المكتبة السلفية
[ ١٠ / ١ ]
[حقوق الطبع محفوظة]
[الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م]
عنيت بطبعه
دار المطبعة السلفية
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة - تليفون ٨٤٠٣٦٤
[ ١٠ / ٢ ]
مقدمة
غزوة تبوك
[ ١٠ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المؤلف
اللهم بك نستعين وبك نعوذ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .. اللهم نسألك التوفيق في القول والعمل.
وصل اللهم على نبيّك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد، فهذا هو الكتاب العاشر من سلسلتنا التاريخية (معارك الإِسلام الفاصلة) نتقدم به إلى القارئ الكريم، آملين أن يكون محل رضاه، موضوعًا وإخراجًا.
إن غزوة تبوك هي أعظم غزوة في تاريخ العهد النبوي بن حيث كون الجيش الذي قام بها بلغ ثلاثين ألفًا وهو عدد لم يسبق في تاريخ العهد النبوي وإن اجتمع مثله تحت قيادة الرسول - ﷺ -، وكما أن هذه الغزوة هي أعظم حملة عسكرية يقوم بها النبي - ﷺ -، فإنها آخر عملية عسكرية يقوم بها حتى توفاه الله تعالى.
***
في غزوة تبوك هذه لم يحدث أي اصطدام بين الجيش الإسلامي والجيش الروماني المقصود بهذه الغزوة، لأن هذا الجيش إذا كان -كما يقول المؤرخون- قد حشد عدة وحدات كثيفة على حدود الجزيرة العبربية بغية
[ ١٠ / ٥ ]
اقتحامها بمساندة من العرب المتنصرة الموالين له، فإن هذا الجيش يكون بمجرد علمه بتحركات المسلمين من المدينة قد انسحب من الحدود إلى أواسط الشام خوفًا من الاصطدام بجيش الإِسلام بدليل أن المسلمين عند وصولهم إلى تبوك بثّوا دورياتهم فلم يجدوا أيّ أثر للعسكر والرومان.
لهذا يكون الجيش الإِسلامي - وإن لم يحقق على الرومان في هذه الغزوة - نصرًا عسكريا إلا أنه حقق أعظم انتصار معنوى حيث أرعب جيش أعظم إمبراطورية في العالم يوم ذاك حين هربت من الحدود لقدومه الوحدات التي حشدها هرقل بقصد الإِغارة على جزيرة العرب. وقد كان انتصار النبي - ﷺ - المعنوى في تبوك مقدمة لأعظم انتصارات عسكرية حققها خلفاؤه على الرومان بعده حيث انتزعوا منهم الشام كلها وجانبًا من آسيا الصغرى كما هو معلوم.
* * *
كذلك سجل الرسول - ﷺ - وهو بتبوك نصرًا عسكريا له أهميته العظمى، وهو أنه بعث خالد بن الوليد وهو بتبوك في أربعمائة فارس إلى دومة الجندل فقضى على أخطر جيب لا يزال معاديا للإسلام داخل الجزيرة وهي مملكة دومة الجندل الكندية العربية النصرانية حيث احتل حصونها وأسر ملكها (أكيدر بن عبد الملك) وقتل أخاه حسان.
بل إن عدة أمراء من المرتبطين بالتاج البيزنطى داخل الشايم قد أفزعهم وجود الجيش النبوي في تبوك فألقوا بأيديهم وجاءوا إلى النبي - ﷺ - وعقدوا معه صلحًا قبلوا بموجبه الدخول تحت طاعة المسلمين بدفع الجزية لهم - وهم أهل أذرح وجربا بمعان وأهل إيلات بخليج العقبة - وكل هذه المناطق داخلة في الشام ضمن ممتلكات بيزنطا.
بهذا تكون غزوة تبوك قد حققت أهدافها كاملة وعاد الجيش النبوي إلى
[ ١٠ / ٦ ]
المدينة منتصرًا انتصارًا عظيمًا.
* * *
كما أن الرسول - ﷺ - قبل وبعد غزوة تبوك أي في السنة التاسعة هجرية جرد عدة حملات عسكرية إلى الأنحاء النائية في الجزيرة قامت هذه الحملات بتصفية جميع الجيوب الوثنية المتبقية في الجزيرة فقد جرّد قبل غزوة تبوك ثماني حملات حربية قامت بالتصفية النهائية لجميع مظاهر الوثنية في الجزيرة ولم يلتحق الرسول - ﷺ - بالرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة إلّا وقد أصبحت الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها يرفرف عليها علم الإِسلام الخفاق. والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه.
محمد أحمد باشميل
جدة - المملكة العربية المحروسة
١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م
[ ١٠ / ٧ ]
الفصل الأول
الفصل الأول مجمل الأحداث العسكرية بين غزوة حنين وغزوة تبوك
• حملة تأديب بني تميم بقيادة عيينة بن حصن الفزاري
• حملة تأديب خثعم بقيادة قطبة بن عامر.
• سرية الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب.
• حملة بحرية بقيادة علقمة بن مجزر المدلجى.
• سرية علي بن أبي طالب إلى قبيلة طئ.
• قصة إسلام عدى بن حاتم.
• قصة إسلام كعب بن زهير.
• حملة خالد بن الوليد إلى نجران.
• سير علي بن أبي طالب إلى اليمن.
• قصة إسلام كعب الأحبار.
[ ١٠ / ٩ ]
مما لا جدال فيه أن معركة حنين التي دارت بين المسلمين وهوازن بالقرب من مكة، هي أعنف وآخر معركة يخوضها النبي - ﷺ - بنفسه.
وكان انتصار المسلمين الساحق في هذه المعركة بمثابة آخر مسمار يدق في نعش الوثنية في جزيرة العرب.
فقد انهزم في هذه المعركة أمام المسلمين أعظم تحالف عشائرى وثنى، واجهه الإِسلام في تاريخه (بعد تحالف الأحزاب) (١)، وكان المتبقون على الوثنية في جزيرة العرب والمرتابون الذين أسلموا ولما يدخل الإِيمان في قلوبهم، يعلقون أكبر الآمال على انتصار قوات هوازن على جند الإِسلام في حنين، فقد كانت قوات هوازن التي جاءت من بلادها لخوض المعركة ولإِخراج المسلمين من مكة تقدر بعشرين ألفًا بينما كانت قوات المسلمين لا تزيد على عشرة آلاف مقاتل يضاف إليهم ألفان من مسلمي مكة الذين لم يمض على إسلامهم سوى نصف شهر، والذين بينهم الكثير ممن يضمر الكيد للإِسلام والمسلمين ويتمنى النصر للمشركين على النبي - ﷺ -.
غير أن تمكن الجيش الإِسلامي من سحق العسكرية الهوازنية المتغطرسة في حنين حطم كل الآمال التي تتشبث بها بقايا أوكار الوثنية المبعثرة هنا وهناك في جزيرة العرب.
وقد بقى جناح من أجنحة العسكرية الهوازنية (له أهميته) شبه سليم، وهو جناح ثقيف الذي بقى - بعد الهزيمة في حنين - يشكل بعض الخطر على المسلمين، حيث اعتصم هذا الجناح في حصونه بالطائف متمسكًا بوثنيته، ومبديًا العداوة والمقاومة الحربية لسلطان الإِسلام.
غير أن خطر هذا الجناح الهوازنى قد زال عندما دخلت كل قوادم هذا الجناح وخوافيه في الإِسلام، وذلك بعد أن وجدت ثقيف نفسها معزولة وشبه محصورة من بقية عشائر هوازن التي دخلت (صادقة في الإسلام) وصارت بقيادة ملك هوازن السابق وقائدها العام في معركة حنين تضيق الخناق على ثقيف في عقر دارها.
_________________
(١) انظر كتابنا الثالث غزوة الأحزاب.
[ ١٠ / ١٠ ]
فسارع عقلاء ثقيف إلى عقد اجماع تباحثوا فيه بشأن ما آل إليه أمرهم بعد دخول إخوانهم الهوازنيين في الإِسلام، وتحولهم إلى جنود لهذا الدين يشنون (لنصرته) الغارات على الطائف نفسها لبقاء أهلها على الشرك.
وقد كانت قبائل ثقيف قوة حربية لها وزنها ما في ذلك شك، فثقيف جيل محارب على مستوى ممتاز من أقدم العصور، يشهد على مقدرتهم القتالية وعراقتهم في شئون الحرب صمودهم بعناد داخل حصونهم أمام الحصار الشديد الذي فرضه الجيش النبوي البالغ اثنى عشر ألفًا عقب انتصاره في حنين وقيامه بمطاردة ثقيف هؤلاء، وقد رأينا (كما تقدم في كتابنا التاسع غزوة حنين) كيف أن الرسول - ﷺ - اضطر إلى فك الحصار عن الطائف، بعد أن فقد جيشه أربعة عشر شهيدًا قتلوا بسهام ثقيف، وهو عدد لم يذكر أحد من المؤرخين أن المسلمين فقدوا مثله في معركة حنين الحاسمة نفسها، الأمر الذي يدل على عناد ثقيف وكونهم جيلًا محاربًا شرسًا، وقد فك الرسول الحصار عن حصون ثقيف دون أن يتمكن جيشه من إخضاع أي قبيلة من قبائل ثقيف بقوة السلاح. إلا أنه - ﷺ - أخبر أصحابه أن الله سيأتي بثقيف وستدخل في الإِسلام طائعة، ولهذا لا داعى لإهدار الوقت من أجل حصار قوم سيأتون مسلمين باختيارهم إن عاجلًا أم آجلًا.
وبعد أن تدارس قادة ثقيف وعقلاؤها الوضبع الذي هم عليه -كما تقدم رأوا بالإِجماع أن لا نجاة لهم مما هم فيه من ضيق وخوف - نتيجة بقائهم مشركين في محيط عشائر من إخوانهم وجيرانهم كلهم دخل في الإِسلام - إلّا بدخولهم هم أيضًا في الإِسلام، ونتيجة الاتفاق على هذا الرأي، ذهب وفد من ثقيف إلى المدينة، وأعلنوا إسلامهم جميعًا، بعد مفاوضات طويلة، أبدى فيها الوفد الثقفى الكثير من السخف، كما هو مفصل في كتابنا التاسع من هذه السلسلة (غزوة حنين).
الحملات العسكرية بعد حنين والطائف:
وبعد انتصار المسلمين الحاسم في حنين، وبالرغم من هذا الانتصار العظيم، فقد بقيت للوثنية جيوب، بدا وكأنها (رغم تبعثرها وضعفها)
[ ١٠ / ١١ ]
تتحدى المسلمين، وتبدى شيئًا من الاستهانة بهم، وترفض الدخول فيما دخل فيه أكثر سكان الجزيرة من الإِسلام.
وكانت هذه الجيوب الوثنية في واقعها، لا تشك أي تهديد عسكرى لكيان الإِسلام الذي صار صاحب السلطة الأقوى من كل سلطة في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت هذه الجيوب الوثنية مبعثرة في نقاط متباعدة جدًّا في الجزيرة، وليس بينها أي أرتباط عسكرى، يجعلها تشكل قوة حربية متحدة ضد المسلمين.
ولكن بقاء هذه الجيوب المبعثرة القليلة على وثنيتها وعدائها للإِسلام، لا يتفق وأهداف هذا الدين، التي من أهمها توحيد الجزيرة العربية تحت لواء التوحيد وعدم السماح لأى أثر من آثار الوثنية أن يبقى قائمًا في هذه الجزيرة.
لذلك (وكى لا يبقى أيّ سلطان في جزيرة العرب إلا للإِسلام وكى لا يبقى فيها شيء من معالم الوثنية) جرّد الرسول - ﷺ - خمس حملات عسكرية تولت تصفية كلِّ ما تبقى من جيوب وثنية في مختلف أنحاء الجزيرة.
- ١ -
حملة تأديب بني تميم محرم سنة تسع للهجرة:
وهي دورية قتال قادها إلى دار بني تميم سيد فزارة عيينة بن حصن (١).
وسبب ذلك أن الرسول - ﷺ - بعد عودته من حنين، وبعد أن انتشر الإِسلام بين الأغلبية الساحقة من سكان الجزيرة العربية، بعث برجال من أصحابه إلى مختلف القبائل ليجمعوا لبيت مال المسلمين الزكاة المفروضة. فبعث بريدة بن الحصيب (٢) إلى أسلم وغفار، وبعث عباد بن بشر الأشهلى إلى سليم ومزينة، وبعث رافع بن مكيث (٣) إلى قومه جهينة، وبعث عمرو
_________________
(١) انظر ترجمة عيينة هذا في كتابنا (غزة بدر الكبرى).
(٢) انظر ترجمة بريدة في كتابنا (فتح مكة).
(٣) انظر ترجمة رافع هذا في كتابنا (فتح مكة).
[ ١٠ / ١٢ ]
ابن العاص (١) إلى فزارة، وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب.
وكان فيمن بعث، بُسر بن سفيان الكعبى (٢) إلى قومه خزاعة، فجاءهم بسر فرحبوا به وأبدوا استعدادهم لأداء ما فرض الله عليهم من زكاة، وكانت تجاور خزاعة في أرضها قبيلتان من تميم يقال لإِحداهما: بنو جهيم، وللأخرى: بنو عمرو بن جندب بن العتير، وكانوا يشربون مع خزاعة على غدير واحد بذات الأشطاط ناحية عسفان وعلى مسافة غير بعيدة من الحديبية، وكان هذان الحيان من تميم لا يزالان على الوثنية، وكانوا ضيوفًا على خزاعة لأنهم في أرضها.
غير أن التيميين لما رأوا خزاعة تحشر جميع مواشيها ليأخذ منها بسر بن سفيان الزكاة لبيت مال المسلمين، استنكروا ذلك، وقالوا لخزاعة: ما هذا؟ تؤخذ أموالكم بالباطل.
فقال لهم الخزاعيون: إننا مسلمون وهذا شيء يفرضه ديننا ونحن راضون به، فنفخ شيطان الجاهلية في مناخر التيميين فقالوا: والله لا يصل إلى بعير منها أبدا، ثم احتشدوا وأخذوا أسلحتهم، فتقلدوا القسى وشهروا السيوف ليمنعوا بالقوة مبعوث الرسول - ﷺ - من أن يأخذ زكاة مواشى خزاعة المسلمة.
وكان المبعوث النبوي إلى خزاعة ليس معه من مرافقيه سوى اثنين فقط، فلما رأى احتشاد التيميين في سلاحهم خاف وهرب راجعًا إلى المدينة، قال الواقدي: (وهو يخافهم، والإسلام يومئذ لم يعمّ العرب، قد بقيت بقايا من العرب -أي على الوثنية- وهم يخافون السيف لما فعل رسول الله - ﷺ - بمكة وحنين، وقد كان النبي - ﷺ - قد أمر مصدّقيه -أي الذين يجمعون الزكاة أن يأخذوا العفو منهم، ويتوقوّا كرائم أموالهم، فقدم المصدق على النبي - ﷺ -، وقال: يا رسول الله، إنما كنت في ثلاثة نفر) (٣)
_________________
(١) انظر ترجمة عمرو بن العاص في كتابنا (فتح مكة).
(٢) انظر ترجمة بسر بن سفيان في كتابنا (صلح الحديبية).
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٧٤.
[ ١٠ / ١٣ ]
خزاعة تطرد بني تميم من بلادها:
لقد كان تصرف بني تميم يحمل كل معاني الرعونة والصفاقة، فهم ليسوا في بلادهم وإنما منتجعون ضيوف في بلاد خزاعة، ولولا حلم خزاعة ورعايتها جانب قرابتها من بني تميم لفتكوا بهم، ولقد غضبت خزاعة لتصرف بني تميم، وقالت لبنى تميم: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ليدخلن علينا بلاء من عداوة رسول الله - ﷺ - وعلى أنفسكم، تعرضون لرسول رسول الله - ﷺ -، تردّونهم عن صدقات أموالنا. ثم أمرت خزاعة بني تميم أن يخرجوا من بلادها في الحال، وذلك كتعبير عن عدم رضي خزاعة بما صنعت تميم، فخرج بنو تميم هاربين من ديار خزاعة إلى بلادهم.
وعندما اطلع الرسول - ﷺ - على ما حدث من بني تميم. قال: من لهؤلاء القوم الذين فعلوا ما فعلوا؟ فقال عيينة بن حصن الفزاري: أنا والله لهم، أتبع آثارهم ولو بلغوا يبرين حتى آتيك بهم إن شاء الله، فترى فيهم رأيك أو يسلموا.
فبعث رسول الله - ﷺ - عيينة على رأس قوة صغيرة من الفرسان قوامها خمسون فارسًا، كلهم من البادية، ليس بينهم مهاجر واحد ولا أنصارى، فأسرع عيينة بقواته الخفيفة كى يعترض بني تميم قبل أن يصلوا بلادهم، فصار يسير الليل ويكمن لهم بالنهار، وكان يتبع أخبارهم، فبلغه أنهم قد خيموا في أرض بني سليم، فلما عرف مكانهم توجه بفرسانه لمهاجمتهم.
وعندما شنّ عليهم الهجوم لم يثبتوا له، بل ولوا هاربين، ولكنه تمكن من أن يأسر أحد عشر رجلا منهم، كما سبى إحدى عشرة امرأة منهم وثلاثين صبيًّا، فحمل الجميع إلى المدينة، فأنزلهم الرسول - ﷺ - في دار، رملة بنت الحارث، إلى أن جاء وفد كبير من تميم مذعنين، وأعلنوا إسلام تميم كلها، فأطلق الرسول - ﷺ - أسراهم ثم أعاد إليهم نساءهم وصبيانهم كما هو مفصل في أخبار وفد تميم المشهورة، والذين أنزل الله تعالى فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤].
[ ١٠ / ١٤ ]
- ٢ -
حملة لتأديب خثعم (١) .. صفر سنة تسع هجرية:
وهي دورية قتال صغيرة مكونة من عشرين رجلًا، أعطى الرسول قيادتهم إلى قطبة بن عامر بن حديدة (٢)، وأمرهم أن يغيروا على حيّ من خثعم ظلوا على الوثنية، وهم في ناحية تبالة .. فخرج قطبة بن عامر في صحبة، ومعهم عشرة جمال، يتعقبونها، وقد غيّبوا السلاح، زيادة في التكتم، وصارت الحملة تكمن بالنهار وتسير الليل.
وعندما وصلوا إلى مكان يقال له: بطن مسحب وجدا رجلًا فاستجوبوه - وكان كما يبدو - من قبيلة خثعم، فلم يخبرهم بشيء، بل صاح محاولًا إنذار الوثنيين من خثعم فقتله قطبة بن عامر قائد السرية.
ثم أقام عامر بسريته مكانهم حتى مضت ساعة من الليل، فبعث برجل طليعة يستكشف مواقع العدو، فعرف مواقعهم وأنهم مخيمون في الحضر وعندهم الإبل والشاء، فأصدر قطبة إلى رجاله الأوامر بالهجوم، على أن يدبّوا دبيبًا بحيث لا يشعر بهم الحرس، وعلى أن يكون الهجوم بعد أن يهدأ من في الحى ويناموا.
وفعلًا لما هدأ رجال العدوّ وناموا كبّر قطبة ورجاله وشنّوا عليهم الغارة، فخرج إليهم من في الحاضر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثرت الجراح في الفريقين، واستمرت المعركة إلى أن أصبح الصباح، وعندها جاءت النجدات الكثيرة من خثعم وكادت سرية قطبة تطوق من جميع الجهات، إلا أن الله جاء بسيل عظيم حال بين نجدات خثعم وبين أسياد قومهم المشتبكين مع رجال قطبة بن عامر حيث لم يستطعوا عبور الوادي، وهنا تمكن قطبة وسريته من القضاء على جميع من في الحى، ثم استولى على كل ما في الحى من نعم وشاء واستاق بعه جميع النساء سبايا، وعاد بالجميع إلى المدينة، فكان حصة كل رجل من
_________________
(١) خثعم: قبيلة يمانية قحطانية، تقع منازلهم ما بين بيشة وتربة، وقد كانت خثعم جيلًا عظيمًا محاربًا في الجاهلية، وقد قامت بغزو ثقيف في الطائف، فهزمتهم ثقيف.
(٢) انظر ترجمة قطبة بن عامر في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ١٠ / ١٥ ]
رجال السرية في الغنائم أربعة من الجمال، وذلك بعد عزل الخمس من أصل الغنيمة (١).
- ٣ -
سرية بني كلاب شهر ربيع الأول سنة تسع هـ:
ومضى رسول الله - ﷺ - في تطهير بقايا جيوب المقاومة الوثنية الصغيرة في جزيرة العرب، فقد بلغه أن بطنًا من القرطاء من بني بكر بناحية نجد لا يزالون يناوئون ويتمسكون بالوثنية، فجرد عليهم حملة عسكرية بقيادة الضحاك بن سفيان (٢) الكلابي، ولم يذكر أحد من المؤرخين عدد رجال هذه الحملة، إلا أن الواقدي ذكر أنها جيش، وهذا يعني أنها كانت تضم عددًا كبيرًا من المقاتلين.
وكان هؤلاء الوثنيون البكريون بناحية ضريَّة في نجد شرقي المدينة، وقد تحركت الحملة من المدينة لتأديبهم - وفيها الأصيد بن سلمة بن قرط - وقد التقى الضحاك بن سفيان وسريته بالأعداء القرطاء في مكان بنجد يقال له: زجّ لاوة، فدعوهم إلى الإِسلام، فكان جوابهم على هذه الدعوة
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ٧٥٤ و٧٥٥.
(٢) هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، يكنى أبو سعيد أسلم وصحب النبي - ﷺ -، وكان ينزل في بادية المدينة، وولاه رسول الله - ﷺ - على من أسلم من قومه، وكتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها، وكان قتل خطأ، وكان من حراس رسول الله - ﷺ - الأمناء الأشداء، إذ كان يقوم على رأس رسول الله - ﷺ - متوشحًا بسيفه، وكان من الشجعان الأبطال يعد وحده بمائة فارس، شهد له بذلك رسول الله - ﷺ - فقد أمره النبي - ﷺ - على سليم وهم سائرون إلى مكة لفتحها وكانوا تسعمائة، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: هل لكم في رجل يعدل مائة يوفيكم ألفًا؟ فوفاهم بالضحاك وكان رئيسهم وقد أثنى على الضحاك الشاعر الحكيم العباس بن مرداس السلمي فقال: إن الذين وفوا بما عاهدتهم جيش بعثت عليهم الضحاكا أمرته ذرب السنان كأنه لما تكشفه العدو يراكا طورا يعانق باليدين وتارة يفرى الجماجم حازمًا بتاكا كان الضحاك بن سفيان ممن روى عنه الحديث الشريف، فقد روى عنه من التابعين، سعيد بن المسيب والحسن البصري (أسد الغابة ج ٣ ص ٣٦).
[ ١٠ / ١٦ ]
مباشرة الحرب، فاشتبك معهم المسلمون، فدارت بين الفريقين معركة انتهت بفوز المسلمين وهزيمة المشركين، وبهذا تم تطهير ذلك الجيب الوثنى الصغير المتبقى بناحية ضريَّة.
ومن عجيب المفارقات التي تأتي نتيجة الاختلاف في العقيدة أن أحد الأعيان المشتركين في سرية الضحاك بن سفيان (وهو الأصيد بن سلمة) لقى أباه سلمة في صفوف المشركين، فدعاه إلى الإِسلام، وأعطاه الأمان، فسبَّه، وسبّ الإِسلام.
فما كان من الأصيد إلا أن حمل على أبيه - وكان أبوه فارسًا - فضرب الأصيد عرقوب فرس أبيه، فلما وقع الفرس في الماء، ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك به لئلا يغرق، فحمل عليه أحد جنود السرية فقتله، ولم يقتله ابنه، ولكنه يسر لغيره من المسلمين قتله غير آسف، حين عقر فرسه.
وكان رسول الله - ﷺ - قد بعث إلى القرطاء البكريين هؤلاء بكتاب يدعوهم فيه إلى الإِسلام، فاستهزأوا به وبكتابه، فأخذوا الصحيفة التي تحمل دعوتهم إلى التوحيد، فغسلوها من الحبر، ثم رقعوا بها إست دلوهم، وأبوا أن يجيبوا الرسول - ﷺ - إلى ما دعاهم إليه.
فأنكرت امرأة عاقلة فهم ما فعلوا بكتاب الرسول - ﷺ - وهي أم حبيب بنت عامر بن خالد بن عمرو، ابنة ابن أخي سيد القوم حارثة بن عمرو .. أنكرت عليهم واستهجنت ما صنعوا، فقالت - وقولها يدل على أنها مسلمة -:
أيا ابن سعيد لا تكونن ضحكة وإياك واستمرر لهم بمرير
أيا ابن سعيد إنما لقوم معشر عصوا منذ قام الدين كلّ أمير
إذا ما أتتهم آية من محمد محوها بماء البئر فهي عصير (١)
ويذكر أصحاب السير أن القرطاء لما فعلوا بكتاب رسول الله - ﷺ - ما فعلوا
_________________
(١) هذا البيت فيه إقواء، وهو عيب في الشعر، ولكن هكذا جاء في مغازي الواقدي.
[ ١٠ / ١٧ ]
فصاروا دائمًا أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط، وأهل سفه، وكان الذي جاءهم بالكتاب رجل من عرينة يقال له: عبد الله بن عوسجة. قال الواقدي: رأيت بعضهم عييًّا لا يبين الكلام (١).
- ٤ -
حملة علقمة المدلجي البحرية .. ربيع الآخر سنة تسع هـ:
وهي حملة بحرية قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها وخاض بها البحر الأحمر (بحر القلزم) علقمة بن مجزّر المدلجى (٢)، وسبب تجريد هذه الحملة أن النبي - ﷺ - بلغه أن قرصانًا من الحبشة شاهدهم أهل الشعيبة (وهي ميناء قرب جدة) يجوبون البحر بسفنهم، فجند الرسول - ﷺ - ثلاثمائة من أصحابه، وأعطى قيادتهم علقمة بن مجزر ليهاجم بهم القراصنة الأحباش.
فتوجه علقمة من المدينة بكتيبته حتى وصل ساحل جدة - عند الشعيبة - ومن هناك كب برجاله البحر حتى انتهى إلى جزيرة كان يعسكر فيها القراصنة، فلما رأوا الجيش النبوي يقترب من الجزيرة (لم يذكر المؤرخون أية جزيرة هي) ركبوا سفهم وهربوا إلى عرض البحر باتجاه الحبشة.
فعاد علقمة بكتيبته إلى ساحل الجزيرة عند الشعيبة، دون أن يحدث أي اشتباك بينه وبين القراصنة الأحباش.
وكان جيش علقمة مكوّنا من قبائل مختلفة، فلما وصلوا بعض المنازل أثناء عودتهم، استأذنه بعض أفراد الجيش، حيث لم تعد لهم حاجة بعد طرد القراصنة، فأذن لهم وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمى (٣) - وكان
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٤ و٧٥٥ وج ٣ ص ٩٨٢.
(٢) هو علقمة بن مجزر بن الأعور بن جعدة، من بني كنانة، كان يمزح كثيرًا، وكان من أمراء رسول الله - ﷺ -، استشهد علقمة في حملة بحرية كان قادها عبر البحر الأحمر إلى الحبشة في عهد عمر بن الخطاب (انظر أسد الغابة ج ٤ ص ١٤).
(٣) هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سهم القرشي السهمى من قدماء الصحابة الأفاضل وأمه بنت حرثان من بني الحارث، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وهو أخو خنيس بن حذافة زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب قبل النبي. وعبد الله هذا هو الذي بعثه النبي - ﷺ - بكتابه =
[ ١٠ / ١٨ ]
فيه دعابة، يحب المزاح - فلما انصرفوا وكانوا ببعض الطريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها ويصنعون الطعام، فقال لهم: عزمت عليكم إلّا تواثبتم في هذه النار، وكان الانضباط العسكري في الإِسلام (حسب أوامر الرسول - ﷺ - شديدًا، فظن الجند أنه أمر عسكرى، فاستعدوا للوثوب في النار كما أمرهم قائدهم، فلما رأى قائدهم أنهم واثبون في النار لا محالة، قال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -. فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه (١).
- ٥ -
سرية علي بن أبي طالب إلى قبيلة طئ .. ربيع الآخر سنة تسع هـ
وهي دورية قتال كلها من الأنصار وقوامها مائة وخمسون مقاتلا كانوا محمولين على خمسين فرسًا ومائة بعير، كان أميرها علي بن أبي طالب، وكانت هذه الدورية تضم سادات الأوس والخزرج.
كان هدف هذه الدورية ديار طيئ في أقصى الشمال، حيث تقيم (على وجه التحديد) أسرة آل حاتم الطائى وعميدها عَدى بن حاتم الذي كان بمثابة
_________________
(١) = إلى كسرى يدعوه إلى الإِسلام فمزق كتاب رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: مزق الله ملكه، فقتله ابن شيرويه. وأسر عبد الله بن حذافة وهو يحاصر مع المسلمين قيسارية فجئ به إلى قائد الحامية فقال له الطاغية: تنصر، وإلا ألقيتك في البقرة (البقرة من نحاس) قال: ما أفعل؟ فدعا الطاغية البقرة النحاس فملئت زيتًا وأغليت، ودعا برجل من أسرى المسلمين، فعرض عليه النصرانية فأبى فألقاه في البقرة التي تغلى بالزيت، فإذا عظامه تلوح، وقال لعبد الله: تنصر وإلا ألقيتك، قال: ما أفعل فأمر به أن يلقى في البقرة النحاس التي فيها الزيت يغلى، فبكى. فقالوا: قد جزع، قال رُدُّوه. قال لا ترى أنى بكيت جزعًا مما تريد أن تصنع بي، بكيت حيث ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في، تم تسلط على فتفعل لي هذا. قال: فأعجب منه وأحب أن يطلقه. فقال: قبل رأسى وأطلقك. قال: ما أفعل. قال: تنصر وأزوجك ابنتي وأقاسمك ملكى. قال: قبل رأسى وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين. قال: أما هذا فنعم، فقبل رأسه وأطلقه وأطلق معه ثمانين من المسلمين، فلما قدموا على عمر بن الخطاب قام إليه عمر فقبل رأسه، قال: فكان أصحاب النبي - ﷺ - يمازحون عبد الله فيقولون قبلت رأس علج. فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين. توفى عبد الله بن حذافة بمصر في خلافة عثمان بن عفان.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٨٤.
[ ١٠ / ١٩ ]
ملك لطئ، كان الرسول - ﷺ - بعد انتصاره العظيم في معركة حنين الحاسمة، لا يبلغه وجود صنم أو وثن في أية ناحية من جزيرة العرب إلا وبعث إليه من يحطمه، كى لا يبقى في الجزيرة أي أثر من آثار الجاهلية.
وكان لقبيلة طيء صنم يقال له: الفُلس (بضم أوله وسكون ثانيه)، فبعث الرسول - ﷺ - علي بن أبي طالب على رأس هذه الحملة كى يتولّى تحطيم الصنم (الفُلس).
كانت طئ قبيلة يمانية عظيمة ذات أفخاذ متعددة وكانت قد هاجرت من جنوب الجزيرة إلى شمالها في نجد منذ أقدم العصور، حتى صارت تعد في القبائل النجدية.
ومن الناحية العسكرية، كانت قبيلة طيئ ذات مقدرة قتالية فائقة، ومن حيث العدد فهي قبيلة عظيمة، إذ لا تقل عن غطفان وأسد وهوازن، سواء من ناحية الشجاعة والعدد، أو من ناحية القوة.
كان يمكن أن يلاقى الجيش الإسلامي من قبيلة طيئ من المصاعب والمتاعب والمقاومة العنيدة المنظمة، مثلما لقى من غطفان في أول عهد الإِسلام، ومن هوازن في معركة حنين، ولكن انهيار مقاومة هذه القبائل القوية العنيدة، ودخول كل عشائرها في الإِسلام، ودخول الأغلبية الساحقة من قبائل الجزيرة في هذا الدين، جعل من قبيلة طيئ - رغم ماضيها العسكري الشهير وكثرة عددها - قوة غير مرهوبة الجانب لدى المسلمين، فقد اعترى عشائر هذه القبيلة العظيمة التخاذق وانتابها الرعب من المسلمين، فتلاشت - أمام تيار الإِسلام - قوتها العسكرية العظيمة التي كانت عليها.
ولا أدل على هذا الضعف والتلاشى والتخاذل من أن النبي - ﷺ - لما أراد أن يهدم صنم هذه القبيلة المعبود (الفُلس) لم يبعث لهذه المهمة سوى قوة خفيفة قوامها مائة وخمسون مقاتلا، مع العلم أن عشائر طيئ تضم عدة آلاف من القادرين على القتال.
كانت المسافة بين المدينة وبن المكان الذي فيه صنم طيئ (الفُلس)،
[ ١٠ / ٢٠ ]
حوالي ستمائة ميل، لذلك كان رجال السرية محمولين على مائة بعير وخمسين فرسًا، وقد حققت الدورية أهدافها، فقد تمكن علي بن أبي طالب من تحطيم (الفُلس) صنم طيئ، بعد مقاومة أبداها الطائيون، سحقها على ورجال سريته، بعد أن قتل عددًا من المقاومين وأوقع الكثير منهم في الأصر.
وكان ضمن الذين وقعوا في الأسر ابنة لحاتم طئ اسمها (السفانة) وكانت أخت عَدى بن حاتم الذي كان بمثابة الملك على طيئ، وكان قد خلف أباه حاتمًا في زعامة طيئ، أما عَديّ بن حاتم نفسه، فقد تمكن من الهرب إلى الشام، وكان يدين بالنصرانية، إلا أن أخته (السفانة) التي أكرمها الرسول - ﷺ - وحررها من الرق بعد أن علم أنها ابنة حاتم طيئ الذي وصفه الرسول - ﷺ - بأنه كان يحب مكارم الأخلاق، السفانة هذه ذهبت إلى أخيها عَدى بالشام. فأقنعته - وكانت ذات عقل راجح - بأن يدخل في الإِسلام، فجاء - تحت تأثير أخته الحصيفة - إلى المدينة وأعلن إسلامه، وكان لإسلامه أثر طيب في نصرة الإِسلام فقد أعز الله به هذا الدين، وكانت أبرز مواقفه المشرّفة، ثباته وتثبيت قومه طيئ على الإِسلام عندما ارتد أكثر العرب عند وفاة النبي - ﷺ -، كما كانت له مواقف مشرفة رائعة في معارك الجهاد في الشام والعراق، حيث كان عدى من زملاء القائد خالد بن الوليد الذين هم ضمن هيئة أركان حربه سواء كان في الشام أم في العراق.
أما قصة نجاح حملة الدورية الخفيفة التي قادها علي بن أبي طالب إلى ديار طيئ وقصة انهيار المقاومة بين عشائر قبيلة طيئ التي تعد بالآلاف، فلنترك الإمام الواقدي يحدثنا عنها في كتابه الشهير (المغازي).
قال الواقدي عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: بعث رسول الله - ﷺ - عليًّا - ﵇ - في خمسين ومائة رجل، على مائة بعير وخمسين فرسًا، وليس في السرية إلا أنصارى، فيها وجوه الأوس والخزرج، فاجتنبوا الخيل واعتقبوا على الإبل حتى أغاروا على أحياء من العرب، ثم قال: وبعث عليًّا إلى الفلس (صنم طيئ) ليهدمه، فخرج بأصحابه، معه راية سوداء ولواء
[ ١٠ / ٢١ ]
أبيض، معهم القنا والسلاح الظاهر، وقد دفع رايته إلى سهل بن حنيف، ولواءه إلى جبّار بن صخر السلمي، وخرج بدليل من بني أسد، يقال له: حريث، فسلك بهم على قيد (١)، فلما وصل بهم إلى موضع قال: بينكم وبين الحي الذي تريدون يوم تام، وإن سرناه بالنهار وطئنا أطرافهم ورعاءهم، فأنذروا الحى فتفرقوا، فلم تصيبوا منهم حاجتكم، ولكن نقيم يومنا هذا، في موضعنا حتى نمسى ثم نسرى ليلتنا على متون الخيل فنجعلها غارة حتى نصبحهم في عماية الصبح. قالوا: هذا الرأي، فعسكوا وسرّحوا الإِبل، واصطنعوا (أي صنعوا لهم طعامًا) وبعثوا نفرًا منهم يتقصون ما حولهم، فبعثوا أبا قتادة والحباب بن المنذر وأبا نائلة، فخرجوا على متون خيل لهم يطوفون حول العسكر، فأصابوا غلامًا أسود فقالوا: ما أنت؟ قال: أطلب بغيتى، فأتوا به عليًّا - ﵇ - فقال، ما أنت؟ فقال: باغ، قال: فشدوا عليه. فقال: أنا غلام لرجل من طيئ من بني نبهان، أمرونى بهذا الموضع، وقالوا: إن رأيت خيل محمد فطر إلينا فأخبرنا، وأنا لا أدرك أثرًا، فلما رأيتكم أردت الذهاب إليهم ثم قلت: لا أعجل حتى آتى أصحابي بخبر بين من عددكم وعدد خيلكم وركابكم، ولا أخشى ما أصابنى، فلكأنى كنت مقيدًا حتى أخذتنى طلائعكم.
قال علي (- ﵇ -): أصدقنا ما وراءك، قال: أوائل الحى على مسيرة ليلة طرّادة، تصبحهم الخيل ومغارها حين غدوا، قال على (- ﵇ -) لأصحابه: ما ترون؟ قال جبّار بن صخر: نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتنا حتى نصبح القوم وهم غارّون، فنغير عليهم ونخرج بالعبد الأسود ليلًا ونخلف حريثًا مع العسكر حتى يلحقوا إن شاء الله.
فقال علي هذا الرأي، فخرجوا بالعبد الأسود، والخيل تعادى، وهو ردف بعضهم عقبة، ثم ينزل فيردف آخر عقبة، وهو مكتوف، فلما
_________________
(١) قال في مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع: فيد (بفتح أوله وسكون ثانيه: بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة في وسطها حصن عليه باب حديد، وعليها سور دائر، كان الناس يردعون فيها فواضل أزوادهم إلى حين رجوعهم وما يثقل من أمتعهم، وكانوا يجمعون العلف طول سنتهم ليبيعوه على الحاج إذا وصلوا، وهي أجأ أحد جبلى طيئ.
[ ١٠ / ٢٢ ]
انهار الليل، كذب العبد وقال: قد أخطأت الطريق، وتركتها ورائى، قال على: فارجع إلى حيث أخطأت، فرجع ميلًا أو أكثر، ثم قال: أنا على خطأ. فقال على: إنا منك على خدعة، ما تريد إلا أن تثنينا عن الحى، قدّموه، لتصدقنا أو لنضربن عنقك، قال: فقدّم وسل السيف على رأسه، فلما رأى البشر قال: أرأيت إن صدقتكم أينفعنى قالوا: نعم، قال: فإنى صنعت ما رأيتم، إنه أدركنى ما يدرك الناس من الحياء فقلت كما أقبلت بالقوم أدلهم على الحى من غير محنة ولا حق فآمنهم، فلما رأيت منكم ما رأيت وخفت أن تقتلونى كان لي عذر، فأنا أحملكم على الطريق. قالوا: أصدقنا. قال: الحى منكم قريب، فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحى، فسمعوا نباح الكلاب وحركة النعم في المراح والشاء، فقال هذه الأصرام وهي على فرسخ، فينظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: فأين آل حاتم؟ قال: هم متوسطو الأصرام (أي البيوت). قال القوم لبعضهم البعض: إن أفزعنا الحي تصايحوا وأفزعوا بعضهم بعضًا، فتغيب عنا أحزابهم في سواد الليل، ولكن نمهل القوم حتى يطلع الفجر معترضًا فقد قرب طلوعه فنغير، فإن أنذر بعضهم بعضًا لم يخف علينا أين يأخذون، وليس عند القوم خيل يهربون عليها، ونحن على متون الخيل.
قالوا: الرأي ما أشرت به، قال: فلما اعترضوا الفجر أغاروا عليهم فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا، واستاقوا الذرية والنساء، واستاقوا الغنائم المختلفة الأنواع، ولم يخف عليهم أحد تغيب فملأوا أيديهم، وبعد السيطرة على منازل الأعداء واحتلالها والقضاء على كل مقاومة أبدوها، سار على إلى صنمهم الفُلْس، فهدمه وخرّبه وبذلك أنهى آخر مظهر من مظاهر الوثنية في الشمال الشرقي لجزيرة العرب.
وهكذا كانت عملية تمشيط جيوب المقاومة الوثنية في جزيرة العرب التي تقوم بها الوحدات العسكرية النبوية تسير سيرًا ناجحًا ودونما أي عائق، لقد كانت قبيلة طيئ (بحق) أقوى جيوب المقاومة الوثنية في جزيرة العرب، وكان المتبادر إلى الذهن أن هذه القبيلة - لما هي عليه من كثرة في العدد وقدرة قتالية لا تنكر - ستكون مقاومتها للوحدة الخفيفة التي قادها
[ ١٠ / ٢٣ ]
علي بن أبي طالب شديدة.
ولكن الذي حدث هو العكس حيث انهارت هذه القبيلة عند الصدمة الأولى، ويظهر أن الرعب الكامل قد سيطر على نفوسهم من المسلمين، فحطم فيها القدرة القتالية الممتازة التي اشتهروا بها عبر العصور قبل الإِسلام، حيث كانوا يأتون في مقدمة رجالات نجد عندما يأتي ذكر الفروسية، فقد كانت طيئ مشهورة باقتناء الخيل.
ولا شك أن انهيار معنويات طيئ حتى الحضيض راجع إلى نجاح القيادة الإِسلامية في تحطيم أقوى العناصر العسكرية المعادية للإِسلام بمن فيها قبائل غطفان وعشائر هوازن وبطون قريش بالإِضافة إلى تصفية العنصر اليهودى الدخيل الذي يعتبر (وخاصة في خيبر) من أخطر العناصر القتالية شرقي المدينة على المسلمين.
إذن، فعناصر طيئ (وهم أحلاس الخيل ونسور الحرب) لم تعد آلافهم المؤلفة تغنى شيئًا، فقد استطاعت دورية مسلحة خفيفة قوامها مائة وخمسون من المسلمين أن تتغلب عليهم وتجعلهم يطلبون النجاة لأنفسهم، رغم أن عندهم من سلاح الفرسان ما لا يقل عن ألفى فارس، ولكنه الرعب من المسلمين ملأ قلوبهم، والرعب أخطر سلاح يتعرّض له من يصاب به .. والرعب الذي افهزمت طيئ بفعله، هو مصداق الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه قول النبي - ﷺ -: ونصرت بالرعب. وإلا فإن من يعرف طيئًا وملكها الكبير وفرسانها المغاوير لا يكاد يصدّق أن الآلاف المؤلفة منهم قد انهزمت أمام مائة وخمسين من المسلمين هاجموا طيئ على بعد ستمائة ميل من المدينة وليس معهم سوى خمسين فرسًا، بينما تملك طىيء في شعاب ووديان أجا وسلمى ما لا يقل عن ألفى فرس. ولكنه الرعب قد ملأ قلوبها حتى أصبحت هواء. وحتى سيدها وملكها وفارسها المعلم عَدى بن حاتم الطائى للرعب الذي أصابه هرب إلى الشام عند اقتراب المسلمين من دياره دون أن يشهر سيفًا أو يشرع رمحًا في وجوههم. حتى أنه عند هربه إلى الشام، لم يتمكن من استصحابه شقيقته السفانة التي وقعت ضمن السبايا اللواتى وقعن في أيدى جند دورية علي بن أبي طالب.
[ ١٠ / ٢٤ ]
كيف هرب عدى بن حاتم إلى الشام:
ولنترك ملك طيئ عدى بن حاتم نفسه يحدثنا عن الحالة النفسية التي كانت عليها عشائر طيئ وعلى رأسها عدى بن حاتم الذي انتابه الرعب، حيث قرر الهرب إلى الشام، بمجرد أن علم باقتراب أية قوة للمسلمين من مواطن طيئ مهما كان عدد هذه القوة، وذلك بعد أن علم أن السيطرة لقوات الإِسلام المسلحة في الشرق والغرب والجنوب والوسط من الجزيرة كاملة، وأنه لم يبق على عداء للإِسلام سوى قبائل طيئ وبعض عشائر قضاعة بدومة الجندل والجميع متجاورون تقع منازلهم في أقصى شمال الجزيرة العربية بالقرب من الحدود الشامية والعراقية.
فقد ذكر ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق، أن عدى بن حاتم الطائي قال: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله - ﷺ - حين سمع به منى.
أما أنا فكنت امرأ شريفًا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومى بالمرباع (أي أنه كملك يأخذ الربع من الغنائم التي تغنمها طيئ في الجاهلية) فكنت في نفسي على دين (وهو النصرانية رغم أن قومه وثنيون) وكنت ملكًا في قومى لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله - ﷺ - كرهته. فقلت لغلام كان لي عربي - وكان راعيا لإِبلى -: لا أبا لك أعدد لي من إبلى أجمالا ذللا سمانًا فاحتبسها قريبًا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنى (أي أخبرني) ففعل.
ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدى ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد (مع العلم أنه لم تكن هناك جيوش وإنما هي دورية قتال خفيفة ولكنه الرعب العام) قال عَدى: فقلت: فقرب إلى أجمالى، فقربها فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام، فسلكت الجوشية (١) وخلّفت بنتًا لحاتم في الحاضر (قلت هي السفانة المشهورة
_________________
(١) قال ياقوت: الجوشية، جبل للضباب قرب ضرية من أرض ونجد.
[ ١٠ / ٢٥ ]
برجاحة العقل وبعد النظر والتي أسرت وأكرمها الرسول - ﷺ - وأعتقها من الأسر).
قال عدى: فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفنى خيل لرسول الله - ﷺ - فتصيب ابنة حاتم (السفانة) فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله - ﷺ - في سبايا طيئ (١) وقد بلغ رسول الله - ﷺ - هربى إلى الشام، قال: فجعلت ابنة حاتم في حضيرة بباب المسجد، كانت السبايا يوضعن فيها، فمرّ بها رسول الله - ﷺ - فقامت إليه (وكانت امرأة جزلة أي شجاعة وجريئة) فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك. قال: فمن وافدك؟ قالت: عَديّ بن حاتم. قال: الفارّ من الله ورسوله؟ قالت: نعم.
قالت: ثم مضى رسول الله - ﷺ - وتركنى، حتى إذا كان من الغد مرّ لي فقلت له مثل ذلك، وقال لي: ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مرّ بي وقد يئست منه فأشار إلى رجل من خلفه أن قومى فكلميه، قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليّ من الله عليك. فقال - ﷺ -: قد فعلت فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنينى (أي أخبرينى). قالت السفانة: فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن أكلمه فقيل: علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة. قالت: وإنما أريد أن آتى أخي بالشام. قالت: فجئت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومى لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكسانى رسول الله - ﷺ - وحملنى (أي أعطانى بعيرًا) وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
_________________
(١) انظر موقف الإسلام من السبايا والرق الحربى في كتابنا (غزوة بني قريظة) حيث أوضحنا فيه أن الرق في الإِسلام كان عملية حربية مقابلة لا بد لجند الإِسلام من القيام بها لأن الأعداء يسترقون نساء وصبيان المسلمين إذا وقعوا في أيديهم، ومع ذلك فحث الإسلام على العناية بالأسر وإطلاق سراحه: جعل ذلك من أبر الأعمال والأسرى والسبايا الذين حَثَّ الإِسلام على العناية بهم وتحريرهم، في الأصل عن غير المسلمين.
[ ١٠ / ٢٦ ]
قال عَدى بن حاتم: فوالله إني لقاعد في أهك إذ نظرت إلى ظعينة (الظعينة المرأة التي في سفر) تصوّب إليّ تؤمنا. قال: فقلت: ابنة حاتم. قال: فإذا هي هي، فلما وقفت عليّ انسحلت تقول: القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك؟ . قال: قلت: أي أخية لا تقولى إلا خيرًا، فوالله ما بي من عذر ولقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت وأقامت عندي. فقلت لها - وكانت امرأة حازمة -: ماذا ترين في أمر هذا الرجل (يعني رسول الله - ﷺ -).
قالت: أرى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت. واللة إن هذا الرأي. قال عَدى فخرجت حتى أقدم على رسول الله - ﷺ - المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت عديّ بن حاتم، فقام رسول الله - ﷺ - فانطلق بي إلى بيته، فوالله إني لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلًا تكلمه في حاجة قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بي رسول الله - ﷺ - حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفًا فقذفها إليّ وقال: اجلس على هذه. قال: قلت: بل أنت تجلس عليها. فقال: بل أنت، فجلست عليها وجلس رسول الله - ﷺ - على الأرض.
قال عديّ: قلت في نفسي: ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدى بن حاتم، ألم تك ركوسيًا؟ (الركوسية دين بين دين الصابئة والنصارى) قال: قلت: بك، قال: أو لم تكن تسير في كما قومك بالمرباع؟ قال: قلت بلى. قال: لم يكن يحل لك في دينك. قال: قلت: أجل والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل. ثم قال: لعلك يا عدى إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم، فوالله لوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع
[ ١٠ / ٢٧ ]
بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. قال عدى: فأسلمت.
وهكذا قضت دورية علي بن أبي طالب على آخر مظهر من مظاهر الوثنية في الشمال الشرقي لجزيرة العرب، وقضى على العسكرية الوثنية الطائية، وهكذا أسلم عديّ بن حاتم الطاق فصار - فيما بعد من خيرة أصحاب محمد - ﷺ - فأعز الله به الإِسلام في مواقف عصيبة، ولعل أروع موقف وقفه عديّ بن حاتم، حين كان أكبر عون للقائد خالد بن الوليد في إخماد فتن الأعراب المرتدين في مناطق طيئ وأسد وغطفان، حيث ثبت على إسلامه، ثم أقنع أكثر من ثلاثة آلاف فارس من قومه طيئ بالعودة إلى الإِسلام وكانوا قد خرجوا منه مرتدين مساندين لطليحة بن خويلد الأسدي، فحوّل عديّ بن حاتم بحكمته ونفوذه هذه الآلاف من الفرسان إلى صفوف قوات الإِسلام التي كان يقودها خالد بن الوليد، فكان لهذه الآلاف في طيئ أكبر الأثر في إنزال الهزيمة بطليحة بن خويلد الأسدي ونائبه عيينة بن حصن الفزاري في معركة بزاخة الطاحنة الشهيرة.
إسلام كعب بن زهير الشاعر: سنة تسع هـ:
وهكذا أخذت جيوب المقاومة الوثنية المبعثرة في أقاليم الجزيرة العربية تتهاوى الواحد بعد الآخر، وقد هوى وتحطم ما يمكن اعتباره من الناحية العسكرية أقوى جيب من هذه الجيوب، وهم طيئ، فقبيلة طيئ التي بآلافها المؤلفة من الفرسان، لم تستطع أن تقاوم دورية قتال صغيرة للمسلمين مكونة من مائة وخمسين ليس معهم سوى خمسين فرسًا.
لقد أثبت سير الأحداث في جزيرة العرب أنه - منذ أوائل - السنة التاسعة للهجرة - قد أصبحت الكلمة النافذة والسلطان المطلق في طول الجزيرة وعرضها للإِسلام، بالرغم من توقف بعض القبائل عن إعلان دخولهم في الإِسلام، فهذا البعض من القبائل، هم إما ضعفاء لا يقوون على مجرد التفكر في محاربة المسلمين، وأما أقوياء بعض الشيء ولكنهم بعيدون جدًّا عن حاضرة الإِسلام المدينة، مثل بعض قبائل قضاعة وبلى وعذرة وكلب وبلقين الذين يسكنون أقصى الشمال على حدود الشام، وهؤلاء جرد عليهم الرسول - ﷺ - وهو بتبوك غازيًا - حملات عسكرية
[ ١٠ / ٢٨ ]
خضد بها شوكتهم وطهر بها جميع جيوب مقاومتهم المتبقية هناك، أو مثل بعض القبائل القحطانية في الجنوب، مثل بلحارث في نجران وهمدان وحمير في اليمن وكندة في حضرمرت، وهؤلاء جرد الرسول - ﷺ - على بعضهم حملات عسكرية انتهت بدخولهم في الإِسلام والبعض الآخر جاء إلى المدينة طائعًا مختارًا وأعلن إسلامه ضمن الوفود التي وفدت على المدينة للدخول في الإِسلام عقب عودة الرسول - ﷺ - من تبوك ظافرًا منتصرًا.
ومما يدل على أن كلمة الإِسلام أصبحت - بعد فتح مكة وانتصار المسلمين في حنين - هي النافذة في جزيرة العرب، وأن من بقى على الوثنية من شراذم هنا وهناك، إما صاروا في ضيق لا ينجيهم إلا دخولهم في دين الحق، قصة كعب بن زهير (١) الشاعر المشهور والذي كان من ألد أعداء رسول الله - ﷺ - ومن أهم ألسنة الإعلام الجارحة التي كانت تؤذى رسول الله - ﷺ - بالشعر (والشعر له تأثيره بين العرب) وتدعو إلى التأليب عليه ومقاومة دعوته بكل الوسائل.
فعندما انتصر المسلمون ذلك الانتصار العظيم بفتح مكة، وتم لهم في حنين تحطيم العسكرية الهوازنية، ولم تبق قوة حربية في جزيرة العرب يمكنها الوقوف على قدميها في وجه قوات محمد - ﷺ - خاف كعب بن زهير على نفسه خوفًا شديدًا، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم ينجه إلا أن
_________________
(١) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر ابن الشاعر. بداية قصته أنه كان وأخوه بجيراتيا بغنم المدينة. فقال له أخوه بجير: أثبت أنت في غنمنا في هذا المكان حتى ألقى هذا الرجل (يعني رسول الله - ﷺ - فأسمع ما يقول: فثبت كعب عند الغنم، وخرج بجير فجاء رسول الله - ﷺ - فعرض عيه الإِسلام فأسلم، فبلغ ذلك كعبًا فغضب وقال شعرًا يندد ببجير وإسلامه وهذا الشعر مثبت في قصة كعب في هذا الكتاب .. ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله: لو كنت أعجب من شيء لأعجبني سعى الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى الأمور يدركها والنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل لا تنتهي العين حتى ينتهى الأثر ومن جيد شعره أيضًا: مقالة السوء إلى أهلها أسرع عن منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمة ذموه بالحق وبالباطل
[ ١٠ / ٢٩ ]
يطير بنفسه إلى المدينة، ويقف فجأة أمام رسول الله - ﷺ - معلنًا إسلامه طالبًا الصفح والعفو، وذلك بتوجيه من أخيه بجير، وقد قبل الرسول - ﷺ - إسلامه وعفى عنه.
فقد روى ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته، أن بجير بن زهير أخا كعب (وكان قد أسلم قديمًا) كتب إلى أخيه كعب قائلا له: إن من بقى من شعراء قريش ابن الزبعرى، وهبيرة بن وهب، وقد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك حاجة في نفسك فطر إلى رسول الله - ﷺ - فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا، وكان كعب قد لام أخاه صبيرًا لما أسلم في شعر بعث به إله وهجا فيه الرسول - ﷺ -، وهو:
ألا أبلغا عنى بجيرًا رسالة فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل على أي شيء غير ذلك دلكا
على خلق لم تلق أمًّا ولا أبًا عليه وما تلفى عليه أبالكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ولا قائل إمَّا عثرت لما لكا
سقاك بها المأمون كأسًا روية فأنهلها المأمون منها وعلكا
قال ابن إسحاق: وبعث كعب بالأبيات إلى أخيه بجير، فلما أتت بجيرًا كره أن يكتمها رسول الله - ﷺ -، فأنشده إيّاها، فقال رسول الله - ﷺ - لما سمع (سقاك بها المأمون) صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون. ولما سمع: (على أي خلق لم تلق أمّا ولا أبا عليه) قال: أجل لم يلق عليه أباه ولا أمه.
وقد أجاب بجير أخاه كعبًا فقال:
من مبلغ كعبًا فهل لك في التي تلوم عليها باطلًا وهي أحزم
إلى الله (لا العزى ولا اللات) وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ودين أبي سلمى عليّ محرّم
قال ابن إسحاق: فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة (والشعراء لهم أصدقاء
[ ١٠ / ٣٠ ]
كثيرون) فغدا به إلى رسول الله - ﷺ - حين صلى الصبح، فصلّى مع رسول الله - ﷺ -، ثم أشار له إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: هذا رسول الله - ﷺ - فقم إليه فاستأمنه. فذكر لي أنه قام إلي رسول الله - ﷺ -، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله - ﷺ - لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعنى أضرب عنقه، وكان كعب كما قلنا من أشد ألسنة الاعلام الوثنية تنفيرًا عن رسول الله - ﷺ - وعن الإِسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: دعه عنك، فإنه قد جاء تائبًا نازعًا عما كان عليه. قال: فغضب كعب على هذا الحى من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله - ﷺ -:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولن يبلغها إلّا عذافرة لها على الأين أرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهول
ترمى النجاد بعينى مفرد لهق إذا توقدت الحزان والميل
ضخم مقلدها فعم مقيدها في خلقها عن بنات الفحل تفصيل
غلباء وجناء علجوم مذكرة في دفّها سعة قدامها ميل
وجلدها من أطوم يؤيسه طلح بضاحية المتنين مهزول
حرف أبوها أخوها من مهجنة وعمها خالها قوداء شمليل
يمشى القزاد عليها ثم يزلقه منه لبان وأقراب زهاليل
عيرانة قذفت بالنحض عن عرض مرفقها عن بنات الزور مفتول
كأنما فات عينها ومنبها من خطمها ومن اللحيين برطيل
تمر مثل عسيب النحل ذا خصل في غارز لم تخونه الأحاليل
[ ١٠ / ٣١ ]
قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدّين تسهيل
تخدى على يسرات وهي لاحقة ذوابل مسهن الأرض تحليل
سمر العجايات يتركن الحصى زيما لم يقهن رؤس الأكم تنعيل
كأن أولى ذراعيها وقد عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل
يوما يظل به الحرباء مصطخدا كأن ضاحيه بالشمس مملول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا
شد النهار ذراعا عيطل نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها لما نعى بكرها الناعون معقول
تفرى اللبّان بكفيها ومدرعها مشقق عن تراقيها رعابيل
* * *
تسعى الغوات جابيها وقولهمو إنك يابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلى لا أبا لكمو فكل ما قدّر الرحمن مفعول
* * *
إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لمّا أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشُفٌ عند اللقاء ولا ميل معازيل
شمّ العرانين أبطال لبوسهمو من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفارج إن نالت رماحهمو قوما وليسوا مجازيع إذا نيلوا
يمشون مشى الجمال الزُّهر يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل
لا يقع الطعن إلّا في نحورهمو وما لهم عن حياض الموت تهليل
وكان كعب في قصيدته هذه قد غمز الأنصار لموقف صاحبهم الذي طلب
[ ١٠ / ٣٢ ]
من الرسول قتل كعب وغمزة كعب للأنصار هي قوله: (إذا عرد السود التنابيل)، وقد غضبت الأنصار على كعب، فقال قصيدة يمدحهم فرضوا، وهذه القصيدة قوله:
من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالحى الأنصار
ورثوا المكارم كابرًا عن كابر إن الخياز همو بنو الأخيار
المكرهين السمهريّ بأذرع كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرّة كالجمر غير كليلة الإِبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار
والقائدين الناس عن أديانهم بالمشرفى وبالقنا الخطار
يتطهرون يرونه نسكًا لهم بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت ببطن خفية غلب الرقاب من الأسود ضوارى
وإذا حللت ليمنعوك إليهمو أصبحت عند معاقل الأعقار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدّقنى الذين أمارى
قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقارى
في الغرّ من غسان من جرثومة أعيت محافرها على المنقار
***
[ ١٠ / ٣٣ ]
الفصل الثاني
• ما هي تبوك؟
• أسباب غزوة تبوك.
• النبي يحشد أعظم جيش في تاريخ حياته.
• التبرع السخي من أغنياء الصحابة لتجهيز الجيش.
• موقف المنافقين التخريبي ضد النبي وجيشه.
• فشل المنافقين في مساعيهم الخبيثة.
[ ١٠ / ٣٥ ]
تبوك اسم مشهور في القديم والحديث، وقد وصفها ياقوت في معجم البلدان فقال: تبوك، بالفتح ثم الضم وواو ساكنة، وكاف، موضع بين وادي القرى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عذرة.
وقال أبو زيد: تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي - ﷺ -.
وجاء في بعض المعاجم الاسلإمية، أن أصحاب الأيكة الذين جاء ذكرهم في القرآن، الذين بعث الله إليهم نبي الله شعيب - ﵇ - كانوا في تبوك، وأن شعيبًا لم يكن منهم، وإنما كان من مدين ومدين تقع ديارهم على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر)، وعلى ست مراحل من تبوك.
قال ياقوت: وتبوك تقع بين جبل حُسْمَى وجبل شرورى .. حسمى غربيها وشرورى شرقيها. وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة، وكان ابن عريض اليهودى قد طوى بئر تبوك لأنها تنطم في كل وقت، وكان عمر بن الخطاب أمره بذلك.
تاريخ قبائل الشمال:
يعتبر الركن الشمالي الغربي من جزيهرة العرب (بما فيه تبوك) موطنًا لقبائل عديدة ذات تاريخ مشهور، وكانت هذه القبائل منذ عصور قديمة - ذات مقدرة قتالية ممتازة، وقد كان الملك في بعضها، فكان منها ملوك حكموا الأطراف الشمالية لجزيرة العرب، والأطراف الجنوبية للشام.
وكل هذه القبائل يرجع أصلها إلى حضرموت، وترجع هذه القبائل القحطانية التي استوطنت شمال الجزيرة وجنوب الشام في فترات مختلفة - إلى أصلين اثنين - وهما:
١ - قضاعة .. وقضاعة نزحت من الشحر بحضرموت وأسست ملكا لها بأطراف الشام، ويتفرع من قضاعة عدة قبائل منها بلى وعذرة وبهرأ وغيرها.
[ ١٠ / ٣٦ ]
٢ - بنو كلب. وهؤلاء من كندة، وكندة نزحت من شمال حضرموت، وأسست لها ملكا مشهورًا في دومة الجندل التي تعرف اليوم بالجوف، وكان هؤلاء الحضارمة القضاعيون والكنديون يدينون بالوثنية، إلا أنهم - بتأثير - من جيرانهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمون الشام - تحولوا إلى النصرانية، فأكثرية قبائل الشمال القحطانيين عند ظهور الإِسلام كانوا على النصرانية.
وكانت قبائل قضاعة تستوطن منطقة تبوك وما حولها حتى شواطئ البحر الأحمر غربًا، أما قبائل كلب من كندة فتسكن إلى الشرق وشمال الشرق من تبوك - حيث كان ملكهم بدومة الجندل (١).
وكانت هذه القبائل (قضاعة وكندة) على عداء شديد للمسلمين، وكانت أحيانًا - لما تشعر به من قوة وكثرة جند - تفكر في غزو المسلمين في المدينة، وذلك (على ما يبدو) بتحريض من أصدقائهم الرومان، الذين يتهيبون حروب الصحراء، ثم بدافع من هؤلاء القحطانيين من الخوف من أن يمتد نفوذ الإِسلام إلى مناطقهم، التي لهم فيها ملك وسلطان مثل ملوك (دوفة الجندل) أو اليد المطلقة في الحكم تحت رعاية الرومان مثل قبائل قضاعة في الركن الشمالي الغربي من الجزيرة ومشارف الشام.
غير أن المسلمين كانوا متيقظين لهذه الناحية، فما يبلغهم أي حشد من هؤلاء الحضارمة النصارى (وخاصة قضاعة) إلا ومسارعوا إلى غزوهم وتشتيت كلهم قبل أن يشرعوا في تنفيذ ما يفكرون فيه من غزو للمدينة.
