب مشركي مكة تطورات هامة غيرت مجرى النضال تغييرًا كليًّا.
القرار الظالم
فقد ضاق المشركون ذرعًا بمحمد ودعوته، بعد أَن أَثبتت لهم الأَيام فشل خططهم غير الحربية التي ساروا عليها لمقاومة دعوة الإِسلام والقضاء عليها في المهد، وشعروا بتفاقم الخطر الذي يهدد كيانهم الوثني، لا سيما بعد أَن قامت تلك الجبهة القوية المعادية لهم على أَثر التحالف العسكري الذي تم بين النبي - ﷺ - وأَهل يثرب، فصاروا يبحثون عن أَنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد حامل لواءِ دعوة الإِسلام محمد - ﷺ -.
ففي أَوائل شهر ربيع الأَول (وعلى رأْس السنة الثالثة عشرة) من بعثة الرسول الأَعظم - ﷺ - عقد برلمان مكة (دار الندوة) أَخطر اجتماع له في تاريخه.
جلسة تاريخية يعقدها برلمان مكة
فقد توافد إِلى برلمان مكة (في ذلك اليوم التاريخي) جميع نواب القبائل القرشية، وتدارسوا في هذا الاجتماع الخطير ما يجب اتخاذه من خطوات سريعة حاسمة، تكفل القضاءُ على حامل دعوة الإِسلام وتقطع تيار نور هذه الدعوة عن الوجود نهائيًا، ليكتب البقاءِ لوثنيتهم التي تأَكد لديهم أَن أَيام بقائها ستكون قليلة جدًّا، إذا لم يتم
[ ١ / ٧٠ ]
القضاءُ (سريعًا) على خصمها القوى (الإسلام) الذي شرع حامل لواءِه في إعداد العدة لسحقها وتطهير الأرض من رجسها.
وقد كانت الوجوه البارزة (في هذا الاجتماع الخطير) من نواب قبائل قريش:
١ - أبو جهل بن هشام عن قبيلة بني مخزوم.
٢ - جبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي عن قبيلة بني نوفل بن عبد مناف.
٣ - عتبة بن ربيعة، وشيبة أَخوه، وأَبو سفيان بن حرب .. عن قبيلة بني عبد شمس بن عبد مناف.
٤ - النضر بن الحارث بن كلدة (وهو الذي قتله النبي صبرًا في وادي الصفراء بعد معركة بدر) نائبًا عن بني عبد الدار.
٥ - أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، عن قبيلة بني أسد بن عبد العزى.
٦ - نبيه ومنبه أبناءِ الحجاج عن قبيلة بني سهم.
٧ - أُمية بن خلف .. (١) عن قبيلة بني جمح.
كما حضر نواب غيرهم عن جميع القبائل القرشية.
منع أهل تهامة من حضور الجلسة
وقد أمر رئيس البرلمان الحرس أن يمنعوا أهل تهامة (إلى منها يثرب) من حضور هذه الجلسة، لأَن هواهم (كما تقول قريش) مع النبي - ﷺ - وأمرهم بأَن يسمحوا بالدخول لغيرهم، وخاصة أهل
_________________
(١) أمية بن خلف هذا هو أحد زعماء مكة الذين قتلهم المسلمون في معركة بدر.
[ ١ / ٧١ ]
نجد، ويظهر أنه كان من عادة القرشيين أن يسمحوا لغير النواب بشهود جلسات المناقشة في برلمان مكة.
وبعد أَن تكامل نواب القبائل، دار النقاش بينهم طويلًا. وتقدم النواب بمختلف الإقتراحات والحلول، إلا أَن أكثر هذه الاقتراحات، رفضت من قبل النواب بأَكثرية ساحقة.
فقد تقدم أبو الأسود ربيعة بن عمرو (أحد نواب قبيلة بنى عامر بن لؤى) باقتراح يقضى بنفى النبي - ﷺ - وإخراجه من مكة، غير أَن هذا الاقتراح رفض في الحال، بعد أن انتقده أحد النواب وشرح ما في تنفيذه من خطر على مستقبل قريش قائلًا:
ما هذا لكم برأْي. أَلم تروا حسن حديثه (يعني النبي - ﷺ -) وحلاوة أَن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأَكم بهم في بلادكم، فيأْخذ أَمركم من أيدكم، ثم يفعل بكم ما أَراد، ثم اختتم ذلك النائب انتقاده لذلك الإقتراح قائلًا .. أَديروا فيه رأيًا غير هذا.
وهنا تقدم نائب آخر وهو أَبو البخترى بن هشام (أَحد نواب قبيلة بني أسد بن عبد العزي) باقتراح يقضي باعتقال النبي - ﷺ - وإيداعه الحبس قائلا:
أَحبسوه في الحديد، وأَغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أَشباهه من الشعراءِ الذين كانوا قبله، - زهيرًا والنابغة - ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم.
ولكن هذا الاقتراح (أيضًا) رفضه برلمان مكة بعد أَن شجبه أَحد النواب قائلًا:
[ ١ / ٧٢ ]
لا والله ما هذا لكم برأْي. والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أَمره من وراء الباب الذي أَغلقتم دونه إلى أَصحابه، فلأَوشكوا أَن يثبوا عليكم، فينزعوه من أَيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أَمركم، ما هذا لكم برأْي، فانظروا في غيره.
الإجماع على قتل النبي - ﷺ -
غير أَن برلمان مكة وافق في النهاية على اقتراح آثم تقدم به كبير مجرمي مكة أَبو جهل بن هشام (أَحد نواب قبيلة بنى مخزوم) يقضى هذا الاقتراح بقتل النبي - ﷺ -، على أَن تشترك في قتله جميع قبائل قريش لتكون كلها خصمًا لمن أَراد المطالبة بدمه فلا يجرؤ على ذلك.
فقد قال هذا الشيطان الطاغية (أَبو جهل) في اقتراحه:
والله إن لي فيه لرأَيا ما أَراكم وقعتم عليه بعد، قالوا وما هو يا أَبا الحكم؟؟
قال .. أَرى أَن نأَخذ من كل قبيلة في شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا فينًا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إِليه، فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل. جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل (أَي الدية) فعقلناه لهم.
فوافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، واعتمدت قريش هذا القرار الغاشم، وانصرف النواب من البرلمان وقد عقدوا العزم على تنفيذه فورًا.
تطويق منزل الرسول - ﷺ -
وبعد أَن أَتخذ برلمان مكة هذا القرار الظالم الغاشم، أَبلغ الله ﷾ نبيه ذلك، وأَمره بالهجرة إلى المدينة، قال ابن إسحاق
[ ١ / ٧٣ ]
فأَتى جبريل - ﵇ - رسول الله - ﷺ - فقال .. لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وفي تلك الليلة التي اتخذ في يومها برلمان مكة قراره ذالك قامت فصيلة تمثل جميع قبائل قريش بتطويق بيت النبي - ﷺ - بغية تنفيذ المؤامرة الفظيعة التي تستهدف حياة الرسول الأعظم - ﷺ -، الذي كان (فعلًا) موجودًا في منزله ساعة تطويقه بالفتيان المسلحين الذين أوكل إليهم القيام بقتله.
فشل المؤامرة ونجاح الهجرة:
وهكذا وقف الكفر على باب الإيمان ليطفئ شعلته إلى الأبد وليحرم العالم من موجات نوره الساطعة التي أخذت تتدفق لتضئ جنبات العالم المتوحلة في ظلمات الجهل والكفر والظلم والانحراف.
ووقف قادة الشرك مع جندهم الذين أحاطوا بمنزل الرسول - ﷺ -، ليشهدوا تنفيذ أبشع مؤامره دنيئة عرفها التاريخ من لدن آدم.
ووقف أبو جهل بالذات وقفة الزهو والخيلاء، وكأنه قد ضمن نجاح المؤامرة .. وقف مخاطبًا عصابته المحاصره للمنزل النبوي قائلا (في سخرية واستهزاء):
"إن محمدًا يزعم إنكم إن تابعتموه على أَمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان (الأردن)، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها".
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، وظل قادة مكة وجنودهم متيقظين في انتظار ساعة الصفر، ليفتكوا بالرسول الأعظم - ﷺ -، ولكن الله غالب على أَمره.
[ ١ / ٧٤ ]
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
فقد فشلت تلك المؤامرة الرهيبة، حيث نجَّى الله من شرها رسوله - ﷺ - الذي خرج على المتآمرين وهم ينظرون إليه ولا يبصرون. خرج عليهم واخترق صفوفهم وفي يده حفنة من التراب ذرها على رؤوسهم المشحونة بالكفر والطغيان، ذرها وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٢).
وقبل حلول ساعة الصفر بقليل: تجلت للكفر خيبة أمله، وظهرت للطغيان انهيار خططه، وعصفت رياح الحسرة بنفوس المتآمرين حينما آتاهم رجل ممن لم يكن معهم، وهم واقفون بباب منزل الرسول - ﷺ - ينتظرون دنو ساعة الصفر، فقال لهم: ما تنتظرون؟؟ .
قالوا .. محمدًا .. قال .. خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأْسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ .. فوضع كل رجل منهم يده على رأْسه فإذا عليه تراب.
ولكنهم كانوا على يقين بأن النبي - ﷺ - داخل المنزل، ولهذا فقد تزاحموا على باب منزل الرسول يتطلعون من شقوقه، فيرون عليا ﵁ (٣) علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله - ﷺ -، فيظنونه
_________________
(١) الأنفال: ٣٠.
(٢) يس: ٩.
(٣) روى ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما علم بعزم قريش على ألفتك به قال لعلي بن أبي طالب .. نم على فراشي وتسج ببردى هذا الحضرمي الأخضر، =
[ ١ / ٧٥ ]
رسول الله، فيقولون والله أن هذا لمحمد نائمًا عليه برده، فيظلون نهبًا للشك والتردد لا يقدمون على عمل حاسم (١)، حتى طلع عليهم الصباح، وإذا بعلي بن أبي طالب ﵁ ينهض من فراش الرسول - ﷺ -، وبهذا تبين لهم صدق ما قاله لهم ذلك الرجل الذي أخبرهم بخروج النبي عليهم من منزله.
وهنا تأَكد لكفار مكة أن النبي - ﷺ - قد أفلت (فعلًا) من قبضتهم فجن جنون الشرك لهذا الفشل الذريع الذي انتهت إليه مؤامراتهم الخبيثة.
ك يف نجحت الهجرة
ك ان النبي - ﷺ - قد اتصل بصاحبه الأكبر (أَبى بكر الصديق) ليتفقا على خطة يغادران بموجبها مكة إلى المدينة، وذلك بعد أن تبلغ النبي - ﷺ - ذلك القرار الغاشم الذي اتخذه برلمان مكة ضده.
فقد ذهب - ﷺ - إلى بيت الصديق لهذا الغرض، ولما كانت عملية الهجرة (بالنسبة للنبي - ﷺ -) تعد مغامرة خطيرة فقد أحيطت بالكتمان الشديد، حتى إِن النبي - ﷺ - لما وصل إِلى منزل صاحبه الصديق للتشاور معه في وضع الخطة، طلب مسند أن يأْمر كل من عنده بالخروج لئلا يتسرب شيء مما يدور بينهما حول هذا الموضوع الخطير.
_________________
(١) = فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام.
(٢) لقد حاول المحاصرون لمنزل الرسول التسور لقتله داخل المنزل فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض، والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، فذاك الذي جعلهم يؤجلون تنفيذ قتل الرسول حتى أصبحوا ينتظرون خروجه، ثم طمست أبصارهم فلم يروه حين خرج. هكذا جاء في الروض الأنف للسهيلي.
[ ١ / ٧٦ ]
قال ابن إسحاق فيما رواه عن عائشة ﵂ أَنها قالت .. كان لا يخطيء رسہول الله - ﷺ - أَن يأْتي بيت أَبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإِما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أَذن فيه لرسول الله - ﷺ - في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أَتانا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، في ساعة كان لا يأَتى فيها، قالت .. فلما رآه أَبو بكر قال .. ما جاءَ رسول الله - ﷺ - هذه الساعة إلا لأَمر حدث، قالت .. فلما دخل، تأْخر له أَبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله - ﷺ -، وليس عند أبي بكر إلا أَنا وأُختي اسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -:
أخرج عني من عندك، فقال يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أَبي وأُمي.
فقال - ﷺ - .. إن الله قد أَذن لي في الخروج والهجرة، قالت .. فقال أَبو بكر:
الصحبة يا رسول الله، قال - ﷺ - .. الصحبة.
قالت عائشة .. فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم إن أَحدًا يبكى من الفرح، حتى رأَيت أَبا بكر يبكي يومئذ ثم قال يا نبي الله، أَن هاتين راحلتان قد كنت أَعددتهما لهذا، فاستأَجرا عبد الله بن أَرقط - رجلا من بنى الدؤل بن بكر وكان مشركًا - يدلهما علي الطريق فدفعًا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما (١).
ك يف خرج النبي - ﷺ - من مكة
وفي تلك الليلة التاريخية التي كانت بداية التحول الخطير في تاريخ الإسلام، بل الإنسانية كلها، وبينما كانت قريش (بزعمائها
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٨٤.
[ ١ / ٧٧ ]
وقادتها) تحيط بمنزل الرسول الأَعظم - ﷺ - في انتظار الصباح للفتك به (١) - تنفيذًا للقرار الذي اتخذه برلمان قريش - كان محمد - ﷺ - وصاحبه الصديق يغادران منزل الأَخير من باب خلفى ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أَن يطلع الفجر.
الاختفاء في الغار
ولما كان النبي - ﷺ - يعلم أَن قريشًا ستجدُّ في طلبه بمجرد علمها باختفائه من مكة، ولما كان يعلم (كذلك) أَن الطريق الذي ستتجه إليه الأَنظار (لأَول وهلة) ليكون تحت مراقبة المطاردين، هو طريق المدينة الرئيسي والمتجه شمالًا، فقد سلك طريقًا، من المستبعد أَن تفكر قريش في مراقبته (وخاصة في المرحلة الأُولى من البحث) وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن.
وقد نجح النبي - ﷺ - في التعمية على كفار مكة، حيث تمكن من قطع مسافة كبيرة خارج مكة دون أَن يعرف أَحد من أَعدائه إلى أين اتجه.
ومع نجاح هذه الخطة في مرحلتها الأُولى فإن النبي - ﷺ - قد أَدخل في حسابه إمكان تطور عملية البحث والمطاردة واتساع نطاقها بحيث تشمل المنطقة إلى سلكها في هجرته فتصبح تحت المراقبة.
ولهذا قرر النبي - ﷺ - صبيحة تلك الليلة التاريخية التوقف (مؤقتًا) عن مواصلة السير حتى يسكن الناس وتهدأَ ثائرة زعماءِ مكة، واتفق
_________________
(١) ذكرنا فيما مضي أن قريشا أخرت ميعاد الفتك بالنبي حتى الصباح على أَثر صياح المرأَة من داخل المنزل عندما رأَت كفار مكة مهمون بتسور المنزل.
[ ١ / ٧٨ ]
مع صاحبه الصدِّيق على أَن يختفيا في غار يقع في جبل جنوب مكة واسمه (ثور).
المطاردة
أَما قريش فقد طار صوابها وأُسقط في أَيديها حينما تأَكد لديها إفلات الرسول - ﷺ - من قبضتها ونجاته من شر مؤامرتها.
فقد تجسد أَمام زعمائها الخطر الجسيم الذي يتهدد كيانها الوثني نتيجة إفلات النبي محمد من قبضتها، فقد كان إصرارها على الفتك بالنبي لا يستهدف قتل شخصه بقدر ما يستهدف قتل دعوته، ولهذا فهي تعلم أَن وصوله إلى يثرب سالمًا يعني أَن جبهة مسلحة قوية منظمة ستقف ضدها في جانب الإسلام بقيادة النبي في المدينة، الأَمر الذي يعرض تجارتها بين مكة والشام للخطر الشديد، ويجعل مكة نفسها معرضة لغزو مسلح قد تقوم به المدينة فيعصف بكيان قريش الوثني.
لذلك سارع زعماءُ مكة إلى عقد جلسة طارئة مستعجلة لاتخاذ الخطوات الفعالة الحاسمة لمنع الرسول من الوصول إلى يثرب بأَية وسيلة ممكنة.
وبسرعة قرر برلمان مكة بالإجماع وضع جميع الطرق النافذة من مكة (من جميع الجهات) تحت المراقبة المسلحة الشديدة (وخاصة الطرق المؤدية إلى المدينة رأَسًا) لمنع الرسول وصاحبه من الهجرة واعتقالهما.
مائة ناقة مكافاة
كما وافق برلمان مكة على إعطاء مكافأَة ضخمة قدرها مائة ناقة لمن يلقى القبض على النبي - ﷺ - ويعيده إلى قريش حيًّا أَو ميتًا.
[ ١ / ٧٩ ]
وقد أَعلنت مكة ذلك على الجمهور، وهنا تجندت مكة بأْكملها للبحث عن النبي - ﷺ - وصاحبه، فانتشر فرسانها ومشاتها وقصَّاصوا الأَثر في الشعاب والوهاد والجبال والوديان يفتشون عن النبي - ﷺ -، ﵁، وكان التفتيش دقيقًا للغاية.
يفتشون بيت الصديق
وكان أَبو جهل أَشد زعماء مكة هياجًا وأَكثرهم امتلاء بالغيظ لنجاة الرسول - ﷺ - من شر مؤامرتهم الخبيثة، فقد ذهب هذا الحاقد (في نفر من زعماء مكة) إلى بيت أَبي بكر الصديق لتفتيشه بحثًا عن الرسول - ﷺ -، ولما وقفوا على الباب خرجت إليهم أسماء بنت أَبي بكر الصديق، فقالوا لها:
أَين أَبوك يا ابنة أَبي بكر؟ فقالت لهم لا أَدري.
وهنا رفع أَبو جهل المجرم يده وكان (كما قال ابن إسحاق) فاحشًا خبيثًا، فلطم خدّها حتى سقط منه قرطها من شدة اللطمة.
المطاردون على باب الغار
واستمر التفتيش عن النبي - ﷺ -: وصاحبه الصديق ثلاثة أَيام متوالية، ولكن دونما جدوى، إذ لم يعثروا له على أَي أَثر، فقد ظل - ﷺ - طيلة هذه الأَيام الثلاث مختفيًا مع صاحبه في الغار الذي لم تسلم منطقته من تفتيش قريش الدقيق، فقد وصل الطاردون في بحثهم إلى باب الغار الذي يمكن فيه محمد - ﷺ - وصاحبه وكادوا يكتشفونهما لولا عناية الله ﷾.
[ ١ / ٨٠ ]
اللحظة الحرجة في تاريخ الإنسانية
فهناك (وعلى مقربة من الغار) سأل كفار مكة أحد الرعاة فيما إذا كان رأى محمدًا - ﷺ - وصاحبه، فكان جوابه إنه لم ير أَحدًا، ولكنه من المحتمل أَن يكونا في هذا الغار وأشار إلى غار ثور.
وهنا توقفت نبضات التاريخ، ووقفت الإنسانية المعذبة على مفترق الطرق، فإما إلى الارتكاس في حمأْة البغي والظلم والفساد من جديد، وإما إلى التخلص من ذلك وفتح صفحة جديدة مشرقة على يد الرجل الذي يكمن في الغار وجاءت قريش تطلب رأْسه.
إن الله معنا
ففي تلك اللحظات التي تقرر فيها مصير العالم بأجمعه، تسلق بعض المطاردين القرشيين الصخور ناحية الغار على أَثر سماع ما قاله الراعي، ليقوموا بتفتيش هذا الغار بحثًا عن النبي وصاحبه، وكان أبو بكر الصديق (الذي قد سمع حديث الراعي وشعر باقتراب فتيان قريش من الغار) يتصبب عرقًا من الخوف، واقترب من الرسول الأعظم - ﷺ - ليقول له هامسًا (في خوف وفزع): "لو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لأبصرنا. ولكن الرسول الأعظم أجاب الصديق في طمأْنينة النبي الواثق من صدق وعد ربه قائلًا: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟؟
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه .. فقد رجع القرشيون الذين تسلقوا الصخور دون أن يدخلوا الغار، بعد أن وقفوا على بابه، ولم يبق بينهم وبين الوصول إلى النبي إلا عدة خطوات قليلة.
[ ١ / ٨١ ]
ولما رجعوا هكذا سألهم أصحابهم لماذا لم ينظروا في الغار وقد وصلوا إلى مدخله؟؟ فكان جوابهم:
إن على بابه العنكبوت قبل أن يولد محمد، وقد رأَينا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفنا أن ليس به أحد.
فاقتنع قادة المطاردين بخلو الغار من النبي وصاحبه، فعادوا أدراجهم إلى مكة وقد ملوا من البحث ويئسوا من العثور على النبي - ﷺ - وصاحبه.
وهنا تنفست الإنسانية المبهورة الصعداء من جديد، وكتب الله لها أن تسعد فترة من الزمن على يد الذي كان مختفيًا في الغار مع صاحبه والذي نجَّاه الله من شر أعدائه.
أيام الغار الثلاث
وكان النبي - ﷺ - طيلة اختفائه وصاحبه في الغار لا يعلم بهما أحد سوى عبد الله بن أبي بكر (١) وعامر بن فهيرة مولى (٢) أَبى بكر ﵁.
وكان النبي (ضمن الخطة المرسومة للهجرة) قد كلّف عبد الله بن أبي بكر أَن يقوم بأعمال الاستخبارات، فيكون عينًا على قريش،
_________________
(١) هاجر عبد الله هذا بعد أبيه بعيال أبي بكر جميعًا، في صحبة طلحة بن عبيد الله، وكان عند الهجرة شابًّا صغيرًا، ولم يذكر المؤرخون أنه شهد شيئًا من المعارك مع رسول الله ﷺ سوى فتح مكة وحنين وحصار الطائف، وقد أصيب بسهم فمات منه بعد مدة طويلة في خلافة أبيه، وبعد موت رسول الله ﷺ بأربعين يومًا.
(٢) كان عامر بن فهيرة من السابقين الأولين في الإسلام، وكان ممن نالهم التعذيب الشديد على أيدي زبانية قريش، وكان عامر مول للأزد فاشتراه أبو بكر من الطفيل بن عبد الله بن سخبرة ثم أعتقه، لم أطلع على تاريخ وفاته.
[ ١ / ٨٢ ]
فيسمع ما يقولون، ويراقب ما يفعلون طيلة الأَيام الثلاث، ثم ينقل كل ذلك إِلى النبي وصاحبه في الغار.
فكان يقضي سحابة نهاره مع المشركين في مكة يراقب ما يقولون ويفعلون، فإِذا حلّ المساءُ ذهب إلى الغار ليبلغ الرسول وصاحبه كل ما سمع ورأى بشأنهما.
أما عامر بن فهيرة (مولى الصدّيق) فقد أَوكلت إليه مهمة تموين النبي وصاحبه (طيلة اختفائهما في الغار) بالإِضافة إلى القيام بأعمال تضييع معالم آثار أقدام عبد الله بن أبي بكر الذي يذهب إلى الغار ويعود منه يوميًا.
فقد كان عامر بن فهيرة (حسب الخطة المرسومة) يقضى سحابة نهاره يرعي الغنم مع رعيان مكة، فإذا أمسى راح على رسول الله - ﷺ - وصاحبه في الغار، فيحلبان ويذبحان، وفي الوقت نفسه يتبع أثر عبد الله بن أبي بكر عند ذهابه إلى الغار فيُعفِّي عليه بآثار الغنم، وكذلك يفعل عند ما يعود عبد الله من الغار إلى مكة، وذلك لئلا تكتشف قريش أثر عبد الله فتستدل به علي وجود النبي وصاحبه في الغار، أَما آثار الغنم وراعيها فلا يلفت النظر في تلك المنطقة، لأَنه أمر عادي.
النبي يستأنف سيره إلى يثرب
وهكذا، وبعد أَن استمرت المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام دونما جدوي، يئست قريش من العثور علي الرسول - ﷺ - وصاحبه، فهدأت ثائرتها، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش نهائيًا.
وإذ ذاك غادر الرسول - ﷺ - وصاحبه الغار، واستأْنفا سيرهما
[ ١ / ٨٣ ]
إلى المدينة، فقد قدمت لهما راحلتاهما، فامتطى كل منهما بعيره ثم ارتحلا يقدمهما دليلهما المشرك عبد الله بن أُريقط (١)، ومعهما مولى أبي بكر الصديق عامر بن فهيرة. وقبل الرحيل حضرت إِليهما أَسماء بنت أبي بكر الصديق (٢) لزاد أَعدته لهذه الرحلة الطويلة الخطيرة.
ذات النطاقين
وعندما أرادت أَسماءُ أَن تعلِّق الزاد بشداد الجمل لم تجد حبلًا تعلِّقه به، فشقَّت نطاقها (وهو ما تشد به المرأَة وسطها) اثنين فانتطقت بأَحد الشقين وعلَّقت الزاد بالشق الآخر، ولذلك سمِّيت أَسماءُ ﵂ فيما بعد بذات النطاقين.
قال ابن إسحاق: فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر، ذات
_________________
(١) عبد الله بن أريقط، ويقال (ابن الأرقط) قال ابن حجر في الإصابة ولم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في التجريد، وقد جزم عبد الغنى المقدسي في السيرة بأنه لم يعرف له أسلامًا وتبعه النووي في التهذيب.
(٢) أسماء بنت أبي بكر من أجل نساء المسلمين وأرفعهن شأنًا وأرجحهن عقلا: كانت من السابقين الأولين في الإسلام، أسلمت بعد سبعة عشر نفرًا، تزوجها الزبير بن العوام قبل الهجرة بمكة، فهاجرت وهي حامل منه بولده عبد الله الفارس المشهور الذي ولدته في المدينة عقيب وصولها المدينة، وقد عاشت إلى أيام تولى ابنها الخلافة، ثم توفاها الله بعد استشهاد ابنها عبد الله بقليل، كانت ﵂ قوية القلب ثابتة الجنان تتمتع بأنفة إسلامية رائعة، دخلت مرة على الحجاج بن يوسف وكان هو الذي صلب ابنها عبد الله بالحجون من مكة، فسمعها تقول عندما وقفت عند الخشبة إلى صلب عليها ابنها (أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟؟) تعنى ابنها عبد الله المصلوب، فقال لها الحجاج: المنافق (يعني ابنها عبد الله) فقالت لا والله ما كان منافقًا وقد كان صوامًا قوامًا، قال اذهبي فإنك عجوز قد خرفت: .. قالت .. لا والله ماخرفت، ثم قالت له أسمعت رسول الله ﷺ يقول يخرج في ثقيف ومبير. أما الكذاب فقد رأيناه (تعنى المختار بن أبي عبيد) وأما المبير فأنت هو. بلغت أسماء مائة سنة، لم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل.
[ ١ / ٨٤ ]
النطاقين لذلك .. وقال ابن هشام: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول (أَى لأَسماء) ذات النطاقين، وتفسيره .. أنها لما أرادت أَن تعلّق السَّفرة شقَّت نطاقها باثنين، فعلَّقت السِّفرة بواحد، وانتطقت بالآخر ..
الطريق إلى المدينة
وزيادة في الحذر وإمعانا في التعمية على قريش سلك الدليل بالرسول - ﷺ - طريقًا مهجورًا لم يأْلفه الناس، كما أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، زيادة في التعمية على العدو، وحتى إذا ما ابتعد عن منطقة مكة اتجه غربًا نحو الساحل، ولما وصل الرسول وصاحبه إلى مكان في غير الطريق الذي أَلف الناس، اتجه بهما دليلهما شمالًا على مقربة من شاطئ البحر، متخذًا من السبل ما لم يطرقه أَحد إلا نادرًا، وكان هذا دأْبه حتى وصل النبي - ﷺ - قرية قباء من ضواحي المدينة.
الفارس المطارد سراقة بن مالك
وبالرغم من اجتياز النبي - ﷺ - وصاحبه منطقة الخطر الكبير، إلا أَنهما ظلا متيقظين للطوارئ، طيلة سيرهما، لاسيما وأن مكة قد جعلت مكافأَة ضخمة (مائة ناقة) لمن يأْتي إليها بالنبي حيًّا أو ميتًا الأمر الذي قد يحمل بعض الفتيان من فرسان مكة على تعقبهما بغية الظفر بهما لينال هذه المكافأة الكبيرة.
وفعلًا كان الأمر كذلك، ذلك أَنه بينما كان سراقة بن مالك
[ ١ / ٨٥ ]
ابن جعشم (١) جالسًا في نادى قومه بمكة - وقد سكن الناس وتوقف البحث عن النبي - ﷺ - إذ وقف رجل على القوم في ناديهم وقال: والله لقد رأَيت ركبة ثلاثة مروا على آنفًا، إِني لأَراهم محمدًا وأصحابه.
وهنا أَشار سراقة بعينه إلى الرجل أن اسكت، ثم قال سراقة - ليضلل الحاضرين ويفوز هو بالمكافأَة الضخمة - إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، وبعد أن تغيَّر الحديث في النادى انسحب سراقة بن مالك، وذهب إلى بيته في الحال فأَمر بفرسه فأْسرج له، ثم أمر أَحد مواليه بأَن يربطه له في الوادي في مكان عيَّنه له، ثم أَخذ سلاحه وخرج من باب خلفي في بيته لئلا يراه أَحد، ثم امتطى صهوة جواده وأركضه في اتجاه المكان الذي ذكر الرجل أَنه رأَي فيه النبي ليعتقل النبي أو يقتله، ليفوز بالجائزة من قريش وحده.
أراد قتله فأخذ منه الأمان
ولم يخب ظن سراقة، فقد أدرك النبي - ﷺ - وصاحبه حوالي المنطقة التي أَشار إليها الرجل الذي أخبر خبرهما، وعندما أَبصر سراقة النبي - ﷺ - وصاحبه، سال لعابه للمكافأَة الضخمة التي تعهَّدت قريش بإعطائها لمن أعاد إليها محمدًا - ﷺ - حيًّا أو ميتًا، وهنا استعد سراقة للحظة الحاسمة، فإذا وجد النبي - ﷺ - منه قيد البصر دفع جواده نحوه ليعتقله أو يقتله، ولكن الجواد (وعلى مقربة من الرسول وصاحبه) كبا براكبه كبوة عنيفة تدحرج لها الفارس من على ظهره، وهنا أدخل
_________________
(١) هو سراقة بن مالك بن جعشم الكناني أسلم عام الفتح، وهو من سادات كنانة، مات ﵁ في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين هـ.
[ ١ / ٨٦ ]
في روع سراقة أَنه لن يقدر على النبي - ﷺ - بأَى حال من الأَحوال، فعدل عن خطته.
ولنترك هذا الفارس القرشي المطارد يحكى لنا قصته العجيبة، فقد روى عنه ابن إسحاق أن فرسه قد كبابه (قبل الكبوة العنيفة الأخيرة) مرتين ولكنه واصل المطاردة ولم يتوقف عنها إلا بعد الكبوة الثالثة العنيفة التي تدحرج لها من على ظهر فرسه.
قال سراقة (يصف تلك اللحظة الحاسمة): فركبت في أثره (أي النبي - ﷺ -) فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعها دخان كالإعصار، قال فعرفت حيث رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر (أي منتصر)، قال: فناديت القوم، فقلت .. أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فوالله لا أَريبكم، ولا يأْتيكم مني شيء تكرهونه، قال .. فقال .. رسول الله - ﷺ - لأبي بكر .. قل له .. وما يبتغى منا؟ قال .. فقال ذلك أبو بكر، قال سراقة قلت تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك قال .. اُكتب له يا أبا بكر.
قال سراقة: فكتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم أَلقاه إليّ، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئًا مما كان".
كيف دخل الرسول المدينة
وهكذا اجتاز الرسول - ﷺ - وصاحبه منطقة الخطر نهائيًا، إذ لم يتعرضا (بعد حادثة سراقة) لأَية مراقبة أو مطاردة.
[ ١ / ٨٧ ]
فبعد رحلة مضنية محاطة بالأَخطار استغرقت أكثر من أَحد عشر يومًا، تشرّفت يثرب بطلعته الشريفة وعم المسلمين في المدينة الفرح والسرور بقدوم الرسول - ﷺ -.
وكان أَهل المدينة قد ترامى إليهم خبر هجرته مع صاحبه الصديق إلى يثرب، قبل أن يصلا إليها، ولذلك كان المسلمون فيها و(خاصة: الذين لم يسبق لهم رؤية طلعتة الكريمة) يتلهفون شوقًا لرؤيته - ﷺ -، ولهذا فقد كانوا (منذ ترامى إليهم نبأ هجرته) يخرجون كل يوم بعد صلاة الصبح إلى ظاهر المدينة يتلمسون النبي - ﷺ - حتى تغلبهم الشمس فيعودوا إلى بيوتهم.
وبينما هم على هذه الحال من التلهف والشوق، إِذ صاح يهودي (وكان أَول من رأَى النبي وصاحبه قادمين) صاح منبها الأنصار إِلى قدوم الرسول - ﷺ -: يا بني قيلة (يعني الأَنصار) هذا صاحبكم قد جاءَ (١).
اليوم التاريخي في المدينة
وهنا زحفت المدينة كلها لاستقبال رسول الإنسانية ومنقذ البشرية محمد بن عبد الله - ﷺ -، فكان يومًا تاريخيًا أغرًّا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.
وكانت قباء (وهي من ضواحي المدينة) أَول منزل نزله رسول الله - ﷺ - وهي منازل بني عمرو بن عوف من الأَنصار، وقد مكث النبي - ﷺ - بينهم أربعة أيام، دخل بعدها إلى قلب المدينة المنورة.
أول مسجد في المدينة
وفي تلك الأيام القلائل إلى أقامها النبي في قباء، أسس - ﷺ -،
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٩٢، وفيها جدكم بدل صاحبكم.
[ ١ / ٨٨ ]
مسجد قباء المشهور، وهو المسجد الذي أشار القرآن الكريم بأنه أسس على التقوى.
النبي في المدينة
وبعد تلك الأَيام الأَربع التي قضاها الرسول في قباء، توجه - ﷺ -، إلى قلب مدينة يثرب، التي أصبحت (بمجرد وصول الرسول إليها) عاصمة الإسلام.
وأثناء سير النبي - ﷺ - نحو قلب العاصمة وقف زعماء القبائل اليثربية وعرض كل واحد منهم على النبي - ﷺ - أن يقيم عنده في العدد والعدة والمنعة، فاعتذر للجميع وامتطى ناقته وأَلقى لها خطامها، فانطلقت في طرق يثرب والمسلمون من حولها في حفل حافل يخلون لها طريقها، وسائر أهل يثرب من اليهود والمشركين ينظرون إلى هذه الحياة الجديدة التي دبت إلى مدينتهم، وإلى هذا القادم العظيم الذي اجتمع عليه من الأوس والخزرج من كانوا من قبل أعداء متقاتلين، ولا يجول بخاطر أحدهم، في هذه البرهة إلى اعتدل فيها ميزان التاريخ إلى وجهته الجديدة، ما أَعدّ القدر لمدينتهم من جلال وعظمة، يبقيان على الزمن ما بقي الزمن.
وجعلت الناقة تسير حتى كانت عند مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، هنالك بركت، ونزل الرسول - ﷺ - عنها، وسأل: لمن المربد فأجابه معاذ بن عفراء .. إنه لسهل وسهيل أبي عمرو، وهما يتيمان له، وسيرضيهما، ورجا محمدًا - ﷺ - أن يتخذه مسجدًا، وقبل النبي - ﷺ - وأمر أن يبنى في هذا المكان مسجده وأن تبنى داره (١).
_________________
(١) حياة محمد ص ٢١٨.
[ ١ / ٨٩ ]
الفصل الثالث
* اليوم التاريخي في حياة المدينة.
* والنبي في المدينة.
* البدء في بناء المجتمع الجديد.
* الأنصار في الميزان العسكرى.
* غير المسلمين في يثرب بعد الهجرة.
* متاعب العهد الحديد.
وهكذا نجحت الهجرة، ووصل النبي - ﷺ - إلى معقل أنصاره (المدينة) إلى سبقه إليها (بأمر منه) أكثر المهاجرين فصارت دارًا آمنة للإسلام، ومعسكرًا قويًّا للتوحيد تحسب له قريش (الخصم الأَلد للإسلام) ألف حساب، وصارت (منه) تنام على خوف وتصبح على فزع.
المجتمع الجديد
وكانت أول مسأَلة اهتم لها النبي - ﷺ - بمجرد وصوله إلى يثرب، هي التفكير في بناء المجتمع الجديد ليقوم كما أَراد الله له أن يقوم.
وكانت هناك مشاكل لا بد للنبي من التغلب عليها ليسهل عليه وضع الأُسس القوية للمجتمع الجديد، وأهم هذه المشكلات:
١ - التنافر المستحكم والعداءُ المزمن بين عشائر يثرب من الأَوس
[ ١ / ٩١ ]
والخزرج والذي كانت تصاحبه (دائمًا) تلك الحروب الأَهلية الشهيرة المدمرة بين القبيلتين.
٢ - مشكلة اللاجئين من المهاجرين المكيين الذين تركوا كل ما يملكون من مال وعقار في مكة وجاءوا إلى المدينة فرارًا بدينهم، وهم فقراءُ لا يملكون من المال شيئًا، وعددهم غير قليل.
٣ - العناصر اليهودية الموجودة في المنطقة، والتي كان لها وزنها السياسي والعسكرى والاقتصادى في المجتمع اليثربى، والتي لا بد من تجنب شرها وكسب صداقتها لمواجهة ما يتوقعه المسلمون، من عدوان عليهم يقوم به القرشيون.
بناء المسجد النبوي
وكان أَول خطوات البناءِ للمجتمع الإسلامي الجديد هو إقامة المسجد النبوي لتظهر فيه شعائر الدين الجديد، وليكون جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقى وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي نافرت وباعدت بينها النزعات الجاهلية التي كانت النظام الموجه لهذه القبائل.
ففي المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول - ﷺ - فور قدومه من مكة أَمر بإقامة هذا المسجد، فسارع المسلمون إلى جمع المواد التي يتطلبها بناؤه، فأَخذوا في قطع جذوع النخل، وشرعوا في صنع اللبِن، ثم شرعوا في بناء المسجد الذي كانت مساحته مائة ذراع في مثلها تقريبًا.
وقد ساهم النبي - ﷺ - في بناء المسجد بنفسه مع أصحابه، فحمل التراب واللبن على كاهله الشريف مثلما حملوا.
[ ١ / ٩٢ ]
وقد ضاعف من نشاط الصحابة في البناء أن رأوا محمدًا النبي، يرفض الامتياز عليهم، فيحمل التراب والمواد الأُخرى على ظهره مثلهم، حتى أن أحدهم قال ينشِّط أَخوانه:
لئن قعدنا والرسول - ﷺ - يعمل لذاك منا العمل المضلّل
وقد تم بناءِ المسجد النبوى على غاية من البساطة، إذ أَقيمت حيطانه من اللبن والطين، أما سقفه فقد جعل من سعف النخل الذي طالما تخللته مياه الأَمطار إلى الداخل، أما أرض المسجد فقد فرشت من الرمال والحصباء، وكانت الأَعمدة التي يقوم عليها السقف من جذوع النخيل.
