المكتبة السلفية
[ ٧ / ١ ]
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثالثة
١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م
عنيت بطبعه
دار المطبعة السلفية
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة تليفون: ٨٤٠٣٦٤
[ ٧ / ٢ ]
مقدمة
بسم الله الرحمن الحيم
كلمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وصل اللهم على خيرة خلقك نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
-١ -
وبعد أيها القارئ الكريم، فهذا هو الكتاب السابع من سلسلتنا التاريخية (معارك الإسلام الفاصلة)، إن هذا الكتاب يقدم لك (بصفة رئيسية) دراسة عن أول عمل عسكرى ضخم تقوم به القوات الإِسلامية في العهد النبوى، خارج الجزيرة العربية، وداخل أراضى الشام، التابعة يوم ذاك للإِمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطا). التي هي أعظم دولة في العالم آن ذاك.
-٢ -
ولصلة العرب بالشام صلة موغلة في القدم حيت يعتبر الكثير (ومنذ عهد عاد الثانية وعبر آلاف السنين) الرقعة الممتدة من بحر العرب على المحيط الهندي مرورًا بالقوس الممتد من رأس الخليج عند البصرة في الشرق ورأس
[ ٧ / ٥ ]
الخليج عند أيلة (أيلات) في الغرب حتى جبل اللكام في آسيا الصغرى (تركيا) في الشمال، والمسمى بالهلال الخصيب أرضًا عربية لا يتجزأ بعضها عن بعض) (١).
ولكون المصادر التاريخية أثبتت أن الشعب الرئيسى (دائمًا) من سكان الشام عبر القرون - حتى ظهور الإِسلام - هم من العرب، رغم تعاقب المتسلطين الأجانب عبر الأحقاب على الشام - فقد عقدنا فصلًا خاصًّا (وهو الفصل الأول من هذا الكتاب) تحدثنا فيه بإيجاز، عن تاريخ العرب في الشام قبل الإِسلام .. لا سيما وأن معركة (مؤتة التاريخية التي هي موضع دراستنا في هذا الكتاب، كان رأس الحربة فيها ضد الجيش الإِسلامي، هم العرب المتنصرة من قضاعة وغسان وغيرهم، بدليل أن مالك بن رافلة المتنصر الذي قتل في معركة (مؤتة بأيدى المسلمين كان يقود مائة ألف عربي كانوا إلى جانب الرومان ضد الإِسلام، كما أن سدوس بن عمرو، أخا شرحبيل بن عمرو الغساني - عامل الرومان على البلقاء - قد لقى مصرعه داخل الجزيرة العربية قرب وادي القرى وهو يقوم بأعمال الاستخبارات والاستطلاع لحساب وزارة الحرب الرومانية التي كان رجالها يحتشدون جنوب الشام لملاقات المسلمين.
-٣ -
أسباب غزوة مؤتة
كان الرسول - ﷺ - وحتى السنة الخامسة من الهجرة، منهمكًا في الانشغال في الداخل بأعداء رئيسيين ثلاثة، هم:
أ - قريش جنوب المدينة.
ب - غطفان ومن لف لفها من قبائل نجد الخطيرة شرقي المدينة.
ج - يهود خيبر شمالي شرقي المدينة.
غير أنه - ﷺ - عقب انتصاره السوقى التاريخي في معركة الصمود الحاسمة،
_________________
(١) انظر كتابنا "العرب في الشام قبل الإِسلام".
[ ٧ / ٦ ]
معركة الأحزاب (الخندق) على ذلك الثلاثى المتحالف، شعر، وشعر أيضًا أعداؤه أن الإِسلام أخذت جذوره تضرب بعيدًا في الأعماق داخل الجزيرة العربية، وكان الخوف والرعب منه قد أخذ ينوش قلوب أعدائه بمختلف فئاتهم.
فأمن جانب غطفان، أخطر أعدائه، وذلك بعد أن أنهكهم بالحملات العسكرية السريعة التي كان يجردها عليهم، وكانت خاتمة المطاف في خضد شوكتهم وإعطائهم درسًا عمليًّا بأن المسلمين أقوى مما يتصور أولئك الأعراب الأقوياء المحاربون الأشداء .. هي فشلهم في عملية الأحزاب العسكرية الشهيرة التي كانت غطفان فيها العمود الفقرى .. ستة آلاف منهم كانوا في قوة الأحزاب البالغ عددها عشرة آلاف حشدها اليهود بغية إنهاء الوجود الإسلامي في السنة الرابعة للهجرة.
-٤ -
ففي السنة الخامسة من الهجرة شعر المسلمون بأن قوتهم الذاتية (بعد اجتياز محنة الأحزاب الرهيبة) قادرة على الصمود والتصدى عسكريًا لأية قوة في الجزيرة، تريد النيل منهم، ومنعهم أيَّ حق يستحقون مباشرته.
وكانوا - منذ هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة - محرومين من زيارة البيت في مكة بسبب الحظر المتعسف الذي فرضته قريش - عندما كانت في مركز القوة - على المسلمين ومنعتهم بموجبه من دخول مكة حتى وإن كانوا معتمرين أو حجاجًا.
ففي هذه السنة تحرك من المدينة ألف وأربعمائة ن المسلمين تحت قيادة الرسول الأعظم - ﷺ - متجهين جنوبًا نحو مكة بقصد العمرة (زيارة البيت العتيق)، فصدهم المشركون عند حدود الحرم ومنعوهم من دخوله، فجرت بين الفريقين مراسلات ومفاوضات أدَّت في النهاية (بعدى مشادات كادت تؤدى إلى حرب شاملة) أدَّت إلى ذلك الصلح التاريخي المسمى (صلح الحديبية).
[ ٧ / ٧ ]
كان من أهم مكاسب المسلمين في هذا الصلح، اعتراف قريش بالمسلمين كأمة ذات كيان، وإنهاء حالة الحرب بين المسلمين وقريش لمدة عشر سنين، وتسليم مشركى مكة بحق المسلمين في زيارة البيت والقيام بنسك العمرة رغم بقاء مكة تحت سيطرة الوثنية.
-٥ -
من الناحية السياسية استفاد الرسول - ﷺ - من صلح الحديبية بأن أمن جانب قريش (فترة من الزمن) استطاع فيها أن ينجز أعمالًا جسامًا، كان القيام بها ذا أثر فعَّال في تثبيت كيان الإِسلام وتدعيم مركز المسلمين. أهم هذه الأعمال:
١ - التفرغ ليهود خيبر الذين كانوا مع المسلمين في حالة حرب .. أنهى الرسول - ﷺ - وجودهم في أوائل السنة السادسة للهجرة بعد معارك عنيفة استمرت حوالي شهرين (١).
٢ - الاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط لإِسماعهم صوت الإِسلام ودعوتهم إلى الدخول فيه وإلفات نظرهم إلى قيام أمة جديدة ذات خطر وكيان تسمى أمة الإِسلام (٢).
٣ - التفرغ للجار الخطر (الرومان) وإلقاء درس حربى عملى عليهم بأن اجتاز جند الإِسلام (ولأول مرة) حدود الشام، وقاتلوا الرومان على أرضهم حيث نشبت في الشام معركة (مؤتة) الحاسمة التي هي موضوع دراستنا الرئيسية في هذا الكتاب.
-٦ -
هكذا حدثت معركة مؤتة في فترة الصلح القائم بين المسلمين وبين
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه المعارك في كتابنا السادس من هذه السلسلة (غزوة خيبر).
(٢) انظر تفاصيل هذه الاتصالات في هذا الكتاب.
[ ٧ / ٨ ]
قريش، وذلك قبل أن ينقض القرشيون وحلفاؤهم هذا الصلح.
كانت الهدنة فرصة (كما قلنا) بالنسبة للمسلمين لا بد من الاستفادة منها، فقد قرر النبي الحكيم والقائد السياسي والعسكري المحنك - وقد تراءت في الأفق أطماع الإِمبراطورية الرومانية في المسلمين والسميطرة على جزيرة العرب وصار عملاؤهم العرب المتنصرة يقتلون أصحاب النبي - ﷺ - غدرًا وبالجملة - رأى أن يبعث بقوة حربية من خيرة أصحابه (هي أكبر قوة استطاع حشدها حتى ذلك الوقت منذ ظهور الإِسلام) رأى أن يبعث بهذه القوة - الحربية إلى مشارف الشام لتتوغل داخل ذلك البلد الذي يعتبر بعضًا من ممتلكات الدولة البيزنطية، ويطأها غازيًا، لإِعطاء الرومان وعملائهم المتنصرة من العرب درسًا حربيًّا قاسيًا يشطب من أذهانهم جميعًا ما رسخ فيها مما آلفوه عن المقاتل العربي قبل أن يدين بالإِسلام، والذي كان (بصورة رئيسية) إنما يقاتل كرًّا وفرًّا وفي حركات خاطفة بغية السلب والنهب فقط، ثم ينسحب سواء كسب أم خسر. إنه أسلوب بدائى في القتال لا يتناسب وأساليب اللجيونات والتفوق التكنولوجى الذي يمتاز بها الجيش الروماني.
-٧ -
كان الرومان وعملاؤهم العرب المتنصرة ينطلقون في معاملتهم المسلمين من هذه النظرة الخاطئة، وعلى أساس هذه النظرة الخاطئة، قتلوا (غدرًا أو غيلة) خمسة عشر من فضلاء الدعاة المسلمين من أصحاب النبي - ﷺ - في مكان يقال له ذات الطلح داخل الشام، قتلوهم، وهم في مهمة سلمية إنسانية، هدفها نشر الإِسلام بالحسنى وطريق الإِقناع، فكان ذلك من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى نشوب معركة (مؤتة) الفاصلة، والتي استشهد فيها قادة الجيش الإسلامي الثلاثة، وتعرض الجيش النبوى الصغير فيها لمحنة قاسية لم يخلصه منها إلا مهارة القائد الفذ المحنك خالد بن الوليد الذي يشترك ولأول مرة جنديًّا ثم قائدًا في جيش إسلامي.
[ ٧ / ٩ ]
-٨ -
فللأسباب التي ذكرنا، حشد الرسول - ﷺ - ثلاثة آلاف مقاتل من أصحابه من أهل البادية والحاضرة وعمن لهم (قبل أن يتحركوا من المدينة) قادة ثلاثة بالتناوب.
١ - زيد بن حارثة مولاه.
٢ - جعفر بن أبي طالب ابن عمه إذا قتل زيد.
٣ - إذا قتل جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري،
وقد اجتازت القوة النبوية حدود الشام عبر (معان) المدينة التاريخية الشهيرة حتى وصلت منطقة الكرك (لواء البلقاء اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية)، وهناك في مشارف قرية يقال لها (مؤتة) دارت المعركة التاريخية الفاصلة التي سميت واشتهرت فيما بعد في التاريخ بمعركة (مؤتة).
-٩ -
لقد كانت معركة (مؤتة) بحق معركة رهيبة طاحنة، ولا أدل على ذلك من أن القادة الثلاثة للجيش الإِسلامي قتلوا جميعهم الواحد تلو الآخر، كما قتل كذلك بشر كثير من المسلمين لم يحص عدده، وسقط أيضًا خلق أكثر من القوات الرومانية وحلفائها، كما صرع قائد المتنصرة العرب المرتزقة مالك بن رافلة، وسدوس بن عمرو، أخو حاكم المنطقة شرحبيل بن عمرو الغساني.
واستمرت المعركة (على ما ذكره ابن برهان الدين في السيرة الحلبية) ستة أيام، أبدى فيها المسلمون من ضروب الشجاعة والتضحية والثبات والفداء ما لا مزيد عليه.
-١٠ -
وللحقيقة والتاريخ فقد هزم المسلمون -بعد مصرع قادتهم الثلاثة-
[ ٧ / ١٠ ]
هزيمة منكرة لم يهزم مثلها قوم (قط).
غير أن خالد بن الوليد لما توّلى القيادة بعد الهزيمة، أعاد للجيش الإِسلامي تنظيمه، ثم جعله ينزل بالرومان هزيمة منكرة لم يهزموا مثلها. ثم أنقذ الجيش الإِسلامي الصغير، فانسحب به (في غمرة الاضطراب الذي ساد صفوف الجيش الروماني). . انسحب به على تعبئة تامة وانتظام كامل، فاستحق بذلك أعلى وسام يمنحه الرسول - ﷺ - مسلمًا من أصحابه (سيف الله).
لأن خالدًا بتوفيق الله، ثم بمهارته العسكرية، وشجاعته النادرة، وصلابة إرادته، تمكن من أن يسحب رؤوس ثلاثة آلاف مقاتل مسلم من تحت مطرقة الموت التي أخذ مائتا ألف مقاتل رومانى وحليف عربي يهوون بها على رؤوس أفراد ذلك الجيش الإِسلامي الصغير الذي أنهكته الحرب، وفقد قادته الثلاثة وسقط لواؤه على الأرض فتمزق شمل وحداته تمزقًا مريعًا.
- ١١ -
إن معركة مؤتة - على ما أصاب المسلمين فيها من كرب وبلاء. وعلى ما تعرضوا له فيها من أخطار، وأقدموا عليه من مجازفة بلغت في عرف هذا العصر حد الانتحار، تحمل أروع صور الصمود والتضحية والثبات، وفيها الدروس كل الدروس عن معاني العقيدة الحقيقية الصحيحة، ومعطياتها السخية، ودفقاتها الزاخرة بروافد الإِيمان التي تجعل من حاملها إعصارًا يزلزل الشوامخ، وجبلًا يهزأ بأعتى. الأعاصير.
فالتمسك بالعقيدة - عقيدة الإِسلام - وعلى ذلك المستوى الذي بلغه أبطال مؤتة، هو الذي به يستطيع المسلمون (عربًا كانوا أم غير عرب) استعادة الحقوق المسلوبة، والحفاظ على الكرامات المعرضة للهدر والضياع.
فكم هو جدير بأصحاب الأيديولوجيات المستوردة إلى الشرق لجعلها منطلقًا لاسترجاع ثالث الحرمين وما ضاع من حقوق المسلمين في فلسطين
[ ٧ / ١١ ]
وغير فلسطين، كم هو جدير بهم أن يدرسوا الأيديولوجية التي من فوق أرضها الصلبة ثبت ثلاثة آلاف مقاتل سبعة أيام يصارعون جيشًا قوامه مائتا ألف مقاتل، فأبدوا من ضروب الشجاعة والبذل والتضحية والفداء، ما يجعل الذي يتغنى به الماركسيون من بطولات عصابات تشى غيفارا وهوشى منّه وماوتسى تونج صفرًا من اليسار في حساب البطولات.
- ١٢ -
إن تاريخ أمتنا العربية التي هي جزء من أمتنا الإِسلامية الكبرى طافح بأعمال البطولات الخالدة التي يجب أن تكون معقد اعتزازنا عند الافتخار، ومرجع دراستنا عندما يجئ دور الاقتداء والاتعاظ والاعتبار. فنحن مستغنون كل الاستغناء عن التغنى بأمجاد غيرنا، والتأسى والاقتداء برجال لا يمتون إلينا ولا إلى تاريخنا بأية صلة.
وكم هو رائع (بل وعظيم) أن يفطن لمثل هذه الحقيقة ويدعو للتمسك بها أمثال (اللواء الركن مصطفى طلاس) فيقول - معقبًا في غير ارتياح على احتفال بعض بني قومه بالعيد المئوى لزعيم الشيوعية العالمية فلاديمير لينين -. . "في التاريخ أمثلة تدل دلالة قاطعة على أن ما من أمة تعرّضت أراضيها للغزو الأجنبي والاحتلال، إلا هبَّت تنشد ماضيها وتبحث عما فيه من أمجاد. لعلها تجد ما يبعث الحياة في حاضرها، فتبرهن على أصالتها ودورها في الحضارة الإِنسانية. وحسب معلوماتى التاريخية ليس ثمة أمة داهمها الغزو كما ذكرت، واحتلت أجزاء من أراضيها احتلالًا استيطانيًا، بل وربما هددت بالسحق والإِبادة والتشريد، ثمَّ انبرت تفاخر بتاريخ غير تاريخها وتحتفل بقادة غير قادتها، وهي إن فعلت ذلك، إذن كان مثلها (مثل القرعاء، تتباهى وتفاخر بشعر جارتها).
أقول هذا عندما رأيت الصور والملصقات تغص بها الشوارع في دمشق العربية، لرجل لا يمتّ إلى تاريخنا بصلة غير صلة الإِنسانية، مع تقديرى
[ ٧ / ١٢ ]
العميق لمناقبه الفذة، قررت أن أكتب شيئًا مهما كان قليلًا في ذكرى الرسول العربي" (١).
حقًّا إنه ليس أحد أحق بالرثاء من أمة تتجاهل تاريخها الزاخر بالأمجاد والبطولات والطافح بذكرى الأبطال الخالدين ثمَّ تدلج في ظلام المبادئ الهدامة المستوردة باحثة عن نفايات البشر وشذاذ الآفاق والسفاحين الملحدين لتجعل منهم مثلها الأعلى في النضال وقدوتها المثلى في التربية والسلوك.
إن نتيجة مثل هذا التصرف، لن تكون إلا كما كانت، الاندحار يتلوه الاندحار، والهزيمة تتلوها الهزيمة حتى تعود أمة محمَّد - ﷺ - إلى الانتهال من منبع الإِسلام الصافى الشافى الذي انتهل منه أبطال معركة (مؤتة) فسجلوا من الانتصارات في العهد النبوى وما تلاه من عهود زاهرة، ما حشى فم التاريخ بذكراهم العاطرة، التي ظلت وستظل إلى الأبد أُنشودة الدهر المفضلة التي يتغنى بها. .
إلى الإِسلام من جديد أيها المسلمون (عربًا كنتم أم غير عرب) إلى حقيقة الإِسلام المتمثلة في التمسك به قولًا وعملًا، لا إلى القشور التي لا تعدو الانتساب إلى هذا الدين الخالد فحسب، إلى الإِسلام الحقيقي إن كنتم تتوقون حقًّا إلى أن يكون الله معكم لينصركم على أعدائكم. وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم فلا عزة لكم ولا نصر بغير الإِسلام. وتذكروا دائمًا قول الفاروق عمر بانى دولة الإِسلام العظمى. . "من طلب العزة بغير الإِسلام أذله الله".
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا لما فيه فلاحنا في الدنيا ونجاتنا في الآخرة إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
محمَّد أحمد باشميل
جدة. . . المملكة العربية السعودية
١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م
_________________
(١) الرسول العربي وفن الحرب ص ١٥ من مقدمة مؤلفه اللواء الركن مصطفى طلاس.
[ ٧ / ١٣ ]
الفصل الأوّل
* العرب في الشام قبل الإِسلام.
* ملوك آل عاد في الشام.
* صلة الرومان بعرب الشام.
* مملكة الأنباط.
* مملكة آل أذنية (تدمر).
* مملكة قضاعة.
* مملكة الغساسنة.
* عرب الشام ومعركة مؤتة.
قبل الدخول في تفاصيل معركة مؤتة الفاصلة، نرى أنَّه لا بد من إعطاء القارئ الكريم (أولًا) لمحة عن صلة العرب بالشام (قبل الإِسلام) حكامًا أو مواطنين. . محكومين أو مالكين حاكمين.
وثانيًا عن ارتباطهم بالرومان الذين سيطروا على الشام قبل الميلاد وبعده وخاصة في عهود الأباطرة البيزنطين الذين كان الصدام بينهم وبين المسلمين أول ما كان في معركة مؤتة التاريخية، والتي كان العرب المتنصرة والمرتزقة الوثنيين الموالين للرومان رأس الحربة في القتال الذي دار في هذه المعركة التاريخية (معركة مؤتة) التي هي موضوع كتابنا هذا.
[ ٧ / ١٥ ]
الشام بلد عربي منذ آلاف السنين.
هناك ما يشبه التظافر بين الأخباريين المسلمين والأجانب المستشرقين والإِسرائيلين وغيرهم على أن الشام كانت موطنًا للعرب قبل الميلاد بل وقبل ظهور بني إسرائيل بعدة قرون، وأنهم أول من حكم الشام وأن ملوك الأرض الذين أول من ملك الشام في التاريخ إنما كانوا من العرب.
إلى هذا الرأي ذهب وقال به فيلسوف التاريخ المشهور الإِمام عبد الرحمن بن محمَّد بن خلدون الحضرمي الكندى المغربي، وكذا المؤرخ الرحالة الجغرافي الشهير المسعودى (١).
ويسند هذا الرأي كثير من المستشرقين الذين يؤكدون أن القوس المتكوِّن من العراق والشام والمسمى بالهلال الخصيب هو امتداد طبيعى لجزيرة العرب وأن ما يحتويه هذا الهلال الخصيب من أقطار هو وطن للعرب منذ قرون عديدة قبل الميلاد وقد عد المستشرقون الهلال الخصيب هذا من الناحية الطبيعية وحدة لا يستطاع فصلها عن الجزيرة (العربية) وامتدادًا طبيعيًا لها منذ فجر التاريخ (٢).
وقد ذكر الباحثون المختصون بتاريخ العرب قبل الإِسلام (مثلًا) أن ملكًا عربيًّا اسمه جندب " Cindibu . . . . ." كان أحد ملوك الشام العظام في عام ٨٥٣ ق. م. وإنه أقام تحالفًا عسكريًا مع أحد ملوك الأرميين وانضم إلى هذا الحلف اثنا عشر ملكًا من ملوك المناطق المجاورة. جميعهم كوّنوا حلفًا عسكريًا لمواجهة شلمنصر الثالث أحد ملوك الآشوريين الجبابرة الذي غزا الشام وأوقع بالملك العربي (جندب) وحلفائه في معركة (قرقر) وهي مدينة
_________________
(١) انظر تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٣٣، - ص ٣٤ ومروج الذهب ج ٢ ص.
(٢) قال الدكتور جواد علي في كتاب تاريخ العرب قبل الإِسلام (تذييلا) fertile crescent اصطلاح أطلقه H. breasted لأول مرة بهذا المعنى على القوس المتكون من العراق و(الشام). وإذا قلنا الشام قصدنا سورية ومعها لبنان وفلسطين والأردن S. A. Huzevyin، Arepia and the far East.
[ ٧ / ١٦ ]
تقع شمال حماه، وأن الملك جندب قدَّم لقوات الحلفاء التي هو أحد قادتها ألف بعير واشترك بنفسه في الحرب مع سبعين ألف جندى ضد شلمنصر الثالث ملك آشور، الذي هزم الملك العربي وحلفاءه في هذه الحرب عام ٨٥٣ قبل الميلاد (١).
وتفيد تقارير المؤرخين غير الإِسلاميين. أن خسارة الملك العربي جنيدب (أو جندب) وحلفائه في معركة قرقر (وحسب رواية شلمنصر ملك آشور التي دونها على أحد الأعمدة في بابل) بلغت خمسة وعشرين ألفًا وخمسمائة مقاتل (٢).
المملكة العربية التي حاربت الآشوريين قبل الميلاد
كذلك تفيد مصادر التاريخ الأوربى أن ملكة عربية اسمها زبيبى (زبيبة) كانت حوالي ٧٣٨ ق. م قد انضمت في حلف عسكرى إلى أعداء ملك آشور من ملوك الطوائف في الشام فسيطرت على طرق القوافل المارة بها إلى بابل في العراق. فجرد عليها ملك آشور (تغلث فلاسر الثالث) حملة عسكرية قوية فقاتلته ولكنه تغلب عليها في النهاية حتى أخضعها فاضطرت لعقد صلح معه دفعت بموجبه الجزية للأشوريين. وذلك عام ٧٣٨ ق. م (٣).
كذلك تشير المصادر الأفرنجية إلى أن ملكة عربية أخرى أسمها سمسى. Samchi (شمس) كان مقر ملكها (مؤاب وفلسطين) قد عقدت حلفًا عسكريًا مع ملك (دمشق) المعادى لملك آشور فصارت قواتها من رجال البادية تغير على قوافل الآشوريين الآتية من الجنوب وتستولى عليها. فجهز ملك آشور عليها قوات ضخمة فانتصر عليها بعد أن احتل مدينتين رئيسيتين من مدن مملكتها وتغلب على معسكرها. فاضطرت لأنَّ تخضع وتدفع الجزية له
_________________
(١) انظر تاريخ العرب قبل الإِسلام ج ٢ ص ٢٩٩ - ٣٠٠ - ٣٠١.
(٢) Koniga، S. ١٤٠، weiss.، S. ٥٩٧ أدى شير ص ٦٩ - ٧٠ عن جواد على ج ٢ ص ٣٠٠.
(٣) Musil، Deeerts، ٤٧٧.
[ ٧ / ١٧ ]
(إبلا جمالا ونوقًا) بعد أن خسرت في المعارك التي خاضتها ضد ملك آشور مائة ألف مقاتل وثلاثون ألف جمل وعشرون ألفًا من الماشية. . وجدت هذه الأرقام في نصوص دونها ملك آشور (تغلب فلاسر) نفسه على لوحة من اللوحات سجل عليها هذا الملك الآشورى تاريخ حياته الحربى (١).
بقايا العمالقة
وإذا صح ما جاء في هذه المصادر الأجنبية (وحسب ما دون في اللوحات الملكية الآشورية) فإن الملك العربي جنيدب (جندب) والملكتين (زبيبة) و(شمس) يكونون من العمالقة الذين ظلت بقاياهم تتواجد في الشام وتتناسل حتى ظهرت منهم عائلة آل أذينة المالكة في البادية كقوة عربية ذات شأن عظيم. . قبيل الميلاد بحوالى ٧٠ عامًا. وظلت تتعاظم قوتها الحربية حتى أسست مملكة (تدمر) التاريخية الشهيرة التي أدخلت الرومان بعد الميلاد وقضت على سلطانهم في المشرق وخاصة في عهد الملك أذينة بن أذينة وزوجه الداهية ذات الهمة العالية زينوبيا (الزباء) التي بلغ بها الطموح وعلو الهمة وقوة العزيمة إلى أن تعبر بقواتها مضيق البوسفور وتضرب الحصار على القسطنطينية، واضعة أمام نصب عينيها احتلال روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية العتيدة (٢).
العرب أول من ملك الشام من البشر.
يدل سياق الإِخباريين أن العرب أول من ملك الشام، وكان أول مَلك منهم حكم الشام بل ومصر والهند وسائر ممالك المشرق هو شداد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. الذي كانت قاعدة ملكه الأحقاف (حضرموت) بجنوب الجزيرة العربية. وعاد هذه التي ملكت الشام وهي عاد الثانية وهي قبيلة عربية. ويصنفها الإخباريون ضمن العرب العاربة والعرب البائدة. وقد ظلت عاد ملوكًا للشام حتى عتوا وطغوا فأهلكهم الله على نحو
_________________
(١) Olmstead، History of Assyria، P. ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ١٨ ]
ما جاء في القرآن الكريم. هكذا تقول مصادر الإِخباريين الإِسلامين العرب ومن هاجر إليهم ودخل في الإِسلام من بني إسرائيل الذين يمكن الاعتماد على نقلهم، لأنَّ أهل الكتاب من بني إسرائيل أقرب من غيرهم إليهم وأوعى لأخبارهم (١).
وفي المصادر التاريخية الغربية الأجنبية. إشارات واضحة تعضد ما يقوله الإِخباريون الإِسلاميون من أن عادا كانوا قد استوطنوا الشام وسينا وحكموا تلك المناطق.
فقد ذكر بطليموس (Forster. Woi. ٢٨٢) أن عادا قد كان لهم وجود في المناطق الممتدة من الشمال الغربي لجزيرة العرب مرورًا بأيلة (إيلات) على رأس ساحل خليج العقبة حتى المنطقة التي تسمى (بتيه بني إسرائيل) وهي في شبه جزيرة سيناء. قال الدكتور جواد على في كتابه (تاريخ العرب قبل الإِسلام) (٢) ولا يبعد هذا الموضع عن أماكن (ثمود) الذين ارتبط اسمهم باسم عاد. وقد أيد هذا الرأي (شبنكر) وجماعة من المستشرقين وهو أقرب الآراء إلى الصواب.
كما دلت الحفريات على أن الأقرب إلى الصواب إلى أن (إرم ذات العماد) التي ذكرها القرآن عند التعرض لذكر قوم عاد هي في الشام لا في جنوب الجزيرة العربية. وهذا يوافق ما ذهب إليه المسعودى (وهو من أشهر المؤرخين والجغرافيين العرب) فقد ذكر أن جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم وهو الذي بني في الشام (إرم ذات العماد) وهو الذي اختط دمشق ومصيرها عندما كان ملكًا على الشام (٣) أما (موريتس) البحاثة. فقد أيد أيضًا ما ذهب إليه (بطليموس) من أن إرم (أي إرم ذات العماد) هي في مكان ما من الشام الذي كان خاضعًا لحكم قوم عاد العرب - قبل ثمود وقبل ظهور بني إسرائيل وقد سماه باللاتينى (Aramaua) وقد ساند موسل رأى
_________________
(١) انظر مروج الذهب للمسعودى ج ٢ ص ٤٠ وما بعدها طبعة مطبعة السعادة. وانظر أيضًا تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٣٣ - ٣٤ - ٣٥.
(٢) ج ١ ص ٢٢١.
(٣) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٣٥.
[ ٧ / ١٩ ]
(موريتس) في مطابقة المكان الذي ذكره (بطليموس).
وقد أظهرت الحفريات التي قام بها المعهد الفرنسى في القدس ما يسند القول بأن عادًا كانوا ملوكًا للشام. وإن لهم وجودًا أكيدًا فيها. إذ ورد في الكتابات النبطية التي عثر عليها في خرائب معبد اكتشف على جبل (رم) أن اسم الموضع هو (إرم) (١) فيتضح من هذه الكتابات النبطية أن هذا الموضع من حافظ على اسمه القديم الذي صار يعرف أخيرًا برم بدلًا من (إرم) (٢).
وفي عام ١٩٣٢ م. قام (Horsfield) من دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية بحفريات في موضع جبل (رم)، ويقع على مسافة "٢٥" ميلًا إلى الشرق من العقبة، ويقع المكان الذي بحث فيه عند وادي، وعلى مقربة منه (عين ماء) ووجد في جانب الجبل آثار جاهلية قديمة، وقد حملت اكتشافاته هذه واكتشافات " Sayignac" التي قام بها في ذا المكان، واكتشافات "كليدن HaroldW. Gljdden" على القول. . إن هذا المكان هو موضع "إرم" الوارد ذكره في القرآن الكريم (٣) والذي كان قد حل به الخراب قبل الإسلام، فلم يبق منه عند ظهور الإِسلام غير عين ماء كان ينزل عليها التجار وأصحاب القوافل الذين يمرون بطريق الشام - مصر - الحجاز (٤).
وينفى الأستاذ جورجى زيدان في كتابه - العرب قبل الإِسلام - ص ٧٦ أن يكون المنقبون عن الآثار وجدوا فيما عثروا عليه من آثار أي ذكر يتعلق (بعاد). ويظهر أنَّه لم يطلع على ما اطلع عليه الدكتور جواد على مما أثبتته
_________________
(١) BOASOR؟ Number ٧٣. P، ١٥.
(٢) انظر تاريخ العرب قبل الإِسلام ج ١ ص ٢٣٤.
(٣) من الواضح البين أن القرآن الكريم لم يحدد في الأرض موضع (إرم ذات العماد) التي يقترن اسمها بعاد قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ الفجر آية ٦، ٧، ٨. ولهذا كان تحديد موقع (إرم ذات العماد) إنما هو محاولة اجتهادية (بمختلف الوسائل) من المفسرين. فليس (إذن) بعيدًا عن الصواب أن تكون (إرم ذات العماد) موجودة في مكان (ما) من الشام وهو ما ذهب إليه بعض الإخباريين الإسلاميين. . وعند ما نقول الشام (تعنى الأقطار المسماة اليوم بـ (فلسطين والأردن وسورية ولبنان).
(٤) BOASOR؟ Number ٧٣. P، ١٥.
[ ٧ / ٢٠ ]
الحفريات في الشام من ذكر ضريح لعاد (إرم ذات العماد) وما قاله عنهم المؤرخ الشهير (بطليموس) كما تقدم.
ورغم بعض الاضطراب الذي يعتور حديث الإخباريين عن الكيفية التي ملك بها قوم عاد الشام، فإن هناك ما يشبه الاتفاق بين المؤرخين الإِسلاميين واللاتينيين واليونان على أن هناك وجودًا كان لعاد في الشام، لا سيما بعد العثور على الآثار التي أظهرتها الحفريات في فلسطين والأردن والدالة على الاسم الذي يطابق الاسم الذي أطلقه القرآن عليهم وهو اسم (إرم).
ولا ينفى كون الحفريات أثبت وجود اسم عاد (إرم) مكتوب على الآثار في فلسطين والأردن وهي (حسب التقسيم الجغرافي القديم) جزء من الشام. . لا ينفى أن تكون هناك آثار أخرى مكتوبة في مناطق أخرى من الشام كمنطقة (دمشق) التي ذكر بعض الإِخباريين العرب أن ملوك عاد (العرب) هم الذين أول من أسسها وبناها. . لا ينفى أن تكون هذه الآثار الدالة على وجودهم موجودة ولكن التنقيبات لم يعثر القائمون بها على شيء منها حتى الآن. وقد يعثرون في المستقبل عليها. كما عز عشاق البحث عن الآثار. عن مدن عظيمة في أمريكا الجنوبية وبعض مناطق آسيا يعود تاريخها إلى آلاف السنين.
المدة التي ملكت عاد الشام فيها
أما المدة التي استمرت فيها الشام في ظل ملوك (عاد) فلم نر فيما بين أيدينا من مصادر إسلامية أو غير إسلامية ممن أشاروا إلى وقوع الشام ضمن دائرة الجبابرة من ملوك (عاد) - لم نر أحدًا في هذه المصادر، ذكر المدة والتاريخ اللتين خلالهما استمر ملوك (عاد) حكامًا للشام. وكل ما وجدناه في هذه المصادر هو الإِشارة فقط إلى عناصر من أجيال (عاد) كانوا قد ملكوا الشام.
وبما أن بحثنا في هذا التمهيد. إنما هدفه إيضاح الصلة الوثيقة القديمة التي كانت للعرب بالشام قبل الإِسلام بعدة قرون مما يؤكد أن الشام كانت
[ ٧ / ٢١ ]
بلدًا عربيًّا قبل الإِسلام بالآف السنين، فإننا نكتفى بهذا القدر من تاريخ (عاد) تلك القبيلة الجبارة العاتية التي لم تبلغ أمة من الأمم حتى اليوم مثلها في قوة الجسم ومتانة البنية. ومن أراد الاطلاع على تفاصيل تاريخ ملوك هذه القبيلة التي أهلكها الله بالريح الصرصر بعد أن كفرت بالله وكذبت نبيها وأخاها هود (- ﵇ -) فليرجع إلى مصادر التاريخ الرئيسية مثل الطبري والمسعودى وابن خلدون والدينورى وأمثالهم من أئمة التاريخ.
العرب هم سكان الشام الأصليون منذ فجر التاريخ
إنه بعد النظر في مختلف المصادر التاريخية (إسلامية ولاتينية ويونانية وغيرها) تبيّن لنا بكل وضوح أن الشام كانت (وظلت) موطنًا للعرب منذ عهد (عاد الثانية) حتى سيطرت عليها جيوش الإِسلام في عهود الخلفاء الراشدين. وأن أجيالًا من العرب "رغم تقلب الأحوال في الشام وتعاقب الأنظمة المختلفة والمد والجزر للذين تعرض لهما سلطان العرب عبر العصور السحيقة جدًّا في الشام" ظلت هذه الأجيال العربية هي العنصر الأساسي الذي يتكون منه سكان الشام الأصليون، وما الرومان وقبلهم الإِسرائيليون الذين يظن البعض أنهم سكان الشام الأصليين إلا عناصر دخيلة على الشام بأقاليمها الأربعة (فلسطين والأرون وسورية ولبنان) جاءوا، إما مما وراء البحار (كالرومان) وإما مما وراء شرقي نهر الفرات أو غربي سيناء (مصر الفرعونية) كالإِسرائيليين.
فترات حكم العرب للشام قبل الميلاد وبعده. قبل الإِسلام
لقد استدرجنا البحث والتنقيب في مختلف المصادر عن تاريخ العرب في الشام قبل الميلاد وبعده - قبل الإِسلام - إلى أن نؤلف كتابًا خاصًّا بهذا الشأن اسمه (العرب في الشام قبل الإِسلام) ذكرنا فيه بالتفصيل كل ما عثرنا عليه من معلومات على الوجود العربي في الشام منذ أقدم العصور ابتداء بعهد عاد الثانية حتى ملوك الغساسنة الذين كانوا آخر من حكم الشام من العرب (باسم الرومان) قبل الإِسلام.
[ ٧ / ٢٢ ]
فليرجع إلى هذا الكتاب. من يهمه الإِلمام بتفاصيل الوجود العربي في هذا الجزء الحيوى من العالم (الشام) الذي يسميه الجغرافيون القدامى (سُرة معالم). لكونه يحتل مكان وسط المعمورة في تلك العصور.
أما في هذا التمهيد، فإننا سنتحدث (باختصار) عن الوجود العربي في الشام قبل الإِسلام (وبصفة خاصة عن الوجود السياسي والعسكري).
عهود الحكم العربي في الشام قبل الإِسلام
يمكننا - حسب ما توفرت لدينا من معلومات في مختلف المصادر التاريخية الإِسلامية والإِسرائيلية والفارسية واللاتينية واليونانية - أن نقسم الوجود العربي الحاكم في الشام قبل الإِسلام إلى عهود رئيسية ثلاثة هي:
١ - عهد ما قبل بني إسرائيل.
٢ - عهد ما قبل الميلاد وبعد ظهور بني إسرائيل.
٣ - عهد ما بعد الميلاد حتى دخول الشام في حوزة الإِسلام.
عهد ملوك عاد
فالعهد الأوّل هو عهد ملوك عاد ولم يعثر أحد حتى الآن من المؤرخين (وبأية وسيلة من الوسائل) على معلومات يمكن عن طريقها معرفة التاريخ الذي به ابتدأ وانتهى ملك هؤلاء العاديين للشام. كما أن أحدًا من المؤرخين (شرقيين وغربيين) لم يستطع الحصول على عدد محدد لملوك عاد الذين ملكوا الشام. وكل ما ذكره الإِخباريون الإِسلاميون أن شداد بن عاد بن عوض بن إرم ابن سام بن نوح - والمعبر عنه بعاد الثانية - هو أول من انضوت الشام تحت ملكه.
ونظر الكون نبي الله نوح (- ﵇ -) هو الجد الرابع لشداد بن عاد الذي هو أول من ملك الشام من العرب (على رأى الإِخباريين) - وإذا أخذنا بعين الاعتبار الرأي القائل بأن إنسان عصر نوح وعصر جيل العاديين يعيش أكثر
[ ٧ / ٢٣ ]
من ألف سنة - وهو رأى صحيح يسنده القرآن الكريم - (١) فأنه يمكن القول. . أن عادًا ملكوا الشام قبل الميلاد بأكثر من عشرة آلاف سنة.
وقد تحدثنا ما أمكننا التحدث عن ملك (عاد) للشام فيما مضى من هذا التمهيد فلنكتف بهذا القدر.
عهود العمالقة
ورغم بعض الاضطراب الذي يعترى حديث المؤرخين عن من الذي ملك الشام من العرب يعد هلاك قوم عاد وانتهاء ملكهم فإنَّه يكاد يكون من المؤكد أن جيلًا من العمالقة هم الذين ملكوا الشام بعد (عاد) وأن منهم الشاسو (الهكسوس) الذين يطلق عليهم بعض المؤرخين اسم (الرعاة) الذين غزوا مصر عبر سينا وقهروا المصريين، وأن ملكًا لهؤلاء العمالقة كان في مصر والشام حوالي ٣٥٠٠ ق. م وأن منهم أيضًا ملوكًا كانوا يحكمون الشام حوالي ٢٠٠٠ ق. م.
ويؤكد المؤرخ اليهودى (يوسفوس) أن الشاسو (الهكسوس) هم من العرب الذين جاءوا من الشام (حسبما نقل عن المؤرخ الإِسكندرى مانثون) وغلبوا على مصر وضربوا الجزية على أهلها. وكانوا يصدون محاولات الآشوريين لغزو مصر. وأن هؤلاء الهكسوس (العرب) الذين عبروا سينا إلى مصر من الشام. أقاموا لهم حامية في مصر في الحصون والقلاع بلغت ٢٤٠٠٠٠ جنديًّا.
_________________
(١) جاء في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن نبي الله نوح (وهو الجد الرابع لشداد بن عاد ملك الشام قد ظل يدعو قومه تسعمائة وخمسين عامًا ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. فليس إذن من الخرافة ما أشار إليه المؤرخون الإِسلاميون من أن ملوك عاد كان الواحد منهم يعيش أكثر من ألف سنة ومنهم عاد بن عوص الذي عاش ألفًا ومائتى عام وأنه رأى من صلبه أربعة آلاف ولد (مروج الذهب ج ٢ ص ٤٠ - ٤١) وأن ابنه شداد استمر ملكه تسعمائة عام. فالقرآن يشهد أن جيل عاد لهم من قوة البنية ما ليس لغيرهم من البشر.
[ ٧ / ٢٤ ]
كذلك يذكر الإِمام ابن خلدون أن العمالقة كانوا حوالي ٢٠٠٠ ق م ملوكًا للشام وأن القبط استنصروهم. فسيطروا على مصر واستعبدوا القبط. فكان من نسلهم فرعون إبراهيم وفرعون يوسف وفرعون موسى. وإن فرعون إبراهيم اسمه (سنان بن الأشل) وفرعون يوسف اسمه (الريان بن الوليد) وفرعون موسى اسمه (الوليد بن مصعب). وهي أسماء عربية صريحة.
العمالقة السكان الأصليون للشام
وإذا كان هناك ما يشبه الإِجماع بين المؤرخين (من مختلف الأجناس) على أن ملكًا عظيمًا كان للعمالقة في الشام وما حواليها كمصر والعراق وجزيرة العرب منذ ٤٥٠٠ ق م فإن أحدا من المؤرخين (فيما وصل إلى علمنا) لم يضع أية قائمة لملوك هؤلاء العمالقة الموغلين في القدم، ولا جدولًا لسنى حكمهم التي استمروا طوالها ملوكًا على الشام. كما أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر شيئًا مفصلًا ذا بال عن أعمالهم في الشام في تلك العهود السحيقة التي مضى على بدئها أكثر من خمسة آلاف سنة. اللهم إلا ما كان لأحفادهم من الأنباط والتدمريين الذين تحدث المؤرخون (وخاصة المغربيون) عن أعمالهم وعدد ملوكهم وسنى حكمهم بإسهاب وتفصيل.
إلا أن مما لا مشاحات فيه أن نسل العمالقة ظلوا (منذ آلاف السنين) حتى عهد آل أذينة من ملوك (تدمر) هم السكان الأصليين للشام. وأن ملوكًا من أعقابهم ظلوا يحكمون الشام كلها وأجزاء منها أحيانًا عبر أحقاب طويلة. كان الملك فيهم (على ما يبدو) بين مد وجزر إلى أن برزت من أعقابهم على مسرح التاريخ بروزًا كبيرًا إمبراطوريتان عظيمتان في الشام هما إمبراطورية (الأنباط) الذين جاء ذكرهم في التاريخ (كمحاربين) أول ما جاء في القرن السابع قبل الميلاد. وإمبراطورية آل أذينة الذين أخذ ذكرهم في الشهرة والنبوغ حوالي عام ٧٠ م إلى أن بلغوا ذروة المجد والسؤدد في أواخر القرن الثالث للميلاد في عهد الإِمبراطورة زينوبيا (الزباء) (١).
_________________
(١) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام) ففيه أوسع التفاصيل عن هاتين الإِمبراطوريتين العربيتين.
[ ٧ / ٢٥ ]
كذلك مما يدلّ على أن عنصر العمالقة ظل ذا شأن في الشام عبر الأحقاب، ورغم تغلب بعض الأمم الأخرى على الشام. هو أن ما أشار إليه المؤرخون الإِفرنج أن ملكًا اسمه (جنيدب) وملكتين اسم إحداهما (زبيبة) والأخرى سمسى (شمس) كانوا يحكمون أجزاء من الشام عام ٨٥٣ - ٧٣٠ ق. م وكانوا جميعًا قد حاربوا الأشوريين (١). كما تقدم في هذا التمهيد.
ملوك الأنباط
أما العهد الرئيسى الثاني من العهود الرئيسية للعرب الذين ملكوا الشام فهو عهد الأنباط الذين هم من أحفاد العمالقة العرب.
فقد ظهر هؤلاء الأنباط في الشام كشعب شديد الشكيمة وذا مقدرة قتالية فائقة كقبائل بدوية شديدة المراس ثمَّ ملوك كوَّنوا لهم إمبراطورية مترامية الأطراف. ظهروا هكذا حوالي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتعاقب منهم على الملك في الشام ١٨ ملكًا، أولهم الحارث الأوّل تسنم سدة الملك في منطقة البطرا (البتراء) عام ١٦٩ ق. م وآخرهم، مالك الثالث تولى الملك من عام ١٠١ حتى ١٠٦ بعد الميلاد.
وقد ازدهر ملك العمالقة الأنباط بالتدريج حتى تحول إلى إمبراطورية مترامية الأطراف شملت الشام كلها وسيناء وجانبًا من دلتا النيل. غربًا وما بين النهرين في العراق شرقًا. وحتى وادي القرى وتبوك وديار ثمود في الجزيرة العربية جنوبًا (٢).
محاربة الأنباط لليونان
كما قلنا. كان الأنباط شعبًا بدويًا محاربًا قوى الشكيمة وحتى قبل أن تتكون مملكتهم وينصب عليها ملوك ذو تيجان كانوا كعشائر محاربة قوية الشكيمة. يحاربون الإِمبراطوريات ويهزمون جيوشها ففي حوالي عام ٣١٢ ق. م هزمت عشائر الأنباط جيوش الإِسكندر المقدونى التي كان يقودها قائد جيوشه
_________________
(١) Musil، Deserte P. ٤٧٧، Olmstead، History of Assyria، P. ١٩٩.
(٢) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٢٦ ]
الشهير (أنطيغونس) حيث أبادوا قوات هذا القائد الذي كان يقودها للسيطرة على عاصمتهم بطرا (البتراء) فهزموه شر هزيمة فنجا بجلدته (وما كاد) ولم يبق معه من جيشه على قيد الحياة سوى خمسين مقاتلًا، رغم أنَّه كان يقول في ذلك الهجوم أربعة آلاف جندى من المشاة، وستمائة فارس أبيدوا على أيدى عشائر الأنباط ولم يبق منهم سوى قائد الجيش وخمسين جنديًّا. وذلك على أثر مطاردة عنيفة قام بها عشائر الأنباط للجيش اليونانى. الذي كان قد باغت ديارهم في حالة غياب المحاربين عنها. فأحرز بعض الانتصارات حيث جاس خلال الديار. وقتل كل من قاومه من الأنباط الذين هاجمهم جيشه وباغتهم في ديارهم بعد منتصف الليل. واستولى على كل ما وصلت إليه يده من الماشية والذهب والفضة والبخور والتوابل وكل المنقولات. ثمَّ انسحب تاركًا بلاد الأنباط خرابًا. فتعقبه المقاتلون منهم الذين كان أكثرهم غائبًا ساعة هجوم المقدونيين. فانتقموا من جيش الإِسكندر شر انتقام حيث أبادوه عن بكرة أبيه ولم ينج منه سوى خمسين فارسا تمكنوا من الإِفلات على صهوات الخيل من بينهم قائد الجيش (أنطيغونس) (١).
هجوم الأنباط على اليهود واحتلالهم القدس
وكما انتصر الأنباط على المقدونيين عام ٣١٢ ق. م ولقنوهم درسًا لا ينسونه. فإنهم (وبقيادة ملكهم الحارث) حاربوا اليهود وأنزلوا بهم الهزائم حتى ضربوا الحصار على أورشليم وطوقوها بخمسين ألفًا من المشاة والفرسان وكادت تسقط في أيديهم لولا اضطرار الملك الحارث لفك هذا الحصار. ليسوى ما بينه وبين الرومان الذين احتل قائدهم (سكورس) دمشق التابعة لمملكة (بطرا) وذلك عام ٦٦ - ٦٥ ق. م وفعلًا سوى الملك الحارث ذلك النزاع فصالح الرومان في ذلك. وعاد الملك الحارث في ذلك الوقت إلى ضرب الحصار على القدس، فاحتلها بالاشتراك مع جيوش الرومان الذين نكلوا باليهود وشردوهم بعد أن دمروا أورشليم وخربوا الهيكل وأزالوه من الوجود (٢).
_________________
(١) Booth، P. ٦٤٩، Book، xix، Y ١، Kennedy، P. ٣٠ - ٣١
(٢) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام) بحث تاريخ مملكة الأنباط.
[ ٧ / ٢٧ ]
صلة الأنباط بالرومان
أما صلة الأنباط (العرب) بالرومان (قبل الميلاد وبعده) فقد كانت متقلبة، فقد كان أباطرة روما، قبل الميلاد وبعده يحاولون القضاء على مملكة الأنباط واحتلال عاصمتهم بطرا (البتراء) لتتم لروما السيطرة الكاملة على الشام ومصر. ولكنهم كثيرًا ما يصطدمون بمقاومة عنيفة من ملوك دولة البادية القوية الشكيمة فيكفون عن عدوانهم. فيلجؤون إلى المهادنة وأحيانًا إلى محالفة ملوك (البتراء) وعندما يرون أن الفرصة قد سنحت لهم لضرب ملوك الأنباط والإِطاحة بهم لا يترددون في ذلك لذلك كانت الحرب (إن نشبت) بين عرب البتراء وبين الرومان سجالًا. وكثيرًا ما يُلحق الأنباط أشنع الهزائم بالرومان ومن يحالفهم ضد ملوك (البتراء) مثلما فعلوا بـ (هيروديس اليهودى) عميل الرومان وعاملهم على مملكة (يهوذا) والذي (بمساندة الرومان) حاول إخضاع الملك العربي (الحارث) ملك بطرا (البتراء) فاصطدمت جيوش الحارث بجيوش (هيروديس) على حدود مملكة الأنباط. وتم النصر الساحق لملك الأنباط (الحارث) على هيروديس. حيث شتت شمل جيوشه. فاستنجد (هيروديس) بسيده (طيباريوس) قيصر روما ليعينه للقضاء على الملك العربي (الحارث) فحاول القيصر إنجاد (هيروديس عميله) لتدمير مملكة الأنباط. فتحرك القائد الروماني فيتليوس (Vitellius) بأمر من القيصر لنجدة (هيروديس) ومساندته في محاولته القضاء على ملك الأنباط (الحارث). ولكن القائد الروماني عجز عن تنفيذ المهمة. فلم يتمكن من إنجاد (هيروديس) فظل مكسور الجناح يجتر آلام الهزيمة الشنعاء التي أنزلها به ملك البتراء العربي الحارث. حتى تضعضع حال الملك (هيروديس) فقبض عليه الرومان - بعد أن غضبوا عليه - ثمَّ نفوه إلى أسبانيا مبعديه بذلك عن عرشه في مملكة إسرائيل الواقعة ضمن دائرة النفوذ الروماني.
حدثت هذه الأحداث الخطيرة عام ٣٦ - ٣٧ بعد الميلاد. . هكذا جاء في تاريخ اليهودى (يوسيفوس) ص ٢١٤ - ٢١٥ (١).
_________________
(١) انظر مزيدًا من التفاصيل في كتاب العلامة البحاثة جواد على (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج ٣ ص ٤٠ وما بعدها. وانضر أيضًا كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٢٨ ]
كما أن الأنباط تضطرهم الظروف أحيانًا إلي مهادنة الرومان وبصورة أقرب إلى الخضوع والتبعية، وأحيانًا إلى المصادقة والتحالف والمشاركة في حروب ضد عدو مشترك.
الرومان يزحفون إلى بطرا فيصالحهم ملكها العربي
ففي حوالي عام ٤٧ قبل الميلاد وفي عهد ملك الأنباط (مالك الأول) تعاظم سلطان الرومان في الجهات الشمالية من الشام. فطمع قائدهم (سكورس Scaurus) فزحف بجيوش كثيفة قاصدًا إسقاط الملك النبطى (مالك الأوّل) وتدمير عاصمة ملكه بطرا (البتراء) وبقية مدنه.
فلما بلغ الملك (مالك) نبأ هذا الزحف الشامل - وكان مالك هذا حكيمًا بعيد النظر - قام بمعادلة بين قواته وبين قوات (سكورس) الروماني الزاحفة. فرأى أنَّه من الانتحار مقاومة الرومان والإِصرار على محاربتهم لأنَّ جيوش المملكة غير قادرة على مقارعة جيوش القيصر. فراسل القائد الروماني وجرت مفاوضات بين الفريقين انتهت بالصلح بين الأنباط والرومان على أن يدفع ملك الأنباط للرومان مبلغًا من المال. وتم على أثر ذلك التحالف بين الرومان والأنباط. كان موقف الأنباط في هذا التحالف (دونما شك) أشبه بموقف التابع. رغم بقاء المملكة مستقلة في البتراء.
يدلّ على هذه التبعية القائمة في صورة تحالف. أن ملك الأنباط (مالك الأوّل) شارك بقوات من جيشه جيوش يوليوس قيصر في حصارها للإسكندرية عام ٤٧ قبل الميلاد. وذلك في عهد ملكة مصر الخليعة (كلوبطره) صاحبة أنطونيو والتي قضى القيصر عليها وأزال ملكها.
الرومان يطيحون نهائيًا بمملكة الأنباط
ورغم ما يبديه الرومان من صداقة لملوك الأنباط. فإن أطماعهم في السيطرة على مملكة البتراء العربية ظلت كامنة في نفوسهم. فظلوا لذلك يتحينون الفرص لإِزالة هذه المملكة العظيمة من الوجود. فكانوا يفشلون في كل محاولة يقومون بها لتحقيق أطماعهم. بسبب تماسك الأنباط وقوة شكيمتهم لكون الروح البدوية القتالية في نفوسهم متأصلة باقية، والبادية في كل زمان ومكان يكونون أشد الناس صبرًا على القتال وحفاظًا على الكرامة.
[ ٧ / ٢٩ ]
غير أن الترف وروح الدعة والتمتع بلذائذ التمدن القاتلة حلت (بمرور الزمن) محلّ التقشف وخشونة البادية بين مختلف طبقات الشعب النبطى، فهبطت الروح القتالية العالية التي كان يمتاز بها الجند البدوى النبطى وكانت مصدر هيبته التي كانت تملأ نفوس الرومان فيتهيبون الاعتداء على الأنباط رغم قلة عدد المحاربين في هؤلاء الأنباط. وكثرة الرومان الغامرة.
وعندما شعر الرومان بركون الأنباط إلى الترف وبهبوط روحهم القتالية التي كانوا يمتازون بها. قامت جيوشهم (بمساندة المصريين) بالزحف على مملكة الأنباط، فلم يجدوا منهم تلك المقاومة الشرسة التي يلقونها منهم في مختلف العصور. لذلك أزال الرومان (وبسهولة) مملكة الأنباط من الوجود بعد أن احتلوا (ولأول مرة) عاصمة ملكهم الصخرية الجبلية (البتراء) وذلك في عهد الإِمبراطور (تراجان) عام ١٠٦ بعد الميلاد وكان الملك النبطى الذي قضى الرومان على الملكة في زمانه هو مالك الثالث وهو الثامن عشر من ملوك الأنباط (١).
مملكة تدمر العربية
تدمر (بفتح التاء وسكون الدال وضم الميم) مدينة صحراوية بالشام وهي تقع في أطراف البادية التي تفصل الشام عن العراق، وكأنها واحة في الصحراء أو جزيرة في الماء، تبعد عن دمشق ١٥٠ ميلا نحو الشمال الشرقي، ونحو مائة ١٠٠ ميل من حمص، وسفر خمسة أيام على الإِبل بن الفرات، شكلها منبسط تحيطها جبال تفصل بينها وبين صحراء البادية الممتدة من أطرافها.
فتدمر عبارة عن أطراف بادية من الشمال، فكل ما وراءها نحو الجنوب رمال قاحلة، لا ماء فيها ولا نبات، كانت تلك البادية مثلثًا. رأسه (تدمر) في الشمال وساقاه حدود العراق في الشرق، ومشارف الشام في الغرب وقاعدته شمالي جزيرة العرب (٢).
_________________
(١) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
(٢) العرب قبل الإِسلام ص.
[ ٧ / ٣٠ ]
متى بنيت ومن الذي بنى تدمر؟
إن هدفنا من هذا التمهيد إنما هو إعطاء القارئ لمحة عن صلة العرب (بتدمر العتيدة) ثمَّ صلة عرب تدمر بالشام كلها، ثم صلة عرب تدمر بالرومان قبل الإِسلام. ومع ذلك فإننا لا نرى مانعًا من أن نتحدث (باقتضاب) عن كيف ومتى ومن الذي قام ببناء مدينة (تدمر).
تدمر وملك آل أذينة
أما العهد الرئيسى الثالث من عهود الوجود العربي في الشام وأعظمها "قبل الإِسلام" فهو عهد أسرة آل أذينة التي كانت عاصمة ملكهم "تدمر" بالشام.
وآل أذينة من جيل عربي صميم يرجح أنهم من بقايا العمالقة الذين كان لهم دور عظيم (بعد هلاك قوم عاد) في حكم الشام والعراق والناحية الشرقية من مصر والشمالية والوسطى من جزيرة العرب.
وكذلك شعب تدمر هو شعب عربي صميم "ورغم بعض الأقوال الواهنة التي تزعم أن الزباء ملكة تدمر هي من نسل رومانى أو فرعونى" (١).
فهناك اتفاق بين الإِخباريين الإِسلاميين والباحثين المؤرخين الغربيين من رومان ويونان على أن أهل مملكة "تدمر" - شعوبًا وملوكًا هم عرب أقحاح. رغم وجود بعض الجاليات غير العربية بينهم كاليهود وأمثالهم من الأجناس الأخرى.
فوجود هذه الجاليات غير العربية أمر طبيعى في مدينة عظيمة ذات ازدهار تجارى عظيم مثل تدمر التي كانت "لقرون طويلة المضخة التجارية الرئيسية التي منها وعبر قنواتها تتلقى أسواق العالم الرئيسية السلع والبضائع".
شعب تدمر العربي
أما الشعب العربي الذي يمثل سكان مملكة تدمر. فهو خليط من بقايا مختلف قبائل العرب الموغلة في القدم "العمالقة عاد، نهد، قضاعة، سليح،
_________________
(١) انظر تحقيق المقام في هذا الشأن كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٣١ ]
وحلوان" وكذلك الجيش الرئيسى للمملكة يتكون من هؤلاء العرب هكذا صرح العلامة ابن خلدون في تاريخه (١).
والإِخباريون الإِسلاميون جميعهم. "تقريبًا" يقولون هذا القول الذي يقوله ابن خلدون.
وقد نسب ابن خلدون والمسعودى أسرة آل أذينة "حكام وملوك تدمر" إلى العمالقة، فقال كلاهما في نسب زينوبيا "الزباء" أعظم ملوك آل أذينة شأنًا. قالا. . هي الزباء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوثر العملاقى (٢).
أما المؤرخون اليونان والرومان. فلا خلاف بينهم في أن شعب تدمر "حكامًا ومحكومين" هم من العرب. وقد استنتجوا هذه الحقيقة وأثبتوها بطريقة لا تقبل الشك. من الكتابات والنقوش التي وجدوها على آثار تدمر القائمة حتى اليوم والتي حل خبراؤهم رموزها وترجموا أحرفها، فوجدوها مسجلة أسماءًا عربية لشخصيات بارزة من الملوك والقادة والأمراء والمعبودات لديهم.
وقد أكد البحاثة الكبير المختص ببحث تاريخ العرب قبل الإِسلام الدكتور جواد على في كتابه "تاريخ العرب قبل الإِسلام" وكذلك الأستاذ جورجى زيدان في كتابه "العرب قبل الإِسلام" كلاهما أكدا، أن مملكة تدمر مملكة عربية رغم الطابع الروماني اليونانى والآرامى الغالب على كثير من حالاتها الثقافية والعمرانية (٣).
من الذي بنى مدينة تدمر؟
لقد اختلف الإِخباريون الإِسلاميون في من الذي بني مدينة "تدمر" كما اختلفوا في تحديد الوقت الذي بنيت فيه هذه المدينة الموغلة في القدم، واسم الذي كان أول من بناها.
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٤٤ نشر دار الكتاب اللبنانى للطباعة والنشر.
(٢) مروج الذهب ج ٢ ص ٩٣ وتاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٤٤.
(٣) انظر أوسع التفاصيل عن مملكة (تدمر) في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٣٢ ]
وتلك عادة المؤرخين والإِخباريين فيما يختص بتاريخ الشعوب والمدن التي كانت قبل الإِسلام بعهود طويلة، وخاصة إذا كانت خارج محيط جزيرة العرب.
فقد ذكر ياقوت في معجمه أن البعض يزعم أن تدمر مما بنته الجن لنبي الله سليمان بن داود (- ﵇ -)، ويعقب ياقوت على هذا الزعم فيقول: . ولكن الناس إذا رأوا بناء عجيبًا جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن ومن ناحية أخرى يزعم أهل تدمر أن بناء مدينتهم كان قبل نبي الله سليمان بأكثر مما بيننا وبين سليمان وقيل سميت "تدمر" باسم امرأة اسمها "تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن نزيد بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح" ثمَّ يقول ياقوت وهي من عجائب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام (١).
وهناك أقاويل كثيرة يذكرها الإِخباريون حول من الذي شيد هذه المدينة العظيمة "تدمر".
والذي لا خلاف فيه هو أن آثار تدمر العظيمة الباقية حتى اليوم تدل على قوة وعظمة الأمة التي قامت ببناء هذه المدينة.
ويدل فحص الخبراء المختصين لآثار تدمر على أن هذه المدينة قد بنيت وأسست قبل الميلاد بقرون طويلة، ويرجح أنها كانت منذ القرن السادس "قبل الميلاد" محطة للقوافل التجارية بين الشرق والغرب. وبين مناطق الشرق نفسها - جزيرة العرب والعراق وإيران ومصر والهند وآسيا الصغرى والحبشة أيضًا - إلا أنها لم تبلغ أوج مجدها السياسي والتجارى إلا في أوائل القرن الثالث للميلاد وحتى أواخر هذا القرن حيث قضى الإِمبراطور "أورليانوس" على مملكة تدمر التي بلغت عن العظمة والقوة إلى أن زحفت ملكتها الداهية الشجاعة زينوبيا (الزباء) بجيوشها فعبرت البوسفور وحاصرت القسطنطينية قاصدة احتلال روما نفسها فصمد لها الإِمبراطور المذكور، فأخرجها عن التراب الأوروبى، وما زال أمرها في تأخر. حتى تحصنت في عاصمتها "تدمر" ثمَّ استسلمت للرومان بعد حصار دام ثلاث سنوات، وبعد ضروب من الشجاعة والبسالة والثبات أذلت مجلس الشيوخ في روما. وجعلت
_________________
(١) معجم البلدان ج ٢ ص ١٧.
