قَدَّم للكتاب
الكولونيل عبد الله التل
قائد معركة الحفاظ على القدس
عام ١٩٤٨
المكتبة السلفية
[ ٦ / ١ ]
مقدمة
غَزْوَةُ خَيبَر
[ ٦ / ٣ ]
مقدمة الكتاب بقلم الكولونيل عبد الله التل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد، لقد سرنى أن اطلعت على مسودة (غزوة خيبر) .. الكتاب السادس من السلسلة التاريخية التي شرع الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل في إصدارها تحت اسم (معارك الإسلام الفاصلة).
لقد رأيت في هذا الكتاب (كما في غيره من مؤلفات الأخ باشميل التاريخية) كنوزًا ثمينة من التاريخ الإسلامي الطافح بالبطولات والأمجاد .. نقب عنها قلم الأستاذ باشميل وأزال عنها الأتربة السميكة الحاجبة لها .. ثم عرضها على (حقيقتها الأصيلة الناصعة) عرضًا شيقًا وبأسلوب سهل يجعل القراء (على اختلاف درجاتهم الثقافية) يفهمون - دونما عناء أو إرهاق للذهن - حقيقة التاريخ الإسلامي المجيد.
إن الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل لم يأت بجديد في التاريخ (من حيث الجوهر)، فالتاريخ لا يحتمل الاختراع بأن يضيف إليه الكاتب ما ليس في طياته. الأمر الذي ابتعد عنه المؤلف مخالفًا بذلك كثيرًا من الكتاب الذين تناولوا التاريخ الإسلامي بالعرض والتحليل، وسمحوا للخيال (لا الحقيقة) أن يلعب دورًا كبيرًا فيما كتبوا كما فعل جورجى زيدان في سلسلته التاريخية المشهورة.
ولكن الجديد الذي أتى به الأخ الأستاذ باشميل هو الاستقراء الدقيق والعرض الواسع الأدق للتاريخ الإسلامي، ولكن داخل إطار جوهر هذا
[ ٦ / ٥ ]
التاريخ .. إذ لم يخرج (في أية ناحية من نواحى عَرضه وبحثه وتحليله في مؤلفاته) عن إطار هذا الجوهر، الأمر الذي أعطى سلسلته التاريخية هذه قيمة تاريخية أكبر.
لأنه لم يُخْرج هذه السلسلة كقصص للتسلية وقتل الوقت، يتخللها الحديث عن الحب الموهوم والغرام المتخيَّل بقصد تشويق القارئ وجذبه لا أقل ولا أكثر .. وإنما أخرجها كمراجع حقيقية لتاريخ حقيقى يرجع إليها واثقًا من يريد الرجوع إليها والاستدلال بها.
أسأل الله تعالى أن يجزى الأخ الأستاذ باشميل خير الجزاء على هذا المجهود الذي يبذله خدمة للتاريخ الإسلامي، في وقت يتعرض فيه هذا التاريخ المشرق المجيد لحملات ظالمة يشنها عليه مفكرون محسوبون على العرب والمسلمين، قاصدين من وراء ذلك أن يقطع المسلمون (والعرب خاصة) صلتهم بهذا التاريخ الخالد الوضّاء، ولكن الله بالمرصاد لهؤلاء العملاء المأجورين فسيكبتهم انتصارًا لدينه حتى ينقلبوا خاسرين إن شاء الله.
***
إن معركة خيبر -كما سيراها القارئ في هذا الكتاب - هي من أعظم المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام، وهي -كما يقول المؤلف- أطول معركة خاضها النبي ﷺ وأصحابه الكرام في عهد النبوّة. وآخر معركة انتهى بها الوجود اليهودى الذميم في جزيرة العرب.
لقد عرض المؤلف في كتابه هذا لتاريخ اليهود في خيبر- منذ وطئت أقدامهم الدخيلة هذه التربة العربية حتى تم تطهير الجزيرة من أوضارهم بالتصفية العسكرية الشاقة التي قام بها النبي محمد - ﷺ - وأصحابه والتي هي موضوع هذا الكتاب.
كذلك أثبت المؤلف في الفصل الأول من كتابه هذا أن العنصر اليهودى، عنصر دخيل على الجزيرة العربية، لا تربطه بعرب الجزيرة أية رابطة من دم أو لغة أو دين.
كما نوه عن أحقاد اليهود وتعصبهم وخبثهم وعزلتهم وانطوائهم على أنفسهم ومكرهم وخداعهم، مما جعل صلاتهم بعرب الجزيرة محدودة إلا
[ ٦ / ٦ ]
في مجال التآمر والغدر والتواطؤ مع الوثنيين على ضرب المسلمين والإطاحة بهم.
وعرض المؤلف لأهمية خيبر وخطورتها (في ذلك العهد) على الإسلام والمسلمين، ولا سيما بعد أن نزح إلا من يثرب يهود بني النضير الأغنياء الأقوياء الذين هم (بين اليهود) في منزلة السادة والأشراف.
وقد تحدَّث المؤلف في شيء من التفصيل المفيد عن كيف تحولت خيبر إلى قاعدة خطيرة للعدوان والتآمر على الإسلام والمسلمين، وكيف كانت هي المُخَطط والمدَبّر والمنطلَقَ الحقيقي لغزوة الأحزاب الرهيبة التي كادت قوات الأحزاب المتحالفة فيها أن تعصف بكيان المسلمين وتقتلع جذور الإسلام كليًّا لولا عناية الله تعالى التي أنقذت الإسلام والمسلمين بمعجزة.
كما فصَّل الأسباب التي جعلت النبي - ﷺ - ينتهج سياسة الشدة في معاملة هؤلاء اليهود، ويقرر نقل المعركة إلى عقر دارهم في خيبر لتصفيتهم تصفية نهائية عن طريق الحرب، بعد أن تأكد لديه أن اللين والتسامح مع هؤلاء اليهود لا يزيدهم إلا جرأة في مجال الغدر والعدوان والتآمر على المسلمين.
ثم شرح المؤلف بشيء من التفصيل المرغوب المعارك التي دارت للاستيلاء على حصون خيبر، وأثبت بالأسانيد أن الرسول - ﷺ - كان قمة في الشجاعة والإقدام، وقدوة في التسامح والرحمة، وأن صحابته -﵊- كانوا نماذج نادرة في التاريخ كله من حيث الصبر والطاعة والإيمان والشجاعة. وأثبت كذلك أن القلة المؤمنة الصابرة تغلب الكثرة الكافرة. فلم يخض المسلمون تحت قيادة محمد ﵊ معركة إلّا كانوا قيها قلة مؤمنة منتصرة. ولم يطمس المؤلف الحقائق التي عرفت عن يهود خيبر من حيث شجاعتهم واستماتتهم في الدفاع عن حصونهم، وإنما شرح ذلك بأسلوب صادق صريح جعل للمعارك أهمية ورونقا وطعمًا.
ولكم تمنيت أن يصل هذا الكتاب وكتب الأستاذ باشميل الأخرى إلى أيدى ضباطنا وجنودنا في الجيوش العربية كافة، ليطلعوا على صحائف
[ ٦ / ٧ ]
مشرقة من تاريخ نبيهم العظيم وصحابته الأبطال البررة الذين قبسوا من شجاعة الرسول وسماحته وكرم أخلاقه ما جعلهم يوطدون دعائم الإسلام في ظروف قاسية مريرة رغم ما لاقوه من أحقاد اليهود وجبروتهم وطغيانهم ومكرهم وغدرهم، ولكى يقارن ضباط الجيوش العربية وجنودها بين بطولات كتائب المسلمين الأولى وهزائمنا في حزيران يوم هرب أكثر من ربع مليون ضابط وجندى أمام قلة قليلة من هؤلاء اليهود، مما ألحق بالمسلمين عارًا أبديًا لا يمحوه إلا عودة هذه الأمة لدينها وتاريخها وأصولها العريقة ونبذ المبادئ الزائفة المستوردة من أعداء أمتنا وديننا.
وتحية إلى الأستاذ محمد أحمد باشميل الذي كرس حياته للدفاع عن دينه وأمته ووطنه والإسهام في إحياء التراث الإسلامي بأسلوب شائق وقلم حر صادق هو في صراع دائم مع الباطل، راجيًا له دوام التوفيق، مؤملًا أن يواصل إصدار الكتب عن معارك الإسلام الحاسمة كالقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت.
عمان
عبد الله التل
قائد معركة القدس سنة ١٩٤٨
[ ٦ / ٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تمهيد المؤلف
الحمد لله ولا نعبد إلا إيّاه، وصلى الله وسلم على نبيه ورسوله محمد الذي اختاره لأداء رسالته واجتباه، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين.
وبعد، فهذا هو الكتاب السادس (١) من سلسلتنا التاريخية (معارك الإسلام الفاصلة) نضعه بين أيدى القراء الكرام، آملين أن نكون قد وُفّقنا في إخراجه، ونسأله تعالى أن يجعل كل أعمالنا خالية ومبرّأة من شوائب السمعة والرياء وخالصة لوجهه تعالى، إنه مقلب القلوب وهو على كل شيء قدير.
- ١ -
يتضمن هذا الكتاب تفاصيل أطول معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى، وهي معركة خيبر التي بانتصار المسلمين فيها تم اقتلاع جذور الوجود اليهودى الدخيل في منطقة خيبر التي هي آخر وأقوى معقل للوجود الأجنبي في جزيرة العرب.
وامتدادًا لاستسلام يهود خيبر (وعددهم عشرة آلاف مقاتل) للمسلمين، استسلمت للمسلمين بقايا جيوب المقاومة اليهودية في (فدك)
_________________
(١) سبق للمؤلف أن أصدر من هذه السلسلة التاريخية كتبًا أربعة وهي: ١ - غزوة بدر الكبرى، ٢ - غزوة أحد، ٣ - غزوة الأحزاب، ٤ - غزوة بني قريظة، والكتاب الخامس من هذه السلسلة هو (صلح الحديبية).
[ ٦ / ٩ ]
و(وادي القرى) و(تيماء) وكل مناطق الشمال.
وبذلك انتهت آخر مرحلة من مراحل الوجود اليهودى العابث الزنيم، الذي ظل يعبث بسكان جزيرة العرب أكثر من ألفى سنة. وبالقضاء على الكيان اليهودى العابث في خيبر، بدأ سكان الجزيرة (في ظل الإسلام الوارف) يتذوقون حلاوة الأمن والاستقرار، وأخذت أقاليم الجزيرة العربية تلفها (بسرعة) أجنحة دولة الإسلام الفتية، فبعد أقل من تسعة أشهر مضت على سقوط خيبر سقط في أيدى المسلمين أعظم معقل للشرك والوثنية وهي مكة المكرمة، ولم تمض سنتان على تطهير المسلمين خيبر من سلطان اليهود حتى دانت كل نواحى الجزيرة العربية بدين الإسلام.
- ٢ -
كان النبي - ﷺ - منذ هاجر من مكة إلى المدينة، ومنذ دانت يثرب بالإسلام وخضعت لحكمه والتزمت بتعاليمه - وهو يعامل اليهود الموجودين في المنطقة معاملة اللين، وينتهج إزاءهم سياسة الصفح والتسامح كلما قاموا بنقض حلف أو خالفوا نصوص معاهدة، أو حتى لجأوا إلى تدبير مؤامرة تستهدف حياته - ﷺ - أو هدم أركان النظام الإسلامي الوليد.
فقد كان يستبعد في معاملاته التأديبية (لهؤلاء اليهود عنصر الشدة والعنف) حتى أن كل العقوبات التي أنزلها بهم جزاء تآمرهم وغدرهم ونكثهم للعهود، لم يصل منها شيء إلى سفك الدم وإزهاق الأرواح.
فكان النفي من المدينة مع مصادرة بعض الممتلكات، هو أقصى عقوبة ينزلها النبي - ﷺ - بهؤلاء اليهود، بالرغم من إدانتهم بما يبيح قتلهم، وبالرغم من قدرة النبي - ﷺ - على إبادتهم.
لأن الهدف من العقوبة (كما هي روح الإسلام في التسامح) ليس الانتقام وإشفاء الغليل بالولوغ في الدم، وإنما الهدف دفع الخطر وحسم مادة الشر واستئصال أسباب القلق والمشاغبة، ليعيش المجتمع الجديد في جوّ من الهدوء والاطمئنان بعيدًا عن حياة الدس والفوضى والأحقاد والضغائن .. حياة ما قبل الإسلام حيث اليهود لهم اليد الطولى في تغذيتها وتصعيدها، لأن كيان هؤلاء اليهود الدخلاء لا يقوم إلا على انتشار
[ ٦ / ١٠ ]
الأمراض الاجتماعية الفتاكة التي عملوا (في غفلة من الزمن) على تعميقها في مختلف قطاعات المجتمع العربي الجاهلى الوثنى.
وما دام أن حسم شر هؤلاء اليهود ودفع خطرهم يمكن تحقيقه بنفيهم وإبعادهم عن يثرب وأهلها، فقد استبدل النبي - ﷺ - عقوبة هؤلاء اليهود المستحقين للقتل بنفيهم من المدينة ليذهبوا أحرارًا إلى حيث شاءوا من بلاد الله خارج الجزيرة أو داخلها.
- ٣ -
وآخر من عفا عنهم النبي - ﷺ - واكتفى بنفيهم من المدينة - بعد أن ثبتت إدانتهم بنكث العهد ومحاولة اغتياله - هم يهود بني النضير، الذين حاولوا الغدر به حين شرعوا في عملية اغتياله وهو في ديارهم آمنًا في ظل حلف قائم بينه وبينهم (١).
لقد اختار يهود بني النضير (عند نفيهم من المدينة) مدينة خيبر، فأقاموا بها وجعلوا منها وطنًا لهم بدلا من المدينة. لأن خيبر بها أعظم قوة حربية لليهود في بلاد العرب.
لقد كان من المفروض أن يرعوى هؤلاء اليهود فيجنحوا للسلم ويقدروا روح التسامح التي عاملهم بها النبي - ﷺ - بالرغم من ثبوت شروعهم في جريمة اغتياله وهو في ديارهم آمنًا وفي حالة عهد وتحالف معهم، حيث كف عن دمائهم (مع قدرته على سفكها) وسمح لهم عند نفيهم من المدينة أن يحملوا معهم كل ما يقدرون علي حمله من الأموال، فحملوا أغلاها، وقد حملوا معهم إلى خيبر شيئًا عظيمًا من الذهب والفضة، لأن يهود بني النضير يعتبرون من أغنى الفئات اليهودية في جزيرة العرب.
ولكن طبيعة اليهود (هي .. هي) لا تتغير (غدر، وفتك عند المقدرة، وهدوء واستكانة عند العجز)، طبيعة لا أخلاقية ذميمة تلازمهم في كل عصر وزمان.
_________________
(١) انظر تفاصيل محاولة هؤلاء اليهود اغتيال النبي - ﷺ - بكاملها في كتابنا (غزوة الأحزاب).
[ ٦ / ١١ ]
ولهذا فإنه لم يكد يستقر بهم المقام في (خيبر) ويشعروا بأنهم على شيء من القوة والمنعة حتى شرعوا في تحويل خيبر إلى قاعدة رئيسية للعدوان والتآمر على المسلمين.
وكان من أخطر نتائج هذا التآمر (غزوة الأحزاب الرهيبة) التي تعرض لها النبي وأصحابه في المدينة، وعانوا من محنها وأهوالها ما لم يعانوا مثله في أية مرحلة من مراحل صراعهم مع أعداء الإسلام كما فصلناه في كتابينا (غزوة بني قريظة وغزوة الأحزاب).
- ٤ -
لقد كانت هذه الغزوة الرهيبة (القرشية الغطفانية في مظهرها واليهودية في جوهرها) بمثابة درس قاس وعاه المسلمون، واتضح لهم على ضوئه أن العنصر اليهودى، خبيث كالسرطان، لا يفيد معه أي علاج غير الاستئصال، وأنك إن لم تستأصله وتجتثه بسرعة اجتثَّ الحياة واستأصلها من جسدك.
واتضح للقيادة الإسلامية في المدينة على أثر هذا الدرس القاسى الذي استفادته من غزوة الأحزاب الرهيبة، أن مقابلة غدر اليهود وخيانتهم وتآمرهم ونكثهم باللين والتسامح بقصد إصلاحهم وترويض نفوسهم الشريرة، وإعطائهم الفرصة ليعودوا إلى جادة الصواب ويتبعوا الحق الذي عرفوه فجحدوه، إنما هو بمثابة مسكنات، لا تجدى في القضاء على هذا السرطان (الوجود اليهودى) وإنما تمنحه الفرصة ليغتال الحياة والعافية (ببطء) في الجسد الذي يكون فيه.
- ٥ -
وعلى أساس هذه النظرة الواقعية الجديدة التي أوجدتها (لدى القيادة الإسلامية في المدينة) كوارث وبلايا حملة الأحزاب الباغية، التي كادت تعصف بالكيان الإِسلامي كله وتقتلعه من الجذور، والتي جاءت من خيبر قبل أن تجئ من مكة وصحارى نجد. وعلى أساس هذه النظرة عدل النبي الأعظم - ﷺ - عن سياسة اللين التي كان ينتهجها إزاء تصرفات هذا العنصر المخرب الهدام.
[ ٦ / ١٢ ]
فالتزم (في معاملة هؤلاء اليهود الذين اتضح من تصرفاتهم أنهم لن يرضوا بأقل من الإِطاحة به وقطع تيار دعوته) التزم في معاملتهم سياسة الحزم والشدة والعنف، لا رغبة في الانتقام وشفاء الغليل، فالنبي - ﷺ - كما دلت تصرفاته الحكيمة بعيدًا كل البعد عن هذه الروح، وإنما كان باعث هذه السياسة الحازمة الجديدة التي انتهجها مع هؤلاء اليهود (بعد زلزلة الأحزاب) هو الرغبة الشريفة في أن يسود المنطقة جوّ من الطمأنينة والأمن والاستقرار .. دلت التجارب العملية المتكررة على أنه لا يمكن توفيره للناس ما بقى لليهود سلطان أو نفوذ في جزيرة العرب كلها.
- ٦ -
وأول نتيجة لالتزام هذه السياسة الصادمة الجديدة إزاء تكرار غدر اليهود وتآمرهم، إنزال المسلمين (في السنة الرابعة من الهجرة) تلك العقوبة الصارمة بيهود بني قريظة في المدينة حيث تم إعدام حوالي ثمانمائة منهم جزاء ارتكابهم -ضد المسلمين- تلك الجرائم الخسيسة البشعة التي حوت معاني الغدر والخيانة والنكث والتآمر، والتي أقدموا عليها في أحرج ظرف يمر به المسلمون، بقصد المشاركة في القضاء عليهم ومحو كيانهم من الوجود .. حيث انقلبوا على المسلمين وناصبوهم العداء بل وأعلنوا عليهم الحرب، وهم في أحرج موقف يواجهون فيه ساعة مصيرهم، وعقربها يهتز زاحفًا نحو الصفر ليعلن نهايتهم على أيدى قوات الأحزاب الضاربة المحيطة بالمدينة من كل جانب .. لولا المعجزة التي جاءت من عند الله بدحرهم وتشتيت شملهم.
فقد كان بين يهود بني قريظة والمسلمين معاهدة حلف عسكرى (بالإِضافة إلى معاهدة عدم الاعتداء) تنص بأن يلتزم الفريقان معًا بواجب الدفاع عن يثرب ضد أي عدوان خارجى ضد أي منهما (١).
غير أن يهود بني قريظة عندما أطبقت جيوش الأحزاب الضاربة على المسلمين في المدينة نقضوا تلك المعاهدة غدرًا وخيانة، مستغلين وقوع
_________________
(١) انظر كامل بنود هذه المعاهدة في كتابنا (غزوة أحد) ص ٣٤ وفي كتاب: الوثائق السياسية للدكتور محمد حميد الله.
[ ٦ / ١٣ ]
المسلمين في ذلك المأزق الحرج.
ولم يكتف بنو قريظة بنقض العهد وإلغاء الحلف الذي بينهم وبين المسلمين، بل سارعوا إلى وضع أيديهم في أيدى الغزاة، الأمر الذي ضاعف من محنة المسلمين وزاد من كربهم، حيث جعلهم تصرّف بني قريظة هذا بين شقّى الرحا .. جيوش الأحزاب من الإمام ويهود بني قريظة (حلفاء الأمس) من الخلف بضواحى المدينة. وكم هو فظيع أن ترى حليفك، قد انحاز إلى أعدائك الغزاة وشهر السلاح ليضربك به من الخلف في الوقت الذي تتوقع فيه أن يكون واقفًا بهذا السلاح إلى جانبك لصد العدوان عليك كحليف يزن كلمته التي أعطاها بميزان الشرف، ولكنهم اليهود وكفى.
ومن هنا (وعلى قدر بشاعة الجريمة التي ارتكبها يهود بني قريظة) جاء العقاب صارمًا رادعًا كأعنف ما يكون .. ثمانمائة مقاتل من يهود بني قريظة أعدمهم النبي - ﷺ - في ليلة واحدة بعد محاكمة نزيهة عادلة (١).
- ٧ -
لقد كانت محاكمة يهود بني قريظة وما نتج عنها من عقوبة حازمة صارمة، نقطة التحوّل الأولى في سياسة قيادة المسلمين في المدينة من اللين إلى الشدة في معاملة اليهود الغادرين.
إذ تكوّن لدى المسلمين (على ضوء التجارب المريرة المتلاحقة) اقتناع كامل بأن انتهاج سياسة اللين والعفو والتسامح إزاء ما يرتكبه اليهود من جرائم الغدر والنكث والخيانة والتآمر، لم ولن تغيِّر من طبيعة الدس والتخريب والتآمر السابحة في دماء هؤلاء اليهود، شيئًا، بل أطمعتهم ووسَّعت من دائرة الأحلام التي كانت تراود كبار زعمائهم بالعودة إلى يثرب وبسط ظل سلطانهم الأسود الدخيل عليها من جديد.
ولم يعد هناك شك لدى قيادة المسلمين العليا في المدينة - بعد الذي حدث في غزوة الأحزاب المزلزلة - أن خيبر (بعد أن استوطنها المنفيون من يهود بني النضير) أصبحت القاعدة الرئيسية للعدوان على المسلمين، وأن
_________________
(١) انظر رد المؤلف لشبهات الطاعنين المنتقدين لهذه المحاكمة في كتابه الرابع (غزوة بني قريظة) الفصل الرابع.
[ ٦ / ١٤ ]
هؤلاء اليهود لن يكفوا عن السعي -بكل الوسائل- للقضاء على المسلمين مهما بلغ المسلمون في التسامح والعفو.
لذلك صار من البدهي - بل من المحتم على المسلمين والحال هذه - أن تكون خطوتهم التالية (بعد تصفية الوجود اليهودى في يثرب) غزو اليهود في خيبر لهدم سلطانهم، وذلك كعمل حربى وقائى لا بد من القيام به، لضرب قواعد العدوان ونسف أوكار الكيد والتآمر، والتي إن لم يضربها المسلمون ويدمِّروها سيظل كيانهم معرضا للخطر الدائم في أية لحظة من قبل هذه القواعد اليهودية التي نسجت في أوكارها بخيبر خيوط مشروع حرب الأحزاب العدوانية الشاملة ضد المسلمين، والتي لا يستبعد أن يحوك اليهود في ظلماتها، (إذا ما تركوا وشأنهم أحرارًا) مؤامرة حرب أحزاب شاملة ثانية ضد المسلمين قد تكون أعظم وأخطر من حرب الأحزاب الأولى (١).
- ٨ -
وعلى ضوء التقييم الصحيح للأحداث وربط الأسباب بالمسببات وعلى ضوء التحليل الدقيق لبواعث عدوان الأحزاب المخيف على المسلمين، اتضح للقيادة العليا في المدينة أن قوات الأحزاب الوثنية التي تمكن المسلمون (بأعجوبة) من دحرها، وقوات بني قريظة التي أنزل المسلمون بها ذلك العقاب الصارم الرادع .. اتضح للمسلمين أن كل هذه القوات لا تمثل في الواقع إلا ذنب الأفعى، وأن الذي يمثل رأس هذه الأفعى على الحقيقة هو العناصر اليهودية التي كانت لا تزال قابعة في أوكارها بخيبر.
لذا فإن نجاح القيادة الإسلامية في المدينة في صد العدوان الوثنى الرهيب أمام الخندق، وتمكنها من إبادة عناصر الغدر والخيانة من يهود بني قريظة إنما هو فقط بمثابة قطع ذنب الأفعى لا غير.
ذلك أن كل ما لاقاه المسلمون على أيدى الأحزاب الوثنية وعصابات
_________________
(١) وفعلا حاول يهود خيبر السعي لدى أعراب نجد لشن حرب أحزاب جديدة ضد المسلمين حينما قرروا إيفاد بعثة برئاسة رأسهم وسيدهم (أسير بن زارم) إلى ديار غطفان لإقناعهم بالمشاركة في غزو جديد ضد المسلمين في المدينة، كما فصلناه في كتابنا الخامس "صلح الحديبية".
[ ٦ / ١٥ ]
الغدر القرظية من أهوال وويلات وزلازل جعلت المدينة بإسلامها ودمائها وأعراضها وأموالها في مهب العاصفة .. ما كان ليحدث لولا خيبر التي انبعثت منها وحدها شرارة كل تلك الأهوال والمصائب التي حاقت بالمسلمين في المدينة.
وحيث أن قطع ذنب الأفعى مع الإِبقاء على رأسها لا يعني شيئًا لمن يريد حماية نفسه من خطر هذه الأفعى القاتلة، فإن إتباعه الرأس الذنب أمر لا بد له من الإِقدام عليه.
وعلى أساس هذا المنطق السليم قرر النبي - ﷺ - القيام بغزو خيبر ليتبع ذنب الأفعى رأسها، فنسف آخر وأخطر معقل لليهود الدخلاء في جزيرة العرب باحتلاله منطقة خيبر في أوائل السنة السابعة من الهجرة.
ثم تداعت بعد سقوط خيبر بقية الأوكار اليهودية في فدك وتيماء ووادي القرى، فوقعت جميعها في أيدى المسلمين.
وبذلك تخلصت جزيرة العرب من داء أخطر غدة سرطان كانت تفتك طيلة قرون عديدة بكيانات الشعوب التي كان يواطنها هؤلاء اليهود الدخلاء.
ولعل في الدور الرئيسى الذي قامت به العقيدة الإسلامية في مجال الانتصارات الساحقة التي حققها في خيبر ألف وأربعمائة من المسلمين ينقصهم كل شيء إلَّا الإيمان على أربعة عشر ألف مقاتل من اليهود وأحلافهم الذين لا ينقصهم أيّ شيء يحتاجونه لكسب الحرب سوى الإيمان .. لعل في تفهم المسلمين -والعرب خاصة- لدور العقيدة الرئيسى هذا حافزًا يحفزهم على العودة إلى ربهم والتمسك بالعقيدة الإسلامية الصادقة .. هذا التمسك الذي بدونه يستحيل عليهم بلوغ ما يصبون إليه ويتوقون من عزة وكرامة واستقرار وانتصار.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا جميعًا الرشد ويجنبنا مزالق الانحراف لنسير على
[ ٦ / ١٦ ]
صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بهدايته وتوفيقه من خيار هذه الأمة، إنه سميع مجيب.
محمد أحمد باشميل
جدة .. المملكة العربية السعودية
١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م
[ ٦ / ١٧ ]
الفصل الأول
موجز عن تاريخ اليهود في خيبر
* كيف ومتى جاء اليهود إلى خيبر.
* حياد يهود خيبر عبر القرون
* لماذا تحولت خيبر إلى قاعدة للعدوان على المسلمين، بعد حيادها؟؟ !
* دور خيبر في عدوان الأحزاب على المسلمين عام الحندق.
* كيف تم إجلاء اليهود من خيبر.
قبل الدخول في تفاصيل معركة خيبر الفاصلة والتي (بانتصار المسلمين الساحق فيها) تلاشى الوجود اليهودى الدخيل من جزيرة العرب نهائيًا .. قبل الدخول في تفاصيل هذه المعركة، لا بد من إعطاء القارئ الكريم لمحة عن تاريخ وأعمال وتصرفات يهود خيبر قبل أن يقوم النبي - ﷺ - بغزوهم والقضاء على سلطانهم.
جغرافية خيبر:
تعتبر خيبر -ولا تزال منذ أقدم العصور- واحة واسعة ذات تربة خصبة معطاء وذات عيون ومياه غزيرة.
وتربتها تربة جيدة للغاية، تصلح لزراعة الحبوب والفواكه على اختلاف أنواعها، كما أنها تعتبر من أكبر واحات النخيل في جزيرة العرب.
ويكفى لصحة هذا القول أن المسلمين أحصوا من النخيل ما بالنطاة (وهو أحد أودية خيبر الكثيرة) فوجدوا بها أربعين ألف نخلة.
[ ٦ / ١٨ ]
وتقع خيبر في الشمال الشرقي للمدينة وعلى بعد حوالي سبعين ميلا منها ..
متى جاء اليهود إلى خيبر:
منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة كانت منطقة يثرب والمناطق الشرقية والغربية وكل المنطقة الشاسعة الممتدة في الحجاز من يثرب حتى الحدود الشمالية المتاخمة للشام خاضعة لسلطان العمالقة، وهم قوم جبابرة من العرب البائدة (١).
بل كانت المناطق التي تشمل كل ساحل الخليج العربي وعمان ونجد والحجاز حتى الشام كانت خاضعة لسلطان العمالقة منذ تبلبلت الألسنة وبعد التفرق بعد عهد النمرود بن كنعان بن حام بن نوح.
أما صلة بني إسرائيل بمنطقة خيبر فهناك اختلاف بين المؤرخين في الوقت الذي اتصل فيه هذا العنصر الدخيل بخيبر.
فبعضهم يقول: إن الوجود اليهودى الدخيل في خيبر يعود إلى التاريخ الذي استوطن فيه اليهود منطقة يثرب بعد وفاة نبي الله موسى - ﵇ - على أثر عودة الحملة العسكرية التي ذكر الإخباريون الإِسلاميون أن نبي الله موسى أرسلها (قبيل موته) لإِخضاع وإبادة جبابرة العمالقة الذين يقطنون يثرب والمناطق الشمالية والشرقية والغربية من الحجاز بما في ذلك خيبر. هذه الحملة التي (كما يقول المؤرخون الإِسلاميون) مات نبي الله موسى
_________________
(١) يقسم مؤرخو العرب، الأجيال العربية إلى أنواع ثلاثة:
(٢) العرب البائدة، وهم الذين انقرضوا انقراضًا كاملًا ولم يبق لهم من عقب أو نسل، ومن هؤلاء طسم وجديس وعاد وثمود والعمالقة وعبيل.
(٣) العرب العربي، وهم القحطانيون الذين كانوا أول من تكلم العربية وموطنهم الأصلي اليمن وحضرموت.
(٤) العرب المستعربة، وهم العدنانيون وكل أبناء نبي الله إسماعيل منهم، لأن لغة إسماعيل الأصلية (لغة أبيه إبراهيم - ﵇ -) السريانية، إلا أن إسماعيل جد العدنانيين كان أول من تكلم العربية لغة أصهاره القحطانيين الذين تزوج منهم ونشأ بينهم في مكة. انظر تفصيلا أوسع عن قصة اتصال اليهود بجزيرة العرب، في الفصل الأول من كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة).
[ ٦ / ١٩ ]
وهي في طريق عودتها من الحجاز بعد أن أبادت جميع العمالقة المفسدين فلم يسمح لها خلفاء النبي موسى - ﵇ - بالإقامة في الشام بسبب أن رجال هذه الحملة أبقوا على أسير واحد من العمالقة لم يقتلوه، وذلك مخالف لشريعة اليهود، التي تقضى كما في الإصحاح العشرين من سفر التثنية في التوراة بإعدام جميع أسرى العدو.
ويقول هؤلاء المؤرخون أن رجال هذه الحملة لما منعهم خلفاء النبي موسى من دخول الشام عادوا إلى الحجاز واستوطنوا يثرب والمناطق الشمالية والشرقية من الحجاز وأن يهود خيبر، هم من بقايا رجال هذه الحملة التي استوطنت يثرب وخيبر منذ حوالي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد.
وقد ذكر هذا القول ابن خلدون وأبو الفرج الأصبهاني والسمهودى (١) وغيرهم.
ويرى الفريق الآخر من المؤرخين (وبينهم بعض الأوربيين) أن الوجود اليهودى في خيبر لم يكن إلا بعد الميلاد بحوالى ثمانين سنة.
ومن هذا الفريق الإمام الطبري الذي ذكر في تاريخه أن أول قدوم اليهود إلى الحجاز إنما كان بعد أن وطئ بختنصّر الشام وخرّب بيت المقدس.
وقد أشار الدكتور جواد علي في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج ٦ ص ١٧ قائلًا: (وزعم أن يهود خيبر من نسل (ركاب) المذكور في التوراة - الملوك الثاني الإصحاح العاشر الآية ١٥ - ٢٨ - وأن يونادب (جندب) تبدّى مع أبنائه ومن اتبعه وعاش عيشة تقشف وزهد وخشونة وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر فاستقروا بها واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب وأقاموا فيها قلاعًا وحصونًا تحميهم من غارات الأعراب عليهم وقد أُخرجوا منها وأُجلوا عنها في زمان عمر بن الخطاب) اهـ.
وبعض المؤرخين يذكرون أن يهود خيبر ليسوا من بني إسرائيل، وإنما
_________________
(١) انظر كتاب العبر لابن خلدون القسم الأول المجلد الثاني ج ٢ ص ١٦٨ والأغانى للأصبهانى قصة اليهود ج ١٩ ووفاء الوفاء للسمهودى ج ١ ص ١٥٦ وما بعدها.
[ ٦ / ٢٠ ]
هم من أبناء العرب الذين دانوا باليهودية، وقد ذكر ابن إسحاق (كما رواه عنه ابن هشام) أن عائلة مرحب فارس خيبر المشهور الذي قتله علي بن أبي طالب هو من قبيلة حمير.
وهناك رأي آخر يشير إلى أن صلة بني إسرائيل بخيبر ويثرب كلها إنما كانت في عهد نبي الله الملك داود، (أي بعد موسى وقبل المسيح).
وقد ذكر هذا الرأي السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء) ج ١ ص ١٥٨ فقال:
إن نبي الله داود غزا العماليق في المدينة فسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا عن آخرهم.
وذكر بعض المؤرخين أن سبب نزول اليهود خيبر والحجاز هو أن بعض علمائهم كانوا يجدون صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرتين فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل، نزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها (خيبر) فنزلوها ومضى أشرافهم وأكثرهم إلى يثرب فنزلوها واستوطنوها.
نقل هذا (أيضًا) السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء) ج ١ ص ١٦٠ عن ابن النجار، إلا أنه (كما هي عادة المؤرخين القدامى) لم يحدد التاريخ الذي جاء فيه هؤلاء اليهود إلى خيبر ويثرب. وإنما اكتفى بذكر السبب فقط.
والذي لا جدال فيه (حسب ما رواه الإخباريون الإسلاميون) هو أن اليهود لجأوا إلى الحجاز (وخيبر من الحجاز) في فترتين رئيسيتين:
الفترة الأولى حوالي عام ١٢٠٠ قبل الميلاد بعيد وفاة نبي الله موسى ﵇.
والفترة الثانية بعد الميلاد عقب استيلاء الرومان على فلسطين وتخريب الهيكل عام ٧٠ ميلادية وعقب تنكيل (هيدريان) بالعبرانيين عام ١٢٢ م.
وقد أشار سفر (صموئيل الأول) من التوراة إلى أن اليهود سكنوا يثرب وأعالى الحجاز (وخيبر من أعالى الحجاز) سكنوها (كما يقول السفر)
[ ٦ / ٢١ ]
منذ العهد الذي أرسل فيه نبي الله موسى ذلك الجيش لإبادة العمالقة في منطقة يثرب وخيبر وكل أعالى الحجاز (١).
وقد جزم الدكتور جواد على الذي هو أكثر المؤرخين اعتناء بتاريخ العرب قبل الإسلام جزم في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) (٢) بعدم صحة ما تناقَله الإخباريون من أن الوجود اليهودى في خيبر وكل أعالى الحجاز يرجع إلى أواخر عهد النبي موسى - ﵇ - قائلًا:
أما متى دخل اليهود منطقة يثرب وكيف استقروا في خيبر والمناطق الأخرى فعلم ذلك عند الله. وليس الذي يرويه أهل الأخبار عن إرسال موسى جيشًا إلى الحجاز واستقرار ذلك الجيش في يثرب بعد فتكه بالعماليق وبعد وفاة موسى، ثم ما يذكرونه من هجرة داود مع سبط يهوذا ثم عودته إلى إسرائيل (٣) .. وأمثال هذا إلا قصصًا من هذا النوع الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، لا أستبعد أن يكون مصدره يهود تلك المنطقة أو من أسلم منهم لإثبات أنهم ذوو نسب وحسب في هذه الأرضين قديم .. وأنهم كانوا ذوي بأس شديد، وأن تاريخهم في هذه البقعة يمتد إلى أيام الأنبياء وابتداء إسرائيل وأنهم لذلك الصفوة المختارة من العبرانيين.
غير أن الدكتور جواد على إذا كان قد نفى أن يكون اليهود قد استوطنوا خيبر ويثرب وباقي مناطق الشمال قبل الميلاد (كما يذكر المؤرخون الإسلاميون) فإنه أكد صحة أخبار استيطانهم لهذه المناطق بعد الميلاد على أثر ظهور الرومان واستيلائهم على فلسطين فقد قال في كتابه المذكور: (٤)
(أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالى الحجاز على أثر ظهور الروم في بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح)
_________________
(١) تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٠.
(٢) ج ٦ ص ٩ وما بعدها.
(٣) انظر تاريخ الطبري وكتاب الأغانى ج ١٩ ص ٩٤ وما بعدها الطبعة القديمة، ووفاء الوفاء ج ١ ص ١٦٠.
(٤) تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٠.
[ ٦ / ٢٢ ]
ولست أدرى لماذا اعتبر الدكتور جواد على أخبار المؤرخين الإسلاميين التي تقول بوجود اليهود في خيبر وكل مناطق الشمال قبل الميلاد أخبارًا غير صحيحة، وجزم بصحة روايات الإخباريين الذين قالوا: أن هجرة اليهود إلى خيبر وغيرها من المناطق إنما كان بعد الميلاد؟
إن الدكتور جواد على لم يقدم لنا دليلا قاطعًا على صحة ما ذهب إليه، سوى الافتراض والافتراض لا يكون أساسًا صحيحًا من الناحية التاريخية.
لقد قال الدكتور جواد علي: فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين اهـ.
والحقيقة أن كل أخبار ما قبل الإسلام من تاريخ الأمم الغابرة لا يمكن الجزم بصحتها أو ببطلانها، بل هي محتملة أن تكون قد حدثت وأن لا تكون قد حدثت فهي دائما (سواء ما كان منها قبل الميلاد أو بعده) محل الافتراض، اللهم إلا ما ورد بها نص صريح في القرآن أو الحديث يؤكد صحتها.
وعليه فإنه إذا كان (كما قال الدكتور جواد علي): يحتمل أن يكون يهود خيبر وباقي المناطق هم من نسل المهاجرين الفارين من اضطهاد الرومان بعد الميلاد عام ٧٠، أو ١٢٢، فإنه يحتمل كذلك أن يكون هؤلاء اليهود هم من نسل الذين عادوا إلى الحجاز قبل الميلاد عقيب وفاة النبي موسى - ﵇ -، وأنهم استوطنوا خيبر ويثرب وباقي المناطق قبل الميلاد كما يقول الطبري وابن إسحاق وصاحب الأغانى وكل الإخباريين الإسلاميين.
لأن الذين رووا هجرة بعض اليهود إلى الحجاز عقب خراب الهيكل بعد الميلاد، هم أنفسهم الذين رووا هجرة بعض هؤلاء اليهود عقيب وفاة النبي موسى - ﵇ - قبل الميلاد.
وإذا كان شيوع قصة خراب الهيكل بعد الميلاد هو سند الدكتور جواد على في تصحيح ما ذهب إليه أو رجحه من أن هجرة اليهود إلى خيبر
[ ٦ / ٢٣ ]
إنما كانت بعد الميلاد، وإبطال ما ذكره المؤرخون الإسلاميون من وجود اليهود في خيبر والحجاز قبل الميلاد، فإن هناك قصة روتها أصدق المصادر (وهو القرآن) وهي قصة انهيار سد مأرب ونزوح اليمانيين إلى يثرب عقيب هذا الانهيار .. هذه القصة التي هي أكثر شيوعًا بين المؤرخين العرب أصحاب الاختصاص من قصة خراب الهيكل ترجح أكثر فأكثر أن العنصر اليهودى الدخيل كان موجودًا في المنطقة قبل الميلاد وقبل خراب الهيكل وقبل تنكيل هدريان باليهود في فلسطين.
ذلك أن قصة هجرة أجداد الأوس والخزرج من اليمن إلى منطقة الحجاز عقيب انهيار سد مأرب وسكناهم إلى جانب اليهود في يثرب وصراعهم معهم حتى تغلبوا عليهم تكاد تكون (بين عامة المؤرخين) من الأخبار المتواترة.
فهذه القصة - مع افتقارها إلى التحديد الدقيق في الوقت بالسند الصحيح - هي على كل حال ترجح كفة القائلين بوجود اليهود في المنطقة قبل الميلاد أكثر من كفة القائلين بأنهم لم يهاجروا إلى خيبر وباقي المناطق إلا بعد خراب الهيكل وهو ما قال الدكتور جواد على أنه يستند إلى أساس صحيح.
نقول هذا لأنه يكاد يكون من المتواتر أن انهيار سد مأرب في اليمن وهجرة الأوس والخزرج إلى الحجاز وتصارعهم مع اليهود في يثرب إنما كان قبل خراب الهيكل بعشرات السنين، إذ أنه كان على أقل تقدير في أوائل السنة الميلادية.
وهذا يعني أن اليهود كانوا موجودين في خيبر ويثرب قبل الميلاد، لأن سلطان اليهود الدخيل لا يمكن أن يكون على تلك القوة في المنطقة إلا بعد أن يكون قد مر عليهم عشرات السنين قبل الميلاد .. إذ لم يكن هناك خلاف بين المؤرخين في أن الأوس والخزرج الذين هاجروا من اليمن في أوائل القرن الميلادي الأول إلى الحجاز قد وجدوا اليهود هناك وظلوا ينازعونهم السلطان عشرات السنين حتى تغلبوا عليهم في يثرب .. وهذا (دونما شك) يرجح ما ذهب إليه المؤرخون الإسلاميون من أن اليهود قد استوطنوا خيبر ويثرب إما عقيب وفاة النبي موسى - ﵇ - وإما في عهد الملك (النبي)
[ ٦ / ٢٤ ]
داود - ﵇ - على ما ذكره الطبري وغيره.
وهذا مجرد ترجيح في مجال الافتراض، لأن قصة هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب وقصة هجرة اليهود في كلا الفترتين لا يمكن تحديد أي منهما تحديدًا دقيقا لأنهما (كما قلنا) من الأخبار التي تحتمل الصحة والبطلان والتحديد فيهما لا يكون إلا من باب الافتراض، لأن أخبار ما قبل الإسلام لا يمكن الجزم بإثباتها أو نفيها اللهم إلا ما ورد فيه نص إسلامي صريح بهذا النفي أو ذاك الإثبات.
اليهود عنصر دخيل في الجزيرة:
وعلى كل حال -وسواء استوطن اليهود خيبر وباقي المناطق قبل الميلاد أو بعده- فإن المجمع عليه عند جميع المؤرخين (إسلاميين وأجانب) أن اليهود في خيبر ويثرب وباقي المناطق هم أجانب دخلاء مستعمرون لا تربطهم بأي من سكان هذه المناطق في جزيرة العرب آية رابطة من لغة أو دين أو دم، وإنما هم غزاة، أو لاجئون سيطروا على خيبر ويثرب وباقي المناطق في غفلة من الزمن وفي وقت كان العرب الوثنيون فيه تمزقهم روح الجاهلية القبلية الضيقة التي ساهم وجودها وتحكمها في المجتمع العربي .. في التمكين لهؤلاء اليهود الدخلاء في هذه المناطق من جزيرة العرب .. الذين زادوا المجتمعات العربية فسادًا على فساد، كما هي طبيعة العنصر اليهودى الذي لا يكون له نفوذ في أرض إلا وأشاع فيها الفساد وبذر بذور الشحناء وأشعل نيران التفرقة والتخاصم بين أهلها.
وقد ظل العنصر اليهودى الدخيل هذا شأنه منذ استوطن خيبر وباقي الأجزاء الأخرى من الجزيرة العربية حتى اقتلع النبي - ﷺ - جذور هذا العنصر نهائيًا بالعمليات الحربية التي قام بها في خيبر وباقي النقاط الأخرى التي كانت واقعة تحت سلطان هؤلاء اليهود المحتلين.
شجاعة يهود خيبر وقوة وحدتهم:
وشئ يجب أن لا يغيب عن بال المؤرخ وهو أن يهود خيبر كانوا (عبر العصور) بالإضافة إلى تفوقهم على جميع اليهود من ناحية الشجاعة والصبر على القتال .. كانوا غاية من الموحدة والتماسك فيما بينهم .. عكس
[ ٦ / ٢٥ ]
اليهود الآخرين الذين لم ينجو من آفات الاختلاف -بل والاقتتال فيما بينهم أحيانًا-. كما أن يهود خيبر لم ينشب بينهم وبين جيرانهم العرب الوثنيين أي نزاع مسلح. مما ساهم في جعلهم أقوى قوة يهودية دخيلة في بلاد العرب.
فإذا كان يهود يثرب (مثلًا) لم يسلموا من نشوب حرب أهلية قبلية فيما بينهم فرقت وحدتهم وصدعت كيانهم، كما حدث بين بني قينقاع وبنى النضير من تخاصم وتقاتل وعداء شديد ظل أثره باقيًا بينهما حتى بعد ظهور الإسلام ومخاصمة الفريقين له.
إذا كان يهود يثرب قد تعرضوا لهذه الانشقاقات والاصطدامات الدامية فيما بينهم عبر وجودهم في يثرب .. فإن يهود خيبر لم يرو أحد من المؤرخين (فيما أعلم) أنهم تعرضوا (منذ أن وطئت أقدامهم منطقة خيبر) لشئ مما تعرض له يهود يثرب من اختلافات شديدة واصطدامات دامية.
الأمر الذي جعل يهود خيبر (طيلة وجودهم الاستعمارى) في هذه المنطقة متحدين لم تبدد شيئًا من طاقاتهم العسكرية أو وحدتهم السياسية حروب أهلية أو نزاعات قبلية كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب.
كما أن يهود يثرب، إذا كانوا قد تعرضوا في الفترة التي مرت على وجودهم (قبل الإسلام) لضربات عسكرية عنيفة من جيرانهم العرب كادت تقتلع وجودهم وتهدم كيانهم في يثرب كما حدث لهم في أوائل القرن الأول من الميلاد على أيدى المهاجرين اليمانيين من منطقة (مأرب) - الأوس والخزرج - الذين منذ استقرارهم في يثرب ظلوا ينازعون هؤلاء اليهود السلطان لاستئثارهم بالمناطق الزراعية الخصبة (دونهم) في المدينة. ولنظرة هؤلاء اليمانيين إلى هؤلاء اليهود كعنصر أجنبي دخيل على بلاد العرب، الأمر الذي ساعد على إشعال نار المقت في نفوس اليمانيين، حتى تمكنوا من خضد شوكتهم بمساعدة إخوتهم الغساسنة اليمانيين الذين خفوا لنجدتهم من الشام. ثم من قهرهم نهائيًا بقيادة مالك بن العجلان الذي وضع حدًّا (قبل الإسلام) لسلطان هؤلاء اليهود المطلق على يثرب.
فقد ذكر المؤرخون أن الضربة العنيفة التي أنزلها الأوس والخزرج باليهود بقيادة سيد الأوس والخزرج مالك بن العجلان (قبل الإسلام بعدة
[ ٦ / ٢٦ ]
قرون) كادت تستأصل شأفة العنصر اليهودى الدخيل لولا أن زعماء هؤلاء اليهود انحنوا للعاصفة فسلموا بالهزيمة ثم (لكى ينجوا من الهلاك) قبلوا الانضواء (بالحِلف) تحت لواء مختلف القبائل اليمنية المنتصرة عليهم (الأوس والخزرج) فاندمجوا فيهم، وبذلك ضمنوا سلامة أرواحهم وممتلكاتهم، ولكن على حساب التسليم بهدم سلطانهم السياسي والعسكري الذي كان سائدًا على يثرب.
وهكذا فإن يهود يثرب إذا كانت الهزات العنيفة التي زلزلت سلطانهم ومزقت وحدتهم، سواء بسبب تعرضهم لهجمات المهاجرين اليمانيين الضاربة أو بسبب النزاعات القبلية المسلحة التي نشبت بين اليهود أنفسهم قبل ظهور الإسلام بعدة قرون، فإن يهود خيبر ظلوا (طيلة وجودهم الاستعمارى) بمنجاة عن مثل هذه الهزات الخطيرة التي ذهبت بسلطان اليهود في يثرب.
الأمر الذي أبقى على وحدة يهود خيبر وتماسكهم. وذلك دونما شك من أعظم أسباب تفوقهم في القوة والمنعة والشجاعة على جميع العناصر اليهودية الدخيلة المبعثرة في ذلك الركن من جزيرة العرب.
فالمؤرخون مجمعون على أن يهود خيبر أشجع وأقوى العناصر اليهودية المحاربة في جزيرة العرب دونما استثناء.
ولعل أكبر دليل على صحة هذا القول، هو أن يهود يثرب (بالرغم من كونهم أكثر عددًا وأوسع ثراءًا من يهود خيبر) فإنهم قد جبنوا عن مواجهة المسلمين في أية معركة فاصلة، إذ فضّلوا الاستسلام ثم النفي على خوض أية معركة فاصلة عندما وصلوا في عدائهم للمسلمين إلى درجة النزاع المسلح كما حدث لبنى قينقاع ثم بني النضير وأخيرًا بني قريظة (١).
_________________
(١) كان لمالك بن العجلان اليمانى فضل كبير (قبل الإسلام) في خضد شوكة اليهود في يثرب وجعلهم تبعًا لليمانيين الذين سماهم الله فيما بعد (الأنصار) وذلك بعد أن كان هؤلاء اليهود الدخلاء ذوي سطوة وجبروت وطغيان في منطقة يثرب، وخاصة ملكهم الطاغية (الفطيون). فقد ذكر السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء ج ١ ص ١٧٩) أن (الفطيون) كان قد أجبر سكان يثرب من اليهود وغيرهم على أن لا تزف عروس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفتضها ثم ترسل =
[ ٦ / ٢٧ ]
ولن نذهب بعيدًا لتأييد هذا القول فالتاريخ ينبؤنا بأن المسلمين في نزاعهم المسلح مع العناصر اليهودية الدخيلة في بلاد العرب لم يلاقوا من المقاومة مثلما لاقوا من يهود خيبر حيث اشتبكوا معهم في معارك ضارية دافع فيها اليهود عن معاقلهم حصنًا حصنًا .. ولم تستسلم حصونهم إلا بعد أن سقط جميع قادتهم وزعمائهم قتلى في هذه المعارك.
ولقد جعلت هذه الشجاعة والشراسة التي أبداها يهود خيبر في مقاومتهم .. جعلت بعض المؤرخين (منهم بعض الأوروبيين) يعتقدون أن يهود خيبر هم من أصل عربي دانوا (على مدى العصور) باليهودية. وقد ذكر إمام المغازي ابن إسحاق أن أُسرة آل مرحب اليهودية في خيبر هم من قبيلة حمير اليمنية (١).
_________________
(١) = لزوجها وظل يمارس هذا العمل الفظيع ردحًا من الزمن فلما نزل الأوس والخزرج يثرب بعد انهدام سد مأرب أراد طاغية اليهود (الفطيون) أن يسير فيهم بتلك السيرة المهينة. إذ تزوجت أخت مالك بن العجلان اليمانى رجلا من بني سليم في يثرب فأرسل الفطيون رسولًا في ذلك طالبًا أن تدخل عليه العروس كالعادة قبل أن تزف إلى زوجها، وكان مالك أخوها غائبًا، فخرجت هاربة من العار تطلبه، فمرت بقوم فيهم أخوها مالك، فنادته، فقال: لقد جئت بسبة الدهر يا هنتاه، تنادينى ولا تستحى؟ فقالت: الذي يراد بي أكبر، ثم أخبرته بأن الفطيون طلبها قبل أن تدخل على زوجها، فثارت حمية مالك وقال لأخته: أنا أكفيك ذلك، فقالت: وكيف؟ فقال أتزيا بزى النساء وأدخل معك عليه (أي الفطيون) فأقتله .. فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على (الفطيون طاغية اليهود) متنكرًا مع النساء فلما خف من عنده، وثب عليه فقتله، ثم أخذ أخته وانصرف بها إلى دار قومه بعد أن مسح عن سكان يثرب أشنع عار كانوا يوصمون به. فثارت ثائرة اليهود لقتل ملكهم الفطيون وأرادوا أن يوقعوا بالعرب، إلا أن مالك بن العجلان توجه في وفد من قومه إلى من بالشام من قومهم (الغساسنة)، وهناك دخل على ملك الغساسنة (أبي جبيلة) وشكا له طغيان اليهود الدخلاء وغلبتهم على عرب يثرب وأنهم يخشون أن يطردهم اليهود من ديارهم (وخاصة بعد مصرع ملكهم الفطيون) ثم طلب النجدة من ملك غسان، فلبى طلبه وتوجه بنفسه إلى يثرب على رأس جيش عظيم، ولما وصل أبو جبيلة يثرب أوقع باليهود وأحدث فيهم مقتلة عظيمة أبيد فيها أكثر قادة وزعماء اليهود، فعزت الأوس والخزرج بعد ذلك ولم يقم بعد هذه الحادثة لليهود في يثرب أي سلطان يخشاه العرب من الناحية العسكرية حتى جاء الله بالإسلام فعم سلطانه العادل جميع شبه الجزيرة في العهد النبوى فنسخ بذلك ما تبقى لليهود الدخلاء من نفوذ في أي مجال من المجالات (انظر كتابنا، غزوة بني قريظة في الفصل الأول والثاني الخاص بتاريخ اليهود في يثرب).
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢.
[ ٦ / ٢٨ ]
حياد يهود خيبر:
ذاكم هو موجز عن تاريخ صلة يهود خيبر بجزيرة العرب قبل الإسلام .. وشئ آخر يجب أن لا يغيب عن البال (وقد يحتاج إلى تفسير)، وهو أن يهود خيبر بالرغم من شدة بأسهم في الحرب وكثرة عددهم .. وبالرغم من أنهم يتفقون في العقيدة والمذهب مع يهود يثرب. فإن يهود خيبر هؤلاء، قد ظلوا طيلة مئات السنين (قبل الإسلام) على الحياد بالنسبة للنزاعات المسلحة العنيفة التي نشبت وظلت ناشبة عشرات السنين بين العرب اليمانيين (الأوس والخزرج) النازحين من اليمن وبين يهود يثرب كما تقدم وكما هو مفصل في كتابنا (غزوة بني قريظة).
فلم يذكر (فيما وصل إلى علمي) أحد من المؤرخين أن يهود خيبر (قبل الإسلام) خفوا لنجدة إخوتهم يهود يثرب بالرغم من أنهم لا تفصلهم عنهم سوى مسافة قصيرة لا تزيد على مائة ميل .. بينما نرى الغساسنة تفصلهم عن إخوتهم في يثرب آلاف الأميال حيث كانوا يقطنون سوريا آن ذاك (١).
موقف خيبر عند ظهور الإسلام:
لا شك أن يهود خيبر كإخوتهم يهود يثرب لم يكن موقفهم من الإسلام عند ظهوره موقف الترحيب، بل موقف المعارضة هذا مما لا جدال فيه وأثبتته الأحداث فيما بعد.
إلا أن يهود خيبر هؤلاء ظلوا (حتى السنة الرابعة من الهجرة) على الحياد بالنسبة للصراع الذي كان دائرًا بين المسلمين ويهود يثرب الذين حاولوا - بكل الوسائل - تقويض دعائم الدعوة الإسلامية والقضاء على نبيِّ الإسلام - ﷺ -.
فلم يرو أحد من المؤرخين (فيما أعلم) أن يهود خيبر قاموا بأي عمل عدائي مسلح ضد المسلمين منذ ظهر الإسلام حتى السنة الرابعة للهجرة وهي السنة التي اختار فيها يهود بني النضير أن تكون خيبر منفى لهم
_________________
(١) انظر التفاصيل في الفصل الأول من كتابنا (غزوة بني قريظة).
[ ٦ / ٢٩ ]
عندما تم إجلاؤهم عن المدينة بموجب اتفاقية الصلح التي تمت بينهم وبين النبي - ﷺ - عقب ضربه الحصار على حصونهم في يثرب بعد اكتشاف مؤامرة الاغتيال التي دبروها لقتله - ﷺ - عندما كان في ديارهم آمنًا. (١)
ولم يرو أحد من المؤرخين أن يهود خيبر قاموا بتقديم أي عون مادى لإخوتهم يهود يثرب عندما تحول الخلاف بينهم وبين المسلمين إلى نزاع مسلح .. بل ظل يهود خيبر على الحياد حيال هذا النزاع المسلح إلى أن نزل عليهم شيطان بني النضير (حيى بن أخطب) منفيًا وقومه من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة.
التحول الخطير في موقف خيبر:
ففي هذه السنة طرأ تحوّل خطير على موقف الحياد الذي كانت خيبر تلتزمه إزاء النزاعات المسلحة التي نشبت عبر العصور بين المشركين العرب (الأوس والخزرج) وبين يهود يثرب قبل الإسلام، ثم بين هؤلاء اليهود وبين المسلمين بعد بزوغ شمس الإسلام.
وكر للتآمر على المسلمين:
فلم يكد بنو النضر (بقيادة شيطانهم حيى بن أخطب) ينزلون على خيبر ويستقر بهم المقام فيها حتى تحولت من منطقة حيادية إلى أخطر وكر تحاك فيه الدسائس وترسم فيه خطط التآمر على الإسلام والمسلمين تحت إشراف سادات يهود بني النضير المنفيين من المدينة.
لمحة من تاريخ بني النضير:
وبالرغم من أننا قد ذكرنا الشيء الكثير عن تاريخ يهود بني النضير في كتبنا الثلاثة (غزوة أُحد) و(غزوة الأحزاب) و(غزوة بني قريظة) إلا أنه يستحسن إعطاء القارئ هنا لمحة عن تاريخ هؤلاء اليهود الذين بنزولهم على خيبر طرأ عليها ذلك التحول الخطر الذي كان سببًا في نسف ما تبقى من الكيان اليهودى الدخيل في جزيرة العرب.
لقد كان بنو النضير إحدى القبائل اليهودية الرئيسية الثلاث التي
_________________
(١) انظر كتابنا: غزوة الأحزاب: الفصل الخاص بإجلاء بني النضير.
[ ٦ / ٣٠ ]
استوطنت منطقة يثرب العربية منذ عدة قرون.
والفئات أو القبائل الرئيسية الثلاث هم:
١ - بنو النضير.
٢ - بنو قينقاع.
٣ - بنو قريظة.
ويعتبر يهود بني النضير أقوى الفئات اليهودية الثلاث وأكثرهم نفوذًا بين اليهود في يثرب كما يعتبر بنو النضير أغنى يهود يثرب على الإطلاق.
يضاف إلى ذلك أن بني النضير يعتبرون أنفسهم أرفع اليهود نسبًا وأرقاهم حسبًا ويرون أن لهم السيادة والشرف على جميع فئات اليهود لأنهم (بزعمهم) من نسل نبي الله هارون بن عمران - ﵇ - ولهذا يقال لهم ولإخوانهم بني قريظة: (الكاهنين) لانتسابهم بزعمهم إلى النبي هارون بن عمران الذي يسميه اليهود بالكاهن (١).
أعداء النبي - ﷺ - رقم (١):
وإذا استعرضنا تاريخ مراحل النزاع والصراع بين المسلمين ويهود يثرب (منذ ظهور الإسلام) وجدنا أن يهود بني النضير هم أشد الفئات اليهودية عداوة للمسلمين وأكثرهم جرأة على النبي - ﷺ - وأشدهم تحرشًا بالمسلمين وإعناتًا لنبيهم - ﷺ - وخاصة زعماءهم (حيى بن أخطب وأخيه ياسر، وسلَّام بن مِشكمَ).
ويكفى للتدليل على ذلك أن نورد هنا قصة رواها إمام المغازي محمد بن إسحاق، هذه القصة تحكى واقع البغض العارم والحقد القاتل الذي يغتلم في قلوب سادات بني النضير للنبي الأعظم - ﷺ - وتوطيد هؤلاء اليهود أنفسهم على العمل ضد النبي - ﷺ - حتى الممات بالرغم من تأكدهم من أنه النبي المنتظر الذي بشَّر به موسى - ﵇ - كما يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة.
_________________
(١) انظر الأغاني ج ١٩ ص ١٩٦، وتاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٣ وغزوة في قريظة ص ٣٥.
[ ٦ / ٣١ ]
فقد روى ابن إسحاق أن سيدى بني النضير (حيى بن أخطب وأخاه ياسر) لما علما بوصول النبي - ﷺ - أول ما وصل مهاجرًا - ذهبا وقابلاه في (قبَا) ليلة وصوله ولدى هذه المقابلة تأكد لهما من صفاته إنه هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة .. وبدلا من أن يتبعا الحق الذي عرفاه فيؤمنا بالنبي - ﷺ - تأججت نيران الحقد والبغض والحسد له في نفوسهما.
وقد تجسد هذا الحسد والبغض والجحد للحق في مناقشة سرية بينهما عقب انصرافهما من مجلس النبي - ﷺ - في (قُبَاء) فقد سأل ياسر بن أخطب أخاه حييا قائلا أهو، هو؟ (يعني النبي - ﷺ -).
حيى: نعم والله.
ياسر: أتعرفه وتثبته؟؟
حيى: نعم.
ياسر: فما في نفسك منه؟ .
حيى: عداوته ما بقيت (١).
سمعت هذا النقاش أو الحوار إحدى أمهات المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب وهي لما تزل صبية في المدينة تلعب في مجلس أبيها وعمها (٢).
ولم يحنث سيد بني النضير الخبيث قسمه فقد ظل وكل بني النضير على عداوتهم الشديدة للنبي - ﷺ - ولم يتركوا سبيلا للكيد للإسلام والتآمر عليه وعلى نبيه بقصد قطع تيار دعوته إلا وسلكوها دونما تردد.
فقد ظل يهود بني النضير (وعلى رأسهم شيطانهم حيى بن أخطب) يثيرون المتاعب ويضعون العراقيل في وجه النبي - ﷺ - بقصد إطفاء شعلة الدعوة الإسلامية مستغلين تسامح النبي - ﷺ - والحرية الكاملة التي أعطاهم إياها الإسلام في شؤونهم الخاصة ومتسترين وراء معاهدة التحالف التي أبرمها النبي - ﷺ - معهم ومع سائر الفئات اليهودية عند قدومه إلى يثرب.