أول خطبة للرسول بالمدينة
وبعد أن تم بناءُ هذا المسجد ذي البناء المتواضع والذي كان أول معهد مثالي في الدنيا تربى فيه (كما قال الأُستاذ الغزالى) ملائكة البشر ومؤدّبوا الجبابرة وملوك الدار الآخرة، أَلقى فيه النبي - ﷺ - أول خطبة على المسلمين قال فيها (كما رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف): "أما بعد أيها الناس فقدّموا لأَنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه -: أَلم يأْتك رسولى فبلغَّك؟ وآتيتك مالًا وأَفضلت عليك؟ فما قدّمت لنفسك؟ فينظر يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثم ينظر قدّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي نفسه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أَمثالها إلى سبعمائة والسلام عليكم، وعلى رسول الله".
[ ١ / ٩٣ ]
مؤتمر المؤاخاة بين المسلمين
وبعد أَن أَقام النبي - ﷺ - للمسلمين (ببناء المسجد) مركز التجمع والتهذيب والتعارف والتآلف والارتباط، (عن طريق الصلوات) برب العالمين دونما وسيط أو شفيع، شرع - ﷺ - بحكمته الفذة وسياسته الصائبة الحكيمة في محو مخلفات الجاهلية ومترسبات العصبية.
فقد كانت يثرب (كما قلنا) نهبا (طيلة مئات السنين) لحروب أهلية قبلية طاحنة أفنت زهرة شبابها ومزقت وحدتها شر ممزق، مما أعطى اليهود الدخلاء الفرصة للتمركز في تلك البقعة الطيبة من الجزيرة العربية.
فكان العمل الحاسم الحكيم الذي اجتث به النبي - ﷺ - جذور البغضاء الجاهلية القديمة والحزازات العنصرية المزمنة المستحكمة بين قبيلتي الأَوس والخزرج، هو أَن آخى بين المسلمين جميعًا (المهاجرين والأَنصار) في مؤتمر أَقامه لهم في المدينة، آخى فيه بينهم، اثنين اثنين.
قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله - ﷺ - بين أصحابه من المهاجرين والأَنصار، فقال - فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - تآخوا في الله أَخوين أَخوين (١). فتآخوا جميعًا.
وقد كانت رابطة هذا التآخى أقوى وأكثر فعالية، في إقامة الموحدة السياسية والنظامية والمصيرية بين عناصر المجتمع الجديد من رابطة التحالف إلى عهدها العرب.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥٠٥.
[ ١ / ٩٤ ]
ولقد اغتبط الأَنصار - وخاصة زعماءهم - بهذا التآخى الذي رأَوا فيه أَملهم المنشود يتحقق، وهو السلام والأَمن والاستقرار الذي حرمت منه يثرب مئات السنين، نتيجة الحروب الأَهلية المدمرة التي كانت تصطلى بنارها عشيرتا الأَوس والخزرج اللتين هما قبيلة واحدة (١).
كما أَن المهاجرين قد وجدوا (نتيجة هذا التآخي) في كنف إِخوانهم الأَنصار، من العون والمساعدة ما خفف عليهم من وطأَة الفقر الشديد الذي منوا به نتيجة هجرتهم من وطنهم الأَصلي مكة، وتركهم فيها كل أَموالهم التي صادرها مشركوقريش.
يعرض عليه نصف ماله
فقد قابل الأَنصار إخوانهم من المهاجرين بكل حفاوة وتكريم، وبذلوا لهم (وخاصة بعد المؤاخاة) من العون والمساعدة ما بلغ بها البعض من الأنصار إلى أن عرضوا على إخوانهم من المهاجرين أن يقتسموا وإياهم كل ما يملكون مناصفة.
ولكن المهاجرين - أمام هذا الكرم العظيم الذي فاضت به تلك الأنفس الزكية الطيبة - لم يسعهم إلا أَن يقدّروا هذا البذل والكرم حق قدره، فيقابلونه بكرم مثله، حيث لم يستغلوا كرم إخوانهم الأَنصار الفيَّاض ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أَودهم، ويعينهم على الوصول إلى العمل الشريف من تجارة أَو زراعة أَو ما شابه هذا من الأَعمال الحرة التي يجنى منها النشط الصبور، الكسب الحلال.
_________________
(١) انظر ترجمة قبيلتي الأوس والخزرج في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٩٥ ]
روى البخاري أَن سعد بن الربيع) (١) عرض على عبد الرحمن بن عوف (٢) أن يأْخذ نصف ماله (وكانا قد آخى بينهما الرسول - ﷺ - فقد قال سعد لعبد الرحمن .. إني أكثر الأَنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أَعجبهما إليك، فسمها لي أُطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن .. بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أَقط وسمن ثم تابع الغدو .. ثم جاء يومًا، وبه أَثر صفرة، فقال النبي مهيم (سؤال عن حاله) قال: تزوجت، قال كم سقت إليها؟ قال نواة من ذهب.
أهم دعائم المجتمع الجديد
وهكذا نجح الرسول - ﷺ - في إقامة المجتمع الإسلامي الجديد على دعائم قوية راسخة، أَهمها الموحدة الصحيحة إلى أَقامها بين قبيلتي الأَوس والخزرج، والتي لم تشهد يثرب مثلها في تاريخها .. وحدة استل بها النبي - ﷺ - من النفوس جميع ما خلَّفه ماضى الجاهلية من حزازات النعرة وسخائم العصبية.
وقد استفادت الدعوة الإسلامية من هذه الموحدة إلى أقامها الرسول بين قبائل الأَوس والخزرج استفادة كبرى، وخاصة في المجال العسكري.
الأنصار في الميزان الحربي
فقد كانت القبائل القحطانية من الأَوس والخزرج تتمتع بطاقات
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) ستأتي ترجمته في هذا الكتاب.
[ ١ / ٩٦ ]
حربية كبيرة، لها وزنها في الجزيرة العربية، ولكن هذه الطاقات كانت تستنفد (قبل شروق أَنوار الطلعة المحمدية على يثرب) في الحروب الأهلية الجاهلية التي كان اليهود في المدينة يستغلونها لتدعيم سيطرتهم (وخاصة الاقتصادية) في المنطقة فيذكون لهيبها بأَساليبهم الخاصة المعروفة عنهم.
ولكن الإِسلام لما جاء ووحَّد هذه القبائل في ظل عقيدة واحدة، استفاد من طاقات هذه القبائل الحربية ووجَّهها وجهة صالحة بناءة، حيث كانت هذه القبائل (أَيام الرسول) هي القوة الحربية الرئيسية الأُولى التي اعتمد عليها الإسلام في نشر التوحيد وإحلال السلام والعدل والاستقرار في أَرجاءِ الجزيرة العربية، وخاصة في معاركهـ الحاسمة مع أعدائه الرئيسيين كفار قريش.
غير المسلمين في يثرب
وبعد أَن وثق النبي - ﷺ - من رسوخ قواعد المجتمع الإسلامي الجديد بإقامة الموحدة العقائدية والسياسية والنظامية في المدينة بين المسلمين، شرع في تنظيم علاقاته بغير المسلمين من اليهود المقيمين في المدينة.
لم يكن النبي - ﷺ - طالب ملك أَو باحث عن جاه أَو ساع وراء مال (وهي الأُمور التي تدفع بطالبها في طريق التسلط والتعسف، والعدوان) وإنما كان "- ﷺ -" نبيًّا مرسلًا همه توفير السعادة والخير للبشرية جمعاء.
ولذلك اتجه في محادثاته مع اليهود اتجاهًا كله سماحة وتسامحًا،
[ ١ / ٩٧ ]
فلم يشأْ (وقد أصبح زعيم أَقوى قوة حربية في يثرب) أَن يصادر حريتهم في دينهم أو مالهم، بل ترك لهم مطلق الحرية في كل ذلك، ولم يلجأْ إلى إبعادهم عن المدينة لاختلافهم معه في الدين، بل قبل وجودهم كأُمة من أَهل الكتاب، لهم دينهم وللمسلمين دينهم.
بل لقد ذهب إلى أَبعد من ذلك حيث عقد مع هؤلاء اليهود معاهدة تضمنت التعايش السلمي وحسن الجوار بين المسلمين واليهود بالإضافة إِلى تضمنها الدفاع المشترك عن يثرب، وقد ضمن النبي - ﷺ - في هذه المعاهدة لليهود حرية الرأْى وحرية العقيدة، والتصرف المطلق فيما يملكون من أَموال (١).
تكامل المجتمع الإسلامي
وأثناءَ قيام النبي - ﷺ - بهذه الإنجازات السياسية والاجتماعية، كانت يثرب كلها تتفاعل بالإِسلام فيدخل أَهلها في دين الله أَفواجًا طوعًا واختيارًا.
فقد كانت تعاليم الرسول وتصرفاته الحكيمة ومعاملاته الشريفة لكل الناس تترك في النفوس أَعمق الأَثر، مما جعل سكان يثرب كلها (وفي ظرف أَشهر قليلة) يعتنقون الإسلام ويدينون بالتوحيد. (عدا اليهود).
وحتى الكارهين للنبي ودعوته (من غير اليهود) اضطروا إِلى إِعلان إِسلامهم، مع انطوائهم على البغض والعداءِ لهذا الدين وحامل رسالته.
وهؤلاءِ هم المنافقون من أَهل المدينة الذين شرقوا بالإِسلام، ولكنهم
_________________
(١) انظر أهم بنود هذه المعاهدة في كتابنا (غزوة أحد) الفصل الأول.
[ ١ / ٩٨ ]
(لقلَّتهم) لم يقدروا على الوقوف أمام تياره القوى الدفاق، فاضطروا إِلى الاندماج في السواد الأَعظم من المسلمين.
وهكذا، بعد مضي ما يقرب من ستة أَشهر على الهجرة النبوية أَصبحت المدينة عاصمة حقيقية للإِسلام، فصارت الكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين، وهذا الذي كانت تخشى قريش أَن يحدث فحاولت بكل قواها - منع الرسول من الهجرة إِلى المدينة.
التشريعات للمجتمع
وبدأَت تشريعات النظام الجديد تنزل من السماء، فقد فرضت الزكاة (وهي أَهم النظم الاجتماعية في الإِسلام) كما شرع (قبلها) الإِذن بحمل السلاح ضد أَعداءِ الإِسلام، وكان القتال قبل الهجرة غير مأْذون به للمسلمين.
وكذلك شرع النداءُ للاجتماع للصلاة، وهو الأَذان، كما نزل القرآن بتشريعات أُخرى نظّم وهذب بها المجتمع الجديد، ليس هذا محل شرحها.
متاعب العهد الجديد
لم يظهر اليهود للنبي - ﷺ - عند قدومه يثرب، أَية مقاومة أَو خصومة، بالرغم من تخوفهم من وصوله، على نفوذهم الاقتصادي وسيطرتهم السياسية ونفوذهم الروحي.
كما أَنه - ﷺ - سارع إِلى تطمينهم على عقائدهم وأَرواحهم وأَموالهم، فعقد معهم تلك المعاهدة التي كان القصد منها إحلال السلام،
[ ١ / ٩٩ ]
وتوفير الأَمن والطمأْنينة لجميع سكان المنطقة على اختلاف عناصرهم ومعتقداتهم وقد وقع اليهود هذه المعاهدة والتزموا تنفيذ نصوصها كما النزم المسلمون.
وقد كان بوسع اليهود أَن يعيشوا سعداء في ظل العهد الإسلامي الجديد، آمنين على عقائدهم وأرواحهم وأَموالهم. وكان هذا خيرًا لهم لو فعلوه.
ولكن طبيعة الدس والتآمر المتآصلة في نفوسهم، والتي صارت جزءًا من كيانهم (طيلة عهودهم). لم تتركهم يفعلون ذلك، بل دفعت بهم إِلى ما أَلفوه من إِثارة القلاقل وخلق المشاكل وبعث الفتن.
لقد تمسك المسلمون بنصوص المعاهدة المعقودة بينهم وبين اليهود، وكان حسن النية والرغبة الأكيدة في التعايش معهم بسلام ظاهرة بجلاء في تصرفات المسلمين.
ولكن التحرش والشغب والإِعنات جاء من جانب اليهود أَنفسهم .. فقد هالهم وأَقضّ مضاجعهم أَن رأَوا سلطان الإسلام ينشر ظله على يثرب في سرعة مذهلة لم يكونوا يتوقعونها.
وزادهم غمًّا وشحن نفوسهم بالحسد للرسول - ﷺ - أَن تأَكد لديهم أَن محمد بن عبد الله القرشي الوافد إِلى يثرب هو النبي الموعود ذاته كما يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في كتبهم .. وبدلًا من أَن يسارعوا إِلى الإِيمان به ويغتبطوا بظهور رسالته، فاضت نفوسهم بالحسد وأَترعت قلوبهم بالبغض له.
فهذان حبران من أَحبارهم قد أَثقل قلوبهما الهم وأَمرض نفوسهما
[ ١ / ١٠٠ ]
الغم نتيجة تأكدهما، من نبوة محمد - ﷺ - وهما حيى بن أخطب والد أم المؤمنين صفية ﵂ (١) وأخوه ياسر.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال .. حدثت عن صفية بنت حيى بن أخطب أنها قالت. . كنت أَحب ولد أبي إليه، وإلى عمي ياسر، لم ألقها قط مع ولد لهما إلا
_________________
(١) هي أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب، من بني النضير، وهم من سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى - ﵇ -، كانت تحت سلام بن مشكم، (أحد زعماء اليهود) ثم تزوجها كنانة بين أبي الحقيق، أحد قادة اليهود في خيبر، وقد قتل هذا في معركة خيبر، فوقعت زوجته صفية هذه سبية في يد أحد جنود الإسلام، فاستعادها النبي ﷺ - ثم أعتقها فتزوجها كما في صحيح البخاري ومسلم. وكان أحد جنود الإسلام قد سبى صفية من ابنه عم لها، فمر بهما على قتلى اليهود، فلما رأنهم ابنة عم صفية صكت وجهها وصاحت وحثت التراب على وجهها، فقال النبي - ﷺ - للرجل الذي مر بهما على القتلى (أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟) وذكر ابن حجر في الإصابة أن صفية - ﵁ - رأت في المنام (قبل معركة خيبر) أن القمر وقع في حجرها فذكرت ذلك لأمها فلطمت وجهها وقالت لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب (تعني النبي - ﷺ -، كانت أم المؤمنين صفية أمراة عاقلة، حليمة، فاضلة، فقد ذكر ابن عبد البر أن جارية لما أتت أمير المؤمنين عمر فقالت له: . . .إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر. فسألها عن ذلك، فقالت. . أما السبت فإني لم أحبه منذ أن أبدلنى الله به الجمعة، أما اليهود فإن لي فيهم رحمًا فأنا أصلها، فلم ينكر عليها عمر صلتها للرحم في اليهود، ثم قالت لجارتّهها ما الذي حملك على هذا؟؟ فقالت. . الشيطان، قالت. . اذهبي فأنت حرة:: أخرج أصحاب الحديث لأم المؤمنين صفية عشرة أحاديث عن رسول الله ﷺ: . كانت صفية أيام فتنة الدار التي حاصر فيها المشاغبون الخليفة عثمان في داره، تنقل إليه الطعام والماء سرًّا. . ومرة ذهبت لترد عن عثمان (بصفتها أم المؤمنين) وكانت راكبة على بغلتها. فلقيها الأشتر النخعي وهو من كبار قادة المشاغبين على عثمان فاعترض أم المؤمنين صفية وضرب وجه البغلة بعنف، ولم يسمح لها، فقالت. . ردني لا تفضحني: توفيت صفية سنة خمسين هـ.
[ ١ / ١٠١ ]
أخذانى دونه، قالت. . فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ونزل قباء، في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أَبي حييّ بن أخطب وعمي ياسر بن أخطب مغلسين، قالت. . فلم يرجعا حتى كأنا مع غروب الشمس، قالت. . فأَتيا كالئين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت. . وسمعت عمي ياسر يقول لأَبي حيى بن أخطب:
أَهو هو؟؟ (يعني النبي - ﷺ -).
قال: . . نعم والله.
قال: . . أتعرفه وتثبته؟؟ . .
قال: . . نعم.
قال .. فما في نفسك منه؟؟ .
قال: . . عداوته والله ما بقيت.
وروى ابن إسحاق كذلك عن عبد الله بن سلام (١) (وكأن يهوديًّا ثم أسلم) قال: جئت رسول الله - ﷺ - فقلت له:
_________________
(١) هو عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف، من ذرية يوسف النبي ﷺ حليف النوافل من الخزرج. الإِسرائيلي، ثم الأنصاري، كان يهوديًّا من بني قينقاع كأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، وذكر أصحاب السنن أن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كنت ممن انجفل (أي انزعج) فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ﷺ ليس بوجه كذاب، شهد له النبي ﷺ بأنه عاشر عشرة في الجنة، فقد روي البخاري عن زيد بن عمير قال حضرت الوفاة معاذ بن جبل، فقيل له. . أوصنا فقال: . التمسوا العلم عند أي الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًّا فأسلم، سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه عاشر في الجنة:: اعتزل عبد الله بن سلام=
[ ١ / ١٠٢ ]
يا رسول الله إن يهود قوم بهت، وإني أُحب أن تدخلنى في بعض بيوتك، وتغيبنى عنهم، ثم تسألهم عني، حتى يخبروك، كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا إسلانى فإنهم إن علموا به بهتونى وعابوني، قال .. فأدخلني رسول الله - ﷺ - في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وسأَلهم ثم قال له .. أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟؟ قالوا. . سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، قال: . فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم:
يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاء كم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأُؤمن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا:
كذبت ثم وقعوا بي، قال: . فقلت لرسول الله - ﷺ - ألم أُخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؟؟
محاولة الدس والفرقة
ونتيجة لهذا العداء المستحكم والحسد القاتل المتغلغل في نفوس هؤلاء اليهود، شرعوا في محاربة النبي - ﷺ - ودعوته بمختلف الوسائل.
إلا أن محاربتهم (في بادئ الأمر) كانت مقتصرة على إقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية بالإعنات ومحاولة ببث الفرقة بين
_________________
(١) = الفتنة فلم يكن مع أحد الفريقين (لا في الجمل ولا في صفين)، وقد نقل البغوي في المعجم بسند جيد أن عبد الله بن سلام نهى أمير المؤمنين عليًّا ﵁ عن خروجه إلى العراق، وقال له الزم منبر رسول الله ﷺ فإن تركته لا تراه أبدًا، فقال علي بن أبي طالب (في عبد الله بن سلام) أنه رجل صالح منا، توفي عبد الله بن سلام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين هـ.
[ ١ / ١٠٣ ]
المسلمين لتصديع وحدتهم، بإثارة النعرات الجاهلية التي قضى الإسلام عليها وأراح يثرب من شرها. وقد شكل اليهود (في حربهم هذه) مع المنافقين جبهة واحدة للتشويش على المسلمين ومحاولة تشكيك البعض منهم بغية إعادتهم إلى الكفر.
مثال من دسائس اليهود والمنافقين
فمن ذلك أن شاس بن قيس وهو يهودي عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين مر يومًا بنفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون في إخوانًا متحابين فغاظهم ما رأى من أُلفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال:
قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم (إذا اجتمع ملؤها بها) من قرار، وهنا (وعلى طريقة اليهود في الدس والكيد) طلب من أحد الشباب اليهود، وكان جالسًا مع أُولئك النفر من المسلمين، وقال له. . أعهد إلى هؤلاء فاجلس معهم، ثم اذكر لهم يوم (بُعاث) (١) وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
وكان يوم بعاث يومًا تاريخيًا في الحروب الأهلية الطاحنة التي كانت تدور في (الجاهلية) بين الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.
ففعل الشاب اليهودي ما أمره به زعيمه، وقد كاد هؤلاء اليهود ينجحون في مهمتهم الخبيثة، إذ ما كاد الشاب يذكر يوم بعاث،
_________________
(١) يوم بعاث يوم معركة طاحنة شهيرة دارت بين الأوس والخزرج في الجاهلية.
[ ١ / ١٠٤ ]
حتى أخذ رأس الفتنة يظهر بين الفريقين، فقد تفاخر القوم وتنازعوا حتى توترت الحالة بينهم إلى درجة أن أحد زعماء الخزرج قال لأحد زعماء الأوس متحديًا. . إن شئتم رددناها جذعة (يعني الإستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم)، فغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة (والظاهرة الحرة) ثم تنادوا، السلاح السلاح، وأخذوا في التسابق للحرب إلى المكان المحدد، وكادت تنشب الحرب الأهلية بينهم، وهذا أعز أُمنيات اليهود والمنافقين.
إلا أَن الأمر بلغ النبي - ﷺ - قبل أن تنشب الحرب بينهم، فسارع بالخروج إليهم فيمن معه من المهاجرين. وعمل بسرعة على إخماد نيران هذه الفتنة التي هي من صنع دسائس اليهود.
فبمجرد وصول النبي - ﷺ - إلى مكان تجمعهم للحرب، وقف فيهم خطيبًا قائلًا:
"يا معشر المسلمين. الله الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم"؟؟ .
وهنا عاد إلى الفريقين (الأوس والخزرج) رشدهم وأدركوا أنها نزعة من الشيطان ودس وكيد من اليهود، فاسترجعوا وبكوا، ثم عانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، وعادوا راجعين إلى المدينة مع رسولهم الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إخوانًا متحابين، وبهذا حبطت مساعي اليهود الخبيثة ورد الله كيدهم في نحورهم، بعد أن كادوا ينجحوا في تفتيت وحدة المسلمين الوليدة
[ ١ / ١٠٥ ]
ولم ينقطع اليهود (يساندهم المنافقون) عن التشويش على الدعوة الإسلامية وخلق المتاعب لصاحبها، فقد ظل كل فريق، بل كل فرد منهم يعمل في هذا السبيل التخريبي.
فبينما ظل اليهود في التشويش على النبي ودعوته ينشرون ظلالًا من الشكوك حولها وحول حاملها بما يثيرونه من جدل عقيم، وأسئلة متعنتة لا تمتُّ إلى البحث العلمي بشيء، كان المنافقون الذين يخالطون المسلمين (بحكم تظاهرهم بالإسلام) يثيرون المتاعب للعهد الجديد بإقامة العراقيل ونشر الأَرجاف، وتدبير المؤامرات، للتفريق بين المسلمين.
وكر الدس والتآمر
حتى إن هؤلاء المنافقين بلغ بهہم الحرص على الإطاحة بوحدة المسلمين إلى أن اتخذوا لهم وكرًا يجتمعون فيه لتدبير المؤامرات وتنسيق الدسائس للتفريق بين المسلمين.
ولكي يتمكنوا من فعل ذلك بحرية تامة بنوا لهم مسجدًا يتظاهرون فيه بأَداء الصلوات، ولما كان لهم حكم المسلمين لاعتناقهم الإسلام ظاهرًا، لم يمنعهم أَحد من إقامة هذا المسجد.
إلا أَنه لم يمض وقت طويل علي بناء هذا المسجد، حتى تبلغ الرسول - ﷺ - أن هذا المسجد إنما بيناه المنافقون ليتخذوا منه ستارًا لحبك الدسائس ورسم الخطط للإضرار بوحدة الأُمة وسلامتها، وبعد أن تأكد الرسول - ﷺ - من هذه الحقيقة أمر بهدم هذا المسجد، الذي لم يكن في حقيقته إلا وكرًا للتآمر ضد الإسلام والمسلمين. وفي المنافقين الذين بنوا هذا المسجد، أنزل الله تعالى قوله:
[ ١ / ١٠٦ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١).
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
طرد المنافقين من المسجد النبوي
غير أن هدم النبي - ﷺ - لوكر تآمر المنافقين (مسجد الضرار) لم يحل بين هؤلاء المنافقين وبين مواصلة نشاطهم للتشويش علي المسلمين والسخرية منهم وإيصال الضرر إلى دعوة الإسلام.
فقد ظلوا على تكتلهم وتحزبهم للعمل ضد العهد الجديد، وحتى في المسجد النبوي وقت اجتماعهم للصلاة مع المسلمين كانوا يتكتلون ويجلس بعضهم إلى بعض، ويباشرون نشاطهم التخريبي ضد عقيدة الإسلام، محاولين التفريق بين المسلمين. ولما تزايد شرهم ووصل نشاطهم المعادي للنبي ودعوته إلى المسجد النبوي في أوقات العبادة، أمر النبي - ﷺ - بطردهم من المسجد علنًا تأديبًا لهم وتجنبًا لشر دسائسهم، لأن المسجد كان مجمع الأمة كلها في أوقات الصلاة، وهذا مما ييسر لهؤلاء المنافقين بث سمومهم بين البسطاء.
قال ابن إسحاق: وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع يومًا في المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله - ﷺ - يتحدثون بينهم، خافضى أصواتهم
_________________
(١) التوبة ١٠٧.
[ ١ / ١٠٧ ]
قد لصق بعضهم ببعض. فأمر بهم فأُخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا.
وهكذا صار اليهود والمنافقون يسببون المتاعب ويخلقون المشاكل للنبي - ﷺ - ويحاولون تهديم المجتمع الإسلامي الجديد وهو لم يزل وليدًا.
ولكن الله (دائمًا) يكبتهم ويجعل محاولاتهم كلها تنتهي بالفشل، وبالرغم من أن مشاغبات اليهود والمنافقون قد جلبت متاعب على النبي - ﷺ -، إلا أن أعمالهم الخبيثة قد كشفتهم للمسلمين وجعلتهم (منذ بداية عهدهم الجديد) يراقبونهم ولا يركنون إليهم في شأن من شؤونهم، وخاصة الحربية والسياسية باعتبارهم طابورًا خامسًا يعمل بين المسلمين ضدهم.
ولما كانت الظروف بالنسبة للعهد الإسلامي الجديد. ظروفًا خطيرة، أحاطت فيها الأخطار بالمسلمين من كل جانب. إذ هم في بداية عهد جديد، لا يزال أكثر سكان الجزيرة العربية يقفون منه موقف العداء والخصومة، لا سيما قريش، التي تشعر عن تجربة (أكثر من غيرها) بخطورة الدين الجديد الذي لا يعني انتصاره شيئًا أكثر مما يعني نسف كيانها الوثني.
ولما كانت الظروف هكذا وعلى ذلك الجانب من الخطورة، فإن النبي - ﷺ - لم يتخذ أي إجراء تأديبي ضد اليهود والمنافقين بالرغم من تأكده أنهم يمثلون داخل جسم المجتمع الجديد غدة مرض ستظل تسبب الآلام لهذا الجسم إذا لم تستأصل منه، فتركهم وشأنهم حتى جاء دور التصفية النهائية، وخاصة بالنسبة لليهود الذين بلغ بهم الغدر إلى درجة إشهار
[ ١ / ١٠٨ ]
السلاح في وجه المسلمين، ونقض المعاهدات والانضمام إلى أعداء المسلمين المحاربين في أحلك الظروف وأدق ساعات الحرج، كما فعل بنو قريظة في غزوة الأحزاب، حينما نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين المحاصرين في المدينة، فكان جزاءُ غدرهم في تلك الظروف الحرجة أن نفذ النبي - ﷺ - حكم الإعدام في جميع رجالهم وصادر أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم -كما سنفصل ذلك في غزوة الأحزاب إن شاء الله.
[خريطة]
[ ١ / ١٠٩ ]
الفصل الرابع
* نشاط المسلمين العسكري قبل معركة بدر.
* نجاح النبي في اتصالاته السياسية بقبائل المنطقة.
* المعركة الفاصلة.
* سبب المعركة.
* خروج المسلمين لمصادرة عير قريش.
* نجاة العير، وتحركات الجيش المكي نحو بدر.
* النبي يستشير أصحابه في ملاقاة جيش مكة.
* موافقة الصحابة على خوض المعركة.
* التحام الفريقين في بدر.
* هزيمة المشركين الساحقة.
لقد كانت الظروف التي هاجر فيها الرسول هي ظروفًا حربية أَوجدها زعماء مكة أَنفسهم، عندما أَهدروا دمه وخفروا ذمته. إنها الحرب (إذن) ولا شيء سواها.
فطبيعي (إذن) أَن يعمل كل من الفريقين (مكة والمدينة) عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ضد الآخر، فاستعمال السلاح وإضعاف شوكة العدو بأَية وسيلة من الوسائل، هو من الأُمور البديهية التي لا تقبل النقاش أَو الجدل.
[ ١ / ١١١ ]
فلا يلام فريق أُعلنت عليه الحرب وصمم أَعداؤه على الفتك به أَينما وجدوه، لا يلام إذا ما تربص بهم الدوائر ورسم الخطط لخضد شوكتهم ومنع أَذاهم.
فمعركة بدر هذه التي خاضها المسلمون ضد المشركين إنما هي معركة عادلة، أملتها على المسلمين طبيعة الظروف العسكرية القائمة بينهم وبين أعدائهم.
النشاط العسكري قبل معركة بدر
كانت الفترة التي تلت هجرة الرسول حتى معركة بدر، حوالي تسعة عشہہر شهرًا، وفي أَثناءِ هذه الفترة لم يحدث أي عراك دامي بين مكة والمدينة، اللهم إلا ما حدث في السرية التي قادها عبد الله بن جحش (١)، والتي تلتها معركة بدر مباشرة.
دوريات المسلمين قبل معركة بدر
أَما بقية الحركات العسكرية فهي أَشبه بدوريات استطلاعية قام بها المسلمون للاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة، واختبار مدى قوة القبائل المحيطة بالمنطقة، ومحاولة كسب بعضها بالمحالفة أَو الموادعة، (على الأقل) كما كان الهدف منها أَيضًا إشعار المشركين واليهود بقوة المسلمين على صد أَي اعتداءٍ يتعرضون له. ويمكن تلخيص هذه الدوريات، أَو السرايا التي قام بها المسلمون قبل معركة بدر كمہايلي:
_________________
(١) هو عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي حليف بني عبد شمس، هاجر الهجرتين، وكان أول أمير عقدت له راية الإسلام، قتل شهيدًا يوم أحد.
[ ١ / ١١٢ ]
١ - دورية قتال بقيادة حمزة بن عبد المطلب، قوامها ثلاثون راكبًا من المهاجرين. التقت هذه الدورية بقافلة تجارية لقريش يحميها ثلاثمائة مقاتل من قريش بقيادة أَبي جهل بن هشام.، وذلك في ساحل البحر ناحية العيص (١) في شهر رمضان من السنة الأُولى للهجرة، ولم يحدث قتال بين الفريقين لتدخل مجدي بن عمرو الجهني الذي قام بدور حمامة سلام فحجز بينهما.
٢ - دورية قتال بقوة ستين راكبًا قادها عبيد بن الحارث إلى وادي رابغ، وذلك في شهر شوال من السنة الأُولى للهجرة، وكأن هدف الدورية تهديد تجارة قريش، وقد التقت هذه الدورية بأكثر من مائتي مقاتل من قريش بقيادة أَبي سفيان، إلا أَنه لم يحدث أَي قتال بين الفريقين.
وفي هذه الغزوة انضم رجلان من جيش مكة إلى دورية عبيد بن الحارث، والرجلان هما المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان وقد كانا مسلمين خرج في جيش مكة.
٣ - دورية استطلاعية قوامها ثمانية من المهاجرين بقيادة سعد بن أَبي وقاص، وصلت إلى الخرار (٢) لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام، ولكن هذه الدورية لم تشتبك في أَي قتال مع العدو، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الأُولى للهجرة.
٤ - غزوة ودان (٣)، وهي دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها
_________________
(١) العيص - بالكسر - مكان بين ينبع والمروة ناحية البحر.
(٢) الحرار -بفتح أوله وتشديد ثانيه- مكان في الحجاز بالقرب من الجحفة.
(٣) ودان، موضع بين مكة والمدينة، بينه وبين رابغ مما يلي المدينة تسعة وعشرون ميلا.
[ ١ / ١١٣ ]
الرسول - ﷺ - بنفسه إلى منطقة ودان وذلك في صفر من السنة الثانية للهجرة، وعاد دون أن يلقى حربًا إلا أَنه عقد معاهدة عدم اعتداء مع قبائل بني ضمرة بن بكر بن كنانة.
٥ - غزوة بواط (١) وهي دورية قتال قادها الرسول - ﷺ - بنفسه إلى منطقة بواط على الطريق المؤدي من الشام إلى مكة، وذلك في ربيع الأَول من السنة الثانية للهجرة، وكان هدف هذه الدورية الإيقاع بقافلة لقريش ولكن القافلة نجت وعاد النبي دون أَن يلقى حربًا، وكان قوام هذه الدورية مائتا راكب.
٦ - غزوة العشيرة (٢)، دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها الرسول - ﷺ - بنفسه إلى موضع (العشيرة) بمنطقة ينبع (٣) لتهديد تجارة قريش، وعاد الرسول دون أَن يلقى حربًا، لتملص قافلة قريش من المرور في تلك المنطقة، إلا أَن النبي عقد (أَثناء هذه الغزوة) معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج (٤) وحلفائهم من بني ضمرة وذلك في جمادى الأُولى من السنة الثانية للهجرة.
٧ - غزوة بدر الأُولى: دورية قتال قوتها مائتا مقاتل، قادها الرسول بنفسه وذلك في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة، طارد بها قوات خفيفة للمشركين أَغارت على مراعي المدينة ونهبت بعض
_________________
(١) بواط - بالضم وآخره طاء مهملة - واد بأرض الحجاز ناحية رضوى.
(٢) العشيرة -بضم أوله وفتح ثانيه- موضع بين مكة والمدينة من ناحية ينبع.
(٣) ينبع - بالفتح ثم السكون - قرية على يمين رضوى بينها وبين رضوى ليلة للقافلة.
(٤) مدلج -بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- بطن من كنانة من العدنانية.
[ ١ / ١١٤ ]
المواشي، وصل النبي في المطاردة إلى وادي (سفوان) قريبًا من بدر، ولكنه لم يدرك القوات المغيرة فعاد دون أَن يلقى حربًا.
القتال في الشهر الحرام
وآخر عملية عسكرية قام بها المسلمون (قبل معركة بدر) هي الدورية الاستطلاعية التي قام بها ثمانية من المهاجرين بقيادة عبد الله بن جحش، وذلك في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة.
فقد أَرسل الرسول هذه الدورية لاستطلاع أَخبار قريش وأَمرها أن تترصد لذلك بين مكة والطائف، ولم يأْمر هذه الدورية بالقتال.
وفي مكان يقال له (نخلة) (١) الْتقت هذه الدورية بقافلة لقريش تحمل بضائع إلى مكة، فأَوقعت هذه الدورية بها بعد أَن قتلت أَحد رجالها، وهو عمرو بن الحضرمي، وأَسرت اثنين منهم، وبعد الاستيلاء على هذه القافلة عادت الدورية بها إلى المدينة، وكان ابن الحضرمي أول مشرك يقتله المسلمون، كما أَن القافلة التي استولى عليها عبد الله بن جحش هي أَول مال لقريش يستولى عليه المسلمون.
موقف حرج
وعندما بلغ الرسول - ﷺ - خبر هذا الحادث غضب لحادث القتل والمصادرة الذي قامت به دورية ابن جحش وأَبى أَن يأْخذ شيئًا من المال المصادر، لأَن القتل والمصادرة حدثا في شهر رجب وهو من الأَشهر
_________________
(١) هي نخلة اليمانية، وهو الوادي المسمى باسم اليمانية المعروف بين مكة والطائف.
[ ١ / ١١٥ ]
الحرم التي يحرم القتال فيها - وقد استغلت قريش هذا الحادث فقامت بحملة تشنيع على المسلمين باعتبارهم منتهكين لحرمة الأَشهر الحرم التي كان القتال فيها محرمًا بإجماع قبائل العرب، وقالوا لقد استحل محمد وأَصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأَخذوا فيه الأَموال وأسروا فيه الرجال.
ولم يُنجِ رجال هذه الدورية من ورطتهم إلا نزول الوحي من السماء بإباحة قتال المشركين في أَي وقت كان، فقد أَقر القرآن القائد ابن جحش وأَفراد دوريته على عملهم الحربي إياه، حيث أَنزل الله بهذه المناسبة:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).
بعد التطور التشريعي في القتال
وبعد هذا التطور التشريعي الذي أَحل قتال العدو في أَي زمان، دخل الصراع المسلح بين الفريقين في مراحل أَشد حسمًا، واتسعت الهوة بين المعسكرين. وصمم المسلمون على أَن لا يتركوا أَية فرصة تسنح لهم للإيقاع بعدوهم إلا اغتنموها.
كما أَدرك قادة مكة أَن المسلمين مصممون على محاسبتهم عسكريًا على كل ما ارتكبوه في حقوقهم من سيئات.
_________________
(١) البقرة ٢١٦.
[ ١ / ١١٦ ]
تجارة مكة في خطر
ولقد كان أَول خطر شعر به مشركو مكة هو أَن تجارتهم الرئيسية مع الشام - والتي هي العمود الفقري لحياتهم - أصبحت مهددة تهديدًا خطيرًا، بعد أَن تمركز النبي في مقاطعة يثرب (١) التي تتحكم في طريق القوافل الرئيسي، بين مكة والشام. وهذه هي إحدى النتائج التي كانت تخشاها مكة من إفلات محمد - ﷺ - من قبضتها.
_________________
(١) يثرب اسم للمنطقة الىتي فيها المدينة، وقد سميت باسم أول من سكنها. وهو يثرب بن قانية من ولد سام بن نوح.
[ ١ / ١١٧ ]
مَعركة بَدْر
لقد كانت معركة بدر - بالإضافة إلى كونها المعركة الفاصلة الأُولى في تاريخ الإسلام - أَول مراحل الكفاح الجدي الدامي الذي خاضه الإِسلام ضد الشرك.
فهي أَول معركة (على الإِطلاق) يتقابل فيها الفريقان ويقذفون في أَتونها بكتائب لم يسبق لهم أَن قذفوا بمثلها منذ ظهرت دعوة الإِسلام ونشبت الخصومة بينه وبين الكفر.
أسباب المعركة
لقد تحقق خوف المشركين ووقعت مكة فيما كانت تخشى الوقوع فيه، فقد ظلت المدينة على غاية من التيقظ والتربص تترقب كل حركة من حركات قريش التجارية بين مكة والشام للإِيقاع بها.
وفي أَوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة تلقت المدينة من مخابراتها إشارة بأَن أَبا سفيان بن حرب قد خرج من مكة إلى الشام في تجارة كبيرة.
فخف الرسول وخرج من المدينة في مائتي مقاتل لاعتراضها وذلك في غزوة العشيرة، ولكن هذه القافلة تمكنت من الإِفلات إلى الشام، فظل المسلمون يترقبون عودتها.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد بعث النبي - ﷺ - دورية مكونة من طلحة بن عبيد الله (١) وسعيد بن زيد (٢) وأَمرها بالاتجاه نحو الشمال لانتظار القافلة، فوصلت هذه الدورية إلى الحوراء (٣) وهناك مكثت هذه الدورية حتى مر بها أَبو سفيان عائدًا من الشام بالقافلة البالغ عددها أَلف بعير. وعند ذلك أَسرع طلحة وسعيد وأَخبرا رسول الله بذلك.