[ ٧ / ٣٣ ]
الإِمبراطور الذي كان يحاصرها يكتب لمجلس الشيوخ في روما - حين وجهوا إليه اللوم لعجزه ثلاث سنوات عن اقتحام مدينة تتولى مسئولية الدفاع عنها امرأة -". . إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب. إننى أحارب وأحاصر امرأة إذا حاربت فهي أرجل من الرجال" (١).
تدمر قبل ملوك آل أذينة
مما لا جدال فيه أن بقايا العمالقة من العرب كانوا هم المسيطرين على مدينة تدمر وما حواليها من الصحراء وكانوا يحكمون تلك المنطقة قبل الميلاد بعدة قرون. إلا أنَّه لا في التاريخ الإِسلامي ولا في التاريخ الأوروبى وجد "قبل ملوك آل أذينة" اسم حاكم من حكام تدمر، رغم مرور قرون عديدة قبل الميلاد على الوجود العربي في هذه المدينة وما حواليها من بادية الشام.
غير أن سياق المؤرخين الغارفين من المصادر اليونانية والرومانية تشير إلى أن تدمر كانت عريقة في الحضارة والسيادة والملك وأنها كانت قبل الميلاد تحكم من قبل مجلس شيوخ من أهلها العرب، على الطريقة اليونانية وإنها كانت مملكة نموذجية فرئيس مجلس الشيوخ في "تدمر" قبل الميلاد "وقبل أن يتسلط عليها الرومان" يسمى "البرويدروس".
وهو تعبير يونانى (٢).
تدمر والرومان
وطوال قرون متعاقبة حاول الرومان إدخال "مملكة تدمر العربية" ضمن ممتلكات ما وراء البحار التابعة لروما ولكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا حتى عام ١٣٠ بعد الميلاد إذ استولى عليها الإِمبراطور هدريان وغير اسمها إلى هادربانا بالميرا.
وكانت آخر محاولة فاشلة قام بها أباطرة الرومان قبل الميلاد للاستيلاء على مملكة تدمر هي تلك المحاولة التي قام بها الإِمبراطور "ماركس أنطونيوس" في
_________________
(١) انظر كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
(٢) العرب قبل الإِسلام. . تعليقًا للأستاذ حسين مؤنس. . وانظر مزيدًا من التفاصيل عن هذا الموضوع في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٣٤ ]
أواسط القرن الأوّل قبل الميلاد، حيث قاومه وهزمه جيش تدمر بقيادة مشايخ من العمالقة الذين منهم تنحدر أسرة آل أذينة أبرز ملوك تدمر الذين في عهدهم "في القرن الثالث بعد الميلاد" بلغت تدمر قمة الحضارة والسيادة والمجد.
بين البتراء وتدمر
ويظهر أن شأن "تدمر" كان في عهود ملوك بطرا "البتراء" من الأنباط خاملًا بسبب عظمة سلطان إمبراطورية الأنباط الذين تقع عاصمتهم في جنوب الشام نفسها والتي كانت طوال عدة قرون قبل الميلاد وبعده في صراع مع روما التي قضى أباطرتها عليها عام ١٠٦ ب. م كما فصلناه فيما مضى من هذا التمهيد.
غير أنَّه يمكن القول. . أن "تدمر" أخذت "منذ أواخر القرن الأوّل بعد الميلاد" تستعيد حيويتها ونشاطها. حيث أخذت مملكة الأنباط في ذلك العهد في الضعف والتفكك. وما زالت تدمر تأخذ صعدًا في النمو والازدهار حتى صارت أعظم محطة للقوافل التجارية وقلب العالم الوحيد النابض بالتجارة بين مختلف أقطار الشرق والغرب. وخاصة في عهود الأسرة المالكة من آل أذينة.
ملوك تدمر البارزين
ومما لا جدال فيه أنَّه كان هناك "منذ أن سيطر هدريان على تدمر عام ١٣٠ ب. م" صراعًا بين شعب تدمر وبين المحتلين الرومان ولكن لم يصل إلى علمنا كيف كان مستوى هذا الصراع اللهم في عهود آل أذينة الذين قضوا في النهاية على سلطة الاحتلال الروماني.
وإذا كانت بطرا (البتراء) عاصمة الأنباط العرب قد دلت آثارها "جنوب الشام" على أن ١٨ ملكًا تعاقبوا على عرش مملكة الأنباط، فإن تدمر "رغم أنها أعظم شأنًا من البتراء سواء من الناحية السياسية أو الحضارية أو العسكرية" فإنَّه لم يرتبط اسمها (في مجال شهرة الحكم والسياسة والحرب) إلا بأسماء أشخاص أربعة من أهلها العرب العمالقة وهم:
[ ٧ / ٣٥ ]
١ - أذينة وهو أكبر. . ولم يذكر المؤرخون "على ما وصل إلى علمنا" هو أذينة ابن من. وإنما يطلق عليه اسم أذينة الأكبر. على أساس أن له ابنًا خلفه في الملك والسلطان اسمه أذينة أيضًا.
٢ - أذينة بن أذينة. وهو أذينة الأصغر.
٣ - وهب اللات بن أذينة الأصغر.
٤ - الزباء واسمها عند الرومان واليونان "زينوبيا" وهي زوجة أذينة الأصغر ووالدة وهب اللات والوصية عليه باعتباره خلف أباه على العرش وهو قاصر لم يبلغ مبلغ الرجال.
العصر الذهبي في تاريخ تدمر بعد الميلاد
رغم أن آثار "تدمر العربية" تدل على أنها كانت ذات حضارة عريقة ومجد تليد عريقين في القدم، إلا أن العصر الذهبي الذي عاشته "تدمر" -كما هو في مصادر التاريخ الروماني واليونانى لا العربي الذي كانت مصادره ليس فيها شيء ذو بال عن هذا العصر الذهبي - العصر الذهبي هذا الذي عاشته "تدمر" بعد الميلاد يمكن القول إنه بدأ بعهد أذينة الأكبر وتعاظم فيه مجد أسرة آل أذينة حتى بلغ القمة في عهد الملكة الأسطورة زينوبيا "الزباء".
يبدأ هذا العصر في أواخر النصف الأوّل من القرن الثالث للميلاد. أي في عهد الملك أذينة أكبر. وهو أول حاكم من آل أذينة أطلق عليه اسم "ملك" بعد الميلاد، وبعد أن أخضع الإِمبراطور "هدريان HEDRIAN شعب تدمر لسلطان روما وقضى على حكمه الوطنى.
الرومان يغتالون أول ملوك تدمر
فمنذ عام ١٣٠ بعد الميلاد "وهو العام الذي تمت فيه السيطرة الكاملة للرومان على تدمر" والشعب التدمرى ذو النجدة والبأس يتململ تحت وطأة الحكم الأجنبي، ولا يخفى نفوره وتبرمه بسيطرة الرومان الغرباء على بلاده.
ولم تغلب هذه الحقيقة عن بال أباطرة "روما"، فكانوا لذلك يخشون هذا الشعب المحارب الشرس القوى البدوى ذا الروح القتالية الجارية فيه مجرى الدم في عروقه. فهو من نسل العرب العمالقة الذين كانوا "ولقرون طويلة" سادة
[ ٧ / ٣٦ ]
المشرق "مصر والعراق وأرمينيا وآسيا الصغرى وشمال ووسط وشرقى الجزيرة العربية".
لذلك ولكى يكبحوا من جماح هذا الشعب العربي المحارب. . صاروا يتوددون إلى زعيمه آن ذاك "أذينة الأكبر".
ففي أواخر الأربعينات من القرن الثالث للميلاد. منحت روما "أذينة الأكبر" الحاكم باسمها على "تدمر"، منحته لقب عضو مجلس شيوخ.
ولكن ذلك لم يعجبه كوطنى مخلص وفى لبلاده وشعبه، يرفض "في قرارة نفسه" أن يكون أداة - عن طريق هذا اللقب لقب عضو مجلس الشيوخ - لقهر شعبه وإخضاعه للاستعمار الروماني.
لذلك تخلى عن عضويته في مجلس الشيوخ أي أنَّه رفض هذا المنصب الذي منحته روما إياه.
ولم يكتف أذينة الأكبر بتحدى الرومان حين رفض اللقب الذي منحوه وهو عضوية مجلس الشيوخ، بل ذهب في التحدى إلى أبعد من ذلك. حيث خلع على نفسه "بمساندة شعب تدمر" اسم "ملك".
وكان أذينة الأكبر شجاعًا باسلًا أحبه قومه من أهل المدينة الخالدة "تدمر" وأيده وأعطاه ولاءه كل مشايخ قبائل البادية المحيطين في الصحراء بالعاصمة "تدمر". وكانوا جيلًا محاربًا ذا قدرة قتالية ممتازة.
فصار يعمل سرًّا "وبمساندة شيوخ القبائل وأهل تدمر نفسها" على التخلص من كابوس الاستعمار الروماني الذي جثم على صدر شعب "تدمر" منذ عام ٣٠ ب. م. .
ووصل إلى علم مجلس الشيوخ في "روما" وهو السلطة العليا في الإِمبراطورية الرومانية. وصل إلى علمه، ما يقوم به أذينة الأكبر من مساع لتحرير تدمر والشام كلها من نير الاحتلال الروماني.
ولما كان أذينة الأكبر هو الحاكم الفعلى "لتدمر" رغم ارتباطه وتبعيته في الظاهر لروما، فإن الرومان رأوا "ولظروف سيئة مختلفة كانت عليها دولتهم في أوربا نفسها" أن ليس من مصلحتهم أن يلجأوا إلى محاربة أذينة الأكبر الذي
[ ٧ / ٣٧ ]
تحدّاهم وأعلن نفسه ملكًا على تدمر. لذلك لجأوا للتخلص منه إلى أيسر الطرق فاغتالوه عام ٢٥١ بعد الميلاد.
وكان الذي تولى اغتياله أحد القادة الرومان اسمه "روفينوس". وذلك بأمر من قيصر روما. وبهذا الاغتيال ظن الرومان أنهم أزاحوا من أمامهم في المشرق خصمًا عنيدًا بإزاحته سيصفو لهم الجو هناك. غير أن صنيعهم هذا كان بداية النهاية لسيطرتهم لا على الشام وحدها بل على المشرق كله (١).
أذينة الأصغر الملك الثاني لتدمر
ترك الملك أذينة الأكبر بعد اغتياله ولدين ذكرين اسم أحدهما خيران وهو الأكبر، واسم الثاني أذينة، وهو الأصغر.
وبعد مصرع الملك أذينة الأكبر في تلك الظروف التي أرادها الرومان أن تكون غامضة ولكنها كانت واضحة حيث بات واضحًا لأسرة آل أذينة وكل شعب "تدمر" أن مصرعه كان بتدبير من روما. . بعد مصرع أذينة الأكبر نصب الرومان خيران واسمه عند الرومان "سبتيميوس" نصبوه خلفًا لأبيه حاكمًا على "تدمر" بعد أن منحوه لقب رئيس مجلس الشيوخ في تدمر.
ولم يذكر التاريخ أن خيران هذا كان ذا شأن في تاريخ "تدمر". بل كان خامل الذكر. لم يقم بأي عمل يرفع من شأنه. فلم يحرك ساكنًا لمقتل أبيه حتى مات عام ٢٥٨ ب. م بعد أن ترك ولدًا صغيرًا اسمه "معنى".
وكان أذينة أصغر من أخيه "خيران" ولكنه كان قويَّ العزيمة بعيد الهمة شجاعًا طموحًا نيّر الذهن خارق الذكاء.
وبحكم ظروف البيئة العشائرية التي عليها أهل تدمر. اضطر الرومان إلى تولية أذينة بن أذينة خلفًا لأخيه، حاكمًا بالنيابة عنهم على تدمر وقد منحوه لقب قنصل. وهو لقب عال في عرف التقاليد الرومانية. وكان تولى أذينة الأصغر حكم تدمر في عهد القيصر "والريانوس" عام ٢٥٨ م.
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة اغتيال الملك أذينة الأكبر في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٣٨ ]
أذينة الأصغر يسمى نفسه ملك الملوك ويقهر الفرس والرومان سويًا.
لم تكن فاتحة عهد أذينة الأصغر فاتحة صفاء ووئام مع الرومان "كما أرادوا" بل كانت فاتحة خصام وتنافر انتهت برضوخ الرومان واعترافهم بسلطة أذينة الأصغر وقبولهم أن يكون السيد الحقيقي للمشرق، مع بقاء ارتباط اسمى له بروما. أزيل هذا الارتباط الاسمى نهائيًا في عهد زوجة أذينة الأصغر والوصية على ابنه القاصر الملك "وهب اللات" والتي قضت على الوجود الروماني في المشرق نهائيًا، بل وزحفت بجيوشها عبر البوسفور قاصدة احتلال روما.
حقد أذينة الأصغر على الرومان
لما كان أذينة الأصغر الذي منحه الرومان لقب قنصل يعلم أن القائد "روفينوس" هو الذي دبر اغتيال والده الملك أذينة الأكبر. أبت نفسه السكوت على هذه الجريمة. فكتب إلى قيصر روما وكان آنذاك "والريانوس" أن يقتص من قاتل أبيه. القائد "روفينوس".
غير أن القيصر تجاهل طلب أذينة الأصغر، ولم يهتم له. فغاظ ذلك هذا الأمير الشاب الطموح الشجاع فحقد على الرومان أشد الحقد. ولكنه كتم غيظه. في انتظار الفرصة المواتية للانتقام من الرومان والانقضاض عليهم وطردهم عن بلاده.
أذينة الأصغر سيد المشرق وقاهر الفرس والرومان
وفعلًا واتت أذينة الأصغر الفرصة الذهبية فاهتبلها. وعن طريقها قفز إلى القمة فصار سيد المشرق يهابه الفرس والرومان على السواء.
فقد صادف أن شنّ الرومان الحرب على الفرس "وهي حرب تقليدية ما زالت قائمة بين الإِمبراطوريتين العتيدتين حتى أزالهما المسلمون من الوجود في وقت واحد". شن الرومان الحرب على الفرس. وزحفت جيوشهم بقيادة القيصر فعبرت البوسفور واخترقت آسيا الصغرى حتى وصلت "الرها" بالقرب من الفرات. وكانت الجيوش الرومانية تتحرك بقيادة القيصر "والريانوس" الذي احتقر أذينة الأصغر فلم يستجب لطلبه المتضمن إنزال
[ ٧ / ٣٩ ]
العقاب بمغتال أبيه أذينة الأكبر.
وأثناء زحف القيصر لاحتلال مملكة فارس. صار يتودد إلى أذينة الأصغر ليكون وعشائر تدمر وقبائل الصحراء المحيطة بها عونًا له في حربه ضد الفرس - لذلك منح القيصر أذينة أعلى الرتب وأغدق عليه الخلع والهدايا بسخاء كبير.
ولكن أذينة الغاضب الطموح لم يحفل لهذه الخلع والهدايا ففرّقها في شيوخ العشائر ورؤساء القبائل الذين أحبوه ومنحوه كل ولائهم لما فطر عليه من الشجاعة والنجدة. بل ظل الحقد يعمل في نفسه على الرومان وعلى القيصر والريانوس بوجه خاص.
وسنحت الفرصة الذهبية للأمير الشاب "أذينة الأصغر" فاهتبلها فضرب عصفورين بحجر. حيث ساعدته الأقدار على أن يجبر الرومان على محالفته والاعتراف به سيد المشرق. وعلى أن يهزم الفرس ويذلهم وينزل الهزائم بهم. فيقهر النقيضين في آن واحد.
وقوع القيصر أسيرًا
فقد نشبت معركة فاصلة "في الرها" بالقرب من الفرات بين الفرس بقيادة الملك "سابور" وبين الرومان بقيادة الملك "والريانوس" انتهت بانتصار الفرس علِي الرومان انتصارًا ساحقًا. تُوِّج هذا الانتصار بوقوع القيصر نفسه أسيرًا في أيدى قوات الملك سابور. فعاد به إلى عاصمته "المدائن" أسيرًا. وذلك عام ٢٥٩.
وقد اغتبط أذينة الأصغر بالنكبة التي نزلت بالقيصر وجيوشه التي فرقتها الهزيمة في "الرها"، فكتب إلى سابور يهنئه بالنصر، ويعرض عليه أن يكون وإياه يدًا واحدة على الرومان لطردهم نهائيًا من الشرق.
ولكن كبرياء سابور ملك الفرس وغطرسته. جعلته يقابل عرض الأمير الطموح "أذينة الأصغر" بالإِهانة والاحتقار. حيث كتب يؤنبه. كيف يجرأ "وهو البدوى المتأخر" أن يخاطب ملك الملوك سابور، مخاطبة الند للند. بدلًا من أن يقدم له فروض الطاعة والخضوع والولاء. أليس سابور. هو الذي هزم جيوش روما وقبض على قيصرها أسيرًا؟
[ ٧ / ٤٠ ]
هنا ثارت ثائرة ذلك العملاق العربي "أذينة" فقرر أن يثبت لكسرى الأهوج المتغطرس "عمليًّا" من هو "أذينة بن أذينة" سليل العمالقة. فعقد العزم على الانتقام من القيصر.
فتناسى "مؤقتًا" ما بينه وبين الرومان من خصومة. فأبلغهم أنَّه قرر محاربة ملك الفرس سابور. وإنه يقبل أن يكون وإياهم يدًا واحدة على ذلك "الكسرى المتغطرس".
ولما كان الرومان في حالة إعياء مادى ونفسى للهزيمة المدمرة التي أنزلها سابور بهم. اغتبطوا اغتباطًا شديدًا للتحول الجذرى في سياسة "أذينة" الذي أبلغهم أنَّه قرر محاصرة المدائن عاصمة الفرس وإطلاق سراح القيصر الأسير فيها "والريانوس". فأمدوه بقوة مما تبقى من جيوشهم في المشرق. واعترفوا به سيدًا على الشام كلها. كحليف لروما. لأنهم كانوا في حالة لا تسمح لهم إلا بأن يستجيبوا لطموح الأمير أذينة. وكان الذي خلف القيصر الأسير "والريانوس" هو القيصر ابنه "فاليونوس".
يسمى نفسه ملك الملوك
حشد الأمير أذينة بن أذينة جيشًا عرمرما من القبائل الأشداء الشجعان التدمريين. تساندهم بعض القوات الرومانية، ثمَّ تولى أذينة بنفسه قيادة ذلك الجيش. وتحرك به نحو بلاد الفرس. ولما علم سابور "ملك الفرس" سارع وتحرك بنفسه من عاصمته المدائن على رأس جيش من الفرس. وهو لا يشك لحظة في أنَّه سيسحق قوات أذينة الذي كان يسميه "البدوى الحافى".
غير أن ظنون الكسرى المغرور خابت. حين التقى به أذينة فيما بين النهرين "دجلة والفرات" وأنزل به هزيمة منكرة. كاد فيها سابور نفسه أن يقع أسيرًا في يد الأمير أذينة بن أذينة. لولا أنَّه ركن إلى الفرار مع فلول جيشه تاركًا نساءه وأمواله وأسلحة جيشه غنيمة بين يدي الأمير أذينة.
وبعد هذا الانتصار الساحق الذي سجله الأمير العربي "أذينة على الفرس" خلع على نفسه لقب "ملك الملوك" وهو لقب مختص "فقط" بأكاسرة الفرس. وذلك من أذينة إمعانًا في إذلال الملك سابور.
[ ٧ / ٤١ ]
أذينة يحاصر عاصمة الفرس
ولم يكتف الملك أذينة بتحرير المناطق الواقعة ما بين النهرين وتطهيرها من حكم الفرس. بل ذهب إلى أبعد من ذلك فعبر النهر. وضرب الحصار على المدائن عاصمة الفرس مرتين وكادت تسقط في يده لولا اضطراره إلى فك ذلك الحصار. والتوجه إلى حمص. لمعالجة تمرد قام به أحد القادة الرومان ضده فقضى على ذلك التمرد. حيث قتل القائم به. ثمَّ قرر العودة لضرب الحصار على عاصمة الفرس بغية احتلالها ولكن القدر عاجله حيث لقى مصرعه في حمص على يد ابن أخيه خيران واسمه "معنّى" وذلك في عام ٢٦٧ م.
وقد قتل مع الملك أذينة ابنه "هيروديس" في عملية الإغتيال.
غير أن أهل حمص "لما يتمتع به الملك أذينة بينهم من احترام" لم يمهلوا ابن أخيه القاتل حتى ألحقوه به، فلم يكد معنيّ بن خيران يعلن نفسه ملكًا على الشام حتى هبرته سيوف أهل حمص فقضوا عليع وعلى العصابة التي ساندته في اغتيال عمه الملك الشجاع المحبوب أذينة بن أذينة.
ومن الجدير بالذكر أن الملك أذينة لم يمت حتى وصل سلطانه إلى سواحل البحر الأسود بآسيا الصغرى حيث قهر جيشه قوات القوط الذين نزلوا في اليابسة من البحر الأسود قاصدين احتلال آسيا الصغرى والشام كلها مغتنمبن فرصة انشغال الملك أذينة بمحاصرة طفسون "المدائن" عاصمة الفرس.
وبمصرع الملك أذينة بن أذينة انطوت صفحة من أروع صفحات البطولة والطموح والشجاعة والحزم والحنكة السياسية المتمثلة في ذلك الملك الذي عاجلته المنية وهو في عنفوان الشباب (١).
الملكة الزباء سيدة المشرق
كان أذينة بن أذينة الملك الثاني لتدمر. قد تزوج من فتاة من أسرة آل
_________________
(١) انظر مزيدًا من التفاصيل عن تاريخ هذا الملك الشاب العظيم في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٤٢ ]
أذينة، عالية الهمة شديدة الحزم نيّرة الفكر واسعة الأفق على مستوى رفيع من الثقافة، فكانت له في حياته خير عون. كان يثق بها إلى أبعد الحدود، لذلك كان ينيبها عنه في إدارة شؤون مملكته المترامية الأطراف، كلما اضطرته الظروف إلى مغادرة العاصمة تدمر، لمباشرة حرب ضد أي من خصومه سواء كانوا من الفرس أو من الرومان. تلكم هي ملكة "تدمر" الذائعة الصيت التي يسميها المؤرخون الإِسلاميون "الزباء" ويسميها المؤرخون الرومان واليونان "زينوبيا".
الملكة الوصية على عرش ابنها
كان الملك الشاب أذينة الأصغر، قد رزق من زوجه الزباء "زينوبيا" ثلاثة أبناء كلهم ذكور. وكانوا جميعًا عندما جرى اغتيال والدهم الملك "أذينة" دون سن الرشد، وكان أكبرهم سنًّا ابنه "وهب اللات".
لذلك بايعه أركان مملكة تدمر ملكًا خلفًا لأبيه. ولما كان وهب اللات "كما قلنا" قاصرًا دون سن الرشد قرر مجلس الشيوخ في "تدمر" أن تكون أمه الزباء "زينوبيا" وصية عليه تدير شئون المملكة نيابة عنه.
تدمر تبلغ ذروة المجد في عهد الزباء
سارت الملكة الزباء على خطى زوجها الشاب الملك أذينة من حيث الشجاعة والطموح وشدة الحزم واليقظة وحسن التدبير.
ورغم أن زوجها الملك الشاب فارق الحياة وهي في ريعان الشباب فإنها لم تفكر في الزواج بعده بل رضيت الترمل فعاشت لأبنائها "وبشهادة المؤرخين الرومان واليونان" كانت الزباء "رغم ترف الملك وعزة السلطان" مثال العفة والاستقامة، والبعد عن المجون.
بل صرفت كل اهتمامها إلى تنشئة أبنائها "وخاصة الملك الصغير وهب اللات" على الفروسية وتوسيع الثقافة، والتدرب على شئون الحكم. وقد بلغ بها الاهتمام بتربية ابنها الملك الصغير "وهب اللات" إلى أن جعلته يبلغ في الثقافة إلى إجادة اللغة اللاتينية، وكانت هي نفسها تجيد اللغة اللاتينية واليونانية والمصرية. وكانت تدرب ابنها على تعلم أصول سياسة الملك ليصبح
[ ٧ / ٤٣ ]
"كأبيه" في مصاف القياصرة والأكاسرة.
الملكة الزباء تحتل مصر وتعبر البوسفور
لم يقف الطموح بالملكة الزباء "الأسطورة" عند حدود الاحتفاظ بحدود المملكة الواسعة المترامية الأطراف التي أسسها زوجها "أذينة بن أذينة" بل دفعت بها همتها العالية وشجاعتها النادرة إلى أن تقود الجيوش بنفسها، فتسجل من الانتصارات العظيمة ما جعلها تضيف أقاليم جديدة واسعة شاسعة إلى رقعة الملك الذي أسسه زوجها. الأمر الذي جعل المؤرخين "اليونان والرومان" يطلقون على مملكة "تدمر" في عهد الملكة "الزباء" اسم "إمبراطورية" ويسمون الملكة الزباء "زينوبيا" باسم "الإمبراطورة" ويلقبونها بسيدة المشرق.
ففي عهد الملكة الزباء أزيل "نهائيًا" الوجود الروماني السياسي والعسكري من المشرق.
فقد أنشأت أسطولًا بحريًا عظيمًا حمل من شواطئ الشام سبعين ألف مقاتل لاحتلال مصر وذلك بقيادة ساعد زوجها الأيمن والوفى لآل أذينة القائد الشهير "زَبْدا" الذي ضرب الحصار على الإِسكندرية ثمَّ فتحها وسيطرت قواته على مصر كلها، وبذلك أصبحت مصر إقليمًا تابعًا لسلطات الإِمبراطورة "الزباء" وذلك حوالي عام ٢٦٨ ب. م.
كما احتلت جيوش الإِمبراطورة الزباء العراق أيضًا وجعلته إقليمًا تابعًا لتدمر. . كذلك سيطرت جيوشها على الجزء الشمالي الغربي من جزيرة العرب حيث وصلت قواتها إلى تبوك ودومة الجندل (١).
آسيا الصغرى تسقط في يد الملكة الزباء
ولم تكتف الإِمبراطورة العربية العجيبة بإضافة هذه الأقاليم الشاسعة في الشرق والغرب والجنوب إلى رقعة إمبراطوريتها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث زحفت بجيوشها واحتلت كل آسيا الصغرى "تركيا اليوم الآسيوية".
_________________
(١) مروج الذهب للمسعودى ج ٢ ص ٩٧.
[ ٧ / ٤٤ ]
وهكذا لم يأت عام ٢٨٠ ب. م حتى أصبحت الملكة "الزباء" تحكم الرقعة الشاسعة الممتدة من البحر الأسود ومضيق البوسفور في الشمال حتى حدود النوبة في الغرب بأفريقيا، وتيماء ودومة الجندل بجزيرة العرب في الجنوب، وحدود إيران في الشرق.
وهكذا بلغ ملك آل أذينة العمالقة من السمو والعلو والاتساع في عهد الإِمبراطورة "الزباء" ما لم يبلغه في أي عهد من عهودهم. فقد كانت هذه الملكة الفذة "كما وصفها الإِمبراطور أورليانوس" إذا حاربت أرجل من الرجال.
أما الحالة الاقتصادية والتجارية والعمرانية والثقافية فقد بلغت في عهدها القمة، فكانت تدمر العاصمة في عهد الزباء تزرى بروما في كثير من النواحى. وذلك بفضل تلك الملكة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلًا بين ملوك وملكات الشرق "قبل الإِسلام".
فشل الرومان في استعادة ممتلكاتهم من الزباء
عندما بلغت الملكة الزباء هذه المنزلة وأصبحت سيدة المشرق بكل معاني هذه الكلمة. وخاصة بعد أن أزالت آخر أثر للوجود الروماني في التراب الآسيوى كله. شعرت روما بالهوان الذي لم تشعر بمثله حتى في أسوأ الظروف التي كانت فيها جيوش الإِمبراطورية الفارسية تنزل الهزائم بجيوش روما على حدود العراق أو في الشام. إذ لم تستطع جيوش الفرس في أقسى ظروف الجيوش الرومانية أن تقضى على سلطان الرومان في الشام فضلًا عن آسيا الصغرى. بينما استطاعت الملكة العربية (الزباء) أن تفعل ذلك كله في فترة وجيزة لا تتعدى الست سنوات.
ولهذا فإن الرومان لم يسكتوا على ذلك الهوان الذي أنزلته بهم تلك المرأة الأعجوبة الملكة الزباء. فقد حاولوا أن يستعيدوا ممتلكات روما فيما وراء البحار من يد الإِمبراطورة (الزباء). ولكنهم لخوفهم بن الملكة الزباء ولعلمهم بما هي عليه من قدرة وحسن تدبير جبنوا عن مواجهتها مواجهة عسكرية مكشوفة أول الأمر. لذلك حاولوا خداعها تحت ستار بقايا الصداقة التي كان
[ ٧ / ٤٥ ]
زوجها قد عقدها مع الرومان عندما قرر محاربة سابور ملك الفرس. فقرر مجلس الشيوخ في روما أن يبعث بجيش كثيف. إلى الشام هدفه في الظاهر استئناف الحرب ضد الفرس. بينما في الباطن هدفه القضاء على سلطان الإِمبراطورة (الزباء) بأيسر التكاليف وعن طريق الخداع.
وقد أبلغ مجلس الشيوخ في روما الملكة الزباء بهذا القرار. وتحرك من روما جيش ضخم بقيادة القائد "هرقليانوس" غير أن الحيلة لم تنطل على الإِمبراطورة الزباء "داهية المشرق" التي قد تأكد لديها بطرقها الخاصة أن الهدف من الحملة الرومانية التي نزل جنودها "فعلًا" في اليابسة من آسيا إنما تهدف إلى الإِطاحة بمملكة تدمر.
لذلك سارعت الملكة إلى تجهيز جيش ضخم من التدمريين وإخوانهم من بقية القبائل العربية. وقادته بنفسها لمواجهة الجيوش الرومانية التي أخذت تتحرك في آسيا الصغرى. وفعلًا قامت الملكة الزباء "وبأسلوب عاجل صاعق" بمهاجمة القائد الروماني "هرقليانوس" قبل أن يهاجمها. فأنزلت بجيشه هزيمة ساحقة كاد فيها "هرقليانوس أن يقع أسيرًا في يد الزباء" لولا أنَّه نجا بجلدته هربًا تاركًا قائده العام قتيلًا في ساحة الميدان وجيشه ممزقًا بين قتيل وأسير.
نهاية الملكة الزباء
وعادت الملكة الزباء إلى عاصمة ملكها "تدمر" مرفوعة الرأس بعد أن وضعت طابع الإذلال والإِهانة على قفا الإِمبراطورية الرومانية في معركة "هرقليانوس". وارتفعت الأصوات في روما مستنكرة بهياج أشد الاستنكار. . كيف تقدر أنثى على أن تذل الإِمبراطورية الرومانية إلى هذا الحد الذي لم يصل إليه أباطرة الفرس "خصوم إمبراطورية روما التقليديون" حتى في أعظم الانتصارات التي تسجلها جيوشهم في المشرق على روما؟ .
وجاء في مصادر التاريخ الروماني. أن أعضاء مجلس الشيوخ في روما "وهم يحتفلون بتتويج الإِمبراطور كلوديوس" صاحوا بعد أن طردت الزباء آخر جندى لروما في المشرق. أنقذنا يا "كلوديوس" من زينب "يعنون
[ ٧ / ٤٦ ]
الزباء". غير أن القيصر "كلوديوس" ظل عاجزًا أمام قوة الزباء ولم يستطع استعادة شبر من ممتلكات روما التي وقعت فيما وراء البحار في يد الملكة الزباء. بل لقد اضطر القيصر "كلوديوس" إلى مهادنة تلك الملكة الداهية الشجاعة الطموح. خوفًا من أن تزحف بجيوشها على روما نفسها، لأنَّ جحافل التدمريين العرب كانت قد بلغت شواطئ البوسفور والبحر الأسود على مداخل أوربا الشرقية، وقد بلغوا ذروة نشوة انتصارهم. وكما هي سنة الله في خلقه "على الله أن لا يرفع شيئًا إلا وضعه" فإن الملكة الزباء لم تستمر في قمة مجدها الذي بلغته، فقد شاء الله أن يأخذ هذا المجد الذي بنته بسرعة خارقة مذهلة في الانحسار بنفس السرعة حتى ضرب قيصر روما "أورليانوس" الحصار على تدمر عاصمة إمبراطورية الزباء "وبعد حصار دام ثلاث سنوات، وبعد بطولات خارقة أبدتها المملكة الشابة وجيشها الوفى، في معارك طاحنة خاضتها الملكة بنفسها حول أسوار القسطنطينية وفي أنقرة وخلقدونية وإنطاكية وحمص"، استسلمت العاصمة (تدمر) لجيوش القيصر (أورليانوس) ووقعت الإِمبراطورة الزباء وكل أسرة آل أذينة في الأسر وذلك عام ٢٧٣ للميلاد (١).
وعاشت الإِمبراطورة (الزباء) في إيطاليا وأبناؤها بقية حياتهم حتى طواهم العدم، وبذلك انطوى بساط أعز، وأقوى، وأرقى مملكة عربية في الشام قبل الإِسلام (٢).
قضاعة في الشام
وهناك جيل من العرب كان لهم وجود في الشام قبل الإِسلام، وهم عرب (قضاعة) من نسل حمير من القحطانيين.
ويظهر أنهم كانوا موجودين في الشام قبل الميلاد، إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يحدد تاريخ تواجدهم في الشام، وتاريخ نزوحهم إليها من جنوب الجزيرة العربية (موطنهم الأصلي).
_________________
(١) انظر تاريخ العرب قبل الإِسلام للدكتور جواد علي (موطن الحديث عن سقوط تدمر).
(٢) انظر أوسع التفاصيل عن التاريخ السياسي والعسكري والثقافى والعمرانى لمملكة الزباء في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٤٧ ]
وكانوا فيما يبدو "وعلى الأرجح" قومًا رحلًا أول الأمر، ويظهر أنهم كانوا على وفاق مع مملكة تدمر قبل الميلاد وبعده، بدليل أن العلامة ابن خلدون ذكر في تاريخه ج ٢ ص ٥٤٤ أن من بين جنود الملكة الزباء أناس من بني سليح وحلوان كلهم من قضاعة.
مشيخة أم مملكة
وخلاصة القول أنَّه كان للقضاعيين بالشام في فترة ما بعد الميلاد وجود سياسى وعسكرى، وأطلق بعض المؤرخين عليهم اسم ملوك قضاعة في الشام.
غير أن الأقرب إلى الصواب أن مملكة القضاعيين في الشام أقرب ما تكون إلى المشيخة الكبيرة أطلق عليها (تجاوزًا) اسم مملكة. كمملكة أكيدر الكندى في دومة الجندل التي هي في واقعها مشيخة لا مملكة.
مساحة مملكة أو مشيخة قضاعة في الشام
والذي يرجح القول بأن مملكة قضاعة في الشام أشبه بالمشيخة منها بالمملكة. أنهم:
١ - كانوا تبعًا للرومان طيلة وجودهم في الشام يجمعون لهم الضرائب ويجندون لهم الجنود من أبنائهم ليكونوا ضمن الجيوش الرومانية في حروبها ضد أعدائها من الفرس وغيرهم.
٢ - كانت مملكة أو مشيخة قضاعة. مساحتها ضيقة جدًّا (إذا ما قيست بمساحة مملكة آل أذينة. أو حتى الغساسنة الذين أزالوا وجود قضاعة السياسي والعسكري من الشام).
فقد كانت مملكة قضاعة تشمل فقط الشريط الضيق من الشام الممتد على حدود الجزيرة العربية وهي (فقط) منطقة مؤاب ومعان ومؤتة وما حواليها من مشارف الشام والتي تمثل اليوم (فقط) لواء واحد من ألوية المملكة الأردنية الهاشمية المسمى (بلواء الكرك أو البلقاء) في الجنوب. لذلك أطلق المؤرخون الإِسلاميون على مملكة قضاعة في الشام كلمة (مشارف الشام).
[ ٧ / ٤٨ ]
ملوك قضاعة
ويذكر الإِخباريون. أن عائلتين من قضاعة تعاقبتا على الملك في مشارف وهما الشام عائلة (تنوخ) وعائلة (الضجاعم).
فكان من (تنوخ) على مشارف الشام ثلاثة ملوك هم:
١ - النعمان بن عمرو بن مالك.
٢ - عمرو بن النعمان بن عمرو.
٣ - الحوارى بن النعمان.
ومن عائلة الضجاعم (الذين أزالوا ملك أبناء عمومتهم) ملوك ثلاثة أيضًا، هم:
١ - النعمان بن عمرو بن مالك.
٢ - مالك بن النعمان.
٣ - عمرو بن مالك. (١).
وبعضهم يذكر أن ملوك الضجاعم خمسة لا ثلاثة. فيضيفون إلى الملوك الثلاثة المذكورين اسم ملكين هما الملكة (مارية أو ماوية) (٢) و(زياد بن هبولة) (٣).
آثار ملوك قضاعة في الشام
أما آثار قضاعة الحضارية أو العمرانية. أو السياسية أو أعمالهم الحربية أثناء وجودهم شيوخًا أو ملوكًا في مشارف الشام، فلم نجد لها أي ذكر في أي مصدر من مصادر التاريخ الإِسلامي أو الروماني. وكل ما ذكره المؤرخون. أن قضاعة ملكت مشارف الشام فترة من الزمن، وأنهم كانوا منصبين على مشارف الشام من قبل الإِمبراطورية الرومانية، وأن أمرهم انتهى على أيدى أبناء عمومتهم الغساسنة في أواخر القرن الثالث للميلاد (٤).
_________________
(١) مروج الذهب ج ٢ ص ١٠٦ والمعارف ٢١٥.
(٢) مجلة الشرق العدد ١١ عام ١٩٠٧ م ص ٥٢٤ السنة العاشرة، وانظر تاريخ العرب قبل الإِسلام (موطن البحث في تاريخ ملوك قضاعة).
(٣) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٢.
(٤) انظر مزيدًا من التفاصيل عن تاريخ قضاعة وصلة ملوكها بالشام والعراق والخليج في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٤٩ ]
وهكذا فإن دور القضاعيين في الشام (كحكام وملوك) كان - قبل الإِسلام - دورًا غير ذي بال إذا ما قيس بأدوار من قبلهم من العرب "كأسرة آل عاد والعمالقة من الأنباط والتدمريين الذين كان دورهم - أعنى التدمريين - أعظم الأدوار في التاريخ العربي في الشام قبل الإِسلام".
قضاعة شعب محارب قوي
غير أن الذي تجب الإِشارة إليه. هو أن قضاعة رغم زوال ملكهم في الشام قبل الإِسلام على أيدي الغساسنة، فقد ظلوا يستوطنون مشارف الشام (منطقة مؤتة ومعان ومؤاب وما حواليها) ويؤلفون مع إخوانهم الذين - ظلوا حتى ظهور الإِسلام يستوطنون الركن الشمالي الغربي لجزيرة العرب - ظلوا يؤلفون شعبًا قويًّا محاربًا بدرجة ممتازة. قوامه مجموعة من العشائر منهم تتلاحم في منطقتى الحدود بين الشام والجزيرة العربية.
ورغم تتويج الرومان للغساسنة ملوكًا على الشام (بما في ذلك المواطن التي كان يملكها القضاعيون) فإن الرومان ظلوا يعتمدون على قضاعة كقوة بشرية ذات قدرة قتالية ممتازة، في حروبهم ضد خصومهم بالإِضافة إلى اعتمادهم على تابعيهم من الغساسنة.
ولا أدل على إثبات هذه الحقيقة من أن القوة الرئيسية العربية التي قاتلت المسلمين في معركة (مؤتة الحاسمة) لحساب الرومان، كانت من قضاعة الذين كانوا رأس الحربة في الجيش الروماني الذي خاض - ضد المسلمين - معركة مؤتة في البلقاء بقيادة الأمير تيودور أخو الإِمبراطور (هرقل) عام ثمان للهجرة. حيث كان قائد العرب المتنصرة (وأكثرهم من قضاعة) في هذه المعركة، أحد سادات قضاعة، واسمه مالك بن رافلة. وقد لقى مصرعه في هذه المعركة. كما سيأتي تفصيله في كتابنا هذا إن شاء الله.
كيف انتهت قضاعة في الشام
أما كيف انتهى ملك قضاعة في مشارف الشام فليس فيما بين أيدينا من مصادر تاريخية (إسلامية أو أجنبية) أية تفصيلات عن الطريقة التي بها تغلب الغساسنة على القضاعيين وحلّوا محلهم في الشام اللهم إلا ما ذكره
[ ٧ / ٥٠ ]
الإِمام ابن خلدون وحمزة الأصفهانى من أن آخر ملوك قضاعة من الضجاعم واسمه (سبيط) لما طالب الغساسنة بالجزية التي كانوا يدفعونها للضجاعم، التقى به أحد الغساسنة الشجعان واسمه (جذع) فقال لسبيط، ألا تقبل سيفى هذا (كان السيف مذهبًا مقبضه وجفنه) بدلًا من الجزية التي تريد منا؟ . قال سبيط: بلى. فقال جذع: خذه. فمد سبيط يده، وتناول غمد السيف، فاستل جذع الغساني نصله وضرب به سبيطًا فقتله، فقيل خذ من جذع ما أعطاك. وذهبت مثلًا ووقعت الحرب بين سليح وغسان فأخرجت غسان سليحًا من الشام وصاروا ملوكها (١).
وهكذا انتقل ملك العرب في الشام من بني حمير إلى بني كهلان (٢).
الغساسنة في الشام
الغسانيون هم جيل من العرب من القحطانيين أصلهم من اليمن، يرجع نسبهم إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وهم أبناء عمرو بن عامر (مزيقيا) الملقب (بماء السماء) أحد ملوك مأرب والذي تفرق أبناؤه في مختلف أقاليم الجزيرة العربية والشام والعراق (بعد انهدام سد مأرب) ومنهم اللخميون ملوك الحيرة والغساسنة ملوك الشام. . وكذلك الأوس والخزرج الذين صاروا فيما بعد أنصار رسول الله - ﷺ -.
فعمرو بن عامر (ملك مأرب) هو أبو الملوك الذين ملكوا الشام والعراق. أما اسمه فهو (عمرو بن عامر) مزيقيا ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس (البطريق) بن ثعلبة بن مازن بن الأزد (٣) بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان.
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون ٢ ص ٢٩٧ وتاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء لحمزة الأصفهانى ج ص ٩٩ طبعة مكتبة الحياة، ببيروت.
(٢) لأنَّ قضاعة من حمير بن سبأ، وغسان من كهلان بن سبأ.
(٣) الذي تجدر الإِشارة إليه أن الأزد هم من أعظم قبائل العرب وأكثرها سؤددًا وانتشارًا على الإِطلاق. منهم أزد (عمان) وأزد السراة (غامد وزهران وكل سكان سلسلة جبال السراة) وأزد (الأوس والخزرج) وأزد (لخم وجذام ملوك الحيرة) وأزد (غسان وهم ملوك الشام) وأزد (طيء) وهي من أعظم قبائل شمال الجزيرة، وأزد (خزاعة بمكة وما حواليها). وكان لهم شأن عظيم في تثبيت دعائم الإِسلام، ومنهم المحارب الشهير داهية حروب الخوارج "المهلب بن أبي صفرة".
[ ٧ / ٥١ ]
سبب تسميتهم بغسان
والأرجح أن غسان الذي أطلق على من يسمون بهذا الاسم، ليس اسم رجل، وإنما هو اسم لماء في إحدى المناطق بجنوب الجزيرة (اختلف في تحديد موقعها). قالوا: فكل من ورده من أبناء الأزد أطلق عليه وعلى من تناسل منه اسم (غسان) (انظر معجم قبائل العرب للأستاذ رضا كحالة ج ٣ ص ٨٨٤ وما بعدها) وانظر أيضًا (تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨١).
كيف ومتى جاء الغساسنة إلى الشام
تقدم في هذا التمهيد أن أجيالًا من العرب كانت تسيطر على الشام وتحكمها منذ فجر التاريخ (عاد الثانية قبل بني إسرائيل بقرون طويلة). (الأنباط منذ عهد هيروديس اليهودى عميل الرومان قبل الميلاد وحتى أوائل القرن الثاني للميلاد) وعائلة آل حسان (أسرة أذينة) حتى أواخر القرن الثالث للميلاد. ثمَّ القضاعيون من حمير الذين كانوا آخر من ملك (من العرب قبل الغساسنة) الشام، أو بالأحرى (مشارف الشام) حتى نافسهم الغساسنة وحلوا محلهم في امتلاك الشام (تحت النفوذ الروماني) بعد حروب خسرها الغساسنة وخضعوا لذلك (فترة من الزمن) للقضاعيين يؤدون الأتاوة (الجزية) لهم حتى تغلب الغساسنة نهائيًا وأزالوا ملك القضاعيين بعد أن قتل أحد محاربيهم الفُتّاك (جذع الغساني) سبيطًا القضاعى عندما طلب منه الجزية التي اعتادت قضاعة أن تأخذها من الغساسنة.
أما متى جاء الغساسنة إلى الشام، فليس هناك تحديد دقيق لتاريخ مجيئهم إليها، غير أن مما لا خلاف فيه أن نزوحهم إلى الشام إنما كان بعد الميلاد لأنَّ انهيار سد مأرب الذي تفرق بعده أبناء الملك (ماء السماء مزيقيا) - ومنهم الغساسنة - إنما كان في أوائل القرن الأوّل للميلاد (١).
مواطن الغساسنة بعد انهدام السد وقبل نزوحهم إلى الشام
غير أن الذي تميل إليه النفس بالمقارنة هو أن الغساسنة لم ينزلوا الشام ويستوطنوها إلا في أوائل الستينات من القرن الثاني للميلاد.
_________________
(١) انظر تاريخ العرب قبل الإِسلام للأستاذ جورجى زيدان.
[ ٧ / ٥٢ ]
لأنَّ الغساسنة (بعد تفرقهم عقب انهدام سد مأرب) لم يرحلوا رأسًا إلى الشام. بل ذهبوا إلى تهامة شرق البحر الأحمر وهناك تغلبوا على من بها من ملوك عك بن عبد الله بن عبدثان (بالثاء المثلثة) هكذا ضبطه الدارقطني (١) وهناك تغلبوا على من بها من العرب من ملوك عك بن عبدثان وهم (بنو عك بن عبدثان بن عبد الله بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان) وكان نزولهم ببلاد عك ما بين زبيد وزمع، وبعد حروب دارت بين الفريقين كانت الغلبة فيها للغساسنة بعد أن قتلوا ملك عك قتله ثعلبة بن عمرو مزيقيا (٢).
الغساسنة في بلاد عدنان
ويشم من رائحة حديث الإِخباريين أيضًا أن الغساسنة قبل أن يستوطنوا الشام (وبعد رحيلهم من مأرب) كان لهم وجود عسكرى واستيطان ثابت في بلاد معدّ بن عبدنان بعد حروب خاضوها هناك. وهذا يعني أن الغساسنة (قبل أن ينزحوا إلى الشام) حاربوا العدنانيين كما حاربوا بني عك بن عدثان أبناء عمهم من القحطانيين في تهامة. الأمر الذي يرجح القول: إنهم لم يستوطنوا الشام إلا بعد مرور أكثر من ١٥٠ سنة على تركهم مأرب وقد تركوها في أوائل القرن الأوّل للميلاد.
فقد نقل ابن خلدون عن المسعودى. أن الغساسنة - بعد رحيلهم من مأرب - نزلوا بين بلاد الأشعريين وعك على ماء يقال له. . (غسان) بين واديين يقال لهما. . (زبيد وزمع) فشربوا من ذلك الماء فسموا (غسان) وأن حروبًا كانت بينهم وبين معد (أي معد بن عبدنان) إلى أن ظفرت بهم معد فأخرجوهم إلى الشراة وهو جبل الأزد في الشام. (٣).
كيف تواجد الغساسنة في الشام
ليس هناك (كما قلنا هنا) تحديد دقيق للتاريخ الذي استوطن فيه الغساسنة الشام، لأنَّ ما ذكره المؤرخون عن تاريخ هذا الجيل من العرب فيه
_________________
(١) انظر تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨١.
(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨١.
(٣) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨١ - ٥٨٢.
[ ٧ / ٥٣ ]
كثير من الاختلاف وشئ من التناقض. مع إجماعهم على حقيقة واحدة لا سبيل إلى الاختلاف فيها وهي أن الغساسنة قد استوطنوا الشام لعدة قرون من الزمن حتى جاء الله بالإِسلام وأن عدة ملوك منهم قد ملكوا الشام بعد الميلاد وقبل الإِسلام طوال عدة مئات من السنين.
ذلك أمر متفق عليه ولا خلاف فيه بين المؤرخين الإِسلاميين والغربيين الإِفرنج رغم اختلاف الفريقين في عدد ملوك الغساسنة وعدد السنين التي ظلوا فيها ملوكًا للشام. حيث يرى حمزة الأصفهانى أن عدد ملوكهم اثنان وثلاثون ملكًا ومدة ملكهم ستمائة سنة (١) بينما يرى المؤرخ الألمانى نولدكه أن ملوكهم لا يزيدون على عشرة ملوك حكموا الشام مدة تقل عن مائتى سنة (٢).
بينما يرى أبو الفداء في تاريخه من جهة أخرى أن ملكهم لم تزد مدته على ٤٠٠ أربعمائة سنة. ويرى المسعودى في مروج الذهب. أن ملوكهم لا يزيدون على عشرة. وهذا يتفق مع ما قاله الأستاذ الألمانى (نولدكه) وعند ابن قتيبة أنهم ١١ أحد عشر ملكًا، والجرجانى يقول إنهم (فقط) تسعة ملوك (٣).
كل هذا الاختلاف لا يؤثر في جوهر الحقيقة وهي أن الغساسنة كانوا ملوكًا للشام قبل الإِسلام لسنين طويلة. . والإِخباريون لهم العذر في هذا الاختلاف. لأنَّ تاريخ ما قبل الإِسلام إنما كانت مصادره مصادر أجنبية كالفارسية والرومانية والإِسرائيلية والسريانية. لذلك لم يكن تسجيل الإِخباريين لإِخبار ما قبل الإِسلام بالدقة التي كانت عليها بعد الإِسلام، حيث استحدث المسلمون أدق طريق للحصول على الأخبار الصحيحة وهي طريقة السند والرواية التي اعتمد عليها أئمة المؤرخين مثل ابن إسحاق والواقدى والطبرى وابن سعد الدين لا يقبلون من الأخبار إلا ما كان عن طريق من يثقون به.
أما كيف تواجد الغساسنة في الشام، فالمرجح - واستنادًا إلى البيئة التي كانوا عليها أنهم لم يأتوا إلى الشام كجيوش نظامية غازية فاتحة.
_________________
(١) تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء ص ٩٩.
(٢) Noeldeke ٥٣.
(٣) انظر العرب قبل الإِسلام لجورجى زيدان ص ٢١١.
[ ٧ / ٥٤ ]
وإنما جاءوا (أول الأمر) على شكل بدو رحل وكان مجيئهم (على أقرب الأقوال إلى الصواب) في القرن الثاني للميلاد، فاستوطنت عشائرهم أول الأمر المناطق الجنوبية من الشام والمتاخمة لجزيرة العرب والمسماة (بمشارق الشام). ونزلوا البادية.
خضوع غسان لملوك قضاعة من الحميريين
وصادف أن الغساسنة جاءوا إلى الشام (وهم عن كهلان بن سبأ كما تقدم). . جاءوا إليها والسيطرة الفعلية على مشارفها لجيل من إخوانهم القحطانيين - تنوخ والضجاعم - وهم من أبناء (حمير بن سبأ) أبناء عمومة الغساسنة، والمنافسون التقليديون لهم في الملك حتى في اليمن. .
وكان الغساسنة - بحكم انتمائهم إلى ملوك مأرب وأنهم كما يسميهم الإِخباريون - "رهط الملوك" عندما استقر بهم المقام في مشارف الشام الجنوبية - وكانوا دونما شك عنصرًا محاربًا ذا قدرة قتالية ممتازة - كانوا عندما استقر بهم المقام في مشارف الشام حاولوا أن ينتزعوا (بقوة السلاح) ما بأيدى أبناء عمهم الحميريين من سلطان هناك بعد أن طالبوهم بالأتاوات فقاومهم أبناء عمهم القضاعيون، فدارت الحرب بينهم (دونما أي تدخل من الرومان الذين كانت الشام في حقيقتها آن ذاك مرتبطة بالتاج البيزنطى لأنَّ الرومان كانوا وقت الصراع بين الغساسنة والقضاعيين في شغل شاغل بمحاربة الفرس) ثمَّ آل أذينة من أهل تدمر.
وكان القضاعيون لا يقلون عن رهط الملوك من الغساسنة من حيث الطموح والشجاعة والقدرة القتالية حيث كانوا هم أيضًا جيلًا محاربًا ممتازًا، أليسوا هم كذلك من نسل ملوك حمير؟ رحلوا قبل الغساسنة من جنوب الجزيرة العربية (اليمن) وغلبوا على مشارف الشام بقوة السلاح؟
لذلك قاوم القضاعيون أبناء عمهم الغساسنة حتى قهروهم وتغلبوا عليهم إلى درجة ألزموهم معها أن يدفعوا لهم الأتاوة (الجزية) كدليل على خضوعهم لهم.
وبعد أن دارت الدائرة على غسان أقروا بالصغار لقضاعة في مشارف
[ ٧ / ٥٥ ]
الشام (١) واستمروا يؤدون الأتاوة مدة غير قصيرة، بعدها عاد ونشب الصراع المسلح بينهم من جديد بعد أن تمكن أحد فتَّاك غسان وهو (جذع بن عمرو بن المجالد) من قتل رئيس القضاعيين من الضجاعم، وهو سبطة بن المنذر بن داود وفي هذه المرّة تغلب الغساسنة على القضاعيين فأزالوا سلطانهم وغلبوا على ما كان بأيديهم في مشارف الشام (٢) وذلك (على ما يبدو) في أواخر القرن الثالث للميلاد.
الغساسنة والرومان
يمكن القول. . إن الشام قد دخلت في حوزة الإِمبراطورية الرومانية في القرن الأوّل قبل الميلاد، غير أن الرومان - منذ ذلك العهد - وعرب الشام يسببون لهم المتاعب. وخاصة الأنباط أهل بطرا (البتراء).
فقد كان هؤلاء الأنباط أصحاب السلطان المطلق على الشام منذ القرن الرابع قبل الميلاد، بدليل أنهم في ذلك العهد هزموا الإِسكندر المقدونى حين سحقوا جيوشه التي حاولت إخضاعهم بقيادة القائد اليونانى أنطيغونس، الذي أبادوا كامل جيشه البالغ أربعة آلاف مقاتل، والذي لم ينج من جنوده سوى القائد أنطيغونس وخمسين فارسًا.
وقد ظل العرب الأنباط (منذ دحرهم لجيوش الإِسكندر) في القرن الرابع قبل الميلاد سادة الشام حتى شمل سلطانهم كل أجزاء سوريا وجزأ من مصر وأجزاء من شمال الجزيرة العربية.
ومنذ بدأت الأطماع في السيطرة على المشرق تختلج في نفوس أباطرة روما (قبل الميلاد) كان هؤلاء الأباطرة يحاولون قهر العرب الأنباط وانتزاع الشام منهم، فجردوا عليهم عدة حملات كان نصيبها جميعًا الهزائم والاندحارات، فاضطر الرومان إلى مهادنة العرب الأنباط، حتى ضعفت في نفوسهم الروح القتالية التي يمتازون بها والتي مصدرها الخشونة القبلية البدوية التي أذهبها عنهم وأذابها في نفوسهم ركونهم إلى الدعة والترف وهنا اغتنم الرومان هذا الضعف
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨٣.
(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨٣.
[ ٧ / ٥٦ ]
الطارئ فقضوا على سلطان الأنباط وذلك لعام ١٠٦ م (١).
رغم قضاء الرومان على مملكة الأنباط العرب ورغم الاستقرار النسبى الذي نعم به الرومان في الشام في فترة ما بين أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الثالث للميلاد، فإنهم ظلوا عرضة للمتاعب التي كان البدو من عرب الشام يسببونها لهم حيث كانوا يشنون الغارات الخاطفة على طرق قوافلهم والأطراف النائية عن عواصم أقاليم الشام ثمَّ يوغلون في الصحارى وشغاف الجبال فلا يقدر عليهم الرومان.
ولعل أعظم المتاعب بل أعظم النكبات التي أنزلها جيل من العرب بالرومان في الشام قبل دوران الغساسنة في فلك هؤلاء الرومان، هو ما أصابهم على أيدى بقايا العمالقة من أسرة آل أذينة المنحدرين من أصلاب السميدع العمليقى. وخاصة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الثالث للميلاد حيث أزالت الملكة الزباء الوجود الروماني بكل أشكاله من الشام وعبرت بجيوشها البوسفور مصممة على احتلال روما نفسها. لولا أن القدر أنقذ الرومان بأن تولى أمرهم إمبراطور حازم عنيد هو (أورليانوس) فاستعاد سلطان الرومان المفقود في الشام وقضى على مملكة آل أذينة إلى الأبد (٢).
الرومان يقرون الغساسنة على ما في أيديهم:
والمرجح أن الغساسنة جاءوا إلى الشام وانتزعوا الأمر من أيدى أبناء عمهم القضاعيين في الجنوب، في الوقت الذي كانت فيه الإِمبراطورية الرومانية تصارع ملوك آل أذينة في سوريا من أجل استرجاع سلطان روما على الشام. وذلك حوالي عام ٢٤٨ للميلاد في عهد أذينة الأكبر.
ومنذ ذلك العهد صار الغساسنة حكامًا على مناطق محدودة من الشام تتم توليتهم من قبل أباطرة الروم، غير أنهم كانوا شبه مستقلين بمشيخاتهم التي أطلق عليها الإِخباريون (تجاوزا) اسم ممالك.
_________________
(١) انظر مزيدًا من التفاصيل عن مملكة العرب الأنباط في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
(٢) انظر أوسع التفاصيل عن حروب ملوك تدمر مع الإمبراطورية الرومانية في كتابنا (العرب في الشام قبل الإِسلام).
[ ٧ / ٥٧ ]
عدد وسني ملوك الغساسنة في الشام
أما عدد الملوك منهم والمدة التي كانوا يتداولون الملك فيها بالشام فقد اختُلف فيه اختلافًا كبيرًا كما هو الشأن بالنسبة لأحداث ما قبل الإِسلام فمن المؤرخين (كما تقدم) من يقول: إنهم ٣٢ ملكًا ومنهم من يقول: إنهم ١٠ ومنهم من يقول: إنهم ٩ ومنهم من يقول: إنهم ١١.
أما مدة ملكهم فلم أر أحدًا من المؤرخين حاول ضبطها سوى اثنين من المؤرخين كلاهما يبذل الجهد في الدقة والتحرى.
أحدهما حمزة الأصفهانى وهو من أقدم محققى الإِخباريين المسلمين، فقد ذكر في كتابه (تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) أن عدد ملوك غسان في الشام ٣٢، وأن مدة حكمهم كانت ستمائة سنة (١).
والآخر الباحث الألمانى (نولدكه) وهو محقق ألمانى بذل مجهودًا كبيرًا في تحرى تاريخ العرب قبل الإِسلام فقد ذكر نولدكه أن عدد ملوك غسان هم (فقط) عشرة ملوك، وأن مدة حكمهم للشام كانت أربعمائة سنة فقط (٢).
أما من ناحية كون ملوك الغساسنة في الشام بلغوا ٣٢، كما ذكره حمزة، فذلك غير مستبعد. لأنَّ كلمة ملك والتي أطلقها الإِخباريون إنما كانت (تجاوزًا) وليست بمعنى أن الشام كلها ليس لها سوى ملك عربي متوج واحد في كلّ عصر. وإنما تعنى في واقعها كلمة (أمير) لأنَّ الغساسنة (منذ جاءوا إلى الشام) وهم يأتمرون بأمر أباطرة الرومان ويحكمون مناطق الشام باسمهم، وملوك الرومان لا يمكن أن يسمحوا لتابع لهم يحكم باسمهم أن يسمى نفسه اسم (ملك).
فحكام الغساسنة طوال عهدهم في الشام إنما كانوا في واقعهم أمراء مرتبطين بالتاج البيزنطى أطلق الأخباريون (تجاوزًا) عليهم كلمة ملوك.
إذن من الجائز الممكن أن ينصب الرومان (في آن واحد) عدة أمراء من الغساسنة على عدة أقاليم من الشام. فيكون في عصر واحد عدة أمراء منهم
_________________
(١) تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ص ٩٩ وما بعدها.
(٢) Noeldeke ٥٣.
[ ٧ / ٥٨ ]
قبل أن يتعاظم أمر الغساسنة ويحتاج إليهم الرومان كما حدث في أوائل القرن السادس للميلاد، حينما تغلب الفرس على الرومان بمساعدة عرب الحيرة المناذرة فقهروهم حتى كادوا يحتلون القسطنطينية في عهد القيصر (جوستنيان) الذي كان يعاصر كسرى أنو شروان الذي قاد بنفسه جيوش الفرس المنتصرة.
ففي أوائل القرن السادس للميلاد احتاج الرومان أشد الاحتياج للغساسنة فوحدوهم تحت قيادة رئيس واحد هو الحارث بن جبلة (وهو أشجع وأنبه رجالات غسان على الإِطلاق) وكان بعيد الصيت في تاريخ الرومان لأنه قاد الغساسنة عام ٥٣١ م وساند الرومان في حربهم ضد الفرس، حتى كان دخوله الحرب إلى جانب الرومان من أهم الأسباب التي جعلتهم ينتصرون على الفرس ويستعيدون جميع الأقاليم التي كان الفرس قد اغتصبوها من ممتلكات الرومان في الشام وآسيا الصغرى.
فقد كان الملك الحارث بن جبلة اليد اليمنى للقائد الروماني (بليزاريوس) الذي تولى محاربة الفرس فأبلى الغساسنة تحت قيادته أعظم النبلاء حتى تمكن الجيش الروماني من اجتياز حدود مملكة فارس فاحتل ما بين النهرين. ومن أعظم الخدمات التي قام بها الملك الحارث للإِمبراطورية البيزنطية تدمير جيش المنذر بن ماء السماء وقتله لهذا الملك الذي كان اليد اليمنى ورأس الحربة للجيش الفارسي في المعركة التاريخية الشهيرة التي يسميها الإِخباريون (يوم ذات الخيار أو عين أباغ) (١).