وقد دلت الأحداث على أن هناك مصلحة مشتركة بين قبائل الشمال المتنصرة القحانية وبين الإمبراطورية البيزطية، جعلت الفريقين يجعلون من قواتهم المسلحة قوة واحدة تقف على أهبة الاستعداد لمحاربة المسلمين، كلما سنحت الفرصة، وهذه المصلحة المشتركة هي حرص الحضارمة من قضاعة وكلب على الاحتفاظ بسلطانهم الشبه المطلق في مناطق الشمال،
_________________
(١) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام) ففيه أوسع التفاصيل عن تاريخ هذه القبائل وعن ما كان لها من ملك وسلطان وقوة في الشمال وفي أطراف الشام.
[ ١٠ / ٣٧ ]
وحرص الرومان على حماية حدودهم من أي غزو قد تتعرض له الشام من قبل المسلمين.
وهذه حقيقة أثبتها التاريخ، فالناظر في كتب السير والمغازى وكتب التاريخ الأخرى يجد أن قبائل الشمال المتنصرة هؤلاء (وخاصة قضاعة) كانوا أشبه بحرس يحرسون حدود الشام الجنوبية لحساب الإِمبراطورية البيزنطية، كما يحاولون الصمود والثبات في بواديهم بالشمال من الجزيرة في وجه أي تحرك تقوم به القوات الإِسلامية.
فكانت (دائما) فصائل الخيالة والهجانة من هذه القبائل تقوم بأعمال الدورية في شمال الجزيرة، وكثيرًا مما تصطدم هذه الدوريات بطلائع القوات الإِسلامية المسلحة، وحتى العزل من الدعاة المسلمين تفتك بهم هذه القبائل المتوحشة، فقد رأينا (كما هو مفصل في كتابنا السابع غزوة مؤتة) كيف أعدم هؤلاء العرب المتنصرة في ذات الطلح بالشمال خمسة عشر مدنيًا من أصحاب النبي - ﷺ - كانوا يدعون إلى الإِسلام بالحسنى.
كذلك كانت قبائل الشمال (وخاصة منطقة تبوك وكل الركن الشمالي الغربي) أشبه بمرتزقة في جيش الإمبراطورية البيزنطية، رغم ما هم فيه من حرية واستقلال، إلا أنهم (رغم كونهم مستقلين في بواديهم داخل الجزيرة العربية) كانوا دائمًا رأس الحربة في أية قوات رومانية مسلحة تعمل ضد المسلمين، وكان هؤلاء العرب (وخاصة قضاعة) قوة مرهوبة ذات عدد غامر، تستفيد منهم الإِمبراطورية البيزنطية، ولقد رأينا كما هو مفصل في كتابنا السابع (غزوة مؤتة) كيف كانت هذه القبائل من الحضارمة، يشكلون نصف الجيش الروماني الذي قاده أخو هرقل واصطدم في (مؤتة) بمنطقة الكرك بالجيش الإِسلام الذي كان أول جيش يجتاز حدود الجزيرة إلى الشام في تاريخ الإِسلام ورأينا كيف قتل في معركة مؤتة إلى جانب الرومان قائد هؤلاء الحضارمة المتنصرة واسمه مالك رافلة.
بل لقد كان القضاعيون (هؤلاء الذين كان منطلق هجرتهم الشجر بحضرموت). تنتسب إليهم القبيلة العظيمة ذات التاريخ الحافل في الجاهلية والإِسلام (قبيلة جهينة) التي تمتد ديارها من ساحل خليج العقبة على
[ ١٠ / ٣٨ ]
شريط البحر الأحمر حتى ينبع، إلا أن جهينة هذه لم تكن على صلة بالرومان أو على ولاء لهم في أية فترة من فترات تاريخها، ولهذا كانت جهينة من أسرع القبائل استجابة لدعوة الإِسلام، وكانت منهم كتيبة مؤلفة من حوالي أربعمائة مقاتل اشتركت تحت قيادة الرسول - ﷺ - في فتح مكة.
وذلك عكس إخوانهم من قبائل قضاعة في الشمال مثل بهراء وعذرة وعاملة وسليح، الذين ظلوا بمنطقة تبوك وما جاورها من مناطق حدود الشام على عداء شديد للإِسلام والسلمين، يشاطرهم هذا العداء الشديد المستحكم أبناء عمومتهم الحضارمة الآخرون من كندة الذين منهم ملوك دومة الجندل ذات القلاع المشهورة، والتي - لعناد أهلها في الكفر ومعاداة المسلمين - حاربهم خالد بن الوليد مرتين، مرة عندما أرسله الرسول - ﷺ - في أربعمائة فارس من تبوك ليشن الغارة على هؤلاء الكنديين الحضارمة من كلب، ومرة في خلافة الصديق، عندما جاءهم خالد من الحيرة في العراق واقتحم عليهم قلاعهم في دومة الجندل بمساندة عياض بن غنم الفهرى الذي عجز بمفرده عن إخضاع أولئك الكنديين لأنهم كانوا ذوي عدد مسلح غفير وكانوا يعتصمون بحصون مبنية بالحجارة.
ورغم الحملات التي كان المسلمون يشنونها ضد قبائل الشمال النصرانية هذه من كندة وقضاعة، فقد ظلوا قوة ذات خطر على الإِسلام والمسلمين، لأنهم كانوا إذا ما ضايقتهم أية حملة عسكرية إسلامية ورأوا أن ليس من مصلحتهم الاشتباك معها، يلجأون إلى جنوب الشام حيث يتلقاهم حلفاؤهم وشركاؤهم في النصرانية، الرومان بالترحاب وكانوا إذا ما عادت القوات الإِسلامية إلى المدينة عاد هؤلاء القضاعيون النصارى إلى بواديهم وديارهم في مناطق الحدود الشمالية، كما حدث حين غزاهم عمرو بن العاص ومعه صفوة ممتازة من كبار المهاجرين والأنصار وذلك في غزوة ذات السلاسل التي كانت موجهة بصفة خاصة إلى قضاعة الذين هم أخوال عمرو نفسه.
إذن فهناك جيوب مقاومة كبيرة ضد الإِسلام من بطون الحضارمة من قضَاعة وكندة الذين تقع ديارهم في الشريط الشمالي من الجزيرة، والممتدة
[ ١٠ / ٣٩ ]
من حدود العراق شرقًا، حتى بحر القلزم (البحر الأحمر) غربًا، وهذه الطون التي أكثرها يدين بالنصرانية - إذا ما اتحدث كلمتها ستشكل خطرًا كبيرًا على الوجود الإسلامي، لأنها (إذا ما اتحدت) تستطع حشد ما لا يقل عن مائة ألف مقاتل، وهذا العدد إذا ما غفلت عنه القيادة الإِسلامية العليا في المدينة وسمحت له بالتجمع والتكتل والتلاحم داخل الجزيرة العربية، فستجد هذه القيادة نفسها أمام مشكلة عسكرية قد تكون أخطر من مشكلة الأحزاب التي واجهتها في السنة الثالثة للهجرة، ومن مشكلة التجمع الهوازني الذي عانت من أخطاره الشديدة الأهوال في ملحفة حنين.
يضاف إلى خطورة جيوب المقاومة المتمثلة في هذه البطون القضاعية الكندية المنتشرة في الشريط الشمالي من الجزيرة. يضاف إلى هذه الخطورة خطر آخر كبير وهو وجود الرومان في الشام الذين - منذ عصور قديمة - كانوا ولا يزالون على صلات وثيقة بهؤلاء النصارى من كندة وقضاعة، وذلك بحكم اعتناق الجميع لدين هو واحد في الأصل، وبحكم ارتباط هؤلاء الجنوبيين بتاج الإمبراطورية البيزنطية التي على رأسها ملك (وهو هرقل) الذي لا تزال خمرة انتصاره على الفرس تلعب برأسه، حيث عاد لتوه من معارك سجل فيها أروع الانتصارات على الإِمبراطورية الفارسية التي كانت - قبل أن يهزمها هرقل - أعظم إمبراطورية في العالم. فالرومان قد لا يغامرون بزج فيالقهم الثقيلة في صحراء الجزيرة العربية كي يقضوا على كيان الإِسلام الذي أصبحوا يتخوفون من انتشاره عبر الحدود إلى الشام وخاصة بعد أن تلقى ملكهم هرقل كتاب النبي - ﷺ - الذي يدعوه فيه وشعبه إلى الإِسلام، وأدرك الملك القسيس هرقل - بما عنده من علم بالإِنجيل - أن محمدًا هو النبي الذي بشر به عيسى في الإنجيل .. الرومان هؤلاء قد لا يغامرون بزج فيالقهم في صحراء الجزيرة العربية لقطع أو على الأقل لإيقاف تيار الإِسلام، لأنهم يخشون حروب الصحراء أشد الخشية، لأن هذه الصحراء تنجح فيها (فقط) حرب الصاعقة التي لا يجيدها الجندى الروماني بيما يجيدها الجندى المسلم البدوى، وذلك لثقل سلاح ومعدات الأول وعدم مباشرته في حياته العسكرية
[ ١٠ / ٤٠ ]
لمثل هذه الحرب، ولخفة سلاح ومعدات الثاني ومعرفته العملية التامة بحرب الصاعقة هذه التي نشأ وتدرب عليها.
نعم قد لا يغامر الرومان بأن تقتحم فيالقهم الثقيلة الصحراء في الجزيرة، ولكنهم بما لديهم من إمكانات، قد يقتحمون مناطق معينة من الجزيرة تصلح لأن تكون قواعد لقواتهم الثقيلة، ثم يوحدون كلمة البطون العربية البدوية من قضاعة كندة والقادرة (بحكم نشأتها البدوية) على حروب الصاعقة، ويكونون منها (داخل الجزيرة نفسها) جيشًا يكون عربيًّا في مظهره ورومانيا في جوهره، حيث تتولى القيادة الروبانية تسليح هذا الجيش العربي وإعاشته، وبالتالى قيادته وتوجيهه، بقيادة ضباط من الرومان لغزو المسلمين في المدينة، أو على الأقل شنّ غارات متفرقة على المسلمين، بقصد اقتطاع ما يمكن اقتطاعه من جزيرة العرب لحساب الرومان، وبقصد إعاقة أيّ نفوذ وامتداد لدعوة الإِسلام في الشريط الشمالي من الجزيرة، وبالتالى حراسة الشام من أن تتغلغل إليه هذه الدعوة.
هكذا كانت الاحتمالات، وهكذا كان الموقف في شمال الجزيرة، حيث البطون العربية النصرانية من قضاعة وكندة الحضارمة، الذين يشكلون جيوب مقاومة قوية ضد الإِسلام داخل الجزيرة، كما أن إلى جانبهم في الشام قوات الإِمبراطورية الرومانية. التي تعتبر (بعد انتصارها على الفرس) أعظم وأقوى إمبراطورية في العالم، والتي تجد في نفسها الرغبة والقدرة على اجتياز حدود الجزيرة لمحاربة المسلمين.
فهو إذن خطر روماني جسيم قائم في الشمال يهدد المسلمين، وفعلًا قد تجسد هذا الخطر الروماني الكمير حين وصلت إلى المسلمين أنباء عن حشود رومانية في جنوب الشام شمالي تبوك.
إذن لا بد من تحرك عسكرى إسلامي ضخم يرهب الرومان (أولًا) وينسخ من أذهانهم فكرة القدرة على اجتياز حدود الجزيرة، ويثبت لهم أن المسلمين قادرون عسكريًا على أن ينقلوا المعركة إلى الشام نفسها، ثم يقوم هذا التحرك الإسلامي - بعد إرهاب الروم - بتصفية جيوب المقاومة
[ ١٠ / ٤١ ]
العربية النصرانية وغير النصرانية التي بقيت في الشريط الشمال من الجزيرة العربية على كفرها وعلى عدائها الشديد للإِسلام.
وهكذا أعلن الاستنفار العام بين المسلمين في الحاضرة والبادية فاحتشد للرسول - ﷺ - أضخم جيش في تاريخ حياته العسكرية، حيث تمكن من حشد ثلاثين ألف مقاتل في المدينة، تحرك هذا الجيش الضخم نحو الشيمال في اتجاه تبوك، ومما يدل على شعور المسلمين بالخطر الروماني الشديد في الشمال، سرعة حشدهم وإسراعهم في التحرك بجيشهم الضخم، حتى أن الرسول القائد - ﷺ - تحرّك بهذا الجيش في وقت تشتد فيه حرارة الصيف اللاهبة، الأمر الذي يستنتج منه أن القيادة الإِسلامية في المدينة، قد تلقت عن الحشد الروماني معلومات خطيرة تستدعى التحرك من المدينة بأسرع ما يمكن نحو الحدود الشمالية، ولولا ذلك لما تحرك الرسول - ﷺ - بذلك الجيش الضخم في ذلك الفصل من الصيف ذي الحرارة اللاهبة، الأمر الذي أعطى المنافقين الفرصة كي يحاولوا تثبيط عزائم المسلمين مضخمين لهم التاعب التي سيلاقونها من شدة الحر أثناء تحركهم كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.
كيف حشد الرسول جيشه:
كان من عادة الرسول الأعظم - ﷺ - أنه إذا أراد أن يغزو عدوًا، أن يلتزم خطة الكتمان فلا يفصح في هدفه من التحرك حتى لأقرب المقربين إليه، اللهم إلا هيئة أركان حربه مثل أبي بكر الصديق، وذلك كما فعل عندما تحرك لفتح مكة بعشرة آلاف مقاتل، لم يعلم عامتهم بالجهة التي يتحركون نحوها، إلا عندما وصل مسافة حوالي عشرة أميال عن العاصمة المقدسة، حيث علم عامة الجيش أنه يريد قريشًا بمكة.
أما في غزوة تبوك فقد أعلن رسميًّا أنه يريد غزو الروم، ليستعد كل من يمكنه الانخراط في سلك الجيش المقرر زحفه نحو الحدود الشمالية، ويجهز نفسه بكامل ما يحتاج من عتاد حربي وإعاشة، لأن الرسول - ﷺ - سيقطع بهذا الجيش قرابة ستمائة ميل (حوالي ألف كيلو متر).
[ ١٠ / ٤٢ ]
فهي ليست غارة خاطفة يمكن القيام بها عبر مسافة قصيرة وبقوات خفيفة، كما أنه لم يعد مجال للتورية في التحرك حيث لم تغد "في جزيرة العرب" قوة معادية لها خطرها تستدعى هذا الحشد العظيم يروى الرومان والخليط من العرب والنصارى الموالين لهم في منطقة الحدود في تبوك ودومة الجندل والعقبة وإيلة (إيلات) وما جاورها.
فهو إذن غزو شامل وبقوة ضاربة، ستقطع مسافة طويلة جدًّا، وقد يتطلب الأمر أن تجتاز هذه القوة الضاربة حدود الجزيرة إلى الشام للقتال هناك.
ثم إن للرومان في المدينة طابورا خامسًا من المنافقين، سيطيرون لهم -ولا شك- خبر هذا الحشد الضخم، والذي -حتى وإن التزم الرسول - ﷺ - سياسة التكتم بشأن وجهة هذا الحشد- فإن الرومان سيكون من المؤكد لديهم أنهم وحلفاؤهم من قضاعة وكلب وغسان، دون سواهم، المقصودون بهذا الحشد، لأنهم يعلمون أنه -بعد القضاء على العسكرية الهوازنية وقبلها القرشية والغطفانية وبعدها الطائية- لم تعد هناك في جزيرة العرب قوة عسكرية معادية للإسلام ذات خطر تستدعى مثل هذا الحشد العسكري الضخم الذي لم تشهد الجزيرة مثله في العهد النبوي.
لهذا لم يعد من المفيد أن يلتزم الرسول - ﷺ - خطة الكتمان بالنسبة لهذا التحرك، لأن الرومان بمجرد علمهم "من جواسيسهم" بهذا التحرك، سيجزمون بأنهم وحلفاءهم العرب في الشمال، المقصودون دون غيرهم بهذا التحرك، ثم لطول المسافة وبعد الشقة في هذه الغزوة -ولما سيلاقى فيها الجيش من متاعب نتيجة شدة الحر- لا بد من مصارحة المسلمين بالحقيقة، كى لا ينخرط في سلك الجيش إلا الذي لديه من الإِيمان الصادق ما يجعله يتقبل المشاق والصعاب في غزوة العسرة هذه بثقة وتصميم، ويجعله يوفر لنفسه من النفقة وبقية الوسائل ما يمكنه من التغلب على الصعاب الذي ستلاقيه ولا شك في هذه الغزوة الشاقة.
الاستنفار العام بين المسلمين:
وتقديرًا لخطورة ما الرسول - ﷺ - مقدم عليه من هذا الغزو الشاق
[ ١٠ / ٤٣ ]
الخطير، وبعد معادلات وحسابات دقيقة للنتائج والعواقب التي يتوقعها المسلمون نتيجة ما قد يحدث من صدام - قد يكون ضاريًا - بين المسلمين وبين بني الأصفر "الرومان" فإن الرسول - ﷺ - قرر أن يستوعب جيشه كل قادر على حمل السلاح من المسلمين في الحاضرة والبادية، فأعلن الاستنفار العام موضحًا للجميع أنه يقصد الروم في الشمال.
فبالإضافة إلى إعلان الاستنفار الكامل بين المهاجرين والأنصار في الحاضرة المدينة، بعث رسول الله - ﷺ - إلى البادية بمندوبين خاصين من السابقين الأولين من أصحابه، كل من هؤلاء المندوبين إلى القبيلة التي ينتسب إليها ليستنفرها للجهاد في سبيل الله، على أن يخبروهم أن الهدف من هذا الحشد هو الرومان.
ولم يقتصر في بعث مندوبيه - ﷺ - للاستنفار والحشد على سكان العاصمة المدينة وسكان البوادى فحسب، بل بعث أيضًا إلى أهل مكة الذين لم يمض على إسلامهم أكثر من ثمانية أشهر - يستنفرهم للجهاد.
وذكر المؤرخون أسماء أحد عشر من مشهورى الصحابة من أبناء القبائل، بعث بهم رسول الله - ﷺ - إلى البادية ليستنفروا قبائلهم للقتال تحت لواء الرسول - ﷺ -، وهؤلاء المبعوثون هم:
اسم المبعوث - اسم القبيلة المبعوث إليها
١ - بريدة بن الحصيب - أسلم الذين تقع منازلهم بين مكة والمدينة.
٢ - أبو رهم الغفاري - غفار ناحية بدر والصفراء.
٣ - أبو واقد الليثى - بني ليث من كنانة
٤ - أبو الجعد الضمرى - بني ضمرة بالساحل.
٥ - رافع بن مكيث - جهينة.
٦ - جندب بن مكيث - جهينة.
٧ - نعيم بن مسعود - أشجع.
٨ - بديل بن ورقاء - خزاعة.
٩ - عمرو بن سالم - خزاعة.
[ ١٠ / ٤٤ ]
١٠ - بشر بن سفيان - خزاعة.
١١ - العباس بن مرداس (١) - سليم.
أما المبعوثون إلى أهل مكة فلم أر فيما بين يدي من مصادر اسم أحد منهم، وكما ذكر أن الرسول - ﷺ - بعث إلى أهل مكة يستنفرهم كما بعث إلى أهل البوادى، كما جاء في مغازي الواقدي.
ولقد لقيت دعوة استنفار الرسول - ﷺ - تجاوبًا كبيرًا، سواء في الحاضرة أو في البادية، فتم حشد ثلاثين ألف مقاتل، رغم كيد المنافقين ومحاولة توهينهم عزائم المسلمين.
ولقد تحدث الواقدي في كتابه المغازي عن التهيؤ لهذه الغزوة الخطيرة. فقال راويا عن عشرة من شيوخه: كانت الساقطة -وهم الأنباط- يقدمون المدينة بالدرك والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإِسلام، فإنما كانت أخبار الشام عند المسلمينِ كل يوم لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط، فقدمت قادمة فذكروا أن الروم قد حمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه "أي دفع رواتبهم" لسنة كاملة، وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، ولم يكن عدو أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوا منهم -إذ كانوا يقدمون عليهم تجارا- من العدد والعدة والكراع.
وكان رسول الله - ﷺ - لا يغزو غزوة إلا ورى بغيرها، لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا وكذا، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، واستقل غزى وعددًا كثيرًا، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة غزوهم، وأخبر بالوجه الذي يريد. ثم ذكر الواقدي أسماء المبعوثين الذين بعثهم إلى البادية لاستنفار سكانها للجهاد.
لقد كانت السنة التي أعلن فيها الرسول - ﷺ - الاستنفار العام لمواجهة الرومان في الشمال، سنة جدب وجفاف، فالمسلمون "وخاصة البادية"
_________________
(١) قد أتينا على ترجمة هؤلاء الصحب الكرام فيما نشر من هذه السلسلة.
[ ١٠ / ٤٥ ]
في حالة ضيق شديد، ولذلك أطلق على غزوة تبوك اسم غزوة "العسرة" لما لاقى الرسول - ﷺ - وأصحابه من جهد ومشقة لإكمال تمويل وتجهيز هذا الجيش الضخم، ولكون هذه الغزوة قام بها المسلمون في صائفة شديدة الحر، ولطول المسافة التي سيقطعها الجيش الضخم هذا من المدينة إلى الحدود الشمالية، فإن التجنيد الإِجبارى لم يتناول إلا الذين يجدون مركبًا من خيل أو إبل، فقد كان هذا الجيش كله محمولا، ولذلك أعفى الذين لم يجدوا ما يحملون عليه في هذه الغزوة، أعفوا من الاشتراك في هذه الغزوة رغم حرصهم الصادق الشديد على أن يشهدوها، كما جاء ذلك صريحًا في القرآن الكريم: ﴿لَيسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
ومما يدل على أن التجنيد لغزو الروم كان إجباريًا، لا يجوز لمسلم قادر "جسديًا وماديًا" أن يتخلف عن الانخراط في سلك الجيش الغازى، قول الله تعالى -بعد أن عذر المعسرين ماديًا وأثنى عليهم-: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقد يتساءل البعض: لماذا لم يؤجل الرسول - ﷺ - تحرك هذا الجيش، حتى ينتهى فصل الصيف اللاهب، وتتحسن أحوال الناس المعيشية فتزول الضائقة المادية التي هم عليها الناس، الذين لولا سخاء أغنياء الصحابة وتبرعهم العظيم بأموالهم لما استطاعوا "لفقرهم" الاشتراك في هذه الغزوة التاريخية؟ .
الجواب هو أن الحالة في الحدود الشمالية "كما ذكرت المعلومات" من حيث حشد الجيوش الرومانية والعرب المتنصرة بقصد اجتياح حدود الجزيرة- تدعو إلى القلق والسرعة الشديدة من المسلمين لدفع الخطر الروماني قبل أن يستفحل، وهذا "على ما يبدو"هو الذي اضطر القيادة
[ ١٠ / ٤٦ ]
الإِسلامية في المدينة إلى أن تقوم بهذا التحرك العسكري الضخم السريع رغم المتاعب التي سيلاقيها الجيش نتيجة شدة الحر وضيق ذات يد الكثير ممن اشتركوا في غزوة العسرة هذه.
أغنياء الصحابة يتبرعون للجيش:
ولما كانت سنة غزوة تبوك سنة قحط وعسرة بين عامة المسلمين، فقد حث الرسول - ﷺ - أغنياء الصحابة على التصدق -وهو ما يسمى بلغة العصر بالتبرع- لتجهيز ذلك الجيش الضخم وإكمال تموينه، لأن بيت مال المسلمين بالمدينة ليس فيه ما يكفي لتموين وتجهيز هذا الجيش اللجب.
لم يكن هناك في العصر النبوي نظام عسكرى إدارى تدفع بموجبه رواتب للمحاربين يتقاضونها مقابل اشتراكهم في القتال لتدعيم سلطان الإسلام، بل يكون القتال هذا بدافع من منطلق وجدانى أساسه الإيمان بأن هذا القتال هو الجهاد الذي أعد الله للقائمين به أعلى الدرجات في الدار الآخرة، وخاصة الذين يلقون حتفهم وهم يباشرون هذا الجهاد، والذين أكد القرآن أنهم يفضلون جميع أموات المسلمين، بأنهم يصيرون بعد موتهم أحياء. تتمتع أرواحهم بأعلى درجات النعيم عند الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وانطلاقًا من هذه العقيدة (عقيدة الجهاد لإعلاء كلمة الله) يقوم القادرون منهم بواجب تجهيز أنفسهم بما يلزمهم من سلاح وإعاشة ووسائل نقل إلى ميادين القتال، فلا يطلبون من الدولة شيئًا من هذه المستلزمات للجهاد وإنما يطلب هذه المستلزمات من المجاهدين، من الدولة غير القادرين من المعوزين، فهؤلاء تبذل الدولة جهدها لتوفير ما يحتاجونه من سلاح وإعاشة ووسائل نقل.
وهؤلاء كانوا كثيرين عندما أعلن الاستنفار العام كى يتحرك الرسول بالجيش نحو الشمال لمواجهة الروم، ولما كان بيت المال، ليس فيه ما يوفر
[ ١٠ / ٤٧ ]
لهؤلاء الفقراء من مستلزمات القتال شيء كالسلاح والإعاشة ووسائل النقل، وجه الرسول - ﷺ - إلى أثرياء الصحابة وميسورى الحال نداء بأن يتصدقوا بما تسخو به نفوسهم من أموالهم لسد احتياجات الراغبين في الجهاد، من الذين لا يجدون (في أموالهم الخاصة) ما يوفر لهم ما يحتاجونه في هذه الرحلة القتالية الشاقة الطويلة التي تستغرق ذهابًا وإيابًا حوالي شهر كامل.
وما كاد الأغنياء وميسورو الحال من الصحابة يتبلغون نداء الرسول - ﷺ - الحاث على التصدق والتبرع لإكمال تجهيز الغازى هذا حتى تسابقوا إلى ميدان التبرع والتصدق طمعًا فيما عند الله تعالى من ثواب.
وكان التبرع من هؤلاء الكرام البررة على أعلى مستويات السخاء، فتم للرسول - ﷺ - -وفي وقت وجيز- جمع أموال عظيمة من المتصدقين، تمكن بهذه الأموال من تموين الجيش وإكمال تجهيزه، حيث بهذه الأموال وفرّ الإعاشة ووسائل النقل والأسلحة للذين لا يقدرون على أن يوفرّوها لأنفسهم من مالهم الخاص.
وكان أعظم المتصدقين المتبرعين سخاء من الصحابة لتجهيز الجيش هذا، عثمان بن عفان، فقد ضرب أعلى رقم قياسى في البذل والسخاء في سبيل الله بماله، تولى وحده تموين وتجهيز ثلث الجيش من ماله الخاص. أي أن عثمان قام وحده بتجهيز عشرة آلاف من ماله الخاص الحلال، وكان عثمان تاجرًا ناجحًا.
أي إيمان عظيم جعل صاحبه يذهب في الكرم وحبّ الخير إلى أن ينفق بسخاء وطيب خاطر كل هذه النفقات العظيمة (عشرة آلاف مجاهد يمونهم ويجهزهم بكل ما يحتاجونه من ماله الخاص؟) .. تضحية ما بعدها تضحية، وسخاء -باعثه الإيمان- ما بعده سخاء جعل الرسول - ﷺ - تقديرًا لهذا الكرم العظيم- أن يقول مبشرًا عثمان أن الله قد رضي عنه: (ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا).
وقد روى أصحاب السير والمغازى، كل حسب سنده وروايته يصفون حملة التبرعات التي قام بها الصحابة لتموين الجيش في هذه الغزوة (غزوة
[ ١٠ / ٤٨ ]
العسرة): وحض رسول الله - ﷺ - المسلمين على القتال والجهاد، ورغّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، فكان أول من حمل أبو بكر الصديق، جاء بماله أربعة آلاف درهم، فقال رسول الله - ﷺ -: هل أبقيت شيئًا؟ قال: الله ورسوله أعلم، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، فقال له رسول الله - ﷺ -: هل أبقيت شيئًا؟ قال: نعم، نصف ما جئت به.
وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر فقال: ما استبقنا إلى الخير قط، إلا سبقنى إليه، وحمل العباس إلى رسول الله - ﷺ - مالًا، وحمل طلحة بن عبد الله إلى النبي - ﷺ - مالا، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مالا، مائتى أوقية، وحمل سعد بن عبادة إليه مالا، وحمل محمد بن مسلمة إليه مالا وتصدق عاصم بن عدي (١) بتسعين وسقا تمرًا، وجهّز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، حتى كفى ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت لهم حاجة، حتى كفاهم شنق أسقيتهم (٢). فيقال: إن رسول الله - ﷺ - قال يومئذ: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا (٣).
ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف، واحتسبوا في ذلك، وقووا أناسًا دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتى بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه، ويأتى الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج (٤).
اشتراك النساء في التبرع للجيش:
ولم يقصر النساء عن الرجال في مساندة الجيش بالتبرع لإكمال تجهيزه، كل حسب قدرتها والتي لم يكن عندها دراهم أو دنانير، تتصدق بما تتزين
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر).
(٢) شنق جمع شناق، وهو الخيط أو السير الذي تعلق به القربة، والخيط الذي يشد به فمها.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩١.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩٢.
[ ١٠ / ٤٩ ]
به من حلى. قال الواقدي: حتى إن كنّ النساء ليعنّ بكل ما قدرن عليه. قالت أم سنان الأسلمية (١): لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي رسول الله - ﷺ - في بيت عائشة فيه مسك ومعاضد (٢) وخلاخل وأقرطة وخواتيم وخدمات، مما يبعث به النساء يعنّ به المسلمين في جهازهم والناس في عسرة شديدة (٣).
عناصر التخريب تتحرك في المدينة:
لا شك أن الظرف الذي حشد فيه الرسول - ﷺ - جيشه الضخم للتحرك نحو الشمال لإرهاب الروم، كان ظرفًا صعبًا بالنسبة للمسلمين الغزاة من جهات كثيرة، فقد كان الناس في عسرة شديدة، حتى أن الإِمام البخاري سمّى غزوة تبوك هذه: غزوة العسرة (٤).
وبالإضافة إلى الضائقة العامة والعسرة الشديدة التي عليها المسلمون، كان الوقت وقت حر شديد، وكانت ثمار النخل قد طابت، والنفوس بطبعها ميالة في ذلك الظرف إلى التمتع بالظلال في عروشهم بين النخيل، فالناس -كما قال أصحاب السير- يحبّون (في ذلك الظرف) المقام في ديارهم ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان، الذي هم عليه، والضائقة التي تأخذ بتلابيبهم.
ولكن الأغنياء وميسورى الحال من الصحابة قد خففوا بتبرعاتهم السخية العظيمة من هذه الضائقة المادية، ولكن شدة الحر اللاهب، والخروج من المدينة في وقت طابت فية الثمار حيث يودّ الكثير قطفها والتمتع بها في ظل النخيل والعروش، جعل الناس يودون لو أنهم لم يغادروا المدينة في ذلك الفصل، ولكنه أمر .. أمر عسكرى من الرسول القائد - ﷺ - وأمر الرسول - ﷺ - إذا قضى به لا يجوز لمسلم أن يخالفه حتى وإن لم تكن نفسه ميّالة إليه.
_________________
(١) هي أم سنان الخ.
(٢) المسك (بفتح أوله وثانيه) أسورة من عاج أو ما شابهه، والمعاضد: الدماج، وهو ما توضعه النساء في عضدهن.
(٣) مغازى الواقدي ج ٣ ص ٩٩٢.
(٤) البخاري ج ٦ ص ١.
[ ١٠ / ٥٠ ]
ووجدت عناصر التخريب من المنافقين المناخ مواتيًا للتخريب والإِرجاف وبث الإِشاعات المثبطة للعزائم في صفوف الجيش، فقد ساء هذه العناصر النافقة المنتسبة إلى الإِسلام والمحسوبة على المسلمين، ساءها ما رأت من شوكة حربية عظيمة، لم يكن للمسلمين مثلها منذ بزغت شمس الإِسلام، فحاولت هذه العناصر الخبيثة، وهي الرتل الخامس من الباطنيين الذين سماهم الله تعالى في القرآن (المنافقين) حاولت القيام بأعمال التخريب داخل صفوف الجيش الذي كان يتم حشده، وذلك بمحاولة بث الإِرجاف وتثبيط الهمم وتفريق الكلمة وإحداث البلبلة والتشويش بين مختلف فئات المسلمين، كى يعجز الرسول - ﷺ - عن حشد الجيش المطلوب، فيفشل الغزو.
غير أن الطابور الخامس من هؤلاء المنافقين -رغم محاولاتهم المستميتة لم يجنوا سوى الفشل الذريع، فقد تجاهلهم المؤمنون الصادقون وسخروا من محاولاتهم الخبيثة، فاستجابوا لداعى الجهاد بغير تردد، سواء منهم الحاضرة أو البادية، فتم حشد ذلك الجيش اللجب الذي بلغ ثلاثين ألفًا.
وقد فطن الرسول القائد - ﷺ - لتحركات المنافقين المشبوهة، فقضى عليها، وتتبع خلاياهم التخريبية السرية، فكشفها، وهدم الأوكار التي تحوك فيها هذه الخلايا الباطنية الخبيثة مؤامراتها ضد وحدة المسلمين، كما نزل القرآن الكريم يندد بهؤلاء المنافقين، ففضحهم، وثبت المؤمنون الصادقون، وتحرك الجيش بكامله من المدينة حسب الخطة المرسومة، حتى أدى مهمته وحقق أهدافه على أكمل وجه، رغم أنه قد اندس فيه جماعات من الرتل الخامس (المنافقين). ورغم أن هؤلاء المنافقين قد نجحوا في حمل بعض الوحدات على التمرد بالانسلاخ عن الجيش بعد أن انخراط في سلكه، ولكن انسلاخ هذه الوحدات كان في صالح المسلمين، حيث كانت عناصر مشبوهة معادية للإِسلام في الباطن، ومنتسبة إلى المسلمين في الظاهر.
فلو أن هذه العناصر الخبيثة المشبوهة ظلت (مع كثرتها) داخل الجيش الإِسلامي حتى عودته من تبوك، لكانت عامل تخريب وفتنة داخل هذا الجيش المؤمن، وما زادته إلّا شرًّا وخبالًا كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك:
[ ١٠ / ٥١ ]
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
وكان الرسول - ﷺ - كقائد عسكرى حريصًا على سلامة جيشه، وخاصة بعد أن نجح في حشده وتجهيزه، وكان حذرًا كل الحذر من دسائس المنافقين واستمرار محاولاتهم في التأثير بروحهم الخبيثة على الجيش، فبعد أن تم حشده وتجهيزه، سارع الرسول - ﷺ - إلى الخروج به من المدينة، وبذلك عزله عن عناصر الرتل الخامس من المنافقين، بعد تصفيته منهم. قال الواقدي: وأخذ رسول الله - ﷺ - الناس بالانكماش (أي الإسراع) والجد، وضرب رسول الله - ﷺ - عسكره بثنيّة الوداع (خارج المدينة) والناس كثير لا يجمعهم كتاب.
نماذج من تصرفات المنافقين:
لقد كان المنافقون -منذ قدوم الرسول - ﷺ - المدينة- وهم يضمرون العداوة للمسلمين ويسببون المتاعب للرسول - ﷺ - وسائلهم الباطنية الخبيثة، فكانوا لا يصارحون المسلمين بالعداوة، بل يبدون في الظاهر وكأنهم مسلمون بما يؤدون من شعائر معهم كالصلاة والحج وغير ذلك من الشعائر الظاهرة، ولكنهم في الباطن يكيدون للمسلمين كلما سنحت لهم الفرصة سرًّا.
ولما كان هؤلاء المنافقون يحملون الهوية الإسلامية، حيث يعتبرون -لاعتناقهم الإسلام ظاهرًا- جزءًا من الأمة الإسلامية، فإن القانون الإسلامي الذي يحكم به النبي - ﷺ - لم يضعهم تحت طائلة أية عقوبة، رغم القرائن والمؤشرات التي تشير -من خلال تصرفاتهم- إلى خبث طويتهم وإضمارهم البغض والكيد للإسلام والمسلمين، لأن هذا القانون الإسلامي لا يصدر حكمًا بالعقوبة إلا ضد جريمة معلنة ثابتة مشهودة، وعلى أساس هذا القانون كان النبي - ﷺ - يعامل هؤلاء المنافقين، فلم يثبت أن الرسول - ﷺ - حكم على أحد منهم بعقوبة استنادًا إلى ما تضمره نفوسهم وتنطوى عليه من كيد وبغض للمسلمين، ورغبة ملحة في إلحاق الضرر بهم.
[ ١٠ / ٥٢ ]
وفي ظل القانون الإسلامي هذا ظل هؤلاء المنافقون -رغم ما يضمرون من شر للمسلمين- يتمتعون بحقوق المواطن المسلم، رقد استغلوا تمتعهم بهذا الحق لجعله ستارًا يكيدون من خلفه للإسلام ويعملون بكل إمكاناتهم (سرًّا) للتآمر على كيان المسلمين، فلا تسنح لهم فرصة يظنون أنهم قادرون فيها على الإضرار بالمسلمين (على أي مستوى) إلا واغتنموها كي يصيبوا المسلمين بهذا الضرر ولكن بخبث وحذر بحيث لا يقعون تحت طائلة القانون.
كما أن النبي - ﷺ - وبما عرف عنه من مرونة وتسامح وصبر- يلجأ دائمًا إلى تجاهل تصرفات هؤلاء المنافقين، حتى وإن بلغت -في بعض الأحيان- حد الضرر الواضح بالمسلمين، كما حدث في غزوة أحد، حين تمرد ثلاثمائة منافق بقيادة عبد الله. بن أُبَيّ كانوا قد انخرطوا في سلك الجيش النبوي الذاهب إلى أحد لمواجهة قريش، فرجع عبد الله بن أبَيّ بهؤلاء المنافقين من منتصف الطريق بين المدينة وأحد، بقصد توهين عزائم المسلمين وإحداث الفرقة في صفوفهم وتقوية معنويات المشركين الذين كانوا يرون ما يحدث من تمرد من هؤلاء المنافقين، ومع ذلك فلم يتخذ الرسول - ﷺ - أي إجراء تأديبى ضد هؤلاء المنافقين، بالرغم من اقتراح بعض أصحابه -آن ذاك- بتصفية هذه العناصر التخريبية المنافقة عسكريًا قبل ملاقاة قريش (١).
ومثل هذه المواقف المشينة سبق وأن تكررت من عناصر النفاق كما حدث من زعيمهم من إثارة للفتنة في غزوة بني المصطلق، وإشاعة قالة السوء الكاذبة في أم المؤمنين الطاهرة عائشة - ﵂ -، والتي على أثرها طلب الابن الصالح لهذا المنافق وهو (أي الابن) عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ السماح له بقتل أبيه إذا كان الرسول - ﷺ - قرر (ولابد قتله)، ولكن الرسول عالج تلك المشاكل والبلبلات التي أثارها عبد الله بن أُبيّ. عالجها بكل حكمة، ولم يسمح بقتل رأس النفاق، بل تركه وشأنه، حتى اكتشفه أبناء عشيرته على حقيقته الخبيثة فمقتوه، وصار نفوذه يتضاءل
_________________
(١) انظر تفاصيل تمرد المنافقين هذا في كتابنا الثاني (غزوة أحد).
[ ١٠ / ٥٣ ]
حتى تلاشى نهائيًا واستراح المسلمون بموته (١). وذلك بعد أن تمت السيطرة الكاملة للإسلام على جميع نواحى الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.
موقف ابن أبَيّ والجد بن قيس في غزوة تبوك:
ورغم انحسار نفوذ زعماء المنافقين شيئًا فشيئا في المدينة، فقد بقى لهم بعض النفوذ بين العناصر المغرر بها، فكان عبد الله بن أبي والجد بن قيس، وهما رأسا النفاق، لا يزالان على قيد الحياة عندما اعتزم الرسول - ﷺ - أن يتحرك بالجيش إلى الحدود الشمالية لإِرهاب الروم.
ولقد بذل هذان الزعيمان المنافقان كل جهد لتمزيق وحدة المسلمين بنشر الشائعات المغرضة، والتي هدفها إحداث الفوضى والبلبلة داخل صفوف الجيش الذي تقرر أن يتحرك من المدينة إلى تبوك بقيادة الرسول - ﷺ -.
أما الجد بن قيس فقد قال له الرسول - ﷺ - كزعيم من زعماء المسلمين (في الظاهر) ولعله ينقى سريرته ويشترك -بإخلاص- في هذه الحملة العسكرية التاريخية، فالرسول دائما لا ييأس من إصلاح النفوس التي اعتراها الخراب، فهو رسول رحمة ومحبة وإصلاح، لذلك فقد قال للجد بن قيس هذا (بأدب نبوى رفيع): هل لك العام تخرج معنا، وبلهجة فيها شيء من المداعبة قال له: لعلك تحتقب من بنات بني الأصفر؟ . وكان الإسلام يبيح سبى نساء الأعداء وتسريهن كعمل حربى مقابل لا بد منه (٢) لأن العداء إذا ما سبوا نساء المسلمين إسترقوهن وتسروهن (٢) فقال الجد بن قيس للنبي - ﷺ - بلغة منافقة خبيثة ماكرة-: أو تأذن لي ولا تفتنى؟ فوالله، لقد عرف قومى ما أحد أشد عجبًا بالنساء منى، وإني لأخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر، لا أصبر عنهن.
ولقد استاء الرسول - ﷺ - لهذا الجواب الخبيث، غير أن الرسول -لما هو عليه من أدب رفيع جم- لم يعبر عن استيائه من هذه الإجابة التي
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه الفتنة في كتابنا الثالث (غزوة الأحزاب).
(٢) انظر تفاصيل موتف الإسلام من سبايا الحرب في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة) ففيه ما يدحض جميع شبه أعداء الإسلام.
[ ١٠ / ٥٤ ]
تحمل أكثر من معنى من معاني الخبث والنفاق، لم يعبر عن استيائه بأكثر من أنه (فقط) أعرض عن الجد بن قيس، وذهب في الحلم على هذا المنافق إلى أن أذن له في التخلف عن الجيش قائلًا: قد أذنت لك (١).
ومن عجائب المفارقات التي تصنعها العقيدة، أن لهذا المنافق الجد بن قيس، ابن صالح شديد الإِيمان، كان شهد بدرًا مع المسلمين، وهو أخو معاذ بن جبل لأمه، واسمه عبد الله (٢) .. هذا الشاب الثابت العقيدة الصالح المؤمن، لما بلغته مقالة أبيه النابية لرسول الله - ﷺ - ذهب إليه لقدم له النصح كى يتوب إلى الله مما فاه به من منكر القول أمام الرسول - ﷺ - ولينفر ضمن الجيش مع رسول الله - ﷺ - إلى حيث يريد، لا سيما وأنه غنى من أغنياء المدينة، وسيد من سادات الخزرج المرموقين، والمفروض فيهم أن يكون (بإخلاص) في مقدمة الجيش النبوي الغازى.
فقد قال هذا الشاب المؤمن الطيب عبد الله لأبيه الباطنى المنافق الجد بن قيس -متسائلا في استنكار-: لم ترد على رسول الله - ﷺ - مقالته؟ فوالله ما في بني سلمة أكثر مالا منك، ولا تخرج ولا تحمل أحدًا (أي لا تساعد أحدًا من المعوزين المجاهدين) بخيل ولا ركاب يركبها في هذه الغزوة، فقال الجد المنافق لابنه المؤمن الصادق: يا بني ما لي وللخروج في الريح والحر والعسرة إلى بني الأصفر؟ .
ثم اندفع بلغة الإِرجاف والتخوف من قوة الرومان لعله يؤثر في معنويات ابنه المؤمن ومن يسمع قوله الخبيث، فيخافوا فيقعدوا مثله مع الخوالف، فقال -وهو يحاور ابنه-: والله ما آمن من بني الأصفر وأنا في منزلى بخربى، فأذهب إليهم فأغزوهم، إني والله يا بني عالم بالدوائر.
وهنا تفاعلت عوامل الغضب لله ولرسوله في نفس الشاب المؤمن الصادق -فوضع اعتبار العقيدة فوق كل اعتبار، فداس -في سبيل نصر عقيدته- على عاطف الأبوة، فخاطب أباه كما يخاطب المنحرفين الضالين
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩٢.
(٢) هو عبد الله بن الجد بن قيس، قال في أسد الغابة: هو من الأنصار من بني سلمة، شهد بدرًا وأحدًا.
[ ١٠ / ٥٥ ]
الخبثاء، حيث صارحه بأنه منافق وأن باعث تخلفه عن رسول الله - ﷺ - لم يكن الخوف من بني الأصفر كما زعم، ولكنه الرغبة في الكيد للإسلام وتثبيط المسلمين عن الغزو، حيث قال له: ولكنه النفاق، والله لينزلن على رسول الله - ﷺ - فيك قرآن يقرأونه، فغضب المنافق الكبير لمقالة ابنه، ثم ضربه بالنعل على وجهه، وكان ابنه به برًا، فصبر الابن المؤمن الصادق وانصرف من مجلس أبيه ولم يكلمه (١).
وازداد المنافق الكبير إياه كفرًا وعنادًا، فاستمر في إرجافه برسول الله - ﷺ - وتشكيكه الناس في دين الله وتجسيمه ما سيلاقون في غزوتهم الطويلة الشاقة من مشاق الحر الشديد، وذلك عن سبق إصرار دنئ ورغبة خبيثة في التأثير على المسلمين لعلهم يتأثرون بإرجافه فيعدلوا عن المشاركة في الجهاد، فيصيب التصدع والتفكك الجيش النبوي الذي بدأ يستكمل حشده وتجهيزه استعدادا للتحرك إلى تبوك.
فقد ذكر أصحاب السير والحديث أن الجد بن قيس المنافق هذا وجه نداء إلى قومه بني سلمة وفي مقدمتهم جبار بن صخر (٢)، حثهم فيه على التخلف عن رسول الله - ﷺ - لأن الفصل فصل حر شديد، فقال لجبار بن صخر ونفر من بني سلمة، يا بني سلمة لا تنفروا في الحر. قال الواقدي: يقول: لا تخرجوا في الحر زهادة في الجهاد، وشكًا في الحق، وإرجافًا برسول الله - ﷺ -
ولكن الخبيث فشل في مسعاه، وأنزل الله فيه قرآنا فضحه فيه -كما توقع ابنه المؤمن- قال تعالى مبينا وضع هذا المنافق الكبير وأمثاله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ "التوبة: آية ٨١ - ٨٢".
وفي مقالة المنافق الجد بن قيس لرسول الله - ﷺ - بشأن بنات الروم: أو
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩٣.
(٢) هو جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان الأنصاري ثم الخزرجى، كان من السابقين الأولين في الإسلام، شهد بيعة العقبة وحضر بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -.
[ ١٠ / ٥٦ ]
تأذن لي ولا تفتنى أنزل الله تعالى قرآنا أكد فيه أن هذا المنافق وأضرابه هم واقعون في فتنة أعظم فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٥٠].
فلما نزلت هذه الآية الكريمة التي تفضح الجد بن قيس وأمثاله وتشهر نفاقهم، ذهب إليه ابنه عبد الله. فقال له: مكررًا لومه له على موقفه السئ من رسول الله - ﷺ -، ألم أقل لك: إنه سوف ينزل فيك قرآن يقرأه المسلمون؟ .
ولكن الأب المنافق تمادى في غيِّه وازداد النفاق في نفسه الخبيثة، فأظهر شديد غضبه على ابنه المؤمن لتكراره النصح له، وأعلن أنه سيقطع عنه كل صلة، حيث قال له: اسكت يالُكَع، والله لا أنفعك بنافعة أبدًا، والله لأنت أشد من محمد (١).
دور عبد الله بن أُبَيّ التخريبي:
أما دور رأس النفاق عبد الله بن أبي الذي هو سيد من سادات الخزرج، فقد كان أكبر الأدوار لمحاولة الإرجاف والتخريب داخل صفوف الجيش الذي تقرر أن يتحرك من المدينة إلى تبوك لمواجهة الروم.
فإذا كان دور المنافق الكبير الثاني الجد بن قيس ينحصر في تثبيط وتوهين عزائم المسلمين، بتخويفهم من العسكرية الرومانية وما هي عليه من قوة وبأس، وتوجيهه النداء إلى قومه بأن لا ينفروا مع الرسول - ﷺ - في هذه الغزوة، لأن الحر شديد، فإن دور عبد الله بن أُبَيّ في مجال التخريب وتمزيق الكلمة أخطر وأعظم.
ذلك أن عبد الله بن أُبَيّ لم يكتف بالتشويش وأعمال التثبيط والتوهين القولى، بل قاد عملية تمرد داخل الجيش النبوي بعد أن انتظم عقده وتم حشدة وتجهيزه.
فقد كان عبد الله بن أُبَيّ وجماعته الباطنيين -باعتبارهم يحملون الهوية
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٦٩٣.
[ ١٠ / ٥٧ ]
الإسلامية في الظاهر- قد انخرطوا في سلك الجيش النبوي بأعداد كبيرة عندما أعلن الاستنفار العام، وذلك لا لإسناد هذا الجيش وتقويته، وإنما بقصد إحداث الفرقة والتشويش والبلبلة داخل صفوفه، وذلك بالانفصال عن هذا الجيش والرجوع إلى المدينة عندما يبدأ الجيش التحرك نحو وجهته.
وقد مثل عبد الله بن أُبَيّ بالنسبة للجيش النبوي المتحرك إلى الشمال، مثّل (تمامًا) دور التخريب الذي قام به يوم معركة أحد عندما خرج في جماعته مع الجيش النبوي المتحرك نحو أحد لمقاتلة مشركى قريش، حيث رجع إلى المدينة من منتصف الطريق برتله وكانوا يمثلون ثلث الجيش تقريبًا، الأمر الذي كان له أسوأ الأثر في نفوس المؤمنين، بل كاد يؤدى إلى تمرد آخر في الجيش النبوي أخطر وأعظم، حيث كادت قبيلتان من الأنصار أن تحذوا حذو عبد الله بن أُبَيّ ورتله الخامس، فترجع إلى المدينة وتترك الاشتراك مع النبي - ﷺ - في مقاتلة قريش، لولا أن الله ثبّت رجال هاتين القبيلتين فثبتوا على إيمانهم واستمروا في مساندة الرسول - ﷺ - حتى نهاية معركة أحد (١).
ففي غزوة تبوك خرج عبد الله بن أُبَيّ في جيش كبير من أصحابه المنافقين على أنه جزء من الجيش النبوي، غير أن رأس النفاق هذا لما بدأ الجيش النبوي في التحرك من ثنية الوداع حيث كان يعسكر، قام بما يمكن تسميته تمردًا، حيث رجع إلى المدينة بمجموعة كبيرة من المحاربين الذين كانوا قد انتظموا في سلك الجيش النبوي، وكان الذين رجعوا مع رأس النفاق، هم (بالتأكيد) ممن كان مثله على النفاق.
وكان الهدف واضحًا من تصرف رأس النفاق هذا، وهو محاولة تمزيق وحدة الجيش النبوي، بإغراء بعض وحداته الأخرى بأن تصنع صنيعه، وكان عبد الله بن أُبَيّ عندما تمرد برتله، تفوّه بكلمات فيها تخويف لمن بقى ثابتًا حول النبي - ﷺ - من الجيش وتحريض لوحدات الجيش الأخرى على التمرد بالرجوع إلى المدينة، وترك الرسول القائد - ﷺ - وشأنه، ولكن محاولات المنافق الكبير هذه باءت بالفشل، فلم يتبعه في الانسلاخ من
_________________
(١) انظر تفاصيل تمرد عبد الله بن أُبَيّ وقومه المنافقين في كتابنا الثاني (غزوة أحد).
[ ١٠ / ٥٨ ]
الجيش والرجوع إلى المدينة سوى رتله الخاص، والذي كل أفراده منافقين مثله، فقد بقى الجيش النبوي متماسكًا كأقوى وكأعظم ما يكون، حيث بقى تحت قيادة الرسول - ﷺ - ثلاثون ألف مقاتل تحرك بهم إلى الشمال وحقق بهم الأهداف التي من أجلها تحرك بهم، ولم يجن عبد الله بن أُبي وبقية عصابة المنافقين إلا الخيبة والخسران.
ورغم أن عبد الله بن أُبَيّ قد انسلخ عن الجيش بوحداته التابعة له، بقصد الإِضرار بوحدة هذا الجيش، وبقصد تحريض المسلمين على الانفضاض من حول الرسول القائد - ﷺ - كي يفشل النبي - ﷺ - في غزوته التاريخية تلك، فإن الرسول الحكيم الحليم لم يتخذ أي إجراء تأديبى ضد عبد الله بن أُبَيّ ورتله المتمرد، وتلك دائما عادة الرسول الحكيمة إزاء مثل هذه التصرفات الشائنة التي يلجأ إليها كل المنافقين بقصد تمزيق وحدة المسلمين والتنكيد على الرسول العظيم - ﷺ -.
قال الواقدي يصف تآمر عبد الله بن أُبَيّ وأتباعه المنافقين يوم تحرّك الجيش النبوي إلى تبوك: وأقبل عبد الله بن أبي بعسكره، فضربه على ثنية الوداع بحذاء ذباب (١) معه حلفاؤه من اليهود والمنافقين ممن اجتمع إليه، فكان يقال له: ليس عسكر ابن أُبَيّ بأقل العسكرل وأقام ما أقام رسول الله - ﷺ - وكان رسول الله - ﷺ - يستخلف على العسكر أبا بكر الصديق يصلى بالناس، فلما سار رسول الله - ﷺ - تخلف ابن أُبَيّ عن رسول الله - ﷺ - فيمن تخلف من المنافقين، وقال مستهزئًا: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، إلى ما لا قبل له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ ونافق معه من هو على مثل رأيه.
ثم قال الخبيث متمنيًا الهزيمة والانكسار للنبي - ﷺ - وجيشه: والله لكأنى انظر إلى أصحابه غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا برسول الله - ﷺ - وأصحابه (٢).
_________________
(١) ذباب (بكسر الذال) قال في مراصد الاطلاع: جبل بالمدينة وروضات الذباب موضع آخر.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩٦.
[ ١٠ / ٥٩ ]
ولا شك أن العناصر الطيبة المخلصة في الجيش النبوي قد تألمت للتصرف المشين الذي تصرفه عبد الله بن أبيّ، فساءها أن يخذل عن رسول الله - ﷺ -، فيرجع بوحداته العسكرية الخاصة قاصدًا إحداث الفرقة وإشاعة البلبلة داخل الجيش النبوي، ومن المحتمل أن بعض القادة المخلصين قد رغبوا في أن يقوم الرسول - ﷺ - بتصفية عبد الله بن أبي وعصابته المتمردة تصفية جسدية، بحيث يقاتلهم ويقضى عليهم قبل أن يتحرك لمواجهة الرومان ويترك المدينة وفيها هذا البلاء المتمثل في هؤلاء المنافقن المسلحين الذين - بدافع من الرغبة المجنونة في إلحاق الضرر بالقوات النبوية المسلحة - انسلخوا عن هذا الجيش ورجع رتلهم إلى المدينة معلنًا أن النبي - ﷺ - حين يتحرك لمواجهة الرومان في الشمال إنما يقدم أصحابه ليوثقهم بنو الأصفر في الحبال، لأن النبي (زعم رأس النفاق) لم يقدر العسكرية الرومانية حق قدرها: (يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ والله لكأنى أنظر إلى أصحابه غدًا مقرنين في الحبال) (١).
ولكن النبي - ﷺ - وهو البعيد النظر والحليم الذي لا يبلغ أحد مداه في الحلم والأناة والمجرب الذي يقدر النتائج قبل الإقدام على العمل، والذي فوق ذلك كله يتلقى الوحى من السماء فلا يصدر إلا عن أمر ربه لم يشأ أن يتخذ أي إجراء (مهما كان) ضد عبد الله بن أُبَيّ ومن لفّ لفه من المنافقين الذين لم يتركوا وسيلة لتخذيل الجيش وتمزيق وحدة المسلمين إلا واتبعوها، في وقت يمكن تسميته (بلغة العصر) وقت طوارئ وظروف استثنائية، تنزل النظم العصرية -حتى في البلاد الديموقراطية- أقسى العقوبات التي تصل أحيانًا حد الإعدام بمن تثبت إدانته بعمل تخريبى يقصد به الإضرار بالقوات المسلحة، وخاصة إذا كانت في حالة استنفار واستعداد لمواجهة العدو، وهو ما فعله تمامًا عبد الله بن أبي ورتله الذي تمرد به وانسلخ من الجيش بعد أن كان جزءًا منه، بقصد إلحاق الضرر بذلك الجيش.
ولكن الرسول الحكيم (وهو في ذلك الظرف البالغ الخطورة) لم يقدم
_________________
(١) من كلام رأس النفاق عبد الله بن أبي.
[ ١٠ / ٦٠ ]
على أي عمل يؤدب به قوات النفاق المتمردة وزعيمها الخبيث، بل حتى لم يسمع منه (آن ذاك) مجرد كلمة لوم يوجهها إلى عبد الله بن أبي وعصابته على ما فعلوا، فقد تجاهلهم الرسول - ﷺ - وتجاهل تصرفاتهم ومضى بالجيش لوجهه حتى وصل تبوك وحقق أهدافه وعاد ظافرًا منتصرًا، لم تؤثر فيه تصرفات رأس النفاق وحزبه.
ولقد أثبتت الأحداث وأكدت أن سكوت الرسول - ﷺ - على تصرفات المنافقين ورجوع العسكريين منهم وانسلاخهم عن الجيش النبوي بعد انخراطهم فيه كجنود وقادة، هو عين الحكمة، حيث كان خروج هؤلاء المنافقين من الجيش النبوي بمثابة تطهير له من جراثيم خبيثة كان ستلحق به أفدح الأضرار، لو بقيت منخرطة داخل صفوفه لأنها ستكون دائمًا داخله مبعث فتنة وإرجاف وتشويش.
وقد أكد القرآن هذه الحقيقة فقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٧].
وكانت هناك من المنافقين عناصر أقل تجاهرًا بالنفاق من عبد الله بن أبي والجد بن قيس وحزبيهما. جاءت العناصر -وهي قادرة من الناحية الجسدية والمادية- على الاشتراك في الجهاد .. جاءت هذه العناصر تطلب من الرسول - ﷺ - إعفاءها من الاشتراك في الحملة، معتذرة بمختلف الأعذار الكاذبة، فلم يناقشها الرسول - ﷺ - فقبل اعتذارها ولم يجبرها على الاشتراك في الغزو، وهذه العناصر المنافقة الأشد تكتمًا، تبلغ بضعة وثمانين رجلًا (١)، وهؤلاء من غير العناصر التي رجع بها عبد الله بن أُبَيّ.
تدمير وكر تآمر المنافقين:
لم يكن خافيا على الرسول القائد - ﷺ - ولا على أصحابه ما يضمره المنافقون من بغض وحقد على المسلمين، ورغبة في إلحاق الضرر بهم، ومحاولات مبطنة لتدمير الأمة الإسلامية، مع تظاهر هؤلاء المنافقين بأنهم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩٥.
[ ١٠ / ٦١ ]
مسلمون وحريصون على مصلحة المسلمين، فكان زعماؤهم (مثل عبد الله بن أُبَيّ والجد بن قيس) يحضرون كثيرًا من الإِجتماعات التي يعقدها النبي - ﷺ - مع كبار أصحابه، باعتبار أن زعماء المنافقين هؤلاء في الظاهر جزءًا من الأمة الإِسلامية، وقد كان النبي يتسامح معهم هكذا مع علمه أنهم منافقون، بل ويتجاوز عن كثير من تصرفاتهم ما دام أن هذه التصرفات لا تتعدى التنفيس عما تكنه صدورهم المريضة من بغض للنبي - ﷺ - وأصحابه، وما دام إنها لا تصل إلى درجة الإِضرار الفعلى بأمن الأمة الإِسلامية وسلامتها، فحين يصل المنافقون في تصرفاتهم إلى هذه الدرجة، فإن الرسول الحكيم الحازم، يتخذ ضدهم من الإِجراءات ما يحفظ لأمة الإِسلام أمنها وسلامتها.
لذلك كانت عيون المسلمين -وهو ما يسمى اليوم بأجهزة الأمن- تراقب هؤلاء المنافقين، ونتيجة مراقبة أجهزة الأمن هذه للمنافقين، تم اكتشاف نشاطات مشبوهة واجتماعات سرية يعقدها هؤلاء المنافقون للتآمر على سلامة الجيش وأمن الأمة الإِسلامية. فنقل حراس الأمن في المدينة إلى الرسول القائد - ﷺ - أن هناك وكرًا تلتقى فيه سرًّا عناصر النفاق، وتحيك فيه الدسائس والمؤامرات التي تعرّض سلامة الجيش وأمن الأمة للخطر، وأن هذا الوكر على وجه التحديد، هو بيت أحد اليهود الذي رغم أنه في ذمة المسلمين وحمايتهم- قبل أن يكون بيته ملتقى لعناصر التخريب والتآمر على الإِسلام والمسلمين، وهذا اليهودى اسمه سويلم.
وعندما تبلغ الرسول - ﷺ - خبر هذا الوكر وما يجرى فيه من دس وتآمر من المنافقين بمساندة بقايا اليهود أمر قوى الأمن في المدينة بأن تنسف وتدمر وكر التآمر هذا وهو بيت سويلم اليهودى، فسارعت قوى الأمن إلى محاصرة بيت سويلم اليهودى الذي كان فيه المتآمرون معه يعقدون اجتماعا من اجتماعاتهم المشبوهة، ثم أضرمت قوى الأمن الإِسلامية النار في ذلك الوكر على من فيه من المتآمرين، والتهمت النيران ذلك الوكر (بيت سويلم اليهودى) وكادت تلتهم المتآمرين المجتمعين فيه، لولا أنهم قفزوا من النوافذ فنجوا من الموت، وكان الذي تولى قيادة قوى الأمن التي نَفَّذَتْ عملية إحراق وتدمير بيت سويلم اليهودى الصحابي الشهير طلحة بن عبيد الله.
[ ١٠ / ٦٢ ]
فقد روى ابن هشام عن ابن إسحاق، قال: بلغ رسول الله - ﷺ - أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودى، وكان بيته عند جاسوم، يثبطون الناس عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي - ﷺ - طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة بن عبيد الله، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظَهْر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك:
كادت وبيت الله نار محمد يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم أنوء على رجلى كسيرًا ومرفقى
سلام عليكم لا أعود لمثلها أخاف ومن تشمل به النار تحرق
ومع ما حدث من هؤلاء المتآمرين، فإن الرسول القائد ﷺ اكتفى (فقط) في تأديب هؤلاء المتآمرين بحرق الوكر الذي يلتقون فيه وهو بيت سويلم اليهودى، فلم يأمر باعتقال أحد ممن كانوا في بيت سويلم ساعة مداهمته وإحراقه، وحتى سويلم اليهودى لم يتخذ الرسول ﷺ ضده أي إجراء سوى حرق بيته.
وكر أخطر:
ومع قيام قوى الأمن الإِسلامية بإحراق بيت سويلم اليهودى ملتقى المنافقين المتآمرين، فإن هؤلاء المنافقين، لم يكفوا (بأساليبهم الباطنية الخبيثة) عن الدس والتآمر ضد النبي - ﷺ - وضد أصحابه، بل ظلوا موغلين في النفاق، يتظاهرون بالإسلام وإظهار شعائره كالصلاة، بينما يكيدون له ولنبيه في الخفاء، جاعلين من انتسابهم إلى هذا الدين غطاءًا لأعمالهم الإجرامية ومؤامراتهم الخبيثة التي دأبوا على حبكها ضد الإسلام بمختلف الأساليب.