خروج النبي للاستيلاء على القافلة
إنها (إذن) فرصة ذهبية لمعسكر المدينة، وخاصة من فيه من المهاجرين الذين صادر أَهل مكة ثرواتهم عند هجرتهم واستولوا على ممتلكاتهم.
وإنها لضربة عسكرية وسياسية واقتصادية قاصمة، تنزل بمعسكر الشرك في مكة، لو أَنها فقدت هذه الثروة الهائلة على أَيدى المسلمين.
فلتتحرك المدينة (إذن) للإستيلاء على هذه الثروة الضخمة التي تحملها عير المشركين، وهل في ذلك من حرج؟ .
أَليست المدينة في حالة حرب مع مكة؟، أَليس الذين أَعلنوا هذه الحرب - بغيًا وعدوانا - هم أَهل مكة وأَصحاب هذه القافلة؟ وأَليس
_________________
(١) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي، غني عن التعريف، أحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد جميع المشاهد مع رسول الله وأصيب بأربعة وعشرين جرحًا في معركة أحد، كان مع أغنياء الصحابة الأجواد، قتل في الفتنة يوم الجمل في جانب عائشة ودفن بالبصرة.
(٢) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من ذوي الرأي والبسالة، شهد اليرموك وحصار دمشق، وولاه أبو عبيدة إمارة هذه المدينة، مات - ﵁ - بالمدينة المنورة سنة إحدى وخمسين من الهجرة.
(٣) الحوراء -بفتح أوله وسكون ثانيه- ماء لبني طي شمال غرب المدينة.
[ ١ / ١١٩ ]
أصحاب هذه القافلة هم الذين صادروا أَموال المهاجرين واستولوا على ممتلكاتهم في مكة بغيًا وعدوانا لا لشيء إلا لأَنهم آمنوا بالدين الجديد. وأَليس من حق من أُعلنت عليه الحرب وصودرت أَمواله أَن يقاتل من أَعلنها ويستولى على كل ما تصل إليه يده من ممتلكاته؟؟ .
بلى .. إن هذه هي قاعدة الحرب وقانونها في عرف جميع البشر (١) فلا غرابة (إذن) في أَن يعقد الرسول العزم على التصدي لقافلة قريش ويصمم على الاستيلاء عليها كجزءٍ من مال العدو المحارب.
إن كثيرًا من المستشرقين وبعض فروخهم في الشرق الإسلامي ينظرون إلى معركهـ بدر، وكأَنها ضرب من قطع الطريق وأَعمال السلب والنهب المجردة.
وهذه النظرة بالتأْكيد، ليس لها مصدر إلا الحقد الأَسود الذي يعمى عن الحقائق ويتيح للهوى أَن يتكلم ويصدر حكمنه كما يشاءُ.
وإلا فكيف يوصف باللصوصية وقطع الطريق من حمل السلاح في وجه من أَعلن عليه الحرب وقرر الفتك به، وصمم على القضاءِ عليه ومحوه من الوجود وصادر كل ما وصلت إليه يده من أَمواله وممتلكاته.
منطق غريب
إنه منطق غريب معكوس، لا يشبهه إلا منطق أَسياد هؤلاء الفروخ من المستعمرين الذين يصادرون حريات الشعوب، ويهدرون كراماتهم ويستبيحون دماءَهم، ثم يسمونهم باللصوص المتوحشين.
قال جندي إنكليزي مرة لزميل له - يصف الأَفريقيين المعتدى
_________________
(١) انظر القانون الدولي العام.
[ ١ / ١٢٠ ]
عليهم - إن هؤلاء الأَفريقين وحوش، والله وحوش، فقال له: وكيف؟
قال: تصور أَن أَحدهم عضني وأَنا أَقتله !
الحملة تتحرك
بعد أَن سمع النبي بدخول قافلة العدو إلى التراب الحجازي تحرك من المدينة بجيشه للاستيلاء عليها ..
ومن الواضح جدًّا .. أن استنفار عساكر الإِسلام بالمدينة من أَجل الاستيلاء على هذه القافلة، لم يكن تجنيدًا إجباريًا (كما هي العادة في المعارك الكبرى التي يستعد الرسول لخوضها كمعركة أُحد) بل كان نداءُ الرسول للجيش هنا بمثابة ترغيب فقط.
فقد جاء في ندائه قوله هذه عير قريش فيها أَموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.
ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة عن الاشتراك في معركة بدر التي لم يكن أحد من المسلمين يتوقع حدوثها عند خروجه من المدينة.
ولم ينكر الرسول على أَحد من المتخلفين، بل ولم يستحثه على الخروج مع الحملة، بل ترك الأَمر للرغبة الخاصة، والاختيار المحض.
ومن المؤكد أَن الذين لم ينخرطوا في سلك الجيش الذي خرج لملاقاة العير، لو كانوا يعلمون أَن الرسول سيصطدم بجيش مكة ذلك الاصطدام العنيف في بدر، لما تخلف منهم قادر على حمل السلاح. ولكنهم اعتقدوا (جازمين) أَن الصدام لن يكون عنيفًا عند التصدي للقافلة، بل قد لا يكون هناك صدام إذ من المتوقع أَن يفر حرس العير - وهم
[ ١ / ١٢١ ]
لا يزيدون عن أربعين راكبًا - مجرد رؤية محمد وجنوده الذين لا يقلون عن ثلاثمائة مقاتل.
لذلك تخلف من تخلف عن الحملة في المدينة، وقد أَفصح عن هذه الحقيقة أُسيد بن الحضير (١) وهو سيد من سادات الأَنصار - فقد قال للرسول معتذرًا - عندما لقيه مهنئًا بالنصر في الروحاء - والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن أَنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال له الرسول صدقت.
وكان خروج النبي بجيشه من المدينة يوم الأَربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة.
أمير على المدينة
وقد استعمل على المدينة للصلاة بالناس ابن أُم مكتوب (٢).
أَما الإِمارة على المدينة فقد أَسندها لأَبى لبابة (٣) الذي أَعاده من الروحاء، بعد أَن أَعفاه من الاشتراك في حملة بدر.
_________________
(١) هو أسيد (بالضم) بن الحضير بن سماك بن عتيك الأنصاري الأشهلى، كان من السابقين الأُولين في الإسلام، شهد بيعة العقبة، وكان أحد النقباء فيها، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا بين الأنصار، وقالت عائشة ﵂ ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بي عبد الأشهل، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، شهد أسيد أحدًا، وكان من الثابتين بعد الهزيمة وجرح في تلك المعركة سبع جراحات مات ﵂ سنة إحدى وعشرين من الهجرة.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٣) أبو لبابة، اسمه رفاعة بن عبد المنذر الأوسى الأنصاري، شهد بيعة العقبة وكان أحد نقبائها الإثنى عشر، كان أحد الذين تخلوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم تاب الله عليه مع من تاب، شهد فتح مكة، وكان معه لواء قومه بني عوف مات في خلافة علي، وقيل عاش إلى ما بعد الخمسين من الهجرة.
[ ١ / ١٢٢ ]
توزيع القيادات
وعند خروج الجيش من المدينة دفع لواء القيادة العامة (التي يتولاها - ﷺ - بنفسه) إلى مصعب بن عمير القرشي، وكان هذا اللواءُ أَبيضًا.
كما قسم - ﷺ - جيشه إلى كتيبتين، وكان هذا التقسيم على أَساس قَبَلى.
فقد كانت كتيبة المهاجرين - التي أَعطى علمها لعلي بن أَبي طالب (١) - منفصلة عن كتيبة الأَنصار التي أَعطى علمها لسعد بن معاذ (٢) بينما ظلت قيادة هاتين الكتيبتين العليا في يد الرسول - ﷺ - كقائد أَعلى للجيش.
كما أَعطى قيادة ميمنة الجيش للزبير بن العوام، والميسرة للمقداد بن عمرو الكندى وهما الفارسان الوحيدان في جيش المدينة، كما أَعطى قيادة الساقة (المؤخرة) لقيس بن أَبي صعصعة.
_________________
(١) هو علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله، غني عن التعريف، رابع الخلفاء الراشدين وزوج فاطمة البتول وأول الناس إسلامًا، أحد العشرة المبشرين بالجنة، فارس بني عبد مناف وبطلها المغوار، شهد المعارك كلها مع رسول الله ﷺ تولى الخلافة بعد أن ضربت الفتنة أطنابها على الأمة الإسلامية، فكان ﵁ مثال العدل والعفة والنزاهة، قتله اللعين، عبد الرحمن بن الملجم غدرًا، ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة.
(٢) هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسى، كان سيد الأوس في الجاهلية. والإسلام، وهو الذي قال فيه النبي لما مات "اهتز العرش لموت مسعد بن معاذ" جرح يوم الخندق ومات من جرحه. ذاك بعد شهر وذلك سنة خمس من الهجرة.
[ ١ / ١٢٣ ]
مبلغ قوة جيش المدينة
وكان جيش المدينة يتأَلف من ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا.
منهم، مائتان وواحد وثلاثون من الأَنصار .. ومائة وسبعون من الخزرج، وواحد وستون من الأَوس.
أَما المهاجرون فقد كانوا ستة وثمانون رجلا (١).
ومن الجدير بالذكر أَنه ليكن بين هؤلاء المهاجرين من القرشيين سوى واحد وأَربعين رجلا.
من بني هاشم ثلاثة، ومن بني المطلب أَربعة، ومن بني عبد شمس واحد، ومن بني عبد العزي واحد. ومن بني عبد الدار اثنان، ومن بني زهرة ثلاثة، ومن بني تيم واحد، ومن بني مخزوم ثلاثة، ومن بني عدي أربعة، ومن بني جمح خمسة، ومن بني سهم واحد، ومن بني عامر خمسة ومن بني الحارث ستة.
أَما الباقون، وهم خمسة وأَربعون فقد كانوا من الموالى والحلفاء.
فالموالى كانوا اثنا عشر، منهم أَربعة من العرب. وثمانية من العجم.
أَما الحلفاءُ من العرب (غير القرشيين) فقد كانوا ثلاثة وثلاثون.
أَما سلاح النقليات في هذه الحملة فقد كان سبعين بعيرًا وفرسين فقط، أَحدهما مع المقدام بن الأسود والثاني مع الزبير بن العوام.
_________________
(١) وقد ذكر المؤرخون أن ثمانية من هؤلاء ثلاثة من المهاجرين وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن زيد، وخمسة من الأَنصار، قد غابوا عن المعركة في مهام تتعلق بالإسلام فأعلن الرسول أن لهم أجر من شهدها وضرب لهم بسهم كمن شهدها، ولهذا اعتبروا في عداد البدريين وإن لم يشهدوا بدرًا.
[ ١ / ١٢٤ ]
لا فرق بين قائد وجندي
وكان أَفراد الجيش مع قوادهم يعتقبون السبعين بعيرًا في حملتهم هذه، فقد خصص جمل لكل جماعة يركبونه بالتناوب حتى بدر.
وكان الرسول - ﷺ - ومرثد بن أَبي مرثد (١) وعلي بن أبي طالب يعتقبون بعيرًا، فطلب ابن أَبي طالب وابن أَبي مرثد من زميلهما النبي - ﷺ - أَن يتنازلا عن حصتهما في ركوب البعير له، وقالا له، نحن نمشى عنك، فقال - ﷺ - "ما أَنتما بأَقوى منى ولا أَنا بأَغنى الأَجر عنكما" وأَبى إلا أَن يكون حصته في ركوب البعير كواحد منهما.
الاستخبارات النبوية
أَمر الرسول - ﷺ - بقطع الأَجراس من أَعناق الإِبل (٢) ويظهر أَن ذلك من أَجل إخفاء حركات الجيشى، لأَن الأَجراس تحدث أَصواتًا عالية عند سير الجمال، وهذا مما قد يسهل على العدو معرفة مكان الجيش، ولهذا (والله أَعلم) أمر الرسول بقطعها من أَعناق الإِبل.
وكما هي العادة في الظروف الحربية التي تتطلب الحيطة والحذر، بث الرسول عيونه - وهم المعبر عنهم في العصر الحديث بالاستخبارات أَو سلاح الاستكشاف، انتشر رجال سلاح الاستكشاف أَمام الجيش هنا وهناك، بغية التعرف على أَخبار قافلة العدو، وكان أَحد هؤلاء
_________________
(١) هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي، من قبيلة قيس بن غيلان المضرية، قتل شهيدًا في غزوة ذات الرجيع سنة ثلاث من الهجرة.
(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ٢٦١.
[ ١ / ١٢٥ ]
بسبس بن عمرو الجهني (١) وعدي بن أَبي الزغباء (٢) اللذين كانا أَول من بعثهم النبي في اتجاه بدر يتجسسان الأَخبار عن أَبي سفيان.
الطريق إلى بدر
وقد سلك الرسول في طريقه من المدينة إلى بدر، على نقب المدينة (٣)، ثم العقيق (٤) ثم ذي الحليفة (٥) ثم أَولات الجيش (٦) ثم تربان (٧) ثم ملل (٨) ثم غميس الحمام (٩) ثم صخيرات اليمامة (١٠) ثم السيالة (١١) ثم فج الروحاء، ثم شنوكة (١٢).
وعند مغادرته بئر الروحاء ترك طريق مكة بيسار ثم انحرف ذات اليمين على النازية يريد بدرًا، حتى إذا سلك واديًا يقال له وحقان - بين النازية ومضيق الصفراء - انصب منه، ثم ترك وادي الصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران (١٣)، وعند خروجه من هذا الوادي بلغه خبر خروج جيش مكة وزحفه في اتجاه بدر. وبعد
_________________
(١) هو بسبس بن عمرو الغطفاني الجهني.
(٢) هو عدي بن أبي الزغباء الغطفاني الجهني، توفي في خلافة عمر.
(٣) خرق في الجبل بالقرب من المدينة.
(٤) العقيق -بفتح أوله وكسر ثانيه- واد يمر بضواحي المدينة.
(٥) ذو الحليفة -بضم الحاء وفتح اللام- مكان بينه وبين المدينة ستة أميال.
(٦) أولات الجيش، واد بين ذي الحليفة وتربان.
(٧) تربان - بالضم - واد بين ذات الجيش وملك.
(٨) ملل -بفتح الميم واللام- موضع بينه وبين المدينة ليلتان للقافلة.
(٩) غميس الحمام -بفتح أوله وكسر ثانيه- واد بعد ملل.
(١٠) السيالة، موضع بين ملل والروحاء.
(١١) الروحاء -بفتح الراء- موضع على أربعين ميلا من المدينة.
(١٢) شنوكة -بفتح أوله وضم ثانيه- جبل بعد الروحاء قريب من بدر.
(١٣) ذفران - بالفتح، ثم فاء بالكسر، وراء مهملة - واد قرب وادي الصفراء.
[ ١ / ١٢٧ ]
خروجه من وادي ذفران سلك على ثنايا، يقال لها، الأُصافر، ثم أَنمط منها إلى بلد - قرب بدر - يقال له .. الدبة، وترك الحنان (١) بيمين، نم نزل قريبًا من بدر.
استنجاد أبي سفيان بمكة
أَما أَبو سفيان - وهو المسئول الأَول عن عير قريش - فقد كان على غاية من الحيطة والحذر حيث كان يعلم جيدًا أَن طريق مكة محفوف بالأَخطار.
لذلك لم تكد قدماه تطأُ التراب الحجازي في الشمال حتى انتشرت استخباراته أَمامه تترصد الأَخبار لمعرفة ما إذا كانت هناك تحركات عسكرية من قبل محمد - ﷺ - للإيقاع بالقافلة.
ولم يطل التجسس بأَبي سفيان، فقد نقلت إليه استخباراته أَن محمدًا - ﷺ - قد استنفر أَصحابه للقافلة وأَنهم قد غادور المدينة للإيقاع بها.
وهنا أَسقط في يد أَبي سفيان، وتمثل أَمامه الخطر كبيرًا مريعًا، لذا قرر في الحال إبلاغ قادة قريش في مكة حقيقة الخطر المحدق بعيرهم، طالبًا منهم الإسراع لإنقاذها، وحمايتها من الوقوع في قبضة محمد - ﷺ -.
النذير في مكة
وما هي إلا مدة قصيرة حتى ظهر رسول أَبي سفيان (ضمضم بن عمرو الغفاري) في أَعلى الأَبطح بمكة واقفًا على بعيره، قد حول رحله وشق رداءه صارخًا بأَعلى صوته - يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة،
_________________
(١) الحنان - كثيب عظيم كالجبل يقع على العدوة الدنيا القريبة من بدر.
[ ١ / ١٢٨ ]
أَموالكم مع أَبي سفيان، قد عرض لها محمد وأَصحابه، لا أَرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
وقد انزعجت مكة لهذا النبإِ الخطير انزعاجًا كبيرًا، قررت على أَثره في الحال تجهيز جيش قوى لإنقاذ العير، وبأَسرع ما يمكن.
وقد اشترك في تجهيز هذا الجيش بالرجال والمال جميع قبائل قريش، كما ضم جميع زعماء قريش وقادتها، ما عدا أَبى لهب الذي تأَخر لمرض أَلمّ به، وبعث عنه بديلا، وصفوان بن أُمية لأَن أباه وأَخاه ممن انخرط في سلك هذا الجيش.
مشكلة قبائل بني بكر من كنانة (١)
وبعد تجهيز الجيش تذكر زعماءُ مكة ما بينهم وبين بني بكر من كنانة، من الحرب، وخافوا أَن تضربهم هذه القبائل من الخلف،
فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك أَن يثنيهم عن الزحف لإِنقاذ العير غير أَن إِبليس تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وكان
من أَشراف كنانة، وقال لهم أَنا جار لكم من أَن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا، قال ابن كثير في تاريخه (٢)
(قلت)
وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ
_________________
(١) هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، يتصل نسبهم بقريش في كنانة بن خزيمة كانت منازلهم تنتشر بين مكة والمدينة، وكانت الحرب بينهم وبين قريش قائمة عندما تجهز جيش مكة للخروج لإنقاذ العير، وكان سبب هذه الحرب أن رجلا من بني عامر بن لؤي من قريش قتل رجلا من بكر هؤلاء.
(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ٢٥٩.
[ ١ / ١٢٩ ]
لشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
جيش مكة يتحرك
تحركت مكة (بعد أَن ضمنت موقف بني بكر) ثم نفرت بصناديدها وانطلق سوادها يغلي كالبركان.
فقد فصل منها جيش ضخم بلغ تعداده حوالي أَلف وثلاثمائة مقاتل .. تحرك هذا الجيش بسرعة فائقة نحو الشمال في تجاه بدر، فامتطى الصعب والذلول، بغية إنقاذ العير قبل وقوعها في قبضة جيش للمدينة.
وقد سلكوا في طريقهم إلى بدر وادي عسفان (٢) ثم قديد (٣) ثم الجحفة (٤) ثم الأَبواء (٥) ثم إلى بدر، وقد كان معهم ستون فرسًا وستمائة درع، وجمال كثيرة لم يعرف عددها بالضبط.
الممولون لجيش مكة
وكان المطعمون لجيش مكة والقائمون بتموينه تسعة من زعمائها وهم:
_________________
(١) الأنفال، ٤٧ - ٤٨.
(٢) عسفان -بضم العين وسكون السين- يقع في طريق القوافل بين مكة ورابغ.
(٣) قديد -بضم القاف وفتح الدال- مكان بين عسفان ورابغ يقع بالقرب من تول -بضم التاء وفتح الواو-.
(٤) الجحفة بالضم ثم السكون - قرية على وادي رابغ بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين مكة بطريق القوافل حوالي ١٢٢ ميلا.
(٥) الأبواء - بالفتح ثم السكون - قرية على بعد ثلاثة وعشرون ميلا من الجحفة مما يلي المدينة.
[ ١ / ١٣٠ ]
- أبو جهل بن هشام، نحر لهم عشرًا من الإبل حين خروجهم من مكة.
- أمية بن خلف، نحر لهم تسعًا بعسفان.
- سهيل بن عمرو (١)، نحر لهم عشرًا بقديد.
- شيبة بن ربيعة، نحر لهم تسعًا على مياه البحر بالقرب من قديد.
- عتبة بن ربيعة نحر لهم عشرًا في الجحفة
- نبيه ومنبه أبناء الحجاج نحرا لهم عشرًا بالأبواء.
- أبو البحترى بن هشام، نحر لهم عشرًا في بدر.
وبينما كان جيش مكة يتحرك بسرعة نحو بدر كان أبو سفيان يواصل سيره نحو مكة، وبالرغم من تأكده من إسراع مكة بنجدته فإنه ظل حذرًا متيقظًا، يرسم الخطط لكل الاحتمالات إلى قد يتعرض لها قبل اتصاله بجيش مكة، فهو لذلك لم يستسلم في انتظار نجدة قريش.
فقد ضاعف حركاته الاستكشافية، وبذل كل ما في وسعه لتتبع أخبار جيش المدينة ليتجنب الاصطدام به، ويفلت من قبضته. وبالرغم من حذر أبي سفيان وتيقظه، فإنه لم يغير اتجاهه الطبيعي العادى في سيره نحو مكة، فقد كان يسير بالقافلة من الشمال نحو الجنوب في اتجاه بدر، تاركًا المدينة عن يساره.
ساعة حرجة
وقد كانت ساعة حرجة بالنسبة لأبي سفيان عندما كاد يقع مع
_________________
(١) ستأتي ترجمته فيما يلي.
[ ١ / ١٣١ ]
القافلة في قبضة المسلمين، عند اقترابه من بدر لولا أن أسعفه الحظ عندما لقى مجدى بن عمرو وسأله عن جيش محمد، فقال ما رأيت أحدًا أنكره إلا أنني رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا.
وهنا أسرع أبو سفيان إلى مناخ راحلتى الرجلين وتناول بعرات من فضلاتهما، وعند فحصها وجد فيها النوى (بذر التمر) فقال هذه والله علائف يثرب، وتأكد لديه أن الرجلين من أصحاب محمد، وأن جيشه لا شك قريب من العير إلى قد تقع بين لحظة وأخرى في قبضته.
وهنا رجع إلى العير مسرعًا وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة.
جيش مكة ونجاة العير
وبعد أن تأكد أبو سفيان من نجاة العير أبلغ قريشًا ذلك وطلب منهم - ناصحًا - أن يعودوا بالجيش إلى مكة، قائلا (في رسالة بعث بها إليهم، وصلتهم في الجحفة) إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله، فارجعوا.
ولكن أبا جهل (وهو من أكبر الحاقدين على النبي محمد) - ﷺ - رفض نصيحة أبي سفيان وأصر على أن يستمر الجيش في زحفه حتى بدر قائلا وكبرياءٍ وغطرسة:
والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم
[ ١ / ١٣٢ ]
الطعام ونسقى الخمر وتعزف لنا القيان (١) وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا. فامضوا (٢).
أول انشقاق في جيش مكة
وقد كان قصد أبي جھهل من استمرار جيش مكة في زحفه حتى بدر (بالرغم من نجاة العير) أن يكون هذا الزحف بمثابة مناورة عسكرية كبرى تبرز فيها قوة مكة وتتجسد فيها هيبتها أمام قبائل العرب - وخاصة الضاربة بين مكة والمدينة - والتي سيمر بأراضيها هذا الجيش الضخم الذي تشھهد بلاد العرب مثل ضخامته منذ ظهور الإسلام.
اجعلوا جبنها بي
ولكن الأخنس بن شريق الثقفي (٣) حليف بني زهرة وقائد قبيلتها في هذا النفير - عارض أبا جهل في رأيه ووقف في الجيش خطيبًا موجها كلامه إلى بني زهرة قائلا:
يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص صاحبكم مخرمة بن نوفل (٤)، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا
_________________
(١) القيان جمع قينة بفتح القاف وسكون الياء، الأمة المغنية، والماشطة.
(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ٢٦٦.
(٣) هو الأخنس بن شريق بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، كان سيدًا عاقلا ومطاعًا في قومه، سمى الأخنس، لأنه انخنس، أي انفصل ببنى زهرة من جيش مكة بعد نجاة العير، أسلم عام الفتح. وشهد حنينًا مع الرسول - ﷺ -.
(٤) هو مخرمة بن نوفل بن عبد مناف الزهري، كان أحد رجال العير التي نجا بها أبو سفيان. أسلم عام الفتح ومات سنة خمس وخمسين من الهجرة وعمره ١١٥ سنة.
[ ١ / ١٣٣ ]
فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة. لا ما يقول هذا، يعني أبا جهل.
وكان الأخنس الثقفي هذا سيدًا مطاعًا في بني زهرة، لذا أطاعوه ورجعوا جميعهم من الجحفة ولم يشهد بدرًا زهرى واحد. وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل.
حرج موقف المسلمين
استمر جيش مكة في زحفه نحو الشمال، في خيلاءٍ متزايد وكبرياءٍ متناه، متبعًا رأى أبي جهل الذي قاده في النهاية إلى هزيمة منكرة، لم تشهد قريش مثلها في تاريخها الطويل.
أما المسلمون فقد بلغهم خبر نجاة أبي سفيان بالقافلة، ولكن الخبر الذي هو أهم من خبر إفلات القافلة هو خبر تحركات جيش مكة الضخم واستمراره في الزحف نحو بدر بالرغم من نجاة العير التي لم يخرج إلا لحمايتها.
فمما لا شك فيه، أن ترك جيش الشرك يجوس خلال الديار في تلك المنطقة الحساسة، ويستعرض عضلاته بين القبائل الضاربة بين مكة والمدينة، فيه تحد سافر لمعسكر المدينة المسلم، وتدعيم لمكانة قريش العسكرية وامتداد لسلطانها السياسي، وإضعاف لنفوذ الإسلام الذي أخذ ينتشر في تلك البقاع التي كانت (منذ الهجرة) مجالا لسرايا عسكرية يقوم بها جيش النبي لإعلاء كلمة الله وتوهين كلمة الكفر.
فسير جيش مكة في استعراضاته الاستفزازية من مكة حتى بدر،
[ ١ / ١٣٤ ]
دون أن يشتبك مع جيش المدينة الذي كان هو الآخر متجها بزحفه نحو بدر، معناه النكول عن القتال، وهذا لو حدث من جانب جيش محمد - ﷺ -، سيكون له أسوأُ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم العسكرية في تلك المنطقة، وقد يشجع هذا النكول أبا جهل على نقل المعركة إلى أسوار المدينة وغزو النبي في عقر داره بهذا الجيش نفسه.
المجلس العسكرى الأعلى
لهذا اهتم الرسول - ﷺ - بهذه التطورات الخطيرة المفاجئة، غاية الاهتمام. وكانت رغبة الرسول أكيدة وقوية في الاشتباك مع جيش مكة في بدر، مهما كان الثمن.
ولكنه بالرغم من هذا، وبالرغم من أنه النبي المرسل من عند الله، وبالرغم من أنه القائد الأعلى للجيش. فقد قرر أن لا ينفرد بالقول الفصل وأن لا يتفرد برأيه حيال هذه التطورات العسكرية المباغتة وذلك عملا بمبدأ الشورى الذي جاء به الإسلام ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
لذلك سارع الرسول - ﷺ - إلى عقد ما يسمى بلغة عصرنا (مجلسًا عسكريًا) أعلى تبادل فيه الرأي مع قادة جيشه ليعرف وجهات نظرهم حيال هذا الموقف الخطير.
خطورة الموقف
إن تطور الموقف إلى هذه الدرجة من الخطورة كان امتحانًا مباغتًا لجيش المدينة الصغير الذي لم يكن مستعدًا لخوض مثل هذه المعركة.
فخروجه في البداية إنما كان من أجل الاستيلاء على قافلة لا يزيد
[ ١ / ١٣٥ ]
عدد حراسها على أربعين مقاتلا وهو أمر لا يحتاج إلى أكثر مما قام به هذا الجيش من استعدادات.
ولكن هذا الأمر اليسير (وبطريقة مباغتة) تحول إلى أمر خطير جعل المسلمين في مأزق حرج، فقد أفلت الأربعون راكبًا ونجوا بقافلتهم ووجد هذا الجيش الصغير (جيش المدينة) نفسه - بدلا من حرس العير الأربعين - أمام جيش لجب تقوده الخيلاء وتدفعه الكبرياءُ والتحدى، قد جمع بين صناديد مكة وفرسانها.
والاصطدام مع هذا الجيش القوى الكبير يحتاج من المسلمين (قبل الإقدام عليه) إلى بحث المقدمات والتفكير في النتائج.
ولهذا عقد الرسول - ﷺ - مجلسه العسكرى الاستشارى (١) الأعلى الذي أحب أن يطلع فيه على حقيقة آراء قادة جيشه في ذلك الظرف الدقيق.
إجماع القادة على ملاقاة جيش مكة
ولكن هذا المجلس لم يكد ينعقد، حتى وقف قادة المهاجرين يعلنون تصميمهم على الاشتباك مع جيش الشرك مهما كان الثمن.
وقد جاء إعلانهم هذا صريحًا في قول أحد قادتهم، وهو المقداد بن عمرو (٢) الذي وقف خطيبًا في المجلس قائلا:
_________________
(١) ثم عقد هذا المجلس بعد خروج جيش المدينة من وادي الذفران مباشرة وذلك بالقرب من بدر.
(٢) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة العامري، ويقال له المقداد بن الأسود الكندى الحضرمي، لأن أباه أصاب دمًا في قومه فلحق بحضرموت وحالف كندة وتزوج منهم امرأة فولدت له المقداد، ولما كبر المقداد، حدث شجار بينه وبين أبي شمر بن حجر =
[ ١ / ١٣٦ ]
"يا رسول الله امض لما أراك فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد (١) لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه" فقال له الرسول خيرًا.
الكلمة الأخيرة للأنصار
ولكن الرسول إذا كان قد عرف رأى المهاجرين في هذا المجلس (وهم أقلية في الجيش) فإنه لم يعرف بعد حقيقة موقف الأنصار الذين سيدور ثقل المعركة القادمة على كواهلهم، لأنهم يمثلون أغلبية الجيش، ولأن نصوص معاهدة العقبة لا تلزمهم صراحة بالقتال خارج ديارهم، حيث جاء في أحد بنودها:
"إنهم (أي الأنصار) برآءُ من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فإذا وصل إليهم فإنه في ذمتهم يمنعونه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءَهم".
فكان لذلك، يخشى ألا تكون الأَنصار ترى نصره إلا ضد من يهاجمه بالمدينة.
ولهذا أحب أن يرى (بصفة خاصة) حقيقة موقف الأنصار من
_________________
(١) = الكندي فضرب رجله بالسيف، وهرب إلى مكة وحالف الأسود بن عبد يغوث فتبناه الأسود ولذلك قيل له المقداد بن الأسود وغلب عليه ذلك ولما نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قيل له المقداد بن عمرو، هاجر المقداد الهجرتين وكان شجاعًا، مات -﵁ - سنة ثلاث وثلاثين هجرية.
(٢) برك الغماد: يقال إنه أقصى معمور في الأرض.
[ ١ / ١٣٧ ]
خوض المعركة المقبلة، فقال (بعد سماع موافقة المهاجرين) "أشيروا عليّ أَيها الناس" - يقصد الأَنصار -.
وهنا نهض سعد بن معاذ (١) سيد الأَنصار، وصاحب لواء كتيبتهم وقال:
لكأنك تريدنا يا رسول الله؟؟
فقال - ﷺ -: أجل.
فأعلن القائد الأنصاري موافقة الأَنصار المطلقة وتصميمهم الصادق على ملاقاة جيش العدو قائلا مخاطبًا النبي ﵊ قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا إننا لصُبُرٌ في الحرب. صدق في اللقاء: ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
إلى المعركة
وهنا سر الرسول - ﷺ - بعد أن عرف رغبة الفريقين الصادقة في الاشتباك مع جيش الشرك، ونشطه ذلك ..
وفورًا أمر الجيش بمواصلة التحرك نحو بدر وقال:
"سيروا، وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأَني أنظر إلى مصارع القوم". فتحرك الجيش نحو مياه بدر.
_________________
(١) ستأتي ترجمته.
[ ١ / ١٣٨ ]
النبي في سلاح الاستكشاف
ومن أروع الأمثلة التي ضربها النبي - ﷺ - للقائد اليقظ المتواضع أنه عندما نزل بأصحابه بالقرب من بدر - حيث يربض جيش مكة الضخم قام بنفسه - مع بعض أصحابه - بعملية الاستكشاف لمعرفة أخبار جيش العدو، محاولا بنفسه التعرف على حقيقة قوة هذا الجيش وأين هو.
وبينما كان الرسول يتجول حول معسكر مكة، مع أحد أصحابه مخاطرًا بنفسه، إذا به يقف على شيخ من العرب، فأحب أن يسأله عن قريش، ولكنه خاف أن يشتبه الشيخ فيه ويظنه من جيش المسلمين فسأله عن جيش قريش وجيش المسلمين معًا، زيادة في التكتم والاحتياط.
ولكن الشيخ (بدافع الفضول) قال للنہبي - ﷺ -: لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أَنتما؟؟ .
فقال له الرسول إذا أخبرتنا أخبرناك
قال الشيخ أو ذاك؟ .
قال النبي، نعم.
قال الشيخ، فإنه بلغى أن محمدًا وأصحابه، خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش الرسول - ﷺ -، وأنه بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش مكة .. ولما فرغ الشيخ من خبره قال .. ممن أَنتما؟ فقال الرسول - ﷺ - نحن من ماء ثم انصرف، بعد أن عرف (بالتحديد)
[ ١ / ١٣٩ ]
مكان جيش العدو دون أن يعرف الشيخ من هو. وهذا تشريع حربي شرعه الرسول، يجوز أو يجب بموجبه الحصول على أَخبار العدو بأَية وسيلة، حتى ولو أَدى إلى التمويه ما دام في ذلك مصلحة جيش المسلمين وسلامته.
وبعد أن رجع النبي - ﷺ - إلى مقر قيادته والجيش، بعث في مساء ذلك اليوم استخباراته من جديد لترصد له أخبار جيش العدو.
فقد انتدب ثلاثة من قادة المهاجرين (علي بن أبي طالب والزبير بن العوام (١) وسعد بن أبي وقاص (٢) مع نفر من أصحابة إلى ماء بدر نفسها للحصول على مزيد من أخبار العدو.
الحصول على أهم المعلومات عن جيش مكة
وعند الماء في بدر، وجدوا غلامين تابعين لجيش المشركين يستقيان فاقتادوهما إلى المعسكر النبوي، حيث استجوبهما الرسول، وعرف منهما عن جيش العدو ما يجب أن يعرفه قائد عن جيش عدوه ..
_________________
(١) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، غنى عن التعريف، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، هاجر الهجرتين، وقتل في فتنة الجمل بعد أن خرج تاركًا القتال ومقتنعًا بأنه غير مصيب في موقفه من علي، قتله عمرو بن جرموز غدرًا في وادي السباع، وكان قتله سنة ست وثلاثين وله من العمر ست أو سبع وستون سنة.
(٢) هو سعد بن مالك بن أهيب الزهري، غنى عن التعريف كان سابع سبعة في إسلامه، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان على غاية من الورع ومراقبة الله، اعتزل الفتنة ولم يقاتل مع أي مع الأطراف المتنازعة بعد مقتل عثمان، مات سنة ثمان وخمسين هجرية على خلاف في ذلك.
[ ١ / ١٤٠ ]
فقد سأل الرسول الغلامين عن مكان جيش مكة فقالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.
فقال لهما: كم القوم، قالا كثير، فقال ما عدتهم؟ قالا: لا ندري قال كم ينحرون كل يوم (أي من الإبل)؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.
فقال الرسول لأَصحابه: القوم فيما بين التسعمائة والأَلف.
ثم سأَل الغلامين عمن في الجيش من أَشراف مكة وقادتها.
فأَخبراه أَن منهم القادة - عتبة بن ربيعة وشيبة أَخاه وأَبا جهل بن هشام، وأَبا البحترى بن هشام وأُمية بن خلف والعباس بن عبد المطلب (١)، وسهيل بن عمرو، ونبيه ومنبه أَبناء الحجاج وغيرهم أَشراف مكة.
وهنا تأكد الرسول من قوة جيش العدو وضخامته، والتفت نحو قادة جيشه قائلا:
"هذه مكة قد أَلقت إليكم أَفلاذ كبدها " - (يعني من بجيش مكة من قادتها وأَشرافها).
نموذج من الشورى الصحيحة
وفي اليوم السادس عشر من شهر رمضان المبارك للسنة الثانية من
_________________
(١) هو العباس بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ غني عن التعريف، شهد بدرًا مع المشركين مكرها، فأسر، وفيه قال النبي "من أذى العباس فقد آذاني" أسلم وهاجر قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة وثبت يوم حنين مع النبي عند انهزام المسلمين عند الصدمة الأولى، مات بالمدينة سنة اثنين وثلاثين.
[ ١ / ١٤١ ]
الهجرة، تحرك الرسول - ﷺ - بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه.
وفي أثناء هذا التحرك، حدثت حادثة، تجلت فيها ديمقراطية الرسول (إن صح هذا التعبير)، فقد نزل الرسول - ﷺ - بالجيش بماء من مياه بدر، رأَى أَحد القادة أَنه ليس من المصلحة الحربية النزول فيه، وهذا القائد، هو الحباب بن المنذر الأَنصاري (١)، الذي قال (ناصحًا كخبير عسكرى) يا رسول الله:
أَرأَيت هذا المنزل، أَمنزلا أَنزلكه الله، ليس لنا أَن نتقدمه، ولا نتأَخر؟ أَم هو الرأي والحرب والمكيدة؟؟ .
فقال الرسول - ﷺ -: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال الخبير العسكري (الحباب):
يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأْتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور (أَى نخرّب) ما وراءَه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال الرسول - ﷺ - "لقد أَشرت بالرأْى"، ونهض بالجيش فسار حتى إذا أَتى أَقرب ماء من العدو، نزل عليه ثم أَمر بالقلب فغوّرت (حسب رأْي الحباب بن المنذر) ثم بنى حوضًا علي القليب الذي نزل عليه فملى ماءً.
_________________
(١) هو الحباب بن المنذر بن الجموح الخزرجي الأنصاري، وهو الذي قال يوم السقيفة بعد موت النبي (أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب)، مات في خلافة عمر، وقد زاد على الخمسين.
[ ١ / ١٤٢ ]
الكشافة في جيش العدو
أَما قريش فبعد أَن اطمأَنت في معسكرها بالعدوة القصوى من الوادي بثت سلاح استكشافها حول جيش المدينة، للتعرف علي حقيقته ومدي قوته، فدار عمير بن وهب (١) أَحد رجال استخبارات جيش مكة، حول جيش المدينة، ثم عاد إلى قريش ليخبرهم أَن جيش محمد هو ثلاثمائة مقاتل يزيدون قليلا أَو ينقصون قليلا، ثم ضرب بفرسه راكضًا خلف جيش المسلمين، للاستكشاف فيما إذا كان هناك كمين يحمى ظهور المسلمين أو عدهم عنداللزوم، ولكنه عاد وطمأَن قريش بأن لا وجود لأَي كمين للمسلمين.
البلايا تحمل المنايا
غير أنه (كخبير عسكري) نصح قادة مكة وحذرهم قائلا يصف رجال جيش محمد - ﷺ -:
لقد رأيت البلايا تحمل المنايا نواضح (٢) يثرب تحمل الموت الناقع (٣)، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأَ إلا سيوفهم، والله ما أَري أَن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أَصابوا منكم أَعداءَهم، فما خير العيش بعد ذلك؟؟ فروا، رأْيكم.