عودة إلى المنطلق
وعليه لا يستبعد إذا أطلقنا على من تولى رئاسة رهط أو قبيلة أو مشيخة في الشام من الغساسنة اسم (ملك) كما هي عادة الإِخباريين بالنسبة لتاريخ ما قبل الإِسلام - لا يستبعد أن يكون ملوك الغساسنة قد بلغوا ٣٢ ملكًا. ومن هنا لا غبار على ما ذهب إليه المحقق حمزة الأصفهانى حين ذكر ذلك في كتابه، لأنَّ هذا المحقق إنما جهد نفسه ونقل أسماء هؤلاء الملوك ورتبها من
_________________
(١) انظر الكامل لابن الأثير ج ١ ص ٢٤٥.
[ ٧ / ٥٩ ]
أمهات التاريخ كما وجدها.
غير أن الذي تميل إليه النفس والمرجح (بعد البحث والمقارنة) هو أن الأقرب إلى الصواب أن مدة ملك الغساسنة في الشام هو حوالي ٤٠٠ سنة فقط وهو ما قاله الباحث الألمانى (نولدكه) لا ٦٠٠ سنة كما ذكره العلامة حمزة الأصفهانى، وذلك أن المرجح الغالب على الظن -كما تقدم- أن الغساسنة إنما طلع نجمهم وظهر أمرهم في الشام كأمراء أو ملوك إنما كان بعد زوال ملك بقايا العمالقة من آل أذينة في (تدمر) وذلك إنما حدث حوالي عام ٢٧٥ - ٢٨٠ للميلاد.
فإذا قلنا إن ملكهم بدأ (وهذا هو الصواب) حوالي عام ٢٤٨ بتولى أول ملك منهم على الشام هو -كما جاء في كتب الإِخباريين الإِسلاميين - (جفنة بن عمرو) فإن الذي لا جدال فيه ولا خلاف بين المؤرخين (مسلمين ورومان ويونان) أن آخر ملك حكم الشام من قبل الرومان هو جبلة بن الأيهم الغساني، الذي اعتنق الإِسلام ثم ارتد في عهد الفاروق عمر الذي كانت جيوشه قد استولت على دمشق وكل أقاليم الشام. وذلك إنما حدث حوالي عام ثمانية عشر للهجرة، وهو يوافق (بالتحديد) عام ٦٤٩ م (١) فعلى هذا يكون (وبصورة قاطعة) حكم الغساسنة للشام - منذ نزلوا مشارفها - لم يزد على ٤٠٠ سنة، وهذا هو الذي حققه المؤرخ أبو الفداء (٢).
تاريخ الغساسنة العسكري والسياسي
أما تاريخ الغساسنة السياسي، فرغم هذه المئات من السنين التي كانوا فيها ملوكًا على الشام ورغم تعاقب ذلك العدد الكبير من الملوك منهم على كراسى الحكم في الشام. فإنهم ظلوا منذ بداية حكمهم حتى نهايته تابعين لأباطرة الرومان يأتمرون بأمرهم ويحكمون مناطق الشام باسمهم، ويجبون الضرائب والأتاوات لخزائنهم مع استقلال داخلى هو مطلق دونما شك في شئونهم الداخلية مع عشائرهم.
_________________
(١) انظر أطلس التاريخ الإسلامي لهارى. و. هازارد ص ٤٤.
(٢) تاريخ أبي الفداء ص ٧٦ ج ١.
[ ٧ / ٦٠ ]
فلم يصل إلى علمنا (فيما اطلعنا عليه من مصادر إسلامية أو أجنبية) أن أحدًا من ملوك الغساسنة حاول التمرد على سلطة أباطرة الرومان، فحاول (مثلًا) اقتلاع الوجود الروماني من الشام (كليًّا) والانفراد بها والاستبداد بشئونها وإعلان نفسه ملكًا مطلقًا عليها كما حدث من عرب (تدمر) الذين حاربوا الرومان وطردوهم من الشام نهائيًا بعد أن كانوا مرتبطين بهم وتابعين لهم كما تقدم (١).
إن شيئًا من ذلك لم يحدث، رغم أن الغساسنة كانوا قوة بشرية هائلة وكانوا ذوي مقدرة قتالية فائقة، حيث تعد قواتهم المسلحة من أحسن الجيوش في المنطقة وبلغت في عصور مختلفة عدة مئات من الآلاف.
ومع ذلك فقد ظلوا على ولاء كامل للقسطنطنية وخاصة منذ أواخر القرن الخامس للميلاد. غير أنه قد يحصل بعض الجفاء بين ملوكهم وبين بعض القادة الرومان في الشام، ولكن ذلك لم يصل (في أي عصر من العصور) حد التمرد وإعلان الانفصال من قبل الغساسنة.
كما أن الرومان من ناحيتهم، كانوا على وئام مع الغساسنة مكرِّمين لهم، فلم يحديث (فيما وصل إلى علمنا) أن أحدًا من أباطرة الرومان أساء إلى أي ملك غسانى بالسجن أو التنكيل أو القتل كما حدث من أكاسرة الفرس مع المناذرة العرب في الحيرة بالعراق.
قلة المعلومات عن تاريخ الغساسنة
ومن المؤسف أن الغساسنة مع كونهم قد حكموا الشام طوال أربعة قرون، وكونهم ذوي شأن عظيم فإن المعلومات عن تاريخهم السياسي والعسكري ناقصة إلى حد كبير، عكس خصومهم اللخميين المرتبطين بأكاسرة الفرس، الذين كانت المعلومات عن تاريخهم السياسي والعسكري والثقافى أكثر وضوحًا وأوسع تفصيلًا، مع العلم أن مدة حكم اللخميين للحيرة أقل منها بالنسبة للغساسنة ورقعة ملكهم أضيق من رقعة ملك الغساسنة.
ويظهر أن النقص في المعلومات عن تاريخ الغساسنة، ووفرتها عن تاريخ
_________________
(١) وانظر أوسع التفاصل عن هذه الحرب في كتابنا (العرب في الشام قبل الإسلام).
[ ٧ / ٦١ ]
اللخميين والمناذرة، راجع إلى أن تاريخ اللخميين كان مدونًا باللغة الفارسية، وفي أشعار اللخميين أنفسهم إذ وجد كثير من هذا التاريخ في خزائن الحيرة، وفي كنائس من كان منهم على النصرانية.
ولهذا فقد تمكن المؤرخون من أن يترجموا حياة أكثر ملوك الحيرة الذين بلغ عددهم ٢٢ ملكًا ويذكروا الكثير من أعمالهم السياسية والعسكرية والثقافية وحياتهم الاجتماعية. عكس ملوك الغساسنة الذين بلغوا ٣٢ ملكًا. والذين كانوا جميعهم قد دانوا بالنصرانية مع عامة شعوبهم. فهؤلاء جميعهم لم يسجل من أخبارهم السياسية والعسكرية والثقافية (في مختلف مصادر التاريخ شيئًا يذكر) اللهم إلا الملك الحارث بن جبلة الذي كان له تاريخ حافل في مختلف المجالات. والذي يسميه الإخباريون العرب (الحارث الأعرج بن أبي شمر والذي أمه مارية ذات القرطين المذكورة في شعر حسان الشهير) فهذا الملك هو أعظم ملوك الغساسنة شأنًا، فهو الذي سار في مائة ألف مقاتل من الغساسنة واصطدم بمثل هذا العدد من عساكر العرب المناذرة فهزمهم شر هزيمة وقتل ملكهم (المنذر بن ماء السماء اللخمى (١» فعظم أمره واشتدت شوكته حتى خافه أباطرة القسطنطينية، فتوددوا إليه، وخلعوا عليه أرفع الألقاب (٢). وظل ملك الشام في عقبه يتوارثونه حتى جاء الإِسلام وسيطرت جيوشه على ممتلكات الإِمبراطورية الرومانية في الشام وآسيا الصغرى (تركيا الآسيوية اليوم). وكان آخر ملك من عقبه هو جبلة بن الأيهم.
غسان والإِسلام
وعندما جاء الله بالإِسلام، كان الغساسنة وأمراؤهم إلى جانب الرومان عندما نشب الصراع المسلح بين المسلمين وعساكر الإِمبراطورية الرومانية. فقد كان هؤلاء الغساسنة رأس الحربة في أي جيش رومانى يصطدم بالمسلمين ويظهر أن الغساسنة أشد إخلاصًا للرومان. وأعنف في عدواتهم للإِسلام من المناذرة الذين كانوا تبعًا لأكاسرة الفرس وسنرى في هذا الكتاب، كيف قاتل الغساسنة مع القضاعيين المسلمين بشراسة وعناد إلى جانب الرومان في معركة مؤتة، وكيف
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨٥.
(٢) انظر (العرب قبل الإسلام للأستاذ جورجى زيدان ص ١١٤ - وما بعدها.
[ ٧ / ٦٢ ]
أن طليعة الجيش الروماني الذي خاض هذه المعركة، كان يقودها (أي الطليعة) الأمير شرحبيل بن عمرو الغساني الذي كان أخوه سدوس أول قتيل يقتل على يد المسلمين لحساب الرومان (١).
_________________
(١) انظر أوسع التفاصيل عن تاريخ الغساسنة (في كتابنا العرب في الشام قبل الإسلام).
[ ٧ / ٦٣ ]
الفصل الثاني
الفصل الثاني مجمل الأحداث العسكرية والسياسية بين معركتي خيبر ومؤتة
* خمس حركات عسكرية.
* عُمرةُ القضاء.
* تأثر المجتمع القرشي بواقع المسلمين في هذه العمرة.
* إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
* اتصالات الرسول - ﷺ - بملوك وأمراء الشرق الأوسط.
كانت قبائل هوازن تعتبر في منطقة الحجاز وأطراف نجد أقوى قوة ضاربة حيث كان باستطاعتها أن تحشد جيشًا يبلغ مائة ألف مقاتل.
وبعد انتصار المسلمين الساحق في خيبر في السنة السادسة من الهجرة. والذي به انتهى الوجود اليهودى الدخيل في جزيرة العرب بأكملها. لم يبق من العرب (بعد قريش) من يخشاه المسلمون غير قبائل هوازن التي لم تجرب حظها في صدام شامل مسلح مع المسلمين بعد.
أما بقية القبائل العربية الوثنية. فقد خَضد النبي - ﷺ - شوكتها وشل بحركاته العسكرية الناجحة كل تفكير لديها في التعرض للمسلمين. وخاصة قبائل نجد التي كانت أخشى ما يخشاه العشر الإِسلامي من بين جميع قبائل الجزيرة العربية .. لكون هذه القبائل تعد من أعظم قبائل العرب وأكثرهم
[ ٧ / ٦٥ ]
عددًا .. ولكونها أقرب الوثنيين إلى المدينة حاضرة الإِسلام الأولى والتي طالما تلقت الإنذار بقرب غزو وشيك الوقوع تقوم به هذه القبائل النجدية القوية المحاربة الشرسة ..
فقد قلم النبي - ﷺ - أظافر هذه القبائل العنيدة وألزمها موقف الدفاع عن النفس بعد أن كانت في موقف الهجوم. تمنى النفس بالإِغارة على المدينة واحتلالها وتصفية الوجود الإِسلامي تصفية دموية .. وقد فعل النبي - ﷺ - هذا بتلك القبائل في سلسلة من الغارات الوقائية التي كانت تشنها وحدات من جيشه باستمرار على هذه القبائل حتى بعد انتصاره على اليهود في معركة خيبر.
الحملات العسكرية بعد الانتصار في خيبر
فبعد أن انتهى النبي - ﷺ - من الحرب في خيبر جرد على الأعراب الوثنيين سبع حملات تأديبية أربع جردها على القبائل النجدية وثلاث جردها على قبائل الحجاز.
-١ -
سرية تربة (١). شعبان سنة سبع للهجرة
دورية حربية قام بها عمر بن الخطاب إلى ديار هوازن (٢) الذين تعتبر
_________________
(١) تربة: بضم أوله وفتح ثانيه قال في صحيح الأخبار: هي وادي عظيم يأتي من الغرب منحدرًا إلى جهة الشرق وهي قرى ومزارع لقبائل زهران. ثم يأتي هذا الوادي العظيم إلى جهة الشرق ثم يمر (تربة) المعروفة بهذا الاسم. ثم يقسمها نصفين. فما ترك منها على شماله فهو لبنى محمد. وهم بطن من البقوم. وما كان على يمينه فهو لوازع. وهم بطن من البقوم أيضًا. ثم يتجه إلى جهة الشرق. فيمر الغريف. ثم يتجه إلى جهة الخرمة فيمرها حتى يصل إلى قريب عرق سبيع. ولكن لفظة تربة التي تطلق على هذا الوادي من أعلاه تقطع إذا وصل الغريف اهـ وتربة هذه تعتبر من أعمال الطائف اليوم وبها حدثت العركة التاريخية الفاصلة بين السعوديين والأشراف التي على أثرها تقرر مصير حكم الأشراف في الحجاز.
(٢) هوازن (بفتح الهاء وكسر الزاى) قبيلة عظيمة من العدنانية قال في معجم قبائل العرب .. بنو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان اهـ .. تتفرع هوازن إلى عشائر كبيرة كثيرة تجمعهم أجرام ثلاثة. كلهم لبكر بن هوازن وهم بنو سعد بن بكر، وبنو معاوية بن بكر، وبنو منبه بن بكر وإلى هؤلاء تنتسب ثقيف فهو جدهم. تمتد منازل هوازن من نجد تحت أواسط الحجاز وتخوم اليمن .. ومن أوديتهم، وادي حنين الذي لا يبعد عن مكة أكثر من ٢٥ كيلو مترًا. وهو الذي دارت فيه المعركة التاريخية الفاصلة بين المسلمين وبين قبائل هوازن في العهد =
[ ٧ / ٦٦ ]
(تربة) يوم ذاك من منازلهم. كانت هذه الدورية تتكون من ثلاثين راكبًا .. كان هدفها على ما يظهر الاستطلاع والحصول على المعلومات وجس نبض هذه القبائل المعادية.
وقد كانت هذه الدورية موجهة إلى عجز هوازن (وهم بنو نصر بن معاوية وبنو جشم (١) بن بكر).
قال ابن سعد في طبقاته الكبرى: ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله - ﷺ -. قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلًا إلى عجز هوازن بتربة وهي ناحية العبلات على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران. ومعه دليل من بني هلال (٢) فكان يسير بالليل ويكمن النهار اهـ.
وبالرغم من أن المسافة التي قطعتها هذه الدورية الصغيرة بين المدينة وتربة. لا تقل عن ثلاثمائة ميل وبالرغم من كثرة هوازن المقصودين بهذه الدورية. فإنهم قد هربوا بمجرد علمهم بقرب مقدم عمر بن الخطاب.
قال الواقدي: وأتى الخبر هوازن فهربوا. وجاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحدًا. اهـ.
ويظهر أن عمر بن الخطاب. قد تلقى من النبي - ﷺ - عندما أسند إليه قيادة هذه الدورية -أمرًا بأن لا يتخطى في تحركاته حدود (تربة) بدليل أن ابن الخطاب لما وصل برجاله إلى (تربة) ووجد أن هوازن قد هربوا لمقدمه عاد إلى المدينة دون أن يلقى حربًا. ودون أن يتعقب أولئك الفارين الذين أمر بأن يطأ بلادهم.
_________________
(١) = النبوى. والتي أشار إليا القرآن الكريم بقوله ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية. وكانت هوازن في الجاهلية هي التي خاضت حرب الفجار المشهررة ضد قريش، وتقع سوق عكاظ الشهيرة في ديار هوازن.
(٢) جشم (بضم أوله وفتح ثانيه) قبيلة من هوازن. وهم بنو جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. كانت منازلهم في السروات. قال في معجم قبائل العرب .. وهي بلاد تفصل بين تهامة ونجد متصلة من اليمن إلى الشام واسم يطلق على قبائل كثيرة من القحطانية والعدنانية.
(٣) بنو هلال بطن من هوازن. وهم (بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. من منازلهم في الجاهلية. نجد والحجاز حول مكة وفي بسائط الطائف "معجم قبائل العرب ج ٣ ص ١٢٣١".
[ ٧ / ٦٧ ]
تحقيق الأهداف
وعلى العموم. فقد حققت دورية ابن الخطاب أهدافها على الصعيد المعنوى إلى أبعد الحدود. فقد أثبت اجتياز هذه الدورية الصغيرة، تلك المناطق النائية الممتدة مئات الأميال وسط قبائل كلها لا يزال على شركه عدوًا للمسلمين .. أثبت هذا الاجتياز، أن المسلمين بعد انتصارهم على اليهود في معركة خيبر الحاسمة، أصبحوا سادة الموقف. قد فرضوا هيبتهم علي من تبقى من العرب الوثنية. وأن الرعب والفزع والخوف من قوة المسلمين الحربية قد تمكنت من نفوس تلك القبائل وسيطرت عليها. حتى باتت تخاف لمجرد سماعها بذكر المسلمين.
وإلا فما هو التفسير لأن تتمكن دورية صغيرة لا تزيد علي ثلاثين رجلًا من أن تقطع تلك المسافات الشاسعة. داخل أرضي كل سكانها الذين يعدون بالآلاف، عدو للإِسلام والمسلمين. دون أن يجرأ أحد من هذه القبائل المعادية لهذه الدورية التي جاست خلال ديار هذه القبائل على التعرض لها.
تأثير سقوط خيبر على معنويات الأعراب
إنه لا يمكن إعطاء تفسير لهذه الظاهرة إلا بالقول: إن استيلاء المسملين على معاقل اليهود في خيبر -التي يعتبر اليهود فيها أقوى قوة ضاربة للكفر في جزيرة العرب من حيث التنظيم وجودة التسليح- قد أثر علي معنويات الوثنيين العرب تأثيرًا كبيرًا إلى درجة تمكن معها ثلاثون رجلًا من المسلمين أن يطأوا بلاد قوم تعد قواتهم الحربية بعشرات الآلاف (وهم هوازن) دون أن يجد هؤلاء المسلمون القليلون من يصمد بوجههم.
المسلمون والانضباط العسكري
أثناء عودة القائد ابن الخطاب. بدوريته من ديار هوزان (بتربة) حدث ما يدل علي أن المسلمين كانوا أسبق الأمم إلي وضع قانون الانضباط العسكري الصارم الدقيق لقواتهم الحربية.
فعندما عاد ابن الخطاب من تربة برجال دوريته -وبينما كان علي مقربة من مناطق معادية اقترح عليه دليله (الهلالى) أن يشن الغارة علي قوم من
[ ٧ / ٦٨ ]
الوثنيين- بإمكانه أن يسجل الانتصار عليهم قائلا: هل لك في جمع آخر من خثعم (١) تقاتلهم؟
فرفض ابن الخطاب هذا الاقتراح قائلًا: لم يأمرني رسول الله بهم. وإنما أمرني بقتال هوزان. وهكذا عاد الفاروق إلى المدينة دون أن يتعرض لتلك القبائل. رغم أنها وثنية معادية للإِسلام والمسلمين. وذلك تقيدًا من الأمير ابن الخطاب بأوامر القائد الأعلى النبي التي حددت له مهمته وهي (فقط) الإِغارة على (هوازن). وهذا هو الانضباط العسكري الصحيح الذي سبق إليه الإِسلام كل النظم والقوانين في العالم.
-٢ -
حملة إلى فدك. شعبان سنة سبع من الهجرة
كان بنو مرة (٢) من القبائل النجدية المعادية للإسلام. وكانت هذه القبيلة أحد الأجنحة الأربعة للقوات النجدية الضاربة التي اشتركت مع قريش واليهود في حملة الأحزاب الشهيرة التي نظمها اليهود لاقتلاع الوجود الإِسلامي من المدينة ومن الجزيرة كلها. وقد كان قائد جناح بني مرة في غزوة الأحزاب الحارث بن عوف المرِّي.
إلا أن هذا الزعيم النجدي رفض مساندة اليهود في خيبر عندما طلب اليهود نجدة غطفان ضد النبي - ﷺ -. بل لقد نصح الحارث هذا. عيينة بن حصن الفزاري قائد قوات غطفان بأن لا يكرر الخطأ بمساندته اليهود مرة أخرى ضد المسلمين .. ولكن عيينة. رفض نصح الحارث. فساند اليهود فباء بالفشل الذريع. كما هو مفصل في كتابنا (غزوة خيبر).
لم يكن بنو مرة في رفضهم مساندة اليهود في خيبر ينطلقون من إيمانهم بالنبي - ﷺ -. وإنما ينطلقون من قناعة قائدهم أن فائدة مساندة اليهود لأن النبي
_________________
(١) بنو هلال: هم بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن من منازلهم في الجاهلية نجد والحجاز حول مكة وفي بسائط الطائف. كانوا من قبائل العرب الشهيرة التي استوطنت مصر والمغرب.
(٢) اسم مرة. يطلق على قبائل كثيرة من العدنانية والقحطانية. ومرة هنا هم بنو مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان.
[ ٧ / ٦٩ ]
- ﷺ - سينتصر في ملحمة خيبر. كما أخبر اليهود أنفسهم بذلك الحارث بن عوف (١).
أما عداء بني مرة للنبي - ﷺ - ورغبتهم في الإطاحة به وبدينه. فقد ظلتا على ما هما عليه لم تتغير.
فقد ظلوا للنبي - ﷺ - أعداء محاربين. ولذلك فقد كانوا في رأس قائمة القبائل الوثنية التي قرر النبي - ﷺ - بعد انتصاره على اليهود في خيبر- أن يشن عليهم الغارات التأديبية لإرهابهم. وإقناعهم عمليًّا بأنه ليس بإمكانهم أن يعودوا إلى موقف المهاجم في نزاعهم مع الإِسلام والمسلمين.
ففي شهر شعبان (أي بعد خمسة أشهر من فتح خيبر). انتخب النبي - ﷺ - دورية حربية قوامها ثلاثون رجلًا. وأسند قيادة هذه الدورية إلى بشير بن سعد الأنصاري وكلفه أن يطأ بدوريته الحربية ديار قبيلة بني مرة في فدك الواقعة على أميال قليلة من خيبر .. ليصيب منهم في الأرواح والأموال ما أمكنه ذلك.
وخرج بشير بن سعد من المدينة بدوريته وما زال يسير بها حتى وصل فدك التي لا تبعد عن المدينة أكثر من ستين ميلًا.
وعندما وصل القائد بشير إلى منازل بني مرة (بفدك) لم يجد أحدًا من المحاربين. وإنما وجد رعاة في الشاء والإِبل.
ولدى استجوابه الرعاة، اتضح له أن المحاربين من بني مرة في بواديهم خارج فدك، فاكتفى باستياق الشاء والإِبل كأَموال لعدو محارب. ثم اتجه بها نحو المدينة راجعًا.
بنو مرة يبيدون الدورية
وقد حدث أن أحد الرعاة تمكن من الإِفلات من أيدى رجال الدورية. فانطلق بأقصى سرعة وأخبر المحاربين باستيلاء دورية بشير بن سعد على مواشيهم وجوسهم خلال الديار في فدك.
_________________
(١) الحارث بن عوف المرى هذا لم أجد (فيما بين يدي من مصادر) أنه أسلم.
[ ٧ / ٧٠ ]
وكان بنو مرة (كما قلنا) من أقوى وأشرس القبائل النجدية. وكانوا أهل نجدة وشجاعة.
فعندما تلقوا نبأ الإِغارة على ديارهم واستياق مواشيهم. تسابق رجالهم ليلحقوا بدورية بشير بن سعد. وفعلًا تمكنوا من ذلك.
فقد أدركت طلائع فرسان بني مرة بشير بن سعد ودوريته على مسافة أميال قليلة من (فدك).
وكان بشير بن سعد قد تبلغ من عيونه (استخباراته) نبأ مطاردة بني مرة لدوريته. فتحصن برجاله.
ووصلت طلائع فرسان بني مرة فبادروا بالهجوم. فقابلهم المسلمون بالسهام من تحصيناتهم. فظل الفريقان يترامون بالنبل حتى حجز الليل بينهم.
وكان بشير ورجال دوريته يعتمدون في الدرجة الأولى على السهام في صد الهجوم. ولكن نبال الدورية لكثرة الترامى نفدت. وأصبح القائد بشير ودوريته في وضع حرج للغاية.
فقد توافد محاربو بني مرة أثناء الليل على مكان المعركة. حتى بلغوا عدة أضعاف رجال الدورية الذين لا يزيدون على ثلاثين رجلًا.
فعندما أصبحوا. وجد بشير بن سعد دوريته محاطة بأعداد هائلة من بني مرة الذين شنوا على الدورية هجومًا من جميع الجهات.
فصار هم رجال الدورية الدفاع عن أنفسهم. فاشتبكوا مع المشركين في قتال مرير ضار. ولكن الكثرة تغلب الشجاعة (كما يقولون).
فقد تمكن نبو مرة من التغلب على رجال الدورية، فأبادوهم جميعًا. ولم ينج منهم سوى رجل واحد هو علبة بن زيد الحارثي.
أما قائد الدورية (بشير بن سعد). فقد قاتل قتالًا مريرًا حتى أثخنته الجراح فسقط بين القتلى لكثرة ما أصابه من النزيف الشديد.
فظنه المريون قد قتل. بعد أن فحصوه فلم يجدوا به حراكًا.
واسترجع المرِّيون كل الشاة والإِبل التي استاقتها دورية بشير بن سعد.
[ ٧ / ٧١ ]
أما بشير نفسه. فإنه -بعد أن انصرف بنو مرة من مكان المعركة- تحامل على نفسه حتى تمكن من الوصول إلى قرية فدك وهناك آواه أحد اليهود الداخلين في ذمة المسلمين. فظل عند اليهودى حتى شفيت جراحه.
أما علبة بن زيد. فقدم على رسول الله وأخبره خبر القوم. ثم لحق من بعد بشير بن سعد.
ولم يذكر المؤرخون أن أحدًا من رجال هذه الدورية قد عاد إلى المدينة. ما عدا (بشير بن سعد وعلبة بن زيد) وهذا يعني أن ثمانية وعشرين من رجال هذه الدورية قد استشهدوا على أيدى بني مرة. (انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٣ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١١٨).
-٣ -
حملة أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بنجد شعبان سنة سبع من الهجرة (١)
وفي شهر شعبان من السنة السابعة للهجرة. بعث النبي - ﷺ - بحملة عسكرية إلى ديار نجد لإِرهاب وتأديب بني فزارة وبنى كلاب بناحية منطقة يقال لها (ضرية) (٢).
وكان قائد هذه الحملة أبو بكر الصديق .. أسند إليه النبي - ﷺ - القيام بهذه المهمة.
ولم يذكر أحد من المؤرخين (فيما أعلم) عدد أفراد هذه الحملة.
إلا أن هذه الحملة حققت أغراضها. إذ وطئت ديار الوثنيين من بني كلاب وفزارة فشنت عليهم الغارة. ثم ألحقت بهم الهزيمة. واستولت على كل ما في ديارهم من أموال. وأسرت من لم يتمكن من الهرب من رجالهم وذراريهم.
قال ابن سعد في طبقاته الكبرى مستندًا إلى سلمة بن الأكوع (٣) قال:
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى .. وأشار إليها الواقدي في مغازيه ولم يذكر تاريخها.
(٢) انظر التعريف بهذا المكان في كتابنا الخامس (صلح الحديبية).
(٣) انظر ترجمة سلمة بن الأكوع في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
[ ٧ / ٧٢ ]
غزوت مع أبي بكر إذ بعثه النبي - ﷺ - علينا فسبى ناسًا من المشركين. فقاتلناهم. وكان شعارنا (أمت أمت) فقتلت بيدى سبعة أهل أبيات من المشركين.
وعنه قال: بعث رسول الله - ﷺ - أبا بكر إلى فزارة. وخرجت معه حتى إذا ما دنوا من الماء عرس (١) أبو بكر حتى إذا ما صلّينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر من قتل ونحن معه. قال سلمة فرأيت عنقًا من الناس فيهم الذرارى فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل فأدركتهم. فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب. فجئت أسوقهم إلى أبي بكر فنفلنى أبو بكر ابنتها. فلم أكشف لها ثوبًا. حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبًا، حتى إذا كان من الغد لقينى رسول الله - ﷺ - في السوق. فقال: يا سلمة هب لي المرأة. فقلت: يا نبي الله. والله لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبًا. فسكت حتى إذا كان من الغد لقينى رسول الله - ﷺ - في السوق. ولم أكشف لها ثوبًا فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك قال: فقلت: هي لك يا رسول الله.
قال: فبعث بها رسول الله - ﷺ - إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدى المشركين.
-٤ -
سرية غالب الليثي إلى الميفعة (٢) بنجد .. رمضان سنة سبع للهجرة
وهي حملة عسكرية كبيرة شنها المسلمون على قبائل بني عوال وبنى ثعلبة من النجديين الذين تقع منازلهم شرقي المدينة. وتبعد عن المدينة حوالي تسعين ميلا.
_________________
(١) عرس (بتشديد الراء) نزل للنوم آخر الليل.
(٢) الميفعة (بفتح الميم) هنا منطقة بنجد شرقي المدينة. والميفعة أيضًا منطقة باليمن بينها وبين الساحل يومان.
[ ٧ / ٧٣ ]
وبنو عوال وعبد بن ثعلبة هؤلاء هم بطن من غطفان تلك القبيلة الجبارة العاتية التي كانت قد ساندت اليهود وقريشا عمليًّا في غزوة الأحزاب التي استهدف اليهود من ورائها محو الكيان الإِسلامي من الوجود.
فقد كانت تلك القبائل الوثنية المتوحشة أكبر عون في ذلك العدوان المخيف الذي شنته أحزاب الكفر (من اليهود القرشيين) على المسلمين في المدينة عام الأحزاب (السنة الرابعة من الهجرة).
حيث كانت قبائل (غطفان) -التي منها بنو عوال وعبد بن ثعلبة- تشكل أهم الأجنحة في القوات المرتزقة التي استأجرها اليهود لتكون العمود الفقرى في ذلك العدوان الآثم الذي دبره الإسرائيليون وخططوا له في خيبر. قاصدين من ورائه إبادة المسلمين وقطع تيار دعوة الإسلام. ليعود هؤلاء اليهود (على أنقاض الكيان الإِسلامي) سادة ليثرب وحكامًا عليها.
وكانت حملة المسلمين هذه إلى الميفعة بقيادة غالب بن عبد الله الليثي (١) الذي أسند إليه النبي - ﷺ - أمرها بعد اقتراح تقدم به إلى النبي - ﷺ - يسار مولاه.
وكان عدد رجال هذه الحملة مائة وثلاثين رجلًا .. وكان دليل هذه الحملة الكبيرة يسار مولى رسول الله - ﷺ - الذي سلك بهم طريقًا طويلًا غير معروف. حتى تعبوا وكادوا أن يهلكوا لأن أذوادهم قد نفدت قبل أن يصلوا إلى ديار العدو.
وقد خالطهم لذلك الشك في يسار وساورهم القلق في أن يكون جاسوسًا تظاهر بالإِسلام. وجاء بهم ليوقعهم في كمين لغطفان. غير أن ظنونهم سرعان ما تبددت عندما وصل بهم يسار إلى ديار القوم على حين غفلة منهم. وساهم مساهمة كبرى بحنكته ودهائه في أخذهم بغتة دون أن يشعروا، الأمر الذي مكن غالبًا ورجاله من الفتك بهم واجتياح ديارهم دون أن يتمكنوا من المقاومة.
_________________
(١) هو غالب بن عبد الله الكناني الليثي ثم الكلبي كان من قادة الجيوش في العهد النبوي. وهو الذي كان على مقدمة الجيش يوم الفتح، عاش طويلًا. تولى إمارة خراسان في عهد معاوية. شهد معركة القادسية وهو الذي قتل هرمز ملك الباب في أرمينيا.
[ ٧ / ٧٤ ]
حيث كان هجوم المسلمين ناجحًا إلى أبعد الحدود .. فبالرغم من كثرة عدد رجال العدو. وكونهم من القبائل النجدية العنيدة المعروفة بالشراسة في القتال. فقد كان همهم الوحيد أن ينجوا بأنفسهم إلى الجبال.
وقد تمكن غالب ورجاله من قتل عدد كبير من أشرافهم. كما نجح غالب في الاستيلاء على أكثر مواشيهم. إلا أن أحدًا من هؤلاء المشركين لم يقع أسيرًا في أيدى رجال غالب الليثي. قال الواقدي يصف هذه الحملة: قال يسار مولى رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله إني قد علمت غرَّة من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معى إليهم، فأرسل معه النبي - ﷺ - غالب بن عبد الله الليثي في مائة وثلاثين رجلًا. خرج بهم يسار، فظعن بهم في غير الطريق حتى فنيت أذوادهم وجهدوا، واقتسموا التمر عددًا فبين القوم ذات ليلة بعدما ساء ظنهم بيسار، وظن القوم أن إسلامه لم يصح، وقد انتهوا إلى مكان قد فحصه السيل (حفرة)، فلما رآه يسار كبر. قال: والله قد ظفرتم بحاجتكم، اسلكوا في هذا الفحص حتى ينقطع بكم، فسار القوم فيه ساعة بحس خفي لا يتكلمون إلا همسًا. حتى انتهوا إلى ضرس من الحرة، فقال يسار لأصحابه: لو صاح رجل شديد الصوت لأسمع القوم، فارتأوا رأيكم، قال غالب: انطلق بنا يا يسار أنا وأنت، وندع القوم كمينًا، ففعلا. فخرجنا حتى إذا كنا من القوم بمنظر العين سمعنا حس الناس والرعاء والحلب، فرجعا سريعين فانتهيا إلى أصحابهما -فأقبلوا جميعًا حتى إذا كانوا من الحى قريبًا- وقد وعظهم أميرهم غالب ورغبهم في الجهاد ونهاهم عن الإِمعان في الطلب وألَّف بينهم -فقال إذا كبرت فكبّروا، وكبروا جميعًا معه، ووقعوا وسط رحالهم فاستاقوا نعمًا وشاءا وقتلوا من أشرافهم، وصادفوهم تلك الليلة على ماء يقال له: "الميفعة قال: واستاقوا النعم فحدروا إلى المدينة، ولم يسمع أنهم جاءوا بأسري اهـ .. وقال ابن سعد في طبقاته: والميفعة وراء بطن نخل إلى النقرة قليلًا بناحية نجد. وبينها وبين المدينة ثمانية برد .. (١).
_________________
(١) البرد جمع بريد. قال في مختار الصحاح .. البريد اثنا عشر ميلًا.
[ ٧ / ٧٥ ]
أسامة بن زيد يقتل رجلًا مسلمًا
وفي هذه الحملة العسكرية ارتكب أسامة بن زيد خطأ كبيرًا ندم له أسامة أشد الندم. بلغ به إن أنه صار يقول لشدة أسفه- تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
وتفصيل الحادث؛ أن أسامة بن زيد الذي كان أحد جنود هذه الحملة .. كان أثناء القتال قد التقى برجل كان ضمن عسكر المشركين اسمه: مرداس بن نهيك فحمل عليه أسامة. ولكنه قبل أن يتمكن منه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. غير أن ذلك لم يمنع أسامة من قتله- فقتله. بعد أن كف عنه أحد الأنصار لنطقه بالشهادة.
وكان أسامة قد قتل مرداسًا اعتقادًا منه أنه لم ينطق بالشهادة إلا لينجو من القتل. هكذا كان اجتهاد- أسامة.
قائد الحملة يجرى التحقيق مع أسامة
وقد أجرى القائد العام لهذه الحملة تحقيقًا مع أسامة بن زيد أثبت به إدانته بأنه قتل رجلًا مسلمًا. إلا أنه ترك أمره إلى الرسول القائد - ﷺ - ليرى فيه رأيه.
قال الزمخشرى في الكشاف: إن نهيك بن مرداس كان من أهل فدك (قرية من قرى خيبر). وكان قد أسلم وكان ضمن قومه المشركين أثناء الغارة عليهم. إلا أنه لما رأى خيل المسلمين متقدمة ورأى قومه يفرون أمامها، ألجأ نفسه إلى عاقول من الجبل فلم يهرب وبقى مكانه بثقته بإسلامه فلما تلاحق المسلمون فكبروا بعد النصر كبر مرداس ونزل من العاقول وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقتله أسامة بن زيد وإستاق غنمه- اعتقادًا منه أنه لم يعلن إسلامه إلا خوفًا من الموت.
وقد برر أسامة بن زيد فعله هذا -أثناء التحقيق معه من قبل قائد السرية غالب بن عبد الله الليثي- بأن مرداس بن نهيك لم ينطق بالشهادة إلا بعد أن علاه السيف، الأمر الذي أوجد القناعة في نفس زيد بأن مرداس لم يقلها إلا
[ ٧ / ٧٦ ]
خوفًا من الموت.
فعن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد أن غالب بن عبد الله الليثى وقف خطيبًا في رجال هذه السرية (قبيل العركة) فقال أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعونى ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرًا، فإنه لا رأى لمن لا يطاع، ثم ألف بينهم فقال: يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان -لا يفارق كل رجل زميله- وإياكم أن يرجع إلى أحدكم فأقول: أين فلان صاحبك؟ فيقول: لا أدرى، وإذا كبرت فكبروا. ثم قال: فكبر وكبروا، وأخرجوا السيوف قال: فأحطنا بالحاضر (وفي الحاضر) نعم وقد عطنوا (١) مواشيهم فخرج إلينها الرجال فقاتلوا ساعة، فوضعنا السيوف حيث شئنا منهم، ونحن نصيح بشعارنا: أمت أمت، وخرج أسامة بن زيد في أثر رجل منهم يقال له نهيك بن مرداس فأبعد، وحوينا على الحاضر وقتلنا من قتلنا، ومعنا النساء والماشية، فقال أميرنا: أين أسامة بن زيد؟ فجاء بعد ساعة من الليل. فلامه أميرنا لائمة شديدة وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك؟ فقال: إني خرجت في أثر رجل جعل يتهكم بي حتى إذا دنوت ولحمته بالسيف قال: لا إله إلا الله. فقال أميرنا أأغمدت سيفك؟ قال: لا والله ما فعلت حتى أوردته شعوب، قال: قلنا والله بئس ما فعلت وما جئت به تقتل امرءًا يقول: لا إله إلا الله؟ فندم وسقط (بضم السين) في يديه قال: واستقنا النعم والشاء والذرية، وكانت سهامهم عشرة أبعرة كل رجل، أو عدلها من الغنم. وكان يحسب الجذور بعشرة من الغنم. (مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٤).
النبي يحقق مع الجندي أسامة
ولم يتخذ قائد السرية غالب الليثي أي إجراء ضد أسامة بن زيد للتصرف الخاطئ الذي تصرفه. بل تركه حتى قدم به على رسول الله - ﷺ - الذي أجرى معه التحقيق بشأن قتله ذلك الرجل السلم.
_________________
(١) انظر معنى كلمة عطن في كتابنا صلح الحديبية.
[ ٧ / ٧٧ ]
فلدى اطلاع النبي - ﷺ - على تفصيل الحادث وجد وجدًا شديدًا وأنب أسامة قائلًا: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟
فقال أسامة (أثناء التحقيق): يا رسول الله إنما قالها تخوفًا من السلاح. فقال - ﷺ - مكررًا ثانية: ألا شققت قلبه فتعلم صادق هو أم كاذب ثم قرأ قوله تعالى.: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١).
والواقع أن أسامة قد شعر بتأنيب الضمير وأنه قد ارتكب خطأ بقتله مرداس بن نهيك. فقد روى عنه أنه قال: لما طعنت مرداس برمحى فقتلته، وجدت من ذلك موجدة شديدة حتى ما أقدر على أكل الطعام حتى قدمت على رسول الله فقبلنى واعتنقنى. ولكنه لما علم بإقدام أسامة على قتل مرداس قال: اقتلتموه إرادة ما معه؟ ثم قرأ على أسامة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله فقال - ﷺ -: فكيف بلا إله إلا الله قال أسامة فما زال يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. ثم استغفر له رسول الله - ﷺ - بعد أن أدانه أنه قد قتل مؤمنًا خطأ وحكم عليه بأن يعتق رقبة مؤمنة كفارة عما ارتكب لأنه قتل رجلًا مؤمنًا عن إجتهاد خاطئ حيث ظنه مشركًا في حقيقة أمره وأنه إنما نطق بالشهادتين خوفًا من الموت وبعد أن أهوى إليه السيف.
وبهذه المناسبة روى الواقدي عن المقداد بن عمرو الكندى (٢) أنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت رجلًا من الكفار يقاتلنى، وضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ منى بشجرة فقال: (أسلمت لله)، أقتله بعد أن قالها؟ (يعني الشهادتين) فقال رسول الله - ﷺ -: لا تقتله. قال: فإني قتلته فماذا؟ قال: فإنه بمنزلتك التي كنت بها قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال (٣).
_________________
(١) النساء آية ٩٣.
(٢) انظر ترجمة المقداد بن الأسود في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٥.
[ ٧ / ٧٨ ]
وقد روى ابن سعد في طبقاته الكبرى. أن أسامة بن زيد- بعد الذي سمع من رسول الله - ﷺ - أقسم أنه لن يقاتل بعدها أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله مهما كان.
وقال في السيرة الحلبية: إن ذلك هو سبب اعتزال أسامة بن زيد الفتنة الكبرى. واعتذاره عن الاشتراك في القتال إلى جانب أمير المؤمنين على (﵃ أجمعين) أثناء الحرب الأهلية الطاحنة التي نشبت أيام الجمل وصفين. فقد كان أسامة بن زيد ضمن فئة من الصحابة التزموا الحياد من تلك الحروب الدامية المؤسفة. وقد روى عن أسامة أنه قال لأمير المؤمنين على (معتذرًا عن مقاتلة معاوية وحزبه والزبير وصحبه): لو أدخلت يا أمير المؤمنين يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها. ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله - ﷺ - حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله وقلت له: أعطى الله عهدًا ألا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله (١).
-٥ -
حملة الجناب (٢) شوال سنة سبع من الهجرة
وهي أكبر حملة عسكرية يشنها الجيش النبوى على المشركين في نجد عقب الانتصار الساحق على اليهود في معركة خيبر.
قاد هذه الحملة الكبيرة إلى ديار غطفان وفزارة والقبائل الوثنية المجاورة: بشير بن سعد (٣). وكان هدف الحملة إحباط مشروع غزو كبير كان السيد الأحمق المطاع سيد فزارة عيينة بن حصن قد أعده للزحف على المدينة واحتلالها.
وقد أشرنا أكثر من مرة في مؤلفاتنا السابقة. إلى أن القبائل الواقعة شرقي المدينة (مثل غطفان وفزارة وأسد وأشجع وحنيفة) هم من أشد الناس عداوة
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١١.
(٢) الجناب (بكسر الجيم) قال في مراصد الاطلاع موضع بعراض خيبر ووادي القرى. قيل من منازل بني مازن، وقيل من منازل فزارة. والجناب الحنظل أيضًا موضع باليمن.
(٣) بشير بن سعد بن ثعلبة من الخزرج الأنصار. صحابى محارب فاضل. شهد بدرًا. المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وهو والد النعمان بن بشير الأنصاري. قتل بشير شهيدًا في معركة اليمامة.
[ ٧ / ٧٩ ]
للنبي - ﷺ - مع طاقات عسكرية هائلة- سواء من الناحية البشرية أو من ناحية القدرة القتالية حيث إنه معترَف لهذه القبائل بالشراسة في القتال والصبر على النزال.
وقد دل سياق المؤرخين على أنه بإمكان هذه القبائل الوثنية الشرقية. أن تحشد في أسرع وقت جيشًا لا يقل عدده عن عشرين ألف مقاتل.
ولهذا كانت كثرة عددهم وتفوقهم في ميادين الحرب قد أغرتهم أكثر من مرة بالمسلمين حيث حاولوا عدة مرات غزو المسلمين في المدينة وإنهاء وجودهم. وهو أمر لم يجرؤ أحد عليه سوى قريش التي نقلت المعركة ضد المسلمين إلى ضواحي المدينة (أحد) ولكن دون أن تجرأ على التفكير يومها. في احتلال المدينة.
أما هؤلاء الأعراب الشرسون العتاة. فقد كان هدفهم -في كل محاولاتهم الحربية- احتلال المدينة والقضاء على المسلمين فيها قضاء تامًّا .. فعلوا ذلك منفردين. وفعلوه بالاشتراك مع غيرهم من الذين جمعتهم بهم العداوة للإِسلام.
وآخر محاولة خطيرة قام بها هؤلاء الأعراب للإِطاحة بالمسلمين واحتلال المدينة وانتهابها. هي تلك المحاولة التاريخية التي قاموا بها -بالاشتراك مع خيبر ويهود المدينة وقريش- في السنة الرابعة من الهجرة ضمن حلف عسكرى ثلاثي لاكتساح المدينة ونسف الوجود الإِسلامي بأكمله في السنة الرابعة الهجرية.
وقد حاولت هذه القبائل الوثنية مرة أخرى مساندة يهود خيبر لضرب القوات الإسلامية الزاحفة على خيبر وذلك في أوائل السنة السادسة من الهجرة.
ففي هذه السنة جهزت فزارة وبنو أسد وحدهما حوالي خمسة الآف مقاتل. ألف منها رابط مع اليهود في حصونهم بخيبر .. وأربعة آلاف بقيادة عيينة بن حصن تحركت من مضاربها في صحارى نجد لضرب القوات الإسلامية من الخلف. إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل على النحو الذي فصلناه في كتابنا السادس من هذه السلسلة (غزوة خيبر).
[ ٧ / ٨٠ ]
وبالرغم من الفشل المتلاحق الذي منيت به هذه القبائل الوثنية الشرقية الشجاعة القوية في كل محاولة تقوم بها للقضاء على المسلمين أو خضد شوكتهم فإن كثرة عدد هذه القبائل الغامر وقدرتهم القتالية الممتازة، ظلا عامل غرور يدفع بهذه القبائل العظيمة المحاربة إلى استضعاف المسلمين والتفكير دائمًا في القيام بغزوهم والإِطاحة بهم وهدم كيانهم داخل عاصمتهم المدينة.
ففي شهر شوال من السنة السابعة للهجرة (أي بعد حوالي سنة كاملة من تصفية اليهود واندحار حلفائهم الوثنيين هؤلاء في خيبر) تبلغت القيادة الإِسلامية في المدينة -عن طريق رجال استخباراتها العسكريين المنتشرين بين مضارب تلك القبائل الوثنية شرقي المدينة أن القائد الفزاري الشهير. عيينة بن حصن يقوم بتحشيد قبائل غطفان وفزارة وأشجع وأسد في منطقة يقال لها "يمن (١) وجبار (٢) "نحو الجناب وهو موضع يعارض خيبر ووادي القرى شمال شرقي المدينة.
وإن هدف هذه التجمعات الوثنية هو الزحف على المسلمين وأخذهم على حين غرة في المدينة نفسها.
فقد جاء في التقرير الشفوى الذي قدمه جهاز الاستخبارات النبوية (أن عيينة بن حصن الفزاري قد بعث إلى تللث القبائل يقول لهم: إما أن تسيروا إلينا وإما أن نسير إليكم. فأرسلوا إليه أن سر إلينا حتى نزحف إلى محمد).
غير أن ما جاء في تقرير الاستخبارات العسكرية النبوية لم يكن مفاجأة للقيادة في المدينة. فقد كانت المدينة تتوقع أن يعاود الغرور هذه القبائل الوثنية القوية، لما هي عليه من كثرة في العدد وخبرة بالحرب ولكونها أقرب القبائل الوثنية إلى المدينة التي طالما سال لعاب هؤلاء الأعراب الأجلاف. كلما تذكروا خيراتها الزراعية. التي طالما حاولوا اجتياحها وانتهابها كما فصلناه في عدة مواضع من بحوثنا المتعلقة بهذه القبائل في كتبنا الستة من هذه السلسلة.
_________________
(١) قال في مراصد الاطلاع: (يمن -بفتح أوله وسكون ثانيه- ماء لغطفان من بني قو وروءاف على الطريق بين تيماء وفيد.
(٢) جبار (بضم أوله وفتح ثانيه) ماء لبنى حميس بن عامر بن ثعلبة، بين المدينة وفيد.
[ ٧ / ٨١ ]
تفريق حشد الوثنيين
ولذلك فإن النبي القائد - ﷺ - لم يكد يتلقى التقرير من رجال استخباراته عن هذه الحشود التي يقوم بها عيينة بن حصن الفزاري. حتى استدعى وزيريه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبحث معهما هذه التطورات الخطيرة. وأبلغهما ما تلقى من معلومات عن التحشدات هذه. فأشارا عليه بأن يسارع إلى إرسال قوة كبيرة تداهم هؤلاء الأعراب وتضربهم مكان تجمعهم قبل أن يبدأوا تحركاتهم نحو المدينة.
فعمل الرسول - ﷺ - بمشورة وزيريه وصاحبيه. فاستدعى القائد المشهور بشير بن سعد كلفه بأن يتولى الإغارة على أولئك الأعراب في ديارهم. قبل أن يكملوا تجهيزاتهم.
ثم جهز الرسول - ﷺ - ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار. أعطى قيادتهم بشير بن سعد الذي عقد له الرسول - ﷺ - لواءًا، فتحرك بشير بهذه القوات الكثيفة واتجه بها صوب الجناب في نجد ليباغت الأعداء في ديارهم وبين مضاربهم قبل أن يتمكنوا من التحرك نحو المدينة.
وتلك. دائما عادته - ﷺ -. يسارع بنقل المعركة (وعلى جناح السرعة وبسرية تامة) إلى ديار أي عدو يفكر في الإغارة على المدينة.
وعامل المباغتة في العمليات الحربية. دائما وفي كل زمان ومكان .. يكون من أهم عوامل الفوز والنصر وتحقيق الأهداف التي ترسم الخطط الحربية في أجل تحقيقها.
ولكي تنجح خطة المباغتة. ويتمكن قائد الحملة من تشتيت المحتشدين الأعداء بسهولة أمر النبي - ﷺ - القائد بشير بن سعد. بأن يسير برجاله الليل ويكمن النهار. لئلا يعلم أحد بتحركاتهم حتى يدهموا العدو ويأخذوه على حين غرة.
ونفذ القائد بشير أوامر النبي القائد - ﷺ -. فاتجه برجاله صوب الشرق. وصار يكمن النهار ويسير الليل. وكان دليل الجيش إلى ديار غطفان وفزارة. حسيل
[ ٧ / ٨٢ ]
ابن نويرة (١).الذي كان دليل النبي - ﷺ - إلى خيبر.
وقد نجحت خطة الكتمان نجاحًا حقق أغراض الحملة إلى أبعد الحدود. حيث لم يشعر عيينة بن حصن وحشوده في الجناب إلا بجيش المسلمين داخل مضاربهم وبين مسارحهم يستاق مواشيهم ويستولى على أموالهم .. فانتابهم الرعب والفزع. ففروا هاربين في بطون الشعاب ورؤوس الجبال لا يلوون على شيء.
فجاس جيش المسلمين خلال ديارهم واستولى على كل ما وصلت إليه أيدى رجاله من أموال تلك القبائل. كغنيمة حرب يغنمونها من عدو محارب كان يعد العدة لغزوهم وانتهاب مدينتهم.
وقد تتبع الجيش الإِسلامي الفارين من الأعداء (وخاصة مجموعة القائد عيينة بن حصن) الذي ناوش المسلمين بعض الوقت ثم فر منهزما. بعد أن قتل له جيش المسلمين جاسوسًا وأسر اثنين من رجاله.
وهكذا أحبط النبي - ﷺ - خطة ذلك الغزو الوثنى الذي كان آخر محاولة تقوم بها القبائل النجدية الوثنية الشجاعة الشرسة للزحف على المدينة وضرب المسلمين فيها.
قال الواقدي يصف هذه الحملة ونتائجها الإيجابية: (دعا رسول الله - ﷺ -) أبا بكر وعمر. فذكر لهما ذلك (أي احتشاد القبائل في نجد لغزو المدينة). فقالا: ابعث بشير بن سعد. فدعا رسول الله - ﷺ - بشيرًا. فعقد له لواءًا، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل ويكمنوا النهار، وخرج معهم حسيل بن نويرة دليلًا. فساروا الليل وكمنوا النهار، حتى أتوا أسفل خيبر، فنزلوا بسلاج (٢) ثم خرجوا من سلاج حتى دنوا من القوم، فقال لهم الدليل: بينكم وبين القوم ثلثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم خرجت طليعة
_________________
(١) حسيل (بالتصغير) قال في الإصابة: هو حسيل بن خارجة- وقيل: ابن وفرة الأشجعي. وأسلم قبل فتح خيبر. وهو الذي كان دليل الجيش النبوى الذي حرر خيبر من الاحتلال اليهودى. قال حسيل: قدمت المدينة في جلب أبيعه فأتى لي رسول الله - ﷺ - فقال: يا حسيل هل لك أن أعطيك عشرين صاع تمر على أن تدل أصحابي على طريق خيبر؟ ففعلت. قال: فأعطانى فأسلمت.
(٢) سلاج (بفتح أوله وثانيه) .. قال ياقوت: موضع أسفل من خيبر.
[ ٧ / ٨٣ ]
لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعًا. قالوا: بل نقدمك فقدموه، فغاب عنهم ساعة ثم كر عليهم فقال: هذا أوائل سرحهم، فهل لكم أن تغيروا عليهم؟
فاختلف أصحاب النبي - ﷺ -، فقال بعضهم: إن أغرنا الآن حذرنا الرجال والعطن. وقال آخرون نغنم ماظهر لنا، ثم نطلب القوم، فشجعوا على النعم، فأصابوا نعمًا كثيرًا ملأوا منه أيديهم، وتفرق الرعاء وخرجوا سراعًا، ثم حذروا الجمع. فتفرق الجمع وحذروا، ولحقوا بعلياء بلادهم، فخرج بشير بأصحابه حتى أتي محالهم، فيجدها وليس بها أحد، فرجع بالنعم حتى إذا كانوا بسلاج راجعون لقوا عينا (جاسوسًا) لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة وتبعه أصحاب النبي - ﷺ - فأصابوا منهم رجلًا أو رجلين فأسروهما أسرًا، فقدموا بهما على النبي - ﷺ - فأسلما فأرسلهما النبي - ﷺ -.
سيد بني مرة ينصح عيينة بن حصن ليسلم
وكان الحارث بن عوف المرّى سيدًا ذا عقل راجح ونظر بعيد. وكان لذلك هو الزعيم النجدى الوحيد الذي رفض مساندة اليهود عسكريًا في صراعهم الدامى مع محمد - ﷺ - بخيبر. ونصح عيينة بن حصن أن يلتزم جانب الحياد فلا يساند اليهود. لأنهم مغلوبون لا محالة. ولكن عيينة لم يعمل بنصيحة الحارث. فنال نصيبه من خزى هزيمة اليهود الساحقة في معركة خيبر الفاصلة التي ساهم فيها إلى جانب اليهود بخمسة آلاف مقاتل من قومه ومن أطاعه من قبائل غطفان التي كانت دائما حليف اليهود المفضل ضد النبي - ﷺ -.
وعندما حزب عيينة بن حصن قبائل غطفان ضد النبي - ﷺ -. والتي تشكل بنو مرة أحد أجنحتها الهامة. عندما حزب عيينة هذه القبائل وأخذ في تجميعها في وادي الجناب لغزو المدينة. اعتزله سسيد بني مرة الحارث بن عوف فلم يشترك أحد من بني مرة في ذلك التجمع الغطفاني الفاشل.
غير أن الحارث بن عوف. لقى عيينة بن حصن وهو منهزمًا. فذكره بما كان قد نصحه به في الماضي. فقد قال الواقدي: (وكان الحارث بن عوف المرى حليفا لعيينة ولقيه منهزمًا على فرس له عتيق يعدو به عدوًا سريعًا
[ ٧ / ٨٤ ]
فاستوقفه الحارث فقال: لا، ما أقدر. والطلب خلفى. أصحاب محمد. وهو يركض. فقال الحارث بن عوف: أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟
إن محمدًا - ﷺ - قد وطئ البلاد وأنت موضع في غير شيء قال الحارث: فتنحيت عن سنن خيل محمد - ﷺ - حتى أراهم ولا يروننى، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل ما أرى أحدًا وما طلبوه إلا الرعب الذي في دخله قال: فلقيه بعد ذلك، فقال الحارث فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب. قال عيينة: هو ذاك، إني خفت الإِسار وكان أثرى عند محمد - ﷺ - ما تعلم في غير موطن. قال الحارث: أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمرًا بينا في بني النضير، ويوم الخندق وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنهم كانوا أعز يهود الحجاز كله يقرون لهم بالشجاعة والسخاء، وهم أهل حصون منيعة، وأهل نخل، والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم. لقد سارت حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من الناس. ثم قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة كيف أديل عليهم. فقال عيينة. هو والله ذاك، ولكن نفسي لا تقرنى. قال الحارث فادخل مع محمد - ﷺ -. قال: أصير تابعًا. قد سبق قومى إليه فهم يزرون بمن جاء بعدهم. يقولون. شهدنا بدرا وغيرها. قال الحارث. وإنما هو على ما ترى. فلو تقدمنا إليه لكنا من علية أصحابه، قد بقى قومه بعدهم منه في موادعة وهو موقع بهم وقعة، وما وطئ له الأمر. قال عيينة: أرى والله فابتعدا يريدان الهجرة والقدوم على النبي - ﷺ - إلى أن مر بهما فروة بن هبيرة القشيري يريد العمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يريدان. قال فروة: لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المدة التي هم فيها وآتيكم بخبرهم فأخروا القدوم على الرسول - ﷺ - ومضى فروة حتى قدم مكة فتحسب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النبي - ﷺ -، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبدًا، فخبّرهم بما أوقع محمد بأهل خيابر. قال فروة: وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمحمد. قالت قريش: فما الرأي؟ فأنت سيد أهل الوبر؟ نقضى هذه المدة التي بينكم وبينه (يعني مدة هدنة الحديبية) ونستجلب العرب ثم نغزوه في عقر داره.
[ ٧ / ٨٥ ]
تحريض قريش على نقض الهدنة
قال الواقدي: وأقام فروة بن هبيرة القشيري أيامًا يجول في مجالس قريش ويسمع به نوفل بن معاوية الديلى، فنزل من باديته فأخبره بما قال لقريش فقال نوفل: إذا. لا أجد عندكم شيئًا. قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني ولنا عدو قريب داره، وهم عيبة نصح محمد لا يغيبون عليه حرفًا من أمورنا. قال: من هم. قال خزاعة. قال: قبحت خزاعة، قعدت بها يمينها. قال فروة: فماذا؟ قال: استنصر قريشًا أن يعينوا عليهم. قال فروة: فأنا أكفيكم. فلقى رؤساءهم، صفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسهيل بن عمر، فقال: ألا ترون ماذا أنزل بكم؟ إنكم رضيتم أن تدفعوا محمدًا بالراح. قالوا: فما نصنع؟ قال تعينون نوفل بن معاوية على عدوه وعدوكم. قالوا: إذًا يغزونا محمد في ما لا قبل لنا به فيوطئنا غلبة، وننزل على حكمه، ونحن الآن في مدة وعلى ديننا. فلقى نوفل بن معاوية فقال: ليس عند القوم شيء. ورجع فلقى عيينة والحارث فأخبرهم وقال: رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبروا الأمر. فقدموا رجلًا وأخروا أخرى. (مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٩).
-٦ -
غزوة القضية (١) شوال سنة سبع للهجرة
ومن أهم الأحداث ذات الأثر العميق في تغيير مجرى الصراع بين الإِسلام والوثنية لصالح الإِسلام والتي نتج عن القيام بها تحولات في الذهنية القرشية. تصححت بها المفاهيم الخاطئة المترسبة في أذهان القرشيين وغيرهم من العرب المجاورين لمكة والتصورات المغلوطة التي بها يتصورون الإِسلام وأتباعه .. من أهم هذه الأحداث التي نتجت عنها كل هذه التحولات والتصحيحات .. عمرة القضية أو غزوة القضية-كما يسميها أصحاب المغازي والسير.
_________________
(١) وتسمى أيضًا عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة القصاص. قال في الروض الأنف ج ٢ ص ٢٥٤: وهذا الاسم أولى بها لقوله تعالى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
[ ٧ / ٨٦ ]
وهي العمرة التي قام بها النبي - ﷺ - وأصحابه قضاء عن العمرة التي مُنع المسلمون من أدائها في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة. فعادوا إلى المدينة دون أدائها بعد أن أحرموا بها. وذلك بموجب الصلح التاريخي المعقود بين النبي - ﷺ - وبين قريش في الحديبية والذي أطلق عليه اسم (صلح الحديبية) (١).
وقد تمت هذه العمرة التاريخية مصداقًا لقوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).
لقد بسطنا في كتابنا الخامس من هذه السلسلة كامل قصة النزاع ومراحل الخلاف الخطير الذي نشب بين النبي - ﷺ - وبين قومه قريش والذي كاد يؤدى إلى حرب طاحنة بين الفريقين. والذي انتهى بذلك الصلح التاريخي الذي قبل النبي - ﷺ - بموجبه- أن يعود بأصحابه إلى المدينة دون أن يدخل مكة فحل إحرامه في الحديبية خارج حدود الحرم وعاد إلى المدينة.
الحل الوسط في الصلح
لقد كان الحل الوسط الذي تم الاتفاق عليه في الحديبية بين النَّبِيّ - ﷺ - وبين عشيرته قريش. فأنهى ذلك النزاع الخطير الذي كاد يبعث حربًا ضروسًا بين الفريقين بسبب تصلف قريش وبغيها وعنادها. كان هذا الحل الذي تضمنه صلح الحديبية المعقود في السنة السادسة من الهجرة -يقضى بأن يرجع النبي - ﷺ - وأصحابه عامهم ذاك إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة. على أن يكون لهم الحق في أن يدخلوها معتمرين في العام القادم وبعد سنة كاملة بالتحديد.
وكما هو مفصل في كتابنا الخامس (صلح الحديبية) كانت بنود ذلك الصلح محل سخط أكثرية الصحابة الذين كانوا مع النبي - ﷺ - فقد كان مصدر تضايق لهم لما يحمله في الظاهر من إجحاف. سماه بعضهم دنيئة وإذلالًا
_________________
(١) انظر كتابنا الخامس من هذه السلسلة والمسمى بـ (صلح الحديبية).
(٢) الفتح ٢٧.
[ ٧ / ٨٧ ]
للمسلمين .. إلا أنهم (مع كرههم لهذا الصلح) لم يسعهم إلا السكوت والتسليم. لأنه ليس في إمكانهم عصيان النبي الأعظم - ﷺ - والخروج على إرادته. لأنه إنما يصدر في كل تصرفاته عن أمر ربه.