وإذا كان هناك وكرٌ واحدٌ للمنافقين قد اكتشفته قوى الأمن الإسلامية في المدينة، وهدمه الرسول - ﷺ - قبل أن يتحرك بجيشه من المدينة، وهو بيت سويلم اليهودى، فإن هناك وكرًا أخطر وأعظم منه،
[ ١٠ / ٦٣ ]
اكتشفته أجهزة الأمن الإسلامية في المدينة، بعد أن رجع الرسول - ﷺ - بجيشه من تبوك، فأمر بإحراقه، فتم تدميره، ألا وهو مسجد الضرار الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.
فقد بنى المنافقون وكرًا على هيئة مسجد ليتخذوا منه ملتقى للتآمر والدس ومحاربة الله ورسوله، يأمنون فيه عيون المراقبة، لأنه مسجد وبيت من بيوت الله في ظاهره، وهذا من المنافقين عملية أشد إغراقًا في الخبث والتستر، وقد تم إحراق هذا الوكر الثاني بالنار، كما أحرق بيت سويلم اليهودى، وذلك بعد عودة الرسول - ﷺ - من تبوك كما سيأتي تفصيله في هذا البحث إن شاء الله.
* * *
[ ١٠ / ٦٤ ]
تكامل حشد الجيش والترتيبات الإدارية
وبعد أن تكامل حشد الجيش الإسلامى في المدينة وتم تجهيزه تجهيزًا كاملًا بكل ما يحتاجه من سلاح ونقليات من خيل وإبل، بعد التبرعات السخية التي جاد بها كبار أغنياء الصحابة، وشارك فيها مختلف فئات الشعب بمن في ذلك النساء اللواتى كن -بدافع من إيمانهن العميق- يتبرعن ويتصدقن لتجهيز الجيش بحليهن الخاصة .. بعد أن تكامل حشد الجيش هكذا وتم تجهيزه، وبلغ عدده (بعد انسلاخ المنافقين عنه) ثلاثين ألف مقاتل صدرت الأوامر من الرسول الأعظم والقائد الأعلى للقوات المسلحة أن يستعد هذا الجيش للتحرك من المدينة نحو الشمال، وكان الرسول" كما تقدم" أبلغ كل عناصر الجيش قادة وجنودا بأنه يريد بهم غزو الرومان الذين بلغه أنهم يحتشدون بالقرب من الحدود الشمالية. الغربية لجزيرة العرب في منطقة معان، ليقوموا -بمساندة العرب المتنصرة من الحضارمة الكنديين والقضاعيين، واليمانيين الغساسنة المرتبطين بتاج بيزنطا في القسطنطينية- ليشنوا الحرب على جزيرة العرب لحساب الملك هرقل، الذي كان يعيش نشوة انتصاراته الساحقة على كسرى إبرويز الذي هزمه وانتزع منه كل الممتلكات البيزنطية التي كان الفرس قد اغتصبوها في الشام وآسيا الصغرى وأفريقيا.
ولم يكن الملك هرقل متحمسًا لمحاربة المسلمين، لأنه (بما لديه من علم راسخ بالإنجيل) يوقن أن من العبث محاربة المسلمين، لأن محمدًا بن عبد الله الهاشمي رسول مؤيد من عند الله، كما يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وكما أكد هذه الحقيقة للملك هرقل كبير البابوات في رومية "روما" عندما بعث إليه الإمبراطور هرقل يصف له ظهور محمد - ﷺ - ويسأله ليتأكد ما إذا كان هو النبي العربي المنتظر الذي توجد صفاته
[ ١٠ / ٦٥ ]
وذكره وضرورة ظهوره في التوراة والإنجيل.
وقد رأينا أن هرقل الملك هذا عندما تسلم كتاب الرسول - ﷺ - الذي يدعوه فيه وشعبه إلى الدخول في الإسلام في السنة الثامنة الهجرية، أخبر مبعوث الرسول - ﷺ - دحية الكلبى بأن محمدًا هو النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في الإنجيل وأكرم دحية غاية الإكرام، واحتفى بكتاب الرسول - ﷺ - وحاول إقناع رؤساء الدين وكبار القادة في إمبراطوريته بأن يدخلوا جميعًا في الإسلام، لأن أمره سيظهر على كل من يخالفه، وعسكره سيتغلبون على أية قوة عسكرية تعترض سبيلهم مهما كانت، ولكن كبار القساوسة والرهبان والقادة العسكريين رفضوا "جملة وتفصيلا" نصيحة الإمبراطور هرقل، بل وغضبوا لنصيحته هذه وحاولوا القيام ضده بانقلاب لخلعه، ولكنه بدهائه تمكن من تهدئتهم فسكنوا، وظل على عرش الإمبراطورية حتى شهد وشهدوا، هم التوقعات التي توقعها هذا الملك، حينما سيطرت قوات محمد النبي - ﷺ - على جيع ممتلكات الإمبراطورية الرومانية فيما وراء البحار "الشام ومصر وشمال أفريقيا" وكان الملك هرقل في السنة الثامنة الهجرية، قد أخبرهم أن ذلك، سيحدث إذا لم يستجيبوا لنصحه ويدخلوا في الإسلام (١).
الملك هرقل هذا كما "يبدو" لم يكن متحمسا للدخول في أية مواجهة عسكرية مع الجيش النبوي، لعلمه أن محمدًا - ﷺ - نبي مرسل ومؤيد من عند الله، ولكن يظهر أن كبار السياسيين والقساوسة والقادة العسكريين في جيش الإمبراطورية ضغطوا على الإمبراطور كى يحشد جيوشه على حدود الجزيرة العربية بقصد اقتحامها على المسلمين، وقد فعل مكرها وبدون اقتناع بنجاح هذا الحشد، بدليل أن هذا الملك، لما بلغه وصول الجيش النبوي إلى تبوك القريبة من حدود الشام، فض حشوده وعدل عن فكرة مصادمة المسلمين، وكتب للرسول - ﷺ - كتابًا رقيقًا مهذبًا يعترف فيه "شخصيًا" بأن النبي - ﷺ - هو الرسول المنتظر الذي مر ذكره في الإنجيل، كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة الملك هرقل في كتابنا السابع (غزوة مؤتة).
[ ١٠ / ٦٦ ]
أمير المدينة بالنيابة:
كان من عادة الرسول - ﷺ - المتبعة (إداريا) أنه عندما ينوي القيام بمغادرة المدينة لغزو، أو غير ذلك يترك في العاصمة رجلًا من أصحابه يدير شئونها "حاكما" بالنيابة عنه حتى يعود إليها، وقد عين هذه المرة على المدينة ونواحيها "حاكما" سباع بن عرفطة الغفاري (١).
فقبل تحركه بالجيش من المدينة أصدر - ﷺ - مرسومًا شفويا عين بموجبه سباعا هذا أميرًا على المدينة، وسباع هذا ليس من أهل المدينة، بل من قبيلة غفار البدوية الكنانية التي تقع ديارها "على الأرجح" ناحية بدر بين مكة والمدينة، ولا شك أن في هذا التصرف "من الرسول - ﷺ -" مغزى من مغازى المساواة التي جاء بها الإسلام وقضى بها على العنصرية والتعصب القبلى الجاهلى، فلم يؤمِّر على أهل المدينة "في حال غيابه" أميرًا منهم بل أمَّر عليهم أميرًا بدويًا أهلته سابقته في الإسلام لأن يكون أميرًا على عاصمة المهاجرين والأنصار.
كذلك خلف الرسول - ﷺ - ابن عمه علي بن أبي طالب في المدينة، ولم يخلفه أميرًا، وإنما خلفه ليتولى العناية بشؤون خاصة بالنبي - ﷺ - وهي رعاية شئون أهله الأطهار.
وقد أرجف المنافقون بعلي، كما هي طريقتهم في الفتنة وإحداث البلبلة- فقالوا: ما خلفه محمد في المدينة إلا استثقالًا له وتخففًا منه، فأثر قول المنافقين الخبيث هذا في نفس أمير المؤمنين على، فتأذى له إلى درجة أنه لحق برسول الله - ﷺ - وهو لا يزال بجيشه معسكرًا على بعد ثلاثة أميال من المدينة- وأخبره بما يذيع المنافقون في المدينة من سيء القول المؤلم، حيث قال علي، يا نبي الله، زعم المنافقون أنك استثقلتنى وتخففت مني، فطمأنه الرسول - ﷺ - بأن هذا القول محض افتراء، ورغب إليه في أن لا يلقى له بالا، وأن يرجع إلى المدينة ليظل في مهمته التي أوكلها إليه، حيث قال له: كذبوا، ولكنى خلقتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلقنى في أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، إلا
_________________
(١) انظر ترجمته فيما مضى من هذه السلسلة.
[ ١٠ / ٦٧ ]
أنه لا نبي بعدى، فرجع على إلى المدينة، وتجاهل إشاعات وإرجافات المنافقين وبقى في المدينة يرعى شئون أهله وأهل النبي - ﷺ - حتى عاد الرسول - ﷺ - من تبوك (١).
شأن البكَّائين المؤمنين:
وأثناء حشد وتجهيز الجيش النبوي، حدث أمران متباينان، فقد كانت هناك عناصر من أهل المدينة قادرة (جسديا وماديا) علي المشاركة الحربية في الحملة الضخمة التي تقرر أن يتحرك بها الرسول - ﷺ - إلى تبوك لغزو الروم، ولكن هذه العناصر تخلفت ولم تشارك في الغزو منتحلة شتى الأعذار الكاذبة، وهذه العناصر هم المنافقون.
بينما ظهرت في الجانب الآخر عناصر خيرة طيبة مؤمنة، كانت على عكس المنافقين القادرين المتخلفين، هذه العناصر، كانت تتوق وتتحرق شوقًا إلى مشاركة الرسول - ﷺ - الغزو، حيث كانت قادرة نفسيًا وجسديًا على المشاركة، ولكنها لفقرها لم تكن قادرة ماديًا، فليس لديها لا من الإعاشة ولا من وسائل النقل ما يمكنها من الاشتراك في الغزو الذي ندب الرسول - ﷺ - إليه المسلمين.
فجاءت هذه العناصر (وهم سبعة رجال) إلى الرسول - ﷺ - لعلهم يجدون عنده ما يمكنهم من الاشتراك في الغزو، ولكن الرسول - ﷺ - وهو الصادق المصدوق - أبلغهم أنه ليس لديه ما يحقق رغبتهم، فرجعوا يبكون تحسرًا على ما سيفوتهم من شرف الجهاد في سبيل الله.
قال ابن إسحاق: ثم أن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله - ﷺ -، وهم البكَّاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، وهم من
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣.
[ ١٠ / ٦٨ ]
بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير (١) وعلبة بن زيد (٢) أخو بني حارثة، وأبو ليلى (٣)، عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن من بني النجار، وعمرو بن حمام بن الجموح (٤) أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفّل المزني (٥)، وهرمى بن عبد الله (٦) أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري (٧)،
_________________
(١) هو سالم بن عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرؤ القيس بن ثعلبة بن عمر بن عوف الأنصاري العوفي حضر بيعة العقبة وشهد بدرًا وبقية المشاهد مع رسول الله - ﷺ - إلا غزوة تبوك هذه لعدم قدرته المادية وهو من البكائين الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن الكريم. توفى سالم خلافة معاوية.
(٢) هو علبة بن زيد بن صيفى الخزرجى الأنصاري من البكائين الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. كما جاء في القرآن. روى عبد المجيد بن أبي عبس بن جبر قال: لما حض رسول الله - ﷺ - على الصدقة جاء كل منهم بطاقته، فقال علبة بن زيد ليس عندي ما أتصدق به اللهم إني أتصدق بعرضى على من ناله من خلقك. فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله ﷿ قد قبل صدقتك.
(٣) هو عبد الرحمن بن كعب أبو ليلى من بني مازن من بني النجار قال ابن الأثير شهد بدرًا وهو من أفاضل الصحابة.
(٤) هو عمرو بن الحمام الأنصاري من بني سلمة وقال جعفر المستغفرى: يقال: إنه استشهد يوم أحد ودفن هو وعبد الله بن عمرو أبو جابر في قبر واحد وسمى قبر الأخوين، وكانا متصافيين. قال أبو موسى: الذي دفن مع عبد الله إنما هو عمرو بن الجموح. قال ابن الأثير في أسد الغابة وهو الصحيح وما عداه ليس بشيء.
(٥) هو عبد الله بن مغفل بن عبد غنم وقيل: عبد نهم، المزني من بني أدبن طابخة ويكنى أبا سعيد، حضر الحديبية وهو من أصحاب الشجرة، كان من سكان بادية مزينة، ومزينة قبيلة باسلة مباركة لها مواقف رائعة مشرفة في الإسلام فهي التي بمساندة النعمان بن مقرن وبقيادة الخليفة الصديق شاركت مشاركة فعالة في حماية المدينة من احتلال المرتدين العرب (طليحة بن خويلد وعيينة بن حصن وقومهُما) .. سكن عبد الله بن مغفل المدينة ثم تحول إلى البصرة، وهو أول من دخل باب مدينة (تستر) في فارس لما فتحها المسلمون. كان من رواة الحديث .. روى عنه الحسن البصري وأبو العالية ومطرف، ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير وعقبة بن صهبان وأبو الوازع ومعاوية بن قرة وحميد بن هلال وغيرهم .. توفي سنة تسع وخمسين وقيل سنة ستين هـ بالبصرة أيام إمارة عبيد الله بن زياد.
(٦) هو هرمى بن عبد الله بن رفاعة الأوسى الأنصاري الواقفى. كان من السابقين في الإسلام. شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - إلا تبوك.
(٧) هو العرباض بن سارية من بني سليم، روى عنه خلق كثير من التابعين، وهو الذي روى عن رسول الله - ﷺ - الحديث المشهور: (قال وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال رجل يا رسول الله: هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتى وسنة الخلفاء المهديين=
[ ١٠ / ٦٩ ]
فاستحملوا (أي طلبوا ما يحملهم عليه) وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا، وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.
وقد عذر الله هؤلاء الرجال الطيبين وأثنى عليهم في قرآن أنزله فقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣].
* * *
_________________
(١) = الراشدين، عُضُّوا عليها بالنواجذ، توفي العرباض سنة خمس وسبعين.
[ ١٠ / ٧٠ ]
الفصل الثالث
• الجيش النبوي يتحرك نحو الشمال.
• شأن البكَّائين الذين عذرهم الرسول - ﷺ -.
• أن الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن الجيش النبوي.
• أعمال المنافقين المشينة داخل الجيش.
• مرور الجيش بديار ثمود والنهي عن دخولها.
• وصول النبي - ﷺ - بالجيش إلى تبوك.
• عدم وجود أي أثر للرومان على الحدود.
• النبي يخطب كخطبة حجة الوداع.
[ ١٠ / ٧١ ]
كان الرسول - ﷺ - من عادته أن يأمر بأن يعسكر الجيش بناحية الجرف شمالي المدينة وخاصة إذا كان يريد الشمال، وقد أقام معسكره بالجرف حتى تكامل حشد الجيش وتم تجهيزه وهو (بعد انسلاخ الرتل الخامس من المنافقين عنه) ثلاثون ألفًا، فيهم أيضًا قليل من عناصر النفاق، بقوا في الجيش بقصد الإرجاف، بل وحاولوا اغتيال الرسول - ﷺ - وهو عائد من تبوك منتصرًا، كما سيأتي تفصيله في محله من هذا الكتاب.
وبعد أن تكامل حشد الجيش في الجرف، عين قادته وحملة الرايات والألوية، وكان أبرز القادة من حملة الرايات والألوية أربعة وهم:
١ - أبو بكر الصديق وأعطاه الرسول - ﷺ - لواءه الأعظم، وهذا يعني أن أبا بكر كان بعد رسول الله - ﷺ - يحمل أعلى رتبة عسكرية في الجيش.
٢ - الزبير بن العوام، ودفع إليه الرسول - ﷺ - رايته العظمى، وهذا يعني أن الزبير يأتي في الرتبة العسكرية بعد أبي بكر الصديق، لأن اللواء أعظم من الراية.
٣ - وبعدهما يأتي في مرتبته العسكرية في الجيش أسيد بن حضير الذي دفع إليه الرسول - ﷺ - راية الأوس.
٤ - أبو دجانة، سماك بن خرشه، بطل أحد المشهور (١)، أعطاه الرسول - ﷺ - راية الخزرج، وهم في العدد (دائما) أكثر من الأوس.
٥ - زيد بن ثابت -وكان شابًّا- أعطاه الرسول راية بني مالك بن النجار من الخزرج، وهي تعتبر راية ثانية بالنسبة للراية التي يحملها أبو دجانة. وكان الرسول - ﷺ - قد أعطى راية بني النجار عمارة بن حزم، ثم أخذها منه وأعطاها زيد بن ثابت، فقال عمارة: يا رسول الله لعلك وجدت على (أي غضبت)؟ . قال: لا والله، ولكن
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٣.
[ ١٠ / ٧٢ ]
قدموا القرآن، وكان (أي زيد) أكثر أخذًا للقرآن منك، والقرآن يقدم وإن كان عبدًا مجدّعًا.
ولم يذكر أحد من المؤرخين التفاصيل الوافية عن أمراء الكتائب وحملة الرايات الفرعية من المهاجرين والأنصار وبقية القبائل، كما فعلوا في فتح مكة.
غير أن هؤلاء المؤرخين ذكروا أن الرسول - ﷺ - عند تعبئة الجيش- اتبع تقريبًا، في التعبئة نفس الطريقة التي اتبعها عند تعبئة الجيش في قديد وهو في طريقه إلى مكة.
فقد ذكر هؤلاء المؤرخون أن الرسول - ﷺ - عند تعبئة الجيش وتنسيق قواته- أمر كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواءا وراية، والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية، وأمر الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذًا للقرآن، وكان أبو زيد يحمل راية بني عمرو بن عوف، وكان معاذ بن جبل (١) بحمل راية بني سلمة (٢).
سلاح الفرسان في الجيش:
كان سلاح الفرسان في ذلك العصر، هو أقوى سلاح يعتمد عليه المحارب وخاصة العرب، لأن الخيل أهم وسيلة لحرب الصاعقة التي لا يجيد العرب البدو مثلها، لأنهم نشأوا عليها، وكانت بلادهم الصحراوية الواسعة أصلح مكان لتربية الخيل والتدرب على متونها لحرب الصاعقة، وكان سلاح الفرسان من حيث أهميته في ذلك العصر، يمكن تشبيهه (في هذا العصر) بسلاح المدرعات، لأن المحاربين دائمًا في ذلك العصر يستخدمون سلاح الفرسان في المقدمة تمامًا كالمدرعات اليوم.
ولأهمية الحملة التي سيقوم بها النبي - ﷺ - ولكونه عازمًا على مواجهة قوات إمبراطورية تملك من الإمكانات العسكرية على مختلف المستويات الشيء العظيم، حرص على أن يكون سلاح الفرسان في جيش
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة حنين).
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٣.
[ ١٠ / ٧٣ ]
سلاحًا قويًّا، وهذا هو الذي تحقق، فقد كان ثلث الجيش من الفرسان، والبقية من الهجانة (راكبي الإبل)، والإبل لها أهميتها في حرب الصاعقة التي لا يفزع الرومان والفرس شيء مثلها، إلا أن الإبل تأتى -بعد الخيل- في المرتبة الثانية، فهي من حيث القوة والفعالية في القتال تشبه نصف المجنزة بالنسبة للدبابة، إذا استثنينا تفوق الخيل على الجمال في سرعة الحركة والقدرة على قفز الخنادق وتسلق التلال والانحدار منها أثناء القتال، وجيش ثلثه من الفرسان، هو بالنسبة للمسلمين أبناء الصحراء يدل على تطور عظيم في تسلح الجيش النبوي، يجعله -عند التحرك إلى تبوك- في مصاف جيوش فارس والروم.
فإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلًا، وجدنا أن المسلمين في أول معركة خاضوها وهي معركة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، ليس معهم سوى فرس واحد أو فرسان، كما أنه لم يكن لديهم من سلاح الفرسان يوم أحد سوى فرس واحد.
وأعظم مجموعة من سلاح الفرسان تتكون في العهد النبوي -قبل تبوك- المجموعة التي كانت في فتح مكة وغزوة حنين، هي ألفان وأربعمائة وثمانون فارسًا، وذلك في السنة الثامنة للهجرة، ولا شك أن التطور في سلاح الفرسان في الجيش النبوي كان سريعًا -ولعل ذلك راجع إلى دخول كثير من أبناء البادية في الإسلام الذين لا يحرصون على شيء مثل حرصهم على اقتناء الخيل- فبعد أقل من سنة تطور سلاح الفرسان في الجيش النبوي (إذن) من ألفين وأربعمائة وثمانين فارسًا إلى عشرة آلاف فارس، حيث كان فتح مكة وغزوة حنين في السنة الثامنة الهجرية وغزوة تبوك في السنة التاسعة.
قال الواقدي في مغازيه ج ٣ ص ١٠٠٢: قالوا: وكان مع رسول الله - ﷺ - ثلاثين ألفًا، ومن الخيل عشرة آلاف فرس.
وقد استفاد الرسول - ﷺ - كثيرًا من سلاح الفرسان في غزوة تبوك، حيث استخدم هذا السلاح السريع الحركة في الحرب التي تتطلب قطع مسافات بعيدة، فعندما كان في تبوك وبعد أن حققت الحملة
[ ١٠ / ٧٤ ]
الضخمة أهدافها، بعث الرسول - ﷺ - القائد خالد بن الوليد لإخضاع مملكة دومة الجندل في أربعمائة مقاتل كلهم من الفرسان، وقد تغلبوا على قوات ملك دومة الجندل الأكيدر وأسروا هذا الملك كما سيأتي تفصيله في حينه.
وقبل تحرك الجيش إلى تبوك، أصدر الرسول - ﷺ - أمرًا منع بموجبه اشتراك أي إنسان معه في هذه الغزوة التاريخية ما لم يكن مجهزًا تجهيزًا كاملًا بكل ما يحتاجه للقتال من سلاح وإعاشة ووسيلة نقل من خيل أو جمل، وذلك لبعد المسافة وشدة الحر، فقد ذكر أصحاب السير والمغازى أن النبي - ﷺ - قال: لا يخرج معنا إلا مقو (أي ذو قوّة) فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه، فقال الناس: الشهيد، الشهيد، فبعث رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادى: لا يدخل الجنة إلا مؤمن -أو إلا نفس مؤمنة- ولا يدخل الجنة عاص، كان الرجل طرحه بعيره بالسويداء.
وهكذا وفي شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة فصل الرسول - ﷺ - من المدينة في اتجاه تبوك بجيشه البالغ ثلاثين ألف مقاتل، وفشلت كل محاولات المنافقين التي بذلوها لتمزيق وحدة هذا الجيش وتفريق كلمته كى يفشل الغزو الذي هو أضخم عمل عسكرى يقوم به الرسول - ﷺ - في حياته من حيث كثرة العدد وأهمية الأهداف التي حققها هذا الغزو، وهو إرهاب الإِمبراطورية الرومانية التي تعتبر آنذاك -وبعد انتصارها على إمبراطورية الفرس- أعظم قوة في العالم، حيث سحبت هذه الإِمبراطورية وحداتها العسكرية الضخمة التي كانت قد حشدتها على حدود جزيرة العرب عند تبوك، وذللك بمجرد علمها بوصول الجيش النبوي إلى تبوك.
الأربعة المؤمنون المتخلفون عن رسول الله - ﷺ -.
لم يتخلف أحد من المسلمين الصادقين عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك من غير عذر، سوى أربعة نفر، كلهم من الأنصار، لا
[ ١٠ / ٧٥ ]
عن شك وارتياب، وإنما أدركهم الضعف البشرى وأثر عليهم أكثر من غيرهم، وهؤلاء هم: كعب بن مالك (١)، وهلال بن أمية (٢)، ومرارة بن الربيع (٣)، وأبو خيثمة.
أما أبو خيثمة فقد تغلب على ضعفه البشرى أمام مغريات الحياة، فسارع إلى اللحاق برسول الله - ﷺ - وأما الثلاثة الآخرون، فقد تخلفوا في المدينة وقعد بهم الضعف البشرى، يقولون كل يوم نلحق بالرسول - ﷺ - حتى انتهت مهمة الرسول في تبوك وعاد إلى المدينة، فأمر المسلمين أن يقاطعوهم كتأديب لهم، لأنهم تخلفوا عن الجيش والتجنيد فيه إجبارى، وظل المسلمون لا يكلمون الثلاثة حتى لاقوا من العذاب النفسى المدمر ما الله به عليم وذلك تمحيص لهم، وبقوا هكذا نيفا وخمسين ليلة حتى نزل القرآن يعلن توبتهم، لأنه لم تكن هناك أية شائبة تشوب إيمانهم وإسلامهم في أية ناحية، ولكن الإنسان خطاء والله يقبل التوبة عن عباده، وسنأتى على قصة هؤلاء الثلاثة المخلفين الكرام فيما يأتي من فصول هذا الكتاب إن شاء الله.
أما أبو خيثمة الذي هزم نفسه الأمارة بالسوء وسحق مقاومة الضعف البشرى في نفسه، فلنتركه هو، يحدثنا عن قصته الشيقة ففيها عبر كثيرة، ففيها أن كل إنسان -حتى خيار الناس من الصحابة- يمسك الشيطان بمقوده، ولكن المهم كيف يتمكن المؤمن انتزاع مقوده من الشيطان بعد أن أمسك به كما فعل أبو خيثمة الذي تغلبت قوة وجدانه الإِسلامي على ضعفه الإِنسانى البشرى، فترك الشيطان -بعد أن ظفر به- يتميز من الغيظ.
كان أبو خيثمة مؤمنا لا يتهم في إسلامه ولا يغمص عليه، فرجع بعد أن سار رسول الله - ﷺ - عشرة أيام حتى دخل على امرأتين له في يوم حار، فوجدهما في عريشين لهما، قد رشت كل واحدة منهما عريشها
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) هو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم الأوسى الأنصاري شهد بدرًا وأحدًا كان قديم الإسلام، كان يكسر أصنام بني واقف وكانت مع رايتهم يوم الفتح.
(٣) هو مرارة بن الربيع بن ربعي بن عدي بن زيد الأوسى الأنصاري شهد بدرًا.
[ ١٠ / ٧٦ ]
وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما انتهى إليهما قام على العريشين فقال: سبحان الله، رسول الله - ﷺ - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، في الضح (بكسر أوله، والضح ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض) والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيأ وامرأتين حسناوين، مقيم في ماله، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى أخرج فألحق برسول الله - ﷺ - فأناخ ناضحه (١) وشد عليه قتبه وتزود وارتحل، فجعلت امرأتاه يكلمانه ولا يكلمهما، حتى أدرك عمير بن وهب الجمحى (٢) بوادى القرى يريد النبي - ﷺ -، فصحبة فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة: يا عمير إن لي ذنوبًا، وأنت لا ذنب لك، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله - ﷺ - قبلك، ففعل عمير، فسار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله - ﷺ - نازل بتبوك- قال الناس: هذا راكب الطريق، قال رسول الله - ﷺ -: كن أبا خيثمة. فقال الناس: يا رسول الله، هذا أبو خيثمة، فلما أقبل فسلم على النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: أولى لك يا أبا خيثمة، ثم أخبر رسول الله - ﷺ - الخبر، فقال له رسول الله - ﷺ - خيرًا ودعا له.
وكان فيمن تخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك ثم لحق به، أبو ذر الغفاري (٣) ذلك بسبب ضعف بعيره الذي كان يركبه، والذي -لهزاله- عجز عن المشي، فتركه ولحق (مشيا على الأقدام) برسول الله - ﷺ -.
فقد قال الواقدي: وكان أبو ذر يقول: أبطأت في غزوة تبوك من أجل بعيرى، كان نضوا (٤) أعجف، فقلت: أعلفه أيامًا ثم ألحق برسول الله
_________________
(١) الناضح الجمل المعد للركوب.
(٢) انظر ترجمة عمير بن وهب الجمحى في كتابنا (غزوة بدر).
(٣) انظر ترجمة أبي ذر في كتابنا (صلح الحديبية).
(٤) قال في النهاية: النضو (بكسر النون) الدابة التي أهزلتها الأسفار وأهبت لحمها.
[ ١٠ / ٧٧ ]
- ﷺ - فعلفته أيامًا ثم خرجت، فلما كنت بذى المروة (١) (قرية بوادى القرى) عجز، فتلومت عليه يومًا، فلم أر به حركة، فأخذت متاعى فحملته على ظهرى، ثم خرجت أتبع رسول الله - ﷺ - ماشيا في حر شديد، وقد تقطع الناس فلا أرى أحدًا يلحقنا من المسلمين، فطلعت على رسول الله - ﷺ - نصف النهار وقد بلغ منى العطش، فنظر ناظر من الطريق فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: كن أبا ذرّ، فلما تأملنى القوم قالوا: يا رسول الله، هذا أبو ذر، فقام رسول الله - ﷺ - حتى دنوت منه فقال: مرحبًا بأبي ذر، يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده، فقال: ما خلفك يا أبا ذر؟ فأخبره خبر بعيره، ثم قال: إن كنت لمن أعز أهلى على تخلفًا، لقد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتنى، ووضع متاعه عن ظهره ثم استسقى، فأتى بإناء من ماء فشربه (٢).
الطريق الذي سلكه الرسول إلى تبوك:
تقع تبوك -التي هي هدف الرسول ﷺ من التحرك- شمال المدينة، في الركن الشمالي الغربي من جزيرة العرب، فهي على حدود الشام الجنوبية، وتقع اليوم جنوب غربي المملكة الأردنية الهاشمية. وتبعد تبوك عن المدينة حوالي ستمائة ميل أي ما يقارب تسعمائة كيلو مترًا.
فكان من البدهى أن ينطلق الرسول - ﷺ - بجيشه من شمال المدينة، فقد عسكر في الجرف الواقع على بعد ثلاثة أميال شمال المدينة غربي أحد، ومن هناك بدأ التحرك بجيشه نحو الشمال.
وكان أول منزل نزله بجيشه -بعد الجرف- ذا خشب (٣)، ويظهر أن الرسول - ﷺ - كان في رحلته هذه يسير الليل ويستريح النهار، وقد يكون ذلك
_________________
(١) ذو المروة: قرية بوادى القرى الشهرى.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٠.
(٣) ذو خشب (بضم أوله وثانيه) قال ياقوت: واد على مسيرة ليلة من المدينة، والخشب أيضًا من أودية العالية باليمامة، وهو الخشن الغليظ من الجبال، ويقال: هو الذي يرتقى فيه.
[ ١٠ / ٧٨ ]
راجعًا إلى شدة حرارة الشمس، فقد ذكر المؤرخون أن الرسول - ﷺ - في تحركه الأول صبّح ذا خشب، وهي مكان -كما قال ياقوت في معجمه- تبعد مسافة ليلة عن المدينة.
ومنذ نزل الرسول - ﷺ - ذا خشب، وهو يجمع بين الظهر والعصر في منزله، يؤخر الظهر حتى يبرد (بضم الياء)، ويعجل العصر، ثم يجمع بينهما، وكان يفعل فعله ذلك حتى رجع من تبوك.
ولم يذكر المؤرخون بالتفصيل والترتيب المنازل التي نزلها فبات أو برد فيها وهو في طريقه إلى تبوك، غير أنه من معرفة أسماء المساجد التي أحصاها المؤرخون والتي صلى فيها الرسول - ﷺ - ونسبوها إليه وعددها خمسة عشر مسجدًا يمكن معرفة أسماء المنازل التي استراح أو بات فيها - ﷺ -.
فقد ذكر أصحاب السير أن مساجده في سفره إلى تبوك معروفة وهي:
١ - مسجد صلى فيه تحت الدومة بذى خشب.
٢ - مسجده في الفيفاء (١).
٣ - مسجد في المروة (٢).
٤ - مسجد بالسقيا (٣).
٥ - مسجد بوادى القرى (٤).
٦ - مسجد بالحجر (٥).
٧ - مسجد بذنب حوصاء (٦).
_________________
(١) الفيفاء بفتح أوله: هو مكان في نواحى وادي العقيق والفيفاء اسم لعدة مواضع.
(٢) تقدم أن المروة: قرية بوادى القرى.
(٣) قال ياقوت: السقياء قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا، قلت وهذه إنما تقع في الجنوب بين مكة والمدينة، والسقيا المذكورة هنا لا شك أنها شمال المدينة، ولم أو أحدًا من أصحاب المعاجم حددها.
(٤) انظر أوسع التفاصيل عن وادي القرى في كتابنا (غزوة خيبر).
(٥) الحجر (بكسر الحاء) هنا هو -كمال الأصطخرى- مكان في وادي القرى.
(٦) لم أر أحدًا من أصحاب المعاجم حدد مكانه.
[ ١٠ / ٧٩ ]
٨ - مسجد بذى الجيفة (١).
٩ - مسجد بشق تاراء مما يلي جوبر (٢).
١٠ - مسجد بذات الخطمى (٣).
١١ - مسجد بسمنة (٤).
١٢ - مسجد بالأخضر (٥).
١٣ - مسجد بذات الزّراب (٦).
١٤ - مسجد بالمدران.
١٥ - مسجد بتبوك.
وفي أيام التحرك إلى تبوك، صدرت من الرسول - ﷺ - تصرفات، وصدرت منه تصريحات صارت تشريعًا، اتخذه فقهاء السنة ودونوه في مؤلفاتهم ليعمل به، من ذلك:
١ - جواز تأخير صلاة الظهر في أوقات الحر الشديد حتى يبرد الجو، وهذا أمر جائز وقد يكون سنّة، والشافعية (فيما أعتقد) يعتبرون هذا سنة، وذلك أن الرسول كان (كما في غزوة تبوك) يؤخر الظهر حتى يبرد، ويعجل العصر، ثم يجمع بينهما، وكان من سنته الفعلية - ﷺ - أنه إذا كان على سفر، يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم إذا أدركه الظهر أو المغرب وهو نازل، أما إذا أدركه أحدهما بعد أن يتحرك في سفره فإنه يؤخر الظهر والمغرب ثم يجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء جمع تأخير.
٢ - روى أن النبي - ﷺ - بينما كان في مسيره مرّ على بعير من العسكر، قد تركه صاحبه من العجف والضعف فمرّ به مارّ، فأقام
_________________
(١) قال ياقوت: هو مكان بين المدينة وتبوك ولم يزد على هذا شيئًا.
(٢) لم أر أحدًا من أصحاب المعاجم حدد مكانه.
(٣) ذات الخطمى (بسكر الخاء) قال ياقوت: موضع فيه مسجد لرسول - ﷺ -، ولم يحدد مكانه.
(٤) سمنة (بضم أوله وسكون ثانيه) قال ياقوت: ماء بين المدينة والشام.
(٥) لم يحدد أحد من المختصين مكانه.
(٦) لم يحدد المختصون مكانه.
[ ١٠ / ٨٠ ]
عليه وعلفه أيامًا، ثم حوله إلى منزله، فصلح البعير فسافر عليه، فرآه صاحبه الأول، فاختصما إلى النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - من أحيى خفًا (أي جملًا) أو كراعًا (أي خيلًا) بمهلكة من الأرض فهو له (١).
المنافقون في الجيش:
ورغم انسلاخ عبد الله بن أُبَيّ وجماعة من المنافقين عن الجيش قبل أن يترك المدينة، فقد بقيت عناصر من المنافقين داخل هذا الجيش، خرجوا مع رسول الله - ﷺ -، لم يخرجوا إلا بقصد المشاركة في الغنيمة، وبقصد التخريب والإرجاف وإحداث التشويش بين مختلف وحدات الجيش، بل وبقصد اغتيال الرسول - ﷺ - حيث قاموا بمحاولة الاغتيال هذه فعلًا، كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.
قال الواقدي: ولما مضى رسول الله - ﷺ - من ثنية الوداع سائرةً، فجعل يتخلف عنه الرجال فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، فخرج معه ناس من المنافقين كثير، لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة (٢).
وذكر أصحاب المغازي والسير أن رسول الله - ﷺ - سأل أبا رهم الغفاري (٣) عن جماعة من الأعراب تخلفوا في باديتهم عن غزوة تبوك، مع سماعهم دعوة الاستنفار العام للجهاد وقدرتهم على الغزو، فقد روى الواقدي أن أبا رهم الغفاري قد بايع النبي - ﷺ - تحت الشجرة في الحديبية، فقال أبو رهم: غزوت مع رسول الله - ﷺ - تبوكًا. قال: فسرت ذات ليلة معه ونحن بأخضر، وأنا قريب من رسول الله - صلى الله
_________________
(١) مغازي الواقدي، ج ٣ ص ١٠٠٢.
(٢) مغازي الواقدي، ج ٣ ص ١٠٠٠.
(٣) اسم أبو رهم كلثوم بن حصين وهو من غفار، من مشاهير الصحابة، ولكنه لم يشهد بدرًا ولا أحدًا، وكان ممن بايع تحت الشجرة في الحديبية، ولّاه الرسول - ﷺ - إمارة المدينة في حال غيابه مرتين، مرة في عمرة القضاء، ومرة في عام الفتح، وكان يسكن المدينة.
[ ١٠ / ٨١ ]
عليه وسلم وألقى على النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتى من راحلة رسول الله - ﷺ - فيفزعنى دنوها منه خشية أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتى غلبتنى عيناى في بعض الطريق، ونحن في بعض الليل، فزاحمت راحلتى راحلته، ورجله في الغرز، فما استيقظت إلا بقوله: حس (بكسر الحاء) -كلمة تقولها العرب عند الألم- فقلت: يا رسول الله استغفر لي. فقال - ﷺ -: سر، فجعل يسألنى عمن تخلف من بني غفار فأخبره بهم، وهو يسألنى ما فعل النفر الحمر النطانط (١)، فحدثته بتخلفهم. قال: فما فعل النفر السود القصار الجعاد الحلس (٢)، فقلت: يا رسول الله والله يا رسول الله ما أعرف هؤلاء. قال: بلى، الذين هم بشبكة شدخ (٣). قال: فتذكرتهم في بني غفار فلا أذكرهم، ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا فينا، وكانوا يحلّون بشبكة شدخ، لهم نعم كثير، فقلت: يا رسول الله، أولئك رهط من أسلم حلفاء لنا. فقال رسول الله - ﷺ -: ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل بعيرًا من إبله رجلًا نشيطًا في سبيل الله ممن يخرج معنا؟ فيكون له مثل أجر الخارج، إن كان لمن أعز أهلى عليّ أن تخلف عنى المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم (٤).
أدْرِكْ القوم فإنهم قد احترقوا:
كلمة قالها الرسول الذي لا ينطق عن الهوى - ﷺ -، عندما بلغه ما فاه به المنافقون والجيش يتحرك نحو تبوك، فقد كانت (كما تقدم) عناصر من فئة عبد الله بن أبي المنافقين منخرطين في سلك الجيش النبوي، وقد واكبت هذه العناصر الجيش وكانت تحسب ضمن وحداته حتى عاد من تبوك.
هذه العناصر المشبوهة المدسوسة بين مختلف فصائل الجيش، كانت -والجيش في طريقه إلى تبوك- تقوم بدور السخرية بقادة المسلمين وفضلاء
_________________
(١) النطانط، جمع نطناط، وهو الطويل المديد القامة.
(٢) الحلس جمع أحلس وهو الذي لونه بين السواد والحمرة.
(٣) شبكة شدخ اسم مكان، وفي السهيلى بشبكة شرخ.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٢.
[ ١٠ / ٨٢ ]
المهاجرين والأنصار وتذيع نشرات شفوية بين صفوف الجيش عن عظمة وقوة الجيش الروماني فتصور في نشراتها هذا الجيش الروماني وكأنه جيش لا يقهر، حتى يبدو، وكأن هذه العناصر المنافقة المشبوهة جهاز استخبارات سرى مكلف من قبل قيادة الرومان بإذاعة ما تذيعه عن عظمة الجيش الروماني، كما أن هذه العناصر المدسوسة، تحاول بما تذيع من إرجاف، إضعاف ثقة الجيش الإِسلامي في نفسه، وذلك بقصد إحلال روح الهزيمة محل هذه الثقة التي يمتاز بها جيش الإِسلام دائمًا.
فقد ذكر أصحاب الحديث والمغازى ذلك، فقالوا: كان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي - ﷺ - في تبوك، منهم وديعة بن ثابت، أحد بني عمرو بن عوف، والجلاس بن سويد بن الصامت، ومخشى بن حمير من أشجع، حليف لبنى سلمة، وثعلبة بن حاطب. فقال: تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال -إرجافًا برسول الله - ﷺ - وترهيبًا للمسلمين- وقال وديعة بن ثابت -مستهزئًا بخيرة أصحاب الرسول - ﷺ -: ما لي أرى قرّاءنا هؤلاء أوعبنا بطونًا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؟ وقال الجلاس بن سويد، وكان زوج أم عمير، وكان ابنها عمير يتيمًا في حجره: هؤلاء سادتنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، والله لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، والله لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا ننفلت من أن ينزل فينا القرآن بمقالتكم.
فقال رسول الله - ﷺ - لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا، فذهب إليهم عمار فقال لهم: فأتوا رسول الله - ﷺ - يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله - ﷺ - على ناقته، -وقد أخذ بحقب ناقة النبي - ﷺ - ورجلاه تنسفان الحجارة وهو يقول-: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ولم يلتفت إليه رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ
[ ١٠ / ٨٣ ]
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١).
قالوا: ورد عمير على الجلاس ما قال -حين قال: لنحن شر من الحمير- قال: فأنت شر من الحمار، ورسول الله - ﷺ - الصادق وأنت الكاذب.
وجاء الجلاس إلى النبي - ﷺ - فحلف ما قال من ذلك شيئًا، فأنزل الله ﷿ على نبيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢).
وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه، وكان محتاجًا، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أخذها له فاستغنى بها.
توبة مخشى بن حمير:
وقال مخشى بن حمير: قد والله يا رسول الله قعد بي اسمى واسم أبي، فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشى بن حمير، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن أو عبد الله، وسأل الله ﷿ أن يقتل شهيدًا ولا يعلم بمكانه، فقتل يوم القيامة فلم يوجد له أثر.
ويقال في الجلاس بن سويد: إنه كان ممن تخلف من المنافقين في غزوة تبوك، فكان يثبط الناس عن الخروج، وكانت أم عمير تحته، وكان عمير يتيمًا في حجره ولا مال له، فكان يكفله ويحسن إليه، فسمعه وهو يقول: والله لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، فقال له عمير: يا جلاس، قد كنت أحب الناس إلي، وأحسنهم عندي أثرًا، وأعزهم عليّ أن يدخل عليه شيء نكرهه، والله، لقد قلت مقالة لئن ذكرتها
_________________
(١) التوبة آية ٦٥ - ٦٦.
(٢) التوبة آية ٧٤.
[ ١٠ / ٨٤ ]
لتفضحنك، ولئن كتمتها لأهلكن، وإحداهما أهون على من الأخرى، فذكر للنبي - ﷺ - مقالة الجلاس، وكان رسول الله - ﷺ - قد أعطى الجلاس مالا من الصدقة لحاجته وكان فقيرًا، فبعث النبي - ﷺ - إلى الجلاس فسأله عما قال عمير، فحلف بالله ما تكلم به قط، وأن عميرًا لكاذب -وهو عمير بن سعيد- وهو حاضر عند النبي - ﷺ -، فقام وهو يقول: اللهم أنزل على رسولك بيان ما تكلمت به، فأنزل الله على نبيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للصدقة التي أعطاها النبي - ﷺ -، فقال الجلاس: أسمع، الله قد عرض على التوبة، والله لقد قلت ما قال عمير، ولما اعترف بذنبه وحسنت توبته ولم يمتنع عن خير كان يصنعه إلى عمير بن سعيد، فكان ذلك مما عرفت به توبته (١).
المرور بديار ثمود والنهي عن الشرب من بئرها:
وكما هي سياسة الرسول - ﷺ - الحكيمة لم يتخذ أي إجراء ضد عناصر النفاق لكلام التثبيط والكفر والاستهزاء الذي فاهوا به، مع أن القرآن الكريم أدانهم بذلك بعد إنكارهم.
واستمر الرسول - ﷺ - في تحركه نحو تبوك، وأثناء التحرك مر بوادى القرى ذي المزارع الشهيرة والمناخ الجميل، والذي قال فيه الشاعر:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بوادى القرى إني إذن لسعيد
كما مر بالحجر (٢) من ديار ثمود (قوم صالح) وهناك نهى الجيش أن
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٦٨، ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٣ و١٠٠٤ و١٠٠٥، والسيرة الحلبية ج ٢، والطبرى ج ٣ ص ١٠٨.
(٢) الحجر (بكسر الحاء وسكون الجيم) قال ياقوت في معجمه: اسم ديار ثمود بوادى القرى بين المدينة والشام، وقال الأصطخرى: الحجر قرية صغيرة قليلة السكان، وهو من وادي القرى على يوم بين جبال .. وبها كانت منازل ثمود، قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال: ورأيتها بيوتًا مثل بيوتنا في أضعاف جبال، وتسمى الجبال الأثالث، وهي جبال إذا رآها الرائى=
[ ١٠ / ٨٥ ]
يشرب أحد أو يتوضأ من البئر التي كانت ثمود تستقى منها.
وكان ثمود جيل من طغاة البشر عصوا الله وتحدوا رسوله صالح بعد أن كذبوه، وقد جاء ذكر قصتهم وقصة ناقة نبيهم صالح في القرآن، وكانوا قد عقروا هذه الناقة عصيانا وتحديًا لأمر الله تعالى فحل بهم العذاب العاجل حيث أبادهم الله تعالى بالرجفة.
فقد جاء في كتب التاريخ والسير أن الرسول - ﷺ - لما أمسى بالحجر من ديار ثمود، قال: أنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد منكم إلا مع صاحبه، ومن كان له بعير فليوثق عقاله. وحدث ما حذر النبي - ﷺ - منه أصحابه، حيث هاجت ريح شديدة عاصفة، وكما هي تعليمات الرسول القائد - ﷺ - لم يقم أحد إلا مع صاحبه، إلا رجلين من الأنصار من بني ساعدة، خرج أحدهما منفردًا لحاجته، وخرج الآخر منفردًا أيضًا في طلب بعيره.
أما الذي خرج لحاجته فقد أصيب بنوبة خنق شديدة، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فقد احتملته الريح حتى قذفت به في جبلى طئ، فلما أخبر الرسول - ﷺ - بما حدث للرجلين قال: ألم أنهكم أن لا يخرج رجل إلا ومعه صاحب له، ثم دعا بالذي أصيب بالخنق، فشفى مما ألم به، وأما الآخر الذي وقع بجبلى طئ فإن طيئا أعادته إلى النبي - ﷺ - حينما عاد من تبوك إلى المدينة (١).
وكان أبو هريرة يحدِّث يقول: لما مررنا بالحجر استقى الناس من بئرها، وعجنوا فنادى منادى النبي - ﷺ -: لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا للصلاة، وما كان من عجين فاعلفوها الإبل، قال سهل
_________________
(١) = من بعد ظنها متصلة، فإذا توسطها رأى كل قطعة منها منفردة بنفسها، يطوف بكل قطعة منها الطائف وحواليها الرمل، لا تكاد ترتقى، كل قطعة منها قائمة بنفسها لا يصعدها أحد إلا بمشقة شديدة وبها بئر ثمود إلى قال الله فيها وفي الناقة: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
(٢) جوامع السيرة لابن حزم ص ٢٥٢ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥٧ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٦. وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٦٥.
[ ١٠ / ٨٦ ]
ابن سعد (١): كنت أصغر أصحابي وكنت مقريهم في تبوك، فلما نزلنا (أي الحجر من ديار ثمود) عجنت لهم ثم تحينت العجين، وقد ذهبت أطلب حطبًا، فإذا منادى النبي - ﷺ - ينادى: إن رسول الله - ﷺ - يأمركم ألا تشربوا من ماء بئرهم، فجعل الناس يهرقون ما في أسقيتهم، قالوا يا رسول الله قد عجنا. قال: أعلفوه الإِبل. قال سهل: فأخذت ما عجنت فعلفت نضوين فهما كانا أضعف ركابنا.
قال: وتحولنا إلى بئر صالح النبي - ﵇ - فجعلنا نستقى من الأسقية ونغسلها، ثم ارتوينا فلم نرجع يومئذ إلا ممسين، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تسألوا نبيكم الآيات "أي المعجزات"، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم آية فكانت الناقة ترد عليهم من هذا الفلج، تسقيهم من لبنها يوم وردها ما شربت من مائها، فعقروها فأوعدوا ثلاثًا وكان وعبد الله غير مكذوب فأخذخهم الصيحة فلم يبق أحد منهم تحت أديم السماء إلا هلك، إلا رجل في الحرم، منعه الحرم من عذاب الله. قالوا يا نبي الله: من هو؟ قال رسول الله - ﷺ -: أبو رغال أبو ثقيف. قالوا: فما له بناحية مكة؟ قال: إن صالحا بعثه مصدقًا "أي جامعًا للزكاة" فانتهى إلى رجل معه مائة شاة شصص (٢) ومعه شاة والد ومعه صبى ماتت أمه بالأمس. فقال: إن رسول الله - ﷺ - أرسلنى إليك، فقال: مرحبًا برسول الله وأهلا، خذ، قال: فأخذ الشاة اللبون، فقال: إنما هي أم هذا الغلام بعد أمه، خذ مكانها عشرًا، قال: لا، قال: عشرين، قال: لا، قال: خمسين، قال: لا، قال: خذها كلها إلا هذه الشاة، قال: لا، قال: إن كنت تحب اللبن فأنا أحبه، فنثر كنانته ثم قال: اللهم
_________________
(١) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، خزرجى من الأنصار، وكان اسمه حزنا، فسماه الرسول - ﷺ - سهلًا، قال الزهري: توفى الرسول - ﷺ - وسهل ابن خمس عشرة سنة، وقد أدرك سهل ولاية الحجاج، روى عن سهل أئمة التابعين، سعيد بن المسيب والزهرى وأبو حازم وابنه عباس بن سهل وغيرهم، توفى سهل سنة إحدى وتسعين وقد بلغ مائة سنة، ويقال: إنه آخر من بقى من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة، وكان يصبغ لحيته باللون الأصفر، كان يقول: لو مت لم تسمعوا من أحد يقول: قال رسول الله - ﷺ -.
(٢) شصص جمع شصوص بضم الشين: والنصوص، الشاة التي قل لبنها جدا أو ذهب (النهاية ج ٢ ص ٢٢٠).
[ ١٠ / ٨٧ ]
تشهد ثم فوَّق له بسهم فقتله، فقال: لا يسبق بهذا الخبر إلى نبي الله أول منى، فجاء صالحا فأخبره الخبر، فرفع صالح يديه مدًّا فقال: اللهم العن أبا رغال ثلاثًا (١).
النهي عن دخول مساكن ثمود:
وجاء في كتب الحديث والمغازى أن الرسول - ﷺ - وهو بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين -يعني قوم صالح- إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، وفي رواية أنه - ﷺ - قال "وهو بالحجر": لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه (٢) وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٣).
وفي مغازي الواقدي: قال رسول الله - ﷺ -: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيصيبكم ما أصابهم. وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذبين، قال فأعرض عنه واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: إلقه، فألقاه فما أدرى أين وقع حتى الساعة. وكان ابن عمر يقول: إن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه حين حاذاهم "أي المعذبين": إن هذا وادي النفر، فجعلوا يوضعون فيه ركابهم "أي يحثونها لتسرع في المشي" حتى خرجوا منه (٤).
العناصر المشبوهة والتشكيك داخل الجيش:
فيما مضى من هذا البحث ذكرنا أن عناصر الجيش النبوي التحرك نحو تبوك كانت تضم فئات من الرتل الخامس الذين ليس لهم من الإِسلام إلا حمل هويته في الظاهر، وهم المنافقون، والذين تنطبق عليهم كلمة "باطنيين"
_________________
(١) مغازي الواقدي، ج ٣ ص ١٠٠٧.
(٢) قنعه أي غطاه كي لا يرى.
(٣) صحيح البخاري ج ٦ ص ٢٦ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٨.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٨.
[ ١٠ / ٨٨ ]
لأنهم يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر.
وقد كشفهم القرآن الكريم للرسول - ﷺ - في آيات أُنزلت عليه كما تقدم حينما فاهوا بقبيح القول من السخرية والاستهزاء بالله وبرسوله وبأصحابه، ولم ينكروا قبيح صنعهم حينما استجوبهم الرسول - ﷺ -، ولكنهم اعتذروا بأن ما بدر منهم إنما كان باعثه الخوض واللعب فحسب ولكن القرآن أدانهم بالكفر فقال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ الآية، وقد تاب البعض منهم وبقى البعض على كفره الباطنى.
ومع إدانة القرآن لهم بالكفر والإلحاد، فإن الرسول الحكيم - ﷺ - لم يطردهم من الجيش ولم يتخذ ضدهم أيّ إجراء تأديبى، رغم أنه -حسب تعبيرات هذا العصر- في حالة استنفار وطوارئ، واستمرار بقائهم أحرارًا داخل جيش كبير يتحرك للحرب قد يسبب متاعب لهذا الجيش ولقائده الأعلى على وجه الخصوص.
وفعلًا لقد استمر الرسول - ﷺ - وأصحابه الأبرار من أفراد هذا الجيش يعانون الشيء الكثير من المتاعب من هؤلاء المنافقين فقد كانت هذه العناصر الخبيثة التي تنطوى على الكفر وتتظاهر بالإسلام، تغلى مراجل الحقد والحسد في قلوبها المريضة، فقد أقَّضَ مضاجعها واعتصر قلوبها أن تصبح للمسلمين وحدة بهذا التلاحم الصادق الذي لم تشهد جزيرة العرب بل والعالم كله في تاريخه لها مثيلًا، وساء عناصر النفاق الخبيثة هذه أن يكون لمحمد - ﷺ - الذي خرج من مسقط رأسه مستخفيًا خائفًا وحيدًا بعد أن أهدر أهله وعشيرته دمه، وليس معه سوى صاحبه الوفى الصديق الأكبر .. ساء هذه العناصر المنافقة أن تصبح هذه القوة العسكرية الضخمة "ثلاثون ألف مقاتل" تأتمر "في طاعة لا مثيل لها" بأمر محمد - ﷺ - .. هذه القوة التي كانت الأكثرية الساحقة بينها "الأوس والخزرج" مهيئة وفي طريق الإعداد لأن تكون رعية لرجل من هؤلاء المنافقين الذي كان أصحابه "قبل مجئ - ﷺ - إِلي المدينة بقليل" يضعون الترتيبات لتتويجه ملكًا على يثرب وهو عبد الله بن أَبِي سلول سيد الخزرج.
[ ١٠ / ٨٩ ]
فهؤلاء المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ يرون في قرارة أنفسهم الخبيثة أن مجئ الرسول - ﷺ - إلى يثرب ودخول أهلها في الإسلام، قد كان بمثابة انقلاب أبيض "إن صح هذا التعبير" قلب الأوضاع الجاهلية التي كانت قاب قوسين أو أدنى كى يصبح فيها رأس النفاق ملكًا متوجا على يثرب، حيث جاء النبي - ﷺ - إلى المدينة وقوم ابن أبَيّ يرصعون له التاج بالأحجار الكريمة ليضعوه على رأسه (١).
لذا فرأس النفاق والعناصر الموالية له يرون أن الرسول - ﷺ - بنشره الإسلام في يثرب قد سلب زعيهم عبد الله بن أبيّ الملك الذي كانوا يهيئونه للتربع على عرشه، من هنا جاء إيغال هؤلاء المنافقين في الكيد للإسلام والنبي - ﷺ - بهدف تفتيت وحدة المسلمين وتشتيت شملهم، عسى أن يقوم على أنقاض وحدتهم -التي أقامها الإسلام- الملك الذي يطمع فيه عبد الله بن أبيّ.
ولقد كان المنافقون -منذ أن تشرفت المدينة بمقدم الرسول الأعظم - ﷺ - وهم يعملون ضد الوضع الجديد الذي أقامه الإسلام، فيحيكون الدسائس والمؤامرات ضد الرسول - ﷺ - في كل مناسبة تسنح لهم، ولكنهم في غزوة تبوك وسعوا من أنشاطاتهم التخريبية وقاموا ضد النبي - ﷺ - بأعمال خطيرة جدًّا بلغت حد محاولة اغتياله، وهي أعمال لم يجزؤ المنافقون على القيام بمثلها في الماضي.
فمن أعمالهم التخريبية التشكيكية، محاولتهم إشاعة الريب بين عناصر الجيش في صدق نبوة الرسول - ﷺ -، فقد حدث أن عسكر الجيش النبوي بمنطقة ليس بها ماء وهو في طريقه إلى تبوك، فتعرض الجيش "وهو ثلاثون ألفًا" لعطش شديد، فأبلغوا الرسول - ﷺ - خطورة الحالة، فتوجه الرسول - ﷺ - إلى ربه بالدعاء فأكرمه بمعجزة، حيث أنزل الله تعالى الغيث فارتوى الجيش بالماء وسقوا خيلهم
_________________
(١) انظر قصة عبد الله بن أبي ومحاولة تتويجه في كتابنا الأول (غزوة بدر الكبرى).
[ ١٠ / ٩٠ ]
وإبلهم وسكنت نفوسهم، وكان بإمكان عناصر النفاق في الجيش النظر في هذه المعجزة ليعتبروا بها كدليل من الأدلة على صدق نبوة محمد - ﷺ -، ولكنهم تمادوا في كفرهم وعنادهم، وقالوا: إنما حدث ذلك صدفة.
فقد روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - -وهو في طريقه إلى تبوك- أصبح ذات يوم ولا ماء مع الجيش، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - على غير ماء "أي الرسول وجيشه لم يكونوا بذات أرض بها آبار أو منابع للمياه" قال عبد الله بن أبي حدرد (١): فرأيت رسول الله - ﷺ - استقبل القبلة فدعا -ولا والله ما أرى في السماء سحاب- فما برح رسول الله - ﷺ - يدعو حتى أنى لأنظر إلى السحاب يأتلف من كل ناحية، فما رام مقامه حتى سحت علينا السماء بالرواء، فكأنى أسمع تكبير رسول الله - ﷺ - في المطر، ثم كشف الله السماء عنا من ساعتها وإن الأرض إلا غدر تناخس (٢) فسقى الناس وارتووا عن آخرهم، واحتملوا ما يحتاجون إليه، وأسمع رسول الله - ﷺ - يقول: أشهد أنى رسول الله.
وروى عن الفاروق عمر بن الخطاب أنه قال: خرجنا في حر شديد فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى إن الرجل لينحر بعيرة فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقى على كبده، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله قد عودك الله من الدعاء خيرًا، فادع الله لنا. قال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فدعا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس.
قال عبد الله بن أبي حدرد: قلت لرجل من المنافقين: ويحك أبعد هذا شيء؟ فقال: سحابة مارة، وهو أوس بن قيظى (٣).
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزة خيبر).
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٩.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥٨ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ١٠٠٩.
[ ١٠ / ٩١ ]
وحدث يونس بن محمد، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، أنه قال له: هل كان الناس يعرفون أهل النفاق فيهم؟ فقال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أبيه وأخيه وبنى عمه. سمعت جدك قتادة بن النعمان يقول: تبعنا في دارنا قومًا منافقين. ثم من بعد سمعت زيد بن ثابت يقول في بني النجار: من لا بارك الله فيه، فيقال: من يا أبا سعيد؟ فيقول: سعد بن زرارة "وهو غير أسعد بن زرارة الصحابي الفاضل" وقيس بن مهر. ثم يقول زيد: لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فلما كان من أمر الماء ما كان دعا رسول الله - ﷺ - فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، فقلنا: يا ويحك، أبعد هذا شيء؟ فقال: سحابة مارة، وهو والله رجل لك به قرابة يا محمود بن لبيد، قال محمود! قد عرفته (١).
وطوال تحرك الجيش النبوي إلى تبوك استمر المنافقون في محاولاتهم الخبيثة لزعزعة ثقة المسلمين في صدق نبيهم، فلا تأتى مناسبة يرون أنها ملائمة لاستخدامها لتحقيق أهدافهم التشكيكية إلا واغتنموها، غير مبالين باستياء الرسول الأعظم - ﷺ - لتصرفاتهم المشينة المتكررة، ومستغلين سعة حلم الرسول - ﷺ - وصبره عليهم.
فقد صدف وأن حدثت حادثة ازداد لها المؤمنون الصادقون إيمانًا، وزاد لها توغل هؤلاء المشبوهين المنافقين إيغالًا في الكفر وبث الإرجاف والتشكيك في نبوة الرسول - ﷺ -.
فقد روى المؤرخون أنه عندما ارتحل الرسول - ﷺ - بعد حادثة إكرام الله له بإنزال الغيث، نزل منزلًا، وبات فلما أصبح افتقدت ناقته القَصْوى، فخرج بعض أصحابه يبحثون عنها، فاستغل المشبوهون في الجيش هذا الحادث، وحاولوا أن يجعلوا منه منطلقًا لتسريب الشكوك والريب إلى النفوس في صدق نبوة محمد - ﷺ -، فقد ذكر عمارة بن حزم "وهو من أهل بدر استشهد يوم اليمامة" أن رأسًا من رؤوس النفاق وهو زيد بن اللصيت أحد بني قينقاع: اليهود، فتظاهر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٠٩.
[ ١٠ / ٩٢ ]
بالإِسلام، بينما ظل ينطوى على حقد اليهود وبغضهم للرسول ﷺ، رأس النفاق ابن اللصيت هذا كان في رحل عمارة بن حزم، فلما ضاعت ناقة الرسول القَصْوى وانطلق بعض أصحابه يبحثون عنها، قال زيد بن اللصيت: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ .. كلمة خبيثة تحمل شحنة لعينة من متفجرات الريبة والشك أراد هذا المنافق أن يفجرها عسى أن تصيب شظاياها قلوب بعض البسطاء ممن في الجيش فيتلوثون بما تلوث به هذا المنافق وحزبه الخبيث، ولكن الله ﷾ كبت هذا المنافق وأخزاه وأبطل مفعول متفجرات الزيبة والشك التي رمى بها على أسماع العسكر.
فقد بلغ الرسول القائد ﷺ ما قاله هذا المنافق على ملأ من الجيش، فأكد الرسول ﷺ أنه بشر لا يعلم الغيب، ولكنه في الوقت نفسه أكد ﷺ أنه نبي مرسل، والنبي -مع علو مِرتبته فوق كل مرتبة- لا يعلم من أمور الغيب إلا ما أخبره الله به، وأعلن الرسول على ملأ من الجيش أن الله تعالى أخبره. فقال ﷺ: إن منافقا يقول: إن محمدًا يزعم أنه نبي، وأنه يخبركم بأمر السماء، ولا يدرى أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا - الشعب أشار لهم إليه - حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوا بها. فذهبوا فجاءوا بها، وكان عمارة بن حزم حاضرًا، "وهو لا يعلم أن ابن اللصيت هو صاحب المقالة. الخبيثة" فلما جاء عمارة رحله قال لرفاقه: العجب من شيء حدثناه رسول الله ﷺ. إنها عن مقالة قائل أخبره الله عنه. قال": كذا وكذا - الذي قال زيد. قال: فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله - ﷺ -: زيد والله قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا، قال: فأقبل عمارة على زيد بن اللصيت يجأه (١) في عنقه ويقول: والله، إن في رحلي لداهية وما أدرى، أخرج يا عدو الله من رحلى.
_________________
(١) يجأه، قال في النهاية: يضربه.
[ ١٠ / ٩٣ ]
وكان الذي أخبر عمارة زيد أخوه عمرو بن حزم، وكان في الرحل رهط من أصحابه. والذي ذهب فجاء بالناقة من الشعب، الحارث بن خزمة الأشهلى (١)، وجدها وزمامها قد تعلق في شجرة (٢). قال الواقدي: فقال زيد بن اللصيت: لكأنى لم أسلم إلا اليوم، قد كنت شاكا في محمد، وقد أصبحت وأنا فيه ذو بصيرة، وأشهد أنه رسول الله، فزعم الناس أنه تاب (٣).