_________________
(١) سيرة ابن هشام.
(٢) انظر تفاصيل هذه القصة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٦ / ٣٢ ]
التآمر على حياة النبي - ﷺ -:
ولم يكتف يهود بني النضير بالسعى (بمختلف الوسائل) لإثارة الفتنة بين مختلف الفئات والقبائل داخل المجتمع الإسلامي في يثرب بقصد شل حركة الدعوة الإسلامية وإطفاء نورها .. ولم يكف هؤلاء اليهود النجاح الذي حققوه بإنشاء طبقة باطنية خطيرة تعمل لتخريب العقيدة الإسلامية وتمزيق وحدة المسلمين وهي طبقة المنافقين الذين يعملون ضد الإسلام ضمن إطار المجتمع الإسلامي لانتسابهم إلى الإسلام في الظاهر .. والذين في واقعهم ليسوا إلا أجهزة تخريب باطنية سرية تعمل لحساب اليهود (وخاصة بني النضير).
ولم يكتف يهود بني النضير بكل تلك الأعمال الممقوتة التي باشروها ضد الإسلام والمسلمين وكادوا بها أن يقوضوا دعائم المجتمع الإسلامي الناشئ الجديد بما أثاروا (خلال الأربع السنوات) من فتن ودسائس ومؤامرات داخل المجتمع الإسلامي والتي وصل نجاحهم فيها أحيانًا إلى أن جعلوا الحيين الرئيسيين (الأوس والخزرج) يشهر أحدهما السلاح في وجه الآخر بعد اعتناقهما الإسلام (١).
لم يكتف يهود بني النضير بذلك كله، بل وصلت بهم الجرأة والتمادى في الغي واستغلال التسامح النبوى إلى أن يفكروا في التخلص من النبي - ﷺ - شخصيًا بالقتل، ويرسموا لذلك مخطط اغتيال غادر بشع، ويحاولوا تنفيذ هذا المخطط الجهنمى بقتل النبي - ﷺ - غدرًا وهو آمن في ديارهم وأعزل من السلاح وعلى بعد عدة أميال من المدينة.
إلا أن النبي - ﷺ - اكتشف مؤامرة اغتيالية في ديارهم قبل تنفيذها بقليل، فغادر ديار هؤلاء اليهود بطريقة سرية مستعجلة وبذلك نجا من تلك المؤامرة الدنيئة فأحبط مفعول ذلك المخطط الخبيث الذي كان يهود بني النضير قاب قوسين أو أدنى من تنفيذه.
_________________
(١) انظر تفاصيل محاولة اليهود إثارة الفتنة بين المسلمين في كتابنا (غزوة بدر الكبرى) ص ١٠٥ الطبعة الرابعة.
[ ٦ / ٣٣ ]
إجلاء بني النضير إلى خيبر:
وكان (حتى تاريخ تلك المؤامرة) يوجد بين النبي - ﷺ - ويهود بني النضير عهد تحالف ومعاهدة عدم اعتداء واتفاق تعايش سلمى حافظ المسلمون عليها كل المحافظة وطبقها النبي - ﷺ - في معاملته لهؤلاء اليهود نصًّا وروحًا.
غير أن النبي - ﷺ - بعد اكتشافه تلك المؤامرة اليهودية تأكد لديه أنه من المستحيل الركون إلى هؤلاء اليهود والتعايش معهم أو الوثوق بما أعطوا من عهود ومواثيق لأنه بات واضحًا (على ضوء التجارب العملية) أن هؤلاء اليهود لا يتمسكون بالعهود والمواثيق التي يبرمونها مع غيرهم إلا عندما تكون في صالحهم وأنهم لا يتورعون عن خرقها والتنكر لها عندما يرون أن ذلك يعود عليهم بالنفع ويكون في مقدورهم الإقدام عليه، كما فعلوا عندما ظنوا أن الفرصة قد واتتهم للغدر بالنبي - ﷺ - وقتله بين منازلهم غِيلة بالرغم من المعاهدة القائمة بينه وبينهم والتي اعتمادًا عليها وفي ظلها جاء - ﷺ - إلى منازل هؤلاء اليهود آمنًا أعزلا من السلاح لأن من طبيعة العرب (حتى في جاهليتهم) الوفاء بالعهد واعتبار الإخلال بالعهد سُبَّة خالدة يأنف العرب من التلوث بأرجاسها .. ولكنهم اليهود، يضعون العهود والمواثيق تحت أقدامهم عندما يرون أنهم لم يعودوا بحاجة إليها.
وقد اعتبر النبي - ﷺ - تلك المحاولة الخطيرة التي قام بها يهود بني النضير لقتله بين منازلهم في ظل المعاهدة القائمة بين الفريقين اعتبر تلك المحاولة عملا ناسفًا لمعاهدة التحالف واتفاقية عدم الاعتداء القائمة بين المسلمين وهؤلاء اليهود، فأرسل في الحال إنذارًا إلى هؤلاء اليهود خاصة بأن يغادروا المدينة في خلال عشرة أيام فقط وأنهم إن لم يخرجوا من المدينة فإنه سيلجأ إلى محاربتهم كأعداء حربيين لا عهد لهم ولا ذمة بعد الذي أقدموا عليه من محاولة اغتياله بين منازلهم.
ولم يحاول يهود بني النضير نفى التهمة الموجهة إليهم لأنها أقوى من أن تقبل النفي، ولم يقدّموا أي اعتذار عما بدر منهم من خيانة وغدر، بل قبلوا (في أول الأمر) الإنذار واعتزموا مغادرة المدينة لولا أن رأس النفاق
[ ٦ / ٣٤ ]
حليفهم (عبد الله بن أبيّ بن سلول) حرضهم على رفض الإنذار النبوى والتحصن في قلاعهم في المدينة بعد أن أوعدهم بأنه وجماعته الباطنيين المنافقين وحلفاءه من العرب الوثنيين المجاورين سيكونون إلى جانبهم في الحرب إذا ما أقدم المسلمون على محاربتهم.
وبناءً على تحريض رأس النفاق عدل يهود بني النضير عن قرارهم فرفضوا الإنذار النبوى وقرروا البقاء في المدينة، ثم اعتصموا بحصونهم استعدادًا للحرب.
وأمام هذا الرفض لم يرَ النبي - ﷺ - بدًا من محاربتهم فجهز جيشًا لمحاربتهم وإنقاذ يثرب من شرورهم، فضرب المسلمون الحصار على هؤلاء اليهود بقيادة النبي - ﷺ -.
وقد شدد المسلمون الحصار على هؤلاء اليهود ولم يحاولوا اقتحام حصونهم لأن الهدف (على ما يظهر) إنما كان إجلاؤهم عن المدينة لا قتلهم.
ولم يصمد يهود بني النضير طويلًا أمام هذا الحصار الذي دام حوالي عشرين ليلة .. فقد انهارت مقاومتهم لا سيما بعد أن خذلهم حليفهم رأس النفاق (عبد الله بن أبيّ) وعصابته الباطنية المنافقة الذين لم يقدموا ليهود بني النضير أي عون حربى كما وعدوهم.
ولهذا قرر هؤلاء اليهود الدخول مع النبي - ﷺ - في مفاوضة على أساس الجلاء من المدينة وهو المطلب الرئيسى الذي تضمنه الإنذار النبوى قبل الحصار.
وقَبِل النبي - ﷺ - الدخول مع يهود بني النضير في المفاوضة وتم الاتفاق بين الفريقين على أن يجلو هؤلاء اليهود عن المدينة إلى أي بلاد الله شاءوا.
وقد تضمنت اتفاقية الجلاء هذه بنودًا ثلاثة وهي:
(١) يحق ليهود بني النضير أن يحملوا من أموالهم معهم، ما يقدرون على حمله.
(٢) يترك كل ما لا يقدرون على حمله من أموال منقولة وغير منقولة في المدينة لبيت مال المسلمين.
[ ٦ / ٣٥ ]
(٣) يتكفل المسلمون بحماية أرواح هؤلاء اليهود وأموالهم التي يحملون ما داموا داخل المناطق الخاضعة لحكم الإسلام (١)، وهكذا لم يكن النبي - ﷺ - شديدًا في معاملة هؤلاء اليهود لأنه تمشيًا مع طبيعة الرسالة التي يحملها يميل إلى التسامح، ولا يميل إلى العنف وسفك الدم إلا إذا أصبح ذلك أمرًا لا مفر منه كالإجراء الحازم الذي اتخذه إزاء خونة يهود بني قريظة (٢).
بنو النضير في خيبر:
ولما كانت اتفاقية الجلاء بين النبي - ﷺ - وبين يهود بني النضير لا تحتم على هؤلاء اليهود الجلاء عن جزيرة العرب كليًّا .. بل تترك لهم الحرية في أن ينزلوا أي بلد أرادوا (غير يثرب) فقد اختار هؤلاء اليهود النزول في منطقة خيبر التي لا تبعد عن المدينة أكثر من سبعين ميلًا، لأنها من الناحية الحربية كانت أقوى معقل لليهود الدخلاء في جزيرة العرب .. حيث توجد بها جالية يهودية يقدر عدد حملة السلاح بينهم بعشرة آلاف مقاتل (٣).
أخطر وكر للتآمر على الإسلام:
لقد كان زعماء يهود بني النضير (وعلى رأسهم حيى بن أخطب وكنانة بين الربيع وسلَّام بن مِشكم) من أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - ومن أحرص أعداء الإسلام على هدم كيانهم وإبادة أتباعه وإزالتهم من الوجود.
وإذا أضفنا إلى ذلك اعتراف كافة طوائف اليهود في جزيرة العرب ليهود بني النضير بمنصب السيادة الروحية عليهم لانتمائهم (بزعمهم) إلى نبي الله هارون بن عمران - ﵇ -، وإذا أضفنا إلى ذلك أيضًا ما يتمتع به يهود بني النضير من مركز مالى ممتاز حيث كانوا أغنى أغنياء اليهود على الإطلاق في جزيرة العرب. (واليهود على الإطلاق في كل زمان ومكان لاحتكارهم المعاملات الربوية وقدرتهم على إدارتها يجمعون من الثروات الفاحشة ما لا يقدر غيرهم على جمعه) وخاصة في البيئات البدائية المتأخرة كبيئة العرب الوثنيين التي أتاحت لليهود عامة وليهود بني النضير خاصة أن
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة جلاء بني النضير في الفصل الأول ص ٥٢ من كتابنا غزوة الأحزاب.
(٢) انظر كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة).
(٣) انظر مغازي الواقدي ج ٢.
[ ٦ / ٣٦ ]
تكون في أيديهم (دون منازع) مقابض أزمة ديكتاتورية المال التي أقاموها على قواعد المعاملات الربوية التي لا يحسن أي جيل مباشرتها مثل اليهود .. هذه الديكتاتورية الملعونة التي نسفها الإسلام من القواعد بتشريعه الذي حرَّم المعاملات الربوية تحريمًا قاطعًا.
إذا أدركنا هذه الامتيازات التي يمتاز بها يهود بني النضير من ثراء فاحش وجاه واسع عريض وسيادة روحية مطلقة بين جميع فئات اليهود الدخلاء في الجزيرة اتضح لنا أي خطر داهم يهدد الإسلام والمسلمين بنزول يهود بني النضير منطقة خيبر عند نفيهم من المدينة.
خفض الأرض ورفعها:
ولا يفوتنا أن نذكر القارئ بأن النبي - ﷺ - لما نفى يهود بني النضير هؤلاء من المدينة تسامح معهم إلى حد جعلهم يسمح لهم بأن يحملوا من أموالهم إلى منفاهم الجديد (خيبر) كل ما يقدرون على حمله.
ولهذا فقد أوقروا من هذه الأموال (عند نفيهم) حوالي ستمائة بعير، وصلوا بها جميعًا إلى منطقة خيبر.
ولما كان الذهب والفضة هو أحرص ما يحرص اليهود على اقتنائه كما هو معروف عنهم عبر عصور التاريخ، فقد حملوا معهم إلى خيبر كل ما يملكون من الذهب والفضة وكان شيئًا عظيمًا حتى أن سلَّام بن أبي الحقيق (وهو من متوسطى أغنياء يهود بني النضير) حمل معه عند الجلاء من المدينة جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة.
وكان (وهو خارج إلى منفاه خيبر) يضرب على هذا الجلد - مشيرًا إلى ما يحتوي عليه من ذهب وفضة قائلًا: (هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها وإن كنا تركنا نخلًا، ففي خيبر النخل).
وفي قول الزعيم اليهودى النضرى هذا تهديد صريح بأن يهود بني النضير لن يبخلوا باستخدام أموالهم الطائلة للقضاء على سلطان الإسلام ونفوذه، وأنهم لن يترددوا في تسخير هذه الأموال لزلزلة الأرض تحت أقدام المسلمين عند أول فرصة تسنح لهم وذلك في سبيل استعادة سلطانهم المفقود في يثرب.
[ ٦ / ٣٧ ]
خيبر قاعدة للعدوان:
وبنزول يهود بني النضير منطقة خيبر الحصينة والغنية بالموارد الزراعية الكبيرة تعاظمت قوة اليهود الدخلاء في هذه المنطقة.
حيث تلاحم سلطان المال الجبَّار الذي يملكه يهود بني النضير المنفيين مع القوة الحربية الكبيرة التي يمتاز بها يهود خيبر ويتفوقون بها على جميع الفئات اليهودية الدخيلة في جزيرة العرب حيث كانوا (بدون جدال) أشجع وأقوى الجاليات اليهودية هناك.
وبنزول يهود بني النضير منطقة خيبر أخذ الخطر الداهم يُطِل برأسه ويهدد المسلمين في يثرب من جديد لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود جالية يهودية كبيرة في يثرب لم يتعرض لها المسلمون بأية مضايقة، لأنها (حتى حملة الأحزاب المخيفة) ظلت على عهدها مع المسلمين، وهي جالية يهود (بني قريظة) التي أغوى زعماءها شيطان بني النضير حيى بن أخطب فغدرت بالمسلمين في أدق ساعات المصير في حياة كيانهم كما جاء ذلك مفصلًا في كتابينا (غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة).
قيادية بني النضير:
لقد كان يهود بني النضير سياسيين أكثر منهم حربيين، وكانت الأطماع في السيادة والسلطان لديهم أكثر من أية فئة من فئات اليهود الدخيلة في بلاد العرب.
ولهذا فإنهم لم يكادوا يطأون بأقدامهم منطقة خيبر ويجدون أنفسهم بين أقوى قوة يهودية حربية في جزيرة العرب، حتى عادت أطماعهم الواسعة في السيادة والحكم تراود مخيَّلاتهم.
ولم يجد يهود بني النضير أية صعوبة في القبض على أزمة الأمور في منطقة خيبر حيث تمكنوا بكل سهولة من فرض سيادتهم وسيطرتهم على يهود هذه المنطقة التي بمجرد نزول بني النضير فيها تغير فيها مجرى كل شيء.
وأهم تغيير طرأ على خيبر هو أنها (بعد أن ألقى سكانها اليهود
[ ٦ / ٣٨ ]
بقيادهم إلى بني النضير) تحولت من منطقة حيادية إلى قاعدة للعدوان على المسلمين ووكرًا وجد فيه يهود بني النضير (أشد الناس حقدًا على النبي وصحبه) مطلق الحرية للتآمر على الإسلام ورسم الخطط للإطاحة بالمسلمين.
لو اتعظ اليهود؟
لقد كان بإمكان يهود بني النضير أن يستخلصوا المواعظ والعبر على ضوء ما حاق بهم وبيهود بني قينقاع من نفى وتأديب نتيجة دسهم وتآمرهم ضد المسلمين عندما كانوا بين ظهرانيهم وحلفاء لهم في يثرب.
كان بإمكان سادات بني النضير (على ضوء الفشل الذريع الذي منوا به كثمرة لمحاولات الدس والتآمر ضد النبي وأصحابه والتي بذلوها طوال أربع سنوات والتي كانت حصيلتها طردهم من المدينة زجرًا لهم وتأديبًا) .. كان بإمكانهم بعد أن رحلوا من يثرب آمنين على أموالهم وأرواحهم ونزلوا خيبر على تلك الصورة .. كان بإمكانهم أن يراجعوا أنفسهم ويقنعوها بأن أعمال التآمر والخيانة والغدر وإثارة الفتن والحروب بغيًا ضد المسلمين والتي مارسوها خلال أربع سنوات، لن تعود في النهاية على القائمين بها إلا بأوخم العواقب .. لأن النصر في النهاية إنما يكون للحق والهزيمة والاندحار والتعرض للعقاب العادل الصارم إنما تحل بالباطل مهما تراءى لأصحابه أنه قوى وعتيد.
كان بإمكان بني النضير الذين لم يكن نزوحهم إلى خيبر مطرودين مدحورين إلا حصيلة محاولاتهم السير في دروب الخيانة والتآمر، والدلوج في ظلام البغي والعدوان ونكث العهود والمواثيق .. كان بإمكانهم أن يدركوا كل ذلك فيتعظوا به .. فيخلدوا في منفاهم الجديد (خيبر) إلى الهدوء والسكينة بين بني قومهم الذين ظلوا على الحياد طيلة مراحل الصراع الدائر بين الإسلام وخصومه داخل يثرب وخارجها حتى نزل عليهم شياطين بني النضير هؤلاء فكانوا سببًا في توريطهم في حبائل العمل ضد المسلمين والتآمر على أمنهم وسلامتهم، مما كان سببًا في التعجيل بإزالة الوجود اليهودى الدخيل في خيبر على أيدى المسلمين.
[ ٦ / ٣٩ ]
ولو التزم يهود بني النضير الهدوء والسكينة وأقلعوا عن ممارسة التآمر ضد المسلمين ونصحوا بنى دينهم في خيبر بذلك لكان خيرًا لهم.
ولكن الأحلام السوداء. . أحلام العودة إلى يثرب والسيطرة عليها من جديد التي زادت (باستيطانهم خيبر القوة والمنعة) مداعبتها لمخيّلاتهم. . لم تترك (لحيى بن أخطب وسلَّام بن مِشْكمَ وكنانة بن أبي الحقيق وأمثالهم من سادات بني النضير) الفرصة للتفكير في اختيار طريق السلامة، طريق السكينة والهدوء والإقلاع عن ممارسة الكيد للإسلام والتآمر على كيان المسلمين.
لذلك لم يكد يستقر بيهود بني النضير المقام في خيبر حتى عادوا (بصورة أوسع) إلى تدبر خطط التآمر على الإسلام والمسلمين.
فأخذوا يعدون العدة لجولة كبرى ضد المسلمين (يكون منطلقها خيبر) لعلهم بهذه الجولة يطيحون فيها بالإسلام ويهدمون سلطان المسلمين في عاصمتهم المدينة، فيعود لهؤلاء اليهود سلطانهم اللاشرعى عليها من جديد.
ولكن الله غالب على أمره فقد فشلت كل مخططات العدوان التي وضعها هؤلاء اليهود في خيبر، بل إن يهود بني النضير بمخططاتهم العدوانية هذه قد أحلوا قومهم (أهل خيبر) دار البوار بسبب إغرائهم وإقناعهم بجعل مدينتهم وكرًا للغدر بالمسلمين والعدوان عليهم.
لقد كان زعماء يهود خيبر يدركون ولا شك خطورة تحويل المنطقة التي يسكنونها إلى قاعدة جديدة للعدوان والتآمر على المسلمين كما يريد ذلك حيى بن أخطب وسلام بن مشكم وغيرهم من زعماء يهود بني النضير المنفيين من المدينة.
وليس ببعيد أن يكون القلق قد ساور زعماء اليهود في خيبر من أن تتعرض منطقتهم لغزو كاسح من قبل المسلمين قد يطيح بالكيان اليهودى فيها إلى الأبد كعمل تأديبى وإجراء وقائى يقوم به المسلمون إذا قبل يهود خيبر أن تصبح منطقتهم متنفسًا لأحقاد يهود بني النضير ومنطلقًا لعدوان يهدد سلامة المسلمين وأمنهم.
[ ٦ / ٤٠ ]
وكل هذا لا يعني أن يهود خيبر لا يرغبون في تدمير المسلمين وهدم كيان الإسلام.
كلا. . فاليهود كلهم ملة واحدة وهم سواء من حيث البغض للإِسلام والرغبة في الإطاحة بالمسلمين في يثرب.
ولكن قد يكون مصدر شعور يهود خيبر بالقلق (إذا ما وجد هذا الشعور) إنما كان خوفهم من أن تفشل مخططات العدوان على المسلمين فيكون ذلك مجلبة لنكبة تكون فيها نهاية يهود خيبر الذين (حتى استيطان يهود بني النضير لبلادهم) لم يكن بينهم وبين المسلمين أي حرب أو نزاع مكشوف كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب.
ولم أر في كتب التاريخ أن يهود خيبر قد عارضوا زعماء بني النضير في أن تكون خيبر منطلقًا للتآمر وقاعدة للعدوان على المسلمين، ولكن الاحتمال قوى جدًّا في أن يكون زعماء يهود خيبر قد أبدوا شيئًا من العارضة خوفًا على مصيرهم كما فعل يهود بني قريظة عندما حاول شيطان بني النضير إغراءهم بالغدر بالمسلمين.
وعلى أي فقد نجح شيطان بني النضير حيي بن أخطب وباقي زملائه من زعماء بني النضير المنفيين من المدينة. . إذ استطاعوا أن يجعلوا من منطقة خيبر (بالتعاون مع أهلها) قاعدة حربية وسياسية يوجه منها اليهود أي عمل يقدرون على توجيهه ضد المسلمين للقضاء عليهم في يثرب.
لقد رضي يهود خيبر (الذين ظلوا على الحياد إزاء الصراع الناشب بين يهود يثرب والعرب قبل الإسلام وبعده) رضوا في النهاية بأن تدخل خيبر معترك هذا الصراع وأن ترمى بثقلها ضد المسلمين.
فقد وضع يهود خيبر كل إمكاناتهم الحربية والمالية في خدمة أغراض العدوان على النبي - ﷺ - والمسلمين في المدينة، بعد أن أعطى أولئك اليهود قيادهم لشيطان بني النضير (حيى بن أخطب) وباقي سادات بني النضير الذين فرضوا سيطرتهم السياسية وسلطانهم المالى على منطقة خيبر منذ أن نزلوها منفيين من يثرب.
فصاروا بدافع الحقد الأسود على النبي - ﷺ - والبغض العارم للإسلام
[ ٦ / ٤١ ]
يصلون الليل والنهار لرسم خطط التآمر على المسلمين وحبك الدسائس ضدهم، ووضع المشاريع الواسعة لإثارة العرب الوثنيين عليهم، وبمنتهى الحرية.
الأمر الذي ما كان يجرأ يهود بني النضير على ممارسته عندما كانوا يواطنون المسلمين في يثرب لاعتبارات كثيرة أهمها أن هؤلاء اليهود كانوا أقلية بين المسلمين في يثرب ومن السهل مراقبتهم والحد من نشاطهم التآمرى ضد الإسلام والسلمين.
غير أن وجودهم في منطقة يهودية ليس بها مسلم واحد (هي منطقة خيبر) كان من أكبر الأسباب في تضاعف أطماعهم في السيطرة وتكاثف أحلامهم بالعودة إلى يثرب حاكمين.
كما أن وجود بني النضير في خيبر قد هيأ لهم المناخ الكامل لتدبير المؤامرات وحبك الدسائس ورسم خطط الحرب ضد المسلمين بمنتهى الحرية.
فإذا كانت أعمالهم العدوانية التي يهدفون من ورائها إلى الإطاحة بالمسلمين في يثرب عرضة للاكتشاف بسبب كون المدينة قاعدة الإسلام الكبرى ومركز ثقل الوجود الإسلامي، وأن أي اكتشاف لأية أعمال عدوانية من جانب اليهود يعقبه قمع من جانب المسلمين. . الأمر الذي يضطر هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين إلى أن يحيطوا مؤامراتهم العدوانية وخططهم التخريبية ضد المسلمين في يثرب بسياج من السرية التامة وخاصة إذا كانت هذه المؤامرات والخطط يتطلب تنفيذها سفك الدم وإزهاق الأرواح. . فإنهم في خيبر لم يعودوا بحاجة إلى هذه السرية والتكتم عندما يعتزمون العمل ضد المسلمين على أي مستوى من المستويات العدوانية والتآمرية.
لأنه حتى السنة السابعة من الهجرة لم يكن أي وجود لسلطان المسلمين في خيبر، كما أنه حتى تلك السنة لا يوجد أي مسلم في تلك المنطقة التي كان نزول المنفيين فيها من يهود بني النضير في أواسط السنة الرابعة من الهجرة.
[ ٦ / ٤٢ ]
هل فكر اليهود في غزو المدينة؟:
لقد دلت الأحداث وأثبتت الوقائع أن سادات يهود بني النضير (بعد أن دانت لهم خيبر) قرروا (وبمنتهى الإصرار والعناد) أن يستخدموا كل طاقات اليهود من مالية وفكرية وبشرية لهدم كيان المسلمين وإطفاء نور الإسلام في المدينة.
لقد كان كل شيء مادى في خيبر يوحى على نحو، لا يقبل الجدل، بأنه بإمكان اليهود أن يجهزوا (وبكل سهولة) جيشًا ضخمًا لغزو المسلمين في عقر دارهم وحاضرة دولتهم (المدينة).
فيهود خيبر وحدهم (وحسب تقديرات المؤرخين) قادرون على حشد تسعة آلاف مقاتل، فإذا أضفنا إليهم ألفًا من يهود بني النضير المنفيين القادرين على حمل السلاح ومباشرة القتال، اتضح لنا، أن خيبر في ذلك الوقت (وهو السنة الرابعة من الهجرة) قادرة على تجريد قوة ضاربة تبلغ عشرة آلاف مقاتل (١) لمحاربة المسلمين وغزوهم في المدينة التي لا يوجد فيها في تلك السنة أكثر من ألف مقاتل من المسلمين المخلصين.
غير أنه مع هذا لم نَر أحدًا من المؤرخين ذكر (فيما نعلم) أن هناك عزمًا قد تبلور لدى هؤلاء اليهود لأن تقوم قواتهم من خيبر بغزو المسلمين في المدينة.
وليس بالإمكان أن نجد (على وجه التحديد) تفسيرًا لإحجام اليهود في خيبر عن الإقدام على غزو المسلمين، مع توفر الإمكانات المالية والبشرية الضخمة لديهم والتي تمكنهم من أن يقوموا (في سهولة) بمثل هذا الغزو، لأنه حتى الآن لم يصل إلى يدينا شيء من مصادر التاريخ القديمة تفسر لنا سر هذا الإحجام مع رغبة هؤلاء اليهود الملحة في القضاء على المسلمين.
لماذا أحجم اليهود عن غزو المدينة؟
إلا أنه يمكن التكهن بأن هناك سببين رئيسيين حالا دون تحرّك اليهود من خيبر لغزو المسلمين في المدينة.
_________________
(١) انظر إمتاع الأسماع.
[ ٦ / ٤٣ ]
السبب الأول: الطبيعة المتأصلة (آنذاك): طبيعة الجبن التي تجعل هؤلاء اليهود لا يقاتلون إلا من وراء الحصون وداخل القرى المحصنة، وهي طبيعة أشار إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (١).
السبب الثاني: هو أن اليهود في خيبر -بالرغم من مرور عدة قرون على وجودهم في تلك المنطقة العربية- فإن علاقاتهم (بالرغم من قوتهم العسكرية وثرائهم الواسع) ليست على ما يرام مع السكان الأصليين من أعراب القبائل المحيطة بمنطقة خيبر، على الرغم من أن أحدًا من هذه القبائل لم يكن قد دان (حتى ذلك الوقت وهو السنة الرابعة من الهجرة) بدين الإسلام. وبالرغم من شراء اليهود ولاء هذه القبائل العربية الوثنية بين الحين والآخر بالرشاوى.
لذلك كان اليهود (على ما يظهر) يخشون أن تغير هذه القبائل العربية الوثنية على واحة خيبر فتنتهب خيراتها وتسبى نساءها وذراريها حينما تصبح خالية من المحاربين اليهود، عندما يزحفون بجيوشهم لغزو المسلمين في عقر دارهم (المدينة) التي تبعد عن خيبر أكثر من ثمانين ميلًا وهي مسافة بعيدة جدًّا بالنسبة لوسائط النقل في ذلك العصر.
خيبر. . وغزوة الأحزاب:
وأيًا كان سبب إحجام اليهود عن الزحف بأنفسهم على المدينة من خيبر (مع توفر كل الإمكانات لديهم للقيام بهذا الغزو) فإن فكرة الإطاحة بالمسلمين والقضاء عليهم وإطفاء شعلة دعوة الإسلام ظلت قائمة في أذهان هؤلاء اليهود تلح في نفوسهم إلحاحًا شديدًا.
وكان أشد هؤلاء اليهود إلحاحًا في السعي لإبادة المسلمين وحرصًا على نقل المعركة إلى ديارهم في المدينة بأي شكل من الأشكال. . رأس الكفر وأخطر عدو للإسلام عميد الأسرة النضرية حييَّ بن أخطب الذي أعلن -منذ اللحظة الأولى التي قابل فيها النبي - ﷺ - عند مقدمه من مكة
_________________
(١) الحشر ١٤.
[ ٦ / ٤٤ ]
مهاجرًا- بأنه سيحمل له العداوة ما بقى حيًّا (١).
فبعد استبعاد فكرة قيام اليهود أنفسهم بغزو المدينة من حساب مشاريعهم العدوانية اجتمع زعماء هؤلاء اليهود في خيبر لانتهاج أنجع السبل التي يرون أنها كفيلة بنقل المعركة بصورة جدية إلى عقر دار المسلمين للقضاء عليهم قضاء تامًّا لتتحقق أحلام يهود بني النضير السوداء في العودة إلى السيطرة على يثرب المسلمة.
مشروع الغزو الخطير:
وقد كانت نتيجة اجتماعات هؤلاء الزعماء في خيبر هو الاتفاق على مشروع قرار تقدم به (على ما يظهر) شيطان بني النضير حيّى بن أخطب.
وخلاصة هذا المشروع العدواني، هو أن يقوم وفد من زعماء خيبر بالسعى لدى جميع القبائل العربية التي لا زالت على وثنيتها وعدائها للإسلام والمسلمين لتحريضها على حرب المسلمين وإغرائها عن طريق الرشاوى والوعود لتوافق على أن تقوم منها قوات ضاربة مؤتلفة بغزو المسلمين في يثرب غزوًا شاملًا واحتلال المدينة احتلالًا كاملًا بعد إزالة الوجود الإسلامي إزالة تامة.
واتفق زعماء اليهود في خيبر على أن يكون في مقدِّمة المغريات التي يجب أن يغروا بها القبائل العربية الوثنية عند الطواف عليهم التعهد لهم بمنحهم كل ما تنتجه واحة خيبر من مختلف الحبوب والثمار لسنة واحدة بعد نجاح مشروع الغزو، على أن يساهم يهود خيبر (بسخاء كبير) في تحمل جانب كبير من تموينات هذا الغزو الكبير الذي قرر يهود خيبر (بإصرار) على إنجاحه وتحقيق أهدافه ليعودوا على أكتاف غيرهم إلى يثرب فاتحين من جديد.
وهذا يعني أن يهود خيبر قد قرروا استخدام كل إمكاناتهم المادية لإبادة المسلمين في المدينة عن طريق حرب شاملة تقوم بها قوات ضاربة لا من اليهود، ولكن من العناصر الوثنية من قريش والأعراب الذين يسهل
_________________
(١) انظر محاورة حيى بن أخطب أخاه ياسر عند مقدم النبي - ﷺ - مهاجرًا في كتابنا (غزوة بدر الكبرى) ط ٤.
[ ٦ / ٤٥ ]
تحشيدهم عن طريق الرشاوى والإغراء بالسلب والنهي الذي هو عماد الاقتصاد والمصدر الرئيسى للدخل القومى في مجتمع هؤلاء الأعراب الذين أكد شيطان بني النضير (حيى بن أخطب) لزملائه اليهود (وهم يبحثون مشروع نقل المعركة إلى عقر دار المسلمين) أنهم (أيّ الأعراب) سيكونون العمود الفقري لهذا الغزو الذي وضعت خطوطه العريضة في مدينة خيبر، والذي ما كان يهود خيبر يشكون في أنه سيحقق أهدافه بإزالة الوجود الإسلامي من على وجه الأرض.
خيبر تحزب الأحزاب ضد النبي - ﷺ -:
وتنفيذًا لذلك القرار الخطير الذي اتفق عليه المؤتمرون من اليهود في خيبر، شكلت خيبر وفدًا من كبار زعمائها.
تحددت مهمته في الاتصال (أولًا) بمكة مقر القبائل القرشية العدو الرئيسي (يومذاك) للإِسلام والمسلمين، ثم القبائل النجدية ذات العدد والعدة وشدة البأس في القتال من غَطفَان وأسلم وفَزارة وأشجعَ وحلفائهم الذين يشكلون (بعد قريش) الخصم العنيد للإسلام. . وإقناع الجميع بضرورة إقامة اتحاد حربي وحلف عسكرى ضد المسلمين، فتشترك كل هذه القبائل الوثنية على أساسه (وبمساندة، يهود خيبر المادية) في حرب شاملة تستهدف استئصال شأفة المسلمين وإبادتهم.
أعضاء وفد التحزيب:
وقد تكون وفد التحزيب والفتنة والتخريب من الآتية أسماؤهم:
١ - حُيَيَّ بن أخطب من بني النضير.
٢ - سلام بن مِشكم. . من بني النضير.
٣ - كنانة بن أبي الحقيق. . من بني النضير.
٤ - أبو عامر (الملقب بالفاسق). . عربي من الأوس.
٥ - هوذة بن قيس الوائلى. . عربي متهود.
[ ٦ / ٤٦ ]
ويلاحظ هنا أن الأعضاء اليهود في هذا الوفد كلهم من يهود بني النضير (إذا استثنينا) هوذة بن قيس الوائلى وهو (على ما يظهر) وكما يدل اسمه عربي دان باليهودية. . وهذا مما يؤكد الرأي الذي ذهبنا إليه فيما مضى وهو أن يهود بني النضير قد بسطوا سيطرتہهم الكاملة علي يہهود خيبر، وصاروا (منذ وصولهم إليهہامن منفاهم) سادتها الفعليين يديرون أهلها كما يريدون.
أما أبو عامر الراهب (كما يسميه أتباعه) و(الفاسق) كما يسميه المسلمون، فهو العربي الوثنى الوحيد في هذا الوفد. . وكان أبو عامر هذا قد لجأ إلى اليهود في خيبر بعد فشل الحملة التي قامت بها قريش والتي كانت نتيجتها معركة أحد التاريخية التي قاتل فيها أبو عامر هذا إلى جانب قريش ضد المسلمين بالرغم من أنه من الأوس ومن سكان المدينة العرب.
نجاح وفد العدوان في مهمته:
وقد خرج وفد اليهود من خيبر لأداء مهمته الموكولة إليه بعد مرور حوالي أربعة أشهر فقط على نفى عهود بني النضير من المدينة إلى خيبر.
وقد اتجه وفد خيبر أول ما اتجه إلى مكة ثم إلى نجد بالرغم من أن قريشًا تأتى من ناحية القوة العسكرية في المرتبة الثانية بعد القبائل النجدية إلا أن قريشًا كانت لها الصدارة في ميدان العداوة للنبي - ﷺ - والحقد على الإسلام. وسبق لها أن خاضت ضد الإسلام أعنف المعارك في بدر وأحد.
لهذا (وبالرغم من أن منازل القبائل النجدية الوثنية الداخلة ضمن نطاق مشروع التحريض على المسلمين) أقرب بكثير إلى منطقة خيبر، مقر اليهود الرئيسى ووكر التآمر ومصدر الإعداد والتخطيط لغزو المسلمين، فقد فضل وفد خيبر أن يتصل (أولًا) بزعماء قريش في مكة لإطلاعهم على مشروع اليهود العدوانى الذي أعدوه لغزو المسلمين في المدينة.
وقد استقبل مشركو مكة وفد يهود خيبر أحسن استقبال واحتفلوا بهم غاية الاحتفال، وخاصة بعد أن عرف سادات مكة أن الدافع لمجئ وفد يهود خيبر إلى مكة هو السعي للإطاحة بالمسلمين وإطفاء شعلة الدعوة الإسلامية إلى الأبد.
[ ٦ / ٤٧ ]
وقد شرح زعماء وفد خيبر لقادة قريش وجهة نظر يهود خيبر وأطلعوا القرشين علي كامل تفاصيل المخطط العدواني الذي رسموه في خيبر لغزو المدينة وسحق المسلمين فيها.
وقد لقي هذا المشروع اليہهودي من قريش كل استحسان وقبول، فأعلنوا موافقتهم المطلقة عليه وتأييده، وأبدوا للوفد اليهودى استعدادهم لتنفيذه في الوقت الذي يتفق عليه الجميع.
ذلك أن سادات قريش رأوا في مشروع الغزو اليهودى فرصة ذهبية ما كانوا يحلمون بها وهي استعداد غيرهم لمشاركتہم في حرب شاملة تستهدف تحقيق ما عجزت قريش عن تحقيقه طيلة أربع سنوات وهو القضاء على المسلمين وقطع تيار دعوة الإسلام نهائيًا. . الأمر الذي فشلت قريش في تحقيقه فشلًا ذريعًا عندما ألقت بثقلها في المعركة من أجل تحقيقه، وقامت بمحاولاتها العسكرية الضخمة في حملة بدر وغزوة أحد.
حيث تحطمت سمعتها العسكرية في الأولى تحطيمًا فظيعًا على أيدى المسلمين، وعجزت في الثانية عن تحقيق أي شيء من أهدافها الرئيسية حيث عادت إلى مكة تجر أذيال الخيبة والخسران بالرغم من حشدها كل إمكاناتها المادية والبشرية والحربية في هذه المعركة.
لذلك فرحت قريش فرحَّبت بمشروع يهود خيبر ووافقت عليه دونما أي قيد أو شرط، وتم الاتفاق بين اليهود وقريش على أن يكون ميعاد ضرب الحصار على المدينة في شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة، بعد موافقة القبائل النجدية الوثنية من غطفان وسليم وأشجع وفزارة وأسد.
وفد اليهود التحزيبي في نجد:
وبعد أن حصل وفد يہهود خيبر علي موافقة قريش علي مشروع الغزو الذي جاءوا يحملونه من خيبر والذي يستهدف القضاء على الإسلام والمسلمينن، توجه رجال هذا الوفد اليہهودي صوب صحاري نجد للاجتماع بسادات وزعماء القبائل الوثنية فيها ليعرضوا عليهم مشروعهم العدواني
[ ٦ / ٤٨ ]
ويشرحوا أهدافه ويطلبوا موافقتهم عليه كما وافق عليه زعماء قريش في مكة.
ولقد طاف رجال هذا الوفد بين مضارب القبائل الرئيسية المحاربة في نجد. باذلين كل إمكاناتهم المادية والإعلامية لإغراء هذه القبائل بالمسلمين وتحريضها على حرجهم، شارحين لهم (وبأسلوب الدعاية اليهودية الماكرة الخبيثة المعروفة) أن اشتراك هذه القبائل في غزو المسلمين سيعود عليها بأعظم المكاسب، لا سيما وأن هذا الغزو يستهدف وضع حد لخطر تزايد نفوذ سلطان المسلمين الذين هم العدو المشترك لكل الفئات الثلاث (اليهود. . وقريش. . والوثنين في نجد) والذين قد أوترتهم جميعًا الهزائم التي أنزلها بهم المعسكر الإسلامي في مختلف الصدامات الدامية التي نشبت بينهم.
الترحيب بالوفد اليهودى في نجد:
ولدى وصول وفد خيبر إلى نجد لقى من الترحيب وحسن الاستقبال ما لا يقل عما لقيه من زعماء قريش في مكة.
لأن الفريقين في مكة ونجد يلتقون (مع يهود خيبر) عند نقطة رئيسية واحدة وهي الكره الشديد للإسلام، والعداوة للنبي محمد - ﷺ -. . بالإضافة إلى غرام هؤلاء البدو الوثنيين من أعراب نجد بالسلب والنهب الذي هو (منذ أقدم العصور) قوام حياتهم الاقتصادية.
لذلك لم يتردد زعماء العشائر النجدية في الموافقة (من حيث المبدأ) على مشروع الغزو الذي جاء يحمله إليهم شيطان بني النضير حيي بن أخطب وباقي أعضاء وفده من خيبر.
إلا أنه إذا كانت الرغبة في نقل المعركة إلى المدينة بغزو المسلمين فيها قد اتحدت (من حيث الأصل) بين يهود خيبر والوثنيين في مكة ونجد، فإن الباعث لدى هؤلاء الفرقاء الثلاثة لم يكن واحدًا، إذ لكل منهم غايته المحددة وهدفه المخصوص الذي يختلف عن هدف الآخر.
فإذا عرفنا (كما هو الواقع) أن باعث رغبة قريش في غزو المسلمين
[ ٦ / ٤٩ ]
وخضد شوكتہهم هو باعثًا سياسيًا وعقائديًا، حيث صار القلق (بشدة) يساور قريشًا من أن تتم السيطرة للإسلام على جزيرة العرب، فيكون ذلك سببًا في هدم مركز قريش الروحى والأدنى بين قبائل عرب الجزيرة الوثنيين الذين ينظرون إلى قريش نظرة التبجيل ويكنون لهم قسطًا وافرًا من الاحترام والاعتراف بالسيادة الروحية، باعتبار الأماكن التي يقدسها هؤلاء العرب على اختلاف مذاهبهم الوثنية تقع ضمن أراضى قريش وفي ظل سيادتها وتحت حمايتها.
وإذا عرفنا أن مبعث الرغبة الملحة لدى جهود خيبر (واضعى خطوط هذا المشروع العدوانى) في القضاء على المسلمين هو (في الدرجة الأولى) الانتقام والانفراد بالسلطان وفرض ديكتاتورية المال من جديد على يثرب. . فإن الباعث لدى أعراب نجد (في الدرجة الأولى) هو الحصول على المال لأنهم أقوام عاشوا عمرهم على السلب والنهب.
ولهذا وجد هؤلاء الأعراب في مشروع الغزو الذي عرضه عليهم وفد خيبر، فرصة قد تحقق لهم ما يمنّون النفس به (منذ أمد بعيد) من انتهاب خيرات واحات المدينة عن طريق السلب والنهب إذا ما واتاهم الحظ فنجحوا في التغلب على المسلمين واحتلال عاصمتهم المدينة بالاشتراك مع قريش واليہهود كما هو أساس المشروع اليہهودي للغزو.
مساومة أثناء المفاوضة:
ومع فرحة أعراب نجد بمشروع اليهود العدوانى ورغبتهم في المشاركة في غزو المدينة، فإنهم (وقد علموا حرص اليهود الشديد على تنفيذ هذا المشروع) أظهروا بعض التحفظ أثناء المفاوضة مع وفد خيبر ليجبروا هؤلاء اليهود على الدخول معهم في مساومة يحصلون في ظلها على شيء من المال من هؤلاء اليهود الذين يكتنزون منه الشيء الكثير.
وقد أدرك أعضاء وفد خيبر ما يهدف إليه أولئك الأعراب النجديون من وراء التحفظ المصطنع الذي أبدوه أثناء المفاوضة. . فدخلوا معهم في المساومة التي انتهت بأن يتعهد يهود خيبر بإعطاء القبائل النجدية الوثنية التي
[ ٦ / ٥٠ ]
تشترك (وفق المخطط اليہهودي) في غزو المدينة. . كل ما تنتجه خيبر من ثمار النخيل وباقي مختلف الزروع لسنة واحدة.
وعلى أساس هذا الاتفاق قبلت أربع قبائل نجدية رئيسية الاشتراك في غزو المسلمين حسب التخطيط اليہهودي.
وهذه القبائل هي: (١) أشجع، (٢) أسْلم، (٣) أسد، (٤) فَزارة. وكل هؤلاء من غطفان.
وكأن الاتفاق بين الوفد اليهودي وبين هذہ القبائل النجدية خاتمة مساعي الوفد اليہهودي الناجحة.
إذ تم (كما يريد هذا الوفد) تكوين أكبر اتحاد عسكري وثني يهودي شهدته الجزيرة العربية ضد المسلمين.
وقد حدد اليهود والقبائل الوثنية النجدية بالاتفاق مع قريش ميعادًا لاحتشاد جيوش هذا الاتحاد الآثم حول المدينة للهجوم عليها وهو شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة.
وقد كانت نسبة قوات كل من الفرقاء في جيش هذا الاتحاد العسكري الخطير كما يلي:
١ - القبائل النجدية ٦٠٠٠ ستة آلاف مقاتل.
٢ - قريش وأحلافها ٤٠٠٠ آربعة آلاف مقاتل.
٣ - اليهود ١٠٠٠ ألف مقاتل من يهود المدينة (بني قريظة) تعهد سيد بني النضير (حُيَيّ بن أخطب) للقبائل النجدية وقريش أن ينضم هذا الألف من اليهود إلى قوات الاتحاد بمجرد عسكرتها في ضواحي المدينة.
وهكذا لم يعد وفد العدوان اليهودي الذي خرج بمخططه الإجرامي من خيبر، لم يعد هذا الوفد إلا وأعضاؤه يجّرون خلفهم عشرة آلاف مقاتل من مشركى العرب أخذت مواقعها حول المدينة في الميعاد المحدد وأحاطتها كما يحيط البحر الهادر بالجزيرة الصغيرة.
وكانت قوة المسلمين التي عليها أن تواجه هذه القوات الوثنية الضاربة لا يزيد عددها (في أصح التقديرات) على ألف مقاتل.
[ ٦ / ٥١ ]
آخر حلقة في سلسلة الإجرام اليهودي:
وكانت آخر حلقة في سلسلة مساعى يهود خيبر الإجرامية للقضاء على الإسلام وسحق المسلمين وإبادتهم، هي نجاح شيطان بني النضير حيي بن أخطب في إقناع يهود بني قريظة القاطنين في المدينة (وعددهم حوالي ألف مقاتل) بأن يغدروا خلفائهم المسلمين فينقضوا العهد الذي بينهم وينضموا إلى قوات الأحزاب الغازية فيضربوا قوات الجيش الإسلامي من الخلف ساعة الصفر.
وهھكذا أوقع نجاح هذا المخطط اليہهودي الإجرامي الذي نسجت خيوطه في خيبر. . أوقع المسلمين في أقسى محنة عرفها تاريخهم منذ بزغت شمس الإسلام.
حيث وجد هؤلاء المسلمون الذين - لا تزيد قوتهم على ألف مقاتل - أنفسهم بين براثن أخطبوط الأحزاب الرهيب الذي بلغت قواته العسكرية المتحدة (بعد خيانة يهود بني قريظة) أحد عشر ألف مقاتل كانوا (بالإضافة إلى هذا العدد الغامر) يتفوقون على المسلمين في كل شيء مادى.
ولقد أطبقت قوات الأحزاب هذه على المسلمين من كل جانب في حصار خانق مرعب رهيب ظل يضغط بعنف متزايد على عنق القلة المسلمة حتى درجة الاختناق.
ولعل أصدق وصف لتعاظم الخطر وتفاقم المحنة التي جلبها يهود خيبر بسعيهم الإجرامي للمسلمين في غزو الأحزاب المرغبة تلك، هو الوصف الذي جاء في سورة الأحزاب وهو قوله تعالى:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١).
فقد وصل المسلمون في تلك الغزوة المخيفة التي (بدافع من الحقد الأسود) أثار يهود خيبر عواصفها المزلزلة، وصلوا إلى قاب قوسين أو أدنى من الانہهيار والزوال.
_________________
(١) الأحزاب: ١٠ - ١١.
[ ٦ / ٥٢ ]
لشدة ما تقاطر على هؤلاء المسلمين من محن وتحالف ضدهم من بلايا وويلات أخذ بعضها برقاب بعض. . وظلت (طيلة ليالى العدوان الحالكة تلك (تضغط - بضراوة وقسوة - على رئة الكيان الإسلامي دونما أي تراخ حتى كادت تقطع أنفاسه إلى الأبد.
الأمر الذي كان يوحى على نحو ساحق (بالنسبة للواقع المادى المحسوس الماثل على السطح) بأن سقوط المدينة في أيدى قوات الأحزاب واليهود أمر لا مفر منه.
وأن مسألة هذا السقوط، هي مسألة وقت فقط. . قد يمتد لعدة أيام أو ينتهى في خلال ساعات، لأن ميزان مصير المسلمين في تلك الأيام الأخيرة الحالكة، وصلت شوكته حدود الصفر، وأخذت تهتز وكأنها مائلة نحو إعلان نهاية المسلمين.
وما كان يهود خيبر، الرأس المفكر والمدبر لهذا الغزو المرعب المخيف. . ما كان هؤلاء اليهود يشكون لحظة في هذه النهاية التي يشير كل شيء مادي محسوس بأنها محتومة. . وقد كادت تكون كذلك، لولا أن الله تعالى أنقذ المسلمين بمعجزة من عنده، حيث تغير الموقف (في اللحظات الأخيرة من ساعات المصير) لصالح المسلمين فجاة، وعلى خلاف ما كان يتوقع الفريقان المتحاربان كلاهما.
وما زال الموقف آخذًا في التحول عكسًا وبشكل سريع ضد مصلحة اليهود وقوات الأحزاب حتى انفرط عقد تحالفها بعد أن نشب الخلاف والشقاق بين مختلف أجنحتها، فاندحرت بعد أن فكت الحصار عن المدينة تجر خلفها أذيال الهزيمة والفشل تاركة عناصر الخيانة والغدر والتآمر من المسلمون مهم جزاء غدرهم وتآمرهم. والذي أنزلوه فعلًا بيهود بني قريظة حيث أعدم المسلمون من هؤلاء اليهود حوالي ثمانمائة مقاتل وصادروا كل ممتلكاتهم.
وقد فصلنا كل الأحداث التي سبقت وواكبت عمليات الأحزاب في هذا الغزو المخيف، فصلناها في كتابنا (غزوة الأحزاب) وهو الكتاب الثالث من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة. كما فصلنا الحملة التأديبية التي
[ ٦ / ٥٣ ]
فيها أباد المسلمون كل المقاتلين من خونة بني قريظة فصلناها في كتابنا (غزوة بني قريظة) وهو الكتاب الرابع من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة.
فليرجع إلى هذين الكتابين من أراد الاطلاع على التفاصيل الدقيقة لما حدث في حملة الأحزاب المحيفة المرعبة وما حدث في العمليات العسكرية التي قام بہها المسلمون لقطع دابر اليہهود النا كثين الغادرين المتآمرين من بني قريظة في يثرب (١).
اليهود في خيبر بعد فتحها:
وعندما تمت السيطرة الكاملة للمسلمين على خيبر (كما هو مفصل في هذا الكتاب) كانت اتفاقية التسليم النهائية التي بموجبها استسلم يهود الشطر الثاني من المدينة، تنص على أن يجلو جميع اليهود منها إلى الشام، غير أن اليهود عرضوا على النبي - ﷺ - أن يبقوا في خيبر ليقوموا باستصلاحها وزراعة أراضيها لأنهم أخبر بها، فقبل النبي - ﷺ - عرضهم وسمح لهم بالبقاء فيها ليعملوا في زراعتها مقابل حصولهم على نصف المحصول من ثمارها، واشترط في الاتفاقية على أن من حق المسلمين أن يخرجوا اليهود من خيبر متى أرادوا (٢).
إجلاء اليهود في عهد الفاروق:
وقد استمر اليہهود في خيبر، بأيديهم أرضها يعملون فيها حسب الاتفاقية، طوال عهد النبي - ﷺ - وخلافة الصديق، إلى أن أجلاهم الخليفة الثاني.
والسبب في إجلائهم أولًا: أن اتفاقية المساقاة والمزارعة التي عقدها
_________________
(١) قد يكون في هذا الاستطراد شيء من التكرار لما جاء عن اليهود في كتبنا الثلاثة (غزوة أحد، وغزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة) إلا أن طبيعة البحث لإعطاء القارئ الكريم لمحة كافية عن تاريخ يهود خيبر تضطرنا إلى هذا الاستطراد، فمعذرة.
(٢) انظر بنود الاتفاق في هذا الكتاب. وانظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧١٧.
[ ٦ / ٥٤ ]
النبي - ﷺ - تنص على أن من حق المسلمين إجلاءهم متى أرادوا، وثانيًا أن اليهود بالرغم من تمتعهم بكامل الحرية بعد السماح لهم بالعمل في خيبر بعد هزيمتهم، ظلت روح التآمر والكيد للمسلمين تسيطر على نفوسهم الشريرة.
فقد ارتكبوا أعمالًا ضد المسلمين تدل على أنهم لن يكفوا عن العمل ضدهم حتى وإن لم يعد لهم سلطان أو نفوذ في خيبر.
وقد بدأوا بممارسة أعمالهم الشريرة ضد المسلمين والنبي - ﷺ - لا يزال على قيد الحياة، فمن ذلك أنهم قاموا باغتيال عبد الله بن سهل أحد أصحاب النبي - ﷺ - في منطقة النطاة، وبالرغم من أن المقتول وجد جثة في ديارهم، والقرائن تدل على أنهم قتلوه، فإن النبي - ﷺ - لم يعاقبهم، لأن التحقيقات التي أجراها مع إليهہود لم تثبت إدانتہهم من وجهھة نظر القانون الإسلامي، ولذلك أمر النبي - ﷺ - بدفع دية القتيل من بيت مال المسلمين (١) غير أن اغتيال عبد الله بن سهل ظل عالقًا بأذهان المسئولين في المدينة كقرينة من القرائن على إجرام اليهود.
استخدام اليهود لبعض النصارى في اغتيال المسلمين:
وفي عهد الخليفة الفاروق كثرت مؤامرات الاغتيال والتخريب من قبل اليهود في خيبر، ومن ذلك أن مظهر بن رافع الحارثي (٢) استقدم عشرة من نصاري الشام يعملون بأرضه فأقبل حتى نزل بہهم خيبر فأقام بهہاثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود وقال لهم: أنتم نصارى ونحن يهود، وهؤلاء قوم قد قهرونا بالسيف، وأنتم عشرة رجال أقبل رجل واحد منهم يسوقكم من أرض الخمر والخير إلى الجهد والبؤس، وتكونون في رق شديد، فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه، قالوا: ليس معنا سلاح فدسّ اليہهود إِليہهم سكينين أو ثلاثة فخرجوا، وقد اعتزموا تنفيذ ما أوحى إليهم به اليهود.
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه القصة في مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧١٥ وما بعدها.
(٢) هو مظهر بن رافع بن عدي الأنصاري، قال الواقدي: شهد أحدًا مع رسول الله - ﷺ -، وعاش إلى عهد الخليفة عمر حيث قتله أعلاج من عبيده بخيبر، وكان قد أقامهم له في أرضه يعملون.
[ ٦ / ٥٥ ]
فلما وصلوا إلى ثبار (١) في طريقهم إلى المدينة - مع مظهر بن عبد الله الحارثى - قال مظهر لأحدهم: ناولنى كذا وكذا، فأقبلوا إليه جميعهم قد شهروا سكاكينهم فخرج مظهر يعدو إلى سيفه ولكنهم بعجوا بطنه قبل أن يخرج السيف من قرابه، وبعد أن قتلوه عادوا إلى خيبر، فآواهم اليهود وأخفوهم ثم زودوهم وأعطوهم قوة فلحقوا بالشام.
الخليفة يأمر بجلاء اليهود:
فلما جاء خبر مقتل مظهر إلى الخليفة الفاروق وقف خطيبًا في المدينة وقال: أيها الناس إن اليهود فعلوا بعبد الله ما فعلوا (٢) وفعلوا بمظهر بن رافع مع عدْوتهم على عبد الله بن سهل في عهد رسول الله - ﷺ -، لا شك أنهم أصحابه (أي مظهر بن رافع) ليس لنا عدو غيرهم، فمن كان له بها (أي خيبر) مال فليخرج فأنا خارج فقاسمٌ ما كان بها من الأموال وحاد حدودها وموف ارفها (٣) ومجلى اليهود منها، فإن رسول الله - ﷺ - قال لهم: (أقركم ما أقركم الله) وقد أذن الله في جلائهم إلا أن يأتي رجل منهم بعه أو بينة من النبي - ﷺ - أنه أقرَّه فأقِره، فقام طلحة بن عبيد الله فقال: قد والله أصبت يا أمير المؤمنين ووفقت. فقال له عمر: من معك على مثل رأيك؟ قال: المهاجرون جميعًا والأنصار، فسرّ بذلك عمر.
وكان عمر (مع ذلك بلغه عن النبي - ﷺ - عن الثقات) أنه قال (وهو في مرض موته): لا يجتمع بجزيرة العرب دينان، فأرسل إلى يهود خيبر و(فدك) يخبرهم بأنه قد قرَّر إجلاءهم إلا من كان عنده عهد من رسول الله - ﷺ - (٤).
_________________
(١) ثبار (بكسر أوله) قال ياقوت: موضع على ستة أميال من خيبر، هناك قتل عبد الله بن أنيس أسير بن رازم.
(٢) كان اليهود قد اعتدوا على عبد الله بن عمر فخلعوا يده وهو نائم فلم يتخذ الخليفة ضدهم أي إجراء.
(٣) الأرف جمع أرفة وهي الحدود والمعالم قاله في النهاية ج ١ ص ٢٨٢.
(٤) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧١٤ وما بعدها.
[ ٦ / ٥٦ ]
تعويض يهود فدك عند الجلاء:
وقد أجلى الخليفة الفاروق يهود خيبر جميعًا ويهود فدك، لأن فدك تعتبر من أرباض خيبر إذ لا تبعد عنها إلا عدة أميال.
وقد أجلى الخليفة هؤلاء اليهود بعد أن سمح لهم باصطحاب جميع ما يملكون من أموال منقولة، هذا بالنسبة ليهود خيبر، أما بالنسبة ليهود (فدك) فقد دفع لهم الخليفة عمر تعويضًا عادلًا عن نصف الأرض التي كانت بأيديهم (١)، لأنها كانت لهم بموجب اتفاقية التسليم بينهم وبين النبي - ﷺ - (٢).
أما يهود وادي القرى ويهود تيماء، فلم يخرجهم الخليفة من الجزيرة (٣) فيهود تيماء أهل ذمة صالحوا المسلمين على دفع الجزية ولم يحاربوا (٤)، وأما يہهود وادي القري فلربما أن عدم إجلائهم (كيہهود خيبر) راجع إلى عهد لديهم من رسول الله - ﷺ - يحق لهم بموجبه البقاء في الوادي، والله أعلم.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٢١.
(٢) انظر تفاصيل هذه الاتفاقية في موطنها من هذا الكتاب.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧١١.
(٤) انظر خبر هذا الصلح في مكانه من هذا الكتاب.
[ ٦ / ٥٧ ]
الفصل الثاني
• التہهيؤ للغزو.
• النفير العام بين أصحاب الحديبية.
• النبي يرفض انخراط المخلفين عن الحديبية في الجيش.
• المسلمون والطابور الخامس في المدينة.
• خيبر تستعد لمواجهة المسلمين.
• اليہهود يستنجدون بغطفان ضد المسلمين.
• النبي يعرض على غطفان ثمار خيبر مقابل التزامهم الحياد فيرفضون.
• غطفان تخذل اليهود وتعود إلى بلادها فجأة.
• التفاوت الهائل في كل شيء بين القوتين المتحاربتين.
• اختلاف قادة اليهود حول خطة الدفاع عن خيبر.
• أحد زعماء اليهود يقترح عليهم الزحف على المدينة.
[ ٦ / ٥٨ ]
وعد الله المسلمين بفتح خيبر
ذكرنا في كتابنا (صلح الحديبية) أن الله تعالى قد وعد المسلمين بأنهم سيفتحون خيبر وسيحصلون فيها على غنائم كبيرة، وذلك في قرآن أنزله تعالى على نبيه، وهو راجع من الحديبية بعد إبرام ذلك الصلح التاريخي مع مشركي مكة، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) أي فتح خيبر (٢)، كذا قاله أصحاب المغازي والسير.
ولقد كان هذا الوعد الإلهي بمثابة تطمين للمسلمين وتثبيتًا لعزائمهم، فلم يعد لأحد منهم (وعلى رأسهم نبيهم الكريم) شك في أن الله سيفتح عليهم خيبر ويجعلها بواحاتها الخضراء الواسعة وحدائقها النضرة غنيمة لهم جزاء ثباتهم ووقوفهم إلى جانب نبيهم العظيم في السَّراء والضَّراء، كما أن وعبد الله لهم بفتح خيبر بمثابة عزاء لهم عما لاقوه من كرب نفسي نتيجة قبول النبي - ﷺ - للشرط الذي صُدُّوا بموجبه عن المسجد الحرام عام الحديبية.
ابتهاج المسلمين بغزو خيبر:
وعندما أعلن النبي - ﷺ - استنفار أصحابه للزحف علي خيبر، عمَّت المسلمين موجة من الفرح والابتهاج، لأنهم كانوا حريصين كل الحرص على الجهاد الذي هو السبيل الوحيد لنيل أعلى الدرجات عند الله تعالى عن طريق الاستشهاد في سبيله.
عدم قبول تجنيد المخلفين:
جاء في كتابنا الخامس (صلح الحديبية) أن النبي - ﷺ - لما اعتزم القيام بالعمرة إلى مكة في السنة السادسة من الهجرة طلب من كل المنتسبين إلى الإسلام في الحاضرة والبادية أن يصحبوه في هذه العمرة، وأمر مناديًا ينادى بذلك.
_________________
(١) الفتح ٢٠.
(٢) انظر تفسير الآية في تفسير ابن كثير والكشاف والطبرى وتفسير الشوكانى، وانظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٢١.
[ ٦ / ٥٩ ]
غير أنه بالرغم من كثرة المنتسبين إلى الإسلام في تلك الفترة، فإنه لم يستجب لهذا النداء النبوى إلا عدد قليل من أصحابه الأوفياءُ وهم الصفوة المختارة الذين أعلن الله تعالى رضاءه عنهم وهم يبايعون النبي - ﷺ - تحت الشجرة في الحديبية بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١) الآية، وكان عدد الصفوة المختارة من هؤلاء الرجال ألف وأربعمائة.
أما المنافقون من أهل المدينة وضعاف الإيمان من الأعراب (وعدد الجميع غير قليل) وهم الذين سماهم الله بالمخلفين. . فقد تخاذلوا فلم يستجيبوا يومها لنداء الرسول - ﷺ - إذ قرروا عدم مصاحبته في هذه الرحلة التاريخية لأداء العمرة.
وذلك لما رسخ في أذهانهم المريضة من أن النبي - ﷺ - سيلاقي متاعب شديدة في هذه الرحلة وأنه ومن معه قد يتعرضون لحرب ضروس تشنها عليهم قريش التي كانت أيامها في حالة حرب مع المسلمين.
ولما كان رصيد هؤلاء المنافقين من الإيمان غير موجود فقد انعدم في نفوسهم باعث التضحية وركوب الأخطار في سبيل الله، عكس المؤمنين الصادقين الذين لبُّوا نداء نبيهم وقرروا الذهاب معه إلى مكة مهما كانت الأخطار التي يتوقعون (دونما شك) أنها ستحف بهذه الرحلة.