_________________
(١) هو عمير بن وهب بن خلف الجمحي القرشي، كان من شياطين قريش، ذهب إلى المدينة بعد وقعة بدر لاغتيال النبي ﷺ فهداه الله للإسلام، فصار من أكبر دعاته وأنصاره.
(٢) النواضح: الإبل التي يستقي عليها.
(٣) موت ناقع، دائم.
[ ١ / ١٤٣ ]
[خارطة تقريبية لميدان بدر]
[ ١ / ١٤٤ ]
الانشقاق الثاني في جيش مكة
وعند سماع كلام قائد سلاح الاستكشاف (عمير بن وهب) قامت معارضة أُخرى ضد أَبي جهل تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال.
وكانت هذه المعارضة، أكبر من المعارضة إلى قادها الأَخنس بن شريق ضد أَبي جهل في منطقة رابغ ورجع على أَثرها إلى مكة بقبيلة بني زهرة قبل الوصول إلى بدر.
قاد هذه المعارضة الأَخيرة عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس سانده حكم بن حزام، فقد كأن رأْي هذه المعارضة التي ظهرت (قبل نشوب المعركة) بيوم أَو بعض يوم، تحاشي الاصطدام مع جيش المدينة، وموادعته والرجوع إلى مكة دونما قتال.
فقہل مشى حكيم بن حزام (١) بين قادة جيش مكة يدعو لتأْييد هذه المعارضة.
أنت كبير قريش وسيدها
فقد أَتى حكيم عتبة بن ربيعة الأُموي (أَول قتيل يوم بدر بين الصفين) وقال يا أَبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها المطاع، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك؟ قال ترجع باناس وتحمل أَمر حليفك عمرو بن الحضرمي (٢).
_________________
(١) هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى: ابن أخي خديجة أم المؤمنين ﵂، كان من سادات قريش، وكان صديقًا للنبي قبل البعثة، أسلم عام الفتح، مات سنة ستين هجرية في خلافة معاوية.
(٢) عمرو هذا هو الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش في آخر يوم من رجب سنة اثنين هجرية وكان حليف بني عبد شمس بن عبد مناف.
[ ١ / ١٤٥ ]
فقال عتبة: قد فعلت أَنت على - أَى ضامن على - بذلك، إنما هو حليفي فعلي عَقْلُه (أي ديته) وما أُصيب من ماله، وطلب عتبة من حكيم أَن يقنع أَبا جهل الذي فرص نفسه على الجيش قائدًا، لأَنه يخشي عناده ومكابرته قائلا: فأْت ابن الحنظلية - يعني أَبا جهل -: فإِني لا أَخشي أَن يشجر أَمر الناس غيره.
عتبة يخطب في جيش مكة
ثم وقف عتبة بن ربيعة خطيبًا في الجيش قائلا، وداعيًا إلى انسحاب دونما ققال:
يا معشر قريش .. إنكم والله ما تصنعون بأَن تلقوا محمدًا وأَصحابه شيئًا. والله لكن أَصبتموه، لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، لأَنه قتل ابن عمه أَو ابن خاله أَو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه، فذاك الذي أَردتم، ولن كان غير ذلك أَلفاكم سالمتموه.
ركب الجمل الأحمر
وقد جاءَت محاولة عتبة السلمية هذه مصداقًا لقول النبي - ﷺ - الذي قال عند ما رأَي جيش مكة إن يكن في أَحد من القوم خير في راكب الجمل الأَحمر. إن يطيعوه يرشدوا، وكان راكب الجمل الأَحمر هذا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صاحب هذه المحاولة السليمة.
[ ١ / ١٤٦ ]
ثورة أبي جهل
ولكن أَبا جهل لم يكد يعلم بدعوة عتبة بن ربيعة السلمية حتى استشاط غضبًا، ثم اتهم عتبة بالجبن، والخوف على ابنه من القتل.
فقال لحكم بن حزام الذي كان رسول عتبة إليه قد انتفخ الله سحره (١) حين رأَي محمدًا وأَصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وما بعتبة ما قال ولكنه رأَي أَن محمدًا وأَصحابه أَكلة جزور، وفيهم ابنه فتخوفكم عليه (وكان أَبو حنيفة بن عتبة موجودًا وجيش المسلمين، لأَنه من السابقين الأَولين والإِسلام)، ثم تزايد غضب أَبي جهل وجرّد سيفه في عصبية زائدة ثم ضرب به متن فرسه، فقال له أَيماء (٢) بن رحضة الغفاري وقد رأَى الشر في وجهه: بئس الفأْل هذا.
ولما بلغ عتبة قول أَبى جهل انتفخ والله سحره - وهي كلمة يقولها العرب لمن غلبه الخوف واستبد به الفزع - سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو.
وهكذا ولأَمر يريده الله، تغلَّب الطيش على الحكمة والرويَّة، فهزمت معارضة صاحب الجمل الأحمر، وتغلب رأْى أَبى جهل، فحمل جيش مكة على الاصطدام بجيش المدينة.
_________________
(١) السحر -بفتح السين وسكون الحاء- الرئة وما حولها وانتفاخها كناية عن شدة الخوف وتمكن الفزع.
(٢) أيماء الغفاري هذا كان قد أهدي لجيش مكة عشرة جزائر فنحروها ثم أرسل ابنه ليبلغهم أن غفار مستعدة لمدهم بالمتطوعين والسلاح قائلا (إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا، فشكروه، وقالوا له: إن كنا إنما نقاتل الناس ما بينا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة).
[ ١ / ١٤٧ ]
الحقد الأسود
لقد كان أَبو جهل من أشد الناس حقدًا على المسلمين وبغضًا لنبيهم، وكان يتميز غيظًا لتمكن النبي من الإِفلات من قبضة المشركين في مكة، وكان هو صاحب الاقتراح الذي وافق عليه المؤتمرون بدار الندوة، والذي يقضي بقتل النبي قبل خروجه من مكة.
لهذا اعتبر تقابل الجيشين - مع التفاوت في العدد والعدة - فرصة ذهبية، لعله ينال فيها ما يشفى غليله، بالفتك بالمسلمين في المعركة التي قضي علي كل محاولة قامت للحيلولة بين قريش وبين خوضها.
أَبو جهل والأخنس بن شريق
ومع أَن أَبا جهل يعلم أن محمدًا - ﷺ - لا يكذب فقد أَبى عليه حقده الأَسود إلا مقاتلته، فقادته رعونته إلى مصرعه.
فقد روى المؤرخون أَن الأَخنس بين شريق - الذي رجع ببني زهرة إلى مكة من منطقة رابغ - خلا بأَبي جهل هنالك، وقال له:
يا أَبا الحكم أَتري محمدًا (- ﷺ -) يكذب؟؟
فقال أَبو جهل: كيف يكذب علي الله، وقد كنا نسميه الأَمين، لأَنه ما كذب قط. ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟؟
لا في العير ولا في النفير
وهنا يقال إن الأخنس بن شريق الثقفي، انخنس -أي انفصل-
[ ١ / ١٤٨ ]
ببنى زهرة عن جيش مكة وعاد بهم دون أن يشهد أحد منهم بدرًا، وكانوا ثلاثمائة رجل.
وبنو زهرة هؤلاء، هم الذين قال فيهم أَبو سفيان تلك الكلمة التي ذهبت مثلًا - يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير - لأَنهم لم يحضر أَحد منهم معركة بدر لم يكن أَحد منهم في العير إلى كانت سبب المعركة (١)، وكان أَبو سفيان قد لحق بقريش وشهد معركة بدر بعد أَن وصل العير إلى مكة، وقد كان أَحد الذين جرحوا يوم بدر.
أَبو جهل يعجل بالمعركة
على أَن أَبا جهل لم يكتف بما قاله من تقريع وتوبيخ لقطبى المعارضة (عتبة وحكم) ولم يكتف بإعلان معارضته، لدعوتهما السلمية، بل لخوفه من قيام معارضة أُخرى في الجيش، دفع به شيطانه إلى التعجيل بالمعركة، ليجعل الناس أَمام الأَمر الواقع، بحيث يصعب عليهم التراجع عن خوضها. فعقب سماعه بدعوة المعارضة إلى موادعة جيش المدينة والانسحاب إلى مكة دون قتال، استدعى عامر بن الحضرى (٢) الذي قتل المسلمون أَخاه في سرية عبد الله بن جحش، وطلب منه أَن يقف في الجيش ليستنهض هممهم لمحو العار عن حليفهم. بالأَخذ بثأر أَخيه من قاتليه المسلمين.
_________________
(١) وفي هذا القول نظر، لأن مخرمة بن نوفل الزهري كان أحد الذين سافروا مع العير إلى الشام وعادوا معها.
(٢) وقد قتل ابن الحضرى هذا في هذه المعركة.
[ ١ / ١٤٩ ]
ابن الحضيري يشعل الفتيل
فقد قال أَبو جهل: يا ابن الحضري، هذا حليفك -يعني عتبة بن ربيعة- يريد أَن يرجع بالناس وقد رأْيت ثأْرك بعينك، فقم فانشد خفْرتك (١) ومقتل أَخيك.
ولم يخب ظن طاغية قريش، فقد نفخ الشيطان في مناخر ابن الحضرى، فوقف (متكشفًا) يصرخ بأَعلى صوته في جيش مكة واعمراه وهذه الكلمة وحدها - في قانون الجاهلية - كافية لإشعال نار الحرب، لا سيما في مثل ذلك الجو المتوتر.
الأمر الواقع
وهنا غلى الدم الجاهلى في عروق الشرك واشتط الكفر بالعواطف العمياء، فجمحت جموحًا استقر بأَصحابها في المعركة الدامية.
وتم لأَبي جهل ما أَراد حيث أفسد على عقلاء قومه خطتهم السلمية، وظهرت نذر الشر، تنذر بقرب المعركة ولم يسع الناس - حتى رجال المعارضة - إلا أَن يحملوا سلاحهم لخوض المعركة، لأَن أَبا جهل، بتصرفاته الرعناء جعلهم أَمام الأَمر الواقع.
ولبس زعيم المعارضة - عتبة بن ربيعة - كامل سلاحه وهو يقول - مخاطبًا أبا جهل - سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو؟؟ .
حرس قيادة الرسول
أما من ناحية المسلمين، فبعد أَن تمركزوا في المكان الذي اختاره
_________________
(١) خفرتك، بضم الخاء وسكون الفاء، عهدك.
[ ١ / ١٥٠ ]
الحباب بن المنذر، اقترح حامل لواء الأَنصار - سعد بن معاذ - على النبي - ﷺ - أن يبنى المسلمون مقرًا لقيادته. واقترح القائد الأَنصاري - استعداد للطوارئ وتقديرًا للهزيمة قبل النصر - أَن يكون مقر هذه القيادة بمثابة خط رجعة يستطيع الرسول الانسحاب منه واللحاق بالمدينة بسلام، إذا ما قدر لجيش الإسلام أن ينهزم.
مقر قيادة الرسول
فقد قال سعد بن معاذ، يا رسول الله. أَلا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا؟ فإن أَعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحبنا، وإن كانت الأُخرى جلست إلى ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك قوم، يا نبي الله، ما نحن بأَشد لك حبًّا منهم، ولو ظنُّوا أَنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك (١) فوافق الرسول - ﷺ - على هذا الاقتراح ودعا للقائد الأَنصاري بخير، وتم بناءُ مقر القيادة، عريشًا بناه جنود الإِسلام في مكان مناسب، وهو مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ويشرف على ساحة المعركة.
وتم إنشاء حرس لقيادة الرسول، فرقة تم انتخابها من فتيان الأَنصار، وقفوا بقيادة سعد بن معاذ نفسه يحرسون الرسول - ﷺ - حول مقر قيادته.
_________________
(١) أيام العرب في الإسلام ص ١٢.
[ ١ / ١٥١ ]
دعاء أبي جهل قبيل المعركة
تهيأَت قريش للمعركة، وخرج أَبو جهل يحث الناس على القتال وقد روى ابن إسحاق أن أبا جهل، قبيل نشوب المعركة دعا الله قائلا:
اللهم اقطعنا للرحم وآتينا بما لا نعرف. فاحنه الغداة (١)، وقد كان المشركون عند خروجهم من مكة إلى بدر، أَخذوا بأَستار الكعبة ودعوا بهذا الدعاء:
اللهم انصر أَهدى الفئتين وأَعلى الجندين وأَكرم الحزبين، وأَفضل الدينين. ولا شك أن الله قد أجاب دعاءهم، فهزم المشركين ونصر رسوله.
وفي دعاء المشركين هذا نزل قول الله تعالى ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ (٢).
الرسول يخطب في جيشه قبل المعركة
وقد خرج النبي - ﷺ - يهنئ أَصحابه للقتال، وأَلقى عليهم كلمة قبيل المعركة قال فيها: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" (٣).
وهنا ظهر نموذج من الإيمان الصادق الذي لا يقف في طريقه شيء فقد كان عمير بن الحمام (٤) أَخو بني سلمة واقفًا في الصف، وفي يده
_________________
(١) أي اجعل حينه غدًا.
(٢) الأنفال آية ١٩.
(٣) أيام العرب في الإسلام ص ١٦.
(٤) عمير بن الحمام -بضم المهملة وتخفيف الميم- ابن الجموح الأنصاري السلمي، كان أول قتيل قتل في سبيل الله ويقال إن أول قتيل قتل في المعركة، مهجع مولى عمر بن الخطاب.
[ ١ / ١٥٢ ]
تمرات يريد أكلهن، ولكنه بعد أن سمع كلمة الرسول - ﷺ - قذف بهذه التمرات قائلًا:
"بخ بخ، فما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء" ثم أَخذ سيفه وغاص في المشركين يقاتل حتى قتل.
تقديم الرسول نفسه للقصاص
وبينما كان الرسول - ﷺ - يعدل صفوف جيوشه، مر بسواد بن غزية وهو خارج عن الصف فطعن في بطنه بعود كان في يده قائلا - استو يا سواد -، وهنا تظاهر سواد بالاحتجاج على الرسول - ﷺ - قائلًا: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، ثم طلب من الرسول أَن يعطى القصاص من نفسه، قائلا: أَقدنى، فلم يتردد - ﷺ -، في أن يعطى القصاص من نفسه، فقد كشف عن بطنه - ﷺ - ليقتص منه سواد قائلا له، استقد - أَي اضربني كما ضربتك.
ولكن سواد بدلا من أَن يطعن في بطن الرسول قصاصًا، أَخذ يقبلها، فقال له الرسول - ﷺ -: ما حملك على هذا يا سواد؟ .
قال يا رسول الله، حضر ما ترى - يعني القتال - فأَردت أَن يكون آخر العهد بك أَن يمس جلدي جلدك، فدعا له الرسول بخير.
ساعة الصفر
وبعد أَن عدل الرسول - ﷺ - الصفوف وهيأَها للقتال أَصدر أوامره إِلى جيشه بأَن لا يبدأُوا القتال حتى يتلقوا منه الأَوامر الأَخيرة، فقال لهم:
[ ١ / ١٥٣ ]
"إن اكتنفكم العدو (أَي أَحاط بكم) فانضحوهم بالنبل".
وبعد ذلك رجع إلى مقر قيادته وفي معيته مستشاره الأَمين الصديق الأَكبر (١)، ووقفت على مقر قيادته كتيبة الحراسة من فتيان الأَنصار بقيادة سعد بن معاذ.
ثم توترت الحالة واربد جو المعركة بدخان الموت، وأَخذت الصفوف تقترب من بعضها، وكان الرسول - ﷺ - وجلا على مصير المسلمين، لأَنه - أكثر من غيره - يقدر نتائج مثل هذه المعركة، ويعرف أَن هزيمة المسلمين معناها هزيمة الإِسلام إلى الأَبد.
لهذا لجأَ - ﷺ - إلى ربه وأَبلغ في الدعاء قائلا: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة - يعني المسلمين - لا تعبد بعدها في الأَرض (٢).
أول وقود المعركة
وبعد أَن تواجه الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن ضج الصحابة بصنوف الدعاء، إلى رب الأَرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاءِ (٣).
وكان أول وقود المعركة هو أَحد فدائي المشركين .. الأَسود بن
_________________
(١) أبو بكر الصديق واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو التيمي القرشي، أشهر من أن يعرف، خليفة رسول الله، ولد بعد الفيل بسنتين، كان أول من أسلم من الرجال، وفيه قال الرسول، من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر، تولى الخلافة بعد رسول الله، مات يوم الإثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(٢) البداية والنهاية ٣ ص ٢٧٢.
(٣) فقه السيرة.
[ ١ / ١٥٤ ]
عبد الأَسد المخزومي، كان رجلت شرسًا سيئ الخلق، فقد عاهد الله، ليشربن من حوض المسلمين أَو ليهدمنه أَو ليموتن دونه.
لذلك انقض من صفوف المشركين، متحديًا المسلمين، زاحفًا نحو الحوض ليبر بقسمه، ولكن حمزة بن عبد المطلب، أَسرع من صفوف ے المسلمين فاعترضه، وعاجله - قبل أَن يصل إلى الحوض - بضربة من سيفه، بترت قدمه مع نصف ساقه، فجثا في إصرار وعناد، وزحف نحو الحوض حبوًا ليبر بقسمه، ولكن حمزة رضي الله عنده (١) ثنى عليه بضربة أُخرى أَتت عليه وهو داخل الحوض.
فإن هذا المخزوي أَول قتيل في المعركة، وكان قتله بمثابة الفتيل التي أَشعل نار المعركة.
فقد خرج بعد ذلك من صفوف المشركين ثلاثة من فرسان قريش وخيرة محاربيهم، ومن عائلة واحدة، وهم:
شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وابنه الوليد، وكلهم من أَبناء عبد مناف جد النبي - ﷺ -.
وبعد أَن تمركز هؤلاء الأَمويون الثلاثة بين الصفين دعوا المسلمين إلى المبارزة، فسارع بالخروج إليهم ثلاثة من فتيان الأَنصار، وهم عوف ومعوذ أَبناء عفراء (٢)، وعبد الله بن رواحة (٣) وكما هي عادة
_________________
(١) هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثوبية مولاة أبي لهب، كان شجاعًا مهيبًا، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، نصر رسول الله في كل موطن حتى استشهد في معركة أحد، قتله عبد حبشى واسمه وحشى، قذفه بحربة على بعد منه، فأصابت ثنته وخرجت من بين رجليه ﵁.
(٢) معوذ وعوف أبناء عفراء الخزرجيين استشهدا يوم بدر واشترك معوذ في قتل أبي جهل.
(٣) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجى الأنصاري أحد السابقين إلى الإسلام=
[ ١ / ١٥٥ ]
المبارزة، سأَل القرشيون هؤلاءِ الثلاثة من أَية قبيلة هم؟؟ .
فانتسبوا لهم، وعندما علموا أَنهم من الأَنصار، أَثنوا عليهم وقالوا أَكفاءٍ كرام، ولكنهم رفضوا مبارزتهہم، وطلبوا منهم العودة إلى صفوفهم قائلين .. إنما نريد أَكفاءنا من قومنا، فرجع الأَنصار الثلاثة إلى صفوفهم دونما قتال.
تصارع الأسرة بين الصفين
ولما علم الرسول برغبة فرسان المشركين الثلاثة أَصدر أَمره إلى ثلاثة من أُسرتهم وهم، حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث (١)، وعلي بن أَبي طالب وكلهم من بني عبد مناف، أَمرهم بالخروج إلى أَقربائهم لمبارزتهم حسب رغبتهم، فخرجوا إليهم في الحال، وبعد أَن انتسبوا لهم وتأَكدوا من أَنهم من أُسرتهم. قالوا. أَكفاء كرام ..
ثم أَنشبوا الصراع بينهم. فانفرد كل واحد منهم بصاحبه الذي اختاره ورضيه، فبارز الوليد عليًّا وكانا أَصغر المتبارزين، وبارز عبيدة شيبة. أَما حمزة فقد بارز عتبة.
أَما علي فلم يمهل صاحبه أَن قتله، وكذلك حمزة فقد قضى على خصمه عتبة في الحال، أَما عبيدة - وكان أَسن القوم - وشيبة فقد ضرب كل
_________________
(١) = وكان أحد النقباء الذين تولوا إبرام معاهدة العقبة في منى مع الرسول ﷺ، تولى قيادة الجيش في معركة مؤتة في الأُردن واستشهد في تلك المعركة إلى أدارها ضد القوات الرومانية.
(٢) هو عبيدة بن الحرث بن المطلب بن عبد مناف، كان من السابقين في الإسلام، وكان رأس بني عبد مناف، كان ثاني مسلم حمل راية في الإسلام، جرح في هذه المبارزة ومات متأثرًا بجرحه في وادي الصفراء، أثناء عودة الجيش إلى المدينة.
[ ١ / ١٥٦ ]
منهما صاحبه ضربة مميتة لم يقو على التحرك بعدها من مكانه، فمات شيبة مكانه، واحتمل علي وحمزة عبيدة إلى معسكر المسلمين، ومخ فخذه المبتور يسيل، وما لبث طويلًا أَن لفظ أَنفاسه الكريمة بين يدي رسول الله - ﷺ - (١). وبينما كان يجود بنفسه - ورأسه علي قدمى رسول الله - ﷺ - قال يا رسول الله، لو رآني أَبو طالب، لعلم أَني أَحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أَبنائنا والحلائل
البداية السيئة
كانت نهاية هذا المبارزة بداية سيئة للمشركين، حيث فقدوا في المرحلة الأُولى من المعركة ثلاثة من قادتهم وخيرة فرسانهم، فقد كان مصرع هؤلاءِ الفرسان الثلاثة بمثابة ضربة موجعة مثيرة.
الهجوم العام
لذلك استشاط المشركون غضبًا، وشدوا على المسلمين شدة رجل واحد - بعد أَن مهدوا لهجومهم بسيل منهمر من سهامهم، صبوه على صفوف المسلمين، ثم اندفعوا نحوهم وبهہذا اندلعت نيران المعركة ولمعت السيوف في النقع وكأَنها الكواكب تهوى في الظلام.
المسلمون في موقف الدفاع
وتلقى المسلمون هجوم المشركين وهم مرابطون في مواقعهم، كما
_________________
(١) مات عبيدة ﵁ (والمسلمون عائدون إلى المدينة بوادى الصفراء).
[ ١ / ١٥٧ ]
أَمرهم الرسول الذي قال لهم (قبيل نشوب المعركة): إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل، ولا تحملوا حتى تؤذنوا.
ولقد كان لهذه الخطة الحربية الحكيمة التي وضعها الرسول - ﷺ -، أَكبر الأَثر في تعزيز موقف المسلمين وإضعاف عدوهم.
وذلك أَن المسلمين -بوقوفهم موقف الدفاع- عندما بلغ الهجوم القرشي ذروته، قد أَلحقوا بالمشركين خسائر فادحة، أَثناء هجماتهم المتتالية التي شنوها في حنق على صفوف المسلمين التي ظلت ثابتة تصارع مكانها، حتى استنفدت ما عند العدو من حماس وعزيمة.
الهجوم المضاد
وبعد أَن ذهبت حدة هجمات العدو وفتر حماس جنده، صدرت الأَوامر إلى كتائب الإِسلام أَن يهجموا على العدو.
فقاموا بهجوم مضاد كاسح فاتسع نطاق المعركة، بعد أَن مالت صفوف المسلمين المنظمة على جموع المشركين، التي بعثرها تكرار الهجمات الفاشلة التي لم يفلح بها المشركون في إزاحة طوابير المسلمين عن مراكزها.
وبينما كانت المعركة محتدمة والفوارس وسط أَتونها بين كر وفر، كان الرسول - ﷺ - في مقر قيادته يرقب بسالة جنوده وجلد قواده في إشفاق ورجاءٍ.
روى البخاري أَن النبي - ﷺ - كان وقت اشتداد المعركة يقول (وهو في مقر قيادته، متوجها إلى ربه) اللهم أَنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن
[ ١ / ١٥٨ ]
شئت لم تعبد بعد اليوم أَبدًا، فأَخذ أَبو بكر بيده - وكان معه في المقر - وقال: حسبك يا رسول الله أَلححت على ربك.
قال ابن إِسحاق: وخفق النبي - ﷺ - خفقة في العريش (أَي أَدركهـ النعاس) ثم انتبه فقال .. أَبشر يا أَبا بكر أَتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع.
وقد اشتركت الملائكة في المعركة لتقوية الروح المعنوية في نفوس المسلمين، وقد أَشار القرآن الكريم إلى هذا بقوله:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ويظهر أَن الملائكة لم يشتركوا في القتال وإنما جاءُوا لتقوية قلوب المسلمين ورفع روحهم المعنوية، وهذا ما يفهم من قوله تعالى ﴿وما جعله الله لا بشري لكم ولتطمئن به قلوبكم﴾ (٢).
النبي في المعركة
وعندما استعر لهيب المعركة اقتحمها النبي - ﷺ - بنفسه وراع المشركين أَن رأَوا النبي القائد يخوض غمار المعركة بنفسه. ومعه حرس قيادته وعامة أَصحابه يندفعون نحو عدوهم كالسيل، يدمرون كل قوة تقف في طريقهم، والنبي في مقدمتهم، يثب في درعه وهو
_________________
(١) الأَنفال آية ٩، ١٠.
(٢) قال الشوكانى في تفسيرة عند تفسير هذه الآية - وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم وتطمين قلوبهم وتثبيتها.
[ ١ / ١٥٩ ]
يقول ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أَدهى وأَمرُ﴾.
الهزيمة الساحقة
وبعد قتال مرير ضار ظهرت علامات الاضطراب في صفوف المشركين غير المنظمة، وأَخذت هذه الصفوف - أَمام حملات المسلمين العنيفة - تتهدم كجدران الطين العتيقة التي تخلل الماءُ أُصولها.
وهكذا اقتربت المعركة من نهايتها، فدب الهلع في نفوس قريش، ثم أَخذت جموعها في الفرار فعمت الهزيمة وركب المسلمون ظهور المشركين يأْسرون ويقتلون، وصاح النبي - وهو يرى صرح الطغيان يتحطم، وكبرياء الجاهلية يتمرغ في وحل الهزيمة - "شاهت الوجوه".
صمود أبي جهل وعناده
ولقد حاول أَبو جهل - عندما بدأَ التصدّع في صفوف جيشه - حاول أَن يصمد في وجه سيل الهزيمة النازل بجيش مكة ويوقفه، فأَخذ يصرخ (في عناد وشراسة ومكابرة) خذوهم أَخذًا، واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّق محمدًا وأَصحابه في الجبال.
ولكن أَنى لصيحات الطيش والغرور هذه أَن تفيد، وقد عمت الهزيمة وحال وقعها المزلزل بين صوت أَبي جهل العنيد المكابر، وبين الوصول إلى سمع أَى فرد من أَفراد جنوده الذين بعثرتهم الهزيمة المدمِّرة هنا وهناك.
[ ١ / ١٦٠ ]
مصرع أبي جهل (١)
ومن الناحية العسكرية فإنه لا يسع المنصف إلا أن يعترف لهذا الطاغية بالشجاعة الفذة، وأنه على مستوى أولئك القادة الشجعان الذين لا يهابون الموت عندما تلمع بروقه وتهدر رعوده، فقد أثبت أبو جهل (يوم بدر) أنه مثال ناطق للعناد والمكابرة، فقد ظل - بالرغم من نزول الهزيمة الساحقة بجيشه - يقاتل في شراسة وعناد وهو يقول:
ما تنقم الحرب الشَّموس منِّي بازِل عامين حديث سنِّي
لمثل هذا ولدتني أمي
وثبت معه جماعة من هيئة أركان حربه - فيهم ابنه عكرمة (٢) وأخذوا يذبون عنه وضربوا حوله سياجًا من سيوفهم وأقاموا حواليه غابات من رماحهم يصدون بها كل من حاول الوصول إليه.
ولكن العاصفة كانت أقوى.
_________________
(١) واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي كان رأس الكفر وحامل لواء العداوة للنبي ﷺ، وقد فرض نفسه قائدًا عامًا لجيش الشرك يوم بدر فأخزاه الله.
(٢) كان عكرمة كأبيه من أشد الناس على رسول الله ﷺ وكان أبرز الساعين لمعركة أحد والمحرضين عليها ضد المسلمين، وقد أهدر النبي دمه بعد فتح مكة، فلحق باليمن، ولكنه عاد إلى مكة فعفا عنه الرسول، ثم أسلم وصار من أبطال الإسلام وأشد المحاربين في جانبه، قاد عدة حملات ضد المرتدين في جنوب الجزيرة، وقد أخضع المرتدين في حضرموت، شهد معركة اليرموك، وكان قائد كتيبة الفدائيين التي ألفها أثناء المعركة عندما اشتد ضغط الهجوم الروماني على صفوف المسلمين وكاد يحطمها، فقد نادى عكرمة آن ذاك، لقد قاتلت رسول الله في كل موطن وأفر اليوم لا والله، ثم نادى من يبايعني على الموت، فانضوى تحت لوائه أربعمائة، منهم سليمان بن خالد بن الوليد، فقذف بهذه الكتيبة الانتحارية حيث قوة الهجوم الروماني فأوقفه فأباد الرومان هذه الكتيبة، بما فيها عكرمة نفسه ولكن هذه الإبادة كانت ثمنًا لنصر حاسم ساهمت هذه الكتيبة في تحقيقه للمسلمين وكان ذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر.
[ ١ / ١٦١ ]
فقد مزقت رياح النصر العاتية، سياج السيوف، واقتلعت غابات الرماح المزروعة حول أبي جهل حيث طارت هذه الرماح أمام حماس المسلمين وقوة بأسهم، وتخلى حرس الشرك عن قائده، أمام ضغط المسلمين المتزايد، الذين ساد هتافهم أرجاء المعركة وهم يرددون: أحد أحد.
وأهوت سيوف الإسلام إلى دعامة الشرك الكبرى، فخر أبو جهل صريعًا يتخبط في دمه، بعد أن قاتل قتالا ضاريًا.
قاتل أبي جهل
وكان الذي صرع أبا جهل هو معاذ بن عمرو (١) بن الجموح الأنصاري، فقد عرفه وهو وسط غابة من الرماح التي أقامها أركان حربه حوله، فظل يترقبه، حتى سنحت له الفرصة، عندما بانت له فرجة في نطاق الرماح المضروبة حوله، فانقض نحوه كالصقر ثم ضربه ضربة بترت قدمه مع نصف ساقه، فخر صريعًا يتخبط في دمه (٢)
_________________
(١) هو معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد الخزرجى الأنصاري، أحد الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة.
(٢) قال ابن إسحاق: وكان أول من لقى أبا جهل -كما حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضًا قد حدثني ذلك، قالا .. قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة .. سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون .. أبو الحكم لا يخلص إليه، قال .. فلما سمعتهم جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه (أي أطاراتها) بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة (أي بذرة التمر) تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهدني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل (وهو عقير) معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركهـ وبه رمق.
[ ١ / ١٦٢ ]
غير أن ابنه عكرمة الذي كان بجانبه كر على ابن الجموح فضربه بسيفه ضربة فصلت يده من العاتق، وبالرغم من ذلك ظل البطل يقاتل بيد واحدة وعاش حتى أيام عثمان بن عفان ﵁.
أما أبو جهل فقد شغل عنه قومه الفرار بأنفسهم، فتركوه صريعًا بالعراء ومر به معوذ بن عفراء فأوجعه طعنًا وتركه يجود بنفسه، وتفرق المشركون من صناديد مكة وفرسانها منهزمين بعده بددًا، فاستقبلتهم فجاج الصحراء، وكأنهم غزلان أهاجها الصياد.
حماقة أبي جهل
وهكذا جنت قريش ثمار حماقة أبي جهل ورعونته، حيث هزمت هزيمة لم تعرف مثلها في تاريخها الطويل.
لقد فر المشركون بعد أن مزقتهم سيوف الإسلام، فتاهوا في الوديان والوهاد فرارًا بأرواحهم، بعد أن تركوا سبعين قتيلا في ساحة المعركة، وسبعين أسيرًا تحت رحمة المسلمين.
الأسرى من بني هاشم
وقد وقع في أسر المسلمين عدة من رجالات بني هاشم اشتركوا في المعركة ضد المسلمين بعد أن خرجوا من مكة مكرهين، وكان على رأس هؤلاء الأسرى العباس بن عبد المطلب عم النبي - ﷺ -. وكان النبي قد أصدر أمره - قبل نشوب المعركة - بأن لا يقتل جنده أحدًا من بني هاشم، ممن خرجوا مع قريش.
وقد جاء في أمره هذا قوله ..
[ ١ / ١٦٣ ]
إني عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى أحد منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله. ومن لقي أبا البحتري بن هشام فلا يقتله.
الابن يقاتل أباه
وكان أبو حذيفة (١) بن عتبة بن ربيعة ﵁ موجودًا في جيش المسلمين، فقال عند سماع الأمر النبوي أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس؟؟ والله إن لقيته لألحمنه بالسيف (٢)، وكان عتبة بن ربيعة، والد أبي حذيفة المذكور، وعمه شيبة وابن عمه الوليد أول من قتل من المشركين مبارزة.
وعندما بلغت رسول الله - ﷺ - مقالة أبي حذيفة قال - وعنده عمر بن الخطاب (٣) حاضرًا - يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله؟
فقال عمر، يا رسول الله دعني أضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق، ولكن الرسول لم يسمح بأن يمس أبو حذيفة بأي أذى.
_________________
(١) أبو حذيفة، اسمه هشيم وقيل هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، كان من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وكان طوالا حسن الوجه، دعا أباه عتبة إلى البراز يوم بدر فامتنع، قتل شهيدًا في محاربة المرتدين في اليمامة.
(٢) الحمتك عرض فلان، أمكنتك منه، وألحمته سيفي مكنته منه.
(٣) هو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، غنى عن التعريف، ثانى الخلفاء الراشدين أشهر من أن نعرف الناسل به، تولى الخلافة بعد أبي بكر وبويع له بها سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فسار أحسن سيرة، وكان مثلًا أعلى في العدل والنزاهة والورع، قتل في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، طعنه الشقى أبو لؤلؤة، فيروز الفارسى غلام المغيرة بن شعبة بعد أن كبر يصلى بالناس، وقتل أبو لؤلؤة بعد أن طعن ثلاثة عشر رجلا في المسجد مات منهم ستة ﵃.
[ ١ / ١٦٤ ]
وقد ندم أبو حذيفة ﵁ على ما بدر منه، وكان يقول دائمًا - ما آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها على الشهادة، فقتل شهيدًا يوم اليمامة ﵁.
الاعتراف بالجميل لغير المسلم
وقد نفذت تعليمات الرسول - ﷺ - فلم يقتل أحد من بني هاشم في جيش المشركين، ولكن الرسول إذا كان قد أمر بعدم قتلهم، فإنه لم يمنع المسلمين من أسرهم ووضعهم في القيود، فقد أُسروا جميعهم وسيقوا في القيود مع الأَسرى إلى المدينة.
أما أبو البحتري بن هشام - وهو غير هاشمي - فقد نهى الرسول عن قتله، اعترافًا بفضله وتقديرًا لمواقفه المشرفة التي وقفها أيام محنة الإسلام في مكة، قبل الهجرة، حيث لم يصدر منه أي إيذاءٍ للرسول - ﷺ - بل كان على رأس النفر من عقلاء المشركين الذين عملوا على تحطيم الحصار الاقتصادي الذي ضربته قريش علي بني هاشم وبني المطلب في الشعب، فقد كان أبو البحترى هذا في مقدمة الرجال الذين استنكروا هذا الحصار، وعملوا على تمزيق الصحيفة التي علَّقها أعداءُ محمد - ﷺ - في جوف الكعبة، بعد أن وقَّعت عليها جميع قبائل قريش بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب اقتصاديًا واجتماعيًا، لوقوفهم (قبليًا) بجانب النبي، كما هو مفصل في أول هذا الكتاب.
مقتل أبي البحترى
ولكن أبا البحتري النبيل هذا قد قتل في المعركة بالرغم من الأوامر
[ ١ / ١٦٥ ]
النبوية الصادرة بعدم قتله، وذلك أن المجذر (١) بن زياد البلوى قد لقيه في المعركة، وقال له يا أبا البحترى إن رسول الله قد نهانا عن قتلك، وكان مع أبي البحتري زميل له يقاتلان سويا - فقال وزميلي؟ .
فأبلغه المجذر أن الأمر صادر بشأنه فقط، أما زميله فلا يمكن تركهـ بتاتًا.
فرفض أبو البحترى الحياة، وقال، إذن، لأموتن أنا وهو جميعًا ثم اندفع يقاتل وهو يقول:
لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله
فاضطر المجذر إلى مقاتلته، فما زال يجاوله حتى قتله.
انتهاء المعركة ورأس أبي جهل
وبعد أن انتهت المعركة أمر الرسول بجمع الغنائم والأسلحة التي غنمها المسلمون، فأخذ الجند في جمعها.
كما أمر النبي - ﷺ - بالتحقق من مصير الطاغية أبي جهل، وأخبر من لم يعرفه، بأن به علامة فارقة - أثر جرح في ركبته أصابه على أثر عراك حدث بينه وبين النبي وهما غلامان صغيران في مكة - فانتشر الجند في أرجاء المعركة يبحثون عن أبي جهل ..
_________________
(١) هو المجذر بن زياد بن عمرو بن أخزم البلوي، وبلى -بفتح الباء وكسر اللام- قبيلة عظيمة من قضاعة من القحطانية، مساكنها تقع بين المدينة ووادي القرى .. شهد المجذر أحدًا وقتل فيها شهيدًا، كان المجذر في الجاهلية قتل سويد بن الصامت، فلما كان يوم أحد قتل الحرث بن سويد المجذر غدرًا وكان في جيش المسلمين ثم هرب إلى مكة مرقدًا ثم أسلم بعد الفتح فقتله الرسول ﷺ بالمجذر.
[ ١ / ١٦٦ ]
لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا
وبينما عبد الله بن مسعود (١) يبحث مع الباحثين، إذا به يجد دعامة الشرك مجندلا وبه آخر رمق، فاقترب منه، وبعد أن وضع رجله على عنقه ليحتز رأسه قال له:
هل أخزاك الله، يا عدو الله؟؟
فقال أبو جهل، وبما أخزاني، أأعمد من رجل قتلتموه؟؟ (٢).
أخبرني لمن الدائرة اليوم؟؟ !
فقال ابن مسعود، لله ولرسوله وللمؤمنين.
فقال أبو جهل لابن مسعود - وكان باركًا على صدره ليحتز رأسه - لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم - وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة.