ولكن خارجة بن زيد (٤) بن ثابت ينكر أن يكون ابن اللصيب قد تاب، فقد كان خارجة يقول: لم يزل زيد بن اللصيت فسلا (٥). حتى مات (٦).
أول من حدا من العرب بالإِبل:
ويذكر الواقدي أن الرسول ﷺ لما صار بوادى المشقق (٧) سمع حاديا في جوف الليل فقال: أسرعوا بنا نلحقه، ورسول الله ﷺ يقول: ممن الحادي، منكم أو من غيركم؟ قالوا: بلى من غيرنا، قال: فأدركه رسول الله ﷺ، فإذا جماعة، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من مضر. قال رسول الله ﷺ: وأنا من مضر، فانتسب حتى بلغ مضر، قال القوم: نحن أول من حدا بالإِبل. فقال النبي ﷺ: وكيف ذلك؟ قالوا: بلى إن أهل الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فأغير على رجل منهم ومعه غلام له، فندت إبله فأمر غلامه أن يجمعها، فقال: لا أستطيع، فضرب يده بعصا،
_________________
(١) هو الحارث بن خزمة بن عدي بن أبي غنم، حليف لبني عبد الأشهل، قال موسى بن عقبة شهد بدرًا وكل المشاهد مع الرسول - ﷺ - توفي سنة ٤٠ هـ في خلافة علي.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٠.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٠.
(٤) خارجة هذا هو ابن زيد بن ثابت الصحابي المشهور، وخارجة أحد الفقهاء السبعة أدرك خلافة عثمان ومات بالمدينة.
(٥) الفسل من الرجال: الرذل.
(٦) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٠.
(٧) المشقق: واد بين المدينة وتبوك كذا جاء في وفاء الوفاء ج ٢ ص ٣٧٤.
[ ١٠ / ٩٤ ]
فجعل الغلام يقول: وايداه، وايداه، وتجتمع الإبل، فجعل سيده يقول: قل هكذا بالإبل، وجعل النبي ﷺ يضحك (١).
نصرة أهل اليمن للإِسلام:
وذكر أصحاب السير والمغازى أن الرسول ﷺ بشر أصحابه "وهو في طريقه إلى تبوك" بأن الله سيكتب الغلبة والنصر للمسلمين على فارس والروم والاستيلاء على ممالكهم وأن أهل اليمن سيكونون قوة ضاربة ذات أثر فعال في نصر الإِسلام بالجهاد. فقد روى أن النبي ﷺ قال لأصحابه - وهم سائرون إلى تبوك -: ألا أبشركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: إن الله أعطانى الكنزين فارس والروم وأمدنى بالملوك ملوك حمير، يجاهدون في سبيل الله ويأكلون في الله (٢).
وهذا من أعلام النبوة، فقد أثبتت الأحداث بعد وفاة النبي ﷺ - وعلى مدى التاريخ المشرق للإِسلام - وخاصة في فتح الشام وأفريقيا أن أهل اليمن كانوا قوة فعالة لإِعلاء كلمة الله، وكانت الإمدادات منهم عظيمة في عهد الخليفة الصديق عندما اجتازت جيوشه حدود الشام والعراق للجهاد وكان أحد قادة الجيوش الأربعة في الشام يمانيًا وهو شرحبيل بن حسنة، كما كان ذو الكلاع الحميرى أحد ملوك حمير أحد قادة الجيوش البارزين في النجدات التي جاءت من اليمن. وفي اليرموك.
النبي يصلى مأمومًا خلف إمام من أصحابه:
وأثناء التحرك إلى تبوك، وبين الحجر وتبوك على وجه التحديد، صلى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، وكانت تلك أول مرة يصلى فيها النبي ﷺ في حياته خلف غيره من المسلمين، فقد جاء في مصادر التاريخ أن الجيش وقت صلاة الصبح انتظروا الرسول ﷺ فتأخر لبعض شأنه، فخاف الجيش أن تطلع الشمس
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١١.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١١.
[ ١٠ / ٩٥ ]
قبل أن يصلوا الصبح، فطلبوا من عبد الرحمن بن عوف أن يؤمهم ليصلوا، ففعل، غير أنه ما كاد يركع الركعة الأولى حتى جاء النبي ﷺ، فنبه المسلمون عبد الرحمن بن عوف لقدوم الرسول ﷺ وذلك عن طريق التسبيح ليتنحى عن مكان الإِمامة للرسول ﷺ ففعل حيث أخذ يتقهقر إلى الصف الأول، فأشار الرسول ﷺ إلى عبد الرحمن بأن يستمر في صلاته "إماما" فامتثل وصلى خلفه الرسول ﷺ مأمومًا، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف تواثب الناس، وقام رسول الله ﷺ يقضى الركعة الباقية .. وفي هذه المناسبة شهد النبي ﷺ بأن عبد الرحمن بن عوف من صالحى أمته، فقد قال - بعد أن فرغ من صلاته -: أحسنتم، أنه لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته (١).
وقفة تشريعية:
وكما هي دائما أقوال وأفعال النبي ﷺ وأفعاله تشريعات وقوانين يعمل بها المسلمون، فإن قولا قاله ﷺ وهم سائرون إلى تبوك في نزاع حدث بين رجلين من أصحابه، صار هذا القول تشريعا عمل به الفقهاء في الجنايات، فقد ذكر أصحاب السير أن يعلى بن منبه (٢) أتى النبي ﷺ برجل أجير له، قد "نازع رجلا من العسكر، فعضه ذلك الرجل، فانتزع الأجير يده من فِيِّ العاض فانتزع ثنيته، فلزمه العاض المجروح، فبلغ به النبي ﷺ لمقاضاته وهو يطمع في التعويض، قال يعلى: وقمت مع أجيرى لأنظر ما يصنع، فأتى بهما النبي ﷺ فقال: يعمد أحدكم فيعض أخاه كما يعض الفحل، فأبطل رسول الله ﷺ ما أصاب من ثنيته (٣)، لأن العاض هو المعتدى، وثنيته إنما انتزعت نتيجة اعتدائه.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٢.
(٢) لعله يعلى بن أمية الصحابي الشهير والبارز ذكره في قضية مقتل الشهيد عمان (انظر أسد الغابة ج ٥ ص ١٢٨).
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٢.
[ ١٠ / ٩٦ ]
الوصول إلى تبوك:
وبعد أن قطع الرسول ﷺ ما يقارب ال ٤٠٠ ميل وصل تبوك، ولم يكن بها من الماء إلا قليل، وقد أكرم الله تعالى رسوله بمعجزة جديدة حيث فجر له هذه العين بالماء الغزير حتى ارتوى الجيش، كما أخبر الرسول ﷺ بعض أصحابه أن تبوك "بعد ذلك الشح في الماء" ستكون ذات بساتين غنّاء، وقد حدث ذلك بالفعل كما هو مشاهد اليوم، وذلك من أعلام النبوة.
فقد جاء في المغازي أن الرسول ﷺ قال: إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تنالوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتى. قال معاذ بن جبل: فجئنا وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الزلال تبضّ (١) بشيء من ماء فسألهما: هل مسستما من مائها شيئًا؟ قالا: نعم، فقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم قليلًا حتى اجتمع في شن (٢) ثم غسل النبي ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجاءت العين بماء كثير فاستقى الناس، ثم قال النبي ﷺ: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مُلِئ جنانا (٣).
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن عروة أن النبي ﷺ حين نزل تبوك وكان في زمان قلّ ماؤها فيه فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض به فاه، ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت فهي كذلك حتى الساعة. وأخرج ابن إسحاق نحوه، وفيه: "فانخرق من الماء حتى كان يقول من سمعه: إن له حسًّا كحس الصواعق - يعني كصوت الرعود - وذلك الماء فوّرة تبوك اليوم (٤).
_________________
(١) بض الماء يبض بضيضًا: سال قليلًا قليلًا.
(٢) الشن "بفتح الشين" القربة الخلقة التي كثر استعمالها.
(٣) الخصائص الكبرى ج ٢ ص ١٠١، تحقيق الدكتور محمد خليل هراس، وأخرجه مسلم عن معاذ بن جبل، والواقدى في المغازي ج ٣ ص ١٠١٣.
(٤) الخصائص الكبرى للسيوطي ج ٢ ص ١٠١.
[ ١٠ / ٩٧ ]
الحرس النبوي في تبوك:
وكان من عادة الرسول ﷺ بصفته القائد الأعلى للجيش، أن يقيم لنفسه حرسًا يحرسون مقره طالما أنه في أرض للعدو، وفي حالة حرب. وكان اثنان من الصحابة اشتهرا بتولى حراسة الرسول ﷺ هما عبّاد بن بشر، ومحمد بن مسلمة، وكلاهما من الأنصار.
وفي تبوك استعمل رسول الله صلى الله عليه زسلم على حرسه - من يوم قدم إلى تبوك حتى رحل عنها - عبّاد بن بشر، فكان عباد يقوم مع رجاله بأعمال الدورية، فيطوف على أصحابه في العسكر، فغدا على رسول الله ﷺ يوما فقال: يا رسول الله ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، أفوليت أحدنا يطوف على الحرس؟ قال رسول الله ﷺ: ما فعلت، ولكن عسى أن يكون بعض المسلمين على خيلنا انتدب، فقال سلكان بن سلامة: يا رسول الله خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا، فكنا نحرس الحرس. فقال رسول الله ﷺ -: رحم الله حرس الحرس في سبيل الله، فلكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة.
وفي غزوة تبوك أجرى الله على يد رسوله ﷺ معجزة أخرى زاد الله بها المؤمنين إيمانًا، فقد ذكر الواقدي ج ٣ ص ١٠٣٤ و١٠٣٥، أن نفرًا من بني سنعد هذيم وفدوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا قدمنا عليك وتركنا أهلنا على بئر لنا قليل ماؤها، وهذا القيظ، ونحن نخاف أن تفرقنا أن نقتطع، لأن الإِسلام لم يفش حولنا بعد، فادع الله لنا في ماء بئرنا، وإن روينا به فلا قوم أعز منا، لا يعبر بنا أحد مخالف لديننا. قال رسول الله ﷺ: أبلغونى حصيات، فتناولت ثلاث حصيات فدفعتهن إليه، ففركهن بيده ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم فاطرحوها واحدة واحدة وسموا، فانصرفوا من عند رسول الله ﷺ ففعلوا ذلك فجاشت بالرواء، ونفوا من قاربهم من المشركين ووطئوهم، فما انصرف رسول الله صلى الله
[ ١٠ / ٩٨ ]
عليه وسلم إلى المدينة حتى أوطأوا من حولهم عليه ودانوا بالإِسلام.
وكان زيد بن ثابت يحدث فيقول: غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك فكنا نشترى ونبيع ر سول الله ﷺ يرانا فلا ينهانا.
وقال رافع بن خديج: أقمنا بتبوك المقام فأرملنا من الزاد وقرمنا إلى اللحم ونحن لا نجده، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن اللحم هاهنا، وقد سألت أهل البلد عن الصيد فذ كروا لي صيدًا قريبًا -فأشاروا إلى ناحية المغرب-، فأذهب فأصيد في نفر من أصحابي؟ قال رسول الله ﷺ: إن ذهبت فاذهب في عدة من أصحابك، وكونوا على خليل، فإنكم تنفرقون من العسكر قال: فانطلقت في عشرة - من الأنصار فيهم أبو قتادة وكان صاحب طرد بالرمح وكنت راميًا فطلبنا الصيد فأدركنا صيدًا، فقتل أبو قتادة خمسة أحمرة بالرمح على فرسه، ورميت قريبًا من عشرين ظبيًا وأخذ أصحابنا الظبيين والثلاثة والأربعة، وأخذنا نعامة طردناها على خيلنا. ثم رجعنا إلى العسكر عشاء ورسول الله ﷺ يسأل عنا: ما جاءوا بعد؟ فجئنا فألقينا ذلك بين يديه. فقال: فرقوه في أصحابكم، قلت: يا رسول الله، أنت مر به رجلًا، قال فأمر رافع بن خديج. قال: فجعلت أعطى القبيلة بأسرها الحمار والظبى، وأفرق ذلك حتى كان الذي صار لرسول الله ﷺ ظبى واحد مذبوح، فأمر به فطبخ، فلما نضج دعا به - وعنده أضياف - فأكلوا ونهانا بعد أن نعود وقال: لا آمن أو قال: أخاف عليكم.
من هو الشهيد في سبيل الله:
وفي غزوة تبوك (وهي أهم حدث عسكرى في التاريخ النبوي الحربي) أعلن الرسول ﷺ على ملأ من أصحابه أن الشهيد ليس الذي يقتل بالسيف والرمح والنبل في المعركة فحسب، بل إن مرتبة إلى الشهيد ينالها كل من يفارق الحياة وهو في حالة الغزو في سبيل الله، مهما كان السبب الذي في وفاته.
[ ١٠ / ٩٩ ]
فقد ذكر المؤرخون أن ذا البجادين المزني "وقد تقدمت قصة إسلامه في هذا البحث" قال: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: أبلغنى لحاء سمرة. فأبلغه لحاء سمرة، فربطها رسول الله ﷺ على عضده وقال: اللهم إني أحرم دمه على الكفار، فقال: يا رسول الله، ليس أردت هذا. قال النبي ﷺ: إنك إذا خرجت غازيًا في سبيل الله فأخذتك الحمّى فقتلتك فأنت شهيد، ووقصتك دابتك فأنت شهيد، لا تبال بأية كان. فلما نزلوا تبوكًا فأقاموا بها أيامًا توفى عبد الله ذو البجادين. فكان بلال بن الحارث يقول: حضرت رسول الله ﷺ ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفًا بها، وإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا أبو بكر وعمر يدليّانه إلى النبي ﷺ وهو يقول: أدنيا إليّ أخاكما، فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه. قال: فقال عبد الله بن مسعود: ليتنى كنت صاحب اللحد (١).
قال الواقدي: وكان عبد الله ذو البجادين هذا من مزينة، وكان يتيمًا: لا مال له، قد مات أبوه فلم يورثه شيئًا، وكان عمه ميلًا (٢) فأخذه وكفله حتى كان قد أيسر، فكانت له إبل وغنم ورقيق، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام، ولا يقدر عليه من عمّه، حتى مضت السنون والمشاهد كلها، فانصرف رسول الله - ﷺ - من فتح مكة، راجعًا إلى المدينة، فقال عبد الله لعمه: يا عم قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدًا، فائذن لي في الإسلام، فقال: والله، لئن
اتبعت محمدًا لا أترك بيدك شيئًا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك حتى ثوبيك. فقال عبد العزى - وهو يومئذ اسمه -: وأنا والله متّبع محمدًا ومسلم، وتارك عبادة الحجر والوثن، وهذا ما بيدى فخذه، فأخذ كل ما أعطاه، حتر جرده من إزاره، فأتى أمه فقطعت بجادًا (٣) لها باثنين فائتزر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٤.
(٢) ميلا. قال في لسان العرب ج ١٤ ص ١٥٩: أي ذا مال.
(٣) البجاد -بكسر الباء- الكساء الغليظ الجافي.
[ ١٠ / ١٠٠ ]
بواحد وارتدى بالآخر، ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان - جبل من حمى المدينة - فاضطجع في المسجد في السحر، ثم صلى رسول الله ﷺ الصبح، وكان رسول الله ﷺ يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فأنكره، فقال: من أنت؟ فانتسب له، فقال: أنت عبد الله ذو البجادين، ثم قال: أنزل منى قريبًا. فكان يكون في أضيافه ويعلّمه القرآن، حتى قرأ قرآنًا كثيرًا والناس يتجهزون إلى تبوك، وكان رجلًا صيّتًا، فكان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقراءة فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع هذا الأعرابى قد منع الناس القراءة؟ فقال النبي ﷺ: دعه يا عمر فإنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله.
وأثناء التحرك إلى تبوك، قالوا: أتينا رسول الله - ﷺ - في مسيره هو مردف سهيل بن بيضاء (١) خلفه، فقال سهيل: ورفع رسول الله - ﷺ - صوته فقال: يا سهيل، كل ذلك يقول سهيل: يا لبّيك، ثلاث مرات، حتى عرف الناس أن رسول الله - ﷺ - يريدهم، فانثنى عليه من أمامه، ولحقه من خلفه من الناس، ثم قال رسول الله ﷺ: من يشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، حرَمه الله على النار (٢).
قصة الجني الذي تمثل في شكل حية:
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الواقدي فقال: كان الناس بغزوة تبوك فعارضهم في مسيرهم حية عظيمة الخلق فانصاع (٣) الناس عنها فأقبلت على رسول الله ﷺ وهو على راحلته طويلًا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة فأقبل الناس، فقال رسول الله ﷺ: تدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم،
_________________
(١) هو سهيل بن بيضاء "وهي أمه" واسم أبيه وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر الفهرى القرشي، هاجر إلى الحبشة ورجع منها، ثم هاجر إلى المدينة فجمع الهجرتين، فهو من السابقين الأولين الأفاضل. قال ابن الأثير: شهد بدرًا وغيرها، ومات بالمدينة في حياة النبي - ﷺ - سنة تسع هـ، وصلى عليه النبي - ﷺ -.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٥.
(٣) أي مالوا.
[ ١٠ / ١٠١ ]
قال: هذا احد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن فرأى عليه من الحق - حين ألم رسول الله ﷺ ببلده - أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام .. فسلموا عليه، فقال الناس جميعا: و- ﵇ - ورحمة الله، يقول الرسول ﷺ: أجيبوا عباد الله من كانوا (١).
النبي يصلى الصبح بعد طلوع الشمس:
ويذكر المؤرخون وأصحاب الحديث أن النبي ﷺ قبل وصوله تبوك بيوم واحد نام ليلته والجيش حتى طلعت الشمس، فصلى بالمسلمين بعد أن امتدت قيد رمح، فقد روى عن عقبة بن، عامر أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك حتى إذا كنا منها على ليلة استرقد رسول الله ﷺ، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، فقال رسول الله ﷺ: يا بلال ألم أقل لك أكلأ لنا (٢) الليل؟ فقال بلال: ذهب بي النوم، ذهب بي الذي ذهب بك، قال: فارتحل رسول الله ﷺ من ذلك المكان غير بعيد، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر، ثم هذب (٣) بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك (٤).
خطبة أشبه بخطبة حجة الوداع:
وفي صبيحة اليوم الذي وصل فيه النبي ﷺ منطقة تبوك
_________________
(١) الخصائص الكبرى ج ٢ ص ١١٠ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٥ وطعن الشيخ محمد خليل هراس في هذه القصة وقال: إنها من الكذب أثناء تعليقه عليها، وأنا شخصيًا لا أرى مسوغًا للطعن في القصة من حيث جوهرها، لأن ذلك ممكن وقد وقع مثله في غزوة الخندق "كما في صحيح مسلم" حيث قتل رجل حية في سقف منزله، فمات القاتل لساعته، فأخبرهم النبي - ﷺ - أن الحية المقتولة كانت جنيًا.
(٢) أحرس لنا.
(٣) هذب: أي أسرع السير (النهاية ج ٤ ص ٢٤٥).
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٦.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
جمع عناصر الجيش -وعددهم ثلاثون ألفا- فألقى فيهم خطبة جامعة تشبه "إلى حد ما" خطبة حجة الوداع المشهورة، حيث تضمنت هذه الخطبة في تبوك الكثير من شرائع الإِسلام والتربية الخلقية.
فقد روى عن عقبة بن عامر (وهو ممن حضر بيعة العقبة وبدرًا) أن قال: لما أصبح النبي ﷺ بتبوك، جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وت وخير الملل ملة إبراهيم ﵇، وخير السنن سنن محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن وخير الأمور عواقبها، وشرّ الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر الأمور المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة. ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرًا (١)، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكم (٢) مخافة الله، وخير ما ألقى في القلب اليقين .. والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جمر جهنم، والسكر من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإِثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنوان، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم. والسعيد من وعظ بغيره، والشقى من شقى في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك العمل خواتمه، والربا ربا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتل المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل (٣) على الله يكذبه، ومن يعف يعف
_________________
(١) الهجر -بضم أوله وسكون ثانيه-: في النهاية في غريب الحديث ج ٤ ص ٢٤٠: هو الخنا والقبيح من القول.
(٢) هكذا في الأصل وهو بمعنى الحكمة، كذا قال في النهاية ج ١ ص ٣٤٦.
(٣) تألى على الله قال في النهاية: أي حكم عليه وحلف.
[ ١٠ / ١٠٣ ]
عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، "ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتى أستغفر الله لي ولكم (١).
وقال الواقدي: وكان رجل من بني عذرة يقال له عدى يقول: جئت رسول الله ﷺ بتبوك فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس يقول: أيها الناس، يد الله فوق يد المعطى، ويد المعطى الوسطى، ويد المعطى (بفتح الطاء) السفلى. أيها الناس، اقنعوا ولو بحزم الحطب، اللهم، هل بلغت؟ ثلاثا. فقلت: يا رسول الله، كانت امرأتان اقتتلتا فرميت فأصبت إحداهما، فرمى في رميتى -يعني ماتت- كما تقول العرب: رمى في جنازته. فقال النبي ﷺ: تعقلها ولا ترثها (٢).
الإيمان يمان:
قالوا: وجلس رسول الله ﷺ في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين ورفع يديه يشير إلى أهل اليمن فقال: الإيمان يمان، ونظر نحو المشرق (وهو العراق بالنسبة لتبوك) وأشار بيده فقال: إن الجفاء وغلظ القلوب في الفدادين (٣) أهل الوبر من نحو المشرق حيث يطلع الشيطان قرنه (٤).
الرسول يتحدث عن فضل الخيل:
وفي تبوك جئ إلى رسول الله ﷺ بجبنة، فقالوا: يا
_________________
(١) مغازى الوافدى ج ٣ ص ١٠١٦ - ١٠١٧، وقد وردت مقاطع كثيرة من هذه الخطبة الرائعة في مواضع كتب الحديث الستة الصحاح مثل البخاري ومسلم وبقية السنة. وهذه الخطبة خطبة جامعة شاملة في التربية وترسيخ قواعد السلوك لبناء حياة تكفل سعادة الدارين فعلى المسلم أن يعى ما جاء في هذه الخطبة الجامعة، بل ويحفظها لأنها بمثابة دستور للأخلاق والسلوك.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٦ - ١٠١٧.
(٣) الفدادون: الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، واحدهم فداد .. كذا جاء في النهاية لابن الأثير.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٧.
[ ١٠ / ١٠٤ ]
رسول الله إن هذا طعام تصنعه فارس، وإنا نخشى أن يكون فيه ميتة. فقال رسول الله ﷺ: ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله.
وأهدى رجل من قضاعة إلى النبي ﷺ فرسا، فأعطاه رجلا من الأنصار، وأمره أن يربطه حياله استئناسا بصهيله، فلم يزل كذلك حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة ففقد صهيل الفرس، فسأل عنه صاحبه فقال: خصيته يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ: فإن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، اتخذوا من نسلها وباهوا بصهيلها المشركين، أعرافها أدفاؤها (١)، وأذنابها مذابها، والذي نفسي بيده، إن الشهداء ليأتون يوم القيامة بأسيافهم على عواتقهم، لا يمرون بأحد من الأنبياء إلا تنحى عنهم، حتى أنهم ليمرون بإبراهيم الخليل، خليل الله فيتنحى لهم حتى يجلسوا على منابر من نور، يقول الناس: هؤلاء الذين أَهْرَقُوا دماءهم لربّ العالمين، فيكون كذلك حتى يقضى الله ﷿ بين الناس.
وكان لرسول الله - ﷺ - فرس اسمه الظرب (بفتح الظاء وكسر الراء)، فقام إليه، وهو بتبوك فعلق عليه شعاره (٢) وجعل يمسح ظهره بردائه. قيل: يا رسول الله، تمسح ظهره بردائك؟ قال: نعم، وما يدريك؟ . لعل جبريل أمرني بذلك، مع أني قد بت الليلة، وإن الملائكة لتعاتبنى (٣) في حسن الخيل ومسحها وقال: أخبرني خليلى جبريل أنه يكتب لي بكل حَسَّةٍ أوفيتها إياه حسنة، وإن ربى ﷿ يحط عنى بها سيئة، وما من امرئ من المسلمين يربط فرسًا في سبيل الله فيوفيه بعليفه يلتمس به قوته إلا كتب الله له بكل حبة حسنة، وحط عنه بكل حبة سيئة، قيل: يا رسول الله، وأى الخيل خير؟ قال: أدهم (٤)، أقرح، أرثم، محجل الثلث، مطلق
_________________
(١) الأدفاء: جمع دفء، وهو ما يستدفأ به من الأوبار والأصواف.
(٢) الشعار: ما ولى الجسد من الثياب.
(٣) الحس: نفض التراب عن الدابة.
(٤) قال في البداية والنهاية: الخيل الأقرح هو ما كان في جبهته قرحة، بالضم، وهي بياض يسير في وجه الفرس دون الغرة، والأرثم الذي أنفه أبيض وشفته العلياء، والمحجل: هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الصفة.
من التربية النبوية:
وفي مقامه بتبوك أثنى الرسول - ﷺ - على المتثبتين ونهى عن الخفة والنزق. فقد روى عن ابن عمر أنه قال: فزع الناس بتبوك ليلة (ويظهر أنهم تسابقوا إلى سلاحهم في شيء من التسرع) قال ابن عمر: فخرجت في سلاحى حتى جلست إلى سالم مولى أبي حذيفة وعليه سلاحه، فقلت، لأقتدين بهذا الرجل الصالح من أهل بدر، فجلست إلى جنبه قريبًا من قبة رسول الله - ﷺ -، فخرج رسول الله - ﷺ - علينا مغضبا فقال: أيها الناس ما هذا النزق ما هذه الخفة ما هذا النزق؟ ألا صنعتم ما صنع هذان الرجلان الصالحان؟ يعنينى وسالما مولى أبي حذيفة.
ولما انتهى ﷺ إلى تبوك وضع حجرًا قبلة مسجد تبوك بيده وما يلي الحجر، ثم صلى الظهر بالناس، ثم أقبل عليهم فقال: ما ها هنا شام، وما ها هنا يمن (١).
وكان ابن عمر يقول: كنا مع رسول الله - ﷺ - بتبوك فقام يصلى من الليل، وكان يكثر التهجد من الليل، ولا يقوم إلا استاك، وكان إذا قام يصلى صلى بفناء خيمته، فيقوم ناس من المسلمين فيحرسونه. فصلى ليلة من تلك الليالى، فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتنى الصلاة تيممت وصليت، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من كان قبلي يحرمونها، والخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي، قالوا: وما هي يا رسول الله فقال: قيل لي سل فكل نبي قد سأل، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله (٢).
لا أثر للرومان على الحدود:
من المتفق عليه بين كتاب المغازي وأصحاب السير أن الرسول - ﷺ - لم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٢١ - ١٠٢٢ تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٢٢.
[ ١٠ / ١٠٦ ]
يتحرك من المدينة بذلك الجيش الضخم (ثلاثين ألفا) وفي ذلك الفصل من الحر الشديد مع العسرة والضائقة المالية الشديدة التي عليها عامة أصحابه، إلا بعد أن تلقى معلومات تفيد أن القيادة الرومانية في الشام تحشد الجيوش وأن طلائع هذه الجيوش (وهي أربعون ألفا) قد وصلت البلقاء (١) قريبا من حدود جزيرة العرب. فاهتم لهذه الأنباء اهتمامًا شديدًا، فجهز ذلك الجيش الإِسلامي الضخم، ليلقى على الرومان درسًا عمليا ويفهمهم أنه قادر عسكريا على حماية حدود الجزيرة من أي اعتداء قد يكون الرومان (فعلًا) قد خططوا للقيام به اعتمادًا على قواتهم الضاربة الضخمة المدربة المجهزة أحسن تجهيز.
ولكن الرسول - ﷺ - لما وصل بجيشه تبوك بعث منها بطلائعه وفصائل استخباراته العسكرية، فلم يجدوا أي أثر لأية حشود رومانية أو عربية متنصرة موالية لهم على حدود الشام الجنوبية.
وأمام هذا الواقع يبرز سؤال، وهو لماذا لم تكن الحشود الرومانية موجودة على حدود الجزيرة العربية، كما جاء في الإخبارية التي بلغت الرسول ﷺ وهو بالمدينة، فتحرك على أثرها بجيشه في تلك الظروف التي يمكن تسميتها بأنها ظروف استثنائية، نظرًا لشدة الحر في ذلك الفصل والضائقة المالية التي عليه عامة المسلمين.
هل نكل الرومان عن الحرب التي كانوا يعدون لها، وهل نتيجة هذا النكول تأكد الرومان من جدية التحركات العسكرية الإِسلامية الضخمة، أم أن الإِخبارية عن تحشدات الرومان كانت غير صحيحة، وإنما أوعز الرومان إلى وكلاء استخباراتهم من العرب الموالين لهم بإشاعاتها لإِرهاب المسلمين واختبار مدى قوتهم الحربية ومقدرتهم القتالية فحسب؟
إلى هذا الرأي الأخير يميل ابن برهان الدين حيث قال في السيرة الحلبية: ولم يكن ذلك (أي الحشد الروماني) حقيقة، وإنما ذلك شيء، قيل لن يبلغ ذلك المسلمين ليرجف به، وكان ذلك في عسرة في الناس وجدب في
_________________
(١) مغازي الواقدي: جـ ٣ ص ١٠٢٢.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
البلاد (١).
كما يشير الواقدي أيضًا إلى أن مسألة إشاعة التحشدات الرومانية على حدود الجزيرة العربية يوم ذاك، كانت إشاعات غير صحيحة، فقد جاء في مغازيه: وكانت الساقطة - وهم الأنباط - يقدمون المدينة بالدرمك (٢) والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإِسلام، فإنما أخبار الشام عند المسلمين كل يوم، لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط، فقدمت قادمة فذكروا أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسروا بها، وتخلف هرقل بحمص، ثم يقول الواقدي: ولم يكن ذلك، وإنما شيء قيل ولم يكن شيء أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوه منهم من العدد والعدة والكراع (٣).
وعلى أي كان الحال، فسواء كان سبب عدم المواجهة العسكرية بين المسلمين والرومان على الحدود نكول الرومان عن الحرب بعد أن استعدوا لها، أو أنهم لم يستعدوا أصلًا وإنما أشاعوا ذلك للإِرجاف والإِرهاب، فإن هذه الحملة العسكرية الضخمة التي قادها الرسول - ﷺ - إلى تبوك قد حققت للإِسلام والمسلمين مكاسب عظيمة.
منها (وهي أهمها) أن النبي ﷺ قد تحدى الرومان بحملته هذه التي أوشكت على اجتياز حدود الشام، وبث الرعب في نفوسهم بحيث زالت من أذهانهم تلك الصورة المغلوطة المرتسمة في أذهانهم عن المسلمين الذين لا ينظر إليهم هؤلاء الرومان إلا على أساس أنهم جماعات ضعيفة متفرقة من البدو الذين لا ضابط لهم ولا انضباط، وإنما هدفهم من وراء الحروب الحصول على شيء من المال والمال فقط.
ولا أدل على أن الرعب قد انتاب القيادة الرومانية في الشام، من أنها (رغم قواتها الضاربة) لم تحرك ساكنا، ولم تبعث بجندى واحد إلى
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥٣.
(٢) الدرمك دقيق الحواري، قاله في الصحاح ص ١٥٨٣.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٨٩ - ٩٩٠.
[ ١٠ / ١٠٨ ]
الحدود، عندما بلغها أن الرسول - ﷺ - قد وصل بجيشه تبوك، وأنه صار فيما يشبه التحدى لهذه القيادة الرومانية المتغطرسة، يستعرض على حدودها قواته الضاربة البالغة ثلاثين ألفا.
فكيف أحجمت الإمبراطورية الرومانية في الشام عن مواجهة التحدى بتحد مثله، مع أنها أصبحت -بعد انتصارها على الفرس- تعد أقوى قوة عسكرية في العالم كله، كيف ركنت إلى التزام الهدوء، ولم تفكر في مواجهة الجيش النبوي، رغم أنه أقام على حدودها الجنوبية حوالي عشرين يوما يشن الغارات على أطرافها، ويخضع حلفاءها والموالين لها من غير الرومان.
لا شك أنه الرعب قد انتاب قلوب قادة الجيش الروماني، لا سيما بعد التجربة القاسية التي مرت بهم على أيدى جيش الإسلام الصغير في معركة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة، حيث واجهوا الأهوال من هذا الجيش الصغير الذي كانت نسبة قواتهم يوم ذاك سبعين لواحد، ولهذا فضلوا عدم مواجهة الجيش النبوي وظلوا يرقبونه في جزع حتى عاد إلى المدينة مرفوع الرأس منتصرا أعظم انتصار، بعد أن قرر عدم اجتياز حدود الشام، والاكتفاء بتحدى الرومان وإرهابهم، مؤكدًا بهذا التحدى قدرته على حماية الجزيرة العربية من عدوان أي عدو يفكر في الاعتداء عليها.
بل لقد ذكر المؤرخون أن الملك هرقل الذي كان يقيم بحمص، بعث إلى الرسول - ﷺ - يتودد إليه، وهو بتبوك، حيث أرسل مبعوثًا خاصًّا برسالة يخبر فيها النبي - ﷺ - أنه مسلم، فقد جاء في كتب السيرة، أن الملك هرقل بعد أن فشل (مرة أخرى) في إقناع أركان دولته وهو بحمص، في الدخول في الإسلام لاينهم حتى سكن غضبهم عليه، ثم بعث إلى النبي - ﷺ - كتابًا يقول فيه: إننى مسلم ولكننى مغلوب على أمرى، فقبل الرسول - ﷺ - هديّته، ولكنه لم يصدقه فيما زعم من أنه مسلم، وقد نقل المؤرخون عن حامل كتاب هرقل من حمص إلى الرسول - ﷺ - لأنه قال: جئت تبوك فإذا هو (أي رسول الله - ﷺ -) جالس بين ظهرانى أصحابي محتبيا فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: هو هذا، فأقبلت أمشى حتى جلست
[ ١٠ / ١٠٩ ]
بين يديه فناولته كتابى، فوضعه في حجره، ثم قال: من أنت؟ فقلت: أنا أحد تنوخ. قال: هل لك في الإِسلام دين الحنيفية مِلَّةُ إبراهيم. قلت: إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك النبي ﷺ وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، فلما فرغ من قراءة كتابى قال: إن لك حقًّا وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنّا قوم سفر، فقال رجل: أنا أجوزه، فأتى بحلة فوضعها في حجرى، فسألت عنه فقيل لي: إنه عثمان بن عفان.
ومن المكاسب السياسية والعسكرية الكبرى التي حققتها حملة تبوك العظمى تصفية جميع الجيوب المعادية للإِسلام في شمال الجزيرة العربية عسكريًا، وخاصة العناصر العربية التي تدين بالوثنية، وكانت التصفية العسكرية في شمال الجزيرة العربية تصفية كاملة شاملة بحيث لم يعد الرسول - ﷺ - من تبوك إلّا وقد أصبحت جميع المناطق الشمالية في الجزيرة خاضعة للإِدارة الإِسلامية وتابعة لها إما بالدخول في الإِسلام طواعية وإما بالاعتراف بسلطان هذا الدين والخضوع له عن طريق أداء الجزية للمسلمين، وهذا خاص بالعرب الذين كانوا على النصرانية مثل ملك دومة الجندل كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.
[ ١٠ / ١١٠ ]
الفصل الرابع
• سيطرة المسلمين على جنوب الشام.
• رؤساء نصارى جنوب الشام يتوافدون على النبي - ﷺ - في تبوك ويعقدون معه الصلح.
• خالد بن الوليد يفتح الجندل.
• وقوع ملك دومة أسرًا ومقتل أخيه.
• النبي يفكر في اجتياز حدود الشام بجيشه.
• عودة الجيش إلى المدينة ظافرًا.
• محاولة المنافقين إغتيال النبي - ﷺ -.
• قصة مسجد الضرار وإحراقه.
• موت زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيّ.
• قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة وقصة نزول القرآن بتوبتهم.
• القرآن يندد بالمنافقين ويفضحهم.
[ ١٠ / ١١١ ]
كذلك من أهم مكاسب حملة تبوك وفوائدها المعنوية العظمى، سريان هيبة الإِسلام إلى ما وراء حدود الجزيرة العربية وداخل بلاد الشام نفسها، مما كان له الأثر في تخوف بعض الحاكمين المحليين ورجال الدين المسيحي في الركن الجنوبي من الشام حيث يقع رأس خليج العقبة، فقد جاء البعض من الحكام المحليين ورجال الدين هؤلاء إلى تبوك باختيارهم، جاءوا إلى النبي - ﷺ - عندما علموا بوجوده في تبوك، وعقدوا معه صلحًا وطلبوا منه الأمان على أن يكونوا سلمًا له، ولا يعينون عدوا عليه، فأعطاهم ذلك كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
ومجئ هؤلاء المسيحيين خاضعين طائعين للنبي ﷺ من الشام يعتبر أول فتح إسلامي في بلاد الشام التي تعتبر يوم ذاك جزءًا من الإِمبراطورية الرومانية فإيلات التي جاء منها إلى تبوك هؤلاء النصارى تعتبر جزءًا من فلسطين، وفلسطين جزء من الشام.
ولم يكن أهل إيلة (إيلات) النصارى وحدهم الذين جاءوه وأعطوه الجزية وأعلنوا قبول سلطان الإِسلام، بل جاءه أيضًا حكام مناطق أخرى في الشام وهي أذرح (١) وجرباء (٢).
فقد جاء في كتب التاريخ المعتمدة أن ملك أيلة (إيلات) وأهل أذرح وجرباء، لما بلغهم وصول النبي - ﷺ - إلى تبوك خافوا أن يتقدم إليهم بجيشه فسارعوا بالمجئ إليه ليبرموا معه الصلح باذلين له الطاعة والجزية التي يدفعها المعاهدون للمسلمين حسب النظم التي سنها القرآن الكريم.
فقد ذكر الواقدي أن أهل دومة وتيماء (٣)، قد خافوا النبي - ﷺ - لما رأوا العرب قد أسلمت، وقدم يحنة بن رؤبة على النبي - ﷺ -، وكان يحنة ملك
_________________
(١) قال ياقوت في معجمه ج ١ ص ١٢٩: "أدرح -بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه- بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز، وفي كتاب مسلم بن الحجاج: بين أذرح والجرباء ثلاثة أيام.
(٢) والجرباء منطقة من أعمال عمان بالبلقاء وهي قرب جبال السراة من ناحية الحجاز، وبين أذرح والجرباء كان مؤتمر التحكيم الذي ترأسه عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري بعد انتهاء معارك صفين المؤسفة.
(٣) تيماء: تقع على ثماني مراحل شمال المدينة.
[ ١٠ / ١١٢ ]
أيلة (إيلات)، وأشفقوا أن يبعث إليهم النبي - ﷺ - بجيش، وأقبل مع يحنة أهل جرباء وأذرح، فأتوه فصالحهم فقطع عليهم الجزية (أي فرضها).
وقال الواقدي في موضع آخر: حدثني يعقوب بن محمد الظفرى، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتى النبي - ﷺ - عليه صليب من ذهب، وهو معقود الناصية، فلما رأى النبي - ﷺ - كفر (١) وأومأ برأسه، فأومأ إليه النبي: ارفع رأسك، وصالحه يومئذ، وكساه رسول الله - ﷺ - بردًا يمنة (٢)، وأمر له بمنزل عند بلال (٣).
وكتب رسول الله - ﷺ - ليحنة وقومه وثيقة الصلح والأمان وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، لسفنهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد رسول الله، ولمن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، ومن أحدث حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماءًا يريدونه، ولا طريقًا يريدونه من بر أو بحر) هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بإذن رسول الله - ﷺ - ووضع رسول الله - ﷺ - الجزية على أهل أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة وكانوا ثلاثمائة رجل.
كما كتب كذلك لأهل جرباء أذرح هذه الوثيقة: (من محمد رسول الله - ﷺ - لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة والله كفيل) (٤).
قال الواقدي: نسخت كتاب أذرح وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم،
_________________
(١) قال في لسان العرب ج ٦ ص ٤٦٦: التكفير إيماء الذمى برأسه، والتكفير لأهل الكتاب أن يطأطئ أحدهم رأسه لصاحبه كالتسليم عندنا، والتكفير أن يضع يده أو يديه على صدره.
(٢) اليمنة قال في الصحاح: بردة من برود اليمن.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٣٢.
(٤) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٦٩ وفتوح البلدان ص ٧١ وإمتاع الأسماع ص ٤٦٨ - ٤٦٩ وتاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٨٢١ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٠٣١ ١ - ٠٣٢ ١ والبداية والنهاية ج ٥ ص ١٦ - ١٧ وزاد المعاد ج ٣ ص-١٠.
[ ١٠ / ١١٣ ]
من محمد النبي - ﷺ - لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة والتغرير إذا خشوا على المسلمين وهم آمنون، حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه.
كذلك عقد الرسول - ﷺ - معاهدة صلح مع حكام مقنا (١) وكتب لهم بهذه المعاهدة وثيقة جاء فيها: (أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد وأن عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم) (٢).
وكان عبيد بن ياسر (٣) أحد بني سعد ورجل من جذام (٤) أحد بني وائل، قدما على النبي - ﷺ - بتبوك، فأسلما وأعطاهما النبي - ﷺ - ريع مقنا مما يخرج من الحر ومن الثمر من نخلها وربع المغزل، وكان عبيد بن ياسر فارسًا، وكان الجذامى راجلًا، فأعطى رسول الله - ﷺ - فرس عبيد بن ياسر مائة ضفيرة - والضفيرة الحلة - فلم يزل يجرى ذلك علي بني سعد وبنى وائل إلى يوم الناس هذا، ثم إن عبيد بن ياسر قدم مقنا وبها يهودية، وكانت اليهودية تقوم على فرسه فأعطاها ستين ضفيرة من ضفائر فرسه، فلم يزل يجرى على اليهودية حتى نزعت آخر زمان بني أمية، فلم تردّ إليها ولا إلى ولد عبيد (٥).
وفي فتوح البلدان للبلاذري: جاء نص وثيقة الصلح لأهالى مقلنا: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بني حبيبة وأهل مقنا، سلم أنتم فإنه أنزل على أنكم راجعون إلى قريتكم فإذا جاءكم كتابى هذا، فإنكم آمنون ولكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله - ﷺ - قد غفر لكم ذنوبكم (أي ما ارتكبتم من مخالفات ضد المسلمين) وكل دم اتبعتم به، لا شريك لكم في قريتكم إلا رسول الله أو رسول رسول الله، وإنه لا
_________________
(١) مقنا (بفتح الميم وسكون النون) منطقة قرب إيلات.
(٢) مغازي الواقدي ٣ ص ١٠٣٢ - ١٠٣٣.
(٣) ذكره ابن حجر في الإصابة باسم عبيد بن بسر.
(٤) انظر فيما مضى من هذه السلسلة ترجمة قبيلة جذام الكبرى وتحديد مناطق سكناها في سينا والشام وجزيرة العرب.
(٥) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٣٢ - ١٠٣٣.
[ ١٠ / ١١٤ ]
ظلم ولا عدوان، وأن رسول الله - ﷺ - يجيركم مما يجير منه نفسه، فإن لرسول الله - ﷺ - بزتكم ورقيقكم والكراع والحلقة، إلا ما عفا عنه رسول الله - ﷺ -، أو رسول رسول الله، وإن عليكم بعد ذلك ربع مع أخرجت نخيلكم وربع ما صادت عرككم، وربع ما اغتزلت نساؤكم، وإنكم قد تريثتم بعد ذلكم، ورفعكم رسول الله - ﷺ - عن كل جزية وسخرة، فإن سمعتم وأطعتم، فعلى رسول الله - ﷺ - أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم، ومن ائتمر في بني حبيبة وأهل مقنى من المسلمين خيرًا فهو خير له، ومن أطلعهم بشر فهو شر له، وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل بيت رسول الله - ﷺ - (١).
فتح دومة الجندل (٢):
وأهم الحركات العسكرية التي قام بها الجيش النبوي، والرسول - ﷺ - مقيم في تبوك تلك الحركة التي قادها خالد بن الوليد وأضاف بها منطقة
_________________
(١) فتوح البلدان ص ٧١ - ٧٢ وانظر اعتراض محقق الفتوح على ص ٧٢ من الكتاب نفسه.
(٢) دومة الجندل (بفتح الدال وسكون الواو وفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال) منطقة تاريخة شهيرة منذ أقدم العصور، وقد كان لها ذكر في حروب ما قبل الميلاد وبعده وقد فرضت الملكة الزباء الحصار على قلعتها في أواخر القرن الثالث الميلادي فاستعصت عليها، ودومة الجندل تقع شرقي تبوك وهي أقرب إلى الحدود العراقية، وقد ظل عياض بن غنم القائد القرشي الفهرى المشهور محاصرًا لها حوالي سنة كاملة، فاستعصت عليه في عهد الخليفة الصديق، ولم يستطع اقتحامها إلا بمساندة خالد بن الوليد الذي جاء من الحيرة في أواخر سنة ١٢ هـ .. ويؤكد ياقوت في معجم البلدان العهد السحيق الذي بنيت فيه دومة الجندل، وهو عهد أحد أبناء نبي الله إسماعيل ﷺ، فقد قال ياقوت: سميت (أي دومة الجندل) بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم، وقال الزجاجى: دومان بن إسماعيل، قال: ولما كثر ولد إسماعيل - ﵇ - بتهامة خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة، وبنى به حصنًا، فقيل دوماء ونسب إليه الحصن، وقال أبو سعيد: دومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، قال: ومن قبل مغربه عين تثج فتسقى ما به من النخل والزرع، وحصنها مارد، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبنى بالجندل، وقال أبو عبيد السكوني: دومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلى طئ، كانت به بنو كنانة من كلب، قال: ودومة من القريات، من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال، والقريات دومة وسكاكة وذو القارة، ثم قال ياقوت: فأما دومة فعليها مور يتحصن به، وفي داخل السور حصن منيع يقال: مارد، وهو حصن أكيدر بن عبد الملك بن عبد الحى بن أعيان بن الحارث بن معاوية بن خلاوة بن أبامة بن سلحة بن سكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن ثور بن عفير (وهو كندة) السكوني الكندى.
[ ١٠ / ١١٥ ]
دومة الجندل إلى حظيرة سلطان الإِسلام.
فقد كانت دومة الجندل تشكل مملكة صغيرة يحكمها ملك عربي حضرمى من كندة وكان على دين النصرانية، وكان شعب مملكة دومة الجندل أغلبيته الساحقة من قبيلة كلب القحطانية، وهي قبيلة كثيرة العدد، وذات قدرة قتالية ممتازة، وهذا أمر مشهور عن هذه القبيلة في الجاهلية والإِسلام.
وكانت مملكة دومة الجندل النصرانية هي الجيب الوحيد الذي بقى في شمال الجزيرة العربية حتى السنة التاسعة للهجرة غير خاضع لسلطان الإِسلام، ولما كان من برنامج الرسول - ﷺ - توحيد الجزيرة العربية كلها تحت لواء الإِسلام بحيث لا يبقى في أية بقعة من هذه الجزيرة شبر واحد غير خاضع لسلطان الإِسلام، فقد قرر الرسول - ﷺ - إخضاع نصارى دومة الجندل إما بالسلم والصلح، وإما بالحرب.
وبناءًا على هذا القرار استدعى الرسول - ﷺ - القائد الشهير خالد بن الوليد، وأبلغه أنه قد قرر غزو دومة الجندل، وأنه - ﷺ - قد عين خالدا قائدًا على الجيش الذي سيتولى هذه المهمة.
وقد انتخب رسول الله - ﷺ - أربعمائة وعشرين فارسًا من الجيش النبوي المرابط في تبوك كى يقودهم خالد ليقوموا بتصفية الجيب المعادى المتبقى في دومة الجندل.
ولما كان خالد يعرف مبلغ القوات الكثيفة التي توجد للأعداء في دومة الجندل، ومدى قدرة هؤلاء الأعداء القتالية، رأى (حسب مقياس الحروب المجرد) أن هذه الكتيبة من الفرسان التي عليه أن يقتحم بها معاقل دومة الجند التي من أهمها قلعتها التاريخية الحصينة، رأى أن هذه الكتيبة غير كافية لتحقيق الهدف الذي يريد الرسول - ﷺ - تحقيقه من وراء هذه الحملة التي كلف خالد القيام بها. فقد قال خالد - وهو يراجع رسول الله - ﷺ - بهذا الصدد -: يا رسول الله كيف لي به (أي أكيدر ملك دومة الجندل وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في نفر يسير؟ (١).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٢٥.
[ ١٠ / ١١٦ ]
فطمأن الرسول - ﷺ - القائد خالدا بأنه (رغم القوة الصغيرة التي سيقودها) سيظفر بالملك أكيدر، حيث سيأتي به أسيرًا، فقد قال الرسول - ﷺ - لخالد: ستجده يصيد البقر فتأخذه (١).
لقد قيم خالد الوضع من وجهة النظر العسكرية المجردة، فبرز أمامه سؤال كبشر عادى بالنسبة للرسول الأعظم - ﷺ -، وهو هل في إمكان أربعمائة وعشرين فارسا أن يتغلبوا على عدة آلاف يعتصمون بالقلاع والأسوار؟ ولم يكن خالد - من وجهة النظر العسكرية المجردة - مخطئا في تساؤله، ولكنه كمؤمن عميق الإيمان اطمأن إلى أنه سينتصر على جيوش مملكة كندة في دومة، رغم التفوق العددى الذي تمتاز به هذه الجيوش على كتيبة خالد، لأنه واثق من صدق ما أخبر به الرسول - ﷺ - من أنه سيقبض جملى ملك دومة الجندل ويأتى به أسيرًا.
خالد يتحرك من تبوك:
وبعد أن كملت تجهيزات كتيبة الفرسان التي تقرر أن يقودها خالد إلى دومة الجندل، تحرك بها لإِنهاء المهمة الموكلة إليه، وما زال خالد يتحرك على تعبئة حتى وصل إلى مكان قريب من قلعة دومة الجندل التي يتحصن بها الملك أكيدر في جمع كثيف من جنده.
قال الواقدي: بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد مني تبوك في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل - وكان أكيدر من كندة قد ملكهم وكان نصرانيا - فقال خالد: يا رسول الله كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في نفر يسير؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ستجده يصيد البقر فتأخذه. قال: فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين التى ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بنت تنيف بن عامر من كندة، وصعد على ظهر الحصن من الحر وقينته تغنيه، ثم دعا بشراب فشرب، فأقبلت البقر (الوحشية) تحك
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٦٩ - ١٧٠.
[ ١٠ / ١١٧ ]
بقرونها باب الحصن، فأقبلت امرأته فأشرقت على الحصن فرأت البقر فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم، هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا، قالت: من يترك هذا؟ قال: لا أحد. قال: يقول أكيدر: والله ما رأيت جاءتنا ليلة بقر غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمر لها الخيل إذا أردت أخذها شهرًا أو أكثر، ثم أركب ركب بالرجال وبالآلة .. فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان ومملوكان، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم (١).
كان خالد يعلم أن الملك أكيدر وحاشيته يعتصمون بقلعة دومة الجندل، وهي قلعة حصينة لها أسوار عالية وأبراج عظيمة وباب من الخشب السميك جدا، وأنه لذلك من الصعب اقتحامها إلا بعد ضربها بآلات الحصار الثقيلة مثل الراجمات والقاذفات باللهب مثل النجنيق والعرادات والدبابات التي يستخدمها الجنود لنقب الأسوار أو تسلقها واقتحامها كى ينفذوا إلى الداخل.
كيف استسلمت القلعة:
وخالد ليس لديه شيء من هذه الأدوات الضرورية لمن يريد اقتحام مثل قلعة دومة الجندل، وإنما نجاء في قوة صغيرة خفيفة من الفرسان الذين لا يمكنهم بأي حال من الأحوال فتح القلعة عن طريق اقتحامها عنوة. وقد رأينا فيما بعد كيف اشترك في فتحها للمرة الثانية جيشان عام ١٢ هـ بقيادة خالد بن الوليد وعياض بن غنم الفهرى الذي ظل سنة يحاصرها ولم يستطع فتحها إلا بمساندة خالد.
لذلك عندما اقترب خالد برجاله من القلعة، قرر أن يكمن بفرسانه في مكان خفى بحيث لا يعلم بوجوده أحد من الأعداء، وذلك لانتظار فرصة مواتية تمكنه؛ من انجاز مهمته المتمثلة في فتح دومة الجندل، وحتى الخيل المدربة التي يقودها خالد امتنعت عن الصهيل حسب إشارة أصحابها من المسلمين، وذلك كى لا يسمعها الأعداء فيتنبهوا.
_________________
(١) الطارد بفتح الميم وكسر الراء - جمع المطرد، وزن منبر، وهو رمح قصير يطرد به، وقيل يطرد به الوحش (لسان العرب ج ٤ ص ٢٥٧).
[ ١٠ / ١١٨ ]
ونجح خالد في كمينه نجاحا مكنه من السيطرة على دومة الجندل دونما أي قتال يذكر، فقد كان من توفيق الله تعالى أن خرج الملك أكيدر وبعض أفرأد أسرته في الليل ومعه أخوه الأمير حسان لمطاردة البقر الوحشى، وهم لا يغلمون بمكان خالد وفرسانه، وعندما ابتعدوا من القلعة - وخالد يترصدهم - أمر فرسانه فطوقوا الملك أكيدر وصحبه فلم يقاوم لأنه في قلة قليلة من رجاله، ولكن أخاه الأمير حسان رفض الاستسلام فقاتل حتى قتل، أما المملوكان، فقد تمكنا من الإفلات ورجعا إلى القلعة ليخبرا قادة الجيش فيها بما حدث لملكهم الذي أصبح في أسر خالد بن الوليد. فتنبه المعتصمون بالقلعة واستعدوا للقتال.
ولكن ملكهم أكيدر الأسير أمرهم بإلقاء السلاح وفتح أبواب الحصن للمسلمين، وذلك حسب اتفاق تم بينه وبين القائد خالد بن الوليد، وذلك أن خالدًا عرض على الملك أكيدر أن يحقن دمه ويأمر المتحصنين في القلعة بإلقاء السلاح وفتح أبوابها للمسلمين فقبل فدخلوها وسيطروا عليها واستولوا على ما فيها من أموال ورقيق، ومنحوا كل جنود أكيدر الأمان على أرواحهم.
قال أصحاب المغازي يصفون وقوع الملك أكيدر في قبضة خالد بن الوليد وفتح قلعة دومة الجندل دونما ققال: (فلما فصلوا -أي الملك أكيدر وحاشيته- من الحصن، وخيل خالد تنتظرهم لا يصهل فها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر وامتنع حسان، فقاتل حتى قتل، وهرب الملو كان ومن كان معه من أهل بيته فدخلوا الحضن، وكان على حسان قباء مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله - ﷺ - مع عمرو بن أمية الضمرى حتى قدم عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر.
وتشير مصادر التاريخ إلى أن خالدا لم يتمكن من فتح دومة الجندل إلا بعد أن غادر الرسول - ﷺ - منطقة تبوك عائدا إلى المدينة، بدليل أن خالدا قدم المدينة على رسول الله - ﷺ - ومعه الملك أكيدر (١)، وكان رسول الله
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٢٧ كما أن البيهقي يذكر -كما في البداية والنهاية- أن خالدًا إنما تحرك من المدينة لا من تبوك لفتح دومة الجندل (البداية والنهاية ج ٥ ص ١٧ - ١٨) فالله أعلم.
[ ١٠ / ١١٩ ]
- ﷺ - قد أصدر أمره إلى القائد خالد - وهو يوليه على كتيبة الفرسان المكلفة بفتح دومة الجندل - أن لا يقتل الملك أكيدر عندما يقبض عليه.
وأعطى بعض أصحاب المغازي مزيدا من التفاصيل عن فتح دومة الجندل - كل حسب علمه فقالوا: وكان رسول الله - ﷺ - قال لخالد بن الوليد: إن ظفرت بأكيدر فلا تقتله وائت به إلي، فإن أبى فاقتلوه، فطاوعهم. فقال بجير بن بحبرة من طئ شعرًا يذكر فيه قول النبي - ﷺ - لخالد (وإنك تجده يصيد البقر) وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن:
تبارك سائق البقرات أنِّي رأيت الله يهدى كل هاد
ومن يك عاندا عن ذي تبوك فإنا قد أمرنا بالجهاد
وقال خالد بن الوليد لأكيدر: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتى بك رسول الله - ﷺ - على أن تفتح لي دومة؟ قال: نعم، ذلك لك. فلما صالح خالد أكيدر، وأكيدر في وثاق انطلق به خالد حتى أدناه من باب الحصن، ونادى أكيدر أهله: افتحوا باب الحصن، فرأوا ذلك فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم والله لا يفتحون لي ما رأوق في وثاق فخل عنى فلك الله والأمانة أن أفتح لك الحصن إن أنت صالحتنى على أهله. قال خالد: إني أصالحك. فقال أكيدر: إن شئت حكمتك وإن شئت حكمتنى. قال خالد: بل نقبل منك ما أعطت. فصالحه على ألفى بعير، وثمانمائة فرس وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح على أن ينطلق به وأخيه إلى رسول الله - ﷺ -، فيحكم فيهما بحكمه.
فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله ففتح الحصن، فدخله خالد وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، ثم خرج قافلا إلى المدينة، ومعه أكيدر ومضاد، فلما قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ صالحه على الجزية (١) وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما، وكتب لهما رسول الله ﷺ كتابًا فيه أمانهم وصلحهم وختمه يومئذ بظفره.
_________________
(١) وذكر بعضهم - وهو الأقرب إلى الصواب - أن الجزية إنما فرضت على مضاد أخي أكيدر لأن أكيدر أسلم ثم ارتد في خلافة الصديق والله أعلم.
[ ١٠ / ١٢٠ ]
وذكر عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم على رسول الله ﷺ فجعل المسلمين يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله ﷺ: أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. وذكر بعضهم أن الناس كانوا يتلمسون قباء مضاد أخي أكيدر، لا قباء أكيدر.
هل أسلم أكيدر:
وبعضهم يذكر أن أكيدر الملك أسلم وأن الرسول ﷺ كتب له كتابًا بعد إسلامه هذا نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله كيدر جين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها. وإن لنا الضاحية من الضحل (١) والبور (٢) والمعامى (٣) وأغفال الأرض (٤)، والحلقة، والسلاح، والحافر (٥)، والحصن، ولكم الضامنة من النخل (٦)، والمعين من المعمور (٧) بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم (٨). ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات (٩)، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها. عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين.
ومما يدل على أن أكيدر قد أسلم أن أهل الفتوح مجمعون على أن خالدًا بن الوليد عام ١٢ هـ انحدر بجيش كثيف من العراق إلى دومة الجندل بعد
_________________
(١) الضحل الذي فيه الماء القليل.
(٢) البور: ما ليس فيه زرع.
(٣) المعامى: ما ليست له حدود معاومة.
(٤) أغفال الأرض: مياه.
(٥) الحافر: الخيل.
(٦) الضامنة من النخل: النبات من النخل التي قد نبتت عروقها في الأرض.
(٧) المعين: الماء الظاهر.
(٨) أي لا يعد ما يبلغ أربعين شاة.
(٩) البتات: المتاع ليس عليه زكاة.
[ ١٠ / ١٢١ ]
أن ارتد أكيدر ومنع الزكاة وقاوم جيوش الإسلام التي يقودها عياض بن غنم، ففتح خالد وعياض دومة الجندل، وقتل أكيدر كمتمرد خائن مرتد، وأما ما ذكر من أن الخليفة الفاروق أجلى الملك أكيدر عن دومة فخبر لا يصح.
والذي أسلم وثبت إسلامه فهو حريث أخو الملك أكيدر، فأقره المسلمون على ما في يده وحريث هذا هو الذي تزوج ابنته يزيد بن معاوية.
أما الذي بقى على نصرانيته من البيت المالك في دومة الجندل، فهو مضاد أخو الملك أكيدر فأمَّنهُ الرسول ﷺ وكتب له وثيقة وضع فيها عليه الجزية مقابل الحماية والأمان، وهذه الوثيقة هي التي ختمها الرسول ﷺ بظفره حين لم يكن في يده خاتم.
وكان بلال بن الحارث المزني يحدّث يقول: أسرنا أكيدر وأخاه فقدمنا بهما على النبي ﷺ، وعزل يومئذ للنبي ﷺ صفى خالص قبل أن يقسم شيء من الفيء ثم خمس الغنائم، فكان للنبي ﷺ الخمس (١)، وكان عبد الله بن عمر المزني يقول: كنا أربعين رجلا من مزينة مع خالد بن الوليد، وكانت سهامنا خمس فرائض (٢)، كل رجل مع سلاح، يقسم علينا درع ورماح، وروى أن أكيدر حين قدم على رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد، كان عليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهر.
وذكر عن يونس بن بكير أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الأعراب فالله أعلم (٣).
_________________
(١) الخمس والصفى الذي يكون للرسول - ﷺ - إنما ينفقه - ﷺ - دائمًا في المرافق العامة للمسلمين فهو لا يستغله لنفسه كما قد يشغب أعداء الإسلام.
(٢) الفريضة هنا الواحدة من الإبل.
(٣) انظر جوامع السيرة ص ٢٥٣ والبداية والنهاية ج ٥ ص ١٧ - ١٨ وزاد المعاد ج ٣ ص ١١ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٦٩ - ١٧٠ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٢٥ وما بعدها ومعجم ياقوت ج ٢ ص ٤٨٧ - ٤٨٨ وفتوح البلدان ص ٧٣ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ١٠٨ - ١٠٩ وص ٣٧٨ - ٣٧٩ وإمتاع الأسماع ص ٤٦٣ وما بعدها وتاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٨٢١ والتنبيه والإشراف ص ٢٧٢.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
استشارة الرسول أصحابه في اجتياز الحدود إلى الشام:
ويذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ بعد أن وصل إلى تبوك، ولم يجد أي أثر للحشود الرومانية على الحدود (كما بلغه) جمع كبار قادة جيشه ومستشاريه وشرح لهم الوضع وشاورهم فيما إذا يرون أن يجتاز حدود الشام بجيشه أو يعود بالجيش إلى المدينة والنبي ﷺ إنما زحف بهذا الجيش إلى تبوك لأنه بلغه أن عدوانًا مبيتًا تدبره الإمبراطورية الرومانية على الجزيرة العربية.
وفي هذا الاجتماع الذي دعا إليه الرسول ﷺ تكلم الفاروق عمر بن الخطاب فاقترح على الرسول ﷺ أن يعود بالجيش إلى المدينة دون أن يتقدم لاختراق حدود الشام، وأيد عمر اقتراحه هذا بأن الحملة قد حددت أهدافها، وهي إرهاب العدو الذي لم تجرؤ أية قوات تابعة له على الظهور أمام المسلمين رغم أن للعدو في الشام من الرومان وحلفائهم العرب المتنصرة ما لا يقل عن ربع مليون محارب، والمسلمون إنما كانوا في تبوك بقيادة نبيهم ثلاثون ألف مقاتل فقط.
فقد قال أصحاب المغازي: وشاور رسول الله ﷺ في التقدم، فقال عمر بن الخطاب: إن كنت أمرت بالمسير فسر. قال رسول ﷺ: لو أمرت به ما استشرتكم قال عمر: يا رسول الله، فإن للروم جموعًا كثيرة (يعني بالشام) وليس بها أحد من أهل الإِسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله ﷿ لك في ذلك أمرًا (١). وقد أخذ النبي ﷺ بمشورة ابن الخطاب، فعاد بالجيش إلى المدينة دون أن يجتاز بجيشه الحدود إلى الشام.