وذكرنا في الكتاب الخامس (صلح الحديبية) أن المحلفين من منافقى الأعراب وأهل المدينة (لينجوا بأنفسهم من المخاطر التي قد يتعرض لها النبي - ﷺ - ومن يصاحبه في هذه العمرة) تثاقلوا وتخلفوا عن ركب الإيمان، متعللين بشتى الأعذار الكاذبة. . ومن ذلك أن اشتغالهم بأهليهم وأموالهم لا يسمح لهم بأن يكونوا مع النبي - ﷺ - في هذه الرحلة، وهو عذر باطل فنَده القرآن وردَّه عليهم: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
إلى أن قال تعالى كاشفًا دخائل أنفسهم المريضة: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ
_________________
(١) الفتح ١٨.
[ ٦ / ٦٠ ]
يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (١).
ومع هذا التخاذل والتلكُّؤ فقد تركهم النبي - ﷺ - وشأنهم فلم يتخذ ضدهم أيَّ إجراء بل وحتى لم يندد بهم حتى أنزل الله فيهم قرآنًا كشف واقعهم السئ المشين.
ومضى رسول الله - ﷺ - وأصحابه لشأنهم وخرجوا من المدينة لأداء العمرة، وقد لقوا كثيرًا من المتاعب إلا أن الله تعالى أيَّدهم بنصره وتوفيقه فعادوا سالمين بعد أن سجلوا أعظم نصر أدبي وسياسي وعقائدي كما فصلناه في كتابنا الخامس من هذه السلسلة - صلح الحديبية -.
وعقب عودة المسلمين من الحديبية عظمت هيبتہم وتعاظم سلطانہهم بعد أن ارتفع رصيدهم من القوة فور توقيعهم على صلح الحديبية التاريخي وبعد أن فرضوا هيبتهم على قريش (عدوهم الرئيسى) بإجبارها على الاعتراف بهم وعقد هدنة تضع الحرب أوزارها بموجبها عشر سنوات.
وعندما أعلن النبي - ﷺ - التعبئة بين أصحابه للزحف على خيبر، تقدم هؤلاء المخلفون إلى النبي - ﷺ - وأكدوا رغبتهم في الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر ومشاركة المسلمين في شرف الجهاد.
ولم يكن هدفهم في الواقع من إبداء هذه الرغبة نيل شرف الجهاد في سبيل الله كما هو شأن الصفوة المختارة من أصحاب محمد - ﷺ - الذين صاحبوه في عمرة الحديبية. . وإنما كان هدف هؤلاء المخلفين هو المشاركة في الحصول على الغنائم العظيمة التي وعد الله بها المؤمنين في خيبر، والتي أيقن هؤلاء المخلفون أن النبي - ﷺ - وأصحابه سيظفرون بها لا محالة.
غير أن النبي - ﷺ - وقد أخبره الله تعالى بحقيقة غايات هؤلاء المخلفين من إبداء الرغبة في الاشتراك في غزو خيبر، وأنها غايات وأهداف مادية دنيوية صرفة بعيدة كل البعد عن نية الجهاد وقصد الاستشهاد في سبيل الله، أبي - ﷺ - عليهم أن يشاركوه في هذا الغزو، لأن الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا
_________________
(١) الفتح ١١.
[ ٦ / ٦١ ]
كشف حقيقتهم وأمر نبيه بأن يمنعهم من الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر فقال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ (١).
وتنفيذًا لهذا الأمر الإلهى أعلن النبي - ﷺ - أنه لن يشترك معه في غزو اليهود في خيبر إلا أصحاب الشجرة الذين حضروا الحديبية وعددهم ألف وأربعمائة.
أما الذين تخلفوا عن الحديبية (وهم الذين عناهم القرآن بالمنع) فقد قال لهم النبي - ﷺ - لما جاءوه يستأذنونه في الخروج معه إلى خيبر قال لهم: لا تخرجوا معى إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا (٢).
وجاء في السيرة الحلبية أن النبي - ﷺ - أمر مناديًا ينادى بأن الذين تخلفوا عنه عام الحديبية ويرغبون في الخروج معه إلى خيبر فإنهم لن يعطوا شيئًا من غنائمها.
وكأنَّ النبي - ﷺ - أراد بهذا (على ما يظهر) امتحان هؤلاء المخلفين ومعرفة الصادق منهم من الكاذب.
ذلك أنهم بتخلفهم عن النبي - ﷺ - في تلك الرحلة التاريخية المحفوفة (فعلًا) بالأخطار. . الرحلة التي انتہهت بصلح الحديبية. . أثبتوا أنهم ليسوا على مستوى الإيمان واليقين الذي يحتم عليهم (وقد انتسبوا إلى أسرة الإسلام) أن يكونوا إلى جانب النبي - ﷺ - في السراء والضراء وفي المنشط والمكره.
إذ ظهر بما لا يدع مجالًا للشلك أن باعث تخلفهم عن الرسول - ﷺ - عام الحديبية إنما كان (فقط) خوفهم من أن يكون المسلمون عرضة لحرب ضروس تشنها عليهم قريش في هذه الرحلة، وبهذا أدانوا أنفسهم بأنهم
_________________
(١) الفتح ١٥.
(٢) مغازي الواقدي ٢ ص ٦٣٤.
[ ٦ / ٦٢ ]
ليسوا مع المسلمين إلا إذا تأكد لديهم أن في ذلك مغنمًا دون التعرض لأى مغرم، وهذه هي صفات النفعيين الانتهازيين الذين تأتى فئة الباطنيين من المنافقين هؤلاء في مقدمتهم.
ولذلك كان منع النبي - ﷺ - لهم من الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر إلا من كان راغبًا في الجهاد الصادق، ولن يكون هناك دليل على صدقه سوى موافقته على أن لاحظ له في الغنيمة إذا ما اشترك في قتال اليهود في خيبر. . كما أبلغ النبي - ﷺ - هؤلاء المخلفين صراحة - كان منعه - ﷺ - لهم بمثابة لوم لهم على تخلفهم عنه عام الحديبية، وفي الوقت نفسه كان اختبارًا لمن يمكن أن يكون الله تعالى قد أصلحه.
إلا أنه (فيما وصل إلى علمنا) لم يثبت أن أحدًا من هؤلاء المخلفين قَبلَ إسقاط حقه في الغنيمة وانخرط في الجيش النبوى مخلصًا الجهاد لله ﷾. . ولذلك فإنه لم يشهد معارك خيبر سوى أصحاب الشجرة ممن حضروا صلح الحديبية وعددهم ألف وأربعمائة.
النساء في الجيش:
إلا أن النبي - ﷺ - سمح لعشرين امرأة من نساء الصحابة بالخروج مع الجيش لمساعدة المحاربين في الإسعاف وإغاثة الجرحى بالماء والطعام أثناء القتال وما شابه ذلك، وكان من بين هؤلاء النسوة صفية عمة رسول الله - ﷺ - وأم سُليم وأم عطية الأنصارية وأم عمارة.
فقد روى عن إحداهن أنها قالت: قلت: يا رسول الله إن نسوة قد أردن الخروج معك نعين المسلمين ما استطعنا فقال: على بركة الله (١).
وهؤلاء النسوة (بالتأكيد) لسن كلهن ممن حضر الحديبية، إلا أنه لا يكن اعتبارهن في عداد المخلفين، لأن الأمر بمصاحبة الرسول - ﷺ - في تلك الرحلة لا يتناولهن وإنما يتناول الرجال فقط، ولهذا لا يمكن اعتبارهن من المخلفين. . لذلك لم يمانع الرسول - ﷺ - في أن يكن معه في غزوة خيبر وفي هذه الغزوة خرج معه من نسائه زوجته أم سلمة (٢).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٨١.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٦.
[ ٦ / ٦٣ ]
نموذج من الديمقراطية الصحيحة:
وقد بقيت بالمدينة بقية من اليهود لم تنلهم التصفية التي نالت بني قريظة الخونة الغادرين لأن هذه البقية من اليہهود لم يكن لها يد في الغدر الذي أقدمت عليه قريظة. . ولهذا لم يتعرض لهم النبي - ﷺ - لا بنفى ولا بقتل ولا بحبس، فظلوا في المدينة أحرارًا في ذمة وعهد المسلمين.
إلا أن هؤلاء اليهود بالرغم من المعاملة العادلة التي يعاملهم بها المسلمون ظل هواهم مع إخوانہهم يہهود خيبر، بل لم يتورعوا عن التحزب والتعصب لهم داخل المدينة علنًا.
فقد روى الواقدي في كتابه (المغازي ج ٢ ص ٦٣٤) أن البقية من يهود المدينة الذين ظلوا في عهد وذمة المسلمين (بعد تأديب بني قريظة) لما علموا بتجهز المسلمين لغزو خيبر شق عليهم ذلك لأنهم موقنون أن احتلال المسلمين لخيبر يعني إِنہهاء الوجود اليہهودي الدخيل في الجزيرة. . فلم يجدوا مانعًا من التعبير عن عطفهم على يهود خيبر وامتعاضهم من المسلمين. لاعتزامهم الزحف علي خير.
إحراج اليهود للمسلمين:
وكان اليهود أصحاب ثروات كبيرة، فكان المسلمون يقترضون منهم لقلة ما بأيديهم من الأموال فلا يكاد أحد من المسلمين يسلم من أن يكون عليه دين ليہهودي في المدينة. وقد استغل اليہهود ذلك لصالح يهود خيبر فحاولوا تعويق المسلمين عن الغزو بمطالبتهہم (فورًا) بتسديد ما عليہهم من ديون.
فقد روي الواقدي (ج ٢ ص ٦٣٤) أن أحد الصحابة الغازين مع النبي - ﷺ - قال: فلما تجهزنا نريد خيبر، لم يبق أحد من جهود المدينة له على أحد من المسلمين حق إلا لزمه، وكان لأبي الشحم (أحد اليهود) عند عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي خمسة دراهم في شعير أخذه لأهله، فلزمه فقال: أجلنى فإني أرجو أن أقدم عليك فأقضيك حقك إن شاء الله، إن الله ﷿ قد وعد نبيّه خيبر أن يغنمه إياها، وكان عبد الله بن أبي
[ ٦ / ٦٤ ]
حدرد ممن شهد الحديبية، فقال: يا أبا الشحم، إنَّا نخرج إلى ريف الحجاز (يعني خيبر) في الطعام والأموال، فقال أبو الشحم (حسدًا وبغيًا):
تحسب أن قتال خيبر مثلما تلقونه من الأعراب، فيها (والتوراة) عشرة آلاف مقاتل، قال ابن أبي حدرد: أي عدو الله تخوفنا بعدونا وأنت في ذمتنا وجوارنا، والله لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت يا رسول الله ألا تسمع إلى ما يقول هذا اليهودى، وأخبرته بما قال أبو الشحم، فسكت رسول الله - ﷺ - ولم يرجع إليه شيئًا، إلا أني رأيت رسول الله - ﷺ - حرك شفتيه بشيء لم أسمعه، قال اليهودى لرسول الله - ﷺ -: يا أبا القاسم هذا قد ظلمني وحبسني بحقي وأخذ طعامي، قال رسول الله - ﷺ -: أعطه حقه.
قال عبد الله: فخرجت فبعت أحد ثوبى بثلاثة دراهم وطلبت بقية حقه فقضيته، ولبست ثوبى الآخر وكانت عليّ عمامة فاستدفأت بها، وأعطانى سلمة بن أسلم ثوبًا آخر فخرجت في ثوبين مع المسلمين ونفلنى الله خيرًا وغنمت امرأة بينها وبين أبي الشحم اليهودى قرابة فبعتها منه بمال (١).
وقفة للتدبر والإمعان:
إن الإنسان المتجرد المنصف (أيًا كان مذهبه أو دينه). لا يسعه إلا أن يقف أمام هذه الحادثة، وقفة تدبر وتبصر واعتبار ليرى مزيدًا من إشراقات العدل والحرية والديمقراطية الصحيحة (التي جاء بها وحافظ عليها الإسلام محافظة دقيقة فنعم في ظلها بالحرية الكاملة (دونما أية مضايقة أو إزعاج) حتى الذين لا يدينون بالإسلام، الأمر الذي لم يبلغ شأوه أي قانون في العالم حتى هذه الساعة.
فھهذا يهہودي (أبو الشحم) تحت حكم الإسلام وفي ظل سلطان دولته يبلغ به التمتع بالحرية الكاملة التي أعطاه إياها الإسلام إلى أن يعبر (وهو في دار الإسلام وتحت سلطانه وفي ظروف هي - بالنسبة للمسلمين - ظروف حربية استثنائية وطوارئ) أصرح تعبير عن عطفه بل وتأييده إلى حد
_________________
(١) انظر أوسع التفاصيل عن وجهة النظر الإسلامية في إباحة الرق الحربى في كتابنا (غزوة بني قريظة) ص ٢٨٣ تحت عنوان (الإسلام والرق).
[ ٦ / ٦٥ ]
التعصب ليهود خيبر الذين هم عدو محارب للمسلمين الذين يقع أبو الشحم اليہهودي تحت سلطانہهم وفي قبضة أيديهم بحيث يستطيعون إنزال ما يريدون به من عقاب دون أن يجد من يحميه.
ولكن ما الذي حدث؟ لقد سخر هذا اليهودي من قوة المسلمين الذين هو في ذمتهم وتحت سلطانهم، وعظم من قوة يهود خيبر وتمني لهم النصر على المسلمين، وخوّفهم بعددهم وعديدهم حتى أغضب أحد جنود الإسلام، وعندما رفع هذا الجندي (أبو حدرد) أمره رسول الله - ﷺ - لم يتخذ ضد هذا اليهودي أي إجراء، بل أمر الجندي المشتكي بأن يدفع إلى اليهودى ما عليه له من دين قائلًا: أعطه حقه.
فهل يرى أدعياء الديمقراطية في هذا العصر (شرقيين كانوا أم غربيين) أنهم يستطيعون معاملة من يخالفهم في العقيدة والمذهب والاتجاه ممن هو تحت سلطانهم معاملة النبي محمد - ﷺ - لهذا اليهودى (أبي الشحم) وخاصة إذا ارتكب هذا المخالف شيئًا مما ارتكبه أبو الشحم؟
لا أظن أن أحدًا (وخاصة من أدعياء الديمقراطية في المعسكر الاشتراكي) يستطيع الاقتراب مجرد الاقتراب (في معاملته للخصوم) من المعاملة الشريفة التي عامل بها نظام الإسلام الحكيم مثل هذا اليهودى من الخصوم والمخالفين.
يهود المدينة والتجسس على المسلمين:
ولم يكتف يهود يثرب بالتعبير عن عطفهم على عهود خيبر والتعصب لهم، بل بلغت بهم الجرأة إلى أن يتجسسوا على المسلمين لحساب يهود خيبر، فقد بعثوا بأعرابى من أشجع استأجروه ليحمل إلى قادة يهود خيبر كل ما يحتاجون من معلومات عن الجيش الإسلامي ويطلبون منهم الصمود في وجه المسلمين، وقد وقع هذا الجاسوس في قبضة دورية للجيش الإسلامي كانت تقوم بالاستطلاع، كما سيأتي تفصيله في موضعه أن شاء الله.
[ ٦ / ٦٦ ]
عدم التورية في غزوة خيبر:
لم يوري النبيُّ - ﷺ - في غزوة خيبر هذه (كما هي عادته في أكثر غزواته البعيدة) بل أعلن التعبئة العامة وأعلم الناس أنه يريد خيبر.
ولعل ذلك راجع (في الدرجة الأولى) إلى أن المسلمين باتوا آمنين على المدينة من أن تكون عرضة لأي هجوم من قبل الأعراب الوثنين المجاورين بعد تلك الحملات العسكرية التأديبية التي جردها عليهم النبي - ﷺ - فخضد بها شوكتهم. . وإلى أن قيام المسلمين بالزحف على خيبر لم يعد سرًّا يمكن إخفاؤه، لأن إليهہود في خيبر (منذ فشل العدوان الآثم الذي دبروه مع الأحزاب على المدينة في السنة الرابعة من الهجرة) وهم يتوقعون أن يقوم النبي - ﷺ - بنقل المعركة إلى عقر دارهم في خيبر.
فكانوا لذلك يستعدون للحرب بإقامة المسالح وتشييد الحصون والقلاع وشحنها بالمقاتلين تحسبًا للهجوم المنتظر عليهم. كما أن صلح الحديبية قد أمن به المسلمون جانب قريش.
ولا يستبعد أن يكون اليهود قد بثوا الأرصاد والعيون في المسالك والطرق المؤدية من المدينة إلى خيبر لمراقبة ما يتوقعون من تحركات يقوم بها الجيش النبوى. لقد حدث ذلك بالفعل كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
المنافقون طابور اليهود الخامس:
بل إن يهود خيبر ليسوا بحاجة إلى أن يبعثوا بالأرصاد والجواسيس لينقلوا إليهم حقيقة الموقف في المدينة وليبلغوهم كيف ومتى يعتزم النبي التحرك بجيشه لغزوهم.
فقد كان الباطنيون من المنافقين الذين يحملون الهوية الإسلامية في الظاهر والمقيمون بين أظهر المسلمين. . كان هؤلاء المنافقون بمثابة الرَّتْل الخامس العامل لحساب يهود خيبر بين صفوف المسلمين في المدينة.
فقد كان هؤلاء المنافقون (منذ بزغت شمس الإسلام ووصل شعاعه إلى يثرب) يشكلون مع اليهود في المدينة جبهة قوية مناوئة للإسلام والمسلمين.
[ ٦ / ٦٧ ]
اليهود يمثلون المعارضة الصريحة والمعاداة السافرة. والمنافقون يقفون وراء هؤلاء اليهود كعناصر سرية مساندة. . تشجعهم على التحرش بالمسلمين وتشدُّ من عضدهم، بل وتمد إليهم يد العون المادى والأدبى جهرًا، إن أمكن، وسرًا إذا لم يمكن الجهر.
وقد خلق هذا الطابور الخامس (من المنافقين) للمسلمين متاعب كثيرة ومشاكل معقدة بالتواطؤ مع العناصر اليهودية عندما كان كيانها الدخيل لا يزال قائمًا في المدينة.
ولقد عرف التاريخ كيف كان هؤلاء المنافقون يقفون موقف العطف والتأييد لليهود في أي خلاف ينشب بينهم وبين المسلمين.
فقد عرفنا كيف كأن المنافقون يشجعون يہهود بني قينقاع علي العصيان والتمرد والتحرش بالمسلمين. وكيف حرضوا يہهود بني النضير علي عدم الرضوخ للإنذار النبوى بالجلاء.
وعندما اضطر النبي - ﷺ - إلى محاصرة هؤلاء اليهود لتأديبهم على ما ارتكبوا من نكث للعهود ونزل هؤلاء اليهود على حكم النبي - ﷺ - بعد حصار دام حوالي نصف شهر. . لم يُخْفِ الرتل الخامس من هؤلاء المنافقين جزعهم الشديد لهذا الحادث.
ولم يكتموا جزعهم وخوفهم على مصير يهود بني قينقاع الذين كان الموت ينتظرهم كخونة متمردين ناكثين أُرغموا على الاستسلام بالقوة.
وكان أشد هؤلاء المنافقين جزعًا وخوفًا على مصير حلفائه بني قينقاع، رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول، الذي حمله الخوف على مصير اليهود على أن يقدِّم إلى الرسول القائد - ﷺ - التمًاسا يطلب فيه منه أن يقن دماءهم، وكان هذا المنافق سيدًا من سادات الخزرج، وحليفًا لهؤلاء اليہهود.
وقد عفى النبي - ﷺ - عن هؤلاء اليهود وحقن دماءهم بناء على التماس عبد الله بن أبيّ الذي ألح على النبي - ﷺ - في الشفاعة إلى حد المضايقة والإحراج حيث أمسك هذا المنافق بدرع النبي - ﷺ - وقال له - عندما لم ير
[ ٦ / ٦٨ ]
منه استجابة لالتماسه-: والله لا أرسلك حتى تحسن في حلفائى، فقال له النبي - ﷺ -: هم لك (١).
الرتل الخامس وبنو النضير:
ولعل أبرز أدوار التعاطف والتلاحم بين الرتل الخامس من المنافقين وبين أصدقائهم اليهود هو دور هؤلاء المنافقين في حوادث فتنة يهود بني النضير الذين يعتبرون من أصدقاء عبد الله بن أُبيّ وفئته الباطنيين من الطابور الخامس.
فعندما ضرب النبي - ﷺ - الحصار على هؤلاء اليهود في المدينة -عقب اكتشاف مؤامرة الاغتيال التي دبروها لقتل النبي- وكاد هؤلاء الهود يرضخون للإنذار الذي وجِّه إليهم من قبل النبي - ﷺ - بأن يجلوا من المدينة، بعث إليهم زعيم الطابور الخامس (المنافقين) عبد الله بن أُبيّ بن سلول يحثهم على الصمود في وجه المسلمين ورفض إنذارهم، كما وعدهم بأنه وجماعته الباطنيين وحلفاءهم من الأعراب الوثنيين سيكونون إلى جانبهم ضد المسلمين.
وعندما انهارت مقاومة يهود بني النضير وقبلوا شرط الجلاء الذي أملاه المسلمون، ونزل واستوطن هؤلاء اليهود خيبر إلى جانب إخوانهم، ظلوا على صلة وثيقة بأصدقائهم المنافقين في المدينة (٢).
وظل هؤلاء المنافقون يقومون بين صفوف المسلمين بأعمال الطابور الخامس لحساب يهود خيبر حيث صاروا يتجسسون على المسلمين، فينقلون من أخبار وأسرار المسلمين كل ما يهم يهود خيبر معرفته والإلمام به.
رأس النفاق يشعر اليهود بغزو المسلمين:
ولا أدلّ على ذلك من أن النبي - ﷺ - لما اعتزم الزحف على خيبر، سارع
_________________
(١) انظر تفاصيل إجلاء يهود بني قينقاع في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر تفاصيل قصة جلاء يهود بني النضير في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٦ / ٦٩ ]
عبد الله بن أُبيّ وأشعر يهود خيبر بذلك، وطلب منهم أن يستعدوا ويأخذوا حذرهم، وصار يرفع من معنوياتهم بالتهوين من شأن قوة المسلمين والإشادة بقوات أولئك اليهود، وذلك في رسالة مستعجلة بعث بها أحد أعوانه إلى خيبر، ومما جاء في هذه الرسالة:
"إن محمدًا سائر إليكم فخذوا حذركم وأدخلوا أموالكم حصونكم واخرجوا لقتاله، ولا تخافوا منه، إن عددكم أكثر، وقوم محمد شرذمة قليلون عُزَّل لا سلاح معهم إلا القليل" (١).
استعداد اليهود للمواجهة:
لقد كان يهود خيبر منذ فشل خطة غزو الأحزاب التي هي من وحى اليهود وتدبيرهم في السنة الرابعة من الهجرة- يتوقعون أن يقوم المسلمون بتأديبهم عن طريق حرب وقائية شاملة، ولذلك كانوا يستعدون للمواجهة (بصفة عامة)، إلا أنهم ما كانوا يعلمون (على وجه التحديد) متى سيتحرك النبي - ﷺ - بجيشه لغزوهم.
إلا أنهم بعد أن تلقوا -عن طريق عملائهم المنافقين في المدينة- التفاصيل الدقيقة عن مدى قوة المسلمين، أخذوا في التهيؤ والاستعداد للمواجهة وعلى أوسع نطاق وبصورة أكثر جِدّية.
فحشدوا كافة قواهم العسكرية واتخذوا كافة الإجراءات التي يرونها ضرورية لمواجهة الغزو.
والمتتبع لأسلوب استعداد يهود خيبر للحرب، يتضح له أن خطتهبم الأساسية كانت خطة دفاعية محضة بالرغم من تفوقهم على المسلمين تفوقًا ساحقًا في كل شيء مادى.
فبالإضافة إلى إعطاء حصونهم وقلاعهم -المنيعة والحصينة أصلًا- مزيدًا من القوة والتحصين أخلوا كل الحصون والقلاع الأمامية من الذرارى والنساء ونقلوهم إلى حصون خلفية، قرروا بموجب خطة المواجهة التي وضعوها أن تكون هذه الحصون الخلفية خط الدفاع الثاني، إذا ما اجتاح
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٧.
[ ٦ / ٧٠ ]
المسلمون خط الدفاع الأول المتمثل في الحصون والقلاع الأمامية التي أخلوها من كل شيء، ولم يسمحوا لأحد أن يبقى فيها غير حملة السلاح الذين امتلأت بهم ساحات وأبراج هذه الحصون.
كما نقلوا (كجزء من خطة المواجهة) شيئًا عظيمًا من المواد الغذائية إلى خط الدفاع الثاني ليكون ذلك عونًا لهم على مواجهة الحصار الذي كانوا يتوقعونه.
اختلاف قادة اليهود في وضع الخطط:
وكان قادة اليهود عندما أحسوا بمسير رسول الله - ﷺ - إليهم بجيشه عقدوا مجلسًا عسكريًا تبادلوا فيه الرأي حول أفضل الخطط التي يجب اتباعها لمواجهة جيش الإسلام الغازى.
وأثناء بحث هذا الموضوع انقسم قادة اليهود إلى فئات ثلاث: فئة ترى أن يتحصن اليهود في الحصون والقلاع ويقاتلوا المسلمين من وراء الأسوار بحجة أن ذلك يُضْجِر المسلمين فيجبرهم في النهاية على الانسحاب دون أن يقدروا على اقتحام الحصون لمناعتها وكثرة المقاتلين فيها.
وفئة ترى أن على يهود خيبر أن يُعسْكروا خارج الحصون والقلاع ويواجهوا المسلمين في العَراء فيخوضوا معهم معركة فاصلة خاطفة بدلًا من التحصن داخل الحصون والقلاع.
وكان على رأس الفريق الثاني أحد قادتهم الكبار وهو الحارث الملقب (بأبي زينب) وهو أخو (مرحب الفارس المشهور) وكلاهما من قبيلة حِمْيَر (١).
فقد قال أبو زينب (٢) (شارحًا وجهة نظره ومحبذًا البروز للمسلمين): إني قد رأيت من سار إلى (محمد) من الحصون، لم يكن لهم بقاء بعد أن
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام.
(٢) قتل أبو زينب هذا مبارزة عند باب حصن ناعم وكان أول قتيل من قادة اليهود الكبار، قتله علي بن أبي طالب، وقال آخرون قتله أبو دجانة.
[ ٦ / ٧١ ]
حاصرهم حتى نزلوا على حكمه، ومنهم من سبى ومنهم من قُتِل صبرًا. . ثم استرسل أبو زينب في شرح فوائد فكرة الاصطدام بالمسلمين خارج القلاع والحصون في معركة سريعة حاسمة، محاولًا إقناع زملائه من القادة بقبول فكرته الجريئة.
غر أن اقتراح أبي زينب هذا لم يلق أي تجاوب من القادة اليهود حيث رفضوه وأيَّدوا فكرة التحصن داخل القلاع ومواجهة المسلمين من وراء أسوارها قائلين: يا أبا زينب إن حصوننا هذه ليست مثل تلك، هذه حصون منيعة في ذرى الجبال، ثم خالفوه (١).
أما الفئة الثالثة فقد ذهبت في الجرأة إلى أبعد مما ذهب إليه الحارث أبو زينب، حيث اقترحت (لا ملاقاة المسلمين خارج حصون خيبر) بل اقترحت هذه الفئة القيام بغزو المسلمين في المدينة، وضربهم فيها قبل أن يتحرَّكوا بقواتهم نحو خيبر.
وكان على رأس هذه الفئة (سلّام بن مشكم النضرى) الذي كان القائد العام للقوات اليهودية في خيبر والذي يقال له في ذلك العصر: (صاحب حربهم) (٢).
فقد ذكر المؤرخون أن سلام بن مشكم قال في اجتماع لهم (محملًا حيي بن أخطب ما أصاب يهود يثرب وخاصة ما حلَّ ببنى قريظة): هذا كله عمل حُييّ بن أخطب شأمنا أولًا، وخالفنا في الرأي، فأخرجنا من أموالنا وشرفنا (٣) وقتل إخواننا (يعني بني قريظة الذين غرر بهم حيي بن أخطب
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٣ ص ٦٣٧.
(٢) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٨٠.
(٣) كان سلام بن مشكم -مع منصبه القيادى الحربى- حبرًا من أحبار اليهود وكان يعلم أن النبي محمد - ﷺ - رسول من عند الله، لذلك كان (حرصًا على سلامة اليهود) يعارض حيى بن أخطب في مشاريعه العدوانية وخططه التآمرية على المسلمين، ومن ذلك أنه الزعيم اليهودى الوحيد الذي عارض فكرة اغتيال النبي - ﷺ - في ديار بني النضير بالمدينة ولكن معارضته رفضت، واتبع بنو النضير رأى حيي بن أخطب فحاولوا الاغتيال، وكان ذان سبب نفيهم من المدينة (انظر كتابنا غزوة الأحزاب ص ٥٦).
[ ٦ / ٧٢ ]
فخانوا عهد المسلمين) وأشد من القتل سبأ الذرية، لا قامت يهود بالحجاز أبدًا، ليس لليهود عزم ولا رأى. فقالوا: فما الرأي يا أبا عمرو؟ (وهذه كنيته) قال: وما تصنعون برأى لا تأخذون منه حرفًا؟
فكرة غزو المدينة:
قال كنانة (وأظنه ابن أبي حُقَيق): ليس هذا بحين عتاب، قد صار الأمر إلى ما ترى. قال: محمد قد فرغ من يهود يثرب، وهو سائر إليكم، فنازل بساحتكم، وصانع بكم ما صنع ببنى قريظة. قالوا: فما الرأي؟ قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء وفدك، ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق (الأحزاب) ما صنعت بكم العرب (يعني غطفان) بعد أن شرطتم لهم تمر خيبر نقضوا ذلك وخذلوكم، وطلبوا من محمد بعض تمر الأوس والخزرج ينصرفون عنه (١). مع أن نعيم بن مسعود هو الذي كادهم بمحمد (٢) ومعروفهم إليه، معروفهم! !
ثم كرر سلَّام بن مشكم دعوته إلى غزو النبي - ﷺ - في المدينة قبل أن يزحف إلى خيبر قائلًا: ثم نسير إليه (أي النبي - ﷺ -) في عقر داره، فنقاتل على وتْرٍ حديث وقديم.
فقال أكثر قادة اليهود إلى رأى (سلَّام بن مِشْكم) قائلين: هذا الرأي.
ولكن ملك اليهود (كنانة بن أبي الحُقَيق) عارض فكرة غزو المدينة التي أبداها سلام بن مشكم قائلًا: إننى قد رأيت العرب (أخبرتهم) فرأيتهم أشدّاء عليه (أي النبي - ﷺ -) وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك -يعني يثرب- ومحمد لا يسير إلينا أبدًا لما يعرف.
_________________
(١) في كتابنا الثالث من معارك الإسلام الفاصلة (غزوة الأحزاب الفصل الثالث ص ١٩٩) انظر تفاصيل مفاوضة النبي - ﷺ - وقادة غطفان السرية لعقد صلح منفرد والحرب قائمة.
(٢) انظر أوسع التفاصيل عن مكيدة نعيم بن مسعود التي كاد بها قوات الأحزاب فحول بها ميزان المعركة لصالح المسلمين بدهائه. انظر هذه التفاصيل في كتابنا (غزوة الأحزاب الفصل الرابع ص ٢٤٨ وما بعدها).
[ ٦ / ٧٣ ]
فغضب سلَّام مِشكْم لمعارضة كنانة بن أبي الحُقَيق لاقتراحه وقال بحدة -مشيرًا إلى كنانة-: هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته، فكان ذلك، (حيث قتل كنانة وكل قادة اليهود في حرب خيبر) (١).
خيبر تستنجد بأعراب نجد:
على أثر المعلومات التي تلقاها يهود خيبر من عملائهم المنافقين واليهود في المدينة، والتي تفيد أن النبي - ﷺ - قد قرر الزحف على خيبر، سارع يهود خيبر إلى طلب النجدة من أصدقائهم القدامى وجيرانهم أعراب نجد.
فقد بعثت خيبر بوفد من زعمائها ليطوف على هذه القبائل الوثنية ويطلب منها النجدة والمساعدة لمواجهة الجيش النبوي الذي يعتبره القريقان عدوًا مشتركًا.
وكان هذا الوفد اليهودي مكوّنًا أربعة عشر رجلًا على رأسهما كنانة بن أبي الحقيق ملك خيبر الجديد، وهوذة بن قيس الوائلى أحد قادة اليهود البارزين.
وقد طاف هذا الوفد اليهودى على قبائل غطفان الوثنية طالبًا منها مَدَّه بقوات كبيرة ترابط إلى جانب يهود خيبر لمواجهة المسلمين.
مرابطة الأعراب مع اليهود في خيبر:
ولم تتردد هذه القبائل الوثنية في الاستجابة لطلب اليهود وخاصة: غطفان وبنى أسد، فقد بعثوا بعدة كتائب من رجالهم لنجدة اليهود بقيادة عيينة بن حصن الفزاري على رجال غطفان وطليحة بن خويلد الأسدي علي بني أسد. كما وعدوا بتجهيز أربعة آلاف مقاتل لمساندة اليهود. وقد رابط رجال هذه الكتائب مع اليهود في حصونهم بخيبر، ليشاركوهم في مسئولية الدفاع من هذه الحصون عندما يشن المسلمون عليها هجومهم (٢).
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٥٣٠.
(٢) انظر مختصر مغازى الواقدي ص ٣١٢.
[ ٦ / ٧٤ ]
ولم يعط أحد من المؤرخين تحديدا لعدد الرجال الذين رابطوا (من غطفان وبني أسد) إلي جانب اليهہود في حصونهہم أول الأمر، إلا أن الاحتمال قوى بأن عددهم لا يقل عن ألف مقاتل، وبهذا يكون عدد القوات التي تحصنت داخل قلاع خيبر لمواجهة المسلمين لا يقل عن أحد عشر ألفًا. . على ألف وأربعمائة مقاتل من المسلمين (فقط) أن يهاجموهم.
إنها مهمة شاقة وعسيرة على المسلمين أن يقوموا بها، وتغلب هذه القلة من المسلمين المكشوفين في العراء على تلك الكثرة الهائلة المتحصنة خلف أسوار تلك القلاع المنيعة هو نوع من المعجزات إن صح هذا التعبير.
رفض بني مرة أن ينجدوا اليهود:
وإذا كانت قبائل غطفان وبنى أسد قد استجابت لنداء عهود خيبر فأرسلت بتلك القوات من أبنائها لنجدتهم بقيادة سيدين من كبار ساداتهم (عيينة بن حصن وطليحة بن خويلد) فإن قبيلة بني مرة (التي كانت أحد الأجنحة الأربعة في القوات النجدية المحالفة لليهود التي شاركتهم في غزو المدينة عام الأحزاب) هذه القبيلة النجدية رفضت الاستجابة لنداء اليہهود فلم ترسل إليہهم ولا برجل واحد وذلك اتباعًا لنصيحة سيدها الحارث بن عوف المرّى الذي نصحها بأن لا تتورط في مساندة اليهود في خيبر كما تورطت في الاستجابة لوساوسهم حين شاركت في الحلف اليهودي الوثني الذي شُنَّ على المسلمين في حملة الأحزاب الخاسرة الشهيرة.
فقد أدرك هذا السيد المرِّي برجاحة عقله (على ضوء ما لديه من معلومات مصدرها أحبار اليهود أنفسهم) أن اليهود - عندما يهاجمهم المسلمون - سيخوضون معركة خاسرة، وإنه - لذلك - يرى أنه من العبث تقديم رقاب بني مرَّة للموت في معركة نهايتها معروفة، وهي انهزام اليهود وانتصار المسلمين، وذلك الذي جعله يمنع بني مرة من نجدة اليهود.
الحارث بن عوف ينصح عيينة بن حصن:
ولم يكتف سيد بني مرّة بإقناع قومه بعدم التورط في مساندة يهود
[ ٦ / ٧٥ ]
خيبر ضد المسلمين، بل ذهب إلى سيد فزارة عيينة بن حصن ونصحه بأن لا يستجيب لنداء اليهود، وأبلغه صراحة أنه إن فعل، إنما يأتي عبثًا ويرتكب خطأ، فقد قال الحارث لعيينة ناصحًا:
"يا عيينة إنك توضعُ في غير شيء، والله -يا عيينة- ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب. . يهود يخبروننا بذلك. أشهد إني لسمعت أبا رافع سلّام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون وهو (أي محمد) نبي مرسل. . ويهود لا تطاوعنى على هذا. . ولنا منه ذِبحان. . واحد بيثرب (وقد كان) وواحد بخيبر. . فقلت له: (يا سلام) يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراة التي أُنزلت على موسى. . وما أحب أن يعلم يهود بقولى فيه" (١).
تحرك الجيش النبوى نحو خيبر:
وبينما كان اليهود يعدون العدة لمواجهة المسلمين ويتصلون بحلفائهم من قبائل نجد الوثنية لإنجادهم، كان المسلمون في المدينة يهيئون أنفسهم ويستكملون تجهيزات جيشهم للمعركة الفاصلة التي قرر النبي - ﷺ - خوضها مع اليهود لإنهاء وجودهم الدخيل في الجزيرة كلها.
وبعد أن أكمل النبي - ﷺ - حشد جيشه وإعداده في المدينة فصل به من المدينة في اتجاه خيبر، وكان ذلك في أوائل شهر محرم من السنة السابعة للهجرة.
نائب النبي على المدينة:
وقبل أن يفصل النبي - ﷺ - بجيشه من المدينة (وكما هي عادته في مثل هذه الظروف) أصدر - ﷺ - مرسومًا نبويًا عين بموجبه سباع بن عرفطة الغفاري أميرًا على المدينة يدير شؤونها نيابة عنه حتى عودته من خيبر (٢)
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٣٩.
(٢) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٠٦.
[ ٦ / ٧٦ ]
مدى قوة المسلمين:
وكانت قوة المسلمين (كما تقدم) تبلغ ألفًا وأربعمائة مقاتل كلهم حضر الحديبية، وكان ضمن هذه القوة مائتا فارس.
وهذا أكبر عدد من الفرسان، يتوفر لدى المسلمين في جيش يغزون به في تاريخهم حتى ذلك اليوم.
أما وسائل النقل الأخرى كالجمال، فلم يذكر أحد من المؤرخين (فيما بلغني) كم كان عددها لدى الجيش الغازى.
سلاح الاستكشاف:
وقبل أن يتحرك النبي - ﷺ - بجيشه من المدينة كوّن وحدة للاستكشاف والاستطلاع كلها من الفرسان بقيادة أحد قادة الحرس النبوى (عبّاد بن بشر الأنصاري) وقد كانت مهمة هذه الموحدة أن تنطلق أمام الجيش النبوى لارتياد المسالك والطرق وكشفها أمام الجيش الزاحف للتأكد من خلوّها من كمائن الأعداء وجواسيسهم وللتعرف على أخبارهم.
أدلاء الجيش:
كما أن النبي - ﷺ - وأصحابه لما كانوا يجهلون المسالك والطرق المؤدية إلى خيبر ولا يعرفون شيئًا عن طبيعة البلاد التي سيمر بها الجيش، فقد استعانوا بأدلاء خبيرين بتلك الأرض ومسالكها ليدلوا الجيش حتى يصل إلى خيبر.
وكان من هؤلاء الأدلاء الذين اختارهم النبي القائد - ﷺ - حسيل بن خارجة وعبد الله بن نعيم، وكلاهما من قبيلة أشجع النجدية التي يرتاد رجالها دائمًا في الجاهلية منطقة خيبر.
طريق الجيش إلى خيبر:
تقع خيبر (كما قلنا) شمال شرقي المدينة، أما الطريق التي سلكها النبي - ﷺ - إلى خيبر، فقد ذكر المؤرخون (١) خرج بجيشه من المدينة فسلك ثنية
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٠ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٨ ومغازى الواقدي (تحقيق الدكتور مارسدن جونس) ج ٢ ص ٦٣٨ وما بعدها.
[ ٦ / ٧٧ ]
الوداع (١) ثم أخذ على الزغابة (٢) ثم على نقمى (٣) ثم سلك المستناخ ثم على عصر (٤) حتى انتهى إلى الصهباء (٥) قال الواقدي: صلي - ﷺ - بالصهباء العصر ثم دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق والتمر فأكل - ﷺ - وأكلوا معه ثم قام إلى المغرب فصلى بالناس ولم يتوضأ ثم صلى العشاء بالناس.
وفي الصهباء (وهي أقرب منزل نزله النبي بجيشه من خيبر) قرر أن يكون هجومه على خيبر من ناحيتها الشمالية، ليحول بين اليهود وبين الفرار إلى الشام.
فقد استدعى الأدلاء فجاءه حسيل بن خارجة الأشجعي وعبد الله بن نعيم الأشجعي، فأخبرهما بخطته الرامية إلى مهاجة خيبر من الشمال قائلًا: امض أمامنا حتى نأخذ صدور الأودية حتى نأتى خيبر من بينها وبين الشام وبين حلفائهم من غطفان، فقال حسيل: أنا أسلك بك، فانتهى به الدليل (حسيل) إلى موضع له طرق متعددة كلها تؤدى إلى خيبر، فقال: يا رسول الله إن لها طرقًا يؤتى منها كلها، فطلب الرسول - ﷺ - من الدليل (حسيل) أن يسمى هذه الطرق فوصفها وسماها، فاختار الرسول - ﷺ - سلوك طريق منها اسمها (مرحب) فاجتازها حتى انتهت به إلى خيبر من ناحيتها الشمالية.
وقد سلك على حياض والسرير (٦) فاتبع صدور الأودية حتى هبط على
_________________
(١) ثنية الوداع ممر رئيسى يقع شمال المدينة.
(٢) زغابة (بضم أوله) موقع على بعد أميال من المدينة ناحية الشمال، بين الجرف والغابة.
(٣) نقمى (بفتح أوله) قال ياقوت في معجمه: موضع إلى جانب أحد. . يقع في الطرف الغربي للجبل.
(٤) عصر (بكسر أوله وسكون ثانيه) جبل بين المدينة ووادي الفرع، قال ابن إسحاق: بني النبي - ﷺ - يعمر مسجدًا وهو في طريقه إلى خيبر والفرع (بضم أوله وسكون ثانيه) قال: ياقوت: قرية من نواحى المدينة بينها وبين المدينة ثمانية برد.
(٥) الصهباء (بفتح أوله وسكون ثانيه) قال في معجم البلدان، موضع بينه وبين خيبر، روحة، له ذكر في الأخبار.
(٦) السرير: الوادي الأدنى من خيبر، كذا قال السمهودى في وفاء الوفاء.
[ ٦ / ٧٨ ]
الخرصة (١)، ثم نهض فسلك بين الشق (٢) والنطاة (٣).
إلقاء القبض على جاسوس:
وأثناء قيام عبَّاد بن بشر ودوريته بأعمال الاستكشاف أمام الجيش النبوى ألقوا القبض على رجل من (أشجع) بعد أن اشتبهوا فيه بأنه جاسوس لليهود.
وقد أنكر الأشجعي (أول الأمر) أن يكون جاسوسًا، إلا أن التحقيق الشديد الذي أجراه معه قائد الدورية حمله على الاعتراف بتجسسه لحساب اليهود.
فعندما سأله عبَّاد بن بشر: من أنت؟ قال: باغ أبتغى أبعْرة ضلّت لي، أنا على أثرها.
فقال له عباد: ألك علم بخيبر؟
قال: عهدى بها حديث، فيم تسألنى عنه؟
قال: عن اليهود.
قال: نعم، كان كنانة بن أبي الحقيق (٤) وهوذة بن قيس (٥) ساروا في حلفائهم من غطفان فاستنفروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فجاعوا معدّين مؤيدين بالكراع (٦) والسلاح، يقودهم عتبة بن بدر ودخلوا معهم في حصونهم، وفيها عشرة آلاف مقاتل، وهم أهل الحصون التي لا ترام، وسلاح وطعام كثير لو حُصِروا لسنين لكفاهم، وماء واتِن (٧) يشربون من
_________________
(١) الخرصة: بفتح أوله وثانيه، قال في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٨ حصن من حصون خيبر.
(٢) الشق: منطقة في خيبر تقع فيها مجموعة من حصون اليهود تقع في القسم الأول من مدينة خيبر.
(٣) النطاة: بفتح أوله منطقة دارت فيها أعنف المعارك في خيبر.
(٤) كنانة بن أبي الحقيق أحد ملوك اليهود في خيبر، وكان من الذنن حزبوا الأحزاب من قريش وأعراب نجد ضد المسلمين.
(٥) هوذة بن قيس من قبيلة وائل، عربي دان باليهودية وكان ضمن الوفد الذي خرج من خيبر لتحزيب الأحزاب ضد المسلمين في السنة الرابعة من الهجرة.
(٦) الكراع: كناية عن الخيل.
(٧) الماء الواتن: الدائم الذي لم ينقطع.
[ ٦ / ٧٩ ]
حصونهما، ما أرى لأحد بهم طاقة.
وهنا ترجح لدى قائد دورية الاستكشاف (عباد بن بشر) أن الأعرابي عَيْنٌ اليهود ومأجور لهم، فضربه بالسوط ضربات وقال: ما أنت إلا جاسوس لليهود، ثم شدد عليه قائلًا: اصدقنى وإلا ضربت عنقك.
قال الأشجعي: أتؤمننى على أن أصدقك؟
قال عباد: نعم.
قال الأعرابي: القوم (يعني يهود خيبر) مرعوبون خائفون وجِلون، لما قد صنعتم بمن كان يثرب من اليهود، وإن يهود يثرب بعثوا ابن عم لي وجدوه بالمدينة، قد قدم بسلعة يبيعها، فبعثوه إلى كِنانة بن أبي الحقيق يخبرونه بقلتكم وقلة خيلكم وسلاحكم، ويقولون له: فأصدقوهم الضرب، ينصرفوا عنكم، فإنه لم يلق قومًا يُحْسنون القتال! وقريش والعرب قد سرُّوا بمسيره إليكم لما يعلمون من موادِّكم وكثرة عددكم وسلاحكم وجودة حصونكم، وقد تتابعت قريش وغيرهم ممن يهوى محمد، تقول قريش: إن خيبر تظهر، ويقول آخرون: يظهر محمد، فإن ظفر محمد فهو ذل الدهر. . قال الأعرابي (لعباد بن بشر): وأنا أسمع كل هذا، فقال لي كِنانة بن أبي الحُقيَق: اذهب معترضًا للطريق فإنهم (أي المسلمين) لا يستنكرون مكانك، واحزرهم لنا (١) وادْنُ منهم كالسائل لهم ما تقوى به، ثم القِ إلهم كثرة عددنا ومادتنا، فإنهم لن يدعوا سؤالك، وعجّل الرجعة إلينا بخبرهم.
وبعد أن أكمل قائد الدورية (عباد) التحقيق مع الجاسوس أخذه إلى النبي القائد - ﷺ - فأطلعه على نتيجة التحقيق واعترافات هذا الجاسوس، فقال عمر بن الخطاب: دعنى أضرب عنقه.
فقال عباد بن بشر: لا. . جعلت له الأمان.
فقال رسول الله - ﷺ - لعباد بن بشر: امسكه معك يا عباد. . فأوثقه عباد رباطًا، فلما دخل رسول الله - ﷺ - خيبر أمر بإحضار الجاسوس فدعاه
_________________
(١) حزره: تفحصه وعرف حقيقته كمًا أو كيفًا.
[ ٦ / ٨٠ ]
إلى الإسلام فأسلم فنجى من الموت (١).
نموذج من الانضباط العسكري الشديد:
وأثناء تحرك الجيش النبوى نحو خيبر، حدث حادث دلّ على تمسك النبي القائد - ﷺ - بالتزام الانضباط العسكري بين جنوده ومعاقبة المخالف لهذا الانضباط أيًا كان، فقد حدَّث أحد جنود الجيش النبوى قائلًا: فبينا رسول الله - ﷺ - في الطريق إن خيبر في ليلة مقمرة، إذ أبصر برجل يسير أمامه، عليه شيء يبرق في القمر كأنه في الشمس وعليه بيضة، فأنكر رسول الله - ﷺ - ذلك قائلًا: من هذا؟ فقيل: أبو عبس بن جبر، فقال - ﷺ -: أدركوه، قال أبو جبر: فأدركوني فحبسوني (أي باعتبار انفراده عن بقية الجيش مخالفة للانضباط العسكري في ظروف حربية) قال أبو جبر: وأخذني ما تقدم وما تأخر، وظننت أنه قد نزل فيّ أمر من السماء، فجعلت أتذكر ما فعلت، حتى لحقنى رسول الله - ﷺ - فقال (منكرًا): ما لك تقدم الناس لا تسير معهم؟ فقلت يا رسول الله: ناقتى نجيبة (والنجيبة خفيفة الحركة) فلم يعاقبه الرسول - ﷺ - بأكثر من الحبس الذي ناله على يد رجال الدورية من مقدمة الجيش.
النبي وخط الرجعة:
بالرغم من مرور عشرين عامًا على بزوغ شمس الإسلام، وبالرغم من مرور سبع سنوات على الوجود الإسلامي في منطقة يثرب وبالرغم من ازدياد نفوذ الإسلام وتكاثر أنصاره في هذه المنطقة فإن جميع القبائل العربية الواقعة شرقي وشمالى المدينة ظلت على عدائها الإسلام وخاصة القبائل النجدية القوية الحليفة لليهود والمجاورة لخيبر.
وعلى هذا فإن النبي - ﷺ - عندما فكَّر في الزحف على خيبر كان يعلم أنه سيمر بجيشه في أراض تقع تحت سلطان أعداء الإسلام. . وفي هذا دونما شك خطر لا يمكن أن يغيب عن بال النبي الأعظم والقائد الملهم.
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٠ تحقيق الدكتور مارسدن ونشر جامعة أوكسفورد بإنكلترا.
[ ٦ / ٨١ ]
ولا شك أنه - ﷺ - كقائد عسكرى مسؤول- أدخل في حسابه وجود هذا الخطر، فاتخذ من الاحتياطات ما يدفع عنه وعن جيشه هذا الخطر الماثل في انتشار القبائل الوثنية عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وأمامه.
وأهم ما يمكن أن يخشاه قائد محارب يكون في الوضع الذي كان عليه النبي - ﷺ - وهو في طريقه إلى خيبر، هو أن يقطع عليه الأعداء خط الرجعة (عندما يكون يحارب في خيبر).
لأن القبائل التي ستكون أو بإمكانها أن تكون خلفه عندما يتوغل بجيشه نحو خيبر- هي (كما قلنا) قبائل وثنية معادية موتورة.
النبيّ يطلب من غطفان عدم مناصرة اليهود:
وليس لدينا أو لم يصل إلى علمنا مدى الإجراءات التي اتخذها النبي القائد - ﷺ - لتأمين خط الرجعة، ولتجنيب جيشه خطر التفاف الأعراب الوثنيين من خلفه عندما يكون قريبًا من خيبر وبعيدًا عن المدينة.
وكل ما حصلنا عليه من معلومات هو أن هناك خطة اتفق عليها اليهود والمرتزقة من غطفان تقضى بأن تقوم قبائل غطفان بمساندة اليهود ضد المسلمين عسكريًا حسب الخطة الآتية:
١ - أن تبعث قبائل غطفان بمجموعة من رجالها المسلحين إلى اليهود ليكونوا معهم في حصونهم، وقد فعلوا ذلك، فأرسلوا عدة كتائب بقيادة عيينة بن حصن وطليحة بن خويلد وحذيفة بن بدر الفزاري (١).
٢ - أن يقوم أربعة آلاف مقاتل من غطفان بحركة التفاف على المسلمين لضربهم من الخلف عندما يكونون قريبين من خيبر.
وقد تعهد زعماء خيبر لغطفان بأن يمنحوهم نصف ثمار خيبر مقابل هذه المساندة العسكرية ضد المسلمين.
ولقد نفذ الغطفانيون البند الأول من الاتفاقية قبل أن يتحرك المسلمون
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٧٥.
[ ٦ / ٨٢ ]
بجيشهم من المدينة إذ وصلت إلى خيبر عدة كتائب من جيوش غطفان وبنى أسد بقيادة طليحة بن خويلد الأسدي وعيينة بن حصن وحذيفة بن بدر الفزاريين فرابطت هذه القوات مع اليهود داخل قلاعهم وحصونهم (١).
وأما البند الثاني من الاتفاقية فقد شرع الوثنيون في تنفيذه، إذ لم يكد النبي - ﷺ - يصل بقواته إلى ضواحي خيبر حتى تحركت من خلفهم أربعة آلاف مقاتل من غطفان بقصد الالتفاف على المسلمين لقطع خط الرجعة عليهم وجعلهم بين نارين (٢).
ولا شك أن هذا قد أوقع المسلمين في موقف حرج، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن قوة المسلمين الغازية لا تزيد على ألف وأربعمائة مقاتل يقابلها للأعداء أحد عشر ألف مقاتل هي في انتظارهم داخل الحصون والقلاع في خيبر وأربعة آلاف مقاتل بدأت في التحرك لتقطع خط رجعتهم من الخلف. . بل وتهاجمهم قبل أن يبدأوا (هم) الهجوم على اليهود.
فقد روى ابن إسحاق أن غطفان (وفق الخطة المتفق عليها بينه وبين اليهود) لما علموا أن النبي - ﷺ - قد تحرك نحو خيبر خرجوا ليظاهروا اليهود عليه وتحركت قواتهم لضرب الجيش النبوى من الخلف واستمرت في تحركها يومًا وليلة (٣).
وحين يتصور الخبير بشؤون الحرب وقوع ألف وأربعمائة محارب بين خمسة عشر ألف مقاتل يحيطون بهم من كل جانب، يدرك مدى الخطورة التي كانت عليها تلك القوة المسلمة القليلة العدد التي هي في حالة أشبه ما تكون بالتطويق.
النبي يفاوض غطفان لتخلى بينه وبين اليهود:
ونظرًا للموقف الخطير الذي صارت إليه القوات الإسلامية الغازية قبل بدئها الهجوم على خيبر، فقد قام النبي - ﷺ - كقائد عَسكرى مسؤول-
_________________
(١) مختصر مغازى الواقدي ص ٣١٢.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٠ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٧٥.
(٣) مختصر مغازى الواقدي ص ٣١٢.
[ ٦ / ٨٣ ]
بالاتصال بقادة قبائل غطفان ونصحهم بأن يلتزموا جانب الحياد في الصراع الذي سيدور بينه وبين خيبر، وأبلغهم (مؤكدًا لهم) بأن الله سيفتح عليه خيبر لا محالة، لأنه وعده بذلك، ووعده لن يخلفه. .
فقد بعث إلى غطفان وبنى أسد رسالة قال فيها: "أن خلوا بيني وبين القوم (يعني اليهود)، فإن الله قد وعدنى أن يفتحها لي" (أي خيبر).
ويقول المؤرخون أن النبي - ﷺ - ليجنب جيشه خطر مؤازرة قبائل غطفان وأسد لليهود ضده أبلغ رؤساء هذه القبائل بأنه على استعداد بأن تكون خيبر لهم إن هم أسلموا وخلّوا بينه وبين هؤلاء اليهود، وبعض المؤرخين ذكر أنه لم يشترط إسلامهم، بل طلب منهم التزام جانب الحياد فلا يعينوا اليهود عليهم، على أن يعطيهم مقابل ذلك نصف ثمار خيبر بعد فتحها (١).
ولا يستبعد أن يكون النبي القائد - ﷺ - في سبيل تجنيب جيشه شر مقاتلة هذه القبائل الوثنية الضاربة- قد نقدم إلى زعمائها بكلا العرضين الآخر بعد الأول.
إلا أن رؤساء هذه القبائل (على أي حال) قد ركبهم الغرور حين رأوا تلك القوات الضاربة منهم ومن حلفائهم اليهود. . خمسة عشر ألف مقاتل على وشك الإحاطة بألف وأربعمائة من المسلمين بعيدين عن حاضرتهم المدينة. . فظنوا أنهم الغالبون لا محالة وأنها ستكون حرب أحزاب ظافرة مظفرة ضد المسلمين لا كحرب الأحزاب الأولى التي اشتركت فيها قريش وقريظة حول أسوار المدينة في السنة الرابعة من الهجرة والتي كانت نتيجتها الفشل.
لذلك رفض رؤساء هذه القبائل كل العروض النبوية وأبوا أن يلتزموا جانب الحياد، فأبلغوا النبي - ﷺ - أنهم لن يتخلوا عن حلفائهم اليهود وأنهم سيقاتلونه إلى جانبهم (٢).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٧٥.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨١ ومختصر الواقدي ص ٣١٢ والسيرة الحلبية ٢ ص ١٧٥.
[ ٦ / ٨٤ ]
وذكر الإمام الواقدي في كتابه المغازي (ج ٢ ص ٦٥٠ تحقيق الدكتور مارسدن جونس، نشر جامعة أكسفورد): أن النبي - ﷺ - لما علم بمظاهرة غطفان اليهود عليه ومدَّهم بكتائب مسلحة ضد المسلمين، بعث - ﷺ - بسيد الخزرج سعد بن عبادة إلى قائد غطفان عيينة بن حصن (وكان في حصن مرحب وقتئذ ينسق مع اليهود على ما يظهر).
ولما علم عيينة أن سعدًا مبعوث إليه من النبي - ﷺ - أراد أن يدخله الحصن، فاعترض على ذلك القائد اليهودى مرحب قائلا: لا تدخله فيرى خلل حصننا ويعرف نواحيه التي يؤتى منها، ولكن تخرج إليه، فقال عيينة: لقد أحببت أن يدخل فيرى حصانته ويرى عددًا كثيرًا، فأبى مرحب أن يدخله.
فخرج عيينة واجتمع بسعد عند باب الحصن، فأبلغ سعد عيينة رسالة رسول الله - ﷺ - قائلًا: إن رسول الله - ﷺ - أرسلنى إليك يقول: إن الله قد وعدنى خيبر فارجعوا وكفُّوا، فإن ظهرنا عليها فلكم تمر خيبر سنة، فقال عيينة: إنا والله ما كنا نسلّم حلفاءنا لشئ، وإنا لنعلم ما لك ولمن معك بما ها هنا طاقة هؤلاء (يعني اليهود) قوم أهل حصون منيعة، ورجال عددهم كثير، وسلاح، إن أقمت هلكت ومن معك، وإن أردت القتال عجَّلوا عليك بالرجال والسلاح، ولا والله، ما هؤلاء كقريش، قوم ساروا إليك، إن أصابوا منك غرّة، فذاك الذي أرادوا وإلا انصرفوا، وهؤلاء يماكرونك الحرب ويطاولونك حتى تملّهم.
هذه هي الرسالة التي طلب عيينة بن حصن من سعد بن عبادة أن يبلغها النبي - ﷺ - ردًّا على رسالته الآنفة الذكر.
غير أن سعدًا قبل أن يعود إلى النبي - ﷺ - قال لعيينة بن حصن: اشهد ليحضرنك في حصنك (١) هذا حتى تطلب الذي كنا عرضنا
_________________
(١) أكثر الروايات تشير إلى أن قوات غطفان الرئيسية (التي جاءت مددًا لليهود والبالغ عددها أربعة آلاف مقاتل لم يدخلها عيينة بن حصن في حصون اليهود، لأنها عادت إلى بلادها بعد أن قطعت مرحلة فقط كما صرح بذلك ابن إسحاق، وعليه يمكن القول أن وجود عيينة بن حصن في قلعة مرحب إنما كان للتفاوض والتنسيق وتفقد القوات الرمزية الغطفانية التي ترابط مع اليهود في حصونهم بقيادة حذيفة بن بدر.
[ ٦ / ٨٥ ]
عليك، فلا نعطيك إلا السيف، وقد رأيت يا عيينة من قد حللنا بساحته من يهود يثرب، مزِّقوا كلَّ ممزق.
وبعد ذلك رجع سعد إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما قال عيينة. . وقال سعد: يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعدك ومظهر دينه، فلا تعط هذا الأعرابي (يعني عيينة) تمرة واحدة، يا رسول الله، لئن أخذه السيف ليسلمنهم وليهربن إلى بلاده كما فعل ذلك قبل يوم الخندق.
فلما يئس رسول الله - ﷺ - من أن تقبل غطفان العرض الذي عرضه عليها من إعطائها تمر خيبر سنة واحدة، أمر قواته بالهجوم على الحصن الذي ترابط فيه قوات غطفان مع اليهود وهو حصن ناعم (حصن) مرحب وكان أول حصن يفتحه المسلمون، بعد أن هرب الغطفانيون منه قبل الهجوم عليه كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
وتنفيذًا لقرار محاربة غطفان الرسول - ﷺ - في صف اليهود أصدروا أمرهم إلى الكتائب من بني أسد وغطفان (والتي كانت قد رابطت مع اليهود في حصونهم قبل أن يتحرك النبي - ﷺ - من المدينة) بأن تظل مكانها إلى جانب اليهود. . أما القوات الرئيسية من هذه القبائل الوثنية وهي أربعة آلاف مقاتل فقد أخذت في التحرك من الوراء لتضرب المسلمين ساعة الصفر من الخلف.
تأزم الموقف لدى المسلمين:
ونتيجة إصرار غطفان وأسد على محاربة المسلمين إلى جانب اليهود أصبح الموقف بالنسبة للمسلمين موقفًا دقيقًا وحرجًا. . إلا أن ذلك لم يفتّ في عضدهم ولم يثنهم عن عزمهم، فقد استمروا في تحركهم في اتجاه خيبر واثقين من نصر الله تعالى وقد وعدهم ذلك، والله لن يخلف وعده. . ولذلك فقد سار المسلمون في طريقهم نحو المعركة الفاصلة وكلهم ثقة واطمئنان، فلم يكن لتلك القوات الضاربة من الأعداء (اليهود وغطفان وأسد والتي قررت منازلتهم مجتمعة) لم يكن لها أي أثر ضار على معنوياتهم الحربية، لأنهم بعد وعد الله الذي وعدهم لم يعودوا يزنوا الأمور ويقيسوها
[ ٦ / ٨٦ ]
بموازين ومقاييس مادية صرفة من حيث العدد والعدة ولو فعلوا ذلك لأدخل في روعهم أنهم الهالكون. . لأن قدرة ألف وأربعمائة على مواجهة خمس عشر ألفًا هي (في عرف المقاييس والتقديرات العسكرية المجردة) كقدرة العصا على مواجهة السيف.
ولكن الثقة بالله والاطمئنان إلى وعده بالنصر وزخم العقيدة الصافية الذي يدفعهم إلى الإمام. . كل ذلك كان قاعدتهم التي فها ينطلقون وعلى ضوئها الأمور يزنون.
وباختصار، فإن النبي - ﷺ - وأصحابه عندما استمروا في زحفهم على خيبر ليواجهوا خمسة عشر ألف مقاتل وهم (فقط) ألف وأربعمائة. . عندما فعلوا ذلك، لم يقيسوا الأمور حسب موازين الأرض وإنما قاسوها حسب موازين السماء واعتمادًا على صلتهم برب الأرض والسماء الذي لم يكن تحركهم من المدينة إلا في سبيل مرضاته ولإعلاء كلمته.