فرعون هذه الأمة
وبعد أن وضع ابن مسعود رأس أبي جهل بين يدي الرسول، قال له، هذا رأس عدو الله أبي جهل بن هشام فقال النبي - آلله الذي لا إله
_________________
(١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، صحابي شهير، كان من أكابر الصحابة علمًا وعقلا وورعًا، ومن السابقين الأولين في الإسلام، وهو من أهل مكة، كان أول من جهر في مكة بقراءة القرآن، كان خادمًا مخلصًا للرسول ﷺ، وصاحب سره (سكرتيره بلغة هذا العصر) ورفيقه في حله وترحاله، وغزواته، وكان يدخل عليه في كل وقت، وكان قصيرًا جدًّا، بحيث يكاد الجلوس يوارونه، تولى وظيفة بيت المال في الكوفة بعد وفاة النبي ﷺ توفي ﵁ في خلافة عمان نحو ستين عامًا.
(٢) أأعمد من رجل قتلتموه يعني بها: وهل أعظم من رجل قتله قومه؟ .
[ ١ / ١٦٧ ]
إلا هو؟؟ فأكد له ابن مسعود ذلك، ثم قال رسول الله وقد وقف على رأس الطاغية، الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله، هذا فرعون هذه الأمة.
القتلى في القليب والأسرى في القيود
وبعد أن جمع المسلمون الأسلاب والغنائم ووضعوا الأسرى في القيود أمر الرسول - ﷺ - بنقل جثث قتلى البغي والعدوان وطرحها في قليب مهجور بالقرب من ساحة المعركة.
وقد كان جمهور جند الإسلام حاضرًا يشهد سحب جثث المشركين وإلقاءَها في القليب.
وقد تجلت في معركة بدر مناظر رائعة، برزت فيها قوة العقيدة وثبات المبدإ، فقد قاتل الابن أباه والأخ أخاه، وكان أحد هؤلاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة واقفًا مع رسول الله - ﷺ - يشهد إلقاء الجثث في القليب.
نموذج رائع للشباب المؤمن
وبينما هو كذلك واقفًا مستبشرًا، إذا بوجهه يتغير وتعلوه سحابة من الكآبة والحزن، فقد رأى جثة أبيه عتبة بن ربيعة تسحب بين الجثث لإلقائها في القليب.
وقد لحظ الرسول - ﷺ - ذلك في وجه الشاب المؤمن، فخاطبه قائلا:
[ ١ / ١٦٨ ]
"يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء" أو كما قال؟؟
فقال الشاب المؤمن - وقد اجتاح الأسى كل جوانب قلبه - لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني أعرف من أبي رأيا وحلمًا وفضلا، وكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجوه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول - ﷺ - بخير وقال له خيرًا.
ولقد كان أبو حذيفة صادقًا، فقد كان أبو عتبة، هو الذي قال فيه الرسول -كما تقدم- وقد رآه قبل المعركة راكبًا جمله الأحمر .. إن يكن في أحد من القوم خير، ففي راكب جمله الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، كما أن عتبة هذا هو الذي حمل لواء المعارضة في جيش مكة في بدر ودعا إلى موادعة النبي والعودة إلى مكة بالجيش دونما قتال، ولكن أبا جهل جعله -كما تقدم- أمام الأمر الواقع.
ابن الخطاب يقتل خاله
وقال كان من روائع الثبات على العقيدة التي تجلت في معركة بدر أن قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، كما طلب أبو بكر الصديق مبارزة ابنه عبد الرحمن الذي كان في جيش المشركين.
أين دعاة العنصرية؟ .
فأين دعاة القومية العنصرية الذين يزعمون (زورًا وكذبًا) أن رابطة الدم واللغة أقوى من رابطة العقيدة والدين؟ .
[ ١ / ١٦٩ ]
أليس أول وقود اشتعلت به معركة بدر الفاصلة، هو دم الأقربين الذي أسالته سيوف الأسرة الواحدة؟ .
فهل أسال حمزة وعبيدة وعلى أبناء هاشم بن عبد مناف، دماء إخوانهم شيبة وعتبة والوليد أبناء عبد شمس بن عبد مناف .. هل أسالوا تلك الدماء القريبة إليهم والغالية عليهم، على مذبح القومية والعنصرية؟؟ أم أسالوها في سبيل العقيدة والدين؟؟
إنه صراع المبادئ والعقائد، لا صراع القوميات والنعرات، ذلك الذي خاضته جيوش الإسلام في ضراوة وتصميم حتى بنت للعرب قبل غيرهم (وعلى قمة الزمان) أعظم مجد شهدته الدنيا من لدن آدم حتى يومنا هذا.
لقد رسم يوم بدر أروع نموذج حي للثبات الصادق على العقيدة، لقد آخى الإسلام في هذا المعركة بين الأبعدين وباعد الكفر بين الأشقاء والأقربين.
شد يديك به
بعد انتهاء معركة بدر، مر الصحابي الشهير مصعب بن عمير (١) بأخيه أبي عزيز بن عمير (٢) الذي خاض المعركة ضد المسلمين، مر به
_________________
(١) هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى أحد السابقين إلى الإسلام، كان قد أسلم قديمًا والنبي في دار الأرقم وكان شابًّا يكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، ولما علم أهله بإسلامه أوثقوه ولم يزل محبوسًا إلى أن هرب إلى الحبشة مع من هاجر، هاجر الهجرتين، شهد بدرًا ثم شهد أحدًا وكان صاحب لواء المسلمين. استشهد يوم أحد (﵁).
(٢) اسمه زرارة، واختلف في إسلامه، قال أبو عمر بن عبد البر له صحبة وسماع من النبي ﷺ، وقال الدارقطني إنه قتل كافرًا يوم أحد والله أعلم.
[ ١ / ١٧٠ ]
وأحد الأنصار يضع القيود في يده، فقال مصعب للأَنصارى شد يديك به، فإن أُمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب:
أهذه وصاتك بي؟؟ مصعب إنه (أي الأنصاري) أخي دونك.
ما قاله الرسول لأهل القليب
وذكر ابن إسحاق أن النبي - ﷺ - بعد أن تم إلقاء جثث قتلى المشركين يوم بدر في القليب - وقف عليهم وقال:
يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟؟ فإني وجدت ما وعدنى ربي حقًّا، وفي رواية أُخرى أنه قال:
يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي أنتم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.
فقال له أصحابه أتكلم قومًا قد ماتوا؟؟ فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقًّا، قالت عائشة ﵂ والناس يقولون إنه قال لقد سمعوا ما قلت لهم.
[ ١ / ١٧١ ]
الفَصْلُ الخَامِس
* مخلفات المعركة.
* عدد قتلى الفريقين وأسماؤهم.
* عدد أسرى المشركين وأسمائهم.
• عدد البدريين من الصحابة وأسمائهم.
* القرآن يتحدث عن المعركة.
وهكذا انتهت معركة بدر التي خاضها المسلمون، وهم على غير استعداد لها .. انتهت بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة لأَعدائهم الذين خسروا في هذه المعركة سبعين قتيلا بينهم أكثر من عشرين من قادتهم وزعمائهم، كما وقع في أسر المسلمين أيضًا سبعون محاربًا بينهم كثير من الزعماءِ والقادة.
قتلى الفريقين في المعركة
لقد خسر المسلمون في معركة بدر أربعة عشر رجلا .. ستة من المهاجرين، وثمانية من الأَنصار، أما شهداءُ المهاجرين فهم:
أ - من بني الطلب بن عبد مناف، رجل واحد، وهو:
[ ١ / ١٧٣ ]
١ - عبيدة بن الحارث بن المطلب (١) .. قطع رجله عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف (أَثناءِ المبارزة)، فحمله الجيش جريحًا حتى مات بوادى الصفراءِ، والجيش في طريقه إلى المدينة.
ب - من بني زهرة بن كلاب، رجلان، وهما:
١ - عمير بن أبي وقاص (٢)، أَخو سعد بن أَبي وقاص.
٢ - ذو الشمالين (٣) ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي (حليف لهم).
ج - من بني عدي بن كعب بن لؤي، رجلان:
١ - عاقل بن البكير (٤). حليف لهم. وهو من بني سعد بن ليث بن عبد مناة بن كنانة.
_________________
(١) هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أبو الحارث، كان من فرسان قريش وأبطالها في الجاهلية والإسلام، ولد بمكة، وكان إسلامه سابقًا على دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وكان ثاني قائد عقد له النبي ﷺ لواء في الإسلام، وذلك حينما بعثه للقيام بدورية استطلاع في السنة الأولى من الهجرة قوامها ستون راكبًا، وهي الدورية التي التقت بأبي سفيان في موضع يقال له (ثنية المرة) وكان أبو سفيان في أكثر من مائتي راكب.
(٢) هو عمير بن أبي وقاص بن أبي أهيب الزهيري، قتله عمرو بن عبد ود العامري الذي قتله يوم الخندق علي بن أبي طالب، وكان النبي ﷺ قد رد عميرًا ولم يسمح له بالقتال عندما استعرض جيشه لصغر سنه، فبكى عمير تألمًا لمنعه من الاشتراك في المعركة وعند ذلك سمح له الرسول ﷺ بالقتال فاستشهد ﵁.
(٣) ذو الشمالين هذا من قبيلة خزاعة، ثم من هذيل، من العدنانيين الذين تقع منازلهام الآن في وادي فاطمة، والخبيت بالقرب من القنفذة، والرواك الواقعة إلى الشرق النووي من بحر والصيم - بكسر الصاد - وعبد عمرو هذا وهو، ذو اليدين الذي فيه الرسول ﷺ عندما سلم من ركعتين في صلاة رباعية وقال له أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟
(٤) عاقل هذا، كان أول من بايع النبي ﷺ في دار الأرقم أيام المحنة، فكان من السابقين الأولين في الإسلام وكان اسمه غافلا، فسماه النبي ﷺ عاقلا، يرجع نسب عاقل بن البكير إلى عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة.
[ ١ / ١٧٤ ]
٢ - مهجع (١) مولى عمر بن الخطاب.
د - من بني الحارث بن فهر، رجل واحد. وهو:
١ - صفوان بن بيضاء (٢).
عدد شهداءُ الأنصار وأسماؤهم:
أَما شهداءُ الأَنصار فهم:
أ - من بني عمرو بن عوف (بطن من الخزرج) رجلان، وهما:
١ - سعد بن خيثمة (٣).
٢ - مبشر بن عبد المنذر بن زنبر (٤).
_________________
(١) قال ابن حجر في الإصابة: مهجع العكى مولى عمر بن الخطاب، قال ابن هشام: أصله من عك فأصابه سبأ، فمن عليه عمر بن الخطاب فأعتقه، فكان من السابقين في الإسلام، وهو أول شهيد قتل يوم بدر، وقد روي عن ابن العباس أن مهجع هو الذي أنزل الله تعالى فيه قوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية.
(٢) هو صفوان بن وهب بن ربيعة بن هلال الفهرى قتله يوم بدر طعيمة بن عدي النوفلى.
(٣) هو سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك الخزرجى، كان من السابقين في الإسلام وأحد النقباء الإثنا عشر الذين كفلوا قومهم في بيعة العقبة، استهم سعد وأبوه خيثمة يوم بدر، فخرج سهم سعد (وكان شابًّا) فقال له أبوه آثر في اليوم، (أي اسمح لي بأن أخرج إلى بدر بدلا منك) فقال له سعد: يا أبت لو كان غير الجنة لفعلت، فخرج سعد ﵁ فقتل شهيدًا في بدر، وهنا يجب أن يقف الشباب المسلم (عند هذا الخبر) وقفة اعتبار وتدبر، ليرى أي شباب كان الإسلام يعتمد عليه، ومن يتمعن في تاريخ هذا الشباب المسلم من أمثال سعد بن خيثمة، سيدرك سر ذلك الإعصار الذي أطاح بإمبراطوريتين عظيمتين في أقل من عشرين سنة على أيدى أولئك البدو الذين انطلقوا من الكهوف وأغوار الوديان حفاة شبه عراة.
(٤) هو مبشر بن المنذر بن زنبر الخزرجى الأنصاري أخو أبي لبابة الصحابي المشهور الذي رده النبي ﷺ من الروحاء وهم في طريقهم إلى بدر، وجعله أميرًا على المدينة مدة غيابه.
[ ١ / ١٧٥ ]
ب - ومن بني الحارث بن الخزرج (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - يزيد بن الحارث، وهو الذي يقال له (ابن فسحم) (١).
ج - ومن بني سلمة (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - عمير بن الحمام (٢).
د - ومن بني حبيب (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:
١ - رافع بن المعلى (٣).
هـ - ومن بني النجار (بطن من الأرس) رجل واحد، وهو:
١ - حارثة بن سراقة بن الحارث (٤).
و- ومن بني غنم (بطن من الأَوس) رجلان، وهما:
١ - أخوه، معوذ بن الحارث .. وهذان الأخوان هما أبناءُ عفراء (٥)
_________________
(١) هو يزيد بن الحارث (أو الحرث) بن قيس بن مالك الأنصاري الخزرجي وهو المشهور (بابن فسحم) آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد عمرو المعروف بذي الشمالين.
(٢) هو عمير بن الحمام (بضم الحاء وتخفيف الميم) بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري، وهو الذي قذف بتمرات كان يأكلهن وهو في الصف، وغاص في المشركين فقاتلهم حتى قتل بعد أن قال بخ بخ أفما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء (كما ذكرنا ذلك في صلب الكتاب).
(٣) هو رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة الخزرجى الأنصاري، قتله عكرمة بن أبي جهل.
(٤) هو حارثة بن سراقة بن الحارث الأنصاري الأوسى النجارى، لم أطلع له على ترجمة أكثر من هذا في الإصابة.
(٥) عوف ومعوذ هذان اشتركا في قتل أبي جهل بعد أن جرحه أحد الأنصار كما تقدم.
[ ١ / ١٧٦ ]
عدد قتلى المشركين وأسمائهم
أما خسائر المشركين من القتلى في معركة بدر فقد بلغت سبعين رجلا وهم كما يلي:
أ - من بني عبد شمس بن عبد مناف إثنا عشر رجلا، وهم:
١ - عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .. جرحه عبيدة بن عبد المطلب.
٢ - شيبة بن ربيعة بن عبد شمس .. جرحه عبيدة بن الحارث.
وذفف عليه علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب.
٣ - الوليد بن عتبة .. قتله علي بن أبي طالب.
٤ - حنظلة بن أبي سفيان بن حرب .. قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله - ﷺ -.
٥ - الحارث بن الحضرمي. (حليف لبني عبد شمس). . قتله النعمان بن عصر.
٦ - عامر بن الحضرمي (حليف لهم أيضًا). . قتله عمار بن باسر (١).
_________________
(١) هو عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي اليماني، أبو اليقظان، (حليف بني مخزوم) وأمه سمية كانت مولاة لهم. كان عمار من السابقين في الإسلام، هو وأبوه، وكانوا ممن يعذب في الله في مكة، وكان النبي ﷺ يمر عليهم فيقول: "صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة" هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، ثم شهد اليمامة في جيش خالد بن الوليد فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة، وكان أول من أظهر إسلامهم بمكة سبعة، منهم عمار بن ياسر، كما ذكره ابن ماجة، وفيه تواترت الأحاديث أنه قتلته الفئة الباغية، وقد قتل في صفين وهو في جيش الإمام علي ﵁ وكان عمار (يغفر الله له) من الذين شغبوا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ واشترك في محاصرته مع (مالك الأشتر النخعي) يوم الدار حتى قتله المجرمون تلك القتلة التي نتجت عنها تلك الفتنة العمياء التي لا يزال المسلمون يخبون في ظلامها حتى اليوم ويعانون الفرقة من جرائها حتى هذه اللحظة.
[ ١ / ١٧٧ ]
٧ - عمير بن أبي عمير.
٨ - وابن لعمير هذا والاثنان موليان لبني عبد شمس.
٩ - عبيدة بن سعيد بن العاص قتله الزبير بن العوام.
١٠ - العاص بن سعيد بن العاص .. قتله علي بن أبي طالب.
١١ - عقبة بن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، قتله صبرًا في مكان يقال له عرق الظبية وذلك أثناء عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة.
١٢ - عامر بن عبد الله النمري (حليف لهم) قتله علي بن أبي طالب.
ب - ومن بني نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما:
١ - الحارث بن عامر بن نوفل قتله خبيب بن أَساف.
٢ - طعيمة بن عدي بن نوفل قتله علي بن أبي طالب.
ج - ومن بني أسد بن عبد العزي سبعة نفر:
١ - زمعة بن الأسود بن المطلب، قتله ثابت بن الجذع ويقال اشترك في قتله علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب.
٢ - أبو البحتري بن هشام (واسمه العاص بن هشام بن الحارث) قتله الجذر بن زياد البلوي.
٣ - الحارث بن زمعة قتله عمار بن ياسر.
٤ - نوفل بن خويلد بن اسد، وهو أخو أم المؤمنين خديجة (وكان من شياطين قريش) قتله علي بن أبي طالب.
٥ - عقيل بن الأسود بن المطلب .. قتله حمزة وعلي.
٦ - عقبة بن زيد (رجل من اليمن حليف لبني أسد)
٧ - ومولى لهم اسمه (عمير).
[ ١ / ١٧٨ ]
د - ومن بني عبد الدار بن قصي أربعة نفر:
١ - النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة. أَسر النضر في المعركة (وكان حامل لواءِ المشركين)، وقد أمر النبي - ﷺ - بقتله صبرًا، فنفَّذ فيه حكم الإعدام علي بن أبي طالب في موضع يقال له (الأَثيل) بوادي الصفراءِ. وكان النضر هذا من شياطين قريش، ومن أكبر مجرمي الحرب، ومن أشد الناس إيذاءً للمسلمين.
٢ - زيد بن مليص، مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار .. قتله بلال بن رباح (١) (ومولى أبي بكر الصديق يومئذ).
٣ - نبيه بن زيد بن مليصي (حليف لهم) من بني مازن ثم من بني تميم.
٤ - عبيد بن سليط (حليف لهم) من قيس.
٥ - ومن بني تميم بن مرة، أربعة نفر:
_________________
(١) هو بلال بن رباح الحبشي، المؤذن المشهور وهو بلال بن حمامة وهي أمه اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين في مكة، إنقاذًا له من التعذيب الشديد، ثم أعتقه، فلزم النبي ﷺ، وأذن له، شهد بلال كل المشاهد مع رسول الله ﷺ، وقد آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح القائل الشهير، كان يواصل الجهاد مع جيوش الإسلام خارج جزيرة العرب، فشهد فتوحات الشام مجاهدًا حتى مات بها، ومناقب بلال كثيرة، وكان من أكثر المؤمنين الأولين تحملا لتعذيب المشركين، كان أمية بن خلف (رأس الكفر) يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة (في شدة القيظ) ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد، فيكون جواب بلال (إزاء ذلك التعذيب الرهيب): أحد أحد. . فمر به أبو بكر الصديق فاشتراه منه بعبد له أسود جلد، روى له أصحاب الحديث في كتبهم عن رسول الله ﷺ، أربعة وأربعين حديثًا، توفي بالطاعون في عمواس زمان ابن الخطاب عام عشرين هـ.
[ ١ / ١٧٩ ]
١ - مالك بن عبيد الله بن عثمان (وهو أخو طلحة بن عبد الله) أسر فمات في الأسر. فعد في القتلى.
٢ - عمرو بن عبد الله بن جدعان.
٣ - عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. قتله علي بن أبي طالب.
٤ - عثمان بن مالك بن عبيد الله به قتله صهيب بن سنان (١).
و- ومن بني مخزوم (قبيلة خالد بن الوليد) أربعة وعشرون رجلا وهم:
١ - القائد العام لجيش مكة (أبو جهل بن هشام) واسمه عمرو بن هشام المغيرة بن عمرو بن مخزوم أقعده بضربة بالسيف، معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته. ثم ذفف عليه عبد الله بن مسعود، حين احتز رأسه.
٢ - العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بني مخزوم. قتله عمر بن الخطاب (وهو خاله).
٣ - يزيد بن عبد الله (حليف لهم) وكان من بني تميم .. قتله عمار بن ياسر.
_________________
(١) صهيب بن سنان بن مالك الصحابي الشهير. وهو الذي يقال له هو صهيب الرومي، اختلف النسابون ونسبه، فقيل إنه نمري من بني قاسط. وأن الروم سبوه وهو صغير لأن أهله كانوا يقيمون بالعراق من جهة الفرس على مياه دجلة، فنشأ صهيب بأرض الروم فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من قبيلة (كلب) فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي فأعتقه، ويقال أنه رومي الأصل، هرب من أرض الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان. والذي يجعلنا نميل إلى أنه رومى الأصل، أنه كان أحمر شديد الصهوبة، وهذه غالبًا صفة الروم، كان ﵁ من السابقين في الإسلام. ومن المستضعفين ممن يعذب في الله؛ هاجر إلى المدينة مع أمير المؤمنين علي، شهد المشاهد كلها مع سول الله صلى الله عليه وسلام، وكان من أعلام الصحابة. لما مات عمر أوصى أن يصلى عليه صهيب. مات صهيب سنة كان ثمان وثلاثين هـ. وهو ابن سبعين.
[ ١ / ١٨٠ ]
- أبو مسافع الأشعري (حليف لهم) قتله أبو دجانة (١).
٥ - حرملة بن عمرو (حليف لهم) وهو من الأسد، قتله خارجة بن زيد (٢).
٦ - مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.
٧ - أبو قيس بن الوليد بن المغيرة (أخو خالد بن الوليد) قتله حمزة بن عبد المطلب.
٨ - أبو قيس بن الفاكهة بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.
٩ - رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قتله سعد بن الربيع.
١٠ - المنذر بن أبي رفاعة بن عابد. قتله معن بن عدي بن الجد بن العجلان.
١١ - السائب بن أبي السائب بن عابد، قتله الزبير بن العوام، وفي رواية ابن هشام أن السائب هذا، أسلم وحسن إسلامه (انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٧١١).
١٢ - الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله حمزة بن عبد المطلب.
١٣ - حاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قتله علي بن أبي طالب.
١٤ - عويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان بن مالك القوقلى مبارزة.
١٥ - عمرو بن سفيان (حليف لهم) من طي، قتله يزيد بن رقيش.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) استشهد خارجة في معركة أحد .. وانظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ١٨١ ]
١٦ - جابر بن سفيان (حليف لهم أيضًا) وهو من طي، قتله جابر أبو بردة بن نيار.
١٧ - عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، قتله علي بن أبي طالب.
١٨ - حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن أبي وقاص.
١٩ - هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله صهيب بن سنان.
٢٠ - زهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد، مالك بن ربيعة.
٢١ - السائب بن أبي رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف.
٢٢ - عائذ بن السائب بن عويمر، جرحه في المعركة حمزة بن عبد المطلب، ثم أسر فافتدى ثم مات متأثرًا بجراحه.
٢٣ - رجل من طي اسمه عمير (حليف لهم من طي).
٢٤ - رجل آخر أيضًا اسمه خيار، (حليف لهم من القارة).
ز - ومن بني سهم بن عمرو (قبيلة عمرو بن العاص) سبعة نفر، وهم:
١ - منبِّه بن الحجاج بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر أخو بني سلمة.
٢ - ابنه، العاص بن منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب.
٣ - أخوه، نبيه بن الحجاج، قتله حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن أبي وقاص، اشتركا في قتله.
٤ - أبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله علي بن أبي طالب. ويقال النعمان بن مالك القوقلي، ويقال .. أبو دجانة.
٥ - عاصم بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بني سلمة.
٦ - الحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان.
[ ١ / ١٨٢ ]
٧ - عامر بن عوف بن ضبيرة، أخو عاصم بن ضبيرة، قتله عبد الله بن سلمة العجلانى. ويقال أبو دجانة.
ح - ومن بني عامر بن لؤى رجلان، وهما:
١ - معاوية بن عامر (حليف لهم من بني عبد القيس)، قتله عكاشة بن محصن (١) على ما قاله ابن هشام.
٢ - معبد بن وهب (حليف لهم من بني كلب بن عوف) قتله خالد وإياس ابنا البكير.
ط - ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص، أربعة نفر، وهم:
١ - أُمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، قتله رجل من الأنصار من بني مازن.
٢ - ابنه علي بن أُمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر.
٣ - أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله علي بن أبي طالب، ويقال قتله الحصين بن الحارث وعثمان بن مظعون.
٤ - سبرة بن مالك (حليف لهم) لا يعرف قاتله.
_________________
(١) هو عكاشة (بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفها) بن محصن بن حرثان بن قيس، من بني أسد بن خزيمة، حليف بني عبد شمس من السابقين الأولين، وهو الذي يضرب به المثل دائمًا بالقول (سبقك بها عكاشة) وهذه الكلمة قالها النبي ﷺ، عندما قال: إن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، قال أنت منهم، فقام آخر، فقال له النبي ﷺ: سبقك بها عكاشة فصار يضرب بها المثل للسبق في الأمر، استشهد عكاشة في حرب الردة، قتله طليحة بن خويلد الأسدي.
[ ١ / ١٨٣ ]
أسرى المشركين وأسماؤهم
أما أسرى المشركين الذين وقعوا في أيدى جيش المدينة يوم بدر. فهم أيضًا سبعون رجلًا، وهم كما يلي:
أ - من بني هاشم أربعة نفر، وهم:
١ - العباس بن عبد المطلب (١).
٢ - عقيل بن أبي طالب (٢) أخو علي بن أبي طالب.
٣ - نوفل بن الحارث بن المطلب (٣).
_________________
(١) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم رسول الله ﷺ، ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، افتدى نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب. ورجع إلى مكة، ويقال أنه أسلم فكتم إسلامه، فكان عينًا على المشركين، يبعث بأخبارهم من مكة للنبي ﷺ، هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة مع المسلمين. وشهد معركة حنين، وكان ممن ثبت ساعة انهزام المسلمين أول المعركة، فكان لصوته الجهورى فضل كبير عندما حض المنهزمين على الثبات كان النبي ﷺ يقول من آذى العباس فقد آذانى، فإنما عم الرجل صنو أبيه، كان العباس طويلا جميلا، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين هـ.
(٢) هو عقيل بن أبي طالب، أخو أمير المؤمنين (علي) تأخر إسلامه إلى عام الفتح، شهد حنينًا وكان ممن ثبت فيها، كما شهد معركة مؤتة (في الأردن)، كان من أعلم الناس بأنساب قريش ومآثرها ومثالبها، وكان شديد الذكاء مشهورًا بالجواب المسكت، فارق أخاه عليا ولحق بمعاوية أيام الخلاف بينهما، وشهد صفين مع معاوية، ويقول بعض المؤرخين إن معاوية قال لعقيل في يوم من أيام صفين، أنت اليوم معنا فأجابه (على طريقته في سرعة الجواب): وقد كنت معكم يوم بدر، لم يرو عن رسول الله ﷺ سوى حديث واحد أخرجه له النسائي وابن ماجه، مات ﵁ في أول خلافة يزيد.
(٣) هو نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله ﷺ، دفع عنه الفدية عمه العباس، فأطلق سراحه من الأسر، كان يتاجر في الرماح، أسلم نوفل وكان أسن من أسلم من بني هاشم، مات نوفل لسنتين من خلافة ابن الخطاب، ومشى عمر في جنازته.
[ ١ / ١٨٤ ]
٤ - رجل اسمه (عتبة) حليف لهم.
ب - ومن بني المطلب بن عبد مناف خمسة نفر، وهم:
١ - السائب بن عبيد بن عبد يزيد (١).
٢ - نعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب.
٣ - عقيل بن عمرو (حليف لهم).
٤ - أخوه تميم (حليف لهم أيضًا).
٥ - ابن لتميم، لا يعرف اسمه (حليف لهم أيضًا).
ج - ومن بني عبد شمس بن عبد مناف تسعة نفر، وهم:
١ - عمرو بن أبي سفيان بن حرب.
٢ - الحارث بن أبي وجرة.
٣ - أبو العاص بن الربيع (٢).
_________________
(١) هو السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، جد الإمام الشافعي، كان السائب حامل راية بني هاشم مع المشركين يوم بدر، فدى نفسه من الأسر، ثم أسلم وحسن إسلامه.
(٢) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمه لقيط، وقيل ياسر، تزوج زينب بنت رسول الله ﷺ وهما مشركان، وكان رجلا نبيلا مشهورًا بالأمانة حتى إنه كان يلقب بالأمين، وكان القرشيون لذلك يأتمنونه على أموالهم، فكان لذلك يتاجر (مضاربًا) في أموال كثير من القرشيين الموسرين واتفق أن عاد مرة من الشام في تجارة كثيرة لأهل مكة، فأراد بعض الصحابة التعرض له والاستيلاء على ما معه من أموال باعتبارها أموال العدو، فأعلنت زوجته أنها قد أجارته فأمن بذلك، ثم خرج إليه بعض الصحابة من غير سلاح، وقالوا له: هل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أموال لمشركي مكة، فقال بئسما أمرتمونى به، أن أنسخ دينى بغدرة، ثم مضى بتجارة أهل مكهـ حتى وصل إليها وأعطى كل ذي حق حقه، ثم نادى في أهل مكة قائلا: يا أهل مكة هل أوفيت ذمتى، قالوا .. اللهم نعم، فأعلن إسلامه آن ذاك وهاجر إلى المدينة، فرد عليه رسول الله ﷺ زوجته زينب بعقد جديد، وقد توفي أبو العاص سنة اثنتى عشرة من الهجرة.
[ ١ / ١٨٥ ]
٥ - أبو ريشة بن عمرو (حليف لهم).
٦ - عمرو بن الأزرق (حليف لهم).
٧ - عقبة بن عبد الحارث بن الحضرى (حليف لهم).
٨ - خالد بن أسيد بن أبي العيص (١).
٩ - أبو العريض، يسار (مولى العاص بن أُمية).
د - ومن بني نوفل بن عبد مناف أربعة نفر، وهم:
١ - عدى بن الخيار بن عدي بن نوفل.
٢ - عثمان بن عبد شمس ابن أخي غزوان بن جابر. (حليف لهم من بني مازن بن منصور).
٣ - أبو ثور (حليف لهم).
٤ - نبهان (مولى لهم).
هـ - ومن بني عبد الدار بن قصى، ثلاثة نفر، وهم:
١ - أبو عزيز بن عمير بن هاشم (أخو مصعب بن عمير).
٢ - الأسود بن عامر (حليف لهم).
٣ - عقيل (رجل من اليمن) حليف لهم.
و- ومن بني أسد بن عبد العزّى أربعة نفر، وهم:
١ - السائب بن أبي جيش بن المطلب بن أسد.
٢ - الحويرث بن عبَّاد بن عثمان بن أسد.
٣ - سالم بن شماخ (حليف لهم).
٤ - عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث.
_________________
(١) هو خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وهو أخو عتاب بن أسيد الذي جعله النبي ﷺ أميرًا على مكة بعد الفتح، أسلم يوم الفتح، وكان أخوه عتاب قد أرسله أميرًا على حملة التأديب التي أرسلها لمقاتلة المرتدين.
[ ١ / ١٨٦ ]
ز - ومن بني مخزوم بن يقظة عشرة نفر، وهم:
١ - خالد بن هشام بن المغيرة.
٢ - أُمية بن أبي حذيفة بن المغيرة.
٣ - عثمان بن عبد الله بن المغيرة.
٤ - أبو المنذر بن أبي رفاعة.
٥ - أبو عطاء عبد الله بن أبي السائب.
٦ - المطلب بن حنطب بن الحارث.
٧ - خالد بن الأعلم (حليف لهم) وهو الذي كان أول من فر منهزمًا من المعركة، مع أنه صاحب البيت المشهور الذي يضرب به المثل للثبات.
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا يتقطر الدم.
٨ - الوليد بن الوليد بن المغيرة (أخو خالد بن الوليد).
٩ - صيفى بن أبي رفاعة بين عابد.
١٠ - قيس بن السائب.
ح - ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص خمسة نفر، وهم:
١ - أبو رداعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم.
٢ - وفرة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سعد بن سهم.
٣ - حنظلة بن قبيصة بن حذافة بن سعد بن سهم.
٤ - الحجاج بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
٥ - رجل، اسمه (أسلم) مولى نبيه الحجاج.
ط - ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص أحد عشر رجلا وهم:
١ - عبد الله بن أُبي بن خلف بن وهب.
٢ - أبو عزة (عمرو بن عبد بن عثمان بن وهيب).
[ ١ / ١٨٧ ]
٣ - الفاكهة (مولى أُمية بن خلف).
٤ - وهب بن عمير.
٥ - ربيعة بن دراج بن العنبس بن أهبان بن وهب.
٦ - عمرو بن أُبي بن خلف.
٧ - أبو رهم بن عبد الله (حليف لهم).
٨ - ورجل (حليف لهم) ذهب عن ابن إسحاق اسمه فلم يذكره.
٩ - نسطاس (مولى لأُمية بن خلف).
١٠ - مولى آخر (لأُمية بن خلف) لا يعرف اسمه.
١١ - أبو رافع (غلام أمية بن خلف).
ي - ومن بني عامر بن لؤى خمسة نفر، وهم:
١ - سهيل بن عمرو (١). أسره مالك بن الدخشم.
٢ - عبد بن زمعة بن قيس.
٣ - عبد الرحمن بن منشؤ بن وقدان.
٤ - حبيب بن جابر.
٥ - السائب بن مالك.
ك - ومن بني الحارث بن فهر أربعة نفر، وهم:
_________________
(١) هو سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود العامري القرشي، صحابي جليل خطيب قريش الأول. أسلم بعد الفتح، وكان من زعماء قريش البارزين في الجاهلية والإسلام، تولى (بالنيابة عن قريش) إبرام صلح الحديبية مع النبي ﷺ وهو الذي قال لرسول الله لما أمسك عضادة باب الكعبة يوم الفتح، وخاطب قريشًا قائلا ماذا تقولون؟ قال سهيل: نقول خيرًا ونظن خيرًا - أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال ﷺ: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، كان سهيل في جيوش الشام يجاهد، ولم يزل كذلك حتى مات في طاعون عمواس غازيًا.
[ ١ / ١٨٨ ]
١ - الطفيل بن أبي قنيع.
٢ - عتبة بن عمرو بن جحدم.
٣ - شافع (رجل من اليمن) حليف لهم.
٤ - شفيع (رجل أيضًا من اليمن) حليف لهم.
أسماء من شهد بدرًا من المسلمين
لقد شھهد معركة بدر من المسلمين ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا منهم ستة وثمانون رجلًا من المهاجرين، ومائتان وواحد وثلاثون من الأنصار. منهم مائة وسبعون من الخزرج وواحد وستون من الأوس.
وهذه أسماء جميع البدريين منسوبون إلى قبائلهم:
البدريون من المهاجرين
أ - من بني هاشم بن عبد مناف ثمانية نفر:
١ - سيد المرسلين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف - ﷺ -.
٢ - حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
٣ - علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
٤ - زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبى (مولى رسول الله - ﷺ -).
٥ - أنسة الحبشى (مولى رسول الله - ﷺ -).
٦ - أبو كبشة الفارسى (مولى رسول الله - ﷺ -).
٧ - كناز بن حصين بن يربوع (حليف لهم) وهو من قيس عيلان. وهو المكنى بأبي مرثد.
[ ١ / ١٨٩ ]
٨ - ابنه مرثد بن أبي مرثد (حليف لهم أيضًا).
ج - ومن بني المطلب بن عبد مناف أربعة نفر:
١ - عبيدة بن الحارث بن المطلب. (قتل يوم بدر).
٢ - الطفيل بن الحارث بن المطلب.
٣ - الحصين بن الحارث بن المطلب.
٤ - مسطح واسمه عوف بن أُثاثة بن عباد بن المطلب.
د - ومن بني أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف ستة عشر رجلا.
١ - عثمان بن عفان، تخلّف على امرأته رقية بنت رسول الله - ﷺ -، لتمريضها في المدينة فضرب له رسول الله - ﷺ - بسهم وعدّه من البدريين في الأجر.
٢ - أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
٣ - سالم مولى أبي حذيفة (١) بن عتبة بن ربيعة.
_________________
(١) هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان من أجلاء الصحابة وأعلامهم، ومن السابقين الأولين، وقد كان لامرأة من الأنصار واسمها (فاطمة بنت يعار) اعتقته سائبة، فوالى الصحابي الشهير أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبناه، كما تبنى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما نزلت آية (ادعوهم لآبائهم) رد كل أحد تبنى ابنًا إلى أبيه، ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، كان سالم هذا عظيم المنزلة بين الصحابة، فكان يؤم المهاجرين في الصلاة في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر، وكان من المهاجرين، هاجر مع عمر بن الخطاب، وكان ابن الخطاب معجبًا به، كثير الثناء عليه، حتى إن عمر لما طعن وفكر في أمر الخلافة، تذكر سالمًا وكان قد مات ثم قال عمر لو كان سالم حيًّا ما جعلتها شورى (أي لأوصى له بالخلافة) وهذا يدل على علو منزلة سالم ﵁، وكان من حفاظ القرآن المشهورين في عصر النبي، فكان النبي ﷺ يقول .. خذو القرآن من أربعة، من ابن أم عبد، ومن أُبي بن كعب ومن سالم مولى حذيفة، ومن معاذ بن جبل، شهد سالم بدرًا وقتل في معركة اليمامة شهيدًا هو ومولاه أبو حذيفة، وقد وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر وذلك سنة اثنتى عشرة من الهجرة.
[ ١ / ١٩٠ ]
٤ - عبد الله بن جحش (حليف لهم).
٥ - عكاشة بن محصن. (حليف لهم).
٦ - شجاع بن وهب بن ربيعة (حليف لهم).
٧ - عقبة بن وهب بن ربيعة (حليف لهم).
٨ - يزيد بن رقيش (حليف لهم).
٩ - أبو سنان محصن بن حرثان بن قيس (حليف لهم).
١٠ - سنان بن أبي سنان (حليف لهم).
١١ - محرز بن نضلة بن عبد الله (حليف لهم).
١٢ - ربيعة بن أكثم بن سخبرة (حليف لهم).
١٣ - ثقيف بن عمرو (حليف لهم).
١٤ - مالك بن عمرو (حليف لهم).
١٥ - مدلج بن عمرو (حليف لهم).
١٦ - أبو مخشي (حليف لهم).
هـ - ومن بني نوفل بن عبد مناف، رجلان، وهما:
١ - عتبة بن غزوان (حليف لهم).
٢ - خباب مولى عتبة بن غزوان (حليف لهم).
و- ومن بني أسد بن عبد العزي ثلاثة نفر، وهم:
١ - الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد.
٢ - حاطب بن أبي بلتعة اليماني (١) (حليف لهم).
_________________
(١) هو زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر بن الخطاب، كان أسن من أخيه عمر، وقد أسلم قبله، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وقتل شهيدًا في حرب اليمامة، وكانت راية المسلمين معه، وحزن عليه أخوه عمر حزنًا شديدًا، ولما قتل ﵁ قال عمر سبقني إلى الحسنيين: أسلم قبلي واستشهد قبلي، له في الصحيح حديث وحد.
[ ١ / ١٩١ ]
٢ - سعد الكلبى (مولى حاطب بن أبي بلتعة) حليف لهم.
ز - ومن بني عبد الدار بن قصي، رجلان. وهما:
١ - مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
٢ - سويط بن سعد بن حريملة.
ح - ومن بني زهرة بن كلاب ثمانية نفر، وهم:
١ - عبد الرحمن بن عوف.
٢ - سعد بن أبي وقاص.
