المطبَعَةُ السلِفيةَ - وَمكْتبتُها
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة ٨٤٠٣٦٤
[ ٤ / ١ ]
الطبعة الثالثة
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ مـ
جميع حقوق الطبع محفوظة
[ ٤ / ٢ ]
غَزْوَةُ بَنِي قُريظَة
[ ٤ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الكتاب
دروس من غزوة بنى قريظة
(١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدى ومولاى رسول الله - ﷺ -، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضى الله عن قادة الفتح الإسلامي وجنوده، وقادة الفكر الإسلامي وجنوده، وعن الذين عملوا من قبل، والذين يعملون اليوم، والذين سيعملون غدًا، بشرف وصدق وإخلاص في خدمة الإسلام والمسلمين، وإعلاء شأنهم بين الأمم، لتكون كلمة الله هي العليا، ويغمر نور الإسلام وهديه القلوب والعقول معًا: مبددًا الظلم والظلمات، ناشرًا العدل والمساواة، رافعًا رايات القرآن عقيدة ولغة شرقًا وغربًا.
وبعد
فقد قرأت مسوَّدات الكتاب الرابع من معارك الإسلام الفاصلة (١) عن غزوة بنى قريظة، فوجدت فيه فائدة وفيه عبرة.
_________________
(١) يطلق على تعبير المعارك الفاصلة في بعض الجيوش العربية تعبير: المعارك الحاسمة، قال الله تعالى: ﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام﴾ والحسم: الشؤم، والحسم: الدأب على العمل، وحسم الشيء: قطعه وأزاله. والمعركة الحاسمة فيها معنى الشؤم على العدو وقطعه وإزالته من الوجود. لذلك فإن تعبير: المعارك الحاسمة إقرب لأداء المعنى الواقعى الصحيح.
[ ٤ / ٥ ]
وربما لا أتفق مع بعض ما جاء في الكتاب من آراء المؤلف، وربما أخالفه في أسلوب العرض والتحليل واستخلاص النتائج، ولكننى موقن بأن كل ما يكتبه المؤلف صادر عن إخلاصه لعقيدته ولحضارة أمته، في وقت تنكر فيه كثير من المسلمين لعقيدتهم السمحاء، ولحضارتهم العريقة: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ (١).
فما الذي يثيره هذا الكتاب في العرب خاصة وفي المسلمين عامة من دروس لحاضرهم ومستقبلهم.
لقد انتصر المسلمون الأولون في الصدر الأول من أيام الإسلام على أعدائهم من يهود (٢) ومنافقين ومرتدين وفرس وروم - بالإسلام، عقيدة وعملًا، وتضحية وفداء، وسياسة واقتصادًا، وأخلاقًا ومثلا عليا، واعتزازًا ونخوة، وحضارة وفكرًا .. ولن ينتصر المسلمون على أعدائهم بغير الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء.
إن الله أعز العرب والمسلمين بهذا الدين القوى المتين، ولن يعزوا بغيره مهما بذلوا من جهد وحاولوا من محاولات.
كان المسلمون الأولون موضع تقدير العالم واحترامه، حين كانوا متمسكين بدينهم النابع من رسالة السماء، معتزين بحضارته، مدافعين عنها بالأفكار النيرة والآراء السديدة، ولن يكونوا موضع تقدير العالم
_________________
(١) الآية الكريمة من سورة البقرة (٢: ١٠٢).
(٢) العرب الأولون كانوا يطلقون كلمة: يهود، بدون (أل) التعريف، احتقارًا لهم وتقليلا من شأنهم، انظر كلمات السلف الصالح عن يهود في الطبري وابن هشام مثلًا. وما أحرانا أن نعيد هذا التعبير إلى الأذهان كتابة وقراءة، لنستعيد معناه الذي يدل على الاستخفاف، خاصة والعرب في حرب حياة أو موت مع إسرائيل.
[ ٤ / ٦ ]
واحترامه بغير التمسك بدينهم، معتزين بحضارته، مدافعين عنها، مظهرين مفاخرها في ميادين العلوم والآداب والفنون.
لن يكونوا موضع تقدير العالم واحترامه، حتى يكونوا ترجمة عملية لمبادئ دينهم في تصرفاتهم وسلوكهم وأعمالهم، وتجسيدًا لها عملًا صالحًا يمشى على الأرض.
أما أن نستورد المبادئ من الشرق والغرب، مبهورين متخاذلين، ونترك مبادئنا وراءنا ظهريًا.
وأما أن نعرض عن حضارتنا ونتباهى بالحضارة الغربية أو الشرقية، وهي حضارة نصرانية في الغرب وحضارة ملحدة في الشرق: تحارب الإسلام علنًا، وتحاول القضاء على المسلمين لأنهم القوة النائمة التي يخشى الغرب والشرق معًا يقظتها من سباتها العميق ..
أما أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير
أما أن نفعل كل ذلك مقلدين مستسلمين، مقبلين مدبرين، متواكلين متهافتين، فلن نكون أكثر من ذنب تافه للغرب أو الشرق، والذنب لا يكون أكبر من حقيقته: يركض وراء صاحبه دون أن يعرف المنقلب والمصير ..
والذين يظنون أن تهافتهم الذليل وراء الغرب أو الشرق سيجعل منهم جزءًا لا يتجزأ منهما قوة وعقيدة وحضارة ومكانه وتعاطفًا وانسجامًا، مغرورون كل الغرور، أو أغبياء كل الغباء، أو مخطئون كل الخطأ، أو عملاء كل العمالة .. ! .
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الإنكليزية جزءًا لا يتجزأ من الإنكليز؟ .
[ ٤ / ٧ ]
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الفرنسية جزءًا لا يتجزأ من الفرنسيين؟ .
هل أصبحت الدول الشيوعية القابعة وراء الستار الحديدى جزءًا لا يتجزأ من الروس؟ .
إن الإنكليز ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالإنكليزية نظرة السيد إلى المسود.
وإن الفرنسيين ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالفرنسية نظرة المتبوع إلى التابع.
والدول الشوعية التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها أظهرت تنكرها للاتحاد السوفياتي بعد جهد جهيد، لأنها وجدت أنها فقدت شخصيتها المميزة لها وأصبحت مستعبدة، كما فعلت الصين (١).
ويوغوسلافيا ورومانيا وألبانيا، وأول الغيث قطر ثم ينهمر .. ! .
والدول الإفريقية والآسيوية أيضًا التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها، أظهرت تنكرها لفرنسا وبريطانيا وللولايات المتحدة مستبعدة لتلك الدول الكبرى.
ولكن لا تزال بعض الدول الآسيوية والإفريقية تعانى ما تعانى من آثار الإستعمار الفكرى فيها.
ومن المؤسف حقًّا، أن تنشر إحدى المجلات العربية الصادرة خلال شهر حزيران (يونية) سنة ١٩٦٦: أن النشيد الوطنى السوفياتى أنشد
_________________
(١) في مؤتمر السلام العالمى الذي انعقد خلال شهر حزيران (يونية) سنة ١٩٦٦، اتهم مندوبو الصين في المؤتمر روسيا بالرجعية والانحراف والاستعمار.
[ ٤ / ٨ ]
في معهد عربي في بلد عربي، فقوبل إنشاده بالهتاف والتصفيق. ولكن حين أُنشد النشيد الوطني لذلك البلد العربي في ذلك المعهد العربي قوبل بالسخرية والاستهزاء .. !
وقد نقلت هذا الخبر محطة إذاعة عربية وأذاعته في الساعة السابعة والربع مساء من يوم ٢٥ حزيران عام ١٩٦٦ ! وعلى نفسها جنت براقش !
ولكن لمصلحة من كل هذا التهافت والاستخذاء؟ !،
(٢)
لقد تنكر العرب والمسلمون لعقيدتهم وحضارتهم، والأمة التي لا تحترم نفسها لا يمكن أن تحترمها الأمم، والمرءُ حيث يضع نفسه، والأمة حيث تضع نفسها.
غير العرب والمسلمون ما بأنفسهم، فتداعت عليهم الأُمم كما تداعى الأكلة على الثريد، وأصبحوا مناطق نفوذ للدول الاستعمارية، وكانوا من قبل سادة الدنيا وقادة العالم.
حتى يهود أصبح لهم في بلاد العرب دولة، وأصبح لهم صولة وأصبحوا قوة لها شأن ولها كيان! !
هؤلاء الذين كانوا ولا يزالون وسيبقون وصمة عار في جبين الإنسانية، ولطخة خزى في ضمير البشرية، ونقمة على العالم كله.
هؤلاء الجبناء: سلاحهم الدس والخديعة، وعتادهم الغدر والخيانة ودأبهم الخسة والمكر
إن دولة إسرائيل نتيجة من نتائج إعراض العرب والمسلمين عن دينهم وحضارتهم، ولو كان العرب عربًا حقًّا، ولو كان المسلمون مسلمين حقًّا،
[ ٤ / ٩ ]
لقال يهود كما قال أسلافهم من قبل: ﴿إن فيها قومًا جبارين﴾.
تُرى! ماذا كان يحدث لو ترك الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، يهود المدينة المنورة وما حولها، ويهود خيبر، يرتعون ويمرحون، ويغدرون ويدسون، ويخونون ويتآمرون؟ .
إن رسول الله - ﷺ -، خاطب يهودًا باللغة الوحيدة التي يفهمونها هي لغة القوة: "الخطة المخزية أو الحرب المجلية" (١)، كما قال أبو بكر الصديق ﵁.
فلماذا يدّعى العرب والمسلمون، بأن رسول الله - ﷺ - هو أُسوتهم الحسنة وقدوتهم الكريمة، ثم لا يتأسون به ولا يقتدون بأعماله؟ .
إننا عرب ولكن من قوارير، ومسلمون ولكننا مسلمون جغرافيون! !
(٣)
في حرب سنة ١٩٤٨ بين العرب ويهود على أرض فلسطين، كنت ضابط ركن جحفل لواء (٢) مستقر في مدينة (جنين)، فلمست حقائق مذهلة عن جبن يهود الأصيل.
قبل الهدنة الأولى التي فرضتها هيئة الأمم المتحدة على العرب، كانت الجيوش العربية على أبواب (تل أبيب) عاصمة إسرائيل.
_________________
(١) أما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم في النار، ومن قتل منا في الجنة. وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم. انظر ابن الأثير (٢ - ١٢٨). وفي البلاذرى (١٠٤) وردت: "الحرب المجلية، والسلم المخزية". انظر التفاصيل في قادة فتح العراق والجزيرة (٨٥).
(٢) جحفل اللواء: مؤلف من مقر اللواء وثلاثة أفواج، مع المدفعية والهندسة والطبابة والنقلية.
[ ٤ / ١٠ ]
وفرض الهدنة الأولى، كان لإنقاذ يهود من اندحار أكيد ..
وبعد معركة (جنين) التي خاضها فوج (١) عراقى واحد مقابل ما يزيد على العشرة آلاف يهودى، أخلى اليهود مدينة العفولة وحيفا، وانفجرت مظاهراتهم الصاخبة مطالبة بإيقاف الحرب بأي ثمن وبدون قيد أو شرط.
ومعركة (جنين)، هي معركة العراء الوحيدة التي اضطر يهود على خوضها، ولم يشهدوا بعدها معركة عراء أبدًا، وصدق الله العظيم: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٢)﴾.
وكان ضباط يهود حين يحضرون المفاوضات مع ضباط العرب بإشراف ممثلى الهدنة من هيئة الأمم المتحدة، ويرفضون الحضور ما لم يتأكدوا من أن الضباط العرب عُزل من السلاح.
وقد هاجمت دورية (٣) قتال يهودية قرية (جلبون) في ليلة من ليالى خريف سنة ١٩٤٨ وأسرت ستة رجال وامرأتين، فما كان من جيش العراق المرابط في (جنين) إلا أن قصف مستعمرة (تل العمال) القريبة من (بيسان) بست عشرة قنبلة من قنابل المدفعية، وأشاع أن هذه العملية هي انتقام من يهود لأسرهم العرب من جلبون)، فسارع يهود على أثرها بإطلاق سراح الأسرى، وأرسلوهم معززين مكرمين بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من موعد قصف المدفعية لمستعمرة (تل العمال) (٤).
_________________
(١) الفوج: وحدة مشاة لا يزيد تعداده على ألف شخص.
(٢) الآية الكريمة من سورة الحشر (٥٩: ١٤).
(٣) دورية: جماعة للاستطلاع والحصول على المعلومات إما بالقتل أو بدونه.
(٤) سيرد تفصيل ذلك في كتابنا: طريق النصر في معركة الثأر.
[ ٤ / ١١ ]
ومع ذلك وطدت إسرائيل أقدامها في الأرض المقدسة. ومع ذلك استطاع يهود أن يحتلوا اللدّ والرملة بثلاث مدرعات
ومع ذلك استطاعت إسرائيل أن تفرض إرادتها على العرب
لقد كان لمن وراء إسرائيل من الدول العظمى أثر بالغ على فرض إسرائيل في جزء مقدس من أرض العرب ودار الإسلام.
ولكن من وراء إسرائيل وزنوا العرب وهم مائة مليون أو يزيدون، ووزنوا المسلمين وهم خمسمائة مليون أو يزيدون، في ميزان القوة مع يهود إسرائيل، وهم يومئد مليون ونصف، فوجدوا أن وزن يهود في ميزان القوة أثقل من وزن العرب والمسلمين، لأن العرب والمسلمين حينذاك كانوا غثاء السيل، ولو كان الأمر خلاف ذلك لتبدل الحال غير الحال.
ويوم يثبت العرب والمسلمون أنهم رجال حقًّا، فسيجدون العالم كله إلى جانبهم، لزن صوت القوة هو الصوت المسموع في العالم كله وكل قول يخالف ذلك هراء في هراء.
لقد كانت الجيوش العربية عام ١٩٤٨ مقيدة بقيود ثقيلة من السياسيين المحترفين الذين كانت قلوبهم مع العرب وسيوفهم مع الاستعمار، لذلك قلت في حفلة توديع الجيش العراقي بمناسبة عودته من فلسطين إلى العراق:
لا تعذلوا جيش العراق وأهله بلواكموا ليست سوى بلوانا
إن السنان يكون عند مكبل بالقيد في رجليه ليس سنانا
إني لأعلم أن دين محمد لا يرتضى للمسلمين هوانا
وهو الخلود لمن يموت مجاهدًا ليس الخلود لمن يعيش جبانًا
[ ٤ / ١٢ ]
إن اللغة الوحيدة التي يفهمها يهود، هي لغة القوة، ولن يحلّ مشكلة العرب في فلسطين غير السيف ..
أما هيئة الأمم المتحدة، أما مجلس الأمن الدولى، أما المؤتمرات الدولية، أو الاحتجاجات الصاخبة، أما الخطب والقصائد، أما الصراخ والعويل، فلن تحل هذه المشكلة، وينطبق عليها المثل العربي السائر: "أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل".
(٤)
تلك هي الدروس التي تبرز من وراء الغيب عبرة للعرب والمسلمين من تاريخ غزوات النبي - ﷺ - في حرب يهود.
هذه الدروس، وهذه العبر، هي التي يجب أن يأخذ العرب والمسلمون بها لاستعادة حقهم المغتصب في أرض فلسطين.
وإذا لم يكن لهذا الكتاب من فائدة، غير التذكير بهذه الدروس والعبر، فقد كفاه فخرًا وكفى مؤلفه أجرًا.
تحية تقدير للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل على جهوده المثمرة وجهاده المفيد.
والحمد لله كثيرًا، وصلى الله على سيد القادات وقائد السادات رجل الرجال وبطل الأبطال، رسول الله - ﷺ -.
محمود شيت خطاب
عضو المجمع العلمي العراقي
[ ٤ / ١٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المؤلف
نحمدك اللهم وإياك نعبد وإياك نستعين، ونسألك أن تصلى على نبيك ورسولك محمد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغُر الميامين، ونضرع إليك اللهم أن تجعل آمالنا خالصة لوجهك الكريم وأن تعصمنا من مزالق الغرور ومهاوى السمعة والرياء إنك سميع مجيب.
وبعد، فهذا هو الكتاب الرابع من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) نحمد الله العلي القدير الذي أعاننا على إخراجه، ونرجوا (مخلصين) أن ينفع الله به من يقرأه، وشكرًا لمن أرشدنا إلى خطأ فيه لنقوم بإصلاحه.
(١)
منذ اللحظة الأولى التي أشرق فيها نور الإسلام، ومنذ الساعة التي وضل فيها النبي - ﷺ - إلى المدينة واليهود يكيدون للإسلام ويتربصون به وبالمرسل به الدوائر بغيًا وحسدًا عكس ما يوصيهم كتابهم (التوراة) الذي يجدون فيه محمدًا - ﷺ - مكتوبًا نبيًّا يجب اتباعه.
وبالرغم من اللين والتسامح الذي عامل به النبي - ﷺ - اليهود عند ما ألقت إليه يثرب كلها بزمام حكمها، وبالرغم من المعاهدة "معاهدة الدفاع
[ ٤ / ١٥ ]
المشترك والتعايش السلمي وعدم الاعتداء" المعقودة بين المسلمين واليهود فقد ظل اليهود (ما أمكنهم) يقاومون الدعوة الإسلامية ويثيرون المتاعب في وجه حامل لوائها النبي - ﷺ - يبثون من أراجيف وينشرون من أكاذيب تستهدف تشكيل الناس في صدق دعوته والنفور منها، ويعضدون كل من يريد به شرًّا أو يبيت له ولأصحابه مكروهًا بل ويتآمرون ضد الإسلام بغية الإطاحة بحكمه والقضاء على رسوله.
غير مبالين بعهد أعطوه ولا مقيمين وزنًا لميثاق أبرموه، لأن هذه العهود والمواثيق (عند هؤلاء اليهود) لا قيمة لها ولا اعتبار إلا عندما يكون التمسك والالتزام بها يحقق لهم مصلحة خاصة فحسب.
ولذلك فقد كان سكونهم أو حركتهم (في يثرب) لا يأتيان تمشيًا مع روح العهود والمواثيق التي أعطوها وإنما يأتيان تبعًا للظروف في حدود المصلحة الشخصية، فإن رأوا فرصة مواتية أظهروا البغض والعداء وتحركوا للنيل من المسلمين، وإن لم يروا فرصة لاذوا بالصمت وانزووا كالأفاعي في انتظار الفرصة مواتية، فهؤلاء اليهود، هم (بحق) أول من وضع أسس المذهب (الميكافيلى) الخبيث، كما سيرى القارئ في هذا الكتاب.
ولقد عانى المسلمون ونبيهم - ﷺ - في يثرب من هذا الخلق اليهودى (طيلة أربع سنوات) مشاق كثيرة ومتاعب عظيمة كان الرسول - ﷺ -، يقابلها بحلم واسع وتسامح عظيم، وحتى الذين تآمروا على حياته من هؤلاء اليهود وقرروا اغتياله ذهب في التسامح معهم إلى أبعد الحدود حيث اكتفى (فقط) بنفيهم من المدينة مع أنه قادر على إبادتهم بعد أن استسلموا له دونما قيد أو شرط بعد محاصرتهم وإدانتهم بجريمة التآمر على حياته.
[ ٤ / ١٦ ]
ولم يقف النبي - ﷺ - من اليهود موقفًا صارمًا لسمعهم لغة السيف الدامية إلا عندما ارتكب فريق منهم (وهم ينو قريظة) أشنع وأخس جريمة في تاريخ الغدر والخيانة، حينما نكثوا العهد وخانوا الميثاق وداسوا شرف الكلمة التي أُعطوها، فانضموا إلى الغزاة من قريش وغطفان في غزوة الأحزاب الرهيبة.
واستعدوا لضرب المسلمين من الخلف في أدق ساعات مصيرهم، مستهدفين القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين استئصالًا تامًّا، غير مبالين بما أعطوا من عهد ولا ملتفتين إلى ما أبرموا من مواثيق.
فكان جزاؤهم الإبادة الكاملة، وهو المصير الذي قد وطدوا العزم على أن يدفعوا المسلمين إليه عندما وضعوا أيديهم في أيدى الغزاة من الأحزاب وظاهروهم على المسلمين قولًا وعملًا، فكانت صرامة العقوبة "وهي إبادة حوالي ثمانمائة مقاتل من هؤلاء اليهود في يوم واحد بعد اندحار الأحزاب" تتناسب وجريمة الخيانة العظمى التي ارتكبها هؤلاء اليهود ضد المسلمين الذين كان يربطهم بهم ميثاق تحالف، ومعاهدة عدم اعتداء، وعهد تواطن في إطار أمة واحدة يجمعها وطن واحد وهو يثرب (١).
(٢)
وبما أن غزوة بنى قريظة، هي المعركة الكبرى والأخيرة التي بها تمت تصفية العنصر اليهودى في يثرب، وبها تم تطهير تلك البقعة الطيبة من شرور ذلك النوع الخبيث من البشر، وبما أن صلة هذا النوع بجزيرة
_________________
(١) نصت المعاهدة المعقودة بين المسلمين واليهود على أن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .. انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥٠٣ وما بعدها.
[ ٤ / ١٧ ]
العرب، صلة موغلة في القدم ترجع إلى ما قبل ميلاد المسيح - ﵇ - بعدة قرون، فقد رأينا أن نعقد فصلين كاملين، هما الفصل الأول والثاني من هذا الكتاب يتضمنان موجز تاريخ اليهود في جزيرة العرب.
الفصل الأول يتضمن موجز تاريخ اليهود في جزيرة العرب قبل الإسلام، والفصل الثاني يتضمن موجز تاريخهم منذ ظهور الإسلام حتى غزوة خيبر - المعركة الختامية للصراع بين الإسلام واليهود والتي ستكون موضوع كتابنا الخامس من هذه السلسلة إن شاء الله.
في الفصل الأول تحدثنا بإيجاز (وبتوسع أحيانًا) عن تاريخ اليهود في يثرب وتيماء ووادي القرى وخيبر وأيلة (إيلات) ومناطق الشمال الأُخرى، كما تحدثنا في هذا الفصل عن اليهودية بين عرب الجاهلية، كما تحدثنا بإيجاز عن مواقف اليهود من الإسلام (وكلها مواقف عدائية)، وأشرنا إلى كل مراحل الحرب الباردة والساخنة التي كان اليهود يشنونها على الإسلام منذ أن سطع نوره على هذه الأرض. كل ذلك لنعطى القارئ فكرة واضحة عن حقيقة هذا العنصر الذي يمثل (في كل عصر وزمان) دور التخريب والإفساد.
(٣)
كذلك لما كان إعدام حوالي ثمانمائة رجل من يهود بني قريظة في هذه الغزوة مثار انتقادات مغرضة وتهجمات ظالمة على النبي - ﷺ - من
[ ٤ / ١٨ ]
خصوم تقليديين للإسلام كبعض الكتاب الغربيين واليهود، ومن تلاميذ لهم (أيضًا) ينتسبون إلى الإسلام حيث زعموا جميعًا أن عملية إبادة هؤلاء اليهود تتسم بطابع الوحشية والهمجية، ولا تتفق مع روح التمدن وحقوق الإنسان، فقد أفردنا فصلًا خاصًّا في هذا الكتاب (وهو الفصل الرابع) تناولنا فيه التهم الموجهة إلى النبي - ﷺ - من هؤلاء الخصوم وناقشناها بالتفصيل وأثبتنا بالحجة والبرهان بطلان تلك التهم والانتقادات، وأوضحنا أن إعدام بنى قريظة لا غبار على شرعيته وتمشيه مع قواعد العدالة، وأنه عمل تقره أصول القضاء في جميع الأعراف والقوانين حتى هذه اللحظة، لأنه عقوبة عادلة نزلت بقوم ارتكبوا جرائم ثلاث، لا تزال القوانين الدولية في جميع أرجاء العالم (بلا إستثناء) تنزل عقوبة الموت بمن ارتكب واحدة منها فكيف بمن ارتكبها مجتمعة، كما فعل بنو قريظة.
وفي هذا الفصل (وعند تعرضنا لبحث استرقاق نساء وأطفال بنى قريظة) تعرضنا للرق في الإسلام بصفة عامة وناقشنا التهم التي وجهت إلى الإسلام من خصومه - عبر موقفه من الرق - وأثبتنا أن الإسلام لم يكن المشرع الأول للرق أو مشجعًا عليه بل هو الدين الوحيد الذي حارب الرق بمختلف الأساليب، فردم جميع منابعه ما عدا نوعًا واحدًا أبقى عليه بعد أن حصره في دائرة ضيقة، وهو الرق الناتج عن الحروب العادلة التي يخوضها المسلمون ضد أعداء الإسلام .. هذا النوع من الرق أبقى عليه الإسلام كإجراء حربى مقابل لا بد منه، لأنه معاملة بالمثل لا مناص للمسلمين من القيام بها تجاه أعداء يسترقوق ويستعبدون من يقع في أيديهم من أسرى المسلمين بما في ذلك النساء والأطفال، وأثبتنا في هذا الفصل أن
[ ٤ / ١٩ ]
الإسلام مع إبقائه على هذا النوع من الرق، قد أعطى الرقيق من الحقوق وكفل له من الضمان والحماية ما لم يعطه أو يكفله له أي عرف أو قانون في الدنيا حيث بلغ به في الارتفاع إلى درجة ساوى فيها بينه وبين مالكه في الحقوق العامة.
(٤)
وفي هذا الكتاب سيرى القارئ كيف أن الخلق اليهودى، هو منذ أن حلت اللعنة بهذا الشعب على لسان دواد وعيسى بن مريم .. سيرى في تصرفات هذا العنصر في جزيرة العرب وخاصة مع المسلمين ونبيهم - ﷺ - ضروبًا مقرفة من الخسة واللؤم، وألوانًا كالحة من الغدر والخيانة، ونماذج كئيبة من الانتهازية والنكث .. مجموعة، من المخازى ورصيدًا هائلًا من الرذائل لم يسجل التاريخ مثله لأمة من الأمم المغضوب عليها من الله، اللهم إلا ما بدأ التاريخ يسجله الآن (ويا للأسف) لفئة من الناس في المنطقة تتلمذوا على المذهب الميكافيلى اللا أخلاقى فأخذوا يسيرون على نهج هولاء اليهود في الغدر والانتهازية ونكث العهود والمواثيق، فيدعون إلى إبرام الاتفاقيات والعهود والتمسك بها عندما يكتشفون أنها لا تحقق الكسب الخاص الذي دعوا إلى إبرامها من أجل تحقيقه.
بل ويرتكبون من الأعمال الوحشية والهمجية ما لم يرتكب مثله هؤلاء اليهود حيث يبيدون عشرات الألوف من النساء والأطفال المسلمين، ويمسحون من الوجود القرى العزلاء الآمنة ليرهبوا شعبًا مسلمًا أبيا شرسًا قام على كواهل أجداده بنيان تاريخ الإسلام العسكري الشامخ ..
[ ٤ / ٢٠ ]
بغية إخضاع واستعمار هذا الشعب العملاق الذي رد المعتدين وسحق الغزاة (عبر القرون) في كل مرة يحاولون فيها إخضاعه واستعماره فصار يضرب به المثل في الصمود ورفض التسلط الأجنبي مهما كان نوعه، حتى صار يطلق على هذا الشعب (من بين جميع الشعوب) اسم محطم الغزاة ومؤدب الطغاة، ومروض الجبابرة .. فلا يعتدى عليه طاغية أو يغزوه طامع إلا وقبر جيشه الغازى وحطم آماله وبدد أطعاعه وجعله وجيوشه (مهما قويت وكثفت) أضحوكة الثقلين وعبرة لمن بعده من الأجيال، وها هو التاريخ اليوم يعيد نفسه في أرض هذا الشعب العملاق الأبى الشرس.
(٥)
إن الذي لا يعرف الخلق اليهودى، ولم يسبق له معاشرة هذا النوع من البشر الذي هو كالجسم الغريب الضار في جسد البشرية ولم يحط علمًا بحقيقة تاريخه، قد يستعظم ما لاقاه ويلاقيه من كره لدى الشعوب عامة، وقد يستبشع ما ينزل أحيانًا بهذا النوع من نفى وتشريد وتقتيل.
ولكن الخبراء بنفسيات هذا الشعب اليهودى والملمين بحقيقة تاريخه (عبر القرون) يؤكدون بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الشعب هو الشعب الوحيد الذي يظهر كل فرد من أفراده وكأنه قد رسخ في ذهنه وامتزج في دمه أن مهمته في الحياة هي الإفساد والتخريب والتدمير لكل ما هو غير إِسرائيلي، فكل تيارات التدمير الخلقى والانحراف العقائدى وما صاحب ذلك من مجازر فظيعة في العالم وارتكاسات مدمرة في حياة الشعوب
[ ٤ / ٢١ ]
وارتباكات في اقتصاديات الأمم إنما هو (في الغالب) من صنع التفكير اليهودى وتخطيطه.
ويكفى للتدليل على ذلك أن الحركة الشيوعية الماركسية التي ارتكب قادتها من جرائم التعذيب والقتل والإبادة - وعلى مستوى من الوحشية والهمجية لم يشهد التاريخ مثلها منذ أن خلق الله الدنيا - هذه الحركة التي لم تُصب البشرية في مختلف عصورها بنكبة مثل نكبتها إنما جاءت وفق بروتوكول وضعه مفكرون من اليهود، ولا أدل على ذلك من أن واضع النحلة الشيوعية (كارل ماركس) هو يهودى مجرم حاقد.
كذلك أثبت التاريخ أن واضع مخطط جرائم المجازر الوحشية الهمجية الرهيبة التي ارتكبت في أول عهد الثورة الفرنسية والمدبر المحرك لهذه المجازر إنما هم اليهود الذين من طبيعتهم التلذذ بما يصيب غيرهم من خراب وتدمير، والذين (تمشيًا مع هذه الطبيعة) لا يستقر بهم المقام بين غيرهم من الشعوب وإلا وشرعوا في تخريبهم وإفسادهم، كما يعرف ذلك كل شعوب العالم.
فما يحل دائمًا باليهود من نفى أو إبادة مما يتظلمون منه في كل عصر وزمان إنما هو (في الغاب) رد فعل معاكس عنيف لما يقومون به من جرائم وخيانات وأعمال تخريب وإفساد بين الشعوب التي يواطنونها ويجدون مستقرًا بينها، وما أصاب بنى قريظة على أيدى المسلمين إنما هو من صنع أولئك اليهود أنفسهم.
فكل القادة والمسئولين الحريصين على سلامة أوطانهم وشعوبهم يحاولون (منذ آلاف السنين) تطهير أوطانهم وتنقية مجتمعاتهم من هؤلاء
[ ٤ / ٢٢ ]
اليهود، لعلمهم بحقيقة نفسيات هذا النوع الخطر من البشر الذي لا يواطن أمة من غير جنسه إلا وأفسدها وأطلق (بوسائله الخاصة) به التخريب والتدمير فيها.
وبين أيدينا الآن وثيقة على غاية من الخطورة والأهمية تدين هؤلاء اليهود بالتخريب والإفساد أينما حلوا .. وأهمية هذه الوثيقة تتمثل في كون واضعها من أكبر زعماء الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الثامن عشر وأعظم قادتها والمخلصين لها على الإطلاق وهو الرئيس (بنجامين فرنكلين).
ولأهيمة هذه الوثيقة الصادرة عن أحد روساء الولايات الأمريكية فإنا سنثبت هنا النص الحرفى الكامل للوثيقة باللغة الإنكليزية مع ترجمة لها باللغة العربية.
[ ٤ / ٢٣ ]
[نص الوثيقة باللغة الإنكليزية]
[ ٤ / ٢٤ ]
ترجمة الوثيقة باللغة العربية (١)
في عام ١٧٨٩ م ألقى الرئيس بنجامين فرنكلين خطابًا عند وضع دستور الولايات المتحدة جاء فيه ما يلي:
* هناك خطر عظيم يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك الخطر العظيم هو خطر اليهود.
_________________
(١) إن الفضل في نشر هذه الوثيقة الخطيرة يعود إلى الشاب السعودى الفاضل الأستاذ حسين أبو بكر القاضي المتخصص في الدراسات الإسلامية والحائز على الماجستير في العلوم السياسية والقانون الدولى، فعندما كان هذا الرجل الفاضل طالبًا في جامعة الباسفيك بالولايات المتحدة كتب إليه العلامة الشيخ مصطفى الزرقا الأستاذ بجامعة دمشقي - بعد أن اطلع على هذه الوثيقة باللغة العربية - كتب إليه ليوافيه بالنص الإنجليزى من مصدره، وقد حدثني الأستاذ حسين القاضي فقال: قصدت إلى معهد بنيامين فرنكلين في فيلادلفيا (بولاية بنسلفانيا) لنقل النص حرفيًّا من مصدره، وكم كانت دهشتى حين راجعت خطبة الرئيس الأمريكى (بنجامين فرنكلين) إذ وجدت أن القسم الذي يتضمن هذه الوثيقة قد انتزع كاملًا من خطبة الرئيس الامريكى، فراجعت المسئولين عن المعهد فهالهم الأمر إذ اكتشفوا أن في الأمر جريمة خطيرة ارتكبها أحد المجرمين من يهود، ثم يقول إلا أنه لحسن الحظ تبين - بعد البحث - أن في المتحف نسخة أخرى من تلك الخطبة كاملة لم يتطرق إليها عبث المفسدين، فنسخت عنها باللغة الإنكليزية هذا القسم المتعلق بالخطر اليهودى، ولقد عمد الأستاذ القاضي في حينه فطبع عدة آلاف من هذه الوثيقة باللغة الإنكليزية فقام (وهو لا يزال طالبًا) فوزعها على الهيئات الدولية والسياسة والعملية في الولايات المتحدة وغيرها خدمة لدينه وأمته الإسلامية، وقد نشرت هذه الوثيقة (بسعى الأستاذ القاضي - مجلة (المسلمون) في أحد أعدادها كما نشرتها مجلة التمدن الإسلامي في الجزئين ٢٥، ٢٦، وجريدة الندوة بمكة في عددها ٥١١ وتاريخ ربيع الأول ١٣٨٠ هـ - فشكرًا لهذا الشاب المسلم الصادق الأستاذ حسين القاضي وأكثر الله في شبابنا الإسلامي من أمثاله ليكونوا سفراء خير لدينهم أينما حلوا.
[ ٤ / ٢٥ ]
أيها السادة: في كل أرض حل به اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقى وأفسدوا الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم، وقد أدى بهم الأضطهاد إلى العمل على خنق الشعوب ماليًّا، كما هو الحال في البرتغال وأسبانيا.
منذ أكثر من ١٧٠٠ عام وهم يندبون حظهم الأسيف، يعنون بذلك أنهم قد طردوا من ديار آبائهم ولكنهم أيها السادة، لن يلبثوا إذا ردت إليهم الدول اليوم فلسطين، أن يجدرا أسبابًا تحملهم على ألا يعودوا إليها، لماذا؟ لأنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض، ولابد لهم من العيش بين المسيحيين وغيرهم ممن لا ينتمون إلى عرقهم.
إذا لم يبعد هؤلاء عن الولايات المتحدة "بنص "دستورها" فإن سيلهم سيتدفق إلى الولايات المتحدة في غضون مائة سنة إلى حد يقدرون معه على أن يحكموا شعبنا ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذي بذلنا في سبيله دماءنا وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية.
ولن تمضى مائتا سنة حتى يكون مصير أحفادنا أن يعملوا في الحقول لإطعام اليهود. على حين يظل اليهود في البيوتات المالية يفركون أيديهم مغتبطين.
وإننى أحذركم أيها السادة، أنكم إلا تبعدرا اليهود نهائيًا، فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبوركم، إن اليهود لن يتخذنوا مثلنا العليا ولو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع إبدال جلده الأرقط.
إن اليهود خطر على هذه البلاد إذا ما سمح لهم بحرية الدخول. إنهم سيقضون على مؤسساتنا، وعلى ذلك لا بد من أن يستبعدوا بنص الدستور" أهـ.
[ ٤ / ٢٦ ]
وبعد، فإلى الشباب المسلم وإلى كل إنسان رزقه الله نعمة السيطرة الحرة الكاملة على عقله وتفكيره، وعصمه من التردى في هوات التحيز والعناد والهوى أتقدم بهذا السفر الجديد سائلين المولى جل وعلا أن ينفع به وأن يتفضل علينا (وهو ذو الفضل العظيم) بالرضى الدائم والتوفيق المستديم إنه على كل شيء قدير، والله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين جدة - المملكة السعودية.
شهر صفر سنة ١٣٨٦ هـ - مايو ١٩٦٦ م
محمد أحمد باشميل
[ ٤ / ٢٧ ]
الفصل الأول
* موجز عن تاريخ اليهود في جزيرة العرب قبل الإسلام.
* اليهود في يثرب وخيبر والشمال.
* مدي سلطان اليهود.
* خضد اليمانيين لشوكتهم قبل الإسلام.
* اليهود في اليمن.
* أثرهم الثقافي والديني بين العرب.
* شعر اليهود في الجزيرة.
نسب اليهود
يرجع نسب اليهود الإسرائيليين إلى نبي الله يعقوب المسمى (إسرائيل)، واشتقاق كلمة (اليهود) من قولهم هاد إذا رجع، ولزمها هذا الإسم من قول موسى - ﵇ - ﴿إنا هدنا إليك﴾ إى رجعنا وتضرعنا ومنتحلها اليهود المتمسكون بشريعة موسى - ﵇ -، وهم أعم من بنى إسرائيل، لأنه ليس كل يهودى إسرائيلى، لأن الإسرائيلى في حقيقته هو الذي يعود نسبه إلى نبي الله يعقوب (وهو إسرائيل)، وكثير من أجناس العرب والروم وغيرهم قد دخلوا في اليهودية وليسوا من بنى إسرائيل (١)، كما أن هناك كثيرًا من إسرائيلى النسب دانوا بغير
_________________
(١) صبح الأعشى ج ١٣ ص ٢٥٣.
[ ٤ / ٢٩ ]
اليهودية كالإسلام والمسيحية، وهكذا فليس كل يهودى إسرائيلى وليس كل إسرائيلى يهودى.
لقد كان لإبراهيم عدة أبناء كانوا آباء لأمم كثيرة في بلاد شتى أخصهم إسماعيل وإسحاق، أما إسماعيل فإنه سكن بلاد العرب، وكان من عقبه العرب المستعربة.
أما إسحاق فإنه أقام مع أبيه حتى مات، فكان الجد الثاني للعبرانيين، وخلف إسحاق ولدين عيسو (العيص) ويعقوب، فجلا عيسو، وحل يعقوب محل أبيه ولقب بـ (إسرائيل) وإليه ينسب الإسرائيليون كافة (١) ومنهم اليهود الذين استوطنوا يثرب وغيرها من جزيرة العرب.
قبائل اليهود في يثرب
وقد كان اليهود قبائل وبطونًا مختلفة الأسماء بلغت في يثرب اثنتا عشرة قبيلة وهم، بنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وبنو محمر، وبنو قينقاع، وبنو زيد، وبنو النضير، وبنو قريظة، وبنو بهدل، وبنو عوف، وبنو الفصيص، وبنو مرانة، وبنو زاعوراء. وكل هذه (ما عدا زاعواء) أسماء عربية صرفة.
العنصرية بين اليهود
ويشير الإخباريون إلى أن بنى قريظة وبنى النضير قد عرفوا من
_________________
(١) اليهود في القرآن ص ٩٥.
[ ٤ / ٣٠ ]
بين اليهود (بالكاهنين) نسبوا بذلك إلى جدهم الذي يقال له (الكاهن) (١).
والكاهن (عندهم) هو الكاهن بن هارون بن عمران على زعم بعض أهل الأخبار، فهم على هذه من أصل رفيع ومن نسب حسيب يميزهم عن بقية طوائف يهود، ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من إخوانهم في الدين (٢).
كيف جاء اليهود إلى يثرب؟
لا يستطيع أحد أن يذكر بصفة قاطعة متى وكيف استقر اليهود في هذه البقعة من الجزيرة العربية.
غير أن الذي لا سبيل إلى إنكاره واتفق عليه المؤرخون بالإجماع هو أن اليهود موجودين في هذه البقعة العربية، قبل الإسلام بعدة قرون.
كما أنه من المجمع عليه (أيضًا) أن العنصر اليهودى هو عنصر دخيل على الجزيرة العربية نازح إليها من بعيد، لا تربطه بسكان هذه الجزيرة أية رابطة من دين أو لغة أو دم.
أما متى نزل اليهود منطقة يثرب، فإن الإخباريين قد اختلفوا في تحديد ذلك، إلا أنهم كانوا يتفقون على أن اليهود قد جاءوا إلى منطقة يثرب في فترات متباعدة جدًّا.
فأول فترة (كما يقول هولاء الإخباريون) جاء فيها اليهود إلى يثرب
_________________
(١) الأغاني ج ١٩ ص ١٩٦.
(٢) تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٣.
[ ٤ / ٣١ ]
ترجع إلى سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، وذلك في أواخر أيام نبي الله موسى - ﵇ -، وفي أوائل عهد النبي يوشع.
والفترة الرئيسية الثانية التي هاجرت فيها مجموعة كبيرة من اليهود إلى منطقة يثرب تقع ما بين خراب هيكلهم في عام ٧٠ م وتنكيل (هدريان) باليهود في عام ١٣٢ م (١).
ومن المصادر العربية التي جاء فيها هذا التحديد، كتاب الأغاني الشهير (٢) للإخبارى المشهور (أبو الفرج الأصبهاني).
فقد ذكر هذا المؤلف في كتابه المذكور، أن نبي الله موسى عند عودته من مصر ببنى إسرائيل إلى الشام بلغه أن قومًا جبارين من العمالقة (٣) في منطقة المدينة قد بغوا في الأرض وساموا الناس سوء العذاب، فجرد عليهم حملة عسكرية من قومه بنى إسرائيل، وأمر قائد هذه الحملة بأن يستأصل شأفه هؤلاء العماليق (٤) الجبابرة، ولا يبقى على أحد منهم.
ويقول الأصبهاني إن هذه الحملة العسكرية وصلت (فعلًا) إلى المدينة، فأوقعت بالعماليق وأبادتهم عن بكرة أبيهم إلا شابًّا واحدًا هو ابن مالك العماليق (الأرقم)، أعفوه من القتل واصطحبوه معهم ليرى فيه نبي الله موسى رأيه.
_________________
(١) تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي ج ٦ ص ١٤.
(٢) الأغاني ج ١٨ ص ١٩١ وما بعده.
(٣) يجعل المؤرخون العرب عنصر العماليق في عداد العرب البائدة، حيث ينقسم العرب عند هؤلاء المؤرخين إلى عرب بائدة وعاربة وعربى، فالبائدة مثل طسم وجديس والعماليق وعاد، والعاربة الإسماعيليون، والعربي هم القحطانيون.
(٤) كان ساكنوا المدينة في ذلك العصر من العماليق بني هف وبني سعد وبني الأزرق وبني مطروق، وكان ملك الحجاز منهم رجلا يقال له الأرقم، ينزل ما بين تيماء إلى فدك.
[ ٤ / ٣٢ ]
ولما قفل هذا الجيش راجعًا إلى الشام وجد نبي الله موسى قد توفاه الله.
ولكن زعماء بنى إسرائيل من بعده لما علموا أن الجيش قد أعفى شابًّا واحدًا من العماليق من القتل، قالوا هذه معصية عصى الجيش بها نبي الله موسى، ولهذا منع بنو إسرائيل هذا الجيش من البقاء بينهم، قائلين .. والله لا تدخلون علينا الشام أبدًا.
ويذكر الأصبهاني أن قادة هذا الجيش تشاوروا فيما بينهم، وأخيرًا استقر رأيهم على أن يعودوا بكامل جيشهم إلى المدينة قائلين: ما كان خيرًا لنا من منازل القوم الذين قتلناهم بالحجاز، نرجع إليهم فنقيم في أرضهم، فرجع على حاميتهم حتى قدموا المدينة واستقروا فيها.
فانتشروا في نواحى المدينة كلها إلى العالية، فاتخذوا بها الآطام والأموال والمزارع.
فكان أفراد هذا الجيش (كما يقول الأصبهاني) أول من سكن المدينة من اليهود.
أما بشأن الفترة الثانية التي نزح فيها إلي اليهود إلى المدينة، فقد ذكر الإخباريون أن الروم لما استولوا على بلاد الشام في الفترة الواقعة ما بين سنة ٧٠، ١٣٢ للميلاد وفتكوا باليهود ونكلوا بهم اضطر هؤلاء اليهود إلى الفرار بأنفسهم وتفرقوا في أنحاء آمنة بعيدة عن مجالات الروم.
ومن هؤلاء اليهود (كما يذكر المستر أوليرى) يهود بنى قريظة وبنى النضير وبنى بهدل، فروا من وجه الرومان إلى الجنوب في اتجاه يثرب
[ ٤ / ٣٣ ]
وساروا في ذلك الاتجاه حتى استقروا مع من قبلهم في تلك المنطقة من الحجاز (١).
والمستر (أوليرى هذا) يتفق في قوله هذا مع صاحب الأغانى (الأصبهاني) أو هو ناقل عنه.
فقد ذكر الأصبهاني في كتابه الأغانى ج ١٩ ص ١٩٥ طبعة مكتبة دار الحياة: أن الروم لما تغلبوا علي بنى إسرائيل في الشام ونكلوا بهم خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل هاربين منهم إلى الحجاز.
وأن هؤلاء اليهود الفارين لما وصلوا إلى منطقة يثرب نزلوا الغابة (٢) فوجودها وبيئة فكرهوا الإقامة بها، ولذلك بعثوا رائدا منهم يلتمس لهم مكانًا صالحًا للسكنى نقى الهواء طيب التربة.
فخرج باحثًا عن ذلك حتى قاده البحث والاستكشاف إلى منطقة العالية، وهي بُطحان ومهزور -واديان في حرة- على تلاع أرض عذبة، بها مياه عذبة تنبت حر الشجر.
فرجع إلى قومه بالغابة وأخبرهم بما رأى فقر رأيهم على الإقامة في تلك المنطقة، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت بنو قريظة وبنو بهدل، ومن معهم على مهزور، فكانت لهم تلاعه وما سقى من بعاث وسموات، وكان يساكن اليهود في يثرب- قبل نزول الأوس والخزرج عليهم - قبائل عربية غير يهودية، منها، بنو الحرمان- حيّ من اليمن- وبنو مرثد- حيّ من بلى- وبنو نيف- وهم من بلى أيضًا- وبنو معاوية- حي من بنى سليم ثم من بنى الحرث ابن بهثة-، وبنو الشطية حي من غسان.
_________________
(١) تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٤.
(٢) الغابة موضع يقع شمال المدينة على بعد عدة أميال منها.
[ ٤ / ٣٤ ]
أدوار التاريخ اليهودي في يثرب
ويمكن تقسيم تاريخ الوجود اليهودى في يثرب إلى قسمين.
القسم الأول: قسم ما قبل الإسلام، وهذا القسم قد مر فيه على اليهود عهدان.
أ - عهد السيطرة والتحكم المطلق في منطقة يثرب.
ب - عهد الإنكسار والهزيمة.
ويبدأ العهد الأول ببداية نزول العنصر اليهودى أرض يثرب، وقد استمر هذا العهد (على ما يقوله الإخباريون) أكثر من ألف سنة.
أما عهد الانكسار فيبدأ بهجرة الأوس والخزرج من مأرب اليمن إلى يثرب وذلك في أوائل القرن الأول للميلاد.
إخضاع اليهود لسيطرة اليمانيين على يثرب
لقد ظل اليهود -طيلة ألف ومئتى سنة- سادة يثرب دون منازع يتحكمون فيها تحكمًا استعماريًا (عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا) بالرغم من أن بعض القبائل العربية كانت تساكنهم في هذه المنطقة، فقد كانت هذه القبائل (على ما يظهر وحتى وصول اليمانيين) من الضعف والتفكك بحيث لم تستطع التعرض لليهود ساعة نزولهم يثرب ولم تقم بأية محاولة لمقاتلتهم كدخلاء أجانب. فليس فيما بين أيدينا من مصادر التاريخ شيء يشير إلى أن اليهود (قبل وصول الأوس والخزرج) كانوا يتعرضون لأية مكافحة أو مقاومة في هذه المنطقة.
ظل اليهود هكذا سادة يثرب حتى جاء القرن الميلادي الأول فأرسل الله سيل العرم على سد مأرب الشهير في التاريخ فتهدم، وكانت مملكة
[ ٤ / ٣٥ ]
(مأرب في اليمن) قبل انهدام السد من أخصب بقاع الشرق الأوسط، وكان أهلها يشكلون أقوى قوة حربية في جزيرة العرب، وكان ملكهم (عند انهدام السد) ملكًا عظيمًا اسمه عمرو بن عامر مزيقيا وهو الملقب في التارخ (بماء السماء).
الأوس والخزرج في المدينة
وعندما تهدم السد انتاب الضعف مملكة مأرب فتفرق أهلها (وهم من الأزد من أبناء كهلان بن سبإ) في الأرض، فذهب الغساسنة منهم إلى الشام فصاروا ملوكها، ونزل اللخميون منهم العراق فدانت لهم أيضًا فصار منهم ملوك (الحيرة) وهم المناذرة المشهورين في التاريخ، كما اتجه الأوس والخزرج منهم إلى يثرب فنزلوها، فكان نزولهم إيذانًا بزوال سلطان اليهود في المنطقة. فقد عمل هؤلاء اليمانيون -منذ نزولهم أرض يثرب- على مضايقة اليهود بغية مشاركتهم في سلطان المدينة وثرواتها الكبيرة.
ولكن الأوس والخزرج ظلوا عاجزين أمام سطوة اليهود وتماسكهم. فقد بقى الأوس والخزرج -منذ نزولهم المدينة- في حالة فقر مدقع لا حول لهم ولا طول، وكان إخوانهم من العرب (سكان المدينة الأصليين قبلهم) أضعف منهم، لذا قنع الأوس والخزرج بما حصلوا عليه من أرض جدباء لا تنبت إلا القليل من الزرع، فعاشوا في ضيق من العيش، وبقى اليهود يتمتعون بسلطان الملك، والثروة كلها في أيديهم.
ظل الحال على هذا المنوال ردحًا من الزمن، إلى أن فكر اليمانيون في الاستعانة بإخوانهم الغساسنة من ملوك الشام.
[ ٤ / ٣٦ ]
فقد أوفدت الأوس والخزرج أحد زعمائها -مالك بن العجلان- إلى ملك الغسانيين (أبو جبيلة)، ولما وصل إليه شرح له سوء حال قومه وغلبة اليهود المحللين على منطقة يثرب واستثارهم بثرواتها دونهم، وطلب منه العون العسكري لإخضاع هؤلاء اليهود.
فتوجه الملك الغساني بجيشه لنجدة أبناء عمومته إلى يثرب، وهناك أوقع باليهود فكسرهم وأذلهم، في خبر طويل ليس هذا محل شرحه، وبعد ذلك رجع الملك الغساني إلى بلاده.
فكانت هذه الوقعة التي أباد فيها الملك الغساني مجموعة كبيرة من سادة اليهود وقادتهم، تنفس الأوس والخزرج الصعداء فصاروا ندًّا لليهود يصاولونهم ويجاولونهم -بعد أن كانوا لا يجرأون على التعرض لهم-، ومع هذا بقى اليهود على جانب كبير من القوة والتماسك، يصاولون اليمانيين ويجاولونهم. ولهذا دامت الحروب والمناوشات بين الفريقين زمنًا غير قصير، إلى أن دبر مالك بن العجلان (زعيم الأوس والخزرج) مكيدة أفنى فيها مجموعة كبيرة من زعماء اليهود، وفتك الأوس والخزرج باليهود فتكًا ذريعًا (١).
وبهذا خضد اليمانيون (الأوس والخزرج) شوكة اليهود فذلوا وانهدم سلطانهم، فقل امتناعهم وخافوا العرب خوفًا شديدًا ولم يستطيعوا الوقوف على أقدامهم في المدينة إلا بعد أن قبلوا الإندماج (قبليًا) في
_________________
(١) انظر التفاصيل في الأغانى ج ١٩ ص ١٩١ وما بعدها، طبعة دار الحياة.
[ ٤ / ٣٧ ]
قبيلتى الأوس والخزرج بالحلف، حيث لجأ كل فريق من اليهود إلى قبيلة من قبائل الأوس والخزرج يتعزز ويمتنع بهم.
ومن ذلك اليوم صار بنو قريظة وبنو النضير ومن تبعهم حلفاء الأوس، وبنو قينقاع ومن تبعهم حلفاء الخزرج، فكان كلما نشبت حرب قبلية بين الأوس والخزرج، يكون بنو قريظة والنضير ومن تبعهم في صفوف الأوس، وبنو قينقاع ومن تبعهم في صفوف الخزرج.
وبهذا التحالف الذي اندمج فيه اليهود (قبليًا) بالأوس والخزرج، ضمن اليهود بقاءهم في منطقة يثرب، ولو لم يفعلوا ذلك لأبادتهم القبائل العربية عن آخرهم، طالما كان الاعتداء على اليهود سببًا في إثارة حرب طاحنة بين قبيلتى الأوس والخزرج نتيجة تحالف اليهود مع هذه القبائل. وما حرب بعاث الشهيرة الطاحنة التي دارت رحاها بين الأوس والخزرج قبل ظهور الإسلام بقليل، إلا لمحاولة قبائل الخزرج احتلال أراضى يهود بنى قريظة (حلفاء الأوس) وطردهم منها (١).
_________________
(١) يروى المؤرخون العرب أن عمرو بن النعمان البياضى الخزرجى قال لقومه بنى بياضه إن أباكم أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة، وإنه والله لا يمس رأسى غسل حتى أنزلكم منازل بنى قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل، ثم أرسل لبنى قريظة والنضير إنذارًا قال لهم فيه: إما أن تخلوا بيننا وبين دياركم نسكنها وإما أن نقتل رهنكم (وكان لديه من هؤلاء اليهود أربعين غلامًا رهائن) فانزعج اليهود وخافوا خوفًا شديدًا وهموا بترك منازلهم لقبائل الخزرج، إلا أن سيدهم كعب بن أسد زجرهم وحال بينهم وبين ذلك وطلب منهم الصمود وعلم حلفاؤهم (الأوس) فوقفوا إلى جانبهم ضد قبائل الخزوج، حتى إن رجالا من الأوس نزلوا مع اليهود في حصونهم ليدافعوا معهم عنها إذا حاول الخزرج الاعتداء عليهم، وهكذا انتقل النزاع من نزاع ضيق بين اليهود والخزرج إلى نزاع رئيسى مسلح بين الأوس والخزرج، نشبت فيه معركة بعاث الشهيرة التي كان النصر فيها للأوس وحلفائهم من بنى قريظة والنضير على الخزرج والتي كاد الأوس فيه يستأصلون شأفة إخوانهم الخزوج ويهدمون دورهم- دارًا دارً لولا أبو قيس بن اسلت- أحد قادة الأوس- الذي منع قومه من عملية الإبادة التي اعتزموا القيام بها ضد إخوانهم الخزوج بعد انهزامهم في تلك المعركة.
[ ٤ / ٣٨ ]
الحرب الأهلية بين اليهود
ولم يخلو اليهود من خوض غمار حرب أهلية فيما بينهم (في يثرب) فقد كان بنو قينقاع (وهم من أشجع يهود المدينة) على خلاف دائم مع بنى قريظة والنضير. يؤيد ذلك أن يهود بنى قريظة والنضير لم يحركوا ساكنًا لنصر يهود بنى قينقاع عندما حاصرهم النبي - ﷺ - بعد معركة بدر وإجلائهم عن المدينة.
ويقول المؤرخون إن سبب وجود يهود بنى قينقاع داخل المدينة بعد أن كانوا مثل إخوانهم بنى النضير وقريظة يسكنون في ضواحيها -هو أنه قبل الإسلام دارت معارك عديدة بين يهود بنى قينقاع وبنى قريظة ألحق فيها بنو قريظة والنضير ببنى قينقاع خسائر فادحة اضطروا على أثرها إلى الإلتجاء إلى داخل المدينة فأقاموا وسط حي من أحيائها (١).
حال اليهود بعد فقد السلطان
وبالرغم من الضربة الموجعة التي أنزلها الأوس والخزرج باليهود قبل الإسلام، (والتي انهدم على أثرها سلطانهم السياسي وتحطمت قوتهم العسكرية في يثرب) فإنهم ظلوا في حالة تماسك في ظل وحدة عنصرية محورها الديانة اليهودية.
ومع أنهم قد فقدوا سلطانهم السياسي والعسكري فإنهم (في ظل الارتباطات القبلية التي ربطوا أنفسهم بها مع رؤساء القبائل القوية
_________________
(١) تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦.
[ ٤ / ٣٩ ]
المحاربة) قد وسعوا من نفوذهم الاقتصادى بين قبائل العرب، حيث وجهوا كل نشاطهم إلى تضخيم ثرواتهم عن طريق الربا الفاحش والاتجار في مختلف السلع، واشتهروا بصنع الخمر وبيعه وجلبه أحيانًا من بلاد الشام.
مركز اليهود المالى
وكان الأعراب يقصدونهم (دائمًا): يبتاعون منهم ما يحتاجون ويقترضون منهم بالربا، وقد اتسعت ثرواتهم حتى صاروا ملوك المال، وعن طريق سلطان المال والثروة، استعادوا شيئًا من نفوذهم الذي فقدوه، فصاروا بما لهم من تأثير اقتصادى يثيرون الفتن والحروب بين القبائل الوثنية (وخاصة في منطقة يثرب) حتى لا تتم آية وحدة بين هذه القبائل لأن ذلك يهدد الكيان اليهودى بالخطر.
وظلوا يوسعون من نفوذهم الاقتصادى ويشترون زعماء القبائل العربية الوثنية بالمال، وكانوا يحاولون بشتى الوسائل، استعادة سلطانهم السياسي والعسكري الذي فقدوه على يد الأوس والخزرج، فصاروا يستغلون المشاحنات القبلية (وخاصة بين الأوس والخزرج) فيشعلون نيرانها بغية إنهاك قوة هاتين القبيلتين ليسهل على هؤلاء اليهود استعادة سلطانهم إلا أنهم لم يحققوا أهدافهم، بل ظلوا (حتى ظهور الإسلام) تابعين للأوس والخزرج، تحتمى كل قبيلة من هؤلاء اليهود بقبيلة من الأوس والخزرج عن طريق ارتباطات الأحلاف المعروفة في عهود الجاهلية.
[ ٤ / ٤٠ ]
وعلى العموم فقد بقى اليهود في يثرب -بالرغم من هزيمتهم العسكرية وانهدام سلطانهم على أيدى أوس اليمن وخزرجها- عنصرًا قويًّا من عناصر يثرب، وخاصة في المجال المالى والاقتصادى، حيث كانوا يشكلون أقوى عنصر في هذه الناحية حتى ظهور الإسلام.
فقد كان هؤلاء اليهود يعتمدون في تنمية ثرواتهم وتوطيد نفوذهم على إعطاء القروض الربوية (والربا من مميزات اليهود) التي كانت تدر عليهم أرباحًا طائلة تجعلهم الطبقة الغنية المتميزة بين الأعراب الذين لا يحسنون هذه التجارة الملعونة، ولم يقض على سلطان اليهود المالى القاهر إلا التشريعات الإسلامية التي حرمت التعامل بالربا الذي كان العمود الفقرى لاقتصاد اليهود وتجارتهم، ولهذا فقد كان تحريم التعامل بالربا ضربة قاصمة لظهور اليهود في يثرب وغيرها من بلاد العرب.