ولهذا فقد كانت نفس كل واحد منهم مشحونة بطاقات روحية هائلة تجعله في قرارة نفسه موقنًا بأنه قادر على أن يواجه بمفرده مائة من أعدائه ويتغلب عليهم.
وهذا هو سر صمودهم وثباتهم وعدم اكتراثهم بتلك القوات الضاربة من الأعراب واليهود التي أجمعت على حربهم وهم بعيدون عن أرضهم.
الانتصار بالرعب:
وعلى كل حال، وبالرغم من أن كل شيء (حسب المقاييس المادية المجردة) هو ضد المسلمين وإلى جانب اليهود وحلفائهم في هذه الحرب التي قرر النبي - ﷺ - خوضها لإنهاء الوجود اليهودى الزنيم، فقد مضى المسلمون لسبيلهم وساروا نحو خيبر على تعبئتهم وحسب الخطة التي رسموها لخوض المعركة، غير مبالين بتلك القوات الضاربة من اليهود والأعراب.
بشائر النصر قبل الاشتباك:
وقبل أن يحدث أي اشتباك مسلَّح بين المسلمين وأعدائهم بدت بشائر
[ ٦ / ٨٧ ]
النصر للمسلمين تلمع في الأفق، وبدأت الصفوة من أصحاب محمد - ﷺ - ترى وعد الله لها بالنصر يظهر جليًّا في صور شتى وهو يكاد يتجسد، فقويت نفوسهم (وهي القوية أصلًا) وازدادوا عزمًا على عزم، وصار لديهم اليقين الذي لا يخالطه أي شك أن قوات أعدائهم المحيطة بهم من جانب والتي لا تقل عن خمسة عشر ألف مقاتل لا تلبث أن يهزمها الله وينزل الرعب في قلوبها فتنداح أمامهم ساعة الروع كما ينداح الورق اليابس أمام العاصفةِ في فصل الخريف.
غطفان ترجع هاربة إلى بلادها قبل نشوب القتال:
لقد جاء في الحديث النبوى الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: "نُصِرتُ بالرعب".
وهذا هو الذي حدث بالفعل للقوات الرئيسية من قبائل غطفان وهي القوات انتى بلغت أربعة آلاف مقاتل، وخرجت من ديارهم تسير خلف المسلمين وهم سائرون إلى خيبر وتتعقبهم قاطعة عليهم خط الرجعة ومقررة الهجوم عليهم من الخلف لإرباكهم وجعلهم بينها وبين حلفائها من يهود خيبر الهدف الرئيسى لتحركات الجيش النبوى.
فقد ذكر المؤرخون أن هذه القوات النجدية الوثنية الضاربة بينما كانت تتحرك في إثر النبي - ﷺ - وأصحابه لتضربهم من الخلف لحساب يهود خيبر حلفائها إذا بقادة هذه القوات يسمعون صريخ من خلفهم يصيح فيهم منذرًا إياهم بأن كتائب من المسلمين قد خلفوهم وأغاروا على ديارهم ومضاربهم وأنهم على وشك استياق أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم.
قال ابن إسحاق: بلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله - ﷺ - من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا، ليظاهروا (١) يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة (أي مرحلة) سمعوا خلفهم في أموالهم، ظنوا أن القوم (أي المسلمين) قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله - ﷺ - وبين خيبر (٢). كما سمع الذين مع
_________________
(١) ظاهر عليه، أعان عليه.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٠.
[ ٦ / ٨٨ ]
اليهود في حصونهم صوت نفس الصائح فانسحبوا وتركوا اليهود وحدهم.
وأعطى الإمام الواقدي تفصيلات أوسع عن هذه القصة فقال: (بعد أن ذكر كيف رفض عيينة بن حصن قائد غطفان العرض الذي بموجبه تعهد النبي - ﷺ - إعطاءهم تمر خيبر لسنة إن هم خلّوا بينه وبين اليهود): إن غطفان سمعوا صائحًا يصيح لا يدرون من السماء أو من الأرض: يا معشر غظفان أهلكم أهلكم، الغوث، الغوث بحيفاء -صيحَ ثلاث مراث- لا تربة ولا مال، قال: فخرجت غطفان على الصعب والذلول، وكان أمرًا صنعه الله ﷿ لنبيه. فلما أصبحوا أُخبر كنانة بن أبي الحقيق (سيد خيبر) وهو في الكتيبة (١) بانصرافهم فسُقِطَ في يديه، وذل، وأيقن بالهلكة وقال: كنا من هؤلاء الأعراب في باطل، إنَّا سرنا فيهم فوعدونا النصر وغرونا، ولعمرى لولا ما وعدونا من نصرهم ما نابذنا محمدًا بالحرب، ولم نحفظ كلام سلام بن أبي الحقيق (٢) إذ قال: لا تستنصروا بهؤلاء الأعراب (يعني غطفان) أبدًا، فإنا قد بلوناهم، وجلباهم لنصر بني قريظة ثم غروهم. فلم نر عندهم وفاء لنا، وقد سار فيهم حُييّ بن أخطب وجعلوا يطلبون الصلح من محمد، ثم زحف محمد إلى بني قريظة وانكشفت غطفان راجعة إلى أهلها (٣).
ثم يستمر الواقدي في سرد قصة انسحاب غطفان مرعوبين فيقول: فلما انتهى الغطفانيون إلى أهلهم بحيفاء وجدوا أهلهم على حالهم فقالوا: هل راعكم شيء؟ قالوا: لا والله، فقالوا (أي أهلهم): لقد ظننا أنكم قد غنمتم، فما نرى معكم غنيمة ولا خيرًا! ! فقال عيينة بن حصن لأصحابه: هذا والله من مكائد محمد وأصحابه، خدعنا والله! فقال له الحارث بن عوف المرّى (٤): بأي شيء؟ قال عيينة: إنا في حصن النطاة
_________________
(١) الكتيبة: منطقة في خيبر بها حصون لهم.
(٢) سلام بن أبي الحقيق هو أبو رافع اليهودى ملك خيبر الذي قتله الفدائيون المسلمون الخمسة قبل غزوة خيبر كما تقدم.
(٣) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٥١.
(٤) كان الحارث هذا قائد أحد الأجنحة الأربعة في حرب الأحزاب ضد المسلمين عام ٤ من الهجرة.
[ ٦ / ٨٩ ]
بعد هدْأة (الهَدْأة أول الليل) إذ سمعنا صائحًا يصيح، لا ندرى من السماء أو من الأرض: أهليكم أهليكم بحيفاء -صيح ثلاثة- فلا تربة ولا مال، فقال الحارث بن عوف: يا عيينة والله لقد غَبِرت (أي بقيت) إن انتفعت. والله إن الذي سمعت لمن السماء، والله ليظهرنّ محمد على من ناوأه حتى لو ناوأته الجبال لأدرك منها ما أراد. فأقام عيينة أيامًا في أهله ثم دعا أصحابه للخروج إلى نصر اليهود، فجاءه الحارث بن عوف فقال: يا عيينة أطعنى وأقم في منزلك ودع نصر اليهود، مع أنى لا أراك ترجع إلى خيبر إلا وقد فتحها محمد، ولا آمن عليك.
فأبى عيينة أن يقبل قوله وقال: (لا أسلم حلفائى لشئ) (١). ثم تحرك عيينة بمن أطاعه من غطفان محاولًا إمداد يهود خيبر ومساندتهم ضد المسلمين، إلا أنه لم يصل خيبر حتى وجد النبي - ﷺ - قد استولى عليها كلها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٥٢.
[ ٦ / ٩٠ ]
الفصل الثالث
• دعوة اليهود إلى الإسلام.
• اليهود يرفضون الدعوة.
• الهجوم على خيبر.
• ضراوة القتال وعنفه.
• شراسة اليهود في المقاومة.
• مصرع قادة اليهود مبارزة أمام حصونهم.
• تحقيق المقام حول قاتل الفارس اليهودى، مرحب.
• النبي يُجرح بنبال اليهود أثناء القتال.
• سقوط خمس قلاع في أيدى المسلمين.
• انهيار مقاومة اليهود في القسم الأول من خيبر.
• سيطرة المسلمين على الشطر الأول والأهم من خيبر.
• انسحاب بقايا المقاتلين اليهود إلى الشطر الثاني من خيبر.
• تحقيق المقام في تزوج النبي - ﷺ - من ابنة سيد اليهود (صفيّة) بعد أسرها.
[ ٦ / ٩١ ]
وصول المسلمين إلى خيبر:
استمر النبي - ﷺ - في زحفه نحو خيبر، وبينما هو يسير بالجيش طلب من أحد أصحابه (وهو عامر بن الأكوع) أن يحدو لهم: والحداء هو إنشاد يرفع به الحادي صوته مع الترنيم فتنشط لذلك الإبل في سيرها.
فنزل عامر بن الأكوع عند رغبة الرسول - ﷺ - وأخذ يحدو للجيش بهذه الأبيات:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلَّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
وذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - أُعجب بحداء ابن الأكوع فقال: يرحمك الله.
وكان النبي - ﷺ - إذا قال لإنسان يرحمك الله، قتل شهيدًا، ولهذا قال عمر بن الخطاب للنبي - ﷺ -: وجبت يا رسول الله .. (أي الشهادة) هلا أمتعتنا به؟ .
وفعلًا رزق الله عامر بن الأكوع الشهادة في معركة خيبر، حيث بارز أحد اليهود، وأثناء البراز أراد أن يضرب ساق اليهودى بسيفه (وكان قصيرًا) فعاد عليه السيف فأصاب عين ركبته فمات متأثرًا بالجرح الذي أصابه من سيفه، فقال البعض: إن عامر بن الأكوع قد حبط عمله على اعتبار أنه قتل نفسه (بزعمهم) فاغتم أخوه سلمة بن الأكوع (١) لهذا القول، ولما رآه رسول الله كذلك أخذ بيديه وقال له: ما لك؟ .
قال: فداك أبي وأمى، زعموا أن عامرًا حبط عمله، فقال النبي - ﷺ -: كذب من قال، إن له أجرين (وجمع بين أصبعيه): إنه لجاهِدٌ مجاهدٌ، قلَّ عربي مشى بها مثله.
أربعوا على أنفسكم:
وفي غزوة خيبر -والجيش في طريقه إليها- رفع بعض الجيش أصواتهم
_________________
(١) رواه مسلم، وذكره في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٢.
[ ٦ / ٩٢ ]
بالدعاء والتكبير، فأحدثوا ضجة، فقال النبي - ﷺ -: أيها الناس اربعوا على أنفسكم (أي ارفقوا بها) فإنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا.
وفي هذا الحديث الشيء العظيم من التربية والتوجيه وهو من قواعد التربية الإسلامية إذ أنه يدل على حب النبي - ﷺ - للهدوء والنظام وكرهه للضوضاء وارتفاع الأصوات (حتى ولو كان بذكر الله) في ظروف الحرب التي تتطلب الهدوء والسكينة.
دعاء النبي - ﷺ -:
وعندما وصل النبي - ﷺ - وأشرف على منطقة خيبر، أمر الجيش بالوقوف ثم دعا بهذا الدعاء:
"اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها"، كم قال لأصحابه "أقدموا باسم الله" (١).
مفاجأة اليهود:
وقد عمّى الله على اليهود فلم يعلموا إلا والمسلمون يصبِّحون خيبر، وذلك بالرغم من أن الطابور الخامس (من المنافقين ويهود يثرب) قد أخبروا اليهود بتحرك المسلمين.
وقد كان وصول النبي - ﷺ - بجيشه إلى خيبر (ليلًا) ولم تكن سياسته الحربية إنشاب القتال مع العدو في الليل إلا إذا اضطر كما حدث في معركة الخندق.
ويظهر أن اتباع هذه السياسة راجع إلى أن قيام المسلمين بالهجوم وخوض المعارك مع الأعداء على أرض يجهلونها ولا يعرفون شيئًا عن طبيعتها فيه مخاطرة كبرى بمصيرهم، وهذا (والله أعلم) هو الذي حمل النبي - ﷺ - على أن يبيت بجيشه بالقرب من خيبر، ولا يبدأ بالهجوم إلا في
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٢٧.
[ ٦ / ٩٣ ]
الصباح. وكان اليهود (حتى اليوم الذي وصل فيه النبي - ﷺ - مشارف خيبر) يَصْحَون من نومهم قبل الفجر فيرتدون أسلحتهم لأنهم كانوا يتوقعون أن يقوم المسلمون بمهاجتهم في أية لحظة وكانوا فوق ذلك يستعرضون المقاتلين اليهود كل يوم استعدادًا للمواجهة وتقوية لقلوبهم إلا أن الله تعالى أخذهم بالنوم ليلة وصول النبي - ﷺ - بجيشه، فلم يلبسوا السلاح كعادتهم، قبل الفجر، بل ناموا ولم يتحركوا، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، فأصبحوا وأفئدتهم ترجف، ولم يشعروا إلا وجيش الإسلام أمام حصونهم.
فقد فتحوا الحصون صباح ذلك اليوم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحى والكرازين والمكاتل متجهين نحو مزارعهم، فلما رأوا المسلمين صاحوا (في جزع): محمد والخميس، ثم ولوا هاربين إلى حصونهم. فلما رآهم النبي - ﷺ - قال: -مبشرًا بالفتح- "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
لا تمنوا لقاء العدو:
ومن الآداب والمواعظ الحربية التي وجهها النبي القائد - ﷺ - إلى جيشه، هو أنه عند الهجوم قال - ﷺ - لأصحابه (وكأنه لحظ عليهم التلهف للقتال): لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإنكم لا تدرون ما تبتلون به، فإذا لقيتموه، فقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تقتلهم أنت.
ثم علمهم بعض أساليب الحرب ساعة الالتحام، فقال - ﷺ -: "ثم الزموا الأرض جلوسًا، فإذا غشوم فانهضوا وكبروا".
كيف بدأ القتال:
تنقسم مدينة خيبر (يوم فتحها) إلى شطرين في كل منهما عدة حصون وقلاع حربية، إلا أن أهم هذه القلاع والحصون ثمانية يقع منها خمسة في الشطر الأول من خيبر، وحيث دارت أعنف المعارك بين المسلمين
[ ٦ / ٩٤ ]
واليهود .. وهذه الحصون الخمسة هي:
١ - حصن ناعم، وهو أول ما هاجمه المسلمون وأمامه قتل (مرحب) الذي كان يتولى وإخوته الدفاع عنه.
٢ - حصن الصعب بن معاذ، وهو أعظم حصن فتحه المسلمون فوجدوا فيه المواد الغذائية والعتاد الحربى ما تقووا به إلى حد بعيد.
٣ - حصن (قلعة الزبير).
٤ - حصن (أبيّ).
٥ - حصن النزار (وبعضهم يسميه حصن البزاة).
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها (النّطاة) أما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى (بالشق)، فالمؤرخون يقسمون الشطر الأول من المدينة إلى قسمين (الشق والنطاة).
وحصون الشق والنطاة كانت بمجموعها تمثل خط الدفاع الأول عن المدينة كلها، وقد افتتح المسلمون الحصون هذه كلها عنوة بعد قتال مرير ضارٍ حيث دارت حولها أعنف المعارك.
أما الشطر الثاني من خيبر فتوجد به حصون وقلاع حربية إلا أن أهمها ثلاثة حصون فقط، وهي:
١ - حصن القموص الخاص (ببنى أبي الحقيق من يهود بني النضير).
٢ - حصن الوطيح.
٣ - حصن السلالم.
وهذه الحصون الثلاثة مع مناعتها وقوتها وكثرة المحاربين فيها قد سلمت دون أن يحدث حولها اشتباك كما حدث حول حصون النطاة والشق، إنما سلم أهلها بعد أن ضرسهم الحصار الشديد الذي ضربه المسلمون عليهم، فطلبوا المفاوضة وسلموا على أساس الصلح والجلاء كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
[ ٦ / ٩٥ ]
عدم التناسق في وصف المؤرخين للمعركة:
بالرغم من أن معركة خيبر هي من أكبر وأطول المعارك الحاسمة التي خاضها النبي - ﷺ - فإن رصيدها من التفاصيل في وصف العمليات الحربية في أُمهات التاريخ غير متكامل كما يجب.
فلا شك أن كل حصن من الحصون التي فتحها المسلمون بقوة السلاح (وهي ثمانية حصون) كان لفتحه قصة يتوق القارئ إلى معرفتها بالتفصيل.
ولكن المؤسف هو أن أغلبية المؤرخين ﵏ يكتفون أحيانًا بالإشارة العابرة فقط إلى فتح الحصن دونما ذكر للتفاصيل، كما أن الوصف في سير المعركة في كل أُمهات التاريخ وصف مبعثر، وأحيانًا يستفيضون حيث ينبغي الإيجاز، ويوجزون حيث ينبغي التوسع والاستفاضة، ويقدمون ما ينبغي تأخيره ويؤخرون ما ينبغي تقديمه.
وهذا كله يجعل مهمة المؤرخ الحديث (الذي يرغب في أن يقدم للقراء وصفًا سهلًا متناسقًا) مهمة صعبة، وهذا الذي حدث لنا بالفعل، فإننا لم نلاق فيما ألفَّنا عن المعارك الفاصلة من الصعوبة في ربط الحوادث بعضها ببعض وتنسيقها وترتيبها مثلما لاقينا في تأليفنا لهذا الكتاب، وقد بذلنا الجهد قدر المستطاع ونرجو أن نكون قد أرضينا القارئ الكريم.
دعوة اليهود إلى الإِسلام .. وعدم ذكر الجزية:
كان أول شيء أقدم عليه النبي القائد - ﷺ - أن دعا اليهود إلى الإسلام ليدخلوا فيه فينصرف عنهم بعد أن يكونوا جزءًا من الأسرة الإسلامية.
وتلك طريقة الإسلام المتبعة عند أول لقاء يحدث في ميدان الحرب بين المسلمين وأهل الكتاب.
ويحدِّثنا البخاري أن علي بن أبي طالب كان أول قائد عرض على هؤلاء اليهود الإِسلام قبل القتال، وذلك بأمر من رسول الله - ﷺ -.
فقد استدعى النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب (ليلة الدخول) فأعطاه الراية
[ ٦ / ٩٦ ]
فقال علي: يا رسول الله .. أقاتلهما حتى يكونوا مثلنا؟ فقال - ﷺ - أنقذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لِأنْ يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم (١).
وقد أبى اليهود الدخول في الإِسلاء، فهاجم المسلمون حصونهم حتى تم النصر للمسلمين عليهم.
لماذا لم يطالبوا بالجزية:
وهنا سؤال قد يعرض للقارئ وهو أن طريقة المسلمين مع أهل الكتاب (واليهود منهم) هي أنهم عندما يقومون بغزوهم لا يباشرون القتال ضدهم حتى يخيِّروهم بين واحد من ثلاث: إما الدخول في الإسلام فيكونون بذلك جزءًا من الأسرة الإِسلامية، وإما أن يدفعوا الجزية مقابل حمايتهم، وإلا فالقتال.
لكن النبي - ﷺ - عندما قام بغزو اليهود في خيبر لم يعرض عليهم دفع الجزية بل عرض عليهم الإسلام، ولما رفضوا الدخول فيه قاتلهم .. فلماذا لم يعرض عليه أن يدفعوا الجزية مقابل حمايتهم وإقرارهم على أرضهم وأموالهم والتكفُّل بصيانة أرواحهم وأعراضهم من قبل قوات الأمن الإِسلامية كما يفعل دائمًا مع غيرهم من أهل الكتاب؟ وكما فعل مع يهود تيماء ونصارى نجران ومجوس هجر؟
يجيب بعض المؤرخين على هذا السؤال بقولهم: إن القرآن لم يكن قد نزل بتشريع قبول الجزية من أهل الكتاب وقت قيام النبي - ﷺ - بمحاربة اليهود في خيبر.
وهذا الجواب مع كونه قد يكون صحيحًا من حيث كون تشريع الجزية لم ينزل إلا بعد فتح خيبر، إلا أننا نعتقد (وهذا مجرد اجتهاد) أنه حتى لو كان التشريع بقبول الجزية نزل قبل غزو خيبر، فإن النبي - ﷺ - لا يمكن أن يعتبر يهود خيبر من الذين يمكن الاطمئنان إلى التعاهد معهم على دفع الجزية
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٢٠ طبعة إدارة الطباعة المنيرية.
[ ٦ / ٩٧ ]
ليبقى لهم بعد مطلق الحرية مع التزام المسلمين بحمايتهم، بل لا بد من هدم سلطانهم ومحو كيانهم عن طريق الحرب أو يستسلموا دونما قيد أو شرط كخونة ومتآمرين سيظلون مصدر تهديد لأمن وسلامة المسلمين إذا لم تحتل مواقعهم ويقضى عليهم فيها كقواعد للعدوان على الإِسلام والمسلمين.
وقد أثبتت التجارب (عبر سبع سنوات ذهب فيها النبي - ﷺ - أقصى حدود التسامح مع هؤلاء اليهود) .. أثبتت بأن هؤلاء اليهود أشبه بغدة السرطان في الجسم لا يجدى معها علاج سوى استئصالها كليًّا.
فقد حصل اليهود (في ظل التسامح الإِسلامي) على ما هو أكرم لهم من قبول النبي - ﷺ - الجزية منهم، وهو قبول النبي - ﷺ - عن طيب خاطر وصفاء نية- أن يكون هؤلاء اليهود حلفاء للمسلمين ومواطنين لهم، آمنين على أرواحهم وأعراضيم أحرارًا في دينهم، دون أن يأخذ المسلمون منهم درهمًا واحدًا مقابل ذلك. مع كون السلطان المطلق لهم في يثرب، فقد كانوا (بموجب معاهدة يثرب) أمة مع المسلمين لهم ما هم وعليهم ما عليهم، الأمر الذي يمكن تسميته بأنهم كانوا (بموجب هذه المعاهدة) أمة ذات كيان مستقل تتساوى مع أمة الإسلام في جميع الحقوق دونما تمييز (١).
ولكن بماذا قابل اليهود هذا التسامح وحسن المعاملة وكرم المواطنة الذي جعلهم (بالرغم من كونهم أقلية يهودية أجنبية بين أكثرية عربية إسلامية) لا يشعرون بأي تغيير في حياتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية التي كانوا عليها قبل سيطرة الإسلام على يثرب؟
قابل اليهود كل هذا التسامح والكرم وشرف المقصد وحسن المعاملة بالغدر والخيانة والتآمر والعدوان ونقض العهود والمواثيق في أدق الساعات وأحرج الظروف .. خُلُقٌ إسرائيلي قبيح لازمهم ولا يزال يلازمهم منذ أن لعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم.
_________________
(١) انظر كتابنا (غزوة الأحزاب) وكتابنا (غزوة بني قريظة) .. الفصل الثاني الخاص بتاريخ اليهود.
[ ٦ / ٩٨ ]
فقد عانى النبي - ﷺ - وأصحابه (في يثرب) من هذا الخلق اليهودى أشد المتاعب وواجه أخطر المشاكل وتعرض لشتى المؤامرات، ومع ذلك ظل التسامح مع هؤلاء اليهود والصفح عنهم شعار النبي - ﷺ - حيث كان يقابل غدرهم وتآمرهم بالكف عن دمائهم التي كان قادرًا على سفكها.
وآخر إجراءات العفو والتسامح التي اتبعها النبي - ﷺ - مع هؤلاء اليهود، هي معاملته يهود بني النضير في المدينة حيث حقن دماءهم وأعفى نساءهم وذراريهم من السبى وسمح لهم بأن يهاجروا إلى أي مكان شاؤوا آمنين على أرواحهم وما قدروا على حمله من أموالهم.
غير أن هؤلاء اليهود لم يكد يستقر بهم المقام في (خيبر) حتى جعلوا منها أخطر قاعدة للعدوان على الإِسلام والمسلمين فلاقى المسلمون نتيجة وجود هذه القاعدة أشد المتاعب وأخطر الأهوال التي كادت تعصف بوجودهم وتمحو كيانهم على النحو الذي فصلناه في كتابينا (غزوة الأحزاب وبنى قريظة).
فأثبت هؤلاء اليهود بذلك (وبما لا يدع مجالًا للشك) أنهم -ما بقوا على قيد الحياة- لن يرضوا بغير هدم كيان الإِسلام واستئصال شأفة المسلمين، مهما بلغ المسلمون معهم في الصفح وحسن المعاملة، ومهما أعطى اليهود من عهود وأبرموا من مواثيق.
لذلك كان من البديهى (بل من الضرورى) أن لا يسلك النبي القائد - ﷺ - غير سبيل القضاء على هؤلاء اليهود وسحق كيانهم إتقاءً لشرهم وقطعًا لتيار خطر عدوانهم الذي ما كان ليتوقف لولا أن النبي - ﷺ - نقل المعركة إلى ديارهم واحتل قواعد عدوانهم، فضمن بذلك أمن وسلامة المسلمين من شر عدوان وغدر هؤلاء اليهود.
من هنا (والله أعلم) جاء السبب في أن النبي - ﷺ - وخلفاءه من بعده (وبعد التشريع بقبول الجزية من أهل الكتاب) لم يعاملوا يهود خيبر كما يعاملون بقية أهل الكتاب من مختلف الطوائف من الاكتفاء بإعطائهم الجزية، لأن هؤلاء اليهود أصبح لهم حكم الخونة الناكثين الذين تكرر منهم الغدر والخيانة والتمرد والتآمر وأثبتت التجارب المتكررة أنهم لا يمكن أن يفوا
[ ٦ / ٩٩ ]
بعهد أو يلتزموا بميثاق .. وقيول المسلمين الجزية من يهود خيبر هو ميثاق من المواثيق .. وعقد مثل هذا الميثاق -مع هؤلاء اليهود- قد أثبتت التجارب عبر السنوات السبع أن لا فائدة منه مطلقًا، بل قد يكون فرصة جديدة يغتنمها هؤلاء اليهود ليسددوا ضربة غدر جديدة للإطاحة بالمسلمين كما فعل بنو النضير حين حزبوا الأحزاب، وبنو قريظة حين نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين في أدق ساعات مصيرهم.
لهذا (والله أعلم) لم يقبل النبي من يهود خيبر إلا أحد أمرين إما الدخول في الإسلام فالاندماج في الأسرة الإِسلامية، وإما الصدام المسلح حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا .. ويدلنا على صحة ما ذهبنا إليه في هذا التحليل والاستنتاج أن النبي - ﷺ - حين أصر على محاربة يهود خيبر دون أن يعرض عليهم أن يدفعوا الجزية ليبقى لهم كيانهم وأموالهم، قد قبل (في نفس الوقت) الجزية من يهود تيماء وترك لهم كل أموالهم ولم يعاملهم كمحاربين فتركوا أحرارًا فلم يأخذ منهم أسيرًا ولم يسبِ منهم امرأة أو طفلًا وكذلك فعل مع يهود (فدك) حين صالحهم وقبل منهم نصف أراضيهم وتركوا أحرارا في بلادهم بالرغم من أن (فدك) تعتبر من ضواحي خيبر.
ولا شك أن النبي - ﷺ - لم يسلك هذا المسلك في التمييز في المعاملة بين يهود تيماء وفدك وبين يهود خيبر، إلا لأن الأولين لم يشكلوا الخطر الذي يشكله يهود خيبر على أمن وسلامة الكيان الإِسلامي بعدوانهم المتواصل ومؤامراتهم التي لم تنقطع إلا حينما سحق المسلمون كيانهم الزنيم الدخيل بالاستيلاء على خيبر .. ولأن يهود تيماء والشمال وفدك، لم يكن لهم أية يد في أعمال التحريض والتحزيب والعدوان الآثم المخيف الذي رسمت مخططاته في خيبر وقامت به الأحزاب بقيادة سادات خيبر أنفسهم عام الخندق (السنة الرابعة من الهجرة).
بدء المعركة:
رفض يهود خيبر الدعوة إلى السلام والتي حملها إليهم علي بن أبي طالب متمثلة في دعوتهم إلى الدخول في الإِسلام لتحقن دماؤهم وليكونوا مع
[ ٦ / ١٠٠ ]
العرب المسلمين على قدم المساواة في جميع الحقوق ولينجوا من ظلام الكفر إلى نور التوحيد.
لقد كان جواب يهود خيبر (وكانوا معتزين بكثرة عددهم وقال عتادهم وعدتهم) كان جوابهم على دعوة السلام الرفض البات، بل كان الجواب من اليهود هو البدء بالحرب حيث شنوا في اليوم الأول من وصول النبي - ﷺ - إلى خيبر هجومًا عنيفًا على المسلمين كان من نتيجته استشهاد عدد منهم وإصابة خمسين بجراح نقلوا على أثرها إلى مركز الإِسعاف في معسكر المسلمين (١).
تنظيم القيادات وتوزيع الرايات:
أخذ - ﷺ - في تعبئة جيشه وتوزيع القيادات، بعد أن أصرَّ اليهود على رفض دعوة السلام وقرروا سلوك سبيل الحرب.
العلم النبوي:
كان العلم النبوى (علم القيادة العليا) يوم خيبر، علمًا أبيضًا يقال له: العقاب، وكان مكتوبًا فيه بالسواد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهذا اللواء هو الذي دفعه النبي - ﷺ - إلى على أبي طالب في اليوم الأول حينما أمره بدعوة اليهود إلى السلام والدخول في الإِسلام (٢).
أربع رايات للمهاجرين والأنصار:
وقبل الهجوم وزَّع النبي - ﷺ - أربع رايات على أربع قيادات، رايتين للمهاجرين وأعطاهما لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ورايتان للأنصار وأعطاهما لسعد بن عبادة والخباب بن المنذر وذكر ابن سعد وابن إسحاق أن الرايات لم تكن إلا يوم خيبر، وإنما كانت (قبل ذلك
_________________
(١) انظر إمتاع الأسماع ص ٣١٢.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٠.
[ ٦ / ١٠١ ]
اليوم) الألوية، وهذا يعني أن هناك فرقًا في عرف ذلك العصر بين الراية واللواء (١).
الحراسة:
كذلك أنشأ - ﷺ - قوة للحراسة تقوم بالدوريات أثناء الليل لترقب حركات العدو والطواف حول قلاعه وحصونه، وكان من بين الذين يتولون حراسة المعسكر الإسلامي ويقومون بالدورية ليلًا عمر بن الخطاب (٢). أما قيادة المعسكر وإدارة شؤونه في الرجيع فقد أسندت إلى عثمان بن عفّان (٣).
اجتياح مزارع اليهود .. وحرق بعض النخيل:
يستفاد من أحاديث المؤرخين أن أول عمل حربى قام به النبي - ﷺ - بعد إنذار اليهود - هو الشروع في الاستيلاء على مزارعهم: ونخيلهم، كما قام المسلمون بقطع النخيل إرهابا للعدو وكان جملة ما قام المسلمون بقطعه من النخيل أربعمائة نخلة، ثم نهى النبي - ﷺ - عن القطع فتوقف المسلمون، وكانت المزارع التي استولى عليها المسلمون والنخيل التي قطعوها تقع في الشق الأول في منطقة (النطاة) والشق الأول من مدينة خيبر والتي شهدت أعنف المعارك (٤).
مهمة صعبة للغاية:
والمتتبع لمراحل القتال في خيبر يتضح له أن المسلمين كانوا قد واجهوا متاعب عظيمة ومشقات كبيرة وهم يحاولون إنهاء الوجود اليهودى في خيبر.
_________________
(١) انظر طبقات ابن سعد ج ٢ ص ١٠٦ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٠ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٤.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٩.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٣١٢.
(٤) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٨.
[ ٦ / ١٠٢ ]
فبالإضافة إلى مناعة القلاع والحصون المشحونة بالمقاتلين اليهود الذين يفوقون المسلمين أضعافًا مضاعفة، كانت هناك رداءة الجو، فقد أُصيب كثير من المسلمين بالحُمّى وهم لمّا يبدأوا الهجوم على اليهود لأن خيبر منذ القدم مستوطَنٌ للحُمّى بسبب وجود كثرة المستنقعات فيها، وقد أثّرت هذه الحُمَّى على قوى المسلمين الجسدية، ولكن ذلك لم يثنهم عن عزمهم فواصلوا القتال بصبر وجَلدَ حتى تمَّ لهم النصر.
كيف بدأ الهجوم:
هناك اختلاف بين المؤرخين في أي من حصون خيبر كان عرضة للهجوم الأول من قبَل المسلمين، إلا أنه بعد الاستقراء والمقارنة ترجح لدينا أن جمهرة المؤرخين يقولون: إن حصون النطاة والشق (وهي التي تقع في الشطر الأول من مدينة خيبر) كانت أول ما هاجمه المسلمون في خيبر وهي خمسة حصون.
وكان حصن (ناعم) أول حصن من حصون النطاة هاجمه المسلمون.
لقد كانت مهمة اقتحام حصون وقلاع خيبر مهمة صعبة للغاية، فهي حصون منيعة، وفتحها يتطلب آلات تدميرية مثل المنجنيق وباصقات لهب النفط التي كان استعمالها شائعًا لدى كثير من الأم ومنهم يهود خيبر أنفسهم، ولكن المسلمين عندما جاؤوا إلى خيبر لديكن لديهم أي شيء من هذه الآلات التدميرية.
ولهذا فقد لاقوا صعوبة كبيرة للمقاومة العنيدة التي أبداها اليهود المتحصنون وراء أسوار هذه الحصون.
معسكر المسلمين الأول:
كان النبي - ﷺ - كما ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب- قد قرر أن يهاجم خيبر من الناحية الشمالية في أعلى (النطاة) ليحول بين اليهود وبين الشام، ويمنع غطفان من أن تمدهم بالمقاتلين.
وفعلًا جعل النبي - ﷺ - أول مقر لقيادته في أعلى النطاة في منطقة
[ ٦ / ١٠٣ ]
مكشوفة (١) بالقرب من حصن (ناعم) (٢) الذي كان أول حصن هاجمه المسلمون في خيبر، هو حصن مرحب فارس اليهود المشهور الذي قتله علي بن أبي طالب.
فقد ألح النبي - ﷺ - على حصن ناعم (في اليوم الأول من القتال)، واشترك هو نفسه - ﷺ - في القتال أثناء الهجوم على هذا الحصن.
وكان - ﷺ - يمتطى صهوة جواد اسمه الظرب (بفتح أوله وكسر ثانيه)، ويلبس درعين ومغفرًا وعليه بيضة، وفي يده قناة وتُرْس (٣).
وأمام حصن لدعم دار القتال عنيفًا بين المسلمين واليهود، فقد شدد المسلمون الهجوم على هذا الحصن وظلوا يهاجونه طوال اليوم.
ولكنهم لاقوا من اليهود (بقيادة مرحب وأخوته ياسر والحارث) مقاومة عنيفة، إلى درجة أن كل هجمات المسلمين على الحصن باءت بالفشل في ذلك اليوم وهو اليوم الأول من القتال. بل إن اليهود بلغوا في الاستماتة للدفاع عن حصن ناعم إلى أن يفتحوا أبواب الحصن ويقوموا بهجوم معاكس كاسح، فسالت كتائبهم على المسلمين من الحصن بقيادة الحارث (أبي زينب أخي مرحب)، وقد تلقته كتائب الأنصار .. وبعد قتال ضار خارج الحصن تمكن الأنصار من دحر القائد اليهودى الحارث وطاردوهم حتى أدخلوهم الحصن فأغلقوا على أنفسهم الأبواب.
غير أن اليهود عاودوا الهجوم من جديد ففتحوا أبواب الحصن وشنوّا (بقيادة أُسَير أحد أفراد عائلة مرحب) هجمات عنيفة، فصمد لهم المسلمون، ولكن اليهود ضغطوا عليهم بعنف حتى كشفوهم وأخذوا في مطاردتهما حتى انتهوا إلى رسول الله - ﷺ - فاشتد ذلك عليه (٤)
_________________
(١) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٣.
(٢) ناعم اسم رجل من اليهود له حصون ذوات عدد وهذا الحصن منها. كذا قال الواقدي في مغازيه ج ٢ ص ٦٤٥.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٣١٣.
(٤) إمتاع الأسماع ص ٣١٤.
[ ٦ / ١٠٤ ]
خمسون جريحًا وشهيد واحد:
وقد تكبد المسلمون في اليوم الأول من القتال (أمام حصن مرحب .. ناعم) خسائر لا يستهان بها، إذ أصيب منهم خمسون رجلًا بجراح نتيجة تعرضّهم لنبال اليهود التي كانوا يصبونها عليهم من أبراج الحصن (١)، وقد نقل هؤلاء الجرحى جميعًا في اليوم التالي إلى وادي الرجيع للمعالجة في مركز الإسعاف هناك بعد أن حول النبي - ﷺ - مقر قيادته إلى هذا الوادي بمشورة الحباب بن المنذر (٢) كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
محمود بن مسلمة أول شهيد في خيبر:
كما أنه في اليوم الأول هذا قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة الأنصاري، فكان أول شهيد يخرّ صريعًا في معركة خيبر.
ولم يقتل محمود بن مسلمة في المعركة، وإنما قتل غيلة وهو يتفيَّأ ظلال أحد الأبنية التابعة لحصن ناعم التي ما كان يظن أن بها أحدًا من المقاتلين اليهود.
فقد انحاز محمود (بعد أن قاتل قتال الأبطال وكان ذلك اليوم صائفًا شديد الحر) انحاز إلى ذلك الظل ليستريح قليلًا فألقى عليه مرحب اليهودى حجر رحى، فأصابت رأسه فتحطمت عليه البيضة حتى سقطت جلدة جبينه على وجهه، فجئ به إلى رسول الله - ﷺ - فرد الجلدة كما كانت ثم عصب رأسه (٣)، وبعدها نُقل إلى مركز الإسعاف فظل تحت العلاج في وادي الرجيع ثلاثة أيام حتى فارق الحياة.
تغيير مقر قيادة النبي:
وفي هذا اليوم (اليوم الأول من القتال) الذي لاقى فيه المسلمون
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٦.
(٢) الحباب بن المنذر هو الخبير العسكري المشهور الذي (تبعًا لمشورته) غير النبي - ﷺ - في بدر مقر قيادته وعسكر بدلًا منه في المكان الذي دارت فيه المعركة، انظر ترجمة الحباب في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٥.
[ ٦ / ١٠٥ ]
مصاعب شديدة ومنوا بخسائر لا يستهان بها، لاحظ أحد القادة الكبار من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار (وهو الحباب بن المنذر)، لاحظ أن المكان الذي اتخذه النبي - ﷺ - مقرًّا لقيادته غير صالح من الناحية (الاستراتيجية) فأشار على النبي - ﷺ - لذلك بأن يتحول منه ويختار مكانًا غيره صالحًا لأن يكون مقرًا لقيادته.
فقد تفقد الحباب المكان فوجد أن حصون النطاة المراد مهاجمتها تقع على مرتفعات عالية، ووجد أن معسكر المسلمين مكشوف تمامًا أمام تلك الحصون (ومنها حصن ناعم) ولحظ أن نبال اليهود المصوّبة من الحصون تخالط المسلمين داخل معسكرهم، الأمر الذي جعل خمسين من المسلمين يصابون بجراح مختلفة. كما لاحظ أن معسكر الجيش يقع في منطقة موبوءة حيث النخيل ونزّ الماء (١)، فقد ذكر المؤرخون أن الحباب بن المنذر جاء إلى النبي - ﷺ - في اليوم الأول من القتال (وهو يهاجم حصن ناعم) فقال: يا رسول الله إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان عن أمر أُمرت به فلا نتكلمَّ فيه، وإن كان الرأي تكلمنا.
فقال النبي - ﷺ -: بل هو الرأي. فقال الحباب: يا رسول الله دنوت من الحصن ونزلت بين ظهرى النخل والنزّ مع أن أهل النطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى سهم فهم ولا أعدل رمية فهم (أي أنهم مهرة في تصويب الرمي) وهم مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم، مع أنى لا آمن من بياتهم (أي هجومهم في الليل)، يدخلون في خَمَر (٢) النخل، تحوَّل يا رسول الله إلى موضع برئ من النّز ومن الوباء، نجعل الحرّة بيننا وبينهم، حتى لا ينالنا نبلهم.
فاستصوب النبي - ﷺ - رأى الحباب بن المنذر قائلًا: لقد أشرت بالرأى، إذا أمسينا تحوّلنا (٣).
_________________
(١) النز: ما يتحلب من الأرض من الماء، قاله في الصحاح.
(٢) الخمر بفتح أوله وثانيه: كل ما سترك من شجر أو غيره (النهاية في غريب الحديث ج ١ ص ٣٢٠).
(٣) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٨ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٣.
[ ٦ / ١٠٦ ]
استمرار القتال حتى المساء:
إلا أن النبي - ﷺ - رأى أن يستمر في مقاتلة أهل حصن ناعم حتى يخيّم الليل، ليتمكن من تغيير مقر قيادته في الليل، فقال للحباب بن المنذر: نقاتهلم اليوم.
وعملًا بمشورة الحباب بن المنذر، استدعى النبي - ﷺ - الصحابي المشهور محمد بن مسلمة الأنصاري قائد حرس النبي - ﷺ - وطلب منه أن يبحث عن موقع أصلح من الموقع الذي عسكر فيه ذلك اليوم ليتحوّل إليه قائلًا: انظر لنا منزلًا بعيدًا من حصونهم بريئًا من الوباء نأمن فيه بياتهم.
فامتثل محمد بن مسلمة لأمر النبي القائد - ﷺ -، فانطلق يرتاد المواقعٍ مفتشًا عن مكان يطابق الوصف الذي وصفه النبي - ﷺ - ليكون معسكرًا جديدًا للجيش، وبعد بحث دقيق وجد ابن مسلمة المكان المناسب الصالح لأن يعسكر فيه الجيش كما يريد النبي - ﷺ - وهو وادي الرجيع (١).
فرجع إلى النبي - ﷺ - وهو إمام حصن ناعم يقاتل، فقال: يا رسول الله، وجدت لك منزلًا، وذكر له وادي الرجيع، فقال النبي - ﷺ - على بركة الله .. إلا أن النبي - ﷺ - ظل يقاتل يومه ذلك إلى الليل، يقاتل أهل النطاة (التي فيها يقع حصن ناعم). يقاتل من أسفلها، وحشدت اليهود يومئذ، فقال الحباب: لو تحولت يا رسول الله، فقال - ﷺ -: إذا أمسينا إن شاء الله تحوّلنا.
واشتدّ رمى اليهود حتى جعلت نبالهم تخالط عسكر المسلمين وتجاوزه، وجعل المسلمون يلقطون نبلهم ثم يردونها عليهم.
تحوّل المسلمين إلى وادي الرجيع:
وفي مساء ذلك اليوم (اليوم الأول للقتال) تحوّل النبي - ﷺ - بجيشه إلى وادي الرجيع الذي اختاره له محمد بن مسلمة الأنصاري (٢).
_________________
(١) الرجيع واد بالقرب من خيبر، وهو غير الرجيع الذي غدر فيه الهزليون المشركون بالسبعة من أصحاب النبي - ﷺ - فذاك ماء يقع بين مكة والطائف، بينه وبين المدينة عشرين ليلة.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٦ / ١٠٧ ]
وقد اتخذ النبي - ﷺ - من وادي الرجيع مقرًا لقيادته، كما جعله قاعدة لإدارة العمليات الحربية ضد اليهود في حصون النطاة (وخاصة حصن ناعم) يغدو بالمسلمين من معسكره في هذا الوادي للقتال على راياتهم، فإذا أقبل المساء عاد بقواته إلى المعسكر في الرجيع.
وقد أنشأ النبي - ﷺ - مركزًا للإسعاف داخل معسكره في هذا الوادي لمعالجة المسلمين في المعارك، حيث ينقل هؤلاء الجرحى من الميدان ساعة إصابتهم. وفي وادي الرجيع تمت معالجة الخمسين الذين أصيبوا بجروح في اليوم الأول من القتال أمام حصن ناعم.
عثمان بن عفان قائد المعسكر:
وقد أسند النبي - ﷺ - قيادة معسكر الجيش في الرجيع إلى عثمان بن عفان، ويقع وادي الرجيع في أعلى النطاة التي دارت فيها أعنف المعارك بين المسلمين واليهود، وهذا يعني أن النبي - ﷺ - قاتل اليهود (أول يوم) من أسفل النطاة، ثم قاتلهم (بعد أن تحوّل إلى الرجيع) من أعلاها حتى فتح الله عليه خيبر (١).
شدة الانضباط العسكري عند المسلمين:
وفي بداية حصار المسلمين لحصن (ناعم) حدثت حادثة ألقى بعدها النبي - ﷺ - على أصحابه درسًا في الانضباط العسكري وخطورة عدم التقيد بأوامر القائد العام للجيش، وأن الجندى لا يمكن أن يُقْدِم على أي عمل حتى يأذن قائده بذلك.
فقد ذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - (وهو يستعد للهجوم على حصن ناعم في النَّطاة) نهى عن القتال حتى يتلقى الجند الإِذن منه بذلك.
ولكنَّ رجلًا من جند الإسلام (وهو من قبيلة أشجع النجدية) رأى
_________________
(١) انظر إمتاع الأسماع ص ٣١٠ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٧٧ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٢٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٧.
[ ٦ / ١٠٨ ]
رجلًا يهوديًّا فحمل عليه يريد قتله، غير أن فارس خيبر مرحبًا المشهور، اعترض الأشجعي فقتله.
فقال الناس: يا رسول الله، استشهد فلان، فقال - ﷺ -: أبَعد ما نَهَيتُ عن القتال؟ .
فقالوا: نعم.
فأمر رسول الله - ﷺ - مناديًا، فنادى: لا تحلّ الجنة لعاص (١)، مشيرًا بذلك إلى مخافة الأشجعي المسلم الذي خالف الانضباط العسكري، فقاتلَ اليهودَ قبل أن يأذن النبي القائد - ﷺ - بالقتال.
وهذا يثبت أن المسلمين كانوا أسبق الأمم بالشدة والصرامة في الشؤون العسكرية وخاصة في ظروف الحرب، فهذا رجل مسلم قتله يهودى، في ساحة القتال، ولكن النبي - ﷺ - مع ذلك، لم يرق له تصرّف الأشجعي المسلم، فاعتبره عصيانًا كما تقدم.
بساطة الإسلام ويسره:
وأثناء حصار حصن ناعم، أسلم عبدٌ حبشى كان مملوكًا لليهود فقاتل مع المسلمين ثم قُتِلَ فدخلَ الجنة، دون أن يسجد لله سجدة، لأنه قتل في اليوم الذي أسلم فيه وقبل أن يَحين موعد الصلاة.
فقد ذُكِرَ في التاريخ أن عبدًا حبشيًّا اسمه (أسلم) كان مملوكًا لأحد سادات خيبر الخمسة (عامر الذي قُتِلَ مع مرحب)، هذا العبد كان يرعى الغنم لعامر اليهودى، فلمّا رأى أهل خيبر يتحصنون ويستعدون للقتال، سألهم، فقالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، قال: فوقعت تلك الكلمة في نفسه، فأقبل بغنمه يسوقها إلى رسول الله - ﷺ -، ثم طلب مقابلته فسمح له بذلك، فلما دخل عليه قال له: يا محمد ما تقول؟ ما تدعو إليه؟ فقال له النبي - ﷺ - بكل بساطة-: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله.
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٩.
[ ٦ / ١٠٩ ]
فقال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله ﷿؟ قال - ﷺ -: لك الجنة إنْ مت على ذلك.
فوقع الإسلام في قلبه، فأسلم.
درس في الأمانة:
ثم قال الحبشى: يا رسول الله إن هذه الغنم عندي أمانة فكيف أصنع بها؟
فقال - ﷺ - أخرجها من العسكر ثم صح بها وارمها بحصيات فإن الله ﷿ سيؤدى عنك أمانتك.
فقام الحبشى فأخذ حفنة من حصباء فرمى بها في وجهها وقال: ارجعى إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك، فخرجت مجتمعة كأن سائقًا يسوقها حتى دخلت حصن مرحب، فعلم اليهودى أن عبده قد أسلم ..
قالوا: فخرج علي بن أبي طالب حاملًا الراية لمقاتلة يهود حصن ناعم، وتبعه الحبشى فقاتل اليهود حتى قتل، فاحتُمِل إلى مركز الإسعاف، فرآه رسول الله - ﷺ - فقال لأصحابه: لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصلِّ لله سجدة قط (١).
وفي رواية أخرى أن رجلًا أسود جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رجل أسود اللون قبيح الوجه منتن الريع لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل: أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فتقدم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه النبي - ﷺ - وهو مقتول، فقال: حسَّن الله وجهك وطَّيب ريحك وكثَّر مالك ثم قال: لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينزعان جبّته عنه ويدخلان فيما بين جلده وجبّته (٢).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٣، ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٩. وزاد المعاد ج ٢ ص ٣٢٩.
(٢) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٣٠.
[ ٦ / ١١٠ ]
حصن ناعم أقوى حصون النطاة:
دلت المعارك الضارية التي خاضها المسلمون أمام حصن (ناعم) للاستيلاء عليه .. دلت على أنه أمنع وأقوى حصون خيبر وأن المدافعين عنه من اليهود هم أشجع يهود خيبر وأشدهم مراسًا في القتال.
ويكفي للتدليل على ذلك أن مرحبًا فارس خيبر هو الذي كان يتولى قيادة الدفاع عن هذا الحصن المنيع، يساعده في ذلك فارسان لا يقلان عنه شجاعة وجرأة وهما أخواه (ياسر والحارث) وكل هؤلاء القادة الثلاثة قتلوا مبارزة بأيدى المسلمين ولم يتمكن المسلمون من فتح حصن ناعم إلا بعد أن قضوا على هؤلاء الفرسان المغامرين الثلاثة كما سيأتي تفصيله.
تشديد الحصار على حصن ناعم:
وبالرغم من ضروب الاستبسال التي أبداها آل مرحب وجنودهم في الدفاع عن هذا الحصن، وبالرغم من التعب الذي لقيه المسلمون بسبب المقاومة العنيفة التي أبداها اليهود، وبالرغم من وخامة المنطقة وتعرض كثير من جيش النبي - ﷺ - لوباء الحمى (١) فقد أمر النبي - ﷺ - بمضاعفة الضغط وتشديد الحصار على اليهود في هذا الحصن المنيع الذي يعتبر خط الدفاع الأول عن خيبر.
قتل مرحب وافتتاح حصنه:
استمر اليهود في مقاومتهم الشرسة، وألحّ النبي - ﷺ - في الهجوم على الحصن بغية فتحه، فدفع بالكتيبة من المهاجرين والأنصار تلو الكتيبة لمهاجة حصن ناعم، ولكن هذه الكتائب كلها عجزت عن اقتحام الحصن وفتحه لمناعته وشدة مقاومة اليهود.
_________________
(١) روى البيهقي في الدلائل عن أبي قلابة، قال: لما قدم النبي - ﷺ - خيبر، قدم والثمرة خضرة، قال فأسرع الناس إليها فحموا (أي أصابتهم الحمى) فشكوا ذلك إليه فأمرهم أن يقرسوا الماء (يقرسونه يجعلونه شديد البرودة) في الشنان ثم يجرونه عليهم إذا أتى الفجر ويذكرون اسم الله عليه، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل (البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٥).
[ ٦ / ١١١ ]
قال في (إمتاع الأسماع) يصف صعوبة القتال وضراوته أمام هذا الحصن: وقد دفع لواءه إلى رجل من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئًا، فدفعه إلى رجل آخر منهم فرجع ولم يصنع شيئًا ودفع لواء الأنصار إلى رجل منهم فرجع ولم يصنع شيئًا.
فحث - ﷺ - على الجهاد، وسالت كتائب يهود: إمامهم الحارث أبو زينب (أخو مرحب) يهدّ الناس هدًا فساقهم صاحب راية الأنصار حتى انتهوا إلى الحصن وخرج (أُسير) أحد قادة اليهود فكشف الأنصار حتي انتهى إلى رسول الله - ﷺ - فاشتد ذلك على رسول الله - ﷺ - وأمسى مهمومًا.
ولم يتضعضع موقف المدافعين عن الحصن إلا بعد قتل قائده مرحب.
مقتل عامر بن الأكوع:
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٧ أن مرحب اليهودى خرج أثناء محاصرة حصنه يتبختر بسيفه طالبًا البراز وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى مرحب شاكى السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تَلهَّب
فبرز إليه عامر بن سنان بن الأكوع (١) وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى عامر شاكى السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس (٢) عامر فذهب يُسفِلُ له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، وقد سبق تفصيل هذا عند قصة حداء عامر لرسول الله - ﷺ - أثناء الطريق.
من الذي قتل مرحب؟
هناك خلاف بين المؤرخين وأصحاب الحديث حول الذي تولى قتل
_________________
(١) هو عامر بن سنان بن الأكوع الأنصاري، عم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأنصاري العداء المشهور وصاحب البطولة في صد عدوان فزارة في غزوة ذات قرد.
(٢) الترس (بضم التاء) ما يتستر به المحارب بيده أثناء القتال.
[ ٦ / ١١٢ ]
فارس اليهود (مرحبًا) .. فريق يرى أن الذي تولى قتله هو محمد بن مسلمة الأنصاري، وعلى رأس هذا الفريق إمام أهل المغازي محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة.
ويرى الواقدى أن محمد بن مسلمة بارز مرحبًا، ثم قطع رجليه وتركه جريحًا يجود بنفسه حتى مر به علي بن أبي طالب فدفَّف عليه واحتز رأسه.
أما الفريق الثالث فيرى أن الذي قتل مرحبًا هو الإمام علي بن أبي طالب .. وبالنظر في أقوال الفرقاء يتضح للباحث المنصف أن الذي تولى قتل مرحب فكان فتح الحصن على يده هو الإمام علي بن أبي طالب.
ونحن هنا سنورد باختصار رواية كل من الفرقاء الثلاثة. ولنبدأ برأى ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: لما خرج مرحب أمام حصنه وطلب البراز، قال رسول الله - ﷺ -: من لهذا؟ قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس، فقال له النبي - ﷺ - فقم إليه، اللهم أعنه عليه، قال فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العُشَر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، وهنا حمل القائد مرحب علي بن مسلمة فأهوى إليه بسيفه فاتقاه بدرقته وكانت من جِلْد سميك فوقع سيف مرحب فيها فعضت به فأمسكته، وهنا ضربه محمد بن مسلمة حتى قتله (١).
ويمثل هذا القول قال: موسى بن عقبة عن الزهري (٢).
أما الواقدي، فقد ذكر أن محمد بن مسلمة لما بارز (مرحبًا) قطع رجليه، وبعد أن طرحه أرضًا قال له مرحب: أجهز عليّ، فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه أخي محمود بن مسلمة، فمرّ به علي بن أبي طالب وقطع
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٤.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٨.
[ ٦ / ١١٣ ]
رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله - ﷺ - فأعطى رسول الله - ﷺ - محمد ن مسلمة سيفه ورمحه ومِغفره وبيضته وكان مكتوبًا على سيفه بالعبرية:
هذا سيف مَرحَبْ من يَذقهُ يُعطب (١)
وكان هذا البيت من الشعر بالعبرية، ترجمه إلى اللغة العربية رجل من اليهود (٢).
رواية البيهقي وغيره:
أما قصة قتل الإِمام على لمرحب، فقد أوردها كثير من المؤرخين وأصحاب الحديث، ولنقتصر هنا على رواية البيهقي، وقبل إيرادها يجمل أن نذكر ما أورده المقريزى من أن الإِمام على قتل الحارث قبل أخيه مرحب.
فقد جاء في إمتاع الأسماع أن النبي - ﷺ - لما لم ينجح القادة الذين هاجموا حصن ناعم قال: لأعطينَّ الراية رجلًا يحبه الله ورسوله يفتح الله عليه، ثم استدعى علي بن أبي طالب ثم دفع إليه اللواء ودعا له بالنصر، وكان أول من خرج إليه الحارث -أخو مرحب- فانكشف المسلمون وثبت على فاضطربا ضربات فقتل عليُّ الحارث، وانهزم اليهود إلى حصنهم.
أما رواية البيهقي فقد جاء فيها (كما في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٦) أن رسول الله - ﷺ - ربما أخذته الشقيقة (٣) فلبث اليوم واليومين، لا يخرج فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله - ﷺ - ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع فأخذها عمر، فقاتل قتالًا شديدًا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبِرَ بذلك رسولُ الله - ﷺ - فقال: لأعطينَّها غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عَنْوة وليس ثَمَّ علي، فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٩.
(٢) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٢٨.
(٣) الشقيقة: نوع من الصداع يعرض في مقدمة الرأس وإلى أحد جانبيه.
[ ٦ / ١١٤ ]
فأصبح وجاء علي بن أبي طالب على بعير له حتى أناخ قريبًا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قَطَرى، فقال رسول الله - ﷺ -: ما لك؟ قال: رمدت بعدك، قال: ادن منى، فتفل في عينيه فما رجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر (١) يمانى وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنى مرحَبُ شاكى السلاح بطلٌ مجرَّبُ
إذا الليوث أقبلت تلهب وأحجمت عن صولةِ المغلَّب
فقال علي:
أنا الذي سمتنى أمى حيدرة كالليث غابات شديد القسورة
أكيلكم بالصاع كيل السندرة
قال: فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع (السيف) في الأضراس وأخذ المدينة.
وقد عقب الحافظ البزار على قصة بعث أبي بكر وعمر وعدم قدرتهما على الفتح فقال: إن في سياق الحديث غرابة ونكارة وفي إسناده من هو متهم بالتشيّع (٢).
هذه هي خلاصة الأقوال في قصة مقتل مرحب، غير أننا إذا تفحصنا مختلف الروايات ترجع لدينا أَن الذي قتل قائد القوات اليهودية في حصن ناعم (مرحبا) هو الإمام علي، يؤكد هذا الترجيح أن الإِمام مسلم (وإن لم يرو قصة عجز أبي بكر وعمر عن الفتح) إلا أنه روى أن قاتل مرحب هو الإِمام علي بن أبي طالب (٣). وكذلك الإِمام البخاري روى في صحيحه ما يشدّ من أزر رواية مسلم (فبالرغم من أنه لم يرو قصة عجز أبي بكر وعمر عن
_________________
(١) المغفر (بكسر أوله وسكون ثانيه) غطاء من الحديد يقنع به الرأس في الحرب.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٩.
(٣) انظر مختصر سيرة الرسول ص ٢٧٢ للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ط دار العروبة .. وانظر صحيح مسلم ذاته طبعة محمد على صبيح ج ٥ ص ١٩٥ في باب غزوة ذات قرد.
[ ٦ / ١١٥ ]
الفتح ولم يذكر أن عليًّا هو الذي قتل مرحبًا، إلا أنه ذكر أن النبي - ﷺ - أعطى عليًّا الراية -بعد أن قال: لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله- فتم على يده فتح الحصن (١).
الزبير يقتل ياسر أخا مرحب:
ويدل سياق المؤرخين -كما تقدم- أن أعنف قتال شهدته خيبر هو القتال الذي دار حول حصن ناعم (حصن آل مرحب وهم من حِمْير على ما ذكره ابن إسحاق) وقد رأينا كيف بلغ اعتداد اليهود الرابطين في هذا الحصن بأنفسهم إلى أنهم خرجوا أكثر من مرة وهاجموا المسلمين حتى كشفوهم وطاردوهم حتى ألجأوهم إلى مقر قيادة النبي - ﷺ - الأمر الذي اغتم له الرسول - ﷺ - واستدعى الإِمام على وأسند إليه مهمة افتتاح هذا الحصن المنيع الذي أعيى المسلمين فتحه.
وبالرغم من تمكن الإِمام علي بن أبي طالب من القضاء على مرحب كبير القادة المدافعين عن الحصن، فإن الحصن لم يستسلم للمسلمين في الحال، بل ظل اليهود محتفظين به يدافعون عنه بضراوة .. يدلنا على ذلك أن ياسر الذي خلف أخويه (مرحبًا والحارث في القيادة) ظل يدافع عن الحصن بضراوة، بل لقد ذهبت به الشجاعة والجرأة (بعد أن لقى أخواه مصرعهما) إلى أن يتحدّى المسلمين، حيث خرج من الحصن تحرسه قوات كثيفة من اليهود وركز رمحه أمام الحصن وأخذ يجول بفرسه وهو يطلب المبارزة قائلًا:
قد علمت خيبر أنى ياسر شاكى السلاح بطل مغامِرُ
إذا الليوث أقبلت تُبادِرُ وأحجمت من صولتى المخاطر
إنَّ حماى فيه موت حاضر
وكان اليهودى ياسر من أشجع قادتهم وأشدهم بأسًا .. فخرج إليه الزبير بن العوام، فخشيت عليه أمه صفية (عمة رسول الله - ﷺ -) فقالت: يا رسول الله .. إنه يَقتُلُ ابنى، فقال النبي - ﷺ -: بل ابنك يقتله إن شاء
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٥ ص ٣٧٩ ط المنيرية بمصر.
[ ٦ / ١١٦ ]
الله .. وقد رد الزبير على شعر ياسر بقوله:
قد علمت خيبر أنى زبَّار قِرْم لقِرم غيرُ نِكْسِ فرَّار
وابن حماة المجد وابن الأخيار ياسر لا يغررك جمع الكُفَّار
فجمعهم مثل السراب الجرّار
فتجاولا برهة بعدها تمكن الزبير من قتل خصمه ياسر (١)، وبقتله فقد الدافعون عن حصن ناعم قادتهم الكبار الثلاثة فأثر ذلك تأثيرًا كبيرًا في معنوياتهم الأمر الذي يسرّ للمسلمين اقتحام الحصن وفتحه بقيادة علي بن أبي طالب.
وبعد أن قتل الزبير قائد اليهود (ياسرًا) قال النبي - ﷺ - للزبير: فداك عم وخال، لكل نبي حواريّ وحوارى الزبير ..
قال ابن كثير في البداية والنهاية: فكان الزبير إذا قيل له: إن كان سيفك يومئذ لصارمًا، فيقول: ما كان صارمًا ولكننى أكرهته.
مصرع القائد اليهودى الرابع:
وجاء في إمتاع الأسماع ص ٣١٦ أن قائدًا يهوديًّا رابعًا لقى مصرعه مبارزة أمام الحصن على يد علي بن أبي طالب، واسم هذا القائد (عامر).
كما قتل أمام حصن ناعم أيضًا قائدًا يهوديًّا خامسًا (مبارزة) قتله محمد بن مسلمة الأنصاري.
استيلاء المسلمين على حصن ناعم:
وبعد مصرع هؤلاء القادة اليهود الخمسة (مرحب والحارث وعامر وياسر وأُسير) انهارت المقاومة في صفوف اليهود المدافعين عن الحصن الذي شدد المسلمون الهجوم عليه حتى اقتحموه ففتحوه، فكان هذا الحصن أول وأهم حصن من حصون خيبر يحتله المسلمون.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٤ وإمتاع الأسماع ص ٣١٦ .. السرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٣ .. زاد المعاد ج ٢ ص ٣٢٩.