المنافقون يحاولون اغتيال النبي - ﷺ -:
والعجيب الغريب في الأمر أن قوة الإِسلام بعد أن أخذت تتعاظم وأخذت جزيرة العرب - بعد نجاح غزوة تبوك وإسقاط مملكة الكنديين
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠١٩.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
بدومة الجندل في الشمال وتحدى الإمبراطورية الرومانية نفسها وأرهابها وإجبارها على التزام الهدوء بعد أن كانت تفكر في غزو الجزيرة - بعد كل هذه الإنجازات والانتصارات التي جعلت الإسلام (بكل معاني الكلمة) صاحب السلطان المطلق في الجزيرة العربية وأجزاء من الشام نفسها مثل أذرح وإيلات .. بعد كل هذه الانجازات والانتصارات أخذ نشاط الباطنيين من الرتل الخامس (المنافقين) يتعاظم ضد الإسلام وضد النبي ﷺ بصفة خاصة، ولعل ذلك مرده الحسد الذي جعلهم يفقدون صوابهم.
فقد أخذ هؤلاء المنافقون يضاعفون من تآمرهم ويتحركون على صورة تحد واستفزاز أثناء التحرك إلى تبوك وبعد العودة منها، وبأسلوب لم يسبق له مثيل في نشاطاتهم التخريبية.
ففي غزوة تبوك بذل هؤلاء المنافقون محاولات يائسة فلجأوا (وكحركة مذبوح) إلى أعمال استفزازية ونشاطات تخريبية غلى كل الأصعدة لعلهم ينالون بها من وحدة الإِسلام الشامخة، ولعلهم يوصلون سوس الفرقة إلى صميم الأخوة الإِسلامية التي أقامها الإِسلام والتي لم تشهد جزيرة العرب لها مثيلاث تاريخها.
غير أن كل محاولات هؤلاء الباطنيين باءت بالفشل وتحطمت على صخرة الإِيمان الذي يتمتع به كل فرد من أتباع محمد ﷺ الصادقين. ورغم انكشاف أمرهم للرسول القائد ﷺ والقادر على إنزال أقسى العقوبات بهم فإنه لم يتخذ ضدهم أي إجراء، بل تركهم للأمة كى تحاسبهم بنفسها. فحاسبتهم فعلا أقسى حساب، حيث كانت عقوبتهم من الشعب المقت والنبذ والازدراء، "حتى تلاشوا - تلقائيا - بأحقادهم وضغائنهم، وشمخ الإِسلام رغم أنوفهم حتى امتد رواقه فشمل ما بين المشرق والمغرب ..
فقد رأينا (كما تقدم) في بداية غزوة تبوك كيف حاول رأس النفاق عبد الله بن أُبَيّ (وبأسلوب ماكر خبيث) أن يشطر الجيش الإِسلامي ويدخل الفوضى والاضطراب داخل وحداته قبل أن يغادر المدينة فخرج ذلك المنافق
[ ١٠ / ١٢٤ ]
في عسكر عظيم من أنصاره الذين يظهرون الإِسلام ويبطنون الكفر .. خرج بهم على أنهم جزء من الجيش النبوي الزاحف إلى تبوك، ولكن هذا المنافق لم يكد يصل بعسكره مشارف المدينة حتى انفصل بهم راجعا وهدفه إغراء بعض الوحدات من الجيش النبوي بالتمرد والسير على نهجه الخبيث كى تتفكك وحدة الجيش النبوي.
ولم يكتف ابن أُبَيّ بالفعل الخبيث الذي فعل، بل لجأ إلى القول الذي يحمل كل معاني الإرجاف وتوهين العزائم، فأعلن أن رجوعه بأصحابه وانفصاله عن الجيش النبوي لأنه بزعمه لا يريد أن يغامر بأصحابه مع محمد في معركة قال عنها (سلفا): إنها خاسرة لأن المسلمين بزعمه غير قادرين على مواجهة جيوش الإمبراطورية الرومانية. فقد قال عبد الله بن أبي - وهو يعود بأصحابه إلى المدينة -: (أيظن محمد قتال بني الأصفر لعبا كأني بأصحابه غدا مقرنين في الجبال) (١). وقد بلغ الرسول ﷺ مقالة هذا المنافق وصنيعه فلم يأبه له ولم يتخذ ضده أي إجراء، بل واصل التحرك إلى تبوك حتى حققت الحملة كل أهدافها.
وبالرغم من أن زعيم المنافقين عبد الله بن أبي قد رجع بأكثر أصحابه إلى المدينة دون أن يشتركوا في غزوة تبوك، فإن فريقا من هؤلاء المنافقين انخرط في سلك الجيش النبوي وحاول أثناء تحرك الجيش إلى تبوك أن يكون عامل توهين وتفريق وتشكيك بين وحدات هذا الجيش الضخم، إلا أنه فشل فشلا ذريعا، واستمر الجيش في وحدته وتماسكه حتى وصل تبوك وحتى حققت الحملة العظيمة أهدافها وعاد الجيش إلى المدينة رافع الرأس منتصرًا قد أرهب الروم وأدخل الرهب في نفوسهم وطهر (عسكريا) جميع الجيوب المناوئة للإِسلام في الشريط الشمالي للجزيرة العربية.
وفي العودة من تبوك ارتكب الباطنيون المنافقون المندسون في الجيش النبوي أكبر حماقة في تاريخ المتاعب التي كانوا يثيرونها ضد النبي ﷺ وأصحابه، حيث حاولوا هذه المرة ارتكاب أكبر جريمة في التاريخ وهي اغتيال الرسول ﷺ بأسلوب جبان ماكر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٩٥ - ٩٩٦.
[ ١٠ / ١٢٥ ]
خبيث لا يتقنه إلا المنافقون الجبناء.
فقد وضع المنافقون المتآمرون خطة جهنمية للتخلص من الرسول الأعظم ﷺ، وكان هؤلاء المنافقون قد وضعوا خطة الاغتيال على أساس أنها لو نجحت ستبدو وكأنها قضاء وقدر لأن ما قرر هؤلاء المنافقون أن يكون وسيلة قتلة النبي صلى الله عليه سلم له نظائر، فكثيرا ما يحدث لأفراد سبقوه.
فلم يقرر المنافقون (وهم يضعون خطة الاغتيال) أن يقتلوا النبي ﷺ بسيف أو رمح أو سهم، وإنما قرروا زيادة في الكتمان أن يكون قتله عن طريق نفور الناقة التي يركبها وتردِّيها في واد سحيق بحيث لا يكون هناك أمل في سلامته إذا ما تردّت به الناقة في الوادي، ولا يكون مجال لاتهام أحد بقتله.
كيف فشلت خطة المنافقين في الاغتيال:
كانت خطة المنافقين للاغتياك قابلة للنجاح بسهولة لو أن الجيش كله سلك الطريق الذي كان من المقرر أن يسلكها وهي عقبة تشرف على واد سحيق.
فقد علم المنافقون أنه في هذه العقبة الخطرة سيتزاحم الآلاف من راكبى الخيل والإِبل حول الرسول ﷺ، ومن السهل على فئة قليلة من الرجال الازدحام حول الناقة التي يركبها الرسول ﷺ لتنفيذ المؤامرة بحيث يتمكنون في ظلام الليل من العمل بأية وسيلة (في غمرة الازدحام) على إسقاط النبي ﷺ من على ظهر ناقته إلى الوادي للتخلص منه. فيبدو الأمر وكأنه قضاء وقدر. وهذا هو الذي استقر عليه رأى المنافقين (وهم يضعون خطة الاغتيال) إلا أن النبي ﷺ بلغه خبر المؤامرة في اللحظات الأخيرة، وعندما بلغه ما يدبره المنافقون بالتفصيل عمل على إحباط المؤامرة، فأصدر أمره للجيش كله بأن يغير اتجاه سيره، فيسلك الوادي، بدلا من أن يسلك العقبة، ثم سلك الرسول ﷺ العقبة وحده ومعه (فقط) ثلاثة نفر من أصحابه، وهم: عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وحمزة بن عمرو
[ ١٠ / ١٢٦ ]
الأسلمي (١).
وهنا بدا وكأن محاولة المنافقين قد فشلت نهائيا، لأن هؤلاء المنافقين لا تستطيع العناصر المكلفة منهم بتنفيذ خطة الاغتيال، تنفيذ هذه الخطة، لأن انفصال هذه العناصر من الجيش تثير حولهم الشكوك والريب وتجعلهم من المتعمدين مخالفة أوامر الرسول القائد ﷺ. ولكن هؤلاء المنافقين لم ييأسوا، فقد مضوا في مخططهم، فاغتنموا فرصة ظلام الليل الذي سيكون مخيما عندما يمرّ الرسول ﷺ بالمكان الخطر من العقبة الذي قرروا أن تتم فيه عملية الاغتيال، فوضعوا مخططًا جديدا لاغتيال الرسول ﷺ.
وهذا المخطط الجديد يتلخص فيما يلي:
١ - أن ينتدب ثلاثة عشر من هؤلاء المنافقين للمهمة.
٢ - عليهم أن لا يباشروا المؤامرة إلا إذا خيم الظلام.
٣ - عليهم أن يتلثموا عند الشروع في المؤامرة لئلا يتمكن أحد من معرفتهم.
٤ - عليهم أن ينصبوا كمينهم في المكان الخطر المحدد من العقبة.
٥ - عليهم أن لا يستخدموا أي سلاح من رمح أو سيف أو نبل لتنفيذ الاغتيال.
٦ - بل عليهم إذا مر بهم النبي ﷺ في المكان الخطر المحدد من العقبة، أن يزحموا جميعهم ناقته بركابهم ويلجئوها إلى حافة الوادي ثم يقطعون أنساع (٢) رحلها في الظلام حتى يقع النبي ﷺ عنها إلى الوادي فيموت.
وعلى أساس هذه الخطة شرع المنافقون في المؤامرة الخبيثة الجديدة، إلا أن الرسول ﷺ اكتشفهم عند شروعهم في المؤامرة
_________________
(١) هو حمزة بن عمرو بن عويمر بن الحارث. وهو من بني أسلم، يكنى أبو صالح، وهو من رواة الحديث، فقد روى عنه كثير من الأئمة، منهم يحيى بن سعيد والثورى وشعبة والحمادان. توفي سنة إحدى وستين وهو ابن إحدى وسبعين منة وقيل ابن ثمانين سنة.
(٢) الإنساع: هي الأحزمة التي يربط ويشد به الرحل على ظهر الناقة أو الجمل.
[ ١٠ / ١٢٧ ]
فأحبطها حين أمر حذيفة بن اليمان بمهاجمتهم فهاجمهم حذيفة، ولما كانوا لا يريدون أن يعرفهم أحد هربوا وما زالوا يوغلون في الهرب حتى دخلوا في سواد الجيش في الوادي لئلا يعرفهم أحد (١).
قال الواقدي يصف هذه المؤامرة الدنيئة: ولما كان رسول الله ﷺ ببعض الطريق مكر به أناس من المنافقين وائتمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغ رسول الله ﷺ تلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فأخبر رسول الله ﷺ خبرهم فقال للناس؟ اسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول الله ﷺ العقبة، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيفة بن اليمان أن يسوق من خلفه. فبينا رسول الله ﷺ يسير في العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم وقد رأوا غضب رسول الله ﷺ، فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده، وظن القوم أن رسول الله ﷺ قد اطلَّع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أتى رسول الله ﷺ فساق به، فلما خرج رسول الله ﷺ من العقبة نزل الناس، فقال النبي ﷺ: يا حذيفة، هل عرفت أحدا من الركب الذين رددتهم؟ قال: يا رسول الله عرفت فلان وفلان، وكان القوم ملثمين فلم أبصرهم في ظلمة الليل (٢).
وكان هؤلاء المتآمرون قد نجحوا نجاحا جزئيا عندما شرعوا في مؤامرتهم الخبيثة، حيث تمكنوا من أن يزعجوا ناقة الرسول ﷺ حتى نفرت به فسقط لهذا اففور بعض متاع رحله ولكنه هو ﷺ لم يسقط
_________________
(١) انظر إمتاع الأسماع ص ٤٧٧ - ٤٧٨ وزاد المعاد ج ٣ ص ١٦ - ١٧ والبداية والنهاية ج ٥ ص ١٩ و٢٠ و٢١.
(٢) المغازي ج ٣ ص ١٠٤٢ - ١٠٤٣.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
وقال ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية): قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة، هَمَّ جماعة من المنافقين بالفتك بالنبي ﷺ وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق فأخبر خبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها، ومعه أولئك النفر قد تلثموا، وأمر رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشيوهم، فغضب رسول الله ﷺ وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أنه قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله ﷺ لحذيفة: هل عرفت هؤلاء القوم؟ قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال ﷺ: علمتما من شأن هؤلاء الركب؟ قالا: لا فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه وسماهم لهما واستكتهما ذلك، فقالا: يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده، وهذا هو الأشبه والله أعلم، ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد؟ - يعني عمارا - وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال لحذيقة: أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال: لا. ولا أبرئ بعدك أحدًا- يعني حتى لا يكون مغشيًا سرّ التي ﷺ -.
وقال ابن كثير: قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا وقيل كانوا اثنى
[ ١٠ / ١٢٩ ]
عشر رجلا. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم فأخبرهم رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم. قال: وفيهم أنزل الله ﷿ ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (١).
وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبي إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البخترى عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة -أو أنا أسوق وعمار يقود- حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثنى عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله ﷺ فصرخ بهم فولوا مدبرين. فقال لنا رسول الله ﷺ: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا ملثمين ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا. قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها. قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: (لا) أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة. قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك.
وفي صحيح مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر على، أَرَأَىٌ رأيتموه أم شيء عهده إليكم رسول الله ﷺ؟ قال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله ﷺ أنه قال: في أصحابي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم.
_________________
(١) التوبة: ٧٥.
[ ١٠ / ١٣٠ ]
قال الحافظ البيهقي: وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر -أو خمسة عشر-، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذّر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادى ولا علمنا بما أراد.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده. قال: حدثنا يزيد -هو ابن هارون- أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل. قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى أن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقودها حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: (قدقد) حتى هبط رسول الله ﷺ من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال: (يا عمار عرفت القوم؟) قال: عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال: (هل تدرى ما أرادوا؟) قال: الله ورسوله أعلم، قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه) قال: فسار عمار رجلا، من أصحاب النبي ﷺ فقال: نشدتك الله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلا، فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادى رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثنى عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (١).
المطالبة بإعدام المتآمرين:
وكان هؤلاء الباطنيون المتآمرون قد نجحوا جزئيا عندما شرعوا في مؤامرة اغتيال الرسول ﷺ تمكنوا من أن يزعجوا ناقة الرسول ﷺ بأساليبهم الخاصة في الظلام حتى نفرت فسقط
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٥ ص ١٩ - ٢٠ - ٢١.
[ ١٠ / ١٣١ ]
لهذا النفور من على ظهر الناقة بعض متاع رحله ﷺ، ولكنه هو لم يسقط لأن أمر هؤلاء الخونة اكتشف قبل أن يتمكنوا من تحقيق هدفهم الخبيث، ونجى الله رسوله الحبيب ﷺ من المؤامرة.
قال الواقدي: وكانوا قد أنفروا بالنبي ﷺ فسقط بعض متاع رحله، فكان حمزة بن عمرو الأسلمي يقول: فنور لي في أصابعى الخمس فأضئن حتى كنا نجمع ما سقط من السوط والحبل وأشباههما حتى ما بقى من المتاع شيء إلا جمعناه، وكان لحق النبي ﷺ في العقبة (١).
وقد بلغ خبر المؤامرة سيد الأوس أسيد بن حضير، فعرض على الرسول - ﷺ أن يأمر بإعدام المتآمرين، على أن تتولى كل عشيرة من الأنصار إعدام الرجل المشترك منها في المؤامرة، ولكن الرسول ﷺ آثر الصفح ولم يأخذ باقتراح أسيد بن حضير.
قال أصحاب السير: فلما أصبح رسول الله ﷺ قال له أسيد بن حضير: يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فهو أسهل من العقبة؟ قال: يا أبا يحيى أتدرى ما أراد البارحة المنافقون وما اهتموا به؟ قالوا: نتبعه في العقبة، فإذا أظلم الليل عليه قطعوا أنساع راحلتى ونخسوها حتى يطرحونى من راحلتى. فقال أسيد: يا رسول الله، فقد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي همّ بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، وإن أحببت، والذي بعثك بالحق، فنبّئنى بهم، فلا تبرح حتى آتيكم برؤوسهم، وإن كانوا في النبيت (٢) فكفيتكهم، وأمرت سيد الخزرج فكفاك من في ناحيته، فإن مثل هؤلاء يتركون يا رسول الله؟ حتى متى نداهنهم وقد صاررا اليوم في القلة والذّلة، وضرب الإسلام بجرانه، فما يستبقى من هؤلاء؟ قال رسول الله - ﷺ - لأسيد: إني أكره أن يقول الناس: إن محمدًا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه، فقال: يا رسول الله، فهؤلاء
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ١٠٤٣.
(٢) النبيت هو عمرو بن مالك بن أوس. انظر أنساب الأشراف للبلاذرى ج ١ ص ٢٨٧.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
ليسوا بأصحاب، قال رسول الله - ﷺ -: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم، قال: أليس يظهرون أنى رسول الله؟ قال: بلى ولا شهادة لهم، قال: قد نهيت عن قتل أولئك (١).
وقال الواقدي: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، قال: نزل رسول الله - ﷺ - عن راحلته فأوحى إليه وراحلته باركة، فقامت راحلته تجرّ زمامها حتى لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها حين رأى رسول الله - ﷺ - جالسًا، فأناخها ثم جلس عندها حتى قام النبي - ﷺ - فأتاه فقال: من هذا؟ قال: أنا حذيفة. فقال النبي - ﷺ -: فإني مسرّ إليك أمرًا فلا تذكرنه، إني نهيت أن أصلى على فلان، وفلان، وفلان - رهط عِدَّة من المنافقين - ولا يعلم رسول الله - ﷺ - لأحد غير حذيفة. فلما توفى رسول الله - ﷺ -، كان عمر بن الخطاب في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط، أخذ بيد حذيفة فقاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى معه عمر، وإن انتزع يده وأبى أن يمشي انصرف معه.
وقال: حدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم عن نافع بن جبير، قال: لم يخبر رسول الله - ﷺ - أحدًا إلا حذيفة وهم اثنا عشر رجلا - يعني أولئك المنافقين - ليس فيهم قرشى وهذا الأمر مجمع عليه عندنا (٢).
قصة مسجد الضرار وهدمه:
فئة المنافقين فئة صارت (منذ تكونت في المدينة) بمثابة غدة السرطان في جسم الأمة الإسلامية، أعيت المسلمين بألاعيبها الماكرة، وأتعبت الرسول - ﷺ - بتصرفاتها المشينة التي تلتزم السرّية والتكتم في القيام بها، ومصيبة الإِسلام والمسلمين بهذه الفئة أنها محسوبة على المسلمين لأنها (بنطقها بالشهادتين وأدائها الصلوات المفروضة ظاهرًا) تحمل الهوية الإِسلامية. وبالتزام المنافقين (منذ عرفوا) أسلوب السرية والتكتم في
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٤٣ - ١٠٤٤.
(٢) مغازي الواقدي -﵀- ج ٣ ص ٤٥ ١٠.
[ ١٠ / ١٣٣ ]
أعمالهم التخريبية وتظاهرهم بالإخلاص للإِسلام والمسلمين جعل من الصعب تمييزهم من بين الصحابة الطيبين إلا في النادر. ولهذا لم ينزل الرسول - ﷺ - أية عقوبة بأيّ واحد منهم. لأنهم في الظاهر مسلمون، ولا يأتون منكرهم إلا سرًّا. وصفهم الأستاذ أحمد نار في كتابه "القتال في الإِسلام" فقال: هؤلاء هم الذين لا يمكن تبين نياتهم بسهولة، إذ أن ظاهرهم يدل على حسن نيتهم وباطنهم يدل عليه بعض أعمالهم (إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) (١)، ويؤدّون مهمة القاعدين والمخلفين والمرجفين والمعوقين جميعا، وهم ألوان شتى يصعب تمييزهم، إلا أنهم يشتركون في صفات عامة، منها أنهم يتهافتون على إظهار حسن نياتهم وعَواطفهم الطيبة كذبا وخداعا بمناسبة وغير مناسبة، وموافقتهم في المواجهة على كل أمر بغير مناقشة، وهم من وراء ذلك يتلمسون المغامز وينتهزون الفرص فيبيتون ويكيدون، وإذا دعوا إلى الإِنفاق اعتذروا بلباقة، وإن وعدوا سوفوا وإن دعوا إلى الجهاد قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، يعرفون في لحن القول والتواء القصد، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون، (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) (٢).
وهم الذين يتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة، ويقولون: - إن أصاب المسلمين بلاء - (وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) (٣)، ويتخذون ما ينفقون مغرمًا ويتربصون بهم الدوائر، وتراهم يركنون إلى الأعداء ويعملون معهم سرًّا وعلانية ويبتغون عندهم العزة.
ويختلف خطرهم باختلاف نوع النفاق الذي عندهم وعقابهم واحد إلا من كان ضعيفا لا صلة له بالعدو مثل الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ﴾ (٤) وآيات التعرف عليهم في القرآن الكريم كثيرة، وعلاجهم بحسب درجتهم من
_________________
(١) البقرة: ١٤.
(٢) البقرة: ١١.
(٣) الأحزاب: ١٢.
(٤) التوبة: ١٠٧.
[ ١٠ / ١٣٤ ]
النفاق، فمنهم من يعامل معاملة المرجفين ومنهم من تترك له فرصة التوبة.
ومنهم صنف شديد الخفاء هو أشد خطرًا وقد تكفل الله ﷾ بالإِحاطة بهم كما قال: (ومن أهل المدينة مزدوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين) (١). ومن العجيب أن المنافقين يمتازون بكثير من الذكاء ولكن نقصهم الخلقى هو الذي يدفعهم إلى المواقف المرذلة، ولولا حب الجاه والمال ومتاع الحياة الدنيا والحسد لكان لهم شأن غير ما هم فيه وهم على اختلاف ألوانهم (بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم. نسوا الله فنسيهم. إن المنافقين هم الفاسقون).
مسجد الضرار وكر للتآمر:
كان المنافقون دائما أشبه بالجمعيات السرية التي تعمل بتكتم شديد ضد العهد القائم، وكان هؤلاء المنافقون شديدى التكتم في نشاطاتهم التخريبية ضد الإِسلام لئلا يقعوا تحت طائلة القانون الإِسلامي إذا أدينوا بعمل ضده يستحق العقوبة، وكانوا زيادة في الرغبة لتحقيق مآربهم الخبيثة للإطاحة بالإسلام صاروا يظهرون له الولاء ولنبيه بينما يعملون في الباطن على كل ما يضر بالجميع.
وفي جوّ الحرية التي يتمتعون بها لانتسابهم إلى الإِسلام كانوا فيما بينهم يتفوهون بكل ما يريدون ضد النبي - ﷺ - وأصحابه، ولكنهم عندما يكونون بين أصحاب الرسول - ﷺ - يتضايقون إذ لا يستطيعون أن يحيكوا ويقولوا ويفعلوا ما يريدون ضد الإِسلام مثلما يكونون منفردين مع بعضهم البعض. وكان في العهد النبوي المسجد هو المكان الذي مفروض على المسلمين غير المرضى والعاجزين أن يجتمعوا فيه جميعا خمس مرات خلال الأربع والعشرين الساعة، وذلك لأداء الصلاة المفروضة. وكان المنافقون يجتمعون في المسجد مع المسلمين في هذه الأوقات وذلك باعتبارهم جزءًا من الأسرة الإِسلامية، وكان اجتماعهم في المسجد كل المرات الخمس هذه
_________________
(١) التوبة ١٠٢.
[ ١٠ / ١٣٥ ]
يتيح لهم الفرص ليتناجوا فيما بينهم بالدس والكيد للإسلام والمسلمين، ولكنهم كانوا يتخوفون لأن المسلمين ينظرون إليهم بعين الريبة والشك، فيتضايقون لذلك ولا يستطعون العمل بحرية، وقد عبّر عن هذه الحقيقة "التي عليها المنافقون من التضايق"، زعيمهم أبو عامر الفاسق المسمى عندهم بالراهب حين قال مفصحا عن نظرات الشك والريبة التي ينظر بها المسلمون إلى المنافقين عندما يحضرون معهم المسجد للصلوات: "لا أقدر أن أدخل مربدكم (١) هذا - يعني الخبيث المسجد - وذلك أن أصحاب محمد يلحظوننى وينالون منى ما أكره" (٢).
لذلك قرروا "وبإيحاء من زعيم ناحيتهم بقباء أبي عامر الفاسق" أن يبنوا لهم وكرًا يكون مقرًا لاجتماعاتهم يعملون فيه بحرية ضد الإِسلام والمسلمين. وقد ذهب بهم الإِيغال في المكر والخبث إلى أن يجعلوا مركز التآمر والكيد هذا على صورة مسجد كى يبعدوا الشبهة عن أنفسهم، لأن أحدًا لن يعترض علي بناء مسجد الذي لا يبنى عادة إلا لعبادة الله تعالى.
وكانت الفكرة من اختراع أبي عامر الفاسق الذي حضر مع المشركين. معركة أحد ضد المسلمين وركل جثة ابنه الشهيد غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، وهكذا اقتضت حكمة الله أن يخرج الأخيار من أصلاب الأشرار، فأبو عامر الراهب "الفاسق" من أخبث المنافقين، وابنه حنظلة من أفضل وأصلح شباب الإِسلام.
وقد خرجت فكرة أبي عامر الراهب الخبيثة إلى حيز الوجود حيث بتشجيع منه وتشجيع أمثاله بني المنافقون لهم مسجدًا، واختاروا ضاحيه من ضواحي المدينة وهي ضاحية قباء إلى تبعد عن المدينة حوالي ميلين، ويظهر أنهم اختاروا هذه الضاحية لما فيها من هدوء ولبعدها عن المديتة التي بها مركز النبي - ﷺ - ومسجده الشريف.
وكان في هذه المنطقة "قبا" بنى أول مسجد في الإِسلام، وظل هذا المسجد محلا لإقامة شعائر الإِسلام في ذلك الحى، وهو حي بني عمرو بن
_________________
(١) المربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٨٩.
[ ١٠ / ١٣٦ ]
عوف الذين كان المسجد مفخرة لهم.
أما مسجد المنافقين الذي بنى في هذه المناطق والذي أطلق عليه فيما بعد مسجد الضرار فقد بنى ليكون وكرًا للتآمر والشغب على النبي - ﷺ - وأصحابه. ونقل عن المنافقين أنهم قالوا: نبني مسجدًا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، وقيل: إن أبا عامر الفاسق أمر ببناء مسجد الضرار قبل خروجه إلى الشام، وقال لأنصاره: ابنوا لي مسجدًا واستعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر الروم فآتى بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة.
وروى أن السبب في بناء هذا المسجد أنه لما فرغ الناس من آحد رأى أبو عامر الفاسق أن أمة الرسول في ارتفاع وظهور، فذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - ﷺ - فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله - ﷺ -، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدًا له إذا قدم عليه بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - ﷺ - إلى تبوك (١).
كاد الرسول أن يصلي في مسجد الضرار:
ولما درج عليه المنافقون من قدرة على إخفاء نواياهم الشريرة وإظهارهم خلاف ما يبطنون ولكى يكون لوكرهم هذا "مسجد الضرار" صفة الشرعية ولكى يحصلوا له على دعم معنوى طلبوا إلى الرسول - ﷺ - بعد الانتهاء من بناء هذا المسجد - أن يؤدى - ﷺ - فيه الصلاة، فوعدهم الرسول - ﷺ - أن يفعل ولكن بعد عودته من تبوك، لأنهم جاؤوه وطلبوا منه أن يصلى فيه وهو على أهبة التحرك إلى تبوك، وكاد الرسول - ﷺ - أن يصلى في مسجد الضرار وفاء بالوعد الذي أعطاه لأولئك المنافقين الذين لا يعلمهم، إلا أن القرآن نزل بهدم هذا المسجد بدلًا من الصلاة فيه، فحرقه الرسول - ﷺ - بالنار وحرق معه دارين بجواره لكبيرين من كبار المنافقين.
_________________
(١) النفاق والمنافقون ص ٢٦٣.
[ ١٠ / ١٣٧ ]
وهكذا وبينما كان هؤلاء المنافقون يفركون أيديهم فرحا لأن النبي - ﷺ - سيصلى في وكر الجاسوسية "مسجد الضرار"إذا بألسنة اللهب تلتهم هذا الوكر وبعضهم بداخله ففرروا بجلدتهما وتركوه طعمة للنيران.
فقد جاء في كتب المغازي والسير أن الرسول - ﷺ - لما كان بوادى ذي أوان "ضواحي المدينة" وهو في طريقه إلى تبوك جاءه أصحاب مسجد الضرار. قال الواقدي: جاءه خمسة نفر منهم: صعتب بن قشير وثعلبة بن أبي حاطب، وخدام بن خالد، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبد الله بن نبتل بن الحارث. فقالوا: يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من أصحابنا، إنا قد بنينا مسجدًا لذى القلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، ونحن نحب أن تأتينا فتصلى بنا فيه، ورسول الله - ﷺ - يتجهز إلى تبوك قال رسول الله - ﷺ -: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا بكم فيه. فلما نزل رسول الله - ﷺ - بذى أوان راجعا من تبوك أتاه خبره وخبر أهله من السماء وكانوا إنما بينوه، قالوا بينهم، يأتينا أبو عامر (١) فيتحدث عندنا فيه، فإنه يقول: لا أستطيع آتى مسجد بني عمرو بن عوف "يعني مسجد قباء، إنما أصحاب رسول الله - ﷺ - يلحظوننا بأبصارهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني أبا عامر الفاسق.
وعندما نزل القرآن يوضح لرسول الله - ﷺ - أن ذلك المسجد المشبوه إنما هو مرصد يترصد فيه المنافقون المسلمون ويتخذونه مقرا لمحاربة الله ورسوله استدعى رجلين من أصحابه - وهما عاصم بن عدي بن العجلان (٢) ومالك بن الدخشم السالمى (٣) وأصدر إليهما أمره بأن يتوليا تدمير مسجد المنافقين
_________________
(١) أبو عامر الراهب هذا الذي أطلق عليه اسم "الفاس" كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الله بالإسلام غص به فالتجأ هو وخمسون من أصحابه الأوس إلى قريش بمكة وحضر معهم ضد المسلمين معركة أحد وقد حاول ابنه حنظلة قتله يوم أحد ولكنه لم يتمكن من ذلك. ولم يذكر المؤرخون كيف عاد أبو عامر هذا إلى المدينة وكيف سمع له الرسول - ﷺ - بالإقامة فيها. ولكن يظهر أنه تظاهر بالإسلام مثل غيره من المنافقين فتركه الرسول - ﷺ - وشأنه كما هي سياسته حيال المنافقين.
(٢) عاصم هذا يعد في البدريين رغم أنه لم يحضر بدر. انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر).
(٣) انظر ترجمة مالك بن الدخشم في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ١٠ / ١٣٨ ]
إياه بالنار، حيث قال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه ثم حرقاه، فخرجا سريعين على أقدامهما حتى أتيا مسجد بني سالم. فقال مالك بن الدخشم لعاصم بن عدي: أنظرني حين أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه النار. ثم خرجا سريعين يعدوان حتى انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم "أي المنافقون" فيه، وإمامهم يومئذ مجمع بن جارية (١)، فقال عاصم: ما أنسى تشرفهم إلينا كأن آذانهم آذان السرحان، فأحرقناه حتى احترق، وكان الذي ثبت فيه زيد بن جارية بن عامر حتى احترقت إليته، فهدمناه حتى وضعناه بالأرض وتفرقوا.
فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارًا - وكان من دار وديعة بن ثابت ودار أبي عامر "الراهب" إلى جنبهما فأحرقوهما معه - فقال عاصم: ما كنت لأتخذ مسجدا قد نزل فيه ما نزل دارًا، وأن بي عنه لغنى يا رسول الله، ولكن أعطه ثابت بن أقرم (٢) فإنه لا منزل له. فأعطاه ثابتًا.
وكان أبو لبابة بن عبد المنذر (٣) قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموص عليه في النفاق ولكنه كان يفعل أمورًا تكره له. فلما هدم المسجد أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلًا، وكان بيته الذي بناه إلى جنبه. قال: فلم يولد له في ذلك البيت مولود قط، ولم يقف فيه حمام قط، ولم تحضن فيه دجاجة قط.
وكان الذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلا، وقال الواقدي: خمسة عشر رجلا ولكن الواقدي لم يذكر سوى اسم اثنى عشر وهم: جارية بن عامر "وهو الملقب بحمار الدار" وابنه مجمع "ولم يكن منافقًا" وهو
_________________
(١) مجمع بن جارية هذا من الأوس وكان أبوه جارية بن عامر من المنافقين الذين اتخذوا مسجد الضرار، ولكن مجمعًا كان شابًّا صالحًا وكان يصلى بالمنافقين ولكنه لا يعلم خبث نواياهم وسوء طوياهم. وقد جعله عمر بن الخطاب يصلى بقومه، وقد جمع القرآن إلا سورة أو سورة. انظر ترجمته مفصلة في "أسد الغابة".
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة مؤتة).
(٣) انظر ترجمة أبي لبابة في كتابنا (غزوة بني قريظة).
[ ١٠ / ١٣٩ ]
إمامهم، وابنه زيد بن جارية -وهو الذي احترقت إليه فأبى أن يخرج- وابنه يزيد بن جارية، ووديعة بن ثابت، وخذام بن خالد - ومن داره أخرج - وعبد الله بن نبتل، وبجاد بن عثمان، وأبو حبيبة بن الأزعر، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف وثعلبة بن حاطب.
وقد قال رسول الله - ﷺ - في خذام وبجاد: زمام خير من خذام وسوط خير من بجاد.
وكان مخبر هؤلاء المنافقين وجاسوسهم على رسول الله - ﷺ - هو عبد الله بن نبتل، كان يأتي رسول الله - ﷺ - فيسمع حديثه ثم يأتي المنافقين به، فجاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد، إن رجلا من المنافقين يأتيك فيسمع حديثك، ثم يذهب به إلى المنافقين، قال رسول الله - ﷺ -: أيهم هو؟ قال: الرجل الأسود ذو الشعر الكثير، الأحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده كبد حمار فينظر بعينى شيطان.
وكان عاصم بن عدي قد أدرك قبل التحرك إلى تبوك أن هذا المسجد "الوكر" إنما هو من بناء المنافقين المجرمين، فكان يحدث فيقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي - ﷺ - فرأيت عبد الله بن نبتل، وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار، وهما يصلحان ميزابًا قد فرغا منه، فقالا: يا عاصم، إن رسول الله - ﷺ - قد وعدنا أن يصلى فيه إذا رجع. فقلت في نفسي: والله ما بنى هذا المسجد إلا منافق معروف بالنفاق أسسه أبو حبيبة بن الأزعر، وأخرج من خذام، ووديعة بن ثابت في هؤلاء الفر .. - والمسجد الذي بنى رسول الله - ﷺ - بيده يؤسسه جبريل - ﵇ - يؤم به البيت - فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذمّ أهله الذين جمعوا في بنائه وأعانوا فيه.
وقيل لعاصم بن عدي - وكان خبيرًا بالمنافقين -: ولم أرادوا بناءه؟ قال: كانوا يجمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض، فيلحظهم المسلمون، فشق ذلك عليهم وأرادوا مسجدًا يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم، فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدم هذا، وذاك أن أصحاب محمد
[ ١٠ / ١٤٠ ]
يلحظوننى وينالون مني ما أكره، قالوا: نحن نبنى مسجدًا تتحدث فيه عندنا (١).
وفي مسجد الضرار أنزل. الله تعالى قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ -المراد به أبو عامر الفاسق- ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
وعندما عاد النبي - ﷺ - من تبوك إلى المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيَّات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، إلا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم (٣) .. قلت من المحتمل جدًّا أن يكن النساء والصبيان والولائد أنشدن هذا الشعر إعادة، كما يحدث في كثير من المناسبات والله أعلم.
وروي البخاري في صحيحه أن النبي - ﷺ - حين دنا من المدينة قال: "إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة.؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، وفي صحيح البخاري عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٤٥ - ١٠٤٦ - ١٠٤٧ - ١٠٤٨ - ١٠٤٩ وزاد المعاد ج ٣ ص ١٩ - ٢٠ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٧٣ - ١٧٤ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٢١ - ٢٢ والسيرة الحلبية ج ٣ وجوامع السيرة ص ٢٥٣ - ٢٥٤ وإمتاع الأسماع ص ٤٨٠ - ٤٨١ - ٤٨٢ - ٤٨٣ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢.
(٢) التوبة: ١١٠.
(٣) البداية والنهاية ج ٥ ص ١٢٢.
[ ١٠ / ١٤١ ]
على المدينة قال: "هذه طابة، وهذا جبل أحد يحبنا ونحبه. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله - ﷺ - إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك.
قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فتاب الله عليهم:
الضعف البشرى يكاد يكون من الصفات التي لا تفارق الإِنسان، بل هي من صفاته الأساسية وحتى في العهد النبوي، عهد الإِيمان والصدق والتضحية والفداء والصبر والإِيمان ونكران الذات في سبيل نصرة العقيدة. حتى في ذلك العهد المثالي المشرق الذي جيله هم المثل الأعلى لمن أتى بعدهم في السمو والبذل والعطاء إلى حد السخاء بالروح في سبيل دعم العقيدة، حتى في ذلك العهد النبوي - حيث كان الوحى ينزل من السماء على رسول الأمة - ﷺ - فعل الضعف البشرى فعله الجالب للعقوبة في مجموعة من الصفوة المختارة من أصحاب محمد - ﷺ -، فأتوا ما نكد عليهم صفو حياتهم وعمل تمزيقًا بخناجر الهم والحزن في قلوبهم الطاهرة التي لم يخالطها شك أو ارتباب في الدين الذي ناصروه والنبي الذي أحبوه بكل معاني هذه الكلمة، إذ تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك لا عن ضعف في الإِيمان أو جدب في العقيدة أو تذبذب في الإِسلام، ولكن كان تخلفهم تحت تأثير الضعف البشرى الذي "في فترة من هذا الضعف" حبب إليهم الراحة والدعة في الظل بين الأهل وطيب الثمار على مشقة الغزو والجهاد في الحر والتقشف وشظف العيش، فاستجابوا "مع التردد" لهذا الضعف البشري، فتخلفوا عن رسول الله - ﷺ -، فكانت لهم محنة وأية محنة قاسية، لم يخرجهم وينجيهم من براثنها التي أخذت كلاليبها بمخانقهم إلا الصدق.
فترفع بهم إيمانهم الصادق عن أن يسلكوا سبيل المنافقين، فيعتذروا ويكذبوا، مع علمهم أنهم ليس لهم عذر في هذا التخلف إلا الضعف البشري - إن أمكن تسميته عذرًا - وذلك هو الذي رشحهم للنجاة من
[ ١٠ / ١٤٢ ]
غضب الله تعالى، فتاب الله عليهم بعد أن كادوا أن يهلكوا، تاب عليهم لأنهم اعترفوا بذنوبهم، فأقروا لرسول الله - ﷺ - بأنهم لم يكن لهم أي عذر حين تخلفوا عن المفروض على كل قادر من المسلمين، فأرجأ الرسول - ﷺ - البت في أمرهم منتظرًا أمر الله تعالى فيهم، فأمر المسلمين بمقاطعتهم، وأمرهم كذلك بأن يعتزلوا نساءهم حتى نزل القرآن بتوبتهم.
إن قصة توبة هؤلاء الصحب الكرام الثلاثة شيقة وشاقة وصعبة، فقد نالهم نتيجة صدقهم الكامل الشيء العظيم من الآلام النفسية المبرحة والتعرض للفتنة القاسية، ولكن إيمانهم الصادق صمد لكل ذلك، رغم ما سبب لهم هذا الصدق من محن شديدة وآلام نفسية كادت أن تأتى على نفوسهم فيموتوا كمدا.
فقد شاء الله أن لا يتذوقوا حلاوة الصدق وبهجة نتائجه إلا بعد أن تجرعوا كؤوس مرارة الصبر عليه، وفي ذلك عبر ومواعظ ودروس للمؤمنين، فالمؤمن "إذا أخطأ" فلا يتهرب ولا يتبرم من الاعتراف "صادقًا" بالخطأ، حتى وإن كانت نتائج هذا الصدق قاسية. ففي الغالب "وفي مجال الخطأ" تكون نتائج التزام الصدق - دونما لف أو دوران متاعب كبيرة في هذه الدنيا، ولكن يقابلها في النهاية سعادة أخرى، لأن الآلام الناتجة عن التزام الصدق آلام عابرة رغم شدتها، ولكن لذائذ الصدق في النهاية لذائذ لا تنتهي. ففي الدنيا يشعر الصادق - بعد تعرضه لموجات آلام الاعتراف بالخطأ - بسعادة نفسية لا تعادلها سعادة، والسعادة الكبرى والأكبر هي سعادته الأبدية في الآخرة جزاء التزامه الصدق.
ولما كان في قصة هؤلاء الصحب الكرام الثلاثة الذين تخلفوا "دونما مبرر" عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك لما في هذه القصة من دروس عالية في الصدق ومحاسبة النفس على خطئها وفي الثبات على الإِيمان والاستجابة لنداء الضمير بعد استيقاظه "إن صح هذا التعبير" سنروى لكم قصة هؤلاء الثلاثة الذين أشار القرآن الكريم إلى تخلفهم وكيف تاب الله علم، وذلك ليدرك الإنسان "أي إنسانًا كيف أن الصدق" وخاصة من الإنسان ضد نفسه إذا أخطأ" هو الذي ينجى صاحبه كل النجاة، وكيف أن الله تعالى
[ ١٠ / ١٤٣ ]
يقبل التوبة الصادقة من عباده إذا أخلصوا في محاكمتهم لأنفسهم بالصدق والتوبة مهما كانت معصيتهم حتى ولو كانت الشرك الأكبر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١).
إن هؤلاء الثلاثة من الصحب الكبرام الذين أذنبوا بتخلفهم عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك هم من الأنصار، وهم "كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع" وقصتهم كما رواها عامة أصحاب الحديث والسير والمفسرون كما يلي:
قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها، غير أنى تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.
كان من خبرى أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة "يعني غزوة تبوك" غزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازًا وعدوا كثيرًا، فجلى للمسلمين أميرهم ليتأهبوا، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ .. ويستطرد كعب بن مالك فيقول: وغزا رسول الله - ﷺ - حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، فطفقت لكى أغدو أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئًا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز ولم أقض شيئًا، ثم غدوت ورجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت ورجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارطوا، وهممت أن
_________________
(١) الزمر: آية ٥٣.
[ ١٠ / ١٤٤ ]
أرتحل فأدركهم وليتنى، فعلت فلم يقدّر لي ذلك.
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - فطفت فيهم أحزننى، لأننى لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس، ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظر في عطفه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله - ﷺ -.
وإذا كان كعب بن مالك، قد ذكر في بعض قصة تخلفه الحقيقة في صدق المؤمن وإيمان الصادق بأن لا عذر له في التخلف عن رسول الله - ﷺ -، فإن صاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع لم يكونا بأقل منه مستوى من حيث الصراحة مع أنفسهما ومع رسول الله - ﷺ - حين صدقاه الحديث بأنهما لم يكن لهما عذر في التخلف، فعلم الله ما في أنفس الثلاثة فتاب ﷾ عليهم جميعًا.
ولنترك هلال بن أمية يحدثنا قصته وقصة زميله مرارة بن الربيع. قال هلال بن أمية حين تخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك: والله ما تخلفت شكا ولا ارتيابا، ولكن كنت مقويا في المال. قلت: اشترى بعيرًا، ولقينى مرارة بن الربيع، فقال: أنا رجل مقو فأبتاع بعيرًا وأنطلق به. فقلت: هذا صاحب أرافقه، فجعلنا نقول نغدو فنشترى بعيرين فنلحق بالنبي - ﷺ - ولا يفوت ذلك، نحن قوم مخفّون على صدر راحلتين فغدا نسير فلم نزل ندفع ذلك ونؤخر حتى شارف رسول الله - ﷺ - البلاد. فقلت: ما هذا بحين خروج، وجعلت لا أرى في الدار ولا في غيرها إلا معذورًا أو منافقا معلنا فأرجع مغتمًا بما أنا فيه، وكان أبو خيثمة قد تخلف معنا، وكان لا يتهم في إسلامه ولا يغمص عليه فعزم على ما عزم، وكان أبو خيثمة يسمى عبد الله بن خيثمة السالمى، فرجع بعد أن سار رسول الله - ﷺ - حتى دخل على امرأتين له في يوم حار فوجدهما في عريشين لهما، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماءًا وهيأت له فيه طعامًا. فقال: سبحان الله، رسول الله - ﷺ - قد غفر له من ذنبه ما تقدم
[ ١٠ / ١٤٥ ]
وما تأخر في الضح (١) والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيأ وامرأتين حسناوين مقيم في ماله، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى أخرج - فألحق برسول الله - ﷺ - فأناخ، ناضحه - يعني بعيره - وشد عليه قتبه وتزود وارتجل، فجعلت امرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما حتى أدرك عمير بن وهب الجمحى (٢) بوادى القرى يريد النبي - ﷺ - فصحبه فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة: يا عمير إن لي ذنوبا وأنت لا ذنب لك فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله - ﷺ - قبلك ففعل عمير، فسار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله - ﷺ - نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب الطريق. قال رسول الله - ﷺ -: كن أبا خيثمة. فقال الناس: يا رسول الله هذا أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: أولى لك يا أبا خيثمة، ثم أخبر رسول الله - ﷺ - الخبر، فقال له رسول الله - ﷺ -: خيرًا ودعا له.
هذه القصة رواها - بكل صدق ونزاهة وتجرد وأمانة - أحد الثلاثة الذين تخلفوا، وكاد أبو خيثمة أن يكون منهم لولا أنه تغلب على ضعفه البشرى فلحق برسول الله - ﷺ - وبقى الثلاثة من الصحب الكرام (كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع) يتجرعون هموم تخلفهما عن رسول الله - ﷺ -، لأن حرارة الإيمان الصادق أيقظت ضمائرهما العامرة بالصدق والطهارة والنقاء فتحملوا - نتيجة تغلب الضعف البشرى عليهم - الشيء العظيم، وكان الهم الثقيل الذي تحملوه وشعروا بثقله يكاد يقطع نياط قلوبهم بعد فوات الأوان دليل عافية في إيمانهم، فلولا هذا الإِيمان الصادق ما أشغلوا بالهم، وما تحملوا منه ما تحملوا مما كاد أن يودى بحياتهم، فقد كان بإمكانهم أن ينتحلوا الأعذار ويبرروا تخلفهم أمام الرسول - ﷺ - بأي مبرر كاذب كما فعل المنافقون الذين قبل منهم الرسول - ﷺ - عذرهم مع انطوائهم على الغش والكذب والتزوير، ولكن كيف لإيمان
_________________
(١) الضح -بكسر الضاد-: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض.
(٢) انظر ترجمة عمير بن وهب في كتابنا "غزوة بدر الكبرى".
[ ١٠ / ١٤٦ ]
كعب بن مالك شاهد بيعة العقبة وصاحبيه المؤمنين أن يسلكوا طريق المنافقين الشائن المنحط، وهم الذين لم يجد الشك والريبة الطريق إلى قلوبهم لحظة واحدة في حياتهم، فاعتصموا لذلك بقلعة الصدق، وقالوا لرسول الله - ﷺ - الحقيقة دونما أي (تغليف أو طك أو رتوش) فدفعوا ثمن هذا الصدق غاليًا، كؤوسًا مترعة بالكروب والهموم، تجرعوها عشرات الأيام حينما أمر رسول الله - ﷺ - المسلمين بمقاطعتهم حين لم يقدموا عذرًا، بل اعترفوا بتقصيرهم لدى التحقيق الذي أجراه الرسول - ﷺ - مع كل الذين ينتسبون إلى الإِسلام وتخلفوا عن غزوة تبوك.
أما المنافقون "وهم كثر" فقد أسعفهم جدب قلوبهم من الإِيمان على أن يقدموا لرسول الله - ﷺ - من المعاذير ما يخالف الحقيقة، فقبل عذرهم واعتذارهم الظاهر ووكل باطنهم إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، لأنه - ﷺ - بشر لا يعلم من الغيب شيئًا إلا مما أخبره الله تعالى به عن طريق الوحى. أما كعب بن مالك وصاحباه المبرآن من الدِّخَل والنفاق فقد اعترفوا بذنبهم، فأعلنوا أنهم حين تخلفوا لم يكن لتخلفهم من مبرر فأسلموا أمرهم لله، فأمر الرسول - ﷺ - بتركهم وشأنهم، بل ومقاطعتهم حتى بتَّ القرآن في قضيتهم، فنزل بتوبتهم.
كعب بن مالك يتحدث عن مأساته:
ويحدثنا كعب بن مالك عن مأساته القاسية وكيف أنه لم يكن أمامه وصاحبيه مخرج سوى شيء واحدٌ يقولونه لدى استجواب الرسول - ﷺ - لهم: لماذا تخلفوا عن واجب الجهاد في سبيل الله تعالى، كما يحدثنا كعب عن فئات المنافقين الذين اختصروا ما يمكن أن يواجهوا من متاعب لتخلفهم، وذلك بلجوئهم إلى الكذب والتزوير بإظهارهم خلاف ما يبطنون.
قال كعب بن مالك: لما بلغني أن رسول الله - ﷺ - قافًلا من تبوك حضرنى بثّى، فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول الله - ﷺ - غدًا وأستعين على ذلك كل ذي رأى من أهلي، حتى ربما ذكرته للخادم رجاء أن يأتينى شيء أستريح إليه، فلما قيل: إن رسول الله
[ ١٠ / ١٤٧ ]
- ﷺ - قد أظل قادمًا، زاح عنى الباطل، وعرفت أنى لا أنجو منه إلا بالصدق فأجمعت أن أصدقه وصبَّح رسول الله - ﷺ - المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم وأيمانهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.
ويقال من غير حديث كعب: إن رسول الله - ﷺ - لما نزل بذى أوان خرج عامة المنافقين الذين تخلفوا عنه: فقال رسول الله - ﷺ -: لا تكلموا أحدا منهم تخلَّف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم، فلم يكلموهم، فلما قدم المدينة جاءه المعذّرون يحلفون له وأعرض عنهم، وأعرض المؤمنون عنهم حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه وعمه، فجعلوا يأتون النبي - ﷺ - ويعتذرون إليه بالحمى والأسقام، فيرحمهم رسول الله - ﷺ - فيقبل منهم علانيتهم وأيمانهم، فحلفوا فصدقهم واستغفر لهم، ويكل أمرهم إلى الله ﷿.
قالوا: وقال كَعب بن مالك: جئت النبي - ﷺ - وهو جالس في المسجد، فسلمت عليه، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي، تعال، فجئت أمشى ثم جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلًا، ولكن والله لقد علمت. لئن حدثتك اليوم حديثًا كاذبًا لترض عنى ليوشكن الله ﷿ أن يسخط عليَّ، ولئن حدثتك اليوم حديثًا صادقًا تجد (١) عليَّ فيه، أنى لأرجو عقبى الله فيه. ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله - ﷺ -: أما أنت فقد صدقت، فقم حتى يقضى الله ﷿ فيك، فقمت وقام معى رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، وقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - ﷺ - بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك. فوالله ما زالوا بي
_________________
(١) تجد: أي تغضب "النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج ٤ ص ١٩٦".
[ ١٠ / ١٤٨ ]
يؤنبوننى حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - ﷺ - فأكذب نفسي، فلقيت معاذ بن جبل وأبا قتادة فقالا لي: لا تطع أصحابك وأقم على الصدق، فإن الله سيجعل لك فرجًا ومخرجًا إن شاء، فأما هؤلاء المعذّرون، فإن يكونوا صادقين فسيرضى الله ذلك ويعلمه نبيه، وإن كانوا على غير ذلك يذمهم أقبح الذمّ ويكذب حديثهم، فقلت لهم: هل لقى هذا غيرى؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة وقدوة.
فرض العزل الاجتماعى الذين خلفوا:
ثم يتحدث كعب بن مالك عن الآلام النفسية المبرحة التي عاناها وصاحباه نتيجة العزل الاجتماعى الذي فرضه الرسول - ﷺ - عليهم فيقول: ونهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا أيها الثلاثة - من بين مَنْ تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي والأرض التي كنت أعرفها، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا فقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، وكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف بالأسواق، فلا يكلمنى أحد، حتى آتى رسول الله - ﷺ - وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي: حرك شفتيه برد السلام على أم لا؟، ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة، - وهو ابن عمى وأحب الناس إلى - فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمنى أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت قلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمنى أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت فنشدته الثالثة فقال: الله ورسوله أعلم، فاضت عيناى، فوثبت فتسورت الجدار ثم غدوت إلى السوق.
ملك غسان يتصل بكعب بن مالك يغريه بالكفر:
ويستطرد كعب بن مالك فيتحدث عن أمر ضاعف من آلامه النفسية،
[ ١٠ / ١٤٩ ]
وهو أن ملك الغساسنة النصارى بالشام علم بمأساة كعب بن مالك فأراد استغلالها لعله ينجح في إغراء كعب بترك دينه ومغادرة المدينة والالتحاق بالشام لكون ضمن أسرة الغساسنة المتنصرين. فقال مالك: فبينا أنا أمشى بالسوق فإذا نبطى من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالسوق يسأل عنى يقول: من يدلنى على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون له، فدفع إلى كتابًا من الحارث بن أبي شمر ملك غسان -أو قال: من جبلة بن الأيهم- في سرقة (١) من حرير، فإذا في كتابه: أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال كعب: فقلت حين قرأته: وهذا من البلاء أيضًا، قد بلغ منى ما وقعت فيه أن طمع في رجال من أهل الشرك، فذهبت بها إلى تنور فسجرته (٢) بها، وأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله - ﷺ - يأتينى فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها، وكان الرسول بعث إليّ وإلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، خزيمة بن ثابت. قال كعب: فقلت لامرأتى الحقى بأهلك، فكونى عندهم حتى يقضى الله في هذا الأمر ما هو قاض.
وأما هلال بن أمية فكان رجلًا صالحا، فبكى حتى أن كان يرى أنه هالك من البكاء، وامتنع من الطعام، فإن كان يواصل اليومين والثلاثة من الصوم ما يذوق طعامًا، إلا أن يشرب الشربة من الماء أو اللبن، ويصلى الليل ويجلس في بيته لا يخرج، لأن أحدًا لا يكلمه، حتى إن كان الولدان ليهجرونه لطاعة رسول الله - ﷺ -، فجاءت امرأته إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع، لا خادم له، وأنا أرفق به من غيرى، فإن رأيت أن تدعنى أن أخدمه فعلت. قال: نعم، ولكن لا تدعيه يصل إليك. فقالت: يا رسول الله ما به من حركة إلى، والله ما زال يبكى منذ يوم كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، وأن
_________________
(١) السرقة -بفتح أوله وثانيه-: الشقة من الحرير، وقال بعضهم: الرق أحسن الحرير وأجوده.
(٢) سجره: أي ألهب التنور بها، يعني أنه أحرقها "شرح أبي ذر ص ٤٢٦".
[ ١٠ / ١٥٠ ]
لحيته لتقطر دموعا الليل والنهار، ولقد ظهر البياض على عينيه حتى تخوفت أن يذهب بصره. قال كعب: فقال لي بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله - ﷺ - لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن خدمه. فقلت: والله، لا أستأذنه فيها، ما يدرينى ما يقول رسول الله - ﷺ - في ذلك إذا استأذنته، وأنا رجل شاب، والله لا أستأذنه. ثم لبثنا بعد ذلك عشر ليالٍ، وكملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا.
انتهاء المحنة بالتوبة:
ثم يستطرد كعب بن مالك متحدثًا عن مجيء الفرج عن السماء بانكشاف المحنة القاتلة وذلك بنزول القرآن بتوبة الثلاثة المتخلفين من الصحابة التي ذكر الله فيقول: ثم صليت الصبح على ظهر بيت من بيوتنا على الحال التي ذكر الله ﷿، وقد ضاقت على الأرض بما رحبت، وضاقت على نفسي، وقد كنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع، فكنت، إذ سمعت صارخا أوفى على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج. فأذن رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حِين صلى الصبح.
وكانت التوبة التي تاب الله بها على الصحابة الكرام الثلاثة قد تضمتنها ثلاث آيات وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إِلَيهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وكانت أم المؤمنين أم سلمة تروى حديث هذه التوبة فتقول: قال لي رسول الله - ﷺ - من الليل: يا أم سلمة، قد نزلت توبة كعب بن مالك وصاحبيه. فقلت: يا رسول الله، ألا أرسلت إليهم فأبشرهم؟ فقال: رسول الله - ﷺ -: يمنعونك النوم آخر الليل، ولكن لا يرون حتى يصبحوا. قال: فلما صلى رسول الله - ﷺ - الصبح أخبر الناس بما تاب الله
[ ١٠ / ١٥١ ]
على هؤلاء النفر، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. فخرج أبو بكر فواى على سلع فصاح: قد تاب الله على كعب يبشره بذلك.
وخرح الزبير بن العوام على فرسه في بطن الوادي فسمع صوت أبي بكر قبل أن يأتي الزبير، وخرج أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال يبشره ببنى واقف، فلما أخبره سجد، قال سعيد: فظننت أنه لا يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، وكان بالسرور أكثر بكاء منه بالحزن حتى خيف عليه، ولقيه الناس يهنئونه، فما استطاع المشي إلى رسول الله - ﷺ - لما ناله من الضعف والحزن والبكاء، حتى ركب حمارًا، وكان الذي بشر مرارة بن الربيع سلكان بنن سلامة أبو نائلة، وسلمة بن سلامة بن وقش، ووافيا الصبح مع النبي - ﷺ - من بني عبد الأشهل، ثم انطلقا إلى مرارة فأخبراه، فاقبل مرارة حتى توافوا عند النبي - ﷺ -.
وقال كعب بن مالك: وكان الصوت الذي سمعت من الفارس الذي يركض في الوادي - وهو الزبير بن العوام - والذي صاح على سلع - يقوق كعب -: كان رجلا من أسلم يقال له حمزة بن عمرو، وهو الذي بشرني. قال: فلما سمعت صوته نزعت ثوبى فكسوتهما إياه لبشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، ثم استعرت ثوبين من أبي قتادة فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله - ﷺ -، وتلقاني الناس يهنئوننى بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المجلس ورسول الله - ﷺ - جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن طلحة فحياني وهنأني، ما قام إلى من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال لي ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، ويقال قال له: تعال إلى خير يوم ما طلع عليك شرقه قط، قال كعب: أمن عندك يا رسول الله، أو من عند الله؟ فقال: من عند الله ﷿، قال: وكان رسول الله - ﷺ - إذا سر يستنير حتى كأن وجهه فلقة قمر، وكان يعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتى إلى الله وإلى رسوله أن أنخلع من مالى إلى الله ورسوله، فقال رسول الله - ﷺ -:
[ ١٠ / ١٥٢ ]
أمسك عليك بعض مالك، هو خير لك. قال: قلت: إني ممسك بسهمى الذي بخيبر، قال رسول الله - ﷺ -: لا، قلت: النصف، قال: لا، قلت: فالثلث، قال: نعم، قال: إني يا رسول الله أحبس سهمى الذي بخيبر. قال كعب: قلت: يا رسول الله إن الله ﷿ أنجانى بالصدق، فإن توبتى إلى الله أن لا أُحدث إلا صدقًا ما حييت. قال كعب: والله، ما أعلم؟ أحدًا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله - ﷺ - أفضل مما أبلانى، والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومى هذا، وإني لأرجو أن يحفظنى الله ﷿ فيما بقى. وقال كعب وكان شاعرًا:
سبحان ربي إن لم يعف عن زللي فقد خسرت وتب القول والعمل
ثم قال كعب: فوالله ما أنعم الله على من نعمة قط إذ هدانى للإِسلام كانت أعظم في نفسي من صدقى رسول الله - ﷺ -، ألا أكون كذبته يومئذ، فأهلك كما هلك الذين كذبوه. قال الله تعالى في الذين كذبوه حين أنزل عليه الوحى شر ما قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
قال كعب: وكنا خلفنا آيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله - ﷺ - حين حلفوا فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٦ ص ١٩ - ٢٠ - ٢١ - ٢٢ - ٢٣ - ٢٤ - ٢٥ ومغازى الواقدي ج ٣ ص ١٠٤٩ - ١٠٥٠ - ١٠٥١ - ١٠٥٢ - ١٠٥٣ - ١٠٥٤ - ١٠٥٥ ١٠٥٦ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٧٥ - ١٧٦ - ١٧٧ - ١٧٨ - ١٧٩ - ١٨٠، وإمتاع الأسماع ص ٤٨٥ - ٤٨٦ - ٤٨٧ - ٤٨٨ وزاد المعاد - ج ٣ ص ٢١ - ٢٢ - ٢٣ - ٢٤ - ٢٥ - ٢٦ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٣٣ - ٢٤ - ٢٥ - ٢٦ وجوامع السيرة ص ٢٥٥ وتاريخ الطبري ج ٩٣ الكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٢ ص ١٩٢ - ١٩٣ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ١١١ وتاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٨٢٢ وبهجة المحافل ج ٢ ص ٣٥ - ٣٦ - ٣٧ - ٣٨ - ٣٩ - ٤٠ - ٤١ - ٤٢ - ٤٣ وحياة محمد ص ٤٦٠ - ٤٦١ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٦٨ - ٢٦٩ - ٢٧٠ والطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ١٦٧.
[ ١٠ / ١٥٣ ]
أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى (١).
تاريخ القدوم من تبوك:
وذكر الواقدي فقال: قالوا: وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة في رمضان سنة تسع. فقال: الحمد لله على ما رزقنا في سفرنا هذا من أجر وحسنة ومن بعدنا شركاؤنا فيه. فقالت عائشة: يا رسول الله، أصابكم السفر وشدة السفر ومن بعدم شركاؤكم فيه؟ .
فقال رسول الله - ﷺ -: أن بالمدينة لأقوامًا ما سرنا من مسير ولا هبطنا واديًا إلا كانوا معنا حبسهم المرض، أوليس الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٢) فنحن غزاتهم وهم قعدتنا. والذي نفسي بيده لدعاؤهم أنفذ في عدوّنا من سلاحنا.
قالوا: وجعل المسلمون يبيعون سلاحهم ويقولون: انقطع الجهاد،
فجعل القوم منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فنهاهم عن ذلك وقال: لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال.
وذكر ابن كثير فقال: قال علي بن طلحة الوالبى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد فلما مر بهم رسول الله - ﷺ - قال: (من هؤلاء؟) قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما أن بلغهم ذلك، قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. قال ابن كثير: وعسى من الله واجب، فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله - ﷺ - فأطلقهم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٥٦.
(٢) التوبة: ١٢٣.
(٣) التوبة: ١٠٢.
[ ١٠ / ١٥٤ ]
وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها وعنا واستغفر لنا، فقال: (ما أمرت أن آخذ أموالكم) فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). قال: والمرجون هم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى آخرها، وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه.
وذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم أنه تخلف عن غزوة تبوك أيضًا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة، فقال له رسول الله - ﷺ -: "يكفيك من ذلك الثلث"، قال مجاهد وابن إسحاق، وفيه نزل: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. قال سعيد بن المسيب ثم لم يكن منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيرًا ﵁.
وروى البيهقي من طريق أبي أحمد الزبيرى عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: "إنّ منكم منافقين فمن سميت فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى عدّ ستة وثلاثين، ثم قال: إن فيكم -أو إن منكم- منافقين سلوا الله العافية"، قال: فمرّ عمر برجل مقنع وقد كان بينه وبينه معرفة، فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله - ﷺ -،
فقال: بعدا لك سائر اليوم.
قال ابن كثير: قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام: مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم.
_________________
(١) التوبة: آيات ١٠٣ - ١٠٤ - ١٠٥ - ١٠٦.
[ ١٠ / ١٥٥ ]
ومعذورون، وهم الضعفاء والرضى، والمقلون وهم البكَّاؤون.
وعصاة مذنبون وهم الثلاثة وأبو لبابة وأصحابه المذكورون.
وآخرون ملومون مذمومون، وهم المنافقون (١).
وفاة زعيم المنافقين ابن أُبَيٍّ:
وفي شهر شوال عام تبوك مرض زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ومات في ذي القعدة في السنة التاسعة هجرية، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله - ﷺ - يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله - ﷺ - وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتك عن حب اليهود. فقال عبد الله بن أبي: أبغضهم سعد بن زرارة فما نفعه. ثم قال ابن أبي يا رسول الله، ليس بحين عتاب، فإن مت فاحضر غسلى وأعطنى قميصك أكفن فيه. فأعطاه الأعلى - وكان عليه قميصان - فقال: الذي يلي جلدك، فنزع قميصه الذي في جلده فأعطاه، ثم قال: صل عليّ واستغفر لي، وكان جابر بن عبد الله يقول: جاء رسول الله - ﷺ - بعد موت ابن أبي إلى قبره، فأمر به فأخرج، فكشف عن وجهه ونفث عليه من ريقه، وأسنده إلى ركبتيه وألبسه قميصه - وكان عليه قميصان - وألبسه الذي يلي جلده. قال الواقدي: والأول أثبت عندنا، أن رسول الله - ﷺ - حضر غسله وحضر كفنه، ثم حمل إلى موضع الجنائز، فتقدم رسول الله - ﷺ - ليصلى عليه، فلما قام وثب عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله أتصلى على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا ويوم كذا وكذا، فعدَّ عليه قوله، فتبسم النبي - ﷺ - وقال: أخّر عنى يا عمر، فلما أكثر عليه عمر قال: إني قد خيّرت فاخترت، ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له زدت عليها، وهو قوله ﷿: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٢).
يقال إنه - ﷺ - قال: سأزيد على السبعين. فصلى رسول الله - ﷺ - ثم انصرف، فلم يكن إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآيات من براءة: ﴿وَلَا
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٥ ص ٢٦ - ٢٧.
(٢) التوبة: ٨٠.
[ ١٠ / ١٥٦ ]
تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١).
ويقال أنه - ﷺ - لم تزل قدماه بعد دفن ابن أبي حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، فعرف رسول الله - ﷺ - في هذه الآية المنافقين، فكان من مات منهم لم يصل عليه. فقال عمر: فعجبت بعد من جرأتى على رسول الله - ﷺ - يومئذ والله ورسوله أعلم.
وكان مجمّع بن جارية يحدث يقول: ما رأيت رسول الله - ﷺ - أطال على جنازة قط ما أطال عليها -أي جنازة ابن أبي- عن الوقت ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قبره، وقد حمل على سرير يحمل عليه موتاهما عند آل نبيط، وكان أنس بن مالك يحدث يقول: رأيت ابن أبي على السرير، وإن رجلاه لحارجتان من السرير من طوله.
وكانت أم عمارة تحدِّث قالت: شهدنا مأتم ابن أبي، فلم تتخلف امرأة من الأوس والخزرج إلا أتت ابنته جميلة بنت عبد الله بن أبي، وهي تقول: واجبلاه - ما ينهاها أحد ولا يعيب عليها أحد - واجبلاه واركناه، قالوا: ولقد انتهى به إلى قبره.
فكان عمرو بن أمية الضمرى يحدِّث يقول: لقد جهدنا أن ندنوا من سريره، فما نقدر عليه قد غلب عليه هؤلاء المنافقون وكانوا قد أظهروا الإِسلام، وهم على النفاق، من بني قينقاع وغيرهم: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وسلامة بن الحمام، ونعمان بن أبي عامر، ورافع بن حرملة، ومالك بن أبي نوفل، وداعس، وسويد. وكانوا أخابث المنافقين وكانوا هم الذين يعرضونه وكان ابنه عبد الله ليس شيء أثقل عليه ولا أعظم من رؤيتهم، وكان به بطن، فكان ابنه يغلق دونهم الباب، فكان ابن أبي
_________________
(١) التوبة: ٨٤ - ٨٥ - ٨٦ - ٨٩.
[ ١٠ / ١٥٧ ]
يقول: لا يلينى غيرهم. ويقول: أنت والله أحب إلى من الماء على الظماء.
ويقولون: ليتنا نفديك بالأنفس والأولاد والأموال، فلما وقفوا على حفرته، ورسول الله - ﷺ - واقف يلحظهم، ازدحموا على النزول في حفرته وارتفعت الأصوات حتى أصيب أنف داعس وجعل عبادة بن الصامت يذبّهم ويقول: اخفضوا أصواتكم عند رسول الله - ﷺ -، حتى أصيب أنف داعس فسال الدم، وكان يريد أن ينزل في حفرته، فنحيّ ونزل رجال من قومه، أهل فضل وإسلام، وكان لما رأوا من رسول الله - ﷺ - من الصلاة عليه وحضوره، ومن القيام عليه. فنزل في حفرته ابنه عبد الله (وكان من أفضل شباب الصحابة) وسعد بن عبادة بن الصامت، وأوس بن خولى حتى سوّى عليه، وإنَّ عليه أصحاب النبي - ﷺ - والأكابر من الأوس والخزرج يدلونه في اللحد، وهم قيام مع النبي - ﷺ -.
وزعم مجمع بن جارية أنه رأى رسول الله - ﷺ - يدليه بيديه إليهم، ثم قام على القبر حتى دفن، وعزى ابنه وانصرف. فكان عمرو بن أمية يقول: ما لقى أصحابه هؤلاء المنافقون، إنهم هم الذين كانوا يحثون في القبر التراب ويقولون: يا ليت أنا فديناك بالأنفس وكنَّا قبلك، وهم يحثون التراب على رؤوسهم. فكان الذي يحسن أمره يقول: قوم أهل فقر، وكان يحسن إليهم (١).
وقال بعض أهل الحديث والسير: إن الرسول - ﷺ - إنما صنع بعبد الله بن أبي ما صنع، إكرامًا لولده عبد الله حيث سأله ذلك، وما سئل شيئًا قط فقال: لا، وأما القميص فألبسه إياه مكافأة له لأنه ألبس العباس يوم بدر قميصًا، ولم يكن العباس يومئذ ثوب، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي تقدر عليه فكساه إياه كما زواه البغوي عن جابر بصيغة، وروى قال: قال ابن عيينة كانت له عند رسول الله - ﷺ - يد فأحب أن يكافئه. قال: وروى أن النبي - ﷺ - كافأ فيما فعل بعبد الله بن أبي. فقال النبي - ﷺ -: ما يغنى عنه قميصى وصلاتي من الله، والله إن كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه، وروى أنه أسلم بعد موته ألف من قومه لما رأوا تبرّك بقميص النبي
_________________
(١) مغازي الواقدي ١٠٥٧ - ١٠٥٨ - ١٠٥٩ - ١٠٦٠.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
- ﷺ -، وفي هذا -كما قال النووي- بيان عظيم مكارم أخلاق النبي - ﷺ -، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإِيذاء، وقابله بالحسنى، فألبسه قميصه وصلى عليه واستغفر له. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
وقال ابن العربي - تعليقًا على استغراب عمر بن الخطاب صلاة الرسول - ﷺ - على ابن أبي -: وافق عمر ربه تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعًا، منها هذه القصة، وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وفي قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر، وكل هذه في الصحيح، وفي آية المؤمنين كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث علي بن زيد وافقت ربى لما أنزلت: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. فقلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فنزلت. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أنس، وفي تحريم الخمر كما روى أصحاب السنن والحاكم أن عمر قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى تحريمها، وفي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية، ذكره البغوي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومنها قصة الاستغفار للمنافقين، كما روى الطبراني من حديث ابن عباس. قال: لا أكثر رسول الله - ﷺ - من الاستغفار لقوم من المنافقين قال عمر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾.
القرآن والمنافقون:
لقد كانت أكثر أعمال المنافقين بروزًا في غزوة تبوك، ولهذا فقد فضحهم القرآن الكريم، فأنزل الله تعالى أكثر من ثمانين آية في هؤلاء المنافقين، وذلك في سورة براءة التي من أسمائها (الفاضحة) لأنها فضحت هؤلاء المنافقين.
فمن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ
_________________
(١) القلم: آية: ٤.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ (١).
﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).
وقال تعالى - منددًا بهؤلاء المنافقين المتخلفين عن رسول الله - ﷺ -: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَو اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٤).
وقال تعالى - لأن رسوله - ﷺ - أذن لهم وقبل عذرهم -: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٥). ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. (٦). ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٧). ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (٨). ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٩)
ثم ذكر القرآن الكريم ماضي هؤلاء المنافقين السئ بمحاولتهم تمزيق الصف الإِسلامي والإِحاطة بالرسول الأعظم - ﷺ - فقال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (١٠).
_________________
(١) التوبة: ٣٨.
(٢) التوبة: ٣٩.
(٣) التوبة: ٤٠.
(٤) التوبة: ٤٢.
(٥) التوبة: ٤٣.
(٦) التوبة: ٤٤.
(٧) التوبة: ٤٥.
(٨) التوبة: ٤٦.
(٩) التوبة: ٤٧.
(١٠) التوبة: ٤٨.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
ثم ندد القرآن الكريم بأحد زعمائهم الكبار وهو الجد بن القيس الذي قال - لما رغبه الرسول - ﷺ - في الجهاد -: أو تأذن لي ولا تفتنى؟ فوالله، لقد عرف قومى ما أحد أشد عجبًا بالنساء منى وإني لأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر لا أصبر عنهن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١).
وفي المنافقين الذين تخلفوا عن الغزوة مع القدرة، ثم جاؤوا بعد عودة الرسول - ﷺ - ظافرًا يعتذرون وهم كاذبون. قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾ (٢). ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣).
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤). إلى غير ذلك من الآيات التي تضمنتها سورة براءة (الفاضحة).
سيطرة الإِسلام على جزيرة العرب:
وبعد عودة الرسول - ﷺ - بجيشه من غزوة تبوك تلك العودة الظافرة ضرب الإِسلام بجرانه على جميع أنحاء الجزيرة العربية من الجنوب حتى الشمال ومن الشرق حتى الغرب، ولم يبق في الجزيرة من يعادى الإِسلام سوى جيوب وثنية صغيرة تقع في أقصى الجنوب الغربي من جزيرة العرب.
وهذه الجيوب التي تقع في نجران وبلاد مذحج بأقصى جنوب اليمن، وقد بعث الرسول - ﷺ - إلى هذه الجيوب بالبطلين علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد .. على بعث به إلى اليمن، وخالد بعث به إلى بني بلحارث بنجران، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، فأخضع كل من القائدين الناحية التي بعث إليها كما سيأتي تفصيله في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله، وبعد هاتين الحملتين العسكريتين انتهت كل الأعمال العسكرية بجزيرة
_________________
(١) التوبة: ٤٩.
(٢) التوبة: ٩٤.
(٣) التوبة: ٩٥.
(٤) التوبة: ٩٦.
[ ١٠ / ١٦١ ]
العرب، حيث لم يعد أحد خارجًا على سلطان الإِسلام بها اللهم إلا ما حدث في السنة التي توفى فيها رسول الله - ﷺ - حيث تمردت فيها بعض القبائل بتحريض من مدعى النبوة في اليمن واليمامة وبنى أسد وذلك في أخريات أيام الرسول الأعظم - ﷺ - حيث تمرد في اليمن الأسود العنسى وادعى النبوة، كما تمرد في اليمامة وادعى النبوة مسيلمة الكذاب وتمرد وادعى النبوة أيضًا في بني أسد طليحة بن خويلد الأسدي، فأمر الرسول - ﷺ - قطعات من جيشه بإخضاع هؤلاء المرتدين المتمردين، فتم القضاء على فتنة الأسود العنسى قبيل وفاة النبي - ﷺ -. أما فتنة مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد فقد تولى علاجها وإخمادها الخليفة الأول أبو بكر الصديق على يد قائده المغوار خالد بن الوليد كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في كتابنا القادم والتالى لهذا عن (حروب الردة).
[ ١٠ / ١٦٢ ]
الفصل الخامس
• نزول القرآن بفريضة الحج.
• أبو بكر الصديق يحج بالمسلمين نيابة عن النبي - ﷺ -.
• علي بن أبي طالب يبلغ المشركين إنذار القرآن لهم بأن لا يحجوا بعد ذلك العام.
• عام الوفود وتكامل الإِسلام في جزيرة العرب.
• مقابلة زعماء نصارى نجران للنبي - ﷺ - في المسجد وقصة المباهلة.
• جمع الزكوات من المسلمين.
• النبي يحج حجة الوداع.
• تجهيز جيش أسامة إلى الشام.
• مرض الرسول الأعظم - ﷺ - والتحاقه بالرفيق الأعلى.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
أما أهم حدث تشريعى بعد غزوة تبوك فهو افتراض الله الحج على المسلمين في أواخر السنة التاسعة من الهجرة، ولم يكن الحج قبل تلك السنة مفروضًا، وكان النبي - ﷺ - قبل هجرته يحج مع المشركين، أما بعد الهجرة فلم يحج إلا حجة واحدة هي حجة الإسلام والمسماة بحجة الوداع.
وبعد أن فرض الله الحج على المسلمين في التاسعة الهجرية، لم يحج النبي - ﷺ - تلك السنة، لأن عناصر من المشركين كانت حتى تلك السنة تحج، لذلك والله أعلم - بعث رسول الله - ﷺ - أبا بكر الصديق أميرًا على الحج بالمسلمين، فحج معه ثلاثمائة من المسلمين.
وكان بين رسول الله - ﷺ - وبين بعض المشركين عهد، ولما كان تقرر أن تتطهر جزيرة العرب كلها من دنس الشرك ونزلت سورة براءة بذلك، هذه السورة التي حددت فيها أربعون آية العلاقة بين الإسلام والوثنية، حيث أعلن في هذه الآيات أنه لا مكان بعد مدة حددها القرآن - للشرك في جزيرة العرب.
ولما كان الوفاء بالعفود من أخص خصائص الإسلام، فإن القرآن (حين
أمهل المشركين الذين لم يكن لهم عهد، أربعة أشهر ليكون لهم فيها مطلق الحرية في أن يختاروا الدخول في الإسلام أو مغادرة الجزيرة العربية) أمر رسول الله - ﷺ - فيما تخص بالمشركين الذين لهم عهد إلى مدة - أن يتركوا وشأنهم حتى تتهى مدتهم ماداموا لم يرتكبوا مخالفة تخل بالعهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، ثم يطبق عليهم - بعد انتهاء المعاهدة - ما تضمنته آيات الإنذار الموجهة إلى المشركين ككل. وقد كان هذا الأمر صريحًا في صورة براءة التي تضمنت الإنذار فقد قال تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
وكانت سورة براءة قد نزلت بعد أن فصل أمير الحج أبو بكر من المدينة، ولذلك بعث رسول الله - ﷺ - آيات الإنذار لتتلى على المشركين، ابن عمه علي بن أبي طالب، وقد أدرك على أمر الحج أبا بكر بمنطقة العرج قرب الطائف.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
فقد ذكر أصحاب الحديث والسير أن أبا بكر لما كان با العرج في السحر سمع رغاء ناقة رسول الله - ﷺ - القصوى، فقال: هذه القصوى، فنظر فإذا علي بن أبي طالب عليها. فقال له: استعملك رسول الله - ﷺ - على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثنى أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده، فمضيا الاثنان أبو بكر أمير على الحج وعلى مبعوث خاص للنبي - ﷺ - لإبلاغ المشركين الإِنذار الذي جاءت به سورة براءة.
ولما كانت الحجة التي حج فيها أبو بكر بالمسلمين أميرًا هي الحجة الأولى المفروضة في الإِسلام فقد أمر الرسول - ﷺ - الأمير أبا بكر أن يصلح في الحج ما أفسده المشركون فيخالفهم فيما ابتدعوه في أعمال الحج، فأمر أن يكون وقوفه (يوم الوقوف) بعرفة لا بمزدلفة، وكانت قريش لا تقف في الحج بعرفة وإنما تقف بمزدلفة، كما أمره أن لا يدفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وأمره كذلك أن يدفع بالحجيج من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
فخرج أبو بكر بن المدينة حتى قدم مكة - وهو مفرد بالحج - فخطب الناس قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، أي في الوم السابع من ذي الحجة. ولم نجد فيما بين أيدينا من مصادر نصًّا لهذه الخطبة، ولما زاغت الشمس يوم التروية (وهو اليوم الثامن) طاف بالبيت سبعا، ثم ركب راحلته من باب بني شيبة إلى منى، وصلى بها هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ولم يتحرك إلى عرفات يوم التاسع من ذي الحجة حتى طلعت الشمس على ثبير (١)، وبعد أن ركب من منى انتهى إلى نمرة (٢) وهناك نزل في قبة من شعر فقال فيها، فلما زاغت الشمس ركب راحلته حتى وصل بطن عُرَنة (٣)، وهناك صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثم ركب راحلته إلى عرفة، وهناك وقف بالهضاب والمصلى سحابة نهاره، حتى إذا ما غربت الشمس دفع أي خرج بالحجيج، وكان يسير العنق حتى انتهى إلى
_________________
(١) تبير (بفتح أوله وكسر ثانيه): جبل يشرف على منى.
(٢) نمرة (بفتح أوله وكسر ثانيه) قال ياقوت: ناحية بعرفة.
(٣) عُرَنة (بضم أوله وفتح ثانيه): واد بحذاء عرفات على طريق السائر.
[ ١٠ / ١٦٥ ]
جمع (أي المزدلفة) فنزل قريبًا من النار التي على قزح، فلما طلع الفجر صلى الفجر، ثم وقف، فلما أسفر الصبح دفع إلى منى، وكان يقول في وقوفه: أيها الناس أسفروا، أيها الناس أسفروا، فكان يسير العنق حتى انتهى إلى محسر فأوضع رأحلته، فلما جَاوز وادي محسر عاد إلى مسيره الأول، وعندما وصل منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم رجع إلى النحر فنحر ثم حلق، ثم خطب يوم افحر (وهو يوم العيد) على راحلته، وبعد ذلك أكمل مناسك الحج الباقية ثم رجع المدينة.
الإِنذار الذي تلقاه المشركون:
وفي يوم النحر (وهو يوم الحج الأكبر) وقف مبعوث النبي - ﷺ - الخاص علي بن أبي طالب، عند جمرة العقبة - حيث مكان تجمع للحجيج - فأبلغ المشركين - وكانوا يحجون حتى تلك السنة وهي التاسعة من الهجرة - أبلغهم المقرارات التي اتخذها النبي - ﷺ - حسب أمر الله تعالى والتي تتلخص في:
١ - منع أي مشرك أن يحج أو يقرب المسجد الحرام بعد ذلك العام.
٢ - الحظر حظرًا تامًّا على أي إنسان أن يطوف بالبيت وهو عريان، وكان من طقوس الوثنيين الشائنة أن يطوفوا بالبيت وهم عريانين تمامًا رجالا ونساء.
٣ - منح المشركين الذين لا عهد لهم مع المسلمين، منحهم مهلة أربعة أشهر يكونون فيها أحرارًا في اتخاذ القرار النهائى الذي يروق لهم، فعليهم إما أن يدخلوا في الإسلام أو يغادروا جزيرة العرب إلى أي مكان شاعوا، وإلا فليستعدوا للقتال، حيث لم يعد (بعد هذه المدة) مكان للشرك والمشركين في الجزيرة العربية. أما الذين بينهم وبين المسلمين معاهدة فإن لهم حق البقاء في الجزيرة حتى ينتهى أمد المعاهدة، وبعد ذلك يطبق عليهم قانون التخيير بين الدخول في الإسلام أو مغادرة الجزيرة أو القتال.
وكان هذا الإنذار إلى المشركين قد جاء نتيجة نزول أربعين آية من سورة (براءة) نزلت على رسول الله تضمنت هذا الإنذار.
[ ١٠ / ١٦٦ ]
قال ابن كثير: لما نزلت براءة على رسول الله - ﷺ - وكان قد بعث أبا بكر الصديق ليقيم الناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: (لا يؤدى عنى إلا رجل عن أهل بيتي) ثم دعا علي بن أبي طالب فقال: (اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر بمنى ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد رسول الله فهو إلى مدته) فخرج على حتى أدرك أبا بكر، حتى إذا كان يوم النحر قام على فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله - ﷺ - وأجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهما وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله - ﷺ - فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان) (١).
والآيات المتعلقة من سورة براءة بالمعاهدات والمهلة ومنع المشركين من دخول المسجد هي قوله تعالى:
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٥ ص ٣٦ - ٣٧ - ٣٨ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٧٧ - ١٠٧٨ وسيرة ابن هشام.
(٢) التوبة: آيات ١ - ٢ - ٣ - ٤ - ٥.
(٣) التوبة: آية ٢٨.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
حملة خالد بن الوليد إلى نجران .. ربيع الآخر عام ١٠ هـ:
وبعد غزوة تبوك التي حدثت في رجب من السنة التاسعة للهجرة، والتي كانت خاتمة الأعمال الحربية التي يقودها النبي - ﷺ - بنفسه، حوى الإِسلام الوضاء جميع أقاليم الجزيرة العربية تحت جناحية، ما عدا منطقتين قصيتين في الركن الجنوبي من جزيرة العرب، وهما منطقة مذحج باليمن ومنطقة بني الحارث بنجران. هؤلاء لم يجيبوا داعى الإِسلام، فلم يبعثوا بوفودهم إلى المدينة لإِعلان إسلامهم كما فعلت كل العرب خلال السنة التاسعة من الهجرة.
وقد بعث الرسول - ﷺ - إلى مذحج الموجودين في أقصى جنوب اليمن - الإمام علي بن أبي طالب، وإلى بني الحارث في نجران خالد بن الوليد.
ففي شهر ربيع الآخر أصدر الرسول القائد - ﷺ - أمرًا إلى القائد خالد بن الوليد بأن يتحرك إِلى بني الحارث بنجران - وكانوا بطن من القحطانية عظيم من مزحج فَهُمْ قوة هائلة وتاريخهم العسكري في الجاهلية تاريخ مشهور - وكان الجيش الذي قاده خالد بن الوليد جيشًا كثيفًا.
وقد أمر الرسول - ﷺ - القائد خالدا بأن لا يبدأهم القتال حتى يعذر إليهم، بحيث يدعوهم (أولًا) إلى الإِسلام ثلاثا، فإن أجابوا وأسلموا وإلا قاتلهم واجتاح ديارهم كى يمحو آثار الشرك بينهم، لأن الرسول - ﷺ - قرر أن لا تبقى للشرك والوثنية أية معالم في جزيرة العرب.
كما قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. وقد صدع خالد بأمر رسول الله - ﷺ - فشخص بجيشه إلى نجران، ولما وصل هناك نفذ تعليمات الرسول القائد - ﷺ - فوجه (أولًا) الدعوة إلى بني الحارث بأن يدخلوا في الإِسلام كى لا يضطر إلى محاربتهم، ويذكر المؤرخون أن قبيلة بني الحارث قد استجابوا لداعى الإِسلام دون أن يبدوا أية مقاومة عسكرية، وقاموا بإرسال وفد منهم إلى
[ ١٠ / ١٦٨ ]
المدينة لتأكيد إسلامهم على يد النبي - ﷺ - ..
قال ابن إسحاق: فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإِسلام، ويقولون. أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم يخالد يعلمهم الإِسلام وكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وبذلك أمره رسول الله - ﷺ - إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
وبعد أن أسلم بنو الحارث على يد خالد بن الوليد أبلغ رسول الله - ﷺ - كتابًا قال فيه: بسم الله لمحمد رسول الله - ﷺ - من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتنى إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتنى أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإِسلام، فإن أسلموا أقمت فيهم، وقبلت منهم وعلمتهم معالم الإِسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإِسلام ثلاثة أيام كما أمرنى رسول الله - ﷺ - وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يا بني الحارث أسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمر الله - ﷺ - وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي - ﷺ - حتى يكتب إلى رسول الله - ﷺ -، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
وبعد أن تسلم الرسول - ﷺ - كتاب خالد بن الوليد المتضمن إسلام قبائل بني الحارث بنجران دونما قتال، أمره بأن يعود إلى المدينة وأن يصطحب معه وفدًا من ساداتهم وذلك في كتاب بعث به النبي - ﷺ - إلى خالد قال فيه: "من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءنى مع رسولك، تخبرنى أن بني الحارث بن كعب أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وانذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".
وبعد أن تلقى خالد جواب رسول الله - ﷺ - المتضمن أمره بأن يعود
[ ١٠ / ١٦٩ ]
ومعه وفد بني الحارث عاد خالد ومعه الوفد ومن الجدير بالذكر أن بني عبد المدان المشهورون بالشرف كانوا من بني الحارث وفيهم يقول الشاعر:
ولو أني بليت بهاشمى خؤولته بنو عبد المدان
لهان على ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
قال ابن إسحاق (١): فأقبل خالد وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحسين ذي الغصة، ويزيد بن عبد الدان (٢)، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادى، وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابى.
فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - فرآهم قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم
رجال الهند، قيل يا رسول الله: هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله - ﷺ - سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، قال رسول الله - ﷺ -: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال رسول الله - ﷺ - أنتم الذين إذا زجروا استقدموا، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة. فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله - ﷺ -: لو أن خالدًا لم يكتب إلى أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم.
وهنا أجابه يزيد بن عبد المدان بما يؤكد أن النبي - ﷺ - يمنح الناس حرية القول المطلقة، وهو ما يسمون اليوم (بالديمقراطية) فقد قال له يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حَمِدْنَا خالدًا. قال: فمن حمدتم؟ قالوا حمدنا الله ﷿ الذي هدانا بك يا رسول الله، قال: صدقتم.
_________________
(١) هو قيس بن الحصين بن يزيد بن شداد بن قتادة بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب المذحجى الحارثي كان رئيسًا على قومه مائة سنة، وسمى ذا الغصة لغصة كانت في حلقه.
(٢) لم يزد في (أسد الغابة) - عند ترجمة يزيد - على أن ذكر بعض قصته مع الوفد عندما وفدوا على رسول الله - ﷺ -.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
وكان بنو الحارث قوة ضاربة مرهوبة في الجاهلية مشهورة بكثرة انتصاراتها في المعارك التي تخوضها، لأنهم مجتمعون على كلمة واحدة، ولديهم من العقل ما يمنعهم من الاعتداء على الناس ولكن إذا أجبروا على الحرب خاضوها كسبوها. ولذلك سألهم رسول الله - ﷺ -: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا لم نكن نغلب أحدا. قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدًا بظلم. قال صدقتم، وأَمَّر رسول الله - ﷺ - علي بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين.
قال ابن إسحاق: فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال وفي صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفى رسول الله - ﷺ -.
ويذكر رواة الحديث وأصحاب السير، أن الرسول - ﷺ - بعث إلى بني الحارث - بعد أن غادر المدينة وفدهم - عمرو بن حزم ليفقههم في الدين السنة ومعالم الإِسلام ويأخذ منهم صدقاتهم. وقد كتب الرسول - ﷺ - لعمرو بن حزم كتابًا ضمنه نواحى هامة من أوامر الإِسلام ونواهيه وآدابه، وقد كان لهذا الكتاب منزلة كبيرة بين كثير من رجال التشريع المسلمين لما احتوى على كثير من أصول التشريع الإِسلامي، ويطلق علماء الحديث على هذا الكتاب اسم صحيفة عمرو بن حزم، (١) وبعضهم لا يحتج بها لضعف في سند روايتها، والأكثر يحتجون بها، ولأهمية ما جاء في هذه الصحيفة من تعاليم وتوجيهات وآداب فإنا سنوردها هنا كاملة بإذن الله تعالى، فهي:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا
_________________
(١) هو عمرو بن حزم بن يزيد بن لوذان النجارى الخزرجى، يكنى أبو الضحاك، من شباب الصحابة، أول مشاهدة مع رسول الله - ﷺ - الخندق. استعمله رسول الله - ﷺ - على أهل نجران وهو ابن سبع عشرة سنة. توفى بالمدينة سنة إحدى وخمسين هجرية، وروى عنه ابنه محمد والنضر بن عبد الله السلمي وزياد بن نعيم الحضرمي (أسد الغابة ج ٤ ص ٩٨ - ٩٩).
[ ١٠ / ١٧١ ]
أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إلا طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: (الحج الأكبر والحج الأصغر هو العمرة)، وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبًا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبى أحد في ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله ﷿ وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى يكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا يؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمر بالسعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار، عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإِبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبير، جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى إسلامًا خالصا من نفسه، ودان بالإِسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما
[ ١٠ / ١٧٢ ]
عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابًا.
فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته (١).
سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن رمضان عام ١٠ هجرية:
وفي بلاد مذحج من جنوب اليمن بلغ النبي - ﷺ - أنهم قد ركبهم العناد فلم يدخلوا فيما دخل فيه أهل الجزيرة من الإسلام، فجرد عليهم حملة عسكرية أخضعتهم وبذلك تم تطهير تلك البقعة النائية في جزيرة العرب من الشرك.
وقد اختار الرسول - ﷺ - قائدا لهذه الحملة علي بن أبي طالب، فعقد له لواء على ثلاثمائة كلهم من الفرسان، وقد أمر الرسول - ﷺ - عليا أن يبلغ أولئك المشركين المذحجيين دعوة الإسلام ويدعوهم إلى الدخول فيه والاهتداء بهديه قبل أن يبدأهم القتال.
فقد ذكر الواقدي وابن إسحاق وموسى بن عقبة أن رسول الله - ﷺ - بعث عليا في رمضان سنة عشر هجرية وأمره أن يعسكر بقباء، فعسكر بها حتى تتام أصحابه، فعقد له رسول الله - ﷺ - يومئذ لواءا، أخذ عمامة فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس رمح ثم دفعها إليه. وقال: هكذا اللواء، وعممه عمامة ثلاثة أكوار، وجعل ذراعًا بين يديه وشبرًا من ورائه، ثم قال: هكذا العمة.
قال الواقدي: فحدثني أسامة بن زيد عن أبيه، عن عطاء بن يسار عن أبي رافع، قال لما وجهه رسول الله - ﷺ - قال: امض ولا تلتفت، فقال على: يا رسول الله، كيف أصنع؟ قال: إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٣٩ - ٢٤٠ - ٢٤١ - ٢٤٢ - ٢٤٣، والبداية والنهاية ج ٥ ص ٩٨ - ٩٩، وإمتاع الأسماع ص ٥٠١ - ٥٠٢.
[ ١٠ / ١٧٣ ]
حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلهم حتى تلومهم ترهم أناة (١)، ثم تقول لهم: هل لكم أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا: نعم فقل: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل: هل تخرجوا من أموالكم صدقة تردونها على فقرائكم فإن قالوا نعم، فلا تبغ منهم غير ذلك والله لإِن يهدى الله على يدك رجلا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت.
قال: فخرج في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما انتهى إلى الناحية التي يريد - وهي أرض مذحج - (٢) فرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبى نساء وأطفال (٣) ونعم وشاء وغير ذلك. فجعل على على الغنائم بريدة بن الحصيب، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقاهم جمع، ثم لقى جمعًا فدعاهم إلى الإِسلام وحرض بهم، فأبوا ورموا في أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي (٤) فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخزاعي السلمي (٥)، فجاولا ساعة وهما فارسان، فقتله الأسود وأخذ سلبه، ثم حمل عليهم على بأصحابه فقتل منهما عشرين رجلًا، فتفرقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائمًا، فكف عن طلبهم ودعاهم إلى الإِسلام، فسارعوا وأجابوا، وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإِسلام، وقالوا: نحن على من ورائنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله.
فجمع على ما أصابوا من تلك الغنائم فجزأها خمسة أجزاء فأقرع عليها، فكتب في سهم منها (لله)، فخرج أول السهام سهم الخمس، ولم ينفل
_________________
(١) التلوم: الانتظار والتمكث.
(٢) قلت: هي الآن أرض ما بين مأرب وحريب والبيضاء - وهي أرض بني مراد.
(٣) انظر موقف الإسلام من السبى والرق في كتابنا (غزوة بني قريظة) ففيه الرد على أعداء الإسلام بشأن الرق.
(٤) قال في أسد الغابة: مسعود بن سنان الأنصاري السلمي قتل يوم اليمامة.
(٥) هو الأسود بن خزاعى الأسلمي من حلفاء بني سلمة من الأنصار، أحد الذين اشتركوا في قتل ابن أبي الحقيق اليهودى في خيبر.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
أحدٌ من الناس شيئًا. فكان من قبله يعطون أصحابها - الحاضر دون غيرهم - من الخمس، ثم يخبر بذلك رسول الله - ﷺ - فلا يرده عليهم، فطلبوا ذلك من على فأبى وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله - ﷺ - فيرى فيه رأيه، وهذا رسول الله - ﷺ - يوافى الموسم (أي الحج) ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله، فانصرف راجعا، تعجل وخلف على أصحابه أبا رافع (١).
ولا انتصر علي على مشركى مذحج بجنوب اليمن، ودخلوا في الإِسلام، كتب إلى رسول الله - ﷺ - كتابًا مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني (٢) يخبره أنه لقى جمعًا من زبيد (وزبيد من مذحج)، وأنه دعاهم إلى الإِسلام وأعلمهم أنهم إن أسلموا كف عنهم، فأبوا ذلك وقاتلهم. فقد قال علي في كتابه هذا: فرزقنى الله الظفر عليهم حتى قتل منهم من قتل. ثم أجابوا إلى ما كان عرض عليهم، فدخلوا في الإِسلام وأطاعوا بالصدقة (أي الزكاة)، وأتى بشر منهم للدين وعلمتهم قراءة القرآن، ولا تسلم رسول الله - ﷺ - كتاب على أمره أن يوافيه في الموسم (أي الحج) فانصرف عبد الله بن عوف إلي على بذلك.
إسلام كعب الأخبار:
وجاء في كتب الحديث والتاريخ والتراجم أن علي بن أبي طالب لا قدم اليمن غازيا في تلك السنة سمع به كعب الأحبار (ومعه حبر من أحبار اليهود) .. وكان كعب أيضًا حبرًا من أحبارهم .. فخطب على وكعب والحبر اليهودى يستمعان إليه.
ونقل عن كعب الأحبار أنه قال: لما قدم على اليمن لقيته فقلت: أخبرني عن صفة محمد. فجعل يخبرنى عنه، وجعلت أتبسم فقال: مم تتبسم فقلص: مما يوافق ما عندنا من صفته فقال: ما يحل وما يحرم، فقلت: فهو
_________________
(١) أبو رافع من السابقين الأولين. انظر ترجمته في كتابنا الأول (غزة بدر الكبرى).
(٢) هو عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة المزني. كان قديم الإسلام وكان أحد البكائين في غزوة تبوك لأنه لم يستطع - لفقره - الغزو مع رسول الله - ﷺ -. كان ممن صلى مع رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة. توفى بالمدينة آخر أيام معاوية.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
عندنا كما وصفت، وصدقت برسول الله - ﷺ - وآمنت به، ودعوت من قبلنا من أحبارنا، وأخرجت إليهم سفرًا فقلت: هذا كان أبي يختمه على ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب. قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفى رسول الله - ﷺ -، وتوفى أبو بكر، فقدمت في خلافة عمر، ويا ليت أنى تقدمت في الهجرة. (١)
عام الوفود وتكامل الإِسلام في جزيرة العرب:
ثلاثة أحداث خطيرة هامة متلاحقة جعلت اليأس الكامل - بين الوثنيين في جزيرة العرب - يحل محل أي أمل لمبادئ الشرك والوثنية أن تبقى قائمة في جزيرة العرب.
وهذه الأحداث الهامة المتلاحقة باطراد هي:
١ - فتح مكة وسيطرة المسلمين على هذه العاصمة المقدسة عند العرب على اختلاف اتجاهاتهم الوثنية وميولهم القبلية.
٢ - انتصار المسلمين في معركة حنين على أقوى قوة وثنية ضاربة (قوة هوازن) التي كانت أمل المتبقين على الوثنية في أن يعيد انتصارها على المسلمين الأمل بعودة سلطان الوثنية كما كان.
٣ - الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون في غزوة تبوك التي هي (من حيث ضخامة الجيش) أكبر حملة عسكرية في تاريخ الإِسلام في العهد النبوي، حيث أرهبت هذه الحملة أعظم إمبراطورية كانت سيدة العالم بلا منازع وهي الإمبراطورية البيزنطية التي جبنت وأحجمت عن التصدى للمسلمين الذين وصلوا تبوك وتحدوا هذه الإمبراطورية ببث الدوريات المسلحة في أطراف الشام وأخضعوا كثيرًا من العرب المتنصرة الموالين للرومان مثل نصارى دومة الجندل وحكام أذرح وجرباء وإيلات داخل الشام نفسها ففرضوا عليهم الجزية، رغم أنهم ضمن ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٧٩ و١٠٨٠ و١٠٨١ و١٠٨٢.
[ ١٠ / ١٧٦ ]
يضاف إلى ذلك قيام قطعات من الجيش النبوي هنا وهناك بتطهير جيوب وثنية صغيرة كانت واهمة بأنها قادرة على مقاومة الإِسلام والبقاء على وثنيتها مثل أهل نجران ومذحج باليمن.
بعد كل هذه الأحداث التي بعدها أصبح الإِسلام المسيطر بلا منازع على كل أقطار الجزيرة، نظر المتربصون في أنحاء الجزيرة العربية في الوضع وقاموا بمعادلة دقيقة، توصلوا بعدها إلى أن لا فائدة من إبداء أية مقاومة ضد تيار الإسلام الجارف، فقرروا - عن رغبة أو رهبة - أن يبعثوا بوفودهم إلى المدينة لتعلن دخول الجميع في الدين الجديد. فأخذت وفود العرب - منذ السنة التاسعة الهجرية حتى أوائل الحادية عشرة منها - تتبارى في التسابق إلى المدينة للدخول في الإِسلام فازدحمت المدينة بهذه الوفود. فكان ذلك نصرًا من الله العزيز القدير سجله القرآن في سورة كاملة وهي سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
وقد سجل أحد أئمة المغازي هذه الحقيقة وهو محمد بن إسحاق في كتاب سيرة ابن هشام فقال: لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف (١) وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة: أن ذلك في سنة تسع، وإنها كانت تسمى سنة الوفود.
قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحى من قريش، وأمر رسول الله - ﷺ -، وذلك أن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وضريح ولد إسماعيل بن إبراهيم (- ﵇ -)، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله - ﷺ - وخلافة، فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش ودوخها الإسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بمحاربة رسول الله - ﷺ - ولا عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال ﷿، أفواجًا يضربون إليه
_________________
(١) انظر تفصيل إسلام ثقيف في كتابنا غزوة حنين.
[ ١٠ / ١٧٧ ]
من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي فاحمد الله على ما أظهر من ديخك واستغفره إنه كان توابا. اهـ.
ونحن سنذكر هنا (بشيء من الاختصار) أسماء جميع الوفود ونبذا من أخبارهم إن شاء الله تكملة للفائدة وتنويرًا للقارئ وتثقيفًا. وعامة الوفود وفدوا على رسول الله - ﷺ - فيما بين السنة التاسعة هجرية وأوائل السنة الحادية عشر. وقلة منهم وفد في السنة الثامنة.
-١ -
وفد مزينة
ويذكر المؤرخون أن أول وفد في الإِسلام وفد على رسول الله - ﷺ - هم وفد مزينة. وفد منهم على رسول الله - ﷺ - أربعمائة فارس يرأسهم الصحابي الصالح التقى الفاتح بطل معركة فتح الفتوح (نهاوند بفارس) النعمان بن مقرن.
وكان لمزينة شأن عظيم في نصرة الإِسلام وخاصة أيام الردة حيث صارت قبيلة مزينة العمود الفقرى للجيش الذي صد به الخليفة الأول هجوم المرتدين عن المدينة بعد وفاة الرسول - ﷺ -، وكان الذي بايع رسول الله - ﷺ - على مزينة خزاعى بن عبد نهم (١).
وكان خزاعى رجلا شريفًا فظن بقومه الخير فبايع عنهم جميعا على الإسلام، ولكنه -أول الأمر - لم يجدهم كما يظن، وكان حسان بن
_________________
(١) هو خزاعى بن عبد نهم بن عفيف بن ربيعة المزني، كان يحجب صنمًا لمزينة اسمه نهم، فكسر الصنم ولحق برسول الله - ﷺ - فأسلم وهو بقول: ذهبت إلى نهم لأذبح عنده عتيرة نسك كالذي كنت أفعل فقلت لنفسى حين راجعت حزمها أهذا إله أبكم ليس يعقل أتيت أنى اليوم دين محمد إله السماء الماجد المتفضل فأسلمت مزينة كلها وكانوا ألف رجل في عهد خزاعى ثم تكاثروا فكانوا قوة عظيمة للإسلام.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
ثابت قد أمره الرسول - ﷺ - أن يقول شعرًا فيذكر فيه خزاعيا ولا يهجوه. فقال حسان:
ألا أبلغ خزاعيا رسولا بأن الذَّمَّ يغسله الوفاء
وأنك خير عمان بن عمرو وأسناها إذا ذكر السناء
وبايعت الرسول وكان خيرًا إلى خير وأداك الثراء
فما يعجزك أو ما لا تطقه من الأشياء لا تعجز عداء
فقال خزاعى لقومه: يا قوم قد خصكم شاعر الرجل فأنشدكم الله، فأجابوه جميعهم إلى الإسلام قائلين: فإنا لا ننبوا عليك، فأسلموا ووفدوا على النبي - ﷺ -، فدفع رسول الله - ﷺ - لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعى هذا وكانوا يومئذ ألف رجل، ومزينة هي القبيلة الباسلة الوحيدة التي جعلها الرسول - ﷺ - ضمن المهاجرين رغم أنها كانت مقيمة بباديتها حسب رغبة الرسول - ﷺ - الذي قال لهم: أنهم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم، فرجعوا إلى بلادهم ومن الجدير بالذكر أن وفد مزينة جاء المدينة سنة خمس هجرية (١). وهو الوفد الوحيد الذي وفد قبل السنة التاسعة.
- ٢ -
وفد بني أسد
ثم وفد على رسول الله - ﷺ - وفد بني أسد بن خزيمة في السنة التاسعة، وكانوا عشرة رهط على رأسهم الصحابي الجليل البطل، ضرار بن الأزور (٢) وكان من بينهم فارس بني أسد طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة فيما بعد،
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٢٩١.
(٢) هو ضرار بن الأزور، واسم الأزور مالك بن أوس من بني أسد بن خزيمة، كان فارسًا شجاعًا، ولما قدم على رسول الله - ﷺ - كان له ألف بعير برعايتها، وضرار البطل هو الذي قال له رسول الله - ﷺ -: ما غبنت صفقتك يا ضرار، كان ضرار من هيئة أركان حرب خالد بن الولد في حروب الردة، وضرار هو الذي قتل مالك بن نويرة سيد بني يربوع من تميم بأمر خالد بن الوليد، وشهد ضرار معركة اليمامة، فأبلى فيها بلاءًا عظيمًا، وقد استشهد بأجنادين بالشام.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
وحارب جيوش الخلافة حربًا طاحنة فهزمه خالد بن الوليد حتى فر إلى الشام، وفي وفد بني أسد أنزل الله تعالى قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ الآية، لأنهم قالوا للرسول - ﷺ -: أتيناك نتدرع الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثًا.
- ٣ -
وفد تميم
كذلك وفد على رسول الله - ﷺ - وفد تميم من نجد، وكانوا تسعين رجلًا، بينهم عدة من ساداتهم، فيهم عطارد بن حاجب (١)، والزبرقان بن بدر (٢)، وقيس بن عاصم (٣)، والأقرع بن حابس.
_________________
(١) هو عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس من في دارم. كان سيدًا في قومه، أغوته صجاح المتنبية فتبعها، ثم تاب وحسن إسلامه.
(٢) هو الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس التميمي، وإنما قيل له: الزبرقان لحسنه وجماله، والزبرقان القمر، ولاه الرسول - ﷺ - صدقات قومه. وقد ثبت على الإسلام عندما ارتد بعض قومه، كان سيدًا في الجاهلية عظيم الشأن في الإِسلام، وقد نزل البصرة في عهد عمر بن الخطاب.
(٣) هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد المنقرى، وله قال النبي - ﷺ -: هذا سَيِّد أهل الوبر، كان عاقلًا حليمًا مشهورًا بالحلم. سئل الأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم، رأيته يومًا قاعدًا بفناء داره محتبيًا بحمائل سيفه، يحدث قومه، إذ أتى برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك. قال: فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه، فقال: يا ابن أخي بئسما فعلت، أثمت بربك، وقطعت رحمك وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك، وقللت عددك، ثم قال لابن له آخر: قم يا بني إلى ابن عمك فحل كتافه، وسق إلى أمك مائة من الإبل دية ابنها، فإنها غريبة، وكان قيس قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، وكان سبب ذللك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران وسب أبويها. وقال شعرًا يذم فيه الخمر، منه: فإن الخمر تفضح شاربها وتجنيهم بها الأمر العظيما أسلم قيس وحسن إسلامه. وقال الحسن البصري: لما حضرت قيسًا الوفاة دعا بنيه، فأوصاهم قائلًا: يا بني احفظوا عنى، فلا أحد أنصح لكم منى، إذا أنا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم فتسفه الناس كباركم، وتهونوا عليهم، وعيلكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب المرء، ولا تقيموا عليّ نائحة فإني سمعت رسول الله - ﷺ - نهى عن النائحة. كان قيس من رواة الحديث عن رسول الله - ﷺ -، روى عنه الحسن والأحنف، وابنه حكيم، مات وله من الولد اثنان وثلاثون ذكرًا.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
وفي وفد بني تميم هذا أنزل الله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١). لأنهم نادوا (وهم في المسجد) رسول الله - ﷺ -: أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله - ﷺ - من صياحهم فخرج إليهم وقصتهم وقصة مفاخرة شعرائهم وخطبائهم في المسجد مطولة، انظرها في سيرة ابن هشام وطبقات بن سعد والبداية والنهاية، وكان خطيبهم عطارد بن حاجب، فرد عليه ثابت بن قيس بن الشماس (٢) بأمر رسول الله - ﷺ -، أما شاعرهم، فكان الزبرقان بن بدر، ورد عليه حسان بن ثابت بأمر من رسول الله - ﷺ -، وقد اعترفت تميم أن خطيب النبي أخطب من خطيبهم وشاعره أشعر من شاعرهم (انظر سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٠٦ إلى ٢١٣).
- ٤ -
وفد عبس
كذلك وفد على الرسول - ﷺ - وفد بني عبس من نجد، وفد تسعة رهط منهم، فيهم ميسرة بن مسروق وبشر بن الحارث بن عبادة، فأسلموا، فدعا لهم رسول الله - ﷺ - بخير، وقال: أبغونى رجلًا يعشركم أعقد لكم لواءًا، فدخل طلحة بن عبيد الله، فعقد لهم لواءًا وجعل شعارهم يا عشرة.
وبعد أن أسلموا قدم ثلاثة منهم على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إنه قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش هي
_________________
(١) الحجرات: آية ٤.
(٢) هو ثابت بن قيس بن الشماس بن زهير بن مالك الخزرجى الأنصاري، كانت أول مشاهده الحربية معركة أحد، كان رسول الله - ﷺ - بشره بأنه من أهل الجنة "أسد الغابة ج ١ ص ٢٢٩". كان من أبطال معركة اليمامة، أبلى فيها بلاء عظيمًا فقاتل قتال الأبطال، عندما كانت الهزيمة أول الأمر في المسلمين، واستشهد يوم اليمامة .. قال أنس بن مالك، لما انكشف الناس يوم اليمامة قلت لثابت بن قيس بن شماس: ألا ترى يا عم، ووجدته يحنط. فقال: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله - ﷺ -، بئس ما عودتم أقرانكم وبئس ما عودتم أنفسكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني الكفار المرتدين، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء يعني المسلمين، ثم قاتل حتى قتل.
[ ١٠ / ١٨١ ]
معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا فقال رسول الله - ﷺ -: اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا ولو كنتم بصمد وجازان، وسألهم عن (حكيمهم) خالد بن سنان العبسى، فقالوا: لا عقب له، فقال: نبي ضيعه قومه، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد بن سنان (طبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٩٦).
- ٥ -
وفد فزارة
وفزارة من أعظم قبائل غطفان، وسيدها كان عيينة بن حصن الملقب بالأحمق المطاع، قدم وفد فزارة المدينة سنة تسع. قال ابن سعد: لما رجع رسول الله - ﷺ - من تبوك، وكانت سنة تسع، قدم عليه وفد فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حسن والحر بن قيس، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاؤوا مقرين بالإِسلام، وسألهم رسول الله - ﷺ - عن بلادهم. فقال أحدهم: يا رسول الله اسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرت عيالنا، فادع لنا ربك، فصعد رسول الله - ﷺ - المنبر ودعا فقال: اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مرئيا مربعا مطبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعًا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء، فمطرت، فما رأوا السماء ستًّا، فصعد الرسول اعد المنبر فدعا. فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب. (طبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٩٧).
- ٦ -
وفد بني مرة
مرة اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية، ويظهر أن هذا الوفد هو من مرة بطن عظيم من غطفان العدنانية، بدليل أن رئيسهم كان الحارث
[ ١٠ / ١٨٢ ]
ابن عوف الذي كان قائد أحد الأجنحة في جيوش الأحزاب التي حاصرت المدينة بالتواطؤ مع اليهود.
وفد بنو مرة على رسول الله - ﷺ - مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، رأسهم الحارث بن عوف (١)، فأجازهم رسول الله - ﷺ - بعشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتى عشرة أوقية، وكان الحارث بن عوف أخبر الرسول - ﷺ - أن الجفاف قد أصاب أرضهم، وطلب منه أن يدعو الله لهم. فقال الرسول - ﷺ -: اللهم أسقهم الغيث، فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله - ﷺ -.
- ٧ -
وفد ثعلبة
بنو ثعلبة اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية تبلغ العشرين قبيلة، وهؤلاء الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - بإسلامهم، ليس فيما بين يدي من مصادر، يحدد أية قبيلة هم، قحطانية أم عدنانية، مضرية أم قيسية. وكل ما وجدته هو ما رواه ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٢٩٨ فقال: لما قدم رسول الله - ﷺ - من الجعرانة سنة ثمان، قدم على رسول الله - ﷺ - أربعة نفر من ثعلبة وقالوا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مقرون بالإسلام، فأمر لهم بضيافة وأقاموا أيامًا ثم جاؤوا يودعوه، فقال لبلال أجزهم كما تجيز الوفد، فجاء بنقر من فضة وأعطى كل رجل خمس أواق، قال: ليس عندنا دراهم، فانصرفوا إلى بلادهم.
_________________
(١) هو الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرة الغطفاني ثم الذبيانى، كان أحد مشاهير الجاهلية وهو صاحب المواقف المشهورة في حرب داحس والغبراء، حين سعى في الصلح وتحمل الديات من ماله فمدحه الشعراء لصنيعه هذا، ولاه الرسول - ﷺ - على بني مرة. وكان عاقلًا حكيمًا، رفض الاشتراك مع غطفان في مناصرة اليهود ضد الرسول - ﷺ - في حرب خيبر، وقال: إن محمدًا سيغلب أعداءه.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
- ٨ -
وفد محارب
محارب اسم يطلق على سبع قبائل كلها من العدنانية، ولكن هؤلاء الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - هم بطن من قيس عيلان من العدنانية، وكانوا من أغلظ الناس وأفظهم على رسول الله - ﷺ - وكان وفدهم برئاسة طارق بن عبد الله، وقد جاؤوا إلى المدينة سنة عشر هجرية في حجة الوداع، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا.
وكان في الوفد رجل منهم، فعرفه النبي - ﷺ - فقال الرجل: الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك. فقال رسول الله - ﷺ -: إن هذه القلوب بيد الله، ومسح وجه رجل منهم اسمه خزيمة بن سواء، فصارت له غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهلهم.
- ٩ -
وفد سعد بن بكر
هؤلاء بطن من هوازن وهم الذين أرضعوا النبي - ﷺ -، كان وفدهم قد جاء في رجب عام خمس وقال ابن إسحاق عام تسع، وكان وفد سعد هؤلاء من رجل واحد هو ضمام بن ثعلبة. فعن ابن إسحاق قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله - ﷺ - فقدم عليه فأناخ بعيره ثم عقله على بابا المسجد، وكان رجلا جلدا ذا غديرتين، وهو الذي في القصة المشهورة - قال للنبي - ﷺ -: أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأوثان التي كانوا يعبدون؟ قال: اللهم نعم، ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الصلاة والزكاة والصيام والحج وشرائع الإِسلام، ينشده عند كل فريضة كما نشده في التي قبلها حتى فرغ فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتنى
[ ١٠ / ١٨٤ ]
عنه لا أزيد ولا أنقص، ثم إنصرف راجعا. فقال رسول الله - ﷺ - حين ولى: إن يصدق ذو العقيصتين يدحل الجنة.
ثم أتى ضمام قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. فقالوا منه يا ضمام، اتق البرص اتق الجذام اتق الجنون. فقال: ويلكم إنهما والله ما يضران وما ينفعان، وإن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وقد جئتكم من عنده بما آمركم به وأنهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضرته من رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، وبنوا المساجد وأذنوا بالصلوات. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام (أسد الغابة ج ٣ ص ٤٢ - ٤٣ وطبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٩٩).
- ١٠ -
وفد كلاب
كلاب اسم يطلق على عدة قبائل عدنانية، وهؤلاء هم أبناء كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من هوازن. وفد وفدهم على رسول الله - ﷺ - سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلًا فيهم لبيد بن ربيعة (١) الشاعر، وجبار بن
_________________
(١) هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، كان عامرًا من فحول الشعراء، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكانت الحكمة تنضح من شعره، فصار يضرب بكثير من أبياته المثل. فمن ذلك قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القين الصالح وروي عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: أصدق كلمة قالها شاعر. كلمة "ألا كل شيء ما خلا الله باطل". وهذا صدر بيت للبيد يقول فيه: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل) وقال لبيد لما أسلم: الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى حتى كسانى من الإِسلام سربالا ومن أبيات لبيد السائرة: وكل امرء يومًا سيعلم سعيه إذا كشفت عند الإله المحامد وأكثر أهل الأخبار على أن لبيد لم يقل بيتًا من الشعر بعد أن هداه الله للإِسلام، سوى البيت الوحيد: =
[ ١٠ / ١٨٥ ]
سلمى (١)، دخلوا على رسول الله - ﷺ - فسلموا عليه بسلام الإِسلام، وقالوا: إن الضحاك بن سفيان (٢) سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرته، وإنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردها على فقرائنا.
- ١١ -
وفد بني عامر بن صعصعة .. وقصة محاولة اغتيال النبي - ﷺ -
قالوا: وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد بني عامر بن صعصعة -وهم من هوازن-، فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء وجبار بن سلمى. وكان هؤلاء شياطين القوم ورؤساؤهم.
وكان عامر بن الطفيل الخبيث متكبرًا، يرى أنه أولى أن تتبعه العرب من محمد - ﷺ -، فقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم.
قال: والله لقد كنت أليت أن لا انتهى حتى تتبع العرب عقبى، أفأنا أتبع هذا الفتى من قريش؟ وكان قد قرر اغتيال النبي - ﷺ - بمشاركة أربد بن قيس فقال له: إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف، فوافقه أربد على هذه الخطة الغادرة، غير أن الله أفشل المؤامرة. فقد ذكر المؤرخون أن عامرًا طلب من الرسول - ﷺ - أن
_________________
(١) = الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى حتى كسانى من الإِسلام سربالا وقال عمر بن الخطاب - وكان خليفة - للبيد أنشدني شيئًا من شعرك، فقال: ما كنت لأقول شعرًا بعد أن علمنى الله البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمسمائة وكان ألفين. عاش لبيد مائة وأربعين سنة. وتوفى في خلافة عثمان بالكوفة في إمارة الوليد بن عقبة.
(٢) هو جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة. كان ممن حضر عامر بن الطفيل بالمدينة لما أراد أن يغتال النبي - ﷺ - ثم أسلم، وهو الذي قتل عامر بن فهرة في جريمة بئر معونة، وكان يقول: مما دعانى إلى الإِسلام أنى طعنت رجلًا منهم فسمعته يقول: فزت والله. قال: فقلت في نفسي: ما فاز، أليس قد قتلته؟ حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا: الشهادة، فقلت: فاز لعمرو الله.
(٣) هو الضحاك بن سفيان بن عوف العامري الهوازني، صحب النبي - ﷺ -، ولاه الرسول - ﷺ - على من أسلم من قومه، كان من الشجعان الأبطال، يعد بمائة فارس، روى عنه الحديث ابن المسيب والحسن البصري.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
يختلى به، فقال - ﷺ - لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، وجعل عامر المجرم يكلم النبي - ﷺ - ويشاغله، وينتظر من صاحبه أربد أن يفتك به فلم يستطع. فيئس عامر، ثم خرج من مجلس النبي - ﷺ - ووجه اللوم إلى شريكه في الإجرام (أربد) قائلا: ويلك أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف عندي على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. فقال أربد: لا أبالك، لا تعجل على، والله ما هممت بالذي أمرتنى به من أمره إلا دخلت (أنت) بيني وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟ وروى أن الرسول - ﷺ - قال: اللهم اكفنى عامر بن الطفيل، وكان عامر قد وجه تهديدا إلى النبي - ﷺ - قائلا: والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا. فخرح عامر ووفده راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، أما زميله المجرم الثاني أربد، فقد سلط الله عليه صاعقه فأحرقته، والرجل الوحيد من الثلاثة الذي نجاه الله فهداه للإسلام، هو جبار بن سلمى "انظر تفاصيل قصة عامر بن الطفيل مطولة في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢١٣ - ٢١٤ - ٢١٥ - ٢١٦ - ٢١٧ - ٢١٨ - ٢١٩ - وطبقات ابن سعد ج ١ ص ٣١٠ - ٣١١".
- ١٢ -
وفد عبد القيس
عبد القيس، بطن عظيم من ربيعة من العدنانية "انظر معجم قبائل العرب" كانت مواطنهم تهامة ثم استقروا في النهاية بالبحرين.
وقد وفدهم على رسول الله - ﷺ - سنة تسع برئاسة الجارود بن عمرو (١)، وكان نصرانيا، فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه، فقال:
_________________
(١) هو الجارود بن عمرو، وقيل ابن المعلى، وإنما سمى الجارود، لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم، كان من رواة الحديث عن رسول الله - ﷺ -، روى عنه من الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين أبو مسلم الجذمى ومطرف بن عبد الله بن الشخير وابن سيرين، وغيرهم. استشهد الجارود في معركة نهاوند مع النعمان بن مقرن المزني بأرض فارس.
[ ١٠ / ١٨٧ ]
يا محمد إني قد كنت على دين، وإني تارك دينى لدينك، أفتضمن لي دينى؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه. قالوا: فأسلم وأسلم أصحابه، وروى أن النبي - ﷺ - رحب بوفد عبد القيس قائلا: مرحبا بالقوم غير خزايا، ولا النداما، فقال رجال الوفد: يا رسول الله، إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الأشهر الحرم، حدثنا بجمل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنة، وندعوا به من وراءنا.
قال - ﷺ -: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع، ما انتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت، وعندما ارتدت العرب ثبت بنو عبد القيس وكانوا مددا للمسلمين (انظر مزيدا من التفاصيل عن أخبار وفد عبد القيس في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٢١ - ٢٢٢ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣١٤ - ٣١٥).
- ١٣ -
وفد رؤاس
ورؤاس بطن من عامر بن صعصعة من هوازن، وقد وفد منهم رجل يقال له: عمرو بن مالك بن قيس فأسلم على يد رسول الله - ﷺ - ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإِسلام، فقالوا حتى نصيب من بني عقيل بن كعب (وهم أيضًا بطن من عامر بن صعصعة) مثل ما أصابوا منا.
قال ابن سعد: فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو بن مالك المذكور، وحدث قتال بين لفريقين، فقتل عمرو بن مالك المسلم رجلا من بني عقيل. قال عمرو فأسقط في يدي، وقلت: قتلت رجلا وقد أسلمت وبايعت النبي - ﷺ -، فشددت يدي في غل إلى عنقى ثم خرجت أريد النبي - ﷺ -، وقد بلغه ذلك، فقال: لئن أتانى لأضربن ما فوق الغل
[ ١٠ / ١٨٨ ]
من يده، قال فأطلقت يدي ثم أتيته فسلمت عليه فأعرض عنى، فأتيته من قبل وجه فقلت: يا رسول الله إن الرب ليترضى فيرضى فارض عنى، رضي الله عنك، قال قد رضيت عنك.
- ١٤ -
وفد عقيل بن كعب
بنو عقيل أيضًا بطن من هوازن من بني عامر بن صعصعة، وقد وفد منهم ثلاثة على رسول الله - ﷺ - فبايعوا وأسلموا وبايعوه على من وراءهم من قومهم. فأعطاهم النبي - ﷺ -، العقيق. عقيق بني عقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل، وكتب لهم بني لك كتابًا في أديم أحمر جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى رسول الله - ﷺ - ربيعا ومطرفا وأنسا، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وأطاعوا ولم يعطهم حقا لمسلم" فكان الكتاب في يد مطرف.
- ١٥ -
وفد جعدة
جعدة أو الجعدة، اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية. والجعدة بطن من القحطانية يسكنون وادي حضرموت، والجعدة أيضًا، قبيلة تسكن إلى الغرب من بلاد يافع، وبلادهم جبلية. أما هؤلاء الوافد مندوبهم على رسول الله - ﷺ -، فهم بنو جعدة بن كعب بن ربيعة من هوازن. قال ابن سعد وفد منهم إلى رسول الله - ﷺ - الرقاد بن عمرو ربيعة بن جعدة بن كعب وأعطاه رسول الله - ﷺ - بالفلج (١) ضيعة وكتب له كتابًا وهو عندهم.
_________________
(١) الفلج "بفتح أوله وسكون ثانيه" هو فلج الأفلاج قال في مراصد الاطلاع: وهو ما بين العارض ومطلع الشمس وراء المجازة، يصب فيه أودية العارض به نخل ومزارع وعيون جارية.
[ ١٠ / ١٨٩ ]
- ١٦ -
وفد قشير
وقشير بطن من هوازن، وهم بنو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
جاء في طبقات ابن سعد الكبرى أن نفرا من قشير، فيهم قره بن هبيرة، وفدوا على رسول الله - ﷺ -، فأسلموا فأعطى رسول الله - ﷺ - قرة ن هبيرة (وكان سيدًا من ساداتهم) وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه. وقال قرة حين رجع.
حباها رسول الله إذ نزلت به وأمكنها من نائل غير منفد
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة وقد أنجحت حاجاتها من محمد
عليها فتى لا يردف الذم رحله تروك لأمر العاجز المتردد ..