كما أن اليهود بالإضافة إلى تعاطى الربا (ركيزتهم الإقتصادية الأولى) كانوا يمتازون ببعض الصناعات المربحة كالصباغة، والنسيج، والحدادة التي كان العرب يأنفون منها ويعتبرونها من المهن الحقيرة، كما أنهم كانوا بالإضافة إلى ذلك كله نشطين إلى حد بعيد في المجالات التجارية الأخرى، فكانوا قبل الإسلام من أكثر اليثربيين نشاطًا في الاتجار بالبر والشعير والبلح، وكانوا مشهورين باحتكار الخمر وبيعها في الجاهلية، إذ كانوا يذهبون خصيصًا إلى الشام لجلب مختلف أنواع الخمر إلى يثرب بل إلى مختلف أقاليم الجزيرة فيدر عليهم بيع الخمر أرباحًا طائلة، وكانت لهم في المدينة (حتى نزول القرآن بتحريم الخمر) حانات يرتادها الكثيرون لتعاطى الخمر، فكان اليهود لذلك كله يحتكرون
[ ٤ / ٤١ ]
ثروات ويتحكمون فيها اقتصاديًا، ولا ينكر أحد نفوذ المال وسلطانه القاهر.
اليهود في خيبر
مما لا جدال فيه أن منطقة خيبر (الواقعة شمال شرقي المدينة) تضاهى يثرب من حيث الوجود اليهودى وكثرة هذا العنصر الدخيل وسيطرته على تلك المنطقة الزراعية الخصبة، كما أنه مما لا جدال فيه أن هؤلاء اليهود كانوا قد استعمروا مقاطعة خيبر واستولوا عليها قبل ظهور الإسلام بعدة قرون.
إلا أنه لا يستطع أحد (كذلك الجزم بصفة قاطعة) متى كان وصول اليهود إلى خيبر: هل هو قبل الميلاد أم بعده، فقد اختلفت المصادر بهذا الصدد.
فبينما يذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير (العبر: المجلد الثاني، القسم الأول ص ١٦٨) أن تاريخ الوجود اليهودى في خيبر هو نفس التاريخ الذي نزل فيه اليهود يثرب حيث يذكر أنهم من نفس الغزاة الذين جاءوا إلى أرض الحجاز فأبادوا العمالقة في الحجاز ثم استقروا في خيبر كما استقر إخوانهم في يثرب، بعد أن منعهم بنو إسرائيل من دخول الشام بعد وفاة نبي الله موسى لإبقائهم على أسير واحد من العماليق لم يقتلوه وحلفوا أن لا يدخلوها، فعادوا على تعبيتهم إلى الحجاز وسكنوا منازل العمالقة الذين أبادوهم قبل الميلاد بأكثر من ألف سنة. بينما يذكر ابن خلدون هذا نرى الدكتور جواد على يذكر في كتابه تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٧ أن يهود خيبر هم من نسل (ركاب المذكور في
[ ٤ / ٤٢ ]
التوراة) هاجرو بعد خراب الهيكل الأول بعد الميلاد إلى الحجاز فاستقروا في خيبر.
وأيا كان الأمر فإن المتفق عليه عند جميع المؤرخين أن اليهود في خيبر هم أجانب دخلاء استولوا على هذه المنطقة قبل ظهور الإسلام بعدة قرون فاشتغلوا بزراعة الحبوب والنخيل وكانوا محاربين أقوياء تمكنوا من السيطرة على خيبر من أول عهدهم حتى سقطت في أيدى المسلمين بقيادة النبي - ﷺ - بعد أن اتخذها يهود بنى النضير مركزًا للعدوان والتآمر ضد المسلمين، كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى من هذا الكتاب، وكما هو مفصل في كتابنا غزوة (الأحزاب).
ولقد كان يهود خيبر على جانب كبير من القوة والمنعة، ولم يذكر التاريخ أنهم تعرضوا طيلة عهد استعمارهم لخيبر حتى ظهور الإسلام لأى غزو، كما لم يرو التاريخ أنه حدثت فيما بينهم أية حروب أهلية كما هو شأن يهود يثرب وكانت خيبر مشهورة بالحصون والقلاع المنيعة التي أنشأها اليهود عندما كانت لهم السيطرة عليها وأشهرها سبعة حصون وهي حصن ناعم، وحصن القموص، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة، وقد استولى المسلمون على كل هذه الحصون عندما فتحوا خيبر في السنة التاسعة من الهجرة.
هذا هو كل ما يمكن قوله عن تاريخ اليهود في خيبر قبل الإسلام وهو كما يرى القارئ تاريخ غير ذي بال إذا ما قورن بتاريخ اليهود في يثرب أو حتى تاريخ اليهود في اليمن أو تاريخهم في الشمال (منطقة تيماء) حيث السموؤل بن عاديا الذي اشتهر ذكره قبل الإسلام وظل شائعًا إلى يومنا هذا.
[ ٤ / ٤٣ ]
فتاريخ اليهود في خيبر لم يكتب ويشتهر إلا بعد أن جاء الإسلام وقد بدأ هذا التاريخ (وهو تاريخ أسود) بهجرة يهود بنى النضير المنفيين من يثرب، وانتهى بنفى اليهود كليًّا من جزيرة العرب في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب -﵁- كما سيأتي تفصيله في كتابنا الخامس من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة (غزوة خيبر) إن شاء الله.
اليهود في الشمال
أما المنطقة الثالثة التي تمركز فيها اليهود من جزيرة العرب. فهي نقاط محددة في الشمال الممتد من وادي القرى حتى مقاطعة تيماء في أقصى الشمال.
والمنطقتان اللتان اشتهرتا بتمركز اليهود فيهما هما وادي القرى وتيماء وهما بقعتان خصبتان بهما العيون والمياه.
فقد ذكر التاريخ أن هاتين البقعتين كان بهما جاليات يهودية قبل الإسلام، ولا يعرف بالضبط تاريخ وجود هذه الجاليات كما هو الحال بالنسبة لتاريخ الوجود اليهودى في يثرب وخيبر، وتاريخ اليهود في هاتين المنطقتين ليس بذى بال (سواء قبل الإسلام أو بعده) إذا ما قورن بتاريخ اليهود في يثرب وخيبر واليمن، وخاصة تاريخ يهود وادي القرى إذ لم يسجل التاريخ لهم أكثر من ذكر وجودهم في هذه المنطقة.
وكل ما ذكره التاريخ عن يهود وادي القرى (الواقعة منازلهم بين المدينة وخيبر) بعد الإسلام هو أن الرسول - ﷺ - لما عاد من المدينة بعد أن فتح الله عليه خيبر مر بوادى القرى فدعا اليهود فيه إلى الإسلام فأبوا إلا
[ ٤ / ٤٤ ]
الحرب، فقاتلهم يومًا واحدًا فقط، شرعوا بعده في المفاوضة وطلبوا المصالحة، فصالحهم النبي - ﷺ - وأقامهم على أرضهم وأموالهم وذراريهم كما أقام أهل خيبر بعد فتحها (١)، فعاشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين على أموالهم وأنفسهم أحرارًا في دينهم.
يهود تيماء
أما تيماء (وهي تقع في أقصى الشمال الغربي من جزيرة العرب) فقد كانت من المواضع القديمة التي حل بها اليهود قبل الإسلام، وتاريخ يهودها (أيضًا) خامل الذكر قبل الإسلام وبعده، إلا أن تاريخهم في هذه المنطقة (قبل الإسلام) قد تردد ذكره أكثر من تاريخ يهود وادي القرى وغيره من النقاط المبعثرة شمالي المدينة.
وذلك بسبب الشاعر اليهودى الشهير (السموأل بن عاديا) صاحب الحصن المشهور والذي ردد الإخباريون ذكره في تاريخ ما قبل الإسلام، ونسبوا إليه الشعر الجزل والوفاء بالعهد إلى درجة ضحى معها بأحد أبنائه مقابل وفائه لامرئ القيس الكندى الذي أبي أن يخفر ذمته كما هو مفصل في أمهات التاريخ وليس هذا محل تفصيله.
ولولا هذا اليهودى الشاعر (السموأل) لما احتفظ التاريخ ليهود تيماء قبل الإسلام بشيء يذكر.
أما تاريخ يهود تيماء بعد الإسلام، فليس فيه أكثر من أنهم كانوا مسالمين لم يثيروا حربًا ضد المسلمين ولم يفكروا في ذلك، بل بمجرد
_________________
(١) انظر فتوح البلدان للبلاذرى ص ٤١.
[ ٤ / ٤٥ ]
سقوط خيبر في أيدى المسلمين وخضوع أهل وادي القرى لحكم الإسلام سنة تسع للهجرة سارعوا إلى الرضوخ لحكم الإسلام فأبلغوا الرسول - ﷺ - ذلك فصالحهم وقبل المسلمون الجزية فعاشوا مطمئنين في ظل الدولة الإسلامية (١).
نقاط أخرى في الشمال
وهناك جاليات يهودية صغيرة مبعثرة في الشمال الغربي، في تبوك، ومقنا وأيلة (٢) وغيرها، وعلى ساحل البحر الأحمر، كانت موجودة قبل الإسلام ولم يذكر التاريخ شيئًا عن هذه الجاليات قبل الإسلام ذا بال، اللهم إلا ما ذكره بعض المفسرين والإخباريين من أن يهود (أيلة هم الذين اعتدوا في السبت كما جاء في القرآن الكريم (٣).
في الطائف والبحرين
ويذكر المؤرخون أيضًا أن هناك جاليات يهودية كانت موجودة في الطائف والبحرين عند ظهور الإسلام، فقد ذكر البلاذرى في كتابه فتوح
_________________
(١) انظر معجم البلدان لياقوت ج ٢ ص ٤٤٢.
(٢) أيلة (بفتح أوله وسكون ثانيه) قال البقاعى في (مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع): هي مدينة على ساحل بحر القلزم، قيل هي آخر الحجاز وأول الشام وهي مدينة اليهود الذين اعتدوا في السبت .. ويظهر أنها المدينة التي يسميها الصهاينة اليوم بمدينة (أيلات) وهي الواقعة اليوم في أقصى الطرف الشمالي لخليج العقبة والتي اغتصبها اليهود ضمن ما اغتصبوا من بلاد العرب، فقد كانت هذه المدينة تعتبر عند قدماء الجغرافيين ضمن الأراضي الحجازية كما أكد ذلك ياقوت في معجمه.
(٣) انظر (مراصد الاطلاع) ج ١ ص ١٣٨.
[ ٤ / ٤٦ ]
البلدان ص ٦٣ أنه كان في الطائف يهود طردوا من يثرب واليمن وأن النبي - ﷺ - لما فتح الطائف صلحًا وأسلم أهلها من العرب جميعًا بقى اليهود فيها على دينهم، بعد أن خضعوا للحكم الإسلامي بدفع الجزية.
فقد قال البلاذرى في كتابه المذكور: "كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فأقاموا بها للتجارة، فوضعت عليهم الجزية، ومن بعضهم ابتاع معاوية أمواله بالطائف =".
اليهود في اليمن
أما اليمن فقد كانت اليهودية فيها قبل الإسلام أقوى من أي مكان آخر في جزيرة العرب من حيث الانتشار وقوة السلطان، إذ أصبحت في عهد من العهود دين الدولة الرسمى وذلك في عهد بعض ملوك الحميريين.
ومع أن المؤرخين مجمعون على وجود اليهودية في اليمن قبل الإسلام، إلا أن أحدًا منهم لم يذكر بصفة قاطعة متى اعتنق أهل اليمن الدين اليهودى وفي أي تاريخ على وجه التحديد.
غير أن المؤرخين والإخباريين الإسلاميين يكادون يجمعون على أن أول اتصال لليهودية باليمن هو في عهد (تبان أسعد أبي كرب) تبع اليمن الثالث الذي اعتنق اليهودية في يثرب ثم حملها إلى اليمن ودعا شعبه إليها فدانوا بها دونما إكراه (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٣ وما بعدها .. الطبري ج ١ ص ٩٠١ وما بعدها.
[ ٤ / ٤٧ ]
ويزعم بعض المورخين الغربيين أن اليمن قد عرفت اليهودية منذ أقدم العصور وفي عهد نبي الله سليمان - ﵇ - ومن هؤلاء المؤرخ المشهور (ثيودمور لكتور Theodorus) وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد.
فقد قال هذا المؤرخ: إن الحميريين كانوا في بادئ أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه أيام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع الملك سليمان بدعوتهم إياهم إلى هذا الدين (١)، وإذا صح قول هذا المؤرخ الغربي فإن أهل اليمن يكونون قد دانوا جميعهم بدين الله الحق لا دين اليهودية المحرف، لأن ملكة سبأ إنما آمنت على يد سليمان وهو نبي، ودينه في الحقيقة (في جوهره) الإسلام، بدليل قوله تعالى في حق ملكة سبأ المؤمنة ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (٢).
ومع عدم وجود أي دليل كاف على دخول اليهودية إلى اليمن في عهد الملكة سبأ، فإنه من المحتمل أن تكون الديانة الموسوية قد دخلت أرض اليمن بتأثير ملكة سبأ، وهذا ما لم يجزم به أحد من المؤرخين الإسلاميين ولكنه لا يستبعد حدوثه.
كيف دخلت اليهودية اليمن
وعلى ما رواه الإخباريون الإسلاميون (كابن إسحاق والطبرى) يمكن تقسيم الوجود اليهودى في اليمن قبل الإسلام إلى عهدين:
_________________
(١) تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ٢٩.
(٢) النمل: ٤٤.
[ ٤ / ٤٨ ]
١ - عهد السيطرة والسلطان.
٢ - عهد الإنكسار والتشريد.
أما عهد السيطرة والسلطان فيبدأ باعتناق تبع اليمن الثالث (وكان وثنيًا) لليهودية في يثرب، وخلاصة ذلك أن هذا الملك الحميرى قد اعتنق الديانة اليهودية في يثرب عندما مر بها في عودته إلى اليمن من الشمال وإيران، حيث خاض هناك حروبًا وقام بفتوحات ليس هذا محل تفصيلها.
ويذكر الطبري وابن إسحاق أن تهود هذا الملك كان على يد حبرين من أحبار بنى قريظة في المدينة، ففي قصة يطول شرحها جاء هذا الملك الحميرى (تبع الثالث تبان أسعد أبي كرب) إلى يثرب يريد إهلاك أهلها من العرب لثأر له عندهم، فلما سمع حبران من أحبار بنى قريظة بذلك جاء إلى الملك تبع فنصحاه بأن لا يفعل ما اعتزم من إهلاك أهل المدينة قائلين:
أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال: ولم ذلك؟ .
فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى عن ذلك ورأى أن لهما علمًا، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة بعد أن اتبعهما على دينهما.
وكان قد بلغ أهل اليمن دخول ملكهم في الديانة اليهودية فاستاءوا لذلك أشد الاستياء، ولذلك فإنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت قبائل حمير بينه وبين ذلك وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فأبلغهم بأن دينه الجديد خير من الوثنية التي هم عليها، وبعد مناقشات ومجادلات بين الملك
[ ٤ / ٤٩ ]
الحميرى وزعماء شعبه -يطول شرحها- أقنعهم بوجهة نظره يسانده في ذلك الحبران اليهوديان اللذان اصطحبهما معه من يثرب إلى اليمن، فدخل شعبه بأجمعه في اليهودية، فصارت من يوم ذاك الدين الرسمى لأهل اليمن، فذلك هو بداية وسبب دخول اليهودية إلى اليمن، والله أعلم.
أما عهد انحسار اليهودية في اليمن وتشريد أتباعها فيبتدى بانتهاء ملك ذو نواس (تبع اليمن الخامس) وآخر ملوك حمير وهو صاحب قصة الأخدود المذكورة في القرآن.
فقد روى المؤرخون أن تبع الخامس (ذو نواس) بلغه أن بنجران قومًا من النصارى فسار إليهم بجنوده، ثم دعاهم إلى اليهودية وترك دين عيسى بن مريم وخيرهم بين الدخول في اليهودية أو القتل، فاختاروا القتل على مفارقة دين عيسى - ﵇ -، فاشتد غضبه فأمر بخد الأخدود لهم ثم ملأها بالنيران وأخذ يقذف بهم في نيران الأخدود فقتل منهم بشرًا كثيرًا بلغوا قريبًا من عشرين ألفًا.
وهذه الحادثة الفظيعة التي ارتكبها نو نواس أشار القرآن الكريم إليها بقوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).
ذهاب ملك التبابعة علي أيدي الحبش
وعندما بلغ ملك الحبش ما حدث بإخوانه في النصرانية على يد ملك الحمريين المتهود (ذو نواس) جهز (بإشارة من قيصر الروم) جيشًا كبيرًا
_________________
(١) البروج آية ٤ - ٥ - ٦ - ٧ - ٨.
[ ٤ / ٥٠ ]
بلغ عدده سبعين ألف مقاتل من الأحباش وأمر قائده بعبور البحر إلى اليمن لمحاربة (ذو نواس) فصدع بالأمر، ولما التقى الجيشان انهزم ذو نواس وانتصر الأحباش بعد أن قتل ذو نواس حين اقتحم به فرسه البحر حتى غمره الماء، فاستولى القائد الحبشى على اليمن فكان هذا بداية نهاية اليهودية في اليمن قبل الإسلام، حيث نكل بهم الأحباش تنكيلًا شديدًا فانخضدت شوكتهم وتقلص ظل اليهودية من اليمن، حيث هاجر أكثرهم منها، ولم يبق منهم فيها إلا الذليل المستضعف الذي نجا من القتل.
وبالرغم من التنكيل الشديد والقتل الذريع الذي نزل بيهود اليمن قبل الإسلام بعد احتلال الأحباش لها فقد بقيت جاليات يهودية ظلت تقطن اليمن عدة قرون حتى ظهور الإسلام. وقد بقى العنصر اليهودى موجودًا في اليمن عدة قرون حتى ظهور الإسلام. وقد بقى العنصر اليهودى موجودًا في اليمن حتى أواسط القرن العشرين حيث هاجروا إلى إسرائيل على أثر الحوادث التي أدت إلى اغتصاب اليهود فلسطين.
ومما تجدر الإشارة إليه أن يهود اليمن ليسوا إسرائيلى الجنس وإنما هم من العرب، لأن الذي نقل اليهودية إلى اليمن هو ملك عربي حميرى دعا قومه حمير إلى هذا الدين الذي اعتنقه على أيدى الحبرين اليهوديين في يثرب فاتبعوه ودانوا جميعًا باليهودية، ولم يثبت التاريخ أن هناك غزاة إسرائيليين جاءوا إلى اليمن بأعداد كبيرة، بل كل ما يرويه التاريخ العربي أن الملك تبع الذي اعتنق اليهودية في يثرب لم يصطحب معه من اليهود الإسرائيلين سوى الحبرين اللذين اعتنق اليهودية على أيديهما في يثرب، وعلى هذا فيهود اليمن لم يكونوا يهودًا إسرائيليين على الإطلاق
[ ٤ / ٥١ ]
كما هو الحال في يثرب وإنما هم عرب حميريون دانوا باليهودية، فهم يختلفون في الجنس عن يهود يثرب والمناطق الشمالية من الجزيرة.
ولا يستبعد أن هناك يهودًا إسرائيلين نزحوا من الشام إلى اليمن بعد أن تمركزت فيه اليهودية على أيدى بعض تبابعتها الذين اعتنقوا هذا الدين فصار دين البلاد الرسمى، ولكن أحدًا من المؤرخين لم يشر إلى هذا، اللهم إلا ما أشار إليه الدكتور جواد على في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج ٦ ص ٢٤ حيث قال:
إني أرى أن دخول اليهودية اليمن مرده أيضًا إلى اتصال اليمن منذ عهد قديم بطرق القوافل التجارية والبحرية والبرية ببلاد الشام، وفي قصة سليمان وملكة سبإ إشارة إلى تلك الصلات وإلى هجرة جماعات من اليهود إلى هذا القطر عن طريق الحجاز بعوامل متعددة، منها التجارة، والهجرة إلى الخارج، ليس بسبب احتلال الرومان لفلسطين فقط، بل بسبب تنازع اليهود أنفسهم.
وليس هناك خلاف بين المؤرخين في أن اليهودية لم تقم لها أية قائمة في اليمن بعد مقتل تبع الخامس (ذو نواس) واستيلاء الأحباش على اليمن في أوائل القرن السادس لميلاد المسيح - ﵇ -، ولهذا فإنه عند ظهور الإسلام لم يكن ليهود اليمن أي شأن يذكر كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب خصوصًا ويهود الشمال عمومًا. وكل ما سجل التاريخ لهؤلاء اليهود في اليمن هو أنهم عندما أسلم حاكم اليمن الفارسى أعلنوا الطاعة ودفعوا الجزية للمسلمين كاعتراف بنظام الحكم الإسلامي الجديد.
[ ٤ / ٥٢ ]
اليهود في مكة
هذا هو موجز عن تاريخ الوجود اليهودى في جزيرة العرب قبل الإسلام، وهذه هي المواطن الرئيسية والثانوية التي كان اليهود يتمركزون فيها قبل الإسلام، ولم يصل إلى علمنا فيما رأينا من مصادر تاريخية أن هناك مواطن أخرى في جزيرة العرب قد تمركز فيها اليهود كما تمركزوا في المواطن التي ذكرنا.
ويزعم بعض المستشرقين أن اليهود كانوا موجودين في مكة قبل الإسلام، ومن هؤلاء (ولفنسون)، غير أن هذا الزعم ليس له ما يسنده في أي مصدر من مصادر التاريخ، وخاصة التاريخ المتخصص كاتبوه في بحث التاريخ العربي قبل الإسلام وبعده، فلو كان لليهود وجود في مكة قبل الإسلام وعند ظهوره لما أغفله الإخباريون الإسلاميون الذين تعتبر كتبهم أصح مصدر لتاريخ الوجود اليهودى في جزيرة العرب، لا سيما وأن اليهود كانوا أشد العناصر (غير الإسلامية) عداوة ومقاومة للإسلام، فلو كانوا موجودين في مكة قبل الإسلام لكان لهم دورهم البارز المشهور في مقاومة النبي - ﷺ - في مكة لا سيما وأن قريشًا كانت (عند ظهور الإسلام) صاحبة السلطة المطلقة، وكانت معارضتها للإسلام عند ظهوره في غاية الضراوة والعنف.
أثر اليهود في العرب
إن المتتبع لتاريخ الوجود اليهودى في جريرة العرب يدرك بوضوح أنه بالرغم من مرور أكثر من سبعة عشر قرنًا على وجود اليهودية (قبل الإسلام) في جزيرة العرب، لم يكن للديانة اليهودية أي أثر ذو بال بين
[ ٤ / ٥٣ ]
الأعراب الوثنيين الذين عايشوا اليهود طيلة للك القرون الطويلة وخاصة في منطقة يثرب وخيبر ومناطق الشمال الأخرى التي كانت مركز الثقل ومناطق التجمع الرئيسية لليهود الإسرائيليين الدخلاء حتى ظهور الإسلام.
فلم يذكر التاريخ أن هناك (في خيبر ويثرب والشمال) قبيلة أو حتى عائلة عربية واحدة اتخذت من اليهودية دينًا لها (١).
ولو حدث شيء من هذا لأشار إليه الإخباريون الإسلاميون الذين عنوا بتاريخ أحداث الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده، كما أشاروا إلى تاريخ اليهود في جميع النواحي بهذه المناطق، بل إن التاريخ ليؤكد أن أعراب هذه المناطق (عمومًا) ظلوا على وثنيتهم حتى جاء بدين الإسلام فدخلوا فيه جميعًا.
وهذا لا يعني أن أحدًا من الأعراب لم يدن باليهودية على الإطلاق في هذه المناطق، بل ذكر المؤرخون أن هناك أعرابًا دانوا بذلك الدين إلا أنهم قليلون جدًّا بحيث لا يزيدون على اثنين في المائة من مجموع أعراب يثرب وخيبر والمناطق الشمالية التي كان اليهود مستقرين بها. ولهذا فإن اسم زعيم أية قبيلة عربية لم يبرز بين أسماء زعماء اليهود عند ذكر الأحداث المهمة التي تستوجب ذكرهم سواء قبل الإسلام أو بعده، اللهم إلا كعب بن الأشرف الطائي الذي برز ذكره كزعيم من زعماء اليهود، ومرد ذلك ليس
_________________
(١) اللهم إلا ما حدث لبني حشنة بن عكارمة (وهم من بلى) الذين ألجأتهم الظروف إلى اعتناق اليهودية في تيماء، فقد ذكر البكرى في معجمه ج ١ ص ٢٩، أن نفرًا منهم قتلوا عددًا من بنى الربعة ثم فروا إلى تيماء وكانت معقل اليهود قبل الإسلام، فأبت يهود أن يدخلوهم حصونهم حتى يتهودوا ففعلوا اضطرارًا.
[ ٤ / ٥٤ ]
إلى أن قبيلته العربية (قبيلة طي) قد تهودت، وإنما لأن أمه يهودية تزوجها أبوه من بنى النضير فنشأ يهوديًّا بحكم التربية فحسب.
ومما يدل على ضعف أثر اليهودية وعدم انتشارها بين أعراب تلك المناطق، هو أنه لم يكن من الأعراب الذين دانوا باليهودية أي أثر في تدعيم الكيان اليهودى ومناصرة اليهود، لا قبل الإسلام -عندما كان اليهود عرضة لحرب ضروس شنها عليهم الأوس والخزرج بعد هجرتهم من مأرب- ولا بعد الإسلام عندما نشب الصراع المسلح وغير المسلح بين الإسلام واليهود.
ومرد ذلك على ما يظهر إلى أنانية اليهود حتى في مجال الدين الأمر الذي أضعف الرغبة أو أعدمها بالمرة عند هؤلاء اليهود في نشر ديانتهم بين الوثنيين العرب.
والدليل على ذلك أن أي مؤرخ من الذين أرخو للجزيرة العربية لم يذكر أي نشاط دعائى قام به كهان اليهود وأحبارهم لنشر اليهودية بين الأعراب الوثنيين طيلة تلك القرون الطويلة كما يفعل القسيسون من النصارى، حيث كانوا (قبل الإسلام) يتنقلون بين الأعراب لنشر النصرانية في جزيرة العرب قبل الإسلام.
وعادة عدم التحمس لنشر اليهودية بين الآخرين لا تزال ملازمة لجميع الفئات اليهودية حتى هذه اللحظة كما هو مشاهد ملموس، وهذا يعضد ما ذهبنا إليه من أن اليهودية لم يكن لها أي أثر يذكر على العرب الذين عايشوا اليهود الدخلاء في بلادهم طيلة تلك القرون الطويلة، وخاصة في منطقة يثرب وخيبر والشمال.
[ ٤ / ٥٥ ]
أثر اليهودية في اليمن
وإذا كان هناك أمة أو قبيلة عربية قد دانت باليهودية كالحميريين في اليمن، فإن ذلك ليس مرده إلى نشاط أحبار اليهود الواسع في مجال الدعاية لنشر اليهودية، وإنما مرده إلى أن تبع اليمن الثالث (تبان أسعد) وهو وثنى قد ألم بشيء من اليهودية في معرض النصح الذي تقدم به إليه الحبران من بنى قريظة بأن لا يتعرض للمدينة بسوء لأنها ستكون مقر نبي الإسلام المنتظر يوم ذلك محمد - ﷺ - فأعجبه ما سمع منهما فدان باليهودية ثم جعل من نفسه داعية لها، فذهب إلى اليمن ودعا الحميريين إلى اليهودية فدانوا بها (١).
ثم إنه يظهر من سياق المؤرخين لهذه الحادثة أن هذين الحبرين كانا على دين موسى الصحيح بدليل أنهما لم يخفيا ما أخفاه غيرهما من اليهود من أن نبيًّا عربيًّا سيظهر في مكة ويهاجر إلى المدينة التي لذلك حذرا (تبع اليمن) التعرض لعقوبة الله إن هو خرب المدينة كما كان قد قرر واعتزم. فحادثة انتشار اليهودية في اليمن حادثة فردية ليس لها مثيل في تاريخ انتشار اليهودية، وبدليل أن هذين الحبرين المؤمنين (كما يذكر ابن إسحاق) قد أيدهما الله بخوارق عندما ذهبا إلى اليمن مع الملك تبع وناظرًا الوثنيين فيها ودعياهم إلى دين التوحيد ونبذ الوثنية في قصة يطول شرحها (٢).
فحادثة انتشار اليهودية في اليمن حادثة فردية (حدثت على أيدى حبرين لم يكونا منحرفين ولا محرفين كباقى أحبار اليهود الأنانيين)،
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٣ وما بعدها.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٣.
[ ٤ / ٥٦ ]
حادثة فردية ليس لها مثيل في تاريخ انتشار اليهودية وخاصة بعد التحريف والتبديل الذي طرأ على التوراة على أيدى بعض الأحبار في عهود الانحراف.
يهود الجزيرة في نظر غيرهم من اليهود
أما نظرة اليهود الآخرين إلى يهود الجزيرة، فقد كانت نظرة عدم رضا بل كانوا ينظرون إلى يهود الجزيرة العربية كفئة منحرفة ضالة، فقد جاء في تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ٨ (نقلًا عن ولفنسون في كتابه: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص ١٣): أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل عن بقية أبناء دينهم وانفصال، وأن اليهود الآخرين لم يكونوا يرون أن يهود العربية ملكهم في العقيدة، بل رأوا أنهم لم يكونوا يهودًا، لأنهم لم يحافظوا على الشرائع الموسوية، ولم يخضعوا لأحكام التلمود، ولهذا لم يرد عن يهود جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين.
العرب والثقافة اليهودية
لم يرو التاريخ (مطلقًا) شيئًا عن تأثر العرب بالثقافة اليهودية في المناطق التي سيطر عليها اليهود من الجزيرة بالرغم من أنهم كانوا يسيطرون على بعض المناطق (كيثرب وخيبر والشمال) سيطرة تامة عدة قرون طويلة.
بل إن الذي حدث هو العكس وهو أن اليهود، هم الذين تأثروا بالثقافة العربية وتخلوا (على مر العصور) عن كثير من خصائصهم
[ ٤ / ٥٧ ]
الانفرادية التي كانوا يمتازون بها ويحملون أنفسهم على المحافظة عليها محافظة شديدة في أي زمن أو مكان كانوا.
فقد صهرتهم الثقافة العربية بدلًا من أن تصهر ثقافتهم العرب وخاصة في مجال اللغة والشعر والأدب، وحتى الأسماء .. أسماء البطون والقبائل بل والأفراد، لم يقو اليهود على الاحتفاظ بطابعها العبرانى الإسرائيلى كما هي طبيعتهم في أي بلد اجنبي يسكنونه حتى الآن.
فأكثر أسماء الأفراد والبطون والقبائل اليهودية في جزيرة العرب (وخاصة في يثرب وخيبر والشمال) هي أسماء عربية صرفة، إذ لم يبق بين الفخائذ اليهودية في جزيرة العرب فخيذة واحدة يحمل اسمها الطابع الإسرائيلى ما عدا اسم واحد وهو اسم (زاعوراء) في يثرب كما تقدم عند ذكر اسماء القبائل اليهودية في يثرب.
أما الأسماء، فيفى للدلالة على صحة ما تقول هو أنه حتى أسماء أحبار اليهود وزعمائهم لم تستطع الاحتفاظ بملامحها العبرانية، فكل أسماء هؤلاء الأحبار والزعماء تحمل الطابع العربي الصرف، سلام بن مشكم، وسلام بن أبي الحقيق، وأبي عامر الراهب، وعبد الله بن صيفى، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف، والزبير بن باطا. وكل هؤلاء يهود إسرائيليون، لم يقل أحد من المؤرخين أنهم عرب تهودا. ولو كانوا كذلك لأوضحه المؤرخون كما فعلوا عندما أكدوا عروبة كعب بن الأشرف اليهودى وأنه من قبيلة طي العربية.
وهذا يعني بالتأكد، أن اليهود الإسرائيليين هم الذين تأثروا بالثقافة العربية، حيث طغت هذه الثقافة في جميع المجالات على
[ ٤ / ٥٨ ]
الثقافة اليهودية، حتى اللغة صارت (بالنسبة لهؤلاء اليهود) هي اللغة الرئيسية، لغة التخاطب لا فيما بينهم وبين العرب، بل فيما بين اليهود أنفسهم، أما اللغة العبرانية فقد استحالت إلى لغة ثانوية حيث حصرت في نطاق ضيق وهو نطاق دينهم فحسب. لا يجيديها غير كهانهم وأحبارهم، أما عامتهم فما كانوا يعرفون غير العربية، فلم يرد في شيء من كتب التاريخ أنهم كانوا يتحادثون باللغة العبرية ولو كانوا كذلك لذكره المؤرخون.
الشعراء اليهود
وبحكم صهر الثقافة العربية لهولاء اليهود وطغيانها على ثقافتهم طيلة قرون عديدة نسوا كيانهم الثقافى وأصبحوا (وهذا خاص برهبانهم فقط) لا يجيدون من الثقافة اليهودية غير لغة الدين، فأصبح طابعهم في مجال الفكر والشعر (مثلًا) لا يختلف عن الطابع العربي.
وبحكم البيئة العربية ابتلعهم خضم ثقافتها. نبغ بين هولاء اليهود شعراء مجيدون لا يختلفون في طابعهم العربي وجزالة إنتاجهم الشعرى عن كبار فحول الشعراء العرب الأصليين.
السموأل بن عاديا
ومن أبرز هؤلاء الشعراء اليهود السموأل بن عاديا الذي سارت بشعره الركبان، وهو من يهود تيماء في الشمال، وهو صاحب الحصن الأبلق والمشهور بالوفاء، ومن شعره تلك القصيدة اللامية المشهورة إلى صار كثير من أبياتها أمثالًا تضرب:
[ ٤ / ٥٩ ]
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حُسن الثناء سبيل
ومنها:
تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
ومن شعر السموأل الجزل أيضًا قوله:
أعاذلتى ألا لا تعذلينى فكم من أمر عاذلة عصيت
دعينى وارشدى إن كنت أغوى ولا تغوى زعمت كما غويت
أعاذل قد أطلت اللوم حتى لو أنى منته لقد انتهيت
وحتى لو يكون فتى أناس بكى من عدل عاذلة بكيت
وصفراء المعاصم قد دعتنى إلى وصل فقلت لها أبيت (١)
وللسموأل شعر جزل آخر ليس هذا تفصيله فليطلبه في مظانه من يريده.
أخو السموأل سعية
وللسموأل أيضًا أخ شاعر مجيد وهو سعية بن عريض بن عاديا، فمن شعره الجيد قوله:
_________________
(١) الأغانى ج ١٩ ص ٢٠١.
[ ٤ / ٦٠ ]
يا دار سعدى بمفضى تلعة النعم حبيت دارًا على الإقواء والقدم
عُجنا فما كلمتنا الدار إذ سُئلت وما بها عن جواب خلت من صمم
وما بجزعك إلا الوحش ساكنة وهامدُ من رماد القدر والحمم
ومن روائع شعر هذا اليهودى سعيةُ بن عريض قوله:
إنا إذا مالت دواعى الهوى وأنصت السامع للقائل
واصطرع القوم بألبابهم نقضى بحكيم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقًّا ولا نلظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا فنخمل الدهر مع الخامل
وسعية بن عريض أخو السموأل هو القائل:
أرى الخلان لما قل مالى وأجحفت النوائب ودعونى
فلما أن غنيت وعاد مالى أراهم لا أبا لك راجعونى (١)
أوس بن دنن القرظي
ومن شعراء اليهود المجيدين في يثرب أوس بن دنن، وهو من بنى قريظة. فمن شعره قوله:
أنى تذكر زينب القلب عزيزة صعب وطلاب وصل
ما روضة جاء الربيع لها موشية ما حلوها جدبُ
بألذ منها إذ تقول لنا سيرًا قليلًا يلحق الركبُ
_________________
(١) الأغانى ج ١٩ ص ٢٠٨.
[ ٤ / ٦١ ]
ومن شعره الذي عندما دعته زوجته التي أسلمت إلى الإسلام قوله:
دعتنى إلى الإسلام يوم لقيتها فقلت لها، لا بل تعالى تهودى
فنحن على توراة موسى ودينه ونعم لعمرى الدين دين محمد
كلانا يرى أن الرسالة دينه من يهد أبواب المراشد يرشد (١)
أبو الزناد اليهوي
ومن شعراء اليهود اليثربيين أبو الزناد الذي من شعره قوله:
هل تعرف الدار خف ساكنها بالحجر فالمستوى إلى ثمد
دار لبهانة خدلجة تضحك عن مثل جامد البرد
يا من لقلب متيم سدم عان رهين أُحيط بالفَقَد
أزجرُهُ وهو غير مزدجر عنها وطرفى مقارن السهد
تمشى الهوينا إذا كما مشت فضلا مشى النزيف المبهور في صعد
سارة القرظية
ومن نساء اليهود الشاعرات المجيدات سارة القرظية لها شعر جزل
_________________
(١) الأغانى ج ١٩ ص ٢٠٠.
[ ٤ / ٦٢ ]
من قولها ترثى قومها بنى قريظة بعد أن أوقع بهم الملك الغساني أبو جبيلة الذي سبق ذكره:
بنفسى أمة لم تغن شيئًا بذي حرض تعفيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتها سيوف الخزرجية والرماح
رزئنا والرزية ذات ثقل يمر لأهلها الماء القراح
ولو أربوا بأمرهم لحالت هنالك دونهم جأوى رداح
وفي اليهود شعراء مُجيدون آخرون ذكرهم الجمحى في طبقات الشعراء، وأبو حيان في الصداقة والصديق. والبحترى في الحماسة منهم الربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران، وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد، وقد أضربنا عن إيراد نماذج من أشعارهم هنا لضيق المجال إذ المقصود البرهنة (فحسب) على تأثر اليهود بالثقافة العربية إلى حد الانصهار ونسيان كيانهم الثقافى.
[ ٤ / ٦٣ ]
الفصل الثاني
* موجز تاريخ اليهود بعد الإسلام في جزيرة العرب.
* موقفهم من الإسلام عند ظهوره.
* مراحل الصراع الحربي السياسي بين المسلمين واليهود في الجزيرة.
اليهود بعد الإسلام
عندما جاء النبي - ﷺ - مهاجرًا إلى المدينة .. كان اليهود قد استعادوا جانبًا كبيرًا من سيطرتهم المادية ونفوذهم السياسي الذي كانوا يعتمدون لاستعادته على تفرق قبائل الأوس والخزرج وكثرة الحروب الأهلية الطاحنة التي اشتهر بخوضها الأوس والخزرج (قرونًا طويلة) دون سائر العرب.
فقد كان هؤلاء اليهود .. منذ انهدام سلطانهم وتحطمت قوتهم العسكرية على أيدى الأوس والخزرج أيام مالك بن العجلان في أوائل القرن الميلادي- يعملون، بما يجديون من وسائل المكر والدس، لبسط نفوذهم من جديد على منطقة يثرب، ليصبحوا سادتها كما كانوا قبل وصول القبائل اليمنية (الأوس والخزرج) من مأرب إلى المدينة. إلا أنه مما حمى الله به يثرب من هذه السيطرة أن انقسم هؤلاء اليهود على أنفسهم وصاروا يقاتلون بعضهم بعضًا.
[ ٤ / ٦٥ ]
ولما ظهر النبي - ﷺ - ودعا إلى الإسلام شرق اليهود بهذا الدين فناصبوه العداء لأنهم يرون في أنتشاره تحطيمًا لآمالهم التوسعية وتقليصًا لظل سلطانهم السياسي والمالى الذي بدأ يلف بجناحيه المنطقة اليثربية من جديد.
لذلك صاروا (منذ اللحظة الأولى) يقاومون هذا الدين وينشرون ظلالًا من الشكوك حول صدق دعوة حامله محمد - ﷺ - بالرغم من أن ظهور النبي - ﷺ - لم يكن مفاجأة لهؤلاء اليهود (وخاصة أحبارهم وكبار مثقفيهم).
فقد كان هؤلاء اليهود يعلمون -مما عندهم في التوارة- أن الله تعالى سيبعث نبيًّا من العرب في ناحية مكة، وكانوا- قبل ظهور الإسلام - يلقنون صبيانهم في المدارس والمعابد خبر هذا النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة.
بل إن هؤلاء اليهود كانوا- إلى ما قبل ظهور النبي - ﷺ - يجاهرون سكان المدينة، بل وينذرونهم -وخاصة إذا ما نالوهم بأذى- بأن نبيًّا سيبعث قريبًا، وأنهم سيكونون معه، وسينتقمون منهم، وسيأخذون ثاراتهم عن طريق الإيمان به واتباعه.
ولكن هؤلاء اليهود -عندما ظهر النبي - ﷺ - بدلًا من أن يؤمنوا به وقد عرفوا أنه النبي الذي كانوا يبشرون به- صاروا من أعدائه وأشد المقاومين لدعوته والمكذبين بها بغيًا وحسدًا، فشقوا وسعد غيرهم من أهل المدينة ممن كانوا يسمعون تكرار تبشيرهم بقرب خروج هذا النبي الكريم.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من
[ ٤ / ٦٦ ]
قومه قالوا .. إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور.
فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسوله - ﷺ - أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فأمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
حديث اليهود عن نبوة محمد - ﷺ -.
وذكر ابن إسحاق بسنده عن سلمة بن سلامة بن وقش (وكان من أصحاب بدر)، قال: كنا لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال .. فخرج علينا يومًا من بينه حتى وقف علي بنى عبد الأشهل -قال سلمة وأنا يومئذ من أحدث من فيهم سنًّا، على بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي- فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، قال .. فقال ذاك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت.
[ ٤ / ٦٧ ]
فقالوا له: ويحك يا فلان، وترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال نعم.، والذي يحلف به، ولوَدَّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تَنّور في الدار يحمونه ثم يدخلونه فيطينونه عليه، بأن ينجو من للك النار غدًا.
فقالوا له .. ويحك يا فلان، فما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة واليمن، فقالوا .. ومتى تراه؟ قال .. فنظر إلي -وأنا من أحدثهم سنًّا- فقال .. إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة .. فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدًا رسوله - ﷺ - وهو (أي الحبر اليهودى) حيّ بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا، قال .. فقلنا له، ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال بلى ولكنه ليس به -أي ليس هو.
ولكن هؤلاء اليهود إذا كان الحسد والجحود والبغى قد قاد أكثرهم إلى أن ينكروا الحق الذي كانوا يعرفونه -وقد كانت أمانة العلم تقضى عليهم بأن يعلنوا هذا الحق ويكونوا من أنصاره- فإن رجالًا منهم قد أنار الله بصائرهم فسارعوا إلى إتباع الحق الذي جاء به محمد - ﷺ - وكانت هذه المسارعة من هولاء النفر حصيلة ما كانوا يسمعون من علمائهم عن قرب هذا النبي الكريم، وما كانوا يحفظون من الصفات التي كان يصفه بها أولئك العلماء والتي وجدوها تنطبق عليه كما وصفوه تمامًا عندما بعثة الله تعالى.
ولنستمع إلى أحد هؤلاء اليهود الذين من الله عليهم فأسلموا "نتيجة
[ ٤ / ٦٨ ]
ما كانو يسمعون من أحبارهم من دعوة إلى اتباع النبي محمد - ﷺ -، قبل أن يبعثه الله".
وهذا اليهودى (سابقًا) هو أحد شيوخ بنى قريظة .. فقد حدث عاصم بن عمر بن قتادة قائلًا له (كما رواه ابن إسحاق): أتدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد وأسد بن عبيد (١) -نفر من بنى بهدل إخوة بنى قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام- قال .. قلت .. لا والله، قال .. فإن رجلًا من يهود أهل الشام، يقال له ابن الهيبان، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا قط رجلًا يصلى الخمس أفضل منه.
فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له .. أخرج يابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول .. لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له كم؟ فيقول صاعًا من تمر .. أو مدين من شعير قال .. فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى الله لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غيره مرة ولا مرتين ولا ثلاث.
قال .. ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال .. يا معشر يهود، ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال .. قلنا .. إنك أعلم.
قال .. فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف (أي أنتظر) خروج نبي قد أظل (أي أشرف وقرب) زمانه، وهذه البلدة (أي المدينة) مُهاجرى
_________________
(١) سيأتي تفصيل قصة إسلام هولاء الفتيان من اليهود عند ذكر محاصرة النبي - ﷺ - ليهود بنى قريظة في هذا الكتاب.
[ ٤ / ٦٩ ]
فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلَّكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبى الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله - ﷺ - وحاصر بنى قريظة، قال هؤلاء الفتية -وكانوا شبابًا أحداثًا- .. يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا .. ليس به، وقالوا (أي الشباب) .. بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم.
وهكذا فإن اليهود بالرغم من استيقانهم أن محمدًا - ﷺ - نبي مرسل، قد شرقوا بالإسلام وصمموا -منذ اللحظة الأولى- على مقاومته والعمل على شل حركته حسدًا وبغيًا.
وأنا أخالف أولئك الرجال من كتابنا الذين يقولون في بعض مؤلفاتهم إن اليهود رحَّبوا بالنبي - ﷺ - وأحسنوا استقباله وألقوا إليه بالمودة وتقربوا منه باعتباره عدوًا للوثنية وحاملا لدين هو ودين موسى من معين واحد.
فهذا الزعم ليس له في مصادر التاريخ أي شيء يسنده، فلم يثبت أن هؤلاء اليهود قاموا نحو النبي - ﷺ - منذ وصوله المدينة، بأي شيء يمكن تسميته حفاوة أو مودة أو تكريمًا.
بل الثابت في أسفار التاريخ (بالنسد الصحيح) أن هؤلاء اليهود قد نزل بهم من الغم -لوصول النبي محمد - ﷺ - إلى يثرب- أمر عظيم كادت له أن تذهب نفوسهم، فقد قابلوا نزول النبي أرض المدينة بالامتعاض الشديد وأعلنوا كرههم له وانطووا على بغضه وأضمروا الكيد
[ ٤ / ٧٠ ]
له ولدينه منذ اللحظة الأولى التي حلَّ فيها بين الأنصار في المدينة.
كيف جحد اليهود الحق بعد معرفته
فهذان حبران من أكبر أحبار اليهود في المدينة، ومن الذين كان المفروض فيهم أن يستبشروا بقدوم النبي - ﷺ - ويقابلوه بالترحاب ويعلنوا الإيمان بدعوته لتأكدهم من أنه هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، هذان الحبران وهما حُيى بن أخطب -الذي حشد الأحزاب فيما بعد، وقاد أكثر من عشرة آلاف مقاتل من مختلف قبائل العرب لإبادة المسلمين في المدينة- وأخوه ياسر قد عصفت بقلوبهما رياح الحسد وحملا للنبي - ﷺ - فور وصوله المدينة- من الحقد والبغض ما لا يستطيع حمله إلا قلب مثل قلبيهما الخبيثين. لاسيما بعد أن تأكدا لدى مقابلتهما محمدًا أن أوصاف النبي الموعود التي يجدونها عندهم في كتبهم تنطبق عليه تمامًا.
قال ابن إسحاق .. وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال .. حُدِّثتُ عن صفية بنت حيى بن أخطب أنها قالت .. كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمى ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذانى دونه، قالت .. فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف. غدا عليه أبي حيى بن أخطب وعمى ياسر بن أخطب مغلسين، قالت .. فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت .. فأتيا كاليَّن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله مالتفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت .. وسمعت
[ ٤ / ٧١ ]
عمى ياسر يقول لأبي حيى بن أخطب:
أهو، هو؟ (يعني النبي - ﷺ -).
قال .. نعم والله.
قال أتعرفه وتثبته؟ .
قال نعم.
قال .. فما في نفسك منه؟ .
قال عداوته ما بقيت أهـ.
وفعلًا فإن هذا اليهودى الخبيث ظل (وهو سيد بنى النضير في عصره) العدو اللدود رقم واحد للنبي - ﷺ - ودينه .. ظل طيلة حياته يحيك المؤمرات والدسائس ضد النبي - ﷺ -، ويعمل جاهدًا للقضاء عليه.
فعندما كان يقيم في المدينة دبر (بالاتفاق مع قومه) مؤامرة لاغتيال النبي - ﷺ -، فكان اكتشاف هذه المؤامرة قبل وقوعها من أكبر أسباب إجلاء يهود بنى النضير عن المدينة.
وما غزوة الأحزاب التي كاد كيان الإسلام أن يهدم بسببها إلا نتيجة لمساعى هذا اليهودى الشريرة، ومن على شاكلته من زعماء اليهود الذين تفرقوا وفودًا يطوفون بمضارب البدو، وخيامهم في مختلف القبائل يحشدون الجيوش لسحق المسلمين في عاصمة دولتهم المدينة، هذه المساعى التي نتجت عنها غزوة الأحزاب المفزعة المرعبة التي انتهت (ولله الحمد) باندحار الأحزاب، ودفع حُيي بن أخطب هذا رأسه ثمنًا لخيانته، حيث نفذ فيه حكم الإعدام في المدنية مع تسعمائة مقاتل من خونة بنى
[ ٤ / ٧٢ ]
قريظة كما سنفصله فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
بدء المقاومة اليهودية للإسلام
لقد بدأ اليهود -منذ اللحظة الأولى التي حل فيها النبي بالمدينة يقاومون الإسلام ويرجفون ضده ويحاولون نشر ظلال من الشكوك حوله لينفر الناس منه ويبتعدوا عن حامل رسالته.
وكانت هذه المقاومة (بادئ الأمر) على شكل أسئلة محرجة يتقدمون بها إلى النبي - ﷺ - يتعنتونه بها ليوجدوا عن طريقها نوعًا من اللبس والغموض حول صدق النبي - ﷺ - في ما يدعو إليه، بغية تشكيك الناس فيه فلا يستجيبون له: بل ولا يستمعون إليه.
بل إن هؤلاء اليهود بلغ بهم الكيد للإسلام والحرص على وقف تيار دعوته أن رسموا مخططًا محكمًا لمقاومته وفض الناس من حوله، وبموجب هذا المخطط اليهودى دخل البعض منهم في الإسلام (ظاهرًا) وهو على كفره في الباطن وذلك ليتسنى لهم أن يعملوا (بحرية) على آخر الأمر إلى محاولة اغتيال رأس الدعوة الإسلامية محمد - ﷺ -، ومقاومتها بحد السلاح كما حدث من بنى قينقاع بعد معركة بدر، وبنى النضير بعد معركة أُحُد.
نموذج من تشكيك اليهود وتلبيسهم
لقد كان اليهود (أول الأمر) يستغلون (كجزء من مقاومتهم) حوادث معينة لتشكيك الناس في نبوة محمد - ﷺ -.
[ ٤ / ٧٣ ]
ضلت (مرة) ناقة رسول الله - ﷺ - فذهب بعض الصحابة للبحث عنها فقال زيد بن اللصيت (وهو يهودى تظاهر بالإسلام) ساخرًا من النبي - ﷺ - ومن نوبته .. يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، يريد بذلك تصديع مراكز اليقين في نفوس الذين آمنوا بالله ورسوله.
ولما بلغ النبي - ﷺ - ما قال هذا اليهودى، قال .. إني قائلًا قال يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، ولا يدرى أين ناقته؟ إن والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها (١)، فهي في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال الرسول - ﷺ - وكما وصف، فجاءت نتيجة سخرية هذا اليهودى (المتظاهر بالإسلام) عكس ما يريد إذ ازداد الناس إيمانًا بصدق نبيهم - ﷺ -.
اليهود وصرف القبلة عن الشام
وعندما صرفت القبلة عن الشام إلى مكة، استغل اليهود هذا
_________________
(١) انظر إلى أي مدى بلغ الأدب النبوى الرفيع في مناظرة هؤلاء المرجفين الضالين أنه ﷺ لم يزمجر ولم يخرج عن حدود الوقار والاعتدال عند سماع هذا الطعن الصريح في صدق نبوته من هذا اليهودى الخبيث المتستر بالإسلام ولم يأمر باعتقاله أو سجنه بل لم يذكر اسمه حيث قال - ﷺ - لدفع ذلك الطعن إن قائلا قال يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء الخ، ألا ما أعظم هذا الخلق النبوى الرفيع والأدب الذي دونه كل أدب وصدق الله العظيم إذ يقول في حق هذا النبي الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فإلى الشباب المسلم نسوق أمثال هذه الروائع من الأدب النبوى لتكون لهم نبراسًا في هذه الحياة يسيرون على هديه.
[ ٤ / ٧٤ ]
الحادث وقاموا بمناورات خبيثة هدفها زعزعة إيمان الناس بالدين الجديد، بل ومحاولة فتنة النبي - ﷺ - نفسه ليعصى أمر ربه.
فقد جاءه نفر من زعمائهم "رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو بن الأشرف، وكنانة بن الربيع وغيرهم" وقالوا .. يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ إرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وإنما يريدون بذلك فتنتة عن دينه، فلم يستجب لهم النبي - ﷺ - ففسدت مناورتهم الخبيثة ثم أنزل الله تعالى في هذه الحادثة.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا﴾ (الآيات) إلى آخر قوله تعالى ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
ولقد كان هؤلاء اليهود (في إرهاقهم النبي - ﷺ - وإعناته بالأسئلة وإثارة الشبه) على غاية من المكر واغتنام الفرص التي يظنون أنها تشد من باطلهم.
حاولوا (مرة) أن ينتزعوا من النبي - ﷺ - على حين غفلة شهادة بأنهم على الحق بنص القرآن، فتقدموا إليه - ﷺ - بهذا السؤال فقالوا .. يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ .
قال .. بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم، فقالوا (والمغالطة تقودهم) فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله تعالى فيهم:
[ ٤ / ٧٥ ]
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وكانت تبلغ بهؤلاء اليهود القحة (أحيانًا) إلى أن يكذبوا على النبي - ﷺ - صراحة لينفروا الناس عنه وعن دينه.
فقد عقد - ﷺ - مجلسًا حضره أحبار من يهود المدينة ونصارى نجران، ولما دعاهم إلى الإسلام قال أحد زعماء اليهود (مفتريًا)، أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وهنا تحرك أحد رهبان نجران واتجه بالسؤال إلى النبي - ﷺ - قائلًا .. أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال النبي - ﷺ - .. معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله، ولا أمرنى، أو كما قال:
وفي تعنتهم بالأسئلة سألوه - ﷺ - حتى عن الساعة التي لا يعلمها إلا الله بغية تشكيك الناس في صدق دعوته، فقد سأله جبل بن أبي قشير وشمويل بن زيد قائلين .. يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول؟ فأجابه القرآن على هذا السؤال المحرج حيث أنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ (٢).
وكثرت مناظرات هؤلاء اليهود للنبي - ﷺ - التي يقصدون (عبثًا) إقحامه
_________________
(١) المائدة: ٦٨.
(٢) الأعراف: ١٨٦.
[ ٤ / ٧٦ ]
لينفض الناس من حوله، فبلغ بهم السفه إلى أن يطلبوا من النبي - ﷺ - ما ليس في مقدوره ليوهموا الناس أنه ليس بنبي.
فقد حضرت (مرة) مجموعة من أحبارهم لمناظرة النبي - ﷺ - فقالوا أحق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله، فإنا لا نراه متسقًا كما تتسق التوراة؟ .
فقال لهم .. أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة، فغيروا مجرى الحديث وسألوه (في سخرية) .. أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟ فقال لهم .. أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، وإني لرسول الله تجدونه ذلك مكتوبًا عندكم في التوراة، فغيروا مجرى الحديث مرة أخوى (للإعنات فحسب) فقالوا .. يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابًا من السماء نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ما تأتى به، فأخرسهم الله حيث أنزل على نبيه - ﷺ - قوله تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). واجتمع بهم الرسول - ﷺ - في معهد من معاهد علمهم (يقال له بيت المدارس) فدعاهم إلى الله، فقال له حبران من أحبارهم .. على أي دين أنت يا محمد قال .. على ملة إبراهيم ودينه، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًّا فقال لهم - ﷺ - .. فهلم إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه.
فأنزل الله تعالى فيهما ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ
_________________
(١) الإسراء: ٨٨.
[ ٤ / ٧٧ ]
يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١).
تعنت اليهود وحلم النبي - ﷺ - عليهم
وقد اشتط اليهود في حربهم الجدلية مع الرسول - ﷺ - وتمادوا في تعنتهم، وبالغوا في إيذاء الرسول - ﷺ - نفسيًا، إلى درجة أثاروا معها غضبه، فثاورهم وباطشهم من شدة الغضب لله تعالى، لشدة وقاحتهم واستفزازاتهم بالأسئلة الوقحة المحرجة ألتى لا تعنى شيئًا سوى الإعنات والتنكيد والتأثير على نفوس البسطاء وتشكيكهم ليبتعدوا عن النبي - ﷺ - ويزهدوا في دعوته.
أتاه مرة رهط من هؤلاء اليهود، ققالوا له .. يا محمد هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله، فغضب رسول الله - ﷺ - حتى انتقع لونه ثم ساورهم غضبًا لربه، قال ابن إسحاق .. فجاءه جبريل - ﵇ - فسكنه، فقال .. خفض عليك يا محمد، ثم نزل الجواب على هذا السؤال الخطير المحرج من السماء ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢).
فلما تلا عليهم هذا الجواب المُسكت الذي نزل به القرآن، سدروا في تعنهم وأوغلوا في عبثهم واستهتارهم .. صف لنا يا محمد، كيف ذراعه؟ كيف عضده؟ فغضب الرسول - ﷺ - أشد من غضبه الأول وساورهم (أي باطشهم من شدة الغضب) فأتاه جبريل فقال له .. مثل مقال له أول مرة
_________________
(١) آل عمران: ٢٣.
(٢) الإخلاص.
[ ٤ / ٧٨ ]
ثم تلا عليه الجواب المسكت على السؤال المعنت فتلاه - ﷺ - وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
اليهود يسبون الله
وقد بلغ باليهود الحقد المقود بالكفر إلى أن يسبوا الله تعالى ويسخروا من القرآن الكريم، فقد جاء مرة أبو بكر الصديق إلى بيت المدارس (أحد معاهد اليهود الدينية في المدينة). فوجد فيه عدة من علمائهم يلقون الدروس على أبناء ملتهم، وكان بينهم حبر كبير يعرفه أبو بكر الصديق اسمه (فنحاص) فقال له أبو بكر (يدعوه إلى الله في رفق ولين): ويحك يا فنحاص إتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدًا لرسول الله، قد جاءكم من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل.
فقال فنحاص: (في جرأة ووقاحة ما بعدها وقاحة) .. والله يا أبا بكر ما بينا إلى الله من فقر، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغنى، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر لهذا القول الفاحش، ثم ضرب وجه ذلك الحبر اللعين ضربًا شديدًا، وقال .. والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك أي عدو الله.
_________________
(١) الزمر: ٦٧.
[ ٤ / ٧٩ ]
ولما كان العهد قائمًا بين المسلمين واليهود جاء الحبر فنحاص إلى النبي - ﷺ - وشكا أبا بكر فحقق الرسول - ﷺ - في الأمر، فلم ينكر الصديق ما صنع، وأبلغ الرسول - ﷺ - بمقالة اليهودى تلك والتي من أجلها ضربه، فأنكر اليهودى أنه قال: "إن الله فقير" فأنزل الله تعالى ردًّا على فنحاص وتصديقًا لأبي بكر - ﵁ - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، الآية (١).