[ ٦ / ١١٧ ]
تفصيلات الواقدي لفتح حصن ناعم:
بالرغم من أن معارك حصن ناعم هي أعنف معارك خيبر على الإِطلاق، إلا أن عامة المؤرخين في أمَّهات التاريخ لم يعطوا وصفًا مفصلًا متناسقًا مترابطًا للقتال عند هذا الحصن، بل كان وصفهم وصفًا مبعثرًا غير مترابط.
ولعل أحسن وصف في كتب التاريخ وأقربه إلى التنسيق هو الوصف الذي جاء في مغازى الواقدي التي نشرتها جامعة أكسفورد بتحقيق الدكتور مارسدن جونس.
ولأهمية هذا الوصف بالنسبة للقارئ فإنا سنورده هنا بالرغم من أننا قد ذكرنا نبذًا منه التقطاها بصعوبة من هنا وهناك في أمَّهات التاريخ.
قال الواقدي (يصف معركة حصن ناعم): فلقد انتهى رسول الله - ﷺ - إلى حصن ناعم ومعه المسلمون -وحصون ناعم عدَّة- فرمت اليهود يومئذ بالنبل، وتَرس أصحاب رسول الله - ﷺ - عن رسول الله، وعلى رسول الله - ﷺ - يومئذ ذرعان ومغفر وبيضة، وهو على فرس يقال له: الظرب، في يده قناة وتُرْس، وأصحابه محدقون به، وقد كان دفع لواءه إلى رجل من أصحابه من المهاجرين، فرجع ولم يصنع شيئًا ثم دفعه إلى آخر فرجع ولم يصنع شيئًا، ودفع رسول الله - ﷺ - لواء الأنصار إلى رجل منهم، فخرج ولم يعمل شيئًا، فحث رسول الله - ﷺ - المسلمين، فسالت كتائب اليهود أمامهم أبو زينب يقدم اليهود يَهُدّ الأرض هدًّا، فأقبل صاحب راية الأنصار، فلم يزل يسوقهم حتى انتهوا إلى الحصن فدخلوه، وخرج أُسَير اليهودى يقدم أصحابه معه عاديته (١)، وكشف راية أصحاب الأنصار حتى انتهى إلى رسول الله - ﷺ - في موقفه، ووجد رسول الله - ﷺ - في نفسه حدة شديدة، وقد ذكر لهم الذي وعدهم الله، فأمسى رسول الله - ﷺ - مهمومًا.
_________________
(١) عاديته: الذين يمشون أمامه على أرجلهم.
[ ٦ / ١١٨ ]
سعد بن عبادة الجريح:
وقد كان سعد بن عبادة (١) رجع مجروحًا وجعل يستبطئ أصحابه، وجعل صاحب راية المهاجرين يستبطئ أصحابه ويقول: أنتم، وأنتم، فقال رسول الله - ﷺ -: إن اليهود جاءهم الشيطان فقال لهم: إن محمدًا يقاتلكم على أموالكم نادوهم، قولوا: لا إله إلا الله، ثم قد أحرزتم بذلك أموالك ودماءكم، وحسابكم على الله، فنادوهم بذلك (والقتال على أشدّه) فنادت اليهود: لا نفعل ونترك عهد موسى والتوراة بيننا.
فقال رسول الله - ﷺ - لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار، أبشر يا محمد بن مسلمة غدًا، إن شاء الله يُقتَل قاتلُ أخيك (وقاتل أخيه، مرحب) وتول عادية اليهود.
فلمَّا أصبح أرسل إلى علي بن أبي طالب وهو أرمد، فقال: ما أبصر سهلًا ولا جبلًا، قال فذهب إليه فقال: افتح عينيك ففتحهما، فتفل فيهما، قال علي: فما رمدت حتى الساعة، ثم دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه من أصحابه بالنصر.
فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته فانكشف المسلمون وثبت علي، فضرب ضربات فقتله علي، ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم. وخرج مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر أنِّي مرحبُ شاكى السلاح بطل مجرَّبُ
أضربِ أحيانًا وحينًا أُضْرَبُ
فحمل عليه فقطرَّه (٢) على الباب وفتح الباب، وكان للحصن بابان.
ومن طريق آخر يورد الواقدي أن الذي قتل الحارث (أبا زينب أخا مرحب) هو أبو دجانة (٣) وليس علي بن أبي طالب، فقد قال: وحدثني
_________________
(١) انظر ترجمة سعد بن عبادة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) قطره: أي ألقاه على أحد قطريه، كذا قال في الصحاح.
(٣) أبو دجانة فارس أنصارى مشهور واسمه سماك بن خرشة، له مواقف بطولية رائعة في الدفاع عن رسول الله يوم أحد، انظر قصته في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٦ / ١١٩ ]
ابن أبي سبرة عن خالد بن رباح، عن شيوخ من بني ساعدة قالوا: قتل أبو في دجانة الحارث أبا زينب، وكان يومئذٍ معُلْمًا بعمامة حمراء، والحارث معلم بعمامة فوق مِغفره، وياسر وأسير وعامر (كلهم من قادة اليهود) معلمين.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، قال: نزلتُ بأريحا، زمن سليمان بن عبد الملك، فإذا حيّ من اليهود، وإذا رجل يهدج من الكِبَر، فقال: ممن أنتم، قلنا من الحجاز، فقال اليهودى: واشوقاه إلى الحجاز، أنا ابنُ الحارث اليهودى فارس خيابر، قتله يوم خيبر رجل من أصحاب محمد يقال له: أبو دجانة، يوم نزل محمد خيبر وكنَّا ممن أجلى عمر بن الخطاب إلى الشام، فقلت: ألا تسلم؟ قال: أما إنه خير لي لو فعلت، ولكن أعيَّر، تعيّرنى اليهود، تقول: أبوك ابن سيِّد اليهود لم يترك اليهودية، قتل عليها أبوك وتخالفه؟
وقال أبو رافع: كنا مع على حين بعثه النبي - ﷺ - بالراية فلقى على رجلًا على باب الحصن فضرب عليًّا واتقاه بالتُّرس علي، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده حتى فتح الله عليه الحصن.
قال الواقدي: ويقال: إن مرحبًا برز كالفحل الصؤول يرتجز وهو يقول:
قد علمت خيبر إني مرحب شاكى السلاح بطل مجرَّب
أضرب أحيانًا وحينا أُضْرَبُ
يدعو للبراز فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس فائذن لي في قتال مرحب، وهو قاتل أخي، فأذن له رسول الله - ﷺ - في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، فخرج محمد فصاح: يا مرحب، هل لك في البراز؟ فقال: نعم فخرج إليه مرحب وهو يرتجز:
قد علمت خيبر إني مرحب.
وخرج محمد بن مسلمة وهو يقول:
قد علمت خيبر إني ماض حدو إذا شئت وسمّ قاض
[ ٦ / ١٢٠ ]
قال وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه، قال: فحالت بينهما عشرات (١) أصلها كمثل أصل الفحل من النخل وأفنان منكسرة، فكلما ضرب أحدهما صاحبه استتر بالعشر حتى قطع كل ساق لها، وبقى أصلها قائمًا، كأنه الرجل القائم وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه، وبدر مرحب محمدًا، فيرفع السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدرقة، فلحج (٢) سيفه، وعلى مرحب درع مشمَّرة فيضرب محمد ساقى مرحب فقطعها، ويقال لما اتقى محمد بالدرقة وشمَّرت الدرع عن ساقى مرحب حين رفع يديه بالسيف، فطأطأ محمد بالسيف فقطع رجليه ووقع مرحب، فقال مرحب: اجهز عليَّ يا محمد! قال محمد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه ومر به عليّ فضرب عنقه وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله - ﷺ -، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله والله ما قطعت رجليه ثم تركته إلا ليذوق الموت، كما ذاقه أخي، مكث ثلاثًا يموت، وما منعنى من الإِجهاز عليه شيء، قد كنت قادرًا بعد أن قطعت رجليه أن أُجهز عليه، فقال عليّ: صدق، ضربت عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة سيفه ودرعه ومغفره وبيضته، فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب، لا يدرى ما هو حتى قرأه يهودى من يهود تيماء فيه:
هذا سيف مرحبْ مَنْ يذُقْهُ يُعطَبْ
وحدثني محمد بن الفضل، عن أبيه عن جابر، وحدثني زكريا بن زيد، عن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة ومجمّع بن يعقوب، عن أبيه، عن مجمّع بن حارثة، قالوا جميعًا: محمد بن مسلمة قتل مرحبًا.
قالوا وبرز أُسَير، وكان رجلًا إيّدًا، وكان إلى القِصَر، فجعل يصيح من يبارز، فبرز له محمد بن مسلمة فاختلفا ضربات، ثم قتله محمد بن مسلمة، ثم برز ياسر، وكان من أشدّائهم، وكانت معه حربة يحوش (٣)
_________________
(١) العشرات: جمع عشر، وهو شجر يسيل منه -عند كسره رطيبًا- سائل أبيض لزج كالصمغ.
(٢) لحج السيف إذا نشب، فلا يخرج.
(٣) يحوشهم: أي يسوقهم (كذا في الصحاح).
[ ٦ / ١٢١ ]
بها المسلمين حوشًا، فبرز له على فقال الزبير: أقسمت عليك إلَّ خليت بيني وبينه، ففعل عليّ، وأقبل ياسر بحربته يسوق بها الناس، فبرز له الزبير، فقالت صفية (عمة رسول الله - ﷺ -): ابنى يقُتْلَ يا رسول الله فقال: بل ابنك يقتله، قال: فاقتتلا، فقتله الزبير، فقال له رسول الله - ﷺ -: فداك عم وخال، وقال النبي - ﷺ - لكل نبي حواريّ، وحواريَّ الزبير وابن عمتى، فلما قتل مرحب وياسر، قال رسول الله - ﷺ -: ابشروا، قد ترحَّبت خيبر وتيسرت.
وبرز عامر وكان رجلًا طويلًا جسيمًا، فقال رسول الله - ﷺ - حين طلع عامر أترونه خمسة أذرع؟ وهو يدعو إلى البراز، يخطر بسيفه وعليه درعان مقنَّع في الحديد يصيح: من يبارز؟ فأحجم الناس عنه فبرز إليه على فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئًا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفَّف (١) عليه فأخذ سلاحه.
فلما قتل الحارث ومرحب وأسير وياسر وعامر، مع ناس من اليهود كثير (٢) ولكن إنما سمّى هؤلاء المذكورون، لأنهم كانوا أهل شجاعة، وكانوا هؤلاء جميعًا في حصن ناعم.
ولما رمى محمود بن مسلمة من حصن ناعم، حمل إلى الرجيع (معسكر الجيش) فمكث ثلاثة أيام يموت، وكان الذي دليّ عليه الرحا مرحب، فجعل محمود يقول لأخيه محمد: يا أخي، بنات أخيك لا يتبعن الأفياء (٣) يسألن الناس، فيقول محمد بن مسلمة: لو لم تترك مالًا لكان لي مال، ومحمود كان أكثرهما مالًا -ولم تنزل يومئذ فرائض البنات- فلما كان اليوم الذي مات فيه محمود بن مسلمة، وهو اليوم الذي قتل فيه مرحب، فقال رسول الله - ﷺ - من يبشر محمود بن مسلمة أن الله قد أنزل فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله فخرج جعالة بن سراقة إليه فأخبره، فسرّ بذلك، وأمره أن يقرئ رسول الله - ﷺ - السلام منه، قال: فأقرأته من
_________________
(١) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه، قاله ابن الأثير في النهاية.
(٢) هنا سقط واضح يظهر أنه حدث من النساخ، فالجملة غير كاملة. ويظهر أنه أراد أن يقول: فلما قتل الحارث ومرحب الخ ضعفت مقاومة اليهود واستولى المسلمون على حصن ناعم أو كلامًا هذا معناه.
(٣) الأفياء: جمع فئ وهو ظل الجدار وما شابهه.
[ ٦ / ١٢٢ ]
رسول الله - ﷺ -، وقال: محمود لا أراه يذكرنى؟؟، وكان رسول الله - ﷺ - يبيت في الرجيع (١) فمات (أي محمود) خلافه، فلما رجع رسول الله - ﷺ - إلى منزله، وقد جَرحَ عامر بن (سنان) بن الأكوع نفسه، حمل إلى الرجيع فمات، فقبر عامر معه في غار، فقال محمد (بن مسلمة) أقطع لي (٢) عند قبر أخي، قال - ﷺ -: لك حُضْر (٣) الفرس، فإن عملت فلك حُضْر فرسين (٤) اهـ.
اليهودي الذي طلب الأمان فأعطيه:
وقرب انهيار مقاومة اليهود في حصن ناعم وبينما كان عمر بن الخطاب يقوم بأعمال الدورية ليلًا (والمسلمون على وشك اقتحام حصن ناعم) ألقى رجاله من الحرس (حول المعسكر) القبض على رجل من اليهود فأتى به إليه، فأمر به عمر أن تضرب عنقه، ظنًّا منه أنه جاسوس لليهود، ولكن اليهودى قال لابن الخطاب: اذهب بي إلى نبيكّم حتى أكلمه، فأمسكه عمر، وانتهى به إلى باب رسول الله - ﷺ - فوجده يصلى، فدخل عليه به، فقال - ﷺ - لليهودى: ما وراءك ومن أنت؟ قال: تؤمّنى يا أبا القاسم وأصدقك؟ فقال - ﷺ -: نعم. فقال اليهودى (واسمه سمّاك) (٥) خرجت من حصن النطاة (٦) من عند قوم ليس لهم نظام، تركتهم يتسللون من الحصن في هذه الليلة. فقال رسَول الله - ﷺ - لليهودى: فأين يذهبون؟ قال إلى أذل إلى الشق (٧) وقد رعبوا منك حتى أن أفئدتهم لتخفق، وهذا
_________________
(١) سبق أن رسول الله - ﷺ - قد غير مقر قيادته واتخذ من وادي الرجيع معسكرًا لجيشه ومركزًا لإسعاف الجرحى.
(٢) أقطعه الحاكم أرضًا منحه إياها دون مقابل.
(٣) حضر الفرس (بضم الحاء وسكون الضاد) المسافة التي يقطعها الفرس جريًا في شوط واحد.
(٤) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٥٢ - ٦٥٨.
(٥) المغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٤٧.
(٦) المراد به -على ما يظهر حصن ناعم لأنه أحد حصون النطاة حي من أحياء خيبر جعله اليهود منطقة عسكرية لمكانه الاستراتيجى وحصونه المنيعة في قمم الجبال.
(٧) الشق: منطقة محصنة ذوات حصون تقع أيضًا في القسم الأول من مدينة خيبر.
[ ٦ / ١٢٣ ]
حصن اليهود فيه السلاح والطعام والودك (١) وفيه آلة حصونهم التي كانوا يقاتلون بها بعضهم بعضًا، قد غيبوا ذلك في بيت من حصنهم (أي حصن الصعب) تحت الأرض، قال رسول الله - ﷺ - لليهودى: وما هو؟ قال منجنيق مفككة ودبابتان وسلاح من دروع وبيض وسيوف (٢). فإذا دخلت الحصن غدًا (وأنت تدخله) قال رسول الله - ﷺ -: إن شاء الله، قال اليهودى: إن شاء الله .. أوقفك عليه (أي مستودع الأسلحة السرى) فإنه لا يعرفه أحد من اليهود غيرى، ثم قال اليهودى: وأخرى! قيل ما هي قال: تستخرجه (أي السلاح)، ثم انصب المنجنيق على حصن الشق وتدخل الرجال تحت الدبابتين فيحفرون الحصن فتفتحه من يومك، وكذلك تفعل بحصن الكتيبة (٣).
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إني أحسبه قد صدق، فقال اليهودى: يا رسول الله أحقن دمى، فقال - ﷺ -: أنت آمن، قال: ولى زوجة في حصن النزار فهبها لي، قال - ﷺ -: هي لك، ثم سأل رسول الله - ﷺ - لسماك اليهودى هذا: ما لليهود حولّوا ذراريهم من النطاة؟ قال: جرّدوها للمقاتلة، وحولوا الذرارى إلى الشق والكتيبة.
قالوا ثم دعا رسول الله - ﷺ - اليهودى سمّاك إلى الإِسلام، فقال: انظرني أيامًا ففعل - ﷺ -.
الوفاء لليهودى بالعهد:
وترك النبي - ﷺ - اليهودى سماك وشأنه حرًّا، وانشغل - ﷺ - بإدارة دفة المعارك، وعندما وضعت الحرب أوزارها واستولى المسلمون على جميع
_________________
(١) هذا الحصن هو (حسب سياق المؤرخين) حصن الصعب بن معاذ الذي كان ثانى حصن فتحه المسلمون بعد حصن ناعم، قال في السيرة الحلبية. (ج ٢ ص ١٦٤): وما بخيبر حصن به من التمر والودك والسكر والسمن والشعير والشحم والماشية والمتاع مثل حصن الصعب بن معاذ وهو من حصون النطاة ويليه حصن (قلة).
(٢) استولى المسلمون على كل هذه الآلات الحرية وغنموها عندما فتحوا حصن الصعب كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
(٣) الكتيبة (بفتح الكاف) إحدى مناطق خيبر الغنية بالزراعة وفوقها حصون حرية لليهود. ويظهر أنها تقع في الشطر الثاني من مدينة خيبر الذي استسلم أهله للمسلمين بدون قتال، وبعد حصار شديد.
[ ٦ / ١٢٤ ]
حصون خيبر، وكان آخرها حصن (النزار)، أسلم اليهودى سماك، بعد أن وفّى له النبي - ﷺ - بما وعده، فأعطاه زوجته واسمها (نفيلة) وكانت مع نساء اليهود وذراريهم في حصن (النزار)، قال كعب بن مالك: رأيت اليهودى سماك يأخذ بيد امرأة حسناء (وهي امرأته نفيلة) (١).
عدد الخسائر:
وهكذا بعد معارك شديدة كانت سجالًا بين المسلمين واليهود حول حصن ناعم تمكن المسلمون في النهاية بقيادة علي بن أبي طالب من اقتحام هذا الحصن والاستيلاء عليه.
وتدلّ لهجة المؤرخين كما تقدم -على أن القتال حول حصن مرحب وهو (حصن ناعم) أعنف قتال دار بين المسلمين واليهود، وقد دام هذا القتال حول الحصن أكثر من خمسة عشر يومًا لاقى المسلمون فيها مقاومة عنيدة شرسة بلغت إلى حدّ قيام اليهود المدافعين عن هذا الحصن بعدة هجمات مضادة هزموا المسلمين فيها حتى أوصلوا حيث يعسكر القائد الأعلى النبي - ﷺ -، الأمر الذي أزعجه كما تقدم، وجعله يحضّ المسلمين على الجهاد ويُبدل القائد الذي كان يتولى قيادة الجند المكلف بفتح حصن مرحب.
ومن هنا يمكن القول: أن تمكن المسلمين بقيادة علي بن أبي طالب من فتح حصن ناعم جعل جيش الإِسلام يدخل إلى النصر على اليهود في خيبر من أوسع أبوابه.
فاليهود وإن لم يستسلموا كليًّا بعد سقوط حصن (ناعم) إلا أن انهزامهم وفشلهم في الاحتفاظ بهذا الحصن المنيع وقتل المسلمين أمامه لأشجع شجعان اليهود (وهم .. مرحب .. وأخويه .. ياسر .. والحارث .. وعامر) ضعضع من معنويات يهود خيبر، وجعلهم يكادون يفقدون الثقة بأنفسهم بعد أن بلغت هذه الثقة إلى حد الغرور والاستهانة بقوات المسلمين كما رأينا في أول القتال حيث فتح اليهود باب حصن ناعم، وحملوا على المسلمين حتى طاردوهم إلى حيث يقف النبي - ﷺ - وهيئة أركان قيادته.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٩ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٦ - ٦٤٨.
[ ٦ / ١٢٥ ]
وبالرغم من إجماع المؤرخين على أن القتال كان عنيفًا، ودام طويلًا أمام (حصن ناعم) إلا أن أحدًا لم يذكر عدد القتلى (تحديدًا) من الجانبين، وإن كان جاء ذكر القادة اليهود الخمسة الذين صرعوا مبارزة أمام الحصن وكلهما من الحميريين قوم مرحب (وهم مرحب، وياسر والحارث وعامر وأُسَير) وذكر ثلاثة من شهداء المسلمين وهم (محمود بن مسلمة وعامر بن سنان بن الأكوع والعبد الحبشى) إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء القلى من الفريقين هم (فقط) حصيلة معارك (حصن ناعم)، بل أن القرائن لتدل على أن القتلى بين الفريقين أكثر من ذلك، بدليل أن خمسين من المسلمين أصيبوا (في اليوم الأول من القتال) بجراحات مختلفة نقلوا على أثرها إلى مركز الإسعاف في معسكر الرجيع (١).
كما أن اليهود في اليوم الذي اقتحم فيه المسلمون حصن مرحب (حصن ناعم) قد دافعوا عن الحصن دفاعًا عنيدًا، مما يجعل الإِصابة بينهم كثيرة.
الغنائم والمعدات:
كذلك عند وصف استيلاء المسلمين على (حصن ناعم) لم يشر أحد من المؤرخين إلى مبلغ الغنائم وكميات السلاح التي استولى عليها المسلمون عند فتحهم هذا الحصن الذي يعتبر أقوى وأمنع حصن في خيبر.
ويمكن القول أن المسلمين لم يحصلوا على شيء يُذكر لأن اليهود تحسبًا للطوارئ (كما سيأتي) نقلوا النساء والذرية إلى حصن النزار أحصن وآخر حصون الشطر الأول من خيبر.
* * *
فتح حصن الصعب
كان حصن (الصعب بن معاذ) من حصون النطاة، المنطقة الواقعة في القسم الأول من مدينة خيبر.
ويعتبر هذا الحصن: الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة والتحصين، بعد حصن مرحب (حصن ناعم) الذي سيطر عليه المسلمون في المرحلة الأولى من المعركة.
_________________
(١) انظر: إمتاع الأسماع للمقريزي ص ٣١٢.
[ ٦ / ١٢٦ ]
وكان قادة اليهود عندما رسموا خطة الدفاع عن خيبر، وقرروا ضمن خطتهم أن يكون حصن مرحب (المسمى بحصن ناعم) خط الدفاع الأول لمكانه الاستراتيجى، نقلوا منه (قبل وصول المسلمين) النساء والأطفال وكل أمواهم إلى حصن النزار ولم يتركوا في حصن (ناعم) سوى حَمَلة السلاح الذين عليهم أن يدافعوا عن الحصن.
وذلك ليسهل عليهم الانسحاب من حصن ناعم إلى خط الدفاع الثاني (حصن الصعب بن معاذ) ولتكون نساؤهم وذراريهم وأمِوالهم في مأمن إذا ما قدر للمسلمين أن يستولوا على حصن ناعم. وفعلًا، فإن مقاومة اليهود عندما انهارت وعجزوا عن صدّ هجوم المسلمين على حصن ناعم، تمكنوا بكل سهولة من الانسحاب إلي خط الدفاع الثاني (حصن الصعب بن معاذ) ويدلنا على ذلك أن أحدًا من اليهود لم يقع في أسر المسلمين، أثناء معارك حصن ناعم، فلم أرَ (فيما بين يدي من مصادر التاريخ أن أسيرًا واحدًا من اليهود قد وقع في أيدى المسلمين.
محاصرة حصن الصعب:
وبعد أن تمكن المسلمون من الاستيلاء على حصن ناعم (بقيادة علي بن أبي طالب) وتحوُّلِ اليهود إلى خط الدفاع الثاني (حصن الصعب بن معاذ) وجَّه المسلمون هجومهم على الحصن فضربوا عليه الحصار تمهيدًا لاقتحامه وفتحه.
النبي يعطي الراية الحباب بن المنذر:
وكما أعطى النبي - ﷺ - الراية وقيادة المحاربين لعلي بن أبي طالب للقيام بمهمة فتح حصن ناعم أعطى الراية وقيادة الجيش للحباب بن المنذر الأنصاري للقيام بالهجوم على حصن الصعب بن معاذ فتولى أمر الهجوم حتى فتحه (١).
المجاعة في بعض وحدات الجيش:
وقد حدث نقص خطير في المواد الغذائية بين عدة كتائب من الجيش الإِسلامي إلى حدّ المجاعة نتيجة طول الحصار وشراسة الردود في القتال أثناء
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣١٦ وما بعدها .. والسيرة الحلبية ج ٢.
[ ٦ / ١٢٧ ]
الدفاع عن الحصون التي كانوا يعتصمون بها.
قال معتّب الأسلمي: أصابنا معشر أسْلم خصاصة (١) في خيبر فأقمنا عدة أيام على حصن النطاة، لا نفتح شيئًا فيه (٢) طعام، فأجمعت أسلم أن يرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - أسماء بن حارثة، فقالوا: إيت محمدًا رسول الله - ﷺ - فقل له: إنا قد جهدنا من الجوع والضعف، فجاء أسماء بن حارثة فقال: يا رسول الله، إن أسلم (٣) تقول: إنا قد جهدنا من الجوع والضعف فادع الله لنا، فدعا لهم رسول الله - ﷺ -، ثم قال: والله ما بيدى ما أقريهم (٤) ثم صاح فقال: اللهمّ افتح عليهم أعظم حصن فيه، أكثره طعامًا وأكثره ودكًا (٥) وقالت أم مطاع (٦) الأسلمية -وكانت قد شهدت خيبر مع رسول الله - ﷺ - قالت: لقد رأيت أسلم حين شكَوا إلى رسول الله - ﷺ - من شدة الحال فندب الناس، فنهضوا، فرأيت أسلم أول من انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ، وإن عليه لخمسمائة مقاتل فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتحه الله، كان عليه قتال شديد، برز رجل من اليهود يقال له: يوشع يدعو إلى البراز، فبرز إليه الحباب بن النذر، فاختلفا ضربات، فقتله الحباب، وبرز آخر يقال له: الدَّيال، فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري (٧) فيضربه ضربة على هامته، وهو يقول خذها وأنا الغلام الغفاري فقال الناس: بطل جهاده، فبلغ رسول الله - ﷺ - فقال: ما باس به يؤجر ويحمد (٨).
_________________
(١) الخصاصة: شدة الفقر.
(٢) حصن ناعم من حصون النطاة، فتحه المسلمون، ولكن ليس به أية مواد غذائية.
(٣) أسلم: قبيلة مشهورة، وهي أسلم بن أفصى بطن من خزاعة من القحطانيين تقع منازلهم قريبًا من المدينة.
(٤) أقربهم: أطعمهم.
(٥) الودك: الشحم.
(٦) قال في الإصابة: أم مطاع الأسلمية قال أبو عمر (ابن عبد البر): مدنية حديثها عند عطاء بن أبي مروان عن أبيه عنها، قال: وروى عنها أنها شاهدت خيبر مع رسول الله - ﷺ - فأسهم لها كسهم رجل وفي ذلك نظر، وشهودها خيبر صحيح، انتهى.
(٧) هو عمارة بن عقبة بن حارثة الغفاري، ذكره ابن إسحاق فيمن استشهد يوم خيبر، كذلك ذكره ابن عبد البر.
(٨) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٠ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٥ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٢ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٤.
[ ٦ / ١٢٨ ]
النهي عن لحم الحمر الأهلية:
وقد بلغ الجوع ببعض وحدات جيش الإِسلام بعد أن نفدت مواده الغذائية نتيجة طول الحصار، بلغ الجوع ببعض هذه الوحدات إلى أن يذبحوا الحمير ليأكلوها .. فقد قال رهم الغفار: أصابنا جوع شديد، ونزلنا خيبر زمان البلح، وهي أرض وخيمة حارة شديد حرّها، فبينا نحن محاصرون (حصن الصعب بن معاذ) فخرج عشرون حمارًا أو ثلاثون، فلم يقدر اليهود على إدخالها، وكان حصنهم مَنعة، فأخذها المسلمون فانتحروها وأوقدوا النيران وطبخوا لحومها في القدور، والمسلمون جياع، ومرّ بهما رسول الله - ﷺ - وهم على تلك الحال، فسأل فأخبر فأمر مناديًا ينادى: إن رسول الله - ﷺ - ينهاكم عن الحُمُر الإِنسية -قال: فكفّوا القدور- وعن متعة النساء وعن أكل ذي ناب ومخلب.
أما لحوم الخيل فقد أذن فيها (١).
وكانوا أبو اليَسَر (٢) يحدث أنهم حاصروا حصن الصعب بن معاذ ثلاثة أيام، وكان حصنًا منيعًا، وأقبلت غنمًا لرجل من اليهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول الله - ﷺ -: من يطعمنا من هذه الغنم؟ فقلت: أنا يا رسول الله، فخرجت أسعى مثل الظبى، فلما نظر إلى رسول الله - ﷺ - موليًا قال: اللهم متعنا به! قال: فأدركت الغنم، وقد دخل أولها الحصن فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتها تحت يدي، ثم أقبلت أعدو كأن ليس معى شيء، حتى أتيت بهما رسول الله - ﷺ - فأمر بهما فذبُحتا، ثم قسمهما فما بقى أحد من أهل المعسكر الذين هم معه محاصرين الحصن إلا أكل منها، فقيل لأبي اليسر: وكم كانوا؟ قال: كانوا عددًا كثيرًا فيقال:
_________________
(١) وقد أباح ابن عباس أكل لحم الحمر الأهلية، انظر البداية والنهاية ج ٢ ص ١٩٢ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٠ وصحيح البخاري ج ٥ ص ٢٨١ وما بعدها.
(٢) أبو اليسر (بفتحتين) احمه كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد الأنصاري. شهد العقبة وبدرًا وله في بدر بطولات كبيرة، هو الذي أمر العباس بن عبد المطلب (عم النبي - ﷺ -) يوم بدر، مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، قال ابن إسحاق: وكان آخر من مات من الصحابة، قال ابن حجر في الإصابة: كأنه يعني أهل بدر، روى عنه عبادة بن الوليد بن عبادة الصامت، وحديثه مطول وأخرجه مسلم.
[ ٦ / ١٢٩ ]
أين بقية الناس؟ فيقول في الرجيع بالمعسكر، فسمع أبو اليسر -فيما بعد وقد كبر وصار شيخا كبيرًا- وهو يبكى في شيء غاظه من بعض ولده، فقال: لعمرى بقيت بعد أصحابي ومتّعوا بي وما أمتع بهم؟ ! لقول رسول الله - ﷺ -: اللهم متعنا به، فبقى فكان من آخرهم.
عدد المدافعين عن حصن الصعب:
كان حصن الصعب (الذي تحوَّل إليه اليهود من حصن ناعم) يتولى الدفاع عنه وحده خمسمائة مقاتل (١) من اليهود بقيادة قائدين منهم، أحدهما يقال له (الدَّيال) والثاني يقال له (يوشع).
كان حصن الصعب منيع الأسوار عالى الأبراج وكان مشحونًا بالمقاتلة اليهود وبينهم رماة بالنبل على غاية من المهارة في إصابة الهدف.
المبارزة أمام الحصن:
وذكر المؤرخون أن اليهود دافعوا عن حصن الصعب بن معاذ بشراسة وضراوة لا تقلان عن الضراوة والشراسة التي دافعوا بهما عن حصن (ناعم) بل كان دفاعهم عن حصن الصعب بن معاذ أشد وأقوى لأنه كان يضم كثيرًا من الأموال والعتاد الحربى وآلات حربية مختلفة.
وعندما أخذت قوات الإسلام مواقعها وضربت الحصار على اليهود في حصن الصعب، خرج كبير قادة اليهود على فرسه أمام الحصن وطلب المبارزة على الطريقة العربية التقليدية المعروفة، وكان اسم هذا القائد اليهودى (يوشع) فخرج لملاقاته حامل لواء جيش الإسلام والمكلف بقيادة الهجوم على الحصن، الحباب بن المنذر بن الجموح فنازله (مبارزة) وبعد كرّ وفر ومقارعة عنيفة بالسيوف تمكن قائد قوات المسلمين من قتل القائد اليهودى يوشع.
بعد مصرع القائد اليهودى يوشع غضب اليهود أشد الغضب، وفي الحال خرج قائد يهودى ثانٍ هو (الديال) وركز رمحه أمام الحصن وطلب من المسلمين المبارزة.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٦٤ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٠.
[ ٦ / ١٣٠ ]
فخرج إليه عمارة بن عقبة الغفاري فجرت المطاردة منهما على فرسيهما كل يريد القضاء على قرينه وبعد مبارزة شاقة حمل عمارة بن عقبة الفارس على الديال حملة صادقة فسدّد إليه ضربة من سيفه فكانت القاضية.
وكان تمكُّن المسلمين من قتل القائدين اليهوديين الكبيرين مبارزة أمام حصن الصعب بداية سيئة لليهود المدافعين عن الحصن.
معركة التراشق بالسهام:
وقد استشاط اليهود غضبًا لمصرع قائديهم (يوشع والديال) فقاموا بهجوم عنيف معاكس على المسلمين مهدوا له بقذف شديد من سهامهم التي صبُّوها كالمطر على المسلمين من أبراج الحصن، وقد ركز اليهود (أثناء قذفهم المسلمين بالسهام) على الموقع الذي يقف فيه القائد الأعلى النبي - ﷺ - بغية إصابته، وكان يهود خيبر من أمهر رماة النبل.
وقد تساقطت نبال اليهود المصوّبة من مقاذف الحصن حول النبي - ﷺ - فأقام المسلمون من أنفسهم تُرْسًا (١) حول النبي القائد - ﷺ - الذي كان راكبًا جواده يرقب المعركة .. وذلك حماية لذاته الشريفة من أن يصيبها شيء من سهام اليهود التي أرسلوها نحوه كالمطر طمعًا منهم في أن يتمكنوا من قتله.
وكان المسلمون يردون على قذف اليهود بقذف مثله من نبالهم، ولكن أثر رمى المسلمين على اليهود ليس كأثر رميهم على المسلمين، لأن اليهود كانوا يتسترون وراء أسوار وجدران حصنهم بيما كان السلمون مكشوفين لليهود أمام الحصن.
ولم يذكر أحد من المؤرخين أن سهام اليهود قد أصابت أحدًا من المهاجمين المسلمين غير أنه من المحتمل جدًّا أن تكون هناك إصابات بينهم نتيجة قذفهم بالسهام من الحصن، وقد ذكر بعض المؤرخين (٢) أن عددًا من المسلمين سقطوا قتلى قبل افتتاح الحصن، ولم يذكر هل قتلوا بنبال اليهود أم بطريقة أخرى.
_________________
(١) الترس (بضم التاء) آلة يتستر بها المحارب أثناء القتال.
(٢) المقريزي في كتابه إمتاع الأسماع.
[ ٦ / ١٣١ ]
هجوم اليهود المضاد:
وبعد معركة التراشق بالسهام وانتصار المسلمين في عمليات المبارزة أمام حصن الصعب شدّد المسلمون من حصارهم حول الحصن وحاولوا اقتحامه بهجوم عام إلا أنهم قوبلوا من قبل اليهود المدافعين عن الحصن بمقاومة عنيفة حالت بينهم وبين اقتحام الحصن.
بل إن اليهود بلغ بهم الاستبسال والشراسة في الدفاع عن حصن الصعب إلى أن يفتحوا أبواب هذا الحصن ويقوموا بهجوم مضادّ كاسح عنيف كشفوا به قوات المسلمين وهزموها وطاردوها حتى المكان الذي يقف فيه النبي القائد - ﷺ - وكادوا في هجومهم المضادّ يصلون إلى النبي - ﷺ - إلا أنه - ﷺ - ثبت مكانه كعادته في مثل هذه المواقف الحرجة وأخذ يثبّت المسلمين أمام هجوم اليهود الكاسح ويحضّهم على الجهاد حتى أن الرسول - ﷺ - عندما انهزم المسلمون (ما عدا قائدهم الحباب بن المنذر) أمام هجوم اليهود الكاسح -نزل - ﷺ - من علي فرسه كأنه يوطّن المسلمين على الثبات، وأمام نداءات الرسول - ﷺ - الموجّهة إلى أصحابه بأن يثبتوا ويواجهوا اليهود المهاجمين مواجهة المجاهد الصابر المحتسب، عاد إلى هؤلاء الأصحاب المنهزمين رشدهم فعادوا إلى ميدان القتال وأخذوا يتحلّقون حول نبيهم الأعظم - ﷺ - الذي كان يلقى عليهم الدروس -عمليًّا- كيف يكون الثبات ساعة الكرب والشدة .. وبهذا صمدوا في وجه هجوم اليهود الكاسح فأوقفوه فاضطر اليهود إلى أن يعودوا إلى حصنهم ويغلقوا الأبواب على أنفسهم بعد أن تركوا عددًا من قتلاهم في الميدان. قال الواقدي في ص ٦٦٢ لكنهم أخذوا يرمون بالحجارة. وقالت أم عمارة ٦٦١ تذكر انهزام أصحاب سعد بن عبادة.
وكان قائد المسلمين في حرب (حصن الصعب بن معاذ) الحباب بن المنذر قد ثبت مكانه يقاتل اليهود بشراسة وثبات عندما انكشف رجاله أمام هجوم اليهود المضادّ، ولهذا فإن المسلمين المنهزمين عندما ثبتوا بعدما رفع الرسول - ﷺ - من روحهم المعنوية بثباته مكانه وحضّهم على الجهاد جمعوا صفوفهم وعادوا من جديد إلى التجمع خلف قائدهم الحباب بن المنذر الذي قام بتنظيمهم في الحال ثم شنّ بهم في نفس الوقت هجومًا عنيفًا على
[ ٦ / ١٣٢ ]
حصن الصعب بغية اقتحامه فطارد اليهود حتى أدخلهم حصنهم الذي أغلقوا أبوابه.
ولكنه لقى من اليهود مقاومة عنيدة حالت بينه وبين اقتحام الحصن، فقد اقترب المسلمون من أسوار الحصن في هجوهم، ولكن اليهود أطلقوا عليهم سيولًا جارفة من سهامهم، كما قذفوهم من أسوار الحصن قذفًا شديدًا بالحجارة التي أعدُّوها لمثل ذلك الموقف .. فتراجع المسلمون عن الحصن أمام انهمار السهام والحجارة التي سلّطها عليهم المدافعون عن الحصن.
الهجوم اليهودى المعاكس مرة أخرى:
واغتنم اليهود فرصة تباعد المسلمين المهاجمين عن أسوار الحصن فشنّوا في الحال على المسلمين هجومًا معاكسًا ثانيًا كان أعنف من الهجوم الأول، حيث فتحوا أبواب حصنهم وحملوا على المسلمين حملة منكرة، ولكن المسلمين هذه المرة ثبتوا مع قائدهم (الحباب) وقابلوا هجوم اليهود بهجوم مضادّ آخر، فدارت أمام الحصن معركة طاحنة استمات فيها الفريقان وقد سقط في هذا القتال من المسلمين عدد من القتلى، ولكن النصر كان في النهاية لهم حيث تمكنوا من صدّ هجوم اليهود، فدحروهم حتى ولوَّا منهزمين فدخلوا حصنهم وأغلقوا على أنفسهم الأبواب.
قال المقريزى في كتابه (إمتاع الأسماع ص ٣١٧): ولما أقام المسلمون على حصن الصعب يومين عدا بهم الحباب بن المنذر في اليوم الثالث ومعه الراية فقاتلهم أشد قتال، وبكّر رسول الله - ﷺ - فتراموا بالنبل، وقد ترّس المسلمون على رسول الله - ﷺ - ثم حملت اليهود حملة منكرة، فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله - ﷺ -، وهو واقف قد نزل عن فرسه ومدعم (١) يمسك الفرس، وثبت الحباب برايته يراميهم على فرسه.
فندب رسول الله - ﷺ - الناس وحضّهم على الجهاد فأقبلوا حتى زحف بهم الحباب، واشتد الأمر فانهزمت اليهود وأغلقوا الحصن عليهم، ورموا على جدره بالحجارة رميًا كثيرًا، فتباعد عنهم المسلمون، ثم كرّوا
_________________
(١) مدعم: اسم أحد موالى النبي.
[ ٦ / ١٣٣ ]
فخرجت اليهود وقاتلوا أشد قتال، فقتا ثلاثة من المسلمين ثم هزمهم الله تعالى.
قال الواقدي: حدثني خالد بن إلياس عن جعفر بن محمود في محمد عن محمد بن مسلمة قال: كنت فيمن ترّس عن النبي - ﷺ -، فجعلت (عند اشتداد هجوم اليهود) أصيح بأصحابه: تراموا بالجحف! ففعلوا، فرمونا (أي اليهود) حتى ظننت أن لا يقلعوا، فرأيت رسول الله - ﷺ - رمى بسهم فما أخطأ رجلًا منهم، وتبسم إليّ رسول الله - ﷺ - انفرجوا ودخلوا الحصن.
وحدّث الواقدي أيضًا عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال "يصف القتال العنيف أمام حصن الصعب بن معاذ": لما انتهينا إلى حصن الصعب بن معاذ وغزا بنا الحباب بن المنذر بن الجموح، ومعه راكنا وتبعه المسلمون، وقد أقمنا على حصن الصعب يومين نقاتلهم أشد القتال، فلما كان اليوم الثالث بكر رسول الله - ﷺ - فخرج رجل من اليهود (من الحصن) كأنه الدقل (١) وخرج وعاديته (٢) معه فرموا بالنبل ساعة سراعًا، وترّسنا عن رسول الله - ﷺ - وأمطرونا بالنبل، فكأن نبلهم الجراد، حتى ظننت أن لا يقلعوا، ثم حملوا حملة رجل واحد، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله - ﷺ -، وهو واقف، قد نزل عن فرسه، ومدعم (مولاه) يمسك فرسه، وثبّت الحباب رايتنا، والله ما يزال يراميهم على فرسه.
وندب رسول الله المسلمين وحضّهم على الجهاد ورغّبهم فيه، وأخبرهم أن الله قد وعده خيبر يغنّمه إياها، قال: فأقبل الناس جميعًا حتى عادوا إلى صاحب رايتهم، ثم زحف بهم الحباب، فلم يزل يدنو قليلًا قليلًا، وتراجع اليهود على أدبارها حتى لحَمَها الشر فانهزموا سراعًا ودخلوا الحصى وغلقّوا
_________________
(١) الدقل بفتح أوله وثانيه: سارية طويلة من خشب يمد ويربط عليها شراع السفينة، وقد شبه الفارس اليهودى بالدقل لطول جسمه.
(٢) العادية هم مشاة من الحرس يعدون أمام القائد وتلك عادة عند اليهود وبعض الأمم الأخرى كالأحباش، يتبعونها للتدليل على الأبهة والعظمة، حتى ولو لم يكونوا في حالة حرب، ترى هؤلاء المشاة يجرون أمام دابة القائد أو الحاكم.
[ ٦ / ١٣٤ ]
عليهم، ووافوا على جُدُر -وله جدر دون جدر- (أي سور خلف سور) فجعلوا يرموننا بالجندل (١) رميًا كثيرًا، ونحّونا عن حصنهم بوقع الحجارة حتى رجعنا إلى موضع الحباب الأول.
ثم إن اليهود تلاومت بينها، وقالت: ما نستبقى لأنفسنا؟ قد قتل أهل الجد والجلد في حصن ناعم، فخرجوا مستميتين ورجعنا إليهم فاقتتلنا على باب الحصن أشدّ قتال.
وقتل يومئذ ثلاثة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أبو صياح، وقد شهد بدرًا، ضربه رجل منهم بالسيف فأطن قحف (٢) رأسه، وعديّ بن مرة بن سراقة، طعنه أحد اليهود بالحربة بين ثدييه فمات، والثالث، الحارث بن حاطب وقد شهد بدرًا، رماه رجل من الحصن فدمغه، وقد قتلنا منهم على الحصن عدّة، كلما قتلنا منهم رجلًا حملوه حتى يدخلوه الحصن.
مصرع سلَّام بن مشكم:
وفي معارك حصون النطاة لقى سلَّام بن مِشكمَ أحد سادات اليهود من بني النضير وزوج زينب بنت الحارث أخي مرحب التي دسّت السِم للنبي - ﷺ - في الشاة بغية قتله -كما سيأتي تفصيله إن شاء الله- لقى سلَّام هذا مصرعه أثناء القتال بين المسلمين واليهود في النطاة.
وبالرغم من إشارة المؤرخين إلى أن سلَّام بن مِشكم كان القائد العام لقوات اليهود المحاربة في منطقة النطاة التي شهدت أعنف المعارك بين المسلمين واليهود، وبالرغم من الإشارة إلى أن هذا القائد اليهودى الكبير قد لقى مصرعه في معارك النطاة، فإن أحدًا من المؤرخين -فيما بلغني- لم يذكر أن القائد (سلَّام بن مشكم) قد كان له أي دور حربى يُذكر، بالرغم من أنهم أكدوا أنه قتل في معارك النطاة. إلا أن أحدهم (وهو الإمام الواقدي) قد أعطى تفسيرًا لعدم مباشرة سلَّام بن مِشكم القتال (كزملائه من قادة يهود النطاة مثل مرحب وياسر والحارث وأُسَير ويوشع) وهو أنه كان مريضًا، وبالرغم من مرضه المقعد، لم يترك النطاة حتى قتل، بالرغم
_________________
(١) الجندل: الصخر.
(٢) القحف بكر أوله وسكون ثانيه: العظم الذي فوق الدماغ.
[ ٦ / ١٣٥ ]
من نصح أصحابه له بأن يهرب إلى منطقة (الكتيبة) ليكون في مأمن، لأن خبراء اليهود كانوا يتوقعون أن أهل الكتيبة لن يقاتلوا المسلمين بل سيصالحونهم.
قال الواقدي: قال عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عن قول زينب ابنة الحارث "للنبي - ﷺ -": قتلت أبي (١)، قال: قُتِلَ يوم خيبر أبوها الحارث، أشجع اليهود، وأخوه زبير قتل يومئذ، فكان زوجها سيّدهم وأشجعهم (سلام بن مِشكمَ)، مريضًا، وكان في حصون النطاة، فقيل له: إنه لا قتال فيكم، فكن في الكتيبة، قال: لا أفعل أبدًا، فقُتِل وهو مريض، وهو (أي سلَّام بن مِشكمَ) أبو الحكم الذي يقول فيه الربَّيع بن أبي الحُقيق:
ولما تداعوا بأسيافهم فكان الطعانُ دعونا سلاما
وكنا إذا ما دعونا به سقينا سُراةَ العدوَّ السِّماما
وهو (أي سلَّام بن مشكم) صاحب حربهم (أي قائدهم الحربى الأعلى) ولكن الله شغله بالمرض (٢).
انهزام اليهود وفتح الحصن:
وبالرغم من أن يهود المدافعين عن حصن الصعب بن معاذ أغلقوا الأبواب عند تراجعهم أمام الحباب بن المنذر ورجاله، إلا أن الاضطراب قد عمّهم، وأخذت معنوياتهم في الانهيار، ولحظ ذلك قائد الهجوم على الحصن (الحباب بن المنذر) فاغتنم فرصة اضطراب اليهود وتدنى معنوياتهم، فرسم في الحال خطة لاقتحام حصن الصعب وفتحه.
وبموجب هذه الخطة شنّ القائد الحباب برجاله هجومًا عامًّا خاطفًا على الحصن، فاقتحموه وقاتلوا بضراوة حتى افتتحوه واستولوا على كل ما فيه من أسلحة وأرزاق، وكانت شيئًا عظيمًا فرّج الله به الضائقة التي كان يعانى منها الجيش الإسلامي الذي نفدت تمويناته بسبب طول إقامته محاصرًا لحصون خيبر.
_________________
(١) سيأتي تفصيل قصة دس هذه اليهودية السم للرسول - ﷺ -.
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٨٠.
[ ٦ / ١٣٦ ]
وقد سقط قتلى كثيرون من اليهود الذين كانوا يدافعون عن حصن الصعب بن معاذ، كما وقع عدد منهم في الأسر.
معدات ثقيلة وأسلحة يستولى عليها المسلمون في حصن الصعب:
وبالإِضافة إلى المواد الغذائية الكثيرة التي استولى عليها المسلمون في هذا الحصن، وجدوا -تحت الأرض مدفونًا- آلات حربية وأسلحة كثيرة مختلفة، بينها دروع وسيوف ومنجنيقات "وهي آلات قاذفة مهمتها تدمير القلاع والحصون" كما وجدوا من الالآت الحربية دبابات (وهي آلات من الحديد على شكل صفائح كبيرة العرض والطول تصنع ليتقدم خلفها الجنود لتحميهم من السهام والحراب عندما يريدون مهاجمة حصن أو قلعة لفتحها).
والدبابات آلات واقية متطورة لا تستعملها في تلك العصور إلا الجيوش الرومانية والفارسية لكونها أرقى الجيوش تنظيمًا في العالم آنذاك.
ولا يدرى أحد كيف حصل يهود خيبر على هذه الدبابات التي لا يعرف أن أحدًا كان يصنعها أو يستعملها في جزيرة العرب في ذلك الوقت أو قبله.
ولا يستبعد أن يكون يهود خيبر قد جلبوها من الشام أو أنهم كانت لهم خبرة بصنعها فصنعوها محليًا في خيبر عندما شعروا بخطر الغزو الإِسلامي.
ثم أن الذي يثير سؤالًا آخر هو أن الدبابات التي غنمها المسلمون من يهود حصن الصعب هي آلات هجومية تستخدم في الهجوم على المدن والقلاع، فهل كان اليهود يعدّون العدة لغزو المدينة فأعدوا هذه الدبابات ليستخدموها في الهجوم على المدينة؟
إن الجواب على هذا السؤال (بنعم) هو التفسير الصحيح لوجود هذه الدبابات لدى اليهود في خيبر وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الدبابات هي آلات هجومية بينما المعركة في خيبر بالنسبة لليهود هي معركة دفاعية لا تحتاج إلى هذه الدبابات.
[ ٦ / ١٣٧ ]
آداب حربية نبوية:
وعندما استولى المسلمون على حصن ابن معاذ نادى منادى النبي القائد - ﷺ - بمنع أخذ أي شيء من الغنائم قبل قسمتها ما عدا الضرورى الذي يحتاجه الإِنسان لحينه فقال: (كلوا واعلفوا ولا تحتملوا -يعني لا تخرجوا به إلى بلادكم- فأخذوا من ذلك الحصن طعامهم وعلف دوابهم، ولم يمنع أحد من شيء، ولم يخمّس (١) ثم نقلت الغنائم والأسلاب إلى معسكر الجيش النبوى.
إراقة الخمر وكسر آنيتها:
وقد وجد المسلمون في حصن الصعب ضمن متروكات اليهود المنهزمين كميات كبيرة من الخمر المعتَّق فأمر النبي - ﷺ - بكسر آنيتها وإراقتها.
وضرب رجل من الجند المسلمين من هذه الخمر يقال له: "عبد الله الخمَّار" فخفقه رسول الله - ﷺ - بنعليه وأمر من حضروه فخفقوه بنعالهم (٢).
لا تلعنه:
وقد لعن عمر بن الخطاب هذا الرجل لشربه الخمر فقال النبي - ﷺ - لا تلعنه - فإنه يحب الله ورسوله.
ثم راح عبد الله كأنه أحدهم فجلس معهم.
كما وجد الجيش في حصن الصعب آنية من نحاس وفخار كانت يهود تأكل فيها وتشرب فقال النبي - ﷺ -: اغسلوها واطبخوا وكلوا فيها، واشربوا (٣).
وقد وصف الواقدي معركة حصن الصعب فقال: (فيما رواه عن أبي سبرة أحد الذين شهدوا فتح خيبر): ثم حمل صاحب رايتنا، وحملنا معه، وأدخلنا اليهود الحصن وتبعناهم في جوفه فلما دخلنا عليهم الحصن، فكأنهم
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣١٨.
(٢) الخفق: هو الضرب الخفيف بالسوط أو النعل أو العصا.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٣١٩.
[ ٦ / ١٣٨ ]
غنم، فقتلنا من أشرف لنا (١)، وأسرنا منهم، وهربوا في كل وجه يركبون الحرّة (٢) يريدون حصن قلعة الزبير، وجعلنا ندعهم يهربون (أي أن عسكر الإِسلام لم يتعقبّوا اليهود المنهزمِين من الحصن)، وصعد المسلمون على جدره، فكبّروا عليه تكبيرًا كثيرًا، ففتتنا أعضاد اليهود بالتكبير، لقد رأيت فتيان أسلم وغفار فوق الحصن يكبِّرون، فوجدنا والله من الأطعمة ما لم نظن أنه هناك، من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك.
ونادى منادى رسول الله - ﷺ -: كلوا واعلفوا ولا تحتملوا، يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم، فكان المسلمون يأخذون من ذلك الحصن مقامهم، طعامهم وعلف دوابهم، لا يُمْنَعُ أحد أن يأخذ حاجته، ولا يُخَمَّس الطعام، ووجدوا فيه من البز والآنية، ووجدوا خوابى السكر (٣)، فأمروا فكسروها، فكانوا يكسرونها حتى سال السكر في الحصن، والخوالى (٤) كبار لا يطاق حملها، وكان أبو ثعلبة الخشني (٥) يقول: وجدنا فيه آنية من نحاس وفخار، كانت اليهود تأكل فيها وتشرب، فسألنا رسول الله - ﷺ - فقال: اغسلوها واطبخوا فيها واشربوا، وقال أسخنوا فيها الماء (٦) ثم اطبخوا بعد .. وكلوا واشربوا، وأخرجنا منه غنمًا كثيرًا، وبقرًا وحُمرًا، أخرجنا منه آلات كثيرة للحرب، ومنجنيقًا ودبابات وعدّة، فنعلم أنهم كانوا يظنون أن الحصار يكون دهرًا، فجعل الله خزيهم.
وحدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لقد خرج من أطم (٧) من حصن الصعب بن معاذ من البز عشرون عكمًا محزومة من غليظ متاع اليمن، وألف وخمسمائة قطيفة، يقال قدم كل رجل بقطيفة على أهله، ووجد عشرة أحمال خشب، فأمر به فأخرج من الحصن ثم أحرق،
_________________
(١) أشرف الشيء: برز وظهر.
(٢) الحرة: هي الأرض ذات الحجارة السوداء التي كأن رؤوسها أطراف سكاكين.
(٣) السكر (بفتح السين والكاف): هو الخمر بمختلف أنواعه.
(٤) الخوابى جمع خابية: جرار تصنع لتعتيق الخمر فيها.
(٥) و(٦) تسخين الماء في الأواني مفيد من الناحية الطبية لأن الغليان يقتل جميع الميكروبات الضارة، ومن هنا أمر - ﷺ - تسخين الماء في الأوانى قبل الأكل والشرب فيها خشية أن تكون موبوءة.
(٦) أطم الحصن (بضم أوله وثانيه): أعلاه.
[ ٦ / ١٣٩ ]
فمكث أيامًا يخترق، وخوابي سكر (بفتح أوله وثانيه) كسرت وزقاق خمر (١) فأهريقت وعمد يومئذ رجل من المسلمين فشرب من الخمر، فرفع إلى رسول الله - ﷺ - فكره حين رفع إليه، فخفقه بنعليه (٢)، ومن حضره، فخفقوه بنعالهم، وكان يقال له: عبد الله الخمار، وكان رجلًا، لا يصبر كل الشراب، قد ضربه رسول الله - ﷺ - مرارًا، فقال عمر بن الخطاب: اللهم العنه! ما أكثر ما يضرب! فقال رسول الله - ﷺ -: لا تفعل يا عمر، فإنه يحب الله ورسوله، ثم راح عبد الله فجلس معهم كأنه أحدهم.
وقالت أم عمارة (٣) (وكانت ممن حضر خيبر): لقد وجدنا في حصن الصعب بن معاذ من الطعام، ما كنت أظن أنه لا يكون بخيبر، جعل المسلمون يأكلون مقامهم شهرًا وأكثر، من ذلك الحصن، فيعلفون دوابهم، ما يمنَعُ أحد منهم، ولم يكن فيه خمس وأخرج من البزوز شيء كثير يباع في المقسم، ووجد فيه خرز من خرز اليهود، فقيل لها: فمن الذي يشترى ذلك في المقسم؟ قالت: المسلمون واليهود الذين كانوا في الكتيبة فآمنوا، ومن حضر من الأعراب، فكل هؤلاء يشترى، فأما من يشترى من المسلمين، فإنما يحاسب به من المغنم.
وقال الواقدي أيضًا: لما نظر عُيينة بن حصن، إلى حصن الصعب بن معاذ، والمسلمون ينقلون منه الطعام والعلف والبز قال: ما أحد يعلف لنا دوابنا ويطعمنا من هذا الطعام، فقد كان أهله كرامًا فشتمه المسلمون (٤) وقالوا: لك الذي جعل لك رسول الله - ﷺ -، ذو الرقيبة (٥) فأسكت.
_________________
(١) الزقاق: جمع زق وهي أوعية الخمر خاصة.
(٢) خفقه بالسيف ونحوه: ضربه ضربًا خفيفًا.
(٣) أم عمارة، اسمها نسيبة بنت كعب كانت لها أدوار بارزة في الدفاع عن رسول الله يوم أحد، انظر ترجمتها في كتابنا (غزوة أحد).
(٤) أشرنا فيما مضى إلى أن النبي - ﷺ - عرض على عيينة بن حصن (قبل الهجوم) نصف ثمار خيبر شريطة أن يلتزم وغطفان قومه جانب الحياد، غير أن عيينة رفض هذا العرض، وأصر على مساندة يهود خيبر فتحرك بأربعة آلاف مقاتل من حيفاء في نجد لمناصرة الهود، ولكنه وصل متأخرًا حيث وجد المسلمون قد استولوا على خيبر، فأكلت قلبه الحسرة.
(٥) ذو الرقيبة: جبل مطل على خيبر، وكان ذكر إعطائه لعيينة سخرية به.
[ ٦ / ١٤٠ ]
رجحان كفة المسلمين:
وهكذا (وبسقوط حصن ناعم وحصن الصعب في أيدى المسلمين) ظهر رجحان كفة المسلمين في المعركة، وبدأ اليأس والجزع يتسرَّبان إلى قلوب اليهود، وأخذت حالتهم المعنوية في الضعف، بعد أن كانوا لا يتصورّون أن قواتهم (وهي أكثر من عشرة آلاف مقاتل) ستأخذ في التقهقر أمام جيش الإِسلام الذي لا يزيد عدده على ألف وأربعمائة مقاتل، مكشوفين في العراء، أمام أبراج اليهود المشحونة بآلاف الرماة الذين لا يجيد أحد الرمي بالنبل مثلهم، كما شهد بذلك الحباب بن المنذر.
لقد كان حصن ناعم (حصن أشجع رجالات اليهود وهم من أسرة مرحب الحميريين المتهودِّين)، وحصن الصعب بن معاذ يعتبران أقوى خطوط الدفاع اليهودية الأمامية التي كانوا يعلقون على مناعتها وبسالة الرجال المرابطين وراء أسوارهما أعظم الآمال في صدّ هجمات الجيش النبوى، الذي ما كان قادة اليهود يشكون لحظة، بأن هذا الجيشى سيطول به المقام أمام أسوار هذين الحصنين دون أن يتمكن من اقتحامهما، الأمر الذي - كما كان يهود خيبر يتصورون - يضطره للعودة من حيث أتى دون أن يحقق أي شيء من أهدافه .. ولكن الذي حدث كان مفاجأة مذهلة لليهود وأنصارهم، حيث تمكن الجيش الإسلامي من اقتحام هذين الحصنين الذين كان اقتحامهما بداية نهاية مقاومة اليهود في خيبر.
فرقة تطهر منطقة النطاة:
وتدل تقارير المؤرخين على أن هناك حصونًا أخرى في النطاة (غير حصنى ناعم والصعب) إلا أن هذه الحصون ليست ذات أهمية من الناحية العسكرية.
ولهذا فإن قيادة الجيش الإسلامى لم تكلّف نفسها بضرب الحصار على هذه الحصون، أو مهاجمتها، لأن تحرّيات استخبارات الجيش النبوى أكدت أنه ليس بحصون النطاة (ما عدا حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ وقلعة الزبير) ما يخشى منه على الجيش الإسلامي، حيث اتضح أن هذه
[ ٦ / ١٤١ ]
الحصون خالية تقريبًا من المقاتلين اليهود، ولم يكن بها تحصينات حربية تذكر. ومع ذلك فإن النبي القائد - ﷺ - قد أمر (بعد احتلال حصنى ناعم والصعب) وحدة من الجيش النبوى بالبقاء في منطقة النطاة للتفتيش في هذه الحصون وتعقب من يمكن أن يكون مختبئًا من المسلحين اليهود في هذه الحصون، ثم القضاء عليهم.
لأنه -كما يظهر- بلغه أن بعضًا من محاربى اليهود لا يزالون مختفين في بعض حصون النطاة.
قال الواقدي: وتحوّلت اليهود من حصن ناعم ومن حصن الصعب بن معاذ، ومن كل حصون النطاة إلى حصن يقال له: قلعة الزبير.
فزحف رسول الله - ﷺ - إليهم والمسلمون، فحاصرهم، وغلّقوا عليهم حصنهم، وهو حصن منيع، وإنما هو في رأس قلعة، لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال لصعوبته وامتناعه: (وبقيت في حصون النطاة بقايا، لا ذكر لهم في بعض حصون النطاة، الرجل والرجلان، فجعل رسول الله - ﷺ - بإزائهم رجالًا يحرسونهم، لا يطلع أحد عليهم إلا قتلوه) (١).
فتح قلعة الزبير
وبعد أن استولى المسلمون على حصن الصعب بن معاذ - وهو الحصن الثاق من حصون النطاة - تحوّل اليهود إلى الحصن المسمى (بقلعة الزبير) وهو الحصن الثالث من حصون النطاة الواقعة في الشطر الأول من مدينة خيبر.
وقلعة الزبير حصن منيع جدًّا يقع على قمة جبل عالية صعبة المسالك وحسب خطة انسحاب اليهود جعلوا من قلعة الزبير خط دفاعهم الثالث.
فانتقلوا إلى هذا الحصن بعد أن فقدوا (حصن الصعب بن معاذ).
وقد تحصّن اليهود في (قلعة الزبير المنيعة) واستعدوا فيه لقتال المسلمين، فشحنوا أبراج القلعة بالمقاتلين، ووضعوا كتائب رماة النبل في مواضع
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٦.
[ ٦ / ١٤٢ ]
تشرف على قوات المسلمين التي كانت قد تحولت بدورها وضربت الحصار على اليهود في قلعة الزبير بعد احتلال حصن الصعب.
صعوبة اقتحام الحصن:
قام المسلمون بعدة محاولات لاقتحام قلعة الزبير وفتحها، ولكنهم لم يتمكنوا وذلك لمناعة هذا الحصن ووعورة المسالك المؤدية إليه ولوقوع هذه المسالك مكشوفة تحت مرمى سهانم اليهود.
ومن جهة أخرى لم يقم اليهود أول الأمر بفتح أبواب الحصن لمهاجمة المسلمين أو طلب مبارزتهم كما فعلوا أثناء حصار حصن (ناعم) وحصن (الصعب بن معاذ).
ويظهر أن ذلك راجع إلى اطمئنانهم إلى العلوّ الشاهق الذي يقع عليه هذا الحصن وإلى أن المسلمين لذلك لن يقدروا على اقتحامه لصعوبة الوصول إليه وفتحه بقوة السلاح.