وقال ابن الأثير: إن النبي - ﷺ - لما كان في حجة الوداع نظر إلى قرة وهو على ناقة قصيرة، فقال له رسول الله - ﷺ -: كيف قلت حين أتيتنى (يعني يوم وفد عليه). قال: قلت يا رسول الله: كان لنا رباب وربات من دون الله تعالى ندعوهم فلم يجيبونا ونسألهم فلم يعطونا، فلما بعثك الله أتيناك، وتركناهم، وأحببناك، فلما أدبر قال رسول الله - ﷺ - أفلح من رزق لُبًّا.
وقد وقع قرة أسيرًا في يد قوات خالد بن الوليد في حروب الردة بنجد، حيث اتهم بأنه منع الزكاة وكانت هوازن أثناء حرب خالد وطليحة بن خويلد تتربص بالمسلمين ولم تشترك مع طليحة. غير أن الخليفة الأول أطلق سراح قرة وعفا عنه.
- ١٧ -
وفد بني البكاء
والبكاء هؤلاء هم أيضًا من بني عامر بن صعصعة من هوازن وفد منهم على رسول الله - ﷺ - ثلاثة نفر سنة تسع، منهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، فأسلموا جميعا، فأضافهم النبي - ﷺ - وأجازهم، وقال معاوية هذا للنبي - ﷺ -: إني أتبرك بمسك وقد كبرت
[ ١٠ / ١٩٠ ]
وابنى هذا برٌّ بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله - ﷺ - وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزا عفراء، وبرك عليهن. قال الجعد بن عبد الله بن عامر البكائي (١): فالسنة (٢) ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم.
وكان ضمن الوفد رجل يقال له، الفجيع بن عبد الله فكتب له رسول الله - ﷺ - كتابًا: (من محمد النبي للفجيع ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأعطى الله ورسوله وأعطى من المغانم خمس الله، ونصر النبي وأصحابه، وأشهد على إسلامه، وفارق المشركين، فإنه آمن بأمان الله وأمان محمد. قال هشام: وسمى رسول الله - ﷺ -، عبد عمرو الأصم عبد الرحمن وكتب له بمائة الذي أسلم عليه - ذي القصة - وكان عبد الرحمن من أصحاب الظلة، يعني الصفة صفة المسجد (٣).
- ١٨ -
وفد بني عبد بن عدي
هؤلاء لم أجد في المعاجم تحديدًا لهويتهم، ولكن يظهر أنهم من كنانة جيران الحرم، قال ابن سعد: وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد بني عبد بن عدى، وفيهم الحارث بن أهبان، وعويمر بن الأخرم وحبيب وربيعة ابنا ملة، (٤). ومعهم رهط من قومهم، فقالوا يا محمد نحن أهل الحرم وساكنه وأعز من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا، وإنما لنحبك ومن أنت منه، فإن أصبت منا أحدًا خطأ فعليك ديته، وإن أصبنا أحدًا من أصحابك فعلينا ديته، فقال: نعم، فأسلموا (٥).
_________________
(١) قال في أسد الغابة: هو عبد الله بن عامر بن أنيس، وفد على رسول الله - ﷺ - بإسلام قومه فصافحه النبي - ﷺ - وحياه وقال: أنت الوافد المبارك، فلما أصبح صبحته بنو عامر فأسلموا، فقال رسول الله - ﷺ -: يأبى الله لبنى عامر إلا خيرًا.
(٢) السنة هنا تعبير عن الجفاف طوال السنة.
(٣) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٠٥.
(٤) لم أجد لهما ترجمة أكثر من قصة إسلامهما.
(٥) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٠٦.
[ ١٠ / ١٩١ ]
- ١٩ -
وفد أشجع
أشجع اسم قبيلة عظيمة من غطفان، وكانت أشجع أحد الأجنحة الأربعة التي قاتلت المسلمين في جيش الأحزاب، وكان نعيم بن مسعود صاحب القصة المشهورة في غزوة الخندق منهم وكان في جيش الأحزاب، ثم أسلم سرًّا ونفع الله به المسلمين في تمزيق كلمة المشركين واليهود (انظر قصة نعيم الشيقة في كتابنا الثالثة غزوة الأحزاب). ويقال إن أشجع وفدت على رسول الله - ﷺ - بعد أن فرغ من بني قريظة، وكانوا سبعمائة، فوادعهم، ثم أسلموا بعد ذلك، وكان منهم كتيبة ضمن الجيش النبوي عند فتح مكة. وكان قائدهم في جيش الشرك عام الأحزاب، مسعود بن رخيلة، إلا أنه أسلم فيما بعد وَحَسُنَ إسلامه.
- ٢٠ -
وفد باهلة
باهلة قبيلة عظيمة من قيس عيلان من العدنانية، كانوا يقطنون اليمامة، ومنهم أحد قادة الفتح الإسلامي العظام (قتيبة بن مسلم الباهلي).
وفد وافدهم على رسول الله - ﷺ -، وهو مطرف بن الكاهن (١) الباهلي نيابة عن قومه فأسلم وأخذ لقومه أمانا، وكتب له رسول الله - ﷺ - كتابًا فيه فرائض الصدقات، ثم قدم نهشل بن مالك (٢) الوائلى من باهلة على رسول الله - ﷺ - وافدًا لقومه فأسلم أيضًا، وكتب له رسول الله - ﷺ -، ولمن أسلم من قومه كتابًا فيه شرائع الإسلام، وكتبه عثمان بن عفان.
- ٢١ -
وفد بني سليم
وسليم (بضم أوله وفتح ثانيه) قبيلة عظيمة، وهم من قيس عيلان بن
_________________
(١) لم يزد المترجمون له على أن ذكروا قصة وفوده على الرسول - ﷺ -.
(٢) لم يزد أصحاب التراجم عند ترجمتهم لنهثل على ذكر قصة وفوده على النبي - ﷺ -.
[ ١٠ / ١٩٢ ]
مضر بن نزار بن معد بن عبدنان، تتفرع سليم عشائر وبطون كثيرة. منتشرون في مساحة كبيرة من جزيرة العرب، وكانوا قوة ضاربة لهم وزنهم العسكري في الجاهلية والإِسلام، وهم أبناء عمومة هوازن، وفي فتح مكة كان منهم (ضمن الجيش النبوي) ألف فارس، قادهم خالد بن الوليد.
وقد وافدهم على رسول الله - ﷺ - وهو رجل اسمه قيس بن نسيبة (١) فسمع كلام النبي - ﷺ - وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله، ولما دعاه الرسول - ﷺ - إلى الإِسلام أسلم، ثم رجع إلى قومه بني سليم، فأخبرهم بما لا يدع مجالا للشك في أن محمدًا - ﷺ - نبي مرسل، حيث قال لهم: قد سمعت ترجمة الروم وهيمنة فارس وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمَّد شيئًا من كلامهم، فأطيعونى وخذوا نصيبكم منه، فأسلم قومه، فلما كان عام الفتح خرجوا وهم ألف فلقوا رسول الله - ﷺ - بقديد قرب ساحل البحر وفيهم العباس بن مرداس.
وبنو سليم منهم ذلك الرجل الذي استعاد إنسانيته عندما رأى ثعلبان يبولان على إله لهم (صنم) فهان الصنم في نفسه، فكفر به وشد عليه فحطمه وهو يقول:
أرب يبول الثعلبان برأسه؟ لقد هان من بالت عليه الثعالب
ثم أتى النبي - ﷺ -، فقال: ما اسمك؟ قال غاوى بن ظالم، قال: أنت
_________________
(١) قال في أسد الغابة: هو قيس بن نشبة السلمي .. روى أبو معشر بإسناده لما كان من أهل بدر ما كان، اشتد على الحرب لا سيما أهل نجد، فلما كان يوم الخندق ورجع المشركون إلى بلادهم، جاء قيس بن نشبة إلى النبي - ﷺ - فسأله عن السموات، فذكر له النبي - ﷺ - السموات السبع والملائكة وعبادتهم وذكر الأرض وما فيها، فأسلم ورجع إلى قومه. فقال: قد سمعت ترجمة الروم وفارس وأشعار العرب والكهان ومقاول حمير، وما كلام محمَّد يشبه شيئًا من كلامهم فأطيعوني في محمَّد فإنكم أخواله فإن ظفر تنتفعوا به وتعدوا، وإن تكن الأخرى لم تقدم العرب عليكم، فأسلم بنو سليم جميعهم وكانوا قوة حربية عظيمة.
[ ١٠ / ١٩٣ ]
راشد (١) بن عبد الله، فأسلم وحسن إسلامه، وقد زكى النبي - ﷺ - شدا هذا، فقال: خير قرى عربية خيبر، وخير بني سليم راشد وعقد له على قومه، أي جعله أميرًا عليهم. كانت منازل بني سليم بعالية نجد بالقرب من خيبر، ومن منازلهم وادي القرى المشهور بالبساتين وكان لهم شأن عظيم في الفتوحات الإِسلامية، وخاصة بأفريقية، حيث كانت هناك منهم عشائر كثيرة وخاصة في شمال ليبيا ومصر وكان نزولهم مصر سنة تسع ومائة هجرية "انظر معجم قبائل العرب، ج ٢ ص ٥٤٣ إلى ٥٤٦ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٠٧ - ٣٠٨ والقاموس المحيط ج ١ - ١٣٦، ٣٥٢".
- ٢٢ -
وفد بني هلال
بنو هلال قبيلة من عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، تقع منازلهم في نجد والحجاز، ومن أراضيهم في جزيرة العرب، بيشة وتربة في بسائط الطائف، وعند الفتح الإِسلامي انتشروا في مصر والمغرب واستوطنوا هناك.
وفد منهم على رسول الله - ﷺ - وفد فيهم عبد عوف بن أصرم، فسأله الرسول عن اسمه فأخبره، فقال: أنت عبد الله، فأسلم، فقال رجل من ولده.
جدّى الذي اختارت هوازن كلها إلى النبي عبد عوف وافدًا
ومن أعضاء الوفد، قبيصة بن الخارق، قال: يا رسول الله "إني حملت عن قومى حمالة فأعنّى فيها، قال: هي لك في الصدقات إذا جاءت".
_________________
(١) كان اسمه غاوي بن ظالم، فسماه النبي - ﷺ - راشد بن عبد الله، وكان سادن صنم لبنى سليم يدعى سواعا، وأسلم وحسن إسلامه، ولما فتح رسول الله - ﷺ - مكة أشار إلى الأصنام فسقطت لوجوهها فقال راشد شعرًا: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإِسلام لو ما شهدت محمدًا وقبيله بالفتح حين تكسر الأصنام لرأيت نور الله أضحى ساطعًا والشرك يغشى وجهه الأظلام
[ ١٠ / ١٩٤ ]
قالوا: ووفد على رسول الله - ﷺ - زياد بن عبد الله بن مالك بن بجير الهلالى، فلما دخل المدينة توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ -، وكانت خالة زياد المذكور. كانت أمّه غرّة بنت الحارث، وهو يومئذ شاب، فدخل النبي - ﷺ -، وهو عندها، فغضب الرسول - ﷺ -، فقالت ميمونة: يا رسول الله هذا ابن أختي، فدخل إليها، ثم خرج إلى المسجد، ومعه زياد فصلى الظهر، ثم أدنى زيادًا فدعا له ووضع يده على رأسه، ثم حدّرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد.
- ٢٣ -
وفد بكر بن وائل
بكر بن وائل، هؤلاء قبيلة عظيمة من بني أسد بن نزار بن معدّ بن عدنان، وتتفرع عن بكر بن وائل بطون كثيرة منها بنو حنيفة وبنو عجل وبنو شيبان. تحتل بكر بن وائل مساحات شاسعة من جزيرة العرب، تمتد من اليمامة حتى البحرين، وكان لبكر بن وائل شأن عظيم في الجاهليه والإِسلام، وقد أنشأوا لهم قبل الإِسلام دولة في العراق على نهر دجلة، وهي البلاد المسماة حتى اليوم بديار بكر، وقد كانوا يحاربون الإِمبراطورية الفارسية قبل الإِسلام ولكنهم كانوا حلفاء للفرس عندما دخل جيش خالد بن الوليد العراق، فقد كانوا من النصارى.
وقد قدم وفدهم على رسول الله - ﷺ -، فقال رجل منهم لرسول الله - ﷺ -: هل تعرف قسّ بن ساعدة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هذا منكم، هذا رجل من أياد تحنّف في الجاهلية فوافى عكاظ، والناس مجتمعون فيكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه، وكان في الوفد بشير الخصاصية (١).
_________________
(١) كان اسمه، زحما، فسماه الرسول - ﷺ - بشيرًا، وهو من بني شيبان، أسلم وحسن إسلام وسكن البصرة، كان من رواة الحديث، روى عنه أبو المثنى العبدي.
[ ١٠ / ١٩٥ ]
- ٢٤ -
وفد تغلب
تغلب -بكسر اللام- قبيلة عظيمة من العدنانية، جدهم الأعلى ربيعة بن مضر، ومن تغلب تتفرع بطون كثيرة، وتغلب من القبائل الحربية ذات التاريخ الشهير، سكنت تغلب العراق قبل الإِسلام في جهة سنجار ونصيبين، وتعرف بلادهم في العراق بديار ربيعة، قاتلت تغلب المسلمين إلى جانب الرومان عام ١٢ هجرية؛ لأن فيهم نصارى .. غير أنهم قاتلوا الفرس إلى جانب المسلمين سنة ١٣ هجرية.
وقد وفد منهم على رسول الله - ﷺ - وفد مختلط فيهم بعض النصارى، فكانوا ستة عشر رجلًا، فأسلم غير النصارى، وبقى النصارى على نصرانيتهم. فأجاز النبي - ﷺ - المسلمين، وصالح النصارى وأقرّهم على دينهم.
-٢٥ -
وفد حنيفة
بنو حنيفة قبيلة عظيمة، من العدنانية من ربيعة بن نزار، تنحدر من بكر بن وائل، تقع منازلهم في اليمامة، وتعد بنو حنيفة من القبائل العربية المحاربة الشرسة في القتال، وقد ارتدت عن الإِسلام، ودارت في بلادها أعنف معارك الردة التي خاضها المسلمون على الإطلاق.
وقد وفدهم على رسول الله - ﷺ - عام عشر هجرية وفيهم مسيلمة بن حبيب الذي أطلق عليه فيما بعد لقب (الكذاب) لأنه ادّعى النبوة، والرحال بن عنفوة، الذي تعلم القرآن، ثم ارتد وكان بمثابة الموجه والداعية لمسيلمة الكذاب، وقد قتل الاثنان في معركة اليمامة.
وقد شهد كل أعضاء الوفد شهادة الحق عند رسول الله - ﷺ -، ثم حدثت الردة فيما بعد بينهم، وكان مسيلمة قد خلّفوه في رحلهم عندما قابلوا النبي - ﷺ -، فأجازهم النبي - ﷺ - كل واحد خمس أواق فضة،
[ ١٠ / ١٩٦ ]
فقالوا: يا رسول الله "خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له - ﷺ - بمثل ما أمر لهم من الجائزة، وقال: ليس بشرّكم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم، فذكر ذلك لسيلمة، فقال الخبيث: عرف أن الأمر إليّ من بعده، فرجعوا إلى بلادهم وكان عندهم راهب في كنيسة، فلما سمع مؤذنهم يؤذن بالتوحيد، قال: كلمة حق، ثم ادعى مسيلمة النبوة، وشهد له الرحال بن عنفوة أن الرسول - ﷺ - أشركه في الأمر، فافتتن الناس به، مما أدى إلى حروب طاحنة بين بني حنيفة وبين جيوش الإِسلام.
- ٢٦ -
وفد بني شيبان
شيبان قبيلة قحطانية عظيمة تتفرع من بكر بن وائل، وقد كان منهم قادة حربيون بارزون في الجاهلية والإِسلام، ففي الجاهلية، منهم هانئ بن مسعود قاد العرب في معركة ذي قار وهزم فيها الفرس، ومنهم القائد المظفر المثنى بن حارثة، صاحب المعارك البطولية في العراق، وكثيرون آخرون، وهم من القبائل النجدية، وفي صدر الإِسلام استوطنوا شرقي دجلة في العراق، وكان وافد بني شيبان إلى رسول الله - ﷺ - حريث بن حسان (١) الشيبانى.
فقد حدثت قيلة بنت مخرمة (٢) - في حديث طويل ذكره ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٣١٧ - ٣١٨ - فقالت: خرجت مع حريث -وكان صاحب صدق- حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ - وهو يصلى بالناس صلاة الغداة، وقد أقيمت حين انشق الفجر النجوم شابكة في السماء والرجال لا
_________________
(١) قال في أسد الغابة: الأصح أن اسمه الحارث، ثم ذكر قصته مع قيلة والحارث هذا من بني ذهل بن شيبان، وروى عن الحارث أنه قال: وفدت والرسول على المنبر يقول: جهزوا جيشًا إلى بكر بن وائل. فقلت: يا رسول الله أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد.
(٢) هي قيلة بنت مخرمة الغنوية التميمية، لم يزد ابن الأثير في ترجمتها في "أسد الغابة" على أن ذكر قصة وفادتها على النبي - ﷺ -.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
تكاد تعارف مع ظلمة الليل، فصففت مع الرجال وكنت امرأة حديثة عهد بجاهلية. فقال لي الرجل الذي يلينى من الصف امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا بل امرأة، فقال: إنك قد كدت تفتنيننى، فصلى مع النساء وراءك، وإذا صف من النساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته حين دخلت فكنت فيهن حتى إذا طلعت الشمس دنوت فجعلت إذا رأيت رجلا ذا رواء وذا قش طمح إليه بصرى لأرى رسول الله - ﷺ - فوق الناس، حتى جاء رجل -وقد ارتفعت الشمس- فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليه -تعنى النبي - ﷺ - أسمال ملببتين كانتا بزعفران فقد نفضا، ومعه عسيب نخلة مقشور غير خوصتين من أعلاه، وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله - ﷺ - متخشعًا في الجلسة أرعدت من الفرق (١)، فقال جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة، فقال رسول الله - ﷺ -، ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة، فلما قالها رسول الله - ﷺ - أذهب الله ما كان أدخل في قلبى من الرعب.
وقد تقدم حريث بن حسان، فبايع رسول الله - ﷺ - على الإِسلام، عليه وعلى قومه، وذكر ابن سعد في طبقاته أن حرملة بن عبد الله (٢) خرج حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فأسلم ثم ارتحل، ثم رجع وقال: يا رسول الله ما تأمرنى أن أعمل؟ فقال: يا حرملة ائت المعروف واجتنب المنكر، ثم انصرف حتى أتى راحلته، ثم رجع وقال: يا رسول الله ما تأمرنى أعمل؟ فقال يا حرملة (ائت المعروف واجتنب المنكر وانظر الذي تحب أذنك إذا قمت من عند القوم أن يقولوه فيك لك فائته والذي تكره أن يقولوه لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه) (٣).
_________________
(١) الفرق -بفتح أوله وثانيه- الحرف.
(٢) هو حرملة بن عبد الله بن أياس التميمي العنبرى. ذكر ابن الأثير قصته التي أوردناها، وقال: إنه يعد في البصريين.
(٣) طبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
- ٢٧ -
وفد طئ
طئ قبيلة قحطانية عظيمة، وهم من كهلان، بنو طئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، تتفرع منهم بطون عديدة، كانت منازلهم باليمن، ثم خرجوا منها على إثر خروج الأزد منه، ونزلوا بنجد في جوار بني أسد، ثم غلبوهم على جبلى أجأ وسلمى واستقروا بهما، وطئ قوة حربية هائلة في الجاهلية والإِسلام، عندما حدثت فتن الردة بعد وفاة الرسول - ﷺ - همت طئ بالارتداد، ولكن سيدهم الميمون. عدى بن حاتم صرفهم عن فكرة الردة فتحولوا إلى قوة جبارة في جانب خالد بن الوليد الذي بهم قاتل المرتدين من بني أسد، وفي حرب العراق عام ١٤ هـ كان لطئ مع المثنّى بن حارثة دور مشرّف في محاربة المجوس الفرس.
جاء وفدهم إلى المدينة مؤلفًا من خمسة عشر رجلًا، برئاسة الفارس الشهير زيد الخيل (١)، فلما دخلوا على رسول الله - ﷺ - عرض عليهم الإِسلام، وأجاز كل رجل منهم بخمس واق فضة، وأعطى زيد الخيل اثنتى عشرة أوقية ونشّا بصفته رئيسهم.
وقد أثنى رسول الله - ﷺ - على زيد الخيل فقال: ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد فإنه لم يبلغ كل ما فيه، وسمّاه رسول الله - ﷺ - زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه، وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله - ﷺ - جعًا إلى قومه، فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه أصابته الحمى بها فمات، وقد ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب قصة الرجل عديّ بن حاتم وقصة إسلامه مفصلة.
_________________
(١) اسمه زيد بن مهلهل بن منهب الطائي. كان حسن الإِسلام، لما وفد على الرسول - ﷺ - قال له: ما اسمك؟ قال: زيد الخيل، قال: بل أنت زيد الخير، فسل، قال: أسأل عن علامة الله فيمن لا يريد، فقال له رسول الله - ﷺ -: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، فإن عملت به أثبت بثوابه، وإن فاتنى منه شيء حزنت عليه. فقال له رسول الله - ﷺ -: هذه علامة الله فيمن يريد وعلامة الله فيمن لا يريد ولو أرادك بالأخرى لهيأك لها ثم لا يبالى الله في أي واد هلكت.
[ ١٠ / ١٩٩ ]
- ٢٨ -
وفد تجيب
تُجيب -بضم أوله وفتح ثانيه- بطن من كندة، كانوا يسكنون الكسر في وسط حضر موت، وكانوا في عهد الهمدانى ألف وخمسمائة، بينهم أربعمائة فارس.
وفدوا على رسول الله - ﷺ - سنة تسع، وكان وفدهم مؤلفا من ثلاثة عشر رجلًا، وساقوا معهم زكوات أموالهم، فسرّ رسول الله - ﷺ - بهم، وقال: مرحبًا بكم وأكرم منزلهم وحباهم، وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، فأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفود.
وقال رسول الله - ﷺ - لهم: هل بقى منكم أحد؟ قالوا: غلام خلفّناه على رحالنا، وهو أحدثنا سنًّا، قال: أرسلوه إلينا، فأقبل الغلام إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إني امرؤ من بني أبناء الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتى. فقال: وما حاجتك؟ قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمنى ويجغل غناى في قلبى، فقال: اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فرجعوا إلى بلادهم، فلما وافوا رسول الله - ﷺ - في موسم الحج عام عشرة بمنى، فسألهم عن الغلام. فقالوا: ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله، فقال رسول الله - ﷺ -: إني لأرجو أن نموت جميعًا.
- ٢٩ -
وفد خولان
خولان من قبائل اليمن القحطانية، وهم من كهلان، وهم بنو خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ. وخولان هؤلاء تقع ديارهم شرقي صنعاء، وهناك قبيلة أخرى يقال لها: خولان بن عامر اليوم، وهؤلاء تقع منازلهم شمال صعدة وهم على الأرجح من قضاعة.
وخولان هؤلاء الذين نحن بصدد ذكرهم، كان لهم شأن في الفتوحات
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
الإِسلامية وقد كان منهم قادة عسكريون مظفّرون، منهم: السمح بن مال الخولانى أمير الأندلس الذي اجتاح في أوائل القرن الثاني الهجري جنوب فرنسا واحتل مدينة (طولوز)، ولا يزال حتى عهد قريب شارع فيها يسمى باسم السمح هذا، فهو بالفرنسية (بيّا الزاما) Wia Azzamma أي شارع السمح، ذكر ذلك الأمير شكيب أرسلان ﵀ في كتابه (فتوحات العرب في أوروبا وجزائر البحر الأبيض المتوسط).
قدم وقد خولان (وهم عشرة نفر) على رسول الله - ﷺ - في شعبان سنة عشر هجرية. فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإِبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنّة لله ولرسوله، وقدمنا زائرين لك، فقال - ﵇ -: أمّا ذكرتم من مسيركم إليّ فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين فإنه من زارنى في المدينة كان جوارى يوم القيامة.
ثم سألهم عن صنمهم الذي كانوا يعبدون واسمه (عمٍّ أنس) فقالوا: بشر وعر أبدلنا الله ما جئت به، إلا أن عجوزًا أو شيخًا كبيرًا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله، ثم علمهم - ﷺ - شرائع الإِسلام وأمرهم بالوفاء والعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار، وأن لا يظلموا أحدًا، ثم ودعوه وخرجوا إلى بلادهم بعد أن أجاز كل واحد منهم اثنتى عشرة أوقية فضة ونشا، فلما رجعوا إلى بلادهم، لم يحلوا عقدة حتى هدموا صنمهم (عم أنس) وحرّموا ما حرّم عليهم رسول الله - ﷺ -، وأحلوا ما أحل لهم (نهاية الأرب للنويرى، وتاج العروس للزبيدي ج ٦ ص ١٥٢ ج ٧ ص ٣١٢، وصفة جزيرة العرب للهمدانى ص ٥٣ - ٥٤، وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٢٤.
- ٣٠ -
وفد جعفى
جعفى (بضم الجيم وسكون العين) قبيلة قحطانية يمانية، ينحدرون من سعد العشيرة بن مالك من الكهلانية من مذحج. بين منارلهم وبين
[ ١٠ / ٢٠١ ]
صنعاء اثنان وأربعون فرسخًا.
وفد منهم رجلان، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل، وسلمة بن يزيد بن مشجعة، وهما أخوان لأمّ، فأسلما، فقال لهما رسول الله - ﷺ -: بلغني أنكم لا تأكلون القلب؟ قالا: نعم، قال: فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله، ودعا لهما بقلب فشوى، ثم ناوله سلمة بن يزيد فلما أخذه أردعت يده، فقال له رسول الله - ﷺ -: كله فأكله.
قال ابن سعد: وكتب رسول الله - ﷺ - لقيس بن سلمة كتابًا نسخته: كتاب من محمَّد رسول الله لقيس بن سلمة بن شراحيل، إني استعملتك على مرّان (١) ومواليها وحريم ومواليها والكلاب (بضم الكاف) ومواليها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصدّق ماله وصفاه، ثم قالا: يا رسول الله: إن أمّنا مليكة بنت الحلوكانت تفك العانى وتطعم البائس وترحم المسكين، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟ قال: الوائدة والموؤودة في النار. فقاما مغضبين، فقال - ﷺ -: إلى فارجعا فقال: وأمى مع أمكما (أي في النار)، فأبيا ومضيا يقولان: والله إن رجلًا أطعمنا القلب وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع، وذهبا، فلما كانا ببعض الطريق لقيا رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، معه إبل من إبل الصدقة فأوثقاه واستوليا على الإِبل، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فلعنهما فيمن كان يلعن.
غير أن رجلًا آخر من جعفى وفد على رسول الله - ﷺ - ومعه ابناه فأسلموا، وهو عمرو بن ذهل بن مرار بن جعفى وابناه سبرة وعزيز. فقال رسول الله - ﷺ - لعزيز: ما اسمك؟ قال: عزيز، قال: لا عزيز إلا الله، أنت عبد الرحمن، فأسلموا، وأقطع رسول الله - ﷺ - عمرو بن ذهب واد باليمن يقال له حردان (بضم الحاء).
_________________
(١) يوجد اليوم بلد شمال شرقي صنعاء يقال له: بيت مران وهو من بلاد أرحب.
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
-٣١ -
وفد صداء
صداء (بضم الصاد) بطن من كهلان من القحطانية، وهم من أهل اليمن (معجم قبائل العرب ج ٢ ص ٦٣٦).
كان النبي - ﷺ - عقب انصرافه من حنين سنة ثمان هجرية شكل قوة حربية قوامها أربعمائة، وأعطى قيادتهم لسعد بن عبادة وأمره بأن يغير بهم على بلاد صداء، فعسكروا في وادي قناة ثهال المدينة، فبلغ ذلك الحشد رجلًا من قبيلة صداء، فجاء سريعًا إلى النبي - ﷺ - طالبًا منه تجميد الحملة بقيادة سعد بن عبادة قائلًا: جئتك وافدًا على من ورائى، فاردد الجيش وأنا لك بقومى، فردهم الرسول - ﷺ -، وقد صدق الرجل، فوفد من صداء على النبي - ﷺ - خمسة عشر رجلا فأسلموا وبايعوه على من وراءهم من قومهم، ففشا فيهم الإِسلام، فلما كانت حجة الوداع عام عشر، وافى النبي - ﷺ - منهم مائة رجل، وكان الرجل الذي ضمن للرسول - ﷺ - إسلام قومه، فردَّ النبي - ﷺ - الجيش، هو زياد بن الحارث الصدائي. فلما قدم بهم قال له الرسول - ﷺ -: يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك.
- ٣٢ -
وفد مراد
مراد قبيلة قحطانية مذحجية يمانية من كهلان، وهم بنو مراد بن مذحج وهو مالك بن أدد، كانت بلادهم إلى جانب زبيد من اليمن، أما اليوم فقبيلة مراد تسكن جنوب شرقي اليمن وعاصمتهم (الجوبة) وهم في المثلث الواقع بين مأرب ورداع وحريب.
كان وافد مراد على رسول الله - ﷺ - هو فروة بن مسيك، فأسلم وحسن إسلامه وولاه رسول الله - ﷺ - على قومه مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص الأموي على الصدقة، فكان معه حتى توفي رسول الله - ﷺ -، ولما حدثت الردة في اليمن، ثبت فروة بن مسيك على إسلامه وساند المسلمين ضد الأسود العنسى وأنصاره المرتدين.
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
- ٣٣ -
وفد زبيد
زُبيد اسم يطلق على عدة قبائل، وزُبيد هنا، هم من مذحج بن صعب بن سعد العشيرة من بني زيد بن كهلان، وهم قوم الفارس الشهير عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وكان وافدهم على رسول الله - ﷺ - عمرو بن معدى كرب، قدم عليه فأسلم وصدّقه وآمن به ورجع عمرو إلى قومه وعليهم رئيس فروة بن مسيك المرادى لأن الجميع من مذحج.
غير أن عمرو بن معدى كرب، لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتد عن الإِسلام، وانضم إلى قوم الأسود العنسى المتنبيء الكذاب. وقد وقع عمرو في أسر بعض وحدات جيش الخلافة، فقادوه أسيرًا إلى المدينة، فعفى عنه الخليفة الأول، فأسلم وحسن إسلامه، وقد شارك المسلمين في معارك اليرموك والقادسية ونهاوند (فتح الفتوح)، وقد استشهد في معركة فتح الفتوح هو وطليحة بن خويلد الأسدى الذي كان قد ادعى النبوة ثم تاب.
- ٣٤ -
وفد كندة
كنْدة قبيلة قحطانية حضرمية عظيمة، كان منها ملوك كثيرون قبل الإِسلام، وقد امتد ملكهم إلى نجد واليمن والحجاز (معجم قبائل العرب ج ٣ ص ٩٩٨).
وكندة هم بنو كندة، واسمه ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وسمّى ثور (كندة) لأنه كند أباه أي كفر نعمته. تقع منازلهم في الكسر بحضر موت وتمتد إلى مسافات واسعة ناحية شمال حضرموت، وقد تفرقت في حضرموت منهم بطون كثيرة، وفي أيام سلطان الإسلام في الصدر الأول كان لكندة -من الناحية الحربية- شأن عظيم، وبعد وفاة الرسول - ﷺ - ارتدت كندة عن الإِسلام، فأخضعهم المهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل، وقد وقع ملكهم الأشعث بن قيس في الأسر فعفى عنه الخليفة الأول
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
فأسلم وحسن إسلامه.
وفدوا على رسول الله - ﷺ - عام تسع هجرية في ثمانين راكبًا، ورئيسهم الأشعث بن قيس، فدخلوا على النبي - ﷺ - مسجده قد رجلوا جممهم واكتحلوا، وعليهم جباب الحبرة قد كففوها بالحرير، وعليهم الديباج مخوّص بالذهب، فقال لهم الرسول - ﷺ -: أَلَمْ تسلموا، قالوا: بلى، قال: فما بال هذا عليكم (يعني الحرير والذهب) فألقوه. وقد قال الأشعث: نحن بنو آكل المراد .. وآكل هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندى، وإنما سمّى آكل المراد؛ لأن عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم، وكان الحارث غائبًا، فغنم وسبى، وكان فيمن سبى أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني، امرأة الحارث بن عمرو، فقالت لعمرو بن الهبولة: -في مسيرة- لكأنى برجل أدلم أسود، كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك، تعنى زوجها الحارث فمن يومئذ سمّى الحارث، آكل المراد، وقد تبع الحارث عمرو بن الهبولة وقومه، فلحقه، فقتله، واستنقذ امرأته، وما كان أصاب من غنائم.
-٣٥ -
وفد الأزد
الأزد (بفتح الهمزة وسكون الزاى) جيل من أعظم أعظم أجيال العرب وأشهرها. تنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان من القحطانية.
وتتفرع الأزد إلى فروع عظيمة أربعة:
١ - أزد شنوءة، ونسبتهم إلى كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وتقع منازلهم بالسراة وهي أودية بتثليث وتربة وبيشة.
٢ - أزد غسان. كانت منازلهم في شبه جزيرة العرب، ثم استوطنوا الشام وأسسوا لهم بها ملكًا.
٣ - أزد السراة. كانت منازلهم في الجبال المعروفة حتى الآن بهذا
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
الاسم (جبال السراة).
٤ - أزد عمان. كانت منازلهم هناك بعمان حيث أسسوا لهم قبل الإِسلام فيها ملكًا عظيمًا.
موطنهم الأصلي مأرب باليمن من أرض سبأ، ولما تصدّع السد وأشرف على الانهيار، هاجروا وتفرقوا في البلاد، وكان الأوس والخزرج الذين استوطنوا يثرب، ولحقت خزاعة بمكة، ولحقت وادعة وبحمد وخزام وعتيك وغيرهم بعمان، ولحقت غامد ويشكر وبارق وميدعان وغيرهم بالشراة، ولحقت جفنة وآل محرّق بن عمرو بن عامر (مزيقيا) وقضاعة بالشام.
وقد كان لهم شأن عظيم بعد هجرتهم من مأرب، فكانوا ملوكًا بالشام والعراق ويثرب وعمان، ومن الجدير بالذكر أن قبيلة طئ العظيمة تنحدر من قبيلة الأزد.
وقد وفد وفدهم على رسول الله - ﷺ - برئاسة ورد بن عبد الله (١) سنة تسع هجرية، ولما دخلوا على رسول الله - ﷺ - كلموه، فأعجبه ما رأى من سمتهم وزيّهم فقال: من أنتم؟ قالوا: مؤمنون، فتبسم - ﷺ - وقال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قالوا خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئًا، فقال النبي - ﷺ -: ما الخمس التي أمرتكم بها رسلى؟ قالوا: أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ قالوا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله ونقيم الصلاة، ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا. قال: وما
_________________
(١) هو صرد بن عبد الله الأزدي. ذكره ابن حجر في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة، وذكر قصة وفوده مع قومه. توفي رسول الله - ﷺ - وصرد أمير له - ﷺ - على جرش، ووجدت في وثيقة مخطوطة في خزانة الكتب بدار آل مقبول "الباشميل" أن الباشميل الذين رحلوا عن العبر بشمال حضر موت إلى العرسمة بوادى ليسر، ينتسبون إلى صرد بن عبد الله الأزدي، وكانوا قد جاؤوا إلى العرصمة بأواسط حضر موت منذ حوالي ثلاثمائة سنة.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق في موطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال - ﷺ -: حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم، فتتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما أنتم عليه تقدمون وفيه تخلدون. فانصرفوا وقد حفظوا وصيته - ﷺ - وعملوا بها (١).
ويذكر المؤرخون وأصحاب الحديث والتراجم أن النبي - ﷺ - جعل صرد بن عبد الله أميرًا على من أسلم من قومه، وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من قومه، من كان يليه ممن بقى على الشرك في بعض الجيوب باليمن.
وكانت جرش (وهي مدينة محصنّة مغلقة) وبها قبائل فلول بقيت على الشرك، فتوجه إليهم الأمير صرد وضرب الحصار على مدينتهم، قريبا من شهر فاستعصت عليه، فلجأ صرد إلى مكيدة حربية أوقع فيها بالمشركين، فقد انسحب من أمام أسوار مدينة جرش متظاهرًا بالهزيمة، حتى وصل جبل يقال له شكر، فخرج أهل جرش لمطاردته حتى أدركوه وهو بالجبل ظنا منهم أنه إنما ولّى منهزمًا، فعطف عليهم برجاله فقتلوهم قتلًا شديدًا، ثم توقف القتال وثاب أهل جرش إلى رشدهم، فبعثوا بوفد منهم إن الرسول - ﷺ -، فأسلموا وحسن إسلامهم وكانوا من خثعم وغيرهم.
- ٣٦ -
وفد الصدف
الصّدف (بفتح الصاد وكسر الدال) اسم يطلق على ثلاث قبائل قحطانية، قبيلتين حضرمية وقبيلة يمانية حميرية (انظر معجم قبائل العرب ج ٢ ص ٦٣٧) وهؤلاء الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - لا أدرى أي من القبائل الثلاث. فقد قال ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٣٢٩: عن
_________________
(١) معجم قبائل العرب ج ١ ص ١٦ - ١٧.
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
شرحبيل بن عبد العزيز الصدفي عن آبائه قالوا: قدم وعدنا على رسول الله - ﷺ -، وهم بضعة عشر رجلًا على قلائص لهم في أزر وأردية: فصادفوا رسول الله - ﷺ - فيما بينه وبين المنبر، فجلسوا ولم يسلموا، فقال: مسلمون أنتم؟ قالوا: نعم، قال: فهلّا سلمتم؟ فقاموا قيامًا فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، قال: وعليكم السلام، اجلسوا، فجلسوا وسألوا رسول الله - ﷺ - عن أوقات الصلاة فأخبرهم.
- ٣٧ -
وفد خشين
خشين -بضم الخاء وفتح الشين- اسم يطلق على قبيلتين أحدهما قضاعية قحطانية والأخرى طائية، ولا نعلم أيهما الذي وفد وفدهم على رسول الله - ﷺ -. فكل ما ذكره المؤرخون قولهم: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول الله - ﷺ -، وهو يتجهز إلى خيبر فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم (١).
- ٣٩ -
وفد سعد هذيم
سعد هذيم بطن من ليث بن سعد من قضاعة من القحطانية، روى عن رئيس وفدهم أنه قال: قدمت على رسول الله - ﷺ - وافدًا في نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤمّ المسجد فنجد رسول الله - ﷺ - يصلى على جنازة في المسجد، فانصرف رسول الله - ﷺ - فقال: من أنتم؟ قلنا: من بني سعد هذيم، فأسلمنا وبايعنا ثم انصرفنا إلى رحالنا، فأمر بنا فأنزلنا وضيفنا، فأقمنا ثلاثًا، ثم جئناه نودّعه فقال: أمرّوا عليكم أحدكم، وأمر بلالًا فأجازنا بأواق من فضة، ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٢٩.
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
الإسلام.
- ٤٠ -
وفد بلى
بلى -بفتح أوله وكسر ثانيه- قبيلة عظيمة من قضاعة عن القحطانية، وهم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، تحتل منازلها مساحات واسعة من شمال الجزيرة الغربية وجنوب الشام، وقد كان منهم ولاة للرومان على بادية الشام وفي معركة مؤتة التي دارت بين المسلمين والرومان بجنوب الشام، كانت بلى إحدى القبائل المرتزقة في جيش الرومان.
وقد قدم وفدهم المدينة على رسول الله - ﷺ - عام ٩ هجرية فأسلموا، وتعلموا أشياء من أمر دينهم، وروى أن النبي - ﷺ - قال لهم: الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار، ثم جاؤوا يودعون النبي - ﷺ - فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز من كان قبلهم. وكان اسم رئيس وفدهم الذي قدم بهما المدينة أبا الضباب. روى أن رويفع بن ثابت البلوى (١) قال: قدم وفد قومى في شهر ربيع الأول سنة ٩ فأنزلتهم في منزلى ببنى جديلة، ثم خرجتهم حتى انتهينا إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالس مع أصحابه في بيته الغداة، فقدم شيخ الوفد أبو الضباب فجلس بين يدي رسول الله - ﷺ -، فتكلم، وأسلم القوم (٢).
- ٤١ -
وفد بهراء
بهراء -بفتح أوله وسكون ثانيه- قبيلة من قضاعة، وهي أخت قبيلة
_________________
(١) لم أجد في التراجم من اسمه رويفع بن ثابت البلوى، ولكننى وجدت اسم رويفع بن ثابت بن سكن من بني النجار الأنصار، ولا يستبعد أنه هو الذي أنزلهم على أساس أنهم حلفاء قومه "انظر أسد الغابة ج ٢ ص ١٩١".
(٢) طبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٣٠.
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
(بلى) فبلى هم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، وبهراء هم بنو بهراء بن عمرو بن الحافى بن قضاعة.
تقع منازل بهراء في جزيرة العرب شمالي منازل أبناء عمومتهم (بلى)، وبهراء قبيلة عظيمة، ويتفرع منها بطون كثيرة، وتمتد منازلهم حتى العقبة وإيلات (إيلة)، وقد كانوا مثل بلى أنصارًا للرومان ضد المسلمين في معركة مؤتة عام ٨ هـ، وقد عبر منهم خلق كثير البحر الأحمر (بحر القلزم) إلى ساحله الغربي فانتشرت قبائل منهم كثيرة ما بين الحبشة وصعيد مصر.
ويذكر ابن سعد: أن وفدهم وفد من اليمن، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلًا، وفدوا سنة ٩ هـ، وقد أسلموا وتعلموا فرائض الإِسلام، وبعد أن أقاموا بالمدينة أيامًا، استأذنوا الرسول - ﷺ - في الانصراف، فودعوه، وأعطاهم جوائز كما يعطى سائر الوفود.
- ٤٢ -
وفد عذرة
عذرة -بضم العين وسكون الذال- بطن عظيم من قضاعة، من القحطانية أيضًا، وهم ينتسبون إلى سعد هذيم، الذين تقدمت ترجمتهم في هذا الكتاب، ويتفرع من عذرة هؤلاء أفخاد كثيرة، وبنو عذرة هؤلاء، مشهورون بشدّة العشق مع العفة.
روى أن سعيد بن عقبة قال لأعرابى: ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذرة ورب الكعبة. قال سعيد: فقلت للأعرابى: ومم ذاك؟ قال: في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفّة.
وكان وفد عذرة جاء في صفر سنة ٩ هـ وكان وفدهم مكونا من اثنى عشر رجلا، ولما دخلوا على رسول الله - ﷺ - سلموا بسلام أهل الجاهلية وقالوا: نحن أخوة قصيّ لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبنى بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله - ﷺ -: مرحبا بكم وأهلًا،
[ ١٠ / ٢١٠ ]
ما أعرفنى بكم، ما منعكم من تحية الإِسلام؟ قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا، وسألوا النبي - ﷺ - عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، وأسلموا وأقاموا أيامًا ثم انصرفوا إلى أهليهم، فأمر لهم بجوائز كغيرهم من الوفود.
- ٤٣ -
وفد سلامان
سلامان، اسم يطلق على ست قبائل قحطانية، وقبيلة عدنانية واحدة، وجاء في معجم قبائل العرب للسيد عمر رضا كحالة: أن سلامان الوافدين هم بنو سلامان بن سعد، بطن من قضاعة من القحطانية.
وفد منهم سبعة على رسول الله - ﷺ - سنة عشر هجرية، فأسلموا. قال محدثهم: صادفنا رسول الله - ﷺ - خارجًا من المسجد إلى جنازة دعى إليها، فقلنا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليكم، من أنتم؟ قلنا: نحن من سلامان قدمنا لنبايعك على الإِسلام، ونحن على من ورائنا من قومنا، فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الوفد، فلما صلى الظهر جلس بين المنبر وبيته فتقدمنا إله فسألناه عن أمر الصلاة وشرائع الإِسلام، وعن الرقى، وأسلمنا، وأعطى كل رجل منا خمس أواق، ورجعنا إلى بلادنا. وذلك في شوال سنة عشر.
- ٤٤ -
وفد جهينة
جهينة -بضم أول وفتح ثانيه- حي عظيم من قضاعة من القحطانية، وهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة، ويتفرع من جهينة بطون كثيرة .. كانت منازلهم بالحجاز على شاطئ البحر الأحمر (بحر القلزم) وما حاذاه من برّية الحجاز، وتعتبر ينبع إحدى بلدانهم، وقد عبروا البحر الأحمر إلى ساحله الغربي، فانتشروا هناك، وغلبوا على شعوب غربي الحر الأحمر، فصار لهم شأن في السودان، وغلبوا على ملك الحبشة، وانتشروا ما بين صعيد مصر والحبشة
[ ١٠ / ٢١١ ]
وكان سكان صعيد مصر أكثرهم من جهينة (١).
كان الإِسلام قديما في جهينة، وكان فيهم رجال صالحون سابقون في الإِسلام، وكان لهم شأن كبير في حروب التحرير التي خاضها الرسول - ﷺ - ضد الوثنية، وكان النبي - ﷺ - يعتبر جهينة من في مقام الأنصار، فقد روى أن النبي - ﷺ - قال: (الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله، موالى دون الناس، والله ورسوله مولاهم (٢».
وجهينة قبيلة وقفت بعد وفاة الرسول - ﷺ - موقفًا مشرفًا، فقد ثبتت
على إسلامها مثل قبيلة مزينة، رغم أن أكثر العرب ارتدوا عن الإِسلام.
كان رافع بن مكيث الجهني من المهاجرين الأوائل، كانت جهينة قوة كثيرة في الجيش النبوي يوم فتح مكة وكانت رايتها يحملها رافع بن مكيث، وعبد الله بن بدر (٣). وقال أحد سابقيهم إلى الإِسلام -وهو عمرو بن مرَّة الجهني-: كان لنا صنم وكنا نعظمه، وكنت سادنه، فلما سمعت بالنبي - ﷺ -، كسرته وخرجت حتى أقدم المدينة على النبي - ﷺ -، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وآمنت بما جاء به من حلال وحرام.
-٤٥ -
وفد بني كلب
كلب، اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية، وكلب الوافدون هؤلاء هم أصحاب دومة الجندل وهم بنو كلب بن وبرة من قضاعة من حمير، كانت منازلهم دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، ولاختلاطهم بالبيزنطيين، اعتنقوا النصرانية، وصاروا (أحيانًا) حلفاء للرومان، وكانوا هم الذين أخذوا الصنم (ودّا) إلى دومة الجندل عندما فشت الوثنية في جزيرة العرب.
وقد كتب الرسول - ﷺ - لبنى كلب هؤلاء المسلمين كتابًا، كتبه
_________________
(١) البيان والإعراب. للمقريزى ص ٣٨.
(٢) معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة ج ١ ص ٢١٦ - ٢١٧.
(٣) انظر كتابنا الثامن "فتح مكة" مكان بيان تعبئة الجش وأسماء القبائل فيه.
[ ١٠ / ٢١٢ ]
لوافدهم، جارية بن قطن وقد جاء فيه: (هذا كتاب من محمَّد رسول الله لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لا الضاحية صف البعل ولكم الضامنة من النخل، على الجارية العشر وعلى الغائرة نصف العشر، لا تجمع سارحتكم ولا تعدل فاردتكم، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، لا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النصح والوفاء وذمّة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين (١).
- ٤٦ -
وفد جرم
جرم، اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية، وهؤلاء الوافدون، هم بنو جرم بن زياد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من القحطانية.
كان وفدهم جاء إلى النبي - ﷺ - فأسلموا، وتعلموا القرآن وقضوا حوائجهم، فسألوا الرسول - ﷺ -: من يصلّى بنا أو لنا؟ قال: ليصل بكم أكثركم جمعًا أو أخذًا للقرآن، فجاؤوا إلى قومهم، فوجدوا أن قارئهم الوحيد هو غلام ابن ست سنوات، فقدّموه يصلى بهم، وكان فقيرًا عليه بردة قصيرة إذا سجد تكشفت عورته، فقالت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فكسوه قميصًا من معقد البحرين، فكان الغلام يقول: فما فرحت بشيء أشد من فرحى بذلك القميص. وفي هذا دليل على جواز إمامة الصبي عند الضرورة.
- ٤٧ -
وفد غسان
غسان قبيلة أزدية يمانية قحطانية عظيمة غنية عن التعريف، كانوا عند ظهور الإِسلام يسكنون الشام والملك فيهم، فجاء رسول الله - ﷺ - ثلاثة نفر منهم في رمضان سنة عشر هجرية، فأسلموا، وكانوا متخوفين من
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
[ ١٠ / ٢١٣ ]
قومهم في الشام، لأنهم لا يدرون أيتبعونهم على الإِسلام أم لا، فلما قدموا الشام على قومهم، لم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم، وقد مات منهم رجلان مسلمان قبل الفتح وبقى واحد منهم فلما حررت جيوش الإِسلام الشام بقى أحدهم أبا عبيدة عام اليرموك وخبره بإسلامه (١).
- ٤٨ -
وفد همدان
همدان -بفتح أوله وسكون ثانيه-: قبيلة يمانية قحطانية عظيمة وهي بطن من كهلان بن سبأ. وهم بنو همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، تتفرع من همدان أفخاذ كثيرة منهم أرحب، وموهبة (لعلها اليوم التي تسمى: مرهبة) ويام وبنو الزريع، تقع ديارهم في الماضي شرقي اليمن، ولما جاء الإِسلام تفرقوا بسبب مشاركتهم في حروب الجهاد في الشام والعراق وأفريقيا والأندلس.
تعتبر همدان ذات شأن عظيم في التاريخ الإسلامي، وكانوا أثناء الخلاف المؤسف الذي نشب بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأمير معاوية بن أبي سفيان -إلى جانب أمير المؤمنين في معارك صفين- وفي همدان يقول أمير المؤمنين معبّرًا عن امتنانه لهذه القبيلة الباسلة:
ولو كنت بوَّابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقد وفد همدان على رسول الله - ﷺ - مرجعه من تبوك سنة تسع هـ فأسلموا وحسن إسلامهم، وفيما وصل إلى علمي -لم تكن همدان من العناصر التي ارتدت عندما ارتد بعض الفئات في اليمن بزعامة الأسود العنسى وعمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجى.
والواقع أن الإِسلام قد فشى في همدان قبل الهجرة والنبي - ﷺ - لمّا يزل بمكة، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته، أن رجلًا منهم يقال له: قيس بن مالك بن سعد بن لأى الأرحبى قدم على الرسول - ﷺ - وهو بمكة،
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٣٨ - ٣٣٩.
[ ١٠ / ٢١٤ ]
فأخبره أنه جاء للإيمان به، فقال الرسول - ﷺ -: مرحبا بك أتأخذونى بما فيّ يا معشر همدان؟ قال: نعم بأبي أنت أمى، فأمره الرسول - ﷺ - أن يذهب إلى قومه، فرجع قيس إليهم فأسلموا، فعاد إلى النبي - ﷺ - فأخبره بإسلام قومه، فأثنى عليه قائلًا: نعم وافد القوم قيس، وفيّت وفيّ الله بك ومسح بناصيته، ولكن الرسول - ﷺ - لم يذهب إلى اليمن، بل كتب لهم رسول الله - ﷺ - وثيقة هذا نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من رسول الله محمَّد، لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف (١) الرمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن النمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها (٢)، لهم بذلك عبد الله وذماء رسوله وشهد المهاجرون والأنصار (٣).
-٤٩ -
وفد سعد العشيرة
سعد العشيرة بطن من مذحج من القحطانية، وهم بنو سعد العشيرة بن مذحج، كان بنو سعد العشيرة يسكنون اليمن، إلا أن فخائذ منهم هاجرت واستوطنت بعض مناطق الخليج على الساحل الغربي ناحية البحرين، كان لسعد العشيرة صنم في اليمن يقال له: فرّاض، فلما علموا بظهور النبي - ﷺ - حطّموا الصنم، حطّمه رجل منهم يقال له: ذباب. ثم وفد ذباب إلى النبي - ﷺ - فأسلم (٤).
- ٥٠ -
وفد عنس
عنس -بفتح أوله وسكون ثانيه- بطن من مذحج من القحطانية،
_________________
(١) الحقاف: الرمل المستدير.
(٢) عافيها: نباتها الكثير.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٤٥.
(٤) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٤٢.
[ ١٠ / ٢١٥ ]
وقد تحرف اسمهم فصار ينطق به (أنس)، وعنس هو ابن مالك (وهو مذحج) وكان وافد عنس على رسول الله - ﷺ - رجل يقال له ربيعة، فجاء النبي - ﷺ - فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فقال: أراغبا جئت أم راهبًا؟ فقال: أما الرغبة فوالله ما في يديك مال، وأما الرهبة فوالله إني لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكنى خوفت فخفت، وقيل لي: آمن بالله فآمنت، فأقبل رسول الله - ﷺ - على القوم فقال: ربّ خطيب من عنس، فمكث يختلف إلى رسول الله - ﷺ - ثم جاءه يودعه، ثم خرج فمات في الطريق ﵀ (١).
-٥١ -
وفد الداريين
الداريون بطن من لخم من القحطانية، وهم بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، وكان الداريون مجاورين لرومان.
كان وفدهم الذي وفد لإسلامهم على رسول الله - ﷺ - عشرة نفر، فيهم تميم الدارمي (٢) وفدوا عقب انصراف النبي - ﷺ - من تبوك، فأسلموا، وبدل رسول الله - ﷺ - اسم رجلين منهم، الطيب سماه: عبد الله، وعزيز سماه: عبد الرحمن، وروى أن تميم الدارمي قال لرسول الله - ﷺ -: لنا جيرة من الروم، لهم قريتان يقال لإحداهما حبرى، والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي. قال: فهما لك، فلما قتحت قوات الخليفة الأول الشام، أعطى الخليفة تميمًا ذلك وكتب له بهما وثيقة (٣)، ويظهر أن وفد الداريين جاء في أوائل السنة الحادية عشرة؛ لأن هذا الوفد أقام بالمدينة حتى توفي رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٤٣.
(٢) هو تميم بن أوس بن خارجة الدارمي اللخمى، كان نصرانيًّا فأسلم سنة تسع هجرية، كان كثير العبادة والتهجد، كان أول من أسرج السراج في المساجد في عهد الخليفة الفاروق، أقام بفلسطين في قريته التي أقطعه إياها الرسول - ﷺ - قريبًا من القدس، روى عنه الحديث خلق أكثر.
(٣) أسد الغابة ج ١ ص ٢١٥ ومعجم قبائل العرب ج ١ ص ٣٧٠ وطبقات ابن سعد ج ١ ٣٤٣.
[ ١٠ / ٢١٦ ]
-٥٢ -
وفد الرّهاويين
الرّهاء، بطن من القحطانية من مذحج، وهم بنو رهاء بن منبه بن حرب بن علة بن جلد ابن مذحج، قدم وفدهم على رسول الله - ﷺ - سنة عشر هـ، وكانوا خمسة عشر رجلًا، وقد زارهم الرسول - ﷺ - في دار الضيافة (وهي دار رملة بنت الحارث) فتحدث عندهم طويلًا، وأهدوا لرسول الله - ﷺ - هدايا منها فرس، يقال له المرواح، وأمر به فشَوّر بين يديه، فأعجبه، وقد أسلموا وتعلموا القرآن والفرائض، وقد أجازهم كما يجيز الوفود، ثم رجعوا إلى بلادهم، وقدم منهم نفر فحجوا مع رسول الله - ﷺ - من المدينة، وأقاموا حتى توفي رسول الله - ﷺ -، فأوصى لهم بحاد مائة وسق بخيبر في الكتيبة جارية عليهم وكتب لهم كتابًا، فباعوا ذلك في خلافة معاوية، وكان من بين الوفد الرهاوى رجل اسمه عمرو بن سبيع أسلم فعقد له الرسول - ﷺ - لواءًا، فقاتل بذلك اللواء إلى جانب الأمير معاوية ضد أمير المؤمنين علي في الحرب الأهلية المحزنة.
- ٥٣ -
وفد غامد
غامد في الأصل قبيلة يمانية قحطانية من الأزد ووهم بنو غامد واسمه عمرو بن عبد الله، وفد منهم على رسول الله - ﷺ - وفد مكون من عشرة نفر، وذلك في شهر رمضان عام عشر هـ، لمَّا جاؤوا المدينة لسوا من صالح ثيابهم ثم دخلوا على رسول الله - ﷺ -، فسلموا عليه وأقروا بالإِسلام، وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا فيه شرائع الإِسلام، وعلمهم أبي بن كعب قرآنا، وأجازهم الرسول - ﷺ - كما يجيز الوفود. فانصرفوا.
أما اليوم فهذه القبيلة القحطانية اليمانية الأصل، تعد من أهم قبائل الحجاز بالمملكة العربية السعودية، وهم كجيرانهم ذوو شهامة وكرم، وتحتل ديارهم مناطق شاسعة في سلاسل الجبال، وتحيط ببلادهم، من الجنوب، بالقرن وبالعربان، ومن الشمال، التلاوة، ومن الغرب زبيد،
[ ١٠ / ٢١٧ ]
وزهران، وتمر طريق الطائف أبها - وسط ديار غامد .. وتنقسم غامد اليوم إلى قسمين، البدو، والحضر، وقاعدة غامد هي (الباحة).
فالقسم البدوى يسمى: آل صيّاح، وهم منتشرون في أماكن مختلفة، بين إخوانهم المتحضرين، ويتوغلون إلى أودية رينة، وتربة، والدواسر .. وأما القسم المتحضر، فيقيم في قرى مختلفة. وعلى أثر ذكر قبيلة غامد، يجرنا الحديث إلى ذكر جيرانهم قبيلة زهران، فهذه القبيلة أيضًا من قبائل الأزد القحطانية، وكانت يمانية في الأصل، وهي اليوم من أعظم قبائل عسير بالحجاز، وهم ذوو كرم ومروءة، وجدهم هو زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر (وهو شنوءة) بن الأزد .. تقع منازلهم اليوم في عسير، بين بني مالك من الشمال، وغامد من الشرق، وذوى بركات، وذوى حسن من الغرب، وزبيد من الجنوب والجنوب الغربي، وتمتد بلادهم في الغرب حتى تكاد تتصل بالحر الأحمر، إذ لا يفصلها عنه سوى حوالي ١٥ ميلا.
- ٥٤ -
وفد بجيلة
بجيلة -بفتح أوله- بطن عكل من كهلان من القحطانية، وبجيلة اسم أمهم التي صاروا ينتسبون إليها، وهم بنو أنمار بن أراش بن كهلان، يتفرعون إلى بطون كثيرة، كانت منازلهم في الجاهلية تمتد في سلسلة جبال السروات في اليمن والحجاز حتى تبالة قرب الطائف.
كانت بجيلة في الجاهلية قوة حربية هائلة، حتى أنهم حاربوا كثيرًا من قبائل جبال السراة، من بينهم قبيلة خثعم، فأجلوهم عن ديارهم وسكنوها، فصاروا سادة جبال السراة دون منازع وكانوا يدًا واحدة، حتى حدثت بينهم حرب أهلية رهيبة، كادت أن تبيدهم، وبعد هذه الحرب وهنت بل تحطمت قوة بجيلة المنهزم منها والمنتصر، فتفرقوا لذلك وتقطعوا، فصار كل بطن منهم يجاور أو يندمج في قبيلة من قبائل العرب، وما زالوا ممزقين موزّعين حتى جمعهم الخليفة عمر بن الخطاب، وذلك
[ ١٠ / ٢١٨ ]
بطلب من جرير بن عبد الله البجلى عندما كان قائدًا في حروب الجهاد بالعراق، وبهذا استعادت بجيلة وحدتها القبلية، وقد شهد منها معركة القادسية ألفا مقاتل.
كان وفدهم الذي قدم على رسول الله - ﷺ - مكونًا من مائة وخمسين رجلًا، يرأسهم جرير بن عبد الله البجلى (١) وقد وفدوا على النبي - ﷺ - عام عشرة هـ. فقد روى أن جرير بن عبد الله البجلى قدم المدينة سنة عشر، ومعه مائة وخمسون من قومه، فقال رسول الله - ﷺ -: يطلع عليكم رجل من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك. فطلع جرير على راحلته، ومعه قومه فأسلموا وبايعوا. قال جرير: فبسط رسول الله - ﷺ -، فبايعنى وقال: على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتنصح للمسلم وتطيع الوالي وإن كان عبدًا حبشيًّا، فقال جرير: نعم، فبايعه.
وكان رسول الله - ﷺ - يسائل جريرًا عما وراعه، فقال: يا رسول الله قد أظهر الله الإِسلام وأظهروا الأذان في مساجدهم وساحاتهم، وهدّمت الأصنام التي كانت تعبد، قال: فما فعل ذو الخلصة؟ (صنم) قال: هو على حاله قد بقى، والله مريح منه إن شاء الله، فبعثه رسول الله - ﷺ - إلى هدم ذي الخلصة وعقد له لواءًا، فقال: إني لا أثبت على الخيل، فمسح رسول الله - ﷺ - بصدره وقال: اللهم اجعله هاديًا مهديًا، فخرج في قومه -وهم زهاء مائتين- فما أطال الغيبة حتى رجع، فقال رسول الله - ﷺ -: هدمته؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار، فتركته كما يسوء من يهوى هبراه، وما صدَّنا عنه أحد (٢).
_________________
(١) هو جرير ابن عبد الله بن جابر البجلى، وبجيلة ينتهى نسبها إلى أثمار بن أراش بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، أسلم جرير قبل وفاة الرسول - ﷺ - بأربعين يومًا (أسد الغابة ج ١ ص ٢٧٩) كان جرير حسن الصورة، حتى أن الفاروق عمر قال: جرير يوسف هذه الأمة وهوب قومه، كان لجرير ولقومه دور مشرف في معركة القادسية. كان جرير رسول أمير المؤمنين على إلى معاوية أثناء التفاوض قبل معركة صفين المؤسفة، كان جرير صالحًا زاهدًا، كان يسكن الكوفة ثم تركها وسكن قرقيسيا بفلسطين ومات بها، روى عنه الحديث كثيرون منهم بنوه عبيد الله والمنذر وإبراهيم، والشعبي وابن أبي حازم، كانت وفاة جرير سنة إحدى وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٤٧ - ٣٤٨.
[ ١٠ / ٢١٩ ]
-٥٥ -
وفد حضر موت
حضر موت بلد مشهور منذ فجر التاريخ وقد قامت به عدة مالك أكثرها في كندة، وكان الملك والسلطان قائمين بحضر موت منذ آلاف السنين، وفي بعض الأحيان اتسع ملك الحضارم حتى حكموا اليمن وخاصة مناطقه الشرقية، وامتد ملكهم إلى نجران والشام. وحضر موت هو اسم قبيلة. ثم بمرور آلاف السنين صار اسم للبلد المعروف بجنوب جزيرة العرب، والذي يحده من الغرب بلاد الفضلى والعوالق ومن الجنوب بحر العرب ومن الشرق المهرة ومن الشمال المملكة العربية السعودية واليمن.
وقد جاء اسم حضرموت في التوراة. السفر ١٠ - ٢٦ - ٢٩، وفي التوراة أن حضر موت هو ابن يقطان أخو قحطان، ولكن ابن حزم يقول في كتابه (جهرة أنساب العرب) (١) إن حضر موت هو ابن قحطان بن عابر بن ارفخشذ بن سام بن نوح. وما كانت حضر موت بهذا الاسم، إلا بعد أن وجد حضر موت بن قحطان، الذي إذا هاجم بجيش قومًا أكثر القتل فيهم، فصار إذا جاء قالوا: حضر الموت، لذلك أطلق عليه ثم على بلاد حضر موت هذا الاسم.