وكجزء من الحرب الباردة الواسعة العنيفة التي يشنها اليهود على الإسلام ونبي الإسلام في المجتمع اليثربى، كان هؤلاء اليهود ينددون ويشهرون (علنا) بمن هداه الله منهم للإسلام وينالون منه لئلا يتأثر أحد به فيسلم، فعندما أسلم عبد الله بن سلام (وهو من أحبارهم) وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وغيرهم من يهود، قام اليهود في المدينة بحملة تشهير ضدهم، وذهب الأحبار الكفرة في الأوساط اليهودية والمنافقة يقولون .. ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٢).
مساومة الرسول لفتنته
بل لقد بلغت بهم الجرأة إلى مساومة الرسول - ﷺ - في رسالته، فحاولوا إغراءه ليكذب على الله فيكونوا له أتباعًا، فقد تباحث أربعة من
_________________
(١) آل عمران: ١٨١.
(٢) آل عمران: ١١٣.
[ ٤ / ٨٠ ]
أحبارهم في أمره وهم (كعب بن أسد وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس) فقال بعضهم لبعض .. إذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه، فقالوا له .. يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم وأنا إن تبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك، ولكن الرسول - ﷺ - رفض هذه المساومة السخيفة وردهم خاسئين.
وقد أنزل الله في هذه المحاولة اليهودية الرخيصة: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (١).
محاولة اليهود بعث الروح الجاهلية بين القبائل
وبالإضافة إلى إعنات الرسول - ﷺ - والافتراء عليه ومحاولة تشكيك الناس في صدقه كان هؤلاء اليهود يحاولون (ما وسعهم) بث الفتنة بين أتباعه من الأوس والخزرج، والعودة بهم إلى فوضى الجاهلية بإثارة النعرات القبلية القديمة التي كانت ملتهبة بين هاتين القبيلتين، والتي قام عليها الوجود اليهودى واستقر في يثرب، وهدفهم من هذا أن تفشل الدعوة الإسلامية في جمع كلمة العرب فيتهاوى بنيان النظام الوليد الجديد.
_________________
(١) المائدة: ٤٩.
[ ٤ / ٨١ ]
فقد مر أحد أحبار اليهود وهو شماس بن قيس، وكان عظيم الكفر شديد الحقد والضغن على المسلمين، مر على نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأوس والخزرج، فغاظ ما رآهم عليه من ألفة ومحبة -وهم الذين كانوا إلى عهد قريب- لا يلتقون إِلا في معركة تسيل فيه الدماء وتزهق فيها الأواح، فيكون عليهم (سويًا) الغرم ولليهود الغنم .. غاظ هذا اليهودى المجرم اجتماع هذين الحيين على الإسلام فأفصح عن تخوفه على الوجود اليهودى من هذا الاجتماع، لأن بقاء هذا العنصر الغريب الدخيل على الأرض العربية إنما هو مرتهن ببقاء الأوس والخزرج (كما كانوا في الجاهلية) متقاطعين متحاربين.
ولهذا قال هذا اليهودي -لما رأى الملأ من الأوس والخزرج مجتمعين متحابين في رحاب الإسلام-: قد اجتمع بنوقيلة (١) بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم- إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار.
وهنا أمر أحد الشباب اليهود بأن يندس بين أولئك النفر وكلفه بأن يبذر بذور الفتنة بينهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، لعلهم يختلفون وتثور الحرب الجاهلية بينهم من جديد فتصاب الدعوة الإسلامية بانتكاسة ويتقوى جانب اليهود.
فقد قال ذلك الحبر اليهودى لذلك الشاب .. إعمد إلى هؤلاء فاجلس معهم، ثم أمره بأن يضرب على أدق وتر حساس في تاريخ هاتين القبيلتين الجاهلى، له ذكرى مثيرة أليمة في نفوسهم (وخاصة الخزرج) أمره أن يحدثهم عن يوم بعاث الشهير، وهو يوم دارت فيه رحى معركة طاحنة بين الأوس والخزرج، كاد فيه الأوس يبيدون
_________________
(١) يعبر دائمًا عن الأوس والخزرج ببنى قيلة.
[ ٤ / ٨٢ ]
إخوانهم من الخزرج حيث كان النصر لهم عليهم فيه، وذلك قبيل الإسلام، وهي آخر مآسى الحرب الأهلية التي كانت تدور في الجاهلية باستمرار بين هاتين القبيلتين.
نجاح اليهود في إثارة الحرب الأهلية
وفعلا نفذ هذا الشاب اليهودى رغبة الحبر المجرم، وانضم إلى مجلس الأوس والخزرج (إياه) وشارك معهم في الحديث ثم جرهم (بأسلوب يهودى ماكر خبيث) إلى ذكر يوم (بعاث)، فأخذت بوادر التحزيب والفتنة تظهر في المجلس، فسارع اليهودى (إياه) إلى إذكاء نيرانها حيث أنشدهم بعض ما قيل من أشعار حماسية مثيرة في يوم بُعاث، فظهرت الفتنة جلية واضحة في المجلس وتلاحى الحيان، وأخذ رجال كل منهما يساور الآخر ويفاخر وينازعه، وتحول الجدال إلى ما هو أخطر منه، حيث وقف أحد زعماء الخزرج (متحديًا) وقال للأوس .. إن شئتم رددناها جذعة يعني (الاستعداد لإحياء الحرب وقالوا .. موعدكم الظاهرة (والظاهرة الحرة) ثم أعلن النفير في القبيلتين فأخذ كل سلاحه وتوجه للحرب إلى المكان المحدد.
الرسول ينقذ الموقف
وكاد اليهود ينجحون في بلوغ أهدافهم الخبيثة لولا عناية الله
[ ٤ / ٨٣ ]
تعالى، إذ بلغ النبي - ﷺ - نبأ هذا الحدث الخطير فسارع - مع المهاجرين - بالخروج إلى المكان الذي اتعدوا فيه للحرب فوجدهم يحتشدون كل قبيلة في ناحية، فعمل بما أتاه الله من حكمة على إخماد هذه الفتنة الخطيرة.
حيث وقف بين القبيلتين خطيبًا قائلًا .. يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم؟؟ . وهنا عاد إلى الفريقين رشدهم وأدركوا أنها مكيدة يهودية فأغملوا سيوفهم ونكسوا رماحهم، ثم استرجعوا وبكوا وأخذ الرجال من القبيلتين يعانق بعضهم بعضًا.
إحباط فتنة اليهود
وبهذا أحبط النبي - ﷺ - مساعى اليهود الخبيثة وردهم على أعقابهم خائبين بعد أن كادت تنجح دسائسهم ومؤامراتهم التي تستهدف تمزيق وحدة المسلمين الوليدة.
ولم يترك اليهود وسيلة يظنونها تنال من دين محمد - ﷺ - وتجعل الناس ينفضون من حوله ويتركوه وحيدًا إلا اتبعوها مهما كان فيها من السخف والتناقض، اجتمع (مرة) بعض أحبارهم - وقد أعيتهم الحيل وأقض مضاجعهم تزايد دخول العرب في الإسلام - فقال عبد الله بن صيف وعدى بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض .. تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم
[ ٤ / ٨٤ ]
لعلهم يصنعون كما نصنع ويرجعون عن دينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١).
ولقد أغرى اليهود موقف الحلم والصبر الذي يقفه النبي - ﷺ -، إزاء تعنتاتهم واستفزازاتهم ومحاولاتهم الصد عن دين الإسلام وتفريق كلمة المسلمين والإطاحة بالعهد الجديد، فازدادوا في أذاهم وتوسعوا في ميدان الكيد إلى درجة صاروا معها يسخرون من النبي - ﷺ - فيدعون عليه وعلى أصحابه بالموت (في صيغة التحية التقليدية) فكانوا إذا مروا بمجلس فيه رسول الله - ﷺ - يقولون (بدل السلام عليكم): السام عليكم، وهي كلمة تعنى الموت لكم، فيحتمل - ﷺ - كل هذا، ثم يأمر أصحابه بأن إذا قال اليهود (السام عليكم) أن لا يزيدوا في الرد على قوله (وعليكم).
وقد اشتط اليهود في جحودهم وصاروا ينكرون في كل مجلس أن يكون ذكر النبي محمد - ﷺ - قد جاء في شيء من كتبهم وأن جميع أحبارهم لا يعرفون شيئًا من هذا القبيل.
حبر من اليهود بفضحهم
غير أن أحد أحبارهم الكبار المعظمين بينهم فضحهم في مجلس عام في المدينة، وأثبت للناس تناقضهم وأنهم ليسوا إلا مشاغبين يريدون أن
_________________
(١) آل عمران: ٧٢.
[ ٤ / ٨٥ ]
ينكروا الحق الذي عرفوه، بغيًا وحسدًا، فأسقط هذا الحبر بما صنع آخر ما تبقى لهولاء الأحبار في نفوس الناس من احترام.
وهذا الحبر هو عبد الله بن سلام (كان من أحبار يهود بنى قينقاع) هداه الله للإسلام، ولما كان عالمًا بطبيعة الدس والكذب والخديعة والافتراء المتأصلة في نفوس أحبار اليهود الذين هم مصدر الإعنات والإيذاء وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الجديدة داخل المجتمع اليثربى، أحب أن يسدى للدعوة الإسلامية خدمة عظيمة يقلل بها هن أهمية إرجافات هؤلاء الأحبار ضد نبي الإسلام، وتخرصاتهم على دين الإسلام، وذلك بإدانة هؤلاء اليهود (أمام الملأ) بالكذب والنفاق والتناقض.
ولكي يحقق هذا الغرض - وبعد أن أسلم على يد النبي - ﷺ - طلب تأخير إعلان إسلامه حتى يجتمع بهؤلاء الأحبار في مجلس عام.
فبعد أن أسلم قال للنبي - ﷺ - .. لقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عنى قبل أن يعلموا أنى أسلمت، فإنهم إن يعلموا أنى أسلمت قالوا في ما ليس فيَّ.
فأرسل إليهم النبي - ﷺ - فلما دخلوا عليه قال لهم .. يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقًّا وأنى جئتكم بحق فأسلموا، قالها لهم (ثلاثًا)، فأنكروا (كعادتهم) وقال: "ما نعلمه" أي ليس لدينا علم بأنك رسول الله.
[ ٤ / ٨٦ ]
وهنا سألهم عن الحبر (عبد الله بن سلام) قائلًا .. فأى رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ .
قالوا (بصوت واحد): ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال .. أفرأيتم إن إسلم؟ .
قالوا .. حاش لله ما كان ليسلم.
وهنا جبههم النبي - ﷺ - بالحقيقة المذهلة، حيث نادى .. يا ابن سلام، أخرج عليهم.
وهكذا، وبعد أن انتزع عبد الله بن سلام من هؤلاء الأحبار اعترافهم بأنه سيدهم وأعلمهم وجعلهم يشهدون بذلك مختارين أمام الناس، خرج عليهم وخاطبهم قائلًا:
يا معشر يهود، اتقوا الله .. فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق.
فصعقوا لقوله هذا، ثم وقعوا فيه سبًا وشتمًا، وقالوا له: كذبت، ثم قالوا: هذا شرنا ابن شرنا، فقال عبد الله بن سلام للنبي - ﷺ - .. هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
تبديل اليهود حكم الرجم في التوراة
ومرة اجتمع أحبار اليهود في بيت المدارس (وهو أشبه بجامعة عبرية لليهود في المدينة)، وتدارسوا موضوع مقاومة النبي - ﷺ -، والصد عن دعوته، وبينما هم يتباحثون عرضت عليهم قضية رجل وامراة منهم ارتكبا جريمة الزنا، ومع تأكدهم من صدق نبوة محمد - ﷺ - فإنهم صاروا يغالطون أنفسهم.
[ ٤ / ٨٧ ]
فاتفقوا على أن يمتحنوا النبي - ﷺ - عن طريق عرض هذه القضية عليه ليحكم فيها، فقالوا .. ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فسلوه كيف الحكم فيهما، وولوه الحكم عليهما (وكانا قد أُحصنا) فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه (١) فاتبعوه فإنما هو ملك، وصدقوه، وإن حكم فيهما بالرجم فإنه نبي، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه (٢).
ونفذ الأحبار ما اتفقوا عليه وذهبوا إلى النبي - ﷺ - وعرضوا عليه قضية الزانيين منهما وجعلوه إليه أمرهما ليحكم فيهما، وتعهدوا له بتنفيذ الحكم الذي يصدره. وكان الإسلام قد ترك لليهود الفصل في أحوالهم الشخصية كما هي عادته في التسامح مع أصحاب الأديان الأخرى.
ولم يتردد الرسول - ﷺ - في قبول التحكيم سيما وأنه (بموجب المعاهدة المبرمة بينه وبين اليهود) يعتبر الحاكم الاعلى لهؤلاء اليهود بصفتهم مواطنين في ظل دولة يثرب التي يرأسها.
وقد حكم الرسول - ﷺ - في الزانيين بالرجم، وهو حكم جاءت به
_________________
(١) التجبيه - عند اليهود - الجلد بحبل من ليف مطلى بقار ثم تسود وجها الزانيين المحصنين، ثم يحملان على حمارين، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين.
(٢) روى هذا الخبر ابن إسحاق بسنده الصحيح عن ابن شهاب، وهذا القول من اليهود يدل على أنهم ما كانوا ليرضوا (في معركتهم مع النبي ودينه) بأقل من إسقاطه وتقليص ظل لينه من الوجود، يزدادون تصميمًا على ذلك كلما ازداد يقينهم بنبوة محمد ورسالته، وهذا من أشنع أنواع البغي وأحقر وأحط ضروب الحسد، وإنه لمن أنكر المنكر أن يكون التأكد من صدق قضية سببًا رئيسيًا في تكذيب هذه القضية ومحاولة إخراس صوتها الحق والإطاحة بصاحب هذا الصوت .. ولكنهم اليهود وكفى.
[ ٤ / ٨٨ ]
التوراة والقرآن، ونفذ الحكم فأعدم الزانيان اليهوديان - رجمًا - عند باب المسجد في المدنية.
افتضاح اليهود في تلاعبهم
وفي هذه المناورة التي قام بها اليهود سجلت الدعوة الإسلامية في معركتها مع هؤلاءاليهود نصرًا معنويًا عظيمًا عليهم، فكأنما بعملهم هذا سعوا إلى حتفهم بظلفهم.
وذلك أن النبي - ﷺ - لما امتحنه اليهود بعرض هذه القضية عليه ليحكم فيها، عقد مجلسًا ودعا إليه أحبار اليهود، ثم طلب منهم إحضار التوراة وكلف أحد أحبارهم بتلاوتها (بحضور المترجم عبد الله بن سلام)، وكان يهوديًّا من أكبر زعمائهم هداه الله للإسلام.
ولقد كان فخًا أوقع أحبار اليهود فيه أنفسهم بإثارة هذه القضية على هذه النطاق، فقد كانت التوراة تنص على أن الرجم هو حكم الزانى المحصن، وكان اليهود يحرصون على أن لا يعلم النبي - ﷺ -، هذا الحقيقة التي كان (فعلًا) لا يعلمها، لأنه لا يقرأ ولا يكتب بالعربية لغة قومه فضلًا عن اللغة العبرانية.
وقد استمر الحبر في تلاوة التوراة، ولكنه عندما وصل إلى الآية التي تنص على وجوب رجم الزانى المحصن وضع يده عليها وأراد أن يتخطاها، ولكن عبد الله بن سلام - الذي يجيد اللغة العبرانية كأكبر أستاذ فيها - فضحه إذ دفع يده بعنف وخاطب النبي - ﷺ -، قائلًا .. هذه يا نبي الله، آية الرجم يأبى (أي الحبر اليهودى) أن يتلوها عليك.
[ ٤ / ٨٩ ]
اعتراف الأحبار بالتلاعب في التوراة
وأمام إدانة هؤلاء الأحبار الصريحة بالغش والكتمان وخيانة العلم، توجه إليهم النبي - ﷺ - بالكلام موبخًا قائلًا .. ويحكم يا معشر يهود، ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم؟ ..
فتخاذل هؤلاء الأحبار ولم يسعهم إلا أن يعترفوا بالتحريف والتبديل والتلاعب في أحكام الله، حيث لم يعد لهم مفر من الإعتراف بعد أن فضحهم عبد الله بن سلام وسد كل السبل في وجوههم، فقالوا:
أما والله إنه قد كان فينا يعمل به (أي بحكم التوراة في الرجم) حتى زنى رجل منا بعد إحصانه، من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده، فأراد أن يرجمه فقالوا .. لا والله، حتى ترجم فلانًا، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبيه وأماتوا ذكر الرجم والعمل به، فقال رسول الله - ﷺ -. أنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به، ثم أمر بالزانيين فرجما، قال عبد الله بن عمر: فكنت فيمن رجمهما. وهكذا سدر اليهود في غيهم ولم يزدهم تجدد الأدلة لديهم على صدق نبوة محمد - ﷺ - إلا بغيًا وحسدًا، فقد ضاعفوا من نشاطهم ضد النبي - ﷺ - ولكن دونما جدوى.
المد الإسلامي يجرف اليهود
فقد كان المد الإسلامي - داخل المجتمع اليثربى - أقوى من كل ما يقوم به اليهود من مناورات ودسائس، وبالتالى أقدر على الذهاب بكل
[ ٤ / ٩٠ ]
الحواجز والعراقيل التي أرهقوا أنفسهم في إقامتها لصد تيار دعوة القرآن.
حيث لم تزد هؤلاء اليهود الأيام، إلا تكشفًا (للرأى العام) على حقيقتهم الخبيثة، وصار كل يوم يمر على حربهم الجدلية المتعنتة مع الإسلام يكشف عن نقيصة من نقائص تناقضاتهم، أو يرفع الستار عن خبية من خبايا نواياهم الشريرة التي يبيتون لأهل يثرب خاصة.
وبدلًا من أن ينصاع أهل يثرب إلى مغالطات اليهود ويتأثروا بتلبيساتهم وبسحب الشكوك التي يرسلونها حول الدعوة الجديدة الحقة فيندفعوا في تيار أراجيف هؤلاء اليهود المغرضة، تركوهم وحدهم في الميدان، ولم يمض أكثر من خمسة أشهر على وصول النبي - ﷺ - إلى المدينة حتى أصبح كل الناس في المدينة وما حواليها من منطقة يثرب (ما عدا اليهود) يدينون بالإسلام ويخضعون لنظامه، وحتى أصدقاء اليهود من العرب المنافقين الذين تعلموا النفاق على أيدى هؤلاء اليهود في المدينة، لم يسعهم - أمام المد الإسلامى الزاخر - إلا أن يُعلنوا (ظاهرًا) إيمانهم بالدين الجديد وخضوعهم لنظامه، وبقى العنصر الوحيد (في يثرب) الذي لم يدخل في الدين الجديد هو العنصر اليهودى من إسرائيليين وعرب.
وقد عز على اليهود أن تكون نهاية حربهم الجدلية العقيمة الباردة ضد الإسلام ذلك الفشل الذريع، وساءهم جدًّا، أن تكون حصيلة صراعهم العقائدى المضنى مع دعوة الإسلام تلك الهزيمة المحطمة لآمالهم والتي انتهت بانضواء كل المجتمع اليثربى (عدا
[ ٤ / ٩١ ]
اليهود) تحت لواء الإسلام، وخاصة بعد الانتصار الساحق الذي حققه المسلمون في بدر على المشركين.
اغتباط اليهود بزحف قريش إلى بدر
لقد كاد اليهود يطيرون فرحًا عند سماعهم تحركات الجيش المكي في السنة الثانية للهجرة نحو بدر لضرب المسلمين، وكانوا يعلقون أكبر الآمال على نشوب المعركة بين الفريقين في بدر.
فقد كانوا يظنون أن جيش مكة الكبير سيكفيهم مؤونة القضاء على النبي - ﷺ - واتباعه، وبالتالي سيجتث جنور الدعوة الإسلامية من الأساس، لذلك كانوا حريصين كل الحرص على التقاء الجيشين في بدر، وكانوا يتمنون - بل يتوقعون جازمين - أن النصر والغلبة ستكون للمشركين على المسلمين، لأن كل شيء مادي يوجب الاعتقاد الجازم (من الناحية المجردة) بأن النصر في معركة بدر سيكون - إذا ما نشبت - حليف جيش مكة الذي بلغ تعداده ألف مقاتل مسلحين أحسن تسليح ومجهزين أحسن تجهيز، يقابله في الجانب الآخر ثلاثمائة مقاتل من المسلمين أكثرهم حفاة لا دروع لهم ولا مغافر.
وكجزء من الحرب النفسية العنيفة التي كان اليهود قد بدأوها ضد الإسلام والمسلمين، وفي الظروف التي نشبت فيها معركة بدر الكبرى، وقبل أن تتلقى المدينة أخبار نتائجها النهائية، كان اليهود - يؤازرهم المنافقون - قد نظموا حملة دعائية واسعة من الإرجاف والتشويش
[ ٤ / ٩٢ ]
لتحطيم معنويات المسلمين وإشاعة روح التخاذل والتفكك والفزع بينهم.
حتى إنهم أشاعوا أن النبي - ﷺ - قد قتل وأن جيشه قد تحطم في معركة بدر، وأن جيش مكة زاحف بقيادة أبي جهل لاحتلال المدينة ومحو آثار الدعوة الإسلامية من الوجود.
وقد فعلت هذه الأراجيف فعلها السئ في نفوس المسلمين في المدينة، وهذا هو الذي هدف إليه اليهود من وراء إشاعاتهم الكاذبة.
وبينما كان المسلمون نهبًا للقلق والخوف نتيجة هذه الإشاعات اليهودية التي زحمت أرجاء المدينة والتي كادت تذهب لها عقول المسلمين، إذا بالبشير بانتصار المسلمين في معركة بدر يسبق الجيش النبوى المنتصر ويدخل المدينة مبشرًا أهلها ومؤكدًا لهم انتصار المسلمين الساحق في معركة بدر على قوى الشر والعدوان.
فتهتز مدينة الرسول - ﷺ - بالتكبير والتهليل من أقصاها إلى أقصاها فرحًا واستبشارًا بهذا النصر المؤزر الذي عن طريقه دخل المسلمون التاريخ من أوسع أبوابه.
أما اليهود فقد صعقوا لنبإ الانتصار الساحق الذي ما كانوا بتصورون حدوثه مطلقًا، وكادوا يتهمون أسماعهم عندما سمعوا صوتى (البشير) عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة يدويان، وهما يركضان راحلتيهما في أحياء المدينة يبشران المسلمين بانتصار الجيش النبوى على قريش في بدر.
ولقد سقط في أيدى اليهود وكادوا يتهمون أبصارهم، وعلاهم الذهول عندما رأوا زعماء قريش وقادة جيشها في معركتهم الخاسرة
[ ٤ / ٩٣ ]
يساقون أسرى تحت حراسة رماح قوات الجيش النبوى المنتصر، قد شدت أيديهم إلى الوراء، يعلوهم ذل الهزيمة ومهانة الانكسار، يتعثرون في خطاهم وكأنهم لا يبصرون.
فتحطمت آمال اليهود وانهارت أحلامهم وانقلبت أفراحهم أتراحًا حيث كانوا يتمنون بل يتوقعون سحق المسلمين في هذ المعركة التي كان انتصارهم فيها على قريش، ليس بداية تسلمهم مقاليد الأمور في يثرب فحسب، بل في جزيرة العرب بأكملها بل في العالم كله الأمر الذي أطار صواب اليهود وجعلهم يتوقعون نهاية أمرهم ويلجأون لذلك إلى أسلوب جديد في محاربة الإسلام.
اليهود ينقلون المعركة إلى صعيد أوسع
فبدلًا من أن يعود اليهود إلى صوابهم أمام ذلك النصر الساحق الذي حققته الدعوة الإسلامية في المجالين الحربى والعقائدى، تلك الدعوة التي تمكن حامل لوائها بصدق لهجته وصفاء نفسه ودماثة خلقه وشرف مقصده وحلمه الواسع أن يضم تحت جناحى هذه الدعوة الحانيين كل سكان يثرب دون أن يضطر إلى إراقة قطرة دم واحدة .. نعم بدلًا من أن يعود اليهود إلى صوابهم ويستجيبوا لداعى الحق الذي يهتف بهم في أعماق نفوسهم، فإنهم ازدادوا عنادًا ومكابرة وارتفعت درجة اشتعال الحقد والحسد والبغض في نفوسهم للإسلام وحامل لواء دعوته.
وتمشيًا مع هذا الارتفاع الذي أعمى اليهود، فكروا في نقل المعركة
[ ٤ / ٩٤ ]
ضد النبي ودينه وأتباعه إلى صعيد أكثر فعالية، وأكثر شمولًا.
فلم يكتف اليهود بالصد عن الإسلام ومحاولة تشكيد الناس في صدق النبي - ﷺ - أو سلخهم عن الدين الجديد، عن طريق الجدل والتزوير ونشر أعمدة من دخان اللبس والتشويه والتشكيك حول جوهر الدعوة الجديدة الحقة داخل يثرب.
بل ذهب بهم الحقد الأعمى والحرص القاتل على تقويض معالم الدعوة الإسلامية والقضاء على حامل لوائها في عقر دارها إلى أن يذهب منهم أحبار دينيون ووجهاء ماليون وزعماء سياسيون يطوفون في أنحاء الجزيرة العربية بين مضارب البدو في الصحراء وأندية الحضر في المدن والحواضر، لا ليقوموا بحملات دعائية سلاحها التنفير والتشكيك والتكذيب ضد دعوة محمد فحسب (كما يفعلون في يثرب) وإنما ليقوموا بتحذير القبائل العربية ويشرحوا لها خطر الدعوة الإسلامية ويدعونهم إلى مقاومتها بحد السلاح، بل وتجريد الجيوش للقضاء على هذه الدعوة ودعاتها في مقرها الرئيسى قبل أن يستفحل أمرها فتقضى عليهم، وكان هذا من اليهود بداية خطيرة في تطور الصراع بينهم وبين المسلمين جعلت هذه البداية - التي لا تعنى سوى تصميم اليهود على القضاء على الإسلام والمسلمين ولو بالاستعانة بتجريد الجيوش من القبائل الوثنية - جعلت هذه البداية الخطيرة القيادة الإسلامية في المدينة تغير من نظرتها التقليدية المتسامحة إلى المقاومة اليهودية للدعوة الإسلامية، التي لم تعد -كما كانت
[ ٤ / ٩٥ ]
- مجرد حرب دعائية، سلاحها التنفير والتشكيك والإرجاف والتكذيب، وإنما السعي لدى القبائل العربية الوثنية القوية الضاربة وبث روح الكراهية بينها للإسلام والمسلمين، وتحريضها على حربهم وإغرائها عن طريق المال بغزو المسلمين وضربهم في مقر دعوتهم الرئيسى، مما حمل القيادة الإسلامية في المدينة على تغيير أساليب حماية الدعوة مما يهددها من اليهود في مخطط مقاومتهم الجديد.
اليهود بعد انتصار المسلمين في بدر
لقد كان اليهود (قبل معركة بدر) يكتفون في مقاومة دعوة الإسلام بشن حرب دعائية، سلاحها إعنات النبي - ﷺ - بالأسئلة المحرجة وإثارة عناصر اللبس والتشكيك حول الدعوة الإسلامية طمعًا في أن ينفض الناس من حولها ويفقدوا الثقة بحاملها فلا يبقى لها من خطر على سلطان اليهود في يثرب.
وكان النبي - ﷺ - إزاء كل هذا (كما رأينا) قد ترك لليهود مطلق الحرية ليجهروا برأيهم في الدعوة الإسلامية بل وليبدوا طعونهم في جوهرها ويجاهروا بتكذيب حاملها وكان يكتفى بإيضاح بطلان هذه الآراء.
إذ كان - ﷺ - وهو الحاكم الأعلى والسيد المطلق لمنطقة يثرب - يصغى لاستجواباتهم المتعنتة في صلب العقيدة والدين التي يتقدمون بها في مناظراتهم المعلنة التي لا يقصدون بها سوى الإحراج وإشاعة اللبس لتشكيك البسطاء في صدق ما جاء به هذا النبي العظيم - ﷺ -، فيجيبهم
[ ٤ / ٩٦ ]
على هذه الإستجوابات المثيرة بكل هدوء دون أن يبدوا عليه الانزعاج أو الإنفعال.
ولم يثبت أنه اتخذ أي إجراء تأديبى ضد هؤلاء اليهود مع علمه بأنهم في كل استجواباتهم ومناظراتهم لا يبحثون عن الحق لاتباعه، وإنما يبحثون عن المتاعب لإثارتها في وجه هذا الحق الذي جاء به محمد - ﷺ -، والذي يعرفونه قبل غيرهم أنه الحق، فصاروا يقاومونه بكل وسيلة ممكنة، بغيًا وحسدًا.
النبي وحرية القول
ويمكننا الإعلان (بكل فخر واعتزاز) أن النبي - ﷺ - بذلك الموقف المتسامح الذي وقفه من اليهود الذين شنوا عليه وعلى دعوته حربًا إعلامية واسعة متواصلة عنيفة - كان أول من وضع ونفذ قانون حرية القول والفكر، للمخالفين في العقيدة والدين.
فليس مشرعو القوانين الحديثة في البلاد الديمقراطية من العالم الحر الذين يفخرون بأن حكوماتهم تمنح الفرد مطلق الحرية ليفكر ويعلن عما يريد أن يقول، ولو كان هذا القول يتنافى مع رغبات الحاكم الأعلى ولا يتفق مع اتجاهاته، إلا عيالًا على ذلك القانون الذي وضع أسسه النبي الأعظم - ﷺ - وطبقه إزاء خصومه (من مواطنيه) في العقيدة والدين والاتجاه، منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
بل إن مشرعي القوانين الحديثة (في البلاد الديمقراطية الغربية) لم يستطيعوا (حتى في القرن العشرين) أن يقتربوا - في مجال منح الحريات العامة - مما أعطاه النبي - ﷺ - في هذا المجال - من حريات مطلقة لمواطنيه ممن يخالفونه في الرأي والعقيدة والدين، كما رأينا في
[ ٤ / ٩٧ ]
مواقفه المتعددة من اليهود الذين لم يتركوا وسيلة من وسائل الإعلام إلا واستخدموها ضد النبي - ﷺ - ودعوته، وسخروها لتنفير الناس عنه وتشكيكهم فيما يدعو إليه بل والطعن (صراحة) فيه وفي رسالته.
ومع هذا لم يقم ضدهم بأي أعمال تأديبية من سجن أو فرض غرامة أو نفى أو ما شابه ذلك، مع العلم أنه كان قادرًا على ذلك لأن الدولة له والأمة كلها (ما عدا اليهود) طوع إشارته.
وهذه المعاملة مع الخصوم - في مجال العقيدة والسياسة - لم يستطع أرقى تشريع في العالم المتحضر اليوم الوصول إليها.
فالقوانين العصرية في البلاد (المسماة بالديمقراطية في الغرب) تنص على إطلاق الحريات العامة للمواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم وتحمى هذه الحريات، ولكن بشرط أن لا تستخدم هذه الحرية للتخريب وإشاعة الفتنة والفرقة بين الناس.
أما إذا استخدمت الحريات لهذا الغرض، فإن هذه القوانين تمنع هذه الحرية وتضرب على أيدى مستغليها لذلك الغرض التخريبى الذي يؤدي في النهاية إلى هدم النظام القائم.
وإذا رجعنا إلى محاضر معاملة النبي - ﷺ - لليهود وجدنا أنه قد وقف منهم تلك المواقف المتسامحة ومنحهم مطلق الحرية ليقولوا فيه وفي دينه ونظامه ما شاعوا، مع العلم أنهم لا يقصدون بكل ما يقولونه من انتقادات ويتقدمون به من استجوابات حول الدين الجديد والنظام الذي جاء به، إلا هدم هذا الدين وإشاعة الفتنة بين المواطنين وإسقاط النظام القائم لتبقى لهم السيطرة على المجتمع.
[ ٤ / ٩٨ ]
وهذا هو الذي يجعلنا نجزم أن النظم في البلاد الغربية المتحضرة (وفي القرن العشرين) لا تزال في قوانينها حول منح الحريات العامة للفرد بعيدة كل البعد عن المنزلة التي وصل إليها القانون النبوى في هذه الناحية، وخاصة مع المخالفين له في العقيدة والدين والاتجاه.
الطريق الخطر
ولقد ظل النبي - ﷺ - على موقفه المرن مع اليهود، حيث ذهب في التسامح معهم - إزاء انتقاداتهم واستفزازاتهم ودعاياتهم المغرضة - إلى أبعد الحدود، حيث كانت مقاومتهم ومعارضتهم لدعوته لا تتعدى نطاق التسلح بالكلام والدعاية واللبس والتشويش والتكذيب. ولكن اليهود لما سلكوا في مقاومة الإسلام الطريق الآخر وهو طريق القوة، حيث بدأوا يتدرجون في هذا الطريق الخطر، مبتدئين بالتهديد بالحرب والطواف على القبائل العربية الوثنية لإثارتها وتحشيدها لحرب النبي وما حوله إغتيال الرسول - ﷺ - شخصيًا سلك النبي - ﷺ - في مواجهة هذا التخطيط اليهودى الجديد طريقًا آخر أكثر حزمًا وانتباهًا.
وكانت فعالية هذا الحزم والانتباه لحماية الدعوة تتطور من جانب النبي - ﷺ - وتتسع بتطور إيغال اليهود وتوسعهم في ميادين المؤمرات والتكتلات التي غايتها هدم الدين الجديد والإطاحة بالنظام الذي جاء به عن طريق اللجوء ولو إلى سفك الدم، كما كشفت ذلك الأحداث فيما بعد.
[ ٤ / ٩٩ ]
ويحدثنا التاريخ أن أول اليهود المتحرشين بالمسلمين (عسكريًا) هم بنو قينقاع الذين كانوا أشجع الطوائف اليهودية في الجزيرة العربية، وكانوا - مع ذلك - من أغنياء المدينة (١).
فقد كان هؤلاء اليهود (دون الطوائف اليهودية الأخرى) يسكنون داخل المدينة، وقد أخذوا يتحرشون بالمسلمين ويهددونهم بالحرب، وقد بلغ بهم التحدى والاستهتار بالمسلمين والاستخفاف بسلطانهم إلى الاعتداء على نساء المسلمين مما أدى إلى نشوب القتال بين الطرفين، وقد استعد بنو قينقاع للحرب فاعتصموا بحصونهم المنيعة فضرب المسلمون عليهم الحصار حتى أجبروهم على التسليم ثم تم إجلاؤهم عن المدينة (٢).
ثم تتابعت أعمال اليهود الاستفزازية التي خرجت عن نطاق الكلام إلى العمل، فتلا إجلاء يهود بنى قينقاع قتل اليهودى الشهير كعب بن الأشرف، بعد أن أصبح مصدر خطر يقلق أمن المدينة بواسطة نفوذه المالي حيث كان أكبر غنى في تلك المنطقة، وكان يذهب إلى القبائل العربية (ومنها قريش) يحرضها على قتال المسلمين ويدعوها إلى غزو المدينة (٣).
ثم تلا قتل كعب بن الأشرف إجلاء يهود بنى النضير عن المدينة،
_________________
(١) ذكر الأستاذ (أوليرى) في كتابه (اليهود) ص ١٢٨ أنه يحتمل أن يكون يهود بنى قينقاع من أصل عربي دانوا باليهودية قبل الإسلام .. نقل ذلك عنه الأستاذ جواد علي في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج ٦ ص ٩٦.
(٢) انظر تفاصيل حادثة إجلاء يهود بنى قينقاع في كتابنا (غزوة أحد) ص ٣٨ وما بعدها.
(٣) انظر تفاصيل قتل كعب بن الأشرف في كتابنا (غزوة أحد) ص ٤٣ وما بعدها.
[ ٤ / ١٠٠ ]
فقد ذهب بهؤلاء اليهود الغدر والتآمر إلى محاولة اغتيال النبي - ﷺ - داخل منطقتهم.
وقد كان انتصار المسلمين على المشركين في معركة بدر الشهيرة، هو الذي أفقد اليهود صوابهم وجعلهم ينقلون الحرب والمقاومة ضد النبي ودعوته من الكلام إلى ميدان العمل الدامى، حيث لم تأت هذه التطورات من جانب اليهود، التي نتجت عنها تلك الأحداث الدامية التي ابتدأت بفتنة يهود بنى قينقاع وانتهت بإبادة بنى قريظة إلا بعد أن انتصر المسلمون على المشركين في معركة بدر الكبرى.
وهكذا فإن المطلع بدقة على سير الحوادث طيلة الخمس سنوات (وهي المدة التي استغرقت مراحل الصراع المختلفة بين النبي - ﷺ -، واليهود في منطقة يثرب) يتضح له أن اليهود (منذ اللحظة الأولى) ما كانوا ليرضون - لو كتبت لهم الغلبة والبقاء في المدينة - إلا بهدم الكيان الإسلامي ومحو المسلمين من الوجود، بأية وسيلة تتوفر لهم، وفي مقدمة ذلك حد السلاح.
وهذا أمر كان مجمعًا عليه بين جميع طوائفهم الرئيسية الثلاث بنى قينقاع .. وبنى النضير .. وبنى قريظة. إلا أن الظروف لم تسمح لهم بأن يكونوا في نزاعهم مع النبي كتلة واحدة.
أما ما كان يقوم به اليهود من اعتراف بالنظام الجديد، والإنضواء تحت لواء الدولة الإسلامية، وما يقومون به من الدخول في ارتباط وأحلاف عسكرية مع المسلمين، توحى بأنهم قد رضوا الارتباط بالنظام الجديد والإنضواء في ظله كمواطنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم - مع بقاء
[ ٤ / ١٠١ ]
كل على دينه حرًّا - فإن ذلك ليس إلا بمثابة ستار أراد اليهود أن يضمنوا خلفه العمل بحرية ضد الإسلام والمسلمين، وهذا ما أثبته الأحداث بكل وضوح.
وباستقصاء تصرفات اليهود - طيلة الخمس سنوات - يتضح أنه ما كان يحول بينهم وبين محو المسلمين من الوجود إلا عدم مواتاة الفرص لهم، والتي لو واتتهم (في أية لحظة) لما ترددوا في اغتنامها للقضاء على المسلمين بحد السلاح حتى ولو كان بينهم وبين المسلمين ألف عهد وألف حلف.
ولا أدل على ذلك من فعلة يهود بنى قريظة الشنيعة حيث حاولوا تسديد ضربة ساحقة للمسلمين من الخلف وهم في أحرج موقف حربى يواجهون عدوا جبارًا قد غمرهم وأحاطهم بقواته التي تفوقهم عدة أضعاف كما يحيط البحر الهائج بالجزيرة الصغيرة.
وقد قام يهود بنى قريظة بهذا الخيانة العظمى، وهم في حالة ارتباط مع المسلمين بموجب معاهدة عسكرية وسياسة عقدت بين الفريقين تنص بنودها على أن يكون اليهود - مع المسلمين - جزعًا من الجيش الذي يجب عليه الدفاع عن المدينة فيما إذا تعرضت لمثل الغزو الذي تعرضت له على يد الأحزاب، ولكن الذي حدث هو العكس حيث حاول يهود بنى قريظة ضرب المسلمين من الخلف بدلًا من الوقوف إلى جانبهم في ذلك الظرف الخطير.
فهذا التصرف مع سابقه من تصرفات اليهود طيلة خمس سنوات، يعطى الدليل القاطع على أن اليهود كانوا - منذ اللحظة الأولى - قد بيتوا العزم على إبادة المسلمين وهدم كيان الإسلام بأية وسيلة كانت وفي أي ظرف كان، تواتيهم فيه الفرصة.
[ ٤ / ١٠٢ ]
بينما كان المسلمون على العكس من ذلك، ليس لديهم أية نية مبيتة لإبادة هؤلاء اليهود، حتى بعد أن اتضحت نواياهم السيئة ضدهم.
ولو كان لدى المسلمين شيء من هذا لأبادوا اليهود في الشهور الأولى التي دانت لهم فيها يثرب بأكملها، وصاروا قادرين (بكل معاني هذه الكلمة) على استئصال شأفة هؤلاء اليهود دون أن تستطيع قوة في الأرض الحيلولة بينهم وبين ذلك.
ونحن نستمد تأكيدنا لهذه الحقائق من تصرفات المسلمين إزاء هؤلاء اليهود، فقد استسلمت قوات بنى قينقاع وبنى النضير للمسلمين في حوادث النزاع المسلح بعد حصار لم يدم في كلتا الحالتين أكثر من شهر واحد.
فكان باستطاعة المسلمين أن يبيدوا هؤلاء اليهود المستسلمين - بكل سهولة - لو أنهم كانوا يبيتون لهم هذه الإبادة، ولكنهم لم يفعلوا لأن هذه النية لم تكن مبيتة لديهم، حيث اكتفوا بنفي هؤلاء اليهود من منطقة يثرب فحسب.
أما اليهود (كما قلنا) فقد كانوا يبيتون العزم على قتل النبي - ﷺ - واستئصال شأفة المسلمين، لو أنهم وجدوا إلى ذلك سبيلًا، إلا أن الحظ لم يكن حليفهم في كل محاولاتهم الخبيثة.
وأعتقد (جازمًا) لو أن اليهود ظفروا بالمسلمين كما ظفر المسلمون بهم في حادثتي حصار بنى قينقاع وبنى النضير لما ترددوا لحظة في إبادتهم عن بكرة أبيهم.
لقد كان انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى (كما قلنا)،
[ ٤ / ١٠٣ ]
هو العامل الأول في إلهاب نفوس اليهود بالحقد العارم الذي جعلهم يفكرون في نقل المعركة ضد النبي - ﷺ - والدين الذي جاء به من ميدان الكلام والدس والإشاعة والتكذيب إلى ميدان العنف وإيقاف تيار الدعوة ومقاومتها بالقوة وسفك الدم.
اليهود يهددون بالحرب
فقد أخذوا كخطوة أولى في هذا الطريق الخطر، يتحرشون بالمسلمين ويتفوهون بكلمات يشم منها رائحة تهديد النبي - ﷺ -، بالحرب.
ولم يكن النبي القائد - ﷺ - غافلًا عما يدبره اليهود، بل كان يرقب حركاتهم المريبة منذ بدأوا يسلكون هذا الطريق الخطر.
وكان بنو قينقاع أول من سلك هذا الطريق وهدد بالحرب وإثارة الشغب على المسلمين، وكان يهود هذه القبيلة الذين (يقال: إنهم من أصل عربي (١) يمتازون على غيرهم من اليهود بالشجاعة والقوة الحربية والثراء الكبير.
وكانت لهم حصون منيعة يعتزون بها، وكانت ديارهم أقرب ديار اليهود جميعًا إلى المسلمين، إذ تقع منازلهم داخل المدينة نفسها، بينما تقع ديار بقية القبائل اليهودية (وخاصة بني قريظة والنضير) خارج المدينة.
_________________
(١) هذا القول لم يقله أحد من الإخباريين المسلمين وإنما قاله المستشرقون فحسب.
[ ٤ / ١٠٤ ]
النبي ينصح بني قينقاع
وعندما ظهر تحرش بنى قينقاع بالمسلمين، واتضح عزمهم على الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية، ولو عن طريق الحرب وسفك الدم .. ولما بينهم وبين النبي - ﷺ - من عهد وتحالف .. وبالتالى لكره النبي - ﷺ - وبغضه الحرب وسفك الدم، لجأ (أولًا) - لإعادة هؤلاء اليهود إلى جادة الصواب - إلى النصح والمفاوضة، فطلب الاجتماع بيهود بنى قينقاع هؤلاء فاجتمعوا إليه في مؤتمر عقده معهم في سوقهم، محاولا إصلاحهم وإرجاعهم عن غيهم وثنيهم عن الإندفاع في الطريق الخطر طريق الحرب الذي لم يعد خافيًا على أحد أنهم يهدون بسلوكه.
ولا شك أن النبي الأعظم - ﷺ - وهو الحريص على الأمن والاستقرار والحريص على حقن الدماء أيا كان نوعها - لم يدع بنى قينقاع إلى ذلك الإجتماع والتحدث إليهم من بلى جميع القبائل اليهودية في يثرب إلا بعد أن تأكد لديه أنهم يقومون بنشاط فيه إخلال بالأمن ونقض للمعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين وتهديد بالحرب.
ولقد حاول النبي - ﷺ - في هذا المؤتمر إرجاع بنى قينقاع إلى جادة الصواب والتزام نصوص المعاهدة المبرمة بين المسلمين وبين كافة اليهود، فنصحهم وذكرهم وحذرهم نتائج البغي والتحرش والعدوان إن هم سلكوا طريقه، ولم يفته أن يذكرهم بالثمار المرة التي جنتها قريش يوم بدر، نتيجة اندفاعها في طريق الغرور والبغى والعدوان، حيث قال لهم - فيما قال -: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة"
[ ٤ / ١٠٥ ]
وهذا بالتأكيد يدل على أن يهود بنى قينقاع قد بدر منهم ما يدل على أنهم عازمون على سلوك درب البغي والعدوان الذي سلكته قريش، ولولا ذلك ما ذكرهم (دون اليهود) بما أصاب قريشًا في معركة بدر.
بنو قينقاع يغلظون القول للنبي
ولكن هؤلاء اليهود كان جوابهم في ذلك المؤتمر على النصح النبوى الصادق غاية في الغطرسة المشوبة بالوقاحة والتحدى، مما أعطى الدليل على تصميم هؤلاء اليهود على سلوك طريق العنف والتهديد بالحرب، وذلك أن جوابهم على نصح النبي القائد وتحذيره لهم بأن يلتزموا نصوص المعاهدة ويعيشوا آمنين مطمئنين بعيدين عن إثارة الشغب وتعكير الأمن، كان التهديد بالحرب بل دماعلانهم الإستعداد لهذه الحرب، فقد قالوا للنبي - ﷺ - في ذلك المؤتمر بسوقهم: "أترى أنا قومك (يعني قريشًا) لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، أما نحن، أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس" (١).
وأمام هذه الاستفزاز والتحدى الذي فهم منه النبي - ﷺ -، أشياء، لا بد من أن يفهمها كقائد أعلى مسئول، كظم غيظه ولم يتخذ ضدهم أي إجراء كرد على هذا التحدى والتهديد، إلا أن المسلمين بعد هذا المؤتمر ظلوا متيقظين يرقبون الأحداث في انتظار ما ستتمخض عنه الليالى.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٤٧.
[ ٤ / ١٠٦ ]
بنو قينقاع ينقضون العهد
وتمشيًا مع النية المبيتة والمخطط المرسوم لدى هؤلاء اليهود، استمروا في تحرشهم بالمسلمين واستفزازهم ومحاولة إثارتهم وجرهم إلى حرب يرغب اليهود (سلفًا) في إثارتها، وما زالوا كذلك حتى نشبت الحرب بين الفريقين بعد أن تزايد طغيان اليهود إلى درجة نقضوا معها الذي بينهم وبين المسلمين.
وقد ذكر ابن إسحاق أن سبب هذه الحرب هو أن امرأة مسلمة جاءت بحلى لها لتبيعه في سوق بني قينقاع في المدينة، ولما جلست اجتمع عليها نفرم من اليهود يستفزونها ويتحرشون بها فأرادوها على كشف وجهها فأبت ذلك، فعمد أحد اليهود إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي غافلة، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك اليهود منها وسخروا، فصرخت مستغيثة بالمسلمين الذين كان أحدهم حاضرًا فوثب المسلم على اليهودى المعتدى فقتله، فشد اليهود على المسلم فقتلوه فوقع الشر بينهم، يقول ابن إسحاق إن النبي - ﷺ - بعد هذه الحادث ضرب الحصار على اليهود ولم يذكر تفصيلًا آخر.
مناقشة ابن إسحاق
غير أن الباحث المتعمق المتجرد يجد من الصعب عليه التسليم بأن هذا الحادث الفردى هو المبرر الوحيد لضرب النبي - ﷺ -، الحصار على بنى قينقاع، فلا بد أن يكون من الأسباب ما هو أكبر من هذا الحادث قد
[ ٤ / ١٠٧ ]
أدت إلى محاصرة بنى قينقاع وضرورة محاربتهم.
فالذي يعرف أناة النبي - ﷺ - وصبره وحلمه يجزم أنه لم يضرب الحصار على هؤلاء اليهود إلا بعد أن تأكد لديه نقضهم العهد ومنابذته، يدلنا على ذلك سعيه للاجتماع بهم في سوقهم وتحذيرهم ونصحهم (دون سواهم من اليهود) وأن اليهود إنما اتخذوا من حادثة المرأة المسلمة وما نتج من الاعتداء عليها وسيلة وفرصة لإعلان الحرب على المسلمين. يدلنا على ذلك أنهم سارعوا إلى الاعتصام بحصونهم ورفضوا أية مفاوضة أو تفاهم، وأن ذلك قد حدث منهم نتيجة تخطيط سابق ونية مبيتة لسلوك طريق العدوان الذي سلكته قريش في بدر فنقضوا بذلك العهد.
وقد أشار ابن إسحاق نفسه إلى ذلك بقوله: "إن بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - ﷺ - وحاربوا فيما بين بدر وأحد. إلا أنه لم يفصل كيف كان نقضهم العهد.
بل إن القرآن (وهو أصدق من كل حديث)، قد أشار إشارة واضحة إلى أن سبب الحرب بين بنى قينقاع والمسلمين هو أكبر من سبب حادث المرأة الذي ذكر ابن إسحاق، وهو أن اعتداء اليهود وتحرشهم بالمسلمين في المدينة كان على مستوى عدوان وطغيان قريش عندما سعوا لإشعال نار الحرب في بطاح بدر بغيًا وعدوانًا واحتقارًا لشأن المسلمين.
فقد جاء في القرآن الكريم بشأن بنى قينقاع هؤلاء قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ
[ ٤ / ١٠٨ ]
آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا (أي المسلمين والمشركين في بدر) فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١).
فالذي نراه (والأمر مجرد اجتهاد واستنتاج) أن حادث سوق بنى قينقاع (مجردًا) يستبعد أن يكون الحافز الوحيد لضرب الحصار على هؤلاء اليهود بل لا بد من أن يكون هناك ملابسات ومضاعفات أخرى أتت من قبل اليهود، اضطر النبي - ﷺ - معها إلى ضرب الحصار على هؤلاء اليهود لتفادى شرهم ووضع حد لعبثهم واستهتارهم الذي يعرض الأمة اليثربية كلها لأخطار قد يصعب تلافيها.
ولعله من عجيب الاتفاق أننى بعد أن حررت هذه الملاحظة حول سبب إجلاء بنى قينقاع، اطلعت على رأى للمؤلف الإنكليزى المعروف الدكتور (مونتجمرى وات) فقد قال هذا المؤلف في كتابه (محمد نبي ورجل دولة) ص ١٣٠ وما بعدها: "لقد كان طرد قبيلة بنى قينقاع أحد العوامل الهامة التي عملت على تثبيت مركز محمد ودعمه، وسبب هذا الطرد كما ترويه بعض الروايات - نزاع طفيف طرأ بين يهود القينقاع وبعض التجار المسلمين في السوق في المدينة، فبينما كانت إحدى النساء العربيات جالسة عند صائغ ذهب ربط أحد اليهود مجموعة من الشوك بثوبها حتى إذا نهضت انكشف معظم جسمها فضحك المشاهدون.
_________________
(١) آل عمران: ١٢.
[ ٤ / ١٠٩ ]
وقد اغتاظ أحد المسملين الحاضرين فقتل مدبر هذه الحيلة ثم لقى هو حتفه، ثم انسحب اليهود بعد هذه الحادثة إلى معاقلهم وتوجه محمد - ﷺ - مع بعض أتباعه فحاصرهم هناك"، ثم علق مونتجمرى على هذه الرواية بقوله:
"غير أنه لا يمكن الاعتماد على هذه القصة، فهي أسطورة كثيرًا ما نقرأ عنها في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، إلا أنه قد يكون هناك نزاع بين المسلمين واليهود".
ثم يبدى الدكتور مونتجمرى رأيه الخاص فيقول: "أما الأسباب التي أدت بمحمد إلى اتخاذ قرار طرد اليهود فيظهر أنها أكثر عمقًا من هذه الحادثة العابرة، فاليهود لم يظهروا استعدادهم التام للاندماج في المجتمع الإسلامي، ولذا فقد رأى محمد أن يقاطعهم، ورغم أنهم كانوا لا يزالون يحتفظون ببعض الصلات معه، إلا أنه كان دائمًا يترقبهم بحذر ليغتنم أية فرصة يهيؤونها له بسبب مخالفتهم لروح المعاهدة المبرمة بينهم" (تأمل). ثم يضيف الدكتور مونتجمرى مبررًا آخر لما اتخذه النبي ﷺ ضد يهود بنى قينقاع فيقول:
"وقد يكون محمد - ﷺ - أيضًا على علم بالعلاقات الودية بين اليهود ومناوئيه من قريش في مكة (وهذا بالتأكيد يعد مخالفة لروح الاتفاقية المبرمة بين المسلمين واليهود بل وناقضًا لها" (١).
_________________
(١) انظر بنود هذه المعاهدة مفصلة في كتاب - الوثائق السياسية ص ١ للدكتور محمد حميد الله.
[ ٤ / ١١٠ ]
انتهى من كتاب (محمد نبي ورجل دولة) ترجم لنا هذا الفصل الأستاذ أحمد سالم بالعمش.
وعلى أي كان السبب، فإننا على يقين أن النبي الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن أن يقدم على أي عمل إلا وفق قواعد الحق والعدل الذي جاء به من عند الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾.
حصار بني قينقاع
وإذ رأى النبي القائد - ﷺ - أن لا مناص من الاحتكام وهؤلاء اليهود المتمردين إلى السيف، إذ لم يجد النصح والمفاوضة فرض الحصار عليهم بعد أن استعدوا لحرب المسلمين فاعتصموا بحصونهم، وكان ذلك في منتصف شهر شوال من السنة الثانية للهجرة، وكان الحصار بقيادة حمزة بن عبد المطلب (١).
وقد دام حصار اليهود خمس عشرة ليلة، قذف الله الرعب بعدها في قلوبهم، إذ انهارت معنوياتهم فطلبوا المفاوضة للتسليم، ففاوضهم النبي - ﷺ -، وانتهت المفاوضة باستسلام هؤلاء اليهود، دونما قيد أو شرط ليحكم فيهم النبي - ﷺ - بما يريد الله، ومما تجدر الإشارة إليه أن قبيلتى بنى قريظة والنضير من اليهود لم يحركوا ساكنًا لنصرة إخوتهم في الدين، ويظهر أن مرجع ذلك العداء القبلى المستحكم بين بنى قينقاع (حلفاء الخزرج) وبين بنى قريظة والنضير (حلفاء الأوس).
_________________
(١) معجزة محمد رسول الله ج ١ ص ٢٥٤.
[ ٤ / ١١١ ]
المنافقون وبنو قينقاع
لقد كان المنافقون بقيادة زعيمهم (عبد الله بن أبي) يرقبون (باهتمام بالغ) ما كان يجرى بين المسلمين وبين يهود بنى قينقاع وكانوا يمنون النفس بأن ينجح هؤلاء اليهود في انتقاضهم وتمردهم على المسلمين.
غير أنه أسقط في يد هؤلاء المنافقين وصعق زعيمهم لنبأ استسلام حلفائه بنى قينقاع للمسلمين دونما قيد أو شرط، ولما كان هذا المنافق الكبير (عبد الله بن أبي) يتمتع بحصانة الإسلام المنتسب إليه في الظاهر، ولما كان زعيمًا من زعماء الخزرج حلفاء بنى قينقاع فقد قدم التماسًا إلى الرسول القائد - ﷺ - طلب فيه (باسم قومه الخزرج) أن يصدر النبي - ﷺ - عفوًا عامًا عن حلفائه يهود بنى قينقاع.
وقد تجاهل النبي - ﷺ - هذا الطلب، غير أنه بعد محاولات متكررة ورجاعات ملحة من عبد الله بن أبي أصدر النبي - ﷺ - عفوًا عامًا عن هؤلاء اليهود شريطة أن يخرجوا من المدينة إلى أي مكان شاءوا، فجلوا عنها إلى الشام آمنين على أنفسهم وعلى ما قدروا على حمله من أموال، وبجلائهم تخلصت المدينة من عنصر يعد من أخطر العناصر اليهودية في يثرب.
وبما أن قصة التماس رأس النفاق العفو عن يهود بنى قينقاع وإلحاحه إلى درجة مضايقة النبي - ﷺ - والإمساك بدرعه تلفت نظر العاقل إلى أي مدى يبلغ الحلم والأناة والتسامح بالنبي الأعظم إزاء من لا يهمهم
[ ٤ / ١١٢ ]
إلا القضاء عليه وتحطيم دعوته، فإنه يحسن بنا ذكر هذه القصة التي فيها خير درس لكل من يتولى أمرًا من أمور الأمة.
نجاح رأس النفاق في الشفاعة
فقد روى ابن إسحاق أن يهود بنى قينقاع لما استسلموا دونما قيد أو شرط، وصار مصيرهم بيد النبي - ﷺ - يحكم فيهم بما شاء، قام إليه رأس النفاق عبد الله بن أبي فقال: "يا محمد أحسن في موالى (يعني حلفاءه) فأبطأ عليه رسول الله - ﷺ - فكرر ابن أبيّ طلبه، فأعرض عنه النبي - ﷺ -، فأدخل يده في جيب درع رسول الله - ﷺ -، فتغير لون النبي - ﷺ - وقال لابن أبي: أرسلنى - (أي اسحب يدك من درعى)، وغضب - ﷺ - حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد - ﷺ - القول (مغضبًا): "أرسلنى ويحك".
فلم يستجب رأس النفاق بل ظل ماسكًا درع النبي - ﷺ -، وألح في طلب العفو عن اليهود قائلًا: (لا والله لا أُرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرؤ أخشى الدوائر.
ولم يسع النبي الحليم العظيم أمام هذا الإلحاح والمضايقة إلا أن يستجيب لالتماس رأس النفاق فيعفو عن حلفائه اليهود، حيث قال - ﷺ -: "هم لك".
وبهذا تمكن رأس النفاق من الحصول على حقن دماء حلفائه بنى قينقاع المتمردين الناكثين، فغادروا يثرب سالمين بعد أن كانوا يتوقعون الموت جزاء نكثهم وتمردهم.
[ ٤ / ١١٣ ]
طاغية اليهود الأكبر
ولم يتعظ باقي اليهود بما نزل بيهود بنى قينقاع (وهم أشجع وأقوى يهود يثرب)، بل ازدادوا توغلًا في سبيل الكيد للإسلام والعمل للقضاء عليه بقوة السلاح، إذ رأوا أن غير هذا الطريق الخطر لا يمكن أن يصل بهم إلى أهدافهم الشريرة المبيتة المدروسة.
وكان الطاغية الأكبر والمرابى الشهير وملك المال بين يهود يثرب (كعب بن الأشرف) اليهودى من أشد اليهود استخفافًا بالمسلمين وتحديًا لهم وأكثرهم إيذائًا لرسول الله - ﷺ - وتحريضًا عليه، وكان شاعرًا مجيدًا، فصار بالإضافة إلى كل ذلك يجرح شعور المسلمين فيشبب بنسائهم ويتغزل فيهن بأسمائهن الصريحة.
وكان هذا اليهودى يرجع نسبه إلى قبيلة طئ العربية، وأمه من يهود بنى النضير، وكان له حصن منيع في طرف المدينة جنوب وادي مهزور، يحتوي هذا الحصن على المياه وفيه كل ما يحتاجه وأتباعه من سلاح وذخيرة وفيرة.