٣ - عمير بن أبي وقاص.
٤ - المقداد بن عمرو بن ثعلبة (حليف لهم).
٥ - عبد الله بن مسعود بن الحارث الهذلى (حليف لهم).
٦ - مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد (حليف لهم).
٧ - ذو الشمالين بن عمرو بن نضلة الخزاعي (حليف لهم).
٨ - خباب بن الأرت التميمي (حليف لهم).
ط - ومن بني تيم بن مرة خمسة نفر:
١ - أبو بكر الصديق. واسمه (عتيق بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم).
٢ - بلال بن رباح (مولى لأبي بكر الصديق).
٣ - عامر بن فهيرة (مولى أبي بكر الصديق).
٤ - صهيب بن سنان (مولى عبد الله بن جدعان التيمي).
٥ - طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيمم، كان غائبًا بالشام وقت المعركة فضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وعدّه كالبدريين في الأجر.
ي - ومن بني مخزوم خمسة نفر، وهم:
[ ١ / ١٩٢ ]
١ - أبو سلمة بن عبد الأسد واسمه عبد الله بن عبد الأسد.
٢ - شماس بن عثمان بن الشريد.
٣ - الأرقم بن أبي الأرقم، واسمه (عبد مناف بن أسد).
٤ - عمار بن ياسر.
٥ - معتَّب بن عوف بن عامر الخزاعي (حليف لهم).
٦ - ومن بني عدى بن كعب (قبيلة عمر بن الخطاب) أربعة عشر رجلا وهم:
١ - عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي.
٢ - مهجع العكي (مولى عمر بن الخطاب).
٣ - عمرو بن سراقة بن المعتمر.
٤ - عبد الله بن سراقة.
٥ - واقد بن عبد الله بن مناف اليربوعى (حليف لهم).
٦ - خولى بن أبي خولى حليف لهم.
٧ - مالك بن أبي خولى حليف لهم.
٨ - عامر بن البكير بن عبد ياليل (حليف لهم).
١٠ - عاقل بن البكير.
١١ - خالد بن البكير.
١٢ - إياس بن البكير.
١٣ - زيد بن الخطاب (أخو عمر بن الخطاب).
١٤ - سعيد بن زياد بن عمرو بن نفيل. كان غائبًا في الشام فلما قدم ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهم، وعده مثل البدريين في الأجر، فصار بدريًا.
[ ١ / ١٩٣ ]
ل - ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب خمسة رجال:
١ - عثمان بن مظعون.
٢ - السائب بن عثمان بن مظعون.
٣ - قدامة بن مظعون.
٤ - عبد الله بن مظعون.
٥ - معمر بن الحارث بن معمر.
م- ومن بني سهھم بن عمرو بن هصيص، رجل واحد:
١ - لم يذكر ابن إسحاق اسمه.
ن- ومن بني عامر بن لؤيّ سبعة رجال، وهم:
١ - أبو سببرة بن أبي رهم بن عبد العزي.
٢ - عبد الله بن مخرمة بن عبد العزي.
٣ - عبد الله بن سهيل بن عمرو.
٤ - عمير بن عوف (مولى سهيل بن عمرو).
٥ - سعد بن خولة (حليف لهم).
٦ - وهب بن سعد بن أبي سرح.
٧ - حاطب بن عمرو.
س- ومن بني الحارث بن فھهو ستة رجال، وهم:
١ - عامر بن عبد الله بن الجراح المشهور (بأبي عبيدة بن الجراح).
٢ - عمرو بن الحارث بن زهير.
٣ - سهيل بن وهب بن ربيعة.
٤ - صفوان بن وهب بن ربيعة. ہ
٥ - عمرو بن أبي سرح بن ربيعة.
٦ - عياض بن زهير.
[ ١ / ١٩٤ ]
فهؤلاء البدريون من المهاجرين ﵃ وأرضاهم، منهم ثلاثة لم يباشروا القتال فصاروا في عداد البدريين لهم أجرهم عند الله مثلهم وأخذوا حصتهم في الغنائم، وهم (عثمان بن عفان) و(طلحة بن عبيد الله) و(سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل).
أسماء البدريين من الأنصار:
أ- من بني عبد الأشهل (بطن من الأوس) خمسة عشر رجلا، وهم:
١ - سعد بن معاذ.
٢ - الحارث بن أوس بن معاذ.
٣ - الحارث بن أنس بن رافع.
٤ - سعد بن زيد بن مالك.
٥ - سلمة بن سلامة بن وقش.
٦ - عباد بن بشر بن وقش.
٧ - مسلمة بن ثابت بن وقش.
٨ - رافع بن يزيد بن كرز.
٩ - الحارث بن خزانة بن عدي.
١٠ - محمد بن مسلمة (١).
١١ - سلمة بن أسلم بن حريش (حليف لهم من بني الحارث).
١٢ - أبو الهيثم بن التيهان.
١٣ - عبيد بن التيهان.
١٤ - عمرو بن معاذ بن النعمان.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ١٩٥ ]
١٥ - عبد الله بن سهل.
ب- ومن بني ظفر (بطن من الأوس) رجلان، وهما
١ - قتادة بن النعمان بن زيد (١).
٢ - عبيد بن أوس بن مالك.
ج- ومن بني عباد بن رزاح (بطن من الأوس) ثلاثة رجال وهم:
١ - نصر بن الحارث بن عبد.
٢ - معتب بن عبد.
٣ - عبد الله بن طارق البلوي (حليف لهم).
د- ومن بني حارثة بن الحارث (بطن من الأوس) ثلاثة نفر، وهم:
١ - مسعود بن سعد بن عامر.
٢ - أبو عنبس بن جبر.
٣ - هاني بن نيار البلوي (حليف لهم).
هـ - ومن بني عمرو بن عوف (بطن من الأوس) ستة نفر، وهم:
١ - عاصم بن ثابت بن قيس.
٢ - قيس أبو الأقلح بن عصمة.
٣ - معتِّب بن قشير.
٤ - أبو مليل بن الأزعر.
٥ - عمرو بن معبد الأزعر.
٦ - سهل بن حنيف. (٢).
و- ومن بني أمية بن زيد (بطن من الأوس) تسعة نفر، وهم:
١ - مبشر بن عبد المنذر بن زنبر.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ١٩٦ ]
٢ - رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر.
٣ - سعد بن عبيد بن النعمان.
٤ - عويم بن ساعدة.
٥ - رافع بن عنجدة.
٦ - عبيد بن أبي عبيد.
٧ - ثعلبة بن حاطب.
٨ - الحارث بن حاطب، رجع من الطريق بأمر رسول الله - ﷺ -، فضرب له بسهم وعده من البدريين في الأجر.
٩ - أبو لبابة.
ز- ومن بني عبيد بن زيد (بطن من الأوس) سبعة نفر، وهم.
١ - أنيس بن قتادة بن ربيعة.
٢ - معن بن عدي بن الجد البلوي (حليف لهم).
٣ - عبد الله بن سلمة العجلاني (حليف لهم).
٤ - زيد بن أسلم بن ثعلبة العجلاني (حليف لهم).
٥ - ربعي بن رافع بن زيد العجلاني (حليف لهم).
٦ - عاصم بن عدي بن الجد العجلاني (حليف لهم) خرج مع المسلمين إلى بدر فرده رسول الله - ﷺ - وضرب له بسهم مع أصحاب بدر، فعد في البدريين.
٧ - ثابت بن أقوم بن ثعلبة العجلاني (حليف لهم).
ح - ومن بني ثعلبة بن عمر بن عوف (بطن من الأوس)، سبعة نفر، وهم:
١ - عبد الله بن جبير بن النعمان.
٢ - عاصم بن قيس بن ثابت.
[ ١ / ١٩٧ ]
٣ - أبو ضياح بن ثابت بن النعمان.
٤ - أبو حنة (ويقال) أبو حبة بن ثابت بن النعمان.
٥ - سالم بن عمير بن ثابت.
٦ - الحارث بن النعمان بن أُمية.
٧ - خوات بن جبير بن النعمان.
طـ- ومن بني جحجي بن كلفة بن عوف (بطن من الأوس) رجلان. وهما:
١ - منذر بن محمد بن عقبة.
٢ - أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة، من بني أنيف (حليف لهم).
ى - ومن بني غنم بن السلم (بطن من الأوس) خمسة نفر، وهم:
١ - سعد بن خيثمة.
٢ - منذر بن قدامة بن عرفجة.
٣ - مالك بن قدامة بن عرفجة.
٤ - الحارث بن عرفجة.
٥ - تميم (مولى لهم).
ك - ومن بني معاوية بن مالك بن عوف (بطن من الأوس) ثلاثة نفر.
وهم:
١ - جبر بن عتيك بن الحارث.
٢ - مالك بن نميلة (حليف لهم من مزينة).
٣ - النعمان بن عصر (حليف لهم) من قبيلة بلى (بفتح أوله وكسر ثانيه).
فهؤلاء هم البدريون من الأنصار من قبيلة الأوس خاصة، ﵃ وأرضاهم، وهم واحد وستون محاربًا.
[ ١ / ١٩٨ ]
أسماء البدريين من الخزرج:
أ- من بني امرئ القيس بن مالك، أربعة نفر، وهم:
١ - خارجة بن زيد.
٢ - سعد بن الربيع.
٣ - عبد الله بن رواحة.
٤ - خلاد بن سويد بن ثعلبة.
ب - ومن بني زيد بن مالك رجلان، وهما:
١ - بشير بن سعد بن ثعلبة.
٢ - سماك بن سعد بن ثعلبة.
ج - ومن بني عدي بن كعب بن الخزرج ثلاثة نفر، وهم:
١ - سبيع بن قيس بن عيشة.
٢ - عباد بن قيس بن عيشة.
٣ - عبد الله بن عبس.
د- ومن بني أحمر بن حارثة بن ثعلبة رجل واحد، وهو:
١ - يزيد بن الحارث بن قيس.
هـ - ومن بني جشم بن الحارث بن الخزرج أربعة نفر، وهم:
١ - خبيب بن أساف بن عتبة.
٢ - عبد الله بن زيد بن ثعلبة.
٣ - حريث بن زيد بن ثعلبة.
٤ - سفيان بن بشر.
و- ومن بني جدارة بن عوف بن الحارث أربعة نفر، وهم:
١ - تميم بن يعار بن قيس.
[ ١ / ١٩٩ ]
٢ - عبد الله بن عمير.
٣ - زيد بن المزين بن قيس.
٤ - عبد الله بن عرفطة بن عدي.
ز - ومن بني الأبجر (وهم بنو خدرة) رجل واحد وهو:
١ - عبد الله بن ربيع بن قيس.
ح - ومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني عبيد رجلان، وهما:
١ - عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول (١).
٢ - أوس بن خولى بن عبد الله بن الحارث.
ح - ومن بني جزء بن عدي بن مالك ستة نفر، وهم:
١ - زيد بن وديعة بن عمرو. حليف لهم من غطفان.
٢ - عامر بن سلمة بن عامر. حليف لهم من أهل اليمن.
٣ - أبو حميضة، معبد بن عباد، ويقال ابن عبادة بن قشير.
٤ - عامر بن البكير. حليف لهم.
٥ - عقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم من غطفان.
٦ - رفاعة بن عمرو بن زيد، حليف لهم.
ط - ومن بني سالم بن عوف، رجل واحد، وهو:
١ - نوفل بن عبد الله بن نضلة.
ي - ومن بني أصرم بن فهر بن ثعلبة رجلان، وهما:
_________________
(١) هو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي الأنصاري، كان أبوه رأس المنافقين، أما هو فقد كان من خيرة شباب الإسلام، كان صحابيًّا جليلا شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه لما ظهر نفاقه فلم يأذن له، بل قال له أحسن صحبته، قتل عبد الله هذا شهيدًا في حرب الردة باليمامة سنة اثني عشرة، وكان فيمن كتب النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٠٠ ]
١ - عبادة بن الصامت.
(٢) - أوس بن الصامت.
ك - ومن بني دعد بن فهر بن ثعلبة، رجل واحد، وهو:
١ - النعمان بن مالك بن ثعلبة.
ل- ومن بني لوذان بن سالم عشرة نفر:
١ - ثابت بن هزال.
٢ - مالك بن الدخشم بن مرضخة (وهو من بني مرضخة).
٣ - ربيع بن إياس بن عمرو بن غنم.
٤ - ورقة بن إياس.
٥ - عمرو بن إياس (حليف لهم) من أهل اليمن.
٦ - المجذر بن زياد البلوى حليف لهم.
٧ - عبادة بن الخشخاش بن عمرو.
٨ - نحاب، ويقال له، (بحاث) بن ثعلبة بن حزمة.
٩ - عبد الله بن ثعلبة بن حزمة.
١٠ - عتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية (حليف لهم).
م - ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان، وهما:
١ - أبو دجانة (سماك بن أوس بن خرشة).
٢ - المنذر بن عمرو بن خنيس. ويقال: المنذر بن عمرو بن خنبش.
ن - ومن بني البدى بن عامر بن عوف رجلان، وهما:
١ - أبو أسيد بن ربيعة بن البدى.
٢ - مالك بن مسعود بن البدى.
[ ١ / ٢٠١ ]
س - ومن بني طريف بن الخزرج ستة نفر:
١ - عبد ربه بن حق بن أوس.
٢ - كعب بن حمار (ويقال بن جماز بن ثعلبة الغبشاني الجهني)، حليف لهم.
٣ - ضمرة بن عمرو (ويقال ابن بشر الجهني)، حليف لهم.
٤ - زياد بن عمرو (ويقال أيضًا ابن بشر) الجهني، حليف لهم.
٥ - بسبس بن عمرو الجهني، حليف لهم.
٦ - عبد الله بن عامر البلوى، حليف لهم.
ع - ومن بني جشم بن الخزرج إثنا عشر رجلا، وهم:
١ - خراش بن الصمة بن عمرو.
٢ - الحباب بن المنذر.
٣ - عمير بن الحمام.
٤ - تميم (مولى خراش بن الصمة).
٥ - عبد الله بن عمرو بن حرام.
٦ - معاذ بن عمرو بن الجموح.
٧ - خلاد بن عمرو بن الجموح.
٨ - عقبة بن عامر بن نابي (١).
٩ - حبيب بن أسود (مولى لهم).
١٠ - ثابت بن ثعلبة بن زيد.
١١ - معوذ بن عمرو بن الجموح.
١٢ - عمير بن الحارث بن ثعلبة.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٢٠٢ ]
ف - ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب تسعة نفر، وهم:
١ - بشر بن البراء بن معرور بن صخر.
٢ - الطفيل بن مالك بن خنساء.
٣ - سنان بن صيفى بن خنساء.
٤ - عبد الله بن الجد بن قيس بن صخر بن خنساء.
٥ - عتبة بن عبد الله بن صخر بن خنساء.
٦ - خارجة بن حمير الأشجعي، حليف لهم.
٧ - عبد الله بن حمير، حليف لهم.
٨ - الطفيل بن النعمان بن خنساء.
ص - ومن بني خناس بن سنان بن عبيد سبعة نفر، وهم:
١ - يزيد بن المنذر بن سرح بن خناس.
٢ - معقل بن النفر بن خناس.
٣ - عبد الله بن النعمان بن بلدمة.
٤ - الضحاك بن حارثة بن زيد.
٥ - سواد بن زريق بن ثعلبة.
٦ - معبد بن قيس بن صخر بن حرام.
٧ - عبد الله بن قيس بن صخر بن حرام.
أ- ومن بني النعمان بن عبيد أربعة نفر، وهم:
١ - عبد الله بن عبد مناف بن النعمان.
٢ - جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان.
٣ - خليدة بن قيس بن النعمان.
٤ - النعمان بن سنان (مولى لهم).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ب - ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة أربعة نفر، وهم:
١ - يزيد بن حديدة.
٢ - سليم بن عمرو بن حديدة.
٣ - قطبة بن عمرو بن حديدة.
٤ - عنترة (مولى سليم بن عمرو).
ج - ومن بني عدى بن نابى بن عمرو بن سواد بن غنم ستة نفر، وهم:
١ - عبس بن عامر بن عدي.
٢ - ثعلبة بن غنمة بن عدي.
٤ - سهل بن قيس بن أبي كعب.
٥ - عمرو بن طلق بن زيد بن أُمية.
٦ - معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس.
د - ومن بني زريق بن عامر بن زريق سبعة نفر وهم:
١ - قيس بن محصن بن خالد.
٢ - أبو خالد (الحارث بن قيس بن خالد).
٣ - جبير بن إياس بن خالد.
٤ - أبو عبادة (سعد بن عثمان بن خلدة).
٥ - ذكوان بن عبد قيس بن خلدة.
٦ - عقبة بن عثمان بن خلدة.
٧ - مسعود بن خلدة بن عامر.
هـ - ومن بني خالد بن عامر بن زريق رجل واحد، وهو:
١ - عباد بن قيس بن عامر بن خالد.
و- ومن بني خلدة بن عامر بن زريق خمسة نفر:
١ - أسعد بن يزيد بن الفاكهة.
[ ١ / ٢٠٤ ]
٢ - الفاكهة بن بشر بن الفاكهة.
٣ - معاذ بن ماعص بن قيس.
٤ - عائذ بن ماعص بن قيس.
٥ - مسعود بن سعد بن قيس.
ز - ومن بني العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ستة نفر، وهم:
١ - رفاعة بن رافع بني العجلان.
٢ - خلاد بن رافع بن مالك.
٣ - عبيد بن زيد بن عامر.
٤ - عبيد بن مالك بن عمرو.
٥ - مليل بن وبرة بن خالد.
٦ - عصمة بن الحصين بن وبرة.
ح - ومن بني بياضة بن عامر بن زريق ستة نفر، وهم:
١ - زياد بن لبيد بن عامر.
٢ - فررة بن عمرو بن وذفة.
٣ - خالد بن قيس بن مالك.
٤ - رجيلة بن ثعلبة بن خالد.
٥ - عطية بن نويرة بن عامر.
٦ - خليفة بن عدي بن عمرو. ويقال عليفة.
ط - ومن بني حبيب بن عبد حارثة رجلان، وهما:
١ - رافع بن المعلى بن لوذان.
٢ - هلال بن المعلى بن لوذان.
ي - ومن بني النجار (وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج) ثلاثة وخمسون رجلًا وهم:
[ ١ / ٢٠٥ ]
١ - خالد بن زيد بن كليب.
٢ - ثابت بن خالد بن النعمان.
٣ - عمارة بن حزم بن زيد.
٤ - سراقة بن كعب بن عبد العزى.
٥ - حارثة بن النعمان بن زيد.
٦ - سليم بن قيس بن فهد.
٧ - سهيل بن رافع بن أبي عمرو.
٨ - عدي بن الزغباء (حليف لهم) من جهينة.
٩ - مسعود بن أوس بن زيد.
١٠ - أبو خزيمة بن أوس بن زيد.
١١ - رافع بن الحارث بن سواد.
١٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة.
١٣ - معوذ بن الحارث بن رفاعة.
١٤ - معاذ بن الحارث بن رفاعة، (وهؤلاء الثلاثة هم بنو عفراء).
١٥ - النعمان بن عمرو بن رفاعة، ويقال (نعمان).
١٦ - عامر بن مخلد بن الحارث.
١٧ - عبد الله بن قيس بن خالد.
١٨ - عصيمة (حليف لهم من أشجع).
١٩ - وديعة بن عمرو (حليف لهم من جهينة).
٢٠ - ثابت بن عمرو بن زيد.
٢١ - ثعلبة بن عمرو بن محصن.
٢٢ - سهل بن عتيك بن عمرو.
[ ١ / ٢٠٦ ]
٢٣ - الحارث بن الصمة بن عمرو (١). ويقول ابن إسحاق أنه أصابه كسر وهو بالروحاء، فضرب له النبي - ﷺ - بسهمه فصار بدريًا.
٢٤ - أُبي بن كعب بن قيس (٢).
٢٥ - أنس بن معاذ بن أنس.
٢٦ - أوس بن ثابت بن المنذر.
٢٧ - أبو شيخ (أبي بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت).
٢٨ - أبو طلحة (زيد بن سهل بن الأسود) (٣).
٢٩ - حارثة بن سراقة بن الحارث.
٣٠ - عمرو بن ثعلبة بن وهب.
٣١ - سليط بن قيس بن عمرو بن عتيك.
٣٣ - أَبو زيد قيس بن سكن.
٣٤ - أبو خارجة عمرو بن قيس بن مالك.
٣٥ - ثابت بن خنساء بن عمرو.
٣٦ - عامر بن أُمية بن زيد.
٣٧ - محرز بن عامر بن مالك.
٣٨ - سواد بن غزبة بن أهيب البلوى (حليف لهم).
٣٩ - الحارث بن ظالم بن عباس (أبو الأعور)، ويقال أبو الأعور بن الحارث بن ظالم.
٣٩ - سليم بن ملحان بن خالد بن زيد.
_________________
(١) كان الحارث بن الصمة من الأبطال الذين ثبتوا مع الرسول يوم أحد، انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوه أحد).
(٣) أبو طلحة هذا من الأبطال المشهورين، انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٢٠٧ ]
٤١ - حرام بن ملحان بن خالد.
٤٢ - قيس بن أبي صعصعة.
٤٣ - عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف.
٤٤ - عصيمة (حليف لهم من بني أسيد بن خزيمة).
٤٥ - عمير بن عامر بن مالك.
٤٦ - سراقة بن عمرو بن عطية.
٤٧ - قيس بن مخلد بن ثعلبة.
٤٨ - النعمان بن عبدہ عمرو بن مسعود.
٤٩ - الضحاك بن عبد عمرور بدن مسعود.
٥٠ - سليم بن الحارث بن ثعلبة.
٥١ - جابر بن سهيل بن عبد الأشهل.
٥٢ - سعد بن سهيل بن عبد الأشهل.
٥٣ - كعب بن زيد بن قيس.
٥٤ - بجير بن أبي بجير (حليف لهم من غطفان).
حديث القرآن عن المعركة
وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة بدر فتناول أهم الأحداث التي جرت فيها، فقد أنزل الله تعالى فيها سورة الأنفال بأكملها وهي خمس وسبعون آية.
قال ابن إسحاق .. فلما انقضى أمر بدر أنزل الله ﷿ فيه من القرآن (الأنفال) بأسرها.
وأول ما تحدث عنه القرآن الكريم اختلاف عسكر بدر من المسلمين حول الغنائم والأسلاب، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ
[ ١ / ٢٠٨ ]
الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقد كانت هذه الآية الكريمة بمثابة قرار حاسم لحل الخلاف بين العسكر حول الغنائم، إذ جعل الله أمرها عائدًا إلى النبي - ﷺ - وعلى المسلمين أن يطيعوا أمره.
وقد قسم النبي - ﷺ - الغنائم بين الجيش على السواء.
فكان عبادة بن الصامت يقول - إذا سئل عن سورة الأنفال - فينا معشر أهل بدر نزلت حين اختلفنا في النفل يوم بدر، فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أَخلاقنا، فرده على رسول الله - ﷺ -، قسمه بيننا عن بواء -يقول .. على السواء-، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله - ﷺ - وصلاح ذات البين.
كذلك أشار القرآن الكريم إلى خروج النبي - ﷺ - من المدينة لملاقاة عير قريش، وحرض المسلمين على الاستيلاء على القافلة، وكراهة البہعض ملاقاة قريش، فقال تعالى:
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقد ذكر القرآن أيضًا دعاء قريش واستفتاح أبي جهل قبل المعركة والذي قال فيه (كما تقدم) .. اللهم اقطعنا للرحم وآتنا بما لا نعرف، فأحنه الغداة (أي اجعل حينه غدًا) .. فقال تعالى:
[ ١ / ٢٠٩ ]
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ (أي بعدما أصابكم في بدر ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ (أي نوقع بكم مثلما أوقعنا بكم في بدر) ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
كذلك تحدث القرآن عن القاء العجيب الذي كان غير متوقع (بالنسبة للمسلمين) بين الفريقين في بدر، إذ أن المسلمين لم يخرجوا للحرب وإنما خرجوا للاستيلاء على العير، فوجدوا أنفسهم أمام جيش العدو الذي ما كانوا على ميعاد معه، فقال تعالى:
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ﴾ (أي العير التي نجت ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
كما تحدث القرآن الكريم عن حالة الوجل والخوف التي خاف فيها النبي - ﷺ - على جيشه الصغير من الفناء في هذه المعركة، فاستغاث ربه، كما تحدث القرآن عن الملائكة الذين شهدوا المعركة لتقوية روح المسلمين المعنوية وتثبيتهم، فقال تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
كذلك أشار القرآن إلى الطمأنينة التي جهز الله بها الجيش الإسلامي قبل المعركة، والثبات الذي مدهم به فلقوا عدوهم بقلوب ثابتة، لم يجد الخوف سبيلا إليها، فقال تعالى:
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ
[ ١ / ٢١٠ ]
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
كذلك تحدث القرآن عن خفقة النعاس التي أصابت النبي - ﷺ -، وهو في العريش (والمعركة قائمة) والتي رأَي فيها (أَى الخفقة) البشارة بالنصر، فبشَّر أبا بكر بذلك (كما تقدم) فقال تعالى:
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
كذلك أشار القرآن إلى رمي النبي - ﷺ - المشركين بالحصباء عند إصدار أوامره بالهجوم عليهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيدِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال ابن إسحاق (يصف أمر الرسول بالهجوم على المشركين بعد رميهم بالحصباء) قال:
(ثم إن رسول الله أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشًا بها، ثم قال .. شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال .. شدوا، فكانت الهزيمة).
وتحدث القرآن أيضًا عن حالة صار عليها المسلمون عند لقاء عدوهم. حالة لا بد من أَن يكون عليها كل من يتوق إلى النصر، وهي احتقار قوة العدو وعدم الخوف منها (وإن كانت كثيرة) تحداث القرآن عن امتنان الله على العسكر الإِسلامي بإيجادها عندهم لئلا تهولهم كثرة العدو الغامرة فيتخاذلوا، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ ..
كذلك تحدث القرآن مذاكرًا المسلمين بنصرهم المؤزر الذي أَحرزوه
[ ١ / ٢١١ ]
في معركة بدر الذي كان سببًا في تغيير مجرى حياتهم وتدعيم مركزهم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي صاروا بعده سادة المنطقة بعد أَن كانوا ضعفاء خائفين لا يأْمنون على أنفسهم، فقال تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
كما طلب من المسلمين عامة، وعسكر بدر (خاصة) أَن يعطوا الطاعة الكاملة دائمًا لله ولرسوله، وأن لا يختلفوا فيما بينهم، فيصيبهم الفشل الذي هو (دائمًا) من لوازم الخلاف، كما طلب منهم الابتعاد دائمًا عن الغرور والرياء والكبر الذي كان سببًا في نكبة جيش مكة الذي قاده غرور وبطر أبي جهل إلى هزيمة نكراء لم تشهد مكة مثلها في تاريخها فقال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ وَقَال لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيهِ وَقَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
الفرار من الزحف
كما أَن القرآن (أيضًا) في هذه السورة حذر المؤمنين من الفرار ساعة اللقاء، وبين لهم في مثلة بأن الهرب ساعة الالتحام بالعدو جريمة وخيانة كبرى جزاء فاعلها جهنم، فقال تعالى:
[ ١ / ٢١٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
كذلك حث القرآن المسلمين في هذه السورة التي نزلت في جو مشحون بروح الحرب .. حث المسلمين فيها على عدم التهاون في محاربة أعداء الإسلام والتنكيل بهم فقال تعالى:
﴿إِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
غير أَن القرآن إذا كان قد حث أتباعه في ذلك الظرف الخطير على التزام جانب القوة وخوض المعارك لضرب المعتدين الذين يتربصون بالإسلام الدوائر، فإن دعوته الأساسية للسلم الذي لم يشرع الحرب إلا لتحقيقه، هذه الدعوة ظل القرآن يدعو لتحقيقها كمطلب أساسي لدعوته فقال تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
كذلك لم يغفل القرآن في هذه السورة الثناء على المهاجرين والأَنصار الذين بسيوفهم (بعد تأْييد الله) حققوا للإسلام أعظم نصر دخل المسلمون عن طريقه التاريخ من بابه الواسع فقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا (أَي الأَنصار) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
[ ١ / ٢١٣ ]
كما أَن القرآن الكريم عاتب النبي - ﷺ - في هذه السورة على تصرفه في أَسرى بدر، حينما أطلق سراحهم مقابل مبلغ من المال يدفعونه للمسلمين، حيث كان من الأولى قتلهم لتحطيم معنويات المشركين وكسر شوكتهم الحربية وإعزاز جانب الإِسلام، لاسيما في ذلك الجو الذي كانت فيه قريش تتحفز لإِبادة المسلمين وتحشِّد الحشود لخضد شوكتهم، فقال تعال (معاتبًا نبيه - ﷺ -):
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
[ ١ / ٢١٤ ]
الفصل السادس
• عودة الجيش إلى المدينة.
• الخلاف حول الغنائم والأسرى.
• كيف تلقت المدينة أنباء النصر.
• وقع الهزيمة في مكة.
• الموقفت العام في المدينة بعد النصر.
• محاولة اغتيال النبي ﷺ.
• أثر الانتصار على سكان الجزيرة.
• نظرة وتحليل، ورجاء وخاتمة.
الخلاف حول الغنائم
وقل أقام النبي - ﷺ - مع جيشه ببدر ثلاثة أيام، وقبل رحيله من مكان المعركة حدث خلاف بين الجيش حول الغنائم
فقال الذين ظلوا يطاردون العدو بعد الهزيمةة، نحن شغلنا العدو عنكم حتى أصبتم الغنائم، وقال حرس القيادة ما أنتم بأَحق به منا، لقد رأَينا أَن نأْخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله كرّة العدو فقمنا دونه، وقال الذين جمعوا الغنائم هي لنا، لأَننا نحن الذين استولينا عليها.
ولما اشتد الخلاف أمر الرسول - ﷺ - بأَن يرد الجميع ما بأَيديهم
[ ١ / ٢١٥ ]
لينظر في الأَمر فيا بعد، ثم لم يمض وقت طويل حتى نزل حل مشكلة الغنائم من السماء، فقسمها الرسول - ﷺ - بين المحاربين على السواء، وذلك بعد أَن أنزل الله عليه سورة الأنفال التي افتتحت بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقد تم تقسيم الغنائم في أثناء الطريق بمكان قريب من مضيق وادي الصفراء، بين المضيق وبين النازية (١) والنبي عائد من بدر إلى المدينة.
عودة الجيش إلى المدينة
وبعد أَن أقام ببدر ثلاثة أَيام أَصدر - ﷺ - أَوامره إلى جيشه الظافر بالتحرك نحو المدينة (٢)، ومن مكان المعركة بعث برسولين ليسبقاه إلى المدينة ليبشرا أهلها بالنصر، أحدهما من المهاجرين وهو زيد بن حارثة، والآخر من الأَنصار وهو عبد الله بن رواحة.
قتل عقبة بن أبي معيط
وعندما وصل الرسول - ﷺ - إلى الصفراء أَمر بقتل النضر بن الحارث بن كلدة، وهو حامل لواء المشركين يوم بدر ومن أَكبر مجرمي تلك الحرب ومن أشد الناس كيدًا للإسلام قتله علي بن أَبي طالب ﵁
_________________
(١) كان رجوع النبي بجيشه من بدر يوم الأربعاء في الثالث والعشرين من رمضان.
(٢) سمط النجوم العوالي ج ٢ ص ٣٨: والصفراء - بالتأنيث - وادي الصفراء بينه وبين بدر - من ناحية المدينة - مرحلة واحدة. والنازية - بالزال وتخفيف الياء - عين بالقرب من الصفراء.
[ ١ / ٢١٦ ]
والنضر هذا، هو الذي قالت ابنته قتيلة فيه تلك الأَبيات. المشهورة التي تعد من أروع الشعر المؤثر:
يا راكبًا إن الأَثيل مظنة من صبح خامسة وأَنت موفق
أبلغ بها ميتًا بأَن تحية ما أَن تزال به النجائب تخفق
منى إليك وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخري تخنق
هل يسمعني النضر إن ناديته أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أَمحمد يا خير ضنء كريمة في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو منَنْت وربما منَّ الفتى وهو المغيض المحنق
أَو كنت قابل فداية فلينفقن بأَعز ما يغلو به ما ينفق
فالنضر أقرب من أَسرت قرابة وأَحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أَبيه تنوشه لله أَرحام هنالك تشقق
صبرًا يقاد إلى المنية متعبًا رسف القيود وهو عان موثق
ويقول بعض الرواة إن النبي - ﷺ - لما بلغه هذا الشعر الجزل تأثر وقال، لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه، وتفيد رواية ابن هشام عدم صحة هذه الرواية، وهو المعقول لأن الرسول لم يأْمر بقتله إلا وهو مستحق، فلا تكون أَبيات من الشعر مغيرة لحكم مشروع.
قتل عقبة بن أبي معيط
ولما وصل - ﷺ - إلى عرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط،
[ ١ / ٢١٧ ]
وهو من بني أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (١).
ويقول بعض الرواة إن النبي - ﷺ - لما أَمر بقتل عقبة قال .. أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال نعم، ثم قال الرسول لأَصحابه. أَتدرون ما صنع هذا بي؟ .
جاءني وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أَن عيني ستندران من رأْسي، وجاء مرة أُخرى بسلا شاة (٢) فألقاه على رأْسى وأَنا ساجد فجاءت فاطمة (٣) فغسلته عن رأْسى.
_________________
(١) هو عاصم بن ثابت بن الأفلح الأنصاري، كان من السابقين الأولين، وكان محاربًا فذًا، روي أن النبي - ليلة بدر - سأل من معه، كيف تقاتلون، فأخذ عاصم بن ثابت القوس والنبل، وقال، إذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع كان الرمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرماح كانت المداعسة حتى تقصف فإذا تقصفت وضعناها وأخذنا السيوف وكانت المجالدة، فقال النبي ﷺ هكذا نزلت الحرب من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم، قتل عاصم غدرًا في يوم الرجيع أرض هذيل بالحجاز وذلك في السنة الثالثة من الهجرة، والقصة مفصلة في سيرة ابن هشام.
(٢) السلا -بكسر السين- ما يعقب الولادة من أوساخ وقاذورات:
(٣) هي فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين رسول الله ﷺ وهي أصغر بنات النبي وأحبهن إليه ولدت والكعبة تبنى والنبي ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة، تزوجها علي ﵁ في أوائل سنة اثنتين من الهجرة، وذلك بعد مضى أربعة أشهر على تزوج أبيها ﷺ من عائشة، وقد أجمع المؤرخون على أن نسل رسول الله ﷺ قد انقطع إلا من فاطمة، قالت عائشة ما رأيت أحدًا أفضل من فاطمة بعد أبيها، وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أفضل نساء العالمين أربع: مريم، وآسيا، وخديجة، وفاطمة، توفيت فاطمة ﵂ يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة.
[ ١ / ٢١٨ ]
مجرمو الحرب
والنضر بن الحارث، وعقبة بن أَبي معيط، هما الأَسيران الوحيدان اللذان قتلا صبرًا من بين أَسرى بدر. وكان هذان الرجلان من أَشد عباد الله كفرًا وعنادًا وبغيًا وحسدًا وكانا من أكبر دعاة الحرب ومثيرها ضد الإسلام، والمتربصين بالرسول الدوائر، وبقاؤهما مصدر خطر كبير على الإسلام، لا سيما في تلك الظروف الحربية التي تجتازها دعوة محمد - ﷺ - فهما إذن من مجرمي الحرب الذين لو أُطلق سراحهم لما تورعوا عن سلوك أَي طريق فيه تدمير لمحمد وأَصحابه ونسف لدعوتهم، ولا أدل على ذلك مما كانا يرتكبانه من إهانات وتنكيل في حق محمد - ﷺ - وهو أعزل آمن في مكة.
فقتلهما (إذن) ضرورة تحتمها مصلحة دعوة الإِسلام الفتية، لا سيما وأَنهما من أَكبر مجرمي الحرب المسؤولين عن إشعال نيران معركة بدر التي خاضتها قريش بغيًا وعدوانًا، وما كانت لتخوضها لولا عناد أَمثال هذين الزعيمين المجرمين اللذين وأَمثالهما ساقا مكة إلى الحرب قسرًا بدافع الحقد على الإسلام. وإذا كان الرسول قد قتل هذين الأسيرين العريقين في الإِجرام فقط، وقبل الفداء عن غيرهما من الأَسرى ومنّ على البعض الآخر، فإِن القرآن قد نزل بالعتاب على إطلاق سراح الأَسرى الذي تم إما بالمنِّ وإما بالفداء، فقد كان القرآن يحبذ الإِثخان في هؤلاء الأسرى ويفضل القتل على قبول الفداء.
وقد جاء هذا العتاب صريحًا في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
_________________
(١) الأنفال ٢٧، ٢٨.
[ ١ / ٢١٩ ]
إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء الله ورسوله، وقد أَبطرتهم منازلهم فساقوا عامة مكة إلى حرب ما كان لها من داع فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأَيدي من خناقهم؟ (١)
لقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون قلة والمشركون كثرة، وكان نقص عدد المحاربين من المشركين بالقتل أو بالأسر كسبًا ضخمًا في هذه الحالة لا يعدله مال.
وكان هنالك معنى آخر يراد تقريره في النفوس وتثبيته في العقول، ذلك هو المعنى الكبير الذي أَشار إليه عمر ﵁ في صرامة ونصاعة (وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين) لهذين السببين الكبيرين نحسب أن الله كره للمسلمين أن يفادوا أساري بدر (٢).
فقتل الأَسيرين إذن .. النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إنما هو تنفيذ لما كان يريد القرآن تنفيذه وأمر تتطلبه ظروف المسلمين الحربية التي أجبروا فيها على خوض المعارك، التي أثارها هؤلاء البغاة وأَشعلوا أواردها بالقرب من ديار المسلمين.
وفود التهنئة
ولما وصل النبي إلى الروحاء (٣) لقيه رؤوس المسلمين من أَهل المدينة يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال لهم سلمة بن سلامة، ما الذي
_________________
(١) فقه السيرة ص ١٨٢.
(٢) في ظلال القرآن ج ١٠ ص ٢٥.
(٣) الروحاء موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن (١) فتبسم الرسول - ﷺ - ثم قال، يا ابن أَخي أولئك الملأُ (٢).
وقال أسيد بن الحضير، (وكان فيمن قدم إلى الروحاء للتهنئة) يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن إنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله: صدقت (٣).
كيف تلقت المدينة أنباء النصر
عند وقوع معركة بدر كان سكان المدينة يتألقون من عناصر ثلاثة:
المسلمون .. واليهود .. والمنافقون.
وقد كان اليهود والمنافقون يتمنون، بل ويتوقعون الهزيمة للمسلمين والنصر والغلبة المشركين في هذه المعركة.
وقد نظم هؤلاء - قبل وصول البشير بنصر المسلمين - حملة من الإرجاف وبلبلة الأفكار أشاعوا فيها خبر قتل النبي وتمزيق جيشه في معركة بدر.