كيف حقن الصلح الدماء عن أن تراق
والواقع أن ارتضاء النبي - ﷺ - أن يعود بأصحابه إلى المدينة على أن يقوموا بأداء العمرة في العام القادم. وذلك كحل وسط حسم النزاع .. الواقع أن قبول النبي - ﷺ - بهذا الحل قد كان سببًا في حقن دماء كثيرة كان من الممكن أن تراق من الفريقين بغزارة في الحرم، لو أن النبي - ﷺ - استجاب لعواطف أصحابه التي كانت يومها في أعلى درجات الفوران .. فاقتحم الحرم بقوة السلاح لأداء مناسك العمرة .. هي رغبة أكثرية أصحابه الذين يفضلون اقتحام مكة بحد السيف لمباشرة حقهم في الطواف والسعى على أن يعودوا إلى المدينة دون أن يؤدوا عمرتهم.
قانون عام غير مكتوب
لقد كان القيام بالعمرة (الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة) حق لأى إنسان كائن من كان. له أن يباشره حتى ولو كان في حالة حرب مع سكان الحرم أنفسهم.
هذا قانون غير مكتوب أجمع الالتزام به كل سكان الجزيرة العربية عبر آلاف السنين.
غير أن قريشًا ركب العناد رأسها. فركض الشيطان بها في دروب العناد والمكابرة. فخرقت هذا القانون العام. حين أصرت على منع المسلمين (بحد السلاح) ذلك العام من دخول الحرم لأداء العمرة بغيًا وعدوانًا وبطرًا ورياء الناس.
وكان من حق المسلمين أن يدخلوا مكة ويقاتلوا من يعترض سبيلهم. وكان ذلك هو رأى الأغلبية من أصحاب النبي - ﷺ -. ردًّا على عناد قريش وتصلفها.
ولكن النبي الأعظم (وهو الذي جاء لإِرساء قواعد السلم في الأرض)،
[ ٧ / ٨٨ ]
رأى أن مقابلة عناد قريش بعناد مثله (كما هو رأى الأغلبية من أصحابه) سيتسبب في إشعال نار حرب طاحنة ضارية داخل الحرم الآمن. لا مبرر لها ولا ضرورة.
لذلك قبل - ﷺ - الحل الوسط الذي اقترحه وأملاه في وثيقة الصلح مندوب قريش ومفوضها الأول سهيل بن عمرو العامري (١) بالرغم من معارضة الأغلبية العظمى من الصحابة لقبول هذا الحل لأنهم رأوا أن في القبول بأكثر الشروط التي أملاها مندوب قريش في وثيقة صلح الحديبية -ومنها هذا الحل الوسط- دنيئة عليهم في دينهم "كما صرح بذلك الفاروق عمر أمام النبي - ﷺ - وهو يبدى في مجلس الرسول - ﷺ - معارضته العنيفة للصلح".
والواقع أن الصحابة (﵃) ليسوا ملومين (كبشر عاديين) حينما صارحوا النبي الأعظم - ﷺ - بانزعاجهم وامتعاضهم لقبول الحل الذي اقترحه مندوب قريش والذي يقضى بأن يعود النبي وأصحابه إلى المدينة ذلك العام (٦ هجرية) دون أن يقضوا مناسكهم. مع اقتدارهم (عسكريًا) على أن يقضوها إذا ما اعترضتهم قريش بالقوة.
كانوا غير ملومين -حين عارضوا الصلح كله لتضمنه تلك الشروط القاسية- (٢) لأنهم نظروا إليها من زاوية نظرة الإِنسان العادى (فهم بالنسبة لمنزلة النبي الأعظم عاديون) .. والإِنسان العادى (فعلًا) لكونه ذا فهم محدود .. إذا ما نظر إلى تلك الشروط التي أملاها مفوض قريش ومندوبها سهيل بن عمرو في مفاوضات الحديبية. وقبل بها النبي - ﷺ - .. اتضح له (لأول وهلة) أنها تحمل الإِجحاف كل الإِجحاف بحق المسلمين.
إذ (مثلًا) كيف تطاوع المسلمين أنفسهم أن يقبلوا أن يصدهم المشركون عن البيت وقد وصلوا حدود الحرم. ثم يعودوا دون أن يقضوا مناسك العمرة التي قطعوا مئات الأميال لأدائها. مع اقتدارهم (عسكريًا) على أن يقضوا هذه المناسك إذا ما اعترضتهم قريش وحاولت منعهم بالقوة؟؟ .
_________________
(١) انظر ترجمة سهيل بن عمرو. هذا في كتابنا (غزوة بدر الكبرى)
(٢) انظر تفاصيل هذه الشروط في كتابنا الخامس (صلح الحديبية).
[ ٧ / ٨٩ ]
ولكن النبي - ﷺ - الذي يدرك أكثر مما يدرك أصحابه من أبعاد المستقبل .. ويعلم من الله ما لا يعلمون لأنه على صلة مباشرة مع السماء ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) رأى أن يقبل ذلك الحل الوسط الذي اقترحه وأملاه حق وثيقة الصلح مفوض قريش ومندوبها سهيل بن عمرو. فأمر أصحابه أن يحلوا إحرامهم في الحديبية خارج الحرم. وأن يعودوا إلى المدينة. على أن يقضوا مناسك عمرتهم في العام القادم كما نصت على ذلك بنود اتفاقية الصلح.
وكما فصلناه في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) .. تردد الصحابة كلهم (تقريبًا) في حل إحرامهم ونحر هديهم في الحديبية وقبل أن يبلغ محله حتى أغضبوا بذلك النبي - ﷺ -. فلم ينحروا ويحلوا إحرامهم حتى رأوا النبي - ﷺ - ينحر هديه بيديه الشريفتين.
وقد أجمع المؤرخون على أنه (بسبب قبول النبي - ﷺ - بشروط الصلح كاد المسلمون أن يهلكوا للغم الذي نزل بهم لأن نفوسهم لم تستسغ هذه الشروط. لولا التزامهم بطاعة نبيهم - ﷺ -.
مكاسب صلح الحديبية
غير أن هؤلاء الصحابة الذين عارضوا الصلح أشد المعارضة -وبمجرد عودتهم إلى المدينة من الحديبية- أخذت بركات ومكاسب هذا الصلح الذي كرهوا واغتموا له تتجلى لهم وتتوارد عليهم شيئًا فشيئًا .. متجسدة فيما جد من أحداث نتيجة هذا الصلح. كلها كانت نصرًا وتعزيزًا للمسلمين.
فازداد المسلمون يقينًا بأن نبيهم العظيم يدرك أبعد مما يدركون وإن الحكمة التي آتاها الله لا يمكن لبشر أن يسبر غورها أو يدرك مداها. وأنه لا يفعل ولا يقول إلا حقا. وأن ما كرهوه من هذا الصلح قد حقق للمسلمين من الانتصارات المعنوية والسياسية وعلى كل صعيد. ما لم تحققة أية معركة حربية خاضوها وانتصروا فيها على معسكر الشرك والوثنية.
_________________
(١) النجم ٤.
[ ٧ / ٩٠ ]
المسلمون في مكة يعتمرون
كان صلح الحديبية الذي ينص على عودة المسلمين من الحديبية (المسماة اليوم بالشميسي) إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة. على أن يسمح لهم بدخولها للعمرة بعد سنة من تاريخ إبرام هذا الصلح .. كان هذا الصلح قد عقد في ضهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة.
ولذلك فإن المسلمين بعد مرور سنة كاملة على عقد هذا الصلح أدوا مناسك العمرة قضاءًا ومن أجل ذلك أطلق على هذه العمرة التاريخية عمرة القضاء أو عمرة القضية.
ففي شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة (وبعد مرور حوالي أحد عشر شهرًا على انتصار المسلمين الساحق على اليهود في خيبر وقبل أحد عشر شهرًا من فتح مكة وغزوة حنين) وجه النبي الأعظم - ﷺ - نداء إلى أصحابه أمرهم فيه بأن يستعدوا للتوجه معه إلى مكة المكرمة ليعتمروا -قضاء عمرتهم التي صدهم المشركون عنها في السنة الماضية- وكان أمره - ﷺ - يقضى بأن لا يتخلف أحد عن عمرة القضاء هذه من الذين شهدوا الحديبية في السنة السادسة للهجرة وصدوا مع من صدوا عن البيت.
فلبى الصحابة طلب نبيهم - ﷺ - ونفذوا أوامره. فلم يتخلف عن عمرة القضاء هذه أحد ممن شهد الحديبية إلا رجال كتبت لهم الشهادة في معركة خيبر الحاسمة أو رجال وافاهم الأجل المحتوم قبل أن يحل ميعاد القيام بعمرة القضاء هذه.
عدد المعتمرين عمرة القضاء
كذلك لم يمانع النبي - ﷺ - في أن يخرج معه من أراد العمرة ممن لم يشهد الحديبية من المسلمين. فاعتمر معه (بالإضافة إلى أصحاب الشجرة أهل الحديبية) ستمائة كلهم لم يشهد الحديبية .. فهو إما ممن تخلف عنها وإما ممن أسلم بعدها .. فكان عدد الذين أدّوا العمرة تلك السنة التاريخية ألفين من الصحابة.
لقد كان فرح المسلمين عظيمًا حينما سمعوا نداء النبي - ﷺ - وهو يأمرهم
[ ٧ / ٩١ ]
بالتأهب للتوجه إلى مكة المكرمة للعمرة. وخاصة المهاجرين الذين كانوا (أكثر من غيرهم) تهفو قلوبهم إلى مكة. موطنهم الأول. ومسقط رأسهم.
فلا ينكر أحد ما للوطن (وخاصة مثل مكة) من ذكريات حلوة يختزنها القلب وتحتل مكانها العالى في النفس.
أمير على المدينة بالنيابة
وبعد أن أكمل الأصحاب تجهيزاتهم للرحلة الطويلة إلى مكة وقرر النبي - ﷺ - مغادرة المدينة في اليوم الذي حدده. أصدر (كما هي عادته في مثل هذه الأحوال) .. مرسومًا نبويًّا عيَّن بموجبه أبا رُهم الغفاري (١) أميرًا على المدينة يدير شئونها نيابة عن الرسول الأعظم - ﷺ - حتى عودته من مكة الكرمة.
كمية الهدى في هذه العمرة
وكان النبي - ﷺ - قد أعد ستين بدنة ليسوقها معه هديًا إلى الحرم. وهو العدد الذي ساقه معه عام الحديبية واضطر إلى أن ينحره خارج حدود الحرم في الحديبية نفسها بسبب إصرار المشركين على صده عن البيت ذلك العام كما هو مفصل أوسع تفصيل في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
وقد جعل رسول الله - ﷺ - على هديه هذا ناجية بن جندب الأسلمي (٢) وهو نفسه الذي جعله النبي - ﷺ - على الهدى الذي ساقه عام الحديبية. وفي هذه المرة أضاف النبي - ﷺ - أربعة فتيان من أسلم قوم (ناجية بن جندب) ليكونوا له عونًا في العناية بالهدى (٣).
_________________
(١) أبو رهم (بضم أوله وسكون ثانيه). قال في الإصابة: اسمه كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن أحمس بن غفار. مشهور باسمه وكنيته. كان ممن بايع تحت الشجرة وكان من البدريين (انظر اسمه بين البدريين في كتابنا غزوة بدر الكبرى). وذكر ابن سعد أن النبي - ﷺ - بعثه يستنفر قومه (غفار) في غزوة تبوك.
(٢) انظر ترجمة ناجية بن جندب في كتابنا "صلح الحديبية".
(٣) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٣٢.
[ ٧ / ٩٢ ]
من أي أحرم الرسول - ﷺ - بالعمرة
وفي عمرة القضاء هذه أحرم النبي - ﷺ - من باب فسجده داخل المدينة. أي أنَّه لم يحرم من الميقات المألوف (ذي الحليفة) وقد ذكر الواقدي سبب ذلك فقال:
وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن جابر بن عبد الله قال: أحرم رسول الله - ﷺ - من باب المسجد أنه سلك إلى طريق الفرع ولولا ذلك لأهل من البيداء.
حمل السلاح احتياطًا
ورغم أن النبي - ﷺ - "في حالة هدنة مع القرشيين بمكة ورغم أن اتفاقية الحديبية تنص على أن ليس للمسلمين أن يحملوا من السلاح (داخل مكة) سوى السيوف في أغمادها .. فإن - ﷺ - قد حمل معه من المدينة في هذه العمرة) من العتاد الحربي (السيوف والبيض والدروع والرماح) ما يكفي لتسليح أصحابه الذين كانوا معه والذي بلغ عددهم الألفين.
كما أن النبي - ﷺ - أعد كتيبة من الفرسان المسلحين قوامها مائة فارس وكلف هؤلاء الفوسان بأن يكونوا في مقدمته حتى حدود الحرم.
وعندما قرر النبي - ﷺ - ذلك ناقشه بعض أصحابه بأن حمل السلاح كاملًا (وعلى تلك الصورة) قد يفسر بأنه نقض لاتفاقية الحديبية. فأفهمهم بأنه لا يفكر في ما تسرب إلى أذهانهم. فهو لا ينوى بحمله السلاح الكامل على تلك الصورة لكى يدخل به الحرم .. كلا وإنما فعل ذلك استعدادًا للطوارئ فقط لأنه - ﷺ - أدخل في حسابه أن قريشًا قد تستغل فرصة تجرّد المسلمين من السلاح فتغدر بهم وهم يؤدون مناسكهم.
ولذلك أمر بحمل السلاح كاملًا. وألَّف كتيبة الفرسان لتكون طليعة أمامه من باب الحيطة والحذر .. ثم أفهم الأصحاب الذين أبدوا ملاحظاتهم على حمله السلاح الكامل .. بأن حمله قد يكون مناقضًا لشروط صلح الحديبية .. أفهمهم بأنه "لكي يتمشى في تصرفاته مع اتفاقية الحديبية نصا وروحًا" سيحمل معه كامل السلاح إلى أن يصل حدود الحرام. وهناك
[ ٧ / ٩٣ ]
سيترك السلاح (خارج الحرم) في حراسة بعض أصحابه ليلجأ إلى هذا السلاح إذا ما اضطر إليه. وأنه تنفيذًا لاتفاقية الحديبية لن يسمع لأحد من أصحابه بأن يحمل من السلاح داخل الحرم إلا السيف في غمده.
قال الواقدي .. حدثني معاذ بن محمد، عن عاصم بن عمر، قال: حمل رسول الله - ﷺ - السلاح والبيض والدروع والرماح. وقاد مائة فرس فلما انتهى إلي ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه وهي مائة فرس عليها محمد بن مسلمة. وقدم السلاح واستعمل عليه لو بشير سعد، فقيل: يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا علينا (يعني المشركين) ألا ندخل عليهم إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب .. فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لن ندخلها عليهم الحرم، ولكن تكون قريبًا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا (١).
التحرك من المدينة
وبعد أن أكمل النبي - ﷺ - وأصحابه استعدادهم. تحرك الرسول الأعظم - ﷺ - بأصحابه من المدينة يضجون بالتلبية والتكبير والتهليل.
فكان مظهرًا يهز المشاعر. ويستقطب ذكريات الماضي. فتعج بها النفوس المؤمنة في اعتزاز مشوب بلذة النصر الرائع (الرائع جدًّا). الذي هو حصيلة الثبات على العقيدة الحقة. والصبر أمام الأعاصير الهوج التي هبت أيام الاستضعاف -على النفوس المؤمنة. عندما كان أصحابها في مكة قبل الهجرة. قلة قليلة يتعرضون لضروب من الإرهاب والترويع والقتل -أحيانًا- تحت وطأة التعذيب الوحشى الهمجى .. فيصدون رغم ذلك صمود الرواسى أمام أعتى العواصف.
من ثمرات الثبات على العقيدة
فيا للثمر اليانع الخصب يجنيه الصامدون وراء متاريس العقيدة الحقة الصلبة لمواجهة تيارات البلايا والمحن.
فها هم طريدو الأمس الذين تعرضوا للظلم والاضطهاد والتعذيب (وهم
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٣٣ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٦.
[ ٧ / ٩٤ ]
قلة قليلة) على أيدى كثرة غاشمة كافرة متغطرسة .. ها هم الذين خرجوا -قبل سبع سنوات مستخفين خائفين- تاركين مكة فرارًا بديهم. وخوفًا من بطش الوثنية وفتك الشرك .. ها هم يتحركون اليوم من مركز القوة. في اعتزاز المؤمن وثقة المسلم. ليدخلوا مكة مرفوعة رؤوسهم. دون أن يجرأ أحد من أعدائهم وجلادّيهم بالأمس. أن يفكر -مجرد تفكير- في اعتراض سبيلهم. فضلًا عن الاعتداء عليهم .. كما يفعل بالأمس وقبل سبع سنوات.
قريش تحتج على حمل المسلمين السلاح
وكان النبي الأعظم - ﷺ - (كما ذكرنا آنفًا). قد انتخب مائة فارس من المهاجرين والأنصار وأمر قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري بأن يتقدم بهم طليعة أمامه حتى مكة. وذلك من قبيل الحيطة والحذر.
كما قدم الأسلحة والأعتدة الحربية التي قد يضطر إلى استخدامها إذا ما حزبه أمر وهو بمكة .. قدم هذه الأسلحة والأعتدة مع القائد المحارب الشهير، بشير بن سعد الأنصاري. ثم تحرك - ﷺ - بباقى أصحابه. يقدمهم. ممتطيًا ظهر ناقته القصوى يحيط به الأصحاب من كل جانب تشق أصواتهم عنان السماء بالتلبية والتكبير والتهليل. وقد انتشر بين أيديهم ستون بدنه وهي الهدى المسوق لينحر في مكة.
ولما كانت قريش تتوقع أن يأتي النبي - ﷺ - في أصحابه لأداء مناسك العمرة كما تنص اتفاقية الحديبية. بعث ساداتها بعدد من رجال استخباراتهم ليضربوا في الأرض بعيدًا عن الحرم ليتحسسوا أخبار الرسول - ﷺ - وأصحابه. ويقدموا لهم تقريرًا مفصلًا عن وضع المسلمين والحالة التي هم عليها أثناء تحركهم نحو مكة المكرمة.
وقد وصل رجال استخبارات قريش في استكشافهم إلى مر الظهران (وهو المسمى اليوم بوادى فاطمة) وهناك رأوا كتيبة الفرسان التي يقودها محمد بن مسلمة الأنصاري مدججة بكامل أسلحتها كما رأوا الأسلحة الكثيرة وعدد الحرب الكاملة التي تحملها وسائل النقل والرجال المكلفون بحملها تحت قيادة وإشراف بشير بن سعد الأنصاري .. فأفزعهم ذلك. فسألوا محمد بن مسلمة ..
[ ٧ / ٩٥ ]
ما الخبر فأبلغهم أن النبي - ﷺ - سيكون غداة ذلك اليوم في مر الظهران.
فعادوا أدراجهم إلى مكة مسرعين. وهناك أبلغوا سادات قريش ما رأوا من الخيل والسلاح الذي مع محمد بن مسلمة وبشير بن سعد ورجالهما الذين كانوا يقدمون النبي - ﷺ - وباقي أصحابه كطليعة لهم.
ففزعت قريش لذلك فزعًا شديدًا وتسرب إلى أذهان قادتها أن النبي - ﷺ - قد نقض صلح الحديبية حين قدم أمامه الأسلحة الكثيرة والفرسان المدججين. وأنه -لا شك- قد جاء لغزو قريش واحتلال مكة بقوة السلاح. والهدنة قائمة بين الفريقين. لذلك سارعت قريش إلى عقد اجتماع عاجل في دار الندوة لبحث ما تصورت أنه غزو اعتزم النبي - ﷺ - القيام به ضدهم في فترة الهدنة القائمة بين الفريقين.
وبعد استعراض الوضع في دار الندوة قررت قريش التريث وأن تبعث أولًا بوفد منها لمقابلة النبي - ﷺ - لمعرفة نواياه الحقيقية من جلب الفرسان المدججين بكامل أسلحتهم وهو في هدنة معهم ومجيئه للعمرة فقط قبل الهجرة.
اجتماع وفد قريش بالرسول - ﷺ - في يأجج
وكان النبي - ﷺ - قد وصل بأصحابه إلى مر الظهران (وادي فاطمة) ومن هناك قدم الخيل والسلاح إلى بطن ياجج بالقرب من أنصاب الحرم. ثم لحق وبقية أصحابه بهم. وهناك (في بطن يأجج) عسكر النبي - ﷺ - بأصحابه ومعهم كامل عدة الحرب من خيل وأسلحة.
وإلى حيث عسكر النبي - ﷺ - بأصحابه -وعددهم ألفان- في بطن وادي ياجج وصل الوفد القرشي المكون من عدة زعماء برئاسة مكرز بن حفص العامري الذي كان أحد أعضاء الوفد القرشي المفاوض مع سهيل بن عمرو في مفاوضات الحديبية.
ولدى اجتماع الوفد القرشي هذا بالنبي - ﷺ - في وادي يأجج أعربوا له عن مخاوفهم واحتجوا على حمله الأسلحة ومجيئه بالخيل الكثيفة. وكيف يبيح لنفسه (كما تصوروا) أن يغزو مكة ويدخلها بكل هذه الأسلحة. وقريش لم يأت منها ما يخل بالعهد الذي أبرم في الحديبية بين الفريقين قبل عام؟ .
[ ٧ / ٩٦ ]
غير أن النبي الأعظم - ﷺ - بدد كل المخاوف التي كانت تساور القرشيين. وأكد لهم بأنه على العهد الذي أعطاه في الحديبية. وأنه لن يسمح لأحد من أصحابه بأن يحمل من السلاح داخل الحرم في هذه العمرة. إلا سلاح الراكب (السيف في قرابه) كما تنص على ذلك بنود اتفاقية الحديبية .. فاطمأن الوفد القرشي. وعاد إلى مكة ليطمئن قريشًا ويزيل عنها المخاوف التي كانت قد أقلقتها.
قال الواقدي: ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مَر الظهران فيجد بها نفرًا من قريش فسألوا محمد بن مسلمة، فقال: هذا رسول الله - ﷺ - يصبح هذا المنزل غدًا إن شاء الله. فرأوا سلاحًا كثيرًا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعًا حتى أتوا قريشًا فأخبروهم بالذي رأوا من الخيل والسلاح ففزعت قريش فقالوا: والله ما أحدثنا حدثًا، ونحن على كتابنا ومدتنا (يعنون بذلك صلح الحديبية)، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ .. ونزل رسول الله - ﷺ - مر الظهران، وقدم رسول الله - ﷺ - السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف (١) في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله - ﷺ - في أصحابه والهدى والسلاح (قد تلاحقوا فقالوا: يا محمد. والله ما عُرفت صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر. تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب. فقال رسول الله - ﷺ -: لا ندخلها إلا كذلك (أي بسلاح المسافر فقط). ثم رجع (أي مكرز بن حفص) بأصحابه إلى مكة فقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط لكم (٢).
تخزين السلاح قرب حدود مكة
أما الأسلحة التي جلبها النبي - ﷺ - معه في عمرته هذه فقد أمر بتخزينها في بطن وادي يأجج. وكانت كميات كبيرة. وقد أمر النبي - ﷺ - بأن يبقى من أصحابه لحراسة هذه الأسلحة مائتا رجل بقيادة أوْس بن خولى
_________________
(١) انظر ترجمة مكرز بن حفص في كتابنا "صلح الحديبية".
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٣٤.
[ ٧ / ٩٧ ]
الأنصاري (١) على أن يأتي من الأصحاب الذين أدّوا مناسك العمرة ليحلوا محل أوس بن خولى وأصحابه لحراسة الأسلحة. ليؤدى أوْس وأصحابه المائتان مناسك العمرة كإخوانهم. وقد حدث ذلك بالفعل. حيث عاد من مكة مائتان من الصحابة وحلوا محل أوس بن خولى وأصحابه في حراسة الأسلحة.
قال الواقدي: حدثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث، قال: وخلَّف رسول الله - ﷺ - مائتى رجل على السلاح، عليهم أوْس بن خولى. ثم قال الواقدي -بعد أن أتى على تفاصيل عمرة القضية- وقد كان رسول الله - ﷺ - أمر مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج، فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم، ففعلوا. (٢).
جلاء قريش عن مكة
ما كانت بنود صلح الحديبية التاريخي الذي بموجبه دخل المسلمون مكة لأداء مناسك العمرة والبقاء ثلاثة أيام .. ما كانت هذه البنود تنص على إلزام القرشيين بالجلاء عن مكة عندما يدخلها المسلمون معتمرين ويبقون فيها تلك المدة.
ولكن قريشا نفسها آثرت الجلاء عن مكة عندما يدخلها المسلمون لقضاء العمرة .. فقررت أن تجلو عنها إلى رؤوس الجبال. لأنها شعرت أنه ثقيل على نفوسها إلى حد لا تطيقه أن تنظر إلى النبي - ﷺ - وأصحابه وهم يطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة ويتجولون في أحياء مكة أحرارًا دون أن يجرأ أيّ كان على اعتراض سبيلهم .. وهم الذين خرجوا بالأمس يتحسسون رؤوسهم يطلبهم الموت في كل مكان بعد أن أهدرت قريش دماءهم وجعلت مائة ناقة جائزة لمن يأتيها برأس سيدهم ونبيهم محمد - ﷺ -. وكانوا إلى ما بعد صلح الحديبية لا يستطيعون الاقتراب من حدود الحرم فضلًا أن يقوموا بالطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة .. لهذا (وتحت ضغط البغض الوثنى الأسود) قررت قريش أن تجلو، إلى رؤوس الجبال لأنها لا تحتمل النظر إلى
_________________
(١) انظر ترجمة أوس بن خولى في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية ص ١٧٠).
(٢) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٤٠.
[ ٧ / ٩٨ ]
النبي وأصحابه. وقد صرح سادات قريش أنفسهم بما يترجم عن شعورهم بالمرارة وعدم احتمالهم النظر إلى المسلمين وهم داخل مكة.
فقد روى أبو قتادة أن الزعيم القريشي (مكرز بن حفص العامري) لما رجع إلى مكة من وادي يأجج وطمأن قريشًا بأن النبي - ﷺ - ليس في نيته غزوها. فقال لهم: إن محمدًا لا يدخل بسلاح. خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال، وخلوا مكة، وقالوا: ولا ننظر إليه ولا إلى أصحابه (١).
منظر رائع
أما النبي - ﷺ - فبعد أن رتب أمر حراسة الأسلحة في وادي يأجج بتركه مائتين من أصحابه بقيادة أوس بن خولى الأنصاري تحرك من هذا الوادي إلى (ذي طوى) حيث أمر بحبس الهدى هناك حتى يتكامل أصحابه. وقد خرج في اتجاه ذي طوي على ناقته القصوى وأصحابه يحيطون به متوشحين السيوف تدوى أصواتهم بالتلبية "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" .. وهي تلبية ترى قريش أن تقطع لسان من ينطق بها لو استطاعت. ولكن هيهات هيهات. فقد جدع النبي الحكيم بإبرامه صلح الحديبية أنفها. حين أرغمت على قبول دخول المسلمين مكة لتأدية مناسك العمرة حسب شريعتهم التي قامت على أساس هدم الوثنية التي كانت قريش حتى ذلك اليوم ترى أن من واجبها الذود عنها بالمهج والأرواح.
وعندما تكامل جمع المسلمين بذى طوى وقف الرسول الأعظم - ﷺ - على ناقته القَصوى وسط أصحابه تحيطهم هالة من الوقار والهيبة ثم اندفع بهم نحو المدينة المقدسة (مكة) التي دخلها - ﷺ - من شمالها عند الحجون.
وكان القرشيون (كما قلنا) قد جلوا عن مكة إلى رؤوس الجبال لئلا يروا المسلمين في مكة أو يخالطوهم.
ومن رؤوس تلك الجبال -وعلى مد النظر- رأوا بعيون كاد يزيغها حقد
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٣٤.
[ ٧ / ٩٩ ]
الكفر وضغينة الجاهلية .. رأوا النبي محمدًا - ﷺ - وأصحابه يزحفون نحو مكة تشق أصواتهم عنان السماء متحدية الشرك بتلبية التوحيد "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك". وهي تلبية لا يصدع شيء قلوب الوثنيين مثل رفع الصوت بها. وخاصة في مكة التي لا زالت (حتى ذلك اليوم) تحت سلطان الوثنية ومعقلها الأكبر.
رأى المشركون القرشيون وهم معتصمون برؤوس جبال مكة في عملية أشبه بالفرار .. رأوا خصمهم الألد محمدًا وأصحابه قد حجب سوادهم الأفق وهم يتحركون نحو مكة في عزة المسلم وثبات المؤمن وخشوع العابد الصادق الذي لا يعنو وجهه ولا يخضع قلبه إلا للواحد الأحد الفرد الصمد.
رأى المشركون من قمم جبال مكة هذا المنظر المهيب الرائع. فأخذت ذكريات الماضي الأسود -الذي لم تمر عليه أكثر من سبع سنوات- تنهش قلوبهم بضراوة. فكادت -لذلك- هذه القلوب التي ما زال ظلام جهل الوثنية يغلفها. تقفز من أقفاصها في الصدور غيظًا وحنقًا. لأنهم رأوا -وبعيون لا تكاد تصدق ما ترى- محمدًا - ﷺ - يدخل مكة في هذا الحشد الحاشد (ألفين من أصحابه المغاوير) وهو آمنًا مطمئنًا ورغم أنوفهم .. يدخل هكذا وعلى هذا المستوى من العزة والاعتزاز بالله ثم بالنفس وبالقوة البشرية العظيمة التي تحيطه من الأصحاب، وهو (حسب منطقهم) الطريد الذي خرج من مكة (قبل سبع سنوات) مع صاحبه الصديق خائفًا يترقب يبحث عنه الموت في كل مكان. لأن سيوف الشرك. كل سيوف الشرك. خرجت من مكة يومها مصلتة تطلب رأسه. ذلك أن الحقد الوثني الكافر المجنون " يوم أن نجا محمد من المؤامرة التي دبرتها دار الندوة لاغتياله على فراشه" جعل مائة ناقة مكافأة لمن يعيد إليهم محمدًا حيًّا أو ميتًا.
وها هو محمد اليوم يأتيهم. ولكن لا كما يريدون. بل كأكره ما يكرهون. إنه يدخل مكة على هيئة لا تحتمل نفوسهم النظر إليه وهو عليها. ولذلك قرروا الجلاء عن مكة (اختيارًا) ليخلوها له ولأصحابه. لأنه وهؤلاء الأصحاب سيدخلون مكة. مرفوعة رؤوسهم تحيطهم عزة الإِيمان وتحرسهم
[ ٧ / ١٠٠ ]
قوة الإِسلام. في موكب مهيب ضم ألفين من المهاجرين والأنصار يتلفتون حول نبيهم الحبيب - ﷺ - كما تتلفت الأسود الضوارى وهي تحمى عرين أشبالها .. على هذه الهيئة الهيبة وبهذا المنظر الرائع ولج النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام مكة المكرمة. وأعماق التاريخ يدمدم فيها صدى وعد الله الحق الذي وعد به نبيه العظيم وصحبه الكرام البررة .. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
هذه الآية التي استجوب الصحابة النبي الأعظم - ﷺ - في بيداء الحديبية وهم يبلغونه. معارضتهم لذلك الصلح. استجوبوها بشأنها فقالوا: "يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرِّفين؟ . وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟ ".
فأجابهم - ﷺ -. قلت لكم في سفركم هذا؟
قال عمر بن الخطاب: لا.
فقال - ﷺ -: أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسى ورؤسكم ببطن مكة (٢).
وها هو اليوم قد حدث فيه ما وعدوا به فالله لا يخلف الميعاد. وقد جاء في كتب السير أن النبي - ﷺ - لما دخل مكة وطاف بالبيت وسعى في عمرة القضية هذه استدعى عمر بن الخطاب الذي كان أشد المعارضين لصلح الحديبية وذكره بذلك.
من أين دخل النبي مكة يوم العمرة
وقد كان دخول النبي - ﷺ - وأصحابه مكة في هذه العمرة من الشمال عند الحجون. وقد ظل النبي - ﷺ - وأصحابه يلبون حتى خالطوا بيوت مكة. وهناك قطعوا التلبية (٣).
_________________
(١) الفتح ٢٧.
(٢) صلح الحديبية للمؤلف ص ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٣٥.
[ ٧ / ١٠١ ]
وكان عبد الله بن رواحة الأنصاري آخذًا بخطام القصوى. الناقة التي يمتطيها النبي الأعظم - ﷺ -. واستمر الموكب النبوى في تحركه من الحجون صوب المسجد الحرام. وقد أحاط الأصحاب من المهاجرين والأنصار بالنبي الأعظم - ﷺ -. وقد انتظمت صفوفهم أمامه وخلفه وعن شماله وعن يمينه تعلوهم السكينة ويظلهم الوقار. خاشعين لله تعالى شكرًا له على هذا النصر المعنوى العظيم المؤزر.
وأي نصر ألذ وأعظم للطريد الذي أكره (في ظل الإِرهاب الدموى القاتل) على ترك وطنه الأول ومسقط رأسه. من أن يعود إلى هذا الوطن مرفوع الرأس عزيز الجانب. يتجول بين منازل أعدائه الألداء الذين طاردوه بالأمس في عناد ووحشية وقسوة لقطع رأسه .. يتجول بين منازلهم دون أن يجرأوا على التفكير (مجرد التفكير) في اعتراض سبيله فضلًا عن التفكير في مسه بأي أذى .. بعد أن كانت لهم (قبل سبع سنوات) القدرة الكاملة على قتله لو تمكنوا من العثور عليه وهو يغادر مكة محبطًا بذلك مؤامرتهم التي حاكوها في دار الندوة. والتي كانت تستهدف حياته لئلا يلجأ إلى أنصاره الأبطال في المدينة. والذين هم اليوم (يوم عمرة القضية) وكل أيام الصراع الذي خاضه ضد الشرك والوثنية العمود الفقرى لقواته المسلحة التي يعتمد عليها لكسب المعارك.
فما أشهاها وألذها ثمار النصر التي يجنيها الصابرون المؤمنون الصامدون في سبيل الله.
حقًّا لقد كان يومًا تاريخيًا خالدًا. ذلك اليوم الأغر الذي دخل فيه محمد - ﷺ - وأصحابه مكة. وموطن الروعة هنا. هو أن محمدًا يدخل اليوم مكة غير هيّاب ولا وجل .. يدخلها في ألفين من أصحابه على كره من قريش الكفر. وبعد غيبة قهرية دامت أكثر من سبع سنوات. بذلت فيها قريش كل إمكاناتها المادية والبشرية للقضاء على النبي - ﷺ - وإطفاء نور دعوته.
وخاضت بقواتها المسلحة أعنف المعارك مستهدفة تحطيم الكيان الإِسلامي واقتلع جذور عقيدة التوحيد من نفوس المؤمنين.
ولكن الفشل كان نصيبها في كل محاولاتها -سواء على الصعيد العسكري
[ ٧ / ١٠٢ ]
أم السياسي.
وما قبول قريش بدخول النبي - ﷺ - وأصحابه مكة معتمرين على تلك الصورة المذلة لكبرياء الوثنية. واضطرارها إلى اللجوء إلى رؤوس الجبال والاعتصام بها طيلة الأيام الثلاثة التي أقامها المسلمون بمكة. إلا المسمار قبل الأخير في نعش الوثنية التي كان دخول النبي - ﷺ - في عشرة آلاف من أصحابه مكة فاتحين. بعد ثمانية أشهر فقط من تاريخ هذه العمرة -هو المسمار الأخير في نعش هذه الوثنية حيث- بتحرير الجيش النبوى لمكة -أهيل التراب. نهائيًا. على خرافة الشرك والشركاء التي ظلت تتحكم في العقول بمكة حول الكعبة أكثر من أربعة آلاف سنة.
يوم حاسم في تاريخ الإِسلام
إن يوم دخول النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام مكة لعمرة القضاء. هو بحق يوم حاسم في تاريخ الإِسلام، لأنه يوم انتصف فيه المسلمون من المشركين الذين ظلوا طيلة أكثر من سبع سنوات يصرون على حرمان المسلمين (دون سائر العرب) من الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة بغيًا وعدوانًا.
سلوك المسلمين الذي أدهش قريشًا
وزاد من روعة ذلك اليوم الأغر في تاريخ الإِسلام. وأثار أكثر من سؤال في نفوس العقلاء من قريش. ذلك السلوك المدهش الرفيع الذي بدا على أصحاب محمد - ﷺ - والمتمثل في ذلك النظام الرائع الذي كان عليه هؤلاء الأصحاب وتلك الوحدة التماسكة المكينة التي انتظم عقدها في سلك التوحيد. فلم يكن بينهم وهم يحيطون بنبيهم العظيم سائرين في اتجاه المسجد الحرام. أي أثر لفوضى الوثنية وعنجهية الجاهلية وخفة واستخفاف القبلية التي عرف بها العرب قبل أن يكرمهم الله بالإِسلام.
لقد أحال الدين الحنيف الذي اعتقدوه فوضاهم إلى نظام وانضباط. وشتاتهم إلى وحدة. وتباغضهم إلى تسامح وتآخى. فها هم يسيرون خلف نبيهم العظيم. وكأنهم أسرة واحدة. لا بغضاء ولا شحناء. ولا حقد ولا ضغينة .. بل محبة وإخاء .. وتعاضد وصفاء ..
[ ٧ / ١٠٣ ]
إن من بوازن بين ماضي أصحاب محمد يوم أن كانوا مشركين وبين حاضرهم بعد أن أصبحوا مسلمين. لا يكاد يصدق أنهم، هم الذين كانت تحكمهم العداوات والبغضاء والمشاحنات. تصدر تفكيراتهم عن جاهلية وحشية رعناء .. "ديننا أن يقتل بعضنا بعضًا وأن يبغى بعضنا على بعض. وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهة أن تأكل من طعامه .. من كلام المغيرة بن شعبة لقائد الفرس رستم (١) ".
اندهاش القرشيين
وعلى تلك الهيئة من السكينة والوقار والضبط والانتظام. واصل الموكب النبوى تحركه من الحجون منحدرًا نحو المسجد لأداء مناسك العمرة والإِقامة في مكة الحبيبة إلى قلوب المسلمين ثلاثة أيام كما تنص على ذلك بنود صلح الحديبية التاريخي.
وبينما كان سادات مكة على تلك الدهشة التي انعقدت لها ألسنتهم لا رأوا من انقلاب عظيم في سلوك أصحاب محمد - ﷺ - تحول كامل. من أقصى الانحراف والانحطاط. إلى أعلى درجات السمو والاستقامة وحسن السلوك. وبينما سادات قريش مندهشون هكذا يكادون يتهمون أبصارهم فيما تراه من حال المسلمين إذ بجبال مكة تهتز -وكأنها تشارك المسلمين فرحتهم بدخول مكة على ذلك النحو من العزة والأمن والاطمئنان- فما كادت أعين المسلمين تقع على بيت الله المعظم الذي حرموا النظر إليه ست سنوات كاملة- حتى دوت أصواتهم (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).
فكادت عقول أساطين الشرك تزيغ لمنظر المسلمين الرائع ذاك، حتى لقد خيل لسادات مكة لشدة الاندهاش أن الجبال التي لجأوا إليها- لئلا يروا محمدًا وأصحابه- تلبى مع المسلمين.
وواصل الموكب النبوى تحركه نحو المسجد وسادات مكة ينظرون من مخابئهم في جبال مكة (المطلة على المسجد) بعيون تكاد تقفز من محاجرها
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٧ ص ٤٣.
[ ٧ / ١٠٤ ]
لشدة غليان الحقد في تلك القلوب التي لم يكن الإِسلام قد لامسها وطهرها. من رجس الشرك ودنس الوثنية.
عمرة القضاء أول انتصار معنوى للمسلمين.
لقد كان قيام النبي - ﷺ - بأداء مناسك العمرة علي تلك الصورة المهيبة التي دخل بها النبي - ﷺ - وأصحابه مكة. التي لا تزال حتى تلك السنة تحت سلطان المشركين .. كان أداء النبي - ﷺ - وأصحابه العمرة في تلك الفترة وعلى تلك الصورة. أول نصر معنوى عظيم. تسجله الدعوة الإِسلامية على باطل المشركين الذين ظلوا يحاربونها (بكل إمكاناتهم المادية والمعنوية والإِعلامية طوال عشرين عامًا) فقد كان أحد من المسلمين عقب هجرتهم من مكة- لا يستطيع مجرد الاقتراب من هذه المدينة المقدسة. لأن ذلك يعني قتله أو حبسه وتعذيبه حتى الموت.
ولكن ها هو محمد - ﷺ - يجدع أنف كبرياء الشرك فيدخل مكة (رغم أنوف أساطين الوثنية) في ألفين من أصحابه متقلدين سيوفهم وعلى أتم استعداد لقطع يد، بل رأس أي إنسان يفكر في أن يمد يدًا بأي أذى إلى نبيهم الحبيب - ﷺ - الذي ما كانت قريش الكفر تتصور أنه (وهو الذي خرج من مكة خائفًا يترقب وحيدًا ليس معه سوى صاحبه الوفى الصادق الصديق) سيدخل مكة مرة أخرى. وفي هذه الهيئة العظيمة المهيبة. يحيطه ألفان من رجال. أعطوا العهد على أن يبذلوا أرواحهم رخيصة للذود عنه والدفاع عن دعوته.
إشاعة الحمى الصفراء الكاذبة
كان النبي - ﷺ - وهو في طريقه إلى مكة لأداء مناسك عمرة القضاء هذه. قد بلغه أن أجهزة إعلام القرشيين "لتحط من شأن المسلمين وتظهرهم بمظهر الضعيف المتهالك" قد روجت إشاعة بين جماهير العرب والقرشيين خاصة تقول: إن المسلمين في حالة بؤس وضعف. وأن مرض الحمى الصفراء قد أصابهم فأنهك قواهم. ولذلك نجح زعماء قريش في حمل الجماهير القرشية على عدم الاقتراب من المسلمين والارتفاع إلى رؤوس الجبال لئلا يصابوا (كما
[ ٧ / ١٠٥ ]
زعمت قريش) بعدوى هذه الحمى الخطيرة. وكان هدف أجهزة الدعاية الوثنية من وراء هذه الكذبة تحقير شأن المسلمين وتصغيرهم والتقليل من هيبتهم التي بدت قلوب الجماهير القرشية تمتلئ بها.
النبي يعمل على إبطال الإِشاعة
وعندما بلغ النبي - ﷺ - خبر إشاعة إصابة أصحابه بالحمى الصفراء. والتي أطلقتها أبواق الدعاية العادية. لفت أنظار أصحابه إلى هذه الفرية وطلب منهم القيام (عمليًّا) بما يبطل هذه الإِشاعة الكاذبة. وذلك بأن يظهروا- أمام الجماهير القرشية التي ترقبهم من التلال -بمظهر القوى النشط. فعندما واصل المسجد قال - ﷺ -: رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة .. ثم لكى ينفى فرية الضعف التي أطلقتها قريش بدأ طوافه بالهرولة (وهي حركة مشى نشطة دون الجرى) وهرول أصحابه معه كما هرول. واستمر النبي - ﷺ - يهرول وأصحابه في طوافهم يهرولون معه ثلاثة أشواط. فمضت بذلك السنة. فصار من السنة (أبد الأبدين) أن يهرول الطائف بالبيت في الأشواط الثلاثة الأول (١).
فكانت بداية طواف النبي - ﷺ - وأصحابه مظهرًا من مظاهر القوة والفتوة والنشاط. به انتسخت من أذهان القرشيين تلك الفرية التي أطلقتها أبواق الدعاية القرشية الوثنية.
وفعلًا رأت الجماهير القرشية المضللة بأعينها بطلان تلك الإِشاعة الكاذبة. وذلك حين رأوا المسلمين يتحركون في الطواف بالبيت وهم على ذلك المستوى بن القوة والنشاط.
ولم يكن كل القرشيين ارتفعوا إلى رؤوس الجبال لئلا يروا المسلمين ويختلطوا بهم. بل بقيت منهم جماعات كثيرة بمكة وقفوا عند دار الندوة صفوفًا ينظرون إلى المسلمين بدافع الفضول. فرأوا عكس ما كانت تروجه دعاية قريش من أكاذيب بشأن المسلمين، رأوا جيلًا من الناس. لم يروا مثله في الضبط والسكينة والوقار مع القوة الفائقة وعلامات الشجاعة والبطولة والانقياد لنبيهم - ﷺ -.
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٢ - ١٣.
[ ٧ / ١٠٦ ]
نشوب خلاف بين المهاجرين والأنصار أثناء الطواف
وبينما كان المسلمون خلف نبيهم - ﷺ - يطوفون بالبيت على ذلك المستوى من العزة والقوة (وكانت أغلبيتهم الساحقة من الأنصار). أخذ الحماس بمجامع نفس أحد سادات الأنصار وهو عبد الله بن رواحة (١) الذي كان آخدًا بزمام القَصواء ناقة رسول الله - ﷺ - التي كان يطوف عليها بالبيت .. أخذ الحماس من نفس عبد الله بن رواحة فأرسلها من داخل المسجد أثناء الطواف صيحة حرب في وجه قريش في أبيات من الشعر قالها مرتجزًا وهو يطوف وهي:
خَلوا بني الكفار عن سبيله إني شهدت أنه رسوله
حقًّا وكلُّ الخير في سبيله نحن قتلناكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله (٢)
وقد ألهبت هذه الأبيات الحماسية المثيرة مشاعر بعض الصحابة. فتحركت نوازع الحرب ضد قريش. فخاف ابن الخطاب أن يكون في قول ابن رواحة دعوة للحرب. وهو ما يخالف اتفاقية صلح الحديبية. فقال عمر بن الخطاب (كالمحذر لابن رواحة): يابن رواحة؟ . -أي ما هذا الذي تقول؟ . وكان قالها كالمحتج فسمع النبي - ﷺ - ما وجه ابن الخطاب من تحذير إلى عبد الله بن رواحة. فقال - ﷺ - يا عمر إني أسمع. فسكت عمر .. ثم أمر الرسول الحكيم - ﷺ - عبد الله بن رواحة أن يبتعد في أقواله عن ما يثير العواطف نحو الحرب: إيها يابن رواحة قل: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فقالها وقالها الناس (٣).
وذكر الدارقطني أن عمر بن الخطاب، حين سمع عبد الله بن رواحة يقول ذلك الشعر قال: مه يابن رواحة بين يدي رسول الله - ﷺ - وفي حرم الله تقول الشعر؟ .
_________________
(١) انظر ترجمة عبد الله بن رواحة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤١ ص ١٣.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٨١ ومغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٣٦.
[ ٧ / ١٠٧ ]
المهم أن النبي الأعظم - ﷺ - قد أعاد بحكمته كل شيء إلى نصابه حين أمر الشاعر الصحابي عبد الله بن رواحة أن يقول (بدلًا من الشعر المثير): لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. فصار القول بهذا .. سنة حميدة يقولها المسلمون وهم يؤدون نسكهم.
النحر بين الصفا والمروة
وبعد أن أكمل النبي - ﷺ - الطواف بالبيت. سعى وأصحابه بين الصفا والمروة سبعة أشواط. وكان في سعيه إذا هبط الوادي بين الصفا والمروة يهرول ويهرول معه كل أصحابه الألفين إظهارًا للقوة وإغاظة للمشركين الذين زعمت أبواقهم الدعائية أن الحمى الصفراء قد أنهكت محمدًا وأصحابه حتى أصبحوا ضعافًا منهوكى القوى. وقد هرول النبي - ﷺ - وأصحابه طوال الأشواط السبعة بين الصفا والمروة. فكان ذلك سنة من سنن الحج والعمرة .. وقيل إن سبب الهرولة بين الميلين في السعي. هو أن "هاجر" أم سيدنا إسماعيل - ﷺ - كانت وهي تبحث لرضيعها إسماعيل عن ماء (قبل ظهور زمزم) تهرول كلما هبطت الوادي والله أعلم.
وبعد أن أكمل النبي - ﷺ - وأصحابه السعي أمر بالهدي -وكان موقفًا عند المروة- فنحره هناك ثم قال - ﷺ -: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر فنحر عند المروة (١).
قريش تمنع النبي من دخول الكعبة
وبعد أن قضى النبي - ﷺ - وأصحابه نسكهم بعث النبي - ﷺ - مبعوثًا يبلغهم رغبته - ﷺ - في دخول الكعبة فأبوا عليه ذلك بحجة أن بنود صلح الحديبية لا تنص على أن من حق النبي - ﷺ - أن يدخل الكعبة (٢). فلم يدخلها - ﷺ - إلا يوم فتح مكة.
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٤ ص ٧٣٦.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٨٩.
[ ٧ / ١٠٨ ]
أذان بلال من على ظهر الكعبة يغيظ المشركين
غير أن النبي - ﷺ - أمر بلال بن أبي رباح أن يؤذن بالظهر من على ظهر الكعبة. ففعل .. وقد أغاظ المشركين ارتقاء بلال ظهر الكعبة وهتافه من على ظهرها بكلمة التوحيد. لأنه (في نظرهم) عبد خفيض المنزلة. ثم إن إعلان كلمة التوحيد من على ظهر الكعبة المحيطة بها (حتى ذلك اليوم) ثلاثمائة صنم اتخذها القرشيون شركاء لله تقربهم إلى الله زلفى .. يعتبر احتقارًا لآلهتهم وإلغاء لوجودها.
ماذا قال سادات قريش عند سماع بلال يؤذن
فقد قال عكرمة بن أبي جهل -لقد أكرم الله أبا الحكم (يعني أباه أبا جهل) حيث لم يسمع هذا العبد (يعني بلال) يقول ما يقول.
وقال خالد بن أسيد (١) الحمد لله الذي أذهب أبي ولم يشهد هذا اليوم حيث يقوم بلال ينهق فوق الكعبة .. أما سهيل بن عمرو العامري (٢) ورجال معه فحين رأوا وسمع بلالا يؤذن من على ظهر الكعبة. غطوا وجوههم تألمًا (٣).
قريش تطلب من الرسول أن يغادر مكة بعد انقضاء المدة
وبعد أن قام النبي - ﷺ - وأصحابه ثلاثة أيام في مكة -كما تنص على ذلك بنود صلح الحديبية- بعثت إليه وفدًا من ساداتها ليطلب منه باسمها أن يغادر مكة في الحال. وأبلغته أنا لن تسمح له ولأصحابه أن يبيتوا في مكة أكثر من ثلاث .. فلم يمانع - ﷺ - في مغادرة مكة وفقًا لاتفاقية الحديبية.
فقد روى المؤرخون أن وفد قريش جاء إلى النبي - ﷺ - بعد ظهر اليوم الرابع. وهو مع كبار أصحابه يبادلهم الحديث في خيمة له. فيهم سعد بن
_________________
(١) خالد بن أسيد (بتصغير أسيد) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي. قال ابن حجر في الإصابة هو أخو عتاب بن أسيد. وقال ابن الكلبى: أسلم عام الفتح وكان فيه تيه شديد، كان من المؤلفة قلوبهم. كان أخوه عتاب من فضلاء الصحابة وقادتهم. وقد جعله أميرا على إحدى السرايا في قتال أهل الردة. وجاء في الإِصابة أن خالد بن أسيد فقد يوم اليمامة.
(٢) انظر ترجمة سهيل بن عمرو في كتابنا الأول من هذه السلسلة (غزوة بدر الكبرى).
(٣) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ٨٩ ومغازى الواقدي ج ٤ ص ٧٣٨.
[ ٧ / ١٠٩ ]
عبادة سيد الخزرج.
فعندما دخل على النبي - ﷺ - وفد قريش أحسن وفادتهم. فقال سهيل بن عمرو: يا محمد إن قريشًا تقول لك: قد انقضى أجلك. هذه الثلاث قد مضت. فاخرج عنا. فقال - ﷺ - للوفد: وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعامًا. فقالا: لا حاجة لنا في طعامك اخرج عنا.
وصاح حويطب بن عبد العزى (١) أحد أعضاء الوفد القرشي: ناشدتك الله والعقد (أي عقد الحديبية) إلا ما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث.
وهنا غضب سيد الخزرج سعد بن عبادة (وكان فيه حدة) لما رأى من غلظ كلام حويطب للنبي - ﷺ - فقال له: كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يبرح منها إلا طائعًا راضيًا. فتبسم رسول الله - ﷺ - ووجه حديثه إلى سعد بن عبادة قائلًا: يا سعد لا تؤذى قومًا زارونا في رحالنا. ثم أصدر أمره إلى أصحابه بأن لا يبيتن أحد منهم بمكة تلك الليلة. وفاءًا بالعهد الذي أعطاه في صلح الحديبية.
فترك المسلمون مكة جميعهم ولم يبت بها أحد منهم إطاعة لأمر نبيهم - ﷺ -. وبات النبي - ﷺ - ليلتها خارج مكة بسرف. ثم واصل سيره حتى وصل المدينة (٢).
محاولة سفهاء المشركين التحرش بالمسلمين
وذكر بعض المؤرخين أن قومًا من سفهاء المشركين بمكة تتبعوا بعض المسلمين للتحرش بهم للإِيقاع بهم وأخذهم على حين غرة. غير أن أحد الصحابة وهو أبو رافع (٣) صاح بهؤلاء السفهاء منذرًا إياهم قائلًا: هذه والله الخيل والسلاح ببطن يأجج وأنتم تريدون نقض العهد والمدة. فخافوا وولَّوا
_________________
(١) انظر ترجمة حويطب هذا في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٨٨ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٤٠.
(٣) انظر ترجمة أبو رافع في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٧ / ١١٠ ]
راجعين إلى مكة منكسين. وكان رسول الله - ﷺ - -كما تقدم- قد حمل معه الخيل والسلاح وترك الجميع ببطن وادي يأجج خارج الحرم استعدادًا للطوارئ وترك على الخيل والسلاح هناك مئتين من أصحابه للحراسة ثم استبدلهم بغيرهم لكي يقضوا مناسك عمرتهم.
تأثر المشركين بواقع المسلمين المشرف
قلنا في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) إن الذين قدِّر لهم من القرشيين وغير القرشيين من المشركين أن يختلطوا بالمسلمين في الحديبية (مثل عروة بن مسعود سيد ثقيف، وبديل بن ورقاء سيد خزاعة، وسهيل بن عمرو العامري رئيس الوفد القرشي في مفاوضات الحديبية التاريخية) وأن اطلاعهم على حقيقة سلوك المسلمين المشرق وواقعهم المشرِّف قد نسخ من أذهانهم الصورة المشوهة التي كانت الدعاية الوثنية في مكة ترسمها للنبي وأصحابه. مما كان سببًا في فتح قلوب هؤلاء الزعماء والسادة للإسلام. فإن أثر وجود المسلمين في مكة في عمرة القضاء والمظهر الرائع الذي كانوا عليه في السلوك المشرف والانضباط والتقيد بأوامر الدين الجديد. الذي جعل منهم أسرة واحدة يحس كل فرد فيها بإحساس الفرد الآخر. بعد أن كانوا شيعًا متقاتلين وفئات متنابذين لا يلتقون إلا على جداول من دماء تسيل منهم بغيًا وعدوانًا وبطرًا ورياءًا .. - أثر واقع المسلمين وظهورهم في عمرة القضاء بذلك المظهر العجيب. كان في نفوس القرشيين - سادة وعامة أعظم بكثير.
فقد كان ما لمسه القرشيون من تغير جذرى في حياة أصحاب محمد ارتفع بهم نحو السمو والكمال وجعل منهم مجتمعًا فاضلًا. لم تشهد جزيرة العرب مثل نبله واستقامته واتحاده وتآخيه .. كان ذلك من أعظم الأسباب التي أفسحت الطريق لنور الإسلام ليخترق حجب ظلام الجهل والجاهلية ليصل إلى قلوب سادات مكة هؤلاء فيحولهم من كفرة مشركين إلى أخيار مؤمنين وأبطال غر ميامين يحمون بيضة الإسلام ويندفعون برايته مرفوعة فاتحين خارج الجزيرة العربية فيضيفون بقوة إيمانهم وصدق عزائمهم أقاليم عدة إمبراطوريات إلى خريطة دولة الإسلام. مثل خالد بن الوليد وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وخالد بن أسيد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.
[ ٧ / ١١١ ]
إنه يمكن القول: أن واقع المسلمين الألفين الذين زاروا مكة في عمرة القضاء (عام سبع من الهجرة) قد قسم مشركى مكة فريقين .. فريق امتلأت نفسه خوفًا ورعبًا من المسلمين وقر في نفسه بأن هؤلاء المسلمين لا يمكن لأحد الوقوف في وجههم. وهذا نوع من النصر بالرعب الذي جاء في الحديث النبوى.
وفريق أدخل الله في نفسه الميل نحو الإِسلام (اقتناعًا بأنه دين الحق القمين بالاتباع) فأصبح - بعد عمرة القضاء - لديه الاستعداد الكامل لأن يدخل في هذا الدين.
وكل الذي شعر به الفريقان. جاء نتيجة ما لاحظوه ولمسوه في المسلمين من انقلاب في السلوك، تحول بهم من الشر إلى الخير في كل شيء. وأحال فوضاهم إلى ضبط وانتظام. وذلتهم إلى عزة واعتزاز. وفرقتهم إلى وحدة واتحاد وتباغضهم إلي محبة وتآخ.
خالد بن الوليد وأبو سفيان بن حرب
وكان خالد بن الوليد بطل قريش وقائد سلاح فرسانها أول الزعماء الذين تأثروا تأثرًا بليغًا بواقع المسلمين الذي رآهم عليه عندما جاؤا لأداء عمرة القضاء. فأدخل الله الإِسلام في قلبه فصارح بذلك قريشًا وصكهم بها صك الجندل. حين أبلغهم بأن عاقلًا بعد الآن لا يجوز له التخلف عن متابعة النبي - ﷺ - والدخول في دينه. لأنه نبي صادق. لا ساحرًا كاذبًا كما يدعون.
فقد وقف خالد بن الوليد (عقب مرور ثلاثة أشهر فقط على عمرة القضاء) وقف في جمع من قريش بمكة ونادى بأعلى صوته (متحديًا المشركين): (لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بساحر ولا شاعر وأن كلامه من كلام رب العالين. فحق على كل ذي بني أن يتبعه).
فأزعج ذلك زميله في قيادة سلاح فرسان قريش وابن قبيلته (عكرمة بن أبي جهل) فأنكر عليه هذا القول وقال له: لقد صبؤت يا خالد.
فقال له خالد (بكل شجاعة وصراحة): لم أصبؤ ولكنى أسلمت.
[ ٧ / ١١٢ ]
فقال عكرمة: وإن كان أحق قريش لا يتكلم بهذا الكلام لأنت. فقال: ولم؟ .
فقال عكرمة: لأن محمدًا وضع شرف أبيك حين جرح وقتل عمك وابن عمك ببدر. فوالله ما كنت لأسلم ولا أتكلم بكلامك يا خالد. أما رأيت قريشًا يريدون قتاله!؟ .
فقال خالد: هذا أمر الجاهلية وحميتها. لكنى والله أسلمت حين تبين لي الحق.
أبو سفيان يهاجم خالد غاضبًا لإِسلامه
وبلغ ما قال خالد قائد عام جيوش قريش أبا سفيان بن حرب فجاء غاضبًا وسأل خالدًا أحق ما بلغني عنك؟ .
فقال خالد: نعم إنه حق .. فغضب أبو سفيان وقال: واللات والعزى لو أعلم أن الذي تقول حق لبدأت بك قبل محمد.
فقال خالد: فوالله إنه لحق على رغم من رغم. فاندفع أبو سفيان في غضبه نحو خالد يريد مقاتلته. فحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل وقال (في رزانة وتعقل): مهلًا يا أبا سفيان فوالله لقد خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه. أنتم تقتلون خالدًا على رأى رآه. وهذه قريش كلها تبايعت عليه. والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم (١).
ولم يخطئ عكرمة بن أبي جهل في استنتاجاته وحساباته. حيث لم يحل الحول إلا وأهل مكة كلهم قد دخلوا في الإسلام. وذلك عقب استيلاء الجيش الإِسلامي على العاصمة المقدسة مكة.
_________________
(١) حياة محمد ص ٤٠٢.
[ ٧ / ١١٣ ]
-٧ -
إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص شهر صفر سنة ٨ للهجرة
ولعل من أهم الأحداث التي حدثت في أوائل السنة الثامنة للهجرة. وكان لها الأثر الفعال في تقوية الجانب الإِسلامي. وتوهين الجانب القرشي هو دخول ثلاثة من أعظم القادة القرشيين في الإِسلام بعد أن تركوا مكة وهاجروا إلى المدينة ليعلنوا إسلامهم بمحض اختيارهم. وهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة العبدرى.
فخالد بن الوليد كان صاحب حرب قريش وفارسها وقائد سلاح فرسانها. وعمرو بن العاص كان ملاذ قريش في حل المشاكل السياسية لأنه كان ذا دهاء وخبرة بالحيل .. أما عثمان بن طلحة فقد كان سيد بني عبد الدار. وصاحب لوائها وسادن الكعبة.
أما خالد بن الواجد فقد عرفنا جانبًا من قصة استعداده للدخول في دين الإِسلام حين جادل صديقه وابن عمه عكرمة بن أبي جهل. وسيد بني أمية أبا سفيان بن حرب. ولنترك هذا الفارس العظيم يكمل لنا قصة إسلامه الشيّقة كما رواها الواقدي. وغيره من أصحاب السير.
قال خالد بن الوليد: لما أراد الله بي من الخير ما أراد. قذف في قلبى حب الإِسلام وحضرني رشدى، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أنى موضع في غير شيء وأنّ محمدًا سيظهر. فلما خرج رسول الله - ﷺ - إلى الحديبية. خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله - ﷺ - في أصحابه بعُسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له وصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فكانت فيه خيرة. فاطلع على ما في أنفسنا من الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر. صلاة الخوف، فوقع ذلك منى موقعًا وقلت: الرجل ممنوع وافترقنا.
وعدل - ﷺ - عن سنن خيلنا وأخذ ذات اليمين فلما صالح قريشًا بالحديبية ودافعت قريش بالرواح قلت في نفسي: أيّ شيء بقى؟ . أين المذهب إلى النجاشي؟
[ ٧ / ١١٤ ]
فقد أتبع محمدًا. وأصحابه آمنون عنده. فأخرج إلى هرقل؟ .
فأخرج من دينى إلى نصرانية أو يهودية فأقيم مع عجم تابعًا .. أو أقيم في دارى فيمن بقى؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله - ﷺ - في عمرة القضية. فتغيبت ولم أشهد دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد (١) قد دخل مع النبي "في عمرة القضية فطلبنى فلم يجدنى. فكتب إليَّ كتابًا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإِسلام. وعقلك عقلك. ومثل الإِسلام جهله أحد؟ . فقد سألنى رسول الله - ﷺ - عنك فقال: أين خالد؟ فقلت يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإِسلام. ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له ولقد مناه على غيره. فاستدرك يا أخي على ما فاتك. فقد فاتتك مواطن صالحة. قال: فلما جاءنى كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرنى مقالة لرسول الله - ﷺ -. قال خالد: وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جديبة. فخرجت إلى بلد أخضر واسع. فقلت: إن هذه لرؤيا فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر.