الطاغية ينقض العهد
وكان أول حافز له على نقض العهد ومحاولة تحطيم المسلمين هو انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى.
وذلك أن هذا اليهودى الكبير لما بلغه انتصار المسلمين في (بدر) ورأى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (١) اللذين أرسلهما النبي - ﷺ -
_________________
(١) انظر ترجمتهما في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٤ / ١١٤ ]
يبشران المسلمين بالنصر، وسمع كعب هذا أسماء زعماء قريش وقادتها الذين صرعوا يوم بدر قال في حنق وغيظ:
أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذا الرجلان - يعني زيدًا وابن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها (١).
التحريض على المسلمين
وبالرغم من المعاهدة المعقودة بين المسلمين والتزام اليهود بموجب هذه المعاهدة: عدم تأييد أو مد يد العون لقريش عدو المسلمين رقم واحد .. وبالرغم من أن اليهود لم يروا من المسلمين قبل بدر أو بعدها إلا الوفاء بالعهد وعدم إيصال أي أذى إلى اليهود، فإن هذا الطاغية (كعب بن الأشرف) قد اغتلم الحقد والغدر في نفسه فضرب بكل العهود والمواثيق عرض الحائط، وصمم على الإنتقام من المسلمين بغيًا وحسدًا ليس إلا.
الطاغية في مكة
ولعجزه عن القيام (منفردًا) بأي عمل عسكرى حاسم ضد المسلمين، فقد خرج من المدينة بقصد تحريض قبائل العرب على النبي - ﷺ -، وحشدهم ودعوتهم إلى شن الحرب على المسلمين، وقد وصل في جولاته التحريضية إلى مكة معقل قريش، فقابل زعماءها (وكانوا له أصدقاء)
_________________
(١) ابن هشام ج ٢ ص ٥١.
[ ٤ / ١١٥ ]
وفي اجتماعاته بهم صار يثير حفائظهم ويذكرهم بمصارع ساداتهم في معركة بدر، مثيرًا بذلك حقدهم على النبي - ﷺ -، ومهيجًا في نفوسهم نوازع الإنتقام من المسلمين لشجعهم على شن الحرب على النبي - ﷺ - وأتباعه.
وقد سلك كل سبيل لإثارة قريش وتحريضها على النبي - ﷺ -، حتى الشعر جعله من وسائل تحريضه، وكان (شاعرًا مجيدًا)، فصار يتنقل بين أندية قريش يلهب كوامن الحقد في نفوسهم بشعره المهيج المثير ويذكرهم بمن قتل من ساداتهم في معركة بدر، ومن شعره الذي قاله في مكة ورثى به قتلى قريش في بدر قوله:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم لا تبعدوا إن الملوك تصرع
كم قد أصيب به من أبيض ماجد ذي بهجة يأوى إليه الضيع
طلق اليدين إذا الكواكب أخلقت حمال أثقال يسود ويريع
ويقول أقوام أسر بسخطهم إن ابن الأشرف (١) ظل كعبا يجزع
صقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ظلت تسوخ بأهلها وتصدع
ثم قال يرثى أبا جهل خاصة:
نبئت أن بنى المغيرة كلهم خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا
إلى غير ذلك مما قاله شعرًا ونثرًا
ولا شك أن الشعر الجزل من أكبر المؤثرات التي تتأثر به نفوس العرب، فيكون له اليد الطولى في تحريك النفس وإلهاب العاطفة نحو أية
_________________
(١) يعني نفسه.
[ ٤ / ١١٦ ]
جهة يقصد الشاعر المجيد توجيهها نحوها، وخاصة في ذلك العصر حيث كان العرب (بدون استثناء) على غاية من الفصاحة وفهم الشعر وتنوقه، الأمر الذي كانوا معه على غاية من دقة الحساسية والتأثر في مجال البلاغة.
ولا شك أن شعر كعب بن الاشرف قد كان له أثره المهيج في نفوس قريش بالإضافة إلى محادثاته وتحريضاته في جولاته بين القبائل.
ومما لا جدال فيه أن عمل كعب بن الأشرف التحريضي هذا بمثابة العمل التمهيدى لمعركة أُحد أو هو من العوامل الفعالة التي ساهمت في التهيئة لهذه المعركة الحاسمة التي نقلتها قريش إلى عقر دار المسلمين في يثرب بعد سنة واحدة تقريبًا من معركة بدر.
إذا لم يرجع هذا اليهودى الخبيث من مكة حتى تقرر في مكة غزو المسلمين في عقر دارهم، ولا شك أن كعب بن الأشرف وقد أوعد قريشًا بتأييدهم ومد يد العون لهم عندما يقومون بغزو المسلمين، إلا أن الله تعالى عجل بروحه إلى النار قبل أن تنشب معركة أُحد.
مقتل طاغية اليهود
وذلك أن كعبًا هذا لما عاد إلى المدينة تعاظم شره وازداد خطره على كيان المسلمين، إذ أصبح مصدر تهديد لسلامة يثرب بأجمعها لما يقوم به من تحديات وتحريضات ضد المسلمين سافرة، يضاف إلى هذا سلطانه المالى الذي أخذ يستخدمه للإخلال بالأمن والتحريض على الحرب ضد
[ ٤ / ١١٧ ]
النبي - ﷺ - (١) الذي صبر طويلًا على تحديات وتهديدات وإساءات هذا اليهودى الطاغية المتجبر الذي لم ير من النبي - ﷺ - وصحبه إلا الوفاء بالعهد.
وعندما وصل كعب بن الأشرف إلى هذه المنزلة - منزلة العدو الناكث المجاهر بعداواته المتهئ للحرب والمحرض عليها، والذي لم يبق له (مع ذلك) عهد ولا ذمة - رأى النبي - ﷺ - أنه لا بد من وضع حد لطغيان هذا اليهودى ليتخلص المجتمع اليثربى من شروره وآثامه، لأن بقاءه هكذا حرًّا يحرض على الحرب ويعمل على الإخلال بالأمن يعني بقاء يثرب في حالة قلق واضطراب مستمر.
لذلك قرر الرسول - ﷺ - القضاء على هذا اليهودى الغادر الناكث المتمرد، فانتدب لقتله الصحابي الشهير محمد بن مسلمة الأنصاري، فقام بالاشتراك مع عدد من رجال الأنصار بقتله خارج حصمه فتمكن من ذلك في قصة يطول شرحها (٢).
_________________
(١) جاء في كتاب (معجزة محمد رسول الله) الجزء الثاني ص ٢٤٦ للسيد عبد العزيز الثعالبى ما يلي: "فلما قدم الرسول المدينة جاء أحبار اليهود من بنى قينقاع وبنى قريظة إلى كعب بن الأشرف لأخذ الجوائز منه على عادتهم، فقال لهم: ما عندكم من أمر محمد، فقالوا: هو الذي كنا ننتظره، ما أنكرنا من نعوته شيئًا، فردهم ردًّا عنيفًا، قال لهم: لقد حرمتم كثيرًا من الخير، ارجعوا إلى أهليكم، فإن حقوق الناس في مالى كثير! فانقلبوا خائبين، ثم رجعوا إليه بعد مدة، وقالوا: أنا أخطأنا فيما كنا أخبرناك به أولًا، فإنا لما استأذنا علماءنا أرشدونا إلى غلطنا، وقالوا ليس هو النبي المنتظر، فرضى عنهم ووصلهم وجعل لكل من تبعهم من الأحبار نصيبًا من ماله، وكان مكلفًا بهجاء رسول الله في أشعاره، وتحريض الكفار واليهود عليه، وكان يدفعهم إلى قتاله والتأليب عليه.
(٢) انظر التفاصيل في سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٥٤.
[ ٤ / ١١٨ ]
هدوء اليهود بعد مصرع الطاغية
وقد لزم باقي اليهود الهدوء وعادوا إلى جحورهم يرتجفون فزعًا، فانطووا على أنفسهم فعمهم الذعر بعد أن وقف النبي - ﷺ - من تحرشاتهم ومحاولاتهم العبث بالأمن والاستقرار تلك المواقف الحازمة التي تقضى مصلحة الامة ويفرض النص القرآنى الصريح أن يقفها النبي القائد المسئول من كل مخرب خائن، هذا النص الذي يقضى بالمبادرة إلى ضرب قواعد الغدر والخيانة وشل حركتها قبل أن يتعاظم شرها ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١).
فقد كانت محاصرة يهود بنى قينقاع الناكثين ثم إجلاوهم عن المدينة، والتمكن من قتل الطاغية الناكث المتمرد كعب بن الأشرف درسًا قاسيًا وعاه اليهود جيدًا، فاستكانوا، لأنه تأكد لديهم أن الرسول - ﷺ - وهو المسئول الأول عن الأمن والنظام والاستقرار في المنطقة - ﷺ - والمكلف بحماية دعوة التوحيد من عبث العابثين وتأمر المخربين - لن يتوانى في اللجوء إلى القوة والضرب بعنف حين لا يجدى اللين والنصح والصبر والتسامح، مع من يريد العبث بالأمن والاستهتار بالعهود والمواثيق وعدم احترامها إلا عندما تكون في حاجة إليها.
استقرار الأحوال في المدينة
ولهذا - وبعد تلك الضربات السريعة الحاسمة التي وجهها النبي
_________________
(١) الأنفال آية ٥٨.
[ ٤ / ١١٩ ]
القائد إلى أوكار الغدر والخيانة والتآمر - فقد استكان اليهود إذ لم يبد منهم (لفترة محدودة) أي تحرش أو استفزاز، فاستقرت الأحوال في الداخل طيلة تلك الفترة بعد أن لزم اليهود والمنافقون الهدوء وتظاهروا بأنهم عند عهدهم وميثاقهم المبرم.
وقد ساعد هذا الهدوء الداخلى النبي القائد - ﷺ - على التفرغ لمواجهة التهديدات الخطيرة التي يتوقع حدوثها من خارج المدينة، وخاصة من جانب الأعراب المحيطين بيثرب، ومن جانب قريش التي لم يغب عن بال المسلمين أنها لن تسكت عن الإهانة الكبرى التي نزلت بجيشها ومرغت كبرياءه في معركة بدر الكبرى والتي زعزعت سلطانها السياسي والروحى في جزيرة العرب، وأنها لذلك لا بد قائمة بحرب انتقامية واسعة النطاق ضد المسلمين.
النبي والخطر الخارجي
وفعلًا فقد واجه النبي - ﷺ - الأخطار الخارجية بمنتهى الحكمة والسرعة والحزم والثبات، فبعد أن فرض الهدوء والاستقرار في داخل يثرب بالقضاء على المخربين والمشاغبين من اليهود وجه خمس حملات عسكرية ضد الأعداء في الخارج، قاد أربعًا منها بنفسه .. ثلاثًا ضد أعراب نجد الواقعين شرقي المدينة، وواحدة طارد بها غزاة قرشيين جاؤوا بقيادة أبي سفيان الذي استعان بأحد سادات يهود بنى النضير ليدله على عورات المسلمين وهو سلام بن مشكم ..
أما الحملة الخارجية الخامسة فقد قادها مولى النبي - ﷺ - زيد ابن
[ ٤ / ١٢٠ ]
حارثة فاستولت على قافلة لقريش جاءت من الشام في طريقها إلى مكة عبر طريق جديد يمر شرقي المدينة.
وقد نجح الرسول القائد - ﷺ - في كل هذه الحملات العسكرية الخمس نجاحًا كاملًا كان له أثره الكبير في شحن نفوس اليهود والمنافقين في الداخل بهيبته، فقد ضرب الأعراب في نجد ضربات سريعة صاعقة شتت بها شملهم في منازلهم، كما أوقع بقريش وأنزل بها خسائر مادية كبيرة زادت قريشًا وهنًا على وهن.
الموقف بعد نكسة أحد
سجل النبي - ﷺ - كل هذه الانتصارات في الداخل والخارج في الفترة الواقعة ما بين معركة (بدر) ومعركة (أحد) التي لم يعد اليهود إلى عبثهم وتحرشهم بالمسلمين وتآمرهم ضدهم إلا بعد أن أصيب الجيش الإسلامي في هذه المعركة بللك النكسة الموجعة التي فقد المسلمون بسببها سبعين شهيدًا من خيرة محاربيهم، هم في أمس الحاجة إليهم.
فبعد هذه النكسة تحركت كوامن الغدر والخيانة في نفوس اليهود من جديد، فقد شجعتهم هذه النكسة وبعثت الأمل في نفوسهم وزاد الطين بلة أن المعسكر الإسلامي في يثرب أصيب بنكبتين عقب نكستهم في أحد بأشهر قلائل، فقد المسلمون في هاتين النكبتين أكثر من ثمانين قتيلًا غدرًا على أيدى الأعراب في نجد والحجاز كما هو مفصل في حادثتى الرجيع وبئر معونة في الفصل الأول من كتبانا (غزوة الأحزاب)، وهذا
[ ٤ / ١٢١ ]
يعني أن المسلمين فقدوا في هذه الكوارث الثلاث (وفي سنة واحدة) أكثر من اثنين وعشرين في المائة من قواتهم المسلحة، وهي خسارة مفزعة مخيفة إذا ما علمنا أن مجموع القوات المسلحة الإسلامية الوليدة كلها لم يتجاوز في تلك الفترة الحاسمة أكثر من ثمانمائة مقاتل.
نشاط اليهود من جديد
وهذا دونما جدال هو الذي شجع اليهود على استعادة نشاطهم المشبوه ضد العهد الجديد، فأخذوا يتحركون من جديد، فاتصلوا بالمنافقين وصاروا مجتمعين يحبكون المؤامرات ويحيكون الدسائس ضد المسلمين، وعلى الخصوص ضد النبي - ﷺ -، فأثبتوا مرة أخرى أن العهود والمواثيق التي يبرمونها مع غيرهم إنما هي (في نظرهم) حبر على ورق يتمسكون عندما يكون في صالحهم وعندما يكونون في حاجة إلى التمسك به.
بنو النضير ينقضون العهد
وقد كان يهود بنى النضير هذه المرة هم السابقين إلى نقض العهد والغدر بالمسلمين ومحاولة القضاء عليهم ولو عن طريق القوة وسفك الدم والاغتيال أو حتى إعلان الحرب، شجعهم على ذلك - بالإضافة إلى ما أصيبت به القوات الإسلامية المسلحة من خسائر فادحة في أحد والرجيع وبئر معونة - أن النبي القائد - ﷺ - كان بعد معركة أحد يواجه أخطارًا خارجية كبيرة شرع في معالجتها فورًا.
[ ٤ / ١٢٢ ]
أتت هذه الأخطار من قبل أعراب نجد والحجاز الذين عادوا (كاليهود تمامًا) إلى نشاطهم ضد المسلمين، حيث طمعوا فيهم بعد أن ظنوا بهم الضعف والانهيار بعد النكسة العسكرية التي أصيبوا بها في موقعة أحد.
فقد أخذ هؤلاء الأعراب من بنى أسد في نجد وهذيل في الحجاز يحشدون قواهم للإغارة على المدينة بقصد القضاء على المسلمين والاستيلاء على كل خيرات المدينة وزروعها وثمارها، مما اضطر النبي القائد - ﷺ - إلى أن يبادر فيوجه جل إهتمامه لدفع الخطر والقضاء عليه في مكان تجمعه قبل أن يتحرك نحو يثرب.
فجرد حملة عسكرية بقيادة أحد أصحابه لتأديب بنى أسد وضربهم في ديارهم، كما أرسل أحد الفدائيين من أصحابه إلى الحجاز ليفتك بقائد الحشد الهذلى قبل أن يتحرك بحشوده، وقد نجح النبي - ﷺ - في تفادى خطر الغزو الخارجى هذا، إذ تمكن قائد جيشه إلى بنى أسد من الوصول إلى ديار هذه القبيلة وتشتيت حشودها قبل أن تتحرك كما تمكن الفدائى من أصحابه من قتل قائد الحشد الهذلى في الحجاز قبل أن يتحرك نحو المدينة (١). إلا أن هذه الحركات السريعة الناجحة التي دفع بها النبي - ﷺ - الخطر الخارجى لم يكن له كبير أثر على تحركات اليهود المشبوهة، فقد استمروا في رسم مخططاتهم العدوانية وتنظيماتهم التخريبية ضد المسلمين، شجعهم على ذلك ما تعرض له
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه الحوادث في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول.
[ ٤ / ١٢٣ ]
المسلمون من كوارث متلاحقة خلال الأشهر القلائل التي تلت نكبة أُحد.
فاجعة بئر معونة
ففي شهر صفر من السنة الثالثة للهجرة، وبعد أربعة أشهر فقط من موقعة أحد نزلت بالأمة الإسلامية الوليدة نكبة مروعة، لا تقل في آثارها العميقة الموجعة عن نكبة أحد، فقد جاء أحد سادات بنى عامر في نجد وهو جعفر بن مالك الملقب (بملاعب الأسنة)، جاء إلى النبي - ﷺ - وبعد أن سمع من أعجبه ما سمع فلم يسلم ولكنه لم يبعد من الإسلام، ثم أشار على النبي - ﷺ - أن يرسل إلى نجد بعثة ممن أصحابه تدعو إلى الإسلام وتشرح للناس حقائقه وأهدافه لعلهم يستجيبوا له.
ولما أبدى النبي - ﷺ - تخوفه غدر أهل نجد على أصحابه، أعلن الزعيم العامري بأنهم في جواره ما داموا هناك .. والجوار له منزلته العظمى عند العرب، فهو بمثابة صك الحماية والأمان، يبذل معطيه روحه للدفاع عمن أعطاه له.
ولما كان (ملاعب الأسنة) زعيمًا من كبار زعماء بنى عامر، وكان صادقًا في حديثه اطمأن النبي - ﷺ - ووافق على اقتراحه، فأرسل (في جواره) إلى نجد سبعين من خيرة أصحابه وشجعانهم وكبار فقهائهم وقرائهم برسم الدعوة إلى الإسلام ونشره في تلك الربوع بالطرق وقرائهم برسم الدعوة إلى الإسلام بالطرق السليمة التعليمية الصرفة، ولكن عدو الله عامر بن الطفيل العامري وهو شاب وثنى طائش أرعن استخف بعضًا
[ ٤ / ١٢٤ ]
من قومه الأشرار وبعض القبائل الأخرى المأجورة الذين بلغ عددهم الألف، فغدر بالمسلمين وهم في جوار عمه، إذ هجم عليهم على حين غرة فأبادهم عن بكرة أبيهم بعد أن قاوموا مقاومة باسلة (١).
من آثار النكبة
وقد اهتز المجتمع الإسلامي في يثرب لهذه الفاجعة وتأثر النبي - ﷺ - لها تأثرًا عظيمًا، بينما سر المنافقون واليهود سرورًا بالغًا، وكان من أثر هذا السرور أن نفخ الشيطان في مناخر يهود بنى النضير فنشطت في نفوسهم نوازع الشر والغدر والخيانة، فتحركوا في جديد وعادوا إلى مؤمراتهم الخبيثة، وفي هذه المرة توسعوا في مخططاتهم الإجرامية مستغلين أثر النكبة الجديدة التي نزلت بالمسليمن في بئر معونة بنجد، وكذلك التي نزلت بهم بعدها في ذات الرجيع.
فقد بلغت الجرأة بهؤلاء اليهود إلى أن يخططوا لارتكاب أشنع جريمة عرفها التاريخ، وهي اغتيال النبي - ﷺ -، فبعد عدة أيام من الكارثة التي أصيب بها المسلمون في ديار بنى عامر بنجد سنحت الفرصة ليهود بنى النضير فعقدوا العزم على تنفيذ مخططهم الإجرامى باغتيال الرسول الأعظم - ﷺ - في ديارهم. فقد صادف أن رجلًا من المسلمين (عمرو بن أمية الضمرى) كان خارج المدينة، فقتل رجلين من بنى عامر الذين غدروا بالسبعين من الصحابة وهو يظن أنه قد ثأر للمسلمين، ولم يعلم أن النبي
_________________
(١) انظر تفصيل هذه الفاجعة في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول.
[ ٤ / ١٢٥ ]
- ﷺ -، قد أعطاهما عهدًا بالأمان بالرغم من أنهما مشركان ومن القبيلة التي غدر رجالها بالسبعين من الصحابة.
النبي في ديار بني النضير
وكما هي عادة النبي - ﷺ - وسجيته في الوفاء وتنفيذ العهود والمواثيق نصًّا وروحًا لم يترك دم هذين العامريين اللذين قتلا خطأ يذهب هدرًا، فقد قرر حسب أصول المعاهدات في مثل هذه الحالة أن يبعث بديتيهما إلى أهليهما في ديار بنى عامر الذين اشتركوا في الغدر بالسبعين من الصحابة وهم في جوار سيدهم ملاعب الأسنة.
وقد شاء الله (لهذه المناسبة) أن يحضر النبي - ﷺ - في قلة من أصحابه إلى ديار يهود بني النضير التي تبعد عن المدينة عدة أميال .. جاء إليهم غير مسلح ولا مستعد لحرب، لأن بينه وبينهم معاهدة عدم اعتداء، بل معاهدة دفاع مشترك عن المدينة، لذلك جاء إليهم وهو مطمئن لا يفكر في أنهم سيجرؤون على إيصال أي شر إليه.
وسبب مجيئه إلى ديار بنى النضير هو التحدث إلى هؤلاء اليهود (بحكم المعاهدة التي بينه وبينهم وبحكمهم حلفاء بنى عامر) ليساهموا مع المسلمين في دفع دية ذينك الرجلين العامريين المشركين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى دون علمه بعهدهما.
فرصة كبيرة؟ ! !
وكان هؤلاء اليهود (كما قلنا) يتحينون الفرص ويتصيدون الأوقات المناسبة التي تمكنهم من اغتيال النبي - ﷺ - والتخلص منه شخصيًا دونما
[ ٤ / ١٢٦ ]
للجوء إلى شن حرب شاملة سافرة، لأنهم أجبن وأحقر من أن يخوضوا مثل هذه الحرب ضد المسلمين في يثرب، ولهذا فقد كان وصول النبي القائد - ﷺ - إلى ديار هؤلاء اليهود منفردًا في قلة من أصحابه أكبر فرصة تسنح لهؤلاء اليهود المجرمين وتواتيهم لقتل النبي الأعظم - ﷺ -.
وقد شرعوا فورًا في اغتنام هذه الفرصة في الحال، فعندما فاتحهم النبي - ﷺ - بشأن دية العامريين لم يترددوا في إعلان الإستجابة إلى طلبه حيث قالوا: "نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أجبت مما استعنت بنا عليه" (١).
ولم يكن إعلان هذه الاستجابة من هؤلاء اليهود إلا خدعة أرادوا بها تطمين النبي الأعظم - ﷺ - ليبقى في ديارهم حتى يتمكنوا من اغتياله بعيدًا عن المدينة، وفعلًا شرعوا لا في جمع المال الذي وعدوا بتقديمه مساهمة في دفع ديتى العامريين، وإنما في تنفيذ المخطط الجهنمى الذي رسموه لاغتيال النبي، - ﷺ - غير أن الله ﷾ فضحهم حيث انكشف أمرهم بعد أن عرف النبي - ﷺ -. حقيقة ما يدبرون له من مؤامرة الإغتيال الفظيعة، فنجاه الله من شر هذه المؤامرة، إذ تمكن (بمهارة) من مغادرة ديار هؤلاء اليهود قبل أن يتمكنوا من تنفيذ ما أرادوا تنفيذه من مخطط الغدر والخيانة.
فقد ذكر ابن إسحاق أن يهود بنى النضير عقدوا اجتماعًا فيما بينهم بمجرد وصول النبي - ﷺ - وبحثوا في هذا الاجتماع موضوع اغتيال النبي - ﷺ - والتخلص منه، مغتنمين فرصة انفراده بعيدًا عن المدينة، وقد
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٩٠.
[ ٤ / ١٢٧ ]
قال قائلهم ومقدم اقتراح القيام بالاغتيال في الحال" ولا أظنه إلا حيى بن أخطب": إنكم والله لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه (١).
وذكر بعض المؤرخين (وأظنه ابن سعد) أن أحد سادات بنى النضير وأحبارها وهو (سلام بن مشكم) عارض اقتراح اغتيال النبي - ﷺ - معارضة شديدة قائلًا: لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه.
غير أن معارضة ابن مشكم هذه رفضت حيث قرر المجتمعون السير في طريق المؤامرة والقيام بتنفيذها بأسرع ما يمكن، وشرعوا (فعلًا) في التنفيذ.
فقد أسندوا مهمة الاغتيال إلى أحد مجرميهم، فكلفوه بأن يصعد إلى أعلي الحصن الذي كان الرسول الأعظم - ﷺ - جالسًا في ظله آمنًا فيلقى عليه صخرة تقضى عليه في الحال.
إلا أن الله تعالى نجى نبيه إذ بلغه نبأ هذه المؤامرة الدنيئة قبل تنفيذها بقليل، فغادر مكانه قبل الشروع في تنفيذ المرحلة الأخيرة من هذه المؤامرة، ويقول ابن إسحاق إن خبر المؤامرة قد تلقاه النبي الأعظم - ﷺ - من السماء (١).
وهكذا افتضح أمر اليهود المجرمين فأسقط في أيديهم وتمنوا لو أنهم أصغوا إلى معارضة سلام بن مشكم الذي نصحهم وحذرهم وأنذرهم بأن الوحي سيكشف للنبي - ﷺ - خبر هذه المؤامرة إن هم استمروا في السير في طريقها الخطر.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٩٠.
[ ٤ / ١٢٨ ]
المحاصرة ثم الجلاء
وبعد أن اكتشف النبي - ﷺ - هذه المؤامرة عاد لتوه إلى المدينة، ثم وجّه إنذارًا إلى يهود بنى النضير بأن يجلوا عن يثرب، وأعطاهم مهلة مدتها عشرة أيام، إذ استدعى الصحابي الشهير محمد بن مسلمة الأنصاري وقال له: "اذهب إلى يهود بنى النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادى، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم مما هممتم به من الغدر، لقد أجلتكم عشرًا، فمن رؤى بعد ذلك ضربت عنقه (١).
وقد رفض اليهود الإنذار النبوى، وأعلنوا أنهم سيقاومون حتى النهاية، فضرب النبي - ﷺ - عليهم الحصار فلم يصمدوا، فبعد مرور حوالي عشرين يومًا فقط على محاصرتهم شرعوا في مفاوضة النبي للتسليم، وقد انتهت المفاوضة بالاتفاق على أن يجلوا يهود بني النضير عن يثرب جلاءً تامًّا، ولهم أن يحملوا من أموالهم ما يقدرون على حمله ما عدا السلاح، وقد ضمن النبي القائد لهؤلاء اليهود عند الجلاء سلامة أوواحهم وأموالهم حتى يجتازوا المنطقة الخاضعة لسلطان المسلمين.
وفعلا تم إجلاء هؤلاء اليهود، اللهم إلا من أسلم منهم، وهم رجلان فقط، وبعد أن تمت عملية الجلاء نزل أكثر هؤلاء اليهود منطقة خيبر، والقليل منهم ذهب إلى الشام، وبجلاء يهود بنى النضير لم يبق في منطقة يثرب من اليهود سوى قبيلة واحدة وهي قبيلة بنى قريظة الذين يبلغ عددهم رجالا ونساء حوالي الألفين،
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٥٧.
[ ٤ / ١٢٩ ]
ويقول البخاري إن يهود بني قريظة حاربوا المسلمين إلى جانب بني النضير، إلا أن النبي - ﷺ - عفا عنهم في الوقت الذي أجلى فيه يهود بن النضير عن المدينة.
وقد أنزل الله تعالى في حادثة بنى النضير سورة الحشر بأكملها: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآيات (١).
مركز التآمر في خيبر
كانت خيبر (وهي تقع في الشمال الشرقي للمدينة) هي (بعد يثرب) المركز الثاني للتجمع اليهودى في جزيرة العرب، وإذا كان اليهود في يثرب قد بدأ الصدام بينهم وبين العرب (الأوس والخزرج) ونشبت بينهم الحروب للسيطرة على يثرب قبل ظهور الإسلام بعدّة قرون، فإن اليهود الدخلاء في خيبر منذ تمت لهم السيطرة على هذه الأرض العربية الزراعية الخصبة لم يستطع أحد من العرب أن ينازعهم السلطة عليها كما حدث لليهود في يثرب.
ولهذا فقد كانت خيبر (حتى سقوطها في أيدى المسلمين) أشبه بمستعمرة يهودية صرفة داخل قلب الجزيرة العربية، فكان اليهود يسيطرون عليها سيطرة تامة، وكانت لهم فيها قوات مسلحة كبيرة فكانت لذلك وجهة أكثرية يهود بنى النضير الذين أجلاهم النبي - ﷺ - عن يثرب، فقد نزل هؤلاء اليهود خيبر فرحب بهم إخوانهم
_________________
(١) انظر تفاصيل إجلاء يهود بني النضير في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول.
[ ٤ / ١٣٠ ]
من أهلها، وكان من زعماء بنى النضير الذين نزلوا مع قومهم في خيبر، حيى بن أخطب وسلَّام بن أبي الحُقيَق، وكنانة بن الربيع.
سيطرة بني النضير على خيبر
لقد كان يهود بنى النضير من أغنياء اليهود في جزيرة العرب، وكانوا يتحكمون في اقتصاديات منطقة يثرب وما جاورها تحكمًا كاملًا، وكان زعماؤهم - بالإضافة إلى هذا - يمتازون بالدهاء والمكر والحقد العارم على النبي - ﷺ - خاصة.
ومع هذا لم يكن النبي - ﷺ - شديدًا في معاملتهم عندما نفاهم من المدينة بعد ضرب الحصار عليهم، فقد سمح لهم بأن ينقلوا معهم كل ما يقدرون على حمله من الأموال، ومن المعروف عن اليهود منذ القدم أن أكثر ما يكنزونه هو الذهب والفضة.
ولهذا فقد أوقر هؤلاء اليهود عشرات الجمال وحملوا معهم كل ما يملكون من ذهب وفضة وهو شيء عظيم، حتى إن أحد زعمائهم (وهو سلَّام بن أبي الحُقيق) حمل معه إلى خيبر خزينة كبيرة (جلد ثور) مملوءة ذهبًا وفضة، وكان يضرب على هذه الخزينة في حنق وغيظ، وهو يقول: (وكأنه يهدد المسلمين بالحرب): هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها (١).
وبنزول يهود بني النضير في خيبر، شعر هؤلاء اليهود بالنشاط والقوة من جديد، لا سيما أن يهود خيبر دانوا لبني النضير بسبب
_________________
(١) من مقدمة كتابنا (غزوة الأحزاب).
[ ٤ / ١٣١ ]
قوتهم المالية، فصار سادات بني النضير أمثال (حُيَيّ بن أخطب وكنانة بن الربيع، وسلّام بن أبي الحُقيَق)، هم سادة خيبر الحقيقيون.
لم يتّعظ اليهود بما أصابهم في المدينة وما حل بهم من نفي نتيجة غدرهم وخيانتهم وتآمرهم، ولم يثمر اللين والتسامح الذي انتهجه النبي الأعظم - ﷺ - معهم حين اكتفى بنفيهم من المدينة وسمح لهم بنقل كل ما يقدرون على نقله من أموالهم، بل أبت طبيعة الغدر والخيانة والتآمر السابحة في دمائهم إلا أن تسير بهم في طريقهم المألوف، طريق الدس والفتنة والتآمر وإثارة الحروب ضد المسلمين.
اليهود وغزوة الأحزاب
فقد ظلت أحلام العودة إلى يثرب والسيطرة عليها من جديد تراود زعماء خيبر الجدد من سادات بني النضير المنفيين من يثرب، وزادهم تشبثًا بأحلامهم وسدورا في غيهم أن رأوا خيبر قد دانت لهم، فرأوا حولهم من القوة فيها ووحدة الكلمة ما لم يروه بين بني دينهم في يثرب، لذلك شرعوا في التآمر من جديد على المسلمين وأخذوا يُعِدون العُدة لتهيئة ضربة إلى المسلمين قرروا أن تكون قاتلة لا حياة بعدها هذه المرة.
فلم تمض على نزولهم خيبر أيام معدودات حتى شرعوا بالاتفاق مع زعماء خيبر في إعداد خطط التآمر الجديدة الموجهة ضد النبي وصحبه في يثرب، وكانت نتيجة هذا السعي والإعداد أنه لم تمض على إقامتهم في منفاهم الجديد (خيبر) أربعة أشهر حتى خرجوا
[ ٤ / ١٣٢ ]
بمخطط حربي شامل رهيب علقوا أملهم في العودة إلى يثرب ومحو الوجود الإسلامي على نجاحه.
فقد أعدوا للتخلص من الإسلام والمسلمين (نهائيا) مشروع غزو شامل كبير يتلخص فيا يلي:
١ - السعي لدى القبائل العربية المعادية للإسلام في نجد والحجاز لإثارة كوامن الحقد والبغض في نفوسها ضد المسلمين، وإغرائها بغزو المدينة للسلب والنهب والتخلص من المسلمين.
٢ - الاتصال بزعماء وقادة هذه القبائل القوية ودعوتهم وإغرائهم بالرشوة والوعود لإنشاء قوة عربية وثنية ضاربة من جميع هذه القبائل المختلفة تتحد في جيش واحد كبير تحت قيادة واحدة.
٣ - على أن يكون الهدف الرئيسى لهذه القوة الضاربة هو غزو المدينة واجتثاث جذور الإسلام ومحو كيان المسلمين فيها محوًا تامًّا.
٤ - الاتصال بزعماء يهود بني قريظة الباقين في يثرب (وعدد المقاتلين فيهم حوالي الألف) لإقناعهم بالموافقة على مشروع غزو المسلمين والانضمام إلى الجيوش الغازية إبان وصولها ضواحي المدينة، والتأكيد لزعماء القبائل العربية المعادية الغازية بأن بنى قريظة سيكون لهم عونًا على المسلمين ساعة شروعهم في غزوهم.
وعلى أساس هذا المخطط خرج من خيبر وفد يضم زعماء اليهود وعلى رأسهم قادة بنى النضير المنفيين من يثرب، يقدمهم رأس الفتنة والشر (حُيَي بن أخطب)، خرج هذا الوفد اليهودي من خيبر في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة، بقصد الدعاية لهذا المشروع وتحقيقة بين العرب الوثنيين في نجد والحجاز.
[ ٤ / ١٣٣ ]
وكانت الوجهة الأولى لهذا الوفد مكة المكرمة، حيث وصل إليها وأجرى محادثات مع زعمائها المشركين حول مشروع الغزو المخطط له في خيبر، وقد لقى هذا المشروع كل الترحيب والتأييد من زعماء قريش، ولم يخرج الوفد اليهودي من مكة حتى ضمن تأييد قريش لذلك المشروع العدواني بعد أن اتفق معهم على الميعاد المحدد لهذا الغزو.
وبعد أن نال المشروع اليهودي الموافقة التامة من قِبَل زعماء مكة، اتجه الوفد اليهودى ناحية قبائل نجد من غطفان وفَزارة وأشجع ومُرةً ولدى وصول الوفد إلى ديار هذه القبائل عرض على زعمائها مشروع الغزو الخطير، وبعد محادثات غير قصيرة وافقت هذه القبائل على الاشتراك في تنفيذ مشروع الغزو العدواني الخطير، ولم يعد الوفد اليهودي من رحلته إلى مكة ونجد إلا بعد أن حشد عشرة آلاف مقاتل من قريش وقبائل نجد تحركت كل هذه الآلاف نحو المدينة لغزوها وسحق المسلمين (١) فكانت غزوة الأحزاب الشهيرة التي كانت موضوع كتابنا الثالث من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) والسابق لهذا الكتاب، الذي هو الكتاب الرابع من هذه السلسلة التاريخية.
وهكذا فغزوة الأحزاب الرهيبة المخيفة تلك، ليست في حد ذاتها إلا غزوة يهودية صرفة خطط لها التفكير الإسرائيلي في خيبر، وقام بتموينها المال اليهودي الذي لا يُنفق (إن أنفق) إلا على إثارة الحروب وشراء الذمم لبسط النفوذ اليهودي.
_________________
(١) انظر التفاصيل الكاملة لهذا المخطط اليهودي الخطير وتفاصيل تنقلات هذا الوفد ومحادثاته مع القبائل النجدية والقرشية في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الثاني.
[ ٤ / ١٣٤ ]
ولقد كاد اليهود ينجحون في تنفيذ مشروعهم العدواني الخبيث، إلا أن الله ﷾ حال دون تنفيذ هذا المشروع في اللحظات الأخيرة، إذ رد كيد المعتدين إلى نحورهم وحفظ الله نبيه وصحبه فعاد الغزاة يجرون أذيال الخيبة والانحدار لم ينالوا خيرًا، ونجت المدينة من خطر الاحتلال، حيث انسحبت جيوش الأحزاب الغازية بعد حصار دام حوالي شهرين من الزمن دون تحقق أي هدف من أهدافها العدوانية، كما هو مفصل في كتابنا (غزوة الأحزاب)، كما نال الخونة الغادرون من يهود المدينة جزاءهم العادل الصارم، كما سيأتي تفصيله في هذا الكتاب كما مكن الله المسلمين من القضاء على قواعد العدوان اليهودي في خيبر باستيلاء المسلمين على هذه المنطقة وإبادة رؤوس الغدر والتآمر فيها الذين وضعوا مخطط مشروع غزوة الأحزاب الرهيبة كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في كتابنا (غزوة خيبر) (١) وهو الكتاب الخامس من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) الذي سيتلو هذا الكتاب مباشرة إن شاء الله.
_________________
(١) لم نتوسع في تاريخ يهود خيبر لأننا سنتعرض لذلك بالتفصيل في كتابنا (غزوة خيبر) كما سنفرد كتابًا خاصًّا عن تاريخ اليهود في جزيرة العرب إن شاء الله.
[ ٤ / ١٣٥ ]
الفصل الثالث
* محاسبة يهود بني قريظة على خيانتهم.
* فرض الحصار عليهم.
* استسلامهم بدون قيد ولا شروط.
* تحكيم حليفهم سعد بن معاذ.
* الحكم بالإعدام علي جميع رجالهم.
* تنفيذ حكم الموت في ثمانمائة رجل منهم.
ذكرنا في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول ص ٣٤: أن هناك معاهدة، تحالف قد عقدت بين المسلمين واليهود جميعًا. تتكون هذه المعاهدة من عدة بنود، من بينها بند، نص صراحة على التزام المسلمين واليهود بواجب الدفاع المشترك عن يثرب ضد أي اعتداء خارجى، عبء المسلمين في مسؤولية هذا الدفاع كعبء اليهود تمامًا.
كما نصت هذه المعاهدة (أيضًا) على وجوب التزام الفريقين بالتعايش السلمي والتعهد بعدم اعتداء أحدهما على الآخر في الداخل.
وكان المفروض (طبقًا لهذه المعاهدة) أن ينضم يهود بني قريظة إلى جانب المسلمين للدفاع عن المدينة عندما أحاطت بها جيوش
[ ٤ / ١٣٧ ]
الأحزاب، وأن يكونوا ضمن جيش المسلمين في مواجهة تلك الجيوش الغازية المعتدية.
ولكن الذي حدث من بني قريظة (كما فصلناه في كتابنا -غزوة الأحزاب- في مكانه) هو العكس، فقد غدر هؤلاء اليهود بالمسلمين وحاولوا ضرب جيشهم من الخلف في أحرج الظروف وأدق ساعات المصير.
حيث أعلن هؤلاء اليهود (بدلًا من قيامهم بالتزامات المعاهدة) أعلنوا انضمامهم إلى الغزاة المعتدين في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة التي كان فيها مصير كل الكيان الإسلامي في مهب العاصفة حيث كان جيش المسلمين الصغير الذي لا يزيد عدده على ألف مقاتل يواجه عشرة آلاف مقاتل يفوقونه في كل شيء مادي، قد أحاطوا به كما يحيط البحر الهادر بالجزيرة الصغيرة ويهددها بالابتلاع من جميع جهاتها في كل لحظة.
لقد غدر بنو قريظة بالمسلمين تلك الغدرة الشنعاء، غير مبالين بشرف الكلمة التي أعطوها لهم بتوقيعهم على معاهدة التحالف تلك، ولا مقدرين لما يترتب على ذلك الغدر الشنيع من نتائج خطيرة غدروا بالمسلمين وخانوهم في تلك الظروف الحربية الخانقة، بالرغم من أن هؤلاء اليهود -باعتراف زعيمهم كعب بن أسد- لم يروا من النبي - ﷺ - وأصحابه إلا الصدق والوفاء بالعهد والوقوف بشرف عند الكلمة التي أعطوها في عهد التحالف المبرم بين الفريقين (١).
_________________
(١) انظر اعترافات سيد بني قريظة هذا بوفاء النبي ﷺ بالعهد وصدقه في تنفيذة في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الثالث ص ١٨٣.
[ ٤ / ١٣٨ ]
فضرب بنو قريظة بذلك أعلى رقم قياسي في دنيا الغدر والخيانة، فأعطوا الدليل (مرة أخرى) عن خبث معدنهم، وعلى اللؤم والنذالة والخسة المتأصلة في نفوسهم والسابحة في كيانهم، سبح الدم في سرايينهم، وعلى أن العهود والمواثيق (عندهم) لا قيمة لها ولا احترام، إلا عندما يكون في الإلتزام بها وتنفيذها مصلحة لهم.
وذكرنا في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الثالث ص ١٨٧ وما بعدها -أن النبي - ﷺ - إقامة للحجة ومحاولة لإصلاح ما أفسده اليهود- أرسل وفدًا إليهم ليذكرهم بالعهد ويطالبهم بالوفاء به والقيام بتنفيذ التزاماته، وذكرنا أن هذا الوفد وصل (فعلًا) إلى ديار بني قريظة برئاسة حليفهم سيد الأوس سعد بن معاذ، فذكرهم ونصحهم وحذرهم مغبة الإصرار على السير في طريق الغدر والخيانة ونبههم (بصدق) إلى ما قد يترتب على ذلك من نتائج وخيمة قد يكون فيها إبادتهم جميعًا.
وذكرنا أن هؤلاء اليهود قد ردوا هذا الوفد ردًّا قبيحًا وأعلنوا في (صفاقة ووقاحة) بأنهم لن يتراجعوا عن موقف الخيانة والغدر الذي أعلنوه، وأنهم قد أصبحوا حربا على المسلمين، وأنهم لا يعرفون محمدًا ولم يعد بينهم وبينه أي عهد أو حلف.
وذكرنا أنهم بدأوا بالفعل في الاستعداد للهجوم على المسلمين من الخلف حسب الخطة المتفق عليها مع الغزاة، وأنهم بدأوا، يمدون الغزاة بالمؤن (١) كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد مواطنيهم وحلفائهم المسلمين.
_________________
(١) انظر تفصيل مصادرة المسلمين لعشرين جملا محملة بالمؤن أرسلها بنو قريظة للأحزاب في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الثالث ص ٢٢٣ الطبعة الفائتة.
[ ٤ / ١٣٩ ]
بنو قريظة وإبادة المسلمين
لقد اعتبر بنو قريظة وجود جيوش الأحزاب الضاربة حول المدينة فرصة ثمينة للتعجيل بسحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة.
وما كانوا يشكون لحظة (إذ ارتكبوا ما ارتكبوا) في أن جيوش الأحزاب قادرة كل المقدرة على إبادة المسلمين واستئصال شأفتهم استئصالا كاملًا، ولذلك لم يتورعوا عن الانضمام إلى الغزاة، إذ فعلوا ذلك غير مبالين بما أعطوا من عهود وأبرموا من مواثيق.
وقد ذكرنا عبر كتابنا (غزوة الأحزاب) كيف انتهى ذلك الغزو المخيف بانسحاب الأحزاب دون أن تتمكن قواتهم من اقتحام المدينة، ودون أن تحقق أي شيء من الأهداف التي جاءت لتحقيقها وكيف تُرك بنو قريظة وحدهم في الميدان ليواجهوا المصير الذي يستحقه كل خائن وغادر وناكث.
غزوة بني قريظة امتداد للأحزاب
وعلى هذا فإن غزوة بني قريظة في حد ذاتها هي امتداد لمعركة الأحزاب، فقد كان يهود بني قريظة يمثلون الجناح الثالث للاتحاد العسكري الوثني اليهودي الذي قام لسحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة.
فبنو قريظة بالإضافة إلى ارتكابهم جريمة الخيانة العظمى، يعتبرون غزاة محاربين بانضمامهم إلى جيوش الأحزاب الغازية وإعلانهم بأنهم جزء لا يتجزأ منهم ضد المسلمين، ومباشرتهم،
[ ٤ / ١٤٠ ]
بالفعل التحرك لضربهم من الخلف مساندة للغزاة وقيامهم بمد هؤلاء الغزاة بالتموينات.
وعلى هذا فإن معركة الأحزاب عندما انتهت بذلك النصر المؤزّر للمسلمين على المشركين باندحارهم وانسحابهم خائبين لم يحققوا شيئًا من أهداف غزوهم هذه المعركة عندما انتهت باندحار المشركين، إنما انتهت (فقط) بالنسبة لجناحين من أجنحة ذلك الاتحاد الوثني اليهودي، وهما جناحا قريش وغطفان اللذين انشمرت حشودهم الضخمة من حول المدينة وعادت إلى ديارهم مجللة بعار أشنع هزيمة في تاريخها العسكري الطويل، بعد حصار رهيب مزعج مخيف دام شهرًا كاملًا.
تصفية الحساب مع اليهود
أما الجناح الثالث من أجنحة هذا الاتحاد المخيف الذي يمثله يهود بني قريظة الذين سجلوا بصنيعهم ذاك أخس وأشنع جريمة في تاريخ الخيانة والغدر فلم ينته الحساب معه بعد.
لقد كان بنو قريظة يتوقعون من الجيش الإسلامي هذا الحساب الذي ما كانوا يشكون لحظة في أنه سيكون حسابًا عسيرًا يتناسب وفظاعة الجريمة التي ارتكبها هؤلاء اليهود ضد هذا الجيش الذي لم يروا من قائده الأعلى وكافة زعمائه وأفراده إلا الصدق والبر والوفاء بالعهد.
ولذلك فقد اعتصم هؤلاء اليهود الغادرون بحصونهم، يرتجفون فزعًا من المصير المرعب الذي ينتظرهم على أيدى المسلمين جزاء
[ ٤ / ١٤١ ]
غدرهم وخيانتهم التي قاموا بها ضد المسلمين في ذلك الظرف الحرج الذي بلغت فيه حالة المسلمين أقصى درجات الخطورة، والذي فيه -بدلًا من أن يفى هؤلاء اليهود بالتزاماتهم العسكرية نحو المسلمين فينضموا بأسلحتهم ضد جيوش الأحزاب الغازية الباغية، كما تفرض عليهم اتفاقية الدفاع المشترك المعقودة بينهم وبين المسلمين (١) - استداروا بأسلحتهم وحاولوا طعن المسلمين من الخلف بغية التعجيل بالقضاء عليهم.
مع أن هؤلاء اليهود لم يروا من النبي - ﷺ - وصحبه -منذ تم التحالف بين الفريقين- إلا الصدق والبر والوفاء، ولكنه الغدر السابح في دماء هؤلاء اليهود الذين هم أئمته وأساتذته في كل عصر وزمان.
غير أن تصفية الحساب مع هؤلاء اليهود الغادرين، كانت على قدر الرصيد، فقد كان مستوى العقوبة في مستوى الجريمة.
ذلك أن جريمة غدر اليهود وخيانتهم إذا كانت قد بلغت غايتها في الفظاعة والبشاعة، فإن نتيجة محاكمتهم على هذه الخيانة كانت غاية في الشدة والصرامة جزاءًا وفاقًا.
ويظهر من سير الحوادث أن النبي القائد - ﷺ - كان يفضل إعطاء جيشه قسطا من الراحة قبل الزحف على معاقل الغدر والخيانة في بني قريظة لمحسابتهم.
_________________
(١) انظر أهم بنود هذه المعاهدة في كتابنا (غزوة أحد) ص ٣٤ وما بعدها، انظر بنود هذه المعاهدة مفصلة في كتاب (الوثائق السياسية) للدكتور محمد حميد الله ص ١ وما بعدها، وسيرة ابن هشام جـ ١ ص ٥٠١.
[ ٤ / ١٤٢ ]
ولكن الأوامر الصريحة المشددة جاءته من السماء بأن لا يفعل، وأن يسارع -قبل أن يضع جنده السلاح- بالزحف على حصون اليهود لإنزال العقاب العادل بأولئك الخونة المجرمين الذين كانوا -بغدرهم وخيانتهم- يتسبيون في إبادة الجيش الإسلامي الناشئ الصغير ومحو الكيان الإسلامي من الوجود.
فقد روي البيهقي عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ -، كان عندها، قالت: فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله - ﷺ - وقمت في أثره، فإذا رجل على فرس والنبي - ﷺ - متكئ على معرفة الفرس يكلمه، قالت ، فرجعت، فلما دخل - ﷺ - قلت من ذلك الرجل الذي تكلمه؟ .
قال بمن تشبهينه؟ .
قلت بدحْية الكلبي
قال ذاكِ (بكسر الكاف) جبريل (- ﵇ -)، أمرني أن أمضى إلى بني قريظة.
وروي ابن إسحاق، قال ولما أصبح رسول الله - ﷺ - انصرف من الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون قد وضعوا السلاح.
فلما كانت الظهيرة أتى جبريل رسول الله - ﷺ - معتجرًا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة. عليها قطيفة من ديباج فقال أَوَقَد وضعت السلاح يا رسول الله؟
قال .. نعم.
فقال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزلهم.
[ ٤ / ١٤٣ ]
وفي بعض الروايات، أن النبي - ﷺ - طلب التأجيل أيامًا، ليأخذ فيها جنده المتعب قسطًا من الراحة، قائلا لجبريل .. إن في أصحابي جهدًا فلو نظرتهم أياما.
فقال جبريل - ﵇ - انهض إليهم فو الله لأدقنهم كدق البيض على الصفا، ولأدخلن فرسى هذا عليهم في حصونهم ثم لأضعضعنها.
- وأمام هذا الأمر العاجل بالزحف على حصون بني قريظة لم يسع النبي - ﷺ - إلا أن يسارع بتنفيذ أمر ربه الذي تقاه من جبريل.
فقد أصدر القائد الأعلى النبي - ﷺ - أوامره الحازمة العاجلة إلى جند الإسلام بالتحرك (فورًا) نحو منازل يهود بني قريظة لتصفية الحساب معهم.
مرسوم الزحف على اليهود
وقد جاء هذا الأمر الكريم في مرسوم نبوي تلاه على الجند مؤذن رسول الله - ﷺ - بلال بن رباح (١) حيث نادى الجيش (حسب أمر الرسول - ﷺ -) قائلًا .. من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلِّين العصر إلا في بني قريظة.
وكان صدور الأمر النبوي بالتحرك نحو منازل بني قريظة بعد دخول وقت الظهر في اليوم التالي لمعركة الأحزاب.
وقد طاع المسلمون أوامر قائدهم الأعلى - ﷺ - فابتدروا سلاحهم وأخذت كتائب الإسلام تتدفق في اتجاه معاقل اليهود.
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى)، طبعة ثانية.
[ ٤ / ١٤٤ ]
وسارع الرسول - ﷺ - إلى سلاحه فتدجج به، فلبس الدرع والمغفر والبيضة وأخذ الرمح في يده، ثم امتطى صهوة جواده المسمي (باللّجيف).
أمير المدينة
ولما كانت منازل بني قريظة الواقعة جنوب شرقي المدينة، تبعد عن المدينة عدة أميال، فقد أصدر النبي - ﷺ - مرسومًا عيّن بموجبه ابن أم مكتوم أميرًا على المدينة حتى يفزع من أمر بني قريظة.
وعندما اعتزم الرسول التحرك بجيشه نحو بني قريظة أعطى اللواء لعلي بن أبي طالب ﵁، وكان هذا اللواء هو نفس اللواء الذي قاتل المسلمون تحته أيام الخندق، لم يُحَل من ساريته.
وقد أصدر النبي - ﷺ - أمره إلى علي بن أبي طالب بأن يكون في مقدمة الجيش، ويسبق باللواء إلى ديار بني قريظة حتى يصل إليها قبل وصول عامة الجيش.
فسارع عليَّ (في مفرزة من جند الإسلام) حتى إذا ما وصل بين حصون اليهود، غرز اللواء هناك، فعلمت قريظة أنها الحرب ولا شئ سواها.
فرض الحصار على اليهود
وتتابعت كتائب الإسلام (بقيادة الرسول - ﷺ -) حتى أحاطت بمعاقل بني قريظة وطوقتها من كل مكان.
[ ٤ / ١٤٥ ]
ويظهر أن زحف المسلمين على بني قريظة كان على غير تعبئة حيث ثبت أنهم كانوا يتجهون نحو اليهود جماعات جماعات، فلم يكونوا في هذه الحركة جيشًا واحدًا يمشي على تعبئة (بساقة ومجنبة ومقدمة، كما هو الحال في كل الحملات التي كان النبي - ﷺ - يقودها.
فقد روى موسى بن عقبة في مغازية عن الزهري قال فبينما رسول الله - ﷺ - في مغتسله قد رجل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لأُمته (أي عدة حربه) حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله - ﷺ - فقال له جبريل - غفر الله لك أوقد وضعت السلاح؟
قال نعم. فقال جبريل لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله.
ثم قال له جبريل .. إن الله يأمرك بقتال بني قريظة، فخرج رسول الله في أثر جبريل، فمر - ﷺ - على مجلس بني غنم، وهم ينتظرون رسول الله - ﷺ - فسألهم فقال: مر عليكم فارس آنفا؟ .
قالوا مر علينا دِحْية الكلْبي على فرس أبيض تحته نمط وقطيفة ديباج عليه اللأمة، فذكروا أن رسول الله - ﷺ - قال لهم ذاك جبريل "وكان رسول الله - ﷺ - يشبه دحية الكلبي بجبريل" فقال رسول الله - ﷺ - إلحوقني ببني قريظة فصلوا فيهم العصر. وهذا يدل (دونما شك) على أن المسلمين زحفوا إلى بني قريظة على غير تعبئة وإنما ذهبوا إليهم في دفعات على غير نظام.
[ ٤ / ١٤٦ ]
ويظهر أن السبب في ذلك هو قصر المسافة التي لا يخشى فيها المسلمون أية مباغتة من عدو أو كمين يُنَصب لهم، لأن كل المنطقة التي قطعوها إلى بني قريظة أراضٍ إسلامية صرفة.
وقفة فقهية هامة
قبل الدخول في تفاصيل غزوة بني قريظة وأحداثها ونتائجها يجدر بنا أن نقف وقفه فقهية، قد يستفيد القارئ منها.
لقد كان الأمر النبوي القاضي -عند الزحف علي بني قريظة- بأن لا يُصليَنَّ أحد العصر إلا في بني قريظة نصًّا تشريعيا اختلف حوله الباحثون من فقهاء الإسلام وأئمة الحديث.
وذلك أن الصحابة الذين صدر إليهم لأمر بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، قد انقسموا في فهم هذا الأمر النبوى إلى قسمين.
وذلك أن صلاة العصر حانت وهم لما يزالوا في الطريق إلى بني قريظة، فناقشوا الموضوع على ضوء الأمر النبوي، فرأت طائفة من الصحابة أنه لا يمكن تأخير الصلاة عن وقتها وأنه (لذلك) لا بد من أدائها قبل الوصول إلى بني قريظة، وقد فسرت هذه الطائفة الأمر النبوي (بأن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) بأنه إنما يعني الحض بتعجيل السير إلى بني قريظة لا تأخير الصلاة عن وقتها.
وقد قامت هذه الطائفة بأداء صلاة العصر في وقتها أثناء الطريق وقبل الوصول إلى بني قريظة، استنادًا إلى تفسيرهم الذي ذكرنا.
أما الطائفة الأخرى من الصحابة فقد رأت أنه لا بد من تنفيذ الأمر النبوي (حرفيًّا) وأنه لذلك لا بد من أداء صلاة العصر في بني
[ ٤ / ١٤٧ ]
قريظة حتى وإن كان ذلك بعد غروب الشمس الذي لم يبق معه وقت أساسي لصلاة العصر. وفعلًا، فإن هذه الطائفة من الصحابة لم تصل العصر (ذلك اليوم) إلا في بني قريظة، وكان ذلك بعد غروب الشمس، وهي إذ فعلت ذلك إنما تعتقد أنها قد امتثلت الأمر النبوي الذي ينص (صراحة) على ما فعلت
النبي يقر الجميع
وقد بلغ النبي - ﷺ - ما صنعت الطائفتان فلم يعنف أحدًا منهما ولم يلمه على ما فعل، بل أقر الجميع، الذين صلوا العصر في الطريق (في وقتها)، والذين أخروها وصلوها في بني قريظة بعد غروب الشمس.
فقد روي أصحاب الحديث والمغازي (كما في البداية والنهاية) من حديث موسى بن عقبة قوله .. وانطلقوا (أي المسلمون) إلى بني قريظة فحانت صلاة العصر وهم بالطريق فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض .. ألم تعلموا أن رسول الله - ﷺ - أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟
وقال آخرون .. هي الصلاة، فصلى منهم قوم وأخرت طائفة الصلاة، حتى صلوها في بني قريظة، بعد أن غربت الشمس فذكروا لرسول الله - ﷺ - من عجل منهم الصلاة ومن أخرها، فذكروا، أن رسول الله - ﷺ - لم يعنف واحدًا من الفريقين.
وجوب احترام وجهات النظر المختلفة
وقد وضع النبي - ﷺ - بتصرفه الحكيم هذا، الذي لم يعنف فيه
[ ٤ / ١٤٨ ]
أحدًا من الفريقين على ماصنع وضع قاعدة تشريعية هامة يتحتم بموجبها احترام وجهات النظر المختلفة في فهم النصوص بشرط أن يكون هذا الاختلاف عن اجتهاد نزيه سليم صادق.
كما هو الحال عندما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم حول مفهوم الأمر النبوي بشأن صلاة العصر، فقد كان هدف كل من الفريقين هو (فقط) أداء الصلاة على النحو الذي يرضى الله عنه ورسوله.
ومن الجدير بالذكر أن النبي - ﷺ - قد اعتبر صلاة كل من الطائفتين صلاة صحيحة، حيث لم يأمر أحدا منهما بإعادة صلاته سواء الذين أدوها في الطريق في وقتها، أو الذين أدوها في بني قريظة بعد خروج وقتها.
أما فقهاء الإسلام فقد اختلفوا كذلك في فهم الأمر الصادر بهذا الصدد، عند البحث في باب تأخير الصلاة وتقديمها في السفر وغيره .. اختلفوا في أي من الفريقين من الصحابة هو المصيب يومئذ.
إلا أنهم مع هذا الاختلاف قد أجمعوا على أن كلا من الفريقين مأجور.
ففريق من العلماء (وعلى رأسهم أبو محمد بن حزم) يرى أن الذين أدوا الصلاة في الطريق في وقتها أخطأوا في اجتهادهم، وأن الذين أدوها في بني قريظة بعد غروب الشمس في غير وقتها هم المصيبون لأنهم صلوا كما أمر النبي - ﷺ -.
تأخير الصلاة أقرب إلى الصواب
فقد قال أبو محمد في كتابه (جوامع السيرة) .. وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة، ولو بعد أيام.