وبينما كان المسلمون يترقبون - في تلهف وهم على أحرّ من الجمر - أنباء المعركة، وبينما كانت الإشاعة والإرجاف بهزيمة المسلمين تملآن أرجاءَ المدينة، بشكل كادت تذهب له عقول المسلمين خوفًا على نبيهم
_________________
(١) جمع بدنة، والبدنة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة، تطلق على الذكر والأنثى.
(٢) أي الأشراف.
(٣) البداية والنهاية ج ٣ ص ٣٠٤.
[ ١ / ٢٢١ ]
وجيشهم الفتى الصغير .. إذا بصوتي عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة (١) يهزان أنحاء المدينة تهليلا وتكبيرًا معلنين انتصار المسلمين الكامل وهزيمة المشركين الساحقة وقرب قدوم النبي - ﷺ - وجيشه سالمين غانمين فعمت البهجة والسرور نفوس المسلمين، وزالت عنهم جميع الهواجس المزعجة التي انتابتهم نتيجة الإشاعات الكاذبة والإرجاف المقصود الذي نظمه اليهود والمنافقون.
وبالرغم من وصول البشير بنصر المسلمين وهزيمة المشركين، فقد حاول اليهود والمنافقون تكذيب أنباء الانتصار التي وصل بها البريد النبوي من بدر.
فاستمروا في إرجافهم، حتى إن أحد المنافقين عندما رأَى زيد بن حارثة - أحد المبشرين بالنصر - راكبًا القصواء ناقة رسول الله - ﷺ - بحضور أبي لبابة الأنصاري قال: لقد قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدرى ماذا يقول من الرعب، وجاء فلا (٢) وقالت اليهود ما جاء زيد إلا فلا.
_________________
(١) هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله ﷺ وقصة استرقاقه أن أمه زارت قومها وزيد معها فأغارت خيل لبنى القين بن جسر في الجاهلية على بيوت بني معن فاحتملوا زيدًا وهو غلام صغير، فباعوه في سوق عكاظ، اشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له، وكان أبوه حارثة قد حضر إلى مكة وطلب من النبي أن يقبل الفداء فيه ويعيده إليه، فقال، ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارنى فوالله ما أنا بالذي اختار على من اختارنى فداء، وعند تخيير زيد اختار رسول الله ﷺ، وكان ذلك قبل الهجرة، عاش زيد في بيت النبوة، فكان من السابقين الأولين في الإسلام، ثم صار من القادة البارزين، كان أول القادة الثلاثة الذين أداروا دفة معركة مؤتة وكان أول هؤلاء القادة استشهادًا حيث قتل وهو يقود المعركة ضد الرومان.
(٢) رجل فل، وقوم فل، منهزم ومنهزمون، يستوي فيه الواحد والجمع.
[ ١ / ٢٢٢ ]
ولشدة الإرجاف وقوة الإشاعة بقى كثير من المسلمين مترددين في تصديق خبر انتصار المسلمين.
قال أسامة بن زيد (١) لقد جئت أبي (وهو أحد مبعوثي النبي من بدر بخبر النصر) حتى خلوت به فقلت له أحق ما تقول؟؟ فقال أي والله، حق ما أقول.
قال أسامة فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت له، أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لتقدمنك إلى رسول الله - ﷺ - إذا قدم فليضربن عنقك، فقال المنافق (متخاذلا) إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه.
طلائع الجيش المنتصر
وبالرغم من تأكيد الرسولين (ابن حارثة وابن رواحة) خبر نصر المسلمين وهزيمة المشركين، فقد ظل اليهود والمنافقون يقاومون ما قرع آذانهم من بشائر الفوز المحقق، واستمروا في مكابرتهم حتى أخرستهم الحقيقة الملموسة المجسدة التي لا تجدى معها إشاعة أو إرجاف.
_________________
(١) أسامة هذا هو ابن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ، ولد أسامة في الإسلام، وقد أعطاه الرسول (قبل موته بقليل) القيادة على جيش عظيم الغزو أطراف الشام، تولى أسامة قيادة هذا الجيش وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان عمر بن الطاب ممن انضوى تحت لوائه، وقد مات الرسول ﷺ قبل أن يفصل جيش أسامة من المدينة فبقى مرابطًا في ضواحي المدينة حتى بويع أبو بكر بالخلافة، ثم أمر هذا الجيش بأن يواصل سيره إلى الجهة التي رسمها رسول الله ﷺ بقيادة أسامة، إلا أن أبا بكر استأذن أسامة في السماح لابن الخطاب (الذي كان أحد جنوده) أن يبقى معه في المدينة ففعل: اعتزل أسامة الفتنة بعد قتل عثمان ووقف على الحياد بين الفريقين حتى توفاه الله في أواخر خلافة معاوية ﵁.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فقد أُسقط في أيدى هؤلاء اليهود والمنافقين، عندما رأَوا طلائع الجيش المحمدى المنتصر تزدحم بها طرقات المدينة، وأمامها يساق أَسرى البغي والعدوان مقرَّنين في الأَصفاد، تعلو وجوههم ذلة الهزيمة.
وقد كاد اليهود والمنافقون يتهمون أبصارهم عندما رأَوا سهيل بن عمرو، وعمرو بن أبي سفيان والعباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث، والوليد بن الوليد وغيرهم من سادات مكة وقادتها، قد شدت أيديهم إلى الوراء يتعثرون في خطاهم بين أفواج أَسرى الشرك.
حقًّا لقد كانت النهاية التي انتهت بها معركة بدر، حدثًا خطيرًا اهتزت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أَقصاها.
الرسول المنتصر يدخل المدينة
وقبل وصول الأسرى مع طلائع الجيش إلى المدينة بيوم واحد دخلها ﷺ يحيط به قادة جيشه وهيئة أَركان حربه.
وقد استقبلته المدينة استقبالا رائعًا، أما اليهود والمنافقون فقد اسودت وجوههم واستبد بهم الغل والحقد فأفقدهم رشدهم وأذهب صوابهم.
معاملة الأسرى
أما الأسرى فقد فرقهم النبي على جماعته وأوصى بهم خيرًا.
قال أبو عزيز وهو أحد الأسرى، وأَخو مصعب بن عمير، حامل لواء المسلمين يوم بدر .. قال: كنت في رهط من الأنصار حتى أقبلوا من بدر، فكانوا، إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم، خصونى بالخبز وأكلوا
[ ١ / ٢٢٤ ]
التمر، لوصية رسول الله - ﷺ - إياهم بنا، فما تقع في يد رجل كسرة من الخبز إلا نفحني بها، قال فأَستحى فأَردها عليه، فيردها على ما يمسها.
الاختلاف حول مصير الأسرى
وبعد أن استقر الرسول - ﷺ - بالمدينة عقد مجلسًا استشاريًا أَعلى شهده كبار الصحابة، لبحث موضوع الأسرى وتقرير مصيرهم، وقد شهد هذا المجلس أبو بكر وعمر وعثمان (١) وعلي وعبد الله بن رواحة وغيرهم من كبار الصحابة وقادة الجيش المنتصر.
وقد اختلف أعضاء هذا المجلس حول مصير الأسرى. فقد كان فريق يرى إبادة هؤلاء الأسرى جميعهم، وعلى رأس هذا الفريق عمر بن الخطاب الذي قال:
"يا رسول الله .. كذبوك وأخرجوك، قدّمهم واضرب أعناقهم" وشاطر عمر هذا الرأي، القائد عبد الله بن رواحة الأنصاري الذي قال:
_________________
(١) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي، غني عن التعريف .. الخليفة الراشد الثالث، وزوج ابنتي رسول الله، رقية وأم كلثوم أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ "لكل نبي رفيق ورفيقى في الجنة عثمان"، لم يشهد بدرًا لأنه تخلف لمرض زوجته رقية التي توفيت يوم قدوم البشير إلى المدينة بانتصار المسلمين في بدر، وكتب له النبي ﷺ بسهمه وأجره كأي محارب في معركة بدر، تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب، قتل بالمدينة ظلمًا في تلك الفتنة العمياء التي أثارها المجرمون والتي لا يزال المسلمون يحيون في ظلامها حتى اليوم، وكان قتله ﵁ في التاسع عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين هجرية، قتله المجرمون وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
[ ١ / ٢٢٥ ]
يا رسول الله .. انظر واديا من حطب فأَدخلهم فيه ثم أُضرمه عليهم نارًا، وكان العباس بن عبد المطلب (وهو أحد الأَسرى) يسمع، فقال لابن رواحة قطعتك رحمك.
وكان فريق آخر يرى الرأْفة بهم والتأَني في شأْنهم، وعلى رأْس هذا الفريق أبو بكر الصديق الذي قال:
يا رسول الله .. قومك وأهلك، استبقهم واستأْن بهم لعل الله أَن يتوب عليھم.
القرار الأخير
وبعد أن عرف الرسول رأْى الفريقين شكرهما وأثنى على اجتهادهما، حيث شبيه رأْي الفريق الأَول الذي يرى إبادة الأَسرى برأْي نبي الله نوح الذي طلب من الله تدمير قومه بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾. (١)
وشبه الفريق الثاني الذي يرى الرأْفة بالأَسرى، بنبي الله عيسى الذي قال في قومه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٢).
إلا أَن الرسول اتخذ بشأْن هؤلاء الأسرى رأيًا وسطًا بين الرأيين، فقد خير الأَسرى بين القتل أَو الفداء، حيث قال لهم: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منكم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق.
وهكذا انتهت مشكلة الأَسرى، وأَبلغت المدينة مكة هذا القرار، وتم على أساسه فما بعد إطلاق سراح الأَسرى جميعًا، إما بواسطة الفداء
_________________
(١) نوح ٢٥.
(٢) المائدة ١١٨.
[ ١ / ٢٢٦ ]
الذي دفعه الموسرون، وإما بواسطة المنِّ الذي تكرم به - ﷺ - وأطلق سراح بعض الأَسري من غير فداءٍ لفقرهم.
كما اتفق مع المثقفين من الأسرى على إطلاق سراحهم مقابل قيامهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة.
آية العتاب بشأن الأسرى
غير أنه بعد صدور قرار الرسول بشأْن الأَسرى نزل وحى من السماء فيه عتاب بشأن هذا القرار.
فقد روى عمر بن الخطاب ﵁ قال، غدوت إلى النبي - ﷺ - وأبي بكر وهما يبكيان فقلت، يا رسول الله أَخبرني، ما الذي يبكيك أنت وصاحبك؟، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت. فقال - ﷺ - الذي عرض على أصحابك من أخذهم عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة -الشجرة قريبة-، وأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
كيف تلقت مكة نبأ هزيمة جيشها
لقد فر من ساحة المعركة يوم بدر من مشركي مكة حوالي ثمانمائة وخمسين مقاتلا، بہعثرتهہم الهزيمة الساحقة في وديان تهامة وشعابها. واتجهوا صوب مكة مذعورين، لا يدرى الواحد منهم كيف يدخلها خجلًا، للذي منوا به من اندحار على كثرتهم وقلة أعدائهم.
ففي الوقت الذي تلقت فيه المدينة نبأ انتصار المسلمين بالغبطة
[ ١ / ٢٢٧ ]
والسرور والابتهاج، كانت مكة في ذهول شديد، عند تلقى الأنباء الأَولية عن هزيمتها، واستعصى على عقول أهلها تصديق تلك الأَنباء، إلى درجة أنهم اتهموا الناقل الأول لأَنباء الهزيمة بالجنون.
فما كان يخطر لهم على بال، وما كانوا يتصورون أن ألف مقاتل يضم خيرة شباب قريش وأَمهر قادتها وأشجع زعمائها سيندحر هكذا (وبهذه الصورة المخزية) أَمام ثلاثمائة مقاتل من أهل المدينة الذين يفوقهم جيش مكة في كل شيء أضعافًا مضاعفة.
اسألوه إن كان يعقل
كان أَول من صك أسماع أهل مكة بهزيمة جندهم، الحيسمان بن إياس الخزاعي (١)، الذي كان أحد الفارين وأول القادمين من ساحة المعركة.
تجمع حوله أهل مكة وأَحاطوا به كتلا متراصة يسألونه (في لهفة) عن نتيجة المعركة، وقال قائلهم: ما وراءاك يا حيسمان؟ .
فأبلغهم (وهو يلهث من شدة الإعياء) خبر الهزيمة الساحقة التي نزلت بجيشهم، وبينما كان يعد عليهم بعض أسماء الصرعى من زعماء مكة وقادتهہاوقف عليه صفوان بن أُمية (٢) - وهو أحد زعماء الشركبن
_________________
(١) الحيسمان -بفتح الحاء وضم السين- ابن إياس بن عبد الله الخزاعي، كان شريفًا في قومه، أسلم فحسن إسلامه.
(٢) هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحى القرشي، قتل أبوه يوم بدر مشركًا، كان أحد الذين قاوموا في الخندمة يوم فتح مكة، كان من أشد الناس عداء الإسلام، وكان أحد الذين أهدر الرسول دمهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فهرب يوم الفتح، ثم عفا عنه الرسول ﷺ فعاد إلى مكة وحضر وقعة حنين مع المسلمين قبل أن =
[ ١ / ٢٢٨ ]
الذين لم يشهدوا بدرًا - وبمجرد استماعه إلى حديث الحيسمان عن الهزيمة أكد للحاضرين أنه مجنون، وليؤكد ذلك، قال لهم، اسأَلوه عنى إن كان يعقل؟؟ فقالوا له ما فعل صفوان بن أمية؟ .
قال، هو ذالك جالس في الحجر، وقد رأَيت أَباه وأخاه حين قتلا. فأُسقط في أيدى أهل مكة، وهاج الناس وماج بعضهم في بعض من هول الصدمة، وزاد الأَمر تأْكيدًا أن قدم أبو سفيان بن الحارث (١)، وهو أحد القادة الذين أداروا دفة القتال ضد النبي يوم بدر، فأيد ما أذاعة الحيسمان عن هزيمة الجيش المكي.
وقع الهزيمة على نفس أبي لهب
قال أبو رافع (٢) مولى رسول الله - ﷺ -، قال كنت رجلًا ضعيفًا أعمل الأقداح، أَنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس إذ أقبل أَبو لهب (عم رسول الله - ﷺ -) وهو يجر رجليه بہشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري.
فبينما هو جالس، إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث قد قدم،
_________________
(١) = يسلم، ثم أسلم وحسن إسلامه، كان من كرماء الجاهلية وفصحائها، شهد معركة اليرموك وكان قائد أحد الكراديس، مات بالمدينة في اليوم الذي قتل فيه عثمان.
(٢) هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية، كان ممن يؤذى النبي ويهجوه، وكان شديد الأذى للمسلمين، أسلم عام الفتح، وشهد معركة حنين مع النبي ﷺ وكان ممن ثبت مع الرسول، مات سنة خمس عشرة من الهجرة وقيل سنة عشرين.
(٣) كان أبو رافع عبدًا لسعيد بن العاص بن أمية، فأعتق كل من بنيه نصيبه فيه إلا خالد بن سعيد فإنه وهب نصيبه للنبي ﷺ فأعتقه، فكان أبو رافع يقول أنا مولى رسول الله.
[ ١ / ٢٢٩ ]
فقال له أبو لهب بن عبد المطلب، هلم إلي فعندك، لعمري، الخبر. قال فجلس والناس قيام عليه، فقال يا ابن أَخي، أَخبرنى كيف كان أَمر الناس؟ .
فقال الحارث، والله ما هو إلا أَن لقينا القوم، فمنحناهم أَكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأْسروننا كيف شاءُرا، وأَيم الله - مع ذلك - ما لمت الناس، لقيَنا رجال بيض على خيل بُلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت، تلك والله الملائكة، قال فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهى ضربة شديدة، فثاورته فاحتملنى فضرب بي الأرض؛ ثم برك علي يضربي، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أُم الفضل (١) (زوج العباس بن عبد المطلب) إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فعلت في رأْسه شجة منكرة، وقالت استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته (٢).
_________________
(١) أم الفضل، اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، يقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، تزوج النبي شقيقتها ميمونة، كانت من رواة الحديث، أخذه عنها كثير من الصحابة، كانت أم الفضل من شريفات النساء، ماتت في خلافة عثمان قبل زوجها العباس.
(٢) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٩٢ .. وقد روى ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية أن أبا لهب لما مات تركهـ ابناه بعد موته ثلاثًا ما دفناه حتى أنتن، وكانت قريش تتقى العدسة (مرض ں معد مشھور عند العرب) كما تتقى الطاعون، حتى قال لهما رجال من قريش، ويحكما ألا تستحيان إن أباكما قد أنتن في بيته لا تدفنانه؟ فقالا إنا نخشى عدوة هذه القرحة، فقال أحدهم انطلقا فأنا أعينكما عليه، فوالله ما غسلوه إلا قذفًا بالماء عليه بعيدًا ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة.
[ ١ / ٢٣٠ ]
منع النياحة على قتلى بدر
وبعد أن تأكدت قريش من نتيجة المعركة، وعرف كل بيت في مكة مصابه فيها أقامت المناحات، وهي المآتم - وتلك عادة جاهلية أزالها الإسلام.
ناحت قريش على قتلاها فترة قصيرة من الزمن، بعدها أصدر قادة مكة أمرًا بأن لا ينوح أحد على قتيل من قتلى هذه المعركة البتة، وأن يلتزم الناس السكون تجلدًا، ولئلا يشمت محمد - ﷺ - وأصحابه بهم.
لقد كانت فاجعة مكة في معركة بدر فاجعة مروعة حقًّا، ما منيت بمثلها تاريخها الطويل إذ لم يكد ينجو بيت فيها من مأتم على ابن أو زوج أخ أو أب أو قريب.
ولهذا هال زعماءُ مكة وأزعجهم أن سمعوا جبال هذه المدينة تردد أصوات النائحات الثكالى أينما ذهبوا بشكل تنهار له أقوى الأعصاب، حيث انقلبت مكة من أقصاها إلى أقصاها إلى مناحة مفزعة رهيبة.
فسارع هؤلاء الزعماء إلى إصدار خطر كامل منعوا بموجبه البكاء على قتلى بدر، لئلا يشمت بهم المسلمون.
ولقد بلغ المصاب من الهول إلى درجة أن بعض أشراف مكة فقد أكثر من ابن له في هذه المعركة التي أشعلها أبو جهل دونما مبرر إلا الخيلاء والغرور.
فقدْ، فَقَدَ صفوان بن أُمية في هذه المعركة أباه أُمية وأخاه علي بن أُمية، وفقد أبو سفيان بن حرب ابنه حظلة وأسر ابنه عمرو، كما فقد عكرمة بن أبي جهل أباه (واسمه عمرو بن هشام) وعمه
[ ١ / ٢٣١ ]
العاص بن هشام، كما فقد خالد بن الوليد أَخاه الوليد بن الوليد.
أتبكى أن يضل لها بعير؟
وكان أشد الناس مصابًا في هذه المعركة، الأَسود بن المطلب، فَقَدَ في هذه المعركة ثلاثة من أَبنائه دفعة واحدة.
حيث قتل فيها ابنه زمعة (١)، وعقيل، والحارث، وكان الأَسود هذا شيخًا طاعنًا في السن وشريفًا في قومه.
وكان الحزن يحرق جوفه كلما تذكر مصرع أبنائه الثلاثة، وكان يود لو يسمح له زعماءُ مكة بإعلان البكاء على أولاده لتخفف عليه وطأة الحزن، فقد كان لا يذوق للنوم طعمًا حزنًا على أبنائه. وبينما هو على هذا الحال إذ سمع نائحة في الليل، فطمع أن يكون قد سمح بالنحيب ليبكي وينوح على أبنائه، وكان الأسود هذا قد ذهب بصره، فاستدعى غلامًا له، وقال له: انظر هل أَحل النحيب؟ - يعني هل رفع حظر البكاء على قتلى بدر؟؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة - يعني ابنه زمعة - وكان من أحب أبنائه إليه - فإن جوفي قد احترق.
فذهب الغلام يستطلع الخبر، ثم عاد ليخبر سيده بأن الحظر لا يزال قائمًا، وأن التي تنوح إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته، فهاجت أحزان الشيخ المفؤود وسالت دموعه، فقال بعد أن أدرك بذكائه أن صاحبة الجمل الضائع لم يكن بكاؤها - في الحقيقة على
_________________
(١) زمعة بن الأسود بن المطلب هذا كان أحد النبلاء الخمسة الذين سعوا لإلغاء الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش على النبي وبني هاشم وبني المطلب قبل الهجرة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
جملها - وإنما جعلت من ضياعه وسيلة تتحيل بها للبكاء على قتيل لها فقدته في معركة بدر، أنشد قصيدته التي مطلعها:
أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود
فما تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود
فداء الأسرى
وهكذا عاشت مكة فترة من الزمن في ذهول وحزن، وبعد أن هدأت عاصفة الحزن في النفوس أخذ مشركو مكة يفكرون في مصير سبعين أسيرًا من أبنائهم لا يزالون في معسكر المدينة.
وبينما هم كذلك إذا بنص القرار الذي اتخذه مجلس المدينة الأعلى بشأْن الأَسرى يصل إليهم، وكان هذا القرار يقضي بتخييرهم بين الأسر أو دفع الفداء عنهم، ومقداره أربعة آلاف درهم عن كل أسير.
وهنا شرعت مكة في الاتصال بالمدينة وأخذ مندوبوها يتوافدون إلى المدينة لإطلاق سراح الأسرى ودفع الفداء عنهم.
ك يف فدى العباس بن عبد المطلب نفسه
وكان العباس بن عبد المطلب (عم النبي) أحد الأسرى، وهو من أغنياء قريش، فدى نفسه ودفع الفداء عن ابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، كما دفع الفداء عن
[ ١ / ٢٣٣ ]
حليفه عتبة بن عمرو بن جحدم (١) أبره بذلك رسول الله - ﷺ -، فقال، لا مال لي.
فقال له رسول الله - ﷺ -، أين المال الذي وضعته عند أم الفضل، وقلت لها إن أُصبت فللفضل كذا، ولعبيد الله كذا، وقال والذي بعثك بالحق، ما علم به أحد غيرى وغيرها، وإني لأعلم إنك رسول الله. وفدى نفسه وابنى أخويه وحليفه (٢).
وكان المسلمون، أثناء معركة بدر، قد استولوا على أربعين أوقية من الذهب أخذوها من العباس بن عبد المطلب عند أسره، وعندما جاء وقت إطلاق الأسرى بالفداء، طلب العباس من الرسول - ﷺ -، أن يحسب كمية الذهب التي صودرت منه يوم بدر من الفداء، فرفض الرسول - ﷺ - طلبه، وقال لا. ذلك شيء أعطاناه الله ﷿ (أي أنه أصبح غنيمة للمقاتلين المسلمين بعد استيلائهم عليه) (٣).
زينب بنت الرسول وزوجها الأسير
وكان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس، زوج زينب بنت الرسول - ﷺ -، وكانت أُمه هالة بنت خويلد أُخت أُم
_________________
(١) كان مقدار الفداء الذي دفعه العباس عن نفسه وعن ابنى أخويه وحليفه مائة أوقية من الذهب، وهذا يعني أن مقدار الفداء الذي تقرر دفعه عن كل أسير هو خمس وعشرون أوقية من الذهب.
(٢) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٩٢.
(٣) وذكر ابن كثير أن المسلمين أبلغوا الرسول - ﷺ - رغبتهم في إعفاء العباس من الفداء وإطلاقه مجانًا، لقربه من رسول الله، فرفض - ﷺ - ذلك وكلف العباس بأن يدفع الفداء كغيره من الأسرى.
[ ١ / ٢٣٤ ]
المؤمنين خديجة -﵂-، فسألت الرسول - ﷺ - أن يزوج أبا العاص ابنته زينب ففعل.
وكان ذلك قبل أن يوحى إليه - ﷺ - حيث كانت زينب وأبو العاص على شركهما، فلما نزل الوحى آمنت زينب بأبيها، وبقى أبو العاص على شركه، ولم يستطع الرسول التفريق بينهما، لأنه كان مغلوبًا بمكة قبل الهجرة.
ولما وقع أبو العاص بن الربيع في الأسر بعثت زوجه زينب (وهي بمكة) في فدائه بقلادة لها كانت خديجة - ﵂ - جهزتها بها يوم زفافها، فلما رآها الرسول - ﷺ - رق لها رقة شديدة فقال للمسلمين إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا، فأطلقوا سراح زوجها وردّوا إليها قلادتها، وأَخذ الرسول على أبي العاص أن يبعث بزينب إلى المدينة ففعل، وفرق الرسول بينهما، وعندما أسلم أبو العاص فيما بعد رد عليه الرسول زينب بعقد جديد.
انزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبًا
وكان من بين الأسرى سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري (١) وكان شجاعًا وهو أحد أشراف مكة، وخطيب قريش المشهور، وكان لخطاباته الشهيرة تأْثير كبير في محاربة دعوة الإِسلام.
لذلك لما جاءَ وقت دفع الفداءِ عنه وتقرر إطلاق سراحه، طلب عمر
_________________
(١) سهيل هذا هو الذي (بالنيابة عن قريش) عقد صلح الحديبية مع النبي - ﷺ - وكان من سادات مكة، أسره يوم بدر مالك بن الدخشم. أسلم سهيل عام الفتح وحسن إسلامه، وكان كثير الصوم والصلاة والصدقة، قتل شهيدًا في معركة اليرموك - ﵁ -.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ابن الخطاب من الرسول - ﷺ - أن يحدث له عاهة لا يتمكن بعدها من أن يقوم خطيبًا ضد النبي - ﷺ - حيث قال يا رسول الله، انزع ثنيتي (سهيل يدلع لها لسانه) فلا يقوم عليك خطيبًا في موضع أبدًا. فرفض الرسول - ﷺ - طلب ابن الخطاب - ﵁ - وقال:
لا أَمثل فيمثل الله بي وإن كنت نبيًّا، ثم قال النبي لعمر (دعه فعسى أن يقوم مقامًا تحمده) ولقد صدق الرسول - ﷺ - فيما أشار إليه من موقف سهيل المحمود، وهذا من أعلام النبوة.
فعند موت النبي - ﷺ - هم بعض أهل مكة بالارتداد عن الإسلام وبدأت الفتنة تظهر قرونها على أيدى المتربصين من ضعاف الإيمان ولما بلغ سهيلا ذلك - وكان سيدًا مطاعًا وشجاعًا مهابًا - وقف خطيبًا وقال (في حزم وصرامة): يا أهل مكة، لا تكونوا آخر الناس إسلامًا وأولهم ارتدادًا، والله من رابنا أمره شيء ضربنا عنقه كائنا من كان. . أو كما قال: فكان لموقفه البطولى هذا أكبر الأثر في قتل الفتنة في مهدها.
إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم
وكان سهيل بن عمرو هذا من أرجح الناس وأصدقهم لهجة.
حضر الناس (مرة) باب عمر بن الخطاب - ﵁ - وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش فخرج آذنه يأْذن لأَهل بدر. . لصهيب الرومى وبلال الحبشى، وأهل بدر، وكان (عمر) يحبهم، وكان قد أوصى بهم.
فقال أبو سفيان، ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاءِ العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل بن عمرو:
[ ١ / ٢٣٦ ]
أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأْتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون فيه، ثم قال: أيها القوم إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله ﷿ أن يرزقكم الشهادة، ثم نفض ثوبه ولحق بالشام، وخرج بجماعة أهله - إلا ابنته هند - إلى الشام مجاهدًا حتى ماتوا كلهم هنالك (١).
أثر المعركة على سكان الجزيرة
وهكذا انتهت معركة بدر بهذا الانتصار الحاسم للمسلمين، الذي تدهورت له سمعة قريش العسكرية والسياسية في بلاد العرب.
لقد دهش العرب قاطبة للنصر الحاسم غير المتوقع الذي ناله المسلمون في هذه المعركة.
وكان اليهود والمنافقون أشد الناس استياءً لهذا النصر المبين.
وبالرغم من تباين الوقع الذي تلقت به أَحزاب الكفر نبأَ انتصار المسلمين في هذه المعركة، فقد كان الاستياءُ عامًّا بينهم، والإجماع منعقدًا منهم على الوقوف في وجه المسلمين.
فقد صمم الجميع على أن لا يمكنوا المسلمين مرة أُخرى من تحقيق أي نصر يزيد من قوتهم ويقوى من شوكتهم.
إلا أن هؤلاء الأعداء قد تباينوا في سلوكهم إزاءِ المسلمين بعد هذا
_________________
(١) الاستيعاب في أسماء الأصحاب المطبوع مع الإصابة في تمييز الصحابة ج ١ ص ١١٠.
[ ١ / ٢٣٧ ]
النصر، إذ ذهب كل فريق يعمل في سبيل الإيقاع بالمسلمين وتفريق جمعهم وخضد شوكتهم بالطريقة التي يراها كفيلة ببلوغ غايته.
مكة بعد الهزيمة
ففي مكة انطوى أَهلها على أنفسهم يندبون قتلاهم ويداوون جراح قلوبهم، بعد أن مرغت الهزيمة كبرياءهم وجدعت أنف غرورهم، ولكنهم مع هذا لم يستكينوا، فبعد أن أفاقوا من هول الصدمة أخذوا يواصلون الاجتماعات، ويعقدون المؤتمرات للنظر في الطريقة التي يغسلون بها عار الهزيمة التي أنزلها المسلمون بهم، والتي لم تزدهم إلا حقدًا على محمد - ﷺ - وبغضًا للإسلام.
فأَعلنوا التعبئة العامة التي كانت نتيجتها معركة أَحد الرهيبة، كما أَن الهزيمة قد ضاعفت من نقمتهم على المسلمين الذين يعيشون بينهم في مكة، فأَخذوا يشددون على من يدخل الإِسلام من أهل مكة ويضاعفون من اضطهادهم والتنكيل بهم.
فعاش في مكة - آن ذاك - كل مسلم إما مستخفيًا بإسلامه، وإما ذليلًا مستضعفًا، عرضة للتنكيل والإهانة، لأَن الدولة هناك كانت للمشركين.
الموقف في المدينة بعد المعركة
أَما في المدينة فقد كان الأمر على العكس تمامًا - من حيث السيطرة فقد أَصبحت سلطة المسلمين - بعد معركة بدر - هي النافذة، مما
[ ١ / ٢٣٨ ]
اضطر كثيرًا من غير المسلمين إلى التظاهر بالإسلام مع الانطواءِ على بغض الإسلام وإضمار الكيد للمسلمين.
وفي مقدمة هؤلاء رأْس النفاق عبد الله بن أُبى بن سلول (١) الذي نصح أَصحابه - بعد معركة بدر - بأَن يعلنوا إسلامهم حين قال مشيرًا إلى اشتداد شوكة المسلمين - بعد معركة بدر - هذا أَمر قد توجه (أي استمر) فلا مطمع في إزالته، ثم أعلن إسلامه، وتبعه على ذلك جميع أحزاب النفاق فتظاهروا بالإسلام.
ولكنهم مع هذا ظلوا في الباطن يتربصون بالإسلام الدوائر، وقد لجأَ هؤلاء المنافقون (في محاربة النبي وصحبه) إلى سلوك سبل الدس والمخاتلة، فظلوا يرسمون الخطط سرًّا للإيقاع بالنبي - ﷺ -، وينتهزون الفرص لتفكيك وحدة أَصحابه وإضعاف قوتهم، كما هو مفصل في قصص المنافقين التي قصها القرآن وروتها أُمهات التاريخ.
اليهود بعد المعركة
على أنه إذا كانت هذه الفئة في المدينة وضواحيها من عبدة الأَوثان وقلة من اليهود، قد تظاهرت بالإسلام، وكفَّت عن معالنة النبي بالعداءِ
_________________
(١) هو عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى، أبو الحباب، المشهور بابن سلول -بفتح السين وضم اللام- وسلول جدته لأبيه، رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر، تقية، ولما تهيأ النبي - ﵁ - لوقعة أحد انخزل ابن أبي وكان معه ثلاثمائة رجل فعاد بهم إلى المدينة، وفعہل ذلك يوم التهھيؤ لغزوة تبوك، وكان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، وله في ذلك أخبار، مات بالمدينة سنة تسع من الهجرة، وصلى عليه النبي - ﷺ - وكان ابن الخطاب لا يرى ذلك، فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]: الآية.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فإن فئة أُخرى وكلها من اليهود ظلوا على دينهم أحرارًا، لم يكرههم الرسول على الدخول في الإسلام، كما هي شرعة الإسلام ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
المعاهدة بين النبي واليهود
كان النبي - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة مهاجرًا، وجد بها يهودًا قد اتخذوا منها وطنًا، فعقد معهم كما قلنا معاهدة، كان من أَهم بنودها أن يمتنع كل من الفريقين عن إيصال أَي أَذى للفريق الآخر وأن لا يعين أحد منهما عدوا على الفريق الآخر.
لم يحدّث المسلمون أنفسهم بنقض عهود اليهود ولا فكروا في طردهم من أرض الجزيرة (بالرغم من أن المسلمين أصبحوا سادة الموقف بعد المعركة) بل على العكس توقع المسلمون منهم أن يكونوا عونًا لهم في حرب الوثنية المخرّفة ودعم عقيدة التوحيد، ورجا المسلمون أن يصدق اليهود محمدًا فيما يثبته الله من تنزيه ومجد، وأن تكون صلتهم بالكتب القديمة والفتهم لأَحاديث المرسلين سببًا في إقناع العرب الأُميين بأَن الرسالات حق والإيمان بها واجب، وهذه المشاعر الحسنة تتمشى مع القرآن النازل يومئذ يؤسسها ويؤكدها قول القرآن ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا، قُلْ. . كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (١).
_________________
(١) الرعد آية ٤٣: عن كتاب فقه السيرة ص ١٨٤.
[ ١ / ٢٤٠ ]
مخالفة اليهود لنصوص المعاهدة
ولكن هذه الفئة من اليهود وعلى رأسها المرابي الكبير، كعب بن الأَشرف النبهانى (١) قد خالفت نصوص هذه المعاهدة وأعلنت سخطها على النبي - ﷺ -، وجاهرت بعدائها له وأَظهرت تأَلمها للهزيمة التي حاقت بالمشركين في بدر.
وأخذ هؤلاء اليهود يحرضون المشركين (وخاصة أهل مكة) على الفتك بالنبي والقضاء على دعوته، ويقدمون لهم كل مساعدة ممكنة، ويدلونهم عل عورات المسلمين، ناكثين بذلك كل العهود والمواثيق التي أعطوها لمحمد - ﷺ - على أَنفسهم.
وهكذا أَفقد النصر الذي أَحرزه المسلمون اليهود صوابهم، فاشتد حقدهم على الإسلام، مما ضاعف نشاطهم ضده وضہد حامل دعوته، واكتشف المسلمون عدة مؤامرات دبرها اليهود بغية القضاء عليهم وعلي نبيهم.
وظل المسلمون (بالرغم من هذا) ضابطين لأعصابهم حتى تفاقم الأَمر، واتسعت شقة الخلاف بين الفريقين، ولم تنته الحرب الباردة بين الفريقين إلا بتلك الأَحداث الدامية الخطيرة التي جاءت نتيجة للحماقات المتكررة التي كان اليهود يرتكبونها ضد الإِسلام والمسلمين، والتي كانت ثمارها إبادة فريق منهم ونفي الفريق الآخر من المدينة
_________________
(١) هو كعب بن الأشرف الطائي من بني نيهان كانت أمه من بني النضير. شاعر جاهلي: دان باليهودية، وكان سيدًا في أخواله، يقيم في حصن له قريب من المدينة، ما زالت بقاياه إلى اليوم، قتل سنة ثلاث من الهجرة خارج حصنه.
[ ١ / ٢٤١ ]
وتطهيرها من شرور دسائسهم ومؤامراتهم، كما حدث لبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير، كما سنفصل ذلك في أَول حديثنا عن معركة أُحد وغزوة الأَحزاب إن شاء الله.
موقف الأعراب بعد المعركة
أما الأعراب - وخاصة الضاربين حول المدينة - فقد كان وقع انتصار المسلمين شديدًا على نفوسهم.
فقد اضطربوا لهذا الانتصار وأَصابهم الذعر، وخافوا أَن تقوم للإسلام دولة في المدينة تحول بينهم وبين ما أَلفوه (حسب شريعة الغاب) من السلب والنهب الذي هو مصدر رزقهم وعليه يقوم كيانهم.
وهذا هو المصدر الرئيسى لقلقهم من انتصار المسلمين، أَما مسأَلة الكفر أَو الإِيمان فإنها ليست ذات أَهمية بالنسبة لهؤلاء الأَعراب، إذا قيست بمسأَلة حرصهم وإصرارهم على إخضاع المنطقة لرماحهم ينهبون ويسلبون في ظلها، كما هي شرعة الجاهلية في جميع مناطق الأَعراب. فباعث قلق الأَعراب من انتصار المسلمين في هذه المعركة وانتشار نفوذهم لم يكن باعثًا سياسيًا أو عقائديًا، وهذا عكس ما عليه أَهل مكة الذين يعتبرون أَنفسهم حراس الوثنية وسدنة الكعبة، والزعماء الروحيين لجميع المشركين في الجزيرة بحكم وجودهم في منطقة الحرم التي يعظمها ويحج إليها جميع الوثنيين على اختلافهم في تعدد الآلهة التي يعبدون من دُون الله.
كما أَن قريشا كانت تعتبر من الناحية السياسية والمدنية والعسكرية
[ ١ / ٢٤٢ ]
في الدرجة الأُولى بالنسبة لجميع سكان الجزيرة، ما أَعطاها مركزًا ممتازًا بين جميع قبائل العرب في كل هذه الميادين.
ولهذا كان حقد قريش على محمد وبغضهم للإسلام قائمًا على بواعث عقائدية وسياسية في الدرجة الأُولي، ومن هنا صاروا أَشد سكان الجزيرة حرصًا على القضاء على محمد وقتل دعوته.
إحاطة الأخطار بالمسلمين
وهكذا وجد النبي - ﷺ - وصحبه أَنفسهم، بعد انتصارهم في بدر وسط دائرة من الأَخطار تحيط بهم من كل جانب.
فهم وإن كان انتصارهم في بدر قد عزز مركزهم في المدينة أَكثر من أَى وقت مضى، حيث أَصبحت وما حواليها خاضعة لنفوذهم، إلا أَنهم أَصبحوا أَكثر من ذي قبل عرضة لشتى الدسائس والمؤامرات والاستفزازات والتحرشات العلنية من الوثنيين واليهود، الذين أَدركوا بعد معركة بدر - أَنهم أَمام قوة خطيرة تهدد نفوذهم وسلطانهم.
مؤامرة لاغتيال النبي
وبينما كان النبي وصحبه يتعرضون في المدينة وما حولها لشتي التحرشات والدسائس والاستفزازات كانت مكة ضدهم تغلى كالمرجل، تهدد وتتوعد حيث أَعلنت التعبئة العامة لغسل عار الهزيمة (بغزو محمد - ﷺ - في عقر داره).
بل لقد بلغ الغيظ والحقد إلى أَبعد من هذا، فقد قررت مكة
[ ١ / ٢٤٣ ]
اختصار الطريق للتخلص من النبي - ﷺ - فدبرت مؤامرة لاغتياله في المدينة.
وهذه أَول مؤامرة تدبرها مكة لاغتيال النبي بعد معركة بدر.