قال: فذكرتها. فقال هو مخرجك الذي هداك الله للإِسلام والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله - ﷺ - قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية. فقلت يا أبا وهب: أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس (٢). وقد ظهر محمد على العرب والعجم. فلو قد قدمنا على محمد فاتبعناه. فإن شرف محمد لنا شرف. فأبى أشد الإِباء
_________________
(١) الوليد بن الوليد هذا. حضر بدرًا من المشركين. ووقع أسيرًا في أيدى المسلمين، فافتداه أخوه هشام وكانا شقيقين، أسلم عقب إطلاق سراحه وكان حسن الإِسلام. ولما أسلم حبسه أخواله بمكة ولكنه استطاع الإفلات من السجن. وذلك في مدة صلح الحديبية. فالتحق بثوار العيص تحت قيادة أبي بصير الزهري. وبعد أن انتهت الثورة ضد المشركين في العيص. عاد الوليد مع المستضعفين الثائرين إلى المدينة. فقطعت أصبعه في الحرة. فخبث الجرح ومات منه. ولا أدرك أنه ميت. طلب من الرسول - ﷺ - أن يكفنه في فضل ثوبه فلما مات كفنه رسول الله - ﷺ - في فضل ثوبه.
(٢) قوله أكلة رأس كناية عن قلتهم .. أي أنهم لقلتهم يشبعهم رأس واحد كذا في الصحاح ص ١٦٣٤.
[ ٧ / ١١٥ ]
وقال: لو لم يبق غيرى من قريش ما اتبعته أبدًا. فافترقنا وقلت: هذا رجل موتور يطلب وترًا. قد قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل الذي قلت لصفوان. فقال لي: مثل ما قال صفوان. قلت: فاطو ما ذكرت لك. قال: لا أذكره وخرجت إلى منزلى فأمرت براحلتى تخرج إلى. فخرجت بها إلى أن ألقى عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق ولو ذكرت له ما أريد! ثم ذكرت من قتل آبائه فكرهت أذكره ثم قلت: وما على وأنا راحل من ساعتى. فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر. لو صب عليه ذنوب من ماء لخرج. قال: فقلت له نحوًا مما قلت لصاحبيه (أي صفوان وعكرمة) فأسرع الإِجابة وقال: لقد عدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو. وهذه راحلتى بفخ مناخة. قال: فأتعدت أنا وهو بيأجج. إن سبقنى أقام وإن سبقته أقمت عليه. قال فأدلجنا سحرًا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد بهد عمرو بن العاص بها فقال مرحبا بالقوم! . فقلنا: وبك. قال: أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإِسلام واتباع محمد - ﷺ -. قال: وذلك الذي أقدمنى. قال: فاصطحبنا جميعًا حتى قدمنا المدينة فأنخنا بظاهر الحرة ركابنا. فأخبر بنا رسول الله - ﷺ - فسر بنا. فلبست من صالح ثيابي. ثم عمدت إلى رسول الله - ﷺ -. فلقينى أخي (الوليد) فقال: أسرع فإن رسول الله - ﷺ - قد أخبر بك. فسر بقدومك وهو ينتظركم. فأسرعت المشي فطلعت عليه. فما زال يبتسم إلى حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق. فقلت. إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: الحمد لله الذي هداك! فقد كنت أرى لك عقلًا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير. قلت يا رسول الله قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا عن الحق فادع الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله - ﷺ -: الإِسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله. على ذلك؟ فقال: اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك. قال خالد وتقدم عمرو .. وعثمان فبايعا رسول الله - ﷺ -. وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. فوالله ما كان رسول الله
[ ٧ / ١١٦ ]
- ﷺ - من يوم أسلمت يعدل لي أحدًا من أصحابه فيما حزبه (١).
قصة إسلام عمرو بن العاص
أما قصة إسلام عمرو بن العاص. فقد كانت جديرة بالبحث والتأمل. لما فيها من عبر ومواعظ.
فقد روى الطبري أن عمرو بن العاص قال: (وهو يروى بنفسه قصة إسلامه): لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي. ويسمعون منى. فقلت لهم: تعلمون والله إني لأرى أمر محمد يعلو علوًا منكرًا. وإفى قد رأيت رأيًا فما ترون فيه؟ .
قالوا وماذا رأيت؟ قلت: رأيت أن نلحق بالنجاشى. فنكون عنده. فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي. فلأن نكون تحت يديه أحب من أن نكون تحت يدي محمد وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا. فلا يأتينا منهم إلا خير. فقالوا: إن هذا لرأى. قلت: فأجمعوا لنا نهدى إليه - فكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدمًا كثيرًا. ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده. إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى (٢) وكان رسول الله - ﷺ - قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه - قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية الضِّمرى. لو قد دخلت على النجاشي وسألته إيّاه. فأعطانيه. فضربت عنقه! فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد.
فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبًا بصديقى! أهديت لي شيئًا من بلادك؟ قلت: نعم. أيها الملك. قد أهديت لك أدمًا كثيرًا. ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك! إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك. وهو رسول رجل عدو لنا. فأعطنيه لأقتله. فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب. ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٤٥.
(٢) انظر ترجمة عمرو بن أمية الضمرى في كتابنا (غزوة الأحزاب ص ٣٨).
[ ٧ / ١١٧ ]
ظننت أنه قد كسره - يعني النجاشي - فلو انشقت الأرض لي فدخلت فيها فرقًا منه. ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟
فقلت: أيها الملك. أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو؟ أطعنى واتبعه. فإنه والله لعلى الحق. وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: قلت: فبايعنى له على الإِسلام؟ قال: نعم فبسط يده فبايعته على الإِسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيى عما كان عليه. وكتمت أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامدًا لرسول الله - ﷺ - لأسلم. فلقيت خالد بن الوليد - وذلك قبل الفتح - مقبلًا من مكة فقلت إلى أين يا أبا سليمان قال: والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي. اذهب والله أسلم فحتى متى فقلت والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا على رسول الله - ﷺ - فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع. ثم دنوت فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. ولا أذكر ما تأخر! فقال رسول الله - ﷺ -: يا عمرو بايع فإن الإِسلام يجب ما قبله. وإن الهجرة تجبُّ ما قبلها فبايعته ثم انصرفت (١).
وذكر بعض المؤرخين أن النبي - ﷺ -. لا رأى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة ليسلموا قال: لقد ألقت إليكم مكة بأفلاذ كبدها أو كما قال - ﷺ -. يعني بذلك الزعماء الثلاثة عمرًا. وخالدا. وعثمان بن طلحة.
إسلام خزاعة (٢) وإعطاؤهم الرسول - ﷺ - عهده
في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) ذكرنا أن خزاعة قد رضي مسلمها وكافرها أن يكون في عهد النبي - ﷺ - كما رضيت كنانة أن
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣١.
(٢) خزاعة (بضم أوله) قبيلة عظيمة قحطانية من الأزد. وهم بنو خزاعة. كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحى بن حارثة بن عمرو (مزيقيًا) ملك مأرب. الذي هو أبو الأنصار والغساسنة. وكانت خزاعة ممن هاجر من اليمن بعد انهدام السد في مأرب. فاستوطنت مكة وغلبت عليها. في عصر من العصور. وعمرو بن لحى (بفتح أوله كسر ثانيه) أبو خزاعة .. أول من أدخل الشرك والوثنية على دين إبراهيم (انظر سيرة ابن هشام) .. وقد كانت خزاعة حليفة بني كنانة في الجاهلية فلما تعرضت =
[ ٧ / ١١٨ ]
تكون في عهد قريش. غير أن النبي - ﷺ - لم يكد يستقر بالمدينة عائدًا من الحديبية (بعد الصلح) حتى أصبحت خزاعة كلها بمختلف فخائذها مسلمة مؤمنة فأصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. بالإِضافة إلى ما يعطيهم عهد الحديبية من حقوق حتى وإن لم يكونوا مسلمين ..
وقد كتب الرسول - ﷺ - كتابًا إلى خزاعة في شهر جمادى الآخرة سنة ثمان للهجرة. قال فيه ..
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بديل (١) (هو ابن ورقاء) وبشر (٢) (هو ابن سفيان) وسروات بني عمرو، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني لم آثم بالكم، ولم أضع في جنبكم وإن أكرم تهامة عليَّ أنتم ومن تبعكم من الطيبين، فإني قد أخذت لمن هاجر منكم مثلما أخذت لنفسى - ولو هاجر بأرضه - غير ساكن مكة إلا معتمرًا أو حاجًّا - وإني لم أضع فيكم إذ سالمت وإنكم غير خائفين من قبلي ولا محصورين. أما بعد فإنه قد أسلم علقمة بن علاثة (٣) وابناه وتابعا وهاجرا
_________________
(١) = خزاعة لغزو بني أسد، استغاثت بخزاعة حلفاءها من بني كنانة. فخذلوها. فاعتلتها بنو أسد وانتصروا عليها. ثم نشبت حروب في الجاهلية بين بني بكر بن عبد مناة وبين خزاعة. ولما جاء الإِسلام دخلت خزاعة في عهد المسلمين في صلح الحديبية.
(٢) هو بديل بن ورقاء بن عمرو بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي. أسلم قبل الفتح وقبل يوم الفتح قال ابن حجر في الإِصابة .. وكان سيدًا في قومه وروى البخاري في تاريخه أن بديلًا كان القيم على حظائر الأسرى والحارس بعد انتصار المسلمين في غزوة حنين. وظل كذلك حتى عاد النبي (- ﷺ -) من غزوة الطائف. وروى أبو نعيم في الحلية. عن أم الحرث بنت عياش بن أبي ربيعة أنها رأت بديل بن ورقاء يطوف على جمل أورق بمنى ويقول .. إن رسول الله - ﷺ - ينهاكم أن تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب. دخل بديل الإسلام، وقد تخطى التسعين من عمره. ولم يكن بعارضيه مواد. فلما رآه النبيى (- ﷺ -) قال .. زادك الله جمالًا. (الإِصابة ج ١ ص ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) انظر ترجمة بشير بن سفيان في كتابنا (صلح الحديبية).
(٤) قال في الإِصابة مترجمًا لعلقمة - .. هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب. من بني عامر بن صعصعة. وجاء ذكره في البخاري. وفيه أن علي بن أبي طابى بعث النبي (- ﷺ -) بذهبية في تربتها فقسمها بين أربعة نفر. عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعلقمة بن علاثة وزيد الخيل. وكان علقمة قد ارتد عقب موت الرسول (- ﷺ -) فبعث إليه أبو بكر الصديق القعقاع =
[ ٧ / ١١٩ ]
على تبعهما من عكرمة. أخذت لمن تبعنى ما آخذ لنفسى. وأن بعضنا من بعض أبدًا في الحل والحرم. وإننى والله ما كذبتكم وليحبكم ربكم (١).
-٨ -
اتصال الرسول - ﷺ - بملوك وأمراء الشرق الأوسط.
ولعله من أهم الأحداث السياسية التي حدثت في تاريخ الإسلام بعد معركة خيبر الحاسمة. وقبل معركة مؤتة الفاصلة. اتصال الرسول - ﷺ - بملوك وأمراء الشرق الأوسط، وذلك ببعثه الرسل إليهم برسائل يدعوهم فيها إلى الإِسلام، وترك ما هم عليه من عبادة لغير الله تعالى.
وكان هذا الاتصال بالملوك والأمراء في الشرق الأوسط حديث (على الأرجح) في فترة الهدنة التاريخية المعقودة بين النبي - ﷺ - وبين مشركى مكة، والتي تم إبرامها في الحدببية في السنة السادسة من الهجرة (٢).
استقرار الأوضاع في جزيرة العرب
ولا شك أن اتصال الرسول - ﷺ - بملوك وأمراء الشرق الأوسط وتوجيهه الدعوة إليهم ليدخلوا وشعوبهم في دين التوحيد يدل (بوضوح) على أن الأوضاع - داخل إطار الحكم الإِسلامي - في جزيرة العرب أصبحت أكثر استقرارًا ورسوخًا كل من أي وقت مضى.
وذلك راجع (ولله أعلم) إلى الانتصارات العسكرية التي حققتها القيادة الإِسلامية بالمدينة في معارك الدفاع والتحرير والتطهير الكبرى. التي خرج الإِسلام وحزبه منها ظافرًا، كمعركة بدر وأحد والأحزاب وبنى قريظة. والحركات التأديبية الناجحة التي قام بها الجيش الإِسلامي في الشرق والشمال والجنوب
_________________
(١) = ابن عمرو ففر منه إلى الشام. ثم أسلم وأقبل إلى أبي بكر. وولى الخليفة ابن الخطاب علقمة بن علاثة (حوران بالشام) فنزلها إلى أن مات. وكان علقمة من سادات بني عامر.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٠.
(٣) وبعضهم يرى أن النبي (- ﷺ -) كان- منذ قيام صلح الحديبية حتى وفاته - وهو يبعث إلى ملوك وأمراء الشرق الأوسط يدعوهم إلى الإِسلام. وبهذا قال .. ابن إسحاق. وهذا أقرب إلى الصواب لأنه بالرجوع إلى كتاب (الوثائق السياسية) للدكتور محمد حميد الله يتضح أن النبي (- ﷺ -) كتب إلى أكثر من ثلاثين ملكًا وأميرًا يدعوهم إلى الإسلام.
[ ٧ / ١٢٠ ]
وخضد بها شوكة الأعراب، الذين كانوا مصدر تهديد (دائما) لا من المدينة التي يطمعون (منذ ظهر الإِسلام) فر الاستيلاء عليها ونهب خيراتها وإلى عقد هدنة الحديبية التاريخية.
تحرير خيبر نقطة تحول هامة
ولعل أهم نقطة تحول هامة كانت لصالح الدعوة الإِسلامية هو تحرير الجيش الإِسلامي منطقة خيبر من الوجود اليهودى الدخيل. وتوقيع قريش عقد صلح الحديبية الذي أجبرت قريش على توقيعه. والذي فيه اعترفت (ولأول مرة في حياتها) بالكيان الإِسلامي، وقبلت - مرغمة - أن تضع الحرب أوزارها بينها وبين المسلمين.
رسل النبي إلى الملوك والأمراء
ففي أوائل السنة الثامنة من الهجرة - وقبل فتح مكة بثمانية أشهر - بعث الرسول - ﷺ - إلى ملوك وأمراء الشرق الأوسط، يدعوهم إلى الدخول في دين الإِسلام، وعلى رأس هؤلاء الملوك والأمراء عشرة وهم:
١ - هرقل ملك الروم الشرقيين. والرسول إليه دحية بن خليفة الكلبى (١).
٢ - كسرى ملك الفرس .. والرسول إليه عبد الله بن حذافة السهمى (٢).
_________________
(١) هو دحية (بكسر الدال وسكون الحاء) بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد الكلبى. وكان من مشاهير الصحابة - وكان أولى مشاهده مع الرسول - ﷺ - يوم الخندق، ولم يشهد بدرًا. وكان حسن الصورة. وكان جبريل (- ﵇ -) ينزل بالوحى على صورته (انظر قصة الأمر الإلهى بالأمر بالزحف على يهود بني قريظة بعد معركة الخندق في كتابنا - غزوة بني قريظة -). كان النبي (- ﷺ -) دائمًا يتخير أن يكون رسله إلى الملوك والأمراء والوجهاء حسان الوجوه والهيئات. ولهذا اختار أن يكون رسوله إلى الملك هرقل. دحية الكلبى .. شهد دحية الكلبى معركة اليرموك، وكان قائد إحدى الوحدات في هذه المعركة الفاصلة .. عاش دحية إلى أيام الخليفة معاوية. نزل دمشق وسكن واستقر بالمزة منها.
(٢) هو عبد الله بن حذافة بن قيس القرشي السهمى. كان من السابقين الأولين في الإسلام. وفي عبد الله بن حذافة هذا، أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وذلك حين بعثه الرسول (- ﷺ -) في سرية. كذا قال البخاري. وفي الإصابة ذكر ابن حجر له قصة مع ملك الروم تدل على ثبات إيمانه وتحمله البلاء والعذاب في سبيل التمسك بدينه .. توفى عبد الله بن حذافة في خلافة عثمان، ومات بمصر ودفن بمقبرتها.
[ ٧ / ١٢١ ]
٣ - النجاشي ملك الحبشة .. والرسول إليه عمرو بن أمية الضِّمرى (١).
٤ - المقوقس حاكم مصر .. والرسول إليه حاطب بن أبي بلتعة (٢).
٥ - المنذر بن ساوى ملك البحرين .. والرسول إليه العلاء بن الحضرمي (٣). (أسلم هذا الملك. انظر ترجمته في الإِصابة في تمييز الصحابة ج ٣ ص ٤٣٩).
٦ هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة .. والرسول إليه سليط بن عمرو العامري (٤).
٧ - الحارث بن أبي شمّر الغساني ملك الجولان .. والرسول إليه شجاع بن وهب الأسدي (٥).
٨ - الحارث الحميرى ملك اليمن. والرسول إليه المهاجر بن أبي أمية المخزومي (٦).
٩ - جيفر بن جلندى (بفتح الجيم والدال) أحد ملوك عمان ..
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة الأحزاب).
(٢) انظر ترجمة حاطب بن أبي بلتعة في كتابنا (غزوة أحد ص ١٦١).
(٣) العلاء هذا .. اسمه عبد الله بن عماد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عويف الحضرمي. كان عبد الله أبوه. قد سكن مكة وحالف بني أمية. وكان عمرو بن الحضرمي أخو العلاء أول مشرك قتله المسلمون في الإِسلام. وبسبب قتله أثار أبو جهل حمية المشركين فنشبت معركة بدر. بعد أن مالت الأكثرية من سادات قريش إلى تجنبها .. كان العلاء بن الحضرمي مجلب الدعوة. وقد ولَّاه الرسول (- ﷺ -) على البحرين، وأقره أبو بكر وعمر. توفاه الله سنة أربع عشرة.
(٤) هو سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود العامري القرشي. وهو ابن سهيل بن عمرو العامري .. كان ممن هاجر إلى الحبشة، فهو من السابقين الأولين في الإسلام. وكانت امرأته أم يقظة بنت علقمة عمه في هجرته. فولدت له في الحبشة ابنه سليط بن سليط .. الأرجح أن سليط بن عمرو. استشهد يوم اليمامة.
(٥) انظر ترجمة شجاع بن وهب في كتابنا الخامس (صلح الحديبية ص ٣٠).
(٦) هو المهاجر بن أبي أمية المخزومي أخو أم المؤمنين أم سلمة. شهد بدرًا مع المشركين وقتل فيها أخوه هشام ومسعود. كان المهاجر ممن حسن إسلامهم. وكان موضع ثقة الرسول (- ﷺ -). ولاه على صدقات صنعاء. فخرج عليه الأسود العنسى المتنبيء الكذاب. فتم القضاء على فتنته بقتله. كان المهاجر من قادة جيوش الخلافة المشهورين الذين تولوا (في عهد الصديق) القضاء على فتن المرتدين .. وكان هو الذي تولى (بمساندة عكرمة بن أبي جهل) القضاء على فتنة المرتدين من كندة في حضرموت. وهو الذي افتتح حصن النجير الذي تحصنت فيه كندة عندما ارتدت عن الإسلام.
[ ٧ / ١٢٢ ]
والرسول إليه عمرو بن العاص (١).
١٠ - عباد بن جلندى أحد ملوك عمان أيضًا .. والرسول إليه أيضًا عمرو بن العاص.
تنازع السيادة على العالم
وكان أعظم هؤلاء الملوك الذين دعاهم النبي - ﷺ - إلى الإِسلام .. هما هرقل إمبراطور الرومان الذي يمتد ملكه من القسطنطينية حتى حدود الجزيرة العربية .. كسرى إبرويز إمبراطور الفرس. الذي بالإِضافة إلى اتصال مملكته بحدود الجزيرة العربية اتصالًا مباشرًا. كانت له مناطق نفوذ في اليمن حيث كان له نائبًا في صنعاء يحكمها وما حواليها باسم الإِمبراطورية الفارسية.
وكانت هاتان الإِمبراطوريتان تتنازعان السيادة على العالم. الأمر الذي أثار
_________________
(١) هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد (بالتصغير) بن سهم القرشي. يكنى أبا عبد الله وأبا محمد. أمه النابغة من عنزة بنجد. أسلم عمرو قبل الفتح. وذكر الواقدي أن إسلامه كان على يد النجاشي بالحشبة، وهو أسن من عمر بن الخطاب فقد روى عنه أنه قال: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب. كان عمرو بن العاص ممن فرح النبي - ﷺ - بإسلامهم. لأنه كان ثالث ثلاثة من سادات قريش أسلموا في يوم واحد، وصفهم النبي (- ﷺ -) حين أقبلوا عليه بأنهم أفلاذ كبد مكة، وهم خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وعمرو بن العاص .. كان عمرو من قادة السريا في العهد النبوى قال ابن حجر في الإصابة .. كان النبي - ﷺ - يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته وولاه غزوة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح. وقد استعمل النبي (- ﷺ -) عمرًا على منطقة عمان. فمات (- ﷺ -) وهو أمير عليها .. وبعد موت النبي (- ﷺ -) سار في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة من قادة الفتح الإِسلامي الكبار. كان أحد قادة الجيوش الأربعة الرئيسية التي اجتازت حدود الشام في عهد الخيفة الأول. وهو الذي فتح قنسرين، وتولي مصالحة أهل حلب عند استسلامها للمسلمين ومنبج وأنطاكية. وكان عمر بن الخطاب من المعجبين بعمرو بن العاص. لذكائه وفطنته وبعد نظره. نظر إليه مرة وهو يمشى فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشى على الأرض إلا أميرًا. وقال إبراهيم ابن مهاجر عن الشعبي عن قبيصة بن جابر. قال: صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أبين قرآنًا ولا أكرم خلقًا وأشبه سريرة بعلانية منه. وكان الشعبي يقول: دعاة العرب في الإسلام أربعة. فعد منهم عمرًا. وقال فأما عمرو فللمعضلات. كان عمرو من رواة الحديث عن النبي - ﷺ -. روى عنه وولداه عبد الله ومحمد وقيس بن أبي حازم وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم .. وعمرو بن العاص هو الذي فتح مصر في عهد الخيفة الفاروق. وظل واليًا عليها حتى عهد عثمان. فعزله بعد فترة قصيرة .. وبعد أن اجتمع المسلمون على معاوية وبويع خليفة بعد مقتل أمير المؤمنين علي. ولى معاوية عمرًا مصر سنة ٣٨ هـ وظل عليها واليًا حتى توفي سنة ثلاثة وأربعين. وتوفى وهو ابن تسع وتسعين سنة. قاله العجلي.
[ ٧ / ١٢٣ ]
بينهما نزاعًا مسلحًا ظل قائمًا حتى جاءت الجيوش الإِسلامية وأطاحت بحكم الإمبراطوريتين المتخاصمتين في آن واحد.
ويمكن تقسيم الذين كتب إليهم النبي - ﷺ - يدعوهم إلى الإِسلام من الملوك والأمراء إلى فئات أربع.
الفئة الأولى. هم ملوك وأمراء العرب المستقلين الذين ليس لأحد عليهم سلطان داحل الجزيرة العربية. وهم يدينون بالوثنية التي بها استبدلوا دين التوحيد الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل .. ومن هؤلاء ملك البحرين وملكا عمان وملك حمير في اليمن.
الفئة الثانية. وهم العرب المتنصرة الذين يرتبطون (فيما يشبه الكومنولث) بالتاج البيزنظى في القسطنطينية (اسطنبول) .. والذين يقيمون في منطقة الجولان (١) من سوريا. ويمثلهم الحارث بن شمر الغساني.
الفئة الثالثة .. هم البيزنطيون (الروم الشرقيون) الذين أدخلوا على دين عيسى - ﷺ - الكثير من التحريفات والتبديلات التي أخرجت عن جوهره النقى الصافى جوهر التوحيد - إلى طقوس ومراسيم تتنافى كليًّا مع قواعد وأصول الدين الذي جاء به عيسى - ﷺ -. ويمثل هؤلاء الرومان هرقل الذي جاء خطاب رسول الله - ﷺ - وهو في بيت المقدس.
الفئة الرابعة. هم الأمة الفارسية التي يمثلها كسرى أبرويز. وهؤلاء كانوا يدينون بالمجوسية فيعبدون النار إلهًا من دون الله.
أما النجاشي ملك الحبشة. فيظهر أن الكتاب الذي بعث به إليه النبي - ﷺ - لم يكن لدعوته إلى الإِسلام وإنما يظهر أنها كانت رسالة تتناول مواضيع أخرى .. لأن النجاشي كان مسلمًا منذ هاجر إليه جعفر بن أبي طالب وأصحابه .. كما يدل على ذلك حديث عمرو بن العاص عن قصة إسلامه كما مضى في هذا الكتاب.
أما المقوقس حاكم مصر (فقد كان نصرانيًّا) يحكم باسم الإِمبراطورية الرومانية رغم أن أصول نصرانية القوقس وكل أقباط مصر تختلف مع أصول
_________________
(١) ذكر ذلك المسعودى في كتابه (التنبيه والإشراف ص ٣٦١).
[ ٧ / ١٢٤ ]
نصرانية الروم البيزنطيين.
نص الكتاب النبوى إلى الملوك والأمراء
كان الكتاب الذي بعث به النبي - ﷺ - إلى هؤلاء الملوك والرؤساء يحمل الدعوة السلمية. وليس فيه أي إنذار بالحرب. ويجد القارئ جميع نصوص هذه الكتب إلى الملوك والأمراء في كتاب الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة. فليرجع إلى هذا الكتاب من يريد الاطلاع على هذه النصوص. وكل كتاب من هذه الكتب يحمل مضمونًا واحدًا. وهو دعوة الجميع إلى عبادة الله وحده.
فمثلًا كتب الرسول - ﷺ - إلى هرقل يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإفى أدعوك بدعاية الإِسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فعليك إثم الإِريسيين (١) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
كما كتب - ﷺ - إلى ملك الفرس: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا عبده ورسوله .. وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم. فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك) (٢).
ردود الملوك والأمراء
وقد كانت ردود الملوك والأمراء متفاوتة من حيث الرفض أو القبول أو التوقف. ولعل أفضل جواب تلقاه النبي - ﷺ - هو جواب النجاشي ملك الحبشة الذي كتب إلى الرسول - ﷺ - كتابًا يرحب فيه بدعوته ويعلن إسلامه
_________________
(١) الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة ص ٨١.
(٢) الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة ص ١١٠.
[ ٧ / ١٢٥ ]
واتباعه النبي - ﷺ - (١) وكذلك هرقل ملك الروم. كان ردده إيجابيًا فقد كان الملك (هرقل) أكثر ملوك الأرض العظام (بعد النجاشي) تأثرًا بكتاب النبي - ﷺ - وأعظم إدراكًا وتفهمًا لما تضمنه الخطاب النبوى المرسل إليه.
كان هرقل من بين جميع الملوك والأباطرة الذي أدرك بثاقب بصيرته ودقة فراسته (ولما يجده مكتوبًا في الإِنجيل) أن المنطقة التي حكمها ثلاثين عامًا (٢) ستشهد على يد حمال الدعوة المحمدية الجديدة أحداثًا خطيرة تغيِّر كل الأوضاع فيها تغييرًا كاملًا شاملًا. وكان (كما دلت تصرفاته) يود أن يتبع ورعيته النبي - ﷺ - ويؤمن برسالته.
كيف تلقى الملك هرقل كتاب النبي - ﷺ -؟
ففي السنة السابعة للهجرة - عقب انهيار الوجود اليهودى في خيبر وقبل معركة مؤتة الفاصلة - استدعى النبي - ﷺ - دحية بن خليفة الكلبى كلفه بأن يحمل إلى الإِمبراطور (هرقل) كتابه الذي ذكرنا نصه قيما مضى والذي يدعوه فيه إلى الإِسلام.
وكان هرقل في ذلك الوقت مقيمًا في القدس التي حج إليها مشيًا على الأقدام شكرًا لله على انتصاره على ملك الفوس (أبرويز) الذي هزمه بعد أن حصر القسطنطينية وكاد يطيح بالإِمبراطورية الرومانية الشرقية كلها.
ويذكر المؤرخون أن الإِمبراطور هرقل كان - على سعة ملكه واتساع إمبراطوريته التي كان رواقها ممتدًا (عند ظهور الإِسلام) مِن مياه البحر الأسود والقسطنطينية شمالًا حتى حدود جزيرة العرب جنوبًا. ومن مياه الأطلسي وأطراف الصحراء الكبرى وليبيا وتونس ومصر غربًا حتى حدود إيران شرقًا. كان شديد التدين. لذلك نذر أن يحج إلى بيت المقدس ماشيًا حافيًا إن تم له التغلب على خصمه التقليدى ملك الفرس. وقد فعل.
وكان هرقل يعتبر من ناحية العلم بالنصرانية في مرتبة الرهبان. فكان - لذلك يعلم - أن نبيًّا من العرب سيبعث لتجديد دين إبراهيم وموسى وعيسى. كما هو مكتوب في التوراة والإِنجيل التي يعلم هرقل علمهما.
_________________
(١) انظر هذا الجواب في كتاب الوثائق السياسية للدكتور محمد حميد الله.
(٢) تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء ص ٦٢ لحمزة بن الحسن الأصفهاني.
[ ٧ / ١٢٦ ]
قصة أبي سفيان مع الملك هرقل
وكان أمر ظهور النبي - ﷺ - قد بلغ الملك هرقل وهو بالقدس فكان لذلك يتوق بتلهف إلى معرفة الحقيقة عن النبي - ﷺ - كما هي. ليتأكد ما إذا كانت أوصافه تتفق مع الصفات المطلوب توفرها في التوراة والإنجيل للرجل الذي سيختاره الله من العرب ولابد ليكون رسولًا للعالمين.
ولا أدل من اهتمامه بهذا الأمر أنه منذ بلغته مختلف الأخبار المتناقضة عن ظهور النبي - ﷺ - كان يبعث برجال من استخباراته وشرطته إلى مختلف مناطق الشام لعلهم يجدون من أهل مكة نفسها ممن يرتادون الشام دائما للتجارة. من يحدثه بأمانة عن حقيقة محمد وجوهر دعوته.
وشاء الله أن يظفر رجال الملك هرقل (من قواته الخاصة) في غزة بسيد من سادات العرب. وهو أبو سفيان بن حرب. قائد عير قريش التي كانت في رحلتها الصيفية التجارية إلى الشام.
فطلبوا منه أن يصحبهم من غزة إلى القدس. حسب رغبة الإمبراطور فأجابهم أبو سفيان إلى ذلك فاحتملوه وبعضا من رجاله وهناك في القدس اجتمعوا بالإمبراطور فاسستجوبهم بشأن حقيقة الرسول - ﷺ - وحذَّرهم من أن يكذبوه الحديث.
ولنترك أبا سفيان بن حرب نفسه ليروى لنا ذلك اللقاء التاريخي الذي تم بينه وبين الإمبراطور (هرقل) وذلك الاستجواب الذي أجراه الإمبراطور معه بنفسه.
قال أبو سفيان: كنا قومًا تجارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله - ﷺ - قد حصرتنا حتى أنهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله - ﷺ - لم نأمن إلا أن نجد أمنًا، فخرجت في نفر من قريش تجارًا إلى الشام، وكان وجه متجرنا (غزة) فقدمناها حين ظهر (هرقل) على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منہا.
وأثناء إدلاء أي سفيان بحديثه عن استجواب الإمبراطور (هرقل له) عن حقيقة النبي - ﷺ - ذكر أن (هرقل) رأى في المنام رؤيا وهو في بيت المقدس.
[ ٧ / ١٢٧ ]
جعلته يضاعف اهتمامه بأخبار النبي - ﷺ - فقال .. إنه أخبر أن (هرقل) لا انتهى إلى بيت المقدس وقضى فيه صلاته. أصبح "ذات غداة مهمومًا يقلب طرفه إلى السماء. فقال له بطارقته .. والله لقد أصبحت أيها الملك الغداة مهمومًا. قال: أجل أُريت في المنام أن ملك الختان ظاهر. قالوا: ما نعلم أمة تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك، فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق كل من تحت يديه من يهود واسترح من هذا الهم.
قال أبو سفيان إنهم والله لفى ذلك من رأيهم يديرونه، إذا أتاهم رسول صاحب بُصرى (١) برجل من العرب، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإِبل ويحدث عن أمر حدث ببلاده فسَله عنه.
فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بُصرى. قال هرقل: لترجمانه سله ما كان هذا الحَدث الذي كان ببلاده؟ فسأله: فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، قد اتبعه ناس وخالفه ناس. وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة فتركتهم على ذلك.
ويذكر أبو سفيان فيقول: وعندها أمر (هرقل) بتفتيش الرجل. فإذا هو مختون. فقال (هرقل): هذا والله الذي رأيت، لا ما تقولون، أعطوه ثوبه، ثم دعا الإِمبراطور صاحب شرطته. وقال له .. قلب لي الشام ظهرًا وبطنًا حتى تأتينى برجل من قوم هذا الرجل (يعني النبي - ﷺ -). قال أبو سفيان: فوالله إنا (لبغزة) إذ هجم علينا صاحب شرطته. فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز؟ قلنا: نعم. قال: فأيكم أمس به رحمًا؟ قلت: أنا، فنقلنا في الحال إلى بيت المقدس حيث الملك (هرقل).
فلما انتهينا إليه. قال: أنتم من رهط هذا الرجل؟ (يعني النبي - ﷺ -) قلنا: نعم. قال: فأيكم أمس به رحمًا قلت: أنا (٢).
_________________
(١) بصرى (بضم الباء وسكون الصاد) مدينة تجارية شهيرة في المنطقة الجنوبية في الشام قريبة من الجولان.
(٢) قال أبو سفيان: أنا. لأنه يلتقى بالنبي (- ﷺ -) في الجد الخامس (عبد مناف).
[ ٧ / ١٢٨ ]
ويتحدث أبو سفيان عن هيبة (هرقل) فيقول: وأيم الله ما رأيت من رجل كان أنكر من ذلك الأغلف - يعني هرقل - فقد قال لرئيس شرطته: أدنه منى، فأقعدني بين يديه، وأقعد أصحابي خلفى. ثم قال: إني سأسأله، فإن كذب فردوا عليه. قال أبو "سفيان: فوالله لو كذبت ما رُد على ولكنى كنت امرأ سيدًا، أتكرم عن الكذب، وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك على، ثم يحدثوا به عنى، فلم أكذبه. وقد كان استجواب الإِمبراطور لأبي سفيان على النحو التالي.
فقد بدأ الإِمبراطور استجوابه لأبي سفيان بقوله .. أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدَّعى ما يدعى.
فقال أبو سفيان: فجعلت أزهِّد له شأنه وأصغر له أمره وأقول: أيها الملك ما يهمك من أمره؟ إن شأنه دون ما يبلغك.
ولم يُعجب الإِمبراطور هذا التهرب وتهوين أبي سفيان من شأن الرسول - ﷺ - لذلك انتهره. وقال: أنبئنى عما أسألك عنه من شأن صاحبكم، قال أبو سفيان: قلت: سل عما بدا لك.
فقال كيف نسبه فيكم؟
قلت: محض (أي خالص). هو أوسطنا نسبًا.
قال: فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته في الماضى يقول مثل ما يقول فهو يتشبه به؟ قلت: لا.
قال: فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟؟ .
قلت: لا.
فقال: أخبرني عن أتباعه منكم. من هم؟
قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث والغلمان والنساء. وأما ذوو الأسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد.
قال: فأخبرني عمن يتبعه، أيحبه ويلزمه؟ .
قلت: ما تبعه رجل ففارقه.
[ ٧ / ١٢٩ ]
قال: فأخبرني، كيف الحرب بينكم وبينه؟ .
قال: قلت: سجال، يدال علينا وندال عليه.
قال: فأخبرني، هل يغدر؟ . وهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ..
قال: فلم أجد شيئًا مما سألنى عنه أغمزه فيه غيرهما. قلت: لا، ونحن منه في هدنة ولا نأمن غدره قال: فوالله ما التفت إليها منى.
قال هرقل: ماذا يأمركم! .
قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة (١).
والمدهش في الأمر أن عظيم الروم (هرقل) قد ركز (وهو يستجوب سيد قريش أبا سفيان) على نقاط جوهرية وصفات أساسية تعتبر لدى العقلاء والعالمين بعلوم التوارة والإِنجيل من الأحبار، من الدلائل القاطعة على أن هذا الذي يتصف بهذه الصفات هو النبي المنتظر الذي يتوقعون ظهوره ويبشر المنصفون به.
هرقل يعترف بنبوة محمد - ﷺ -
وكم كانت دهشة أبي سفيان عظيمة عندما أعلن (فور استجوابه أبا سفيان. وفي نفس المجلس) أن محمدًا - ﷺ - هو النبي العربي المنتظر الذي سيغير مجرى التاريخ ويبدل أتباعه خريطة العام. وأن ذلك أمر لا مفر منه.
فبعد ذلك الاستجواب الذي أجراه الملك (هرقل نفسه) مع سيد قريش وعدو محمد يومئذ أبي سفيان بن حرب، أعلن بكل صراحة ووضوح أن هذا الرجل (محمدًا) الذي يحاربونه ويناوئونه سينتصر عليهم وعلى كل من يقف في سبيل دعوته.
لأنه نبي مرسل من عند الله. وصرح هرقل (وهو الإِمبراطور العظيم) أنه
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٤٦ وصحيح البخاري نقلًا عن البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٥ والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ١٤٤ وزاد المعاد ج ٣ ص ١٢٦ وطبقات ابن سعد وإمتاع الأسماع للمقريزى ص ٣٠٨.
[ ٧ / ١٣٠ ]
يود لو أنه يكون من أتباعه بل ويتمنى أن يكون له شرف غسل قدميه.
فقد جاء في صحيح البخاري. أن الملك هرقل - بعد أن أتم استجواب أبي سفيان في قاعة العرش بالقدس - قال للترجمان قل لأبي سفيان: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك .. هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك .. أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه. وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك .. هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك .. بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشبكوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمى هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال (هرقل) وكثر الصخب وارتفعت الأصوات وخرجنا، فقلت لأصحابى حين خرجنا .. لقد أمِّر أمر ابن أبي كبشة (وهذه صفة ذم يصف المشركون بها الرسول - ﷺ -) أنه يخافه ملك بني الأصفر (١).
أثر كلام هرقل في نفس أبي سفيان
ولا شك أن استجواب الإِمبراطور هرقل أبا سفيان مصارحته بأن صاحبهم
_________________
(١) عن البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص ٢٦٥.
[ ٧ / ١٣١ ]
محمدًا نبي سيملك ما تحويه يد الإِمبراطور في الشام. كان ذا أثر فعّال في نفس سيد قريش أبي سفيان، الأمر الذي جعله يخفف من حدة عداوته للرسول - ﷺ - كما شهدت بذلك الأحداث فقد كان ما سمع أبو سفيان من الإِمبراطور، هرقل بشأن الرسول - ﷺ - سببًا في ملامسة الإِسلام قلب أبي سفيان. وقد عبر عن هذه الحقيقة أبو سفيان بنفسه حين قال (عقب حديثه عن المقابلة التي جرت بينه وبين الإِمبراطور): فما زلت موقنًا أنه (أي النبي - ﷺ - سيظهر حتى أدخل الله على الإِسلام) (١).
هرقل يتسلم الدعوة من الرسول إلى الدخول في الإِسلام
وذكر عامة المؤرخين وأهل الحديث. أن هرقل - بعد الاستجواب الذي أجراه بنفسه مع سيد قريش أبي سفيان بن حرب وعرف على أثره أن محمد بن عبد الله هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في الإِنجيل - قرر في نفسه أن يتبع الرسول - ﷺ - ويؤمن به. بل قرر أن يقنع أهل الحل والعقد في إمبراطوريته، وخاصة رجال الكنيسة الذين يعلمون علمه، بأن يؤمنوا بالرسول محمد - ﷺ -.
إلا أن (هرقل) مع رغبته الملحة في تحقيق هذا الأمر العظيم، كان يتوقع معارضة خاصته ومستشاريه وكبار رجال دولته - حفاظًا على مراكزهم المتازة التي يتمتعون بها في الإِمبراطورية.
وبينما عظيم الروم هرقل نهبًا للقلق بين الإقدام والإِحجام. كيف يفاتح كبار دولته بالدعوة إلى اتباع النبي محمد - ﷺ - الذي لم يعد لديه أدنى ريب في أنه هو الرسول الذي بشرت به التوراة والإِنجيل. كيف يواجه معارضة خاصته ومستشاريه من رجال الكنيسة وقادة الجيوش، والتي قد تؤدى إلى خلعه من على كرسى الإِمبراطورية أو قتله .. بينما هو هكذا نهبًا لهذه الهواجس، إذا برئيس حرسه يقطع عليه تفكيره حين دخل عليه وخلفه دحية الكلبى مبعوث النبي الخاص يحمل إلى هرقل الخطاب الذي يدعوه فيه الرسول
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٥ نقلا عن صحيح البخاري.
[ ٧ / ١٣٢ ]
- ﷺ - إلى الدخول في الإِسلام. ويحمله مسئولية بقاء شعبه على الكفر إذا لم يفعل (١).
هرقل يكرم حامل كتاب النبي - ﷺ - إليه
ولم يكن وصول كتاب النبي - ﷺ - مفاجأة لهرقل، فقد كان يتوقع وصوله، لأنه يعرف (فيما علم من الإِنجيل) أن محمدًا - ﷺ - ليس رسولًا إلى العرب وحدهم. بل رسولًا إلى الناس كافة. والشعوب إنما تُخاطَب في أشخاص ملوكها وحكامها المتحدثين باسمها.
ولهذا كان يتوقع أن يصل إليه مبعوث من محمد - ﷺ - يحمل إليه - الدعوة إلى الدخول في الإسلام. وعندما دخل دحية الكلبى وأخبر الإمبراطور أنه رسول رسول الله - ﷺ - وسلمه كتاب النبي - ﷺ - استدعى ترجمانه الخاص. وطلب منه أن يترجم له كتاب الرسول - ﷺ - ففعل. وبعد أن علم فحوى الكتاب. أمر بإكرام دحية الكلبى. وأمر بأن ينزل ضيفًا عليه. وأوصى بالعناية به.
هرقل يستطلع رأى روما في دعوة الرسول - ﷺ -
ومع تخوف الملك هرقل على نفسه من رجال دولته إن هو دعاهم إلى الدخول في الإِسلام فإنه قد صمم على ذلك. ولكنه قبل أن يفاتح رجال دولته في هذا الأمر الخطير. أحب أن يتصل بمركز البابوية في روما (رغم ما بين الإِمبراطوريتين من الخلافات السياسية) ليخبر الرهبان الختصين ويستشيرهم في هذا الأمر الخطير.
فكتب هرقل إلى أولئك العلماء المختصين في رومية (روما) يذكر لهم أمر النبي - ﷺ - ويصف لهم شأنه، ويوضح لهم صفاته ويخبرهم بمحتوى كتابه الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام ويطلب منهم كلمة الفصل، فيما إذا كان هو النبي - ﷺ - المنتظر الذي توصى التوراة والإِنجيل باتباعه.
وقد جاء الجواب من روما (لهرقل) يؤكد أن محمدًا هو النبي المنتظر. ويوصى الإِمبراطور باتباعه وتصديقه (٢).
_________________
(١) تقدم نص كتاب الرسول الوجه إلى (هرقل) فيما مضى من هذا الكتاب.
(٢) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٢٤٩.
[ ٧ / ١٣٣ ]
الإمبراطور هرقل يدعو شعبه لاعتناق الإسلام
لقد كان (هرقل) كعالم بالتوراة والإنجيل. يعلم أن محمدًا - ﷺ - هو النبي الذي كانوا ينتظرونه. ولكنه كتب إلى روما ليكون ما يتسلمه من تأييد لرأول عامل إقناع لأهل الحل والعقد في دولته، بالدخول في الإِسلام.
فبعد أن تلقى (هرقل) من روما ما يؤكد اعتقاده بأن محمد بن عبد الله هو النبي الذي ينتظرونه صار أكثر تصميمًا على دعوة شعبه إلى الدخول في الإِسلام، فدعا (وهو في القدس) أهل الحل والعقد من بطارقة الروم إلى اجتماع عام في قصره ليشرح لهم الموقف على حقيقته. وينصحهم بأن خير وسيلة لتجنب الويلات والمصائب التي ستتعرض لها مملكته هو اتباع النبي محمد - ﷺ -.
الاجتماع التاريخي في حراسة مشددة
غير أن الإِمبراطور (وكان مع علمه الواسع شديد الذكاء والحذر) قد اتخذ احتياطات مشددة لمواجهة أيِّ رد فعل عنيف من أركان دولته عندما يجتمع بهم ويفاتحهم في موضوع الدعوة إلى اعتناق الإِسلام.
فقد أوعز إلى قادة حرسه الخاص بأن يقفلوا كل الأبواب ويقفوا عليها بالسلاح، بعد أن يكتمل اجتماعه بالبطارقة وبقية أركان دولته. وأن يمنعوهم من الخروج من قاعة الإجماع. إذا ما لاحظوا عليهم بادرة تذمُّر أو تمرد.
ثم تحسبا لكل طارئ اتخذ الإِمبراطور لنفسه مقصورة تقع في أعلى: تشرف على قاعة الاجتماع. وأحاط مقصورته هذه بحراسة مشددة من قواته الخاصة.
البطارقة وأركان الدولة يرفضون دعوة الإِمبراطور ويحاولون التمرد
وبعد أن اكتمل الاجتماع في القصر الملكى بالقدس. أطل الإِمبراطور من مقصورته على المجتمعين، ثم خاطبهم في هدوء يدعوهم إلى الدخول في الإِسلام قائلًا: "يا معشر الروم إني قد جمعتكم لخير، إنه أتانى كتاب هذا الرجل يدعونى إلى دينه، وإنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه ونصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا (١) ".
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٠ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٦.
[ ٧ / ١٣٤ ]
ولقد حدث من البطارقة وبقية وجوه الدولة ما كان يخشاه ويتوقعه الإِمبراطور (هرقل) فما كاد يكمل حديثه بشأن النبي - ﷺ - حتى علاهم الغضب جميعًا، فثارت ثائرتهم وأضمروا الشر للإمبراطور. حيث كان جوابهم على دعوته الخيِّرة. أن نفروا منه وحاصوا من القاعة حيصة الحمرُ الوحشية من شدة الغضب لما سمعوا من الإِمبراطور واستبقوا الأبواب ليخرجوا احتجاجًا على ما سمعوا من دعوتهم إلى ترك دينهم (١).
غير أنهم وجدوا الأبواب مغلقة وعليها الحراس في كامل أسلحتهم فمنعوهم من الخروج، فازداد غضبهم وعادوا إلى قاعة الاجتماع ليبلغوا الإِمبراطور احتجاجهم.
تراجع هرقل خوفًا على ملكه
وعندما رأى الإمبراطور أن هؤلاء (كلهم يمثلون أركان دولته) قد رفضوا بالإِجماع دعوته وأَضمروا له الشر خاف على نفسه، فلجأ إلى ملاينتهم ليتجنب شرَّهم. فخاطبهم قائلًا (يا معشر الروم إني قد قلت لكم المقالة التي قلت، لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسر به فسجدوا له ورضوا عنه. ثم أمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا" (٢).
الأسقف الذي قتله بطارقة هرقل لإِعلانه الإِسلام
ولم تكن محاولة الإِمبراطور هرقل تلك التي حاول بها إقناع قومه باتباع الرسول - ﷺ - المحاولة الوحيدة، فقد روى ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٧. أن الإِمبراطور بعد أن تسلم كتاب الرسول - ﷺ - المتضمن دعوة الروم إلى الإِسلام. استدعى أسقفًا كبيرًا (اسمه صفاطر) وأطلعه على مضمون الكتاب النبوي ثم طلب منه أن يبدى رأيه قائلًا: فما تأمرنى؟ فقال الأسقف: هو والله الذي بشر به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر. أما أنا فإني
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٦ نقلًا عن صحيح البخاري.
(٢) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٠ والأغاني للأصفهاني ج ٦ ص ٣٤٨ - ٣٤٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٦.
[ ٧ / ١٣٥ ]
مصدق ومتبعه فقال قيصر: أعرف ذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم.
وفي تاريخ الرسل والملوك للطبرى. أن الإِمبراطور هرقل (بعد فشله في إقناع أركان دولته باتباع النبي محمد - ﷺ -) استدعى مبعوث النبي الخاص دحية الكلبى. وقال له: إننى والله لأعلم أن صاحبك نبي مرسل ولولا أننى أخاف الروم على نفسي لاتبعته، وقد علمت ما حدث منهم عندما دعوتهم إلى اتباعه، ولكن اذهب إلى كبير أساقفتهم (صفاطر) فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله أعظم في الروم منى، وأجوز قولًا عندهم منى، فانظر ما يقول لك.
فذهب دحية الكلبى إلى الأسقف إياه. فأخبره بما جاء به من رسول الله - ﷺ - إلى هرقل، وبما يدعم إليه. فقال (صفاطر): صاحبك والله نبي مرسل، نعرفه بصفته ونجده في كتبنا باسمه.
قال دحية: ثم دخل ونزع ثيابًا كانت عليه سودا، ولبس ثيابًا بيضا، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله ﷿ (وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن أحمد عبده ورسوله).
قال: فوثبوا عليه وثبة رجل واحد، حتى قتلوه. فلما رجع دحية إلى الملك هرقل فأخبره الخبر. قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا. فصفاطر - والله - كان أعظم عندهم وأجوز قولًا منى (١).
هل أسلم الملك هرقل؟
وذكر بعض أصحاب الحديث والسير أن الإِمبراطور هرقل أسلم (سرًّا) وبقى على إسلامه حتى مات (٢) والله أعلم بحقيقة ذلك.
_________________
(١) روى الإمام الطبري هذا الخبر بسنده عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق.
(٢) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٨.
[ ٧ / ١٣٦ ]
قلق الملك هرقل
لقد عاش الملك هرقل أيامًا قلقة، بعد تلقيه خطاب النبي - ﷺ - الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام.
وزاده قلقًا وحيرة واضطرابًا أن رفض أركان دولته وزعماء الكنيسة دعوته إياهم إلى الدخول في الإِسلام، بل وحاول قادة جيشه عندما كان في حِمص القيام بانقلاب مسلح للإِطاحة به لإِظهاره الميل والرغبة إلى أن يدخل شعبه في دين الإِسلام حيث نادى مناديه في حمص .. (ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه) (١). فأخفى ما كان قد أظهر. وطمأن القوات السلحة التي حاولت الإِطاحة به وطوقت قصره. بأنه (كما تقدم) إنما أراد بما تظاهر به من الإِيمان بمحمد واتباعه اختبار صلابتهم في التمسك بالنصرانية .. (٢).
التناقضات المتصارعة بنفس هرقل
مما لا شك فيه أن الإِمبراطور هرقل (منذ تلقى كتاب الرسول - ﷺ - الذي يدعوه وشعبه إلى الدخول في الإِسلام) قد صار عرضة لتيارين شديدين متناقضين داخل أعماق نفسه.
عامل الإستجابة لصوت الحق الذي يهتف به في أعماق نفسه بأن يؤمن بالنبي - ﷺ - ويتبعه لأنه بات على ثقة بأنه النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في الإِنجيل (٣).
وعامل الحفاظ على عرش الإِمبراطورية الذي يتطلب بقاؤه عليه متربعًا، التمسك بالنصرانية بل والإِخلاص لها، فالرومان لن يرضوا (مطلقًا) أن يكون على عرش إمبراطوريتهم ملك غير مسيحي.
وتفيد تقارير أصحاب السير والتواريخ (بالإِجماع) أن العاملين كانا في
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٧.
(٢) انظر جوامع السيرة، والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٦ وتاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٠ وزاد المعاد ج ٤ ص ١٢٦.
(٣) قال ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٧ .. (فقال قيصر لقومه: يا قوم ألستم تعلمون أن بين يدي الساعة نبيًّا بشركم به عيسى بن مريم ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله قد جعله في غيركم، وهي رحمة الله ﷿ يضعها حيث يشاء).
[ ٧ / ١٣٧ ]
نفس الإمبراطور (هرقل) متساويان، فهو يعلم حق العلم أن محمد بن عبد الله هو الرسول الذي بشر به عيسى. لذلك كان يحرص على أن يؤمن به ويتبعه، بل ويحرص على أن يؤمن به ويتبعه شعبه أيضًا. على أن يظل محتفظًا بعرش الإمبراطورية.
لذلك نراه (وكما دلت جميع المصادر التاريخية) يتظاهر - حرصًا على عرشه - بالإخلاص للنصرانية، مع أنه (في واقع الأمر) قد نفض يده فنها، منذ الجلسة الأولى التي اجتمع فيها بالقدس إلى أركان دولته وأبلغهم فحوى كتاب النبي - ﷺ - ودعاهم إلى الاستجابة إلى ما جاء فيه من دعوة الروم إلى الإِسلام.
هرقل يدعو قومه مرة أخرى وأخيرة إلى الإِسلام أو إعطاء الجزية.
ورغما عن المعارضة الشديدة التي لقيها من أركان دولته وقادة جيشه الذين حاولوا الإطاحة به بسبب موقفه من دعوة الإِسلام. فإنه لم ييئس وعاود الكرَّة مرة أخرى (عندما اعتزم مغادرة الشام في أخريات أيام الرسول - ﷺ -) فدعا (وهو بحمص) أهل الحل والعقد من رجال الكهنوت وقادة الجيش والوزراء إلى اجتماع خاص.
في هذا الاجتماع، أخبرهم بأنه قد قرَّر العودة إلى عاصمة ملكه القسطنطينية، ولكن قبل عودته يجب أن يتحدّث إليهم حديثًا صريحًا، حول موضوع الإِسلام، وما يجب أن يفعلوه تلافيًا لما يهدد الإمبراطورية من أخطار الزوال، نتيجة ما يتوقع أن يحديث (ولابد) على أيدى حملة الدين الجديد (الإِسلام) من تغيّرات جذرية في مجرى التاريخ وتبديل كلى لخريطة العالم.
فقد عرض عليهم عروضًا ثلاثة، وطلب منهم قبول أحدها كوسيلة لدفع الخطر الذي يتهدد الإمبراطورية في المستقبل القريب على يد حاملى رسالة الإِسلام (وخاصة ممتلكات الإمبراطورية في سورية وفلسطين والأردن ولبنان) وآسيا الصغرى - تركيا الآسيوية اليوم.
فقد قال الإِمبراطور: يا معشر الروم إني عارض عليكم أمورًا فانظروا فيم قد أردتها.
[ ٧ / ١٣٨ ]
قالوا: ما هي.
قال: تعلمون والله أن هذا الرجل (يعني محمدًا - ﷺ -) لنبي مرسل، إنا نجده في كتابنا نعرفه بصفته التي وصف لنا، فهلمَّ فلنتبعه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.
فقالوا: نحن نكون تحت أيدى العرب، ونحن أعظم الناس ملكا، أكثرهم رجالًا، وأفضلهم بلدًا.
قال: فهلمّ فأعطيه الجزية في كل سنة، أكسر عنى شوكته وأستريح من حربه بمال أعطيه إياه.
قالوا: نحن نعطى العرب الذل والصغَّار بخَرج يأخذونه منّا، ونحن أكثر الناس عددًا، وأعظمهم ملكًا، وأمنعهم بلدًا، لا والله لا نفعل هذا أبدًا. قال فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعنى وأرض الشام فقالوا: نحن نعطيه أرض عمورية وقد عرفت أنها أرض سورية الشام لا تفعل هذا أبدًا.
هرقل يودع سوريا الوداع الأخير
وبعد أن رفض أركان دولة بيزنطا عروض ملكهم الثلاثة قال لهم (وقد تهيأ للعودة إلى عاصمة ملكه على البوسفور) .. أما والله لترون أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. ثم جلس على بغل له، فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليكم أرض سورية تسليم الوداع ثم ركض حتى دخل قسطنطينية عاصمة ملكه (١).
تحقيق المقام حول موقف هرقل من الإِسلام
مما لا جدال فيه أن جمهرة أئمة الحديث والسير والتاريخ (البخاري - مسلم - أحمد - الترمذي - الطبري - الواقدي وغيرهم) مجمعون على أن الملك هِرقل قد استقبل خطاب الرسول - ﷺ - الذي يدعوه فيه إلى الدخول في الإِسلام، بالترحاب والقبول والتكريم، وأنه كان مقتنعًا بأن محمدًا - ﷺ - نبي مرسل إلى الناس كافة كما هو مكتوب في التوراة والإِنجيل، وأنه كان حريصًا على أن يعتنق وشعبه الإِسلام. وأنه حاول (بمختلف الوسائل) أن يقنع أهل الحل والعقد من رجال الكهنوت وقادة الجيش والوزراء والأعيان في الإِمبراطورية
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥١ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٨.
[ ٧ / ١٣٩ ]
أن يقبلوا نصحه فيدخلوا في الإِسلام، ولكنهم جميعهم عصوه، بل وغضبوا لدعوته هذه. وحاول قادة الجيش أن يطيحوا به من على عرشه. الأمر الذي اضطره إلى أن يظهر لهم خلاف ما يبطن، فيعلن لهم أنه متمسك بالنصرانية، وأنه إنما أراد بما سمعوا منه اختبار تمسكهم بدينهم.
ولكن ميله نحو الإِسلإم ورغبته في اعتناقه ظلتا تسيطران على نفسه، ولكن حرصه على ملكه منعه من أن يفعل فعل النجاشي الذي أعلن إسلامه، رغم معارضة أركان دولته، بل وقيامهم ضده بعصيان مسلح حاولوا به الإِطاحة به. فحماه الله وحرسه من شرهم. فبقى ملكًا في الحبشة على شعب غير مسلم.
ويذكر بعض المؤرخين وأصحاب الحديث. أن الملك هرقل، كتب إلى النبي - ﷺ - أنه قد دان بالإسلام، ولكنه لا يستطيع الجهر به، لأنه مغلوب على أمره من قومه، ولكن الرسول - ﷺ - لم يقبل منه هذا العذر ففي مسند الإِمام أحمد أن الملك هرقل كتب إلى النبي - ﷺ - من تبوك أنى مسلم، فقال النبي - ﷺ - كذب إنه على نصرانيته، وفي لفظ كذب عدو الله، والله ليس بمسلم. قال الحافظ ابن حجر (﵀) فعلى هذا إطلاق صاحب الاستعاب أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ولم يعمل بمقتضاه، بل شح بملكه وآثر العافية على العاقبة (١).
وفي السيرة الحلبية: قال ابن برهان الدين: كتب هرقل إلى النبي - ﷺ - كتابًا وأرسله مع دحية الكلبى يقول فيه: إني مسلم ولكننى مغلوب وأرسل بهدية، فلما قرئ الكتاب على الرسول - ﷺ - قال: كذب عدو الله ليس بمسلم. وقبل الرسول - ﷺ - هديته وقسمها بين المسلمين. قال ابن برهان الدين: ويدل على صدق هذه ارواية أن هرقل قاتل المسلمين في مؤته. وذلك قبل (غزوة تبوك) وعقب تسلمه خطاب الرسول - ﷺ -
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٨.
[ ٧ / ١٤٠ ]
الذي بعث به إليه دحية الكلبى يدعوه فيه إلى الإِسلام (١).
إسلام الملك المنذر بن ساوى:
كذلك تجاوب ملك البحرين (المنذر بن ساوى) (٢) التميمي مع دعوة الرسول - ﷺ - فأكرم رسول النبي - ﷺ - ثم أعلن إسلامه، فاستخلفه مبعوث النبي - ﷺ - إليه العلاء بن الحضرمي مكانه على البحرين. حين استقدم الرسول - ﷺ - العلاء إلى المدينة (٣) وكان المنذر تابعا لإِمبراطورية فارس ويحكم الخليج باسمها.
جواب ملك الغساسنة التهديد بغزو الجزيرة
أما ملك الجولان ودمشق من قبل الروم (الحارث بن أبي شعر الغساني) فقد كان جوابه على دعوة الرسول - ﷺ - له إلى الإِسلام. التهديد بغزو المدينة.
فقد ذكر المؤرخون أن الحارث لما وصله شجاع بن وهب بكتاب رسول الله - ﷺ -. وفيه "سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك" قال الحارث: ومن ينتزع ملكى؟ إني سأسير إليه (٤).
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٨.
(٢) هو المنذر بن ساوى بن الأخنس بن بيان بن عمرو بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي. وقد وهم البعض. فاعتبره من عبد القيس. والصحيح أنه من بني تميم. ثبت على إسلامه وكان الحسن الإِسلام. توفى بالقرب من وفاة النبي - ﷺ - وحضر وفاته عمرو بن العاص.
(٣) الإصابة في تمييز الصحابة ج ٣ ص ٤٣٩.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٨. وجاء في طبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٢٦١ .. (أن شجاع بن وهب حامل كتاب رسول الله - ﷺ - إلى الحارث بن أبي شعر. أتى الملك الحارث، وهو بغوطة دمشق، وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر. وهو جاء من حمص إلى إيلياء. قال شجاع: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه إني رسول رسول الله - ﷺ - إليه، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه - وكان روميًا اسمه مرى - يسألنى عن رسول الله - ﷺ -، فكنت أحدثه عن صفة رسول الله - ﷺ - وما يدعو إليه، فيرق حتى يغلبه البكاء =
[ ٧ / ١٤١ ]
موقف المقوقس حاكم مصر
أما المقوقس حاكم مصر من قبل الرومان. فقد جاءه كتاب النبي - ﷺ - الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام. وهو في الإِسكندرية. وكان حامل كتاب الرسول - ﷺ - إليه حاطب بن أبي بلتعة، فاستقبل المقوقس مبعوث النبي - ﷺ - استقبالا حسنا للغاية. فأكرمه. وقبل كتاب النبي - ﷺ -.
وروى البيهقي، أن الملك المقوقس عقد اجتماعًا دعا إليه البطارقة على أثر تلقيه دعوة الرسول - ﷺ - وحضر هذا الاجتماع مبعوث النبي - ﷺ - حاطب بن أبي بلتعة. وفي هذا الاجتماع سأل المقوقس حاطبا: (أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي؟ قال حاطب: بل هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يَدْعُ على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها.
قال حاطب: فقلت: عيسى بن مريم أليس تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى. قلت: فما له حين أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حيث رفعه الله إلى السماء الدنيا؟ فقال لي: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مأمنك (١».