[ ٤ / ١٤٩ ]
وهذا القول من ابن حزم قد جاء على قاعدته الأساسية في الأخذ بالظاهر، فهو ظاهرى المذهب، لا يرى أي مبرر لصرف النص عن ظاهره ما لم يأت ما يوجب ذلك عن الشارع نفسه، وهو قول (في الحقيقة) أقرب إلى الحق والصواب من جميع الأقوال والأراء التي تخالفه.
ومما تجدر الإشارة إليه (هنا) هو أن النبي - ﷺ - وبعضًا من أصحابه قد أخروا صلاة الظهر والعصر ولم يصلوها إلا بعد غروب الشمس، وذلك في أحد أيام الخندق العصيبة عندما اشتد زحم المشركين في هجومهم فشغلوا المسلمين طيلة نهارهم ولم يتركوا لهم فرصة يؤدون فيها الصلاة في وقتها، مما أجبر المسلمين على ملازمة مواقعهم الدفاعية، الأمر الذي أدى إلى فوات صلاة الظهر والعصر عليهم.
تأخير الصلوات لعذر القتال
وقد ذهب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إلى القول بتأخير الصلاة عن وقتها سواء كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو مغربًا أو صبحًا، أو عشاءً (لعذر القتال) وذلك إذا ما اضطرت المعركة الجنود ملازمة مواقعهم، كما حدث في معركة الخندق، وسند البخاري في هذا القول هو فعل النبي - ﷺ - وصحابته في ذلك اليوم الذي اضطرتهم فيه ظروف القتال إلى تأخير صلاة العصر والظهر والمغرب إلى وقت العشاء.
وأعتقد (وهذا رأى شخصى فحسب) أن قول الإمام البخاري
[ ٤ / ١٥٠ ]
هذا هو أقرب إلى روح الشريعة الإسلامية، وأجدر أن يتبع وخاصة في هذا العصر، والله وحده أعلم بالصواب.
نيل اليهود من الذات النبوية الكريمة
وعندما نظر يهود بني قريظة إلى طلائع الجيش النبوي تتقدم نحو معاقلهم بقيادة علي بن أبي طالب، فاضت نفوسهم الشريرة ببعض ما تختزنه من خبث ودناءة ووضاعة.
فقد أسمعوا ابن عم رسول الله - ﷺ - (علي بن أبي طالب) في نبي الله (- ﵇ -) ونسائه الطيبات الطاهرات من السب والشتم والقذف ما لم يسمح أحد من المؤرخين لنفسه بأن يورد نصه لفظاعته وبشاعته.
ومع هذا فلم يرد المسلمون على هؤلاء اليهود السفهاء، بل التزموا الصمت، وكل الجواب الذي سمعه اليهود على شتمهم للنبي - ﷺ - ونسائه الطيبات، وهو قول علي بن أبي طالب، السيف بيننا وبينكم.
ولم يرد المسلمون على الشتم بمثله، لأنهم يسيرون في معاملتهم للناس (أيًا كانوا) حسب توجيه القرآن وتأديبه، وليس من آداب القرآن أن يقابل المسلم فاحش القول بمثله.
غير أن علي بن أبي طالب -وهو أول من سبق باللواء إلى بني قريظة- أشفق على الرسول - ﷺ - من أن يسمع في نفسه وفي نسائه ذلك السب القبيح.
[ ٤ / ١٥١ ]
النبي القائد في ديار قريظة
ولذلك فإن عليًّا لما رأى رسول الله - ﷺ - مقبلا من بعيد، ترك مقر كتيبة اللواء المرابطة حول حصون اليهود وانطلق -بعد أن أناب عنه في حمل اللواء وقيادة الكتيبة أبا قتادة الأنصاري (١) - انطلق مسرعًا نحو رسول الله - ﷺ - واستوقفه على بعد من حصون اليهود وطلب منه أن يقف بعيدًا عن هذه الحصون لئلا يتأذى بسماع ما فاه به اليهود من سب مقذع فيه وفي نسائه.
فقال على لا عليك يا رسول الله أن تدنو من هؤلاء الأخابث.
فقال النبي - ﷺ - لعلك سمعت منهم لي أذى؟
قال .. نعم يا رسول الله.
فقال - ﷺ - وعلى آله وصحبه وسلم لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا (٢).
ثم واصل الرسول القائد - ﷺ - تقدمه نحو حصون اليهود تحيط به هيئة أركان حربه من صفوة أصحابه، حتى دنا من حصون قريظة الغادرة.
حديث النبي مع اليهود وقت الحصار
وهناك وحيث يسمع النبي - ﷺ - كلام اليهود ويسمعون كلامه نادى نفرًا من قادتهم، فلما ظهروا في أبراج حصونهم قال لهم - ﷺ -،
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٤.
[ ٤ / ١٥٢ ]
يا إخوة القردة وعبدة الطاغوت، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته (١)؟ وهنا أدركت اليهود طبيعتهم (سفاهة واعتداء وغدرًا وتطاولًا إذا قدروا، واستكانة وتلطفًا ووداعة إذا عجزوا) فعندما رأوا الرسول القائد - ﷺ - تحيطه هيئة أركان حربه وقد اتخذت كتائبة مواقعها حول الحصون، تأكد لديهم تصميم المسلمين على الإيقاع بهم ومحاسبتهم على ما ارتكبوا من فظيع الغدر وشنيع الخيانة، فأسقط في أيديهم فصاروا يتوددون إلى الرسول القائد.
فقد أنكروا، أن يكونوا شتموه ونساءه، وانطلقوا يحلفون (كذبًا) أنهم ما فاهوا بشيء مما بلغه بهذا الشأن، ثم اندفعوا (في ليونة الأفاعي) يسمعون رسول الله - ﷺ - من لين القول وطيب الكلام وجميل الإطراء، ما ظنوا، أنه سيساهم في تخفيف عقوبة خيانتهم العظمى التي صممت قيادة المدينة على إنزالها بهم.
فقد قال هؤلاء اليهود لرسول الله - ﷺ - يا أبا القاسم ما كنت جهولًا، وغير ذلك من الكلام المغلف بالطيبة والوادعة.
طبيعة اليهود التي لا تتغير
وهذه هي جبلة اليهود وخلتهم المتغلغة في نفوسهم أبد الدهر. لا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة (مهما كانت بشاعتها) إذا ما قدروا.
ولا يخجلون من أن يقفوا موقف الحليم الواعظ الوديع البرئ، يذكرون بالحلم والصفح إذا ما أحاطت بهم خطيئتهم وأدركهم الوهن،
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٤.
[ ٤ / ١٥٣ ]
وكان التذكير والوعظ في صالحهم. أما إذا لم يكن في ذلك فائدة لهم، فإنهم من يسخر بالمثل ويهزأ بالقيم.
فهاهم -وقبل أن يصل إليهم القائد الأعلى النبي - ﷺ - بدقائق معلودات يشتمون ويسبون ويهددون ويتوعدون، ظانّين أنهم مانعتهم حصونهم ولكنهم -وبعد دقائق معدودات مما فاهوا به من فاحش القول- إذا بهم يرون القائد الأعلى النبي - ﷺ - (الذي سلكوا كل درب من دروب الغدر والخيانة والنكث للقضاء عليه وعلى أمته) قد أحاطتهم كتائبه المظفرة من كل جانب، فلجأوا إلى المكر والخديعة، واندفعوا يذكرون القائد المنتصر عليهم بما يمتاز به من حلم وعلم في عبارات كلها مدح وإطراء وتودد طمعًا في التأثير عليه ليعفو عنهم.
ولكن هؤلاء اليهود الذين وقفوا (ساعتئذ) موقف الواعظ الوديع المستكين البرئ نسوا (أو قل تناسوا) أنهم قد ضربوا بكل القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية عرض الحائط، وداسوا العهود والمواثيق بأرجلهم في خسة ونذالة عندما رأوا جيوش الأحزاب الجرارة تحيط بالقلة المسلمة إحاطة البحر الهائج بالجزيرة الصغيرة من كل جانب. فأعلنوا الترحيب بهذه الجيوش الغازية الباغية وأعلنوا الإنضمام إليها ضد المسلمين الذين تربطهم بهم رابطة حلف عسكرى متين، هي معاهدة الدفاع المشترك.
نعم تناسى هؤلاء اليهود أنهم -عندما جاءهم الوفد النبوي في تلك الساعات الحاسمة- يطلب منهم القيام بالتزاماتهم العسكرية مع المسلمين ضد الغزاة، كما تلزمهم بذلك نصوص معاهدة الدفاع المشترك بينهم وبين المسلمين- تناسبوا، أنهم لم يكتفوا (في تلك
[ ٤ / ١٥٤ ]
اللحظات الحرجة) بمخالفة نصوص المعاهدة بتوقفهم عن مساندة حلفائهم المسلمين، بل أنكروا (في وقاحة وصفاقة) أن يكون بينهم وبين النبي أي حلف أو عهد.
نعم نسى هؤلاء اليهود الذين يطلبون الرحمة ويذكّرون بالحلم، أن جوابهم لرئيس الوفد النبوي الذي جاء إليهم يطلب تنفيذ المعاهدة، كان تجاهل وجود النبي - ﷺ - ذاته حيث قالوا (وقد ظنوا أن المسلمين قد انتهى أمرهم) ومن هو رسول الله؟؟ .
لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد.
نعم تناسى هؤلاء اليهود أنهم في الوقت الذي بلغت فيه قلوب المسلمين الحناجر من شدة الحصار، قد تفجرت في نفوسهم ينابيع الخسة والغدر، فاغتنموا اشتداد محنة المسلمين فسارعوا إلى إحكام حلقاتها، فانضموا إلى جيوش الغزاة، (بالرغم من العهد الذي بينهم وبين المسلمين) مستهدفين بعملهم الدنئ هذا استعجال إبادة المسلمين ومحو كيانهم من الوجود، ظنًّا منهم أن تلك الأيام العصيبة هي الأيام الأخيرة للكيان الإسلامي الذي كان هؤلاء اليهود يعتقدون أن جيوش الأحزاب العظيمة لن تعود إلى بلادهم إلا بعد تحطيم هذا الكيان.
والآن وقد دحر الله جيوش الأحزاب الغازية وتبددت الأحلام العريضة التي كانت تحملها قريظة، وجاءت كتائب القرآن لتصفى الحساب مع هؤلاء الخونة الغادرين الناكثين، عرفت ألسنتهم الطريق إلى الحديث عن القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية، وأخذت الأفاعي السامة الغادرة تتظاهر بالبراءة والطيبة، وتبدى مظهرها الناعم اللين: "يا أبا القاسم ما كنت جهولا".
[ ٤ / ١٥٥ ]
هكذا قالت قريظة الغدر والخيانة عندما أحاطت بها خطيئتها وحاق بها مكرها السئ، فوجدت حصونها الشامخة غارقة في بحر متلاطم من جند الإسلام الحانقين الذين بلغت في نفوسهم مشاعر الغيظ حد الغليان على هؤلاء اليهود الذين ما كانوا ليترددوا لحظة في سحق المسلمين سحقًا كاملًا لو تمكنوا من ذلك، فقد كان هذا غاية مرادهم عندما نقضوا الحلف وخانوا العهد، ولكن الله غالب على أمره، فقد أبى الله ﷾ إلا أن ينصر عبده ويعز جنده ويهزم الأحزاب وحده.
فهاهم اليهود من قريظة الخائنة يتعثرون في دروب الحسرة والندامة، ويسيرون نحو المصير المرعب الذي أرادوه للمسلمين وسعوا جهدهم للدفع بهم إليه ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله.
محاولة عقلاء اليهود إنقاذ الموقف
ذكرنا في كتابنا -غزوة الأحزاب- أن أربعة من عقلاء اليهود حذروا قومهم من مغبة نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين وطلبوا منهم عدم الاستجابة لوساوس شيطان بني النضير: حييّ بن أخطب الذي حمل بني قريظة على نقض العهد وخيانة الميثاق.
وذكرنا أن هؤلاء العقلاء الأربعة (وعلى رأسهم عمرو بن سعدي أخو بني قريظة أنفسهم) قد أبوا الاشتراك في جريمة خيانة المسلمين والغدر بهم، وأعلنوا للملإ أنهم باقون على عهدهم، وذكرنا أن ثلاثة منهم قد أسلموا، وأن الرابع (هو عمرو بن سعدى، سيد من
[ ٤ / ١٥٦ ]
ساداتهم) بقى على يهوديته ولكنه بقى على عهده وأعلن تمسكه بالميثاق الذي بين المسلمين واليهود، وأبى الغدر بالمسلمين.
وقد حاول هذا اليهودى الزعيم الوفي أن ينقذ قومه من المصير المرعب الذي كان ينتظرهم جزاء غدرهم وخيانتهم وذلك بأن اقترح عليهم اتباع النبي - ﷺ - والدخول في الإسلام.
لا سيما وأنهم يعلمون أن محمدًا - ﷺ - نبيًّا مرسلًا، كما هو مكتوب عندهم في التوارة.
زعيم يهودى يدعو قومه للدخول في الإسلام
فعندما بلغ عمرو بن سعدى هذا انسحاب الأحزاب، جاء إلى قومه بني قريظة ودعاهم إلى اجتماع عاجل، وذلك قبل وصول جيش النبي - ﷺ - لضرب الحصار عليهم.
وفي هذا الاجتماع الذي حضره كل زعماء بني قريظة، وقف هذا اليهودي العاقل، وقال لقومه (بعد أن أنبهم ووبخهم على نقضهم العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وذكرهم بما نصحهم به قبل إقدامهم على جريمة الخيانة) يا بني قريظة لقد رأيت عبرًا، ورأيت دار إخواننا -يعني بني النضير- خالية بعد ذلك العز والخلب والشرف والرأى الفاضل والعقل تركوا أموالهم قد تملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل.
ثم أكد لهم (كعالم من علماء التوراة) أنه لا يعادي أحد محمدًا - ﷺ - إلا كان مصيره الخسران، فقال لا والتوارة ما سُلط
[ ٤ / ١٥٧ ]
هذا (يعني النبي - ﷺ -) على قوم قط ولله بهم حاجة، وقد أوقع ببني قينقاع وكانوا أهل عُدة وسلاح ونخوة.
فلم يخرج أحد منهم رأسه حتى سباهم. فكُلم فيهم فتركهم على إجلائهم من يثرب، .. ثم دعا عمرو بن سُعْدي قومه بني قريظة إلى الدخول في الإسلام ليحقنوا دماءهم ويتبعوا الحق قائلًا:
يا قوم قد رأيتم ما رأيتم، فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدًا فوالله إنكم لتعلمون أنه نبي، وقد بشرنا به علماؤنا، ثم لا زال ابن سعدى يخوفهم بالحرب والسبى، وأقبل على سيدهم كعب بن أسد وقال له:
والتوارة التي أنزلت على موسى - ﵇ - يوم طور سيناء إنه للعز والشرف في الدنيا (يعني الدخول في الإسلام).
وبينما عمرو بن سعدى يتحدث إلى قومه في ذلك الاجتماع إذ بطلائع الجيش النبوي تظهر عليهم زاحفة نحو حصونهم، وهنا قطع الزعيم اليهودي ابن سعدي حديثه قائلا. .. هذا الذي قلت لكم، أي وحذرتكم من وقوعه.
ومع كل هذا فقد رفض بنو قريظة نصيحة عمرو بن سعدى الذي دعاهم فيها إلى الدخول في الإسلام.
فتقدم إليهم (كمحاولة أخيرة) باقتراح آخر -محاولًا إنقاذهم- فقال لهم لقد خالفتم محمدًا، ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه في دينه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية، فوالله ما أدري، أيقبلها منكم أم لا ..
[ ٤ / ١٥٨ ]
ولكن بني قريظة رفضوا (أيضًا) حتى هذا الاقتراح، حيث كان جوابهم (والغرور لما يزل يشحن رؤوسهم) .. نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه، والقتل خير من ذلك.
اليهودى الذي وفى بالعهد
وهنا أدرك هذا اليهودى المتعقل (عمرو بن سعدي) أن عناد قومه الأغبياء سوف يقودهم إلى الفناء دونما شك، فأعلن براءته منهم وفارقهم إلى الأبد.
فقد خرج هذا اليهودى (ابن سعدى) من حصون قومه بني قريظة بعد أن طوقها الجيش الإسلامي من كل مكان وكان خروجه ليلًا.
وعندما خرج هذا الزعيم اليهودى من حصون قومه مفارقًا لهم، التقى به رجال الحرس النبوي الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية، فألقوا عليه القبض، ثم أتوا به إلى قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري.
وعندما عرف قائد الحرس أنه (عمرو بن سعدى وكان موقفه النبيل قد بلغ المسلمين) أمر بإطلاق سراحه ليذهب حرًّا حيث شاء، لأنه لم يرتكب ما يوجب قتله أو حتى اعتقاله، حيث بقى على عهده ولم يدخل مع بني قريظة فيما دخلوا فيه من جريمة الغدر ونكث العهد.
وهكذا أطلق الحرس النبوي سراح الزعيم عمرو بن سعدي مع أنه خرج من حصون قومه بني قريظة وكان لا يزال على يهوديته.
[ ٤ / ١٥٩ ]
وبدهى أن لا يتعرض المسلمون لعمرو بن سعدي اليهودي بأي أذى، لأن القصد من ضرب الحصار على يهود بني قريظة وإعلان الحرب عليهم، لا لأنهم يهود لا يدينون بالإسلام.
كلا وإنما لأنهم غدروا، وارتكبوا (في ظروف حربية دقيقة للغاية) الخيانة العظمى التي عقوبتها في كل قوانين الدنيا الموت.
وما دام أن هذا اليهودي ابن سعدى لم يشترك مع قومه في جريمة الغدر ونقض العهد، فإن تركه وشأنه (حرًّا) وعدم التعرض له بأي أذى إنما هو ترجمة فعلية لأحد مبادئ الإسلام العادلة المنبثقة من قوله تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ (١) وقوله تعالى ﴿فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
قال ابن إسحاق (يصف خروج عمرو بن سعدى من حصون بني قريظة مفارقًا لهم): "وخرج عمرو بن سعدى القرظى، فمر بحرس رسول الله وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري (٣) تلك الليلة، فلما رآه ابن مسلمة استوقفة قائلا من هذا؟ . ..
فقال أنا عمرو بن سعدى، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله - ﷺ - وقال لا أغدر بمحمد أبدًا.
فقال (ابن مسلمة) حين عرف ابن سعدى اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات
_________________
(١) الأنعام: ١٦٤.
(٢) البقرة: ١٩٣.
(٣) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٤ / ١٦٠ ]
في مسجد رسول الله - ﷺ - تلك الليلة بالمدينة، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا (١).
ثناء النبي على اليهودي الوفي
ولقد وصف النبي - ﷺ - هذا اليهودى المتعقل (عمرو بن سعدى) بالوفاء، وذلك أنه لما ذكرت له قصة إلقاء الحرس القبض عليه ثم إخلاء محمد بن مسلمة سبيله، قال .. ذاك رجل نجاه الله بوفائه (١).
قال بن إسحاق: وبعض الناس يزعم أن عمرو بن سعدى قد أوثق برمة (٢) فيمن أوثق من بني قريظة عند استسلامهم وأنه نجى من القتل (دون بني قريظة) حيث أصبحت الرمة التي كان بها مربوطًا، ملقاة ولا يدرى أحد إلى أين ذهب. قال ابن إسحاق .. فيزعمون أن النبي - ﷺ - قال فيه تلك المقالة: (ذاك رجل نجاه الله بوفائه) أهـ والأول أقرب إلى منطق الإسلام، فلا يمكن أن يعتقل المسلمون رجلًا بقى على عهده وأبى الغدر بهم.
مقاومة اليهود واشتداد الحصار عليهم
استمرت قريظة في غيها ورفضت كل الاقتراحات التي تقدم بها عمرو بن سعدى لحقن دمائها، فاعتصمت بحصونها مصممة على القتال والمقاومة.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٨.
(٢) حبل يتخذ من الصوف أحيانًا.
[ ٤ / ١٦١ ]
أما المسلمون فقد أحكموا الحصار حول المحصون وقاموا بتطويقها من كل جانب، وقطعت الجيوش الإسلامية كل اتصل بين اليهود وبين الخارج، ووضعت القوات الإسلامية أيديها على كل مزارعهم ونخيليهم الواقعة خارج حصونهم.
مقر قيادة الرسول أثناء الحصار
وقد نزل الرسول - ﷺ - أثناء ضرب الحصار على بني قريظة -على بئر من آبارهم يقال له بئر أنى-، وجعل مقر قيادته هناك.
ولقد كانت مقاومة اليهود للحصار (أول الأمر) شديدة، ولكنهم بعد مرور حوالي عشرين ليلة على هذا الحصار بدأ الضعف والقلق يتسرب إلى نفوسهم، بعد أن أجهدهم الحصار وأيقنوا أن المسلمين ليسو بمنصرفين عنهم حتى يستسلموا، أو يقتحموا عليهم حصونهم ويفتحوها بحد السلاح. فبالرغم من الإمكانيات المادية المتوفرة لديهم من مياه ومواد غذائية وسلاح كامل وحصون منيعة، تساعدهم على المقاومة وقتًا طويلًا، فقد امتلأت نفوسهم بالرعب والخوف والفزع، فخارت قواهم، وأخذوا يفكرون في الطريقة التي يمكنهم بها حقن دمائهم.
سيد بني قريظة يدعوهم إلى الإسلام
ففي ذلك الظرف العصيب دعا سيد بني قريظة (كعب بن أسد) دعا زعماء قومه إلى اجتماع في مقر قيادته لتبادل وجهات النظر بشأن
[ ٤ / ١٦٢ ]
الموقف الحربى ولإبداء الرأي حول ما يجب اتخاذه لإنقاذ الموقف المتدهور.
ولما اجتمع رؤساء الغدر والخيانة بسيدهم كعب بن أسد (وكان عاقلًا متزنًا) لولا رفقاء السوء الذين غلبوه على أمره وحملوه على نقض العهد الذي بينه وبين النبي - ﷺ -.
فقد كان كعب هذا (كما تقدم) كارهًا لنقض العهد وراغبًا رغبة أكيدة في البقاء على ولائه للمسلمين، ومن أجل ذلك أقفل باب حصنه عندما علم أن شيطان بني النضير (حيى بن أخطب جاء لمقابلته) عندما وصلت جيوش الأحزاب إلى ضواحي المدنية.
لأنه كان يعلم أن حييًا هذا ما جاء إلا ليطلب من بني قريظة الغدر بالمسلمين والانضمام إلى الأحزاب فكان كعب بن أسد متخوفًا من نقض العهد، وكان يقدر النتائج الوخيمة التي ستترتب على الغدر بالمسلمين قبل وقوعها.
ولهذا رفض (أول الأمر) مقابلة حيى بن أخطب واستقبح رأيه الداعي إلى الغدر بالمسلمين، حيث قال له (بكل صراحة) .. ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا.
وعندما أراد حيي التأثير عليه بقوة الأحزاب الضاربة وإقناعه بأن قضاءها على المسلمين في حكم المؤكد فقال له .. ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر (يعني جيوش الأحزاب) قال له كعب -كأنه ينظر جهارًا إلي ما سيحل ببني قريظة نتيجة الانضمام إلى الأحزاب- .. جئتني والله بذل
[ ٤ / ١٦٣ ]
الدهر، جئتنى بجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك ياحيى، فدعنى وما أنا عليه. الخ.
وعندما اجتمع يهود بني قريظة بسيدهم كعب بن أسد عندما خنقهم الحصار، ذكرهم، وذكر حيى بن أخطب على وجه الخصوص) بأنه قد حذرهم هذا المصير عندما مانع في نقض العهد والغدر بالمسلمين في بداية الأمر.
فقد قال لهم في هذا الاجتماع .. يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، ولقد كنت كارهًا لنقض العهد، ثم التفت إلى حيى بن أخطب، وأشار إليه محمله مسئولية كل ماحدث وسيحدث لبنى قريظة قائلًا .. ولم يكن البلاء والشؤم إلا من هذا الجالس.
وكان حيى بن أخطب عندما نجح في حمل بني قريظة على نقض العهد والغدر بالمسلمين قد تعهد لسيد بني قريظة بأن يدخل معه حصنه ليصيبه ما أصاب بني قريظة إذا ما انسحبت جيوش الأحزاب دون أن تستأصل شأفة المسلمين وتقضى عليهم قضاء تامًّا، وفعلا، فقد وفى له حيى بذلك، فقد أتى الله به إلى حصون بني قريظة ليجنى ثمار أعماله الشريرة فبقى معهم داخل حصونهم حتى نهاية أمرهم.
ثم واصل كعب بن أسد حديثه مع قومه في هذا الاجتماع فدعاهم (لإنقاذ الموقف) إلى اتباع أمر من ثلاثة:
أ- إما اتباع النبي - ﷺ - والدخول في الإسلام.
[ ٤ / ١٦٤ ]
ب- وإما الهجوم على المسلمين بطريقة انتحارية، بعد قتل نساء بني قريظة وأطفالها.
ج- وإما أخذ المسلمين على حين غرة بالهجوم عليهم يوم السبت وهو يوم لا يعمل فيه اليهود شيئًا (تدينًا).
ولكن اليهود رفضوا العمل بأي من هذه الاقتراحات.
فقد قال لهم سيدهم كعب بن أسد .. أتذكرون يابنى قريظة ما قال لكم ابن خراش (حبر من أحبارهم) إنه يخرج بهذه القرية نبي فاتبعوه وكونوا له أنصارًا، وتكونوا آمنتم بالكتابين الأول والآخر ثم دعا كعب بن أسد قومه إلى اتباع النبي - ﷺ -، والإيمان به قائلًا:
فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب حيث لم يكن من بني إسرائيل، فاتبعوه تأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم.
وقد رفض بنو قريظة اقتراح زعيمهم هذا قائلين .. لا نفارق حكم التوراة أبدًا ولا نستبدل به غيره.
يقترح قتل النساء والأطفال والهجوم على المسلمين
فلما علم كعب رفض قومه لهذا الاقتراح عرض عليهم العمل بالإقتراح الثاني القاضي بالهجوم على المسملين هجومًا انتحاريًا ليفكوا الحصار، أو يموتوا كما يموت الأبطال قائلًا: .. فإذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين السيوف،
[ ٤ / ١٦٥ ]
ولم نترك وراءنا ثقلًا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك ولم نترك وراءنا نسلًا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمرى لنجد النساء والأبناء.
فرفض بنو قريظة (أيضًا هذا الاقتراح الجرئ) قائلين لسيدهم كعب بن أسد: -في رعب وقلق وجزع- نقتل هؤلاء المساكين؟ .. فما خير العيش بعدهم.
فطلب منهم كعب، تنفيذ الإقتراح الثالث والأخير، وهو أخذ المسلمين على حين غرة بالهجوم عليهم ليلة السبت، قائلًا: فإذا أبيتم على هذه (أيضًا) فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فأنزل لعلنا نصيب منهم غرة.
فرفضوا هذا الاقتراح أيضًا قائلين: تفسد سبتنا علينا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، ما لم يخف عليك من المسخ.
وهنا يئس سيد بني قريظة من قومه ونفض يده منهم، فختم حديثه قائلًا: ما بات منكم رجل منذ ولدته أمة ليلة واحدة من الدهر حازمًا (١).
اليهود يطلبون المفاوضة
وعندما بلغ الحصار ذروته قام زعماء بني قريظة بعدة محاولات
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٦.
[ ٤ / ١٦٦ ]
للحصول على ضمان من النبي - ﷺ - يحقن لهم دماءهم ويعفى نساءهم وذراريهم من السبى، ثم يخرجون من يثرب إلى غير رجعة.
وكانت أولى هذه المحاولات، أن بعثت قريظة إلى النبي - ﷺ - تعرض عليه استعدادها للجلاء عن يثرب وعلى الصورة التي تم بها إجلاء إخوانهم من بني النضير بعد معركة أُحد.
وقد حمل هذا العرض اليهودى إلى النبي - ﷺ - أحد زعماء بني قريظة، وهو نباش بن قيش، فقد طلب هذ الزعيم اليهودى من النبي القائد - ﷺ - أن يسمح له بالحضور إلى مقر قيادته حول الحصون للمفاوضة، فسمح له النبي بذلك.
النبي يرفض المفاوضة على غير التسليم
ولما أتى الحرس النبوى بهذا الزعيم اليهودى إلى النبي القائد - ﷺ - قدم له العرض الذي يحمله من بني قريظة والذي يطلبون فيه السماح لهم بالخروج من يثرب مع نسائهم وذراريهم وما تقدر الإبل على حمله من متاع (سوى السلاح) على أن يتركوا بقية كل ما يملكون في يثرب للمسلمين.
غير أن النبي - ﷺ - رفض هذا العرض رفضًا باتًا وأبلغ مندوب بني قريظة أنه لا يقبل إلا أن يسلم هؤلاء اليهود بدون قيد أو شرط.
فعاد إلى قريظة مندوبها وأبلغها نتيجة مفاوضاته مع النبي القائد الذي رفض العرض اليهودى.
[ ٤ / ١٦٧ ]
ومع هذا الرفض فلم ييأس اليهود فأرسلوا مندوبهم إياه (نباش بن قيس) ثانية ليعرض على النبي القائد - ﷺ - عرضًا آخر، يطلبون فيه أن يسمح لهم (رجالًا ونساء وأطفالًا) بالجلاء عن يثرب والنجاة بأرواحهم، وأبلغوه أنهم يوافقون على ترك كل ما يملكون للمسلمين، فلا يحملون معهم أي شيء من المال.
وعندما تقدم نباش بن قيس بهذا الطلب إلى القائد الأعلى للجيش الإسلامي (باسم بني قريظة) رفض الموافقة عليه وكرر القول بأنه لا يقبل من هؤلاء اليهود إلا التسليم بدون قيد أو شرط.
ولما تبلغت قريظة رفض عرضها الأخير هذا، أسقط في يدها وازدادت مخاوفها وتضاعف قلقها وصار زعماؤها يتخبطون في دوامة من الحيرة والقلق، لا يدرون كيف يتصرفون، لاسيما وأن الحصار قد أجهدهم وأخذ بخناقهم فحطم أعصابهم.
لا أمل في النجدة
ولا شك أن يهود بني قريظة قد قلبوا الأمر من جميع وجوهه للاستعانة والاستغاثة بأية فئة يمكنها المساهمة في تخليص رقابهم من الموت المحقق الذي ينتظرهم جزاء خيانتهم العظمى.
ولكن ماذا عسى أن يجديهم التفكير والبحث في هذا الوجه، وبمن يستغيثون ويستنجدون؟ .
أبقريش أم بغطفان.
إن هذه القبائل (بحق) هي أشد قبائل الجزيرة العربية قوة، وأقواها شكيمة. مع العداء الشديد لرسول الله - ﷺ - وهذه القبائل هي التي
[ ٤ / ١٦٨ ]
يمكن لقريظة أن تستنجد بها ولو لفك الحصار عن معاقلها، ولكن قريظة تعلم أن هذا الحصار الذي تغرق الآن حصونها في محيطه المتلاطم إنما كان من أهم أسباب التعجيل به هو غضب تلك القبائل القرشية والنجدية ونقمتها على هؤلاء اليهود.
ولهذا فإنه لا أمل لهؤلاء اليهود المحصورين في أن تستجيب لهم تلك القبائل إذا ما استنجدوا بها.
موقف خيبر من بني قريظة
أما يهود خيبر من بني النضير وغيرهم (وهم أقوى قوة يهودية مسلحة في جزيرة العرب) والذين لهم اليد الطولى في تجميع جيوش الأحزاب وتموينها لغزو المدينة، فقد أصابهم الذعر وتملكهم الفزع لانسحاب جيوش الأحزاب دون أن تحقق شيئًا من الهدف الذي جاءت من أجله.
يضاف إلى هذا أن يهود بني النضير هؤلاء قد خرجوا من المدينة أذلاء مطرودين، بعد أن حاربوا المسلمين حربًا خاسرة كانت نهايتها الاستسلام وطرد هؤلاء اليهود من المدنية.
فلوا أن فيهم بقية من قدرة على منازلة المسلمين ما قبلوا الجلاء عن المدينة على تلك الصورة المهينة.
فهم (إذن) أضعف من أن يفكروا في الزحف على المدينة لفك الحصار الخانق المضروب على سيدهم حُيى بن أخطب مع عصابة الغدر والخيانة من بني قريظة.
[ ٤ / ١٦٩ ]
ولهذا فإن بني قريظة لم يفكروا (مطلقا) في الاستنجاد بإخوتهم من يهود خيبر وبني النضير، لأنهم على يقين بأن هؤلاء اليهود لن يصنعوا لهم شيئًا إذا ما استنجدوا بهم.
ولهذا فإنه لم يبق -أمام يهود بني قريظة- بعد الذي بذله من محاولات فاشلة لحقن دمائهم، سوى الإقدام على أحد أمرين.
إما أن تفتح قريظة حصونها وتدخل في معركة فاصلة مع المسلمين يكون الحكم فيها للسيف.
وإما الاستسلام للقائد الأعلى النبي بدون قيد أو شرط وأما الدخول في معركة فاصلة مع المسلمين، فقد أثبتت قريظة أنها أجبن من أن تفكر فيه أبدًا.
ذلك أن سيدها كعب بن أسد قد عرض عليها القيام بهذا العمل البطولي ولكنها رفضت الإقدام عليه وهي ترتجف جبنًا لمجرد ذكره.
إذن، فلا مناص لقريظة من الاستسلام لقوات المسلمين والنزول على حكم الرسول - ﷺ - بدون قيد أو شرط.
وهذا هو الذي قرره بنو قريطة (أخيرًا)، وذلك طمعًا منهم في أن يعغوا عنهم النبي - ﷺ - ويحقن دماءهم كما فعل مع بني قينقاع وبني النضير الذين تمردوا عليه واستسلموا له فعفا عنهم.
محاولة اليهود الأخيرة
ولكن بني قريظة -قبل أن يبلغوا النبي - ﷺ - قرار استسلامهم رسميًا قاموا بمحاولة أخرى لعلهم (بها) ينالون شيئًا من تخفيف العقوبة التي كانوا يتوقعونها جزاء غدرهم وخيانتهم.
[ ٤ / ١٧٠ ]
فعلى إثر رفض الرسول - ﷺ - عرضهم الأول والثاني عقدوا اجتماعًا خاصًّا، لبحث ما يجب اتخاذه حيال الموقف المتأزم.
وفي هذا الاجتماع اتفق زعماء قريظة على أن يتصلوا بالنبي القائد - ﷺ - ويطلبوا منه أن يسمح لحليفهم أبي لبابة (١) الأنصاري بأن يأتي إلىهم ليستشيروه في أمرهم.
وكان أبو لبابة حليفًا لبني قريظة، وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فكانوا لذلك يعتقدون فيه الإخلاص لهم والعطف عليهم.
وقد سمح النبي - ﷺ - لأبي لبابة أن يذهب إلى بني قريظة -كما طلبوا- لمقابلتهم، فقد استدعاه وقال له: إذهب إلى حلفائك فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس.
وقد ذهب أبو لبابة إلى بني قريظة، وعندما دخل حصنهم الرئيسى قام النساء والصبيان يبكون في وجهه من شدة الحصار، ويظهر أن اليهود قد دبروا حشر النساء والصبيان ليجهشوا بالبكاء في وجه أبي لبابة للتأثير عليه، وعندما اجتمع زعماء اليهود إلى أبي لبابة شرحوا له ما هم فيه من جهد وهم، وضيق واستشاروه هل من مصلحتهم النزول على حكم النبي - ﷺ - دونما قيد أو شرط؟ .
الصحابي الذي خان الله ورسوله
وقد ارتكب أبو لبابة ﵁ غلطة كبيرة إعترف هو فيما بعد بأنها خيانة كبرى، فقد رق أبو لبابة عندما رأى النساء والصبيان يبكون
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٤ / ١٧١ ]
في وجهه، فتغلب عليه العاطفة، فانحرفت به عن جادة الصواب.
وذلك أنه عندما اجتمع بزعماء بني قريظة فبسطوا أمامه مشكلتهم وطلبوا منه التوجيه فيما إذا كان من مصلحتهم النزول على حكم البنى - ﷺ - والاستسلام له دونما قيد أو شرط، نصحهم (إشارة) بألا يفعلوا، وأفهمهم بأن مصيرهم سيكون الذبح إن هم نزلوا على حكم الرسول - ﷺ -، ولنترك هذا الصحابي الجليل أبا لبابة ليحدثنا عن قصة المنزلق الذي انزلق إليه يوم ذاك.
قال أبو لبابة .. لما أرسلت بنو قريظة إلى رسول الله - ﷺ -، فسألوه أن يرسلنى إليهم، دعانى وقال .. اذهب إلى حلفائك، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس (وكان الأوس هم قوم سعد بن معاذ حلفاء بني قريظة)، قال أبو لبابة: فذهبت إليهم فقام إلى كعب بن أسد (سيدهم) فقال:
يا أبا بشير قد عرفت ما بيننا، وقد اشتد علينا الحصار وقد هلكنا، ومحمد لا يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا، لحقنا بأرض الشام أو خيبر، ولم نطأ له أرضًا، ولم نكثر عليه جمعًا أبدًا، أما ترى قد اخترناك على غيرك؟ .
ثم استشاره كعب بن أسد قائلًا .. أننزل على حكم محمد؟ .
وهنا زلت بالصحابى الجليل قدمه حيث كان جوابه على استشارة كعب بن أسد قوله:
نعم، -وأشار إلى حلقه- أنه الذبح، يعني أبو لبابة، أن اليهود سيكون مصيرهم الموت، إن هم نزلوا على حكم الرسول - ﷺ -،
[ ٤ / ١٧٢ ]
غير أن أبا لبابة المؤمن الصادق، لم يكد ينطق بآخر كلمة من هذه الإشارة حتى أُسقط في يده، وأدرك عظم الخطيئة التي ارتكبها في حق نبيه وأُمته.
فارتبك ثم استرجع (أي قال .. إنا لله وإنا إليه راجعون)، ثم فاضت عيناه بالدموع ندمًا على ما فعل.
ولما رآه سيد بني قريظة كعب بن أسد على تلك الحال من الخوف والاضطراب قال له .. (مستغربًا) ما لك يا أبا لبابة فقال:
خنت الله ورسوله، يعني بذلك إشارته لليهود بأن مصيرهم سيكون الموت، إن هم نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -.
أبو لبابة يربط نفسه في المسجد
ولقد ضاقت الأرض على أبي لبابة بما رحبت، وأخذ ضميره في تأنيبه وتقريعه على مافعل، وفورًا غادر أبو لبابة حصن حليفه كعب بن أسد مهمومًا حزينًا.
وخجلًا من رسول الله - ﷺ - لم يذهب إليه وإنما توجه إلى المسجد والدموع تسيل من عينيه، وقرر أن يربط نفسه بسارية من سوارى المسجد إلى أن يموت أو يتوب الله عليه.
وقد وصف أبو لبابة نفسه هذه الحادثة بقوله .. فوالله ما زلت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله، وفعلًا فقد ربط أبو لبابة نفسه بسارية المسجد.
قال ابن إسحاق .. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله - ﷺ - حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال:
[ ٤ / ١٧٣ ]
لا أبرح مكانى حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهدت الله أن لا أطأ بني قريظة أبدًا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا.
ولقد كان امتحانًا نفسيًا قاسيًا تعرض له هذا الصحابي الجليل، فقد ربط نفسه بسلسلة ثقيلة بالأسطوانة التي ينصرف إليها رسول الله - ﷺ - من صلاة الصبح، وهي تقع عند باب أم سلمة.
ولما بلغ رسول الله - ﷺ - قصة أبي لبابة ومافعل بنفسه، -وكان - ﷺ - قد استبطأه- قال: أما إنه لو جاءنى لاستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
وكانت امرأة أبي لبابة وابنته تأتيه في وقت صلاة فتفك رباطه، وكذا، إذا أراد حاجة الإنسان ثم يعود فيربط بالعمود وقد أقام أبو لبابة مربوطًا سبع عشرة ليلة حتى كاد يذهب سمعه وبصره.
توبة أبي لبابة
وبعد أن أقام هذا الصحابي الممتحن مربوطًا ما شاء الله أن يقيم تاب الله عليه وأطلقه الرسول - ﷺ - بيده الكريمة.
قال ابن إسحاق: إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله - ﷺ - من السحر وهو في بيت أم سلمة، فقالت أم سلمة:
فسمعت رسول الله - ﷺ - من السحر وهو يضحك، قالت: فقلت .. مم تضحك، أضحك الله سنك؟ .
[ ٤ / ١٧٤ ]
قال .. تيب على أبي لبابة.
قالت .. قلت .. أفلا أبشره يا رسول الله؟ .
قال .. بلى.
قال .. فقامت على باب حجرتها -وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت .. يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك، قالت .. فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال، . لا والله حتى يكون رسول الله - ﷺ - هو الذي يطلقنى بيده. فلما مر عليه رسول الله - ﷺ - خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه.
يمنعه الرسول من التصدق بكل ماله
وكم كانت فرحة هذا الصحابي الجليل (أبي لبابة) بقبول الله توبته حتى إنه أراد أن ينخلع من كل ماله تكميلًا لتويته فقال له النبي - ﷺ - .. يجزيك الثلث أن تتصدق به (١).
أما الآية التي نزلت في توية أبي لبابة فهي (كما قال ابن إسحاق) الآية المائة والثلاث من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كما أن القرآن الكريم قد أشار أيضًا (كما يقول ابن إسحاق) إلى الخطيئة التي ارتكبها أبو لبابة.
وهذه الإشارة جاءت (كما قال ابن عباس ونقله عنه ابن إسحاق)
_________________
(١) مصدر قصة أبي لبابة .. سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٦ وما بعدها، السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٧ وما بعدها، والبداية والنهاية ج ٤ ص ٩١٩ مابعدها، وجوامع السيرة لابن حزم ص ١٩٣ وما بعدها.
[ ٤ / ١٧٥ ]
في الآية السابعة والعشرين من سورة الأنفال وهل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
انهيار اليهود في المقاومة
لقد كانت استشارة أبي لبابة آخر محاولة يقوم بها بنو قريظة للحصول على أي شرط يحقنون به دماءهم عن الاستسلام، ولكنهم بدلًا من أن يظفروا بشيء من ذلك تلقوا من أبي لبابة (بإشارته تلك) ما يؤكد لهم أن الموت مصيرهم إن هم استسلموا للمسلمين ونزلوا على حكم النبي - ﷺ -.
وبهذا انقطع آخر خيط من الأمل لهم في التخفيف، وبدلًا من أن يكون ذلك حافزًا لهم على الاستبسال والقتال حتى الموت تملكهم الرعب والفزع وسيطرت عليهم روح الجبن، فانهاروا انهيارًا كليًّا.
لقد كان بوسع بني قريظة (وخاصة في ذلك الظرف) أن يستمروا في المقاومة لأشهر طويلة، يكسبون فيها بعض التنازلات من جانب المسلمين كالاكتفاء بنفيهم من المدينة.
لقد كان المسلمون المحاصرون لهم في حالة تعب شديد نتيجة الجهد المضنى الذي بذلوه في ليالى الخندق التي تحالف فيها البلاء على المسلمين وأحاطهم من كل جانب طيلة أكثر من خمس وعشرين ليلة، حرموا فيها حتى النوم لشدة الخوف ودوام الحراسة والمرابطة في وجه عدوهم الجبار المحاصر لهم والذي ما كان يترك لهم فرصة يستريحون فيها.
[ ٤ / ١٧٦ ]
يضاف إلى ذلك أن المسلمين كانوا في حالة مجاعة شديدة، والجو كان (مع ذلك في غاية البرودة).
فكان المسلمون يرابطون حول اليهود في العراء فيتعرضرون للفح البرد الشديد مع شدة الجوع، بينما بنو قريظة -وهم من أثرى سكان يثرب- يحتمون بحصونهم المنيعة الشامخة في مأمن من لفح البرد القارص، موفورًا لديهم كل ما يحتاجونه من الطعام لأشهر طويلة، كما أن الماء كان موجودًا لديهم بصفة دائمة داخل الحصون حيث كانت هذه الحصون تحتوى على آبار كثيرة.
ولكن اليهود -مع كل هذه العوامل التي توحى بقوتهم المادية التي تمكنهم من الإستمرار في المقاومة لمدة طويلة- قد انهارت أعصابهم وتحطمت معنوياتهم إلى درجة لم يحتملوا معها الحصار أكثر من خمس وعشرين ليلة.
فقد قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم على تلك الحالة من القوة والمنعة والتحصن ووفرة السلاح وكثرة العدد، فكانوا يفكرون في كل شيء إلا استعمال السلاح للدفاع عن حصونهم.
قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) .. "م تكن حرب بني قريظة حرب ميدان وإنما كانت حرب أعصاب، فلم يستطع اليهود أن يتحملوا الحصار على الرغم من توفر المواد الغذائية لديهم وتوفر المياه والآبار ومناعة حصونهم وصعوبة اقتحامها، فآثروا التسليم على مكابدة الحصار.
والحق أن الموقف العسكري كان إلى جانبهم، لتلك الأسباب كلها ولشدة تعب المسلمين ولبرودة الطقس، ولكن معنوياتهم المنحطة انهارت، فلم يقاوموا طويلًا كما كان المؤمل" أهـ.
[ ٤ / ١٧٧ ]
التهديد باقتحام حصون اليهود
ومع شدة الجزع والإنهيار الكلى الذي عم حملة السلاح من اليهود فقد ظلوا يماطلون في التسليم في انتظار معجزة خارقة تتدخل لإنقاذهم من وحل الورطة الخانقة، ولكن هيهات، فالمسلمون لما رأوا مماطلة اليهود في التسليم -مع الانهيار الذي لاحظوه عليهم- عليهم- أرهبوهم إرهابًا شديدًا إذ أعلنوا أنهم سيقتحمون الحصون ويفتحونها بحد السيف.
لقد كان المسلمون (دونما شك) يفضلون أن يتم استسلام بني قريظة دونما قتال، ولهذا ظلوا (على ما هم فيه من تعب وجوع) يحاصرونهم أكثر من عشرين ليلة.
ولكنهم لما رأوا مماطلتهم في الاستسلام، ورأوا أن بقاء القوات الإسلامية مرابطة في العراء هكذا حول الحصون في ذلك البرد القارص مع قلة المواد الضرورية، (مما يعود بالضرر الكبير على القوات الإسلامية المحاصرة وقد يعود بالفائدة على اليهود) قرروا اقتحام الحصون المغلقة وفتحها مهما كان الثمن.
فقد صاح على أبي طالب -حامل لواء الجيش- وابن عمته الزبير بن العوام، صاح .. والله لأذوقن ما ذاق حمزة ولأفتحن حصنهم (١).
إستسلام اليهود وانتهاء الحصار
وبعد هذا الإنذار الذي سمعه اليهود من حامل لواء
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٢٢.
[ ٤ / ١٧٨ ]
الجيش علي بن أبي طالب، تحركت قطاعات الجيش الإسلامي وتأهبت للهجوم العام، واقتحام الحصون كلها في هجوم كاسح.
ولكن اليهود (وهذا الذي كانت تتوقعه القيادة الإسلامية منهم) لما رأوا كتائب الجيش الإسلامي تتحرك، وأيقنوا أن الهجوم على حصونهم أمر لا مفر منه، طلبوا إيقاف الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزول على حكم الرسول - ﷺ - دونما قيد أو شرط.
فأوقف المسلمون الهجوم، وسارع اليهود إلى فتح أبواب معاقلهم وحصونهم فورًا، بعد أن ألقوا سلاحهم وأخذوا في مغادرة الحصون مستسلمين.
فابتدرهم جند الإسلام لحراستهم وصاروا يجمعونهم منعزلين في ناحية، وبعد أن تكامل خروجهم من الحصون (رجالًا ونساء وأطفالًا) أمر النبي القائد - ﷺ - باعتقال الرجال ووضع القيود في أيديهم .. وقد تم ذلك تحت إشراف الرئيس محمد بن مسلمة الأنصاري قائد الحرس النبوى.
أما النساء والذرارى، فقد أمر النبي - ﷺ - بعزلهم عن الرجال البالغين فجعلوا ناحية، بعد أو أوكل أمرهم إلى عبد الله بن سلام (١).
وبعد أن تمت عملية الإستسلام أمر النبي - ﷺ - أن يوضع الرجال في حبس خاص بهم.
أما النساء والذرارى فقد أمر - ﷺ - أن يحفظوا في مكان ليس فيه صفة الحبس والتضييق.
_________________
(١) انظرة ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٤ / ١٧٩ ]
وقد حبس الرجال من بني قريظة- وعددهم حوالي ثمانمائة مقاتل (١) في دار أسامة بن زيد.
أما النساء والأطفال، فقد أعدت لهم القيادة النبوية دارًا، ينزلون فيها ليست لها صفة السجن، إذ أمر النبي القائد - ﷺ -، بإنزالهم في دار الضيافة، وهي دار ابنة الحرث التجارية المعدة (دائمًا لنزول الوفود التي تقصد المدينة، وكان عدد هؤلاء النساء والذرارى يناهز الألف (٢).
الأوس يشفعون لليهود عند رسول الله
لقد كان بنو قريظة (كما تقدم) حلفاء الأوس في الجاهلية، كما كان يهود بني النضير وبنى قينقاع حلفاء الخزرج.
ولما كانت آثار هذا الحلف لا تزال قائمة حتى بعد مجئ الإسلام، حيث ظل الحليف يبذل لحليفه كل عون يقدر عليه، (وإن اختلفا في الدين والعقيدة) دون أن يعترض الإسلام على ذلك.
فقد توجه وفد من وجوه الأوس إلى رسول الله - ﷺ - للتوسط لديه بشأن حلفائهم اليهود.
ولما اجتمع وفد الشفاعة من الأوس بالنبي - ﷺ - تقدموا إليه بالتماس، طلبوا فيه أن يتكرم بالتخفيف من عقوبة هؤلاء اليهود ولو بالإكتفاء بنفيهم من المدينة.
_________________
(١) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ١٢٧.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٨.
[ ٤ / ١٨٠ ]
وقد ذكر وفد الشفاعة هذا، النبي - ﷺ - بموقف التسامح الذي وقفه من حلفاء الخزرج (يهود بني قينقاع) الذين قبل فيهم (عندما نزلوا على حكمه) شفاعة زعيم الخزرج عبد الله بن أبي، فاكتفى في معاقبتهم بنفيهم من المدينة (١).
محاكمة بني قريظة
ومع فظاعة الجريمة، جريمة الغدر والنكث والخيانة العظمى التي ارتكبها يهود بني قريظة، فإن النبي - ﷺ - بما جُبل عليه من نُبل وشهامة ومراعاة لعواطف أصحابه الذين آووا ونصروا لم يشأ أن يرفض وساطة الأوس في حلفائهم القدامى اليهود.
بل مراعاة لهؤلاء الصحابة الأجلاء الذين -تحت ضغط رماحهم وإرهاب سيوفهم استسلم هؤلاء المجرمون من اليهود- جعل مصيرهم في أيدى الأوس أنفسهم، حيث فوض أمر هؤلاء اليهود إلى سيدِ الأوس، سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما يريه الله تعالى.
وقد طابت نفس الأوس من صحابة محمد - ﷺ - بهذا التفويض حيث كانوا يأملون من ورائه أن يخفف سيدهم سعد بن معاذ من عقوبة حلفائه.
إلا أن حكم سيدهم سعد في هؤلاء اليهود جاء على خلاف ما كان يتوقع قومه.
_________________
(١) انظر إجلاء يهود بني قينقاع في كتابنا (غزوة أحد). الفصل الأول.
[ ٤ / ١٨١ ]
تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة
قال ابن إسحاق .. فلما أصبحوا (أي بنو قريظة) نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فقال الأوس .. يا رسول الله: إنهم كانوا موالينا (أي حلفاءنا) دون الخزرج)، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس عاقد علمت.
وكان رسول الله - ﷺ - قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول، فوهبهم له.
فلما كلمته الأوس قال رسول الله - ﷺ - ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟، قالوا .. بلى، قال رسول الله - ﷺ - .. فذاك سعد بن معاذ (١).
شفاعة وجوه الأوس عند سيدهم لليهود
وبعد أن جعل النبي - ﷺ - مصير يهود بني قريظة في يد حليفهم سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما شاء، طمع قومه الأوس في أن يصدر عنهم عفوا ينجيهم من القتل.
ولذلك توجه وفد من زعماء الأوس إلي سيدهم سعد بن معاذ ليطلبوا منه أن يرأف في الحكم بحلفائه بني قريظة، ذكروه بأن النبي - ﷺ - لم يجعل إليه أمرهم إلا ليحسن فيهم (١).
الحكم الجريح
ولم يكن سعد بن معاذ ﵁ ممن اشتركوا في عملية
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٣٩.
[ ٤ / ١٨٢ ]
حصار بني قريظة، لأنه كان في المدينة، تحت العلاج من جرحه الخطير الذي أصابه وقطع شريانه يوم الخندق، نتيجة سهم أصابه به أحد فرسان المشركين عبر الخندق.
وكانت تقوم بعلاج سعد الجريح سيدة صحابية جليلة صالحة كانت قد أقامت لها خيمة في المسجد النبوى، تحتسب فيها عند الله القيام بمداواة جرحى المعارك من الصحاية ممن لم يكن له من يعالجه من أهله.
وسعد بن معاذ ليس من هذا النوع لأنه سيد الأوس وله أهله وعشيرته القادرون على رعايته وعلاجه، ولكن النبي - ﷺ - أمر أن يوضع في الخيمة في المسجد، وهدف الرسول - ﷺ - من هذا هو أنه يكون هذا الزعيم الأوسى قريبًا منه فيعود ويتعرف حالة متى شاء.
قال ابن إسحاق وكان رسول الله - ﷺ - قد جعل سعد، بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها (رفيدة) في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله - ﷺ - قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق .. إجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعود من قريب.
وبعد أن أبلغ النبي - ﷺ - أعيان قبيلة الأوس أنه قد جعل أمر حلفائهم اليهود إلى سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما يريه الله، توجه هؤلاء الزعيمان من المعسكر النبوى في بني قريظة إلى المدينة لمقابلة سيدهم الشاب الجريح وإبلاغه القرار النبوى بشأن اليهود ..
وقد قابل أعيان الأوس سيدهم سعدًا في المسجد النبوى وأخبروه أن النبي - ﷺ - قد جعل أمر بني قريظة إليه ليحكم فيهم بما يريه الله وأنه لا بد
[ ٤ / ١٨٣ ]
من حضوره إلى حيث يعسكر الجيش الإسلامي في ديار بني قريظة ليبت في موضوعهم.
ولما كان جرح سعد جرحًا خطيرًا، وهو نفسه كان جسيمًا، فقد هيأ له قومه دابة (حمارًا) ليركبه حتى مقر قيادة الرسول - ﷺ - في بني قريظة.
وعندما توجه سعد إلى ديار بني قريظة أحاط به وجوه قومه من الأوس وصاروا يستعطفونه ليترفق في حكمه بحلفائهم اليهود.
فلما أكثروا عليه أبلغهم بأنه لن يحكم فيهم إلا بما يستحقون وأن ما بينهم وبين اليهود من حلف لا يمكن أن يحول بينهم وبين ما يستحقون من عقاب.
قال ابن كثير في البداية والنهاية .. فلما حكم النبي - ﷺ - سعدًا في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم (وفي رواية قد أتى به على حمار عليه أكاف من ليف، قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا .. يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت .. يا أبا عمروا أحسن في مواليك فإن رسول الله - ﷺ - إنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال .. لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم).
وأمام هذا التصريح من سعد الزعيم يئس قومه من أية تخفيضات يعطيها في حكمه على اليهود، وتأكد لديهم أن الحكم من سعد علي بني قريظة سيكون الإعدام، حتى أن بعض الأوس ممن كانوا يسألون سعدًا الإحسان إلى بني قريظة قد اعتبر هؤلاء اليهود (بعد ذلك التصريح من سعد) في عداد الأموات ونعاهم إلى قومه قبل أن يصل سعد إلى المعسكر النبوي في بني قريظة.
[ ٤ / ١٨٤ ]
فقد ذكر ابن إسحاق في السيرة أن وجوه الأوس هؤلاء لما سمعوا من سعد بن معاذ هذا الجواب على طلبهم الإحسان في اليهود، رجعوا إلى دار قومهم بني عبد الأشهل ثم نعوا لهم بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد.
سعد في المعسكر النبوي
ولقد وصل سيد الأوس سعد بن معاذ إلى مقر قيادة النبي - ﷺ - في بني قريظة، وكان سعد عظيم الشأن عند النبي - ﷺ - ورفيع المقام بين المسلمين عامة وبين قومه خاصة.
فعندما اقترب سعد من مقر النبي - ﷺ - في بني قريظة أمر النبي - ﷺ - الموجودين حواليه في المعسكر أن يقوموا لسعد بن معاذ قائلًا (قوموا إلى سيدكم) (١). ويقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - لما قال النبي - ﷺ - .. قوموا إلى سيدكم- قال السيد هو الله (٢). ويروي ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩ أن النبي - ﷺ - عندما انتهى إليه سعد بن معاذ في المعسكر قال .. قوموا إلى خيركم (٣).
وقفة فقهية
وقد تباينت آراء الفقهاء حول مقاصد الأمر النبوى الكريم بالقيام
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٤٠.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩.
(٣) جاء في صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٤٣ أن سعدًا لما دنا من الأنصار قال لهم النبي ﷺ. قوموا إلى سيدكم .. أو خيركم.
[ ٤ / ١٨٥ ]
لسعد بن معاذ هل هو لتكريم أم لإنزال سعد من على الدابة لأنه كان جريحًا متعبًا؟ .
والذي يظهر لنا (والله أعلم) أن القصد بالقيام إنما كان لإنزال سعد لا لتعظيمه .. يدلنا على هذا صيغة الأمر النبوى القائل .. قوموا إلى سيدكم .. فلو كان المقصود بالقيام التعظيم لقال - ﷺ - -والله أعلم-: قوموا لسيدكم.
غير أن ابن برهان الدين ذكر في السيرة الحلبية أن الصحابة قالوا (يصفون قيامهم لسعد) .. فقمنا صفين يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله - ﷺ -. وهذا صريح في أن القيام إنما كان لتحيته.
قال ابن إسحاق .. فلما انتهى سعد إلى رسول الله - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ - .. قوموا إلى سيدكم، فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد رسول الله - ﷺ - الأنصار (يظهر أنهم لم يقوموا) وأما الأنصار فيقولون .. قد عم بها رسول الله فقاموا إليه.
سعد يطلب موافقة اليهود علي تحكيمه
وعندما استقر بسيد الأوس المقام في مقر القيادة النبوية في بني قريظة قال له النبي - ﷺ - .. أحكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، فقال - ﷺ -: قد أمرك الله أن تحكم فيهم (١).
غير أن سعدًا -وقد علم حرص قومه الأوس على التساهل في
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩.
[ ٤ / ١٨٦ ]
الحكم على حلفائهم اليهود - أحب أن يستوثق من الجميع ويأخذ عليهم العهد -الرسول والأوس وبنى قريظة- بأن حكمه إذا ما صدر يكون غير قابل للنقض أو النقاش.
فقد وقف المحكم الشاب الجريح سعد بن معاذ، في المعسكر النبوى، ووجه حديثه إلى قومه الأوس خاصة وإلى من في المعسكر عامة قائلًا .. عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ .
قالوا .. نعم. ثم اتجه إلى النبي - ﷺ - وأشار إلى الناحية التي هو فيها، ثم قال -وهو معرض عن رسول الله - ﷺ - إجلالًا له وإكبارًا- وعلى من ها هنا، وأشار إلى الخيمة التي فيها رسول الله - ﷺ - فقال ﵊ .. نعم (١). ثم أشار إلى بني قريظة المحجوزين جانبًا في المعسكر ليستوثق منهم أيضًا قائلًا: أترضون بحكمى؟ .
قالوا: نعم (٢).
وبينما الحديث يجرى هكذا في المعسكر النبوى حول تفويض سعد بن معاذ في أمر بني قريظة، كان هؤلاء اليهود الذين حاق بهم مكرهم السئ يرتجفون خوفًا من المصير المرعب الذي يتوقعونه.
إلا أنهم مع شعورهم بالخوف الشديد، فقد بقى لديهم شيء من الأمل في الحياة، بعد أن علموا أن حلفاءهم الأوس قد بذلوا وساطتهم لدى الرسول القائد - ﷺ - ليخفف من عقوبتهم، وأن الرسول - ﷺ - نتيجة لهذه الوساطة قد جعل أمر هؤلاء اليهود لحليفهم وسيد حلفائهم سعد بن معاذ.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٤٠.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩.
[ ٤ / ١٨٧ ]
اللحظة الرهيبة في تاريخ بني قريظة
وجاءت اللحظة الحاسمة، ووقف سعد بن معاذ ليعلن كلمته النهائية في يهود بني قريظة، وأرهف هؤلاء اليهود أسماعهم مشدودة ناحية حليفهم (الحكم سعد) الذي أصبح مصيرهم جميعًا في يده، وسمروا أبصارهم عليه في جزع وقلق وركضت قلوبهم الخبيثة بين جنوبهم ووقفت نبضاتها في انتظار النطق بالحكم عليهم.
وحتى الذين في المعسكر من المسلمين، شدت أبصارهم ناحية الحكم (سعد) وخاصة قومه الأوس الذين بذلوا كل مساعيهم لتخفيف الحكم على حلفائهم.
شدت أبصار الجميع إلى سعد ليروا كيف يصدر حكمه على حلفائه اليهود.
لأن الجميع (وحتى النبي القائد) لا يعلمون ما هو الحكم الذي سيصدره سعد على هؤلاء اليهود.
وصدر الحكم النهائي، وكان صارمًا قويًّا ورهيبًا.
سعد يحكم بالإعدام على اليهود
فقد حكم سعد بن معاذ بالإعدام (ضربًا بالسيف) على كل من بلغ الحلم من رجال يهود بني قريظة.
كما حكم (كذلك) أن تسبى نساؤهم وذراريهم وأن تصادر جميع ممتكاتهم (المنقولة وغير المنقولة) على أن يكون كل ذلك غنيمة للمسلمين
[ ٤ / ١٨٨ ]
المحاربين الذين حاصروا هؤلاء اليهود واستنزلوهم من حصونهم (١).
إلا أن سعدًا (وقد فوض في أمر اليهود تفويضًا مطلقًا) حكم باجتهاد منه، أن تكون ديار يهود بني قريظة كلها للمهاجرين دون الأنصار، وذلك لأن المهاجرين ليس لهم في المدينة بيوت، لأنهم قد تركوا كل ممتلكاتهم في مكة عند المشركين عندما فروا بدينهم وهاجروا إلى المدينة.
وقد برر سعد حكمه هذا (عندما عارضه بعض الأنصار بقوله لهم .. إني أحببت أن يستغنوا عنكم (٢). قال البخاري في صحيحه في كتاب المغازي .. عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع - ﷺ - من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل، وهو ينفض رأسه من الغبار فقال .. قد وضعت السلاح، والله، ما وضعته، أخرج إليهم، قال النبي - ﷺ - .. فأين؟، فأشار (جبريل) إلى بني قريظة.
فأتاهم رسول الله - ﷺ - فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد بن معاذ، قال (أي سعد) فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٤٠، وتاريخ ابن خلدون ج ٢ القسم الأول ص ٧٧٩، وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٧٧، والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ١٢٧.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١١٩.
[ ٤ / ١٨٩ ]
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى -يصف استسلام بني قريظة- فأخذهم من الغم في حصنهم ما أخذهم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ (١)، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، قال حميد .. قال بعضهم .. وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار، قال فقالت الأنصار -معارضين- إخواننا كنا معهم، فقال (سعد) إني أحببت أن يستغنوا عنكم (٢).
وبعد أن صدر الحكم على اليهود من سعد، لم يبد قومه الأوس أية معارضة، لأنه قد أخذ عليهم (مسبقًا) العهد والميثاق أن ليس لأحد منهم المعارضة أو التعقيب على حكمه ..
أما اليهود فقد صعقوا لهذا الحكم الصارم وعلاهم الذهول وخيم عليهم الوجوم، ولم يرو أحد من المؤرخين أن هؤلاء اليهود ناقشوا هذا الحكم أو عارضوه بأي احتجاج.
لأن ذلك ليس لهم، لأنهم (أولًا) قد نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - دونما قيد أو شرط، ولأنهم (ثانيًا) قد وافقوا بعد استسلامهم على تحكيم سعد- عندما أخذ موافقتهم قبل إصدار الحكم.
وبعض المؤرخين يذكر أن اليهود لما اشتد عليهم الحصار وافقوا على الإستسلام للقوات المحاصرة بشرط أن يحكم فيهم حليفهم سعد بن معاذ، وأن النبي - ﷺ - وافق على هذا الشرط.
والذي عليه جمهرة المؤرخين وأصحاب الحديث والمغازى أن
_________________
(١) انظر ترجمة سعد بن معاذ في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٧٧ وما بعدها.
[ ٤ / ١٩٠ ]
سعدًا لم يكن حكمًا إلا بعد أن توسط قومه لدى رسول الله - ﷺ -، ليخفف العقوبة عن هؤلاء اليهود.
يؤيد قولنا هذا ما ثبت في صحيح البخاري (وهو أصح المصادر التاريخية على الإطلاق من أن اليهود نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، دونما قيد أو شرط فرد الحكم فيهم إلى حليفهم سيد الأوس سعد بن معاذ (١).
أما ما ثبت في صحيح البخاري من أن النبي - ﷺ - قال لسعد لما جاء إلى بني قريظة -بعد استسلامهم- .. هؤلاء (يعني اليهود) نزلوا على حكمك (٢) فإنه يعني أن النبي - ﷺ - قد جعله نائبًا عنه في الحكم عليهم بعد أن رد ذلك إليه كما هو صريح في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة (٣).
ولما نطق سعد بن معاذ بالحكم علي بني قريظة قال له النبي - ﷺ -. "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" (٤).
وقفة عند حكم سعد بن معاذ
لقد كان المفروض والمتبادر إلى الذهن أن سعدًا -بعد أن أعطيت له الصلاحيات المطلقة في الحكم على حلفائه اليهود- سيراعى جانب رابطة الحلف التي بينه وبين بني قريظة، فيخفف الحكم عليهم بتخليص رقابهم
_________________
(١) انظر صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٤٣.
(٢) البخاري ج ٥ ص ٢٤٣.
(٣) انظر هذا الحديث في صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٤٤ أيضًا.
(٤) زاد المعاد ج ٢ ص ١٩١.
[ ٤ / ١٩١ ]
من الموت على الأقل. وهذا هو الذي كان قومه الأوس يطمعون فيه عندما اغتبطوا بتفويضه في أمر حلفائهم اليهود، وتقدموا إليه يلتمسون منه تخفيف الحكم عليهم.
وكان اليهود من جانبهم (كذلك) يطمعون في أن تشفع لهم عند سيد حلفائهم سعد بن معاذ، رابطة الحلف القديمة التي بينهم وبين الأوس، ولذلك أكثر زعماء قومه من الرجاء لديه لكي يتساهل في الحكم عليهم.
ولكن سعدًا لم ينس في زحمة موجات الرجاء الموجه إليه من قومه الأوس، أن الإسلام وكل المنتسبين إلى الإسلام، وأن المدينة، وما في المدينة من أعراض وحرمات وثمار وحرث ونسل، وكل كيان الإسلام الدينى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى كان قاب قوسين أو أدنى من التدمير والتخريب بسبب غدر هؤلاء اليهود ونقضهم العهد وأنه لم ينج إلا بمعجزة خارقة، ولو لم تحدث لانتهى الكيان الإسلامي إلى الأبد.
ولم ينس سعد في ضجيج الرجاء الموجّه إليه من قومه أن هؤلاء اليهود لو تم لهم وللأحزاب النصر على المسلمين لما تورعوا عن استئصال شأفة المسلمين وهتك أعراضهم وتخريب ديارهم وتدمير كيانه، كما هو الإتفاق بينهم وبين قيادة الأحزاب عندما طلبت منهم هذه القيادة الغدر بالمسلمين ونقض عهدهم. لذلك لم يلبث سعد أن قال قولته الخالدة تلك لقومه، وقد جاءوا يشفعون لحلفائهم اليهود ..
(لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم)، ثم أصدر ذلك الحكم
[ ٤ / ١٩٢ ]
الصارم الذي هو (تمامًا) في مستوى الأَحداث والذي جاء عقوبة على قدر الجريمة.
ذكرى لم ينساها سعد
ومن الجدير بالذكر أن سعد بن معاذ هذا، كان أحد أعضاء الوفد الذين أرسلهم النبي - ﷺ - إلى بني قريظة لجس النبض عندما بدأت جيوش الأحزاب في محاصرة المدينة، وذلك بعد أن بلغه أن بني قريظة قد خانوا العهد ونقضوا الحلف وانضموا إلى معسكر الأحزاب.
فقد جاء هذا الوفد إلى بني قريظة يطلب منهم الوفاء بالعهد والقيام بالتزاماتهم العسكرية للدفاع عن المدينة بجانب المسلمين، كما تنص على ذلك المعاهدة المعقوده بين المسلمين واليهود.
وكان سعد بن معاذ أحد أقطاب هذا الوفد، وقد سمع جواب اليهود على طلب الوفد، ورأى كيف شتم هؤلاء الخونة في تلك الخونة في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإِسلام، النبي - ﷺ -، واعلنوا (دونما أيّ خجل أو حياء) نقضهم العهد، وأصروا (علنًا) على المشاركة الفعالة في استئصال شأفة المسلمين مغتنمين استحكام حلقات المحنة عليهم (صنيع النذل الخسيس الذي لا ضمير له ولا ذمة ولا عهد ولا شرف).
فقد تأثر سيد الأوس الشاب سعد بن معاذ تأثرًا عميقًا عندما سمع من حلفائه اليهود ذلك القول القبيح ورأى منهم ذلك العمل الوضيع.
[ ٤ / ١٩٣ ]
فتجسدت أمامه خسة هؤلاء اليهود ونذالتهم عندما وجّهوا إلى حلفائهم المسلمين تلك الطعنة النجلاء في أحرج الساعات وأدقّ الظروف التي مرَّت بجيش محمد في تاريخه منذ نشأ.
ولم ينس سعد في ضجيج الاستعطاف الموجّه إليه من قومه بشأن حلفائهم اليهود .. لم ينس (وهو يصدر ذلك الحكم الصارم العادل على هؤلاء اليهود) أَنه قد حذَّرهم ونصحهم (بصفتهم حلفاءه) أَن يبقوا على عهدهم وأن لا يغدروا برسول الله - ﷺ - لئلا ينتهوا إلى المصير المرعب الذي قادهم إليه أخيرًا غدرهم وخيانتهم.
فقد قال لهم سعد يوم ذاك ناصحًا ومحذرًا .. إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم -من العهد- يا بني قريظة وأنا أخاف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرّ منه.
فكان منهم ذلك الجواب الفاحش القبيح الذي أملته نشوة الفرح بإطباق جيوش الأحزاب على المسلمين من كل جانب ونشوة الانتصار الذي تخيّلوا أنهم سيحققونه على المسلمين، حيث أفحشوا لحليفهم الناصح في القول فسّبوه سبًا مقذعًا وسبّوا رسول الله إذ قالوا لسعد (يوم نصحهم) .. أكلت أَيْر أَبيك (١)، فقال .. (وكان حليمًا هادئ الطبع عفيفًا). غير هذا من القول كان أجمل بكم - يا بني قريظة - ثم نالوا من رسول الله - ﷺ -، وقالوا .. من هو رسول الله؟؟، لا عهد بيننا وبين محمد (٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٠٤.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٢٢، وقد ذَكرنا القصة مفصلة في أول الكتاب ولكنا ذكرنا هذا المقطع منها للمناسبة.
[ ٤ / ١٩٤ ]
لهذا فإن سعدًا قد امتلأ (يوم ذاك) غيظا على هؤلاء اليهود الخونة الأراذل، وكان يتمنى أن يشفى الله غليله منهم، ولهذا فإنه لما جُرِحَ ذلك الجرح المميت يوم الخندق توجّه إلى الله بالدعاء أن لا يميته حتى ينتقم من هؤلاء الخونة المجرمين.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أنه قال .. رُمِيَ سعد بن معاذ (١) فقطعوا أكحله (٢) فحسمه رسول الله - ﷺ - بالنار فانتفخت يده، فحسمه أخرى فانتفحت يده فنزفه، فلما رأى ذلك، قال .. اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عينى من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد فحكم أن تُقْتَل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، فلما فرغ منهم انفتق عرقه فمات.
وهكذا فإن حُكْم سعد على هؤلاءِ اليهود إنما جاءَ بعد دراسة وإلمام كامل بنفسيات هؤلاءِ اليهود واقتناع بأَنهم (بعد خبرة وتجربة عاشها سعد معهم ولمسها فيهم) جرثومة وباءٍ قاتلة لا مفرَّ من إبادتها.
تنفيذ حكم الإعدام في اليهود
وبعد أن تمت إجراءات الحكم في بني قريظة (وكان ذلك في ديارهم) تحرك النبي - ﷺ - بجيشه نحو المدينة فدخلها، وكانت
_________________
(١) انظر ترجمة سعد بن معاذ كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) الأكحل (بفتح الألف وسكون الكاف وفتح الحاء المعجمة) عرق في الذراع من الشرايين الرئيسية.
[ ٤ / ١٩٥ ]
عودته من بني قريظة في اليوم السابع من ذي الحجة سنة خمس للهجرة.
وقد أَمر الرسول القائد - ﷺ - بيهود بني قريظة فأدخلوا إلى المدينة .. دخلت بهم جميعًا قوة من الحرس النبوى بقيادة محمد بن مَسلَمة وعبد الله بن سلام.
وقد أمر النبي - ﷺ - بحبس الرجال في دار أسامة بن زيد، ووضع النساء والذرارى في دار الضيافة دونما أي حبس أو تضييق، كما فصلنا ذلك فيما مضى.
وبعد عودة الرسول من ديار بني قريظة، شرع في إجراءات تنفيذ حكم الإعدام في هؤلاء اليهود.
فأمر بحفر خنادق عميقة لتدفن جثث هؤلاء الخونة بعد إعدامهم، وكان المكان الذي اختير لإعدامهم ودَفْنهم هو سوق المدينة الذي يغلب على الظن أنه المسمى اليوم (بسوق المناخة).
دفن اليهود في الخنادق بعد إعدامهم
وبعد أن انتهت عملية حفر الخنادق المُعَدَّة لدفن اليهود جلس النبي - ﷺ - في المكان المُعَدّ لإعدامهم ومعه كبار الصحابة، ثم أمر بإحضار الرجال من بني قريظة المحكوم عليهم، فأمر بإعدامهم، فأُعدموا دفعة بعد دفعة حتى لم يبق منهم أحد، وكان الصحابة كلما تم إعدام دفعة من هؤلاه اليهود قذفوا بهم في الخنادق وواروهم بالتراب، حتى انتهوا منهم.
[ ٤ / ١٩٦ ]
وقد اختلف المؤرخون في عدد اليهود الدين تم إعدامهم، فالبعض يقول: إنهم ما بين ستمائة إلى سبعمائة، والبعض الآخر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة (١).
ولقد أُعدِم هؤلاء اليهود في ليلة واحدة، وقد جرت عملية الإعدام على ضوء مشاعل سعف النخل (٢)
وكان الذي تولى عملية قتل هؤلاء اليهود الخونة، هو علي بن أبي طالب والزبير بن العوّام (٣).
ويقول بعض المؤرخين إن زعماء الأوْس (حلفاء بني قريظة) قد طلبوا من النبي - ﷺ - أَن يشترك رجال من الأوْس في عملية إعدام حلفائهم اليهود، لأن بعض منافسيهم من الخزرج اتهموهم بأنهم قد كرهوا قتل هؤلاء اليهود لأنهم حلفاؤهم، فأراد الأوس بهذا الاشتراك نفى هذه التهمة.
قال في الإمتاع: وجاء سعد بن عبادة والحُباب بن المنذر (٣) -وهم من الخزرج- فقالا: يا رسول الله، إن الأوس كرهت قتل بني قريظة لمكان حلْفهم.
فقال سعد بن معاذ (سيد الأوْس) .. ما كرهه أَحد من الأوْس فيه خير، فمن كرهه، فلا أرضاه الله. فقام أُسَيد بن حضير (٣) -هو من سادات الأَوْس- فقال: يا رسول ألله لا تبقى دار من دُور الأنصار إلَّا فرقتهم فيها، ففرقَّهم فقتلوهم.
_________________
(١) سمط النجوم العوالي ج ٢ ص ١٣٨.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٢٠.
(٣) تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٤ / ١٩٧ ]
النبي يشهد عملية إعدام اليهود
وقد شهد النبي - ﷺ - عملية تنفيذ حكم الإعدام في يهود بني قريظة الذين أبى الله إلا أن يَصِلُوا (هم) إلى النهاية المرعبة التي أرادوا الوصول بالمسلمين إليها.
قال ابن إسحاق -يصف شهود رسول الله - ﷺ - عملية إعدام هؤلاء اليهود. ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم -أَي بني قريظة - فضرب أَعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أَرسالًا (أي جماعة بعد جماعة).
وكان على رأس الذين نُفذ فيهم حكم الإعدام من هؤلاءِ اليهود، كبير مجرميهم ورأس الفتنة والشر حُيَيّ بن أَخطب (١) سيد بني النضير الذي حزَّب الأَحزاب وجمع جيوشها لغزو المدينة، وحمل بني قريظة على نكث العهد، وشجّعهم على تسديد تلك الضربة الغادرة المخيفة للجيش الإسلامي من الخلف في تلك الساعات الدقيقة.
فقد قاد هذا المجرم الخبيث (حُيَيّ بن أَخطب) عملُه السيئ إلى مصرعه، حيث شاءَ الله أَن يكون هذا اليهودى الشيطان - ساعة ضرب الحصار على بني قريظة - بينهم في الحصون.
فاستسلم حُيَيّ للمسلمين ضمن بني قريظة، فتمَّ إعدامه معهم يوم أُعدموا.
وذلك أن هذا اليهودى الشرير - عندما جاءَ لإقناع بني قريظة بضرورة نقض العهد والغدر بالمسلمين - قد تعهّد لسيد بني قريظة
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة حمل حيى بن أخطب بني قريظة وإغرائهم بالغدر بالمسلمين في "غزوة الأحزاب".
[ ٤ / ١٩٨ ]
كعب بن أسد بأن يبقى مع بني قريظة في حصونهم إذا ما انشمرت جيوش الأَحزاب عن المدينة دون أن تحقق الهدف الذي يرمى إليه اليهود وهو سحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة.
وفعلًا .. وفَّى هذا الزعيم اليهودى النضرى لإخوانه بني قريظة بالعهد، فدخل معهم حصونهم وبقي بينهم حتى استسلموا للمسلمين فاستسلم معهم، فأُعدم ضمنهم.
شيطان بني النضير يتكلم قبل إعدامه
وعندما جئ بهذا الزعيم اليهودى الخطر (حُييّ بن أَخطب) إلى ساعة الإعدام، لم يُخف بغضه للنبي الأعظم - ﷺ - وحقده عليه.
بل أَعلن ذلك بكل صراحة وتبجح، في تلك الساعات الأخيرة من حياته الشريرة.
قال ابن إسحاق -يصف موقف حيى بن أَخطب ساعة إعدامه- وأُتِي بحيى بن أخطَب عدو الله، وعليه حلة فقاحية (١) قد شقها عليه من كل ناحية قدر أُنملة، لئلا يَسلبَها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل.
فلما نظر إلى رسول الله - ﷺ - قال .. أَما والله ما لُمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذله الله، وزاد السهيلى في الروض الأُنف، أن النبي - ﷺ - قال لحُيَيّ بن أَخطب حين رآه موثقًا .. أَلم يمكن الله منك؟، فقال: بلى، ولكن من يخذُلْك يُخذل.
_________________
(١) فقاحية لونها يضرب إلى الحمرة، على لون الورد حين هم أن يتفتح.
[ ٤ / ١٩٩ ]
شجاعة حيي بن أخطب
ومن الجدير بالذكر أَن هذا اليهودى المجرم لم يظهر عيه أَي أَثر للخوف، بل كان ساعة إعدامه علي جانب كبير من الشجاعة والثبات.
فعندما تقدَّم الحرس بهذا اليهودى إلى ساحة الإِعدام لضرب عنقه، طلب أن يسمح له بالكلام، عندما سمحوا له بذلك أَقبل على الناس فقال:
(أيها الناس، إنه لا بأس بأَمر الله، كتاب وقَدَر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل)، ثم جلس فضُرِبَت عنقه (١)، ثم أَلقي الجنود بجثته في الخندق.
وقد امتدح أَحد شعراءِ اليهود، وهو جبل بن جوال الغطفاني الثعلبي، امتدح ابن أَخطب على موقفه الذي وقفه قبل إعدامه، فقال:
لعمرك ما لام ابن أَخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يُخذل
لجاهد حتى أَبلغ النفس عذرها وقلقل يبغى العز كل مقلقا
ومما تجدر الإشارة إليه، ويُثبت أَن الشر يخرج منه الخير، هو أَن أُم المؤمنين (صفية) هي ابنة هذا اليهودى (حُيَيّ ابن أَخطب تزوجها رسول الله - ﷺ - بعد أن قُتِلَ زوجها في معركة خيبر، فكانت (﵂) من خيرة أُمهات المؤمنين ومن أَرجحهن عقلا.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٤١.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
كيف أعدم سيد بني قريظة
وبعد أَن تمّ إعدام سيد بني النضير (حُيَيّ بن أَخطب) جاءَ الحرس النبوى إلى ساحة الإِعدام بسيد بني قريظة (كعب بن أسد). وكان كعب هذا على جانب كبير من العقل وبُعْد النظر، وكان كارهًا لنقض العهد وغير راغب في الغدر بالمسلمين، بل إنه كان يميل إلى الإسلام، لذلك دعا قومه إِلى اعتناقه، ولكن غلبت عليه وعليهم الشقوة، وغلب عليه شيطان بني النضير حُيَيّ بن أخطب حتى انحرف به عن الخط المستقيم الذي كان يريد السير عليه، فقاده وقاد قومه بني قريظة في النهاية إلى ذلك المصير المخيف وهو الإِعدام.
وقد كان كعب بن أَسد (على النقيض من حُيَيّ بن أَخطب) يمتاز عليه بعفة اللسان ووفرة الأَدب.
فعندما جاء الحرس بهذا الزعيم اليهودى لتنفيذ حكم الإِعدام فيه، قال له النبي - ﷺ - .. يا كعب، قال .. نعم يا أَبا القاسم.
قال .. ما انتفعتم بنصح ابن خراش (١) لكم وكان مصدقًا بي، أَما أَمركم باتباعى وإِن رأَيتموني تُقرؤني السلام؟ .
قال .. بلى والتوراة يا أَبا القاسم، ولولا أَنْ تعيّرني يهود بالجزع من السيف لاتَّبعتك، فأَمر النبي - ﷺ - أَن يقدم فتضرب عنقه، فضربت (٢).
_________________
(١) ابن خراش حبر من أحبارهم الكبار مات قبل ظهور النبي - ﷺ - وكان يوصيهم باتباع النبي - ﷺ -.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٢٠.
[ ٤ / ٢٠١ ]
أفي كل موطن لا تعقلون؟
وكان بنو قريظة المحتجزون في السجن مع سيدهم كعب بن أسد، كلما استدعى الحرس جماعة منهم لإعدامهم، لاذوا بسيدهم كعب، يسألونه في جزع وارتباك .. ما تراه يصنع بنا؟ . فيجيبهم في ثبات ورباطة جأش .. أفي كل موطن لا تعقلون؟ .. هو والله القتل.
فلم يزل الأمر كذلك (يذهب بهم الحرس إلى ساحة الإعدام جماعة بعد جماعة) حتى فرغ منهم رسول الله - ﷺ -.
وهكذا لم تُخْطِيء فراسة سيد بني قريظة كعب بن أسد، عندما قال لشيطان بني النضير حُيَى بن أخطب (إذ طلب منه الغدر بالمسلمين) .. ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم.
فقد توالت الأحداث، وأثبتت الأيام صدق تقدير وفراسة كعب بن أَسد، بأن حُيَي بن أَخطب كان أشأم إنسان على بني قريظة، حيث وصل بهم في النهاية إلى الإبادة الكاملة.
المرأة الوحيدة التي أعدمت
هكذا تم إعدام جميع رجال بني قريظة جزاء غدرهم وخيانتهم ونَكْثهم العهد، أمَّا النساءُ من بني قريظة فلم يقتل المسلمون منهن أَحدًا لأَن آداب الحرب في الإسلام تحرّم تحريمًا قاطعًا قتل نساء العدو إلَّا حَدًّا أَو قصاصًا، أَو في الميدان إذا كانت المرأَة تقاتل.
ولهذا فإنه لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة، أمر
[ ٤ / ٢٠٢ ]
النبي - ﷺ - بقتلها قصاصًا برجل من المسلمين قامت هذه المرأة باغتياله.
واسم هذه المرأة اليهودية القرظية (مزنة) كانت قد طرحت رحى على خلَّاد بن سويد -بتحريض من زوجها- فقتلته، فتمَّ إعدامها قصاصًا بذلك.
كانت هذه المرأَة (ساعة تنفيذ حكم الإعدام) في رجال بني قريظة، موجودة في بيت عائشة (﵂)، وقد استدعاها الحرس باسمها من بين جميع نساء بني قريظة.
فلما سمعت هاتف الحرس النبوى يهتف (أَين مزنة) قالت .. أنا والله.
فقالت لها عائشة .. ويلك، ما لك؟ .
قالت .. أُقتل (قتلنى زوجى).
فقالت لها عائشة .. وكيف قتلك زوجك؟ .
قالت .. أَمرني أن ألقى رحىً على أصحاب محمد كانوا تحت الحصن مستتظلين في فيئه، فأدركت خلاد بن سويد فشدخت رأْسه فمات وأنا أقتل به.
أمر عجيب
ثم أعطت عائشة تفصيلات أكثر عن الحادت، فقالت .. إني كنت زوجة رجل من بني قريظة وكان بيني وبينه كأشد ما يتحابَّ الزوجان، فلما اشتد أمر المحاصرة، قلت لزوجى .. يا حسرتي
[ ٤ / ٢٠٣ ]
على أيام الوصال، كادت أن تنقضى وتتبدل بليالى الفراق، وما أصنع بالحياة بعدك؟ .
فقال زوجى: إن كنت صادقة في دعوى المحبة، فإن جماعة من المسلمين جالسون في ظل حصن فأَلقي عليهم حجر الرحى لعله يصيب واحدًا منهم، فإن ظفروا بنا يقتلونك بذلك، ففعلت (١).
وكانت عائشة تتحدث عن هذه المرأة اليهودية وثباتها حديث المتعجب، قالت .. والله إنها لعندى تتحدث معي ظهرًا لبطن، ورسول الله - ﷺ - يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت .. أَنا والله، قالت عائشة .. قلت لها .. ويلك ما لك؟، قالت .. أُقْتَل، قلت .. ولم؟ قالت .. لحَدَث أَحدثته، قالت عائشة .. فانطُلِقَ بها، فضُرِبت عنقها.
فكانت عائشة تقول .. والله ما أَنسى عجبًا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها، وقد عرفَتْ أَنها تقتل تقتل (٢).
وذكر أبو ذر أَن هذه المرأة اليهودية (مزنة) هي زوجة رجل اسمه الحسن القرظى.
وقد نجى رجل واحد فقط من بني قريظة من القتل، وهو رفاعة بن سموأل القرظى (٣)، وهبه رسول الله - ﷺ - لإِحدى
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٢٠.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٤٢.
(٣) رفاعة بن سموأل القرظى هذا من الصحابة الكرام أسلم وحسن إسلامه. جاء له ذكر في صحيح البخاري فهو الذي روى البخاري من حديث عائشة قالت .. جاءت امرأة رفاعة إلى النبي ﷺ قالت .. يا رسول الله أن رفاعة طلقنى فبت طلاقى (الحديث).
[ ٤ / ٢٠٤ ]
نساء بني النجار، شفعتَ له عند رسول الله - ﷺ - لأَنه أَوعد أنه سيسلم، وقد أسلم فعلًا. وكانت هذه المرأَة (وهي سلمى بنت قيس) (١) من نساء الأنصار السابقات إلى الإسلام.
قال ابن إِسحاق .. إِن سلمى بنت قيس أم المنذر. وأخت سليط من أم سليط -وكانت إِحدى خالات رسول الله - ﷺ - قد صلت معه القبلتين وبايعته بيعة النساءِ- سألته رفاعة بن سموأَل القرظى، وكان رجلًا قد بلغ فلاذ بها - (أَى التجأَ إليها)، وكان يعرفهم قبل ذلك، فقالت .. يا نبي الله بأَبى أَنت وأمّى، هب لي رفاعة فإنه قد زعم أَنه سيصلى ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها فأستحيته.
قصة عجيبة من قصص اليهود
وفي الوقت الذي تم فيه تنفيذ حكم الإعدام العادل في عصابة الغدر والخيانة والإجرام من يهود بني قريظة، حدثت قصة عجبية مثيرة، محورها محارب يهودى قديم عنيد.
كان هذا اليهودى المحارب واسمه (الزبير بن باطا) من قادة بني قريظة في الجاهلية وكان قد أَسدى معروفًا كبيرًا إلى رجل من صحابة محمد قبل الإسلام، وهو ثابت بن قيس بن الشماس
_________________
(١) هي سلمى بنت قيس بن عمرو بن عبيد النجارية الأنصارية، تكنى أم المنذر، قالت بايعت النبي ﷺ فيمن بايعه من النساء (على أن لا يشركن بالله شيئًا) ويقال لها خالة رسول الله صلى الله عليه وسم لأن أم أبيه عبد الله من بني النجار، فبنو النجار هم أخوال عبد الله بن عبد المطلب، فصاروا لذلك أخوال النبي ﷺ.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
الخزرجي (١) فحاول هذا الصحابي الجليل أن يجزى هذا اليهودى على معروفه السابق.
فذهب هذا الصحابي إلى نبيه محمد - ﷺ - وذكر له قصة فضل هذا اليهودى ومنته عليه، وطلب منه - بصفته القائد الأعلى ذا الصلاحيات المطلقة في العفو عمّن يرى - أَن يعفو عن هذا اليهودي المحكوم عليه بالإعدام. ليرد له بذلك فضله السابق عليه.
فوافق النبي القائد - ﷺ - وأَجاب صاحبه إلى ما طلب، ولكن الغريب في الأمر هو أن هذا اليهودى، أبى -بعد صدور العفونه- إلا أَن يُقتَل كما قُتل قومه ليلحق بهم إلى الجحيم.
وتفصيل ذلك، هو أن بني قريظة كانوا يُعْتبرُون في السلم والحرب جزءًا من قبيلة الأوْس، وذلك بفعل رابطة التحالف القائمة بين القبيلتين، كما هي القاعدة المتبعة عند العرب في الجاهلية.
ولذلك فإن يهود بني قريظة كانوا، إذا ما نشبت (في تلك الحروب الأهلية الطويلة) معركة بين الأوس والخزرج يقفون إلى جانب الأوْس فيقاتلون معهم حتى النهاية كجزء لا يتجزأ منهم كما كان يفعل يهود بني النضير وبنى قينقاع مع الخزرج حلفائهم.
وعندما نشبت معركة بُعاث الشهيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج والتي كان النصر الساحق فيها للأوْس علي الخزرج، وقع
_________________
(١) هو ثابت بن قيس بن شماش بن زهير الخزرجى الأنصاري، خطيب الأنصار الشهير، وهو الذي قال للرسول ﷺ عند مقدمة المدينة: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا فما لنا؟ فقال (الجنة)، أول مشاهده العسكرية مع رسول الله ﷺ معركة أحد وشهد ما بعدها مع رسول الله ﷺ، قتل ثابت المذكور شهيدًا في معركة اليمامة.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
ثابت بن قيس بن الشماس الخزرجى أسيرًا في يد القائد اليهودى الزبير بن باطا هذا، الذي كان يقود بعض اليهود في تلك المعركة ضد الخزرج.
وقد منَّ الزبير هذا على ثابت بن قيس حيث أخلى سبيله بعد أن جزَّ ناصيته، فحفظها قيس يدًا بيضاء للزبير بن باطا.
فلما وقع بنو قريظة في عملهم السئ، ونزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - وحكم عليهم القاضي سعد بن معاذ بالإعدام جميعًا، تذكر ثابت بن قيس ما لليهودي الزبير بن باطا عليه من فضل سابق، فأحبَّ أن يردَّ له جميله، فتوجه إلى رسول الله - ﷺ -، وطلب منه (كما تقدَّم) أن يمنَّ على هذا اليهودى فَيَهَبَه له لينجو من القتل، ففعل النبي - ﷺ - بل وأمر (استجابة لالتماس آخر قدمه صاحبه ثابت) بأَن يعاد إِلى هذا اليهودي كل أبنائه، نسائه وكامل أَمواله، ولكن هذا اليهودى العنيد الذي تخطى الستين من عمره رفض كل ذلك وأبى إلَّا أن يموت كما مات زملاؤه في الخسّة والغدر والخيانة من بني قريظة.
ولنستمع إلى هذه القصة العجيبة يرويها لنا ابن هشام بسنده عن محمد بن إسحاق، فقد قال ابن إسحاق: وكان ثابت بن قيس بن الشماس -كما ذكر لي ابن شهاب الزهري- أتى الزبير بن باطا القرظى، وكان يكنى (أبا عبد الرحمن) وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية، "ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منَّ عليه يوم بعاث" أخذه فجزَّ ناصيته ثم خلَّى سبيله.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
فجاء، ثابت (وهو شيخ كبير) فقال .. يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ .
قال .. وهل يجهل مثلى مثلك؟ .
قال .. إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي.
قال .. إن الكريم يجزى الكريم.
قال ابن إسحاق .. ثم أتى قيس بن ثابت رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله .. إنه قد كانت للزبير عليّ منّة وقد أحبت أن أجزيه بها، فهب لي دمه.
فقال رسول الله - ﷺ -: فهو لك.
فقال الزبير بن باطا (لما أبلغه قيس أمر العفو عنه) .. شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ .
قال .. فأتى ثابت رسول الله - ﷺ - فقال .. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هب لي امرأته وولده.
قال .. - ﷺ -: هم لك.
قال .. فأتاه (ثابت) فقال له .. قد وهب لي رسول الله - ﷺ -، أهلك وولدك، فهم لك.
قال .. أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ .
فأتى ثابت رسول الله - ﷺ - فقال .. يا رسول الله، ماله (أي هبَ لي ماله).
فقال - ﷺ - .. هو لك.
فأتاه ثابت فقال (له) قد أعطاني رسول الله - ﷺ - مالك، فهو لك.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
فقال (هذا اليهودى) .. أي ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارَى الحَى، كعب بن أسد؟ .
قال .. قُتِلَ.
قال .. فما فعل سيد الحاضر والبادى، حيَى بن أخطب؟ .
قال .. قُتِلَ.
قال .. فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، غزَّال ابن سَموأل؟
قال .. قُتِلَ.
قال .. فما فعل المجلسان (يعني بني كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة)؟ .
قال .. ذهبوا، قُتلوا.
قال .. فإني أَسألك يا ثابت بيدى عندك إلَّا ألحقتنى بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله قَتْلة دلو ناضح (١) حتى ألقى الأحبة.
فقدمه ثابت، فضرب عنقه.
فلما بلغ أَبا بكر الصديق، قوله .. أَلقى الأحبة، قال .. يلقاهم في نار جهنم خالدًا مخلدًا (٢).
_________________
(١) الناضح: الحبل الذي يستخرج عليه المياه من البئر، بالسانية، والمراد بقوله (فتلة دلو ناضح)، هو مقدار ما يأخذ الرجل الدلو، إذا أخرجت فيصبها في الحوض، يفتلها أو يردها إلى موضعها.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٤٣.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
مصير السبي والغنائم
وبعد أن فرغ رسول الله - ﷺ - من أمر رجال بني قريظة (تنفيذًا للحكم الذي أصدره القاضي سعد بن معاذ) أمر الرسول القائد - ﷺ -، بتشكيل هيئة من كبار الصحابة للقيام بجرد وإحصاء جميع أموال بني قريظة (المنقولة وغير المنقولة) من ديار وسلاح وأثاث ومزارع وخيول وجِمال وغير ذلك.
وتم إحصاءُ السبي من النساء والذرارى فكانوا ألف رأس، وقد وجد المسلمون في حصون بني قريظة من العتاد الحربى الكميات التالية:
١ - ١٥٠٠، ألف وخمسمائة سيفًا.
ب - ٢٠٠٠، أَلفين من الرماح.
ج- ٣٠٠، ثلاثمائة درع.
د- ٥٠٠، خمسمائة ترس، وجُحفة (١).
كما وجدت اللجنة جرارًا كثيرة من الخمر المخزون المعتق، فأمر النبي - ﷺ - بإراقتها، وعدم قسمتها مع الغنائم، وفي هذا دليل على أن الخمر قد نزل بها التحريم قبل غزوة خيبر، والله أعلم بالصواب.
وبعد أن تم إحصاء الغنائم من سبْى وأموال، أمر النبي - ﷺ -، بتقسيمها على جند الإسلام الذين اشتركوا في حصار بني قريظة (فقط).
وقد تمَّ تقسيم الغنائم حسب القانون الذي نزل به القرآن، وهو أن تقسم خمسة أقسام .. قسم يبقى تحت تصرف النبي القائد
_________________
(١) الترس -بضم التاء وسكون الراء- صفحة من الفولاذ يحتمي بها المحارب من السيف ونحوه، والجحفة -بضم الجيم وسكون الحاء- نوع من الدرق يحتمى به المحارب أيضًا.
[ ٤ / ٢١٠ ]
- ﷺ - يتصرف فيه حسبما تقتضيه المصلحة، وذلك تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١).
وأربعة أقسام توزع (أَسهمًا) على المحاربين الذين بسيوفهم جاءت هذه الغنائم.
وكما هو القانون الثابت، أُعطيت من الغنائم ثلاثة أَسهم للفارس، سهم له، وسهمان لفرسه.
أَما المحارب الراجل الذي لا فرس له فقد أُعطى. (حسب القانون) سهمًا واحدًا فقط.
وذلك أَن أَثر الفارس في المعركة على العدوّ أشد بكثير من أَثر الراجل الذي لم يقاتل على فرس.
فعلى هذا النظام قُسِّمت غنائم يهود بني قريظة بعد استسلامهم وإعدامهم.
مشاركة المرأة في الغنائم
إلا أن النبي - ﷺ - وبطريقة استثنائية- رضخ (٢) من غنيمة بني قريظة لسبع من نساء المسلمين كنَّ قد حضرن عمليات الحصار، أي أَنه لم يُسهم لهن في الغنيمة كالرجال وإنما أَعطاهن شيئًا قدره بنفسه.
_________________
(١) الأنفال ٤١.
(٢) الرضخ -بفتح الراء -هو إعطاء قليل من كثير، دونما الرجوع إلى قاعدة معينة.
[ ٤ / ٢١١ ]
وهؤلاءِ النسوة الفاضلات اللواتي حضرن حصار بني قريظة هن في السيرة الحلبية:
١ - أَم عمارة- نسيبة بنت كعب المازنية، الصحابية الشهيرة التي قاتلت المشركين في معركة أُحد (١).
٢ - صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ - (١).
٣ - أم سليط (٢).
٤ - أم العلاءِ (٣).
٥ - السميراءَ بنت قيس (٤).
٦ - أم سعد بن معاذ (٥).
وهذه أول مرة يعطى فيها النبي - ﷺ - النساءِ من غنائم العدو،
_________________
(١) انظر ترجمتها في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) أم سليط قال أبو عمر من المبايعات حضرت مع النبي - ﷺ - يوم أحد، قال عمر بن الخطاب كانت ممن يزفر لنا القرب يوم أحد، وهي والدة الصحابي الشهير أبي سعيد الخدري.
(٣) ترجم في الإصابة لثلاث نساء كلهن يحمل هذا الاسم، ولكن يظهر أن صاحبة هذه الترجمة هي أم العلاء بنت الحارث بن ثابت الخزرجية الأنصارية، وهي والدة (خارجة بن زيد)، كانت من شهيرات الصحابيات، فهي من المبايعات، روى عنها الشيخان البخاري ومسلم عن طريق الزهري.
(٤) قال أبو عمر .. سمراء بنت قيس الأنصارية مدينة روى عنها أبو أمامة بن سهل بن حنيف.
(٥) قال ابن عبد البر اسمها كبشة بنت رافع بن عبيد الخدرية الأنصارية، والدة سعد بن معاذ (سيد الأوس) عاشت حتى مات ابنها، وندبته بقولها .. ويل أم سعدًا - صرامة وجدًا، وعلى هذا يكون النساء التي رضخ لهن النبي - ﷺ - من الغنيمة ست لا سبع، لأنه لا يوجد غيرها امرأة اسمها (كبشة بنت رافع) فيما رأينا من مصادر والله أعلم.
[ ٤ / ٢١٢ ]
كما أن غزوة بني قريظة هي ثاني عمل حربى تشترك فيه المرأة المسلمة، فقد اشتركت في معركة أحُدْ مُقاتِلة ومُسعفة (١).
وكذلك أسهم رسول الله - ﷺ -. لرجلين من المسلمين كانا قد ماتا في حصار بني قريظة.
أحدهما خلَّاد بن سويد، وهو الذي قتلته (مزنة اليهودية) بحجر رحى ألقته عليه من رأس الحصن، فقتلته به كما تقدم. وخلاد هذا هو ابن سويد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجى كان من السابقين في الإسلام، شهد العقبة وبدرًا.
وقد دفع رسول الله - ﷺ - سهمه إلى ورثته. وقال .. إنَّ له أجر شهيدين (٢).
وثانيهما أبو سنان بن محصن (٣) أخو عكاشة بن محصن (٤)
_________________
(١) انظر بحث اشتراك المرأة في القتال في كتابنا (غزوة أحد) تحت عنوان (دور المرأة في المعركة) الفصل الخامس.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٢٠.
(٣) هو أبو سنان بن محصن بن حرثان من بني أسد بن خزيمة. شهد بدرًا وأحدًا والخندق.
(٤) هو عكاشة بن محص بن حرثان من بني أسد بن خزيمة من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وكل المشاهد مع رسول الله ﷺ. كان عكاشة من أجمل الرجال، استشهد عكاشة في حرب الردة على يد طليحة بن خويلد وأخيه سلمة عندما كان يقوم بأعمال الاستطلاع لجيش خالد بن الوليد هو وثابت بن أقرم في منطقة (بزاخة بنجد) وثبت في الصحيحين أن عكاشة بن محصن في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقد جاء في الصحيحين أن النبي - ﷺ - لما ذكر أولئك السبعين اللذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال عكاشة .. ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: أنت منهم. فقام آخر فقال له النبي - ﷺ - سبقك بها عكاشة، فصار يضرب بها المثل، يقال للسبق في الشيء .. فاز بها عكاشة.
[ ٤ / ٢١٣ ]
مات (غير مقتول) أيام حصار بني قريظة، وهو ضمن الجيش الحاصر، وقد تسلّم ورثته سهمه في الغنيمة.
وهذه أَيضًا، أول مرة يُسهِمُ فيها النبي - ﷺ - لميِّت في غنيمة من غنائم العدوّ.
منع التفريق بين الأم وابنها
وعند توزيع الغنائم على المحاربين أصدر النبي أَمرًا مشدّدًا بأن لا يفرِّق أَحد بين أم وولدها من سَبْى بني قريظة، عندما يرغب في بيعهم.
فإِمَّا البيع معًا، وإمّا الاستبقاءُ معًا، لأنَّ في التفريق بين الأم وولدها تعذيبًا شديدًا لهما لا يقرّه الإسلام، بل إن الرسول القائد ذهب في الشفقة والرحمة إِلى أَبعد من منع التفريق بين الأم وولدها فأَصدر أَمره مشددًا أيضًا بأن لا يفرِّق أحد بين الأُخت وأختها حتى يبلغا.
فقد روى الترمذي في صحيحه أن النبي - ﷺ - قال .. من فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أَحِبته يوم القيامة.
وعن عبادة بن الصامت، أن النبي - ﷺ - قال .. لا يفرَّق بين الوالدة وولدها، فقيل .. إلى متى؟ قال .. حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية.
وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال وهب لي رسول الله - ﷺ - غلامين (صغيرين) فبعتُ أحدهما، فقال ما فعل
[ ٤ / ٢١٤ ]
غلامك .. فقلت .. بعته .. فقال .. (رده رده) أي أن النبي - ﷺ -، استنكر التفريق بين الأخ وأَخيه ما داما صغيرين.
ونتيجة لهذه الأوامر النبوية المشدَّدة. بشأن سَبى العدو، كان قادة الجيوش الإِسلامية في حروب الإِسلام يمنعون التفريق بين الأم وولدها وبين الأُخت وأُختها والأَخ وأخيه.
وقد كتب عمر بن الخطاب إلى قادة الجيوش الإسلامية في الشام والعراق .. لا تفرِّقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع لأنه ذو رحم.
وقد حكم الإِمام الشافعي بفساد بيع المفرَّق بينهما سواء كان المفرَّق بينهما بالبيع أخوين، أو أم وولدها (١).
الرسول يتزوج من بني قريظة
وقد تزوج رسول الله - ﷺ - من سبايا يهود بني قريظة امرأة اسمها (ريحانة بنت عمرو) وهو (شمعون مولى رسول الله - ﷺ - تزوجها بعد أن أعتقها (٢).
وبعد الاستيلاء على ممتلكات يهود بني قريظة وسبى نسائهم وذراريهم، بعث رسول الله - ﷺ - بقسم من هذا السبى إلى البلدان المجاورة لبيعهم وشراء خيل وسلاح بثمنهم للجيش ..
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة ج ٨ ص ٤٢٤ كتاب الجهاد، قسم الغنائم.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢.
[ ٤ / ٢١٥ ]
فبعث سعد بن زيد الأنصاري (١) بسبايا من يهود بني قريظة إلى نجد في الجزيرة العربية فابتاع بهم خيلًا، أسلحة أُخرى.
وكذلك بعث سعد بن عبادة بقسم من ذلك السَبْى إلى الشام، فباعهم واشترى بثمنهم خيلًا كثيرًا ثم قسمها رسول الله - ﷺ - على المسلمين (٢).
_________________
(١) هو سعد بن زيد بن مالك الأنصاري الأشهلي من السابقين إلى الإسلام، شهد بيعة العقبة (كما يقول الواقدي) وشهد بدرًا وأحدًا والخندق وكل المشاهد رسول الله - ﷺ - وهو الذي بعثه النبي - ﷺ - سنة ثمان من الهجرة ليهدم مناة (الصنم المشهور) فهدمه، لم أطلع على تاريخ وفاته.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٢٤.
[ ٤ / ٢١٦ ]
الفصل الرَّابع على أطلال بني قريظة
* المعترضون على الحكم الصادر والنافذ بحق هؤلاء اليهود.
* مناقشة هؤلاء المعترضون والرد على مطاعنهم بهذا الصدد.
* الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة موافق لجميع القوانين الدوليه في كل العصور.
* بحث استرقاق نساء وأطفال يهود بني قريظة.
* بحث الرق في الإسلام بصفه عامة، والرد على خصوم الإسلام حيال هذا الموضوع.
بعد أَن فصّلنا حوادث خيانة يهود بني قريظة وما ترتّب على هذه الخيانة المنكرة من نتائج خطيرة كان أَهمها إعدام حوالي ثمانمائة مقاتل من هؤلاءِ اليهود وسبى نسائهم وذراريهم. ومصادرة كل ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة.
بعد أن فصلنا هذا. لا بد لنا من وقفة على أطلال هؤلاءِ اليهود نتناول فيها بالبحث والتحليل هذه الناحية لإِزالة ما يكون قد علق ببعض الأَذهان حول صرامة حكم الإِعدام والمصادرة والسبي الذي صدر ونفذ بحق يهود بني قريظة، والذي ببدو لأَول وهلة (للسطحيين)
[ ٤ / ٢١٧ ]
أن فيه شيئًا من القسوة والوحشية. كما لا بد لنا في هذه الوقفة من مناقشة الطعون والرد على الانتقادات التي أوردها البعض بشأن هذا الحكم الصارم الذي صدر ونفذ في هؤلاء اليهود.
الطاعنون في حكم إعدام اليهود
فهناك فريقان، لا يمرّ أحدهما بحادثة العقوبة النازلة بيهود بني قريظة، إلَّا ويعلن استنكاره للحكم النافذ في هؤلاء اليهود (وخاصة عقوبة الإعدام)، وبصفها بأنها عمل يتسم بالوحشية والقسوة.
فريق رئيسى، وهم غير المسلمين الذين يحرصون (دائمًا) على نشر ظلال من الشكوك حول دعوة الإسلام، وإيجاد المطاعن في قطب هذه الدعوة وحامل لواءِ رسالتها محمد بن عبد الله - ﷺ -، وأهداف هذا الفريق الخبيثة ومقاصده السيئة معروفة مكشوفة، فهم أَعداءٌ أساسيون للإسلام ونبيّ الإسلام.
وفريق ثانوى، وهم بعض المنتسبين إلى الإسلام والمحسوبون عليه، الذين لا يعرفون عن هذا الدين إلا ما تلقوه في مدارس ومعاهد وجامعات أَعدائه.
كل هؤلاد وأولئك يلمِّحون ويصرّحون (أحيانًا) بأن عملية الإعدام الجماعية التي تمّت بحق يهود بني قريظة على تلك الصورة الصارمة السريعة، هي عملية قد اتسمت بطابع الوحشية والانتقام الذي يتنافى مع قواعد الإنسانية وروح القرن العشرين المتمدنة، لا سيما وأَن اليهود قد وقعوا أَسرى حرب في أَيدى المسلمين.
[ ٤ / ٢١٨ ]
تحذير لكل مسلم
وقبل الدخول في مناقشة هؤلاءِ الطاعنين في الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة، وقبل رد هذه المطاعن وإِبطالها بالحجج المنطقية والقانونية والوجدانية، لا بد لنا ولكل مسلم من الإقرار والتسليم (صيانة لديننا وحماية لإِيماننا) بأَنه ليس لنا الحق في أي تعقيب أَو مناقشة (فضلًا عن الانتقاد) في أَى حكم يصدر عن النبي الكريم - ﷺ - أو يقره ويمضيه.
لأَن النبي محمد - ﷺ - لا يصدر في أَيّ حكم إِلّا عن الله تعالى. إذ هو (كما قال جل وعلا) .. (وما ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يُوحى) (١).
وأى إِنسان ينتسب إلى الإِسلام ويصدر منه أي طعن أو انتقاد لحكم يُصدره رسول الله - ﷺ - أو يمضيه فهو كافر لا مكان له في الإسلام، لأن الذي يفعل شيئًا من هذا يعتبر معترضًا على الرسول الأعظم - ﷺ -، والذي يعترض على الرسول - ﷺ - إنما هو في الحقيقة معترض على الله وطاعن في حكم الله، والطاعن في حكم الله كافر حلال الدم بالإِجماع.
والحكم الصادر في حقّ يهود بني قريظة هو (كما ثبت في صحيح البخاري حكم الله الذي أراده وارتضاه كما بذلك النبي ﷺ الذي قال للقاضي سعد بن معاذ عندما أصدر حكم الإعدام على يهود بني قريظة .. "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات".
_________________
(١) النجم ٢، ٣.
[ ٤ / ٢١٩ ]
ومع إيماننا الكامل بكل ما ذكرنا وتسليمنا المطلق بعدالة ذلك الحكم الذي صدر بحق يهود بني قريظة ونفذ فيهم، فإننا مستعدون لمناقشة المعترضين الطاعنين في هذا الحكم، وأَن نُثبِت لهم شرعية ووجاهة هذا الحكم، ومطابقته لكل قواعد العدالة التي يلتزمها القضاءُ والحكم في كل عصر وزمان، وحتى زمن القرن العشرين، وأنه يتمشى كل التمشي مع قواعد الإِنسانية وأن ليس فيه أي تنافر مع إحساسات الضمائر الحية والوجدانات المستقيمة. ولنبدأ المناقشة:
طبيعة اليهود الأبدية
لقد أَثبتت مجريات الأحداث - منذ وصول النبي - ﷺ - إلى منطقة يثرب - أَن هؤلاءِ اليهود بل كل يهود يثرب على أمر مبيت للكيد للنبي - ﷺ - والقضاءِ عليه وعلى دعوته بأية وسيلة مهما بلغت من الخسّة والوضاعة.
وأن الغدر والخيانة واستحلال دماء وأعراض وأموال كل من يخالف اليهود في دينهم ولا ينحدر من جنسهم، قاعدة عامة ثابتة لديهم، وطبيعة خبيثة متأَصلة في نفوسهم وسابحة في دمائهم. لا تلبث أن تظهر وتبرز وتتجلى عندما تسنح لهم الفرصة. فيسيرون على هذه القاعدة اللعينة. حتى ولو كانوا قد أعطوا ألف عهد ووقعوا ألف ميثاق.
المعاهدة بين المسلمين واليهود
عندما جاء النبي - ﷺ - إلى يثرب ودان أهلها من الأوس والخزرج
[ ٤ / ٢٢٠ ]
بالإسلام، وصار المسلمون في المدينة أَغلبية ساحقة عقد النبي - ﷺ -، مع الطائفة اليهودية بقبائلها الثلاث: (بني النضير وبنى قينقاع وبنى قريظة) معاهدة شاملة، كان أَهم ما جاء في هذه المعاهدة أَن المسلمين واليهود أُمة واحدة يشتركون في وطن واحد، وأن عليهم الدفاع المشترك عن هذا الوطن (يثرب): المسم واليهودي يلزمه حمل السلاح لصد أَي عدوان يأتي من الخارج يستهدف هذه المنطقة مهما كان مصدره.
أربع سنوات من المعاهدة
وفي ظرف أَربع سنوات من هذه المعاهدة كشفت الأحداث المتلاحقة أَن اليهود جميعًا (بقبائلهم الثلاث) ما قبلوا تلك المعاهدة وارتضوا بنودها ووقعوا عليها إلا مكرًا وخداعًا، وأَنهم ما كانوا يهدفون من ورائها إِلا تضمين المسلمين ليثقوا بهم ويركنوا إِليهم.
حتى إِذا ما سنحت لهم الفرصة داسوا هذه العهود والمواثيق وشرعوا (دون إِقامة أَي اعتبار لخُلُقٍ أَو وجدان أَو ضمير أو دين) في تسديد ضربتهم التي يحرصون على أَن تكون قاتلة حاسمة.
ولقد عانى النبي - ﷺ - من هذا الخُلُق اليهودى الخبيث المتأَصل، متاعب كثيرة، فبالرغم من تمسك النبي - ﷺ - لمعاهدة المعقودة بينه وبين اليهود، ورغبته الصادقة في تطبيقها حرفيًّا والوفاء بها إلى أبعد الحدود فإِن هؤلاءِ اليهود (دونما استثناءٍ) كانوا لا تسنح لهم فرصة يرون أَنهم قادرون فيها على تسديد ضربة قاتلة إِلى المسلمين
[ ٤ / ٢٢١ ]
إلّا وحاولوا استغلالها وكأن لم يكن هناك بينهم وبين المسلمين عهد أو ميثاق.
لقد رأينا كيف صنع بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة معهم فحاربوا النبي - ﷺ - ونقضوا العهد الذين بينهم وبين المسلمين عندما ظنوا أنهم قادرون على نسف الكيان الإسلامي وتدميره، وكيف أن النبي - ﷺ - قد اكتفى بنفى بني النضير وبنى قينقاع بعد أن ظفر بهم، وكانت عقوبة النفي هذه (فما يبدو لنا) في مستوى الخطيئة التي ارتكبها بنو النضير وبنو قينقاع.
ولقد حاربت بنو قريضة المسلمين مع بني النضير، ولكن (لاعتبارات خاصة) لم يُنفهم النبي - ﷺ - بل أقرَّهم وعفى عنهم بعد أن جدَّدوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين (١).
العهود والمواثيق في نظر اليهود
ولكن هؤلاء اليهود عندما سنحت لهم الفرصة وظنّوا أنهم قادرون على سحق المسلمين وإبادة خضرائهم إبادة كاملة، أقدموا على أحطِّ عمل وأنذل صنيع في تاريخ النكث والغدر والخيانة.
فقد استغل هؤلاء الجبناء الموقف العصيب الذي صار إليه حلفاؤهم المسلمون حينما أغرقتهم جيوش الأحزاب الحانقة الجرَّارة من كل مكان.
_________________
(١) ذكرنا فيما مضى أن بني قريظة قد حاربوا مع بني النضير كما ثبت في صحيح للبخاري.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
فقد ثارث بهم (آن ذاك) خصائص النذالة المتأصلة في نفوسهم وطبيعة الخيانة السابحة في دمائهم، فكشفوا القناع وظهروا من جديد على حقيقتهم.
وإذا بالعهود والمواثيق التي أَبرموها مع المسلمين تصبح وكأَنها لم تكن.
فقد مزَّق هؤلاءِ اليهود هذه العهود والمواثيق ووطئوها بأَقدامهم حينما ذهبوا إلى قيادة الأَحزاب الغزاة يضعون يدهم في أَيديهم ويعاهدونهم (في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة من تاريخ الإسلام والمسلمين) على سحق المسلمين وهدم كيان الإِسلام إلى الأَبد.
ويأتي إليهم المسلمون الذين (كما شهد زعيم هؤلاءِ اليهود كعب بن أَسد) لم يروا منهم ومن نبيّهم إلَّا صدقًا في المعاملة ووفاءً بالعهد .. يأتون إليهم ليطلبوا منهم الثبات على العهد ويذكرونهم بالمسؤولية العظمى والنتائج الوخيمة التي تترتب على النكث بهذه العهود والمواثيق، وخاصة في مثل تلك الظروف الحربية الدقيقة الحرجة.
وإذا بالجواب يأتي من قبل هؤلاء اليهود، سخريةً واستهزاء بالنبي - ﷺ - وبالمسلمين، وبالعهود والمواثيق التي أَبرموها معهم:
"من هو محمد (هذا الذي يقول إن بيننا وبينه عهدًا) ومن هو رسول الله؟، نحن لا نعرف محمدًا وليس بيننا وبينه أَيّ عهد"! .
هكذا كان جواب يهود بني قريظة للمسلمين عندما جاء وفدهم إلى هؤلاءِ اليهود يطلب منهم الثبات على العهد الذي بين الفريقين
[ ٤ / ٢٢٣ ]
والقيام بالالتزامات العسكرية التي عليهم والتي تفرض القيام بها نصوص تلك العاهدة.