إجبار اليهود على القتال خارج الحصن:
وكان المسلمون لا يرغبون في إطالة مدة الحصار على الحصن، بل يتوقون للدخول مع اليهود في معركة فاصلة خارج الحصن لأنهم جازمون أن النصر سيكون حليفهم في هذه المعركة.
وبينما المسلمون يتبرَّمون بامتناع اليهود بهذه القلعة المنيعة ويديرون الفكر ويرحمون الخطط التي يمكنهم بها الاستيلاء على قلعة الزبير المستعصية، إذا بأحد اليهود واسمه (غزّال) يأتي إلى معسكر المسلمين - سرًّا - ويطلب مقابلة النبي القائد - ﷺ -.
ولدى اجتماعه بالنبي - ﷺ - أخبره بأن جيشه لن يقدر على اقتحام هذا الحصن وفتحه بقوة السلاح وأن يهود قلعة الزبير لن يتضرروا بالحصار مهما طال لمناعة الحصن ولكون المدافعين عنه، لديهم من التموينات الضرورية ما يكفيهم لمدة طويلة جدًّا.
إلا أن هذا اليهودى (غزّال) أخبر النبي القائد - ﷺ - بأنه مستعد لأن يدله
[ ٦ / ١٤٣ ]
على اتباع طريقة تيسِّر لهم فتح قلعة الزبير، بإجبار اليهود على الخروج مكرهين للقتال، مقابل أن يؤمِّنه المسلمون على ماله وأهله وولده .. فأعطاه النبي - ﷺ - الأمان له ولأهله وولده وماله.
وهنا أخبر اليهودى (غزال) النبي - ﷺ - بأن لليهود الممتنعين بقلعة الزبير منابع من المياه سرية تحت الأرض وخزَّانات قد صممت خصيصًا لأيام الحرب ينزلون إليها أثناء الليل عبر سراديب سرّية تصلها بالقلعة فيأخذون منها حاجتهم من الماء.
وبما أن هذه المنابع واقعة خارج القلعة فإنه بإمكان المسلمين الاستيلاء عليها بسهولة وعندها يجبر اليهود على الاستسلام أو الخروج للقتال بعد أن يقطع المسلمون عنهم الماء، ثم قاد هذا اليهودى (غزال) المسلمين إلى منابع المياه المذكورة فاستولوا عليها وقطعوا الماء عن اليهود المتعصمين بقلعة الزبير.
وهنا أسقط في يد اليهود ررأوا أنه لا بد من اتباع أحد سبيلين: إما الاستسلام للمسلمين، أو الخروج لمقاتلتهم، واستعادة منابع المياه منهم أو يموتوا عطشًا.
وقد فضَّلوا مقاتلة المسلمين ففتحوا أبواب الحصن وشنُّوا على المسلمين هجومًا عنيفًا فنشب قتال عنيف بين الفريقين انتهى بانتصار المسلمين الذين تمكنوا من إنزال الهزيمة باليهود ثم اقتحموا القلعة وفتحوها.
قال الواقدي: وتحولت اليهود من حصن ناعم كلها، ومن حصن الصعب بن معاذ، ومن كل حصون النطاة، إلى حصن، يقال له: قلعة الزبير (١)، فزحف رسول الله - ﷺ - إليهم والمسلمون، فحاصرهم، وغلّقوا عليهم حصنهم وهو حصين منيع، وإنما هو في رأس قلعة لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال، لصعوبته وامتناعه.
وأقام رسول الله - ﷺ - على محاصرة الذين في (قلعة الزبير) ثلاثة أيام، فجاءه رجل من اليهود يقال له: غزّال، فقال: يا أبا القاسم، تؤمنّى على
_________________
(١) كانت قلعة الزبير هذه آخر حصن من حصون النطاة الحربية التي قاوم فيها اليهود، انظر إمتاع الأسماع ص ٣١٩.
[ ٦ / ١٤٤ ]
أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق (١)، فإن أهل الشق قد هلكوا منك رعبًا، قال: فأمَّنه رسول الله - ﷺ - على أهله وماله، فقال اليهودى: إنك لو أقمت شهرًا تحاصرهم ما بالوا بك إن لهم شربًا ودبولًا وعيونًا تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت شربهم اصحروا (٢) لك، فسار رسول الله - ﷺ - إلى مائهم (الذي دلّه عليه اليهودى غزّال) فقطعه (٣).
إجبار اليهود على القتال:
ولقد حدث ما توقع اليهودى (غزّال) أنه سيحدث إذا ما قطع المسلمون الماء عن قلعة انربير، فبمجرد استيلاء النبي - ﷺ - على منابع المياه وقطعها عن اليهود، اضطر المدافعون عن الحصن إلى الخروج منه للقتال. وكان يهود النطاة - وأهل قلعة الزبير منهم - أحد اليهود وأهل النجدة منهم (٤).
فخرج منه جميع المقاتلين وشنّوا على المسلمين هجومًا عنيفًا، وقاتلوهم قتال، شديدًا استماتوا فيه محاولين إبعاد المسلمين عن الحصن واستعادة منابع المياه منهم.
لكن المسلمين ثبتوا لهجوم اليهود فاحتدمت العركة أمام القلعة، ثم تحول المسلمون من موقف الدفاع إلى الهجوم، فشدّوا على اليهود شدة رجل واحد، فانكشفوا أمامهم، وتسابق اليهود ليعودوا إلى القلعة ويقفلوا أبوابها للتحصن فيها كما كانوا يفعلون في معارك حصن ناعم وحصن الصعب.
ولكن المسلمين لم يتركوا لهم الفرص ليفعلوا ذلك حيث طاردوهم واقتحموا الحصن بعد أن قاتلوا اليهود عند أبوابه ومنعوهم من إغلاقها ثم استولوا على الحصن.
_________________
(١) الشق: منطقة تقع في القسم الأول من خيبر.
(٢) أصحر: ظهر وانكشف.
(٣) انظر زاد المعاد ج ٢ ص ٣٣١، ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٦ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٥.
(٤) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٧.
[ ٦ / ١٤٥ ]
خسائر المسلمين:
وقد فقد المسلمون في معركة قلعة الزبير عددًا من الشهداء (١) كما تكبد اليهود وهم يدافعون عن القلعة عشرة من القتلى (٢) إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يتحدث عن مبلغ الغنائم التي لا شك أنها وقعت في أيدى المسلمين عند احتلالهم لقلعة الزبير.
فتح حصن أبي
ذكرنا فيما مضى من هذا الفصل أن مدينة خيبر تتكون من قسمين:
القسم الأول: تقع فيه خمسة حصون منيعة تحصَّن فيها اليهود وجعلوا منها خط الدفاع الأول عن خيبر وشحنوها بالآلاف من المقاتلين لمقاومة هجوم المسلمين وهي:
١ - حصن ناعم، فتحه المسلمون بقيادة علي بن أبي طالب.
٢ - حصن الصعب بن معاذ، وقد فتحه المسلمون بقيادة الحباب بن المنذر.
٣ - وحصن أو قلعة (الزبير) ولم أعز فيما بين يدي من مصادر على اسم القائد الذي تولى قيادة المسلمين عند فتحه.
وهذه الحصون الثلاثة يقال لها حصون (النطاة) لأنها تقع في منطقة تسمّى بهذا الاسم (٣).
أما الحصنان الآخران فهما:
١ - حصن (أبي).
٢ - حصن البزاة.
وهذان الحصنان يقعان في منطقة يقال لها (الشق) ولذلك يقال لهما حصنا الشق، وقد افتتحهما المسلمون عنوة بعد قتال ضار عنيف كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨.
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٧.
(٣) انظر: إمتاع الأسماع للمقريزى ص ٣١٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨ والسيرة الحلبية ح ص ١٦٥.
[ ٦ / ١٤٦ ]
وذكر المؤرخون أن منطقة (الشق) بها حصون كثيرة أخرى لليهود (١) ولكن هؤلاء المؤرخين لم يذكروا منها - فيما بلغني - سوى هذين الحصنين (حصن أُبيّ وحصن البزاة)، ويظهر أن ذلك راجع إلى أن المسلمين استولوا على حصون الشق كلها (ما عدا حصن أُبى وحصن البزاة) بدون قتال الأمر الذي جعل المؤرخين يكتفون بالإشارة إلى هذه الحصون فقط.
وكل من حصرن النطاة وحصون الشق تقع كما قلنا في القسم الأول من مدينة خيبر وتمثل خط الدفاع الأول والأهم عن هذه المدينة، حيث دارت أعنف المعارك بين المسلمين واليهود.
تحويل المعسكر النبوى إلى مكانه الأول:
ذكرنا فيما مضى من هذا الفصل (وفي بداية الحديث عن معارك خيبر): أن النبي - ﷺ - عند بدء القتال قد عنه عسكر بجيشه في أعلى النطاة، فجعل مقر قيادته في منطقة تقع بين حصون النطاة وحصون الشق (٢)، فصار جيشه لذلك عرضة لأن يباغته اليهود في أية لحظة وخاصة أثناء الليل، وذلك لكونه عسكر بجيشه بين سلسلة من حصون منطقتى النطاة والشق (٣)، وفي موقع تكتنفه أحراش النخيل التي تُسهّل لوحدات من الجيش اليهودى أن تتسلل من حصونهم وتهاجم المسلمين ليلًا بسهولة، والهجوم الليلى هو الذي يسمّونه بالبيات.
الأمر الذي حمل الخبير العسكري الشهير الحباب بن المنذر -كما تقدم- على أن ينصح النبي - ﷺ - ويقترح عليه تغيير مقر قيادته ونقل معسكره من هذه المنطقة بعيدًا عن حصون اليهود قائلًا: (يا رسول الله: دنوت من الحصون ونزلت بين ظهرى النخل والنّز مع أن أهل النطاة لي بهم
_________________
(١) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٧ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨ وإمتاع الأسماع ص ٣١٩.
(٢) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤١ - ٦٤٢.
(٣) النطاة والشق بها سلسلة من القلاع الحربية لليهود وفيهما (فقط) دارت أعنف المعارك التي بها تقرر مصير اليهود.
[ ٦ / ١٤٧ ]
معرفة ليس قوم أبعد مدى سهم منهم ولا أعدل رمية منهم، وهم مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم مع أنه لا أمن من بياتهم (أي عملياتهم الهجومية في الليل) يدخلون في خَمَر النخل تحوّل يا رسول الله إلى موضع برئ من النز ومن الوباء، نجعل الحَرَّة بيننا وبينهم حتى لا ينالنا نبلهم).
وكان المكان الذي عسكر فيه النبي - ﷺ - بجيشه بين الشق والنطاة (أول نزوله خيبر) يقال له: (المنزلة) (١) - وكما تقدم تفصيله في هذا الفصل عمل النبي - ﷺ - بنصيحة الحباب بن المنذر واتبع مشورته، فتحول بعسكره من المنزلة (أعلى النطاة بينها وبين الشق) إلى وادي الرجيع فجعل فيه معسكر جيشه ومقر قيادته، وصار من هذا الوادي يجرّد حملاله العسكرية ضد اليهود - وما زال كذلك - حتى تمكنت قواته من السيطرة على جميع حصون النطاة وخاصة الحصون الحربية القوية الرئيسية الثلاثة (حصن ناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن الزبير).
وباستيلاء الجيش النبوى على حصون هذه المنطقة (النطاة) انتقل النبي - ﷺ - بجيشه من وادي الرجيع (أسفل النطاة) إلى أعلاها، وهناك وفي المكان الأول الذي اتخذ منه معسكرًا لجيشه يومًا واحدًا فقط (أول نزوله خيبر) .. هناك في (المنزلة) عسكر بجيشه للمرة الثانية، ليدير عملياته الهجومية ضد اليهود في حصون الشق، الواقعة في القسم المتبقى من الشطر الأول من مدينة خيبر.
وكان سبب انتقاله إلى (المنزلة) بين حصون النطاة والشق (المكان الذي اضطر بناءً على مشورة الحباب بن المنذر إلى التخلّى عنه في بداية الحرب) هو أن جيشه (بعد سيطرته على قلاع النطاة) لم يعد واقعًا بين نارين كما كان عندما اتخذ من هذه المنطقة أول معسكر لجيشه، في وقت كانت فيه حصون النطاة المنيعة لا تزال في أيدى اليهود الذين يعتبرون أشجع يهود
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٤٣.
[ ٦ / ١٤٨ ]
خيبر (١). وأشدّهم ضراوة في القتال (٢). فهذه الحصون أصبحت تحت سيطرة قوات المسلمين، وبهذا أمن النبي - ﷺ - على نفسه وعلى جيشه من خطر بيات اليهود "هجماتهم الليلية المباغتة" ووقع سهامهم الحادة التي كانت (عندما كانت حصون النطاة العالية بأيديهم) تخالط المسلمين في معسكرهم وتحدث الإصابات بينهم، حيث أصيب بسهام هؤلاء اليهود في اليوم الأول من القتال خمسون من المسلمين بجراح (٣). وهكذا صار ظهر الجيش النبوى مأمونًا بعد أن تخليّ اليهود عن قلعة الزبير وهي آخر قلعة حربية هامة من قلاع النطاة.
قال أهل السِّير والمغازى: فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من النطاة أمر بالانتقال، والعسكر أن يحوّل من منزله بالرجيع إلى مكانه الأول (بالمنزلة)، وأمن رسول الله - ﷺ - من البيات ومن حرب اليهود (أي أهل النطاة) وما يخاف منهم، لأن أهل النطاة كانوا أحدَّ اليهود وأهل النجدة منهم (٤).
انتقال اليهود إلى حصون الشق:
وبعد أن فقد اليهود حصون وقلاع النطاة، وخسروا كبار قادتهم في معارك النطاة الضارية، تحوّلت فلولهم المدحورة إلى قلاع الشق.
وقد تمركزت قراتهم الرئيسية في حضن أمامى يقال له: (قلعة أُبيّ)، وتحصّنوا في هذه القلعة استعدادًا لمقاومة جيش الإسلام الذي كان يتعقبهم في زحفه.
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٧.
(٢) مما يؤكد أن جهود النطاة هم أهل النجدة والشجاعة والبأس بين جهود خيبر وأشدهم ضراوة في القتال والصبر على الحرب، هو أن حصون النطاة الرئيسية الثلاثة لم يسلمها اليهود للمسلمين إلا بعد أن لقى جميع قادة الهود ورؤساء أركان حربهم مصارعهم بسيوف المسلمين مبارزة (مثل القادة: مرحب وياسر وأسر وعامر والحارث أبي زينب يوشع وسلام بن مشكم الذين جميعهم (ما عدا سلام بن مشكم) لاقوا حتفهم في ساحة الميدان مبارزة.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٣١٢.
(٤) الواقدي ج ٢ ص ٦٦٧.
[ ٦ / ١٤٩ ]
ضرب الحصار على القلعة:
وكانت (قلعة أُبيّ) قلعة منيعة للغاية تقع على قُلَّة جبل من الصعب جدًّا اقتحامها لوعورة المسالك إليها .. ولكنها على كل حال ليست أحصن ولا أمنع من قلاع النطاة التي اقتحمها المسلمون بعد مراحل من أهوال القتال الضارى العنيف.
ولهذا لم يترددوا في مهاجمتها بسرعة، فقد قام الجيش النبوى بضرب الحصار على هذه القلعة، تمهيدًا لاقتحامها، وكان النبي - ﷺ - بنفسه يدير دفة القتال ويجرد الحملات على القلعة المذكورة من مكان مرتفع في النزلة يقال له: (سموان) (١).
شراسة اليهود في المقاومة:
وقد استبسل اليهود في القتال، فقاوموا هجمات المسلمين بضراوة عهدها المسلمون منهم في معارك النطاة، فقد استماتوا في الدفاع عن (قلعة أُبيّ)، وقاتلوا المسلمين أشدّ قتال (٢).
وكان قائد وحدات المسلمين التي تولّت مهاجمة حصن (أُبيّ) هو أبا دجانة الأنصاري الفارس المشهور (٣).
اليهود يفتحون أبواب القلعة للمبارزة:
وقد بلغت الضراوة باليهود في القتال للدفاع عن قلعة (أُبيّ) إلى أن يفتحوا أبواب هذه القلعة مستهينين بالموت ومعتدِّين بأنفسهم ومتَحدِّين قوات المسلمين المحيطة بهم، وذلك بدعوة فرسان هؤلاء اليهود، المسلمين إلى المبارزة خارج القلعة.
مصرع قائدين يهوديين:
فقد خرج من قلعة (أُبيّ) أحد فرسانهم يقال له: (عزول) رجال
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٥.
(٣) انظر قصص بطولة أبي دجانة في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٦ / ١٥٠ ]
بفرسه أمام أسوار القلعة طالبًا المبارزة.
فبرز له من صفوف المسلمين الحباب بن المنذر الأنصاري، وبعد أن تجاولا ساعة حمل الحباب بن المنذر على الفارس اليهودى (عزول) فقطع يده اليمنى ففرّ هاربًا إلى القلعة، إلا أن الحباب طارده حتى لحق به قبل أن يدخل القلعة فقطع رجله ثم قضى عليه.
ثم عاد الحباب إلى صفوف المسلمين، وعقب مصرع القائد اليهودى (عزول) برز فارس يهودى آخر (لم يذكر المؤرخون اسمه) وصاح خارج القلعة طالبًا من المسلمين المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله اليهودى في الحال.
فاستبدّت الغطرسة بهذا الفارس اليهودى، فظل مكانه يجول بفرسه طالبًا المبارزة، فأجابه إليها الفارس الأنصاري الشهير (أبو دجانة سمّاك بن خرشة)، فحمل كل منهما على صاحبه، وظلا يتعاركان بضراوة حتى تمكن أبو دجانة من قتل الفارس اليهودى المذكور.
إحجام اليهود عن المبارزة وافتتاح القلعة:
وبعد أن قتل القائدان اليهوديان أمام أبواب قلعة (أُبيّ) دبّ الرعب في قلوب بقية اليهود في القلعة فأحجموا عن المبارزة، ثم أغلقوا أبواب القلعة، محاولين الاعتصام بها والدفاع عنها ومقاتلة المسلمين من وراء أسوارها، ولكن قائد وحدات المسلمين المتقدمة (أبا دجانة الأنصاري) لم يترك الفرصة لليهود ليفعلوا ذلك، فقد أمر وحداته بمهاجمة اليهود بسرعة، فشنّ جند الإسلام هجومًا خاطفًا على القلعة، يتقدمهم قائدهم أبو دجانة.
وقد قاوم اليهود المسلمين مقاومة شديدة، فدار حول القلعة قتال ضارٍ عنيف بين الفريقين، ولكن مقاومة اليهود - بالرغم من ضراوتها - كان مصيرها في النهاية الانهيار، حيث انهزم هؤلاء اليهود مقتحمين أسوار القلعة هربًا في كل ناحية، فاحتل السلمون القلعة واستولوا على كل ما فيها من المؤن والأسلحة والمواشى، ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه قد وقع في أيديهم أسرى من يهود هذه القلعة، الذين التجأ الباقون منهم على قيد الحياة
[ ٦ / ١٥١ ]
إلى حصن النزار، وهو الحصن الثاني من حصون الشق الذي قاوم اليهود المسلمين فيه مقاومة عنيفة واعتصموا به حتى قرر النبي - ﷺ - أن ينصب على هذا الحصن آلات المنجنيق لتدميره كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
قال الواقدي: حدثني موسى بن عمر الحارثى، عن أبي عفير محمد بن سهل بن أبي حثمة، قال: لما تحوّل رسول الله - ﷺ - إلى الشق، وبه حصون ذات عدد، كان أول حصن بدأ منها حصن أُبى، فقام رسول الله - ﷺ - على قلعة يقال لها: (حمران) (١) فقاتل عليها أهل الحصن قتالًا شديدًا، وخرج رجل من اليهود يقال له غزال (٢) فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب، فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع السيف من يد غزال، فكان أعزل، ورجع منهزمًا فوقع، فذفف عليه، وخرج آخر فصاح: من يبارز؟ فبرز إليه رجل من المسلمين من آل جحشى، فقُتِلَ الجحشى، وقام مكانه يدعو إلى البراز، ويبرز له أبو دجانة قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المِغفر يختال في مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفف عليه وأخذ سلبه، درعه وسيفه، فجاء به إلى النبي - ﷺ - فنفله رسول الله - ﷺ - ذلك، وأحجموا عن البراز، فكبَّر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يتقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثًا ومتاعًا وغنمًا وطعامًا، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحّموا الجدر كأنهم الظباء (٣) حتى صاروا إلى حصن النزار (٤) بالشق، وجعل يأتي من بقى من قلل النطاة إلى حصن النّزار فغلقوه وامتنعوا فيه أشد الامتناع (٥).
_________________
(١) في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨. (سموان).
(٢) في السيرة الحلبية ج ٢ (ص) (غزوال).
(٣) في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨: (كأنهم الضباب).
(٤) في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨ (البزاة).
(٥) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٧ - ٦٦٨ تحقيق الدكتور مرسدن جونس ونشر جامعة أكسفورد وطبعة دار المعارف المصرية.
[ ٦ / ١٥٢ ]
فتح حصن النزار
كان حصن (النزار) هو الحصن الثاني من حصون (الشق) والحصن الخامس والأخير من حصون القسم الأول من مدينة خيبر، والتي تحصّن فيها اليهود وقاتلوا المسلمين دفاعًا عن كل حصن منها قتالًا عنيفًا ضاريًا كما تقدم تفصيله.
أمنع حصن في خيبر:
وكان آخر أمل لليهود معقودًا على حصن النّزار لأنه كان أمنع وأحصن وأقوى حصن في خيبر على الإِطلاق (١) ولذلك كان قادة فلول اليهود المنهزمة من النطاة والشق، بل ويهود الشطر الثاني من مدينة خيبر (جماعة بني أبي الحقيق من بني النضير) يعتقدون أن المسلمين ستعجز وحداتهم عن اقتحام هذا الحصن لمناعته وقوة تحصيناته.
النساء والذرية في حصن النزار:
وقد كان اليهود في جميع الحصون الأربعة التي قاتلوا المسلمين منها في النطاة والشق لا يسمحون للنساء والذرية بالبقاء معهم في هذه الحصون الأربعة وإنما يجعلونها مناطق حربية محظور على غير المقاتلين البقاء فيها، وذلك خوفًا من أن يقع النساء والذرية سبايا في أيدى المسلمين (٢)، كان قادة اليهود (بالرغم من قوة هذه الحصون الأربعة) غير واثقين من قدرتها على الصمود طويلًا أمام هجمات المسلمين، ولهذا جرّدوها للمقاتلين فقط وأجلوا عنها النساء والصبيان، ولهذا لم يقع أحد من النساء والذرية في قبضة جيش الإِسلام، عند استيلائه على هذه الحصون الأربعة (٣).
_________________
(١) مغازى الراقدى ج ٢ ص ٦٦٩.
(٢) انظر أوسع التفاصيل عن وجهة نظر الإسلام في إباحته إسترقاق النساء والذرية في حالة الحرب، وأن هذا العمل ليس أكثر من عمل حربى مقابل لا مناص للسلمين من القيام به إزاء أعدائهم الذين يستبيحون (في نفس الوقت) استرقاق وسبى نساء وأطفال المسلمين إذا ما وقعوا في قبضتهم. انظر كل هذه التفاصيل في الفصل الرابع من كتابنا (غزوة بني قريظة) ص ٢٨٣ تحت عوان (الإسلام والرق).
(٣) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٩.
[ ٦ / ١٥٣ ]
ولكن هؤلاء اليهود لشدة ثقتهم بمناعة وحصانة وقوة حصن النزار ولكونهم على ما يشبه اليقين بأن قوات المسلمين ستعجز عن فتح هذا الحصن، وأنها ستضجر من طول المقام محاصرة له دون أن تتمكن من متحه، فتعود أدراجها، أو ستُجبر على الدخول في مفاوضة مع اليهود وهم في وضع من القوة يجعلهم يحصلون على شروط أفضل في صبح يعقدونه مع المسلمين .. من أجل هذا كله شحن اليهود (حصن النزار) بأفضل ما لديهم من المحاربين، ثم جمعوا في هذا الحصن النساء والذرية وكانوا حوالي ألفين (١) ثم تحصنوا في هذا الحصن أشد التحصن وامتنعوا فيه أشد الامتناع، وصاروا يدافعون عنه دفاع المستميت، لأنهم يدركون تمام الإدراك أن سقوط هذا الحصن في أيدى المسلمين يعني سقوط الشطر الأول والأهم من مدينة خيبر، وبالتالى يعني انهيار المقاومة اليهودية انهيارًا كاملًا، قد يجعلهم غير قادرين على الدفاع عن الشطر الثاني من المدينة الذي لم يكن مستوى أهله كمستوى يهود الشق والنطاة من حيث الشجاعة والنجدة والصبر على القتال، وقد كان قادة وزعماء اليهود في الشطر الثاني من خيبر يعرفون هذا، وقد صرح به أحد قادتهم (كنانة بن أبي الحقيق النضرى) حيث قال (عند سقوط آخر حصن من حصون النطاة والشق في أيدى المسلمين): قد فرغ محمد من النطاة وليس أحد هاهنا يقاتل، قد قتلت يهود حيث قتل أهل النطاة (٢).
ضرب الحصار على حصن النزار:
قال ابن كثير في البداية والنهاية: (وهرب من كان في حصن (أُبيّ) من المقاتلة وتقحموا الجُدُر وكأنهم الضباب، حتى صاروا إلى حصن البزاة (يقصد حصن النزار) بالشق، وتمنعوا أشد الامتناع اهـ. وكان أهل حصن (النزار) أشد أهل الشق قتالًا (٣).
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣١٨.
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٤.
(٣) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٨.
[ ٦ / ١٥٤ ]
إخلاء جميع حصون الشق ما عدا (النزار):
وفي منطقة الشق كانت حصون كثيرة، ولكن يظهر أن اليهود أخلوها وتجمّعوا كلّهم في حصن (النزار) لمناعته وقوة تحصينه، ثم هربوا جميعًا (بعد سقوط حصن النزار) إلى حصون الكتيبة في الشطر الثاني من خيبر (١).
الهجوم على حصن النزار:
وبعد أن سقطت قلعة (أُبيّ) -كما تقدم- وانهزم الدافعون عنها إلى (حصن النزار) سارع المسلمون إلى مطاردتهم فلم يتركوا لهم فرصة يستريحون فيها، بل سارعوا إلى ضرب الخناق عليهم بقيادة النبي الأعظم - ﷺ -، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ليستسلموا.
مقاومة اليهود العنيفة:
ولكن اليهود قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة، إلا أنهم بالرغم من شدة مقاومتهم العنيدة لم يخرجوا من حصن (النزار) للاشتباك مع قوات المسلمين بالهجوم عليها، ولم يطلب فرسانُهم البارزة كما كانوا يفعلون أثناء محاصرة المسلمين لهم في حصون (ناعم والصعب بن معاذ والزبير وأُبيّ) في النطاة والشق.
وكل ما فعله هؤلاء اليهود في حصن (النزار) هو أنهم شحنوا أبراجه ومسالحه الأخرى بالمقاتلة (وخاصة رماة النبل) واعتصموا به وصاروا يمطرون المسلمين بسيول من نبالهم، وكانوا مهرة في الرمي، كما صاروا يسلطون جنادل الحجارة على المسلمين من قلل الحصن الذي يقع على جبل مرتفع منيع (٢) بغية إبعادهم عن أسواره.
_________________
(١) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٩.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٥، وصاحب السيرة الحلبية يسمى حصن النزار: (حصن البرئ) ويظهر أنه تصحيف من النساخ.
[ ٦ / ١٥٥ ]
النبي يُجرح بنبال اليهود:
وكان المسلمون يردون على رمي اليهود برمي شديد مثله بالنبال، إلا أن نبال اليهود كانت أشد فعالية في جند الإِسلام وذلك لكون اليهود يسلطونها من أبراج قلعة (النزار) العالية التي يعسكر المسلمون تحتها.
وكان النبي - ﷺ - يشترك مع المسلمين في قذف اليهود بالنبال أثناء الترامى بالسهام، ويظهر أن رماة اليهود كانوا يركّزون رمى سهامهم الغزيرة بصفة خاصة على الموقع الذي يرابط فيه النبي القائد - ﷺ - حول الحصن المحصور، لذلك جرِحَ النبي - ﷺ - نتيجة إصابته ببعض سهام اليهود، كما أصابت بعض نبال اليهود ثيابه فمزقتها وهو يدير العمليات ضدهم (١).
نصب المنجنيق على الحصن:
ويدل سياق المؤرخين على أن يهود قلعة (النزار) قد صمدوا طويلًا، وصدُّوا كل المحاولات التي قامت بها وحدات من مشاة الجيش النبوى لاقتحام الحصن وفتحه بقوة السلاح، وذلك راجع إلى تحصين قلعة النزار ووعورة الوصول إليها حيث تقع على أعلى قمة جبل، ثم كثرة المدافعين عنها وشدة تيقظهم، وعنادهم في المقاومة. الأمر الذي جعل المسلمين يضيقون من طول المقام حول الحصن محاصرين بدون نتيجة.
لذلك قرر النبي القائد - ﷺ - استخدام آلات التدمير لضرب أبراج الحصين وأسواره لتدميرها وفتح ثغرات كبيرة فيها ليتمكن مشاة المسلمين من اقتحام الحصن عن طريقها، ولم يكن هناك مجال للخيل في عمليات الهجوم على الحصن لعدم وجود أي طريق تقدر الخيل على سلوكه ولذلك كانت هجمات المسلمين مقتصرة على وحدات من المشاة.
وكان المسلمون قد غنموا في حصن الصعب بن معاذ في النطاة بعض المنجنيقات، وهي الآلات الوحيدة التي تستخدم في ذلك الزمن لتدمير الحصون كما غنموا بعض الدبابات التي تحمى صفايحها الحديدية المشاة أثناء
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٥ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٨.
[ ٦ / ١٥٦ ]
زحفهم على القلاع المنيعة من وقع نبال العدو.
وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين التي عجزت عن اقتحامه، أمر النبي - ﷺ - بنصب آلات المنجنيق (١) لتدمير الحصن وإجبار اليهود إما على الاستسلام أو الانسحاب.
ومع تحدث بعض المؤرخين عن قصة نصب النبي - ﷺ - آلات المنجنيق على حصن النزار بعد أن استعصى فتحه، فإن أحدًا منهم لم يذكر هل قذف النبي - ﷺ - هذا الحصن بقذائف هذه الآلات التدميرية أم لا؟
ولكن القرائن تدل على أنه فعل ذلك، فقد تمكن المسلمون من اقتحام حصن النزار بعد أن نصبوا المنجنيق عليه، ولا شك أن هناك قتالًا عنيفًا في ار بين المسلمين ويهود حصن النزار داخل الحصن بعد أن فتحت قذائف المنجنيق في أسوار الحصن ثغرات وأحدثت فيه قذائف اللهب حرائق مكنت المسلمين من الوصول إلى داخل الحصن، بدليل أن اليهود انهزموا من هذا الحصن شر هزيمة، بعد أن تركوا للمسلمين غنائم كثيرة ومن بينها ألفان من السبايا من النساء والذرية (٢)، "فرَّ بقية المقاتلة اليهود مذعورين وتركوهم في حصق النزار" .. فلا شك إذن (وهذا مجرد استنتاج) أن الذي يسَّر للمسلمين افتتاح هذا الحصن المنيع العاقى الحصين هو قذفه بقذائف آلات المنجنيق التي أمر النبي - ﷺ - بنصبها على ذلك الحصن، وإلا فكيف تنزل بيهود هذا الحصن العاتى المنيع تلك الهزيمة المدمّرة التي جعلتهم يفرون إلى القسم الثاني من المدينة مذعورين تاركين في الحصن نساءهم وذراريهم يقعون في قبضة المسلمين؟ . كيف تنزل بهم هذه الهزيمة، وهم الذين صمدوا للحصار وصدّوا كل محاليلات المسلمين الهجومية حتى برم المسلمون وضجروا من طول المرابطة حول هذا الحصن؟ الأمر الذي حدا بالنبي القائد - ﷺ - إلى أن يأمر بنصب آلات التدمير على الحصن باعتبارها آخر وأقوى سلاح يمكن استخدامه ضد اليهود في هذا الحصن المنيع
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٥.
(٢) إمتاع الأسماع ص ٣١٨.
[ ٦ / ١٥٧ ]
لإِجبارهم على الدخول في معركة فاصلة كانوا يتحاشون الدخول فيها مع المسلمين. وهناك قرينة أخرى تدل على أن يهود حصن النزار، لم ينسحبوا من الحصن إلا بعد قتال مرير ضار داخل الحصن، ذلك أنهم لو انسحبوا من الحصن دونما اشتباك والتحام مع المسلمين (ونتيجة خوفهم فقط من قصف المنجنيق) لتمكنوا من التسلل في غلس الظلام بنسائهم وأطفالهم، ولا تركوهم وعددهم يربو على الألفين في هذا الحصن.
قصة تحتاج إلى تمحيص:
وذكر بعض الإخباريين (١) أن اليهود لما طال صمودهم وقاوموا حصار المسلمين طويلًا، وأصابت سهامهم بنان النبي - ﷺ - بجراح، وهو يقود عملية الحصار، ويرمى يهود (حصن النزار) بالنبل، أخذ بيده الكريمة كفًّا من الحصى فرمى به حصن النزار المذكور، حتى رجف وساخ في الأرض بمن فيه من اليهود، حتى جاء المسلمون، وأخذوهم باليد أخذًا.
وهذا يعني أن اليهود دافعوا عن حصن النزار بشراسة وعناد استماتة حالت بين المسلمين وبين اقتحام الحصن وافتتاحه بالأساليب الحربية التقليدية، وأن هذا الحصن (لذلك) إنما فتح بمعجزة حيث ساخ هذا الحصن في الأرض حتى أصبح أثرًا بعد عين، فسهل على المسلمين أن يقبضوا على جميع من فيه من اليهود بكل سهولة بعد أن حصبه النبي الأعظم - ﷺ - بكف من الحصى.
ونحن لا نميل إلى الأخذ بهذا الخبر، لا لأننا ننكر المعجزات التي يكرم الله بها أنبياءه، كلا، فمعجزات الأنبياء ثابتة بالتواتر، وإنما لأن كل الذين رأيناهم أوردوا هذه القصة لم يذكروا لها أي سند متصل بسلسلة من الثقات كما هي الطريقة المفروض اتباعها عن أهل الحديث، وخاصة في نقل مثل هذه المعجزة الخارقة للعادة، وإنما اكتفى هؤلاء الإِخباريون بذكر هذه القصة دونما أي سند.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٨، السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٥ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٨.
[ ٦ / ١٥٨ ]
حصن النزار آخر حصن كان فيه قتال:
قال الواقدي: فلما فتح رسول الله - ﷺ - حصن النزار بقيت حصون في الشق، فهرب أهلها منها حتى انتهوا إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم، وكان محمد بن مسلمة يقول: ونظر رسول الله - ﷺ - إلى حصن النزار فقال: هذا آخر حصون خيبر كان فيه قتال، لما فتحنا هذا الحصن لم يكن بعده قتال حتى خرج رسول الله - ﷺ - من خيبر (١).
كيف صارت صفية اليهودية أما للمؤمنين:
وكان من السبايا اللواتي وقعن في أيدى المسلمين، صفية بنت سيد يهود بني النضر (حيي بن أخطب) ألد أعداء النبي - ﷺ - وزوجة كنانة بن أبي الحقيق سيد خيبر، وكانت صفية قبلًا، زوجة لسلّام بن مشكم النضرى، فطلقها قبل أن يدخل بها كما ذكر ذلك صاحب السيرة الحلبية.
القمر في حجر صفية:
كانت صفية (وهي تحت كنانة بن أبي الحقيق) رأت في المنام كأنَّ قمر السماء قد وقع في حجرها، فلما قصَّت رؤياها على زوجها كنانة بن أبي الحقيق (ملك خيبر) غضب ثم لطمها على وجهها لطمة شديدة أخضَّرت لها عينها، ثم قال لها: أتتمنين ملك يثرب (يعني النبي - ﷺ -) أن يصير بعلك (٢).
كيف تزوج النبي صفيّة؟
بالرغم من إجماع المؤرخين على أن صفيّة قد وقعت من جملة السبايا في أيدى المسلمين، فقد اختلفوا في الطريقة التي بها وقعت سبيّة مع السبايا .. فقد ذكر ابن هشام أن صفية أُخذت من حصن القموص، حصن زوجها (كنانة بن أبي الحقيق) الواقع في القسم الثاني من خيبر (٣).
_________________
(١) المغازي ج ٢ ص ٦٦٩.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٦، ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٤ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٦.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٦.
[ ٦ / ١٥٩ ]
إلا أن الواقدي ذكر أن صفية وقعت سبيَّة في أيدى المسلمين في حصن (النزار) الذي يقع في الشطر الأول من مدينة خيبر الذي لا يوجد فيه شيء من حصون ابن أبي الحقيق، ويذكر سبب ذلك فيقول: حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، قلت لجعفر بن محمود: كيف صارت صفية في حصن النزار في الشق، وحصن آل أبي الحقيق بسلالم (أي في القسم الثاني) ولم يسب في حصون النطاة من النساء والذريَّة أحد ولا بالشق، إلا حصن النزار؟ .
فقال: إن يهود خيبر أخرجوا النساء والذرية إلى الكتيبة وفرّغوا حصن النطاة للمقاتلة، فلم يسب أحد منهم إلا من كان في حصن النزار، صفيّة وابنة عمها ونسيّات معها .. وكان كنانة بن أبي الحقيق قد رأى أن حصن النزار أحصن ما هنالك فأخرجها في الليلة التي تحوّل رسول الله - ﷺ - في صبيحتها إلى الشق حتى أُسرت وبنت عمّها ومن كان معهما من ذرارى اليهود، وبالكتيبة من اليهود ومن نسائهم وذراريهم أكثر من ألفين (١).
وفي مكان آخر قال الواقدي وروى عن صفية نفسها قالت: وجعلت اليهود ذراريها في الكتيبة وجرّدوا حصون النطاة للمقاتلة، فلما نزل رسول الله - ﷺ - خيبر وافتتح حصون النطاة ودخل عليَّ كنانة فقال: قد فرغ محمد من النطاة، وليس ها هنا أحد يقاتل، وقد قُتِلَت اليهود حيث قُتل أهل النطاة وكذبتنا العرب (يعني غطفان الذين خذلوا اليهود ولم يقاتلوا إلى جانبهم) فحوّلنى إلى حصن النزار بالشق - قال وهو أحصن ما عندنا - فخرج حتى - أدخلنى وابنة عمّى ونسيّات معنا، فسُبيتُ في النزار قبل أن ينتهى النبي - ﷺ - إلى الكتيبة (٢).
تخيير النبي صفية بين الإسلام والرجوع إلى أهلها اليهود:
وكانت صفية قد وقعت (كما في صحيح البخاري) في سهم أحد أصحاب النبي - ﷺ - وهو دحْية الكَلبي (٣) فجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فذكر
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٩ تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٤ و٦٧٥.
(٣) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بني قريظة).
[ ٦ / ١٦٠ ]
له شأنها وقال أعطيت دحية صفيّة سيدة قريظة والنضير، أنها لا تصلح إلا لك، فقال: ادعوه بها، فلما نظر إليها قال: خذ جارية من السبى غيرها، ففعل، واصطفاها النبي - ﷺ - لنفسه حيث تزوجها بعد أن أعتقها (١).
وبهذا الزواج الاختيارى (٢) أصبحت صفيّة بنت حيى بن أخطب (سيد يهود بني النضير وألد أعداء النبي - ﷺ -) إحدى أُمَّهات المؤمنين، تتساوى في جميع الحقوق مع عائشة بنت أبي بكر الصديق وحفصة بنت عمر بن الخطاب وكل زوجات النبي - ﷺ -.
تفنيد تهمة خبيثة:
وبهذه المناسبة هنا نقطة لا بد من الإِشارة إليها وتوضيحها، وهي أن حادثة استرجاع النبي - ﷺ - صفية من دِحْية الكلبى واصطفائها - ﷺ - لنفسه زوجة قد جعلت بعض مرضى النفوس (وخاصة أعداء الإِسلام من اليهود وغيرهم) يتهمون الرسول الأعظم - ﷺ - بأنه ما استرجع صفيّة وتزوجها إلا بدافع رغبة جسدية.
بينما الحقيقة التي يؤكّدها سياق القصة هي أن الدافع لجعل النبي - ﷺ - صفية زوجة له أسمى وأشرف من ذلك، وهو أن صفية بنت ملك وزوجة ملك، ومثلها لا يوهب كما توهب السبايا الأخريات.
ولهذا استرجعها النبي - ﷺ - من دِحْية، مما يدل على الباعث الإِنسانى النبيل الذي فيه تكريم لهذه السيدة العظيمة في قومها، وذلك حسب القاعدة الإسلامية الشريفة (أكرموا عزيز قوم ذل) .. وليس أكرم لها وأجبر لخاطرها من أن تكون زوجة النبي - ﷺ - بدلًا من أن تكون مملوكة عند رجل من عامة الناس.
بل إن هناك ما هو أقوى في الدلالة على أن باعث استرجاع النبي - ﷺ - لصفية من دحية الكلبى ليس الرغبة الجسدية كما يدَّعى مرضى
_________________
(١) سمط النجوم العوالى ج ٢ ص ١٦٠.
(٢) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٨ وإمتاع الأسماع ص ٣٢١.
[ ٦ / ١٦١ ]
النفوس، وإنما هو أسمى من ذلك وأرفع، وهو مواساة هذه السيدة العظيمة في قومها وإعزازها وتكريمها .. الأقوى في الدلالة على ذلك هو أن النبي - ﷺ - لما استرجع صفية أعتقها وبعد أن أصبحت حرّة خيَّرها بين أن تعود معززة مكرّمة إلى أهلها اليهود وبين أن تسلم وتكون زوجة للنبي - ﷺ - طائعة مختارة.
غير أن الله تعالى قذف في قلبها الإِسلام فتخلَّت عن اليهودية باختيارها، فتزوجها النبي - ﷺ - فصارت إحدى أُمَّهات المؤمنين وكانت من أطيبهن نفسًا وأرجحهن عقلًا.
فقد روى الواقدي عن أُبي بن أُبى سبرة عن أبي حرملة عن أخته أم عبد الله عن ابنة أبي القين المزنيّ قالت: كنت آلف صفية من بين أزواج النبي - ﷺ - وكانت تحدثنى عن قومها وما كانت تسمع منهم ثم ذكرت حديثًا طويلًا إلى أن قالت، فقالت صفية: "فسُبيتُ في (حصن النزار) (١) قبل أن ينتهى رسول الله - ﷺ - إلى الكتيبة (أحد الأودية في الشطر الثاني من خيبر) فأرسل بي إلى رحله ثم جاءنا حين أمسى فدعانى، فجئت وأنا مقنّعة حييّة فجلست بين يديه فقال: إن أقمت على دينك لم أُكرهك، وإن اخترت الله ورسوله فهو خير لك. قالت: أختار الله ورسوله والإسلام فأعتقنى رسول الله - ﷺ - وتزوجنى" (٢).
وعن صفية ﵂ أنها قالت: انتهيت إلى رسول الله - ﷺ - وما من أحد أكره إلى منه، قتل أبي وزوجى وقومى، فقال: يا صفية أما إني اعتذر إليك مما صنعت بقومك إن قومك صنعوا كذا وكذا (وأخذ يعدد الأسباب التي حملته على أن يفعل بهم ما فعل)، قالت صفية: وما زال يعتذر إلى حتى ذهب ذلك من نفسي، فما قمت من مقعدى ومن الناس أحدٌ أحب إلي منه - ﷺ - ثم قالت: ما رأيت أحدًا قط أحسن خلُقًا من رسول الله - ﷺ - (٣).
_________________
(١) حصن النزار آخر حصن افتتحه النبي - ﷺ - من حصون الشق في الشطر الأول من خيبر.
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٤ - ٦٧٥ تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٨ و١٦٩.
[ ٦ / ١٦٢ ]
فلو لم يكن باعث استرجاع صفية من دِحْية الكلبى هو باعث إنسانى شريف ما خيّرها النبي - ﷺ - بعد أن حررها من رق الأسر - بين أن تعود إلى أهلها حرّة معززة مكرمة وبين أن يتزوجها لتكون إحدى أمَّهات المؤمنين.
ولو أراد ﷺ أخذها لنفسه جارية سريّة لفعل، ولا يمكن أن يجد طاعن أي مجال للطعن في تصرفه - ﷺ - لأن قوانين الحرب المتفق علها بين جميع الشعوب والأمم والتي عمل بها الإِسلام وطبقها (كعمل حربي مقابل) (١) في ذلك العصر تبيح للنبي - ﷺ - أن يعامل صفية كنوع من الرقيق فيتخذها لنفسه جارية دونما أخذ موافقتها لأنها أسيرة حرب تعتبر مملوكة بموجب قانون الحرب الدولى المعمول به في ذلك العصر.
ولكن النبي - ﷺ - تكريمًا لهذه السيدة العظيمة في قومها أبي إلا أن يخصها من بين جميع السبايا بإعطائها مطلق الحرية في أن تختار أي السبيلين تريد بمحض إرادتها: العودة إلى عشيرتها مع البقاء على دينها أو الدخول في الإِسلام لتكون زوجة لرسول الله - ﷺ - لا فرق بينها وبين ابنة أبي بكر الصديق في الحقوق والواجبات، فاختارت الزواج من رسول الله - ﷺ - بمحض اختيارها.
وكان النبي - ﷺ - يبالغ في إكرام هذه السيدة ويراعى شعورها لعلمه بما هي عليه من حساسية وشعور مرهف، كامرأة عزيزة في قومها فقدت الوالد والزوج (كلاهما ملك على قومه).
فقد كانت صفية نفسها تتحدث عن هذه المعاملة النبيلة والمواساة النابعة من أشرف قلب، فقد قالت: كنت ألقى من أزواج النبي - ﷺ -، يفخرن عليّ، يقلن: يا ابنة اليهودى وكنت أرى رسول الله - ﷺ - يلطف لي ويكرمنى، فدخل علي يومًا وأنا أبكى فقال: ما لك؟ فقلت: أزواجك
_________________
(١) انظر كتابنا (عزوة بني قريظة) الفصل الرابع تجد (تحت عنوان: لماذا أباح الإِسلام الرق) أوسع التفاصيل لدفع الشبه التي وجهها أعداء الإِسلام لموقفه من الرق الحربى.
[ ٦ / ١٦٣ ]
يفخرن عليَّ ويقلن: يا ابنة اليهودى قالت فرأيت رسول الله - ﷺ - قد غضب ثم قال: إذا قالوا لك أو فاخروك فقولى: أبي هارون وعمّى موسى (١).
وأضاف صاحب كتاب (سمط النجوم العوالى ج ٢ ص ١٦٠) إلى البواعث التي ذكرنا باعثا آخر فقال: إن صفية بنت حيى بن أخطب، هي بنت ملك وزوجة ملك من ملوك اليهود وليست ممن توهب لدِحية لكثرة من كان من الصحابة مثل دِحية وفوقه، وقلة من كان في السبى مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغيير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه فإن في ذلك رضي للجميع.
أكرموا عزيز قوم ذل:
ثم إننا إذا نظرنا بعين الإنصاف، وجدنا (من خلال تصرفات سادات المسلمين وقادتهم) أن إكرام العزيز (وخاصة العنصر النسائي) الذي ذلّ بعد عزة وانخفض بعد رفعة، خلق إسلامي أصيل سار عليه صاحب الرسالة العظمى محمد - ﷺ - ومن بعده من الخلفاء الراشدين والأئمة والحكام المهتدون.
ولعل من أبرز ما يؤكد تغلغل هذا الخُلُق النبيل في نفوس الفاتحين المسلمين بعد الرسول الأعظم - ﷺ - اقتداء به تلك المعاملة النبيلة التي عامل بها الخليفة الفاروق (بتوصية من مستشاره عليّ بن أبي طالب) بنات الملك كسرى الثلاث اللواتي وقعن سبايا في يد الجيش الإِسلامي المنتصر في بلاد الفرس في عهد ابن الخطاب.
فقد ذكر المؤرخون أن الجيش الإِسلامي بعد إستيلائه على مملكة فارس أحضر إلى المدينة سبايا كثيرات من بنات الفرس، وكان بينهن ثلاث من بنات الملك كسرى (يزدجرد) فأمر الخليفة الفاروق ببيعهن في المزاد العلنى من جملة السبايا، ولكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لفت نظر الخليفة الفاروق إلى أنه ينبغي معاملتهن معاملة خاصة لأنهن بنات ملك حيث
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٤ من حديث أبي سيرة عن أبي حرملة عن أخته أم عبد الله عن ابنة القين المزني عن صفية.
[ ٦ / ١٦٤ ]
قال: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السّوقة.
ولما استشاره الفاروق: كيف تكون معاملتهن؟ قال: يقوّمن، ومهما بلغ ثمهن قام به من يختارهن .. فاستصوب الفاروق رأى علي، فقوّمن، فاشتراهن على ثم أعتقهن، فزوّج إحداهن ابنه الحسين، وزوّج الثانية محمد بن أبي بكر الصديق، وزوّج الثالثة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وذلك تكريمًا لهن وجبرًا لخواطرهن، لأنهن عزيزات ذللن بعد عزة الملك، وقد سعدن بهذا الزواج سعادة أنستهن مآسى الماضي، وقد أنجب الحسين بن علي من ابنة كسرى ابنه على الملقب زين العابدين ﵃ أجمعين، فجميع فروع الدوحة الهاشمية الكريمة بعد علي بن الحسين قد أنجبتهم ابنة الملك كسرى، ولهذا لمّا تجادل هشام بن عبد الملك وزيد بن علي بن الحسين حول مطالبة زيد بالخلافة، قال له هشام: كيف تطمع أن تكون خليفة وأنت ابن أمة، فأجابه زيد: لقد نال ابن أمة ما هو أعلى من الخلافة: النبوة نالها إسماعيل وهو ابن أمة، فأفحم هشام ولم يتكلم.
وهكذا يتضح نبل القصد وشرف الغاية في كل عمل يعمله النبي - ﷺ - وصحابته الكرام، كما تنكشف أمام أضواء هذه الحقيقة المشرقة الناصعة خبث نوايا وسوء مقاصد الذين يفسرون تزوج النبي - ﷺ - من صفية ذلك التفسير المقصود به الطعن في مقام الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فانظر كيف أعتق النبي - ﷺ - صفية بنت ملك اليهود ومنحها مطلق الحرية لأن تبقى على دينها وتعود إلى عشيرتها اليهود وبين أن تدخل في الإِسلام وتكون زوجة له، ثم انظر كيف أكرم علي بن أبي طالب بنات الملك كسرى حيث أعتقهن وزوجهن أبناء أرفع الناس منزلة بعد رسول الله ومن هم (في نظر بنات كسرى من الناحية الاجتماعية) في درجة أبناء الملوك (علي بن الحسين وعبد الله بن عمر ومحمد بن أبي بكر) كلهم أبناء خلفاء، والخلفاء من زاوية النظرة الكسروية هم الملوك.
فهل يفهم الحاقدون على الإِسلام ونبي الإسلام وخلفاء الإِسلام هذه الحقائق المشرقة والمفاسد النبيلة السامية التي يحاولون طمسها بألوان قاتمة كالحة من الشكوك الباغية الظالمة؟ .
[ ٦ / ١٦٥ ]
الفصل الرابع
• زحف المسلمين على الشطر الثاني من خيبر.
• فرض الحصار على حصون اليهود في هذا الشطر.
• استسلام اليهود النهائي في خيبر.
• اتفاقية الجلاء.
• تحقيق المقام: هل فتح الشطر الثاني من خيبر عنوة أم صلحًا؟ .
• السماح لليهود بالبقاء في خيبر لفلاحتها مقابل نصف المحصول.
• محاولة اغتيال النبي - ﷺ - في خيبر بعد فتحها.
• عودة مهاجرى الحبشة إلى خيبر بعد فتحها.
• استسلام يهود فدك للمسلمين دون قتال.
• القتال في وادي القرى بين المسلمين واليهود.
• استسلام يهود وادي القرى.
• يهود تيماء يصالحون المسلمين ويدفعون الجزية.
• كيف تلقى أهل مكة نبأ انتصار المسلمين في خيبر.
• قتلى الفريقين في المعركة.
• عودة النبي بجيشه إلى المدينة.
[ ٦ / ١٦٦ ]
لقد تمت للجيش الإِسلامي السيطرة:
خيبر بسقوط قلعة (البزاة) في أيديهم، وهي آخر قلعة من القلاع الخمس التي اعتصم بها المحاربون اليهود التي جعلوا منها الواحد بعد الآخر خطوط دفاع رئيسية للدفاع عن خيبر كلها ضد الجيش الإسلامي المهاجم الذي كان يستهدف في هجومه (بصفة رئيسية) احتلال منطقة خيبر كلها لإِنهاء الوجود اليهودى الدخيل الزنيم في تلك البقعة من الوطن العربي المسلم.
وكما رأينا، فقد قاتل اليهود عن كل حصن من هذه الحصون الخمسة قتالًا لا يسع المؤرخ المنصف إلا أن يصفه بأنه قتال كان يتسم بالشجاعة والجرأة والاستماتة بل والمغامرة، رأينا كيف أن المحاربين اليهود كانوا يفتحون أبواب قلاعهم ويتحدون المسلمين طالبين المبارزة بالسيف بل رأينا كيف كانوا يفتحون أبواب حصونهم ويخرجون لملاقاة المسلمين خارج هذه الحصون فيصدون هجماتهم ويُحبطونها مرارًا وتكرارًا إلى درجة اغتم لها القائد الأعلى النبي - ﷺ -، بل لقد بلغت الجرأة والاقدام باليهود المدافعين عن هذه الحصون الخمسة إلى أن يفتحوا أبوابها ويشنوا هجمات عنيفة مضادة يكشفون بها المسلمين ويطاردونهم حتى المقر الذي يرابط فيه القائد الأعلى النبي - ﷺ -.
الأمر الذي يدل على أن يهود خيبر يختلفون (من حيث الشجاعة والجرأة والصبر على القتال) عن يهود يثرب الذين (بالرغم من كونهم أكثر عددًا من يهود خيبر) لم يثبت (ولا مرة واحدة) أنهم في نزاعهم المسلح مع المسلمين قد واجهوهم في أية معركة وجهًا لوجه خارج حصونهم كما فعل يهود خيبر الذين (كما شهد التاريخ) بأن خيبر لم تسقط في أيدى المسلمين إلا بعد أن سقط جميع قادتها المحاربين قتلى في ميدان القتال (١).
_________________
(١) ذكر بعض المؤرخين ومنهم (ابن هشام) أن يهود خيبر هم عرب أصليون دانوا باليهودية. وقد ذكر ابن إسحاق أن عائلة مرحب التي تولى فرسانها الدفاع عن حصن ناعم يرجع نسبها إلى قبيلة حمير اليمنية.
[ ٦ / ١٦٧ ]
الزحف على الشطر الثاني من خيبر:
بعد أن خسر اليهود الشطر الأول من مدينة خيبر، والذي وقع بأكمله في يد الجيش النبوي، وبعد أن سقطت في أيدى جند الإِسلام القلاع الخمس التي (قاتل اليهود بشراسة وضراوة عن كل قلعة منها في النطاة والشق) تحوّل المنهزمون اليهود من هذه الحصون إلى الشطر الثاني من مدينة خيبر والتحقوا بإخوانهم المتحصنين في القلاع الواقعة في ذلك الشطر، وكانت قلاعًا منيعة كثيرة أهمها (القَمُوص والوَطِيح والسلالم).
وكانت قلعة (القموص) أقوى وأمنع حصون الشطر الثاني من خيبر، وكانت هذه القلعة الكبيرة الحصينة لأبناء أبي الحُقيق وهم عائلة حُيَيّ بن أخطب ثم من بني النضير المنفيين من المدينة بسبب محاولتهم الشهيرة التي دبروها لاغتيال النبي - ﷺ - وهو آمن في ديارهم، وحالة عهد وتحالف قائمين بينه وبينهم.
هل فتح الشطر الثاني من خيبر؛ صلحًا أم عنوة؟
اختلف الإِخباريون الإِسلاميون هل تم استيلاء المسلمين على الشطر الثاني من مدينة خيبر عنوة أم صلحًا وبدون قتال؟
فقد ذكر بعضهم أن الشطر الثاني فتح صلحًا وأن مقاومة اليهود انهارت بعد فقدهم الشطر الأول من المدينة، فلم يبدوا أية مقاومة بل سارعوا إلى طلب المفاوضة ثم استسلموا للنبي - ﷺ - على أساس الصلح، ومن أجل ذلك يقول هذا الفريق إن النبي - ﷺ - لم يقسم خيبر كلها بين المسلمين وإنما قسم نصفها وأبقى القسم الآخر تحت تصرفه دونما قسمة ليصرفه في مصالح المسلمين باعتباره فيئًا (١) وليس غنيمة وحجتهم ما رواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله - ﷺ - قسم خيبر نصفين: نصفًا له، ونصفًا للمسلمين (٢).
_________________
(١) الفئ: هو ما استولى عليه المسلمون في ظروف الحرب دونما قتال، والغنيمة: ما استولى عليه المسلمون من أموال العدو بعد قتال.
(٢) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٥٢.
[ ٦ / ١٦٨ ]
وفريق آخر قال: إن خيبر بشطريها فتحت عنوة ولم يفتح أي شيء منها صلحًا، وهذا هو الصحيح الذي يدل عليه سياق جمهرة المحدِّثين وأهل السيَر .. فكل حصون اليهود في خيبر (كما رأيت وكما سترى فيما يأتي إن شاء الله) فتحت بقوة السلاح وعن طريق الإِقتحام والإِلتحام ما عدا حصنين في الشطر الثاني من المدينة وهما (الوطيح والسلالم) استسلم أهلهما للمسلمين بعد حصار شديد وتهديد بالضرب بالمنجنيق، وقد استسلموا مقابل حقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، والاستسلام على هذه الصورة يعتبر استسلام بعد قتال وحصار فيدخل تحت حكم العنوة لا الصلح.
روى أبو داود عن ابن شهاب فقال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - افتتح خيبر عنوة بعد القتال ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال.
قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر، إنها كانت عنوة كلها مغلوبًا عليها، بخلاف فدك، فإن رسول الله - ﷺ - قسم أراضيها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية.
ولم يختلف العلماء: أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا هل تقسم الأرض إذا غنمت البلاد، أو توقف؟ .
فقال الكوفيون: الإِمام مخير بين قسمتها، كما فعل رسول الله - ﷺ - بأرض خيبر، وبين إيقافها، كما فعل عمر بسواد العراق، وقال الشافعي: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر، لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار، وذهب مالك إلى إيقافها اتباعًا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة: من إيقافها لن يأتي بعده من المسلمين.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: "لولا أن يترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا، كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر سهمانا.
وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا، كما قال ابن
[ ٦ / ١٦٩ ]
إسحاق، وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحًا وبعضها عنوة: فقد وهم وغلط، وإنما دخلت الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم فلما لم يكن أهل دينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية شومين، ظن أن ذلك لصلح، ولعمرى أن ذلك في الرجال والنساء والذرية كضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضهما، حكم سائر أرض خيبر، كلها عنوة، غنيمة مقسومة بين أهلها، وربما شبّه على من قال: إن نصف خيبر صلح، ونصفها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار "أن رسول الله - ﷺ - قسم خيبر نصفين: نصفًا له، ونصفًا للمسلمين".
قال أبو عمر (ابن عبد البر): لو صح هذا لكان معناه: أن النصف له سائر من وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهمًا، فوقع السهم للنبي - ﷺ -، وطائفة معه في ثمانية عشر سهمًا ووقع السهم لسائر الناس في باقيها وكلهم ممن شهد الحديبية سم خيبر، وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحًا، ولو كانت صلحًا لملكها أهلها، كما يملك أهل الصلح (من الكفار) أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا، ما قاله ابن إسحاق، دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب، هذا آخر كلام أبي عمر (ابن عبد البر) (١)، قال ابن القيم.
قلت ذكر مالك عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح، قال مالك: والكتيبة (بضم الكاف وفتح التاء) أرض خيبر (أي حقولها الزراعية) وهو أربعون ألف عذق، وقال مالك: عن الزهري عن ابن المسيب: "أن رسول الله - ﷺ - افتتح بعض خيبر عنوة" اهـ.
وذكر ابن كثير: أن النبي - ﷺ - قسم خيبر نصفين .. نصفًا لنوائبه ونصفًا بين المسلمين .. الشق والنطاة وما حيز معهما من الشطر الأول من خيبر هو نصف المسلمين الذي قسمه النبي - ﷺ - بينهم، والوطيح والسلالم والكتيبة وما حيز معها وهو الشطر الثاني من خيبر لم يقسمه - ﷺ - وإنما
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٥٢ - ٣٥٣.
[ ٦ / ١٧٠ ]
رصده لنوائب المسلمين ومصالحهم العامة (١).
استسلام الشطر الثاني من خيبر بعد القتال:
والواقع الذي يدل عليه سياق أصحاب المغازي والسير حميعًا أن يهود الشطر الثاني من مدينة خيبر قد تحصنوا في حصونهم واستعدُّوا لمقاتلة المسلمين وقاتلوهم وقد كانت مقاومة يهود الشطر الثاني من العناد والعنف إلى درجة عجز معها المسلمون عن اقتحام هذه الحصون بالرغم من استمرار الحصار الخانق عليها أكثر من نصف شهر.
الأمر الذي جعل النبي - ﷺ - يأمر بنصب آلات التدمير (المنجنيق) على هذه الحصون لتدميرها، وعندما نُصِبَتْ أيقن اليهود بالهلاك فبعثوا إلى النبي - ﷺ - يطلبون المفاوضة على أساس التسليم، فتمت المفاوضة بين الفريقين على أن يستسلم اليهود مقابل حقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى، وهذا (كما ستراه مفصلا إن ثاء الله) استسلام لا صلح، لأن هذا الاستسلام إنما جاء بعد حصار شديد وقتال عيف.
القول الفصل:
ولعل القول الفصل الذي يزيل الالتباس الذي نشأ عند بعض المؤرخين من كون مزارع الكتيبة (الشطر الثاني من مدينة خيبر) لم يقسمها النبي - ﷺ - وإنما رصدها لمصالح المسلمين هو ما أورده الإمام الواقدي من أن سبب ذلك أن أراضى الكتيبة كانت (عند قسمة أراضى خيبر بين المسلمين) الخمس الذي (بموجب قانون الغنائم في سورة الأنفال) يرصد لمصالح المسلمين، ومعنى هذا أن أراضى القسم الثاني من مدينة خيبر لم تكن فيئا غير مقسوم وإنما كانت غنيمة شملها التقسيم كسائر أراضى خيبر.
قال الواقدي (المغازي ج ٢ ص ٦٩٢): وحدثني قدامة بن موسى، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزام، قال: كتب إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته أن افحص لي عن الكتيبة (أراضى القسم الثاني من
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٠١.