بطل المؤامرة
وقد اختارت مكة لتنفيذ هذه المؤامرة الخطيرة شيطانًا من شياطين قريش، وفارسًا من فرسانها المشهورين بعدائهم الشديد وبغضهم العارم للنبي ودينه وهو عمير بن وهب الجمحي، الذي زاده كرها للنبي وحقدًا عليه أَن أَسر المسلمون ابنه وهبًا يوم بدر.
فقد اتفق مع بعض زعماء مكة (وفي مقدمتهم صفوان بن أُمية الذي قتل أَبوه وأَخوه يوم بدر) على أَن يقوم باغتيال النبي في المدينة.
وقد كان من السهل تنفيذ هذه المؤامرة، لولا عناية الله.
ذلك أَن الوقت الذي حدّد فيه تنفيذ المؤامرة، كان وقتًا ليس من المستنكر فيه وجود أَي مشرك مكي في المدينة، فقد كان المنتدبون من مكة لدفع فداء الأَسرى، وإطلاق سراحهم موجودين بكثرة في المدينة.
لهذا كانت خطة المؤامرة تقضى بأَن يذهب عمير بن وهب إلى المدينة بحجة دفع الفداء عن ابنه (١) والعودة به إلى مكة.
وهناك يقوم باغتيال النبي - ﷺ - بطريقة انتحارية حيث تعهد لصفوان بن أُمية بقتل النبي أَينما وجده وبين أَي قوم لقيه، وفي مقابل
_________________
(١) ابنه هذا اسمه وهب، أسلم فيما بعد، اشترك في فتح مصر تحت قيادة عمرو بن العاص، وتولى قيادة حملة بحرية للمساهمة في فتح عمورية، وذلك سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، مات بالشام مجاهدًا.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ذلك تعهد له صفوان بن أُمية بتسديد ما عليه من ديون، ثم إعالة عياله طيلة حياتهم إن هو قتل.
فشل المؤامرة
وفعلا وصل بطل المؤامرة إلى المدينة متظاهرًا بأَنه جاء لدفع الفداء عن ابنه وهب وإطلاق سراحة.
وكان أَول من ارتاب في أمره وقرأ (بفراسته) نوايا الشر في وجهه، عمر بن الخطاب ﵁، فقد كان ابن الخطاب واقفًا مع نفر من المسلمين، قريبًا من المسجد، يتحدثون عن يوم بدر وما كتب الله لهم فيه من نصر حاسم.
وبينما هم كذلك، إذ حانت التفاتة من ابن الخطاب، رأَى فيها عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد النبوي متوشحًا سيفه، فارتاب في أَمره وقال لرفقائه: هذا عدو الله عمير بن وهب، ما جاءَ إلا الشر، وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر (١).
وفور رؤية ابن الخطاب لعمير بن وهب دخل على النبي، وهو في المسجد وقال:
يا رسول الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاءَ متوشحًا سيفه فقال النبي - ﷺ -، ادخلوه علي.
_________________
(١) وفعلا كان عمير هذا قائد سلاح الاستكشاف في جيش مكة أيام بدر، فهو الذي قدر للمشركين جيش مكة بثلاثمائة مقاتل، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، وذلك عندما جال بفرسه حول جيش المدينة بالقرب من المكان الذي حدثت فيه المعركة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
احذروا عليه من هذا الخبيث
فخرج ابن الخطاب من المسجد ليدخل عمير بن وهب على النبي (كما أَمر) وقبل أَن يدخله طلب من الصحابة الموجودين عند باب المسجد أَن يسارعوا بالدخول إلى المسجد ليتولوا حراسة رسول الله - ﷺ - ويراقبوا حركات عمير بن وهب عند دخوله على الرسول قائلا:
أَدخلوه على رسول الله فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون.
ثم قاد ابن الخطاب عمير هذا بحمائل سيفه بعد أَن لببه بها في عنقه حتى أَوقفه على النبي - ﷺ -، وبمجرد وقوفه على النبي طلب - ﷺ - من ابن الخطاب أَن يطلقه قائلا: أَرسله يا عمر ثم قال النبي - ﷺ -: أُدن يا عمير.
فدنا .. ثم قال: أَنعم صباحًا يا محمد .. وكانت هذه تحية الجاهلية. فقال الرسول - ﷺ - قد أَكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير .. بالسلام تحية أهل الجنة.
كيف أسلم بطل المؤامرة
ثم قال النبي - ﷺ - ما جاءَ بك يا عمير؟
قال: جئت لهذا الأَسير الذي في أَيديكم، فأَحسنوا فيه.
قال: فما بال السيف في عنقك؟ .
قال: قبحها الله من سيوف، وهل أَغنت عنا شيئًا؟
قال: اصدقني، ما الذي جئت له؟
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال: ما جئت إلا لذاك.
قال: بل قعدت أَنت وصفوان بن أُمية في الحجر فذكرتما أَصحاب القليب من قريش، ثم قلت، لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أَقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أُمية بدينك وعيالك، على أَن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.
فقال عمير: أَشهد أَنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأْتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أَمر لم يحضره إلا أَنا وصفوان.
والله إني لأَعلم ما أَتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإِسلام، وساقني هذا المساق.
فقال الرسول - ﷺ - فقهوا أَخاكم في دينه وعلِّموه القرآن، وأَطلقوا أَسيره ففعلوا (١) وهكذا فشلت المؤامرة الخبيثة، وبدلا من أَن يعود بطلها إلى مكة مبشرًا رءوس الكفر بقتل النبي - ﷺ - عاد إليهم مسلمًا، يتحدى مكة كلها بإسلامه، فقد جاهر أَهل مكة بأَنه قد أَسلم، وكان شجاعًا مهيبًا، ولذلك لم يجرؤ أحد من أَشراف مكة على التعرض له عندما قام يدعو إلى الإِسلام علنا في مكة، حيث كان من المحظور التظاهر بالإسلام فضلًا عن الدعوة إليه، وخاصة بعد معركة بدر.
قال ابن كثير في تاريخه: إن عمير هذا بعد أن هداه الله للإِسلام استأْذن الرسول - ﷺ - في العودة إلى مكة ليكون داعية إلى الإِسلام قائلا:
"يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إِطفاءِ نور الله شديد الأَذى لمن كان على دين الله، وأَنا أَحب أَن تأْذن لي فأَقدم مكة فأَدعوهم إلى الله
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ٣١٤.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وإلى رسوله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أُوذى أَصحابك في دينهم".
فأَذن له الرسول - ﷺ - فلحق بمكة، (وكان صفوان يتوقع وصوله بين آونة وأُخرى) فكأن يسأَل عنه الركبان، حتى قدم راكب (قبل عمير) فأَخبر صفوان عن إسلامه، فغضب غضبًا شديدًا وحلف أَن لا يكلمه أَبدًا ولا ينفعه نفعًا أَبدًا.
قال ابن إسحاق، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإِسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأَسلم على يديه ناس كثير.
نظرة وتحليل
وهكذا انتهت معركة بدر، هذه النهاية التي غيرت موازين القوى الروحية والسياسية والعسكرية والاجتماعية في الجزيرة العربية، وقفزت بسمعة المسلمين العسكرية إلى الذروة وجعلتهم سادة الموقف، وخاصة في منطقة يثرب.
كما تدهورت لها (من ناحية أخرى) سمعة قريش العسكرية والسياسية في أنحاء الجزيرة.
معركة عفوية
ومما لا جدال فيه أَن معركة بدر هي معركة عفوية غير مقصودة (أصلا) من جانب المسلمين، وإنما أُجبروا على خوضها دونما سابق استعداد أَو قصد مبيت.
فهم عندما خرجوا من المدينة، إنما كان قصدهم العير، وهي قافلة
[ ١ / ٢٤٨ ]
للعدو آتية من الشام إلى مكة، لم يزد حرسها على أَربعين مقاتلا.
وهو أَمر لا يستحق من الاستعداد أَكثر مما استعد به جيش المدينة عندما غادرها للاستيلاءِ على القافلة.
ولقد كان المسلمون -وخاصة المهاجرين الذين هاجروا وكل واحد منهم صفر اليدين بعد أَن صادر مشركومكة كل أَموالهم- كانوا حريصين كل الحرص على الاستيلاء على هذه القافلة الضخمة التي تتأَلف من أَلف بعير محملة بمختلف السلع والأَرزاق.
وكان الصحابة يومها في ضيق من العيش، يدل على هذا أَن النبي - ﷺ - لما فاتته العير وانتهى إلى بدر قال:
اللهم إنهم جياع فأَشبعهم، اللهم إنهم حفاة فأَحملهم، اللهم إنهم عراة فأَكسهم (١).
فقد كانوا يريدون العير، ولكن الله أَراد غير الذي أَرادوا، حيث وجدوا أَنفسهم (بدلا من العير وما تحمله من أَرزاق وأَموال يحلمون بالاستيلاء عليها) أَمام جيش لجب عرمرم، لا يحمل تجارة ولا أَرزاقا، وإنما يحمل أَلف سيف يجرها أَلف مقاتل من صفوة شباب مكة وأَمهر قادتها بحثًا عن الموت، فأُجبروا على خوض معركة يفوقهم فيها العدو عددًا وعدة أضعافًا مضاعفة.
غير ذات الشوكة
وهذا هو الذي عناه الله تعالى بقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
_________________
(١) فقه السيرة ص ١٨٠.
(٢) الأنفال آية ٧.
[ ١ / ٢٤٩ ]
لقد أَراد المسلمون أَن تكون لهم العير التي لا شوكة لها.
ولكن الله أراد أَن تكون ملحمة لا غنيمة، وأَن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويباطل الباطل ويزهقه، وأَراد أَن يقطع دابر الكافرين، فيُقتل منهم فريق ويؤسر منهم فريق، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتدول دولتهم، تخفق راية الإِسلام عالية جهارًا نهارًا، عن استحقاق لا مصادفة، وبالجهد والجهاد، لا بالمال ولا بالأَنفال.
نعم أراد الله للفئة المؤمنة أَن تصبح أُمة وأَن تصبح دولة، وأَن يصبح لها سلطان وقوة، وأَراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أَعدائها، فترجح قوتها على قوة أَعدائها. وأَن تعلم أَن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد، إِنما هو بمقدار اتصال القلوب بالقوة الكبرى، التي لا تقف لها في الأَرض قوة، وأَن يكون هذا عن تجربة واقعية، لا كلامًا ولا اعتقادًا.
لتتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن أَنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أَن تغلب خصومها وأَعداءَها مهما تكن هي من القلة فيكن عدوها من الكثرة. ومهما تكن هي من ضعف القوة المادية فيكن عدوها من الاستعداد والعتاد، وما كان هذا المعنى ليستقر في القلوب كما استقر بالمعركة الفاصلة بين قوة الإِيمان، وقوة الطغيان.
وينظر الناظر اليوم وبعد اليوم ليرى الآماد المتطاولة بين ما أَراده المسلمون لأَنفسهم يومذاك، وما أَراد لهم الله، بين ما حسبه المسلمون خيرًا، وما قدره الله من الخير.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ينظر فيرى هذه الآماد المتطاولة، ويعلم كيف يخطئ الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أَن يختاروا لأنفسهم الخير، ما لم يوفقهم الله إليه، وحين يتضررون مما يريده الله لهم، وقد يكمن وراءَه الخير الذي لا يخطر لهم ببال ولا بخيال.
فأين ما أرادوه لأنفسهم مما أراده الله لهم؟؟ لقد كانت تمضى - لو كانت لهم غير ذات الشوكة - قصة غنيمة .. قصة قوم أغاروا على قافلة تجارة فغنموها (فحسب).
فأَما معركة بدر فقد مضت في التاريخ كله، قصة نصر حاسم، قصة فرقان بين الحق والباطل، قصة انتصار الحق على أعدائه، المدججين بالسلاح، المزودين بكل زاد، وهو في قلة العدد، وضعف في الزاد والراحلة، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي، بل قصة انتصار حفنة من القلوب من حولها الكارهون للقتال، ولكنها بيقينها انتصرت على نفسها، وانتصرت على من حولها وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحانًا ظاهرًا في جانب الباطل، فقلبت بيقينها الميزان، فإذا الحق راجح غالب.
إلا أن غزوة بدر بملابساتها هذه، لتمضي مثلًا في التاريخ، ألا وإنها لتقرر دستور النصر والهزيمة، وتكشف عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة، الأسباب الحقيقية، لا الأسباب الظاهرة المادية، ألا وإنها لكتاب مفتوح تقرؤه الأَجيال في كل زمان وفي كل مكان، لا تتبدل دلالتها ولا تتغير طبيعتها، فهي آية من آيات الله، وسنة من سننه الماضية في خلقه، ما دامت السماوات والأرض (١).
_________________
(١) في ظلال القرآن لسيد قطب ج ٦ ص ٨٣.
[ ١ / ٢٥١ ]
أسباب النصر الظاهرية
لا جدال في أن القوتين المتصادمتين في معركة بدر، قد كانتا غير متكافئتين من ناحية العدد والاستعداد والعُدد.
فقد كان عدد جيش مكة حوالي ألف مقاتل خرجوا من مكة وهم مستعدون لحرب، بينما كان عدد جيش المدينة ثلاثمائة مقاتل يزيدون قليلا، غادروا المدينة وهم على غير استعداد للحرب، إذ لم يدر بخلَدَ أحد منهم أنه سيخوض مثل هذه المعركة الرهيبة.
فما هي (إذن) أسباب النصر الرئيسية في هذه المعركة، وقد انعدمت - في جانب المسلمين - كل الأسباب المادية التي بها عادة يتم النصر في المعارك؟ .
مجمل الأسباب
يمكننا - على ضوء الاطلاع على مراحل المعركة منذ البداية - أن نلخص أسباب هذا النصر - بعد التأييد الإلهى فيما يلي:
١ - عدم التحمس في جيش مكة .. فبالرغم من أن هذا الجيش اللجب (١) قد خرج من مكة وهو يتدفق حماسًا للقتال دفاعًا عن العير، وحفاظًا على سمعة قريش التي سيصيبها الانهيار لو أن محمدًا تمكن من الاستيلاء على تلك القافلة القرشية الضخمة، فإن هذا الجيش قد فتر حماسه للقتال عندما بلغته أَنباءُ نجاة العير من قبضة جيش النبي - ﷺ -.
لا سيما بعد أن جاهر كثير من قادة هذا الجيش في رابغ وفي بدر
_________________
(١) اللجب -بفتح الجيم- صهيل الخيل وكثرة أصوات الأبطال، وجيش لجب، أي ذو كثرة وجلبة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
نفسها بضرورة عودته دونما اصطدام بجيش المدينة، حيث يعد أي مبرر لهذا الاصطدام بعد نجاة العير التي خرجوا لإنقاذها.
وهذا كان رأى الأَخنس بن شريق الثقفي الذي انشق على جيش مكة في رابغ ورجع بجميع حلفائه من أفراد قبيلة بني زهرة، عندما لم يصغ أبو جهل لنصحه، كما كان هذا الرأي أيضًا، رأى عتبة بن ربيعة وغيره من أشراف مكة الذين قاموا بمحاولة صادقة وهم في بدر لكى يتجنب جيش مكة خوض هذه المعركة، ونادوا علنًا داخل معسكر قريش بأنه من غير الصواب خوض معركة تصطدم فيها الأُسرة الواحدة، دونما داع لها ولا مبرر (١)، ولكنهم غلبوا على أمرهم، حيث تغليت الرعونة على الرزانة والتعقل.
وهذا يعني أن جيش مكة أو أكثره قد خاض هذه المعركة على كره منه، أو غير متحمس لخوضها على الأقل، وهذا في علم الحروب وفلسفة المعارك من أهم الأسباب التي تؤدى إلى الهزائم العاجلة.
٢ - الاعتداءُ .. لقد كانت الحروب من أكره الأشياء إلى النفوس في كل زمان ومكان، ولذا كانت الكريهة اسما من أسمائها، وكان العقلاءُ (في كل عصر) لا يخوضونها إلا لأسباب موجبة قاهرة، لأنهم يعلمون تمام العلم أن الباغى هو المصروع عادة.
ومعركة بدر هذه، كان البغي والعدوان والخيلاءُ والغطرسة باعثها الأول من جانب قادة قريش وإن شئت قل، من جانب أبي جهل السيد المشئوم المطاع.
_________________
(١) كان مما قال عتبة بن ربيعة - ناصحًا قريشًا بالعدول عن قتال محمد وصحبه - يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون شيئًا بأن تلقوا محمدًا وأصحابه، والله لأن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، لأنه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فقد خرج جيش مكة وغايته الأساسية الدفاع عن ألف بعير بأحمالها، وإنقاذها من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وهذا وحده (في نظر جيش مكة) مما يسبغ الشرعية على المعركة وينفي عنصر البغي عنها، ويجعل هذا الجيش يخوضها وهو مقتنع بضرورة خوضها. ولكن هذا الجيش لما وصل إلى رابغ وهي تبعد عن مكان المعركة حوالي مائة وخمسة وعشرين ميلا بلغه نبأُ نجاة القافلة، فزال الموجب والمبرر للقتال، ونادى العقلاءُ بعودة الجيش إلى مكة من مكانه في رابغ، كما حاولوا مرة أخرى موادعة محمد - ﷺ - (وقد تقابلوا معه وجها لوجه) والعودة إلى مكة دونما قتال، ولكن أبا جهل أصر (أمام كلا المحاولتين) على أن تخوض مكة هذه المعركة باغية معتدية، فخاضتها وكانت نتيجة يتوقعها العقلاءُ دائمًا لكل جيش يقاتل بدافع الباغي والعدوان.
٣ - العقيدة، وهي أم أسباب النصر .. لقد خاض المسلمون هذه المعركة وهم على صلة وثيقة بالله ﷾.
فقد خاضها كل واحد منهم وهو على يقين بأنه لا شك فائز بإحدى الحسنيين، إما الموت، وهو الشهادة التي بها يدخل الجنة ويعيش فيها عيشة أشرف وأفضل من عيشة الحياة الدنيا من جميع الوجوه (١) وإما
_________________
(١) ولقد عبر عن صدق هذه العقيدة السامية الراسخة التي لا يقف في طريق حاملها شيء، عبر عنها أصدق تعبير، عمير بن الحمام الذي كان واقفًا في الصف يوم بدر والذي قذف بتمرات من يده كان يريد أكلهن، قذف بهن وقال (بخ بخ) أفما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلى هؤلاء ثم أخذ سيفه وغاص في جيش المشركين يقاتل حتى قتل ﵁، وذلك بعد أن سمع النبي ﷺ يقول في الخطاب الذي ألقاه على جيشه قبيل المعركة بقليل، والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم (أي المشركين) اليوم رجل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة.
[ ١ / ٢٥٤ ]
النصر الذي به يعود مرفوع الرأس موفور الكرامة وقد ساهم في نشر العقيدة التي في سبيل نشرها استطاب الموت واستعذب موارده.
وهذا دونما شك من أهم بواعث الروح المعنوية التي يعتبرها العسكريون (في كل زمان ومكان) من أهم العناصر التي يجب أن تتوفر في كل جيش لضمان النصر في أية معركة يخوضها.
فالعقيدة الصادقة هي مصدر الزخم والقوة لكل أُمة دخلت التاريخ من باب المجد واستوت في قمة الزمان على عرش السؤدد المقامة دعائمه على المحبة والعدل والنزاهة، وهذا هو الذي سجله التاريخ العرب (قبل غيرهم) عندما ساروا في حربهم وسلمهم على هدي العقيدة الصحيحة والمبدإ الثابت السليم الذي جاء به الإسلام.
أما المشركون فليسوا كالمسلمين - يدافعون عن عقيدة صحيحة أو يقاتلون في سبيل مبدإ سليم - وإنما يقاتلون بطرًا ورياء وسمعة وسفها (١) فحسب.
وهذا لا يمكن البتة، أن يكون باعثًا لشيء من الروح المعنوية الحقة التي هـہي العنصر الضروري الذي يجب توفره للحصول على النصر في أية معركة حربية.
فالروح المعنوية - التي معدنها الفياض العقيدة الصالحة - إذا انعدمت في جيش فإن أمل قادته في النصر على أعدائهم، الزاحفين
_________________
(١) ولا أدل على ذلك من خطاب أبي جهل الذي ألقاه في رابغ - عندما حاول العقلاء العودة بالجيش إلى مكة بعد نجاة العير - والذي قال فيه، والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فتقيم عليها ثلاثًا. فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فامضوا.
[ ١ / ٢٥٥ ]
تحت لواء العقيدة الصحيحة، يكون ضعيفًا هو الذي حدث فعلًا في بدر، ويحدث غالبًا في كثير من المعارك حتى يومنا.
٤ - الأُسلوب الجديد في القتال.
لقد دخل المسلمون معركة بدر بأُسلوب جديد يعرفه العرب في تاريخهم، وقد فاجأ النبي أعداءه في بدر بهذا الأسلوب، فكان لهذه المفاجأة أثر كبير في انتصار المسلمين، ويمكن تلخيص هذا الأسلوب المبتكر فيما يلي:
١ - القيادة قال السيد اللواء الركن محمود شيت خطاب (١) في كتابه (الرسول القائد): كان النھبي - ﷺ - هـہوالقائد الأعلى للجيش، وكان المسلمون يعملون في المعركة، كَيَدٍ واحدة تحت قيادة واحدة، يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسم، وهذا هو واجب القائد الكفء.
وكان ضبط المسلمين تجاه تنفيذ أوامره مثالًا رائعًا للضبط الحقيق المتين، وإذا كان الضبط أساس الجندية، وإذا كان الجيش الممتاز
_________________
(١) الواء الركن محمود شيت خطاب من كبار ضباط الجيش العراقي، ذو نزعة إسلامية قوية، رجل صلب العود يعتبر مثالا حيًّا للثبات على العقيدة، نال من التعذيب والتنكيل من الشيوعيين في عهد قاسم ما لا يمكن البشر أن يتحمله إلا من كان على مستواه في متانة العقيدة وقوة الإيمان، والسبب في تعذيبه أنه مسلم يكفر بالشيوعية وكل مبدأ يخالف الإسلام، ظل صامدًا في وجه الشيوعية والديكتاتورية رافضًا التعاون مع قاسم طيلة حكمه حتى ثورة أربعة عشر رمضان التي كان أحد العاملين فيها، وقد شغل أخيرًا منصب وزير البلديات: يعد كتابه (الرسول القائد) من أروع ما خطته الأقلام المسلمة في تاريخ الرسول العسكري، حيث لم يسبقه أحد إلى الطريقة التي سلكها في وصف المعارك التي قادها الرسول ﷺ حيث أثبت للقارئ (بفلسفة عسكرية شيقة) أن محمدًا -بالإضافة إلى كونه نبيًّا مرسلًا- هو أعظم قائد عسكري عرفته البشرية. أكثر الله من أمثال هذا الضابط المؤمن في رجالنا العسكريين.
[ ١ / ٢٥٦ ]
هو الذي يتحلى بضبط ممتاز، فقد كان جيش المسلمين حينذاك جيشًا ممتازًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني.
إن معنى الضبط - فيما أرى - هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر.
وقد كان المسلمون ينفذون أوامر قائدهم بحرص شديد وأمانة رائعة وبشوق وطيبة خاطر، ومن حقهم أن يفعلوا ذلك لأن قائدهم يتجلى بصفات القائد المثالى.
ضبط للأعصاب في الشدائد، وشجاعة نادرة في المواقف ومساواة لنفسه مع أصحابه واستشارتهم في كل عمل حاسم.
كما أن النبي قد أنشأ له قيادة جعل مقرها رابية تشرف على ساحة المعركة وجعل لهذا المقر حرسًا بقيادة قائد مسئول (هو سعد بن معاذ).
أما المشركون فلم تكن لهم قيادة عامة، حيث كان أكثر قادة مكة مع جيش المشركين ولكن الذي يظهر أن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة هما أبرز ما في القادة، وكان يمكن أن يكون أحدهما قائدًا عامًا لجيش مكة، لولا الاختلاف بينهما في وجهات النظر والعداوة العنصرية التي كانت بينهما، ولهذا قاتل جيش مكة قتالا فوضويًا دونما قيادة موجهة أو تنظيم سابق.
٢ - تعبئة جديدة .. قال صاحب كتاب (الرسول القائد) (١).
طبق الرسول في مسير الاقتراب من المدينة إلى بدر، تشكيلًا جديدًا لا يختلف بتاتًا عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء.
كانت له مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريات
_________________
(١) ص ٧٧.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الصحيحة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء.
أما في المعركة فقد قاتل المسلمون بأُسلوب (الصفوف) بينما قاتل المشركون بأُسلوب الكر والفر، ولابد لنا من بيان الفرق بين الأُسلوبين، لمعرفة عامل من أهم عوامل انتصار المسلمين.
القتال بأُسلوب الكر والفر، هو أن يهجم المقاتلون بكل قوتهم على العدو، النشابة منهم (١) والذين يقاتلون بالسيوف ويطعنون بالرماح مشاة وفرسانًا، فإن صعد لهم العدو أو أحسوا بالضعف نكصوا، ثم أعادوا تنظيمهم وكروا، وهكذا يكرون ويفرون حتى يكتب لهم النصر أو الفشل.
والقتال بأُسلوب الصفوف، يكون بترتيب المقاتلين صفين أو ثلاثة أو أكثر، على حسب عددهم، وتكون الصفوف الأمامية من المسلحين بالرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف المتعاقبة الأُخرى من المسلحين بالنبال لتسديدها على المهاجمين من الأعداء.
وتبقى الصفوف في مواضعها بسيطرة قائدها، حتى يفقد زخم المهاجمين (٢) بالكر والفر شدته .. عند ذلك تتقدم الصفوف متعاقبة. للزحف على العدو.
يظهر من ذلك أن أسلوب الصفوف يمتاز على أسلوب الكر والفر بأنه يؤمن الترتيب (بالعمق) فتبقى دائمًا بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كأن يصد هجومًا مقابلا للعدو أو
_________________
(١) النشابة: هم الذين يرمون بالقوس.
(٢) الزخم: الدفع الشديد.
[ ١ / ٢٥٨ ]
يضرب كمينا لم يتوقعه أو أن يحمى الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه أو بمشاته ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة.
إن أُسلوب الصفوف يؤمن السيطرة على القوة بكاملها، ويؤمن احتياطًا للطوارئ ويصلح للدفاع والهجوم في وقت واحد، أما أسلوب الكر والفر (١) (وهو ما سارت عليه قريش في حربها يوم بدر) فيجعل القائد يفقد السيطرة ولا يؤمن له أي احتياط للطوارئ.
ويقول اللواءُ الركن (محمود شيت خطاب) إن تطبيق الرسول لأُسلوب الصفوف في معركة بدر، عامل مهم من عوامل انتصارهم على المشركين، والتاريخ العسكري يخبرنا بأن انتصار القادة العظام - كالإسكندر وهنيبال قديمًا، ونابليون ومولتكهـ ورومل ورنشتد حديثًا، هو أنهم طبقوا أُسلوبًا جديدًا في القتال غير معہروف، أو قاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة. اهـ.
وهكذا صار للخطة التي ابتدعها الرسول في التعبئة وسار عليها في حربه يوم بدر وامتاز بها على المشركين الذين لم يسبق لهم أن ساروا على مثلها في شيء من حروبهم، صار لها أثر كبير في انتصار المسلمين في هذه المعركة.
هذه الأسباب الأربعة (في نظرنا) هي - الناحية العسكرية - أهم الأسباب التي أدت إلى هزيمة المشركين في هذه المعركة، تلك الهزيمة الساحقة التي بها بدأ الانهيار في صرح دولة الشرك .. وحققت للمسلمين ذلك النصر الرائع الذي به دخل المسلمون التاريخ من بابه الخالد.
_________________
(١) أسلوب الكر والفر هو الأسلوب المتبع عند الهنود الحمر بأمريكا.
[ ١ / ٢٥٩ ]
خَاتمة وَرَجاء
وختامًا فإنا (في محاولة لرفع طبقات الأَتربة السميكة التى أهالها خصوم الإسلام على كنوز تاريخنا الإسلامي الثمينة) نتقدم بهذه الرسالة إلى الشباب المسلم المثقف من كل جنس ولون، ونهيب به أن يحطم الحواجز والسدود التي أَقامها المخربون بينه وبين النظر الجدي في صفحات هذا التاريخ المشرق الخالد، فركزوا اهتمامه علي تاريخ غير أمته، وأشغلوه بالنظر في سير أبطال ومفكرين لا ترابطهم أَية صلة بحاضره أو ماضيه، أو أعطوه صورة مشوهة عن تاريخه الإِسلامي فجعلوه يزهد فيه وينفر من النظر فيه، فحرموه من الانتفاع بكنوز هذا التاريخ الثمين.
كما أننا في الوقت نفسه، نتوجه إلى المسئولين عن التربية والتعليم في جميع البلاد الإسلامية - أن يعيدوا النظر في برامج تعليمهم وخاصة فما يتعلق منها بالتربية الدينية والتاريخ الإسلامي الصحيح.
فإن هاتين الناحيتين الهامتين (بالنسبة لنا كأُمة إسلامية) قد تم إهمالهما وعدم الاعتناء بهما في جميع مراحل التعليم في أكثر الأَقطار الإسلامية، وذلك تنفيذًا لمخطط تخريبي تم رسمه ضد الإسلام
[ ١ / ٢٦١ ]
وتاريخه الخالد، قبل أن تحصل أكثر البلاد الإسلامية على حريتها واستقلالها.
ولقد ظل كثير من الأَقطار الإسلامية (بعد انتزاعها استقلالها السياسي من الغاصبين) تسير -مع الأَسف الشديد- في برامجها التعليمية حسب هذا البرنامج التخريبي الذي وضعه المحتلون قبل رحيلهم، ولهذا ترى برامج التعليم في كثير من الأَقطار الإِسلامية مجردة تمامًا من التربية الدينية وخالية من حصص التاريخ الإِسلامي الصحيح.
وإذا ما احتوت بعض هذه البرامج في بعض البلاد العربية على بعض حصہص التربية الدينية والتاريخ الإسلامي، فإن تدريس هذه الحصص يتم بطريقة سطحية وبدون أي حماس أو تركيز بحيث لا يعلق بذهن الطالب أَي شيء يذكر من هذه الحصص أَثناء تدريسها، لا سيما وأن الرسوب فيها لا يعد رسوبا بالنسبة لغيرها من الحصص، فلا يؤثر رسوب الطالب في الحصص الدينية والتاريخ الإِسلامي على شهادته كما يؤثر فيها رسوبه في اللغة الإنكليزية والرسم والجغرافيا وما شابهها.
فهل هنالك تخريب أعظم من سلوك هذا الطريق، بالنسبة لنا كأمة إسلامية يستحيل عليها أن تعيش عزيزة مستقرة من غير السير على هدي دينها والاعتزاز بتاريخها؟؟ .
ولعله من المؤلم جدًّا، أن بعض الأقطار التي لم تخضع طيلة تاريخها للاستعمار قد أخذ يصيبها ما أصاب غيرها حيث سرى نفس ذلك الداء إلى كيانها التعليمي، وأخذت في اغتيال بعض الحصص الدينية من برامج تعليمها تدريجيًا.
فلا تمر سنة إلا ونرى تخفيضًا لهذه الحصص واستبدالها بحصص
[ ١ / ٢٦٢ ]
ليس فيها أية تقوية أو تعضيد لكيانها السياسي، كحصص الرسم وتربية الدواجن وغيرها من الأُمور الثانوية التي يمكن إضافتها إلى حصص التدريس دون اللجوء إلى اغتيال الحصص الدينية.
ويخطيء - بل يساهم في تخريب الكيان - من يزعم أَن إضعاف الحصص الدينية وعدم الاهتمام بالتاريخ الإسلامي فيه تقوية لكيان الدولة السياسي أو رفع لمنزلتها بين الأُمم المتحضرة.
إن هذا الزعم والترويج له هو من جانب حملات التخريب التي يقوم بتنفيذها قوم دربوا خصيصًا لتنفيذها، وقدر لهم في غفلة من الزمن أن يشغلوا مناصب قيادية حساسة في حقول التعليم.
وإلَّا فهل يعقل أن دولة قامت، أول ما قامت على أساس من الإسلام والدعوة إليه وتقوية جانبه والتمسك بآدابه وتنفيذ أحكامه، ولم يبن لها كيان ولم يكن لها شأْن إلا عندما أَخذت تسير على هديه وتحمل رايته .. هل يعقل أن الدولة التي هذا شأنها سيكون في مصلحتها اغتيال الحصص الدينية من برامج التعليم فيها؟ .
نقولها صريحة مرة أخرى، للمسئولين عن التربية والتعليم في البلاد الإسلامية - العربية منها وغير العربية - إن تجريد برامج التعليم من حصص التربية الدينية والفقة الإسلامي، وعدم الاهتمام بالتاريخ الإسلامي لن يكون إلا عونًا لانتشار المذاهب الهدامة المخربة بين الشباب المثقف الذي -باتباع هذه السياسة التعليمية الخطيرة- سيتجرد بالتدريج من كل وازع ديني أو حافز خلقي، وهذا لن تكون له نتيجه في البلاد الإسلامية إلا القلاقل والفتن التي لا ثمرة لها إلا الكوارث والنكبات التي كادت أن تكون العلامة الفارقة كما هو الواقع المشاهد.
[ ١ / ٢٦٣ ]
فما يعيشه العالم العربي اليوم من قلق واضطراب، لا سبب له إلا الانحراف بالشباب - في مراحل التربية والتعليم - عن الطريق المستقيم الذي رسمه الإسلام ودعا أمته إلى السير عليه في جميع مراحل حياتها.
وإني هنا أقسم بالله ثلاثًا، غير حانث ولا آثم - أن الأمة الإسلامية (سواءٌ كانت عربية أو غير عربية) لن تذوق الاستقرار طعمًا ولن تعرف للهدوء والطمأْنينة معنى إذا لم ترجع إلى الإسلام وتتمسك به دينًا ودولة وخلقًا ومعاملة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .. والله حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ـ
[ ١ / ٢٦٥ ]
[صورة]
العدوة الدنيا، وهي الممر بين الجبلين المشار إليه بالسهم، وهذه العدوة هي التي سلكها الرسول - ﷺ - في طريقه إلى بدر، والتي عناها الله تعالى بقوله ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ﴾ (أي المشركين) ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ﴾ (أي العير التي نجا بها أبو سفيان) ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.
[صورة]
العدوة القصوى، وهي الكثيب الذي بين الجبلين المشار إليه بالسهم، وهذا الكثيب هو الذي سلكهـ المشركون بجيشهم في طريقهم إلى بدر، والذي لما رآهم الرسول - ﷺ -: ينحدرون منه قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتنى اللهم أحنهم الغداة. ومن الجدير بالذكر أن المسافة بين العدوتين حوالي خمسة كيلو مترات كما أن المساحة التي دارت فيها المعركة تقدر بميل مربع.
[ ١ / ٢٦٧ ]
[صورة]
منظر آخر لجانب من قرية بدر اليوم وفي هذا المكان بالذات دارت المعركة حوالي مقر قيادة الرسول المبني اليوم مكانه مسجد كما هو واضح في الصورة، وقد قام ببناء هذا المسجد السيد حسن الشربتلى، كما ظهرت في هذه الصورة سلسلة الجبال التي توارى خلفها أبو سفيان بعير قريش هاريا، والتي عناها الله تعالى بقوله ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ لأن هذه السلسلة تقع أسفل العدوة الدنيا التي كان بها المسلمون، وقد ظهر الجبل الذي يقال أن الملائكة نزلت عليه يوم بدر لتقوية روح المسلمين المعنوية، وقد رسمنا لهذا الجبل بسهم كما يراه القارئ. ومن الجدير بالذكر أن النخيل والمنازل المشاهدة في الصورة هي حادثة بعد المعركة بعدة قرون.
[صورة]
منظر عام لقرية بدر اليوم، وقد ظهر فيه الجبل الواقع غربي العدوة الدنيا والعرصة التي سلكها الرسول في طريقه من العدوة الدنيا إلى مكان المعركة الواضح في المنظر الآخر لجانب من قرية بدر، كما ظهر في هذا المنظر طريق السيارات المعبد المؤدى إلى المدينة من مكة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
[صورة]
فج الروحاء الذي سلكه الرسول بجيشه في طريقه إلى بدر.
[صورة]
بئر الروحاء الذي استراح عندها الرسول - ﷺ - ثم غادرها منحرفا إلى فج النازية تاركا طريق مكة بيسار يريد بدرًا.
[ ١ / ٢٦٩ ]
[صورة]
فج النازية الذي سلكهـ الرسول - ﷺ - بجيشه عندما غير خط سيره بعد أن استراح عند بئر الروحاء وترك الطريق الرئيسى المؤدى إلى مكة بيسار.
[صورة]
مضيق الصفراء المشهور الذي انصب منه الرسول - ﷺ - بجيشه إلى وادي الصفراء بعد أن قطع وادي النازية ثم وحقان يريد بدرًا. وقد ظهر فيه طريق السيارات المعبد المؤدي من مكة إلى المدينة.
[ ١ / ٢٧٠ ]
[صورة]
منظر آخر لجانب من النخيل الواقع في الطرف الجنوبي لقرية بدر. وقد ظهر أيضًا في هذه الصورة جانب من المكان الذي دارت فيه المعركة والذي يقوم عليه اليوم جانب من هذا النخيل الذي لم يكن موجودا قبل معركة بدر. كما ظهر أيضًا في الصورة جانب من سلسلة الجبال الغربية التي توارى خلفها ركب أبي سفيان عندما هرب بالعير لئلا تقع في قبضة جيش المدينة.
[صورة]
عرق الظبية المشهور الذي يقال أن الرسول - ﷺ - أمر عنده بضرب عنق مجرم الحرب الثاني (عقبة بن أبي معيط الأموي) وقد أشار الرجل الواقف بأصبعه إلى المكان الذي يقال أنه الموضع بالذات الذي ضربت فيه عنق ابن أبي معيط. . ومن الغريب أنه قد أقيم - منذ العصور السحيقة - قبر في هذا المكان ظل غرب البادية المحيطين به يقصدونه للتبرك حتى جاء العهد السعودي فهدم هذا القبر وأزيلت معالمه.
[ ١ / ٢٧١ ]
[صورة]
وادي الصفراء المشهور الذي سلكهـ الرسول - ﷺ - بجيشه إلى بدر، وهو الوادي الذي أمر فيه بضرب عنق مجرم الحرب (النضر بن الحارث العبدرى) في رجوعه منتصرًا من بدر، ومن هذا الوادي انحرف بجيشه ذات اليمين تاركاهذا الوادي وطريق مكة الرئيسي بيسار سالكا - في خروجه إلى بدر - وادي ذفران الذي عقد عند خروجه منه مجلسه العسكري المشهور قبل أن يصل بدرا عندما بلغه زحف جيش مكة لإنقاذ العير.
[صورة]
الفج المؤدي إلى وادي ذفران، وهو الفج الذي اتجه إليه الرسول بجيشه بعد أن قطع وادي الصفراء وتركهـ عن يساره ليختصر الطريق إلى بدر عن طريق وادي ذفران الواقع غربي وادي الصفراء.
[ ١ / ٢٧٢ ]
محمّد أحمد باشميل
من معارك الإسلام الفاصِلة
- ٢ -