وهؤلاءِ اليهود لم يسلكوا هذا المسلك الوضيع المنحط إلّا وقد تكوَّن لديهم ما يشبه اليقين بأنهم - بمساعدة الأحزاب - قادرون على تدمير الكيان الإِسلامي تدميرًا كاملًا، واستئصال شأفة المسلمين استئصالًا كلّيًا، ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة الفظيعة البشعة.
وعلم الله لو أَن هؤلا اليهود قد ظفروا بالمسلمين، وتمكنوا -بمساعدة الغزاة- من احتلال المدينة لما تردَّدوا لحظة في الوصول بالمسلمين إلى أَقسى مما وصل المسلمون بهم إليه، ولا أدلَّ على ذلك من أَن هؤلاءِ اليهود قد اتفقوا مع قادة جيوش الأحزاب على أن لا ينصرفوا بجيوشهم عن المدينة إلا بعد القضاءِ على المسلمين وسحقهم سحقًا كاملًا، وذلك كشرط أَساسي لانضمام هؤلاء اليهود إلى الأَحزاب ضد المسلمين وإعلانهم نقض العهد الذي بينهم.
بل لحرص هؤلاءِ اليهود على استئصال شأفة المسلمين وحرصهم على إبادتهم إبادة كاملة، طلبوا من القيادة المشتركة للأحزاب أن يسلموا إِليهم رهائن من أَبنائهم سبعين شابًّا ليضمنوا أن جيوش الأَحزاب لن تنسحب من منطقة المدينة إلَّا بعد أن تفرغ من المسلمين وتقضى عليهم قضاءً تامًّا (١).
فهل بعد هذا الصنيع الذي صنعه اليهود مع سبق الإصرار، والذي لم يُقدموا عليه إلا بعد درس وتخطيط وخبث نية مبيتة،
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
هل بعد هذا الصنيع الخسيس الوضيع الذي قام به هؤلاءِ اليهود، يجوز لعاقل منصف أَن يسمح لنفسه بالقول: إِن حكم الإِعدام الذي صدر ونفذ بحق يهود بني قريظة هو حكم غير إِنساني ولا عادل؟ .
إلى المدافعين عن بني قريظة
إننا نقول (بكل صراحة واطمئنان وثقة) لهؤلاءِ المعترضين على الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة .. إن هذا الحكم ليس فيه (كما تتوهمون) أية قسوة أو وحشية.
وإنما هو عقاب عادل نزل بخونة مجرمين يستحقونه، عقاب يطمئن إِليه الضمير والوجدان، وتقره جميع الأعراف والقوانين الدولية وتنفّذ مثله حتى هذه اللحظة، ولكي نبرهن على صحة القول من الناحية العرفية والقانونية نقول:
أهم بنود المعاهدة
١ - لقد كان اليهود من سكان يثرب، فكانوا هم والمسلمون من الناحية القانونية في العرف الحديث يشكلون وحدة وطنية من حيث كونهم سكان بلد واحد قبل الإسلام وبعده.
وبعد أن قام شكل الحكم في يثرب -بعد وصول النبي - ﷺ - إلى المدينة ودخول الأنصار في الإسلام- قبل اليهود (دونما أي ضغط أَو إكراه) أن يكونوا مع المسلمين أمة واحدة لهم ما لهم وعليهم ما عليهم تجاه هذا الوطن الواحد: (يثرب).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
٢ - فقد عقد النبي - ﷺ - مع هؤلاءِ اليهود معاهدة مكتوبة (١) وقَّع عليها زعماءُ الفريقين: (المسلمون واليهود) التزم فيها الفريقان الدفاع عن الوطن المشترك يثرب (يوم ذاك) ضد أَى اعتداءٍ يأتي من الخارج، سواء كان المقصود بهذا الاعتداءِ اليهود أَو المسلمين.
فقد جاء في البند الرابع والأَربعين من هذه المعاهدة بشأن الدفاع المشترك عن يثرب:
(وأَن بينهم -أَى المسلمين واليهود- النصر على من دهم يثرب).
كما جاء في البند السادس والثلاثين من هذه المعاهدة (أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة -أي صحيفة المعاهدة- وأنَّ بينهم النصح والبرَّ دون الإِثم).
اليهود والمسلمون أمة واحدة
٣ - لقد أكَّد اليهود واعترفوا بتوقيعهم على هذه المعاهدة بأنهم والمسلمين أمة واحدة يجمعهم وطن واحد، يلزمهم ما يلزم كل مواطن إزاء وطنه، مع بقاءِ كل من المسلمين واليهود على دينه حرًّا.
فقد جاء في البند الخامس والعشرين من هذه المعاهدة بهذا الشأْن: (أن اليهود أمة مع المسلمين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم).
_________________
(١) انظر بنود هذه المعاهدة مفصلة في كتاب، (الوثائق السياسية) للسيد الدكتور محمد حميد الله ص ١.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
٤ - وبالإِضافة إِلى أَنَّ تقديم اليهود أَية تسهيلات (مهما كان نوعها) لأَى عدو يريد احتلال المدينة، بعد توقيعهم على هذه المعاهدة، يجعلهم (من ناحية العرف والقانون في جميع العصور) خونة يستحقون من العقوبة ما يستحق مرتكب الخيانة العظمى ضد وطنه في الظروف الحربية، فإن هؤلاءِ اليهود قد التزموا في هذه المعاهدة الامتناع عن تقديم أيّ عون لخصوم أي من الطائفتين (المسلمين واليهود)، وخاصة قريشًا (العدو رقم واحد للمسلمين).
فقد جاء في البند الثالث والأَربعين من هذه المعاهدة: (وأَنه لا تُجار قريش ولا من نَصَرَهَا).
٥ - بالإضافة إلى هذا كله اعترف يهود بني قريظة (في هذه المعاهدة) بالحكم الإِسلامي القائم في يثرب، وإِن لم يعترفوا بالإسلام رسميًا.
كان اليهود مواطنين يثربيين
كما أقروا في هذه المعاهدة بأنهم مواطنون يثربيون يجرى عليهم (في ظل هذا الحكم) ما يجرى على غيرهم، ما عدا الأمور المتعلقة بأَحوالهم الشخصية كالزواج والطلاق والإرث، وما يتعلق بمعابدهم وطقوس عباداتهم، كما اعترفوا اعترافًا كاملًا بأن مرجعهم في جميع قضاياهم (عدا الدينية الخاصة بهم) هو الرئيس الأَعلى لهذه الدولة محمد بن عبد الله - ﷺ -.
فقد جاء في البند الثاني والأربعين من هذه المعاهدة: (وأَنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث واشتجار يخاف فساده
[ ٤ / ٢٢٧ ]
فإن مردَّه إلى الله وإلى محمد رسول الله - ﷺ -، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة).
٦ - بل لقد اعترف اليهود بتوقيعهم على هذه المعاهدة بأَن محمد بن عبد الله النبي - ﷺ - هو الحاكم الأعلى لهؤلاء اليهود أنفسهم.
فقد جاءَ في البندين الخامس والسادس والثلاثين (وأن بطانة يهود كأَنفسم. وأَنه لا يخرج أَحد منهم إلَّا بإِذن محمد).
هذا هو الموقف العام الذي كان عليه المسلمون واليهود في منطقة يثرب، وهذه هي أَهم بنود معاهدة التحالف والتواطن بين المسلمين واليهود.
لم يكن اليهود مجبرين على المعاهدة
٧ - لقد قبل اليهود هذا الوضع وارتضوا تلك المعاهدة ووقّعوا عليها والتزموا العمل بمقتضاها طائعين مختارين دون أَن يُكرههم أحد، فقد ارتضوا ذلك الوضع. ووقّعوا على تلك المعاهدة، والدولة الإسلامية لمّا تزل وليدة ليس لها أية قوة عسكرية شهيرة مرهوبة، حيث أَنَّ هذه المعاهدة قد عُقِدت بين الفريقين، قبل معركة بدر الكبرى التي تكوَّنت بعدها القوة الإسلامية المرهوبة.
فقد كان اليهود عند عقد هذه المعاهدة (من الناحية العسكرية) في مركز ممتاز لا يمكن - معه - أَن يقال إنهم قد عقدوا هذه المعاهدة بدافع من القوة والقسر.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
فنظرة فاحصة مجرَّدة عن الهوى، إلى بنود هذه المعاهدة، ووقفة عدل وإنصاف وتدبر ومقارنة، عند أَعمال الغدر والخيانة العظمى التي قام بها يهود بني قريظة ضد المسلمين في تلك الظروف الحربية العصيبة التي كانت فيها المدينة (بأعراضها وأرواحها وحرثها ونسلها وكل ما يرتبط فيها بالمسلمين) في مهب العاصفة .. نعم نظرة فاحصة مجردة ووقفة عادلة، منصفة عند هذه الأعمال الخطيرة التي أقدم عليها يهود بني قريظة ضد مواطنيهم وحلفائهم المسلمين، تجعل من الصعب على أيّ إنسان يحترم نفسه ولا يخضع لحكم العاطفة والهوى، أن ينكر شناعة الجريمة الكبرى وبشاعة الخيانة العظمى التي ارتكبها هؤلاء اليهود في حق وطنهم ومواطنيهم.
كما أنه (أيضًا) من الصعب على أي إنسان يحترم نفسه، ويتمتع بكامل السيطرة على تفكيره وعقله، أن يزعم أن الحكم الذي صدر ونفذ بحق هؤلاء اليهود المجرمين، فيه شيء يتنافى مع قواعد العدل ومبادى الإنسانية وأُسس القانون الدولى العام.
لقد كان اليهود بحكم وجودهم في منطقة يثرب وبحكم استيطانهم مع العرب في هذه المنطقة منذ مئات السنين ثم بحكم المعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين التي بموجبها ارتضوا أن يكونوا أمة مع المسلمين وارتضوا البقاء في ظل الدولة القائمة بعد الاعتراف بها وارتضائهم وإعلانهم بأنهم جزءٌ لا يتجزأ من مواطنيها .. نعم بحكم ذلك كله أَصبح يهود بني قريظة مواطنين يثربيين يلزمهم (في ظل الدولة القائمة) الدفاع عن هذه المنطقة، ويترتب عليهم من الأحكام والالتزامات ما يترتب على أي مواطن في هذا العصر.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
لقد ارتكب يهود بني قريظة ثلاث جرائم، تكفي واحدة منها لإِدانتهم (قانونًا) بالخيانة العظمى التي تبرر (في جميع قوانين الدنيا حديثًا وقديمًا) الحكم عليهم بالموت:
١ - اتصالهم بالعدوّ ونقلهم إِليه أسرارًا عسكرية تفيده وتعرّض سلامة جيش المدينة (وطن هؤلاء اليهود) لأشدِّ الأَخطار.
٢ - مدهم العدو الغازي بكل ما أمكنهم من عون مادى وتأييد أَدبي ومعنوي يُيسر له مهمة احتلال وطنهم المدينة والقضاءِ على مواطنيهم.
٣ - (وهو الأَخطر) رفعهم السلاح ضد جيش المدينة (وطنهم) ونكثهم العهد وإِعلانهم الاستعداد لضرب مواطنيهم من الخلف، في ظروف هي أدق ما شهد النبي وجيشه في تاريخ حياته.
سؤال قانوني
والسؤال الذي نحب توجيهه إلى المعترضين والمستهجنين للحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة هو: ما هو الحكم اليوم الذي يجب إِنزاله (في جميع القوانين الدولية) بمن خان وطنه وغدر بأُمته وشرع (أثناء ظروف حربية قائمة) في الاتصال بالعدو الذي جاء غازيًا لاحتلال وطنه وسحق مواطنيه وأخذَ (بطريقة أَو أخرى) يُيسر له سبلَ هذا الاحتلال؟ .
أَعتقد أَن أَحدًا من هؤلاءِ المعترضين لن يستطيع القول إِن قانونًا واحدًا في أَيّ بلد من بلاد الدنيا سيقول لمن أقدموا على مثل هذه الجرائم التي ذكرنا، اذهبوا فأَنتم الطلقاءُ.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
بل أعتقد أن واحدًا من هؤلاء المعترضين لن يستطيع إلَّا أَن يقول: إن أقل عقوبة يمكن إنزالها بمن ارتكب مثل هذه الجرائم التي أشرنا إليها هي الموت.
لأن جميع قوانين الدنيا (بلا استثناء) تنص على أَن الموت ومصادرة الممتلكات هي العقوبة العادلة التي يجب أَن تنزل بمن ارتكب مثل تلك الجرائم التي ذكرنا.
بنو قريظة في نظر القانون الدولي
فإذا عرفنا هذا واتفقنا على أَنه ليس من الظلم ولا من الوحشية في شيء إصدار حكم الإِعدام وتنفيذه بحق المواطن الذي يتصل بالعدو في حالة الحرب القائمة وييسّر له (ولو ببعض المعلومات) مهمة احتلال وطنه أو الإضرار بدولته وأمته، فإن سؤالًا آخر أَهم من السؤال الأول لا بد للمعترضين على الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة من الإجابة عليه وهو:
ما هو (في عرف جميع القوانين) حكم الذي ينقل معلومات إلى العدو تنفعه وتُيسّر له الإضرار بالأُمة وتعرّض الوطن للخطر فحسب، بل ما حكم الذي يستغل حراجة ظروف وطنه ومواطنيه الذي هو جزء منهم ويقيم بينهم فيخون ويغدر، ويطعن وطنه وأمته من الخلف.
فيشهر السلاح في وجه دولته ومواطنيه، ويعلن إنضمامه إلي العدوّ الغازى في تلك الظروف الحربية الدقيقة المخيفة، قاصدًا من وراء غدره وخيانته إخضاع وطنه للغزاة وسحق الفئات الأخرى من
[ ٤ / ٢٣١ ]
بني وطنه وإسقاط النظام القائم (بحد السلاح وبالتواطؤ مع العدو) الذي ارتضاه واعترف به وعاش في ظله آمنًا مطمئنًا لم يهضم له حق ولم يكن إلَّا محل الرعاية والوفاء؟ .
أَعتقد أَنَّ أَحدًا (وحتى من المستبشعين للحكم الصادر في حق بني قريظة) لن يكون جوابه (إذا كان يحترم عقله) على هذا السؤال إلَّا الاعتراف بأَن جميع قوانين وأَعراف الدنيا في الحاضر والماضي تنصّ (بالإجماع) على أن الموت والمصادرة هي عقوبة كل من يقدم على هذه الجرائم التي أَشرنا إليها.
وحيث أَن هذا أَمر متفق عليه (بلا جدال) عند جميع الأمم -قديمًا وحديثًا- فإنه من التحامل والتعسف والافتراءِ القول بأن الحكم الصادر في حق بني قريظة هو حكم غير عادل ومخالف لقواعد الإنسانية.
لأَن هؤلاءِ اليهود قد جمعوا في تصرفاتهم الخائنة الغادرة ضد المسلمين كل الجرائم التي عقوبة واحدة منها (فقط) الموت في جميع قوانين الدنيا في كل الأعصار والأزمنة.
فاليهود لم يكتفوا بالتجسس على مواطنيهم لحساب العدو في حالة الحرب، ولم يكتفوا بمد هذا العدو بالمساعدات المادية والأَدبية التي تيسّر له مهمة احتلال المدينة وطن المجميع المشترك (يوم ذاك) .. وهي أَعمال تُصنّف في باب الخيانة العظمى التي عقوبتها الموت في جميع قوانين العالم .. نعم لم يكتفوا بهذه الأَعمال فحسب، بل (بالإضافة إِلى كل ذلك) شهروا السلاح في وجه الجيش الإِسلامي المشغول بمواجهة الغزاة، وأَعلنوا قطع كل صلة تصلهم بحلفائهم
[ ٤ / ٢٣٢ ]
مواطنيهم المسلمين، وانضموا في تلك الساعات المزلزلة، إلى قوات العدو الغازية مستهدفين سحق المسلمين (بسرعة) سحقًا كاملا مستغلين الموقف الدقيق المتأَزم الذي بلغت فيه حالة المسلمين من الضيق والشدة حد الاختناق ضاربين بكل المثل والأعراف والقوانين والعهود والمواثيق عرض الحائط.
إن يهود بني قريظة (وقد ظهرت نواياهم الخبيثة وتكشفوا على تلك الحالة من اللؤم والخسة والدناءة) لو تم النصر لهم وللأحزاب على المسلمين لما اكتفوا إلا باستئصال شأفة المسلمين ومصادرة كل أملاكهم وسبي جميع نسائهم وذرارهم.
وهذا أمر مبيَّت منهم للمسلمين (بالتأكيد) فهم لم يُقدموا على تلك الخيانة العظمى فيتواطئوا مع العدو الغازى إلَّا وقد وضعوا نُصب أعينهم (كهدف أول) إبادة المسلمين عن آخرهم.
وقد تجلى هذا المقصد الخبيث من اليهود عندما طلبوا من الأحزاب (كشرط أساسى لانضمامهم إليهم) أن لا ينسحبوا ويفكوا الحصار عن المدينة إلَّا بعد سحق المسلمين واستئصال شأفتهم، وأخذوا بذلك العهد على مندوب الأحزاب (حُيَى بن أخطب) فتعهَّد لهم بذلك باسم الأحزاب.
فكيف (إذن) بعد هذه الحقائق الدامغة كلها، وبعد هذه الأعمال التي قام بها اليهود، والتي يكفي البعض منها (فكيف بها مجتمعة) لإدانة هؤلاء اليهود بالخيانة العظمى التي عقوبتها الموت والمصادرة في جميع قوانين الدنيا كيف بعد هذا كله يسوغ لعاقل منصف يحترم نفسه أن ينفي صفة العدل والإنصاف عن الحكم الصادر والنافذ
[ ٤ / ٢٣٣ ]
بحق هؤلاء اليهود الذين لم ينتهوا إلا إلى المصير الذي حاولوا (خيانة وغدرًا وبكل الوسائل الخسيسة) أن يصلوا بالمسلمين إليه؟؟
ولماذا يكون من العدل والإنصاف تنفيذ حكم الإعدام (في هذا العصر) فيمن ارتكب جريمة واحدة فقط من الجرائم التي أشرنا إليها والتي تكفي واحدة منها بإنزال عقوبة الإعدام بمرتكبها كنقل أسرار حربية إلى العدو (فقط) كما يحدث في هذا الزمن، ولا يكون من العدل والإنصاف، بل يصبح من القسوة والوحشية والظلم، تنفيذ حكم الإعدام فيمن ارتكب كل هذه الجرائم الخطيرة مجتمعة كما فعل بنو قريظة؟؟ .
ألَأَن المحكومين يهود والحاكمين مسلمون أم ماذا؟؟ .
إننا لا نزال نسمع كل يوم بأحكام الإعدام تصدر بحق أُناس في أمريكا وأوروبا وكل العالم المسمى (بالعالم الحر) لا لأنهم انضموا إلى الأعداء وشهروا السلاح في وجه دولتهم ومواطنيهم، وإنما لأنهم نقلوا إلى العدو معلومات تفيده وتيسِّر له الإضرار بوطنهم ومواطنيهم.
فما حلَّ ليهود بني قريظة (إذن) من عقاب صارم إنما هو جزاء عادل، يستند إلى قاعدة دولية عامة في كل عصر وزمان، وهو بعيد كل البعد عن أبي شطط أو انحراف عن مبادئ العدالة والإنصاف، لا سيما في ذلك العصر الذي لو وقع فيه المسلمون في أيدي يهود بني قريظة والأحزاب الذين تواطأَ معهم يهود بني قريظة، لما صاروا (أي المسلمون) إلَّا إلى أقسى مما صار إليه هؤلاءِ اليهود على أيدى المسلمين.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
اليهود خونة لا أسرى حرب
قد يقول قائل متبجح: لماذا لم يعامل النبي القائد - ﷺ - يہهود بني قريظة كما يعامل القائد المنتصر رجال جيش العدو الذي حارب وكُتِبَ له الفشل في حربه فانهزم واستسلم، كما هو الحال في هذا العصر؟ .
والجواب على هذا التساؤل هو (من ناحية القانون الدولى العام المعاصر).
١ - أن اليهود عندما فعلوا ما فعلوا بانضمامهم إلى قوات الأحزاب الغازية ضد المسلمين. لم يكونوا في حالة حرب مع المسلمين، بل لم يكونوا حتى في حالة تعاد أو تنافر.
وإنما كانوا أصدقاء متحالفين مع المسلمين، بل ومواطنين هم والمسلمون أمة واحدة يشكلون وحدة وطنية لا تتجزأ، ملزمون هم والمسلمون (على حدٍّ سواء) بالدفاع المشترك عن الوطن الواحد المشترك وهو الوطن اليثربي، كما نصت على ذلك الاتفاقية المعقودة بينهم.
فيهود بني قريظة - من وجهة نظر القانون الدولى العام - لا يمكن وضعهم في مكان العدو الذي استسلم وهو يخوض حربًا مشروعة (قانونًا) كالحرب الي تنشب (لسبب من الأسباب) بين دولة ودولة.
وإنما مكان هؤلاء اليهود - من وجهة نظر القانون الدولى العام - هو مكان الخائن المتآمر المتواطئ مع العدو على أمته ووطنه في حالة الحرب القائمة، وحكم الذي شأنه هكذا عند الظفر به
[ ٤ / ٢٣٥ ]
معروف لدى الخاص والعام، ومنصوص عليه في جميع القوانين الدولية، وهو الإعدام لا غير.
فيهود بني قريظة ليسوا أسري حرب بالمعنى المتعارف عليه دوليًّا، حتى يقال لماذا لم يعاملهم محمد - ﷺ - مثلما عامل غيرهم ممن وقع في يده من أسري الحرب الآخرين، وإنما هم خونة غادرون ارتكبوا جريمة الخيانة العظمى ضدَّ وطنهم وأمتهم، فظفرت بهم يد العدالة، بعد أن أَدانتهم بالتواطؤ مع العدوّ ضد الوطن الذي هو وطنهم والأمة التي هم جزءٌ منها والدولة التي هم في ظلها، ولهذا فالحكم الذي صدر بحق هؤلاء اليهود ونُفِّذ فيهم، إذا نظرنا إليه (فقط) من زاوية العرف والقانون المتعارف عليه والمعمول به في القرن العشرين عند جميع الدول، وجدنا أنه يتفق كل الاتفاق مع هذا العرف وذلك القانون من جميع الوجوه.
ولعل الذين يستبشعون الحكم الذي صدر ونُفِّذ بحق بهہود بني قريظة، ينسون أو يتناسون أنه في القرن العشرين هذا (قرن التقدمية والتمدن كما يسمُّونه) قد سمعنا ولا نزال نسمع بأحكام يصدر بالموت وتنفذ (في ظل القانون) بحق أُناس، لا لأَنهم ارتكبوا مثلما ارتكب يهود بني قريظة من جرائم الغدر والخيانة العظمى ضد مواطنيهم ووطنهم المدينة، وإنما لأنهم نقلوا (فقط) إلى عدو غير محارب بعض الأسرار التي تتعلق بسلامة الجيش والقوات المسلحة كذلك الأمريكى الذي نفذ فيه حكم الإعدام لأنه كان على اتصال بالروس ونقل إليهم أسرارًا حربية تتعلق بصنع القنبلة الذرية وغيرها.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
فكيف بالله (إذن) يكون من العدل التمشي مع روح القرن العشرين إعدام مواطن أو مواطنين، لأنهم (فقط) نقلوا إلى العدو أسرارًا تتعلق بسلامة الجيش .. أسرارًا ليس من المؤكد أن نقلها سيعرِّض الجيش للإبادة وإنما يمكِّن قيادة العدو المنتظر (روسيا) من الاستفادة عسكريًا، ويكون من الظلم والوحشية إعدام المواطن الذي لم يكتف بنقل أسرار جيش بلاده إلى العدو والمحارب المحيط ببلاده، بل شهر السلاح في وجه هذا الجيش وهو في أحلك ليالى محنته وشرع (بالاتفاق مع العدوّ الغازى) في تسديد طعنة إلى ذلك الجيش فألَّف قوة مسلحة داخل الوطن المشترك، واتصل بالعدوِّ اتصالًا مباشرًا مكشوفًا وأعلن انضمامه إليه مستهدفًا إبادة الأمة التي هو جزءٌ منها وتسهيل احتلال الوطن الذي هو شريك فيه، وتدمير الجيش الذي كان من المفروض أن يكون في صفوفه مدافعًا عن الوطن المشترك؟ .
أعتقد أنه لا جواب عند هؤلاء المعترضين والمستبشعين لما نزل بيهود بني قريظة إلَّا الفلسفة الفارغة والمغالطة المكشوفة التي تمليها الرغبة المبيتة الملحة في الطعن والتشويه لكل ما هو إسلامي فحسب ..
إن يهود بني قريظة (بالإضافة إلى صفة المواطن) كانت لهم صفة الجندى والضابط الذي يجب أن يكون قوة محاربة داخل جيش المدينة ضد أي اعتداءٍ تتعرض له (يثرب) الوطن المشترك للمسلمين واليهود - يوم ذاك - كما تنص على ذلك الاتفاقية المعقودة بين الفريقين.
فاليهود إذن (كما قلنا) ليسوا أسرى حرب بالمعنى المعروف
[ ٤ / ٢٣٧ ]
حتى يقال إن إعدامهم على تلك الصورة الجماعية وحشية وقسوة تتنافي وروح القرن العشرين، بل هم قوم مواطنون ارتكبوا (ضد أُمتهم ووطنهم) الخيانة العظمى وعلى درجة لم يصل إليها أحد قبلهم ولا بعدهم في البشاعة والفظاعة والدناءة هذا من جهة.
لكل دولة قانونها الخاص
ومن جهة أُخرى، فإن المتعارف عليه (دوليًا في كل عصر وزمان) هو أن لكل أُمة ودولة قانونها الخاص الذي تسير على نهجه في سلمها وحربها.
ودولة الإسلام (يوم نازل العقاب ببني قريظة) كأن لها قانونها الثابت الذي تنطبق نصوصه على كل مواطنيها: مسلمين وغير مسلمين، كما هو معروف بالتواتر لدي جميع المفكرين.
وقانون الإسلام (كما هو في الدستور الأعلى: القرآن يجعل مصير أسرى الحرب إلى الإمام (وهو الحاكم والقائد الأعلى للجيش ليتصرّف فيهم وفق مصلحة الأمة والدولة والدين (١).
وعلى ضوء هذا الحق الذي أعطاه القانون الإسلامي (في حالة الحرب) لرئيس الدولة والقائد الأعلى للجيش، فإن يهود بني قريظة حتى لو كانوا أسرى حرب بالمعنى المتعارف عليه، وأمر القائد
_________________
(١) انظر كتاب المغني لابن قدامة ج ٨ ص ٣٧٢، وانظر كذلك المحل لابن حزم ج ٧ ص ٢٩١ وما بعدها.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
الأعلى النبي - ﷺ - بإعدامهم (فإنه من ناحية العرف السائد دوليًا) لا مكان للاستنكار مطلقًا (١).
لأن النبي القائد - ﷺ - إنما كان تصرّفه هذا في حدود القانون الذي التزم العمل به وقام بتطبيقه في كل مناسبة على نفسه وعلى جميع أفراد شعبه، ولا لوم (من وجهة النظر الدولية) ولا اعتراض على من طبق قانون بلاده فيها على غير أبناء بلاده فكيف بأبناء بلاده؟ .
إعدام اليهود والاتفاقات الدولية
يضاف إلى هذا أنه (عند حادثة بني قريظة) لم تكن هناك معاهدات دولية تحرم إعدام المحاربين المستسلمين كما هو اليوم، ارتباطها النبي القائد - ﷺ - حتى يسوغ للمشوِّشين والطاعنين بالباطل أن يقولوا: إن محمدًا - ﷺ - بإعدام يهود بني قريظة - قد خالف العرف والقانون الدوليين.
بل إن النظام الشائع يوم ذاك عند جميع الأمم (مسلمين وغير مسلمين) أن أَسرى الحرب يكون مصيرهم في يد الرئيس الأعلى للدولة وأحيانًا إلى قائد الجبهة ليتصرف فيهم وفق المصلحة.
_________________
(١) من الثابت المجمع عليه عند جميع المؤرخين ورواة الحديث أن النبي ﷺ لم يقتل من الأسرى (طيلة حياته) سوى ثلاثة، وهم:
(٢) عقبة بن أبي معيط.
(٣) النضر بن الحارث العبدري، وكان هذان الرجلان من كبار مجرمي الحرب.
(٤) أبو عزة - عمرو بن عبد الله الجمحى - أسره المسلمون في بدر وأطلق النبي سراحه على أن لا يحمل السلاح ضد المسلمين، ولكنه غدر وحمله مرة أخرى في غزوة أحد، فأسر مرة أخرى فأمر النبي بإعدامه.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وعلى فرض أن يهود بني قريظة أسري حرب بالمعنى المتعارف عليه، وليسوا خونة غادرين ارتكبوا الخيانة العظمى ضد وطنهم ومواطنيهم (مع أنهم كذلك بالتأكيد)، فإن مصلحة المسلمين وسلامة كيانهم استلزمت إبادة هؤلاء اليهود الذين بالإضافة إلى ارتكابهام الخيانة العظمي التي عقوبتها الموت كانوا قوة محاربة دلَّت الأحداث المتلاحقة على أن بقاء هذه القوة داخل المدينة أو إعطاءها الحرية في الجلاء سيكون (بالتأكيد) مصدر خطر كبير يهدّد سلامة دولة الإسلام الوليدة في كل لحظة، هذه الدولة التي ير اليهود من رجالها إلا البر والعدل والوفاء.
فقد دلت التجارب العملية المتكررة مع هؤلاء اليهود أنهم على أتم استعداد لاغتنام أية فرصة وسلوك أي سبيل (مهما كانت خسته ووضاعته للإطاحة بحكومة المدينة وهدم الكيان الإسلامي من الأساس.
كما حدث من إخوانهم يهود بني النضير الذين أعفاهم النبي - ﷺ -، من القتل بعد استسلامهم (١) ثم سمح لهم بالجلاء من المدينة إلى حيث شاءُوا.
فعندما سنحت الفرصة لبني النضير لم يترددوا في القيام بتنظيم أخطر غزو تعرضت له المدينة في تاريخها حيث سعى زعماءُ هؤلاء اليهود واستخدموا أموالهم ونفوذهم لتحشيد أقوي القبائل العربية الوثنية المحاربة ضد المسلمين، وكوَّنوا منها ذلك الجيش الضخم الذي بلغ أكثر من عشرة آلاف مقاتل وجاءُوا في مقدمة هذا الجيش العظيم مستهدفين سحق المسلمين ودم كيان الإسلام من الأساس.
_________________
(١) انظر تفاصيل محاصرة يهود بني النضير في أول هذا الكتاب.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
بل كما حدث من يهود بني قريظة أنفسهم الذين حاربوا النبي - ﷺ - مع بني النضير ثم أعفاهم النبي (بصفة خاصة) من القتل والنفي والمصادرة (كما هو ثابت في صحيح البخاري).
فيهود بني قريظة هؤلاء - بالرغم من إحسان النبي - ﷺ - إليهم وإعفائهم بصفة خاصة من القتل والنفي والمصادرة بعد أن ثبت اشتراكهم في الحرب ضده مع بني النضير - فإنهم عندما سنحت لهم الفرصة، لم يتورعوا عن الإقدام على، ذلك العمل الفظيع، الغدر بالمسلمين ومحاولة القضاء عليهم بالاشتراك مع الأحزاب.
فعملية إبادة حوالي ثمانمائة مقاتل من يهود بني قريظة إنما هي عملية تتطلبها مصلحة الأمة، وهو عمل ضرورى لسلامة الأُمة والدولة، ويقرّه القانون السائد في الأرض التي يقطنها هؤلاء اليهود.
سكان هيروشيما وبنو قريظة
وإذا قارنَّا عملية القصاص العادل الذي به أباد المسلمون حوالي ثمانمائة مقاتل من خونة يهود بني قريظة المحاربين، إذا قارنا هذه العملية التي يستهجنها بعض الباحثين عن المطاعن الموهومة في الإسلام، إذا قارنَّا هذه العملية بما ارتكبه ولا يزال يرتكبه هؤلاء الذين يتشدقون بذكر وحشية عملية إبادة بني قريظة ويتبجحون بذكر مدنية القرن العشرين وعدالة القرن العشرين وحقوق الإنسان لوجدنا أن عملية واحدة من عمليات الإبادة التي أقدموا عليها تكفي لأن تجعل عملية إبادة بني قريظة شيئًا لا يكاد يذكر.
فكم سمعنا ولا نزال نسمع ويسمع ويرى العالم كيف يحصد
[ ٤ / ٢٤١ ]
هؤلاء المتمدنون مئات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال الذين لم يكونوا (يومًا من المحاربين) ويستأصلون شأفتهم باسم القانون وحماية الوطن وسلامة الدولة.
فأين (مثلًا) إبادة ثمانمائة مقاتل (خونة محاربين ناكثين غادرين) نزل بهم حكم الإعدام قصاصًا، من مائتين وخمسين ألف غير محاربين ولا خونة ولا ناكثين ولا غادرين مسحتهم من الوجود هم ومدينتهم نساء وأطفالًا وشيوخًا، قنبلة ذرية واحدة ألقت بها عليهم (عن قصد وسابق تخطيط) طائرة حربية تابعة لدولة يقال حتى هذه اللحظة إنها أُم الحريات ومعقل الدفاع عن الإنسانية، وهي دولة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ألقى سلاح طيرانها تلك القنبلة على مدينة (هيروشيما العزلاءِ الآمنة في اليابان) في أواخر الحرب العالمية الثانية، كما أُلقيَّ مثلها على سكأن مدينة (نجازاكى العزلاء كذلك) فأَباد وشوّه (أيضًا) مئات الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال العزَّل؟ .
نعم أين إعدام ثمانمائة يهودى قُتِلُوا بعد محاكمة وإدانة صريحة بالخيانة العظمى والغدر البشع، من حصد أرواح مئات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال العزل اليابانبين دون أن يقترفوا ذنبًا أو يرتكبوا خطيئة؟ .
وبعد، ألا يخجل هؤلاء المتعصبون ضد الإسلام والباحثون له كل يوم عن مطعن يحطُّ من شأنه، ألا يخجل هؤلاء هم وفروخهم من المنتسبين إلى الإسلام والطاعنين (باسم الإنسانية) في الحكم الصادر والنافذ بحق هؤلاء اليهود الخونة .. ألا يخجل هؤلاء
[ ٤ / ٢٤٢ ]
هم وفروخهم من المحسوبين على الإسلام حينما يتشدقون بطعونهم في حكم الإعدام الصادر بحق ثمانمائة بهہودي ارتكبوا الخيانة العظمي، ويصفونه بأنه حكم وحشي لا يتفق مع روح القرن العشرين المتمدنة، وهم يعلمون أن أسيادهم (ومن يعتبرون في الذروة من مدنية القرن العشرين) قد حصدوا أرواح مئات الآلاف من غير المحاربين من الشيوخ والنساء والأطفال عن قصد وتخطيط وسابق إصرار؟ .
خرافة مدنية القرن العشرين
وأية مدنية القرن العشرين هذه التي يتبجح هؤلاء المتعصبون وفروخهم بسموّها وعلوّ روحها، ويجعلون منها مقياسًا للعدل والرحمة والتمدن، وبمعيارها يصدرون حكمهم بالقسوة والوحشية والهمجية على قرار حكم الإعدام الذي صدر ونُفذ في حق يهود بني قريظة.
أهى هذه المدنية التي (كما رأينا ورأى العالم) سمح أقطابها وحمامها وسدانتها لأنفسهم أن يمسحوا من الوجود بسلاح وحشي رهيب مئات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال العزل؟؟ .
أهي هذه المدنية الي سماح حماتها وسدانتها لطياريهم (في الحرب العالمية الثانية) أن يقتلوا تحت الأنقاض في ليلة واحدة أربعين ألف إنسان من المدنيين العزل (١)؟ . الخ.
_________________
(١) عند ما كنت في زيارة لألمانيا الغربية عام ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٢ م، زرت مدينة همبورج الشهيرة وعندما كنا نتجول في أحد الأحياء الشهيرة من هذه المدينة قال لنا الدليل المرافق: إنه في ليلة واحدة قتل من أهل هذه المدينة أربعون ألف بفعل الغارات =
[ ٤ / ٢٤٣ ]
أَهي هذه مدنية القرن العشرين التي بها يتشدق الببغاوات من المحسوبين على الإسلام ويجعلونها مثلهم الأعلى ومرجعهم الأول في الحديث عن الإنسانية والمدنية وحقوق الإنسان ويحتجون بأنَّ إعدام ثمانمائة مقاتل من خونة يهود بني قريظة يتنافى مع روح مدنيتهم هذه؟؟ .
أَهذه هي مدنية القرن العشرين التي أباحت بقانون دم إنسان زنجي إذ حكمت عليه بالإعدام ونُفِّذ فيه هذا الحكم لأَنَّه سرق دولارين من إنسان أبيض (١)، وحكمت بالإعدام على زنجي آخر لأنه (فقط) راود امرأة بيضاء عن نفسها ولم يرتكب الخطيئة؟ .
أهذه هي المدنية العالية التي يجعلها الحاقدون على الإسلام والمفتونون من المنتسبين إليه، مقياسًا أعلى للإنسانية والرحمة والعدل توزن ميزان روحها أعمال أعظم وأعدل وأرحم رجل عرفه التاريخ محمد بن عبد الله - ﷺ -، ويصفون حكم الإعدام الذي أقره ونفذه في يهود بني قريظة بالقسوة والهمجية بحجة أنه يتنافي مع روح هذه المدنية، مدنية القرن العشرين إياها (٢)؟؟ .
_________________
(١) = الجوية التي شنتها طائرات الحُلفاء بدون تمييز على همبورج، وكم مثل هذه الأعمال الوحشية الي ارتكبها الذين يتشدقون بروح مدنية القرن العشرين المزعومة.
(٢) قبل ما يقرب من خمس سنوات حكمت محكمة أمريكية في الولايات المتحدة بالإعدام على الزنجي (جيمس ولسون) وجريمته (كما أعلنت المحكمة) أنه سرق دولارين إلَّا ربعًا من امرأة بيضاء انظر كتابنا (صراع مع الباطل ص ١١٧.
(٣) وأين هؤلاء الذين يريدون الطعن في الحكم الصادر والنافذ في ثمانمائة مقاتل من بني قريظة بحجة أنه يتسم بطابع الوحشية والانتقام، أين هؤلاء المتمدنون من فعلة ريتشارد (قلب الأسد) قائد الحملة الصليبية في فلسطين الذي أعدم ثلاثة آلاف أسير من المسلمين في فلسطين بعد أن أعطاهم الأمان وقطع على نفسه عهدًا بحقن دمائهم؟ ! كما أثبت ذلك جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب)؟ .
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وبعد، لقد تعمدنا في مناقشة المعترضين على حكم الإعدام الجماعي الصادر بحق يہهود بني قريظة والنافذ فيهم .. تعمدنا إغفال النصوص الشرعية والاحتجاج بها، ومناقشتهم في حدود مفهوم الأعراف والقوانين العصرية التي يقدِّسونها، لأنهم لا يؤمنون بالإسلام الذي هو مصدر تلك الأحكام التي نفِّذت في اليهود.
فصار من غير المجدى محاولة إقناعهم بوجاهة ذلك الحكم وعدالته عن طريق الرجوع بهم إلى قواعد ونصوص الشريعة الإسلامية من آيات وأحاديث.
فهذه النصوص والقواعد إنما يُناقش في حدودها من يؤمن بمصدرها ويري نفسه ملزمًا بالرضوخ لها والاحتكام إليها.
وأعداءُ الإسلام هؤلاء وفروخهم الذين يسيرون على أصول قوانينهم في تشريعاتهم الوضعية إنما يهدفون بمحاولاتهم الطعن في الحكم الصادر بحق اليهود، انتقاص أُصول هذه الشريعة الإسلامية الغراءِ، ولهذا لزم إبطال مزاعمهم ونقض مطاعنهم في حدود قانونهم وبمنطقهم ذاته.
حكم بني قريظة في شريعهم
وهناك أمر آخر مهمٌّ لا بد من ذكره بهذه المناسبة، وهو أن الحكم الذي أصدره سعد بن معاذ على يهود بني قريظة وأقرَّه النبي - ﷺ - وقام بتنفيذه، قد جاء (تمامًا) وفق الشريعة الموسوية عند اليهود أنفسهم كما في التوراة عندهم.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
فقد نصَّ الإصحاح العشرون في سفر التثنية من كتابهم المقدّس على أن لهم قتل كل الرجال من أعدائهم إذا ظفروا بهم وامتلاك نسائهم وأطفالهم وكل ما يملكون.
وهذا هو نص الإصحاح العشرين من سفر التثنية "وإن لم تسالمك أية قرية بل حاربتك فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك" (١).
وهذا النص الصريح في كتاب اليهود المقدَّس يجعل هؤلاء اليهود (بالتأكيد) يرون أن من حقهم تنفيذ حكم الإعدام فيمن وقع في أيديهم من أعدائهم الرجال وسبى نسائهم وذراريهم ومصادرة كل ممتلكاتهم.
وهذا يعني أن اليهود لو نجحوا في مؤامرتهم وتمَّ لهم ولأحلافهم التغلب على المسلمين لما تردُّدوا لحظة في إبادة المحاربين منهم وسبى نسائهم وذراريهم ومصادرة أموالهم، تمشيًا مع حكم كتابهم المقدس الذي جاء صريحًا في سفر التثنية.
وهكذا جاءت العقوبة التي أنزلها المسلمون باليهود هي نفس العقوبة التي كان هؤلاء اليهود ينوون إنزالها بالمسلمين لو وقعوا في أيديهم.
فالحكم النازل باليهود إنما جاء (تمامًا) وفقًا لشريعتهم، فهو إذن جزاءًا وفاقًا.
_________________
(١) سفر التثنية: ٢٠، ١٣ - ١٤.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
ولهذا لم يبق (لا من الناحية الدينية ولا الوجدانية ولا القانونية) أي مجال للانتقاد في الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة.
وبالإضافة إلى كل ما أوردنا من حجج لا تقبل الجدل فإنا نقول لهؤلاء الطاعنين والمستبشعين لهذا الحكم .. إنه مهما تقولون في صرامة هذا الحكم وقسوته، فإن أي واحد منكم لو كان مسؤولًا عسكريًا عن سلامة أمته (وفي أي عصر من العصور) فتعرض هو وجيشه ووطنه وأمته لمثل ما تعرض له محمد - ﷺ - من خطر خيانة يهود بني قريظة وغدرهم بانقلابهم على المسلمين في ذلك الظرف، ذلك الغدر والانقلاب الذي جعل جيش المدينة الذي كأن اليهود (جزءًا منه بموجب المعاهدة) يقع في أَخطر مأزق يمرُّ به في تاريخ حياته العسكرية.
حيث وصل هذا الجيش (بسبب خيانة بني قريظة) إلى درجة من الخطر كانت قاب قوسين أو أدنى من الإبادة لولا عناية الله التي أنقذت المسلمين بمعجزة.
نعم نقول لهؤلاء المعترضين لو أن واحدًا منهم كان قائدًا عسكريًا وتعرض هو وجيشه وأُمته ووطنه لمثل ما تعرض له النبي القائد من يهود بني قريظة، لما وسعه إلا أن ينزل بهم (على الأقل) ذلك الحكم الذي أنزله الرسول بأولئك اليهود الخونة الغادرين.
دفاع مجيد
لقد رأيت بحثًا أعجبي في الدفاع عن سعد بن معاذ القاضي المحكَّم في بني قريظة لكاتب إسلامي فاضل هو الأستاذ محمد
[ ٤ / ٢٤٧ ]
البيومي فنَّد فيه مزاعم المستشرقين وأنحى باللوم على المنتسبين إلى الإسلام من القانونيين الذين تأثروا بوساوس المستشرقين.
فقد نشرت مجلة الحج الغراءِ الصادرة بمكة المكرمة في عددها الثاني عشر من سنتها الثامنة عشرة مقالًا لهذا الكاتب الكريم تحت عنوان: (إنصاف سعد بن معاذ).
ولأهمية هذا المقال فإنَّا سنقتطف منه للقراء أَهم النقاط المتعلقة ببحثنا هذا.
قال الأُستاذ البيومي. . "ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في تجريد سيد الأوس سعد بن معاذ، حين أصدر حكمه العادل باستئصال بني قريظة، إذ خانوا الله ورسوله وتآمروا بالمسلمين، فخالفوا قريشًا على حرب محمد - ﷺ -، ناقضين عهودهم الوثيقة، ومعلنين دفائن أحقادهم الثائرة.
ويوم صدق الله وعده فرد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وحان أَوان القصاص فارتضوا سعد بن معاذ حَكمًا، فجزاهم بما اقترفوا من العقوق والغدر أعدل الجزاءِ.
ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في ذلك عن غرض جائر وهوىً مريض، إنما الغريب حقًّا أن يستمع إليهم بعض عقلائنا المسلمين من كبار رجال القانون، فيروا في حكم سعد مغالات كبيرة.
ولا أدرى كيف يقولون ذلك وقد درسوا القوانين المعاصرة دراسة نافذة، وكان في مقدرتهم أَن يطبقوها على قضية بني قريظة ليروا أَن قوانين القرن العشرين لا تختلف في شيء عما أصدره سعد بن معاذ.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
يقول الأُستاذ البيومي: ولكن أقوال ذوي الغرض من المستشرقين قد خدعت رجالنا عن عقولهم، فنسوا ما يحفظون وتجاهلوا ما يعلمون.
ثم يكرّ الأُستاذ البيومي على تلك المطاعن، فيثبت بطلانها عن طريق المقارنة بين القوانين العصرية الوضعية وبين حكم سعد على اليهود قائلًا .. وسنضطر هنا إلى مخاطبتهم بلغتهم القانونية، ثم يقول:
لقد كان بين الرسول - ﷺ - وبين يهود بني قريظة معاهدة تحفظ حقوق الفريقين وتقضى على كل فريق أن ينصر الآخر إذا واجه خطرًا في حرب.
ولكنهم (أي اليهود) تآمروا فانضموا إلى أعدائه وأوقعوه بين شق الرحي في المدينة مصطليًا بنار أَعدائه المشركين من جهة واعتداء حلفائه اليهود في ساعة العسرة من جهة ثانية.
فاقترفوا بذلك الغدر الشنيع ثلاث جرائم:
أولًا - رفع السلاح ضد سلطان المدينة مع الأجنبي المعتدي.
ثانيًا - دس الدسائس لدى العدو ضد المسلمين.
ثالثًا - تسهيل دخول العدو للبلاد.
ثم يعقب الأُستاذ البيومى على إدانة اليهود بهذه الجرائم الثلاث فيقول:
وقانون العقوبات المصري - وهو أقرب قانون يعرفه من
[ ٤ / ٢٤٩ ]
يؤاخذون سعدًا من رجالنا القانونيين - يجعل الإعدام عقوبة كل جريمة من الجرائم الثلاث (التي ارتكبها اليهود) (١).
وينص على ذلك في المواد ٧٧، ٧٨، ٧٩، وهذه هي نصوصه على الترتيب:
(المادة ٧٧) يعاقب بالإعدام كل مصرى رفع السلاح على مصر أو التحق على وجه بعمل في القوات المسلحة لدولة تحارب مصر.
(المادة ٧٨) كل من ألقى الدسائس إلى دولة أجنبية أو إلى أحد من مأموريها أو إلى أي شخص يعمل لمصلحتها أو تخابر معها أو معه بقصد استعدائه على مصر أو تمكينه من العدوان عليها يعاقب بالإعدام، سواءٌ تحقق الغرض أَم لم يتحقق.
(المادة ٧٩) يعاقب بالإعدام كل من سهَّل دخول العدو إلى البلاد أو سلَّمه مواقع أو سفنًا أو طائرات مما يستعمل في الدفاع عن البلاد، أو نقل إليه أخبارًا أو أرشده أو حرّض الجنود على الانضمام إليه أو أثار الفتن والشائعات أو نحو ذلك (٢).
ثم يؤكد عدالة العقوبة النازلة بيهود بني قريظة - من وجهة نظر مدنية القرن العشرين - فيقول: فقانون القرن العشرين
_________________
(١) القانون المعمول به في مصر حتى الآن هو مزيج من القوانين الأجنبية الإفرنسية والسويسرية والإيطالية والإنكليزية، ولم يكن هذا القانون يعتمد على الشريعة الإسلامية في أية ناحية من نواحيه كقاعدة يرجع إليها .. انظر كتاب (حقيقة القومية العربية) للأستاذ المصري المشهور محمد الغزالي.
(٢) وبالرجوع إلى جميع القوانين الوضعية العصرية يتضح إنها جميعًا تتفق على هذه العقوبات في محاكماتها للمواطنين الخونة.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
صريح في إدانة بني قريظة حيث ارتكبوا جميع ما تستحق جريمة واحدة منه الإعدام.
وسنعرض لخيانتهم بالتفصيل حين نوجز سيرة سعد ليعلم القارئ المنصف، كم تجنَّى عليه أَعداءُ الإسلام إذ وصفوه بالوحشية والقسوة والغدر.
وكم تنكب رجالنا من القانونيين سبيل الإنصاف حين زعموا أن حكمه القضائى لا يوائم أَحكام القرن العشرين وقد فاتهم أَن يحيطوا بالقضية من أطرافها ليروا شططهم البعيد.
أمَّا الرجل (يعني سعد بن معاذ) فبطل صادق ومسلم صريح.
إن هؤلاء الغادرين قد آسفوه بخيانتهم الأَثيمة، فما راعوا إلَّا ولا ذمة، وكان سعد مع قومه من الأَوْس قد شفع لديهم - بادئ ذي بدئ - ليرجعوا عن غدرهم الفاضح، فما راقبوا الله في حِلْف أو ميثاق حتى انكشفت الغمة فقبعوا في حصونهم يترقبون ما تتمخض عنه الحوادث.
وطبيعى أن يعجِّل المسلمون بعقاب هؤلاء الخونة عقابًا رادعًا، فاتجهوا إليهم على الفور وحاصروهم في ديارهم خمسًا وعشرين ليلة أججت القلق والحسرة في ضلوعهم فعرضوا شروطًا للجلاءِ كما فعل بنو قينقاع وأَملوا أن يتقبلها الرسول بقبول حسن.
وقد اتجهت أنظارهم إلى حلفائهم من الأَوس ليكونوا شفعاءَهم لدي محمد ورسول - ﷺ - يدرك نفسيات قومه فيضع الشيء في موضعه، إذ يختار سعد بن معاذ "حليف بني قريظة" ليكون فيصلًا قاطعًا ينزل الفريقان على رأيه.
[ ٤ / ٢٥١ ]
وسعد قد قدَّر الوقف تقدير من شاهد كروبه ومآزقه وعرف النُّذرُ المستطيرة التي تراءَت في الأُفق فأوشكت أَن تطيح بالعصبة المؤمنة، لولا عناية الله التي أَثارت الريح.
ولقد همَّ أصحابه يزيِّنون له الإحسان في مواليه ويجنحون به إلى السلام والفداءِ، فماذا فعل عند ذالك؟ .
لقد حكم (سعد) بأَن تقتل الرجال وتقسم الأَموال وتسبى الذرارى والنساء وأمر الرسول - ﷺ - بتنفيذ الحكم.
ولاقى اليهود أسوأَ مصير على أفظع خيانة تُوَجه إلى مُعاهد مسالم (١) يأمن حلفاؤه، فيأْتيه الروع من مأْمنه الحصين.
التقول على الإسلام
ثم يقول الأُستاذ رجب البيوي: وقد كانت صرامة هذه العقوبة عاة للتقول على الإسلام دون عدالة وإنصاف، فالمسلمون لم يتجنَّوا على بني قريظة باستئصالهم المبيد، لأنَّهم متَّهمون بالخيانة العظمى، وقد ثبتت إدانتهم ثبوتًا قامت دلائله وفدحت نتائجه، وهذه الخيانة الخطيرة ليس لها في جميع الشرائع غير الإعدام السريع.
_________________
(١) بل إلى مواطن آمن كان ينتظر النصر من هؤلاء اليهھود الذين كانوا (يوم ذاك) جزءًا من الوطن الذي خانوه ومن الأمة التي غدروا بها، لأن هؤلاء اليهود كانوا (أمة مع المسلمين) بموجب المعاهدة المعقودة بين الفريقين، كما فصلنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
مقارنة بين قبائل اليهود الثلاث
ثم ينفى الكاتب استحقاق بني قريظة لأَيَّة شفقة فيقول: ولم يكن اليهود أَسرى حرب فيميل بهم إلى الشفقة، ولكنهم شرّ من الأَعداءِ، إذ يبيِّتون لأُناس يأْمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار (والمواطن) وواجبات الذمام، وموقفهم هنا يختلف اختلافًا واضحًا عن موقف بني قينقاع وبني النضير.
فالأولون قد أبدوا البغضاءَ من أفواههم وأشاعوا الريب والشكوك ورأوا في الدعاية المغرضة سلاحًا لا يفلّ.
والآخرون (أي بنو النضير) قد ائتمروا على قتل الرسول - ﷺ - تحالف مع بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهم الفرصة طريقًا يصلون منه إلى التنفيذ، وهؤلاء وأُولئك أهون خطبًا من الذين سلّوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو، وأوقعوا الهلع في قلوب يحيط ها الروع من كل ناحية، فتعادل الكفتين بينهما طيش لا يقره إنصاف.
وقد جلا بنو قينقاع وبنو النضير عن المدينة، فكانوا مثار القلق والفتنة ومبعث الضيق للمسلمين، فهم الذين حزَّبوا الأحزاب وجمعوا القبائل مع المشركين ليوم الخندق، فأعطوا بمؤامرتهم المزعجة محمدًا - ﷺ - درسًا حاسمًا يحتِّم استئصال شأفتهم وتتبع أَفاعيهم في كل مكمن، ليطفئ لهبًا يستعر إذا هبَّت عليه الريح.
ويختم الأستاذ محمد رجب البيومي دفاعه عن الحكم الصادر والنافذ بحق يهود بني قريظة فيقول .. وقد تحقق الدرس مبدئيًا
[ ٤ / ٢٥٣ ]
في يهود بني قريظة وظهرت نتائجه الحاسمة في خيبر، حيث تعرض اليهود على يد محمد - ﷺ - لزلزال رهيب. اهـ.
دفاع الدكتور محمد علي
ومن الذين تعرضوا لشبه الوحشية والقسوة التي أراد خصوم الإسلام وفروخهم إلصاقها بحكم الإعدام الصادر بحق بني قريظة مولانا محمد على، فقد تناول موضوع نهاية بني قريظة في كتابه الشهير (حياة محمد ورسالته) بشيء من التحليل المنطقى، فردَّ (في اختصار) كل الاعتراضات التي جاءت بشأن ذلك الحكم الصارم ..
فقد جاء في كتابه المذكور (أثناء حديثه عن مقتلة بني قريظة) ويتعين علينا أن لا ننسى هنا أن الإسلام كان يمر - آن ذاك - بمرحلة حرجة جدًّا من مراحل حياته، كانت هي فترة معركة أُحُد، عندما تأَلب الأَعداءُ من كل صوب وشهروا السلاح لتسديد ضربة قاضية إلى الإسلام.
كأن الهجوم يشن من الخارج، خطرًا من غير ريب، ولكن الانفجار الداخلى المرتقب في كل لحظة كان أشد من ذلك خطرًا. ويقول المثل .. الإنذار المسبق يساوى التسلح المسبق، وكان هذا ممكنًا في حال هجوم خارجي، لا يتيحه للمسلمين من وقت يستعدون خلاله لمواجهة الوضع.
أما الانفجار غير المرتقب في المدينة نفسها فخليق به أن يكون طعنة قاتلة توجه إلى فؤاد الإسلام نفسه.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وكان بنو النضير على صلات ودية مع أعداء الإسلام، ومثّل بنو النضير دورًا هاهًا في معركة الأَحزاب، فبالإضافة إلى تحريضهم بيوتات قريش، راحوا يطوفون في الصحراء ملمّين بمضارب البدو، يثيرونهم على الإسلام.
ثم يخلص مولانا (محمد على) إِلى الحديث عن جريمة الخيانة العظمى التي ارتكبوها بنو قريظة فيقول: وتأَثَّر بنو قريظة أيضًا، وكان موقفهم من الإسلام حتى ذلك الحين - أَي حتى تخريب الأَحزاب - ودِّيًّا (١) .. تأثروا بهذه الحملة الدعاوية.
لقد رفض بنو قريظة أول الأَمر أَن يشاركوا ضد الإسلام ولكنهم تلقوا تأكيدات تفيد أَن المسلمين كانوا في وضع يائس، لن يتمكنوا معه من البقاء، إنهم لن يستطيعوا بأية حال الصمود في وجه الأَعداد الضخمة التي نجمت مثل نبات الفطر (٢) في كل ناحية للقضاء على الإسلام (٣).
ولقد قيل لبني قريظة أَن قد أن لهم أن يختاروا بين الانحياز
_________________
(١) الثابت (كما في صحيح البخاري) أن يهود بني قريظة قد حاربوا النبي صلى الله عليه وسم مع إخوانهم بني النضير عندما حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسم، ولكن الرسول (لظروف خاصة) سمح لبنى قريظة بالبقاء وأجلى إخوانهم بني النضير.
(٢) الفطر (بضم أوله وسكون ثانية) هو النبات الأولى الكثير الذي أول ما تنفطر عنه الأرض، والفطر أيضًا جنس من الكم أبيض عظام.
(٣) وهذا الذي يجعل جريمة بني قريظة تبلغ نهايتها في الشناعة والخسة والوضاعة، لأنهم بدلا من أن يحققوا من بلواء حلفائهم ومواطنيهم الذين وقعوا في ذلك المأزق المميت سارعوا إلى الاجهاز عليهم فانضموا إلى أعدائهم، وهذا أفظع ما شهدته سجلات النكث والغدر والخيانة، ومع هذا يأتي من يزعم أن الحكم النافذ في بني قريظة قد اتسم بطابع الوحشية المنافية لروح مدينة القرن العشرين! .
[ ٤ / ٢٥٥ ]
إلى المسلمين وبين التعاون مع الأحزاب، وهكذا أقنع بنو قريظة بالانضمام إلى صف سائر القبائل المعادية للإسلام، فنقضوا عهدهم الذي أعطوه للمسلمين وتحالفوا مع الأحزاب، واعدين إيَّاهم بأن يُسدّوا إليهم العون في النزاع المقبل - معركة الأحزاب.
والحق أن الميثاق الجديد برغم أنه عقد سرًّا، لم يبق حرفًا ميتًا، فقد شارك بنو قريظة عمليًّا في القتال. وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (١).
والتاريخ أيضًا يشهد على اشتراكهم في المعركة، بل لقد بيتوا خطة للهجوم على نساء المسلمين أيضًا، وكان في خيانة بني قريظة - وقد برز في الجانب الآخر في الخندق أربعة وعشرون ألف مقاتل (٢) متحرقين لسحق الإسلام، وانهمك المنافقون في إنزال الأذى بالمسلمين في الداخل - مما زاد في متاعب الرسول، - ﷺ - وأصحابه إلى حد بعيد ..
وهكذا رئى، عند انقضاء معركة الأحزاب، أن من المناسب أن تنزل ببني قريظة العقوبة التي يستحقون، والتي قد تحول دون تكرُّر مثل هذه الخيانة الغادرة في المستقبل.
ومن ثم أَلقى المسلمون الحصار على معاقلهم، فاستسلموا بعد مقاومة قصيرة، وقد اختار بنو قريظة بأنفسهم سعد بن معاذ (وكأن فيما
_________________
(١) الأحزاب ٢٦.