_________________
(١) = ويقول: إني قد قرأت في الإِنجيل فأجد صفة هذا النبي - ﷺ - بعينه، فأنا أؤمن به وأصدقه، وأخاف من الحارث أن يقتلنى. قال شجاع: وكان يكرمنى ويحسن ضيافتى، وخرح الحارث يومًا فجلس ووضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه ثم رمى به وقال: من ينتزع منى ملكى؟ أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته، على بالناس، فلم يزل يفرض حتى قام، وأمر بالخيول تنعل، ثم قال لشجاع: أخبر صاحبك ما ترى، كتب (الحارث) إلى قيصر يخبره خبرى وما عزم عليه (أي من القيام بغزو الرسول - ﷺ -، فكتب إليه قيصر .. ألا تسير إليه واله عنه. ووافق بإيلياء. قال شجاع: فلما تلقى الحارث جواب قيصر دعانى فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدًا، فأمر لي بمائة مثقال ذهب .. ووصلنى مرى - يعني الجاجب الروماني - وأمر لي بنفقة وكسوة، وقال: أقرئ رسول الله - ﷺ - منى السلام، فقدمت على النبي - ﷺ -، فأخبرته فقال: باد ملكه، وأقرأته من مرى السلام وأخبرته بما قال: فقال رسول الله - ﷺ -: صدق. قال ابن سعد: ومات (الملك الحارث) عام الفتح سنة ثمان من الهجرة. اهـ.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٧٢.
[ ٧ / ١٤٢ ]
اعتراف المقوقس بنبوة النبي محمد - ﷺ -.
ثم كتب المقوقس إلى النبي - ﷺ - يعترف فيه بأنه خاتم الأنبياء. إلا أنه لم يسلم خشية على ملكه. فقد كتب المقوقس "باسمك الله من المقوقس إلى محمد".
أما بعد فقد بلغني كتابك، وقرأته وفهمت ما فيه. أنت تقول: إن الله تعالى أرسلك رسولًا، وفضلك تفضيلًا. وأنزل عليك قرآنا مبينًا، فكشفنا يا محمد في علمنا عن خبرك، فوجدناك أقرب داع دعا إلى الله، وأصدق من تكلم بالصدق. ولولا أنى ملكت ملكًا عظيمًا، لكنت أول من سار إليك، لعلمى أنك خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وإمام المتقين" (١).
كسرى يمزق كتاب الرسول - ﷺ - فيمزق الله ملكه
ولعل أعنف ردّ فعل أحدثته دعوة النبي - ﷺ - الملوك والأمراء في الشرق الأوسط إلى الإِسلام. هو ذلك الذي بدا واضحا من تصرف عظيم الفرس الملك (كسرى - أبرويز) الذي مزق كتاب النبي - ﷺ - إليه قبل أن يترجم له. وسبب ذلك أن النبي - ﷺ - بدأ بنفسه في الكتاب فغضب كسرى ومزق الكتاب.
وكان نص كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى كما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك. (٢)
_________________
(١) الوثائق السياسية للدكتور محمد حميد الله ص ١٠٨.
(٢) الوثائق السياسية ص ١١٠ والبداية والنهاية ج، ص ٢٦٩. وتاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٤ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٨.
[ ٧ / ١٤٣ ]
وقد ذكر المؤرخون أن مبعوث النبي - ﷺ - بكتابه إلى كسرى لما وصل وعلم كسرى بذلك أمر بإيوانه أن يزين ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن بعد ذلك لمبعوث النبي - ﷺ -. فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله - ﷺ - أن يقبض. فقال المبعوث النبوى الخاص: لا حتى أدفعه إليك كما أمرني رسول الله - ﷺ - فقال كسرى أدنه، فدناه. فناوله الكتاب ثم دعا كسرى كاتبا له (من عرب الحيرة) فبدأ قرأءة الكتاب فإذا فيه (من محمد رسول الله إلى عظيم الفرس) فأغضبه ذلك حين بدأ رسول الله - ﷺ - بنفسه وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه (١) فلما بلغ النبي - ﷺ - ما فعل كسرى بكتابه قال: (مزِّق ملكه) (٢).
وبعض أهل السير يذكر أن كسرى لم يمزق كتاب الرسول - ﷺ - إلا بعد أن قرأه عليه الترجم كله، قال (غاضبا): يكتب إلى هذا وهو عبدى (٣).
وذكر آخرون من المؤرخين والمختصين في بحث خطابات الرسول - ﷺ - ووثائقه ومعاهداته أن كسرى (أبرويز) - بعد أن هدأ غضبه. طلب إعادة مبعوث النبي - ﷺ - الخاص إليه بعد أن أمر بطرده. ولكن حرسه لم يعثروا عليه. حيث وجدوه غادر المدائن (٤).
عامل كسرى على اليمن يعصى أمره ويسلم
ولم يكتف كسرى بتكذيب النبي - ﷺ - وتمزيق كتابه وطرد مبعوثه. بل أصدر أمره إلى عامله بصنعاء (باذان) وهو ملك اليمن من قبله. أصدر أمره إليه بأن يرسل إلى النبي - ﷺ - قوة لتقبض عليه، ثم يرسله إليه في المدائن مخفورًا.
_________________
(١) البداية ج ٤ ص ٢٦٩.
(٢) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٥ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٦٩ جاء فيها (مزق كسرى ملكه).
(٣) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٥ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٩.
(٤) الحلبية ج ٢ ص ٢٩٦.
[ ٧ / ١٤٤ ]
وقد نفذ (باذان) أمر كسرى أول الأمر. فبعث إلى النبي - ﷺ - رجلين من خاصته. ليطلبا منه الحضور إلى اليمن. ليبعث به ملكها إلى كسرى.
غير أن رسولى (باذان) عادا إليه من المدينة بأخبار وانطباعات عن الرسول - ﷺ - جعلت (باذان) - وكان أكبر عقلا وأبعد نظرا من كسرى - يدخل في الإِسلام هو وجميع الذين يقعون تحت سلطانه في اليمن وذلك بعد أن ثار شيرويه على أبيه كسرى فقتله.
فقد جاء في أمهات التاريخ أن كسرى (أبرويز) كتب إلى باذان أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جَلدين، فليأتيانى به.
فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه - وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس - وبعث معه رجلا من الفرس يقال له .. خُرّحِسْره، وكتب معهما كتابًا إلى النبي - ﷺ -، يأمره فيه أن ينصرف معهما إلى كسرى. إلا أنّ (باذان) لما يريد الله به من هداية. قال لبابويه: ائت هذا الرجل (يعني النبي - ﷺ -) وكلّمه وأتنى بخبره.
استبشار المشركين وفرحهم بتهديد كسرى للنبي - ﷺ -.
فخرج رسولا (باذان) حتى قدما الطائف، فوجدا رجالا من قريش بنخب من أرض الطائف فسألاهم عن الرسول - ﷺ - فقالوا هو بالمدينة. واستبشروا بهما وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشروا قد نصب له كسرى ملك الملوك، كُفيتم الرجل. أي أن الملك كسرى سيتولى القضاء بنفسه على النبي - ﷺ - ودعوته.
النبي يخبر رسولى باذان بقتل شرويه لأبيه كسرى
فخرجا حتى قدما على رسول الله - ﷺ - فكلمه بابويه فقال: إنَّ شاهانشاه (ملك الملوك كسرى) قد كتب إلى الملك باذان. يأمره، أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثنى إليك لتنطلق معى، فإن فعلت كتب
[ ٧ / ١٤٥ ]
فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكف عنك وإن أبيت، فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك، قال الطبري: وقد دخلا على رسول الله - ﷺ - وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما. فقال: ويلكما، من أمركما بهذا: قالا: أمرنا بهذا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله - ﷺ - لكن ربى أمرنى بإعفاء لحيتى وقص شاربى. ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتيانى غدا، وأتى رسول الله - ﷺ - الخبر من السماء أن الله قد سلط على كسرى ابنه (شيرويه) فقتله في شهر كذا وكذا، ليلة كذا وكذا من الليل، بعد ما مضى من الليل - سلّط عليه ابنه (شيرويه) فقتله.
قال الواقدي: قتل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها. (١).
وفي اليوم التالي: استدعى الرسول - ﷺ - رسولى الملك (باذان) وأبلغهما أن شيرويه قد قتل أباه كسرى فاستعظما ذلك واستنكراه منه. فقالا له: هل تدرى ما تقول. إنّا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب هذا عنك ونخبره الملك قال - ﷺ -: نعم أخبراه ذلك عنى. وقولا له: إن دينى وسلطانى سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهى إلى منتهى الخف والحافر، (٢) وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى خُرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة. كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عند رسول الله - ﷺ - حتى قدما على (باذان) بصنعاء فأخبراه الخبر: فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول، ولننظرن ما قد قال، فلئن كان هذا حقًّا ما فيه كلام، إنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
شيرويه يأمر باذان بعدم التعرض للرسول - ﷺ -
وبينما الملك باذان يفكر فيما نقل إليه رسولاه عن النبي - ﷺ - من أقوال
_________________
(١) تاريخ الرسل والملوك للطبرى ج ٢ ص ٦٥٦ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٢٦٠.
(٢) الخف. يكنى به عن نوع الجمال. والحافر عن نوع الخيل.
[ ٧ / ١٤٦ ]
إذا رسول (شيرويه بن كسرى) يقدم عليه بكتاب جاء فيه "أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان استحل بن قتل أشرافهم وتجميرهم (١) في ثغورهم، فإذا جاءك كتابى هذا فخذلى الطاعة ممن قبلك، وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليك فلا تهجه (يعني النبي - ﷺ -) حتى يأتيك أمرى فيه.
وهنا استيقن الملك باذان أن محمدا - ﷺ - نبي حقا. فقال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وأسلمت الأبناء معه من فارس من كان منهم باليمن (٢).
قال ابن كثير في البداية والهاية ج ٤ ص ٢٧٠: وروى الحافظ البيهقي. أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: إن ربي قد قتل الليلة ربك - إشارة إلى تسليط الله شيرويه على أبيه كسرى حتى قتله. وأخبر النبي - ﷺ - أن كسرى قد استخلف ابنته. فقال - ﷺ - "لا يفلح قوم تملكهم امرأة" (٣).
ملك اليمامة يقرب من الإِسلام ولا يسلم:
أما صاحب اليمامة هوذة بن علي. فقد أعجبه ما دعا إليه الرسول - ﷺ - فقبل أن يتبعه. ولكنه اشترط أن يجعل له بعض الأمر ولكن النبي - ﷺ - أبي عليه ذلك.
فقد كتب إليه الرسول - ﷺ - "من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي: سلام على من اتبع الهدى. واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك".
_________________
(١) التجمير هو حبس الجند في الثغور وتركهم دون أن يقاتلوا.
(٢) انظر تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٥٤ - ٦٥٥ - ٦٥٦. والتنبيه والإشراف ص ٢٥٩ - ٢٦٠ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٨ وما بعدها والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٤٥ وما بعدها.
(٣) البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٧٠ والوثائق السياسية ص ١٠٩ وما بعدها، والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٤٦ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧٦. وذكر حمزة الأصفهاني في كتابه (تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) ص ٢٤ أن المرأة التي ملكها الفرس عليهم هي (بوران دخت) بنت كسرى أبرويز بعد أخيها (شيرويه) الذي أيدم ملكه سوى ثمانية أشهر، وبعد (شهريزاد) الذي لم يكن من بيت الأكاسرة والذي لم يدم ملكه سوى ثمانية وثلاثين يومًا.
[ ٧ / ١٤٧ ]
فرد هوذة على النبي - ﷺ - بكتاب قال فيه: "ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومى وخطيبهم، والعرب تهاب مكانى، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك" (١).
وقال ابن الأثير كان هوذة بن علي نصرانيًّا، فلما جاءه كتاب النبي - ﷺ - يدعوه إلى الإِسلام. أرسل إليه وفدا يخبره بأنه يقبل الدخول في الإِسلام شريطة أن يجعل له الأمر من بعده. فلما تبلغ النبي - ﷺ - هذا الشرط. رفضه قائلا: (لا ولا كرامة اللهم اكفنيه فمات بعد قليل) (٢).
وذكر أن هوذة هذا كان عنده عظيم من عظماء النصارى حين رد على كتاب النبي - ﷺ - بما رد. فقال له: لم لا تجيبه قال: أنا ملك قومى ولئن اتبعته لم أملك.
فقال: بلى والله لئن اتبعته ليملكنك، وأن الخيرة لك في اتباعه. وإنه النبي العربي الذي بشر به عيسى بن مريم ﵊، وإنه لمكتوب عندنا في الإِنجيل، محمد رسول الله (٣).
إسلام ملكى عُمان
أما ملكا عمان الأخوان. جيفر وعبد ابنا الجلندى. فقد كتب إليهما رسول الله - ﷺ - مع عمرو بن العاص كتابًا قال فيه "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإِسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإِسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإِسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلى تحل بساحتكما وتظهر نبوتى على ملككما" (٤).
وذكر المؤرخون وأصحاب الحديث. أن عمرو بن العاص قد أقنع
_________________
(١) الوثائق السياسية ص ١٠٩.
(٢) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٤٦٢.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧٦.
(٤) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧٤ والوثائق السياسية ص ٧٦.
[ ٧ / ١٤٨ ]
الملكين في عمان. فدخلا في الإِسلام بعد مناقشات طويلة أجرياها مع عمرو بن العاص حول الإِسلام وجوهر دعوته وحقيقة أهدافه وأثر تعاليمه.
ومن جملة النقاش الذي دار بين عمرو بن العاص والملك (عبد) ملك عمان هذا الكلام .. قال (عبد) لعمرو .. متى تبعت محمدا (- ﷺ -).
قال عمرو: قريبا. فسألنى: أين كان إسلامي؟ . فقلت عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم. قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ . قلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة؟؟ قلت: نعم قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب. قلت: وما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي. قلت: بلى. قال: بأي شيء علمت يا عمرو؟ . قلت: كان النجاشي ﵁ يخرج له خراجا (١). فلما أسلم النجاشي وصدق بمحمد - ﷺ -. قال: لا والله ولو سألنى درهما واحدا ما أعطيته. فبلغ هرقل قوله. فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجًا ويدين دينًا محدثًا؟ . فقال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه، ما أصنع به، والله لولا الضن بملكى لصنعت كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو. قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرنى ما الذي يأمر به وينهى (أي النبي - ﷺ -)؟ قك: يأمر بطاعة الله ﷿ وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.
فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخي (جيفر) يتابعنى لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق له. ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا (أي تابعا). قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله - ﷺ - على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال: إن هذا الخلق حسن. قال عمرو: فأخبرته لما فرض رسول الله - ﷺ - من الصدقات في الأموال.
_________________
(١) وهذا يعني أن ملك الحبشة كان تابعًا للإِمبراطور هرقل.
[ ٧ / ١٤٩ ]
ويذكر عمرو بن العاص، أنه بعد هذا النقاش والبحث الذي دار بينه وبين الملك عبد (وكان حليما سهلا) وبعد ممانعة من حجاب الملك جَيفَر. أوصله (عبد) إلى أخيه جيفر. فسلمه عمرو كتاب رسول الله - ﷺ - ففضه فقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه (عبد) فقرأه، ثم قال (جَيفَر): ومن معه؟ فقلت: الناس قد رغبوا في الإِسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، فما أعلم أحد بقى غيرك في هذه الخرجة، وأنت إن لم تسلم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك (أي جماعتك) فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال.
قال: دعنى يومى هذا وارجع إليّ غدًا. فلما كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فرجعت إلى أخيه (عبد) فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلنى إليه. فقال: إني فكرت فيما دعوتنى إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلًا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ها هنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالًا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجى خلا به أخوه (عبد) - وكان حليمًا عاقلًا - قال عمرو: ثم أصبح فأرسل إليّ فأجاب إلى الإِسلام هو وأخوه جميعًا وصدقا، وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونًا على من خالفنى (١).
إسلام حمير في اليمن
أما ملك حمير في اليمن (وهو الحارث بن عبد كلال) فقد كتب إليه النبي - ﷺ - وإلى أخويه نعيم ومسروح كتابًا مع المهاجر بن أبي أمية هذا نصه "بسم الله الرحمن الرحيم: إلى الحارث ومسروح ونعيم بن كلال من حمير، سلم أنتم ما آمنتم بالله ورسوله. وإن الله وحده لا شريك له بعث موسى بآياته، وخلق عيسى بكلماته، قالت اليهود: (عزيز بن الله) وقالت النصارى: (الله ثالث ثلاثة، عيسى بن الله) (٢).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧٤ - ٣٧٥.
(٢) الوثائق السياسية ص ١٠٧.
[ ٧ / ١٥٠ ]
ولم يتردد ملوك حمير في الاستجابة لدعوة الإِسلام فعقب تسلمهم كتاب النبي - ﷺ -. بعثوا إليه وفدا بإسلامهم. وكان هذا الوفد مؤلفًا من (الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان) (١).
النجاشي الذي لم يسلم
أما الكتاب الذي بعثه النبي - ﷺ - إلى النجاشي ملك الحبشة يدعوه إلى الإِسلام مع عمرو بن أمية الضمرى. فهو ليس النجاشي أصحمة. الذي كان قد أسلم قبل الهجرة على يد جعفر بن أبي طالب. وإنما هو الذي تولى ملك الحبشة بعده. فهذا النجاشي لم يسلم. أثبت ذلك الإمام مسلم في صيحيحه من رواية أنس بن مالك. وأكده الإمام ابن حزم (٢).
أما النجاشي (أصحمة) فقد أسلم على يد جعفر بن أبي طالب قبل الهجرة، وبنصيحة من أصحمة هذا أسلم عمرو بن العاص "انظر قصة إسلام النجاشي على يد جعفر في سيرة ابن هشام في مظنه" غير أن هذا لا ينافي أن يكون عمرو بن أمية الضمري قد جاء بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي أصحمة المسلم. كما جاء بكتاب آخر من الرسول - ﷺ - إلى نجاشى الحبشة الذي لم يقبل الدخول في الإِسلام. وهو النجاشي الذي خلف أصحمة المسلم على الحبشة، لأن مجئ عمرو بن أمية الضمري بكتاب من رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي المسلم أمر متواتر بين أصحاب المغازي والسير.
ويذكر الدكتور محمد حميد الله في كتابه "الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة) نصوص كتب أربعة بعث بها النبي - ﷺ - إلى نجاشي الحبشة وقد تكون روايات مختلفة النص كتاب واحد. ونختار منها هذا النص. ثم نورد نص جواب الملك النجاشي أصحمة الذي أبلغ النبي - ﷺ - أنه قد آمن به وأسلم على، يد ابن عم النبي - ﷺ - جعفر بن أبي طالب.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٤٩٥ والوثائق السياسية ص ١٨٠.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣٧٠.
[ ٧ / ١٥١ ]
نص الخطاب النبوى إلى النجاشي
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم، أسلم أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإق أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذي جإءني، فإني رسول الله.
وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا، ونفرًا معه من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت نصحى ونصحت فاقبلوا نصحى والسلام على من اتبع الهدى) (١).
جواب الملك النجاشي على كتاب النبي - ﷺ -
وكما روى أصحاب المغازي عدة صيغ لكتب النبي - ﷺ - إلى النجاشي. كذلك أوردوا صيغا مختلفة لإِجابة الملك النجاشي على كتاب النبي - ﷺ - إليه. إلا أن كل التي صيغ تؤكد أن النجاشي أعلن إسلامه في كل هذه الصيغ ونحن نختار هذه الصيغة من أجوبة النجاشي وهي:
"بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله، من النجاشي الأصحم ابن أبجر.
سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإِسلام. أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت تفروقا (٢)، إنه كما قلت. وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه وأسلمت على يديه لله رب العالمين وقد بعثت إليك
_________________
(١) الوثائق السياسية ص ٧٥ وزاد المعاد ج ٣ ص ١٣٧ طبعة مطبعة السنة المحمدية.
(٢) التفروق. غلافة ما بين النواة والقشر.
[ ٧ / ١٥٢ ]
بابنى أرها بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله فإني أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك يا رسول الله" (١).
إسلام جبَلة بن الأيهم
وهناك ملوك وأمراء آخرون كتب إليهم النبي - ﷺ - يدعوهم إلى الإِسلام أو أرسل إليهم مبعوثين خاصين فأسلم أكثرهم. ومن أهم هؤلاء الملوك: جبلة بن الأيهم أحد ملوك غسان.
فقد ذكر المؤرخون أن الرسول - ﷺ - كتب إلى جبلة يدعوه إلى الإِسلام. وأن جبلة كتب إلى الرسول - ﷺ - يعلن إسلامه. إلا أن أحدا من المؤرخين لم يورد نصّ أي من الكتابين (٢).
مخاطبة الرسول - ﷺ - ملوك وأمراء الشرق الأوسط: بداية التحول في مجرى تاريخ المنطقة
ويمكن القول: إن نجاح النبي - ﷺ - (بحنكته وبعد نظره) في إقامة هدنة بينه وبين أقوى قوة وثنية تعاديه في جزيرة العرب (هي قريش) قد أعطته فرصة كبيرة تفرغ فيها لأن يسحق (أولًا) الوجود الاستعمارى اليهودى في خيبر. ثم مكنته هذه الفرصة من أن يجعل صوت دعوته يتخطى (بصفة رسمية) حدود جزيرة العرب. فيتصل بملوك الروم والفرس والحبشة. يدعوهم (من مركز القوة والثقة) إلى الدخول في الإِسلام والتحول من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق.
فكان بعث النبي - ﷺ - بكتبه مبعوثيه الخاصين إلى الملوك والأمراء داخل وخارج جزيرة العرب .. يعتبر نقطة تحول خطيرة في تاريخ حركة وفعالية
_________________
(١) زاد المعاد ج ٣ ص ١٢٨ وصبح الأعشى ج ٦ ص ٤٦٦ - ٤٦٧ والوثائق السياسية ص ٧٨.
(٢) طبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٦٥ والوثائق السياسية ص ٩٨ وقد ظل جبلة مسلمًا حتى ارتد عن الإسلام في خلافة عمر. وقصته مشهورة.
[ ٧ / ١٥٣ ]
ونشاط الدعوة الإِسلامية.
فقد كانت هذه الدعوة (حتى) صلح الحديبية مقتصرة (في تحركاتها السلمية ومعاركها الحربية) على مناطق محدودة من هذه الجزيرة الشاسعة هي مناطق بعض القبائل النجدية الواقعة شرقي المدينة ومنطقة الحجاز الوسطى والغربية بصفة رئيسية .. فقد كان الصراع بين الإِسلام والوثنية (حتى صلح الحديبية) إنما كان يدور بين النبي - ﷺ - من جهة، وبين قريش في منطقة الحجاز وقبائل غطفان في الشريط الغربي من منطقة نجد الشاسعة من جهة أخرى. بالإِضافة إلى القيام ببعض الدوريات الاستطلاعية على نطاق ضيق في مناطق مبعثرة في الشمال وبعض مناطق الحجاز الشرقية فقط.
أما بعد صلح الحديبية. وبعد القضاء على أقوى قوة مسلحة للمستعمرين اليهود في خيبر (آخر معقل لهؤلاء الدخلاء). فقد اتسع نشاط الدعوة الإِسلامية وازدادت فعالية حركاتها بشكل ملحوظ (سواء على صعيد التبليغ والإِنذار. أم على صعيد الحرب والقتال).
فبعد عقد صلح الحديبية لم يبق أمير أو ملك داخل الجزيرة العربية وخارجها في الشرق الأوسط إلا وتلقى من النبي - ﷺ - كتابًا يدعوه فيه إلى الإِسلام. ويحذره من مغبة رفض الاستجابة لداعى الله.
ولهذا يمكن القول: إن الكتب التي بعث بها الرسول - ﷺ - إلى ملوك وأمراء الشرق الأوسط كانت البداية التي هزت عروش وكراسى الملوك والأمراء الذين استكبروا فرفضوا دعوة الحق انتهت هذه البداية بما تعرضت له المناطق والممالك التي يحكمها هؤلاء الملوك والأمراء من أحداث خطيرة على يد الفاتحين المسلمين غيرت مجرى التاريخ كله لا في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم كله. على عهد الخلفاء الراشدين ومن أتى بعدهم من خلفاء وملوك الإِسلام الذين وصلت طلائع جبوشهم إلى قلب فرنسا وأبواب مدينة فيينا في النمسا ووارسو في الغرب وخليج البنغال وقلب الصين وأواسط روسيا في الشرق.
[ ٧ / ١٥٤ ]
- ٩ -
سرية شجاع بن وهب إلى هوازن .. ربيع الأول سنة ثمان للهجرة
هي دورية قتال قام بها شجاع بن وهب إلى هوازن. وكانت قبائل هوازن من أقوى القبائل التي ظلت في الحجاز ذات شوكة. تتربص بالمسلمين الدوائر. وكان النبي - ﷺ - بين الحين والحين يجس نبضها، ويحاول إرهابها وشن الغارة عليها داخل أراضيها. لئلا تطمع في المسلمين أو تظن بهم الضعف.
فرغم بعد ديار هوازن عن المدينة حيث تقع في الثلث الواقع بين الطائف ونجد ومكة. فإنه - ﷺ - كان يبعث بالسرايا تجوب خلال ديار هوازن. هذه التي خاضت فيما بعد ضد المسلمين أعنف معركة حربية شهدها العهد النبوى. وهي معركة حنين. التي التقى فيها اثنا عشر ألفا من المسلمين بعشرين ألفا من هوازن.
ففي ربيع الأول من سنة ثمان. بعث الرسول - ﷺ - بسرية قوامها أربعة وعشرون رجلا. بقيادة شجاع بن وهب إلى ديار بني عامر بهوازن شرقي الطائف. وأمره بأن يطأ أرضهم في غارة حربية.
فصدع القائد شجاع .. وتحرك برجاله. فصار يكمن النهار ويسير الليل. زيادة في الكتمان. وذلك أسلوب يتبعه كل قادة السرايا والدوريات الحربية في العهد النبوى ليضمنوا مباغتة العدو. لأن المباغتة في العرف العسكري (في كل زمان ومكان) تكون من أهم أسباب النجاح في تحقيق الأهداف.
نجاح الحملة
وقد نجح القائد شجاع في حملته وكان عامل الكتمان من أهم عوامل نجاحه. حيث صبح القوم في ديارهم على حين غفلة في منطقة السى. فاستولوا على إبل وشاء كثيرة. ولم يذكر المؤرخون أنهم لقوا في هذه الحملة قتالا. ويظهر أن المشركين هربوا (رعبا) من المسلمين، ولبعد المسافة بين
[ ٧ / ١٥٥ ]
المدينة وديار بني عامر. غابت السرية خمسة عشر يومًا.
النبي يطلق سراح النساء
وكان قد وقع في أيدى رجال شجاع بن وهب أثناء الغارة بعض النساء سبايا (١) فجاءوا بهن مع الغنائم إلى المدينة .. غير أن بني عامر الذين شُنت الغارة عليهم جاء منهم وفد إلى المدينة معلنين إسلامهم .. ثم كلموا رسول الله - ﷺ - في النساء السبايا. فكلم النبي - ﷺ - القائد شجاع بن وهب ورجال دوريته فيهن ورغب إليهم أن يردوهن إلى أهلهن ففعلوا جميعهم (٢).
- ١٠ -
سرية غالب بن عبد الله (٣) إلى الكديد (٤) .. صفر سنة ثمان للهجرة
وهي دورية قتال قوامها بضعة عشر رجلا قادها الأمير غالب بن عبد الله إلى ديار الوثنيين من بني الملوح (٥). وهم بطن من بني ليث (٦).
فقد كانت قبائل الساحل الغرلى (ما عدى غفار) في حالة حرب مع النبي - ﷺ -. وكان بنو الملوح قوة كبيرة. يخشى المسلمون أن تحدثهم أنفسهم بشن الغارة على المسلمين. أو الاعتداء عليهم في أية منطقة .. لهذا قرر النبي - ﷺ - كما هي طريقته في إخضاع القبائل الوثنية وتأديبها - أن ينقل
_________________
(١) سبى النساء واسترقاق الأسرى كنا قد بحثنا موضوعه ورددنا جميع الشبه التي بها طعن أعداء الإِسلام في الإِسلام لموقفه من الرق الحربى. في فصل خاص في كتابنا الرابع "غزوة بني قريظة" فليرجع إليه من يريد الإلمام بهذا الموضوع تفصيليًا.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٣ وطبقات ابن سعد ج ٢ ص ١٢٧.
(٣) انظر ترجمة غالب هذا فيما مضى من هذا الكتاب.
(٤) الكديد (بكسر أوله وثانيه) موضع بالحجاز على بعد اثنين وأربعين ميلًا من مكة بين عسفان وأمج (مراصد الاطلاع ج ٣ ص ١١٥٢).
(٥) بنو الملوح (بفتح اللام وتشديد الواو) بطن من بني ليث بن بكر من بني عبد مناة.
(٦) بنو ليث بطن من كنانة. وهم بنو ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. كانوا يقيمون بالقرب من الحرم.
[ ٧ / ١٥٦ ]
المعركة إلى ديار بني الملوح.
فكون كتيبة من أصحابه وأسند قيادتها إلى غالب بن عبد الله الذي كان قد قاد عدة حملات تأديبية ناجحة ضد الأعراب الوثنيين في العهد النبوى.
وكما هي أوامر الرسول - ﷺ - تحركات هذه الدورية من المدينة في شهر صفر. ولما وصل غالب بن عبد الله برجاله إلى قديد (١) على الساحل الغربي للجزيرة في جنوب الحجاز. التقت طليعة السرية برجل اسمه الحارث بن مالك بن البرصاء فألقت عليه القبض خشية أن يكون جاسوسًا للعدو.
اعتقلوه تحفظًا. وهو مسلم
وعندما ألقت الطليعة القبض على الحارث بن مالك .. احتج على اعتقاله لأنه إنما جاء يريد الإِسلام. ولكن قائد السرية. لم يكذبه. ولكنه أمر بالتحفظ عليه زيادة في الاحتياط قائلا: لا يضرك رباط ليلة إن كنت تريد الإِسلام. ثم أمر القائد بأن يشد الرجل وثاقًا. ويترك في حراسة أحد رجال السرية وهو سويد بن صخر (٢). وأمر غالب سويدًا بأن يضرب عنق الحارث إن نازعه. حيث قال له: إن نازعك فاحتز رأسه.
وقد وصف أحد أفراد هذه الدورية الحربية تحركات رجالها ناحية الكديد فقال:
ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس. فكمنا ناحية الوادي فبعثنى أصحابي ربيئة لهم فخرجت فأتيت تلا مشرفا على الحاضر (٣) يطلعنى عليهم. حتى أسندت فيه وعلوت على رأسه ثم انبطحت، فوالله إني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته والله إني لأرى على هذا التل سوادا ما رأيته عليه صدر يومى هذا. فانظرى إلى أوعيتك لا تكون
_________________
(١) قديد موضع في الحجاز قرب ساحل البحر وهو قريب من مكة. قاله في مراصد الاطلاع.
(٢) هو سويد بن صخر الجهني قال في الإصابة .. ذكر الطبري أنه أحد الأربعة الذين يحملون ألوية جهينة وشهد الحديبية.
(٣) الحاضر غير البادي. وهو القيم في مدينة أو قرية.
[ ٧ / ١٥٧ ]
الكلاب أخذت منها شيئًا، فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتى شيئًا فقال: ناولينى قومى ونبلى! فناولته قوسه وسهمين معهما. فأرسل سهما. فوالله ما أخطأ به جنبي فانتزعته فوضعته وثبت مكانى، ثم رمانى الآخر فخالطنى به أيضًا. فأخذته فوضعته وثبت مكانى فقال لامرأته: والله لو كان زائلة (١) لتحرك بعد لقد خالطه سهماى لا أبالك إذا أصبحت فاتبعيهما لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل خباءه وراحت ماشية الحى من إبلهم وأغنامهم فحلبوا وعطنوا (٢)، فلما اطمأنوا وهدأوا شننا عليهم الغارة فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية واستقنا النعم والشاء. فخرجنا نجدر قبل المدينة حتى مررنا بأبي البرصاء فاحتملناه. واحتملنا صاحبنا. وخرج صريخ القوم فجاءنا ما لأ قبل لنا به. ونظروا إلينا وبيننا وبينهم الوادي. وهم موجهون إلينا. فجاء الله الوادي من حيث شاء بماء ملأ جنبيه. وأيم الله ما رأينا قبل ذلك سحابًا ولا مطرًا. فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا وقد أسندنا في المشلل (٣) وفتناهم. فهم لا يقدرون على طلبنا. فما أنسى رجز أميرنا غالب.
أبي أبو القاسم أن تعز بني وذاك قول صادق لم يكذب
في خَضَلِ (٤) نباته مغلو لب صفر أعاليه كلون المُذْهب (٥)
- ١١ -
بعثة كعب بن عمير إلى ذات أطلاح. شهر ربيع الأول سنة ثمان للهجرة
وفي ربيع الأول من سنة ثمان للهجرة بعث رسول الله - ﷺ - كعب بن عمير مع أربعة عشر رجلا من أصحابه إلى ناحية الشمال خلف وادي
_________________
(١) (١» الزائلة. قال في نهہاية غريب الحديث: كل شيء من الحيوان يزول عن مكانه ولا يستقر.
(٢) عطنت الإبل: إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب أخرى. كذا قال في النهاية.
(٣) المشلل. ثنية مشرفة على قديد.
(٤) الخضل: النبات الأخضر.
(٥) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٢.
[ ٧ / ١٥٨ ]
القُرى. ولم يذكر أحد من المؤرخين السبب الذي اقتضى بعث هذا العدد القليل إلى مسافة أكثر من ستمائة ميل (حيث وصلت هذه البعثة إلى ذات أطلاح من أرض الشام خارج جزيرة العرب).
والذي يغلب على الظن أن كعب بن عمير وأصحابه. كانوا بعثة سلمية مهمتها التبشير بالإِسلام. كلف رجالها بارتياد الأراضي الشامية.
فقد ذكر المؤرخون أن كعب بن عمير تحرك بأصحابه من المدينة حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام. وهناك وجدوا جمعا من الناس (لم يحدد المؤرخون هويتهم ويظهر أنهم من الغساسنة المتنصرين) وكانوا كثيرًا .. فاعتدوا على أصحاب النبي - ﷺ - فدافع الأصحاب عن أنفسهم وقاتلوا القوم أشد قتال ولكن جميع الصحابة الأربعة عشر استشهدوا. ما عدا واحدًا منهم جرج نجا بنفسه أثناء الليل. وتحامل على نفسه حتى أتى المدينة فأخبر النبي - ﷺ -. وقد كان الذين اعتدوا على كعب بن عمير وأصحابه. كلهم من الفرسان جاءوا إليهم وأخذوهم على حين غرّة. وكان ابن عمير. قد جاء يدعوهم إلى الإِسلام. فكان جوابهم على الدعوة أن أمطروه وأصحابه وابلا من سهامهم وهاجوهم حتى أبادوهم.
ولما بلغ رسول الله - ﷺ - الخبر شق عليه وقرر أن يبعث قوة من أصحابه لتأديبهم. ولكنه عدل بعد أن بلغه أن هؤلاء المعتدين قد تحولوا إلى موضع آخر (١).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٣ ومغازى الوقدى ج ٢ ص ٧٥٢ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٢٧.
[ ٧ / ١٥٩ ]
الفصل الثالث معركة مؤتة (١)
• أسباب المعركة
• النبي يعين قادة ثلاثة للجيش
• أول جيش إسلامي يجتاز حدود الشام
• تعليمات الرسول - ﷺ - لقادة الجيش
• توقف الجيش في معان بعد تلقيه معلومات عن ضخامة قوات العدو
• تباين وجهات نظر القادة حول المصادمة
• الاتفاق على مصادمة الرومان
• معركة رهيبة
• مصرع قادة الجيش الإِسلامي الثلاثة
_________________
(١) مؤتة (بضم الميم وواو مهموزة ساكنة) قال ياقوت: قرية من البلقاء في حدود الشام. وهي من مشارف الشام وبها تطبع السيوف. وإليها تنسب السيوف المشرفية. وإلى ذلك يشير كثير عزة في شعره: إذا الناس ساموكم من الأمر خطة لها خطمة قيها السمام المشمل أبى الله للشم الأنوف كأنهم صوارم يجلوها بمؤتة صيقل
[ ٧ / ١٦١ ]
• خالد بن الوليد يتولى القيادة بعد هزيمة الجيش
• خالد ينقذ الجيش من خطر الإِبادة بمكيدة محكمة.
• النبي - ﷺ - يمنح خالدًا أول وأعلى وسام في الإِسلام تقديرا لهارته في الانسحاب.
• تقييم نتائج معركة مؤتة
• معركة ذات السلاسل امتداد لمعركة مؤتة
كانت فلسطين والبلقاء (١) امتدادا طبيعيا لجزيرة العرب وكانت منطقة الأردن (بصفة خاصة) هي التي تتاخم الحدود الطيعية لجزيرة العرب من الناحية الشمالية. وكانت الأردن (مثل فلسطين ولبنان) تسمى في ذلك العهد (بالشام) ضمن ممتلكات الإِمبراطورية الرومانية الشزدية (بيزنطا).
وعندما فكر النبي - ﷺ - في الاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط.
لدعوتهم إلى الإِسلام ونفذ هذه الفكرة كان على رأس هؤلاء الملوك (الملك هرقل ملك القسطنطينية) الذي وصله كتاب النبي - ﷺ - وهو مقيم بمدينة القدس التي حج إليها على قدميه شكرا لله على انتصاره الذي حققه على جيوش الفرس التي هزمها في المعارك التي دارت بين الفريقين في تلك الفترة.
وقد رأينا فيما مضى من هذا الكتاب كيف حاول هذا الإمبراطور العظيم إقناع القساوسة والبطارقة بالدخول في الإسلام. وكيف اعتنق هو الإسلام (كما يقول اليعقوبى) وكتم إسلامه.
_________________
(١) البلقاء قال في مراصد الاطلاع: كورة "أي مقاطعة" بين الشام ووادي القرى قصبتها "أي عاصمتها" عمان. وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة.
[ ٧ / ١٦٢ ]
الكومنولث البيزنطى
وكان من بين الملوك المرتبطين بتاج بيزنطا داخل ما يسمى بلغة اليوم (الكومنولث) أحد ملوك الغساسنة العظام هو الحارث بن أبي شمر الغساني. الذي كان مقره الجولان (١). وكان هذا الملك العربي المتنصر يحكم (باسم الرومان) منطقة الجولان وبُصرى وكل المناطق الممتدة جنوبا حتى حدود جزيرة العرب.
وكان لدى الحارث بن أبي شمر قسط كبير من الاستقلال كما أن لديه قوات حربية من العرب الغساسنة المتنصرين قدرها بعض المؤرخين بمائة ألف مقاتل.
وكان هؤلاء العرب المتنصرون محاربين ممتازين (كعرب). وزادهم ميزة أن ارتباطهم بتاج الإمبراطورية البيزنطية أكسبهم الشيء الكثير من الفنون والتنظيمات العسكرَية التي يتقنها ويمتاز بها جيش الإِمبراطورية الذي ظل عدة قرون يتنازع السيادة على العالم مع جيوش الإِمبراطورية الفارسية العريقة هي الأخرى في السيادة والملك وذات المهارة الفائقة في القتال.
اغتيال رسول النبي - ﷺ - إلى ملك بصرى والجولان
وكان النبي - ﷺ - قد بعث إلى ملك بصرى والجولان الحارث بن أبي شمر الغساني. بعث إليه أحد أصحابه بكتاب يدعوه فيه إلى الإِسلام. وهو الحارث بن عمير الأزدي. فاجتاز حدود الشام. وعند قرية (مؤتة) بالبلقاء التقى به شرحبيل بن عمرو الغساني أحد الأمراء العاملين للملك الحارث بن أبي شمر. فقال شرحبيل لرسول النبي - ﷺ -: لعلك من رسل محمد؟ قال نعم: فأوثقه شرحبيل رباطا ثم ضرب عنقه صبرا.
فقد روى الواقدي بسنده عن عمر بن الحكم. قال: بعث رسول الله - ﷺ - الحارث بن عمير الأزدي، إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة
_________________
(١) الجولان "بفتح الجيم" قال ياقوت: جبل في الشام ناحية حوران .. وكان موطن ملوك الغساسنة المرتبطين بالإمبراطورية البيزنطية.
[ ٧ / ١٦٣ ]
عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني. فقال: أين تريد؟ الشام قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم أنا رسول رسول الله - ﷺ -. فأمر به فأوثق رباطا، ثم قدّمه فضرب عنقه صبرا، ولم يُقتَلْ لرسول الله - ﷺ - رسول غيره فبلغ رسول الله - ﷺ - الخبر واشتد عليه (١).
اغتيال ١٥ من الصحابة على يد المرتزقة العرب في الشام
يضاف إلى ذلك أن جنودا من العرب المتنصرة التابعين للكومنولث البيزنطى. قد اعتدوا على بعثة سلمية دخلت أرض الشام تدعو العرب إلى الإِسلام. فقتلوا جميع أفرادها غدرا في ذات الطلح كما مر تفصيله فيما مضى من هذا الكتاب .. وكانت المنطقة التي قتل فيها الصحابة (وعددهم أربعة عشر) تقع جنوب الشام في البلقاء من الأردن ضمن ممتلكات التاج البيزنطى .. وهي منطقة يحكمها الحارث بن أبي شمر الغساني باسم الإِمبراطورية الرومانية الشرقية.
ويظهر أن كل هذه الاعتداءات الغادرة على أصحاب النبي - ﷺ - بالإِضافة إلى تهديد ملك غسان التنصر الحارث بن أبي شمر -المسلمين بالغزو حيث روى عنه أنه قال- بعد أن قتل رجال استخباراته صاحب النبي - ﷺ - ورسوله إلى الملك الحارث- إننى سائر إليه (أي النبي - ﷺ -) يظهر أن كل الاعتداءات والتهديدات بغزو الجزيرة واحتلال المدينة من قبل جيوش الإِمبراطورية الرومانية -على يد عميلها الحارث بن أبي شمّر- قد كان السبب الأكبر في غزوة (مؤتة).
فهذه الأعمال العدوانية إن سكت عليها المسلمون قد تمنح وزارة الحربية في القسطنطينية مزيدا من الجرأة على اجتياز حدود الجزيرة العربية لاحتلال عاصمة الإسلام (المدينة) لا سيما وأن القلق أخذ (بصورة جدية) يساور المتعصبين من بطارقة وقادة الإِمبراطورية الرومانية على أثر الموقف الإِيجابى الذي وقفه الملك (هرقل) من الكتاب الذي وجهه النبي - ﷺ - إلى هذا الإِمبراطور يدعوه فيه وشعبه إلى الدخول في الإِسلام.
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٦ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٦.
[ ٧ / ١٦٤ ]
فقد كانت تصرفات ملوك العرب المتنصرة المرتبطين بالتاج البيزنطى في جنوب وأواسط الشام وتصرفات أركان الإمبراطورية من الرومان- تشم منها رائحة العزم على القيام بغزو كاسح لاحتلال المدينة والجزيرة كلها. وجعلها إقليما جديدا تابعا للقسطنطنية. لا سيما وأن الجيش الروماني كان (إذ ذاك) يعيش نشوة انتصاره الساحق على جيوش الإمبراطورية الفارسية التي استعاد منها "بقيادة الإمبراطور هرقل" كل ما كان الفرس قد اغتصبوه من ممتلكات إمبراطورية بيزنط.
القرار الخطير
لذلك "والله أعلم" رأى النبي - ﷺ - أن لا بد من تجريد حملة عسكرية كبيرة تطأ أرض الشام غازية لتأديب أولئك الغادرين من العرب المتنصرة الدائرين ضمن فلك "الكومنولث البيزنطى" وليثبت المسلمون "عمليا" للسادة الرومان أنفسهم أن جزيرة العرب أمنع وأحصن من أن يفكر هؤلاء الرومان أو أعوانهم من الغساسنة في اجتياز حدودها.
ولتحقيق هذا الغرض استنفر النبي - ﷺ - ثلاثة آلاف من خيرة أصحابه للحرب. ولم يبين الغرض من هذا الحشد والاستنفار حتى خرج الجيش من المدينة وعسكر بالجرف (١) على بعد عدة أميال من المدينة. وهناك أخبر الجيش وقادته بأن عليهم أن يجتازوا حدود الجزيرة ويطأوا أرض الشام ويقاتلوا فيها أعداء الإِسلام الذين غدروا بأصحابه (٢).
تعيين قادة الجيش
وفي منطقة الجرف حيث عسكر الجيش، أصدر النبي والقائد الأعلى للجيش مرسومًا شفويًا، عين بموجبه قادة ثلاثة للجيش يتولون القيادة
_________________
(١) الجرف (بالضم ثم السكون) قال في مراصد الاطلاع: موضع على ثلاثة أميال من المدينة، نحو الشام. بها كانت أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة. والجرف أيضًا موضع بالحيرة في العراق. والجرف أيضًا موضع قرب مكة. كانت به وقعة بين هذيل وسليم. والجرف أيضًا موضع ناحية اليمامة. والجرف أيضًا موضع باليمن (مراصد الاطلاع ج ١ ص ٣٢٦).
(٢) انظر تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٦ ومغازي الواقدي ص ٧٥٦.
[ ٧ / ١٦٥ ]
بالتناوب الواحد بعد الآخر وهم "جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة".
فقد قال الرسول - ﷺ - في مرسومه: زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.
ثم أمر أن تكون مسألة قيادة الجيش بعد هؤلاء الثلاثة شورى بين وجوه القبائل وقادة الكتائب، لينتخبوا من يرتضونه قائدا عاما. فقال - ﷺ -: فإن قتل عبد الله بن رواحة، فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم (١).
معارضة جعفر تقديم زيد عليه في القيادة
وقد أبدى جعفر بن أبي طالب ما يمكن تسميته مراجعة لرسول الله - ﷺ - في تقديم زيد عليه في قيادة الجيش. فقد روى الحافظ البيهقي أن جعفر حين صدر مرسوم التعيين وثب وقال: يا رسول الله، ما كنت أرغب أن تستعمل زيد على قال - ﷺ -: امض فإنك لا تدرى أي ذلك خير. فامتثل زيد ومضى.
تحرك الجيش يوم الجمعة .. وفضل الجهاد
وقد روى الإمام أحمد أن تحرك الجيش إلى "مؤتة" كان يوم الجمعة قبل الصلاة. وأن عبد الله بن رواحة بعد مرابطة الجيش في ضواحي المدينة بالجرف. تخلف في المدينة ليصلى الجمعة مع النبي - ﷺ - فنبهه النبي - ﷺ - إلى أن الجهاد في سبيل الله أفضل شيء يقوم به المسلم.
فقد قال النبي - ﷺ - لابن رواحة -حين رآه تخلف عن الجيش- ما خلفك؟ قال: أجمع معك، فقال الرسول - ﷺ -: "لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها".
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٦ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤١ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٥.
[ ٧ / ١٦٦ ]
وفي رواية أخرى عن ابن عباس. أن النبي - ﷺ - قال لابن رواحة: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " فقال: أردت أصلى معك الجمعة، ثم ألحقهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم" وهذا الحديث -أيضًا- رواه الترمذي.
تاريخ تحرك الجيش إلى مؤتة وعدد قواته
وكان عدد الجيش الذي تم حشده للتحرك إلى (مؤتة) ثلاثة آلاف مقاتل وكان تحركه يوم جمعة من شهر جمادى الأولى عام ثمان للهجرة.
روى ذلك ابن إسحاق. قائلا: بعد عمرة القضية. أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة بقية ذي الحجة -وولى تلك الحجة المشركون- والمحرم وصفرا وشهرى ربيع، وبدث في جمادى الأولى بعثة إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة وقال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير. قال: بعث رسول الله - ﷺ - بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان.
عبد الله بن رواحة يستوصى من الرسول - ﷺ - ويتمنى الشهادة
كان القائد الثالث عبد الله بن رواحة من الزهاد العابدين وكان مع ذلك شاعرا مجيدا. وعندما ودّع النبي - ﷺ - والمسلمون الجيش. قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، مرنى بشيء أحفظه عنك، قال: إنك قادم غدا بلدًا، السجود فيه قليل، فأكثر السجود. قال عبد الله: . زدنى يا رسول الله. قال: اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب. فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبًا رجع إليه فقال: يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر. قال: يابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشرا أن تحسن واحدة. فقال ابن رواحة. لا أسألك عن شيء بعدها (١).
القائد عبد الله بن رواحة يبكى خوف النار
وروى ابن إسحاق. أن القائد عبد الله بن رواحة لما ودع مع من ودّع من أمراء رسول الله - ﷺ -. فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة؟ .
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٨.
[ ٧ / ١٦٧ ]
فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ آية من كتاب الله ﷿ يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١)، فلست أدرى كيف لي بالصدور بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين.
فقال عبد الله بن رواحة: يتمنى الشهادة.
لكننى أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا (٢)
أو طعنة بيدى حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا (٣)
حتى يقال إذا مروا على جدثى (٤) أرشده الله من غاز فقد رشدا
ثم أتى عبد الله بن رواحة رسول الله - ﷺ - وقد تهيأ الجيش للخروج فودعه ثم قال: يخاطب الرسول - ﷺ -.
فثبّت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة فراسة خالفت فيك الذي نظروا
أنت الرسول فيمن يُحرم نوافله والوجه منه فقد أزرى به القدر (٥)
ثم خرج القوم، وخرج رسول الله - ﷺ - حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة:
خلف السلام على امرئ ودّعته في النخل خير مشيع وخليل (٦)
_________________
(١) سورة مريم / آية ٧١.
(٢) ذات فرع .. ذات سعة. والزبد هنا، رغوة الدم.
(٣) مجهزة (بضم الميم وسكون الهاء وكسر الزاى) سريعة القتل.
(٤) الجدث (بفتح أوله وثانيه) القبر. وكذلك الجدف.
(٥) نافلة: هبة من الله تعالى، وعطية منه والنوافل العطايا. وأزرى به القدر. قال أبو ذر: قصر به.
(٦) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٥ - ١٦.
[ ٧ / ١٦٨ ]
مقالة أحد أحبار اليهود في تعيين القادة
وذكر الواقدي في مغازيه أن النعمان بن فنحص اليهودى كان حاضرا ساعة عيّن النبي - ﷺ - قادة الجيش على تلك الصيغة فقال: (أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلًا أو كثيرًا أصيبوا جميعا. إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن أصيب فلان. فلو سُمى مائة أصيبوا (أي قتلوا جميعا) ثم جعل اليهودى يقول لزيد بن حارثة: اعهد (أي أوص) فلا ترجع إلى محمد أبدا. إن كان نبيا! . فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بار.
خالد بن الوليد يغزو لأول مرة مع المسلمين
وكان خالد بن الوليد الفارس الشهور. جنديًّا ضمن هذا الجيش. فقد استنفر النبي - ﷺ - المسلمين في هذا الجيش. وخالد لم يمض على دخوله في الإسلام سوى ثلاثة أشهر. فمعركة مؤتة الطاحنة هذه. هي أول معركة يشترك فيها خالد بن الوليد مجاهدًا في سبيل الله. وعندما قتل القادة الثلاثة في المعركة (كما سيأتي) أسند وجوه الجيش قيادته إلى خالد. فقام بعملية انسحاب بارعة دلت على مهارف الحربية الفائقة. وقد أعطاه النبي - ﷺ - على نجاحه في الانسحاب بجيشه بانتظام ودونما خسارة تذكر. لقب سيف الله. وهو أول وسام يمنح لقائد في تاريخ الإسلام.
النبي يخطب في الجيش ويضع أعدل وأشرف قانون حرب في التاريخ.
وبعد تعيين القادة على الجيش. ألقى النبي - ﷺ - في الجيش خطابا تضمن أرقى قانون للحرب العادلة، قانون عجزت -حتى الآن- كل النظم والتشريعات أن تصل إليه من حيث الإنصاف في معاملة الأعداء واجتناب الأعمال اللاإنسانية من التعرض للنساء والأطفال والعجزة ورجال الدين بأي نوع من أنواع الأذى. ولأهمية هذا الخطاب الذي يعد أعظم دستور عادل للحروب العادلة. نورد نصه كاملًا.
[ ٧ / ١٦٩ ]
فقد قال النبي - ﷺ - لجيشه قادة وجنودا في هذا الخطاب "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا. اغزوا بسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا. ولا تقتلوا وليدا".
ثم وجه كلامه إلى القائد العام والمسئول الأول في الجيش قائلا: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث. فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام. فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين. يجرى عليهم حكم الله. ولا يكون لهم في الفئ ولا في القسمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن فعلوا فاقبل منهم. واكفف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين للناس فلا تتعرضوا لهم. وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص (١) فاقلعوها بالسيوف. ولا تقتلن امرأة ولا صغيرًا مرضعا ولا كبيرا فانيا. لا تغرقن نخلا ولا تقطعن شجرا ولا تهدموا بيتا (٢).
وقفة عند دستور الحرب الرائع
فيا لروعة الإيجاز مع الشمول الكامل .. توصيات في الآداب الحربية .. ودروس في الشرف العسكري. وأسس راسخة في العاملة الإنسانية والرأفة بغير المحاربين من النساء والشيوخ والأطفال .. وتربيات عالية شريفة ما سمعت ولا وعت أمة مثلها منذ فجر التاريخ حتى اليوم من غير سيد البشر محمد - ﷺ -.
_________________
(١) قال في نهاية غريب الحديث: المفحص مفعل من الفحص، ومفحص القطاة موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، أي أن الشيطان قد استوطن رؤوسهم فجعلها له مفاحص، كما تستوطن القطاة مفاحصها.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٨.
[ ٧ / ١٧٠ ]
إن أرقى الأمم في العهد الحاضر لا تزال في مجال محاولتها الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبو حبوا إذا ما قسنا محاولتها بما وضعه الرسول - ﷺ - في خطبته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري الذي بموجبه فرض الإسلام على المحارب المسلم أن يعامل به أعداءه في ظروف الحرب.
تصرف المسلم حجة للإِسلام أو عليه
لقد كان تطبيق صحابة محمد لهذا الدستور الحربى من أعظم الأسباب التي حببت الإسلام إلى نفوس غير المسلمين. فدخلوا فيه طائعين مختارين فرحين مستبشرين. لأنهم رأوا حقيقة الإسلام متمثلة في سلوك أولئك الأصحاب الكرام. الذين ربّاهم القرآن وأدبهم الرسول الكريم - ﷺ -.
وهكذا فالمنتسب إلى الإسلام (بسلوكه) يستطيع أن يسئ أو يحسن إلى هذا الدين، أمام من لا يعرفه على حقيقته.
المسلمون يودعون الجيش
وقد عقد الرسول - ﷺ - اللواء لقائد الجيش وكان لونه أبيض. ووقف المسلمون يودعون الجيش ويدعون لهم قائلين دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين.
وهكذا فصل من المدينة ثلاثة آلاف مقاتل من خيرة المحاربين المسلمين. وهو أكبر جيش يجتمع للنبي - ﷺ - تحت قيادة واحدة حتى ذلك اليوم.
جواسيس الرومان في المدينة يبلغونهم نبأ الغزو
وكان قادة الجيش يحاولون (كما هي طريقة الرسول) الكتمان وأخذ الأعداء في الشام على حين غرة. ولكن يظهر أن الطابور الخامس من اليهود والمنافقين في المدينة. قد طيروا خبر حشد المسلمين وتحركهم نحو الشام ليأخذوا حذرهم.
[ ٧ / ١٧١ ]
استخبارات الرومان في شمال الجزيرة
وكان شرحبيل بن عمرو الأزدي. عاملا للرومان على مناطق الشام الجنوبية المتاخمة للجزيرة العربية. فكان أول من تلقى من جواسيس الرومان في المدينة أنباء تحركات الجيش النبوى. فبعث إلى الرومان من يخبرهم خبر تحرك المسلمين نحو الشام. ثم أخذ في حشد الجيوش من القبائل الموالية للرومان في جنوب الشام. وفي الوقت نفسه بعث أخاه سدوس طليعة مع بعض رجاله، يستكشفون له خبر الجيش الإسلامي.
أما جيش الإسلام فقد واصل تحركه حتى نزل وادي القرى فاستراح به أياما، ثم واصل تحركه نحو الشمال.
مقتل أخي قائد الأعداء
وقد التقت طلائع الاستكشاف في الجيش الإسلامي بسدوس وفصيلة استخباراته فاشتبكت معهم داخل الجزيرة (وهم يقومون بالتجسس على ما يظهر) فتمكن المسلمون من قتل سدوس. أخي القائد العميل لرومان (شرحبيل بن عمرو الذي أعدم رسول النبي - ﷺ -).
فخاف شرحبيل خوفا شديدا (بعد مقتل أخيه) وتحصن. ثم طلب النجدة من القيادة الرومانية العليا التي كانت موجودة مع الإمبراطور (هرقل) في بيت القدس. فسارعت هذه القيادة إلى نجدة شرحبيل بن عمرو بقوات كثيفة جدًّا.
عدد الجيش الروماني
وذكر الواقدي أن الرومان قد حشدوا لملاقاة المسلمين مائة ألف مقاتل كلهم من مرتزقة العرب المتنصرة (بلى وبهراء ووائل وبكر ولخم وجذام) وغسان وإن مكان تجمع هؤلاء، المرتزقة كان بلدة (مآب) (١) وكان قائدهم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٠.
[ ٧ / ١٧٢ ]
رجلا يقال له: ما لك. وهو من قبيلة بلى (١).
هل الملك هرقل هو الذي قاتل المسلمين في مؤتة
كما أن الرومان أنفسهم قد حشدوا "لمقاتلة المسلمين" أيضًا مائة ألف رومانى احتشدوا تحت قيادة الإمبراطور "هرقل نفسه" الذي عسكر هو الآخر في بلدة "مآب" (٢). وبعض المؤرخين يذكرون أن الذي زحف بالمائة الألف الروماني لملاقاة المسلمين هو تيودور أخو الإمبراطور "هرقل" وهذا أقرب إلى الصواب. لأن الملك "هرقل" تدل تصرفاته "منذ جاءه كتاب النبي - ﷺ - " على أنه لا يرى مقاومة المسلمين. وإنما يرى الدخول في دينهم أو إعطاءهم الجزية. كما جاء ذلك مفصلًا في تاريخ الطبري.
توقف المسلمين في معان للتشاور
أما الجيش الإسلامي. فقد واصل التحرك من وادي القرى فاجتاز حدود الجزيرة عند تبوك وتوغل في أراضى الشام حتى وصل بلدة "معان" من إقليم البلقاء في الأردن. هناك تلقى القائد العام زيد بن حارثة تقريرًا من استخباراته العسكرية التي كان قد بعث بها إلى أرض العدو للحصول على المعلومات اللازمة .. وفي هذا التقرير رأى أن الرومان يتحركون في مائتى ألف مقاتل تسندهم عشرات الآلاف من سلاح الفرسان وأن مكان تجمعهم هو منطقة مآب.
وعند الإحاطة بهذا التقرير الخطير قفز أمام القائد العام سؤال: (هل يمكن لثلاثة آلاف مقاتل أن يصمدوا ويثبتوا في وجه مائتى ألف مقاتل. فضلا عن أن يهزموهم ويتغلبوا عليهم).
ولم يتسرع القائد العام المسئول عن هذا الجيش الصغير في الإجابة على
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣، ص ٣٧.
(٢) قال البقاعي في مراصد الاطلاع ج ٣ ص ١٢١٦: مآب (بوزن معاب) مدينة في طرف الشام من نواحى البلقاء.
[ ٧ / ١٧٣ ]
هذا السؤال. بل -ليسمع الإجابة القاطعة على هذا السؤال الخطير- دعا جميع أمراء الجيش وقادة الكتائب ورؤساء القبائل إلى اجتماع عاجل لبحث هذا التطور الخطير الذي لم يكن منتظرا.
المجلس العسكري في معان
وفي هذا المجلس العسكري الذي حضره كل قادة الجيش عرض القائد العام كامل التفاصيل التي نقلها إليه جهاز اختباراته العسكرية عن مدى قوة العدو ومكان تجمعه. وطلب منهم في هذا المجلس أن يتخذوا قرارا حاسما لمواجهة الموقف الخطير. فالرومان ومن تابعهم من المرتزقة قد احتشدوا في جيش لجب جرار قوامه مائتا ألف مقاتل، بينما جيش الإسلام لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل.
اختلاف قادة الجيش في معان
وأثناء اجتماع قادة الجيش الإسلامي لبحث الموقف انقسم القادة إلى قسمين.
قسم يرى التريث وعدم مصادمة الرومان حتى يشعروا النبي - ﷺ - بحقيقة الوضع الحرج الذي يواجهونه ويطلبوا منه المدد. ويستأذنوه في مصادمة هذه الجيوش الهائلة. لأن هذا الفريق يرى أن اشتباك ثلاثة آلاف في معركة حاسمة مع مائتى ألف مقاتل يمثل أخطر مغامرة في تاريخ الحروب. ولهذا رأى التأنى والتريث حتى يأتي القول الفصل من النبي والقائد الأعلى للجيش في المدينة.
أما الفريق الثاني. فقد كان يرى المضى والإسراع بمصادمة العدو (أيًا كانت النتائج) أليس كلا الأمرين (النصر أو الشهادة) فوز للمسلم المجاهد في سبيل الله؟ . فلتكن المصادمة إذًا. فالفوز مضمون حسب مقاييس مفهوم الجهاد عند المسلمين.
وكان النائب الثاني للقائد العام (عبد الله بن رواحة الأنصاري) على
[ ٧ / ١٧٤ ]
رأس الفريق من القادة المتحمسين للصدام الفورى مع العدو دون استطلاع رأى القيادة العليا في المدينة أو حتى انتظار المدد منها.
لأن هذا الفريق يرى أن الرومان وحلفاءهم ومرتزقتهم (وقد أصبحوا على مقربة منهم) لن يتركوا المسلمين حتى يتصلوا بالمدينة. بل سيهاجمونهم بأسرع ما يمكن. لا سيما وأن الجيش الإسلامي قد أصبح متوغلا مسافة أكثر من خمسين ميلًا داخل الشام. التي يعتبرها الرومان إحدى ممتلكات إمبراطوريتهم العظيمة التي ترى نفسها أقوى دولة في العالم.
وكان المنطق (من الناحية العسكرية) إلى جانب الفريق الثاني. لأن جيش الإسلام وقد أصبح على مسافة قريبة من. مكان تجمع الجيوش الرومانية- يحتم عليه الظرف العسكري الخطير القائم القيام بأحد أمرين لا ثالث لهما.
إما التراجع والعودة إلى جزيرة العرب دون أن يلقى المسلمون عدوهم .. وهذا ما لا يمكن فعله أبدًا لأنه ليس في تعليمات القائد الأعلى النبي شيء يمكن الاستناد إليه لتبرير هذا التراجع.