[ ٦ / ١٧١ ]
خيبر)، قال أبو بكر: فسألت عمرة بنت عبد الرحمن فقالت: إن رسول الله - ﷺ - لما صالح بني أبي الحُقَيق جزأَ النطاة والشق والكتيبة خمسة أجزاء، وكانت الكتيبة جُزءًا منها، ثم جعل رسول الله - ﷺ - خمس بعرات، وأعلَمَ في بعرة منها، فجعلها لله، ثم قال: اللهم اجعل سهمك (يعني الخمس الخاص بمصالح المسلمين) في الكتيبة، فكان أول ما خرج منها الذي فيه مكتوب على الكتيبة، فكانت الكتيبة، خمس النبي - ﷺ -، وكان السهمان أغفالًا، ليس عليها علامات، وكانت فوضى للمسلمين على ثمانية عشر سهمًا، قال أبو بكر: فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بذلك.
وقال الواقدي أيضًا عن حزام بن سعد بن محيصة أنه قال: لمّا خرج سهم النبي - ﷺ - وكان الشق والنطاة أربعة الأخماس للمسلمين فوضى.
وحدثني عبد الله بن عون عن أبي مالك الحميرى، عن سعيد بن المسيّب، وحدّثنى محمد (أي ابن عبد الله)، عن الزهري، قال: الكتيبة خمس رسول الله - ﷺ - قال: فكان رسول الله يطعم من أطعم من في الكتيبة وينفق على أهله منها، قال ابن واقد: والثبت عندنا أنها خمس النبي - ﷺ - من خيبر، لأن رسول الله - ﷺ - لم يطعم من الشق والنطاة أحدًا وجعلها سهمانا للمسلمين، وكانت الكتيبة التي أطعم فيها، كانت الكتيبة تخرص ثمانية آلاف وسق تمر، فكان لليهود نصفها أربعة آلاف وكان يزرع في الكتيبة شعير، فكان يحصد منها ثلاثة آلاف صاع فكان للنبي - ﷺ - نصفه، ألف وخمسمائة صاع شعير، وكان يكون فيها نوى فربما اجتمع ألف صاع فيكون لرسول الله - ﷺ - نصفه، فكل هذا قد أعطى منه رسول الله - ﷺ - المسلمين من الشعير والتمر والنوى (١).
دروس في النزاهة والعفة:
وفي فتح خيبر ألقى النبي - ﷺ - على أصحابه دروسًا عالية، كان التمسك بها قاعدة القواعد لنزاهة الجندى المحارب المجاهد في سبيل الله تعالى، وكانت درسًا في التمسك بالنظام ورهبة الخروج عليه حتى في أحقر الأمور التي قد
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٩٣.
[ ٦ / ١٧٢ ]
لا يُؤبه لها. فقد نهى أشد النهي عن أن يأخذ الجندى أي شيء من الغنيمة قبل أن تقسم مهما قلَّ. فقد نادى منادى النبي - ﷺ -: إن الغلول (١) عار وشنار يوم القيامة، أدّوا الخيط والمخيط. قال الواقدي: فباع يومئذ فروة ابن عمرو (الموكل ببيع الغنائم) المتاع، فأخذ عصابة فعصب بها رأسه ليستظل بها من الشمس، ثم رجع إلى منزله وهي عليه فذكر فخرج فطرحها، وأخبر بها رسول الله - ﷺ - فقال: عصابة من نار عصبت بها رأسك، وسأل رسول الله - ﷺ - يومئذ من الفئ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يحل لي من الفئ خيط ولا مخيط، ولا آخذ ولا أعطى، فسأله رجل عقالًا، فقال - ﷺ -: حتى تقسّم الغنائم ثم أعطيك عقالًا وإن شئت مرارًا (٢).
نموذج نادر في صدق الجهاد لله:
وفي معركة خيبر ظهرت نماذج من نوع مثالى بلغت أعلى درجات الكمال في صدق الجهاد والحرص على بذل الروح بسخاء ما بعده سخاء في سبيل مرضاة الله تعالى.
فقد روى البيهقي والنسائي: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله - ﷺ - شيئًا، فقسّمه، وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم (٣).
فلما جاء الأعرابى (إياه) دفعوا إليه قسمه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله - ﷺ -، فأخذه فجاء به إلى النبي - ﷺ -، فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسم قسمته. لك. قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة.
فقال النبي - ﷺ -: إن تصدق الله يصدقك، ثم نهضوا إلى قتال العدو،
_________________
(١) الغلول: هو أن يأخذ المحارب شيئًا من الغنيمة قبل قسمها.
(٢) المرار: الحبل (النهاية في غريب الحديث) ج ٤ ص ٨٨.
(٣) الظهر: يكنى به عن الإِبل المعدة للركوب في المغازي وغيرها.
[ ٦ / ١٧٣ ]
فأتى به إلى النبي - ﷺ - وهو مقتول.
فقال - ﷺ -: هو هو؟ قالوا: نعم.
قال: صدق الله فصدقه. فكفنه النبي - ﷺ - في جبته، ثم قدّمه فصلى عليه، وكان من دعائه له: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك قتل شهيدًا وأنا عليه شهيد (١).
وكان رجل أسود مع النبي - ﷺ - يمسك دابّته عند القتال يقال له كركرة، فقتل يومئذ، فقيل: استشهد كركرة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنه ليحرق في النار على شملة غلها، فقال رجل: أخذت شراكين يومئذ كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ -: شرا كان من نار، وتوفّى يومئذ رجل من أشجع، وأنهم ذكروه لرسول الله - ﷺ - فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيّرت وجوه الناس لذلك فقال رسول الله - ﷺ -: إن صاحبكم غلّ في سبيل الله، قال زيد بن خالد الجهني ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خراز اليهود لا يسوى درهمن، وكان نفر من المسلمين أصابوا خرزًا من خرز اليهود، وكانوا رفقاء، فقال المحدّث لهذا الحديث: لو كان الخرز عندكم اليوم لم يَسْوَ درهمين، فأتِي بذلك رسول الله - ﷺ - بعدما فرغ من المقسم فقالوا: يا رسول الله، نسينا هذا الخرز عندنا! فقال - ﷺ -: كلكم يحلف بالله أنه نسيه؟ فحلفوا جميعًا أنهم نسوه، فدعا رسول الله - ﷺ - بسرير الموتى فسجى عليهم بالرباط، ثم صلى عليهم صلاة الموتى، وكان رسول الله - ﷺ - يجد الغلول في رحل الرجل فلا يعاقبه، ولم يسمع أنه أحرق رحل أحد وجد في رحله، ولكنه يعنف ويؤنّب ويعرّف الناس به (٢).
إشراك غائبين في الغنيمة:
وكان من عادة النبي - ﷺ - أن لا يشرك في الغنيمة غائبًا عن المعركة، ولكنه في بدر أشرك في الغنيمة ثمانية لم يشهدوا القتال (٣). وفي خيبر أسهم
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٣٠.
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٨٢.
(٣) انظر أسماء هؤلاء الثمانية في كتابنا (غزوة بدر الكبرى) في الحديث عن الغنائم.
[ ٦ / ١٧٤ ]
النبي - ﷺ - لرجال من المسلمين غابوا عن القتال. قال الواقدي: وكانت خيبر لأهل الحديبية من شهدها منهم أو غاب عنها. قال الله ﷿: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) يعني خيبر، وقد تخلّف عنها رجال (مرّى بن سنان وأيمن بن عبيد وسبَّاع بن عرفطة الغفاري وجابر بن عبد الله وغيرهم ومات منهم رجلان فأسهم رسول الله - ﷺ - لمن تخلّف منهم ومن مات، وأسهم لرسل كانوا يختلفون إلى أهل فدك (محيصة بن مسعود الحارثي وغيره)، وأسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال (سويد بن النعمان وعبد الله بن سعد بن خيثمة ورجل من بني خطامه ..)، وأسهم للقتلى الذين قتلوا من المسلمين.
إشراك عشرة من اليهود في العنيمة:
وذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - غزا بعشرة من يهود المدينة إلى خيبر فكانوا معه في الجيش، وعند تقسيم الغنيمة أسهم لهم كسهمان المسلمين، وكان معهم مملوكون منهم عمير أبو اللحم، قال عمير: ولم يسهم لي وأعطانى خرثى متاع (٢).
غطفان تنجد اليهود ولكن؟:
كنا ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب أن عيينة بن حصن الفزاري قائد غطفان قد رفض نصيحة الحارث بن عوف المرّى وأبي إلا أن يظاهر اليهود على النبي - ﷺ -. ويسارع إلى مدّهم بقوات كثيفة من غطفان، فقد تحرّك من جديد نحو خيبر بحوالى أربعة آلاف مقاتل، وهي التي عادت إلى ديارها بعد أن قطعت مرحلة نحو خيبر وذلك على أثر ما سمعت من أن قوات للمسلمين قد أخلفتها في ديارها، قبل نشوب معركة خيبر بقليل.
غير أن قوات غطفان وصلت إلى خيبر بعد فوات الأوان، حيث لم تصل إلا بعد أن وجدت النبي - ﷺ - قد استولى على خيبر كلها، ولم يعد بها من اليهود من يحمل السلاح، حيث استسلموا جميعًا لقوات المسلمين.
_________________
(١) سورة الفتح الآية ٢٠.
(٢) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٣٨ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٥ و٦٧٦.
[ ٦ / ١٧٥ ]
غطفان تطلب من النبي قسمًا من الغنيمة:
غير أن قائد غطفان (عيينة بن حصن الفزاري) لم يجد من الحياء ما يمنعه من أن يطلب من النبي - ﷺ - إعطاءه من غنائم خيبر، فقد قال للنبي - ﷺ -: أعطنى يا محمد مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك وخذلت حلفائى ولم أكثر عليك ورجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل.
فقال رسول الله - ﷺ -: كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك قال: أجزنى يا محمد، فقال النبي - ﷺ -: لك ذو الرقبة، قال عيينة: وما ذو الرقبة؟
قال النبي - ﷺ -: الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته.
وكان عيينة بن حصن رأى في المنام (وهو بجيشه دون خيبر) أنه أعطى ذا الرقبة - جبلا بخيبر - وعندها تفاءل قائلًا: قد والله قد أخذت برقبة محمد.
عيينة بن حصن يتحسر على اليهود:
قال الواقدي: فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم أمرًا، والله ما كنت أرى أن أحدًا يصيب محمدًا غيركم، قلت: أهل الحصون والعدّة والثروة، أعطيتم بأيديكم (أي استسلمتم) وأنتم في هذه الحصون المنيعة وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، والماء الواتن (١)! قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير (٢) ولكن الدبول (٣) قطعت عنّا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش، قال: قد ولّيتم من حصون ناعم منهزمين حتى صرتم إلى قلعة الزبير، وجعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، فقال: قتل والله أهل الجد والجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدًا.
_________________
(١) الواتن: المستمر دونما انقطاع.
(٢) قلعة الزبير هي الحصن الثالث والأخير من حصون النطاة في القسم الأول من مدينة خيبر.
(٣) الدبول: جمع دبل، وهو مجرى الماء.
[ ٦ / ١٧٦ ]
ويسمع كلامه ثعلبة بن سلّام بن أبي الحقيق -وكانوا يقولون: إنه ضعيف العقل مختلط- فقال: يا عيينة أنت غررتهم وخذلتهم وتركتهم وقتال محمد، وقبل ذلك ما صنعت ببنى قريظة (١)! فقال عيينة: إن محمدًا كادنا في أهلنا (أي أوقعنا في مكيدة) فنفرنا إِليهم حين سمعنا الصريخ ونحن نظن أن محمدًا قد خالف إليهم، فلم نرَ شيئًا فكررنا إليكم لننصركم.
قال ثعلبة: ومن بقى تنصره؟ قد قتل من قتل، وبقى من بقى فصار عبدًا لمحمد وسبانا وقبض الأموال!
قال يقول رجل لعيينة: لا أنت نصرت حلفاءك فلم يعدّوا عليك حلفنا! ولا أنت حيث ولّيت .. كنت أخذت تمر خيبر من محمد سنة (٢)! والله إني لأرى أمر محمد أمرًا ظاهرًا، ليظهرن على من ناوأه، فانصرف عيينة إلى أهله يفتل يديه، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف المرّى، قال: ألم أقل لك إنك توضع في غير شيء؟، والله ليظهرن محمد على ما بين الشرق والمغرب، اليهود كانوا يخبروننا هذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلّام بن أبي الحقيق يقول: إنّا نحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو (أي محمد) نبي مرسل واليهود لا تطاوعنى على هذا ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر، قال الحارث: قلت لسلّام: يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى، وهنا أحب أن تعلم اليهود بقولى فيه (٣).
كيف استسلم يهود الشطر الثاني من خيبر:
ذكر المؤرخون جميعهم أن من بقى على قيد الحياة من مقاتلة يهود الشطر الأول من خيبر (النطاة والشق) انهزموا والتحقوا بإخوانهم في الشطر الثاني
_________________
(١) كان عيينة بن حصن الفزاري قائد أحد الأجنحة الأربعة في قوات غطفان التي اشتركت ضد المسلمين في قوات الأحزاب في العام الرابع من الهجرة وقد انسحبت هذه القوات وتركت بني قريظة يلاقون جزاءهم على أيدى المسلمين الذين غدرت بهم قريظة معتمدة على قوات الأحزاب الضاربة.
(٢) ذكرنا فيما مضى في الفصل الثالث من هذا الكتاب أن النبي - ﷺ - عرض على غطفان أن يعطيها تمر خيبر لسنة واحدة إذا امتنعت عن مظاهرة اليهود ومدهم بالمحاربين، ولكن قائد غطفان عيينة بن حصن رفض هذا العرض وأبى إلا مناصرة اليهود فقرر أن يمدهم بأربعة آلاف مقاتل.
(٣) زاد المعاد ج ٢ ص ٦٧٧.
[ ٦ / ١٧٧ ]
وتحصنوا معهم في حصونهم، وهي عدة حصون أهمها ثلاثة وهي:
١ - القموص (بفتح القاف).
٢ - السلالم (بضم السين).
٣ - الوطيح، ضبطه الواقدي (بفتح الواو وكسر الطاء) (١).
وبالرغم من إجماع المؤرخين على أن اليهود المعتصمين بهذه الحصون الثلاثة لم يستسلموا للقوات الإسلامية إلا بعد قتال شديد ومقاومة عنيدة، وحصار، دام أربعة عشر يومًا أو أكثر .. فإن هناك (كما ذكرنا في أول هذا الفصل) خلافًا بينهم، هل افتتح المسلمون شيئًا من هذه الحصون عن طريق الاقتحام بالقوة (كما فعلوا في حصون النطاة والشق) أم أن جميع هذه الحصون الثلاثة استسلم المدافعون عنها وسلموها للمسلمين عن طريق المفاوضة؟
رأي ابن إسحاق:
يرى إمام المغازي ابن إسحاق أن حصنًا واحدًا من الحصون الثلاثة، وهو حصن القموص (بفتح أوله وضم ثانيه) قد فتحه المسلمون بقوة السلاح كما فعلوا في الشق والنطاة، فهو يقول: ولما افتتح رسول الله - ﷺ - (القموص) حصن بني أبي الحُقيق أتى رسول الله - ﷺ - بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت، وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله - ﷺ - قال: اعزبوا عنى هذه الشيطانة (٢)، ثم قال لبلال: انزعت منك الرحمة، يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما (٣)؟
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٦، والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٩.
(٢) عبارة الواقدي في المغازي ج ٢ ص ٦٧٣: "فكره رسول الله - ﷺ - ما صنع بلال فقال: أذهبت منك الرحمة؟ تمر بجارية حديثة السن على القتلى، فقال بلال: ما ظننت أنك تكره ذلك، وأحببت أن ترى مصارع قومها، فقال رسول الله - ﷺ - لابنة عم صفية: (كالمواسى): ما هذا إلا شيطان (كذا). وما ذكره الواقدي أقرب إلى آداب النبي - ﷺ - وعفته في الكلام.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٦.
[ ٦ / ١٧٨ ]
وهذا السياق من ابن إسحاق، يدل على أن المسلمين لم يستولوا على حصن (القموص) وهو من حصون الشطر الثاني - إلا بعد مقاومة عنيفة أبداها اليهود وفقدوا خلالها عددًا كبيرًا من القتلى. وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٦، أن الذي تولى فتح حصن القموص علي بن أبي طالب، وقال: إن من هذا الحصن سبيت صفية بنت حيى بن أخطب، كما قال ابن حجر. وقد سبق تحقيق المقام في ذلك. وقول صاحب السيرة الحلبية هذا، يؤيد ما ذكره ابن إسحاق من أنا حصن (القموص) اقتحمه المسلمون وفتحوه بقوة السلاح.
أما الحصنان (الوطيح والسلالم) فيتفق ابن إسحاق مع باقي المؤرخين في أن اليهود المعتصمين بهما استسلموا بعد الحصار الشديد وبعد أن أيقنوا بالهلكة (١).
غير أن هناك ما ينبغي الإِشارة إليه هنا، وهو أن هناك نقصًا في سرد ابن إسحاق لحوادث فتح حصون خيبر، فقد قال عند ابتدائه لوصف فتح خيبر، وتدنى رسول الله - ﷺ - الأموال يأخذها مالًا مالا، ويفتتحها حصنًا حصنًا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص (٢).
فهو كما نرى لم يذكر من حصون النطاة والشق الخمسة سوى حصن ناعم، كما أن سياقه هذا يوهم بأن حصن (القموص) هو من حصون النطاة أو الشق في الشطر الأول من خيبر، بينما الذي عليه جمهرة المؤرخين أنه من حصون الشطر الثاني من خيبر، في الكتيبة.
قول الواقدي:
أما الواقدي (وهو الند لابن إسحاق في المغازي) فقد ذكر في كتابه (المغازي) (٣):
أن اليهود بعد أن فقدوا الشطر الأول من خيبر انهزموا وتحولوا إلى الشطر
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٧.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٠.
(٣) ج ٢ ص ٦٧٠ نشر جامعة أكسفورد بتحقيق الدكتور مارسدن جونس.
[ ٦ / ١٧٩ ]
الثاني واعتصموا مع يهود هذا الشطر بحصونهم الثلاثة (الوطيح والسلالم والقموص) واستعدوا للمقاومة، وظلوا يقاومون ممتنعين بحصونهم حتى ضرّسهم الحصار فاستسلموا، وهنا يختلف الإِمام الواقدي مع الإمام ابن إسحاق، فبينا يذكر ابن إسحاق أن المسلمين افتتحوا حصن (القموص) بقوة السلاح والحصنين الآخرين (الوطيح والسلالم) عن طريق المفاوضة، يذكر الواقدي أن جميع الحصون الثلاثة سلّمها اليهود للمسلمين عن طريق المفاوضة وأن المسلمين لم يقتحموا بقوة السلاح أي حصن من هذه الحصون وإنما فتحت بالرعب الذي قذفه الله في قلوب اليهود بعد الحصار الذي دام ١٤ يومًا. فقد قال الواقدي: (ثم تحول رسول الله - ﷺ - إلى الكتيبة (١) والوطيح وسلالم (حصن ابن أبي الحقيق الذي كانوا فيه)، فتحصنوا فيه أشد التحصن وجاءهم كل فلّ (٢) كان قد انهزم من النطاة والشق، فتحصنوا معهم في القموص (وهو في الكتيبة) وكان حصنًا منيعًا، وفي الوطيح وسلالم، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم مغلقين عليهم حتى همّ رسول الله - ﷺ - أن ينصب المنجنيق عليهم لما رأى من تغليقهم، وأنه لا يبرز منهم بارز، فلمَّا أيقنوا بالهلكة - وقد حصرهم رسول الله - ﷺ - أربعة عشر يومًا سألوا رسول الله - ﷺ - الصلح. قال أبو عبد الله: قلت: لإِبراهيم بن جعفر: وجد في الكتيبة خمسمائة قوس عربية.
وقال: أخبرني أبي عمّن رأى كنانة بن أبي الحقيق يرمى بثلاثة أسهم في ثلاثمائة - فيدخلها في هدف شبرًا في شبر، فما هو إلا أن قيل: هذا رسول الله - ﷺ - قد أقبل من الشق في أصحابه - وقد تهيأ أهل القموص وقاموا على باب الحصن بالنبل، فنهض كنانة إلى قوسه فما قدر أن يوترها من الرعدة، وأومأ إلى أهل الحصون: لا ترموا! وانقمع، فما رُئِي منهم
_________________
(١) الكتيبة: أحد أودية خيبر (نهاية الأرب ج ١٧ ص ٢٦٣، وهو واد خصب به وحده أربعون ألف نخلة.
(٢) الفل (بفتح الفاء) بقايا القوم المنهزمين .. يقال رجل فل، وقوم، فل (الصحاح ص ١٧٩٣).
[ ٦ / ١٨٠ ]
أحد حتى أجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب (١).
ويدل سياق الواقدي وكل المؤرخين أن السيادة على اليهود في الشطر الثاني من مدينة خيبر كانت لبنى أبي الحقيق (رهط حيى بن أخط سيد بني النضير المنفيين من المدينة). وأن بني أبي الحُقَيق كانوا بمثابة الملوك بين يهود الشطر الثاني من مدينة خيبر.
طلب اليهود المفاوضة للتسليم:
فقد ذكروا جميعهم أن اليهود المتحصنين في حصون (القموص والوطيح والسلالم) في القسم الثاني من خيبر لما ضرّ سهم الحصار، وقرر النبي - ﷺ - أن ينصب على حصونهم آلات التدمير (المنجنيقات) وقذفهم بها أيقنوا بالهلاك ودب الذعر في قلوبهم، فقرر كنانة بن أبي الحقيق التسليم، فبعث إلى النبي - ﷺ - بوفد يطلب باسمه الإجماع به للتفاوض على أساس إنهاء الحرب بتسليم اليهود للمسلمين، وكان رئيس الوفد الذي أرسله كنانة اسمه (شمّاخ) (١).
وعندما خرج شمّاخ (رسول كنانة بن أبي الحُقَيق) من حصن القَموص اعتقله الحرس النبوى سم جاء به إلى النبي - ﷺ - في مقر قيادته.
وهناك أبلغ المندوب اليهودى شمّاخ النبي - ﷺ - أنه مبعوث من سيد اليهود كنانة بن أبي الحقيق، بعثه ليبلغه استعداد يهود الشطر الثاني من خيبر للمفاوضة، وأن ملك اليهود (كنانة بن أبي الحقيق) يرغب في الاجتماع بالنبي القائد - ﷺ - ويطلب السماح له بذلك. وقد وافق النبي - ﷺ - على الاجتماع بكنانة بن أبي الحقيق للمفاوضة.
الاستسلام النهائى:
فرجع اليهودى (شمّاخ) إلى كنانة بن أبي الحُقيق، وأخبره بموافقة النبي - ﷺ - على الاجتماع به، فأمر كنانة أصحابه بالكف عن القتال، ثم
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٠.
[ ٦ / ١٨١ ]
خرج إلى النبي - ﷺ - في نفر من زعماء اليهود.
ولدى اجتماعهم بالنبي - ﷺ - في مقر قيادته حول الحصون حول التفاوض بين النبي - ﷺ - وبين كنانة بن أبي الحقيق وباقي الوفد، حول الطريقة التي يتم بها تسليم ما تبقى من منطقة خيبر للمسلمين، وهو القسم الثاني من المدينة.
وقد حاول الوفد اليهودى (برئاسة كنانة بن أبي الحقيق)، الحصول على شروط وضمانات مثل التي يحصل عليها أهل الذمة الذين يقبلون الدخول في مفاوضات مع قائد الجيش الإسلامي قبل إعلان الحرب، فيعقدون معه الصلح الذي بموجبه يكون لهم حق البقاء في بلادهم مع الاحتقاظ بأموالهم وممتلكاتهم، وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى وحقن دماء الجميع، مقابل دفع شيء معين للمسلمين وهو الجزية، مع الاعتراف بسلطان الإِسلام والخضوع لأحكام قانونه.
حقن الدماء والأعفاء من السبي فقط:
ولكن استعداد كنانة بن أبي الحقيق ووجهاء وأعيان وقادة اليهود في الشطر الثاني من خيبر للصلح جاء متأخرًا.
ذلك أنهم لم يبدوا استعدادهم للتسليم على أساس الصلح، إلا بعد أن قاوموا أشد المقاومة وامتنعوا بحصونهم، وحاربوا المسلمين وقاوموهم إلى درجة عجز الجيش الإسلامي معها عن اقتحام حصونهم الثلاثة (الوطيح والسلالم والقموص) بالرغم من المحاولات الهجومية التي استمرت حوالي نصف شهر .. الأمر الذي جعل النبي - ﷺ - يستعد لنصب آلات التدمير (المنجنيقات) لضرب أبراج الحصون وأسوارها ليسهل على المسلمين اقتحامها، وهو الإجراء الذي جعل كنانة بن أبي الحُقيق والمدافعين عن هذه الحصون، يوقنون بالهلاك ويفكرون في المفاوضة والتسليم بعد أن تأكدوا أن مقاومتهم لن تجدى نفعًا إذا ما تمكنت منجنيقات الجيش الإسلامي من تهديم أبراج وأسوار الحصون التي امتنع فيها هؤلاء اليهود وقرروا محاربة المسلمين حتى النهاية.
[ ٦ / ١٨٢ ]
تسامح القائد الأعلى النبي:
وبالرغم من أن النبي - ﷺ - قد أدرك أن كنانة بن أبي الحقيق والوفد المرافق له، لم ينزلوا من حصونهم لمفاوضة النبي - ﷺ -، إلا بعد أن انهارت مقاومتهم وأيقنوا أنهم مأخوذون عَنْوة، وأن حكمهم كحكم الذين تؤخذ حصونهم وأراضيهم عَنْوة، فيؤسر مقاتلوهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، وتؤخذ كل أموالهم غنيمة المسلمين دونما استثناء، كأعداء لم يسلِّموا إلا بعد حصار وحرب وقتال .. فإن النبي - ﷺ - قد تسامح مع هؤلاء اليهود، حيث أبرم معهم اتفاقية أهم ما حصلوا عليه فيها "حقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى" وهو أمر ما كانوا ليظفروا به لولا روح التسامح التي عاملهم بها النبي - ﷺ -.
بنود اتفاقية التسليم:
ويمكن تلخيص بنود الاتفاق النهائي هذا فيما يلي:
١ - على اليهود أن يخلوا جميع القلاع والحصون ويتركوا كل ما فيها من آلات حربية وأسلحة، ليستولى عليها الجيش الإِسلامي لتصبح جزءًا من أملاك المسلمين الغزاة.
٢ - على اليهود أن يسلموا للمسلمين كل ما في حوزتهم من أسلحة، وأن لا يحملوا سلاحًا ما داموا في خيبر.
٣ - يتعهد النبي - ﷺ - بحقن دماء اليهود التي جرت المفاوضة باسمهم ويعفى نساءهم وأطفالهم من الاسترقاق.
٤ - على اليهود أن يجلوا عن خيبر ويغادروها إلى الشام.
٥ - يسمح المسلمون لليهود عند جلائهم عن خيبر أن يأخذوا من الأموال ما حملت ركابهم (١).
_________________
(١) هذه رواية أبي داود عن حماد بن سلمة (انظر نصب الراية للزيلعي ج ٣ ص ٣٩٩ وقد ذكر بعض المؤرخين أن اتفاقية الجلاء تمت على أساس أن لا يحمل اليهود معهم عند الجلاء شيئًا إلا ثوبًا على إنسان، ولكن الأول أثبت وأقرب إلى أسلوب الرسول - ﷺ - في معاملة المهزومين المطلوب =
[ ٦ / ١٨٣ ]
٦ - يتعهد اليهود - وعلى رأسهم سيدهم كنانة بن أبي الحقيق - أن يدلوا المسلمين على جميع الأموال بما في ذلك الكنوز المخفية ويسلموها للفاتحين.
٧ - يوافق اليهود على أن لا ذمة لهم وأن المسلمين في حل من كل التزامات هذه الاتفاقية وأن دماء اليهود وأموالهم وذراريهم حلال للمسلمين إذا ما خالفوا شيئًا من بنود هذه الاتفاقية أو غيبوا أو كتموا شيئًا مما يجب أن يظهروه.
وقد تم إبرام هذه الاتفاقية في مقر قيادة النبي - ﷺ - وأشهد عليها رسول الله - ﷺ - أبا بكر وعمر وعليًّا والزبير وعشرة من اليهود.
وعقِبَ إبرام هذه الاتفاقية سلّم اليهود الحصون والقلاع المسلمين كما انتدب النبي من أصحابه من يستلم الأموال والأسلحة والمزارع والبساتين .. وبهذا وضعت الحرب أوزارها في خيبر باستيلاء المسلمين عليها استيلاءًا كاملًا بعد معارك وحروب طاحنة دامت حوالي شهرين وهي أطول مدة يقضيها رسول الله - ﷺ - في أية معركة.
نهاية الاستعمار اليهودى:
وبسقوط منطقة خيبر في أيدى المسلمين انهار آخر وأقوى معقل لسلطان اليهود الدخيل الزنيم في جزيرة العرب .. هذا السلطان الاستعمارى الذي دام في يثرب وخيبر (بصفة خاصة) حوالي ألفين من السنين، والذي ظل وجوده طيلة تلك القرون مصدر الشرور والفتن والقلاقل والحروب الأهلية الطاحنة بين العرب، التي دأب اليهود (بأساليبهم التقليدية الشريرة) على إثارتها وتغذية أسبابها للتمكين لوجودهم في بلاد العرب كأقلية دخيلة
_________________
(١) = إجلاؤهم، إذ يستبعد أن يتركهم النبي - ﷺ - وقد حقن دماءهم وأعفى نسائهم وذراريهم من السبى والاسترقاق - أن يغادروا خيبر بنسائهم وأطفالهم، وليس معهم ما يقتاتونه ويتبلغون به حتى يصلوا الشام .. بل أن النبي - ﷺ - قد قبل بقاء اليهود في خيبر وعدل عن إجلائهم فظلوا فيها حتى عهد الخليفة الفاروق عمر الذي أجلاهم عنها تمشيًا مع روح اتفاقية إبقائهم ليحملوا زراعًا بنصف المحصول كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
[ ٦ / ١٨٤ ]
لا يمكنها الاستقرار والبقاء في أرض غير أرضها بين شعب هي غريبة عنه (جنسًا ولغةً ودينًا ولحمًا ودمًا) إلا باستمرار التخاصم والتناحر والتفرق والتعادى بين عناصر هذا الشعب الواحد، والعمل على تصعيد أسباب الخلاف الدامى بين مختلف فئات الشعب الواحد، الذي لو توحَّد وتخلَّت عناصره (ذات القوة الذاتية العظيمة) من مساوئ التخاصم الجاهلى والتنافر القبلى، لما استطاع هؤلاء اليهود الدخلاء، أن يجدوا موطئ قدم في جزيرة العرب، ولا اضطروا إلى العودة من حيث أتوا، وهو ما حدث لهم مرغمين (بالفعل) بعد أن وحَّد بين أمة العرب تحت راية التوحيد .. الأمر الذي لو حَدَث قبل ألفين من السنين، لما استطاع اليهود الدخلاء البقاء في جزيرة العرب طيلة هذه الدة الطويلة الطويلة جدًّا.
ما أشبه الليلة بالبارحة:
فهل يتقى الله العرب (أو المنتسبون إلى العروبة) الذين هم سبب تفريق كلمة العرب وتصنيفهم إلى صنفين، صنف يجب أن يكون له كل شيء وصنف لا يستحق أي شيء ولا حتى البقاء حيًّا .. هل يتقى الله هؤلاء الذين يكرسون تفرقة العرب وتمزيق وحدتهم تحت شعار الوحدة والتلاقى .. هل يتقى الله هؤلاء فيعودون إلى رشدهم ويدركون الواقع المؤلم فيعملون على تغييره بصدق إخلاص؟ وهو أن الوجود اليهودى الزنيم المستعمر الدخيل في فلسطين، لا يستمد بقاءه من قوته الذاتية أو طائرات الميراج أو حتى الفانتوم أو التكنولوجيا، وإنما يستمد بقاءه البغيض من تمزيق وحدة العرب واختلاف كلمتهم، وكيد بعضهم لبعض.
إن العرب يستحيل أن يتم اجتماع كلمتهم وقيام وحدتهم إلا في ظل راية الإِسلام والإسلام فقط.
الغنائم في خيبر:
وبعد سقوط القسم الثاني من مدينة خيبر واستسلام حصونها وقلاعها لجيش الإِسلام الظافر، أخذ المسلمون في إحصاء الغنائم، وكانت شيئًا عظيمًا لم يغنم الجيش الإسلامى مثله في أية غزوة من الغزوات التي انتصر
[ ٦ / ١٨٥ ]
فيها المسلمون على أعدائهم في العهد النبوى.
فبالإضافة إلى الأسلحة والمعدات والآلات الحربية (مثل الدبابات والمنجنيقات) انتى استولى عليها المسلمون عند افتتاحهم قلاع الشطر الأول من خيبر، استولوا في قلاع وحصون الشطر الثاني من المدينة على كميات كبيرة من الأسلحة نذكر منها:
١ - ألف (١٠٠٠ رمح).
٢ - أربعمائة (٤٠٠ سيف).
٣ - خمسمائة (٥٠٠ قوس عربية) بجعابها (١).
وهو شيء عظيم بالنسبة للمستوى العسكري في ذلك العصر.
الغنائم غير الحربية:
أما الغنائم غير الحربية الأخرى التي غنمها الإِسلام في هذا الفتح العظيم فهو شيء عظيم لا يمكن حصره.
فبالإضافة إلى الكميات الكبيرة من الذهب والفضة التي يشهر اليهود (منذ أقدم العصور) باكتنازها، غنم المسلمون ما هو أهم وأعظم من ذلك وهو المزارع والبساتين وأحراش النخيل التي تغطى مئات الأميال المربعة من أرياف مدينة خيبر العربية.
وإذا علمنا أن ما غنمه المسلمون (فقط) في الكتيبة - وهي واحة من عشرات الواحات التي تغطى أراضى خيبر - هو أربعون ألف نخلة (٢) أدركنا مدى ضخامة كميات الأراضي المزروعة المغنومة من اليهود المهزومين في خيبر.
خيبر أغنى منطقة زراعية في الحجاز:
ولا غرو، فقد كانت منطقة خيبر (في ذلك العمر) أغنى منطقة
_________________
(١) الجعبة (بضم الجيم وفتحه) وعاء مستطيل توضع فيه السهام ويحمله أنبال على ظهره ساعة الحرب.
(٢) انظر إمتاع الأسماع ص ٣١٩ - ٣٢٠.
[ ٦ / ١٨٦ ]
زراعية في الحجاز بل وجزيرة العرب على الإِطلاق. حيث كانت - ولا تزال حتى اليوم - تفيض منها بالماء مئات العيون وهو ما لا يوجد مثله في أية منطقة في الحجاز، مع جودة التربة وسعة الأراضي الصالحة لزراعة مختلف أنواع الأشجار والفواكه والحبوب كالذرة والحنطة والشعير.
وقد كان العرب في ذلك العصر يسمون واحات خيبر، ريف الحجاز، وقد ارتفعت ميزانية دخل خزينة الدولة الإِسلامية باستيلاء المسلمين على واحات خيبر، إرتفاعًا كبيرًا ملحوظًا، لا سيما بعد أن رصد النبي القائد والحاكم الأعلى خمس مغانم خيبر لبيت المال للصرف منه على مصالح المسلمين العامة حسب الظروف ومتطلبات الحاجة.
النبي يعيد التوراة لليهود:
وعند إحصاء الغنائم وجد المسلمرن من بينها عدة أجزاء من التوراة (كتاب اليهود المقدس) وقد طلب اليهود من النبي - ﷺ - أن يعيد إليهم هذه الصحائف من كتابهم، فاستجاب لطلبهم، وأمر بإعادتها إليهم فأعيدت (١).
ولعل في إعادة صحائف التوراة إلى اليهود البرهان الذي يلقم متهمى الإِسلام بالتعصب ومصادرة غير المسلمين في معتقداتهم وإجبارهم على اعتناق الإسلام حجرًا.
فإعادة صحائف التوراة إلى اليهود (وخاصة في ذلك العصر) فيها أعظم الدليل على تسامح الإسلام وإطلاقه الحريات لمن يخالفه في العقيدة، في عصر بلغ فيه التعصب الأعمى للدين والمذهب بين الأمم الأخرى (كالرومان) إلى أن أباحوا لأنفسهم سفك دم الذين يخالفونهم في المذهب داخل إطار الدين الواحد، كما فعل حكام دولة الروم البيزنطة بمعاقبة النصارى في مصر. فكيف بمن يخالفهم في جوهر الدين ذاته؟
وأين تصرفات المسلمين الفاتحين النتصرين المتسامحة بإطلاقهم الحريات لمخالفيهم في الدين ليمارسوا شعائرهم في ظل الدولة الإسلامية كما يريدون،
_________________
(١) كتاب المغازي للواقدى ج ٢ ص ٦٨٠ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٦.
[ ٦ / ١٨٧ ]
من تصرفات الصليبيين الذين أعماهم الحقد والتعصب؟ فلم يكتفوا بمصادرة حرية المسلمين في ممارسة شعائر دينهم، بل لجأوا إلى تخييرهم بين أمرين: إما قتلهم وتحريقهم بالنار، وإما مفارقة دين الإِسلام واعتناق النصرانية، كما حدث من الملك فيرديناند والملكة إيزابلا في الأندلس (إسبانيا) عندما كتبت لهم الغلبة على المسلمين هناك، فأقاموا لهم محاكم التفتيش الوحشية التي نفذت حكم الإعدام (ضربًا بالسيف وحرقًا بالنار) في مئات الآلاف من المسلمين ولم تتوقف هذه المجازر الرهيبة إلا بعد أن أخطر جميع المسلمين على اعتناق النصرانية حفاظًا على أرواحهم .. وكما حدث من ملك الصليبيين (قلب الأسد) عندما ذبح ثلاثة آلاف مسلم من أسرى المسلمين بالرغم من إعطائهم الأمان عند استيلائه على مدينة القدس، التي استعادها منه صلاح الدين بقوة السلاح، والذي لم يقتل أسيرًا مسيحيًا واحدًا، بالرغم من تلك المجزرة التي ارتكبها الصليبيون على يد قلب الأسد الإِنكليزى .. الذي بلغ التسامح الإِسلامي بصلاح الدين إلى أن يعوده وهو في مرضه، ويأمر طبيبه بمعالجته حتى شفى من مرضه كما تشهد بذلك مصادر التاريخ الغربي في أوروبا قبل الشرق في بلاد الإِسلام.
كيف سمح النبي لليهود بالبقاء في خيبر؟
وهكذا (وباستسلام حصون الشطر الثاني من مدينة خيبر) وضعت الحرب أوزارها في هذه المنطقة الحيوية الهامة من جزيرة العرب .. وبسقوط خيبر في أيدى المسلمين انهار أقوى وآخر معقل للوجود اليهودى الدخيل في جزيرة العرب.
وقد جاء في نص اتفاقية تسليم الشطر الثاني من خيبر على أن يقوم اليهود بالجلاء عن خيبر إلى الشام ويتعهد السلمون بحقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى والاسترقاق شريطة أن لا يكتموا أو يغيبوا شيئًا من الأموال التي هي (بموجب قوانين الحرب في ذلك العصر) ملك من أملاك المسلمين المنتصرين، وأنهم (أي اليهود) إن فعلوا ذلك برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله وحلَّت دماؤهم وحق المسلمين سبى نسائهم وذراريهم (انظر تفاصيل الاتفاقية فيما مضى من هذا الكتاب) قد نقض اليهود العهد
[ ٦ / ١٨٨ ]
وخانوا وغيّبوا وكتموا (١)، الأمر الذي أباح للنبي - ﷺ - دماءهم وأموالهم كما تنص عليه اتفاقية الجلاء صراحة.
غير أن النبي - ﷺ - (بالرغم من نقض اليهود العهد وإبطال مفعول الاتفاقية بالخروج على نصوصها كما تقدم، لم يقتل اليهود ولم يسترق نساء وذرارى سوى رجلين اثنين هما (كنانة بن أبي الحقيق وأخوه الربيع) اللذان وقعا الاتفاقية بالنيابة عن اليهود. أما بقية اليهود وهم عدة آلاف فلم يتعرض لهم بأذى إذ أعفاهم من عقوبة النكث ونقض العهد، لأن المسؤول الأول عن هذا النكث والنقض والغدر إنما هما (كنانة بن أبي الحقيق وأخوه الربيع).
السماح لليهود بالإِقامة في خيبر:
إلا أن النبي - ﷺ - تنفيذًا لاتفاقية التسليم قرر إجلاء اليهود عن خيبر، فلم يعارض اليهود في ذلك، إلا أنهم تقدموا إلى النبي القائد - ﷺ - بعرض من طلبوا فيه أن يسمح لهم بالبقاء في خيبر في ظل حكم الإِسلام، ليعملوا كأجراء في أرض خيبر للعناية بمزارعها وبساتينها وتوثى فلاحتها مقابل جزء من محصولها يعطى لهم يتفق عليه الفريقان.
فقد جاؤوا إلى النبي - ﷺ -. بعد أن علموا أنه سيخرجهم من خيبر ققالوا: يا محمد نحن أعلم منكم بخيبر، دعونا نكون فيها نعمرها لكم بشطر ما يخرج منها.
وقد راقت هذه الفكرة للنبي - ﷺ - فقبل عرض اليهود فسمح لهم بالبقاء في خيبر وأبرم معهم اتفاقًا خلاصته أن يقوموا بعمارة الأرض واستصلاحها وعمارتها على أن يكون لهم مقابل ذلك نصف ما تخرجه أرض خيبر من ثمار، على أن يكون من حق المسلمين إخراج اليهود من خيبر متى شاؤوا.
_________________
(١) انظر زاد المعاد ج ٢ ص ٣٣٢ والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٩ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٦ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٢ وإمتاع الأسماع ص ٣٢٠ والسيرة الحلية ج ٢ ص ١٦٧ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١١٢.
[ ٦ / ١٨٩ ]
قال الزيلعى في نصب الراية ج ٣ ص ٣٩٩: وقالوا (أي اليهود) نحن أعلم بكم منها فصالحهم رسول الله - ﷺ - على النصف وقال: على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.
وفي صحيح البخاري: أعطى النبي - ﷺ - خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها.
وقال ابن حزم (في جوامع السيرة): وأقر النبي - ﷺ - اليهود على أن يعتملوها أي أرض خيبر بأموالهم وأنفسهم ولهم النصف من كل ما يخرج منها من زرع أو ثمر ويقرهم على ذلك ما بدا له، فبقوا على ذلك حتى مات رسول الله - ﷺ -، ومدة خلافة أبي بكر، وجمهور خلافة عمر، فلما كان في آخر خلافته بلغه أن رسول الله - ﷺ - أمر في مرضه الذي مات فيه أن لا يبقى في جزيرة العرب دينان، فأمر بإجلائهم عن خيبر .. اهـ. وكانت الاتفاقية كما تقدم تعطى المسلمين حق إجلاء اليهود متى شاؤوا.
قال ابن إسحاق: وقال اليهود للنبي - ﷺ -: نحن أعلم بها (أي خيبر) منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله - ﷺ - على النصف، وقال لهم، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم (١).
اليهود في حماية المسلمين:
وبعد أن قبل النبي - ﷺ - عرض اليهود فوافق على أن يبقوا في منطقة خيبر للعناية بزروعها والقيام بفلاحتها وإعمارها مقابل إعطائهم نصف ما تنتجه أرضها - بقى هؤلاء اليهود في ذمة المسلمين وحمايتهم آمنين على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم.
وعقب موافقة النبي - ﷺ - على بقاء اليهود في خيبر لإعمار أرضها مقابل نصف المحصول من ثمارها أخذ اليهود يعاودون نشاطهم التجارى في المنطقة بمنتهى الحرية والأمان، وكانوا (كما هو المشهور عنهم) من أنشط الناس في الأعمال التجارية.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري ج ٥ ص ٣٩٠ الطبعة المنيرية ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٩٠ وسيرة ابن هشام ج ٢ ونصب الراية ج ٣ ص ٣٩٩ وجوامع السيرة ص ٢١٣ والسيرة الحلبية ج ٢ وإمتاع الأسماع ص ٣٢٨ والكامل في التاريخ ج ٢ ص ١٥٠ وزاد المعاد ج ٢ ص ٣٤٧.
[ ٦ / ١٩٠ ]
وقد أخفى عامة اليهود أكثر ما لديهم من نقود الذهب والفضة عندما شعروا بأنهم سيخسرون المعركة، ويدل سياق الأحداث (كما هو في أمهات التاريخ) أن النبي - ﷺ - تسامح معهم في هذا الأمر بالرغم من علمه به وبالرغم من أن نصوص المعاهدة تلزمهم بتسليم كل ما لديهم. من أموال منقولة وغير منقولة كغنيمة حرب للجيش الإِسلامي (كما هي قوانين الحرب في ذلك العصر).
ويدل على تسامح النبي - ﷺ - مع هؤلاء اليهود هو أنهم قد اشتروا بأموالهم الشيء الكثير من الغنائم التي غنمها الجيش في خيبر فربحوا من ذلك أرباحًا طائلة.
يدل على ذلك ما رواه الواقدي: فلقد كان من اليهود حين أمّنهم رسول الله - ﷺ - يقبلون ويدبرون ويبيعون ويشترون، لقد أنفقوا عامة المغنم مما يشترون من الثياب والمتاع، وكانوا قد غيّبوا نقودهم وعين مالهم (١).
النبي يحذر من الاعتداء على أموال اليهود:
وبعد أن عقد النبي - ﷺ - مع اليهود اتفاقية المساقاة والمزارعة وأعطاهم الأمان صار المسلمون يقعون في حرثهم وبقلهم فشكت اليهود ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فأمر النبي - ﷺ - بجمع المسلمين والجيش لما يزل في خيبر - فلما اجتمعوا حذرهم من التعرض لليهود وأخذ أي شيء من رروعهم، فقد وقف فيهم - ﷺ - خطبًا وقال: (بعد أن حمد الله وأثنى عليه) - إن اليهود شكوا إليّ أنكم وقعتم في حظائرهم وقد أمّناهم على دمائهم وعلى أموالهم والذي في أيديهم من أراضيهم، وعاملناهم، وأنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها.
فامتثل المسلمون أمر النبي - ﷺ - وصاروا لا يأخذون شيئًا من ثمار الأراضي التي أعطيت لليهود إلا بثمن، ولقد بلغ بالمسلمين التحرز والتعفف إلى أن يقول اليهودى للمسلم، أنا أعطيك هذا (من الثمار) بلا
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٦٩ - ٦٧٠ من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر عن جعفر بن محمود.
[ ٦ / ١٩١ ]
ثمن فيأبى المسلم أن يأخذه إلا بثمن، بعدما سمع من النبي - ﷺ - ما سمع من نهى عن التعرّض لأموال اليهود (١).
محاولة اغتيال النبي في خيبر:
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وتمت السيطرة التامة للمسلمين على هذه المنطقة الهامة، وبعد أن عدل النبي - ﷺ - عن إجلاء يهود خيبر واتفق معهم على إعمار بساتين ومزارع خيبر ومنحهم الأمان والحماية، جرت محاولة شريرة لاغتيال النبي في مدينة خيبر.
وتفصيل ذلك أن امرأة يهودية اسمها زينب بنت الحارث (زوجة سلّام بن مشكم المقتول في حصن النطاة وابنة أخي مرحب (الحارث) وكلاهما قتل في المعركة، قررت اغتيال النبي - ﷺ - عن طريق دس السم له في الطعام.
فقد عمدت إلى شاة لها فذبحتها - وكانت بالتشاور مع بعض اليهود - قد اختارت أخطر نوع من أنواع السم يقال له لابطي، لا يلبث أن يقتل متناوله في الحال، ثم وضعته في جميع أوصال الشاة، وأكثرت من هذا السم (بصفة خاصة) في الذراعين، لأنها (كجزء من حبك المؤامرة) سألت أثناء التخطيط لها: (أي أنواع اللحم أحب إلى النبي - ﷺ -) فقيل لها: الذراع والكتف، وكان قصدها الرئيسى أن يقضى السم على الرسول - ﷺ - بمجرد تناوله أية كمية من لحم الشاة التي كانت قد شوتها وحملتها إلى معسكر النبي - ﷺ - بقصد إهدائها له، وكان - ﷺ - يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
ولما صلّى النبي - ﷺ - صلاة المغرب وعاد إلى مقر قيادته في خيبر وجد زينب اليهودية جالسة عند رحله فلما سألها ما شأنها؟ قالت: أبا القاسم هدية أهديتها لك، فقبلها وأمر بقبضها منها فقبضت ثم وضعت الشاة السمومة بين يديه - ﷺ - وكان معه بعض أصحابه، فقال لهم: ادنوا فتعشُّوا فدنوا فمدوا أيديهم، وتنأول رسول الله - ﷺ - الذراع فانتهش منها نهشًا،
_________________
(١) انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٩١ والروض الأنف ج ٢ ص ٢٤٣.
[ ٦ / ١٩٢ ]
وازدرد لقمة، وتناول بشر بن البراء (١) عظمًا فأكل منه لقمة أيضًا، وفجأة أمر النبي - ﷺ - أصحابه بأن يتوقفوا عن أكل قائلًا: كفوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرنى أنها مسمومة، فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك من أكلتى التي أكلتها فما منعنى أن ألفظها إلا كراهية أن أنَغِّص عليك طعامك فلما تسوغت ما في يدك لم أرغب بنفسي عن نفسك.
أما بشر فلم يقم من مكانه حتى تحول لونه أسود من شدة تأثير السم وظل يعاني من وجعه طيلة سنة كاملة مشلولًا حتى مات متأثرًا بهذا السم.
وكان بعض الصحابة قد أكلوا شيئًا من هذه الشاة أيضًا، لذلك أمر النبي - ﷺ - من أكل شيئًا من هذه الشاة أن يحتجم كما احتجم - ﷺ - نفسه على كاهله كعملية لتخفيف تأثير السم.
ويقول ابن القيم: إن النبي - ﷺ - ظل يعافى من تأثير هذا السم طيلة أربع سنوات حتى توفاه الله تعالى.
وقد روى عنه - ﷺ - أنه قال في وجعه الذي مات فيه: (مازلت أجد -أي أتألم- من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، لهذا أوان انقطاع الأبهر منى)، قال الزهري: فتوفي رسول الله - ﷺ - شهيدًا.
وعلى أثر ما حدث أمر النبي - ﷺ - بإحضار زينب اليهودية لاستجوابها.
ولدى التحقيق معها اعترفت بأنها سمّت الشاة قاصدة بذلك قتل النبي - ﷺ - ولما سألها النبي - ﷺ -: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت بكل صراحة: لقد بلغت من قومى ما لا يخفى عليك قتلت زوجى وأبي وعمّى، فقلت: إن كان نبيًّا فسيخبره الله، وإن كان ملكًا استرحنا منه؛ فعفى عنها النبي - ﷺ -
_________________
(١) هو بشر بن البرء بن معرور الأنصاري. شهد بيعة العقبة مع أبيه، وشارك في معركة بدر وكل المعارك إلى جانب رسول الله - ﷺ -، جعله رسول - ﷺ - سيدًا على قومه بني نضلة. فقد جاء في كتاب الجود من طريق ابن شهاب الزهري أن النبي - ﷺ - قال: من سيدكم يا بني نضلة؟ قالوا: جد بن قيس، قال: وبم تسودونه؟ فقالوا: إنه أكثرنا مالًا وإنا على ذلك لنزنه بالبخل، قال: وأى داء أدوى من البخل؟ ليس ذا سيدكم، قالوا: فمن سيدنا؟ قال: بشر بن البراء بن معرور.
[ ٦ / ١٩٣ ]
وروى حماد بن سلمة أنه - ﷺ - عفا عنها بالنسبة لحقه الخاص غير أنه أمر بقتلها فيما بعد قصاصًا ببشر بن البراء الذي مات متأثرًا بذلك السم الذي دسته في الشاة، وقد وفق بهذا بين الروايتين بأنه عفى عنها ولم يقتلها أولًا .. غير أنه لما مات بشر قتلها قصاصًا .. والقصاص مطلوب تنفيذه على أي إنسان مسلمًا كان أو غير مسلم (١).
دور المرأة في معركة خيبر:
ومعركة خيبر هي ثاني معركة تشترك فيها المرأة المسلمة في العهد النبوى، فقد روى الإِمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت: فبلغ النبي - ﷺ - أن معه نساء، قالت: فأرسل إلينا فدعانا، قالت: فرأينا في وجهه الغضب، قال: ما أخرجكن؟ وبأمر من خرجتن؟
قلنا خرجنا نناول السهام ونسقى السويق ومعنا دواء للجرحى ونغزل الشعر فنعين في سبيل الله، قال: فمرن فانصرفن، قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهامًا كسهام الرجال، وفيه ما يدل على أن النبي - ﷺ - سوى النساء بالرجال في تقاسم الغنيمة.
أما ابن إسحاق فقد أورد ما يتفق مع ما أورده الإِمام أحمد بصدد خروج النساء في غزوة خيبر إلا أنه ذكر أن النبي - ﷺ - إنما رضخ (٢) لهن من الغنيمة، ولم يجعل لهن أسهما كأسهم الرجال.
وقال: حدثني سليمان بن سحيم غن أمية بنت ابن أبي الصلت - امرأة من غفار قد سماها، لي - قالت: أتيت رسول الله - ﷺ - في نسوة من غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك لوجهك هذا - وهو
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٧٨ وزاد المعاد ج ٢ ص ٣٤٠ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٦٧٨ و٦٧٩ وإمتاع الأسماع للمقريزى ص ٣٢١ - ٣٢٢ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٧ - ٣٣٨: صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٩٠ المطبعة المنيرية.
(٢) الرضخ: إعطاء الشيء على غير قاعدة معلومة أو نصاب معلوم.
[ ٦ / ١٩٤ ]
يسير إلى خيبر- فنداوى الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية (أي فتاة حديثة السن) فأردفنى رسول الله - ﷺ - على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله - ﷺ - إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بي يدركنى ما يدرك النساء من العادة (ولأول مرة) قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحيت، فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما بي، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت نعم، قال - ﷺ -: فأصلحى من نفسك ثم خذى إناء من ماء فاطرحى فيه ملحًا ثم اغسلى ما أصاب الحقيبة ثم عودى لمركبك.
قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقى فأعطانيها، وعلّقها في عنقى فوالله لا تفارقنى أبدًا، وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها.
وأخرج الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن أنيس الصحابي المشهور قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر ومعى زوجتى وهي حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله - ﷺ - فقال: انقع لها تمرًا، فإذا انغمر فأمر به لتشربه، ففعلت فما رأت شيئًا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم لهن، فأجدى زوجتى وولدى الذي ولد.
الأصل جواز خروج النساء للجهاد:
كل هذه الروايات المتساندة لا تدع مجالًا للشك في أن الأصل جواز خروج النساء للمساهمة في الجهاد في سبيل الله شريطة أن لا يصاحب ذلك خروج على آداب وتعاليم الإسلام .. كالأساليب التي يلجأ إليها الكثير في هذا العصر من تجنيد الفتيات بقصد الترفيه بالوسائل المرذولة، كالغناء والرقص وما شابه ذلك مما يعد تمردًا على تعاليم الإِسلام ويستنزل غضب الله تعالى على المحاربين فيحرمهم النصر ويسبب لهم الهزائم.
قتلى الفريقين في المعركة:
وقد استشهد في معارك خيبر ستة عشر من المسلمين:
[ ٦ / ١٩٥ ]
أربعة من قريش، وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر نفسها والباقون من الأنصار.
عدد شهداء المهاجرين
من بني أمية بن عبد مناف:
١ - ربيعة بن أكتم بن سخبرة (١) (حليفًا لهم) قتله بالنطاة الحارث اليهودى.
٢ - ثقيف بن عمرو (٢) (حليفًا لهم) قتله أسير اليهودى بالنطاة.
٣ - رفاعة بن مسروح (٣) (حليفًا لهم) قتله الحارث اليهودى بالنطاة.
من بني أسد بن عبد العزّى:
١ - عبد الله بن أبي أمية بن وهب (حليفًا لهم) وهو ابن أختهم، قتل بالنطاة.
من غفار:
١ - عمارة بن عقبة، قتل بسهم.
من أسلم:
١ - عامر بن سنان بن الأكوع (٤) قتله سيفه حين رجع عليه وهو يبارز أحد اليهود.
_________________
(١) هو ربيعة بن أكثم سخبرة بن عمرو بن بكير الأسدي حليف بني عبد شمس قال موسى بن عقبة وابن إسحاق: إنه شهد بدرًا وأحدًا، استشهد بخيبر وهو ابن ثلاث سنة. قال في الإصابة: قتله بالنطاة الحارث اليهودى، وكان يكنى أبا زيد.
(٢) هو ثقاف بن عمرو بن شميط من بني غنم ثم من بني أسد بن خزيمة شهد بدرًا (قاله موسى بن عقبة وابن إسحاق) وقد شهد بدرًا مع إخوته مدلاج ومالك.
(٣) هو رفاعة بن مسروح الأسدي .. أسد بن خزيمة.
(٤) عامر بن سنان بن الأكوع الأسلمي تقدمت ترجمته.
[ ٦ / ١٩٦ ]
من أهل خيبر نفسها:
١ - الأسود الراعى، لا يعرف اسمه، قتل في اليوم الذي أسلم فيه وقصته مفصلة في هذا الكتاب.
من أشجع:
أ- رجل لم يذكر اسمه.
شهداء الأنصار
من الخزرج:
أ- بشر بن البراء بن معرور (١).
٢ - فضيل بن النعمان (٢).
٣ - مسعود بن سعد بن قيس.
من الأوس:
١ - محمود بن مسلمة، قتله مرحب اليهودى بواسطة سهما رماه بها من أعلى حصن ناعم.
٢ - أبو ضيّاح بن ثابت بن النعمان (٣).
٣ - الحارث بن حاطب (٤).
(١) تقدمت ترجمة بشر في هذا الكتاب.
(٢) فضيل بن النعمان الأنصاري السلمي قال في الإصابة، ذكره ابن إسحاق في المغازي في رواية يونس بن بكير وسلمة بن الفضيل وغيرهما عنه. وقال محمد بن سعد، كذا وجدناه في غزوة خيبر وطلبناه في نسب بني سلمة فلم نجده، ولا أحسبه إلا وهمًا وإنما أراد الطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان اهـ.
(٣) أبو الضياح .. اسمه عمير بن ثابت بن أمية الأوسي شهد بدرًا وأحدًا أو الخندق والحديبية.
(٤) هو الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد الأوسى الأنصاري، كان ضمن الجيش النبوى الزاحف إلى بدر، ولكن النبي - ﷺ - أعاده إلى المدينة من الروحاء في مهمة تتعلق ببنت عمرو بن عوف. وضرب له بسهم في غنائم بدر فكان كمن شهدها (في قول ابن إسحاق) شهد الحارث أحدًا والخندق.
[ ٦ / ١٩٧ ]
٤ - عروة بن مرة بن سراقة (١)
٥ - أوس بن القائد (٢).
٦ - أنيف بن حبيب (٣).
٧ - ثابت بن أثلة (٤).
٨ - طلحة بن يحيى بن مليل.
من بني زهرة:
١ - مسعود بن ربيعة (حليفًا لهم من القارة).
عدد قتلى اليهود:
أما اليهود فقد كانت حصيلة قتلاهم في معارك خيبر ثلاثة وتسعون رجلًا قتل أكثرهم في معارك النطاة والشق بالشطر الأول من مدينة خيبر، وكان على رأس هؤلاء القتلى اليهود أحد عشر من قادتهم وزعمائهم.
وهم:
١ - مرحب، قتله (مبارزة) علي بن أبي طالب، وقيل محمد بن مسلمة أمام حصن ناعم.
٢ - الحارث أبو زينب، وهو أخو مرحب، قتله (مبارزة أمام حصن ناعم) علي بن أبي طالب.
٣ - ياسر .. قتله (مبارزة) الزبير بن العوام أمام حصن ناعم.
٤ - أسير قتله (مبارزة) أمام حصن ناعم.
٥ - عامر .. قتله، علي بن أبي طالب (مبارزة أمام حصن ناعم).
_________________
(١) قال في الاستيعاب: عروة بن مرة سراقة الأنصاري من الأوس قتل يوم خيبر.
(٢) قال في الإصابة: اسمه أوس بن عابد، قال ابن عبد البر: هو من الأنصار قتل يوم خيبر، انظر الاستيعاب.
(٣) هو أنيف بن حبيب بني عمرو بن عوف، من الأنصار.
(٤) قال في الإصابة: هو ثابت بن أثلة الأوسى من بني عمرو بن عوف.
[ ٦ / ١٩٨ ]
٦ - يوشع .. قتله الحباب بن النذر، مبارزة أمام حصن الصعب.
٧ - الديّال .. قتله عمارة بن عقبة الغفاري.
٨ - سلام بن مشكم، قتل في معارك النطاة.
٩ - عزول .. قتله الحباب بن النذر مبارزة أمام حصن (أبي) في الشق.
١٠ - كنانة بن أبي الحقيق النضرى .. أعدم في الشطر الثاني من خيبر لإِدانته بالخيانة والنكث.
١١ - الربيع بن أبي الحقيق النضرى .. أعدم أيضًا لنفس الإِدانة.
هؤلاء هم القادة البارزون من اليهود الذين لقوا مصرعهم في معارك خيبر .. أما بقية قتلى اليهود في هذه المعارك والذين يبلغ عددهم ٨١ فلم يذكر أحد من المؤرخين اسم أحد منهم.
قدوم مهاجري الحبشة إلى خيبر:
وعقب انتهاء النبي - ﷺ - من فتح خيبر، قدم إليها السلمون الذين هاجروا إلى الحبشة هربًا من اضصهاد المشركين في مكة، وكانوا قد هاجروا إلى الحبشة بناءًا على تعليمات النبي الأعظم - ﷺ - عندما اشتد عليهم الأذى من قريش في مكة قبل الهجرة (١).
وقد كان على رأس هؤلاء المهاجرين جعفر بن أبي طالب، وكان حضور هؤلاء المهاجرين من الحبشة بناءًا على طلب من النبي - ﷺ - بعث به إلى النجاشي ملك الحبشة، وكان مبعوثه بهذا الطلب عمرو بن أمية الضمرى (٢).
وقد جاء هؤلاء المهاجرون على ظهر سفينتين حملتهم من الحبشة إلى بلاد العرب.
_________________
(١) انظر تفاصيل هجرة المسلمين من مكة إلى الحبشة وأسماء هؤلاء المهاجرين في سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٢١.
(٢) انظر ترجمة عمرو بن أمية الضمرى في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٦ / ١٩٩ ]
فرح النبي بقدوم جعفر:
وقد فرح النبي - ﷺ - بقدوم جعفر فرحًا عظيمًا، حتى إنه روى عنه أنه -عند قدوم جعفر- قام - ﷺ - والتزم جعفر وقبّل بين عينيه ثم قال: ما أدرى بأيهما أنا أُسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (١).