ويؤكد المؤرخون أنه حتى ظهور الإِسلام كان من أبناء حضر موت بن قحطان ملوك إلى جانب وجود ملوك كندة الذين ليسوا من أبناء حضر موت بن قحطان وإنما من أبناء أخيه. قال ابن سعد في طبقاته الكبرى يصف قدوم وقد حضرموت على النبي - ﷺ -: وقدم وفد حضر موت مع وفد كندة على رسول الله - ﷺ -، وهم بنو وليعة ملوك حضرموت (حمدة ومخوس ومشرح وأبضعة) فأسلموا، وقال مخوس: يا رسول الله ادع الله أن يذهب عني الرتة من لسانى، فدعا له وأطعمه طعمة من صدقة حضر موت.
وضمن وفد حضر موت قدم لي وائل بن حجر ملك كندة (تقدم حديثنا
_________________
(١) الجمهرة ص ٤٦٣.
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
عن وفد كندة) فقال للرسول - ﷺ -: جئت راغبًا في الإِسلام، ففرح النبي - ﷺ - بقدومه فدعا له ومسح رأسه، وأمر الرسول - ﷺ - بأن يجتمع الناس، فأمر أن ينادى: الصلاة جامعة سرورًا بقدوم وائل بن حجر، وأمر الرسول - ﷺ - معاوية بن أبي سفيان أن يكون مرافقا له وينزله بدار الضيافة، فمشى معاوية في وقت شديد القيظ حافيًا ووائل بن حجر راكبًا، فطلب معاوية من وائل أن يعيره نعله ليتقى بها حر الرمضاء، فأبى وائل وقال: لا، لأنى لم أكن لألبسها ثانية وقد لبستها، وذلك ترفعا من وائل لأنه ملك، والملك لا يلبس شيئًا لبسه غيره، فقال له معاوية: فأردفنى إذن، قال: لست من أرداف الملوك، فقال: إن الرمضاء قد أحرقت قدمى، قال وائل: امش في ظل ناقتى كفاك به شرفًا، فصبر معاوية، ثم أخبر النبي - ﷺ - بقول وائل، فقال: إن فيه لعبية من عبية الجاهلية.
وما نسيها معاوية لوائل، فعندما آلت الخلافة إلى معاوية وفد عليه وائل في دمشق، فذكره بتلك الحادثة، ولكن معاوية بالغ في إكرامه، فأجلسه معه على السرير، فقال وائل: فوددت أنى حملته بين يدي، أي يوم رفض أن يعطيه نعله أو يردفه خلفه يوم وقد على الرسول - ﷺ -.
وقد كتب الرسول - ﷺ - لوائل بن حجر كتابًا جعله بموجبه واليًا على ما تحت يده بحضر موت (١)، ولم يخطب النبي - ﷺ - معلنًا قدوم وافد عليه إلا عندما وفد عليه ملك كندة وائل حيث جمع أهل المدينة في المسجد ثم خطبهم فقال: أيها الناس هذا وائل بن حجر أتاكم من حضر موت -ومدّ بها صوته- راغبًا في الإِسلام (٢).
قالوا: وكانت امرأة من حضر موت يقال لها تهناة بنت كليب، لما علمت بظهور النبي - ﷺ - صنعت له كسوة، ثم دعت ابنها كليب بن أسد بن كليب، فقالت له: انطلق بهذه الكسوة إلى النبي - ﷺ -، فسافر بها إلى المدينة مسافة شهرين، ثم أتى النبي - ﷺ - فأعطاه الكسوة ثم أسلم، وقد قال
_________________
(١) انظر نص هذا الكتاب في طبقات ابن سعد، والوثائق السياسية لحميد الله.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥١.
[ ١٠ / ٢٢١ ]
كليب يصف رحلته الميمونة:
من وشز (١) برهوت (٢) تهوى بي عذافرة (٣) إليك يا خير من يحفى وينتعل
تجوب بي صفصفًا غبرا مناهله تزداد عفوًا إذا ما كلت الإبل
شهرين أعملها (٤) نصا على وجل أرجو بذاك ثواب الله يا رجل
أنت النبي الذي كنا نُخبّره وبشَّرتنا بك التوراة والرسل
- ٥٦ -
وفد خثعم
خثعم -بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه- قبيلة قحطانية عظيمة، وقيل: إنها قبيلة عدنانية من معد (الصحاح للجوهرى ج ٢ ص ٢٨٠) ثم صاروا باليمن، وانتسبوا إلهم، وهم أبناء خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، كانت منازلهم بجبال السراة (بالحجاز)، وعندما هاجرت الأزد من اليمن عند انهدام سد مأرب قاتلت الأزد خثعم فهزمتها وأنزلتها من جبالها واستولت عليها، فنزلت خثعم وسكنت البسايط ما بين بيشة وتربة فتيامنت خثعم وقالوا: نحن أولاد قحطان ولسنا إلى معد بن عبدنان (٥).
وأما قدوم وفد خثعم على رسول الله - ﷺ - فقد كان في السنة العاشرة هجرية، وذلك بعد ما هدم جرير بن عبد الله البجلى ذا الخلصة صنم خثعم وبجيلة، فقد وفد وفدهم فأسلموا وقالوا: آمنا بالله ورسوله وما جاء من عند
_________________
(١) الوشز: بفتح أوله وسكون ثانيه - المكان المرتفع.
(٢) وبرهوت بئر بحضر موت مشهورة منذ آلاف السنين.
(٣) العذافر -بضم العين وكسر الفاء الشديدة الصلبة من الإبل.
(٤) هذا دليل على المسافة بين حضر موت والمدينة شهران.
(٥) معجم قبائل العرب ج ١ ص ٣٣١ ومعجم ما استعجم ج ١ ص ٦٣.
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
الله، فاكتب لنا كتابًا نتبع ما فيه، فكتب لهم كتابًا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر (١).
- ٥٧ -
وفد الأشعريين
الأشعريون قبيلة قحطانية كهلانية، وهم بنو الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، تقع بلادهم غريب تهامة اليمن، ومنها القحمة والحصيب، وتمتد حتى زبيد، قدم وفدهم على رسول الله - ﷺ - عند انتهائه من معركة خيبر، وكان فيهم أبو موسى الأشعري (٢)، فأسلموا، وأثنى عليهم النبي - ﷺ - فقال: الأشعريون في الناس كصرّة فيها مسك (٣)، وقال: الأشعريون لا يفرّون ولا يفلون، هم مني وأنا منهم (٤).
ويقال إن الرسول - ﷺ - أعطى الأشعريين من مغانم خيبر، وكانوا قد قدموا إلى الحجاز من اليمن في سفن عن طريق البحر.
- ٥٨ -
وفد أزد عمان
تقدم شرح مستفيض عن قبيلة الأزد وفروعها، ومنها أزد عمان. قال ابن سعد: أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله - ﷺ - العلاء بن الحضرمي (٥) ليعلمهم شرائع الإِسلام ويصدق أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله - ﷺ -، فيهم أسد بن يبرح الطاحى، فلقوا رسول الله - ﷺ -، فسألوه أن يبعث معهم رجلًا يقيم أمرهم، فقال مخربة العبدي، واحمه مدرك بن خوط: ابعثنى إليهم، فإن لهم على منة، أسرونى يوم جنوب فمنوا علي، فوجهه معهم إلى عمان، وقدم بعدهم سلمة بن عياذ الأزدي في ناس من قومه، فسأل رسول الله - ﷺ -، عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبره رسول الله - ﷺ -، فقال: ادع الله أن يجمع كلمتنا وألفتنا، فدعا
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٤٨.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة حنين).
(٣) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٤٩.
(٤) مشكلة المصابيح.
(٥) تقدمت ترجمة العلاء فيما مضى من هذه السلسلة.
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
لهم، وأسلم سلمة ومن معه (١):
- ٥٩ -
وفد غافق
غافق -بكسر الفاء- بطن من عك من القحطانية، وهم بنو غافق بن الشاهد بن عك بن عبدنان بن عبد الله بن الأزد، كان لغافق شأن كبير في الإِسلام، ومنهم الكثير مم قادة الجيوش والأمراء أيام امتداد الفتوحات الإِسلامية، وأعظمهم شأنًا وأبعدهم صيتا بطل حروب الجهاد في فرنسا، عبد الرحمن الغافقى الذي اكتسح بنصف مليون جندى جنوب فرنسا ووصل على بعد حوالي ٣٥٠ كيلو مترًا من باريس، وكاد يجتاح فرنسا بأكملها، لولا أن الملك شارل مارتل، نجح في توحيد كلمة ملوك إيطاليا والنمسا والمجر وألمانيا لمواجهة الغزو الإسلامي، والتقى بالأمير الغافقى في مدينة تور (بواتييه) فالتحم الفريقان المسلمون والصليبيون في معركة فاصلة كانت بوادر النصر فيها -بعد سبعة أيام من القتال- تشير إلى أن جيش الغافقى هو المنتصر لا محالة، لولا مفاجأة مفجعة قلبت الوضع لصالح الصليبيين، وذلك أن القائد العام عبد الرحمن الغافقى أصيب بسهم في جبينه وهو يقول المعركة فنال شرف الاستشهاد، وكانت الهزيمة في جيشه الذي انهارت معنوياته بعد مصرع قائده الغافقى البطل (انظر غزوات العرب في أوروبا وجزائر البحر الأبيض المتوسط للأمير شكيب أرسلان ﵀).
تقع منازل غافق في تهامة غربي اليمن، وقد قدموا على رسول الله - ﷺ - برئاسة جليحة بن شجار بن صحار الغافقى، وكان يصحبه رجال من قومه، فقالوا: يا رسول الله نحن الكواهل من قومنا، وقد أسلمنا، وصدقاتنا محبوسة (أي زكواتنا) بأفنيتنا، فقال: لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فقال عوز بن سرير الغافقى: آمنا باللهِ واتبعنا الرسول (٢).
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥١.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٢.
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
-٦٠ -
وفد بارق
بارق -بكسر الراء- بطن من خزاعة، وهم من نسل ملك مأرب عمرو مزيقيا الملقب (بماء السماء)، وهم بنو بارق بن علي بن حارثة بن مزيقيا بن غامر ماء السماء، كانوا حلفاء لبنى نمير وقد سكنوا الكوفة، منهم القائد الشهير هرثمة البارقى أحد الأبطال الذين ساهموا في القضاء على فتن المرتدين في عمان والمهرة.
قدم وفد بارق على رسول الله - ﷺ - المدينة فدعاهم إلى الإِسلام فأسلموا وبايعوا، وقد كتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا نصه: (هذا كتاب من محمَّد رسول الله لبارق: لا تجز ثمارهم ولا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، ومن مر بهم من المسلمين في عراك أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسف بطنه من غير أن يقتشم (١). شهد أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان، كتب أبيّ بن كعب (٢).
- ٦١ -
وفد دوس
دوس -بفتح الدال وسكون الواو- اسم يطلق على عدة قبائل من قحطان وعدنان، ودوس الذين نحن بصددهم، قبيلة قحطانية من الأزد، أزد شنوءة، وهها فرع عن قبيلة زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك جرت نصر -وهو شنوءة- بن الأزد، مساكنهم في جبال السروات المطلة على تهامة اليمن.
كان الإِسلام قديمًا في دوس فقد أسلموا على يد سيدهم الطفيل بن عمرو قبل الهجرة، إلا أن وفدا منهم مكونا من ثمانين رجلًا فيهم أبو هريرة، قدموا
_________________
(١) اقتشم الشيء أكله من هنا وهناك.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٢.
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
المدينة والرسول - ﷺ - يحارب اليهود في خيبر، فالتحقوا به هناك، فقسم لهم رسول الله - ﷺ - من غنيمة خيبر. وقال رجل منهم اسمه عبد الله بن زيهرا (١): يا رسول الله إن لي في قومى سِطة (٢) ومكانًا فاجعلنى عليهم، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أخا دوس إن الإِسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فمن صدق الله نجا، ومن آل إلى غير ذلك هلك، إن أعظم قومك ثوابًا أعظمهم صدقًا ويوشك الحق أن يغلب الباطل.
شاركت قبيلة (دوس) الباسلة مع الرسول في حصار الطائف وكان معها من السلاح الثقيل منجنيق وكان الذي جمعها وجاء بها إلى الطائف سيدها الطفيل بن عمرو (٣) ومعه ٤٠٠ مقاتل.
- ٦٢ -
وفد ثمالة
ثمالة -بضم أوله- بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية، وهم من قبائل الحجاز، تقع ديارهم قريبًا من الطائف، وهم بنو ثمالة بن أسلم بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر (وهو شنوءة) بن الأزد. قدم وفدهم على رسول الله على - ﷺ - بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا فيه ما فرض الله عليهم من الصدقة في أموالهم، وكتب الكتاب ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة.
- ٦٣ -
وفد الحدَّان
حُدّان -بضم الحاء وتشديد الدال- اسم يطلق على عدة قبائل من
_________________
(١) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من كتب التراجم.
(٢) السلطة بكسر السين المكانة والمنزلة.
(٣) انظر كتابنا غزوة حنين (فصل حصار الطائف) وانظر فيه ترجمة الطفيل بن عمرو.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
العرب، غير أن المرجح أن هؤلاء المشار إليهم، هم بطن من الأزد القحطانية، بدليل أنهم جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - في وفد مشترك مع بني ثمالة الأزديين، وهم بنو حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، تقع منازلهم بجبال السراة بالحجاز، ويظهر أنهم -عند انتشار الإِسلام- سكنوا الصرة، وقد أسلموا وكتب لهم ولبنى ثمالة كتابًا مشتركًا فيه ما فرضه الله عليهم من الزكاة، وكان رئيس وفدهم مسلمة بن هزان الحدّانى (١).
- ٦٤ -
وفد أسلم
أسلم -بفتح الهمزة- اسم يطلق على عدة قبائل من العرب، غير أن سياق المؤرخين وأصحاب التراجم يدل على أن المشار إليهم هنا، هم بنو أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيًا ملك مأرب، وهم بطن من خزاعة (٢)، تقع منازلهم قريبًا من المدينة المنورة، ومن قراهم (وبرة) وهي ذات نخيل.
جاء وفد أسلم إلى رسول الله - ﷺ - برئاسة عميرة بن أفصى، فقالوا: آمنا بالله ورسوله واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها، فنحن إخوة الأنصار ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله - ﷺ -: أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها (٣).
- ٦٥ -
وفد جذام
جذام -بضم الجيم- بطن كبير من القحطانية، وهم بنو جذام بن
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٣ والاشتقاق لابن دريد ص ٢٩٩ ومعجم البلدان ج ٢ ص ٢١٨.
(٢) معجم قبائل العرب ج ١ ص ٢٦.
(٣) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٤.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
عدى بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد كهلان .. تتفرع من جذام بطون كثيرة، كانت تسكن جبال حسْمَى وتمتد منازلها من مدين فتبوك فأذرح بالشام. كانت جذام حليفة للرومان عند ظهور الإِسلام، وقد غزاهم زيد بن حارثة، وفي معركة مؤتة الشهيرة كانت جذام تقاتل مع الرومان ضد المسلمين عام ثمان هـ، كما أنها كذلك كانت عام ١٤ هـ ضمن جيش هرقل بإنطاكية.
وجذام أول من سكن مصر من العرب، جاءوا ضمن جيش عمرو بن العاص الذي فتح مصر، فأقطعوا فيها بلادًا، وكانوا حتى سنة ٨٠٣ هـ يسكنون الحوف شرقي دلتا النيل (١).
لم يكن الإِسلام قد عم جذام في العهد النبوي، بدليل أن طوائف كبيرة منهم حاربت جيوش الخلافة في الشام عام ١٤ هـ، ولكن عناصر من جذام وفدت على النبي - ﷺ - فأسلمت، وعنصر آخر بعث إلى الرسول - ﷺ - بإسلامه وكان واليا للرومان، فدفع حياته ثمنًا لإسلامه ﵀ حيث أعدمه الرومان لما علموا بإسلامه.
فقد ذكر المؤرخون أن رفاعة بن زيد الجذامى قدم على رسول الله - ﷺ - في فترة الهدنة بين النبي - ﷺ - وبين قريش، قبل فتح خيبر، فأسلم، فكتب له الرسول - ﷺ - كتابًا، نصه: (هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد إلى قومه ومن دخل معهم يدعوهم إلى الله، فمن أقبل ففي حزب الله ومن أبى فله أمان شهرين) قالوا: فأجابه قومه وأسلموا.
كما أن رجلًا من جذام يقال له فروة بن عمرو بن النافرة -وكان أميرًا للرومان على من يليه من العرب في الشام- بعث إلى رسول الله - ﷺ -، وكان مقر فروة مدينة معان، فلما بلغ الرومان دخوله في الإِسلام اعتقلوه ثم أعدموه وصلبوه. فقال قبل أن يقتلوه.
أبلغ سراة المؤمنين بأننى سلم لربّى أعظمى ومقامى (٢).
_________________
(١) معجم قبائل العرب ج ١ ص ١٧٤.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
- ٦٦ -
وفد مهرة
مهرة قبيلة حميرية من قضاعة، وهم بنو مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، تقع ديارهم ما بين حضر موت وعمان، ومن مدنهم سيحوت وقشن والغيظة، ويحتلون مساحة كبيرة على سواحل بحر العرب، وكانت المهرة شعبًا شرسًا محاربًا، وفي بلادهم توجد أجود الإبل العربية على الإطلاق، وهي المسماة بالابل المهرية التي لا يوجد أسرع منها في الجرى .. ارتدت المهرة عن الإِسلام بعد وفاة النبي - ﷺ -، وتولى عكرمة بن أبي جهل تأديبها، ولم تخضع وتعد إلى الإِسلام إلا بعد معارك طاحنة لا تقل ضراوة عن معارك أنْامة، فقد قتل منهم في حرب الردة قرابة عشرة آلاف مقاتل.
وقد قدم وفد المهرة المدينة برئاسة مهريّ بن الأبيض (١) فعرض عليهم رسول الله - ﷺ - الإِسلام فأسلموا، وأكرمهم رسول الله - ﷺ - وكان يعتنى بهم لبعد المسافة التي قطعوها إليه فقد كان ما بين المهرة والمدينة مسافة حب إلى سبعين يومًا، وقد كتب النبي - ﷺ - للمهرة كتابًا هذا نصه: (هذا كتاب من محمَّد رسول الله لمهرى بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألا يؤكلوا (٢)، ولا يعركوا وعليهم إقامة شرائع الإِسلام فمن بدل فقد حارب ومن آمن به فله ذمة الله وذمة رسوله، اللقطة مؤدَّاة والسارحة مندّاة والتفث السيئة والرفث الفسوق) وكتب محمَّد بن مسلمة (٣). ويذكر ابن سعد في طبقاته أن رجلًا من المهرة أيضًا وقد على رسول الله - ﷺ -، اسمه زهير بن قرضم (٤)، فكان رسول الله - ﷺ - يدنيه ويكرمه لبعد مسافته، فلما أراد الانصراف ثبته وحمّله وكتب له كتابًا (٥).
_________________
(١) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من مصادر.
(٢) لا يؤكلون: أي لا يغار عليهم.
(٣) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٥.
(٤) لم يزد في أسد الغابة أثناء الترجمة لزهير هذا على أن ذكر قصة قدومه على النبي - ﷺ - وعنايته به.
(٥) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٦.
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
- ٦٧ -
وفد حمير
حمير -بكسر الحاء وسكون الميم- بطن عظيم من القحطانية، وهو أحد جرمين رئيسيين تنتسب إليهما جميع قبائل اليمن، وهما كهلان بن سبأ وحمير بن سبأ، واسم حمير هو (العرنج) قال الهمدانى: حمير في قحطان ثلاثة: الأكبر، والأصغر، والأدنى.
وديانة حمير قبل الإِسلام، بعضهم دان باليهودية، وبعضهم يعبد الشمس، وكان لحمير في الجاهلية بيت بصنعاء يقال له رئام، يعظمونه، ويتقربون عنده بالذبائح (١) وفي حمير كان الملك عظيمًا وكان منهم ملوك عظام، وقد امتدت رقعة مملكة حمير إلى أرض فارس وأفريقيا والهند فحكموا كل هذه الأقطار مدة طويلة قبل الإِسلام، وقد كان لحضارمة حمير ملك بالشام قبل الغساسنة، فقد كان جيل من قضاعة ملوكًا لجنوب الشام حتى حاربهم بنو عمهم الغساسنة وأزالوا ملكهم (٢).
ولما جاء الله بالإِسلام، وانتصر الرسول - ﷺ - في كل معاركه الحربية الرئيسية، قرر ملوك حمير الدخول في الإسلام، ولذلك - في شهر رمضان سنة تسع هـ - بعثوا إلى النبي - ﷺ - من اليمن رسولًا بإسلامهم، وهم أربعة ملوك، نعيم بن عبد كلال (٣)، والحارث بن عبد كلال (٤)، والنعمان (٥) قيل ذي رعين، وزرعة ذو يزن (٦)، وكان رسول هؤلاء الملوك إلى النبي - ﷺ - مالك بن مرارة الرهاوى (٧)، فقد كتب هؤلاء الملوك إلى
_________________
(١) الأصنام للكلبي ص ١١ ومعجم قبائل العرب ج ١ ص ٣٠٦.
(٢) انظر كتابنا "العرب في الشام قبل الإِسلام".
(٣) لم يزد في أسد الغابة وغيره من كتب التراجم على أن ذكر قصة إسلام نعيم هذا.
(٤) لم أجد في كتب التراجم أكثر من قصة إسلام الحارث هذا.
(٥) كذلك ليس في كتب التراجم زيادة على ذكر قصة إسلام النعمان هذا وزملائه الملوك الثلاثة.
(٦) لم يزد المترجمون على أن ذكروا فقط قصة إسلام زرعة هذا ونص الكتاب الذي كتبه لهم النبي - ﷺ - كما أوردناه، ولم أر أحدًا من أصحاب الحديث والسير ذكر أن أحدًا من هؤلاء الملوك الأربعة اجتمع بالنبي - ﷺ - فَهُمْ مسلمون ولكنهم ليسوا من الصحابة.
(٧) جاء في أسد الغابة أن ابن مسعود قال: "أتيت رسول الله - ﷺ - وعنده مالك بن مرارة الرهاوي =
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
الرسول - ﷺ - أنهم فارقوا الشرك وأهله، فأكرم الرسول - ﷺ - رسولهم فأنزله في دار الضيافة، ثم كتب النبي - ﷺ - إلى الملوك الأربعة كتابًا هذا نصه: (بسم الله ألرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى الحارس بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال وإلى النعمان قيل (١) ذي رعين ومعافر وإلى زرعة بن ذي يزن، أمّا بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد فقد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلغ به وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين فإن الله ﵎ قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغنم خمس الله وخمس نبيه وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة والعقار (٢) عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب (٣) نصف العشر)، - وهو كتاب طويل فيه فرائض ووصايا كثيرة (٤).
- ٦٨ -
وفد نصارى نجران
كانت نجران قبل الإِسلام بها جماعة من العرب على النصرانية، وكان منهم -قبل تحريف الإنجيل- قوم على دين التوحيد دين عيسى بن مريم - ﵇ -، ومنهم المؤمنون أصحاب الأخدود الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وكان اليهود هم الذين نكلوا بهؤلاء المؤمنين فحرقوهم في الأخدود.
وعندما جاء الله بالإِسلام كان بنجران قوم من النصارى العرب، كتب إليهم النبي - ﷺ -، فجاؤوا إلى المدينة في وفد مكون من أربعة عشر رجلًا
_________________
(١) = وروى عطاء بن ميسرة عن مالك بن مرارة الرهاوى أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
(٢) القيل بقتح القاف: الملك الذي هو دون الملك الذي هو أكبر منه.
(٣) العقار -بفتح العين-: الأرض.
(٤) الغرب: الدلو.
(٥) انظر سير ابن هشام ج ٤ ص ٢٣٥ - ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
من أشرافهم، وكان رئيسهم رجل اسمه عبد المسيح ولقبه (العاقب)، وهو من كندة، وكان أميرهم ومرجعهم في السياسة والحكم، أما أسقفهم وحبرهم وإمامهم ورئيس مدارسهم فهو أبو الحارث بن علقمة، وهو من بني ربيعة.
ولما وصلوا المدينة دخلوا على رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد، وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكففة بالحرير، وأثناء وجودهم داخل المسجد قاموا يصلّون صلاتهم نحو المشرق، فأراد الصحابة اعتراضهم فقال رسول الله - ﷺ -: دعوهم، فأكملوا صلاتهم في المسجد، وقد أعرض عنهم الرسول - ﷺ - ولم يكلمهم (أول الأمر) فاستغربوا، فقال لهم عثمان بن عفان: ذلك من أجل زيكم هذا (أي ارتدائهم الحرير) فانصرفوا يومهم ذلك، ثم غدوا على الرسول - ﷺ - بزى الرهبان فسلموا فردّ عليهم، ثم دعاهم إلى الإِسلام فأبوا وكثر الكلام والحجاج بينهم، وتلا عليهم النبي - ﷺ - القرآن، ولكنهم أصرّوا على رفضهم الدخول في الإِسلام، فقال لهم - ﷺ -: إن أنكرتم ما أقول لكم فهلمّ أباهلكم، والمباهلة هي التي عناها القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
فوافقوا على المباهلة (أول الأمر)، ولكنهم تراجعوا فيما بعد فجاء منهم عبد المسيح ورجلان من ذوي الرأي فيهم. فقالوا: قد بدا لنا أن لا نباهلكم فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك، فصالحهم الرسول - ﷺ - على أن يدفعوا الجزية، وأعطاهم ضمانًا كتابيا على أنهم أحرار في دينهم وآمنون على أموالهم وأراضيهم، فرجعوا إلى بلادهم، غير أن اثنين من زعمائهم وهما العاقب أميرهم وصاحب أمرهم، والسيد أحد كبارهم، رجعا إلى النبي - ﷺ - وأسلما على يديه (٢).
_________________
(١) آل عمران ٦١.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٧ - ٣٥٨.
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
- ٦٩ -
وفد جيشان
جيشان، لم أجد لهذه القبيلة ترجمة في شيء من المعاجم، ويظهر أنها فخيذة من اليمن، قال ابن سعد: بلغني عن عمرو بن شعيب قال: قدم أبو وهب الجيشانى على رسول الله - ﷺ - في نفر من قومه فسألوه عن أشربة تكون باليمن، قال فسموا له البتع من العسل والمزر من الشعير، فقال رسول الله - ﷺ -: هل تسكرون منها؟ قالوا: إن أكثرنا سكرنا، قال: فحرام قليل ما أسكر كثيره. وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عماله، فقال رسول الله - ﷺ -: كل مسكر حرام (١).
- ٧٠ -
وفد السباع
وحتى السباع أرسلت وفدها إلى النبي - ﷺ - عام الوفد، فعن شعبة بن عبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب، قال: بينا رسول الله - ﷺ - جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله - ﷺ -: هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئًا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحذّرتم منه، فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يا رسول الله، ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه النبي - ﷺ - بأصابعه الثلاث، أي خالسهم، فولَّى وله عسلان.
وفي رواية للأمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعى فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقى الله تنزع مني رزقا ساقه الله إليّ، فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمنى كلام الإنس فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك، محمَّد رسول الله - ﷺ - بيثرب يخبر الناس بما قد سبق. قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله
_________________
(١) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٩.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
- ﷺ - فأخبره، فأمر رسول الله - ﷺ - فنودى: الصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول الله - ﷺ -: صدق والذي نفس محمَّد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وتكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده، ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (١).
سيطرة الإسلام الكاملة على جزيرة العرب
وهكذا وبتوافد هذه الوفود العربية من أقاصى الجزيرة في شمالها وجنوبها وغربها وشرقها لإِعلان الدخول في هذا الدين، ضرب الإِسلام بجرانه في هذه الجزيرة ولم يعد فيها من هو على غير دين الإسلام، سوى أقليات بسيطة من أهل الكتاب أقرهم النبي - ﷺ - على دينهم، بعد أن دفعوا الجزية وأقروا بدفعها كل سنة اعترافًا بسلطان الإِسلام.
وقد ظلت الوفود تتقاطر على المدينة لإعلان إسلام القبائل طوال السنة التاسعة الهجرية وحتى أوائل السنة العاشرة.
وفود ذي الكلاع الحميرى:
كان ذو الكلاع الحميرى من ملوك الطوائف، قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية، وقد بعث إليه رسول الله - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلى يدعوه إلى الإِسلام فأسلم وأسلمت امرأته صريمة بنت أبرهة بن الصباح. قال في تاريخ الخميس: واسم ذي الكلاع (ذو الكلاع بن باكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تُبَّع).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٩٥ وطبقات ابن سعد ج ١ ص ٣٥٩ وقد يستنكر البعض هذه الحادثة لأنها خارقة للعادة. إن مثلها وما أعظم منها من الخوارق قد حدثت بقدرة الله النبي - ﷺ -، فحادثة الذئب معجزة من جملة المعجزات الثابتة المتواترة التي أيد الله بها نبيه الحبيب. العظيم - ﷺ -، ونزول جبريل بالقرآن من السماء -والقرآن أساس الإِسلام- هو أكبر المعجزات الخارقة للعادة، ثبتنا الله على الإيمان والتصديق بما جاء به نبينا محمد - ﷺ -.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
قال الأصمعى: كاتب رسول الله - ﷺ - ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله البجلى، يدعوه إلى الإِسلام، وكان قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية فأطيع، وتوفى النبي - ﷺ -، ثم وفد في خلافة عمر ومعه ثمانية آلاف عبد، فأسلم على يده وأعتق من عبيده أربعة آلاف، ثم قال عمر: يا ذا الكلاع بعنى ما بقى عندك من عبيدك أعطك ثلث أثمانهم ها هنا وثلثًا باليمن وثلثًا بالشام، فقال: أجلنى يومى حتى أفكر فيما قلت ومضى إلى منزله فأعتقهم جميعًا، فلما غدا على عمر قال له: ما رأيك فيما قلت لك في عبيدك؟ . قال: قد اختار الله لي ولهم خيرًا مما رأيت. قال: وما هو؟ قال: هم أحرار لوجه الله تعالى، قال: أصبت ياذا الكلاع.
قال: يا أمير المؤمنين لي ذنب ما أظن الله يغفره لي. قال: وما هو؟ قال: تواريت يومًا ممن يتعبّدنى، ثم أشرفت عليهم من مكان عال، فسجد لي زهاء مائة ألف إنسان، فقال عمر: التوبة باخلاص والإنابة بإقلاع يرجى بهما مع رأفة الله ﷿ الغفران، وقد قتل ذو الكلاع الحميرى بصفين مع فئة معاوية رحم الله الجميع.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
تجميع الزكواة
وبعد نجاح غزوة تبوك وبعد أن لف الإِسلام تحت جناحيه جميع أقاليم تجويف الجزيرة العربية، ولم يبق من يفكر في معارضة الإِسلام ومناوأة سلطانه أحد، شرع الرسول - ﷺ - فيما يمكن تسميته تنظيم الواردات المالية للدولة، وذلك لمواجهة احتياجات هذه الدولة التي ستتزايد يومًا بعد يوم.
وقد كان القرآن الكريم قد نزل بفرضية الزكاة على المسلمين بصفة عامة، وجاءت السنة المحمدية فبينت للمسلمين صنوف الأموال التي تجب فيها الزكاة، وكم هو الحد الأدنى من كل صنف الذي تجب فيه الزكاة، والهدف من فرضية الزكاة مواجهة سد حاجات المحتاجين من المسلمين، الذين لا يقدرون على الكسب من معوق أو أعمى أو يتيم أو ذي عاهة إلى غير ذلك. وكانت الزكاة أول نظام عامل محكم فعال يوضع للضمان الاجتماعى منذ فجر التاريخ.
ولا حاجة بنا إلى شرح شروط وأركان الزكاة وتحديد مصارفها، ففي كتب الفقه المطولة والمبسطة ما يشفى غليل الذي يريد معرفة التفاصيل.
وقد بعث رسول الله - ﷺ - برسل وكتب إلى جميع نواحى جزيرة العرب يعلم الناس فيها الركن الهام هذا من الإِسلام وهو الزكاة. فسمع الناس وأطاعوا. وصار جامعو الزكاة أيما ذهبوا في الجزيرة لا يلقون أية صعوبات تذكر في جمع هذه الزكاة. في عهد النبي - ﷺ -.
حجة الوداع:
وعندما أشرفت السنة العاشرة الهجرية على الانتهاء، شرع الرسول - ﷺ - في التهيؤ للحج قال في تاريخ الخميس ج ٢ ص ١٤٨: وقد كان النبي - ﷺ - أراد أن يحج مقفله من تبوك، وذلك إثر فتح مكة بيسير، ثم ذكر أن بقايا
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
المشركين يحجون ويطوفون عراة فأخر الحج حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وذلك في السنة التاسعة ثم حج في العاشرة (بعد إمحاء رسوم الشرك) (١).
النبي لم يحج حجة الإِسلام في العمر إلا مرة:
والثابت عند المحققين أن النبي - ﷺ - لم يحج في حياته (بعد فرضية الحج) إلا مرة واحدة وقد كان النبي - ﷺ - قبل هجرته "وعندما كان مغلوبًا على أمره"، يشهد كل سنة مواسم الحج يعرض نفسه على القبائل يدعوهم إلى الإِسلام، في هذه المواسم التي كانت السيطرة الكاملة فيها للمشركين الذين يؤدون الحج حسب التقاليد مخالفين التعاليم الإِسلامية حتى أنهم دائمًا يقفون في غير التاسع من ذي الحجة وذلك التلاعب في الأشهر الذين يباشرونه وهو النسئ الذي نعاه الله تعالى عليهم.
قال السهيلى في شرح السيرة النبوية: "لا ينبغي أن يضاف إليه "أي النبي - ﷺ -" في الحقيقة إلا حجة الوداع، وإن حج مع الناس، إذ كان بمكة، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج وكماله لأنه - ﷺ - كان مغلوبًا على أمره، وكان الحج منقولًا عن وقته، فقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا ينقلون الحج على حساب الشهور الشمسية ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يومًا (٢).
أما العمرة فالمتفق عليه بين المحققين أن النبي - ﷺ - اعتمر ثلاث عمر. أولها عمرة الحديبية حين منعه المشركون دخول مكة فعقد معهم الصلح المشهور في ذي القعدة عام ٦ هجرية فتحلل وحسبت له عمرة. وثانيها في
_________________
(١) تاريخ الخميس ج ٢ ص ١٤٨.
(٢) تاريخ الخميس ج ٢ ص ١٤٨ .. وروى عن الصحابي جبير بن مطعم أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يقف بعرفة قبل النبوة. وكانت قريش كلها تقف بجمع "يعني مزدلفة" إلا شيبة بن ربيعة. وعن أسماء بن أبي بكر، قال كان شيبة بن ربيعة من بين قريش يقف بعرفة، عليه ثوبان أسودان، وزمام بعيره من شعر بين غرزين "الغرز الرجل من جلد" أسودين، حتى يقف مع الناس بعرفة، ثم يدفع بدفعهم، فإننا لا نتكلم مع الناس -يعني العرب- كانت تقف بعرفة وقريش تقف بجمع "يعني مزدلفة" تقول: نحن أهل الله "مغازي الواقدي ج ٣ ص ١١٠٢".
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
ذي القعدة من العام المقبل وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء، وثالثها في ذي القعدة سنة ثمان وهي عام الفتح، حيث اعتمر من الجعرانة بعد أن قسم غنائم حنين، وأربعها مع حجته الكبرى سنة عشر هجرية، وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في الحجة كذا رواه البخاري في صحيحه.
ولذا أعلم الرسول - ﷺ - الناس أنه حاج هذا العام، فاجتمع بشر كثير يريدون الاقتداء برسول الله - ﷺ -، قيل إنهم كانوا يزيدون على مائة ألف.
وكان خروج النبي - ﷺ - من المدينة للحج يوم السبت في السادس والعشرين من شهر ذي القعدة عام ١٠ هجرية، وكان خروجه بين الظهر والعصر. فصلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة الظهر أربعا والعصر ركعتين بذى الحليفة قصرًا ولم يثبت عنه أنه صلى ركعتين خاصة قبل الإِحرام كما يفعل الكثير ظنًّا منهم أن أداءهما سنة.
وقد كان دخوله مكة للحج صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة فتكون السافة التي قطعها بين مكة والمدينة ثمانية أيام.
وكان النبي - ﷺ - قد أحرم بالمدينة في ثوبين صحاريين (١)، إزار ورداء، وأبدلهما بالتنعيم من جنسهما، قالوا وساق الرسول - ﷺ - مائة بدنة هديا (٢).
وكان دخوله مكة من أعلاها، حتى انتهى إلى الباب الذي يقال له، باب بني شيبة، وعندما دخل المسجد بدأ بالطواف قبل الصلاة، ولما انتهى استلم الركن وهو مضطبع (٣) بردائه وقال: بسم الله والله أكبر، وكان يقول بين الركن اليماني والأسود "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٤) ". ونهى عن المزاحمة على الحجر الأسود، فقد قال لعمر بن الخطاب: إنك رجل قوي، إن وجدت الركن خاليا فاستلمه، وإلا فلا
_________________
(١) نسبة إلى صحار بلدة باليمن.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣.
(٣) أي جاعلًا طرفي الرداء على كتفه الأيسر.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٩٨.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
تزاحم الناس فتؤذي وتؤذى. وقال لعبد الرحمن بن عوف: كيف صنعت بالركن يا أبا محمَّد؟ قال: استلمت وتركت. قال: أصبت.
وبعد أن انتهى - ﷺ - من الطواف الذي رمل فيه ثلاثًا ومشى أربعًا. تقدم إلى المقام، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) ثم جعل المقام بينه وبين البيت فصلى فيه ركعتين وكان يقرأ في الركعتين قل يا أيها الكافرون وقيل هو الله أحد. وبعد أن انتهى من صلاته رجع إلى الركن واستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفاء من باب بني مخزوم وقال: أبدأ بما بدأ الله به. ثم أكمل الطواف بين الصفاء والمروة على راحلته. وكان يقول عندما يرتقى الصفا أو المروة: لا إله إلا الله. وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات (٢).
فلما أكمل سعيه أمر كل من لا هدى معه أن يحل حتما قارنا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء ولبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو - ﷺ - من أجل هديه، وهناك قال: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى معى ولجعلتها عمرة.
ولم يحل أبو بكر ولا عمر ولا على ولا طلحة من أجل الهدى. ولما قال النبي - ﷺ - لأصحابه الذين أحرموا بالحج اجعلوها عمرة، ترددوا وقالوا يا رسول الله فكيف نجعلها عمرة. فقال: انظروا ما آمركم به ثم بدا عليه الغضب من ترددهم حتى دخل على زوجه عائشة وهو غضبان فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ . فقال - ﷺ -: وما لي لا أغضب وأنا آمر أمرًا فلا يتبع (٣).
قال الإِمام ابن القيم في زاد المعاد: وروى عن النبي - ﷺ - بفسخ الحج إلى
_________________
(١) تاريخ الخميس ج ٢ ص ١٤٩.
(٢) زاد المعاد ج ١ ص ٤٥٧.
(٣) زاد المعاد ج ١ ص ٤٧٦.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
العمرة أربعة عشر من أصحابه، وأحاديثهم في الصحاح (١).
ثم قال ابن القيم: ونحن نشهد الله علينا أن لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله - ﷺ - واتباعًا لأمره، فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعدها، ولا صح حرف واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله ﷾ على لسان سراقة بن مالك أن يسأله: هل ذلك (أي فسخ الحج إلى العمرة) مختص بهم (أي الصحابة) فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندرى ما تقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله - ﷺ - على من خالفه؟ . ولله در إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ إذ يقول لسلمة بن شبيب: وقد قال له: يا أبا عبد الله كل أمرك عندي حسن إلا خلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة. فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاحًا أأتركها لقولك (٢). قلت والذي يؤيد كلام ابن القيم والإمام أحمد بأنه لا مناص من فسخ الحج إلى العمرة لن دخل مكة محرمًا وطاف وسعى. قول عبد الله بن عباس: من طاف بالبيت وسعى فقد حلّ شاء أم أبى.
النبي يكسو الكعبة في حجته:
فعن ابن أبي سبرة عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله بن موسى قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: كسا رسول الله - ﷺ - البيت في حجته الحبرات.
ويذكر الإِمام الواقدي أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس قبل يوم التروية بمكة بعد الظهر ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة (٣). قلت: ولم نجد نص هذه الخطبة التي أشار إليها الواقدي في المصادر التي بين أيدينا.
_________________
(١) زاد المعاد ج ١ ص ٤٢٣.
(٢) زاد المعاد ج ١ ص ٤٢٦.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١١٠٠.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
واتفق رواة الحديث على أن النبي - ﷺ - نزل بظاهر مكة، وكان مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه يصلى بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهرها أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والأربعاء فلما كان يوم الخميس (ضحَى) توجه بمن معه من المسلمين إلى منى، فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم، ولم يدخلوا المسجد ليحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم، فلما وصل إلى منى نزل بها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح (١).
صلاة أهل مكة خلف النبي - ﷺ -:
وقد صلى النبي - ﷺ - بمكة الرباعية قصر ولما صلى أهل مكة معه. قال: أتموا صلاتكم فإنا سفر (٢) وكان ذلك ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس سار من منى إلى عرفات وأخذ على طريق ضبّ على يمين طريق الناس اليوم، وكان من أصحابه الملبى ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء، فلما وصل نمرة (وهي شرقي عرفة) وجد قبة بها قد نصبت بأمره فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بناقته القصوى فرُحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، (وعرنة ليست من عرفات) وهناك في وادي عرنة خطب الناس وهو على ناقته خطبة عظيمة جامعة قرر فيها قواعد الإِسلام وهدم قواعد الشرك وردم منابع الجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات وهي الأعراض والدماء والأموال ووضع كل أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرًا، وذكر ما لهن من حقوق وما عليهن من واجبات، وأوصى الأمة بالاعتصام بكتاب الله، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه واستنطقهم بماذا يقولون؟ وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت، فرفع إصبعه
_________________
(١) زاد المعاد ج ١ ص ٤٦١، وانظر خطبة الوداع مفصلة في مصادرها الكبرى.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٩٢.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
إلى السماء واستشهد عليهم ثلاث مرات وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم (١).
وفي حجته هذه - ﷺ - أدخل على الحج إصلاحات كبرى لأن المشركين كانوا على مدى القرون أدخلوا على مناسك الحج مفاسد كبرى بالزيادة فيه أو النقصان.
ومن الإِصلاحات الكبرى الوقوف بعرفة، فقد كانت قريش دون سائر الناس لا يقفون بعرفة تكبرًا وإنما يقفون (فقط) بمزدلفة ويقولون: نحن أهل الحل، فأمر النبي - ﷺ - حميع الناس أن يقفوا بعرفة حتى إنه زيادة في تعظيم هذا المشعر قال: الحج عرفة.
كذلك من الإصلاحات التي أدخلها النبي - ﷺ - على الحج حتى عاد كما كان عليه في عهد أبينا إبراهيم - ﷺ - إقامة الخلل الخطير الذي أدخله المشركون في التلبية، فقد كانوا في حجهم يقولون: (لبيك اللهم لبيك: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا تملكه وما ملك) فانتزع الرسول - ﷺ - هذه الجملة الشركية الدخيلة على تلبية أبينا إبراهيم وهي (إلا شريكًا تملكه وما ملك) فصارت التلبية الشرعية هكذا (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك).
كذلك من الإصلاحات الهامة التي أعلنها الرسول - ﷺ - في خطبته التاريخية، إلغاء التلاعب الزمنى الذي كان يباشره المشركون حيث كانوا يستحلون بعض الأشهر الحرم ويستبدلونها بغيرها من غير الأشهر الحرم فيحرّمونها بدلًا منها وذلك بسبب الحرب المستمرة بينهم، ونتيجة هذا التلاعب الذي سماه الله تعالى نسيئًا: (﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢) ظل حساب أشهر السنة مضطربًا شهر يقدم ليحل محل آخر. حتى إن الحج كثيرًا ما يأتي في غير ذي الحجة. فمثلًا مرة حج المشركون في شهر ذي القعدة، فأبطل النبي - ﷺ - هذا التلاعب في خطبته التاريخية هذه فقال: ألا
_________________
(١) زاد المعاد ج ١ ص ٤٦١.
(٢) التوبة آية ١٦.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، ذو الحجة والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى الأخرى وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يومًا وثلاثون (١).
ومن المخالفات التي يفعلها المشركون في الحج وصححها الرسول - ﷺ - هو أن المشركين كانوا يدفعون من عرفة إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رؤوس الرجال، فظنت قريش أن الرسول - ﷺ - يدفع كذلك فأخر دفعه حتى غربت الشمس (٢).
وفي عرفة قال النبي - ﷺ -: (إن خير الدعاء دعاء يوم عرفة) وقال: (إن أفضل الدعاء دعائى ودعاء من كان قبلي من الأنبياء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) (٣).
وهناك حيث وقف النبي - ﷺ - بعرفة نزلت آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ "سورة المائدة آية ٤"، وقد وقف - ﷺ - على بعيره فأخذ في التضرع والدعاء والابتهال التي غروب الشمس، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة (لأنها ليست من عرفة)، ثم أعلن أن عرفة لا تختص بموقفه الذي وقف فيه، بل قال: (وقفت هنا وعرفة كلها موقف) وأرسل التي الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم إبراهيم (٤).
وبعد أن دفع الرسول - ﷺ - (بعد غروب الشمس وذهاب الصفرة) اتجه نحو مزدلفة والناس بين يديه لا يحدهم بصر بلغوا أكثر من مائة وعشرين ألفًا. وكان مردفًا خلفه على ناقته أسامة بن زيد، وكان يدعوا الناس في دفعهم التي الهدوء وعدم التزاحم فيقول: (أيها الناس عليكم السكينة فإن
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١١١٢.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١١٠٤.
(٣) زاد المعاد ج ١ ص ٤٦٢ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ١١٠٤.
(٤) زاد المعاد ج ١ ص ٤٦٢.
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
البرّ ليس بالإيضاع (١»، وكان في مسيره يلبى لم يقطع التلبية. حتى وصل المزدلفة توضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى بالناس المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان كما فعل في عرفات، ثم نام، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد ويوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة الله من كل مشرك (٢)، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر الصبح جدًّا وذلك قبل طلوع الشمس، وهناك سأله عروة بن مضرّس الطائى فقال: (يا رسول الله والله إني جئت من جبلى طئ، أكللت راحلتى وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا تم حجه وقضى تفثه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
كذلك من آثار الجاهلية التي هدمها النبي - ﷺ - في حجته هذه عادة كان يتبعها المشركون ويعتبرونها من مناسك الحج وهي أنهم كانوا لا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون: أشرق تبير كيما نغير، فقال رسول الله - ﷺ -: إن قريشًا خالفت عهد إبراهيم، ولذلك دفع النبي - ﷺ - قبل طلوع الشمس (٣)، وعندما ركب - ﷺ - ووقف موقفه أعلن أن مزدلفة كلها موقف (٤).
وأثناء تحركه - ﷺ - إلى منى أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار (سبع حُصيَّات فقط) فالتقط له ابن عباس سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو
_________________
(١) الإيضاع: الإسراع بالسير.
(٢) زاد المعاد ص ٤٣٢.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١١٠٧.
(٤) زاد المعاد ج ١ ص ٤٧٣.
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين، رواه البيهقي من حديث ابن عباس. وهكذا فإن من البدع المذمومة غسل حصى الجمار كما يفعل اليوم كثير من العوام.
وهذا يعني أن النبي - ﷺ - إنما أمر بالتقاط الحصى من مزدلفة التي ترمى بها فقط ولمرة واحدة جمرة العقبة، أما بقية الجمار فليس من السنة التقاط الجمار لرميها من مزدلفة، بل يكفى التقاطها من منى وكذا الحصى التي ترمى بها جمرة العقبة في اليوم الثاني والثالث فلا يشترط التقاطها من مزدلفة كما يفعل بعض العوام.
هل وجه المرأة عورة:
وكان - ﷺ - مردفًا خلفه الفضل بن العباس، وفي طريقه إلى منى عرضت له فتاة خثعمية جميلة، فسألت عن الحج عن أبيها، وكان شيخا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إلى الخثعمية وهي تنظر إليه وكان الفضل جميلًا، فلما رأى رسول الله - ﷺ - ذلك، وضع يده الكريمة على وجه الفضل وصرفه إلى الشق الثاني حتى لا ينظر إليها ولا تنظر إليه، ولكن لم يثبت أن النبي - ﷺ - أمر بستر وجهها، وفي هذا دليل على أن وجه المرأة ليس عورة إذا لم تزينه بمختلف الزينات، وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من الأئمة، وهو الأقرب إلى الصواب والله أعلم.
فلما وصل الرسول - ﷺ - وادي محسَّر أسرع في السير، وهذه عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فوادى محسر هذا حسر فيل الأحباش فيه، أي أعيى وامتنع عن الذهاب إلى مكة، واستمر جيش أبرهة الغاشم المعتدى هناك في الوادي حتى أرسل الله عليهم طير الأبابيل حتى أبادتهم. ولا يدرى أحد على وجه التحديد ما هي المادة التي أبادت هذه الطير بها جيش أبرهة، ويقال: إنها أصابتهم بوباء الجدرى حتى إن الجندى الواحد منهم يتورم ويتنفخ حتى ينفلق فلقتين نتيجة تأثير وباء الجدرى، والله على كل شيء قدير.
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
النبي - ﷺ - في منى:
وكان النبي - ﷺ - يلبي ولم يقطع التلبية حتى رمى جرة العقبة، فعندما وصل الجمرة وقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على ناقته فرمى الجمرة راكبًا بعد طلوع الشمس، فكان رمى الجمرة أول نسك يباشره في منى، وكان رميه واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة يرمى بها، وكان أسامة وبلال معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوب من الحر (١).
خطبته يوم العيد يوم الحج الأكبر:
وعقب انصرافه من جرة العقبة ألقى على المسلمين بمنى خطبة عظيمة، فتح الله لها أسماع الناس حتى سمعها أهل منى بعيدًا في منازلهم. فعن عكرمة وابن عباس قالا: خطب رسول الله - ﷺ - من الغد يوم النحر بعد الظهر على ناقته القصواء. فقال - ﷺ -: أيها الناس اسمعوا من قولي فاعقلوه، فإني لا أدرى لعلّى لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف .. أيها الناس أي شهر هذا؟ قال: فسكتوا. فقال - ﷺ -: هذا شهر حرام، فأيُّ بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: بلد حرام، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: يوم حرام، ثم قال - ﷺ -: إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم: إنكم سوف تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وأول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعًا في بني سعد بن ليث فقتلته هزيل-، ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرَّم على كل مسلم، ولا يحل مال مسلم
_________________
(١) زاد المعاد ج ١ ص ٤٧٤.
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
إلا ما أعطى عن طيب نفس. قال عمرو بن يثربى (١): فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمى، أجزر منها شاة؟ قال: وعرفنى فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة، وزنادًا (٢) بخبت الجميش (٣) فلا تهجها، وفي هذه الخطبة قال النبي - ﷺ -: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ (٤) زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٥). ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يومًا، وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال الناس: نعم، فقال: اللهم اشهد. ثم تحدث عن حقوق النساء وحقوق الرجال عليهم، فقال: أيها الناس إن النساء عليكم حقًّا، وإن لكم عيهن حقًّا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا، ولا يدخلن بيوتكم أحدًا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وأن تضربوهن ضربًا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ثم أوصى بالنساء خيرًا، فقال: وإنما النساء عندكم عوان (٦) لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن كل مسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة لا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا
_________________
(١) هو عمرو بن يثربى الضمرى الحجازي "وبنى ضمرة تقع ديارهم قريبًا من بدر" كان يسكن عمرو المذكور خبت الجميش من سيف البحر، والجميش واد عرفه رسول الله - ﷺ - بالساحل كثير الحطب، وهو واد لبنى ضمرة.
(٢) الزناد الذي تقدح منه النار.
(٣) الجميش واد بالساحل كثير الحطب.
(٤) في تعليقنا على خطبته "ص" أعطينا موجزًا لمعنى النسيء.
(٥) سورة التوبة آية ٣٧.
(٦) عوان جمع عانية وهي الأسرة، كذا جاء في شرح أبي ذر.
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
بطيب نفس منه، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، إني قد تركت فيكم ما لا تضلون بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم. قال: اللهم اشهد. وفي هذه الخطبة قال - ﷺ -: خذوا عنى مناسككم لعلى لا أحج بعد عامي هذا، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وقال: لا يجنى جان إلا على نفسه، وقال: اعبدوا ربكم وصلوا وصوموا شهرم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم .. وقال - ﷺ -: واعلموا أن الصدور لا تغل (١)، إخلاص العمل لله، ومناصحة أهل الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، وفي رواية أنه قال - ﷺ -: قد تركتم فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم مسئولون عنى؟ فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بإصبعه السبابة يشير إلى السماء يرفعها ويكبها (٢) ثلاثًا: اللهم اشهد، وودع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع (٣).
وبعد أن انتهى من خطبته هذه التي هي (بحق) قواعد الدستور الإسلامي العام توجه إلى المنحر، ونحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى. ثم أمسك وأمر عليًّا أن ينحر ما بقى من المائة. ثم أمر عليًّا أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها على المساكين، وأمره أن لا يُعطى الجزار في جزارتها شيئًا منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا، وقال من شاء قطع. رواه البخاري.
وفي منى وضع - ﷺ - قاعدة للتيسير على الناس في أداء المناسك، بعيدة عن التزمت والتحجر. فلا يأتيه سائل يسأله إلا يسر عليه وقال له: لا
_________________
(١) أغل يغل "من الأغلال": خان .. وغل يغل "من الغل" إذا صار ذا ضفن وغش وحقد.
(٢) كب الشيء نكسه.
(٣) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ١١١١ وما بعدها وزاد المعاد ج ١ ص ٤٧٥ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٥٠ وإمتاع الأسماع ص ٥٢٣ وتاريخ الخميس ص ١٥٠.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
حرج.
قال ابن القيم: وهناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي؟ وعمن ذبح قبل أن يرمي؟ فقال: لا حرج. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: ما رأيته - ﷺ - سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعلوا ولا حرج (١).
وعن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - حاجًّا، وكان الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئًا وقدّمت. فكان يقول لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي هو حرج وهلك. رواه أبو داود. فلما أكمل - ﷺ - نحره استدعى فحلق رأسه.
وبعد أن نحر هديه وحلق بمنى أفاض - ﷺ - إلى مكة على ناقته قبل الظهر راكبًا، فطاف طواف الإِفاضة وهو طواف الزيارة والرابع من أركان الحج، ولم يطف غيره ولم يسع معه لأنه قد سعى قبل طلوعه إلى عرفات وبقي على إحرامه لأنه ساق معه هديا ولكونه قارنًا، قال الإِمام ابن القيم: وهذا هو الصواب. أما بقية الصحابة الذين لم يكن معهم هدى فطافوا وسعوا لأنهم إنما أحرموا بالحج من رحالهم بظاهر مكة ولم يسع أحد منهم قبل الطلوع سعي الحج.
وبعد أن قضى طوافه أتى زمزم فضرب وهو قائم، وكان في طوافه هذا راكبًا وماشيًا، ثم رجع إلى منى وصلى بها الظهر يومئذ، ثم بات بها، وبعد أن زالت الشمس رمى الجمار الثلاث ومشى إليها جميعًا ولم يركب، وكان رميه لكل جمرة سبع حصيات واحدة بعد واحدة، وكان يقول مع كل حصاة: (الله أكبر).
النبي يخطب ثانية بمنى:
وكان وخلفه المسلمون أهل مكة وغيرهم يصلي بهم قصرًا لا جمعًا.
_________________
(١) زاد المعاد ج ١ ص ٤٧٥.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
وقال ابن القيم: إنه - ﷺ - خطب بمنى خطبة ثانية وذلك ثاني يوم الحج الأكبر وقد وردت هذه الخطبة بعدة روايات، ونحن لعظيم فائدة ما جاء في هذه الخطبة نورد منها بعض المقاطع. روي عنه - ﷺ - أنه مما قاله في هذه الخطبة: "أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا أوسط أيام التشريق، هل تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام. ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وأن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغّت؟ " قالت راوية الحديث (سرَّاء بنت نبهان) (١): فلما قدمنا المدينة لم نلبث إلا قليلًا حتى مات - ﷺ -. رواه أبو داود (٢).
وروي أنه قال في الخطبة ذلك اليوم (ثاني أيام التشريق): "ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس، ثم أرسى قاعدة من أعظم قواعد المساواة بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم فقال: أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، هل بلغّت؟ قالوا: بلّغ رسول الله - ﷺ -، قال - ﷺ -: ليبلغّ الشاهد الغائب".
وقال في مقطع آخر: "وسأخبركم من المسلم: المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن، من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب، والمؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله بالغيبة يغتابه، وعرضه عليه حرام أن يظلمه، وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعًا يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا، تحملونها على رقابكم وتجئ الناس بالآخرة، فإني لا أغنى عنكم من الله شيئًا" (٣).
_________________
(١) هي سراء بنت نبهان الغنوية ولم يزد في أسد الغابة على قصة سماعها هذا المقطع من خطبة النبي - ﷺ -.
(٢) زاد المعاد ج ١ ص ٤٩٥.
(٣) مجمع الزوائد لعلي بن أبي بكر الهيتمى ج ٣ ص ٢٦٥، ٢٦٦ و٢٦٨، ٢٧٢. وهكذا =
[ ١٠ / ٢٥١ ]
عودة الرسول - ﷺ - إلى المدينة:
وبات - ﷺ - بمنى ثلاث ليال فلم يتعجل في يومين ثم غادر منى يوم الثلاناء وهو رابع أيام التشريق واتجه التي المحصَّب وهو شعب يصب في الأبطح بين مكة ومنى (١)، ويسمى في الجاهلية خيف كنانة، وقد ضرب للنبي - ﷺ - في المحصَّب أبو رافع (٢) قبة، فحط - ﷺ - رحاله بالمحصَّب، وصلى به الظهر والعصر، وكان المحصب له تاريخ مشهور في الجاهلية، وذلك أن قريشًا وبنى كنانة (عند بداية الدعوة) تعاهدوا وتحالفوا علي بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله - ﷺ -. ولذلك قصد رسول الله - ﷺ - أن يكون المحصَّب منزله بعد خروجه من منى.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال - حين أراد أن ينفر من منى -: "نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا عليَّ الكفر"، يعني بذلك المحصّب، قال الإمام ابن القيم: فقصد النبي - ﷺ - إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته - ﷺ - أن يقيم شعار التوحيد في موضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر - ﷺ - أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزّى (٣).
وبعد أن صلى الرسول - ﷺ - الظهر والعصر ثم المغرب والعشاء رقد رقدة ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلا سحرًا، ولم يرمل في هذا الطواف. وطاف المسلمون معه، ثم نادى في أصحابه بالرحيل فارتحلوا، فلما كان بالروحاء (٤) لقى ركبًا فسلم عليهم وقال: "من القوم؟ " فقالوا:
_________________
(١) = يكون - ﷺ - قد خطب في حجته خطبًا أربعًا. خطبة بمكة قبل طلوعه الحج، والخطبة يوم عرفة بنمرة، وخطبة يوم العيد ويوم الحج الأكبر بمنى، وخطبة ثاني أيام التشريق بمنى أيضًا.
(٢) النهاية ج ٢ ص ٢٥٥.
(٣) زاد المعاد ج ١ ص ٤٩٦.
(٤) زاد المعاد ج ١ ص ٤٩٩.
(٥) الروحاء تقع على بعد حوالي ٦٠ كيلو متر من المدينة.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
المسلمون. قالوا: فمن القوم؟ فقال: "رسول الله"، فرفعت امرأة صبيًّا لها من محفَّتها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (١). ثم لما أتى ذي الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبَّر ثلاث مرات، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك والحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (٢). ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرّس وخرج من طريق الشجرة.
الأمر بتجهيز جيش أسامة بن زيد:
ولما وصل الرسول - ﷺ - المدينة أقام بها بقية ذي الحجة والمحرّم وصفر، وفي اليوم الخامس والعشرين من صفر سنة إحدى عشر هـ أمر الرسول - ﷺ - بتجهيز جيش كبير لغزو الروم وجعل أميرًا على الجيش (الذي استوعب المهاجرين والأنصار) مولاه أسامة بن زيد وعمره يومئذ عشرين سنة، وكان من ضمن جنود الجيش أبو بكر وعمر. وقد استكمل الجيش تجهيزه وقفل من المدينة حتى عسكر بالجرف على بعد حوالي ثلاثة أميال من المدينة، وكان على وشك التحرك إلى الشام لولا أن نبأ عاجلا بعثت به إلى القائد أسامة أمه أم أيمن تخبره فيه أن الرسول - ﷺ - قد غلبه المرض وأنه يحتض. والواقع أن أسامة فصل من المدينة بالجيش والمرض قد ألمّ برسول الله - ﷺ -، فقد كانت الأوامر بتجهيز الجيش يوم الاثنين لأربع بقين من صفر، - وكانت بداية مرض النبي - ﷺ - بالحمّى يوم الأربعاء لاثنتين بقين من صفر، ولكنه - ﷺ - ورغم المرض الذي ألمّ به عقد اللواء بيده للقائد أسامة وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشرة هجرية، بعد ذلك خرج أسامة بالجيش إلى الجرف. وكان أسامة يأتي من قيادته في الجرف إلى المدينة يوميًا تقريبًا، ليطمئن على صحة الرسول - ﷺ -، وعندما
_________________
(١) رواه مسلم والنسائي وأبو داود.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
أبلغته أمه أن الرسول - ﷺ - يحتضر ترك معسكره وعاد سريعًا إلى المدينة ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وما هي إلا لحظات بعد عودتهم إلى منزل الرسول - ﷺ - حتى توفي ﵊، وكانت وفاته يوم الاثنين الثالث من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة هجرية (١).
أما جيش أسامة فقد ظل مرابطًا في الجرف خارج المدينة، وكان الناس يتوقعون أن يعود هذا الجيش وتُلغى عملية غزو الروم التي أمر الرسول - ﷺ - بها. ولكن بعد أن تم دفن الرسول الأعظم بأبي وأمي هو - ﷺ -، وبويع أبو بكر الصديق بلخلافة أمر الجيش بالتحرك لغزو الشام كما هي أوامر الرسول - ﷺ -، وقد عاد الجيش إلى المدينة من الشام منتصرًا. وسنعرض إن شاء الله بالتفصيل لغزوة أسامة وما حدث لها من معارضة من كبار الصحابة في كتابنا الجديد (حروب الردة).
ظهور الردة في حياة النبي - ﷺ -
وفي عهد النبي - ﷺ - كان الشيطان يراود اثنين من شياطين العرب لكي يدعيا النبوة، وكانا يعدان الأمر لذلك وهما مسيلمة الكذاب الحنفي في اليمامة بنجد، والأسود العنسى في صنعاء في اليمن، وكانا يستغويان الناس إلى دعوتهما الشيطانية، ولكنهما لم يجرؤا على إظهار أمرهما إلا عندما علما بمرض النبي - ﷺ -، فظهر الأسود العنسى في صنعاء وظهر مسيلمة في اليمامة. أما الأسود العنسى فقد قتله المسلمون بقيادة فيروز الديلمي قبيل وفاة النبي - ﷺ -، وأما مسيلمة فقد بقى يفتن الناس حتى قتله خالد بن الوليد في معارك اليمامة الشهيرة كما سيأتي تفصيله في كتابنا الجديد (حروب الردة) إن شاء الله.
_________________
(١) تاريخ الخميس ج ٢ ص ١٥٥.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]