وإما الصدام الفورى مع الرومان الذين إن لم يسارع المسلمون إلى مصادمتهم سيقومون "هم" بالهجوم على المسلمين حيث توقفوا في مدينة معان.
اتفاق أركان الجيش على مصادمة الرومان
وبعد نقاش وبحث ومداولة بين هيئة أركان حرب الجيش استمرت في معان يومين كاملين. مالت الأكثرية من هيئة الأركان إلى الأخذ بالرأى الداعى إلى الصدام الفورى دونما الرجوع إلى المدينة لتلقى التعليمات منها من جديد.
وكان لموقف النائب الثاق للقائد العام "عبد الله بن رواحة الأنصاري" الأثر الأكبر في اتخاذ هيئة أركان الجيش قرارًا حاسمًا إجماعيًا. بمصادمة الجيوش الرومانية صداما فوريا ودونما أيّ تردد.
[ ٧ / ١٧٥ ]
كلمة ابن رواحة في اجتماع هيئة الأركان
ففي اليوم الثاني وفي آخر جلسة لأمراء الجيش ورؤساء القبائل وقف عبد الله بن رواحة الأنصاري شارحا وجهة نظره وداعيا الناس إلى عدم التردد في الصدام الفورى مع العدو فقال: "يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان. ويوم أحد فرس واحد. فانطلقوا بنا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور عليهم فذلك الذي وعدنا نبينا. وليس لوعده خلف وإما الشهادة. فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان (١).
ورغم ما في دعوة القائد عبد الله بن رواحة من مغامرة خطيرة فقد أثرت كلماته البليغة في نفوس الجيش وأثارت حماسهم فوافقه جميع الأمراء والقادة قائلين: صدقت وهكذا أجمعوا على الأخذ بالرأى القائل بمصادمة الجيوش الرومانية مهما كانت النتائج.
وعقب هذا القرار الذي اتخذته هيئة أركان حرب الجيش الإسلامي في "معان" أصدر القائد العام زيد بن حارثة أوامره إلى فرق الجيش وكتائبه بالتحرك لملاقاة الرومان والعرب المتنصرة في البلقاء من أرض الشام.
وفي الوقت نفسه كان الرومان والعرب المتنصرة يتحركون بقواتهم الهائلة لملاقاة المسلمين ومهاجمتهم بقيادة القائد تيودور أخي الإمبراطور.
وقد التقى المسلمون بجموع الرومان والعرب المتنصرة عند تخوم البلقاء. حيث وجدوا الرومان معسكرين في قرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف.
وصف أئمة التاريخ ما حدث في معان من اختلاف وجهات النظر
قال القريزى في كتابه "إمتاع الأسماع ص ٣٤٧": ومضى المسلمون،
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٧ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٠.
[ ٧ / ١٧٦ ]
وقد أمرهم رسول الله - ﷺ - أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير وسمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم. فقام رجل من الأزد يقال له: شرحبيل بن عمرو الغساني. وقدم الطلائع أمامه، وبعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين فلقوا المسلمين بوادى القرى فقاتلوه وقتلوه ونزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل "مآب" من البلقاء في مائة ألف من الروم، ومعه من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام مائة ألف" عليهم رجل من بلى يقال له مالك "بن رافلة".
فأقاموا ليلتين، وأرادوا أن يكتبوا إلى الرسول - ﷺ - بالخبر ليردهم أو يزيدهم رجالا، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان ويوم أحد فرس واحد، فإنما هي إحدى الحسنيين .. إما ظهور "أي نصر" عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعد نبينا، وليس لوعده خلف وإما الشهادة فنلحق بالإخوان في الجنان فشجع الناس ومضوا إلى مؤتة، فرأوا المشركين ومعهم ما لا قبل لهم به من العدد والسلاح والكراع، والديباج، والحرير، والذهب. قال أبو هريرة: وقد شهدت ذلك فبرق بصرى فقال ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة مالك؟ كأنك ترى جموعا كثيرة. قلت: نعم، قال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة.
وعن ابن إسحاق "في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٧ وما بعدها" ثم مضى "أي المسلمون" حتى نزلوا معان فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض الشام في مائة من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة، يقال له: مالك بن رافلة.
فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا نكتب إلى رسول الله - ﷺ -، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال. وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضى له.
[ ٧ / ١٧٧ ]
فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتى خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة لا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا بنا فإنما هي إحدى الحسنيين. إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس. فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك.
جلبنا الخيل من أجأ وفرع تغرّ من الحشيش لها العكوم (١)
حذوناها من الصوان سبتا أزلّ كأن صفحته أديم (٢)
أقامت ليلتين على معَان فأعقب بعد فترتها جموم (٣)
فرحنا والجياد مسومات تنفس في مناخرها السموم (٤)
فلا وأب مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم (٥)
فعبأنا أعنتها فجاءت عوابس والغبار لها بريم (٦)
بذى لجب كأن البيض فيه إذا برزت قوانسها النجوم (٧)
فراضية المعيشة طلقتها أسنتها فتنكح أو تئيم (٨)
_________________
(١) أجأ: أحد جبل طي، والآخر سلمى، وفرع (بفتح الفاء وسكون الراء): موضع من وراء الفرك. وقال ياقوت: الفرع أطول جبل بأجأ وأوسطه. وتغر: تطعم شيئًا بعد شيء. والعكوم: جمع عكم (بفتح العين) وهو الجنب.
(٢) حذوناها. قال أبو ذر: جعلنا لها حذاء؛ وهو النعل. والصوان حجارة ملساء واحداتها صوانة. والسبت: النعال التي تصنع من الجلود، يصون حوافرها.
(٣) فترتها (أي ضعفها) وفترت الرجل، إذا أصيبت بالخدر. الجموم: اجتماع القوة والنشاط بعد الراحة.
(٤) مسومات: مرسلات. والسموم (بفتح السين): الريح الحارة.
(٥) مآب: اسم مدينة في أطراف الشام ناحية الجنوب من نواحى البلقاء.
(٦) قال أهل اللغة: البريم (بفتح الباء كسر الراء) هو في الأصل: خيطان أحمر وأبيض تشدهما المرأة على وسطها وعضدها، وكل ما فيه لونان مختلفان فهو بريم أيضًا. يريد ما علا الخيل من غبار فخالط لونه يونها.
(٧) ذي لجب: أي جيش: واللجب اختلاط الأصوات وكثرتها، والبيض ما يوضع على الرأس من الحديد للحرب، والقوانس جمع قونس، وهو أعلى البيضة.
(٨) تئيم: تبقى دون زوج. يقال: آمنت المرأة إذا لم تتزوج. كذا قال أبو ذر.
[ ٧ / ١٧٨ ]
وقال الأشخر اليمنى في بهجة المحافل "ج ١ ص ٣٩٠": روينا في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر. قال أمر رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين ما بين طعنة ورمية، وكان من خبرهم في غزوتهم أنهم لما بلغوا "معان" بلغهم أن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة -لخم وجذام والقين وبهراء وبلى- وكان المسلمون ثلاثة آلاف، فتشاوروا أن يراجعوا رسول الله - ﷺ - فيأمرهم بأمره فشجع الناس عبد الله بن رواحة. وقال: يا قوم إنما هي إحدى الحسنيين إما نصر وإما شهادة. فقال الناس: صدق عبد الله فمضوا حتى التقوا بمؤتة.
وقال ابن سعد في الطبقات الكبرى "ج ٢ ص ١٢٨": فلما فصلوا "أي المسلمون" سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف وقدّم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون "معان" من أرض الشام وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب لرسول الله - ﷺ - فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضى، فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فالتقى المسلمون والمشركون.
وقال الواقدي: في كتابه الغازى "ج ٢ ص ٧٥٩": ومضى المسلمون من المدينة، فسمع العدو بمسيرهم قبل أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير. فلما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا الجموع. وقام فيهم رجل من الأزد يقال له شرحبيل، بالناس. وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون وادي القرى، وأقاموا أياما، وبعث أخاه سدوس، وقُتل سدوس وخاف شرحبيل بن عمرو فتحصن، وبعث أخا له يقال له وبر بن عمرو. فسار المسلمون حتى. نزلوا أرض "معان" من أرض الشام. فبلغ الناس أن
[ ٧ / ١٧٩ ]
هرقل قد نزل "مآب" من أرض البلقاء في بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام في مائه ألف عليهم رجل من بلى يقال له مالك، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ - فنخبره الخبر، فإما يردنا وإما يزيدنا رجالًا. فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم ابن رواحة فشجعهم ثم قال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد. ولا بكثرة سلاح. ولا بكثرة خيول إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واحد، وإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا، وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان فشجع الناس على مثل قول ابن رواحة.
تحصن المسلمين في مؤتة
لا شك أن قائد جيش المسلمين زيد بن حارثة وهيئة أركان حربه (بعد أن بلغهم عدد الجيش الروماني ومسانديه من العرب المتنصرة) وقد وضعوا في حسابهم (وهم يرسمون الخطة للمعركة) أسلوب التطويق الذي قد يلجأ إليه القائد الروماني (تيودور) ليسهل عليه القضاء على المسلمين إما بإبادتهم أو إجبارهم على الإستسلام.
وفي حساب المقاييس الحربية العادية المجردة ليس من الصعب بل من أيسر الإجراءات -على مائتى ألف مقاتل مجهزة أحسن تجهيز ومسلحة أحسن تسليح. أن تقوم بتطويق ثلاثة آلاف وإبادتها عن آخرها. أو إجبارها على الاستسلام .. ذلك منطق عسكرى لا غبار عليه .. وذلك دونما شك هو الذي على أساسه يكون القائد الروماني (تيودور قد وضع خطه للمعركة التي ما كان يتصور أنها ستدوم أكثر من ساعة أو بعض ساعة- يتم فيها لجيشه العرمرم اللجب (مائتى ألف مقاتل) أن يمحو من الوجود جيش المسلمين الصغير جدا (ثلاثة آلاف مقاتل).
ولا أعتقد أن أحدا يستطيع مناقشة القائد الروماني (تيودور) عند ما يقرر (سلفا) أن الفناء الكامل لجيش الإسلام في البلقاء أو الاستسلام حتى
[ ٧ / ١٨٠ ]
آخر جندى على قيد الحياة هو النتيجة الحتمية للمعركة التي غامر قادة الجيش الإسلامي "وكلمة مغامرة هنا تستوفى كل معانيها" عندما قرروا خوضها. بعد علمهم (مفصلًا) بحقيقة أعداد جيش الرومان الهائلة الغامرة.
ففي الجيش الروماني ومن يسانده من عرب (الكومنولث البيزنطى) أعنى العرب المتنصرة. ما لا يقل عن خمسين ألف فارس. يتبعهم مائة وخمسون ألف مقاتل من المشاة كلهم غائص في الحديد يتسربلون أحسن الدروع ويعتمرون أجود الخوذات. فالجيش الروماني من مختلف الأجناس كان "حتى يوم معركة مؤتة" من أحسن وأكمل جيوش العالم دربة وتسليحا.
ولكي يجنب القائد الإسلامي زيد بن حارثة جيشه الصغير خطر التطويق وقطع خط الرجعة أثناء القتال. انحاز إلى قرية يقال لها "مؤتة" وعسكر فيها لتكون حائلا بين الرومان وبين ما يهدفون إليه من إتباع أسلوب التطويق .. وقد تحصن جيش المسلمين في قرية مؤتة.
التعبئة للقتال
وبعد الانحياز إلى قرية "مؤتة" والتحصن فيها. قام زيد بن حارثة "القائد العام" بتعبئة جيشه أحسن تعبئة.
وقد جعل القائد زيد على ميمنة الجيش سيدًا من سادات بني عذرة. وهو قطبة بن قتادة .. (١)
_________________
(١) قال ابن حجر في الإصابة: قطبة بن قتادة العذرى: ذكره ابن إسحاق فيمن شهد مؤتة وأنشد له فيها شعرًا، وجوز ابن الأثير أن يكون هو قطبة بن قتادة السدوسى، وفيه قال ابن إسحاق: فالتقى الناس عند قرية يقال له: مؤتة، وجحل المسلمون على ميمنتهم رجلًا من بني عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة. وذكر الواقدي بسند له إلى كعب بن مالك عن نفر من قومه قال لما انكشف الناس جعل قطبة بن قتادة يصيح يا قوم يقتل الرجل مقبلًا خير من أن يقتل مدبرًا، وأنشد شعرًا قاله يفتخر بقتله ياسيمة القوم، وذكر الكلبى هذه القصة نحو هذا، لكن قال: فقال قتادة بن قطبة وأنشد له الشعر المذكور. اهـ. قلت: وكان قطبة بن قتادة العذرى هذا هو الذي قتل=
[ ٧ / ١٨١ ]
وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري (١).
أما القلب فقد تمركز فيه القادة الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري.
حراجة موقف المسلمين بمؤتة
أما جيوش الرومان والعرب المتنصرة والمرتزقة الإغريق. فقد أخذت تتدفق على (مؤتة) حيث يتحصن الجيش الإسلامي أَخذت تتدفق في زهو وخيلاء وغرور. وكأنها أمواج بحر متلاطم. وجيش الإسلام الصغير المرابط في (مؤتة) كأنه جزيرة صغيرة مهددة بالغرق في محيط ذلك البحر المتلاطم من الكتائب الرومانية ومسانديها من غير الرومان.
حقًّا لقد كانت الحالة (بالنسبة للمسلمين) حالة مخيفة مفزعة تثير الخوف والرعب كلب وتزيغ العقول والأبصار.
ولقد عبر أبو هريرة (٢) -وكان ممن حضروا معركة مؤتة- عبر عن
_________________
(١) = قائد قوات العرب المتنصرة في جيش الرومان (مالك بن رافلة). قال ابن إسحاق: وقد كان قطبة بن قتادة العذرى، الذي كان على ميمنة المسلمين، قد حمل على مالك بن رافلة فقتله. فقال قطبة بن قتادة في ذلك (شعرًا). طعنت ابن رافلة بن الأرا ش برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة فمال كما مال غصن المسلم وسقنا نساء بني عمه غداة رقوقين سوق النعم
(٢) لم يذكر ابن حجر في الإصابة حين ترجم له، أكثر من قوله: عباية بن مالك الأنصاري. ذكر ابن إسحاق وقال: إنه كان على ميسرة المسلمين يوم (مؤتة) وقال ابن هشام: يقال له عبادة.
(٣) أبو هريرة: اسمه عبدتهم بن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس. فهو دوسى "ودوس قبيلة عدنانية من قيس عيلان" وقد سمى النبي - ﷺ - أبا هريرة (عبد الرحمن) لأن اسمه الأول اسم جاهل وسبب تسميته أبا هريرة أنه -روى الترمذي- كان يرعى غنم أهله، وكانت له هرة صغيرة قال: فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معى فلعبت بها فكنونى بها. أسلم أبو هريرة عام سبع من الهجرة. قدم المدينة والرسول - ﷺ - يحارب اليهود في خيبر فالتحق به، وحضر معركة خيبر. أجمع أهل الحديث على أن أبا هريرة أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله - ﷺ -. روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر. (كذا قاله ابن حزم في جوامع السير). وقد=
[ ٧ / ١٨٢ ]
هذه الحقيقة المفزعة كما ذكره المقريزى الذي قال يصف الموقف الحرج؟ (فرأوا المشركين -يعني المسلمين- ومعهم ما لا قبل لهم به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب. قال أبو هريرة: وقد شهدت ذلك فبرق بصرى. فقال ثابت بن أقرم (١): يا أبا هريرة ما لك؟ . كأنك ترى جموعا كثيرة! ! قلت: نعم. قال: لم تشهدنا ببدر إننا لم ننصر بالكثرة (٢).
_________________
(١) = طعن أعداء الله الحاقدون على الإسلام في أبي هريرة. وشككوا الناس في صحة أحاديثه. وتبعهم على ذلك المرضى بمركب النقص من المفتونين بهم العربي والتي (منذ قامت وأسست) وهي منبر للطعن في الإسلام والتشكيك فيه والحط من قدر رجاله (انظر العدد الأول والثاني من هذه المجلة المشبوهة).ولكن الطعن في أحاديث أبي هريرة. بل والطعن في الإسلام ذاته لا يمكن أن يكون ذا أثر فعال على جوهر هذا الدين ومسيرته الظافرة. فالإسلام رغم التجنى عليه والطعن فيه بأقلام ينتسب حاملوها إليه فإنه يشق طريقه بنفسه إلى القلوب التي يدخلها دون تبشير ولا مبشرين. العودة إلى المنطلق: كان أبو هريرة من العباد: أخرج أحمد في مسنده، أن أبا هريرة وامرأته وخادمه يقسمون الليل (لقيامه) أثلاثًا، يصلى هذا ثم يوقظ هذا. كان أبو هريرة من ولاة عمر بن الخطاب الموثوقين. فقد ولاه البحرين، وقدم المدينة ومعه عشرة آلاف درهم. فأجرى عمر التحقيق معه. وقال له: استأثرت بهذه الأموال. فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت أو عطية تتابعت فتحرى الخليفة الفاروق ما قاله أبو هريرة فوجده صحيحًا. ثم دعاه الخليفة ليكون عاملًا له فأبى. فقال عمر: لقد طلب العمل من هو خير منك. قال أبو هريرة: إنه نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا أن أقول بغير علم أو أقضى بغير حكم، ويضرب ظهرى ويشتم عرضى وينزع مالى. توفى أبو هريرة عام تسعة وخمسين وله من العمر ثمانون سنة.
(٢) هو ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوى (نسبة إلى بلى) حليف الأنصار. ذكره موسى بن عقبة في البدريين. أجمع أهل المغازي على أن ثابت بن أقرم استشهد في عهد الخليفة الصديق. قتله طليحة بن خويلد الأسدي أثناء فتنة ادعائه النبوة. قتله هو وعكاشة بن محصن. عندما كانا يقومان بالاستطلاع لخالد بن الوليد وهو زاحف بجيش الخلافة لخوض معركة بزاخة التاريخية مع حشود المرتدين التي جمعها طليحة بن خويلد. روى أن الخليفة الفاروق، قال لطليحة (بعد أن تاب وعاد إلى الإسلام) كيف أحبك وقد قتلت الصالحين، عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم؟ فقال طليحة: أكرمهما الله بيدى ولم يهنى بأيديهما.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٣٤٧. وبرق -بفتح أوله وكسر ثانيه: دهش فلم يبصر وتحير فلم يطرق من فزع وحيرة. والكراع بضم الكاف كناية عن الخيل.
[ ٧ / ١٨٣ ]
ولا لوم على أبي هريرة (كبشر) أن يصل به الخوف إلى تلك الدرجة من الذهول .. إن الإنسان عندما يقيس الموقف في "مؤتة" بالمقاييس العسكرية التقليدية. يأخذ العجب منه كل مأخذ: كيف يتورط ثلاثة آلاف مقاتل في مصادمة مائتى ألف مقاتل يفوقونهم في كل شيء مادى؟ .
لقد كان على كل جندى مسلم أن يقاتل في (مؤتة) سبعين من جنود الجيش الروماني.
لقد كان بوسع قادة الجيش الإسلامي الصغير أن يعودوا بالجيش إلى المدينة عند ما تلقوا وهم في (معان) تقارير استخباراتهم العسكرية عن الحشود الرومانية الهائلة تلك. ولو عادوا أدراجهم لما كان عليهم من لوم .. ولكنهم -مع استطاعتهم التراجع دونما قتال- قرروا الاصطدام بالجيش الروماني. فزحفوا حتى اصطدموا به.
أكبر مغامرة حربية في التاريخ
حقا إنها لأكبر مغامرة حربية في التاريخ "دونما جدال" تلك التي أقدم عليها قادة الجيش الإسلامي الصغير في "مؤتة".
ففي القوانين والأعراف العسكرية بين الأمم الأخرى يعتبر ما أقدم عليه قادة الجيش النبوى في "مؤتة" بالشام- ضربا من الانتحار. تعاقب عليه القوانين العسكرية.
فلو أقدم على ما أقدم عليه زيد بن حارثة وهيئة أركان حربه المسئولون في "مؤتة" قائد عسكرى في جيش نظامى في هذا العصر لقدم للمحاكمة العسكرية بتهمة تعريض جنوده لموت محقق. فثلاثة آلاف مقاتل لا تسمح القوانين العسكرية لمن يقودهم أن يواجه بهم مائتى ألف مقاتل. مع قدرته على تجنب هذه الواجهة.
ولكن الحال يختلف بالنسبة للمسلمين "ونعنى المسلمين الذين ينطلقون
[ ٧ / ١٨٤ ]
في قتالهم من منطلق مفهوم الجهاد في الإسلام" وهو المفهوم الذي على أساسه دخل القادة "زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب. وعبد الله بن رواحة" معركة مؤتة. وخاضوا، أتونها بثلاثة آلاف مقاتل ضد مائتى ألف مقاتل.
فالموت في سبيل الله هو غاية ما يتمنى المسلم الصادق. لأنه موقن أن موته في سبيل الله سينتقل به إلى حياة في الدار الآخرة حيث الخلود في النعيم الذي لا يمكن وصفه أو تصوره.
ومن هذا المنطلق كانت دعوة عبد الله بن رواحة الذي حث قادة الجيش وشجعهم حينما ترددوا في "معان" على مصادمة الجيش الروماني رغم تفوقه الساحق حينما أشار إلى أن موتهم مجاهدين في سبيل الله إنما يعني الالتحاق بإخوانهم الشهداء في جنات النعيم، وهذا غاية ما يتمنى المسلم فلماذا الخوف والتردد إذن؟ .
نشوب المعركة الطاحنة
كان القادة الثلاثة لجيش الإسلام (زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب. وعبد الله بن رواحة) في الصف الأول وفي القلب. وذلك هو الأسلوب المتبع عند المسلمين لخوض المعارك. القائد العام وهيئة أركان حربه (دائما) يكونون في القلب في الصف الأول في مواجهة العدو.
لقد كانت معركة "مؤتة" معركة رهيبة وكان إقدام المسلمين على خوضها مع ذلك التفاوت العظيم. هو (كما قلنا) مخاطرة عظيمة لم يشهد التاريخ مثلها.
وقد دفع المسلمون الثمن غاليا (دونما شك) لهذه المخاطرة .. تمثل هذا الثمن الغالى (بصورة رئيسية) في مصرع قادة الجيش الرئيسيين الثلاثة
[ ٧ / ١٨٥ ]
الواحد بعد الآخر. وبأسلوب تمثلت فيه أرقى معاني البطولة واسترخاص الأرواح في سبيل الله.
لقد صمد المسلمون في معركة مؤتة صمودًا هو أروع ما يصنع الإيمان الصادق. وعلى المرء إذا أراد أن يتبين حقيقة هذا الصمود والفداء .. عليه أن يتصور ثلاثة آلاف مقاتل وهم يصارعون مائتى ألف مقاتل تتدفق كتائبهم الغائصة في الحديد كما تتدفق أمواج البحر الهادر، وليس هناك من يواجهها على مشارف قرية "مؤتة" سوى ثلاثة آلاف مقاتل. أكثرهم حاسر من الدروع.
كانت النتيجة مضمونة وهي النصر للرومان ولكن
لقد كانت نتيجة الصدام في (مؤتة) مضمونة للرومان وهي النصر الساحق بإبادة الجيش الإسلامي إبادة كاملة .. وذلك حسب المقاييس والمفاهيم العسكرية العادية.
فثلاثة آلاف مقاتل (مهما كان المستوى الذي هم عليه من الشجاعة وقوة البأس والصبر عند اللقاء) لا يمكنهم الصمود في وجه مائتى ألف مقاتل يفوقونهم (مع هذا العدد الغامر) في كثرة العتاد وجودة التسليح .. بل (حسب هذه المقاييس والمفاهيم) لا يمكنهم الإفلات من قبضة الجيش الروماني الذي لديه فقط من سلاح الفرسان حوالي خمسين ألف فارس.
ولكن الإيمان وصحة العقيدة والاستبسال في سبيل الله يعكس المفاهيم ويقلب المقاييس التقليدية للحروب .. فهو يثبت كل مرة أن كثرة العدد ووفرة السلاح- وحتى الإلمام الكامل بالعلوم العسكرية .. التكنولوجيا. (حجة المهزومين أمام شراذم اليهود في حزيران الأسود) ليس هو الذي يكفل النصر المؤزر الساحق .. وأن عدم توفر كل ذلك للمقاتلين ليس هو (دائما) الذي يصنع الهزائم. وإنما الذي يصنع النصر ويحققه. أو يصنع الصمود الذي يحول دون الهزائم الماحقة (ساعة التفاوت الهائل في كل
[ ٧ / ١٨٦ ]
شيء) إنما هو الإيمان .. الإيمان بالله تعالى واستشراب القلوب عقيدة القرآن الوضاءة المشرقة .. لا عقيدة ماركس ولينين الهدامة المظلمة.
إن روعة المقاومة الإسلامية في معركة "مؤتة" التاريخية. والتي يسرت للمسلمين انسحابا منظما مشرفا بعد ذلك الصدام الهائل المروع. انسحابا يمثل في واقعه أعلى درجات الانتصار. بالنسبة لظروف المعركة الصعبة. حيث كانت قوات العدو فيها تفوق قوات المسلمين سبعين ضعفا.
روعة صمود العقيدة الإسلامية في مشارف قرية (مؤتة) تفرض علينا ونحن نئن حتى الآن تحت وطأة عار هزيمة حزيران الفاضحة -أن نلقى نظرة على المعركتين. معركة مؤتة. ومعركة الأيام الستة. ونقوم بالمقارنة العادلة الصحيحة .. وعندها يتبين لنا الدليل الحى الصارخ القاطع على بطلان الادعاءات السخيفة الممجوجة القائلة: إن انتصار إسرائيل على العرب وإلحاقها بهم مجتمعين تلك الهزيمة المدمرة إنما يعود سببه إلى تفوق إسرائيل التكنولوجى. وإلى تمسك العرب ببقايا الإيديولوجية الغيبية (التعاليم الإسلامية) (١).
مصرع قادة الجيش الإسلامي الثلاثة
لقد تدفق الجيش الروماني كالبحر الهائج يريد أن يطوى بأمواجه الهائلة قرية مؤتة الصغيرة مع من فيها من عسكر المسلمين وكان ذلك حسب مقتضى العادة أمرا ميسورا بالنسبة لكثرة جيوش الرومان وقلة عسكر الإسلام.
لولا أن الذين كانوا يقفون على مشارف قرية (مؤتة) هم من أصحاب
_________________
(١) فيما يلي من هذا الكتاب (وفي إطار الحديث عن معركة مؤتة) سنسهب إن شاء الله في الحديث لتفنيد هذه الادعاءات الانهزامية السخيفة.
[ ٧ / ١٨٧ ]
محمد - ﷺ - الذين لفهمهم الصحيح لمعنى الجهاد في سبيل الله يتحولون إلى أعاصير في هجماتهم. وإلى جبال رواسى في دفاعهم.
معركة مؤتة تستمر سبعة أيام
فبدلا من أن يجهز الجيش الروماني على المسلمين خلال عدة ساعات (كما كان قادته يتوقعون) قوبل الرومان بما أذهلهم وكاد يزيغ عقولهم من مقاومة الجيش الإسلامي الصغير الذي لاقى أعداءه وقاتلهم قتالًا مريرًا ضاريًا. جعل المعركة الطاحنة تستمر سبعة أيام كاملة (١).
وهو أمر ما كان قادة الجيش الروماني يتصورون أنه سيحدث .. إذ حددوا وقتا للمعركة لا يزيد على بضع ساعات خلالها إما تتم إبادة الجيش الإسلامي وإما أن يقع كل رجاله أسرى في يد الجيش الروماني .. ولم لا؟؟ أليس جحافل الرومان الزاحفة تبلغ مائتى ألف مقاتل وعساكر الإسلام المدافعة التي لا تزيد على ثلاثة آلاف مقاتل؟ .. بلى.
ولكن المواجهة التي واجه بها المسلمون الحشود الرومانية الهائلة الزاحفة. ما كان قادة الجيش الروماني (وهم يضعون خطة المعركة) يتوقعون أنها ستكون على هذا المستوى من الصمود والثبات والشراسة والضراوة.
فقد ثبت المسلمون على مشارف (مؤتة) وقاتلوا أعداءهم قتالا شرسا مريرا ضاريًا. أوقفوا به تقدم الجيش الروماني الزاحف.
فاحتدم القتال وقام المسلمون (على قلتهم) بهجوم معاكس أتوا فيه بالعجائب. فصرعوا عدة مئات من أفراد الجيش الروماني وأتباعه. بعد أن خالطوهم في هجمات صاعقة.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢.
[ ٧ / ١٨٨ ]
وكان الذي يقود المسلمين ويتقدم صفوفهم القائد الأول (زيد بن حارثة) فلقى الرومان وأعوانهم، من المسلمين الأهوال. حتى أن بعض الرومان (مع كثرتهم الهائلة) بدأ يركن إلى الفرار. لهول ما لاقى من عسكر الإسلام.
غير أن عامة الجيش الروماني ظلوا يقاتلون بشدة وعنف محاولين (عبثا) اقتحام مواقع المسلمين في (مؤتة) لتطويقهم تمهيدا لإبادتهم.
ولكن الرومان (في كل محاولة) يبوءون بالفشل ويفقدون مزيدًا من القتلى. حيث ظل المسلمون صامدين. والحرب سجال بينهم وبين الرومان.
ولا أدل على ضراوة المعركة واستبسال المسلمين فيها من أن هذه المعركة استمرت سبعة أيام يتجالد فيها الفريقان طوال النهار. حتى يحجز بينهم ظلام الليل فيكفوا عن القتال.
وللمنصف أن يتصور أية بطولة كان عليها المسلمون.
والنصف سيدرك أي مستوى رفيع من الشجاعة والبطولة والتضحية والفداء والإيمان العميق كان عليه المسلمون عندما يعلم أنهم (وهم ثلاثة آلاف محارب) استمروا يخوضون المعركة بصبر وشجاعة طوال سبعة أيام ضد جيش قوامه مائتا ألف مقاتل. دون أن يتمكن هذا الجيش من تسجيل أي نصر يذكر على المسلمين.
متى وكيف استشهد القادة الثلاثة
لقد ذكر بعض المؤرخون أن معركة مؤتة استمرت سبعة أيام (١).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢.
[ ٧ / ١٨٩ ]
وفي اليوم السادس استشهد القادة الثلاثة (زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة) الذين باستشهادهم تحول ميزان القتال لصالح الرومان وكادوا أن يبيدوا القوات الإسلامية (بالفعل) لولا أن أنقذها الله بأن تولى المحارب المخزومي الشهير خالد بن الوليد قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة الأبرار.
فاستخدم ما لديه من مهارة قيادية وسياسة عسكرية لإنقاذ الجيش الإسلامي فجمع شتاته بعد أن انفرط عقده (لموت قادته الثلاثة) ثم اتبع أسلوبا موفقًا به سحب الجيش من مؤتة بعد أن أنزل بالرومان خسائر فادحة. كما سيأتي تفصيله ضمن إطار بحث أحداث معركة (مؤتة) هذه.
مصرع زيد بن حارثة
أما كيف ومتى استشهد القادة الأبرار الثلاثة في هذه المعركة اللاهبة الحاسمة. فخلاصة ما ذكره المؤرخون وما يدل عليه سياقهم أن القادة الثلاثة ظلوا يخوضون المعركة في مقدمة الجيش لمدة خمسة أيام. وأنهم استشهدوا جميعا في اليوم السادس.
أما كيف قتلوا. فقد أجمعت المصادر التاريخية على أن أول من استشهد منهم زيد بن حارثة القائد العام الذي كان يتقدم الصفوف وفي يده علم الجيش (وهو علم أبيض (١) أعطاه له الرسول - ﷺ - عند استعراضه الجيش في ضواحي المدينة قبل تحركه).
فقد ظل القائد زيد يقاتل الرومان (قائدا للجيش) طوال خمسة أيام. وفي اليوم السادس احتدم القتال وزاد الرومان من ضغطهم على المسلمين في (مؤتة) فصمد في وجههم وقاتلهم أشد قتال حتى مزقته رماحهم وهو مقبل كالأسد الهصور.
قال الطبري: ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله
_________________
(١) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٢٨.
[ ٧ / ١٩٠ ]
- ﷺ - حتى شاط (١) في رماح القوم.
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى: فمضى المسلمون إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون، فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم. فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل. وقاتل المسلمون معه على صفوفهم. حتى قتل طعنا بالرماح. ﵀.
ومثل هذا القول. ذكره باقي المؤرخين.
مصرع جعفر بن أبي طالب
وكما هي تعليمات الرسول الأعظم والقائد الأعلى للجيش. كان جعفر بن أبي طالب مكلفًا بأن يخلف زيد بن حارثة في قيادة الجيش إذا ما استشهد زيد.
ولذلك كان جعفر ملازما (أثناء القتال) للقائد العام زيد بن حارثة استعدادا لتولى منصب القائد العام إذا ما أصيب زيد أثناء القتال.
وفعلا. فعندما استشهد القائد زيد بعد أن شاط في رماح العدو. سارع جعفر واستلم علم الجيش من يد زيد قبل أن يقع على الأرض. وبهذا تولى (تلقائيا) مسئولية القائد العام للجيش فقاد المسلمين وقاتل الرومان قتالا ضاريًا .. حتى أذهلهم.
جعفر يعقر فرسه
وكان جعفر يقاتل على فرس له شقراء فاقتحمت به أتون المعركة المضطرم وعلم الجيش في يده. والمسلمون خلفه يقاتلون بضراوة واستماتة.
وعندما تسلم جعفر بن أبي طالب القيادة. أقحم فرسه وسط حشود
_________________
(١) شاط الرجل إذا سال دمه فمات.
[ ٧ / ١٩١ ]
الرومان فصار يدفع كتائبهم أمامه (ومن ورائه جموع المسلمين) كما تدفع الريح القوية أمامها بالورق اليابس.
ولكن كثرة الزحام وشدة الالتحام في المعركة جعل فرس القائد جعفر عاجزة عن الحركة كما يجب. فاقتحم جعفر عنها ثم عقرها. توطينا لنفسه على الموت وليقفل عليها باب الطمع في الهرب -فكان أول من عقر في الإسلام أثناء القتال- وبعد أن ترجل جعفر عن فرسه أحاط به الرومان فقاتلهم قتالًا شديدًا وراية الرسول - ﷺ - في يده.
ثم تمكن أحد فرسان الرومان من قطع يد جعفر التي يحمل بها اللواء فحمله باليد الأخرى فحمل عليه أحد الرومان فقطع اليد الثانية. وكان الهدف أن يقع علم الجيش الإسلامي فتعم المسلمين الهزيمة.
ولكن القائد الشاب جعفر أظهر بطولة فذة لا مثيل لها، فبعد أن فقد كلتا يديه (وحفاظًا على اللواء من أن يقع على الأرض احتضنه مكبًا عليه: ليظل مرفوعًا فلا يقع أرضا. فتنهار لوقوعه معنويات المحاربين المسلمين. فبقاء اللواء منصوبا ساعة القتال له أثره النفسى الفعال في نفوس المحاربين من حيث الثبات والصمود.
ورغم استبسال جعفر وثباته هذا. فقد انتهى صموده الرائع بأن سقط شهيدًا بعد أن اعتورته سيوف الرومان وهو يحتضن اللواء في إصرار وتصميم حتى صعدت روحه الطاهرة ليأخذ مكانه بين الصديقين والشهداء.
وذكر بعض المؤرخين أن فارسا من الروم ضرب القائد جعفر ضربة بالسيف (بعد أن أثخنته الجراح) فقطعه نصفين. فوقع أحد نصفيه في كرم. فوجد في نصفه بضع وثلاثون جرحا كما وجد به طعنة من رع قد أنفذته (١).
قال ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٤: قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - ﷺ - حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦١ وإمتاع الأسماع ص ٣٤٨.
[ ٧ / ١٩٢ ]
وقال ابن إسحاق: ثم أخذها (أي الراية) جعفر حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس (١) له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.
وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبّاد. قال: حدثني أبي الذي أرضعني- وكان أحد بني عوف، وكان في تلك الغزوة، غزوة مؤتة فقال:
والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم في فرش له شقراء ثم عقرها. ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنةُ واقترابُها طيبة وباردٌ شرابُها
والرُّوم رومٌ قَدْدَنَا عذابُها كافرة بعيدةٌ أنسابُها
عليّ إذ لاقيتُها ضرابُها (٢)
الشهيد الشاب
قال ابن هشام وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما. حيث شاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين (٣).
قال ابن كثير (معلقا على عقر جعفر فرسه في المعركة) .. روى هذا الحديث أبو داود من حديث ابن إسحاق. وقد استدل (أي بفعل جعفر)
_________________
(١) ألحمه القتال، نشب فيه فلم يجد مخلصًا. واقتحم عن فرس له، رمى بنفسه عنها.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٠.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٠.
[ ٧ / ١٩٣ ]
على جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو يقول أبو حنيفة في الأغنام. إذا لم تتبع السير ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال بينهم وبين ذلك والله أعلم. قال السهيلى: ولم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا (١).
قلت: لا غبار على شرعية ووجاهة صنيع الشهيد جعفر ﵁ حين عقر فرسه بعد أن أحاط به العدو. لأن الخيل في ذلك العصر أهم سلاح حربي. وهو بمثابة سلاح المدرعات في هذا العصر. فجعفر قد عقر فرسه لئلا ينتفع به العدو .. وفي العصر نرى أن من أهم التعليمات للمحاربين أن يتلقوا أي سلاح في أيديهم يكونون غير قادرين على استخدامه. ويخشون أن ينتفع به العدو.
عودة إلى المنطلق
وقال الواقدي: وضرب رجل من الروم (جعفر) فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم، فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا. وحدثني أبو معشر عن نافع عن ابن عمر، قال: ووجد مما قتل من بدن جعفر اثنان وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح. وقال: حدثني يحيى بن أبي عبد الله بن أبي قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن صالح عن عاصم بن عمر، قال: وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحا، ووجد به طعنة قد أنفذته (٢).
وقال البخاري: عن عبد الله بن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة (أي غزوة مؤتة) فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية. قال ابن كثير تفرد به البخاري (٣)
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٤.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦١ تحقيق الدكتور مارسدن جونس (جامعة أكسفورد).
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٥.
[ ٧ / ١٩٤ ]
وروى البخاري عن ابن عمر. أنهم وقفوا على جعفر بعد استشهاده. فوجدوا جميع الطعنات التي أصيب بها ليس منها شيء خلفه. بل كلها تلقاها وهو مقبل (١).
مصرع عبد الله بن رواحة القائد الثالث
واستمر القتال بضراوة وعنف في مؤتة. وكما هو الترتيب الذي وضعه النبي - ﷺ - بتناوب القادة الثلاثة في المعركة سارع القائد الثالث عبد الله بن رواحة. بعد مصرع جعفر بن أبي طالب إلى تسلم مسئولية قيادة الجيش فحمل اللواء، كقائد عام للجيش، فخاض بالمسلمين المعركة.
والعجيب أن عبد الله بن رواحة الذي كان في (معان) صاحب الدعوة إلى مصادمة الرومان عندما بدا بعض التردد على بعض القادة لكثرة الحشود الرومانية الهائلة. عبد الله هذا، قد أدركه شيء من الضعف البشرى، عندما جاء دوره في تسلم قيادة الجيش، عقب مصرع القائد الثاق جعفر بن أبي طالب. فقد تردد بعد أن حمل الراية، وتقدم بفرسه، إلا أنه تغلب على هذا التردد، فتقدم وقاد الجيش، وقاتل به حتى استشهد.
فقد عاتب عبد الله بن رواحة نفسه على هذا التردد قائلا شعرًا:
أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو فلتكرَهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طالما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شَنَّة؟
ثم نزل القائد ابن رواحة من على فرسه ولواء رسول الله - ﷺ - بيده. فقاتل قتال الأبطال حتى تخطفته سيوف ورماح الرومان فالتحق بزميليه شهيدًا، وكان قتله حسب سياق المؤرخين في اليوم السادس من المعركة.
تمنى الشهادة فأعطيها
وكان عبد الله بن رواحة قد تمنى أن يرزقه الله الشهادة، وهو في الطريق
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٦.
[ ٧ / ١٩٥ ]
إلى مؤتة. فقد روى ابن إسحاق عن زيد بن أرقم (١)، قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته يقول:
إذا أدنيتنى وحملت رحلى مسيرة أربع بعدَ الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذَم ولا أرجع إلى أهلى ورائى
وجاء المسلمون (٢) وغادَرونى بأرض الشام مستنهى الثواء (٣)
وردّك كلُّ ذي نسب قريب إلى الرحمن منقطع الإِخاء
هنالك لا أبالي طلعَ بَعْل ولا نخل أسافلها رواءِ (٤)
قال: فلما سمعتهن منه بكيتُ. قال فخفقنى (٥) بالدُّرة وقال: ما عليك يا لُكع (٦) أن يرزقنى الله شهادة وترجع بين شُعبْتَى الرحل (٧).
قال: قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز.
يا زيد زيد اليعملات (٨) الذُّبِّل تطاول الليلُ هديت فأنزل (٩)
كيف استبسل ابن رواحة بعد التردد
ويصف ابن إسحاق مضاء عزيمة ابن رواحة بعد التردد الذي حدث له فيقول: إن عبد الله استمر في معاتبة نفسه وحضها على الاستشهاد فقال:
_________________
(١) انظر ترجمة زيد بن أرقم في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) في مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٥٩ .. (وآب المسلمون) بهدلًا من (وجاء المسلمون) وهو الأقرب إلى الصواب.
(٣) قال في القاموس المحيط: ثوى بالمكان ثواء إذا أطال الإقامة به، أو نزل فيه.
(٤) البعل: هو الذي يشرب بعروقه من الأرض ورواء (بكسر الهمزة) صفة لنخل.
(٥) خفقه بالدرة ضربه بها ضربًا خفيفًا غير موجع.
(٦) لكع بضم أوله وفتح ثانيه، كلمة تقال المزجر.
(٧) قال أبو ذر: شعبتى الرحل، طرفاه القدم والمؤخر.
(٨) اليعملات: جمع يعملة؛ وهي الناقة السريعة، والذبل التي أضناها السير. فقل لحمها.
(٩) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٣.
[ ٧ / ١٩٦ ]
يا نفس ألا تقتلى تموتى هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيتى إنْ تفعلى فعلهما هُديتِ
يريد صاحبيه زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (١) من لحم فقال: اشدد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه (٢) ما لقيت، فأخذه من يده، ثم انتهس (٣) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٤) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل (٥).
مصرع قائد العرب المتنصرة
وكان الرومان قد عانوا الأهوال من المسلمين أثناء الأيام الستة. فقد أصاب المسلمون منهم ومن أتباعهم العرب المتنصرة، مقتلة عظيمة، وكان من قتلى الجيش الروماني القائد العام لقوات العرب المتنصرة واحمه. مالك بن رافلة. قتله قائد ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذرى. (٦)
خالد بن الوليد يتولى قيادة الجيش في مؤتة
وبعد أن لقى القادة الثلاثة مصرعهم في معركة الأيام الستة بمؤتة.
وكان الجيش الإسلامي (على قلة عدده) قد ظل رجاله ثابتون يصارعون الرومان وحلفاءهم طوال ستة أيام. دون أن يبدو عليهم الوهن أو الاضطراب. غير أن مصرع القادة الثلاثة وبقاء الجيش دونما قائد. رجح كفة الرومان. وحدث بعض الخلل والاضطراب في صفوف
_________________
(١) العرق: العظم الذي عليه لحم.
(٢) هذا القول من ابن عم عبد الله بن رواحة، يدل على أن معركة (مؤتة) استمرت بين المسلمين وبين الرومان أيامًا عديدة.
(٣) انتهس .. أخذ منه بفمه شيئًا يسيرًا. هكذا قال أبو ذر.
(٤) الحطمة (بفتح أوله وسكون ثانيه) شدة ازدحام الناس، وحطم بعضهم بعضًا.
(٥) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢١.
(٦) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٣ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٣ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥٠.
[ ٧ / ١٩٧ ]
المسلمين الذين اختلطوا (بعد مصرع ابن رواحة) بالرومان. وأخذ بعض المسلمين ينهزم. لا سيما بعد أن سقط لواء الجيش أرضا بعد مصرع القائد الثابث. لقد هزموا هزيمة منكرة.
ولكن أحد فرسان الأنصار وهو (ثابت بن أقرم) أخذ اللواء من قطبة بن عامر الأنصاري (١). وصاح: يا قوم يقتل الإنسان مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا. أما ثابت بن أقرم: فقد أخذ يصيح باسم الأنصار فثاب إليه الناس.
وهكذا أنقذ ثابت بن أقرم الموقف حين رفع اللواء ونادى يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل منكم (أي يحمل اللواء ويتحمل مسئولية قيادة الجيش) فرشحه وجوه الجيش لأن يكون هو القائد فاعتذر قائلا ما أنا بفاعل.
وكان الموقف لا يحتمل النقاش فقد بلغ الدرجة القصوى من الخطورة بعد مصرع القادة الثلاثة. والباحث العسكري الخبير هو الذي يستطيع تقييم الخطر الداهم الذي أحاق (يوم ذاك) بثلاثة آلاف مقاتل. فقدوا كل قادة جيشهم. في الوقت الذي يصارعون فيه مائتي ألف مقاتل من أعدائهم الرومان وأتباعهم.
لقد أصبح هم وجوه الجيش وزعماء القبائل فيه -بعد أن فقد قادته الثلاثة- وبدت علائم الفوضى والاضطراب على بعض صفوفه- أصبح همهم النجاة بهذا الجيش الصغير الذي رغم استبساله وشراسته في القتال .. قادة وجنودا .. كاد يفقد تنظيمه كليًّا.
ولم يكن هناك في الجند من تتجه الأنظار إليه لإنقاذ الموقف سوى
_________________
(١) قطبة بن عامر هذا؛ كان أحد الأنصار الستة الأوائل الذين كانوا أول من أسلم من أهل المدينة. وأول من أدخل الإسلام بين أهل المدينة قبل الهجرة. انظر ترجمة قطبة بن عامر في كتابًا "غزوة بدر الكبرى" وقصة إسلامه الشيقة في نفس الكتاب ص ٤٣ الطبعة الرابعة وما بعدها.
[ ٧ / ١٩٨ ]
المحارب الشهير خالد بن الوليد الذي لم يمض على دخوله في الإسلام سوى ثلاثة أشهرا فقط.
ولذلك صاح ثابت بن أقرم (الذي رفع لواء الجيش من الأرض) بخالد: خذ اللواء يا أبا سليمان. فقال: لا آخذه أنت أحق به. أنت رجل لك سن.
فقال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك (١). أنت أعلم بالقتال منى (٢). وأيد وجوه الجيش وزعماء القبائل فيه فكرة تولى خالد بن الوليد القيادة. وحثوه على ذلك. لإنقاذ الموقف التدهور الذي بات يهدد أفراد الجيش بالإبادة.
ولم يسع المحارب البطل والقائد الفذ خالد بن الوليد إلا أن يستجيب لرغبة وجوه الجيش ويحققها. فقبل أن يتحمل مسؤولية القيادة. فحمل اللواء من ثابت بن أقرم. فأصبح قائدًا عامًا للجيش.
لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائدًا للجيش (في تلك الساعات الحرجة) اختيارًا موفقا. لأن خالدًا -بالإضافة إلى كونه محاربا ممتازا شجاعا لا يشق له غبار- كان قمة في السياسة العسكرية والمهارة القيادية في حالتي الهجوم والدفاع. وقد أثبت ذلك (عمليا) وخاصة بعد أن دان بالإسلام وقاد الجيوش في أعنف المعارك .. مما جعله في مقدمة عظماء قادة العالم. ولقد أنقذ الجيش الإسلامي في مؤتة من التدمير، بعد الهزيمة المنكرة التي نزلت به عقب مصرع قادته الثلاثة.
فقد أعاد خالد (أولًا) للجيش التنظيم الذي فقده، ثم أعاد بمهارته إلى هذا الجيش ثقته بنفسه، وبعد ذلك شن به هجوما معاكسا على الرومان
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٢.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٠.
[ ٧ / ١٩٩ ]
حتى زلزل صفوفهم ثم -وبمهارة فائقة- تمكن من الانسحاب بهذا الجيش الصغير انسحابا عظيما يعتبر في عرف الخبراء العسكريين أعظم انتصار .. ولهذا لقب الرسول - ﷺ - خالدا سيف الله بعد أن نجح في إنقاذ الجيش.
النبي - ﷺ - يصف المعركة قبل عودة الجيش بعد أن كشف الله له ما بين المدينة والشام
وذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث. أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة في (مؤتة) حتى صار ينظر عيانا إلى ما حدث هناك من قتال ضار عنيف، ويشهد مصرع القادة الثلاثة. وتولى خالد بن الوليد القيادة، ولقبه (لأول مرة بسيف الله). وهذا من المعجزات التي أكرم الله بها نبيه - ﷺ -.
حديث البخاري عن معجزة الرسول - ﷺ -
فقد روى البخاري عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة. للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله -يعني خالد بن الوليد- حتى فتح الله عليهم (١).
رواية البيهقي عن المعجزة
وقال البيهقي بسنده عن خالد بن سمير. قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه. فقال أبو قتادة فارس رسول الله - ﷺ - قال: بعث رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٥.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
جيش الأمراء. وقال: عليكم زيد بن حارثة: وقال: إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة. قال فوثب جعفر وقال: يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي. قال: امض فإنك لا تدرى أي ذلك خير، فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله - ﷺ -، فأمر فنودى: الصلاة جامعة، فاجتمع. الناس على رسول الله - ﷺ -. فقال: أخبركم، أخبركم هذا؟ .
إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدًا، فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا، شهد له بالشهادة واستغفر له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "اللهم إنه سيف من سيوفك أنت تنصره" فمن يومئذ سمى خالد سيف الله، ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، وفيه زيادة حسنة، وهو أنه - ﷺ - لما اجتمع إليه الناس. قال: باب خير، باب خير، فذكر الحديث (١).
وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة بن عبد الله بن أبي بكر، زاد أحدهما على صاحبه في الحديث، قالا: لما التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معركتهم، فقال رسول الله - ﷺ -: أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا. فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلى الدنيا، فمضى قدما، فصلى عليه رسول الله - ﷺ - وقال استغفروا له فقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان فمناه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا. فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنينى الدنيا، ثم مضى قدمًا حتى
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٦.
[ ٧ / ٢٠١ ]
استشهد، فصلى عليه رسول الله - ﷺ - ودعا له ثم قال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة، فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة، ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فاستشهد ودخل الجنة معترضًا. فشق ذلك على الأنصار، فقال رسول الله - ﷺ -: أصابه الجراح. قيل: يا رسول الله؛ ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فشجع، فاستشهد فدخل الجنة. قال الراوي فسرى عن قومه (١).
رواية ابن إسحاق
وجاء في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله - ﷺ - فيما بلغني-: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا. قال: ثم صمت رسول الله - ﷺ - حتى تغيرت وجوه الأنصار. وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم قال: لقد رفعوا إلى في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة إزورارا عن سريرى صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد، ثم مضى (٢).
جناحان بدل اليدين لجعفر في الجنة
قال الحافظ ابن حجر: وفي الجزء الرابع من فوائد أبي سهيل بن زياد بن القطان من طريق سعدان بن الوليد عن عطاء عن ابن عباس: بينما رسول الله - ﷺ - جالس وأسماء بنت عيسى (زوج جعفر) قريبة منه، إذ قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مر مع جبريل وميكائيل فردى ﵇الحديث- وفيه .. فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء" (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٢.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٢.
(٣) الإصابة في تمييز أسماء الصحابة ج ١ ص ٢٤٦.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
وذكر موسى بن عقبة. أن يعلى بن أمية (١) قدم على رسول الله - ﷺ - بخبر أهل مؤتة. فقال له رسول الله - ﷺ -: إن شئت فأخبرنى وإن شئت أخبرك، قال: أخبرني يا رسول الله. قال فأخبرهم رسول الله - ﷺ - خبرهم كله، ووصفه لهم، فقال (يعلى) والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفًا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله - ﷺ - " .. إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم" (٢).
النبي - ﷺ - يشيد ببطولة خالد
ويذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - وهو يخبر أصحابه في المدينة بعد أن كشف الله له مكان المعركة بمؤتة- أكد لهم أن ميزان المعركة تحول لصالح المسلمين بعد أن هزموا بعد مقتل قادتهم الثلاثة. وكان هذا التحول بعد أن تولى خالد بن الوليد القيادة، فقد روى الواقدي عن عبد الله بن الفضيل عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال -لما أخذ خالد الراية-: الآن حمى الوطيس (٣). كناية عن عودة المسلمين إلى القتال واشتداد القتال بينهم وبين الرومان.
صعوبة المهمة الملقاة على عاتق خالد في مؤتة
لقد كانت معركة مؤتة أول معركة يشترك فيها خالد بن الوليد (مسلما). كما أنه لأول مرة في حياته يتولى منصب القائد العام لجيش إسلامي.
كانت حالة الجند الإسلامي -عندما تولى خالد القيادة بمؤتة- حالة
_________________
(١) هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي الحنظلى. حليف قريش. قال ابن سعد: شهد حنينا والطائف وتبوك. وكان عاملًا لعمر على نجران ثم عزله، ثم ولاه عثمان صنعاء اليمن، وحجّ سنة قتل عثمان. روى عنه أولاده صفوان وعمان: محمد وعبد الرحمن وكذلك مجاهد وعطاء. مات سنة ٤٧ هـ.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٧.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٤.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
سيئة بمعنى هذه الكلمة.
فقد تمزقوا تمزقا شديدا حتى تبعثروا في أرجاء الميدان في حالة من الفوضى هي الهزيمة بعينها. بل إنها أشنع هزيمة تنزل بجيش إسلامي في العهد النبوى .. وصف هذه الحقيقة ابن سعد في طبقاته الكبرى (ج ٢ ص ١٣٠) بقوله -يصف حالة الجيش الإسلامي بعد مصرع قادته الثلاثة- .. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى لم أر اثنين جميعا. والكلام هنا لشاهد عيان هو أبو عامر.
ومن هنا كانت المهمة التي ألقيت على عاتق القائد الجديد (خالد بن الوليد) مهمة على غاية من الصعوبة والتعقيد.
فقد تولى قيادة جيش أنهكه القتال الشديد الضارى طوال أيام. فكان (وهو ثلاثة آلاف فقط) يجالد -طيلة هذه الأيام الستة- جيشا قوامه مائتا ألف مقاتل.
ومع ذلك، فقد هذا الجيش الصغير الباسل قادته الثلاثة الواحد بعد الآخر، فانفرط عقده، وفقد تنظيمه، وكان في حالة اضطراب شديد وارتباك خطير، جعلاه مهيئا لأن يدمر تدميرا كاملًا، أو يقع بكامله أسيرا في قبضة الرومان وأحلافهم من العرب المزتزقة من غير المسلمين.
وهذه الحالة التي وصل إليها الجيش الإسلامي في (مؤتة) لا يلام عليها. فرغم زخم الإيمان وثبات اليقين والبسالة النادرة التي قاتل بها هذا الجيش الصغير، فإن للطاقة البشرية حدودا.
وإذا نظرنا إلى ظروف معركة مؤتة (وخاصة بعد فقد الجيش الإسلامي قادته الثلاثة، ومضى ستة أيام عليه وهو يقاتل ذلك القتال الضارى) لوجدنا أن استمراره إلى ما لا نهاية في التصدّى لمائتى ألف مقاتل ومجالدتها هو فوق طاقة البشر.
وليس بوسع أي خبير عسكرى منصف يلم بتفاصيل وظروف معركة مؤتة لا يسعه إلا أن يعترف بأن ثبات المسلمين في وجه الرومان كل هذه الأيام هو أرقى مراتب النصر والغلبة مهما قيل عن اضطرابهم ومحاولة
[ ٧ / ٢٠٤ ]
بعضهم الانهزام.
خالد وخطة الانسحاب الرائعة
قام القائد خالد بن الوليد (أثناء الليل) بتبديل كلى في الميمنة والميسرة والقلب من جيشه. فجعل رجال ميمنة الجيش مكان رجال الميسرة. كما جعل رجال الميسرة مكان رجال الميمنة أثناء التعبئة للمواجهة في اليوم السابع. كما استبدل رجال القلب في الصفوف بآخرين. وهدفه من ذلك أن يدخل (عمليا) في نفوس قيادة الرومان الاعتقاد أن جيشا جديدًا وعسكرًا لم يسبق لهم أن اشتركوا في القتال قد جاعوا مددا للمسلمين من المدينة.
نجاح خطة التضليل أنقذت المسلمين في مؤتة
هذه هي خطة الإيهام والتضليل التي رسمها ونفذها القائد الفذ المحنك خالد بن الوليد فأنقذ بها جيش الإسلام من فناء يكاد يكون محققًا. (١).
فما كاد يطلع الصباح حتى وجد الرومان أنفسهم أمام جيش جديد فأنكروا من المسلمين ما كانوا يعرفونه طوال أيام القتال الستة.
فقد وجد الرومان (قادة وجنودا) أنفسهم -أثناء تقابل الصفوف في اليوم السابع- أمام قادة وجنود وهيئات ورايات غير القادة والجنود والرايات والهيئات التي كانوا يواجهونها في الصفوف الأولى (ميسرة وميمنة وقلب) أثناء القتال في الأيام الستة الماضية.
وبينما كانت الأسئلة تلح على قادة الجيش الروماني. ما إذا كان هذا الذي يرون يعني أن جيش الإسلام قد تلقى (أثناء الليل) مددا كبيرا من
_________________
(١) واذكر أن المارشال روميل القائد الألمانى الشهير قد طبق -في حرب الصحراء الليبية- خطة الإيهام والتضليل التي رسمها ونفذها خالد بن الوليد في (مؤتة) فأنقذ روميل بتطبيق (خطة خالد) مجموعة كبيرة من القوات الألمانية التي كان الجيش الإنكليزى يهددها إما بالسحق وإما بإجبارها على التسليم "اقرأ كتاب عيون التاريخ العالمى ج ٤ الحديث الخاص بمعارك صحراء ليبيا".
[ ٧ / ٢٠٥ ]
المدينة. إذا بغبار يسد الأفق من بعيد (جنوبا) ناحية الجزيرة خلف ظهر الجيش الإسلامي. أثارت هذا الغبار سنابك خيل تركض بأقصى سرعة.
وما هي إلا برهة وجيزة حتى دوت أرجاء (مؤتة) بأصوات التهليل والتكبير منبعثة من بين ثنايا ذلك الغبار الذي حجب الأفق. ثم انشق هذا الغبار عن كتائب من الفرسان تتبع إحداهما الأخرى في تنسيق وإحكام راكضة نحو المسلمين في (مؤتة) قد رجفت الأرض رجفا لوقع حوافر خيلها المنطلقة بأقصى سرعة وأصوات فرسانها تصم آذان الرومان بالتهليل والتكبير. ولإِدخال مزيد من الرعب في قلوب الرومان. اهتز معسكر المسلمين المواجه للرومان في (مؤتة) بالتكبير والتهليل. كل ذلك تم بتخطيط محكم من القائد المحنك المظفر خالد بن الوليد.
وكان ذلك آخر حلقة في الخطة الرائعة التي أحكمها القائد خالد لتضليل قادة الجيش الروماني وإيهامهم بأن مددًا عظيمًا قد تلقاه المسلمون في (مؤتة) من المدينة.
فقد أيقن قادة الجيش الروماني أن كل ما رأوه من تغير شامل في رجال القوات الإسلامية في الميمنة والميسرة والقلب وتدفق هذه الكتائب التي رأوا غبار وقع سنابك خيلها يحجب الأفق منذ الصباح الباكر خلف خطوط المسلمين. إنما هو مدد كبير يمثله جيش عظيم جاء من المدينة لمساندة المسلمين ليستمروا في خوض المعركة في مؤتة حتى النصر.
خالد يهاجم الرومان ويلحق بهم أعظم الخسائر ثم ينسحب
ونتيجة هذا الاعتقاد الذي أوجده لدى القادة الرومانيين نجاح خطة التضليل البارعة التي نفذها خالد بن الوليد. دب الفزع والرّعب إلى نفوس الرومان وسادهم الهرج والمرج ولسان حالهم يقول: إذا كان ثلاثة آلاف مقاتل من هؤلاء المسلمين قد فعلوا كل هذه الأفاعيل بالرومان وحلفائهم وظلوا يجالدون مائتى ألف مقاتل طوال ستة أيام. منزلين بهم أفدح الخسائر فماذا عسى أن يصنعوا بهم إذن بعد أن وصل إليهم هذا المدد الكبير من المدينة؟
[ ٧ / ٢٠٦ ]
وأدرك خالد (بحاسة القائد الماهر المحنك) ما أصاب الرومان وحلفاءهم من خوف ورعب وارتباك. نتيجة نجاح خدعته الحربية البارعة المحكمة. فاغتنمها فرصة. فأمر في الحال بالهجوم على خطوط الرومان وبأسلوب عام صاعق كاسح فتم له ما أراد.
فقد مالت كل صفوف جيش الإسلام على خطوط الرومان الأمامية. فتملك الرعب نفوسهم. ثم تضعضعت صفوفهم فركبهم المسلمون وأحدثوا فيهم مقتلة عظيمة. كانت بكل معاني الكلمة (مذبحة) وصفها الواقدي في كتابه المغازى بقوله: (حدثني عطاف بن خالد. قال: لما قتل ابن رواحة مساءا بات خالد بن الوليد. فلما أصبح غدا. وقد جعل مقدمته ساقته. وساقته مقدمته. وميمنته ميسرته. وميسرته ميمنته. فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئاتهم. وقالوا: قد جاءهم مدد! فرعبوا فانكشفوا منهزمين فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم قط) (١).
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ١٣٠ (وهو يروى قصة انتصار خالد على الرومان بعد توليه القيادة): ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل. ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط لم أر اثنين جميعًا .. ثم أخذ خالد (بن الوليد) اللواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط. حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا (٢).
تسعة أسياف تتكسر في يد خالد بمؤتة
واستمر خالد يطارد الرومان بكل قواته حتى أثخنوهم. وكان القتال قتالا ضاريا خاضه المسلمون (بعد هزيمتهم) بحنق وغيظ. وكان الرومان في تراجعهم أمام هجوم خالد المضاد. يقاتلون بشراسة ولا أدل على عنف المعركة التي انتصر فيها خالد على الرومان (والفضل الأول للخدعة
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٤ تحقيق الدكتور مارسدن جونس. طبع جامعة أكسفورد.