فتح فدك، وتيماء، ووادي القرى:
وقد بقيت بعد سقوط خيبر عدة جيوب يهودية في مناطق متفرقة حول خيبر كانت بها قوات تعتزم مقاومة المسلمين ولكنها كانت تنتظر نتائج معركة خيبر، وكان اليهود في هذه الجيوب المبعثرة في نواحى فدك (٢) ووادي القرى وتيماء لا يتوقعون أن تكون الغلبة للمسلمين على يهود خيبر، لأنهم أهل عدد وعدة ومنعة وقوة، ولكن الذي حدث كان مفاجأة ليهود هذه الجيوب الذين سارع بعضهم إلى الاستسلام للمسلمين، وبعضهم دفع الجزية لهم وقاومهم البعض الآخر ولم يستسلم إلا بعد قتال كيهود وادي القرى.
استسلام يهود فدك:
كان النبي - ﷺ - عندما أقبل إلى خيبر (وقبل أن يقوم بمهاجمتها) بعث بأحد أصحابه (محيّصة بن مسعود) إلى يهود فدك يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إلى الدخول فيه ليكونوا ضمن الأسرة الإسلامية.
ولكن يهود فدك كان لديهم ما يشبه اليقين، بأن المسلمين سيفشلون في هجومهم على خيبر، ولهذا أظهروا الشيء الكثير من الخبث والمماطلة إزاء دعوة النبي - ﷺ - إياهم إلى الإسلام، ولم يعطوا رسوله (محيّصة بن مسعود) جوابًا قاطعًا، وكأنهم كانوا ينتظرون ورود أنباء انتصار اليهود على المسلمين فيعلنون الرفض، ولكنهم فوجئوا باستسلام اليهود في حصن ناعم (وهم أقوى يهود خيبر) فانهارت لذلك معنوياتهم (أي أهل فدك)
_________________
(١) انظر تفاصيل عودة المهاجرين من الحبشة وأسماءهم في سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٥٩.
(٢) سبق التعريف بهذه المناطق فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٦ / ٢٠٠ ]
فصالحوا المسلمين على نصف الأرض.
قال الواقدي: لما أقبل رسول الله - ﷺ - إلى خيبر فدنا منها بعث محيّصة بن مسعود إلى فدك يدعوهم إلى الإِسلام، ويخوّفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر ويحل بساحتهم.
قال محيّصة: جئتهم فأقمت عندهم يومين، وجعلوا يتربصون، ويقولون: بالنطاة عامر، وياسر وأسير والحارث، وسيد اليهود مرحب، ما نرى محمدًا يقرب حراهم (١)، إن بها (أي خيبر) عشرة آلاف مقاتل، قال محيّصة: فلما رأيت خبثهم أردت أن أرحل راجعًا، فقالوا: نحن نرسل معك رجالًا يأخذون لنا الصلح - ويظنون أن اليهود (أي في خيبر) تمتنع - فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم وأهل النجدة منهم، ففتَّ ذلك عضدهم وقالوا لمحيّصة: أكتم عنا ما قلنا لك، ولك الحَلْي! لحلي من نسائهم، جمعوه كثيرًا، فقال محيّصة: بل أخبر رسول الله - ﷺ - الذي سمعت منكم، فأخبر النبي - ﷺ - بما قالوا.
قال (محيّصة): وقدم معى رجل من رؤسائهم يقال له (نون بن يوشع) في نفر من اليهود (للمفاوضة).
كيف صالح النبي يهود فدك:
وقد اختلف المؤرخون في كيفية استسلام يهود فدك للمسلمين، فقال بعضهم: إنهم صالحوا النبي - ﷺ - أن يحقن دمائهم ويجليهم ويخلوا بينه وبين الأموال ففعل.
وقال بعضهم: إنهم عرضوا على النبي - ﷺ - أن يخرجوا من بلادهم ولا يكون للنبي - ﷺ - عليهم من الأموال شيء، وإذا كان جذاذها جاءوا فجذُّوها فأبى أن يقبل ذلك.
وبعض المؤرخين يشير إلى أنهم بعد رفض النبي عرضهم الأخير، قرروا المقاومة، فقال لهم مبعوث النبي - ﷺ - محيّصة بن مسعود -: ما لكم
_________________
(١) الحرا (بفتح الحاء) جناب الرجل، يقال: إذهب فلا أراك بحراى. (قاله في النهاية ج ١ ص ٢٢٢).
[ ٦ / ٢٠١ ]
مَنَعة ولا رجال ولا حصون، لو بعث رسول الله - ﷺ - إليكم مائة رجل لساقوكم إليه، وهنا طلبوا الصلح، فصالحهم النبي - ﷺ - على أن لهم نصف الأرض بتربتها، ولرسول الله - ﷺ - نصفها (١)، قال الواقدي: وهذا القول أثبت.
وقد تم الصلح بينهم وبين النبي - ﷺ - دون أن يبلغهم بجيشه، وقد استمروا على حالهم حتى قرر عمر بن الخطاب في خلافته إجلاء يهود خيبر ومعهم يهود فدك، فبعث من خبراء الاقتصاد والمال من الصحابة من يقوّم مزارع فدك وكل أراضيها، وبعد أن تم تقدير قيمتها دفع الخليفة إلى يهودها نصف القيمة التي بلغت خمسين ألفًا أو يزيد ثم أجلاهم مع يهود خيبر إلى الشام (٢). تقدم تفصيله في الفصل الأول من هذا الكتاب.
فتح وادي القرى:
يقع وادى القرى بين خيبر والمدينة، وهو واد خصب وبه مزارع عظيمة وعيون كثيرة، وكانت تقطنه -عند فتح خيبر- جماعة من اليهود على جانب لا يستهان به من القوة، ولهذا فقد كان يهود هذا الوادي هم الوحيدين من بين الفئات اليهودية التي رفضت -بعد سقوط خيبر- الاستسلام للمسلمين، وقررت مقاومتهم بحدّ السلاح .. وقد كان يهود وادي القرى (كيهود خيبر) يمتنعون بقلاع وحصون حربية، كما أنهم استغاثوا بجمع من الأعراب الوثنيين استعدادًا لمواجهة المسلمين الذين كانوا في طريقهم إلى وادي القرى من خيبر.
وفعلا انضم كثير من الأعراب الوثنيين إلى يهود وادي القرى واستعدوا جميعًا لمقاتلة المسلمين بمجرد وصولهم إلي الوادي.
اليهود يبدأون القتال:
وكانت العادة المتبعة لدى النبي - ﷺ - أن لا يبدأ أحدًا بالقتال حتى ينذر
_________________
(١) انظر الكامل في التاريخ ج ٢ ص ١٥٠ و١٥٢ وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٥٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٧٥ ومغازى الوقدى ج ٢ ص ٧٠٦.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢١٨، ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٧١٠.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
ويعذر ويعرض الإِسلام، فإن أسلموا كف عنهم واعتبرهم جزءًا من الأسرة الإِسلامية.
غير أن يهود وادي القرى لم يتركوا للنبي - ﷺ - فرصة توجيه الدعوة إليهم ليكف عن دمائهم، فبمجرد وصول الجيش الإِسلامي إلى وادي القرى (وقبل أن يحط رحاله أو يستعد للقتال) شن اليهود الهجوم على المسلمين فقتلوا رجلًا من المسلمين، وهو مدعم مولى رسول الله - ﷺ -، أصابه سهم من سهام اليهود وهو يحط رحل رسول الله - ﷺ -.
تعبئة المسلمين للقتال:
وعند ذلك عبّى رسول الله - ﷺ - أصحابه للقتال وصفهم، فكتّب الكتائب ووزع الرايات على القادة المختارين من أصحابه لخوض المعركة.
فدفع لواءه إلى سيد الخزرج سعد بن عبادة (١) ودفع راية إلى الحباب بن المنذر (٢) وراية إلى عبّاد بن بشر (٣) وراية إلى سهل بن حنيف ليتولوا قيادة المحاربين.
دعوة اليهود إلى الإِسلام:
ومع بداية يهود وادي القرى بالعدوان، فلم يتعجل النبي - ﷺ - في مقاتلتهم، بل حرصًا منه على حقن الدماء ورغبة منه في هداية هؤلاء اليهود، وجه إليهم الدعوة إلى الدخول في الإِسلام، وأكد لهم أنهم إن أسلموا سيحوزون أموالهم وستحقن دماؤهم وحسابهم على الله.
رفض اليهود الدعوة ومسارعتهم للحرب:
غير أن إشعال نار الحرب كان جواب يهود وادي القرى على دعوة الرسول السلمية، فقد رفض اليهود أن يردوا على دعوة رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر ترجمة سعد بن عبادة في كتابنا غزوة بدر الكبرى.
(٢) انظر ترجمة الحباب المنذر في كتابنا، غزوة بدر الكبرى.
(٣) انظر ترجمة عباد بن بشر في كتابنا، غزوة الأحزاب ص ٨١.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وسارعوا إلى القتال، حيث خرج من حصونهم أحد فرسانهم وطلب المبارزة، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز فارس آخر، فخرج إليه الزبير أيضًا فقتله، صم برز يهودى آخر فبرز له علي بن أبي طالب فقتله، ثم فارسان آخران فبرز لهما أبو دجانة فقتلهما الواحد بعد الآخر، وظلت المبارزة مستمرة حتى قتل من اليهود أحد عشر رجلًا، كلما قتل رجل منهم دعا رسول الله - ﷺ - من بقى منهم إلى الإسلام.
وقد استمر القتال بين المسلمين واليهود في الوادي طوال اليوم حتى المساء، وكان النبي - ﷺ - كلما حضرته الصلاة صلى بأصحابه، وبعد كل صلاة يمرر توجيه الدعوة إلى اليهود للدخول في الإِسلام، ولكنهم يرفضون ويستمرون في القتال.
استسلام اليهود:
وفي اليوم التالي شن المسلمون على اليهود هجومًا عامًا كاسحًا، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعلن اليهود الاستسلام وأعطوا بأيديهم إلى المسلمين، فتمَّ فتح وادي القرى عنوة، فغنمه المسلمون بأكمله.
إبقاء اليهود في وادي القرى:
وقد عامل النبي - ﷺ - يهود وادي القرى كما عامل يهود خيبر المغلوبين، إلا أنه لم يقتل أحدًا من أهل وادي القرى بعد الاستسلام.
وقد سمع النبي - ﷺ - ليهود وادي القرى بالبقاء في الوادي وترك النخل والأرض بأيديهم على أن يقوموا برعايتها واستصلاحها وزراعتها مقابل أن يأخذوا نصف المحصول منها (تمامًا) كما فعل مع يهود خيبر. وقد أقام النبي - ﷺ - بوادى القرى أربعة أيام فقط.
ولم أر أحدًا من المؤرخين ذكر أن المسلمين سبوا أحدًا من نساء وذرارى يهود وادي القرى، ويظهر أنهم ظفروا بالعفو كما ظفر يهود الشطر الثاني من خيبر.
وباستسلام يهود وادي القرى تمّ القضاء على أقوى جيب من جوب
[ ٦ / ٢٠٤ ]
المقاومة اليهودية في جزيرة العرب، كانت قد قاومت المسلمين بعد سقوط خيبر.
يهود تيماء يدفعون الجزية:
وقد كانت تيماء الواقعة في الركن الشمالي الغربي للجزيرة بها مجموعة من اليهود، وكانت بهم قوة ولهم حصون في قمم الجبال، وكان من المتوقع أن يُبْدوا شيئًا من المقاومة، إلا أنه لا بلغهم استسلام خيبر ثم فدك ووادي القرى للمسلمين، بعثوا من تلقاء أنفسهم إلى رسول الله - ﷺ - يطلبون الصلح ويعرضون دفع الجزية للمسلمين، فقبل منهم النبي - ﷺ - الجزية، وترك لهم ما بأيديهم من أموال فلم يستول المسلمون على شيء منها لأنهم بدفعهم الجزية أصبحوا أهل ذمة، شأنهم غير شأن العدو المحارب الذي لم يستسلم إلا بعد قتال وحرب .. ولهذا فإن الخليفة لمّا أجلى يهود خيبر في خلافته، لم يجل يهود تيماء بل تركهم في ديارهم أحرارًا لأنهم أهل ذمة ولم يحدث منهم ما يعتبر نقضًا للعهد الذي بموجبه حقن المسلمون دماءهم وضمنوا لهم أموالهم (١).
محاولة قبيلة فزارة:
كانت قبيلة فزارة الغطفانية من أعتى القبائل النجدية وأشدّها على المسلمين، وقد حاولت بقيادة سيدها عيينة بن حصن أن تمدّ يهود خيبر بأربعة آلاف مقاتل ليكونوا إلى جانبهم في القتال ضد المسلمين كما تقدم تفصيله في هذا الكتاب. كما أن قبائل غطفان (خاصة فزارة) تعتبر نفسها الحليف الأول ليهود خيبر، وقد حاول عيينة بن حصن إنجاد اليهود للمرة الثانية، ولكنه وصل خيبر بعد فوات الأوان، حيث وجد النبي - ﷺ - قد سيطر بقواته على جميع نواحى خيبر، فعاد عيينة بأصحابه إلى غطفان يجر أذيال الخيبة والفشل.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ٢ ص ٢١٨، والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٨٣ وزاد المعاد ج ٢ ص ٣٥٤، وإمتاع الأسماع ص ٣٣٢، ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٠٩ وما بعدها، وسيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٨.
[ ٦ / ٢٠٥ ]
فزارة تحاول اعتراض النبي فيتحداها:
غير أن قبيلة فزارة بالرغم من الهزيمة الساحقة التي نزلت بحلفائها اليهود في خيبر، وبالرغم من خيبة الأمل التي أصيبت بها لهذه الهزيمة الساحقة، فإن رجال هذه القبيلة قد ظل الأمل يراودهما في الإِيقاع بالمسلمين والتغلب عليهم.
ولهذا قررت فزارة بقيادة عيينة بن حصن أن تهاجم المسلمين مرجعهم من خيبر، فحشدت لهذا الغرض قوات كثيفة من رجالها في المناطق الواقعة على الطريق الذي سيمر به النبي - ﷺ - بجيشه عائدًا إلى المدينة.
وعندما بلغ النبي - ﷺ - أن فزارة تنوى مقاتلته أرسل إليها يتحدّاها إذ عيَّن لها موضعًا أبلغها بأنه على استعداد لملاقاة رجالها فيه.
غير أن قادة فزارة لم يكادوا يتبلّغون هذا التحدّى النبوى حتى خارت قواهم وخافوا خوفًا شديدًا، فعدلوا عن قرارهم، وهربوا كل مهرب وذهبوا من طريق النبي - ﷺ - (مذعورين) كل مذهب بعد أن علموا بتحرّك قواته في اتجاههم (١)، ويظهر أن زعماء فزارة أرادوا بإعلان محاربة المسلمين إخافتهم بأنهم سيقطعون الطريق عليهم لعل ذلك يحمل النبي - ﷺ - على أن يفاوض هؤلاء الزعماء ليعطيهم شيئًا من المال مقابل التخلى عن اعترض سبيله، لأنهم لا يزالون يذكرون كيف عرض عليهم (قبل معركة خيبر) ثمار خيبر مقابل أن يخلوا بينه وبين اليهود فلا يعينوهم بل يلتزموا جانب الحياد، ولكن هيهات هيهات، فشأن النبي - ﷺ - -عند زحفه على خيبر- غير شأنه عند عودته منها.
فعند زحفه عليها كان في موقف حرج، أوقعه فيه إصرار غطفان على نجدة اليهود بأربعة آلاف مقاتل ضد المسلمين، الأمر الذي جعل النبي - ﷺ - وجيشه (يوم ذاك) بين نارين .. اليهود وعددهم عشرة آلاف مقاتل، وغطفان بقيادة سيد فزارة وعددهم أربعة آلاف مقاتل، بينما لا يزيد عدد المسلمين على ألف وأربعمائة مقاتل.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢١٢.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
لذلك فقد اضطر النبي - ﷺ - إلى أن يعرض على قائد غطفان وسيد فزارة عيينة بن حصن إعطاءهما ثمار خيبر، مقابل أن يلتزموا جانب الحياد في الصراع الذي سينشب، بين المسلمين واليهود، ولكن غطفان رفضت هذا العرض في حينه، ومع ذلك فقد كسب النبي المعركة وألغى الوجود اليهودى الدخيل بأكمله في خيبر والشمال كله.
والآن وقد عاد بجيشه منتصرًا من خيبر ذلك الانتصار الساحق الرئع، فشأنه شأن آخر فهو لم يعد يخشى أحدًا - لا فزارة ولا غطفان كلها - بعد أن سحق أقوى قوة عاتية في النطقة وهي عشرة آلاف مقاتل من اليهود، هزمهم وهم أهل العدة والعدد والحصون المنيعة والقلاع الشامخة .. لذلك لم يرهب - ﷺ - فزارة حينما استعرضت عضلاتها وحشدت قواتها في طريق عودته، بل بعث إليها يتحدّاها ويعين مكانًا لملاقاتها فيه، فما كان منها إلا أن ولت فرارًا منه وخلت بينه وبين الطريق الذي قررت اعتراضه فيه .. فاستمر - ﷺ - في تحرّكه عائدا إلى المدينة فوصلها دون أن يجرأ أحد من أعراب المناطق على اعتراضه.
قصة الرهان الشيقة في مكة:
كان رجالات قريش (الموالون منهم والمعادون للمسلمين) ينظرون إلى نتائج معركة خيبر على أنها الفيصل القاطع في الصراع الدائر بين الكفر والإِيمان، وأنه على ضوء نتائج هذه المعركة - التي هي أعظما وأخطر معركة يخوضها المسلمون في العهد النبوى - سيتقرر المصير النهائى لكل من المعسكرين المتصارعين لا في خيبر وحدها بل في الجزيرة كلها.
لأنه لا توجد هناك في جزيرة العرب (يومها) قوة تناوئ المسلمين أعظم من يهود خيبر وحلفائهم الغطفانيين، سواء من ناحية العدد والعدة أو من ناحية متانة وحصانة القلاع والحصون التي يعتصم بها اليهود في خيبر، أو من ناحية الشجاعة وقوة البأس والشراسة في القتال التي يتميز بها يهود خيبر على جميع يهود الجزيرة كلهم.
لذلك كان أهل مكة يترقبون بحساسية بالغة واهمام شديد أنباء المعارك الدائرة في خيبر.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
الجدل والرهان حول نتائج المعركة:
ولأهمية المعركة في خيبر كان الحديث عنها وعن نتائجها شغل قريش الشاغل في أنديتها، وكثيرًا ما يدور الجدل في أندية قريش بشدة حول أي من الفريقين يكون له النصر في هذه المعركة الفاصلة .. المسلمون أم اليهود؟ .
ففريق من المشركين في مكة - وعلى رأسهم حويطب بن عبد العزّى (١) - يصرّون على القول بأن النصر سيكون للمسلمين على اليهود وحلفائهم في هذه المعركة، وفريق - وعلى رأسهم صفوان بن أمية يصرّون على القول بعكس ذلك وهو أن النصر سيكون لليهود وحلفائهم على المسلمين.
الرهان بمائة ناقة:
وقد بلغ الجدال بالفريقين في مكة إلى أن يضعوا بينهم رهانًا مائة بعير يأخذها الفريق الذي يتحقق قوله.
كما أن اهتمام سادات مكة بأنباء معارك خيبر قد حملهم على أن يخرجوا كل يوم عدة أميال خارج مكة يتحسسون أنباء هذه المعارك من الركبان.
ولنترك الإمام الواقدي يحدّثنا عن قصة الجدل والرهان والاهتمام الشيقة هذه بكاملها، قال الواقدي: حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنه سئل عن الرهان الذي بين قريش حين سار رسول الله - ﷺ - إلى خيبر، فقال: كان حويطب بن عبد العزى يقول: انصرفت من صلح الحديبية وأنا مستيقن أن محمدًا سيظهر على الخلق وتأبى حميَّة الشيطان إلا لزوم دينى.
فقدم علينا عباس بن مرداس السلمي (٢) فخبَّرنا أن محمدًا سار إلى خيابر
_________________
(١) هو حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس العامري (أبو محمد) قال في الإصابة: أسلم عام الفتح وشهد حنينًا، كان هو الذي جدد أنصاب الحرم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، كان من أغنياء قريش، أقرض النبي - ﷺ - أربعين ألفًا، تحول حويطب من مكة إلى المدينة ومات بها.
(٢) هو العباس بن مرداس بن عامر السلمي كان سيدًا في قومه، أسلم قبل الفتح. انضم بسبع مائة مقاتل من قومه إلى النبي - ﷺ - وهو في طريقه لفتح مكة فشهد بهم يوم الفتح، وشهد حنينًا مع النبي - ﷺ - ويقال إنه ممن حرم الخمر في الجاهلية.
[ ٦ / ٢٠٨ ]
وأن خيابر (أي يهود خيبر) قد جمعت الجموع، فمحمد لا يفلت، إلى أن قال عباس: من شاء بايعته، لا يفلت محمد، فقلت: أنا أخاطرك (أي أراهنك)، فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس، وقال نوفل بن معاوية (١) أنا معك يا عباس، وضوى (أي مال) إليّ نفر من قريش فتخاطرنا (مائة بعير) خماسًا إلى مائة بعير، أقول أنا وحيِّزى: "يظهر محمد"، ويقول عباس وحيِّزه: تظهر غطفان (واليهود)، فاضطرب الصوت (أي ارتفع لشدة الجدال) فقال أبو سفيان بن حرب: خشيت واللات حيِّز عباس بن مرداس، فغضب صفوان (٢) وقال: أدركتك المنافية! فأسكت أبو سفيان، وجاءه الخبر بظهور رسول الله - ﷺ - فأخذ حويطب وحيِّزه (٣) الرهن.
قالوا: وكانت الأيمُنُ تُحْلَفُ عن خيبر، وكان أهل مكة حين توجَّه رسول الله - ﷺ - إلى خيبر قد تبايعوا بينهم، نهم من يقول: يظهر الحليفان أسد غطفان واليهود بخيبر، وذلك أن اليهود أوعبت في حلفائها، فاستنصروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فكانت في ذلك بينهم بيوع عظام.
قصة الحجاج بن علاط:
وكان الحجاج بن علاط (٤) السلمي ثم البهزى قد نجرج يغير في بعض غاراته، فذكر له أن رسول الله - ﷺ - بخيبر، فأسلم وحضر مع رسول الله - ﷺ - خيبر، وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم أخت مصعب العبدرى امرأته، وكان الحجاج مكثرًا، له مال كثير، - معادن الذهب التي بأرض
_________________
(١) هو نوفل بن معاوية بن عروة الدؤلى البكرى الكنانى، أسلم يوم الفتح، قال ابن حجر في الإصابة: عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، توفى بالمدينة في خلافة يزيد بن معاوية.
(٢) انظر ترجمة صفوان بن أمية في كتابنا غزوة بدر الكبرى.
(٣) الحيز: بفتح أوله وتشديد ثانيه مع الكسر، في الأصل الناحية واستعير هنا للفريق المناصر.
(٤) هو الحجاج بن علاط (بكسر العين) ابن خالد السلمي ثم الفهرى كان أول من بعث إلى رسول الله - ﷺ - بصدقة من معدن بني سليم، حضر معارك الشام وكان مبعوث أهل الشام إلى عمر بن الخطاب حين كتب إلهم أن ابعثوا إلى برجل من أشرافكم، مات الحجاج في خلافة عمر.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
بني سليم (١) -، فقال: يا رسول الله، ائذن لي حتى أذهب فآخذ مالى عند امرأتى، فإن علمت بإسلامى لم آخذ منه شيئًا، فأذن له رسول الله - ﷺ - وقال: لا بد لي يا رسول الله من أن أقول. فأذن له رسول الله - ﷺ - أن يقول ما شاء.
قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بهم رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول الله - ﷺ - قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفًا وَمَنعَة ورجالًا وسلاحًا، فهم يتحسّسون الأخبار مع ما كان بينهم من الرهان، فلما رأونى قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر!، يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع (٢) قد سار إلى خيبر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت: بلغني أنه قد سار إليها، وعندى من الخبر ما يسرُّكم. فالتبطوا (٣) بجانبي راحلتى يقولون: يا حجاج أخبرنا، فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر. كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، وجمعوا له عشرة آلاف، فهُزِمَ هزيمة لم يسمع قط بمثلها، وأُسِرَ محمد أسرًا. فقالوا: لن نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم! ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا، قال: فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما ينتظر أن يقدم به عليكم وقلت: أعينونى على جمع مالى على غرمائى، فأنا أريد أن أقدم فأصيب من محمد (٤) وأصحابه قبل أن تسبقنى التجار إلى هناك. فقاموا فجمعوا إليّ مالى كأحسن جمع سمعت به، وجئت صاحبتى (زوجته) وكان لي عندها مال فقلت لها: مالى، لعلى ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقنى التجار إلى من انكسر هناك من المسلمين.
_________________
(١) بنو سليم الذين بن منهم الحجاج بن علاط، تقع منازلهم في المنطقة التي فيها وادي فاطمة، وهذا يعني أن معدن الذهب المشار إليه هو في هذه المنطقة من الحجاز.
(٢) يعنون قاطع الأرحام أي النبي - ﷺ -.
(٣) التبط القوم به. قال في القاموس المحيط: أي طافوا به ولزموه.
(٤) في سيرة ابن هشام: من فل محمد، والفل (بفتح أوله) القوم المنهزمون.
[ ٦ / ٢١٠ ]
وسمع ذلك العبّاس بن عبد المطلب، فقام، فانخذل ظهره فلم يستطع القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذَى، وعلم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره يفتح وهو مستلق، فدعا بابنه قثم وكان يشبه النبي - ﷺ -، فجعله يرتجز ويرفع صوته ألّا يشمت به الأعداء، وحضر باب العبَّاس بين مَغِيظ محزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة، مقهورين لظهور الكفر والبغى، فلمَّا رأى المسلمون العباس طيّبة نفسه طابت أنفسهم واشتدت منّتهم (١) ودعا غلامًا يقال له أبو زبينة، فقال له: إذهب إلى الحجاج فقل: يقول العباس: "الله أعلى وأجل من أن يكون الذي تخبر خقًا) فجاءه فقال الحجاج: قل لأبي الفضل: أجلَّنى في بعض بيوتك حتى آتيك ظهرًا ببعض ما تحب فاكتم عنى. فأقبل أبو زبينة يبشر العباس "أبشر بالذي يسرّك" فكأنه لم يمسه شيء، ودخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العبَّاس وأعتقه وأخبره بالذي قال، فقال العباس: لله عليَّ عتق عشر رقاب! فلمَّا كان ظهرًا جاءه الحجاج فناشده الله: لتكتمَنَّ عليَّ ثلاثة أيام. فواثقه العبَّاس على ذلك قال: فإني قد أسلمت ولى مال عند امرأتى ودين على الناس، ولو علموا بإسلامى لم يدفعوا إليَّ، تركت رسول الله - ﷺ - قد فتح خيبر، وجرت سهام الله ورسوله فيها وانتثل ما فيها (٢)، وتركته عروسًا بابنة حييّ بن أخطب وقتل ابن أبي الحُقيق.
قال: فلمَّا أمسى الحجاج من يومه خرج، وطال على العبَّاس تلك الليالى، وجعل العبَّاس يقول: يا حجاج، انظر ما تقول فإني عارف بخيبر هي ريف الحجاز أجمع وأهل المَنعَة والعُدَّة في الرجال. أحقّ ما تقول؟ قال: أي والله، فاكتم عنى يومًا وليلة.
قال الواقدي: حتى إذا مضى الأجل والناس يموجون في شأن ما تبايعوا (أي تراهنوا) عليه، عمد العبَّاس إلى حلَّة فلبسها وتخلَّق الخلوق (أي تطيَّب) وأخذ في يده قضيبًا ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجاج بن عِلاط، فقرعه فقالت زوجته: لا تدخل، أبا الفضل! قال: فأين
_________________
(١) المنة بضم الميم: القوة.
(٢) انتثل الشيء: استخرجه وأخذه.
[ ٦ / ٢١١ ]
الحجاج؟ قالت: انطلق إلى غنائم محمد ليشترى منها التي أصابت اليهود منه قبل أن تسبقه التجار إليها.
فقال لها العباس: فإن الرجل ليس لك بزوج إلا أن تتبعى دينه، إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله - ﷺ - وإنما ذهب بماله هاربًا منك ومن أطك أن يأخذوه. قالت: أحقًا يا أبا الفضل؟ قال: أي والله! قالت: والثواقب إنك لصادق، ثم قامت تخبر أهلها.
وانصرف العباس إلى المسجد، وقريش يتحدّثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إلى العباس وإلى حاله تغامزوا، وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ .
قال العباس: كلا والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسًا على ابنة ملكهم حييّ بن أخطب، وضرب أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبَّرك بهذا؟ قال العباس: الصادق في نفسي، الثقة في صدرى، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا، فوجدوا الحجاج قد انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقًّا، فكُبِتَ المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر بذلك (١).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٠٢ وما بعدها.
[ ٦ / ٢١٢ ]
نظرة وتحليل
مقارنة بين الجيشين المسلم واليهودى:
إذا كانت معركة الأحزاب من وجهة النظر المصيرية هي أهم وأخطر معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى .. لأن الغزو كان يستهدف الكيان الإِسلامي واقتلاعه من الجذور .. فاعتبر نجاح المسلمين في صد عدوان الأحزاب (بالنسبة لحماية الكيان من الانهيار) أعظم نصر يحققه المسلمون. لأن به رسخ الكيان الإِسلامي وضرب بجذوره بعيدًا في أعماق الوجود. بعد أن كان يهتز في مهب العاصفة مائلًا نحو العدم إذا كان انتصار المسلمين في معركة الأحزاب هكذا كانت منزلته فإن انتصارهم على اليهود في معركة خيبر، هو (في حساب المقاييس الحربية) أعظم من أيّ انتصار حققه المسلمون في العهد النبوى.
فالمسلمون في معركة الأحزاب إذا كانوا قد انتصروا بعد العدوان. فإنهم فعلوا ذلك وهم يمتازون على ما كانوا عليه في معركة خيبر بما يلي:
١ - كانوا يحتمون وراء خندق طويل واسع عميق. ومثل هذا الخندق الذي حُفِرَ في أهمّ الواقع الصالحة لعبور جيوش الأحزاب، يعتبر (بين خطط الدفاع الحربية) أكبر عامل من عوامل الصمود، وأخطر عائق يواجهه العدو ذو القوات الكثيفة الغامرة الذي وضع خطته على أساس
[ ٦ / ٢١٣ ]
القيام بحرب خاطفة تقوم بها أكثرية ساحقة ضد قلة قليلة كما هي خطة قادة عدوان الأحزاب الثلاثى الفاشل .. فقد اعترف قادة جيوش الأحزاب أن أكبر سبب مادى أحبط خططهم لاحتلال المدينة هو الخندق الذي فوجئوا به حتى قالوا -هم يقفون على مشارفه مدهوشين-: "مكيدة والله ما كان العرب يعرفونها".
٢ - كانت قوات الأحزاب هي المهاجمة .. وكان المسلمون هم المدافعين .. وعادةً يكون المهاجم أكثر كُلْفة .. أما المدافع المتحصن فتكون كُلْفته أقل بكثير من كلفة المهاجم. حتى وإن كانت قواته أقل من قوات المهاجم .. هذا شيء معروف في حساب الموازين الحربية في كل عصر وزمان.
٣ - ومع كون الأحزاب هم المهاجمين فقد كانت نسبة قوات أعدائهم المسلمين المدافعين إلى قواتهم واحدًا لعشرة. بينما كانت نسبتهم إلى اليهود في خيبر واحدًا لخمسة عشر.
٤ - كانت قوات الأحزاب الغازية لفيفًا من الأعراب أكثر هم مرتزقة، ليسوا في مقام الدفاع عن النفس والأهل والولد. كما أنه ليس لهم باعث عقائدى حتى يستبسلوا في القتال. وإنما جاؤوا وشاركوا في هذا الغزو ليحصلوا على المغنم دون أن يتعرَّضوا لأى مغنم يذكر. لذلك رأوا أن ما سيحصلون عليه من غنائم - فيما لو اقتحموا الخندق عنوةً واحتلوا المدينة - لن يساوى شيئًا بالنسبة لما سيفقدون من القتلى بسيوف المسلمين على مشارف الخندق قبل أن يقتحموه. تقاعسوا عن الهجوم على المدينة واكتفوا من الغنيمة بالإِياب.
٥ - أمَّا المسلمون الذين يربضون وراء الخندق. فقد كانوا في قتالهم ينطلقون من مفهوم عقائدى، وهو ما يسمَّى بلغة هذا العصر (بالأيديولوجية) .. فقد كانوا يدافعون (بالإضافة إلى الدفاع عن الحرمات والأعراض والأموال والأرواح) عن كيان وليد .. قيامه وبقاؤه، أعزّ عليهم (في قرارة أنفسهم) من أرواحهم وأبنائهم وأموالهم وهو كيان الإِسلام .. ولذلك (مع احتمائهم بالخندق الحصين) قاتلوا الغزاة بشراسة
[ ٦ / ٢١٤ ]
وضراوة أبطلت عامل التفوّق العددى الذي كانت قوات الأحزاب تمتاز به.
أمَّا الحالة في معركة خيبر فقد كانت عكسًا، حيث لم يكن هناك (من وجهة النظر العسكرية المجرّدة) أي عامل مادى يتفوق به المسلمون على اليهود. بل كان يبدو واضحًا أن اليهود في خيبر كانوا في وضع حربى ممتاز، يمكن القول معه - وحسب المقاييس العسكرية المادية المجرّدة - أن لديهم كل العوامل والأسباب التي يحتاجونها للانتصار على المسلمين. وأهم هذه العوامل والأسباب هي:
١ - التفوّق العددى .. فقد كان عدد قوات اليهود عشرة آلاف مقاتل، يساندهم حوالي خمسة آلاف من حلفائهم غطفان ظلوا لهم كالاحتياطى ضد المسلمين حتى انتهت معركة خيبر، بل وحاولوا ضرب المسلمين من الخلف لحساب حلفائهم اليهود.
٢ - إزاء هذا العدد الهائل، كانت قوات المسلمين لا تزيد على ألف وأربعمائة مقاتل .. وهذا يعني أن نسبة المسلمين لليهود وحلفائهم في هذه المعركة، أحد لخمسة عشر. وهو تفوّق عددى هائل لا يشك عسكرى خبير- يتوقع نتائج المعارك حسب المقاييس المعتادة - في أن الانتصار الحاسم سيكون لليهود على المسلمين.
٣ - التفوّق الساحق في العتاد والسلاح .. فقد كان اليهود مع كثرتهم العددية الغامرة يتفوقون على المسلمين في ذلك تفوّقًا ساحقًا. حيث كان اليهود على غاية من جودة التسليح واستكمال عدة الحرب الدفاعية والهجومية .. وذلك لما تحت أيديهم من ثروات هائلة تمكنّهم من الحصول على أي نوج من أنواع السلاح والعتاد.
٤ - الاستراتيجية المتازة التي كان يتمتع بها المحارب اليهودى في خيبر .. فقد كان اليهود - مع تفوّقهم العددى الساحق - ووفرة العتاد لديهم وجودة التسليح بينهم - متحصنين داخل حصون وقلاع كبيرة منيعة، بنيت على قمم جبال وتلال حسب تحطيط حربى مدروس، بحيث يكاد يكون من المستحيل الإِقدام على مهاجمتها فضلًا عن اقتحامها وافتتاحها لأن هذه
[ ٦ / ٢١٥ ]
القلاع والحصون تقع في مرتفعات عالية وبها أبراج يكشف المرابطون فيها كلّ ما حواليها ويتمكنون بسهولة من أن يصبّوا سهامهم القاتلة على كل من يقترب منها.
٥ - وفرة المواد الغذائية .. فقد خزن اليهود في قلاعهم وحصونهم (استعدادًا للقتال) كميات هائلة من المواد الغذائية المختلفة، تكفى تموينهم عدة سنوات، كما دلّ على ذلك إحصاء الغنائم التي غنمها المسلمون عند استيلائهم على هذه الحصون والقلاع. أما الماء فقد كان متوفرًا في جميع الحصون والقلاع بصفة دائمة، الأمر الذي يمكنهم من الاستمرار في القتال سنوات عديدة.
٦ - الشجاعة .. كان يهود خيبر (وهذا يعترف لهم به التاريخ) أشجع يهود الجزيرة العربية على الإِطلاق .. فلم تكن الشجاعة تنقصهم وهم يحاربون المسلمين .. أثبت ذلك سير المعارك الضارية التى خاضوها وهم يدافعون عن حصونهم وقلاعهم حيث يمكن القول: أنهم لم يتخلّوا للمسلمين عن حصن أو قلعة إلا بعد أن دافعوا دفاعًا شرسًا عن كل شبر نها .. وخاصة قلاع وحصون الشطر الأول من مدينة خيبر .. ولا أدلَّ على هذه الحقيقة من أن جميع قادتهم - مثل مرحب وياسر وأسير والحارث وعامر - قتلوا وبأيديهم السيوف في ساحة الوغى.
٧ - الدفاع عن الدين .. كان لليهود دين عريق في القدم .. وهو وإن كان دينًا مدخولًا أصابه الشيء الكثير من التحريف والتبديل .. إلا أنهم ظلّوا متمسكين به ومتعصبّين له إلى درجة أنهم يفضّلون التضحية بكل شيء على التخلى عنه ومفارقته .. وتعصب اليهود الشديد لدينهم، يؤكده واقعهم المشهود في كل عمر وزمان .. وزاد اليهود تعصبًا لدينهم أنه دين عنصرى يعتبر بني إسرائيل وحدهم شعب الله المختار. وهو أمر يجعلهم لا يحتملون وجود أي دين إلى جانب دينهم.
فيهود خيبر إذن لهم عقيدة يتعصبون لها أشد التعصب .. وانطلاق المحارب من مفهوم عميدة راسخة (حتى وإن كانت غير صحيحة) يجعله شديد العناد والضراوة في قتاله، وخاصة إذا توهّم أن خطرًا يهدد دينه
[ ٦ / ٢١٦ ]
وعقيدته .. وهذا هو الذي فعله محاربو اليهود في خيبر.
٨ - عامل الحفاظ على المال والزوجة والولد والجاه والسلطان .. فقد كان يهود خيبر يقاتلون وبينهم نساؤهم وأطفالهم وهم أعز ما يحافظ عليه الإِنسان .. كذلك كان اليهود ذوي ثروات طائلة وأموال عظيمة منقولة وغير منقولة .. كما أنهم ذوي عزة وسلطان مطلقين في منطقة خيبر لا ينازعهم فيها منازع .. وكل هذه الأمور العزيزة لديهم يعلمون حق العلم أنهم (بموجب شرعة الحرب العمول بها عالميًا في ذلك العصر) سيفقدونها إذا ما تغلَّب عليهم المسلمون واحتلوا مدينتهم .. لهذا كان من البدهى أن يكون قتال اليهود (تحت تأثير عوامل الحفاظ على كل هذه الأمور) قتالًا عنيدًا شرسًا لا هوادة فيه ولا تساهل .. وهو أمر يجعل وجعل (بالفعل) مهمة المسلمين المهاجمين شاقة إلى أبعد الحدود حيث واجه الجيش الإِسلامي من يهود خيبر نوعًا من القتال لم يشهد مثله في الضراوة والشراسة في أية معركة خاضها مع الأعداء في العهد النبوى، اللهم إلا معركة حنين.
٩ - كان الجيش الإِسلامي هو المهاجم .. وكان الجيش اليهودى هو الدافع. ومن المعلوم (عسكريًا) أن مهمة المهاجم هي أشق من مهمة الدافع. كما يتوجب - بدهيًا - على من يريد القيام بهجوم في حرب شاملة أن تكون قواته أكثر عددًا من قوات عدوه. وإذا علمنا أن اليهود يتحصنون خلف أسوار وأبراج وحصون وقلاع منيعة وأن عددهم عشرة آلاف مقاتل وأن عدد المسلمين المهاجمين لا يزيد على ألف وأربعمائة مقاتل أدركنا مدى الصعوبة العظيمة التي واجهها الجيش الإِسلامي وهو يهاجم اليهود في حصونهم وقلاعهم.
وأمام كل هذا التفوق الشامل لدى اليهود في العدد والعتاد والسلاح والاستراتيجية والتمتع بالمواقع الدفاعية الحصينة الممتازة. وتوفر كل العوامل المادية التي يحتاجونها لتحقيق النصر على المسلمين. كان المسلمون ينقصهم كل شيء مادى.
[ ٦ / ٢١٧ ]
فقد كان الجيش الإِسلامي - بالإِضافة إلى قلة عدده - ليس لديه أية أسلحة وقائية كبيرة كالدروع الضخمة، وهي صفائح كبيرة من الحديد تبلغ عدة أمتار وتسمى في ذلك العصر بـ (الدبابات) لأن الجنود يحتمون بها ويدبون خلفها وهم يهاجمون القلاع والحصون.
بل إن أغلبية الجيش النبوى ليس لديهم الدروع العادية التي يلبسها المحارب العادى ساعة القتال حيث كان أكثرهم حاسرًا. وكانوا مع ذلك يقومون بالهجوم وهم مكشوفون أمام حصون اليهود وقلاعهما.
كذلك ليس لدى الجيش النبوى الصغير أي شيء من الأسلحة التدميرية الثقيلة التي لا بد من توفّرها لدى من يريد مهاجمة مثل حصون اليهود في خيبر .. كالمنجنيقات القاذفات بالنار والراجمات بما يخرّب الحصون. وهي أسلحة معروفة في ذلك العصر وخاصة لدى الرومان والفرس. وكان لدى اليهود أنفسهم كميات منها استولى عليها الجيش الإِسلامي، ثم استخدموها لضرب بعض الحصون التي كانت آخر ما فتح في خيبر.
وهكذا فقد كان كل شيء (حسب المقاييس المادية والتقديرات العسكرية المجرّدة) يشير إلى أن يهود خيبر سيتمكنون - بكل سهولة - من دحر المسلمين والتغلب عليهم، عندما يقومون بالهجوم.
لأن كل الأسباب والوسائل المادية وغير المادية التي يحتاجها المحارب أحصسب النصر كانت متوفرة (تمامًا) لدى هؤلاء اليهود.
ولكن الذي حدث هو العكس وهو انتصار المسلمين القلة القليلة التي ينقصها كل شيء مادى علي الكثرة اليهودية الغامرة التي توفرت لديها كل الإِمكانات المادية لكسب النصر.
فكان ذلك مفاجأة مذهلة أبطلت المقاييس العسكرية التقليدية. وأثبتت (عمليًّا) أن القوة الحربية (مهما عظمت) ليست وحدها كافية لسب الصر في المعارك.
كما أثبتت انتصار المسلمين على اليهود في خيبر أن النقص في السلاح والعتاد، والقلة في عدد الرجال لا يكونان - دائما وفي كل الأحوال -
[ ٦ / ٢١٨ ]
سببًا في الانهزام أو عدم تحقيق النصر المطلوب.
لعلنا هنا (وعلى ضوء هذه الحقائق) لسنا بحاجة إلى القول: أن العقيدة المستقيمة الحقة الراسخة التي كان المحارب المسلم يلتزم بها ويقاتل (بصدق ووفاء) تحت لوائها هي التي قلبت موازين القوى في معركة خيبر وكانت العامل الحاسم الأول في انتصار تلك القلة المسلمة القليلة على تلك الكثرة اليهودية الغامرة التي (مع كثرتها) العددى تتفوق تفوقًا ساحقًا في كل شيء مادى يحتاجه المحارب.
دروس في معركة خيبر:
إن في طيات تفاصيل (معركة خيبر الحاسمة) من نماذج البطولة والتضحية وزخم العقيدة وصدق الجهاد وقوة الإِيمان ما يجب أن يتفهمه ويعيه ويجعله شعاعًا يستضئ به على دروب الجهاد وصون الكرامات واستعادة الحقوق المسلوبة كل الذين تضع الأقدار في أيديهم مسؤولية حماية الأمة وغسل العار الذي لحق بها ولطخ جبينها ودنّس مقدساتها وأذل كرامتها بأيدى اليهود اليوم.
لقد التحم في معارك خيبر ألف وأربعمائة من أصحاب محمد - ﷺ - بعشرة آلاف يهودى كانوا يتحصنون في قلاع منيعة وحصون عالية، وتساندهم (كقوات احتياطية) حوالي خمسة آلاف مقاتل من أعراب نجد ذوي القوة والشجاعة والبأس، واستمرت المعارك كأعنف ما يكون طوال شهرين كاملين.
كان اليهود -كما قلنا - يتفوّقون على المسلمين في كل شيء مادى، القوة البشرية .. السلاح .. التموينات .. الاستراتيجية، والتكنولوجيا أيضًا، إذا صح هذا التعبير.
وكان المسلمون (مع هذا التفوّق اليهودى الساحق) مكشوفين أمام حصون اليهود ومستعمراتهم المحصنة أحسن تحصين.
ومع ذلك فقد كان النصر في النهاية للمسلمين على اليهود الذين قاتلوا المسلمين داخل قلاعهم وخارجها قتالًا شرسًا ضاريًا لم يعهد المسلمون مثله
[ ٦ / ٢١٩ ]
عَبْر صراعاتهم المسلحة مع الفئات اليهودية وغير اليهودية في جزيرة العرب في العهد النبوى.
وهذا دليل عملي قائم يؤكد أن التفوق الساحق في العدد ووفرة السلاح وجودة التسليح والعلوم الحربية (التكنولوجيا) ليس وحده الذي يضمن النصر في المعارك، وإنما الذي يضمن ذلك ويحققه هو (في الدرجة الأولى) رسوخ العقيدة الصادقة في نفس المحارب والسير في دروب الكفاح على هدى نورها والتسلح بها قبل حشد الرجال وتكديس السلاح الذي لا قيمة حربية له إذا لم تحمله يد يحرّكها قلب ملئ بالإِيمان بالله تعالى. هذا بالنسبة لنا نحن المنتسبين إلى الإِسلام: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾. "ومن طلب العزة بغير الإِسلام أذله الله" (١).
فانتصار ألف وأربعمائة من المسلمين على عشرة آلاف مقاتل من اليهود في خيبر إنما عامله الأول رسوخ عقيدة الإِسلام في نفس المحارب المسلم إلى درجة كان من أثر رسوخها وزخمها أن يرفض بعض الجند في الجيش النبوى المحارب حظه في الغنيمة (بعد النصر) ليكون جهاده جهادًا مثاليًا خالصًا لوجه الله تعالى كما فصلناه في هذا الكتاب.
فلولا عامل العقيدة السليمة لا تمكن المسلمون من التغلب على اليهود لأن كل مقوّمات النصر (من وجهة النظر العسكرية المجرّدة) متوفرة لدى اليهود حيث كان هؤلاء اليهود يتفوّقون على المسلمين في كل شيء تفوقًا ساحقًا.
خرافة التفوق التكنولوجى:
إن انتصار المسلمين على اليهود في خيبر هو دليل حي على بطلان خرافة معزوفة القول: إن سبب انتصار اليهود علينا في حرب الأيام الستة في حزيران سنة ١٩٦٧ م هو تفوّق اليهود في التكنولوجيا، خرافة وأية خرافة هذا القول.
لقد كان المحاربون اليهود في معارك خيبر يتفوقون على أجدادنا المسلمين
_________________
(١) من أقوال الخليفة الفاروق المأثورة.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
في كل شيء مادى يحتاجه المحارب لكسب النصر، بما في ذلك ما يسمونه اليوم بـ (التكنولوجيا) حيث كان لدى يهود خيبر من الوسائل الحربية الفنية للدفاع والهجوم ما ليس لدى المسلمين منه شيء، ومع ذلك فقد هزم أولئك اليهود هزيمة ساحقة. بينما انتصر البهود علينا في حرب حزيران، وأنزلوا بنا تلك الهزيمة المخزية مع تفوقنا الساحق عليهم، في العدد ووفرة السلاح، وكل شيء مادى يحتاجه المحارب لكسب النصر.
وعليه؛ فإنه لا يمكن لعاقل منصف قبول دعوى التفوق التكنولوجى لدى اليهود، تفسير مبرر لهزيمتنا الفاضحة، وإنما التفسير الصحيح لأسباب هذه الهزيمة هو أن الإِسلام (كدين ودولة وخلق ومعاملة ومهذِّب وحافز شريف كان غائبًا كليًّا عن المعركة حيث حرصت جهات مخصوصة على إخماد صوته ومحو أيّ أثر له في نفوس المحاربين منذ الحشد لهذه المعركة - طوال عشرين عامًا - وحتى نهايتها الفاضحة الخزية. في حين أُفسِحَ المجال لشعارات مذاهب ومبادئ دخيلة مستوردة هي والإِسلام على طرفى نقيض لتحل محل الإِسلام في التوجيه المعنوى والإِعداد التربوى بين المحاربين طوال كل هذه المدة، الأمر الذي صنع الهزيمة لنا على النحو الفاضح الذي لم يشهد مثله تاريخ الأمة العربية والإِسلامية في جميع العصور.
ولا شك أن ما أصابنا إنما هو بمثابة انتقام من الله وتذكير لكى نعود إلى جادة الإسلام الذي بمعاداته ومحاربة تعاليمه والاستهزاء بها لا يمكن أن يتم لنا النصر على اليهود حتى ولو خضنا معهم ألف معركة.
ولعل أقبح ما سمعنا في دنيا الدجل والمغالطة والافتراء ما يردده عملاء الشيوعية في بلاد العرب من أن هزيمة الخامس من حزيران إنما يتمثل في تمسك العرب ببقايا الأيديولوجية الغيبية (الدين)، وأن العرب إذا، ما أرادو تحقيق نصر حاسم على إسرائيل فإن عليهم (أولًا) أن يقطعوا كل صلة تصلهم بالماضى بما في ذلك الدين، ليبنوا حاضرهم على الواقع التقدمي المستمد من تعاليم ماركس ولينين (١) لأن اتباع هذه التعاليم (بزعمهم) هو
_________________
(١) انظر كتاب (من النكسة إلى الثورة) للدكتور نديم البيطار، وكتاب نقد الفكر الدينى لمؤلفه جلال العظم.
[ ٦ / ٢٢١ ]
الكفيل بتحقيق النصر الساحق على اليهود.
ولست أدرى كيف يتم للعرب النصر على اليهود باتباع تعاليم هي من صنع اليهود أنفسهم، ابتدعوها وعملوا بدهاء وخبث على نشرها لتخريب المجتمعات، بينما صانوا أنفسهم عن مزالق اتباعها .. وهل الماركسية التي وفدت على بلاد العرب في أقنعة مختلفة إلا مِن اختراع الصهيونية؟؟ أليس كارل ماركس يهودى لحمًا ودمًا وأما وأبًا وصهيوني فكرًا ومعتقدًا؟ . فكيف إذن يريد منا هؤلاء المفكرون العملاء أن نسير على هدى تعاليم يهودية لنتصر على اليهود. إن هؤلاء الشيوعيين العرب، لو أنصفوا لرأوا أن العكس هو الصحيح، وهو أنه ليس من سبب لهزيمة الخامس من حزيران سوى الحجر على الإِسلام وقطع الصلة بينه وبين جيل العشرين سنة لتحل محله في مختلف القيادات الفكرية والتربوية وفي جميع قطاعات الجماهير من سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية نفس التعاليم الماركسية التي أغرقت روافدها (تحت مختلف الشعارات) أكثر أقطار العالم العربي، إلى درجة أنه عندما نشبت حرب الأيام الستة لم يكن أي وجود للأيديولوجية الغيبية (العقيدة الإِسلامية كما هي) في أي قطاع من قطاعات الدولة العسكرية أو السياسية أو التربوية، في أكثر البلاد العربية. وإنما الوجود والسلطان والنفوذ والسيادة والقيادة في جميع هذه القطاعات للأيديولوجية الماركسية أو مشتقاتها.
ومن هنا يتضح أن السبب في هزيمة الخامس من حزيران ليس التمسك بالعقيدة الإِسلامية (كما يزعم سماسرة الشيوعية في بلادنا) هذا التمسك الذي لا وجود له بين مختلف القطاعات في الأقطار المعنية إياها، وإنما السبب هو الاعتصام بالأيديولوجية الماركسية على حساب نبذ العقيدة الإِسلامية، هذا الاعتصام الذي بلغ من الشدة إلى درجة اعتُبرَ معها الجهر بالأيديولوجية الإِسلامية والدعوة إلى العمل بموجبها (في بعض الأقطار) جريمة تستحق عقوبة الموت، وقد لاقى رجال حتفهم على أعواد المشانق في البلاد العربية لاتهامهم بأنهم ممن يدعون إلى العمل في بلادهم المسلمة بالأيديولوجية الإِسلامية.
فما بعد هذا يحق لهؤلاء المفكرين من السماسرة اليساريين (عملاء
[ ٦ / ٢٢٢ ]
الشيوعية في بلاد العرب) القول أن سبب هزيمة الخامس من حزيران هو التمسك بالأيديولوجية الإِسلامية؟ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.
لقد تركت الجماهير العربية (أكثرها عن طواعية واختيار وقليل منها عن كراهية) قيادها لخصوم الأيديولوجية الإِسلامية المبشرين بالأيديولوجية الماركسية طوال عشرين عامًا، فماذا كانت النتيجة؟؟ كانت النتيجة قيام خصوم العقيدة الإِسلامية هؤلاء بصبع أشنع هزيمة عرفها العرب في تاريخهم ولم يحدث ذلك في ظل التمسك بالأيديولوجية الغيبية (عقيدة الإِسلام).
حتى يحمل الفكرون من عملاء الشيوعية، هذه العقيدة مسؤولية هزيمتهم هذه. وإنما حدث في ظل الاعتصام بالعقيدة الماركسية نفسهما.
فلا أظن عاقلًا يستطيع القول: إن القيادات المسؤولة عن هزيمة الخامس من حزيران كانت تنطلق (في حربها وسلمها وسلوكها الخاص والعام وأساليبا التربوية والتوجيهية بين محكوميها) من مفهوم العقيدة الإسلامية.
وإنما كانت - ولا زالت - تنطلق في كل ذلك من مفهوم عقيدة ماركس ولينين .. فصحَّ يقينًا أن الهزيمة إنما نزلت بهم في غياب الإِسلام عن المعركة غيابًا كليًّا .. وفي حضور العقيدة اليسارية المنبثقة من الفلسفة الماركسية التي كانت ولا زالت هي الرائد والموجِّه لهذه القيادات في السلم والحرب والسياسة والاقتصاد والتربية والتوجيه.
فلا معنى (إذن) لدعوة المفكرين اليساريين إلى أن ينسلخ الذين صنعوا هزيمة الخامس من حزيران عن الأيديولوجية الإِسلامية. إذ أن انسلاخهم عن هذه الأيديولوجية كان تامًّا قبل أن يخوضوا حرب الخامس من حزيران.
ولا معنى كذلك للقول أيضًا بأن الانسلاخ عن العقيدة الإِسلامية واستبدالها بالعقيدة الماركسية سيضمن النصر المؤزر للعرب على اليهود في المعركة القادمة .. إذ لو كان ذلك صحيحًا لتم النصر على اليهود في حرب حزيران لليساريين العرب الذين تمثل جيوشهم أقوى قوة ضاربة في الشرق
[ ٦ / ٢٢٣ ]
الأوسط لأنه لم يكن لهؤلاء اليساريين (ومنذ عشرين عامًا) أي ارتباط بالعقيدة الإسلامية في أي مجال عن مجالات الحياة والسلوك الخاص والعام. وإنما ارتباطهم طيلة هذه المدة وحتى اليوم (فكرًا وعقيدة وسلوكًا) كان بالعقيدة الماركسية فحسب.
ولو أنصف هؤلاء المفكرون؛ لدعوا إلى نبذ الماركسية وردم روافد الشعارات المنبثقة منها، في العالم العربي. لأن التجربة العملية أثبتت (على محك معركة حزيران) إفلاس هذه الشعارات حيث كان الالتزام بها (لا بالإِسلام) السبب الأول في تمزيق الأمة العربية وتفجير براكين الحقد والبغضاء بين مختلف طبقاتها. وبالتالى كان السبب المباشر في ضياع شرف وهيبة وكرامة الأمة العربية والإِسلامية على يد اليهود يوم أنزلوا بنا تلك الهزيمة الفاضحة التي ما كانت لتنزل بنا (والله) لو أن العرب تمسكوا بالإِسلام تمسكًا حقيقيًّا، وجعلوا عقيدته السامية - لا العقيدة الماركسية الفاسدة - منطلقها إلى المعركة.
اللهم ألهم قادتنا الرشد والسداد من كانوا وأينما كانوا ليعودوا إلى المنبع الصافى؛ منبع الإِسلام فينهلوا وشعوبهم منه كما نهل محمد - ﷺ - وأصحابه فتم لهم العزة والنصر على أعدائهم في كل موطن رغم قلتهم وكثرة أعدائهم.
[ ٦ / ٢٢٤ ]
أهم مراجع هذا الكتاب
اسم الكتاب اسم المؤلف
تفسير ابن كثير ابن كثير
فتح القدير (تفسير) محمد بن علي الشوكانى
في ظلال القرآن (تفسير) سيد قطب
الكشاف الزمخشري
صحيح البخاري البخاري
صحيح مسلم مسلم
زاد المعاد ابن القيم
تاريخ العرب قبل الإِسلام الدكتور جواد علي
سيرة ابن هشام محمد بن إسحاق
الأغانى أبو الفرج الأصهانى
الصداقة والصديق أبو حيان التوحدي
صبح الأعشى أحمد بن علي النقشبندى
المغني في الفقه ابن قدامة
الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف علاء الدين المرداوى
كشاف القناع منصور بن يونس البهوتى
شبهات حول الإسلام محمد قطب
جمع الفوائد محمد بن محمد بن سليمان
زاد المسلم (تفسير) ابن الجوزي
سقوط الجولان خليل مصطفى
غاية المنتهى الشيخ مصطفى السيوط الرحيباني
[ ٦ / ٢٢٥ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الطبري (تاريخ) محمد بن جرير الطبري
القانون الدولى العام الدكتور سموحى فوق العادة
محمد نبي ورجل دولة الدكتور مونتجمرى وات
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه عباس محمود العقاد
ما يقال عن الإِسلام عباس محمود العقاد
فقه السنَّة السيد سابق
الرسول القائد اللواء الركن محمود شيت خطاب
الأدب المفرد البخاري
تفسير الإِمام محمد عبده السيد رشيد رضا
حياة محمد ورسالته مولانا محمد علي
السيرة الحلبية ابن برهان الدين
قصة السيرة محمد الغزالي
سمط النجوم العوالى عبد الملك بنحسين العصامي
البداية والنهاية إسماعيل بن كثير
الكامل في التاريخ محمد بن الأثير
جوامع السيرة علي بن حزم
آثار المدينة عبد القدوس الأنصاري
وفاء الوفاء علي بن أحمد السمهودي
دائرة معارف القرن الرابع عشر-
العشرين محمد فريد وجدي
لسان العرب ابن منظور الأفريقى المصري
نيل الأوطار محمد بن علي الشوكانى
اليهود في القرآن عفيف عبد الفتاح طبارة
الطبقات الكبرى ابن سعد
معجم البلدان ياقوت الحموى
مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق
معجم النساء عمر رضا كحالة
[ ٦ / ٢٢٦ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الأعلام خير الدين الزركلي
ديوان الحماسة أبو تمام الطائى
العرب قبل الإِسلام جورجي زيدان
الأبطال توماس كارليل
حضارة العرب جوستاف لوبون
التشريع الجنائى في الإِسلام الشهيد عبد القادر عودة
الإِصابة ابنحجر العسقلاني
الاستيعاب ابن عبد البر
أيام العرب في الإِسلام محمد أبو الفضل علي النجاوي
الروض الأنف السهيلي
نهاية الأرب القلقشندي
معجزة محمد رسول الله عبد العزيز الثعالبي
قصص الأنبياء عبد الوهاب النجار
تاريخ ابن خلدون عبد الرحمن بن خلدون
مروج الذهب المسعودي
معجم قبائل العرب عمر رضا كحالة
معجم البكرى البكري
تاريخ الإِسلام السياسي الدكتور حسن إبراهيم حسن
تاريخ الأمة العربية محمد أسعد طلس
عجائب الأقاليم السبعة محمد بن موسى الخوارزمي
حياة محمد (- ﷺ -) محمد حسين هيكل
بهجة المحافل يحيى بن أبي بكر العامري
إمتاع الأسماع المقريزي
تهذيب تاريخ ابن عساكر عبد القادر بن أحمد بن مصطفى الدمشقي
عصر النبي (- ﷺ -) محمد عزة دروزة
البدء والتاريخ أبو زيد أحمد بن سهل البلخي
مغازى الواقدي محمد بن عمر بن واقد
صورة الأرض ابن حوقل
[ ٦ / ٢٢٧ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الآثار الباقية من القرون الخالية محمد بن أحمد البيرونى
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم المقدسي المعروف بالبشارى
أنساب الأشراف أحمد بن يحيى البلاذرى
جمهرة أنساب العرب علي بن أحمد بن حزم
جمهرة رسائل العرب أحمد زكى صفوت
مجمع البيان في تفسير القرآن الفضل بن الحسن الطبرسى
جامع الأصول من أحاديث الرسول المبارك بن محمد بن الأثير الجزرى
مسند الإِمام زيد زيد بن علي بن الحسين
نصب الراية عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعى
النهاية في غريب الحديث المبارك بن محمد بن الأثير الجزرى
منهاج السنة النبوية أحمد بن تيمية
جزيرة العرب حافظ وهبه
صفة جزيرة العرب الهمدانى
نسب قريش المصعب بن عبد الله الزبيرى
المجتمعات الإِسلامية في القرن الأول شكرى فيصل
فتوح البلدان أبو الحسن البلاذرى
الحرية عند العرب إبراهيم حداد
تاريخ اليعقوبى أحمد بن أبي يعقوب
جزيرة العرب جان جاك بيربى
الوثائق السياسية في العهد النبوى والخلافة الراشدة الدكتور محمد حميد الله
لمحات من تاريخ العالم جواهر لال نهرو
المحبّر محمد بن حبيب بن أمية الهاشمي
قصة الحضارة ول. ديورانت
فجر الإسلام أحمد أمين
عيون الأخبار محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة
معالم تاريخ الإِنسانية هـ. ج. ولز
تاريخ الشعوب الإِسلامية كارل بروكلمان
شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام محمد بن أحمد بن علي الفاسى
[ ٦ / ٢٢٨ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تاريخ الأمم الإِسلامية المختصر في تاريخ البشر محمد الخضرى
نخبة الدهر في عجائب البر والبحرشمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري
عبقرية محمد عباس محمود العقاد
غزوة بدر الكبرى المؤلف
غزوة أحد المؤلف
غزوة الأحزاب المؤلف
غزوة بني قريظة المؤلف
تهذيب الصحاح محمود بن أحمد الزنجاني
مجمع الزوائد علي بن أبي بكر الهيتمى
الجامع الصغير الإمام السيوطي
صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار محمد بن عبد الله بن بليهد
صحيح الترمذي الإِمام الترمذي
سنن أبو داود الإِمام أبو داود
الفاروق القائد محمود شيت خطاب
تاج العروس من جوامع القاموس محمد مرتضى الزبيدي
[ ٦ / ٢٢٩ ]
محمّد أحمد باشميل
من معارك الإسلام الفاصِلة
- ٧ -