(٢) لم نر في شيء من مصادر التاريخ أن جيوش الأحزاب قد بلغت هذا العدد.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
مضى حليفهم) حَكمًا يعيِّن العقوبة التي يستحقون، ولو أنهم فوّضوا أمرهم إلى الرسول (إذن لعاملهم) في أغلب الظن، كما عامل أَبناء عمومتهم بني قينقاع وبني النضير. لقد كان خليقًا به أن يحكم عليهم - في أَسوإ الأحوال - بالنفي من المدينة (١).
ولكن سعدًا، الحكم الذي اصطفوه هم، كان ينظر إلى غدرهم الخطر، في لحظة الحرج، باشمئزاز بالغ، لقد ارتأَى أَنَّ عظَم الأذى الذي أنزلوه بالمسلمين يقتضي عقوبة نموذجية بدونها لن تحظى المواثيق في المستقبل، إلَّا باحترام ضئيل، وقد يعتبرها أَيّ من الفريقين المعنيين عندئذ قصاصات ورق لا قيمة لها
ومن هنا انتهى إلى هذا القرار، أَنَّ جزاءهم العادل يجب أن لا يكون - بأَية حال - أَخف من تلك التي قضي بها كتابهم المقدس (العهد القديم) في حق العدوِّ المهزوم، وهذا ما يقضى به (العهد القديم) في هذا الصدد.
وبعد أن يشير مولانا محمد علي إلى النص الثابت في الإصحاح العشرين من كتابهم بهہذا الصدد، يقول: "وهكذا حكم سعد، وفقًا للشريعة الموسوية، بقتل ذكور بني قريظة، وبسبي نسائهم وأطفالهم، وبمصادرة ممتلكاتهم".
ومهما بدأت هذه العقوبة قاسية، فقد كانت على وجه الضبط، العقوبة التي كأن اليهود ينزلونها - تبعًا لتشريع كتابهم المقدس بالمغلوبين من أعدائهم.
_________________
(١) هذا من المؤلف ظن أثبت عدم صوابه قول النبي ﷺ لسعد بعد صدور الحكم .. حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وإلى هذا فإن جريمة الغدر الشائن التي اتهم بها بنو قريظة خليق بها - في مثل تلك الظروف - أن لا تجازى بأَيما عقوبة أَخف، حتى في عصر المدنية هذا .. كان القاضي من اختيارهم، وكان الحكم منطبقًا أشد الانطباق مع شريعتهم المقدسة نفسها، وفوق ذلك أُدينوا بخيانة من نوع خطير".
وهنا يخاطب المؤلف الفاضل، الطاعنين في حكم الإعدام الصادر بحق بني قريظة فيقول لهم .. فهل من المنطق في شيء أن يُنتقد الرسول لهذا السبب .. إن كل اعتراض على قسوة هذه العقوبة، هو اعتراض على الشريعة الموسوية .. إنه في الواقع انتقاد لا شعورى لتلك الشريعة، وتسليم بأن شريعة أكثر إنسانية يجب أن تحلّ محلها وأيما مقارنة بالشريعة الإسلامية في هذا الصدد، خليق بها أن تكشف - في وضوح بالغ - أَيّ قانون رفيق عطوف رحم قدَّمه الإسلام إلى الناس. اهـ. (١).
حديث الشيخ الغزالي
ويقول الأستاذ محمد الغزالى في كتابه (فقه السيرة) معلقًا على مقتلة بني قريظة .. أجل هو القتل، وإنما تقع تبعات الحكم به على من تعرَّض له بسوءِ صنيعه وبما أسلف من نيات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق، ولو قد تحققت لكان أُلوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية، يحرِّضهم ويؤازرهم أُولئك اليهود.
_________________
(١) حياة محمد ورسالته ص ١٧٥.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وربما كانت مغامرات نفر مصر طلَّاب الزعامة. سببًا في هذه الكارثة التي حلت ببني قريظة ولو أَنَّ حُيي بن أخطب وأضرابه سكنوا في جوار الإسلام وعاشوا على ما أُوتوا من مغانم، ما تعرضوا ولا تعرَّض قومهم لهذا القصاص الخطير.
ثم يتحدث الأُستاذ الغزالى عن ظاهرة لا تزال في كل عصر وزمان، وهي أن الشعوب (فقط) هي التي تدفع الثمن باهظًا لمغامرات قادتها المتهوسين المصابين بمرض حب السيطرة والتحكم فيقول: لكن الشعوب تدفع من دمها ثمنًا فادحًا لأخطاء قادتها، وفي عصرنا هذا دفع الروس والألمان وغيرهم من الشعوب أثمانًا باهظة لأَثَرة الساسة المخدوعين (١).
ولذلك ينعى القرآن على أولئك الرؤساء مطامعهم ومظالمهم التي يحملها غيرهم قبلهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢) (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٣). اهـ (٤).
_________________
(١) وفي هذه الأيام بالذات تراق الدماء العربية المسلمة بغزارة رخيصة لا لتحرير وطن من غاز أو محتل دخيل وإنما لإشباع شهوات فئة من القادة مصابين بوباء السيطرة والتسلط على غيرهم من إخوانهم فصار لذلك العربي يقتل أخاه العربي فأزهقت على مذابح أطماع هؤلاء الزعماء المتهوسين أرواح عشرات الآلاف من العرب وذهبت دماؤهم هدرًا، وهكذا فالثمن (دائمًا) لطيش الزعماء وغرورهم، إنما تدفعه الشعوب من دم أبنائها.
(٢) ما أشد ما تنطبق هذه الآية على ذلك الذي دفع بخيرة جنده وصفوة ضباطه ليموتوا بالآلاف (في حرب خاسرة ظالمة) كما يموت المعتدى الأثيم الباغي وما أسوأ المصير الذي يؤول إليه المسلم، إذ يقتله مسلم وهو يصد عدوانه عن عرضه وأرضه.
(٣) إبراهيم ٢٨ - ٢٩.
(٤) فقه السيرة ص ٢٤٠.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
رأى إنكليزى منصف
وإذا كانت جمهرة كتاب الغرب قد جانبت الصواب وحادت عن جادة الإنصاف عندما وصفت الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة بالوحشية والقسوة، فإن هؤلاء الكتَّاب لم يخلوا من منصفين قالوا كلمة الحق وأَبوا الانجراف في تيار الهوى والعاطفة فنفوا (بتجرد ونزاهة) أن يكون في ذلك الحكم أي شيء من الوحشية والهمجية، ومن هؤلاء المؤلف الإنكليزي الكبير الدكتور (مونتجمري وات)، فقد جاءَ في كتابه (محمد نبي ورجل دولة) ص ١٧١ وما بعدها - ما يلي.
لقد انتقد بعض الأُوروبيين الحكم الصادر بحق بني قريظة ووصفوه بالهمجية. وقد اندهش بعض معاصري محمد لعدم اكتراثه بالعواقب التي قد تنتج عن قتل بني قريظة إلا أَن عمل هذه القبيلة أثناء محاصرة المدينة كان يعتبر ناقضًا للمعاهدة المبرمة مع محمد - ﷺ - ہ.
ثم ينفي الدكتور (مونتجمرى) ما ألصقه بعض المستشرقين بالنبي - ﷺ - من اتهامات باطلة، فيقول: ولا داعي للافتراض بأن محمدًا قد ضغط على سعد بن معاذ لينزل هذه العقوبة بني قريظة فإن رجلًا بعيد النظر كسعد لا بد أنه أدرك أن طغيان الولاء القبلى على الولاء الإسلامي سيجدد المعارك الدموية التي جاءُوا (أي الأوس والخزرج) بمحمد - ﷺ - لينقذهم منها، ويقال: إنه عندما مثل (سعد) أمام محمد - ﷺ - لينفذ حكمه أشار سعد إلى أن قرب نهايته تحتم عليه
[ ٤ / ٢٦٠ ]
أولًا القيام بواجبه تجاه ربه والجماعة الإسلامية حتى على حساب الأحلاف القديمة.
ثم يشير الكاتب الإِنكليزي ال حكمة الرسول في اختيار حليف اليهود (سعد بن معاذ) لي حكم فيهم، ويستدل من ذلك على بُعد النبي - ﷺ -: عن الديكتاتورية التي اتهمه بها خصومه فيقول:
إن تعيين سعد بن معاذ من قبل محمد - ﷺ - لم يكن يقصد به التستر وراءَ سلطة فيكتاتورية، لم يكن محمد - ﷺ - يملكها في ذلك الوقت، بل كان محاولة لمعالجة مشكلة عويصة بأَحصف وأحذق طريقة ممكنة.
ثم يؤكد الدكتور مونتجمرى بأن الحكم النافذ في حق بني قريظة لم ينفَّذ لأَنَّهم يهود، بل لأَنَّهم خونة ارتكبوا الخيانة العظمى فيقول:
لم تبق قبيلة يهودية ذات أهمية بالمدينة بعد القضاء علي بني قريظة، بل كانت هنالك بعض المجموعات الصغيرة .. وتشير بعض الروايات التي أن أحد أثرياء اليهود قد اشترى بعض نساء وأطفال بني قريظة، ولا شك أن اليهود الذين تخلَّفوا في المدينة المعادية فحسب، بل حني عن بعض النشاطات الاجتماعية، غير أن عواطفهم كانت بلا شك مع إخوانهم اليهود في غزوة خيبر.
إن استمرار وجود بعض اليهود في المدينة يمكن أن يعتبر دليلا ضد وجهة نظر بعض العلماءِ الأوربيين التي تقول: إن محمدًا - ﷺ - انتهج في السنة الثانية من الهجرة سياسة إبادة جميع يهود المدينة لمجرد كونهم يهود وأن هذه السياسة أخذت تزداد عنفًا، ثم يقول
[ ٤ / ٢٦١ ]
الدكتور. (مونتجمري): إلا أن محمدًا - ﷺ -: لم يكن من طبيعته سلوك مثل هذه السياسة، فقد كان يتمتع بنظرة معتدلة لأُسس المشاكل المعاصرة والسياسة طويلة الأمد يكوِّن على ضوئها سياسته بموجب العوامل .. أَمَّا بالنسبة لهجومه على القبيلتين اليهوديتين فقد كانت مجرد فرصة مواتية، غير أنه كانت هناك بعض الأسباب العميقة. فقد كان اليهود من جانب يحاولون زعزعة المجتمع الإسلامي بانتقاداتهم الموجهة ضد الوحى القرآنى. كما أنهہم كانوا يمنحون تأييدهم السياسي لأعداءِ محمد ومناوئيه من المافقين. وقد سمح لهم محمد - ﷺ - (مع هذا) بالعيش في المدينة دون أن يمسهم منه أيّ أَذى اهـ (١). ترجمة الأُستاذ أحمد سالم بالعمش.
الإسلام والرق
بقيت مسألة عميقة الجذور في هذا الباب لا بد من التعرض لها بالبحث والمناقشة، وهي مسأَلة استرقاق نساء وأطفال بني قريظة وتقسيمهم من جملة الغنائم بين المحاربين المسلمين.
فأعداءَ الإسلام بصفة عامة والمعترضون على الحكم الصادر والنافذ بحق بني قريظة بصفة خاصة يجعلوان سبي نساء بني قريظة أطفالهم واسترقاقهم نقطة هجوم على الإسلام قائلين: إن هذا
_________________
(١) ذكرنا فيما مضي من هذا الكتاب (الفصل الثاني) كيف كان النبي ﷺ يقابل استفرازات اليهود وتحرشاتهم ومحاولاتهم هدم المجتمع الإسلامي بالحلم والصبر والتسامح فلم يتخذ ضدهم أي إجراء ولم يمسهم بأي أذى حتى لجأوا إلى القوة وسفك الدم وتجريد الجيوش وإثارة الحروب بغيًا وعدوانًا.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
تصرّف مخالف لروح القرن العشرين ومناف لحقوق الإنسان، يجعل الإسلام في صفوف النظم الهمجية التي تبيح استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.
وهي من أَخبث الشبه والتهم التي في أبْواقها ينفخ الشيوعيون والصليبيون وكل الخائفين من قيام سلطان الإِسلام .. لإدخال وساوس الإلحاد والتشكك في صلاحية هذا الدين.
وحتى الشباب المسلم صار الكثير منه (نتيجة لهذه الوساوس) نهبًا لنوازع الشك والحيرة والتساؤل .. كيف أباح الإسلام الرق، وهو الذي جاء لتحرير البشرية وإعلان المساواة بين كل البشر؟ .
هكذا (دائمًا) يتردد السؤال على ألسنة بعض الشباب المسلم الذي تأثر ببعض وساوس أَعداءِ هذا الدين، والذي لم ينجح الأعداء (كليًّا) في جرِّه إلى هاوية الكفر بدينه.
والحقيقة أَن هذا السؤال سؤال حساس، سنجيب عليه هنا (للمناسبة) بشيء من الإسهاب والتفصيل، وبالقدر الذي نبدِّد به (على الأقل) غيوم الحيرة التي تتلبد (أحيانًا) حول نفوس بعض الشباب المثقف عصريًا والذي تأَثر بحملات التشكيك والاتهام التي يوجهها أعداء الإسلام إلى هذا الدين عبر موقفه من الرق خاصة.
وأجوبتنا على هذه التهم والتساؤلات (بشأن موقف الإسلام من الرق) ستكون، لا عن طريق الاستدلال بالنصوص المنبثقة من الكتاب والسنة، لأن هؤلاء الخصوم والمتأثرين بوساوسهم من المنتسبين إلى هذا الدين لن يقتنعوا بذلك. ولهذا فإن ردنا على
[ ٤ / ٢٦٣ ]
هؤلاء (بهذا الخصوص) سيكون عن طريق الاحتكام إلى العقل والمنطق فحسب، فنقول:
الإسلام لم يشرع الرق
١ - إن الإسلام لم يكن هو المشرِّع الأول لنظام الرق، فاسترقاقه أسرى العدو وسبيه نساءَهم وذراريهم لم يشرعه ابتداءًا.
ولكن هذا الدين جاءَ والرق نظام عالمي معمول به عند جميع الأُمم والشعوب دونما استثناءٍ وعلى أَوسع نطاق. ليس بين هذه الأُمم والشعوب من يستنكره البتة.
وكان (قبل ظهور الإِسلام) للرق في العالم منابع كثيرة ومصادر متعددة (غير مصدر الحرب) وخاصة في الدول الرومانية. من هذه المصادر.
أ - كان الفلاح في العهد الروماني يعتبر نوعًا من الرقيق لمالك الأَرض يجوز له بيعه وشراؤه.
ب - كان سواد اللون عند الفرس والرومان وغيرهم صفة تبيح الاسترقاق، فكل أَسود عندهم هو عبد يجوز بيعه وشراؤه مهما كانت الوسيلة التي تم الحصول بها عليه.
وكان هذا النظام معمولا به في الأَمريكتين حيث تهب النخاسون الغربيون (في ظرف خمسين سنة) من الإِفريقيين السود حوالي خمسة عشر مليونًا ونقلوه عبيدًا إلى الأمريكتين، وظلوا عبيدًا إِلى أَيام (إبراهام لنكولن) الذي أَعلن تحريرهم، ولكنهم مع هذا
[ ٤ / ٢٦٤ ]
الإعلان ظلوا (في مرتبة العبيد) محرومين معزولين ليس لهم من الحقوق مثل ما للبيض.
ج - كانوا في أوروبا وفي كثير من بلدان العالم يسترقُّون المَدين مقابل الدين الذي يعجز عن دفعه، ويقرهم القانون على ذلك.
د - كان كثير من الشعوب (وخاصة في الشرق الأقصى) يبيح لهم النظام بيع أولادهم وحتى زوجاتهم ليدخلوا في عالم العبيد.
هـ -كما أن هناك نوعًا من الرق عند الهندوس وهو أَحط أنواع الرق، (المنبوذون) الذين يعتقد الهندوس (حتى هذا اليوم) أن هذا النوع (المنبوذين) هم أرقاء أبديون خُلقوا هكذا ولا يمكن تخليصهم من هذا الرق حتى الممات، وهذا نظام ديني عندهم، يلقن المنبوذون الرضى به كقاعدة من قواعد دينهم التي لا يجوز لهم الخروج عنها.
و- هذا بالإضافة إلى المصدر الأكبر للاسترقاق في العالم يوم ذاك، وهو الحروب التي يقضى النظام العالمى السائد (قبل ظهور الإسلام) أن يكون فيها المغلوبون هم ونساؤهم وذراريهم أرقاءَ كجزءِ من الغنائم التي يغنمها الجيش المنتصر.
الإسلام يلغى جميع أنواع الرق
٢ - ولما كان تحرير الإنسان من استعباد أخيه الإنسان، ورفع الظلم عنه مهما كان نوعه أَو لونه أَو دينه أَو جنسه، هو من أَهم أهداف الإسلام الرئيسية، فقد سارع هذا الدين إلى تجفيف جميع منابع الرق، وأَمر بردم جميع مصادره، فأَلغى كل أَنواع الرق
[ ٤ / ٢٦٥ ]
التي كان النظام العالمي يعترف بها ويبيحها، فحرم الإسلام هذه الأنواع واعتبر التعامل بها باطلًا.
ولم يسمح الإسلام لأَتباعه إلَّا بنوع واحد من الاسترقاق، وهو الناتج عن الحروب العادلة المشروعة التي يخوضها المسلمون ضد أَعدائهم (١).
ولكى يبطل الإسلام جميع أنواع الرق التي كانت سائدة قبله (ما عدا رق الحرب) أعلن بكل وضوح أن الحرية هي صفة أساسية لكل إنسان (مهما كان لونه أو دينه أو جنسه) وأن رقَّ الحرب الذي أبقى عليه الإسلام. إنما هو صفة عارضة يتعرض لها الإنسان تحد من حريته في بعض المجالات (لا كلها) وإلَّا فرقيق الحرب (عند الإسلام) إنسان له كامل حقوق الآدميين.
لماذا أباح الإسلام رق الحرب
أمَّا لماذا لم يلغ الإسلام نظام الرق الناتج عن الحرب كما أَلغى جميع الأَنواع الأخرى وحرمها. وهو السؤال الذي يردده الطاعنون
_________________
(١) الحرب العادلة في نظر الإسلام، هي التي يخوضها المسلمون بدافع إعلاء كلمة الله ولإزاحة الذين يستخدمون القوة لمنع نشرها، ولهذا كان المسلمون لا يشنون أي حرب على الكفار إلا بعد أن يطلبوا منهم ويخيروهم في واحدة من ثلاث (١) إما الدخول في الإسلام (٢) وإما دفع الجزية ليتركوا وشأنهم لأن ذلك دليل على عدم معارضة سلطان الإسلام الذي له خرج اتباعه إلا لنشر كلمة الله. (٣) وأما الحرب التي لا يعني الموافقة عليها سوى أن الأعداء مصممون على مقاومة نشر واعلاء كلمة الله بالقوة بين شعوبهم. هذه هي الحرب العادلة في الإسلام. أما خوض الحرب (ولو ضد الكفار) إذا لم تكن بدافع إعلاء كلمة الله أو صد عدوًا على المسلمين، وإنما بدافع الكسب والحصول على الأموال (فقط) فهي حرب غير عادلة لا يقرها الإسلام، وليس لما ينتج عنها حكم ما ينتج عن الجهاد في سبيل الله، فهل يفهم الطاعنون في الإسلام هذا؟ .
[ ٤ / ٢٦٦ ]
في جوهر الإسلام ويوسوسون به لدى المثقفين العصريين من المنتسبين إلى هذا الدين. والذين طالمًا تأثروا بهذه الوساوس فنأت بهم عن حظيرة الإسلام إذ تكون هذه الوساوس سببًا في تشككهم في صلاحية هذا الدين وعدالته .. أمَّا لماذا يلغ الإسلام العمل بنظام الرق الناتج عن الحرب؟ فإنا سنجيب عليه، وجوابنا سيكون (طبعًا) من ناحية جدلية منطقية عقلية، .. لا من الناحية الدينية التي تعتمد على نصوص القرآن والحديث، لأن الذين يتقدمون (عادةً) بمثل هذا السؤال لا يؤمنون بالقرآن ولا بالحديث. أما الجواب فهو:
١ - لقد قلنا إِن الإِسلام جاءَ إِلى الوجود. والرق نظام عالمى وعملة اقتصادية تتعامل بها جميع الأُمم دونما استثناءٍ، .. والرق الناتج عن الحروب هو نوع من أنواع هذا الرق.
فكان المغلوبون يصيرون، هم ونساؤهم وأَطفالهم عبيدًا للغالب تمشيًا مع هذا العرف العالمى والنظام الأُممى السائد عند ظهور الإسلام، ولا كان المسلمون يشتبكون مع خصومهم في حروب كثيرة فإن خصوم الإسلام إذا ما انتصروا على المسلمين (والحرب سجال) فإنهم (تمشيًا مع هذا النظام السائد) يسترقونهم رجالًا ونساءً وأطفالًا.
الاسترقاق في الإسلام معاملة بالمثل
ب - فكان من البدهى المتمشى مع العدل والعقل والمنطق أن يُشرع الإسلام لأَتباعه السير على نظام الاسترقاق الحربى المتبع قبل ظهور هذا الدين.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وذلك كإجراءٍ ضرورى لا بد للمسلمين منه، إذ أنه من باب المعاملة بالمثل، في ظروف حربية تتطلب فيها مصلحة الجيش والأُمة (عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا) القيام به.
والمعاملة بالمثل (بل وحتى مقابلة العدوان بالعدوان) عمل مشروع تقره جميع النظم والأعراف والقوانين حتى هذه اللحظة.
وحتى لو فرضنا جدلًا أَن سَبْى النساءِ والذرارى واسترقاقهم هو عدوان، فإن من حق المحاربين المسلمين أَن يشرع لهم دينهم ويبيح سبى واسترقاق رجال العدوِّ ونسائهم وذراريهم، كإجراء حربي مقابل ما دام أن العدوِّ (إذا ما تمَّ له النصر) يسبى ويسترقّ رجال ونساءِ وذراري المسلمين.
فهل يريد خصوم الإسلام والمنافقون على عملية استرقاق نساءِ وذراري يہود بني قريظة، هـہل يريد هؤلاء من الإسلام أن يعفي العدوَّ المحارب من هذه العملية (التي هي إجراء حربى مقابل)، وهو يري هذا العدوّ -حين يتم له الظفر- يسترق ويستعبد رجال ونساء وذرارى المسلمين ويسومهم سوءَ العذاب كعمل من أعمال الحرب المتعارف عليه دوليًّا قبل ظهور الإسلام (١) فالإسلام (إذن) ليس هو الذي شرع الرق وحبذة ودعا إليه وشجَّع عليه.
_________________
(١) قال الأستاذ محمد الغزالي في كتابه (الإسلام والاستبداد السياسي) ص ١٢٧: وكان من الممكن تحريم الاسترقاق (أصلا)، ولكن هذا التصرف من المسلمين يعتبر عبثًا لأن أعداءهم سيرفضون التقيد بهذا التحريم، ثم ينشأ عن ذلك أن أسرى المسلمين لديهم يستعبدون وأسري المشركين لدينا يحررون. وفي أي حرب يقع هذا التناقض؟ . في حرب نحن فيها المدافعون عن حرية العقل والضمير الكابحون لجماح المعتدين والمتكبرين، وغيرنا فيها يطبق سياسة شاعر الجاهلية القائل: =
[ ٤ / ٢٦٨ ]
بل إن الإسلام (كما سيأتي) قد حارب الرق وجفاف منابعه وردم موارده حيث أبطل التعامل به، في جميع صوره، ما عدا نوع واحد وهو (كما قلنا) الاسترقاق الناتج عن العمليات الحربية التي يقوم بها المسلمون ضد الأعداء في حرب عادلة لا غدر فيها ولا عدوان وفي سبيل رفع راية الإسلام وحماية دعوته فقط.
أبقى الإسلام على هذا النوع من الرق الحربى (إن صحّ هذا التعبير) كإجراءٍ لا مناص منه ولا مفر (أملته ضرورة لا يملك النبي القائد المشرع عن الله الخلاص منها) لأن هذا النوع من الرق لا يأتي من جانب المسلمين وحدهم وإنما يأتي (أولًا) من جانب أقوام لا يملك الإسلام السيطرة عليهم، وليس للمسلمين من سلطان عليهم، حتى يمنعوهم من الاسترقاق .. أقوام يسترقون من يقع في أيديهم من أسرى المسلمين ويستعبدونہهم، سواءٌ كانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا.
فصار استرقاق المسلمين لأسري الحرب من أَعدائهم أمرًا لا مفر منه، لأَنه معاملة حربية بالمثل لا بد منها، ومن هذا الباب استرقاق نساءِ وذراري يهود بني قريظة.
فيهود بني قريظة هؤلاء (وقد علمتم النص الصريح في كتابهم القاضي بقتل المغلوبين من رجال أَعدائهم واسترقاق نسائهم وذراريهہم) لو تمَّ لهم الظفر بالمسلمين لما صار رجالهم إلَّا إلى القتل ونساؤهم وذراريهم إلَّا إلى الاسترقاق والاستعباد.
_________________
(١) = بغاة ظالمين، وما ظلمنا ولكنا سنبدأ ظالمينا لذلك سار الإسلام على قاعدة المعاملة بالمثل حتى لا يضار من تعلقه المطلق بالحرية الكاملة.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
فالإسلام - إذن - مع رغبته الأَكيدة الملموسة في تحرير الإنسان وحضِّه على تحرير الرقيق في كل مناسبة لا يمكن أن يلغي (من جانب واحد) هذا النوع من الرق الحربى الذي كان المسلمون يقع الكثير منهم في أغلاله بين يوم وآخر في يد الأعداء نتيجة الحرب القائمة بين الإسلام وخصومه سواء داخل الجزيرة العربية أو خارجها (١).
ليس في الإسلام ما يمنع من الاتفاق على إلغاء الرق
ويمكننا (من خلال الأنظمة التي وضعها الإسلام لهذا النوع من الرق الوحيد الذي أبقى عليه) أن نستنتج أن هذا الدين لم يكن راغبًا في أن يكون الرق نظامًا أبديًا لا يجوز إلغاؤه.
بل على العكس جعل الباب مفتوحًا لكي يكون من المكن والجائز الاتفاق على قفل منابع الرق نهائيًا، وذلك عن طريق الاتفاقات الدولية العامة أو الجزئية (مثلًا).
بدليل أن هذا الدين لم يجعل استرقاق أسري الحرب أمرًا لا مفر منه (كما هو في الشريعة الموسوية وغيرها هن النظم والشرائع).
بل جعل أمر هؤلاءِ الأَسرى (وهم المادة الوحيدة للرق في الإسلام)
_________________
(١) وقال الأستاذ محمد قطب في كتابه (شبهات حول الإسلام ص ٤٥) .. فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك، يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء، والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه أو هي القانون الوحيد.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
إلى الحاكم الأعلى ليتصرف فيهم وفق المصلحة العامة ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١).
فإذا ما رأى هذا الحاكم أَن المصلحة العامة تقضى بالاتفاق مع العدو على قفل منابع الرق نهائيًا بإطلاق أسرى الحرب من الجانبيين وعدم استرقاقهم جاز له ذلك استنادًا إلى قاعدة التخيير العامة التي وضعها القرآن الكريم ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
وما تبادل الأسرى الذي طالما تم بين المسلمين وأعدائهم في عصور مختلفة إلا نوعًا من انفاقيات إلغاء الرق التي أباح الإسلام عقدها.
فلو أن الإسلام يعتبر الرق نظامًا أبديًا لا يجوز إلغاؤه وقفل منابعه (نهائيًا) لما أباح تبادل الأسرى، بل لما دعا إلى التطوع بتحرير العبيد وفكاك أسر الأرقاء سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وجعل ذلك من أَبِّر الأعمال التي يرضى الله عنها ويجزل الثواب على فعلها كما سيأتي مفصلًا فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
هذا ما حضرنا (بشأن موقف الإسلام من الرق) من أجوبة على أسئلة خصوم الإسلام واستشكالات الحائرين من الشباب المثقفب المتأثر بوساوس هؤلاء الخصوم الذين يتلمسون كل يوم للإسلام مقتلًا لعلهم يسدون إليه طعنة جديدة.
وأعتقد أنه جواب لا غبار على صحته واستقامته في نظر العقل المستقيم والمنطق السليم، ولا يمكن أن يبق بعده لعاقل يحترم نفسه
_________________
(١) سورة محمد آية ٤.
[ ٤ / ٢٧١ ]
سبيلًا إلى التشنيع على الإسلام أو الطعن في نظامه فما يتعلق بإباحته لأتباعه (يوم ذاك) الاسترقاق الحربى.
٣ - هذا جوابنا مختصر بشأن إباحة الإسلام لأَتباعه الاسترقاق من حيث المبدإِ، كمعاملة بالمثل.
أما من ناحية معاملة الرقيق والنظام الدقيق الإنسانى العادل الذي وضعه الإسلام لهذه المعاملة، فإن العاقل المنصف المتجرد عن الهوي - برجوعه إلى أصول وقواعد هذا النظام - يجد أن الإسلام (مع إباحته لأتباعه استرقاق المحاربين من الأعداءِ) لم يبق من هذا الرق إلا شكله، بالنظر للمعاملة الرهيبة الوحشية التي كان يلقاها الرقيق قبل ظهور الإسلام.
فبالرجوع إلى القواعد التي وضعها الإسلام لمعاملة الرقيق (أيًّا كان دينه أو لونه أو جنسه) وفرض العمل بها، يجد العاقل المنصف أن لا مناص من الاعتراف بأن الإسلام (مع إباحته نوعًا واحدًا من أنواع الرق من حيث المبدإ) يعتبر محررًا للرقيق، وحتى لهذا النوع الذي أباحه من حيث المبدإ.
الرقيق عند الرومان والأمم الأخرى
فقد كان الرقيق في شرعة الرومان وعرف الهند والفرس، لا يعتبر من البشر، فليس في قوانينهم اعتراف بأي حق لهذا الرقيق، فلم تضع هذه القوانين أي نظام يحفظ للرقيق أي حق البتة.
لذا كان الرقيق (وخاصة في نظر الرومان) أحط منزلة من البهائم، مقذوفًا به خارج كيان البشر. كأن من حق السيد الروماني
[ ٤ / ٢٧٢ ]
أَن يخصى رقيقه أو يجلده أو يقتله بأَية طريقة شاءَ وبأي أسلوب أراد دون أن يجد هذا الرقيق حرفًا واحدًا في القانون الروماني يحميه من شيء من هذا الظلم الفادح، وما حلقات المبارزة بالسيف والرمح والفأس التي تنتهى دائمًا بقتل المغلوب في غير ما حرب ضرورية وإنما للتسلية، والتي تقام لها المهرجانات في العهود الرومانية. والتي يشهدها الملوك والأباطرة. والتي يجبر فيها المتبارزون على أن تكون فيها مبارزتهم مبارزة حقيقية تسدد فيها الطعنات القاتلة بالسيوف والرماح إلى أي مكان في الجسم بقصد القتل .. ما حلقات هذه المبارزة الوحشية إلَّا عملية من عمليات تعذيب السادة الرومان للرقيق وقتله بقصد التسلية، والتسلية فقط.
حيث أن كل المبارزات الرومانية المشهورة التي تقام لها المهرجانات وتعدُّ لها الساحات والمدرجات، والتي تزهق فيها روح الإنسان عبثًا وللتسلية فقط، لا يقوم بها إلا الأَرقاءِ الذين يُجبَر كل منهم على مبارزة صاحبه (وسط ضحكات السادة الصاخبة وهتافاتهم المخمورة العربيدة) مبارزة حقيقية حتى الموت.
وبالجملة كان الرقيق فيما قبل الإسلام (في عهد الرومان والفرس والهند وغيرهم) ليس له أَي حق مما يمكن تسميته حقوق الإنسان.
فليس له (في جميع هذه العهود) حق الشكوي من أي ظلم يتنزل به من سيده، وإذا مما تجرأَ وشكافإنه ليس هنالك أَية جهة قانونية يكون من حقها حتى النظر في هذه الشكوى، لأن الرقيق (في عرف أولئك الأقوام) قد شطب من قائمة الإنسان.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
الحقوق التي أعطاها الإسلام للرقيق
وبينما كان الحال يجرى على هذا المنوال من الوحشية والهمجية في معاملة الرقيق، جاءَ الإسلام، فنظر في شؤون الرقيق فوضع لهم ذلك النظام الإنساني العادل الذي به أعاد لهذا الإنسان الضائع (الرقيق) بشريته وإنسانيته حتى جعله يشعر بالتساوي مع سيده في كل الحقوق.
ساوى الإسلام بين الرقيق وسيله في القصاص والدم حيث أعلن النبي - ﷺ - هذه المساواة قائلًا (كما في صحيح البخاري ومسلم) من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه ومن أخصي عبده أخصيناه.
وأعلن الإسلام وحدة الأَصل والمنشإ والمصير بين السيد والمسود: "أنتم بنو آدم وآدم من تراب" (١) ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٢).
وأعلن أنه لا فضل السيد على عبد لمجرد أن هذا سيد وذلك عبد وإنما الفضل بالتقوى "ألا لا فضل العربي على أعجمى، ولا أعجمى على عربي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوي" (٣).
وقرر الإسلام أن السادة ليسوا أصحاب فضل حين ينفقون على عبيدهم، لأنهم جميعًا في وضع واحد بالنسبة لله خالق الجميع وحده ورازق الجميع وحده: (﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي
_________________
(١) حديث رواه مسلم وأبو داود.
(٢) سورة النساء ٢٥.
(٣) حديث أخرجه الطبراني في كتاب آداب النفوس.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١).
وجاء الإسلام ففرض على السادة أن يحسنوا معاملتهم للرقيق: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٢).
كما أعلن الإسلام أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد، أو التسخير والتحقير (كما كانت الحالة في العهد الروماني وأشباهه) وإنما هي علاقة القربى والأُخوة، فالسادة (أهل) للجارية يستأذنون في زواجها: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣).
وأعلن الإسلام أن الرقيق أخ لمالكه، فرض عليه أن يتساوى معه في المأكل والملبس "إخوانكم خَوَلكمُ فمن كان (أخوه) تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأَعينوهم" (٤).
بل إن الإسلام (صونًا لمشاعر الرقيق ومحافظةً على كرامته كإنسان) نهى عن أن ينادى المالك لرقيقه باسم العبد "لا يقل أحدكم
_________________
(١) سورة النحل ١٧.
(٢) سورة النساء ٣٦.
(٣) سورة النساء ٢٥.
(٤) حديث رواه البخاري.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
هذا عبدى وهذه أَمتى، وليقل فتاى وفتاتى" (١) ويستند أبو هريرة على هذا النص في معاملة الرقيق، فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجرى: "احمله خلفك فإنه أخوك وروحه مثل روحك" (٢).
مساواة الإسلام بين المالك والرقيق
بل إن الإسلام يذهب إلى أبعد من هذا في حماية الرقيق وصون حقوقه كإنسان لا فرق بينه وبين مالكه، لولا الملابسات العارضة التي جعلته رقيقًا، فيعطيه من الضمانات الكافية الوافية ما تجعله في مأمن، من أي اعتداءٍ من مالكه.
وقد بلغت هذه الضمانات إلى درجة أَنَّ الرقيق - إذا لطمه مالكه ظلمًا وعدوانًا - وجب عليه تحريره تأْديبًا له على اعتدائه وعدوانه، فقد روى مسلم وأبو داود أن النبي - ﷺ - قال: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفَّارته أن يعتقه".
وهذه مرحلة في معاملة الرقيق والاعتناء به وحمايته لم يصل إِلى مثلها تشريع في الدنيا، لا قبل الإسلام ولا بعده.
كيف فتح الإسلام باب التحرر للرقيق
ثم إن الإسلام - مع وضع هذه القوانين الإنسانية العادلة التي أعادت، ولأول مرة في التاريخ، للرقيق إنسانيته الضائعة وكرامته
_________________
(١) حديث رواه أبو هريرة.
(٢) شبهات حول الإسلام ص ٣٣ وما بعدها، للأستاذ محمد قطب.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
المهدورة، ورغبة من هذا الدين القويم في التحرير الكامل - لكل البشر - قد وضع (ولأَول مرة في التاريخ) قانونًا فتح بموجبه باب التحرر لأي رقيق يحس في نفسه الرغبة في التحرر من قيد الرق.
وهذا القانون هو قانون المكاتبة الذي وضعه الإسلام لصالح الرقيق على وجه الخصوص.
وخلاصة هذا القانون، هو أنه من حق الرقيق المملوك أن يطلب من مالكه التحرر من رقه على مبلغ معلوم من المال يعمل الرقيق على جمعه ودفعه لمالكه ليصبح بعد دفعه حرًّا.
كيف يجبر الإسلام المالك على تحرير عبده
وإذا ما طلب الرقيق المكاتبة للتحرر على هذه الصفة فإن المالك (كما هو ظاهر النص القرآني) لا يملك رفض طلب الرقيق.
فواجب على المالك أن يكتب رقيقه، ويعينه على التحرر، ما لم يكن في تحريره مساس بسلامة دولة الإسلام.
فقد نصَّ القرآن صراحة على ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ (١).
وقد استدعى الخليفة الفاروق أنس بن مالك وحقق معه عندما شكاه مملوكهـ (سيرين) لأَنَّه رفض أن يكاتبه وأَمره بأَن
_________________
(١) سورة النور ٣٣.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
يكاتبه، حيث رفع عمر الدرة (١) على أَنس وقرأَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ.﴾ الآية (٢). فكاتبه حتى تحرر.
وجوب مساعدة الرقيق على التحرر
بل إن الإسلام فرض على مالك الرقيق مساعدته (ماديًا) على التحرر إذا ما أراده عن طريق المكاتبة: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣).
وذهب الحنابلة والشافعية إلى وجوب إسقاط ربع المبلغ الذي كوتب عليه الرقيق مساعدة له على التحرر من الرق، فمثلا لو تم الاتفاق بين الرقيق ومالكه على أن يدفع الرقيق لمالكه (مقابل تحرره) ألف دينار، فإن على المالك أن يتنازل للرقيق المكاتب عن مائتين وخمسين دينارًا بأن يعيدها له بعد حصوله على المبلغ كاملًا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤).
البند المالي الخاص لتحرير العبيد
وحرصًا من الإسلام على تحرير الرقيق على أوسع نطاق، جعل هذا الدين بندًا خاصًّا تتولى الدولة صرف إعانات سخية منه للذين يريدون التحرر من الرق عن طريق المكاتبة.
_________________
(١) الدرة هي عصا الخليفة الفاروق المشهورة.
(٢) انظر المغني لابن قدامة ج ٩ ص ٤١٠ وما بعدها.
(٣) النور ٣٣.
(٤) انظر المغني لابن قدامة ج ٩ ص ٤٢٤.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وهو البند الرابع في الآية الكريمة التي حددت مصارف الزكاة التي كانت من أكبر موارد الدولة الإسلامية في عهدها الأول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١). فنص القرآن الكريم، على وجوب تولّى بيت المالك (وهو المسمى بوزارة المالية في هذا العصر) صرف الإعانات المالية للمكاتبين لمساعدتهم على التحرر، إذا ظهر عجزهم عن أَداء المبلغ المتفق عليه لتحريرهم بكسبهم الخاص.
وبمجرد إبرام عقد المكاتبة بين الرقيق ومالكه، فإن الإسلام يجبر المالك على أن يفسح الطريق للرقيق لكى يعمل بالطرق المشروعة التي تروق له ليجمع بها المبلغ المتفق عليه.
فإن قبل الرقيق العمل عند مالكه بعد المكاتبة، فإن هذا العمل يجب أن يكون بأَجر لحساب الرقيق المكاتب، وإن رغب المكاتب العمل عند غير سيده لجمع المبلغ المطلوب، لزم إعطاؤه مطلق الحرية في ذلك، ولا يجوز للمالك إجباره على عمل معين.
كيف قلص الإسلام من سلطة المالك على الرقيق
فهذا القانون (قانون المكاتبة) يعتبر من الإسلام تشجيعًا إغراءًا مدعومًا بالسلطة للرقيق على التحرر وتقليصًا من سلطة المالك عليه.
وهذا يعني أن الرقيق (بعد صدور هذا القانون الخاص به) لم يعد رقيقًا ولا عبدًا بالمعنى المتعارف عليه قبل ظهور الإسلام.
_________________
(١) سورة التوبة: ٦٠.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
بل إنه يعتبر (بعد صدور هذا القانون وبالنظر للحالة السيئة التي كان عليها قبل ظهور الإسلام) حُرًّا لا عبدًا.
لأَن الإسلام - عندما وضع التشريعات الخاصة بحماية الرقيق لم يعط السيادة المطلقة للمالك على الرقيق، بدليل أنه جعل الرقيق حرًّا في أن يتخلص من قيد الرق عن طريق المكاتبة، رضي مالكهـ أم أبى، كما ينص على ذلك ظاهر القرآن، وكما هو عمل الخليفة الثاني الذي أجبر الصحابي الشهير أنس بن مالك (١) على مكاتبة مملوكهـ (سيرين) عند ما طلب منه ذلك.
وهذه حقوق أعطاها الإسلام للرقيق، لم يعطه مثلها أي شرع أو قانون قبل الإسلام أو بعده، وحتى إبراهام لنكولن الذي أعلن تحرير الرقيق في أمريكا، لم يغيِّر إعلانه من حالة الزنوج التعسة شيئًا حيث ظلوا (حتى هذا اليوم) يعاملون معاملة العبيد بالرغم من ذلك الإعلان الذي يفتخر به الأمريكان فقد ظل الزنوج (في واقع أَمرهم) محرومين من الحقوق التي يتمتع بها مواطنهم الأبيض.
الإبقاء على الرق في الإسلام شكليًّا
ومع إبقاء الإسلام على هذا النوع من الرق الحربى، فإن إبقاءه عليه يكاد يكون شكليًا فقط. وذلك لكثرة السبل التي فتحها أمام هذا النوع من الرقيق، ليتحرر من قيد الرق، سواء عن طريق
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٤ / ٢٨٠ ]
القانون الذي أعطى الإسلام بموجبه الرقيق مطلق الحرية في أن يطلب التحرر من ملك سيده عن طريق المكاتبة وتسديد أقساط هذه المكاتبة من عمل يده ومن وزارة المالية، إذا ثبت عجزه عن التسديد بالكسب من العمل. أو عن طريق باب التطوع العريض الواسع الذي فتحه الإسلام لتحرير الرقيق.
أما فسح الطريق أمام الرقيق للتحرر عن طريق القانون المدعم بالسلطة التنفيذية ومساندة الدولة المالية، فقد أوضحناه في تعليقنا على قانون مكاتبة الرقيق في الإسلام.
محاربة الإسلام للرق
أما التطوع في تحرير الرقيق فقد دعا الإسلام المسلمين إليه وحضهم على الدخول فيه من أوسع أبوابه، حيث دعا بحرارة وإلحاح إلى عتق العبيد تطوعًا، وجعل الجنة جزاء الذين يتطوعون بتحرير الرقيق، مما يمكن اعتباره من الإسلام محاربة للرق، لا تشجيعًا عليه.
فإذا رجعنا إلى جميع نصوص الكتاب والسنة فلن نجد نصًّا واحدًا يأمر بالاسترقاق أو يحض عليه، بل لوجدنا كل النصوص المتعلقة بالرقيق والتي تبلغ المئات، كلها (تقريبًا) تتحدث عن فضيلة العتق وتدعو إليه وتحضُّ على تحرير العبيد وتخليصهم من قيد الرق.
فالقرآن الكريم طالما تحدث عن فضيلة عتق الأرقاء، واعتبر الإقدام عليها منجاة من النار: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا
[ ٤ / ٢٨١ ]
الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (١).
وقد دعا النبي - ﷺ - في عشرات الأَحاديث إلى التطوع بتحرير الرقيق، وتعهد لهؤلاء المتطوعين بالجزاء الحسن عند الله والنجاة من النار، ومما ورد عنه - ﷺ - في هذا المجال قوله:
"من أعتق رقبة مؤمنة كانت له فداءً من النار" (٢).
"أيما رجل اعتق امرءًا مسلمًا استنقذ الله بكل عضو مناسه عضوًا من النار" (٣).
" .. ورجل كانت عنده جارية وضيئة فأَدَّبها فأَحسن تأديبها ثم أَعتقها .. ثم تزوَّجها يبتغى بذلك وجه الله فذلك يؤتى أَجره مرتين" (٤).
"أَيما رجل أَعتق امرءًا مسلمًا كأن فكاكهـ من النار" (٥).
"وجاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله علِّمني عملًا يدخلني الجنة، قال .. إن كنت أقصرت الخطبة لقد أَعرضت المسألة: أعتق النسمة وفك الرقبة" (٦).
إلى غير ذلك من نداءات التشجيع النبوية على تحرير الأَرقاء والترغيب فيه.
_________________
(١) البلد آية ١١.
(٢) عن جمع الفوائد ج ١ ص ٦٩٥.
(٣) رواه البخاري ومسلم.
(٤) الإِسلام والاستبداد السياسي ص ١٣٥.
(٥) رواه الترمذي.
(٦) رواه أحمد.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
تحرير الرقيق غير المسلم
ودعوة الإسلام إلى تحرير الرقيق والحض عليه، لا تقتصر على الأرقاء الذين دخلوا في الإسلام بعد استرقاقهم، بل إن هذه الدعوة إلى التحرير تشمل كل الأرقاء سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، كما هو منصوص عليه في كتب الفقه الإسلامي، التي تشير بوضوح إلى أن تحرير الرقيق الكافر هو عمل مبرور وقربة إلى الله يثيب الله على فعلها، لعموم النص الداعى إلى التحرير (١).
رغبة الإسلام في تصفية الرق
ورغبة من الإسلام في تصفية الرق تصفية نهائية، أو تضييق مداه إلى أبعد الحدود، فإنه - بالإضافة إلى القوانين الإلزامية التي وضعها بغية إفساح الطريق أمام الأرقاء ليتحرروا من قيد الرق، والعقوبة التي فرضها على مالك الرقيق، وهي تحرير هذا الرقيق، إذا اعتدى عليه مالكه بالضرب في غير ما حق، وبالإضافة إلى حض المسلمين على تحرير الرقيق ابتغاء مرضاة الله تعالى، فإن الإسلام قد جاء بتشريعات أُخرى لصالح الرقيق، بغية تحرير أكبر عدد ممكن منه، فقد جعل عتق الرقيق عقوبة لازم تنفيذها علي مرتكبي كثير من المخالفات.
١ - جعل العتق كفارة في عقوبة القتل الخطأ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢).
_________________
(١) انظر كتاب (مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى) ج ٤ ص ٦٩٢ (فقه حنبلي).
(٢) سورة النساء ٩٢.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
٢ - كما جعل العتق كذلك عقوبة الذين يظاهرون من نسائهم: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١).
٣ - وكذلك جعل الذي يفطر في رمضان بالوقاع ملزمًا بتحرير رقبة.
٤ - وكذلك الذي يحنث في يمينه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢).
وبعد تلك النداءات والتوصيات المتكررة التي وجهها الإسلام إلى الذين يملكون الرقيق وحضهم فيها على ابتغاء مرضاة الله بتحرير الرقيق. تبارى الرعيل الأول من المسلمين في ميدان تحرير العبيد، وكان الرسول الأعظم - ﷺ - القدوة الأولى في ذلك.
إِذ قام - ﷺ - بتحرير كل من عنده من الأرقاء. وانتشرت موجة التطوع بتحرير الرقيق بين الصحابة رضوان الله عليهم وخاصة الأثرياء منهم.
وذهب كثير منهم في التطوع إلى أبعد من تحرير الرقيق الذي عنده، فصار يہشتري العبيد بماله بقصد تحريرهم. فيعتقهم ابتغاء مرضاة الله تعالى.
وفي مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق الذي كان ينفق الأموال الطائلة من حرِّ ماله في شراء العبيد من كفار قريش ليعتقهم
_________________
(١) سورة المجادلة ٣.
(٢) المائدة ٨٩.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
ويمنحهم كامل الحرية تنفيذًا لتوصيات الإسلام الملحة في هذا الباب.
بند تحرير العبيد في وزارة مالية الإسلام
بل إن الإسلام ذهب في حرصه على تحرير الأرقاء إلى أن جعل لبيت مال المسلمين (وزارة المالية) الحق في أن تشترى العبيد وتقوم بتحريرهم إذا كان لديها من المال المجمّد ما يمكِّنها من ذلك.
يدلنا على هذا ما رواه أصحاب الحديث والتاريخ من أن مبعوث الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية (يحيى بن سعيد) لما لم يجد من يوزع عليهم الأموال من الفقراء. قام واشتري (باسم الدولة) مجموعة كبيرة من العبيد فأعتقهم.
قال يحيى بن سعيد: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيرًا ولم نجد من يأخذها منا. فقد أغني عمر بن عبد العزيز الناس .. فاشتريت بها عبيدًا فأعتقتهم".
ولم يقتصر الإسلام في ميدان تحسين حال الرقيق والعمل على تحريره وإعادة إنسانيته التي كانت ضائعة قبل بزوغ شمس هذا الدين على ما ذكرنا من تشريعات وقوانين وتوصيات، بل ذهب (وخاصة في ميدان تحرير الرقيق نفسيًا) إلى أبعد من ذلك.
المساواة بين الأحرار والعبيد
ففي الوقت الذي كان التشريع الروماني والهندي والفارسي،
[ ٤ / ٢٨٥ ]
يلغي إنسانية الرقيق ويعتبره كائنًا مقذوفًا به خارج الكيان البشري، ويبيح (بدون تحفظ) لمالكهـ تعذيبه أو خصيه أو قتله (حتى وإن كان على دينه) كان الإسلام يسير في طريق الارتفاع بهذا الرقيق حتى وصل به إلى درجة المساواة بينه وبين السادة.
فقد آخى النبي - ﷺ - بين بلال بن رباح الحبشى وخالد بن رويحة الخثعمى، كما آخى بين مولاه زيد بن حارثة وعمه حمزة بن عبد المطلب، وبين المولى خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق.
فصار هؤلاء الموالى (بموجب هذه المؤاخاة) إخوانًا لهؤلاء السادة الأعلام من العرب، "وكانت هذه المؤاخاة صله حقيقية، تعدل رابطة الدم وتصل إلى حد الاشتراك في الميراث" (١).
الأرقاء ومنصب القيادة في الإسلام
بل إن الإسلام ذهب في الارتفاع بالذين كانوا أرقاء إلى درجة أن يكونوا قادة لجيوش جنودها سادات الأنصار والمهاجرين.
فقد ولَّى النبي - ﷺ - مولاه زيد بن حارثة (في غزوة مؤتة) على جيش من الأنصار والمهاجرين وغيرهم من سادات العرب، أمثال خالد بن الوليد.
ولما استشهد مولاه زيد القائد في تلك المعركة، أسند النبي إلى ابنه أسامة بن زيد (وهو مولى) قيادة الجيش، الذي كان فيه أمثال أبي بكر وعمر.
_________________
(١) شبهات حول الإسلام ص ٤٣.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وهكذا أعطي الإسلام هؤلاء الذين كانوا أرقَّاء حق القيادة على الأحرار من سادات العرب، فيطيع هؤلاء السادة فرحين مسرورين.
العبيد ومنصب الخلافة
بل إن الإسلام وصل في تحرير الرقيق وإكرامه إلى أن قال (على لسان حامل رسالته - ﷺ -) "اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله ﵎" (١).
وهذا يعني أن الإسلام قد جعل العبد المملوك مرشحًا لأن يكون خليفة للمسلمين، إذا كان لديه من المؤهلات والكفاءات ما يجعله أهلًا لذلك "ما أقام فيكم كتاب الله ﵎". واستنادًا إلى هذا المبدأ الذي وضعه هذا الحديث الصحيح، قال عمر بن الخطاب (وهو يفكر فيمن يستخلف) .. "لو كان سالمًا مولى أبي حذيفة حيًّا لولَّيته".
كلمة إلى المنصفين
إن الإنسان المنصف المتجرد عن الهوى يدرك بكل وضوح من خلال هذه التشريعات والتوصيات التي جاء بها الإسلام لصالح الرقيق - أن هذا الدين لم تكن له أية رغبة في أن يستعبد الناس
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
بعضهم بعضًا (كما يفترى خصوم هذا الدين)، وإنما ألقى بِثِقَله لتحرير الرقيق والعمل على تصفية الرق فجفف كل منابعه وردم كل موارده بدليل أنه أصدر تشريعًا صريحًا قاطعًا ألغي بموجبه كل أنواع الرق التي كان التعامل بها قائمًا قبل ظهوره.
أما نوع الرق الذي كاد يكون إبقاءُ الإسلام عليه (شكليًا).
وهو نوع الرق الحربي وما نتج عنه، فإن الإسلام قد أصدر تشريعات وأصدر توصيات لا تعدُّ ولا تحصى لصالح هذا الرقيق حتى لتكاد تتجسد (من خلال هذه التشريعات والتوصيات) رغبة الإسلام الصادقة في تصفية الرق تصفية كاملة، وذلك لكثرة ما جاء من دعوات واسعة إلى تحرير الرقيق في كل المناسبات.
فهل بعد هذا الذي أوضحنا يجوز لعاقل ذي ضمير حر ووجدان سليم أن يتهم الإسلام بأنه قد أقر استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، أو حتى حبَّذ الرق وشجَّع عليه؟ .
إن الذين يتهمون الإسلام ويوجهون إليه الطعون والانتقادات عبر موقفه من الرق، إنما يريدون الوصول إلى هدف واحد معين (فقط)، هو تشكيك الناس (وخاصة الشباب المسلم المثقف عصريا) وتزهيدهم في هذا الدين القويم، ليس إلّا.
أيها الشباب المسلم
فيا شباب الإسلام، قبل أن تسلِّموا بهذه الشبه التي يرسلها أعداء الإسلام، وقبل أن تستسلموا لوساوسها، حكِّموا عقولكم وأرخوا للتفكير الحر عنانه، للنظر (قبل كل شيء) في قواعد
[ ٤ / ٢٨٨ ]
دينكم ومصادر تشريعه وغاياتها وأهدافها. لتقارنوا مقارنة حقيقية حرة، بين حقيقة هذا الدين وبين ما يقوله عنه الذين - أقل ما يقال فيهم -: إنهم خصوم ألدّاء له وعاملون في ميدان الحرب ضده.
وإنكم عندما تفعلون ذلك وترجعون إلى دراسة أية ناحية من نواحي دينكم تتعرض للطعن والنقد من هؤلاء الخصوم، .. عندما ترجعون إلى دراسة هذه الناحية، (قبل التسليم بهذه المطاعن والانتقادات والتأثر بوساوسها) سيتجسد لكم زيف هذه المطاعن وبطلان تلك الانتقادات وسيتجلى لكم مدي الظلم والافتراء الذي تحمله هذه المطاعن والانتقادات.
ولا نقول هذا بشأن موضوع الرق فقط، بل نطلب منكم - التريث وسلوك هذا المسلك الرجولى الحر المستقل إزاء كل ما تسمعون من طعون وانتقادات وتشنيعات يوجهها الخصوم البارعون الماكرون إلى هذا الدين، باسم البحث والمقارنة أحيانًا، وأحيانًا باسم الحضارة والمدنية والتفكير الحر إلخ.
أما أنكم تسلِّمون بهذه المطاعن وتتأثرون بوساوس هذه الانتقادات التي توجه إلى دينكم من خصوم له ألداء، وأعداءٍ موتورين، دون أن تنظروا نظرة فاحصة حرة مستقلة في النواحى التي وُجِّهت إليها المطاعن في دينكم، ودون أن تنظروا في مواقف الجبهات الأخرى المدافعة عن هذا الدين والتي تتولى دائمًا (وفي كل المناسبات) الرد على هذه الطعون وتفنيد هذه الانتقادات بسلاح العلم والعقل والمنطق .. أما إنكم تفعلون هذا، فإن أقل ما يقوله ذوو
[ ٤ / ٢٨٩ ]
العقول الراجحة والأفكار الحرة فيكم (ولو من غير أبناء دينكم) .. أنكم تفكرون بالتبعية، وأنكم لستم أكثر من آلات تحكي ما يطبع عليها دون أن تعيه أو تدرك معناه.
وهذا ما لا يرضاه إنسان عادى لنفسه - فضلًا عن شباب مثقف واع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[ ٤ / ٢٩٠ ]
أهم مراجع هذا الكتاب
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تفسير ابن كثير - ابن كثير
فتح القدير (تفسير) - محمد بن علي الشوكانى
في ظلال القرآن (تفسير) - السيد سابق
الكشاف - الزمخشرى
صحيح البخاري - البخاري
صحيح مسلم - مسلم
زاد المعاد - ابن القيم
تاريخ العرب قبل الإسلام - الدكتور جواد علي
سيرة ابن هشام - محمد بن إسحاق
الأغانى - أبو الفرج الأصبهاني
الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي
صبح الأعشى - أحمد بن علي القلقشندى
المغني في الفقه - ابن قدامة
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين المرداوي
كشاف القناع - منصور بن يونس البهوتى
شبهات حول الإسلام - محمد قطب
جمع الفوائد - محمد بن محمد بن سليمان
غاية المنتهى - الشيخ مصطفي السيوطي الرحيبانى
الطبري (تاريخ) - محمد بن جرير الطبري
القانون الدولى العام - الدكتور سموحي فوق العادة
محمد نبي ورجل دولة - الدكتور مونتجمري وات
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد
ما يقال عن الإسلام - عباس محمود العقاد
فقه السنة - السيد سايق
الرسول القائد - اللواء الركن محمود شيت خطاب
[ ٤ / ٢٩١ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الأدب المفرد - البخاري
تفسير الإمام محمد عبده - السيد رشيد رضا
حياة محمد ورسالته - مولانا محمد على
السيرة الحلبية - ابن برهان الدين
فقه السيرة - محمد الغزالى
سمط النجوم العوالى - عبد الملك بن حسين العصامى
البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير
الكامل في التاريخ - محمد بن الأثير
جوامع السيرة - علي بن حزم
آثار المدينة - عبد القدوس الأنصاري
وفاء الوفاء - علي بن أحمد السمهودى
دائرة معارف القرن الرابع عشر - العشرين - محمد فريد وجدي
لسان العرب - ابن منظور الأفريقى المصري
نيل الأوطار مجلة الحج العدد (١٢) السنة (١٨) - محمد بن علي الشوكاني.
اليهود في القرآن - عفيف عبد الفتاح طبارة
الطبقات الكبري - ابن سعد
معجم البلدان - ياقوت الحموي
مراصد الاطلاع علي أسماء الأمكنة والبقاع - صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق
معجم النساء - عمر رضا كہحالة
الأعلام - خير الدين الزركلي
ديوان الحماسة - أبو تمام الطائي
العرب قبل الإسلام - جورجي زيدان
الأبطال - توماس كارليل
حضارة العرب - جوستاف لوبون
التشريع الجنائى في الإسلام - الشهيد عبد القادر عودة
الإصابة - ابن حجر العسقلانى
الاستيعاب - ابن عبد البر
أيام العرب في الإسلام - محمد أبو الفضل - علي النجاوي
الروض الأنف - السہهيلى
نهاية الأرب - القلقشندى
[ ٤ / ٢٩٢ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
معجزة محمد رسول الله - عبد العزيز الثعالبى
قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار
تاريخ ابن خلدون - عبد الرحمن بن خلدون
مروج الذهب - المسعودى
معجم قبائل العرب - عمر رضا كحالة
معجم البكرى - البكري
[ ٤ / ٢٩٣ ]
مقدمة
محمد أحمد باشميل
الكِتَابُ الخامِس
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٥ -