(٢) هذا مقطع من حديث طويل عن أحد أصحاب رسول الله - ﷺ - وهو أبو عامر- روى فيه تفاصيل مصرع القادة الثلاثة. وكان في مهمة في الشام بعثه فيها رسول الله - ﷺ -. فشاهد ما حدث في مؤتة وهو عائد من الشام.- انظر طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٢٩ وما بعدها-.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
البارعة) من أن القائد خالدا تكسرت في يده تسعة سيوف بعد أن تولى قيادة الجيش وشن هجومه المضاد المفاجئ على الرومان فقد روى الإمام البخاري عن خالد نفسه أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف. وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية (١).
تنفيذ خطة الانسحاب إلى المدينة
ولما كان هدف القائد خالد من كل الأعمال والخدع الحربية التي لجأ إليها هو أن يؤمن لجيش الإسلام انسحابا منظما من مؤتة اغتنم فرصة ارتباك الجيوش الرومانية واضطرابها واعتقادها أن المسلمين قد تلقوا نجدة من المدينة. فأصدر أمره إلى قادة الفرق والكتائب في جيش الإسلام بالارتداد بالجيش نحو الجنوب على تعبئة وانتظام كما هو متفق عليه بينه وبين هيئة أركان حربه عند وضع الخطة لهذا الانسحاب في الليل.
فأخذ الجيش الإسلامي يغادر ميدان المعركة في مؤتة منسحبًا بكل هدوء وضبط وانتظام ويقظة.
وأشرف القائد خالد نفسه على عملية الانسحاب فكان يجول بفرسه بين الكتائب والفرق المنسحبة ليظل النظام سائدا أثناء الانسحاب ولتظل روح الجند والقادة ومعنوياتهم عالية. فلا يدركهم الخوف فيسودهم الاضطراب والفوضى.
فتمت عملية الانسحاب من (مؤتة) كما قدر ويريد القائد البطل خالد. تمت على أدق نظام ودونما أية خسارة.
قيادة الرومان تأمر بعدم تعقب المسلمين في انسحابهم
فالجيش الروماني الذي يمكن أن يقوم بملاحقة المسلمين ومطاردتهم أثناء انسحابهم. قد وقف (رغم كثرته الهائلة) شبه مشلول يسوده الذهول عقب الأهوال التي لقيها على أيدى المسلمين في الهجوم الكاسح المضاد الذي
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢.
[ ٧ / ٢٠٨ ]
قام به خالد بن الوليد بعد نجاح حيلته العسكرية وخدعته الحربية البارعة.
فمع ما أنزله المسلمون في هجومهم المضاد من خسائر فادحة بين صفوف الجيش الروماني كان قادة هذا الجيش لا يزالون يعتقدون أن ما حدث من المسلمين من قتال شرس وهجوم كاسح في المرة الأخيرة. إنما هو نتيجة تلقيهم نجدات عظيمة من المدينة. ولهذا أصدر القادة الرومان إلى كافة قادة الكتائب والفرق في جيشهم بأن لا يتعقب أحد المسلمين في انسحابهم.
وقد فسر أحد الباحثين من المؤرخين إحجام الرومان عن مطاردة المسلمين المنسحبين مع قدرة الرومان الكاملة -من الناحية البشرية- على مطاردة المسلمين وإنزال أكبر خسارة ممكنة بهم أثناء انسحابهم حيث يوجد لدى الرومان وحلفائهم من سلاح المطاردة (سلاح الفرسان) ما لا يقل عن خمسين ألف فارس .. فسّر ذلك بأنه إما راجع إلى أن القيادة الرومانية العليا تعتقد أن الانسحاب الذي قام به خالد بن الوليد وجيشه في ذروة انتصاره في المعركة. إنما هو مكيدة حربية يدبرها القائد لإيقاع الجيش الروماني -إذا ما تتبع المنسحبين المسلمين- في كمائن قد أعدها (مقدمًا) .. ولا أحد يجيد الكمائن وإحكامها مثل العرب. فأحجمت القيادة الرومانية لذلك عن تعقب المسلمين في انسحابهم رغم قلة عددهم ورغم كونهم يتحركون في انسحابهم داخل أراض رومانية. بل ورغم أن الرومان يعرفون أن المسلمين سيقطعون (أثناء انسحابهم) مسافة ستمائة ميل، مزروعة كلها بأناس وثنيين أو عرب متنصرة يناصبون الإسلام والمسلمين العداوة والخصومة.
وإما أن إحجام الرومان عن المطاردة راجع إلى أن الرومان (كما أشار الأستاذ محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد) قد فرحوا وكانوا مسرورين لانسحاب المسلمين من ميدان المعركة التي لم يستطع الرومان أن يسجلوا على المسلمين النصر الذي كانوا يأملون الحصول عليه رغم كثرتهم الغامرة الهائلة ورغم قلة المسلمين القليلة، بل لقد أنزل هؤلاء المسلمون بالرومان خسارة كبيرة قبل أن يصل إليهم هذا المدد -الذي توهم الرومان
[ ٧ / ٢٠٩ ]
أنه قد وصلهم فعلًا- لهذا أحجم الرومان عن ملاحقة المسلمين وكان سرورهم عظيمًا بانسحابهم.
وعلى أي حال فقد نجح القائد خالد في انسحابه بجيش الإسلام إنسحابا سليما منظما أنجاه به من أخطار مدمرة كانت ستحيق به بل إنها لمحيقة به لولا أن وفق الله وجوه الجيش وقادة الكتائب فأسندوا قيادته إلى هذا القائد البطل المحنك خالد بن الوليد.
المظاهرة في المدينة ضد الجيش
واصل القائد خالد بن الوليد انسحابه بالجيش من مؤتة في الشام حتى وصل المدينة دون أن يتعرض لأى مكروه.
وكانت أنباء معركة (مؤتة) في الشام قد وصلت مشوشة إلى المدينة. وشاعت شائعات فيها تقول: إن عسكر الإسلام في (مؤتة) قد فروا، وانهزموا.
.. والفرار -منذ أن شرع الله الجهاد للمسلمين في سبيله- خلة مرذولة قبحها القرآن. وما سبق للمسلمين أن فر أحد منهم من ميدان المعركة.
ولهذا فإن ما أشيع من أن المسلمين قد فروا من الرومان وانهزموا دون أن يقوموا بما يجب القيام به من الثبات والتضحية .. قد أحدث استياءًا عامًا بين الجماهير في المدينة.
لذلك لم يكد خالد يصل بجيشه إلى ضواحي المدينة (بالجرف) حتى اصطدم بمظاهرة كبيرة تندد بالجيش وكان المتظاهرون يصيحون بالجيش يا فرار .. فررتم في سبيل الله .. ويحثون في وجوه الجند والقادة التراب.
وكان الرسول العظيم - ﷺ - يدافع عن موقف الجيش ويحاول تهدئة المتظاهرين ويقول .. ليسوا بفرار ولكنهم كرّار إن شاء الله .. وكانت حقائق البطولات النادرة التي تفوق الوصف والتي قام بها جيش الإسلام في
[ ٧ / ٢١٠ ]
مؤتة. قد وصلت النبي - ﷺ - في تقارير صحيحة كما هي (١) ولهذا انبرى - ﷺ - يرد على المتظاهرين في المدينة مدافعًا عن جيشه الباسل وقائده البطل خالد بن الوليد. الذي بدهائه العسكري (كما تقدم) أنزل (في هجوم صاعق) بالرومان في مؤتة. أفدح الخسائر ثمَّ انسحب بالجيش انسحابا منظما نال عليه الإِعجاب والتقدير من الرسول الأعظم - ﷺ - بل ولا يزال حتى هذه اللحظة محل إعجاب القادة العسكريين في العالم الذين يعرفون تفاصيل خدعة خالد الحربية التي بها نفذ خطة الانسحاب وأنقذ الجيش من فناء محقق.
ومع أن الحقيقة خلاف ما أشيع عن جيش الإِسلام في مؤتة فقد ظل أهل المدينة حانقين على الجيش يؤنبون كل من لا قوه من أفراده حتى المرأة كانت لا تفتح الباب لزوجها منهم وتذكره بأنّه من الذين فروا وفضلوا الحياة على الاستشهاد في سبيل الله.
فقد روى عن أبي بكر بن عبد الله بن عتبة أنَّه كان يقول ما لقى جيش بعثوا معنا ما لقى أصحاب مؤتة من أهل المدينة لقيهم أهل المدينة بالشر حتى أن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله. فيدق عليهم الباب فيأبون أن يفتحوا له. يقولون: ألا تقدّمت مع أصحابك.
أما كبار القادة من وجوه أصحاب الرسول - ﷺ - الذين حضروا مؤتة فكانوا يلازمون بيوتهم خوفا من أن يسمعوا ما يكرهون مما يعيرهم به أهل المدينة. الذين أصروا على أن جيش مؤتة قد فر وهرب. . حتى اضطر النبي - ﷺ - إلى أن يبعث إليهم رجلًا رجلًا. ويقول: أنتم الكرّار في سبيل الله.
وروى عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كان في ذلك البعث (يعني جند مؤتة) سلمة بن هشام بن المغيرة. فدخلت امرأته على أم سلمة زوج النبي - ﷺ - فقالت أم سلمة: ما لى لا أرى سلمة بن هشام؟ أاشتكى شيئًا؟ قالت امرأته: لا والله. ولكنه لا يستطيع
_________________
(١) قدم هذه التقارير الصحيحة إلى النبي - ﷺ - أحد رجال استخباراته وهو رجل يقال له "أبو عامر" انظر طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٢٩.
[ ٧ / ٢١١ ]
الخروج. إذا خرج صاحوا به وبأصحابه "يا فرار. أفررتم في سبيل الله" حتى قعد في البيت. فذكرت ذلك أم سلمة لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: بل هم الكرار في سبيل الله فليخرج! فخرج. .
وقد كانت هذه المظاهرات التي قام بها أهل المدينة احتجاجا (على ما ظنوه فرارًا وهربا قام به جيش الرسول - ﷺ - المبعوث إلى الشام) -أول مظاهرة يقوم بها المسلمون في تاريخ الإِسلام. ومن الجدير بالذكر أن الرسول والقائد الأعلى للجيش لم يحاول التعرض للمتظاهرين ولم يأمر بتفريقهم بالقوة عندما تجمهروا بالجرف خارج المدينة يحثون التراب في وجوه الجيش ويهتفون ضده هتافات معادية، بل كل ما فعله الرسول - ﷺ - أنَّه كان يرد على المتظاهرين مزاعمهم وينفى عن جيشه تهمة الفرار والجبن. أما المتظاهرون فقد تركهم - ﷺ - يعبرون عن مشاعرهم بكامل الحرية. حتى انجلت لهم الحقيقة على مدى الأيام. واتضح لهم أن جيش الإِسلام في مؤتة (وخاصة بعد تسلم خالد قيادته) قام ببطولات لا يمكن لأى جيش هو في حجم صغره. أن يقوم بها.
أثر مقتل جعفر على رسول الله - ﷺ -
كان جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول - ﷺ -. وكان شابا ذا أخلاق رفيعة. وأريحية متناهية وصاحب كرم ونفس عالية. وكان من السابقين الأولين في الإِسلام. . وهو الذي أسلم على يده النجاشي أصحمة إمبراطور الحبشة. . وكانت له هناك مواقف محمودة. بها نافح عن الإِسلام. . وشرح وأجلى وجهة نظره السليمة لملك الحبشة وأركان دولته. مما كان له أكبر الأثر في حماية المهاجرين المسلمين اللاجئين إلى إمبراطور الحبشة من اضطهاد مشركى مكة الذين لحقوا بالمسلمين وحاول وفد ظالم منهم التأثير على إمبراطور الحبشة كى يسلمهم إليهم ليعودوا بهم إلى مكة ليضطهدوهم ويفتنوهم عن دينهم.
ولكن جعفرًا -وكان رئيس اللاجئين المهاجرين عند ملك الحبشة أصحمة- وقف بما أعطاه الله من رجاحة عقل واتقاد ذهن واستنارة
[ ٧ / ٢١٢ ]
بصيرة وقدرة على الكلام المؤثر والإِقناع. لا أن يحبط محاولة المشركين القرشيين الإِجرامية التي تستهدف إعادة المسلمين إلى جو الشرك الخانق الذي يسيطر على مكة يوم أن كان المشركون في عنفوان جبروتهم. . بل استطاع أن يقنع ملك الحبشة (النجاشي) أن يدخل في الإِسلام. ويعلن ذلك رغم معارضة مجلس الكنائس في مملكته ورغم محاولة أركان دولته القيام بثورة مسلحة لإِسقاطه بعد أن أعلن إسلامه (١). وقد كان النقاش الذي دار في قاعة العرش بمملكة النجاشي، في الحبشة بين جعفر والنجاشى ورسل قريش الذين جاءوا يطالبون النجاشي بتسليم المسلمين لهم. . كان هذا النقاش مثيرًا للغاية دلّ على فطنة وذكاء وإيمان راسخ وجزالة منطق. يتمتع بها جعفر بن أبي طالب. الذي غلب بالحجة والمنطق والحق باطل وفد المشركين في بلاط النجاشي. حتى بلغ التأثر من كلام جعفر، بالنجاشى إلى أن يأمر بطرد وفد المشركين ويعلن حمايته للمهاجرين المسلمين في بلاده، بل وإلى أن يدخل في الإِسلام، بعد أن عرف من حديث جعفر بن أبي طالب أن ما جاء به محمَّد بن عبد الله - ﷺ - هو ما جاء به نبي الله عيسى من مشكاة واحدة. . (انظر تفاصيل هذه القصة الشيقة في سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٥٦ وما بعدها) وقد سجل جعفر بن أبي طالب تلك الانتصارات للإِسلام على الشرك والمشركين وتمكن بحكمته وقوة إيمانه وقدرته على الإِقناع من إدخال الإِسلام إلى قلب ملك الحبشة نفسه فأسلم على يده (٢) تمكن جعفر من تسجيل وتحقيق كل ذلك وهو دون الثلاثين من عمره.
محبة النبي الشديدة لجعفر
وكان النبي - ﷺ - يحب جعفرا حبا شديدا لما فيه من خصال قل أن توجد في غيره. قوة الإِيمان وحسن الخلق وطيب العشرة ونقاء الضمير والشجاعة
_________________
(١) تمكن النجاشي من القضاء على هذه الثورة وظل "بتأييد من الله" ملكًا مسلمًا على شعب مسيحى حتى توفاه الله في العهد النبوى، فصلى عليه النبي - ﷺ - في المدينة صلاة الغائب.
(٢) انظر الوثائق السياسية ص ٧٥ - ٧٨.
[ ٧ / ٢١٣ ]
الفائقة والكرم العظيم. حتى قيل إنه ليس أحد أقرب إلى أخلاق رسول الله - ﷺ - من ابن عمه جعفر بل إنها لحقيقة. . أكدها الرسول - ﷺ - بقوله يخاطب جعفرًا (وكان معه في عمرة القضاء): "أشبهت خَلقى وخلقى" (١).
ولم يقم النبي - ﷺ - لأحد جاء من سفر إلا لجعفر بن أبي طالب. الذي قام له عند عودته بالمهاجرين من الحبشة، وقبل ما بين عينيه. وحجل (٢) فرحا بقدومه (٣). . وهذا يدلّ على علو منزلة جعفر ومكانته العالية في نفس النبي - ﷺ -.
وبعض الصحابة يرون أن جعفر بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -. . فقد روى الإِمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة أنَّه قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله - ﷺ - أفضل من جعفر بن أبي طالب (٤).
بكاء الرسول لموت جعفر
وقد حزن رسول الله - ﷺ - على ابن عمه جعفر حزنا شديدا. فقد تأثر لمقتله إلى حدّ أن صار يذرف الدموع حزنا عليه. . وذهب بنفسه إلى بيت جعفر لمؤاسات أهله وأبنائه وكانوا أطفالًا صغارًا.
فقد روى المؤرخون عن أسماء بنت عميس زوج جعفر بن أبي طالب أنها قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتانى رسول الله - ﷺ -، ولقد هيأت أربعين منا (٥) من أدم (٦)، وعجنت عجينى وأخذت بني فغسلت وجوههم ودهنتهم.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥٦.
(٢) حجل: مشى على رجل واحدة. والعرب يفعلون ذلك تعبيرًا عن الفرح.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥٦.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥٦. وقال ابن كثير تعقيبًا على هذا الحديث: "إسناده جيد، وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه، وأما أخوه على - ﵄ - فالظاهر أنهما متكافئان أو على أفضل" أهـ.
(٥) المن: قال في شرح أبي ذر: المن؛ هو الذي يوزن به، وهو الرطل.
(٦) الأدم. قال في النهاية في غريب الحديث ج ١ ص ٢١: ما يؤكل مع الخبز. أي شيء كان.
[ ٧ / ٢١٤ ]
فدخل على رسول الله - ﷺ - فقال: يا أسماء، أين بنو جعفر فجئت بهم إليه فضمهم وشمهم، ثمَّ ذرفت عيناه فبكى، فقلت: أي رسول الله، لعلك بلغك عن جعفر وأصحابه شيء قال نعم. أصيبوا هذا اليوم. وفي رواية لعلك بلغك عن جعفر شيء؟ فقال: . نعم، قتل اليوم. قالت: فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء. قالت فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: يا أسماء لا تقولى هُجرًا (١) ولا تضربى صدرًا. قالت: فخرج رسول الله - ﷺ - حتى دخل على ابنته فاطمة وهي تقول: واعماه. فقال رسول الله - ﷺ -: على مثل جعفر فلتبك الباكية. ثمَّ قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم. . وفي رواية: (لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم).
وروى عن عبد الله بن جعفر أنَّه قال: أنا أحفظ حين دخل رسول الله - ﷺ - على أمى فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسى ورأس أخي، وعيناه تهرقان الدموع حتى تقطر لحيته. ثمَّ قال: اللهم إن جعفرًا قد قدم إلى أحسن الثواب فأخلفه في ذريته بأحسن مما خلفت أحدا من عبادك في ذريته.
ثمَّ قال: يا أسماء ألا أبشرك؟ قالت: بلى، بأبي أنت وأمى قال: فإن الله ﷿ جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة قالت: بأبي وأمى يا رسول الله، فأعلم الناس ذلك. فقام رسول الله - ﷺ - وأخذ بيدى يمسح بيده رأسى حتى رقى على المنبر وأجلسنى أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرًا قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة، ثمَّ نزل رسول الله - ﷺ - فدخل بيته وأدخلنى وأمر بطعام فصنع لأهلى. وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده، والله غداء طيبا مباركا، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته، ثمَّ نسفته، ثمَّ أنضجته وأدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلا. فتغديت أنا وأخى معه، فأقمنا ثلاثة أيام في بيته، ندور معه كلما صار في إحدى بيوت نسائه ثمَّ رجعنا إلى بيتنا. فأتى رسول الله - ﷺ - وأنا أساوم
_________________
(١) الهجر (بضم أوله وسكون ثانيه) قال في الإِصحاح ص ٨٥١: هو الإفحاش في القول.
[ ٧ / ٢١٥ ]
بشاة أخ لي فقال: اللهم بارك في صفقته. قال عبد الله. . فما بعت شيئًا ولا اشتريت إلا بورك فيه.
أولاد جعفر الصغار
وفي حديث رواه الإِمام أحمد عن عبد الله بن جعفر. أن رسول الله - ﷺ - أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثمَّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي أبناء أخي. . فجئ بنا كأننا أفرخ (تعبيرا عن شدة صغرهم) فقال: ادعوا لي الحلاق. فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا. ثمَّ قال: أما محمَّد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله فشبيه خلقى وخلقى، ثمَّ أخذ بيدى فأشالها وقال: (اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه) قالها ثلاث مرات. قال فجاءت أمنا فذكرت يتمنا وجعلت تفرح (١) له فقال "العَيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدنيا والآخرة" وروى هذا الحديث النسائي في السير وروى بعضه أبو داود (٢).
فضل أمراء معركة مؤتة الثلاثة
لقد كان الأمراء الذين استشهدوا في معركة مؤتة. من أبرز وأشرف وجوه أصحاب الرسول - ﷺ -. . اثنان منهم من المهاجرين. وهما جعفر بن أبي طالب. وزيد بن حارثة وواحد من الأنصار وهو عبد الله بن رواحة. وكلهم من السابقين الأولين في الإِسلام.
أما زيد بن حارثة فقد كان يسمى. . (حبّ رسول الله) ويكفيه فضلا وفخرا. أنَّه نشأ وتلقى تربيته منذ الطفولة في أحضان النبوة. حيث كان
_________________
(١) تفرح. قال في النهاية تفسيرًا لهذا الخبر: فهو من أفرحه إذا غمه وزال عنه الفرح. ثمَّ قال: وإن كان بالجيم فهو من المفرج الذي لا عشيرة له، حتى قال لها النبي - ﷺ -: أتخافين العيلة وأنا وليهم؟
(٢) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٦ - ٧٦٧ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥١ - ٢٥٢ والإِصابة في تمييز أسماء الصحابة ج ١ ص ٢٣٩.
[ ٧ / ٢١٦ ]
مولى لرسول الله - ﷺ - قبل أن يبعثه الله. وعندما بعثه بالرسالة. كان من أول الذين آمنوا به.
وكان زيد محاربًا ممتازا لذلك تولى قيادة عدة سرايا محاربه المشركين داخل الجزيرة. أما جعفر فقد ذكرنا تاريخه ونبذة عن حياته بشيء من الإِسهاب كما تقدم. . إلا أن جعفر. لم يتمكن من أن يشارك في شرف النضال الحربى ضد المشركين. لكونه غائبًا فيما رواء البحار أميرًا على المهاجرين يرعى شؤونهم في الحبشة منذ أوائل ظهور الإِسلام حتى معركة خيبر. . ولهذا فإن معركة مؤتة التي استشهد فيها. هي أول عمل حربى يشارك فيه.
أما عبد الله بن رواحة. فقد كان من سادات الأنصار (الخزرج) وكان من السابقين الأولين في الإِسلام. شهد بيعة العقبة التاريخية. وكان فيها أحد النقباء الأنصار الاثنى عشر الذين انتخبهم قومهم ليتعهدوا باسمهم لرسول الله - ﷺ - بتنفيذ ما جاء في اتفاقية بيعة العقبة. وكان شاعرا من فحول الشعراء المشهورين وهو كزميليه (زيد وجعفر) من المقطوع لهم بدخول الجنة.
انظر مزيدا من التفاصيل عن تاريخ هؤلاء الأمراء الثلاثة الحافل. في الإِصابة لابن حجر العسقلانى، ونسب الأشراف والاستيعاب. لابن عبد البر. وحياة الصحابة. لمحمد يوسف الكاندهلوى. وهو كتاب قيم في أربع مجلدات.
غزوة ذات السلاسل. . (١) جمادى الآخرة. . سنة ثمان للهجرة
تعتبر قبيلة (قضاعة) (٢) وما تفرع منها من بلى وبهراء وبلقين وعذرة من
_________________
(١) ذات السلاسل. قال في إمتاع الأسماع: هو ماء وراء وادي القرى من المدينة، بينه وبين المدينة. عشرة أيام.
(٢) قضاعة (بضم القاف) قال في معجم قبائل العرب: شعب عظيم. واختلف النسابون فيه فبعضهم ينسب قضاعة إلى حمير فيقول: قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن =
[ ٧ / ٢١٧ ]
أعظم القبائل العربية المعادية للإِسلام والموالية للرومان في العهد النبوى.
وقد رأينا كيف كانت قبائل (قضاعة) رأس الحربة في جيش الرومان الذي خاض معركة (مؤتة) ضد المسلمين، وكيف أن المائة ألف من العرب المتنصرة التي حشدها الرومان على مشارف الشام لمحاربة المسلمين، كان قائدها أحد سادات قضاعة وهو (مالك بن رافلة) الذي لقى مصرعه في معركة مؤتة وهو يقود العرب المتنصرة.
والظاهر أن قبائل (قضاعة) التي تسكن فخائذها المنطقة الواسعة التي تشمل الركن الشمالي الغربي من جزيرة العرب بما في ذلك (ذات السلاسل)، والركن الجنوبي الغربي من الشام ناحية البلقاء. . هذه القبائل. . الظاهر أنها بإيعاز من حلفائها الرومان قد أخذت تحشد الجيوش للهجوم على المدينة، الأمر الذي جعل الرسول - ﷺ - يجرد (على وجه السرعة) حملة عسكرية كبيرة لضرب هؤلاء الأعراب. . وقد جرد الرسول - ﷺ - هذه الحملة إلى ديار (قضاعة) في الشمال، قبل مرور أقل من نصف شهر على معركة مؤتة الحاسمة، فقد كانت غزوة (مؤتة) في شهر جمادى الأولى، وغزوة (ذات السلاسل) في شهر جمادى الآخرة من سنة ثمان للهجرة.
_________________
(١) = حمير. وبعضهم ينسب قضاعة إلى العدنانيين. فيقول قضاعة بن معد بن عدنان. والمشهور أن قضاعة من القحطانيين من حمير. . كانت ديار قضاعة بالشحر ثمَّ نجران. ثمَّ نزحوا إلى أقصى الشمال الشرقي للجزيرة فانتشروا هناك، فصار لهم ملك تمتد رقعته ما بين الحجاز والعراق والشام وكل سواحل خليج العقبة الشرقية. وامتد ملكهم حتى جبال الكرك داخل الأردن. قال في معجم قبائل العرب: وكانت النصرانية منتشرة بينهم. وقد استعملهم الرومان على بادية العرب هناك. بلى (بفتح الباء وكسر اللام) فخائذ عظيمة. متفرعة من قضاعة. وهم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة. قال في معجم قبائل العرب. مساكنها تقع بين المدينة ووادي القرى، من منقطع دار جهينة إلى حدود جذام بالنبك على شاطئ البحر، ثمَّ لها ميامن البر إلى حدّ تبوك، ثمَّ إلى جبال الشراة، ثمَّ إلى معان. وقال ابن خلدون: كانت مواطن بلى شمالي جهينة إلى عقبة أيلة على العدوة الشرقية (من الخليج) من بحر القلزم (البحر الأحمر) وأجاز منهم أمم إلى العدوة الغربية وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة. وقال الأستاذ عمر كحالة في كتابه "معجم قبائل العرب": أما في الإِسلام فقد انضمت "بلى" إلى هرقل في غزوة مؤتة وكان معه من المستعربة عدد كبير من لخم وجذام، بلقين، بهراء، وبلى. فبلغ مائة ألف محارب. عليهم رجل من بلى.
[ ٧ / ٢١٨ ]
من هنا صح القول. إن غزوة (ذات السلاسل) هي امتداد لمعركة مؤتة. لأنَّ العناصر التي جرد الرسول - ﷺ - حملته لضربها هي نفس العناصر التي حاولت (بمساندة الرومان) سحق الجيش الإِسلامي الصغير في معركة (مؤتة). كما أن المنطقة التي وصلت الحملة النبوية إليها في تحركها، هي نفس المنطقة التي اجتازها الجيش النبوى إلى (مؤتة) بقيادة زيد بن حارثة.
ولهذا أدرجنا هذه الغزوة في هذا الكتاب باعتبارها (كما قلنا) امتدادا لمعركة مؤتة.
الاستخبارات النبوية تبلغ الرسول نبأ الغزو
لم يكن جهاز الاستخبارات العسكري التابع للمدينة بغافل عن هؤلاء الأعراب. فقد كان هذا الجهاز يترصد حركاتهم ويتلقط أخبارهم. لا سيما بعد الصدام الذي حدث في مؤتة.
ولهذا فلم يكد هؤلاء الأعراب المعادون يبدأون الحشد ويتصل قادتهم بعضهم ببعض لوضع خطة غزو المدينة. حتى كان جهاز الاستخبارات النبوى ملما بكامل تفاصيل نوايا وتحركات هؤلاء الأعراب المعادية للمسلمين، فسارع هذا الجهاز (وبأقصى سرعة) إلى تقديم تقرير شامل إلى النبي القائد - ﷺ - عن هؤلاء الأعراب وما يعتزمونه من القيام بغزو المدينة.
إسراع النبي في غزوهم قبل أن يتحركوا
وعندما اطلع الرسول القائد - ﷺ - على تقارير استخباراته العسكرية هذه. قرر أن ينقل المعركة إلى ديار هؤلاء الأعداء فيفاجئهم بجيشه في ديارهم قبل أن يتحركوا.
وتلك (غالبًا عادته - ﷺ - عندما يبلغه نبأ حشود تنوى غزو المدينة). فقد حشد النبي - ﷺ - على جناح السرعة جيشا بلغ (أول الأمر)
[ ٧ / ٢١٩ ]
ثلاثمائة مقاتل. ثمَّ أمده بنجدة حتى صار هذا الجيش خمسمائة مقاتل.
وفي المدينة استدعى النبي - ﷺ - القائد عمرو بن العاص السهمى وأسند إليه قيادة هذا الجيش وكلفه أن يطأ بهذا الجيش ديار أولئك الأعراب فيخضد شوكتهم ويدوخهم. وقد عقد النبي - ﷺ - للقائد عمرو لواءًا أبيض.
وروى أن النبي - ﷺ - لما عين عمروًا قائدًا على الجيش في تلك الغزوة. قال له: إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك. قال عمرو: فقلت، إني لم أسلم رغبة في المال، قال - ﷺ - نعم المال الصالح للرجل الصالح (١).
عمرو بن العاص القائد لأول مرة
وكما أن خالد بن الوليد كان توليه القيادة للجيش في مؤتة (عقب استشهاد القادة الثلاثة) أول عمل حربى يقوم به مجاهدا في سبيل الله عقب إسلامه. فإن غزوة ذات السلاسل هذه كانت أول مجال يقوم فيه عمرو بن العاص بعد إسلامه بعمل حربى مجاهدًا في سبيل الله.
فقد أسند النبي - ﷺ - قيادة الجيش في غزوة ذات السلاسل هذه إلى عمرو بن العاص. وكان الجيش هذا يضم سراة المهاجرين والأنصار. بينهم أبو بكر الصديق. وعامر بن ربيعة وصهيب الرومى. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسعد بن أبي وقاص من المهاجرين. . ومن سادات الأنصار. أسيد بن حضير وعباد بن بشر. وسلمة بن سلامة وسعد بن عبادة.
والعجيب أن عمرو بن العاص حين تولى قيادة هذا الجيش الذي يضم
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٤ والإصابة في تمييز أسماء الصحابة (موضع ترجمة عمرو بن العاص).
[ ٧ / ٢٢٠ ]
أركان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكن قد مر على إسلامه أكثر من أربعة أشهر. حيث إن إسلامه وخالد بن الوليد إنما كان في شهر صفر سنة ٨ للهجرة. . وغزوة ذات السلاسل التي قادها كانت في شهر جمادى الآخرة سنة ٨ للهجرة.
ولا شك أن في هذا التصرف من الرسول - ﷺ - تربية لأصحابه وحكمة يقصد من ورائها تعليمهم كيف يكون السمع والطاعة للقائد العسكري الكفؤ حتى وإن كانوا أفضل منه وأسبق إلى الإِسلام وإلى الجهاد بأرواحهم وأموالهم في سبيله. . فعمرو بن العاص وإن كان قد تأخر إسلامه. إلا أنَّه كان يمتاز بمقدرة كبيرة في فن القيادة العسكرية والمهارة السياسية. لهذا أسند إليه النبي - ﷺ - قيادة هذا الجيش الذي كان ضمن جنوده سراة المهاجرين والأنصار. . وكذلك فعل أبو بكر وعمر. حين توليا الخلافة. فقد قدما عمرو بن العاص في القيادة على سادات المهاجرين والأنصار حيث كان في عهد الخليفة الأوّل. أحد قادة الجيوش الأربعة التي اجتازت حدود الشام غازية في عهد الملك (هرقل) ثمَّ كان في عهد الفاروق هو قائد الجيش الإِسلامي الذي حرر مصر من الاحتلال الروماني فتم فتحها جميعها تحت قيادته.
الجيش يتحرك من المدينة
وفي شهر جمادى الآخرة سنة ٨ للهجرة تحرك القائد عمرو بن العاص من المدينة بجيشه البالغ ثلاثمائة مقاتل في اتجاه الشمال نحو الحدود المتاخمة للشام حيث تحتشد القبائل العربية المتنصرة الموالية للرومان. وكان مع ابن العاص من سلاح الفرسان ثلاثون فرسًا (١).
وكان القائد يغذ السير بجيشه ليأخذ العدو على حين غرة - وكما هي عادة السرايا والبعوث النبوية - كان القائد عمرو بن العاص يسير بالجيش الليل ويكمن النهار.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣٥٢.
[ ٧ / ٢٢١ ]
وقد استغرق التحرك بالجيش من المدينة عشرة أيام. بعدها وصل ابن العاص بجيشه إلى أطراف ديار الأعداء فنزل على ماء يقال له: السلاسل. والذي سميت هذه الغزوة باسمه.
ابن العاص يطلب النجدة من المدينة
وكان القائد عمرو بن العاص قد بعث أمامه برجال من استخبارات الجيش متنكرة لتختلط بالعدو في دياره وأماكن تحشداته لتعرف مدى قوته وحقيقة نواياه. ثمَّ تقدم للقائد عمرو تقريرًا مفصلًا عن ذلك. ليكون تصرفه العسكري ضد هؤلاء الأعداء مضمون العاقبة.
وقد قام رجال استخبارات الجيش بمهمتهم خير قيام. فتمكنوا من الوصول إلى ديار قضاعة وبلى وأحلافهم من الأعداء واختلطوا بهم داخل معسكراتهم دون أن يشعروا بهم. ثمَّ عادوا إلى قائد الجيش عمرو بن العاص وقدموا له تقريرا شفويا مفصلًا عن تجمع هؤلاء الأعراب ومدى قوتهم وأماكن احتشادهم.
فاتضح للقائد عمرو من هذا التقرير أن قضاعة وبلى وأحلافهم من عذرة والقين هم في جموع كبيرة لا تكفى القوة التي يقودها عمرو بن العاص لمصادمتهم.
لذلك قرر القائد عمرو التريث وعدم التعجل في الهجوم على القوم حتى يكتب إلى النبي - ﷺ - يطلب منه المدد. ثمَّ أمر جيشه بالتراجع قليلًا عن ديار القوم والاختفاء لئلا يشعروا بعمرو وأصحابه حتى تأتى النجدة من المدينة.
ولشدة حرص القائد عمرو على إخفاء وجوده وجيشه عن أنظار الأعداء في ذات السلاسل أمر بأن لا يشعل أحد النار في الليل. لئلا يكتشفهم العدو وكان الوقت شتاءًا والبرد قارصا. فحاول بعض الصحابة من جنود عمرو أن يشعل النار للتدفئة في الليل. فمنعهم القائد عمرو من ذلك. فتذمروا وشق عليهم هذا المنع لأنهم كانوا في الشمال وهي منطقة شديدة
[ ٧ / ٢٢٢ ]
البرودة كما هو معروف.
وكلم بعض المهاجرين القائد عمرًا كى يسمح للجند بإشعال النار في الليل ليستدفئوا. فأغلظ له عمرو في القول. وقال - بلهجة القائد العسكري الحازم المسئول -: أنا القائد لا أنت فاسمع وأطع - وكان أصحاب محمَّد - ﷺ - قمة في التربية الحربية والانضباط العسكرية - ولذلك فإن قائد الجيش عمرو بن العاص قال للصحابى المهاجر: اسمع لي وأطع. قال: أفعل. واستمر إشعال النار على الجيش في ذات السلاسل أمرًا محظورًا في الليل حتى جاءت النجدة من المدينة. وشرع القائد عمرو في عملياته الهجومية الحربية على الأعداء.
وقد لام بعض الناس عمرًا لشدته وإغلاظه الجواب للمهاجرين حين طلبوا منه السماح للجند بإشعال النار لدفع البرد. ولكن يظهر أن عمرًا غير ملوم في حظره إشعال النار في الليل بالقرب من معسكرات وتجمعات أعداء يخشى أن يعرفوا مكان جيشه فيعجلوا بمهاجمته قبل أن تصله النجدة التي طلبها من المدينة.
فكان عمرو بن العاص قائدا مسئولا عن سلامة جنده. وله أن يتخذ من الإِجراءات ما يكفل هذه السلامة. حتى وإن بدت هذه الإِجراءات قاسية وشديدة.
فهو يرى أن إشعال النيران في الليل - وهو بالقرب من حشود معادية يريد مباغتتها. بل ويتحاشى الصدام معها حتى تصله النجدة من المدينة - يرى أن في ذلك خطرًا على سلامة جنده لأنَّ إشعال النيران في الليل يكشف للأعداء مكان جيشه.
النجدة تتحرك من المدينة لإِسناد عمرو بن العاص
وكان القائد عمرو بن العاص. عندما رأى في تقارير استخباراته أن حشود الأعداء من الكثافة والقوة. إلى درجة ليس في الإِمكان أن يقوم جيشه بمهاجمتها وهو في ذلك العدد القليل (ثلاثمائة مقاتل) بعث (على جناح السرعة) إلى المدينة يبلغ الرسول القائد - ﷺ - حقيقة الموقف.
[ ٧ / ٢٢٣ ]
ويطلب منه أن يمده بنجدة قوية ليتمكن من تدويخ الأعداء وخضد شوكتهم وتشتيت جموعهم التي كانت تحتشد للإِغارة على المدينة.
رسول عمرو إلى النبي - ﷺ -
وكان المبعوث الذي بعثه القائد عمرو إلى الرسول - ﷺ - لطلب النجدة هو رافع بن مكيث الجهني. وقد وصل رافع المدينة وأبلغ النبي - ﷺ - رسالة القائد عمرو بن العاص. فلما اطلع النبي - ﷺ - على حقيقة الموقف. سارع إلى إمداد القائد عمرو بن العاص بنجدة كبيرة قوامها مائتان من المهاجرين والأنصار. . فيهم كثير من سراتهم - مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - وقد أسند النبي - ﷺ - قيادة هذه النجدة إلى أبي عبيدة بن الجراح.
اختلاف أبي عبيدة وعمرو
تحرك قائد النجدة أبو عبيدة بنجدته نحو الشمال يغذ السير للالتحاق بالقائد عمرو بن العاص الذي أوقف تحرك جيشه ورابط به في ذات السلاسل في انتظار المدد من المدينة.
وكان النبي - ﷺ - قد أوصى أبا عبيدة بن الجراح أن لا يختلف مع عمرو بن العاص عندما يلتحق به.
ووصل قائد النجدة أبو عبيدة بنجدته إلى عمرو في ذات السلاسل. فقوى جيش المسلمين حيث صار خمسمائة مقاتل.
وعقب وصول أبي عبيدة بنجدته أراد أن يؤم الجيش ويتقدم عمرًا في الصلاة. فاعترض عمرو وقال (محتجا) إنما قدمت مددا لي وليس لك أن تؤمنى. وأنا الأمير. وإنما أرسلك النبي - ﷺ - إلى مددًا.
فقال المهاجرون (مثل أبي بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص) لعمرو: كلا بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحايه فقال عمرو: لا. بل أنتم مدد لنا.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف - وكان حسن الخلق لين العريكة - قال لتطمئن يا عمرو - وتعلمن أن آخر ما عهد إلى رسول الله - ﷺ - أن قال: "إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا" وإنك والله إن عصيتنى لأطيعنك. فأطاع أبو عبيدة. فكان عمرو يصلى بالجيش (١).
وقفة اعتبار وتدبر
ولعله يجدر بنا معشر المسلمين - وخاصة العرب الذين مررنا ولا نزال نمر بأحلك فترة في تاريخ الصراع بل والاقتتال والختل والشتائم من أجل الزعامة. فأخلينا الساحة للعدو يفعل بنا ما يشاء ويذلنا ويمتهن كرامتنا كيف يشاء بينما تكرس كل الجهود في أكثر أقطارنا (إياها) من أجل هدمنا من الداخل - لعله يجدر بنا (إن أردنا الاتعاظ والاعتبار) أن نقف عند هذه الحادثة وقفة تدبر وإمعان.
لنرى مدى الأخلاقية العالية. ودقة الضبط في السلوك. وشيوع روح التضحية بالجاه والمنصب في سبيل جمع الصف ووحدة الكلمة. بين أولئك الرجال الذين أدبهم الإِسلام ورباهم القرآن أحسن تربية فصاروا يجعلون مصلحة الإِسلام وأمته فوق كل مصلحة وغاية. ولذلك تم لهم النصر والغلبة في كل ميدان.
فأبو عبيدة بن الجراح من السابقين الأولين ومن صفوة أصحاب محمَّد - ﷺ - الذين آمنوا به وكانوا إلى جانبه منذ انبثاق شمس دعوته الخيرة - وظلوا - أيام اشتداد المحنة عليه بمكة - كذلك يشاركونه سراء الدعوة وضراءها.
وعمرو بن العاص (﵃ أجمعين) لم يدخل في الإِسلام إلا قبل أربعة أشهر من هذه الغزوة التي أعطاه النبي - ﷺ - قيادة القوات التي كلفت القيام بها.
فأبو عبيدة ومن معه من سراة المهاجرين وأركانهم - مثل أبي بكر وعمر - يرون أن أبا عبيدة أولى من عمرو بأن يؤم الجيش - لكون أبي
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧١ تحقيق الدكتور مارسدن جونس طبعة جامعة أكسفورد.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
عبيدة من المهاجرين السابقين الأولين.
ولكن عمرو بن العاص. يرى خلاف ذلك. فهو يرى أن لا دخل للفضل والسابقة في هذا الموضوع. وإنما هو - حسب اعتقاد عمرو - الانضباط العسكري والالتزام القيادى.
فعمرو هو القائد الأوّل للجيش في هذه الغزوة. لأنَّ النبي - ﷺ - أعطاه لواءها وحدد له المهمة. وهي غزو قبائل قضاعة وبَلى وعُذرة وأحلافهم من الأعداء. فتحرك من المدينة على هذا الأساس. قائدا لغزوة ذات السلاسل.
وأبو عبيدة وأصحابه (رضي الله عن الجميع) إنما جاءوا مددا لعمرو. ونجدة بعد أن اتصل عمرو بالنبي - ﷺ - وطلب إمداده بهذه النجدة.
ولا شك أن النبي الأعظم - ﷺ - كقائد أعلى مجرب مسئول - قد توقع أن يحدث الذي حدث من الاختلاف بين القائدين (أبي عبيدة وعمرو) ولهذا كان من توصيته - ﷺ - لأبي عبيدة أن لا يختلف مع عمرو. ولهذا سارع أمين الأمة أبو عبيدة إلى حسم الخلاف وألقى بقياده إلى عمرو بن العاص. بالرغم من أن كتيبة أبي عبيدة تضم صفوة المهاجرين والأنصار.
إن في هذه الحادثة عبرا ودروسا لكل ذي منصب صغر أو كبر. . .
إن تولية عمرو بن العاص على هذه الصفوة من المهاجرين والأنصار الذين هم أفضل منه وأسبق إلى نصرة الإِسلام. تعنى أشياء كثيرة ولها مغاز واسعة في مجال التربية والتوجيه المعنوى والانضباط العسكري والتهذيب الخلقى.
بل إنها لقاعدة مكينة للسلوك الحربى المستقيم والانضباط العسكري الدقيق. فتولية عمرو على أولئك الصفوة من الصحابة تعنى (من وجهة نظر التربية العسكرية الإِسلامية) أن إطاعة أوامر القائد العادل الأعلى المسئول لا تقبل النقاش. وخاصة في ظروف الحرب.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
كما أن في تولية عمرو بن العاص قيادة أمثال أبي بكر وعمر وسعد وأبي عبيدة وسعد بن عبادة. يستفاد منها درس مهم آخر وهو أن صلاح الإِنسان وتقواه وسابقته في نصرة الإِسلام لا تعنى أحقيته دائما في السيادة وقيادة الجيوش. وإنما الأحقية هنا للخبرة الحربية. والمهارة في القيادة والسياسة العسكرية.
فالنبي - ﷺ - قد أعطى عمرو بن العاص القيادة العامة لجيش يضم صفوة أهل السابقة في الإِسلام من المهاجرين والأنصار وعمرو (مع حنكته السياسية ومقدرته الحربية) لا يصل إلى منزلة واحد ممن تولى قيادتهم من المهاجرين والأنصار من حيث الفضل والسبق إلى النصرة. فهو لم يمض على إسلامه (حينما تولى قيادة هؤلاء الأصحاب) أكثر من أربعة أشهر. ومع ذلك فقد أعطاه النبي - ﷺ - قيادتهم وصاروا جنودا يأتمرون بأمره. لأنه عالم بشئون الحرب (١).
وهذا لا يعني أن هؤلاء المهاجرين والأنصار ليس فيهم من لديه المؤهلات لقيادة الجيوش. فبينهم من قاد الجيوش (كعمرو) وفتح الفتوح مثل سعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح. وعلى كل حال فإن ما حدث في غزوة ذات السلاسل. من إسلاس سادات المهاجرين والأنصار قيادهم لمثل عمرو بن العاص الذي هو (بدون شك) دونهم في المنزلة من حيث الفضل والسابقة -هو الخط الصحيح المستقيم الذي رسمه (عبر التربية النبوية العالية) أولئك السادة البررة الكرام لمن يأتي بعدهم من أمة محمَّد. ليسيروا عليه في مجال التضحية ونكران الذات. من أجل مصلحة الإِسلام والمسلمين العليا. إنها عبرة لمن يعتبر وعظة لمن يتعظ. ممن يريدون حقا نصر الإِسلام وإعزاز المسلمين.
_________________
(١) وقد شهد له بعلمه بفنون الحرب أبو بكر الصديق. فقد ذكر في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٤ أن أبا عبيدة وعمرو بن العاص لما اختلفا وأصر عمرو على أن يمنع الجيش من إشعال النار في الليل غضب ابن الخطاب وهم أن يأتي عمرا فمنعه أبو بكر. وقال: إن رسول الله - ﷺ - لم يستعمله إلا لعلمه بالحرب. فسكت.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
الغزوة تحقق أهدافها
كانت التقارير -كما أشرنا فيما مضى- تؤكد أن قبائل قضاعة وبلى وعذرة الموالية للإِمبراطورية الرومانية تحتشد على حدود جزيرة العرب مما يلي الشام لغزو المدينة. فسارع النبي - ﷺ - وبعث بعمرو بن العاص ثمَّ أمده بمائتى مقاتل. فتكامل له من المقاتلين الصحابة خمسمائة.
وعندما استكمل هذا العدد للقائد عمرو. شرع في مهاجمة هذه القبائل المعادية واجتياح ديارها الواحدة بعد الأخرى. وقد نجح في تشتيت جموعها وخضد شوكتها وتدويخها فأزال بذلك من أذهان قادتها فكرة القدرة على مهاجمة المدينة.
فقد ذكر المؤرخون أن جموع قضاعة وبلى وعذرة وبلقين - رغم كثرتهم ورغم مساندة الرومان لهم بالمال والسلاح - قد عجزوا عن مواجهة جيش عمرو بن العاص. حيث لم يصمدوا إلا قليلًا ثمَّ شردوا ممزقين في كل سهل وجبل. تاركين ديارهم وأموالهم التي وقعت غنيمة في أيدى المسلمين.
وقد استمر عمرو بن العاص في مطاردة هؤلاء الأعراب حتى انتهى في مطاردته إلى آخر بلادهم ولم يلق أثناء مطاردتهم إلا مقاومة قليلة سحقت في الحال. وبعد أن انتهى جيش عمرو من مطاردة القوم إلى آخر بلادهم. أمر القائد عمرو بإيقاف المطاردة وأراد المسلمون أن يستمروا في تتبع المشركين فمنعهم عمرو خوفا من أن يقعوا في كمائن ينصبها الأعداء.
قال الواقدي: يصف انتصار المسلمين في هذه الغزوة -: فآب إلى عمرو جمع - فصاروا خمسمائة - فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى (١) ودوخها وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنَّه كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا به تفرقوا. حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة (٢) وبلقين (٣). ولقى
_________________
(١) قبيلة بلى (بفتح أوله وكسر ثانيه) هي أعظم قبائل قضاعة.
(٢) عذرة (بضم أوله وسكون ثانيه) قبيلة عظيمة من قضاعة.
(٣) بلقين (بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثة) قبيلة من العرب المستعربة كانوا تبعًا للدولة الرومانية. كذا قال في معجم قبائل العرب. ولم يذكر أي تفاصيل عن نسبهم.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير. فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمى يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه. وحمل المسلمون عليهم فهربوا. وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا. ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه. وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم إلا ما ذكر له (١).
ولا شك أن المسلمين - بنجاحهم في تشتيت جموع قبائل الشمال المعادية - قد أمنوا على المدينة من أي غزو خارجى. فقد جربت غطفان (أقوى وأشرس القبائل النجدية الوثنية) حظها حيث كان نصيب محاولتها اقتحام المدينة (بتحريض من يهود خيبر في غزوة الأحزاب) الفشل وها هي عشائر قضاعة من بلى وعذرة وغيرهم تنالها - بالتأديب - قوات الجيش النبوى في ديارها قبل أن تستكمل احتشادها لتتحرك نحو المدينة لغزوها بإسناد من القادة العسكريين الرومان الذين يحكمون الأقاليم الجنوبية من الشام.
عودة ابن العاص المنتصر إلى المدينة
وبعد أن دوخ عمرو بن العاص قبائل بلى وعذرة وكل عشائر قضاعة وبلقين في الشمال وشتت جموعهم وجاس خلال ديارهم حتى وصل مشارف الشام. قرر العودة إلى المدينة بجيشه الذي لم يصب منهم أحد سوى رجل واحد جرح جراحة طفيفة بسهم أصابه من الأعداء أثناء الترامى.
البشر بالنصر إلى المدينة
وقبل أن يتحرك عمرو بن العاص نحو الجنوب عائدا بجيشه بعث عوف بن مالك الأشجعي (٢) أمامه إلى المدينة ليبشر النبي - ﷺ - بما حقق الله لجيشه
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧١ تحقيق الدكتور مارسدن جونس. وطبعة جامعة أكسفورد.
(٢) هو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي. . قال الواقدي: أسلم عام خيبر وقيل كانت معه راية =
[ ٧ / ٢٢٩ ]
من انتصار ساحق على أعدائه.
وقد وصل المدينة قبل أن يصل عمرو بجيشه. وحسب رغبة القائد عمرو - قدم للرسول - ﷺ - تقريرا عن كل الأعمال التي قام بها عمرو في الشمال والنتائج الإيجابية التي انتهت إليها حملة التأديب التي قادها عمرو. وقد سر النبي - ﷺ - سرورا عظيما بنجاح عمرو في حملته التأديبية.
ثناء الرسول - ﷺ - على أبي عبيدة لسماحة خلقه
كذلك أخبر عوف بن مالك (حامل بريد القائد عمرو) أخبر النبي - ﷺ - بتفاصيل الخلاف الذي حدث بين عمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح. وإطاعة أبي عبيدة لعمرو بن العاص. وتسليمه إياه كامل القيادة. فأثنى النبي - ﷺ - على أبي عبيدة ودعا له قائلًا: يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح.
وكان القائد عمرو قد أصابته جنابة من احتلام فتوضأ فقط ثمَّ تيمم وصلَّى بالجيش دون أن يغتسل. لأنَّ البرد كان شديدا. فأنكر عليه البعض. فقال لهم: إن اغتسلت مت.
_________________
(١) = أشجع يوم الفتح. . آخى النبي - ﷺ - بينه وبين أبي الدرداء. روى عن النبي - ﷺ - وعن عبد الله ابن سلام، وروى عنه أبو مسلم الخولانى وأبو إدريس الخولانى وغيرهما. شهد فتوح الشام. وروى مجالد عن الشعبي. قال: لما قدم عمر الشام قام إليه رجل من أهل الكتاب فقال: إن رجلًا من المسلمين صنع بي ما ترى. وهو مشجوج مضروب. فغضب عمر غضبًا شديدًا وقال لصهيب الرومى: انطلق فانظر فأتنى به. فانطلق. فإذا هو عوف بن مالك. فقال: إن أمير المؤمنين قد غضب عليك غضبًا شديدًا فأت معاذ بن جبل فكلمه فإني أخاف أن يعجل عليك، فلما قضى عمر الصلاة. قال أجئت بالرجل؟ قال: نعم. فقام معاذ. فقال: يا أمير المؤمنين إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجل عليه. فقال عمر: مالك وهذا (يعني اليهودى). قال رأيته يسوق بامرأة مسلمة على حمار فنخس بها لتصرع فلم تصرع، فدفعها فصرعت فغشيها أو أكب عليها. قال فلتأتنى المرأة فلتصدق ما قلت فأتاها عوف. فقال له أبوها وزوجها: ما أردت إلى هذا فضحتنا. فقالت المرأة: والله لأذهبن معه. فقالا: فنحن نذهب عنك، فأتيا عمر فأخبراه بمثل قول عوف. فأمر عمر باليهودى فصلب وقال ما على هذا صالحناكم. قال سويد: فذلك اليهودى أول مصلوب رأيته في الإِسلام. مات عوف سنة ٧٣ هـ في خلافة عبد الملك.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
النبي - ﷺ - يقر كل تصرفات القائد ولم ينكر عليه
وعندما عاد القائد عمرو بن العاص بالجيش إلى المدينة. أثير أمام الرسول - ﷺ - موضوع منع عمرو الجيش من تعقب المنهزمين في الشمال. وموضوع صلاته وهو جنب. ومنعه الجيش من إشعال النار للتدفئة وقد استجوب النبي القائد عمرا حيال هذه الأمور الثلاثة.
فأجاب بشأن منعه الجيش من تعقب عشائر قضاعة المنهزمة في أقصى بلادها قائلًا: كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مددا فيعطفون عليهم.
أما بشأن منعه الجيش من إشعال النار أجاب عمرو: يا رسول الله. كرهت أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم. . فاستصوب النبي - ﷺ - تصرف عمرو هذا وحمده عليه (١).
أما بشأن صلاته بالجيش وهو جنب. فقد قال: والذي خلقك لو اغتسلت لمت، لم أجد قط بردًا مثله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢). فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يثبت أنَّه قال له شيئًا (٣).
نصيحة لا بد من سماعها
وهنا قصة حدثت في غزوة ذات السلاسل لا بد من ذكرها لما فيها من دروس في التربية العالية التي كان عليها أصحاب محمَّد - ﷺ -.
فقد روى عن أبي رافع بن أبي رافع الطائى أنَّه قال: كنت فيمن نفر مع أبي عبيدة بن الجراح، وكنت رجلًا أغير في الجاهلية على أموال الناس، فكنت أجمع في البيض - بيض النعام - فأجعله في أماكن أعرفها، فإذا مررت بها وقد ظمئت استخرجتها فشربت منها. فلما نفرت في ذلك البعث قلت: والله لأختارن لنفسى صاحبا ينفعنى الله به. فاخترت أبا بكر
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٤.
(٢) النساء / ٢٩.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٤.
[ ٧ / ٢٣١ ]
الصديق فصحبته، وكانت له عباءة فدكية (١) فإذا ركب خلها (٢) عليه بخلال، وإذا نزلنا بسطها. فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر رحمك الله علمنى شيئًا ينفعنى الله به. قال قد كنت فاعلا ولو لم تسألنى، لا تشرك بالله، وأقم الصلاة، وآت الزكاة وصم رمضان، وحج البيت، واعتمر، ولا تتأمر (٣) على اثنين من المسلمين.
قال: قلت: أما ما أمرتنى به من الصلاة والصوم والحج والزكاة والعمرة فأنا فاعله، وأما الإِمارة فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى وهذه المنزلة عند رسول الله - ﷺ - وعند الناس إلا بها. قال: إنك استنصحتنى فجهدت لك نفسي، إن الناس دخلوا في الإِسلام طوعا وكرها. فأجارهم الله من الظلم، - وهم عواد الله وجيران الله وفي أمانته، فمن أخفر فإنما يخفر الله في جيرانه، وإن شاة أحدكم أو بعيره ليذهب فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره، والله من وراء جاره. قال فلما توفى رسول الله - ﷺ - واستخلف أبو بكر (﵁) جئته فقلت: يا أبا بكر، ألم تنهنى أن أتأمر على اثنين؟ قال: بلى، وأنا على ذلك! قال: فما لك تأمرت على أمة محمَّد؟ قال: اختلف الناس وخشيت عليهم الهلاك، ودعوا إلى فلم أجد لذلك بدًا (٤).
قتلى الفريقين في معركة مؤتة
مما لا جدال فيه والذي أجمع عليه المؤرخون هو أن معركة (مؤتة) من أعنف المعارك - بل هي أعنف معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى - فقد التقى فيها ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين بمائتى ألف مقاتل ظلوا يروحونهم ويغادونهم القتال طوال ستة أيام كاملة.
_________________
(١) فدكية: نسبة إلى فدك وهي قرية كان يسكنها اليهود. قريب من خيبر بينها وبين المدهنة ست ليال (كذا قال في وفاء الوفاء ج ٢ ص ٣٥٥).
(٢) خلها عليه. قال في النهاية في غريب الحديث: أي جمع بين طرفيها بخلال عن عود أو حديد.
(٣) تأمر عليهم: تسلط. كذا قاله في الصحاح.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٢ وما بعدها.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
ولا أدل على عنف المعركة وضراوتها من استشهاد قادة الجيش الإِسلامي وأمرائه الثلاثة. ومقتل قائد أعراب النصارى مالك بن رافلة الذي كان يقول مائة ألف منهم.
لقد اندقت في يد قائد الجيش خالد بن الوليد (كما ذكر البخاري في صحيحه) تسعة سيوف. وهذا يدل على عنف المعركة وضراوة القتال وأن عدد القتلى بين الفريقين كان كبيرًا.
كما أن سياق المؤرخين يدل على أن الجيش الإِسلامي أنزل بالجيش الروماني وأتباعه من المرتزقة من خليط الأعراب أشنع هزيمة شهدها جيش. وهذا يعني أن قتالا ضاريًا دار سجالا بين الفريقين.
كما يدل هذا السياق أيضًا على أن المسلمين نزلت بهم هزيمة في مؤتة لم يعرفوا مثلها في تاريخهم في تلك الحقبة من الزمن. حتى أنقذ خالد بن الوليد الموقف. وبحيلة حربية وخدعة عسكرية بارعة أوقع في صفوف الجيش الروماني خسائر فادحة.
وإليكم مقاطع من أقوال المؤرخين وأصحاب السير والمغازى التي تدل (ولا بد) على أن خسائر الفريقين في معركة مؤتة كانت كبيرة جدًّا.
١ - قال ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ١٣٠. . "ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى لم أر اثنين جميعا. فأخذ اللواء خالد بن الوليد ثمَّ حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا".
٢ - روى البخاري في صحيحه عن خالد بن الوليد أنَّه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبتت في يدي إلا صفيحة يمانية" قال ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٩: "وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم".
٣ - روى الواقدي عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: وهو يصف ضراوة معركة مؤتة - بعد أن كشف الله له. وهو بالمدينة عن مكانها وقد أخذ خالد الراية وتولى القيادة: "الآن
[ ٧ / ٢٣٣ ]
حمى الوطيس" (١) وهو تعبير عن عنف القتال وضراوته. وقد عبر به - ﷺ - عن اشتداد الجلاد في معركة حنين.
٤ - ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٨ أن موسى بن عقبة قال إن المسلمين والروم والعرب المتنصرة التقوا على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدًا.
٥ - ذكر الواقدي في مغازيه ج ٢ ص () عن أبي هريرة أنَّه قال: "شهدت مؤتة فلما دنا المشركون رأينا مالًا قبل لأحد من العدة والسلاح والديباج والحرير والذهب فبرق (بكسر الراء) بصرى، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعًا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدرًا معنا. إنا لم ننصر بالكثرة" فمن ثنايا هذا الحديث يفهم أن المعركة كانت رهيبة ضارية.
٦ - قال المقريزى في إمتاع الأسماع ص ٣٤٨. . "وسقط اللواء - أي لواء المسلمين - فاختلط المسلمون والمشركون، وانهزم المسلمون أسوأ هزيمة (وقتلوا)، واتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح يا قوم، يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا، فما يثوب إليه أحد، ثمَّ تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أقرم، وصاح. . يا للأنصار، فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إليّ أيها الناس، فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان؟ فقال: لا آخذه أنت أحق به. أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد فحمله ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه فثبت حتى تكركر (٢) المشركون. وحمل بأصحابه ففض جمعا من جمعهم، ثمَّ دهمه منهم بشر كثير فانحاش بالمسلمين". ثمَّ يقول المقريزى: "ثمَّ انكشفوا -أي الرومان- منهزمين فقتلوا منهم مقتلة لم
_________________
(١) قال المقريزي: (حمى الوطيس) كلمة لم تسمع إلا من رسول الله - ﷺ -، والوطيس حقيرة تحتفر في الأرض فتوقد فيها النار ويصغر رأسها، ويخرق فيها خرق للدخان ثمَّ يوضع فيها اللحم ويسد، ثم يؤتى من الغد واللحم غاب لم يحترق، ولحمها شواء وهذه الكلمة من بليغ المجاز في شدة الحرب وقيامها واحتدامها.
(٢) كركره عن الشيء: ردَّه ودفعه وحبسه. فتكركر: ارتد.
[ ٧ / ٢٣٤ ]
يقتلها قوم" (١).
٧ - وقال ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢. . أن خالدًا لا أصبح جعل مقدمة الجيش ساقة. وساقته مقدمة وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فظن المشركون مجئ مدد للمسلمين فرعبوا وانهزموا فقتلوا قتلة لم يقتلها قوم، وكانت مدة القتال سبعة أيام وروى البخاري عن خالد. قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية أهـ (٢).
هذه المقاطع من أقوال المؤرخين وأصحاب الحديث توحى بأن القتال استمر عنيفا ضاريًا بين الفريقين في مؤتة لمدة سبعة أيام. وأن الحرب كانت خلال هذا القتال العنيف الضارى الرهيب سجالا بين المسلمين والرومان - وأن الضحايا من الفريقين كانت طوال الأيام الستة كثيرة دونما شك.
ثم انهزم المسلمون في اليوم السادس - وبعد مصرع قادتهم وأمرائهم الثلاثة - هزيمة منكرة لم يصابوا بمثلها في العهد النبوى. . فقد مزق الرومان صفوف المسلمين إلى درجة أنَّه لم ير اثنان من الجند مجتمعين. وكان القتل في المسلمين ذريعا في تلك الفترة الصعبة.
حتى تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش. وأعاد تنظيمه فتغير الموقف وتحول ميزان المعركة لصالح المسلمين. حيث شن بهم خالد على الرومان وحلفائهم هجوما معاكسا صاعقا فكشفهم وأنزل بهم هزيمة منكرة جعلت جند الإِسلام يركبونهم ويضعون فيهم سيوفهم حيث شاءوا مما مكنهم من أن يصرعوا عددًا هائلا من جنودهم، وجعل أصحاب المغازي والسير والحديث يصفون ذلك (كما تقدم) بأنّه مقتلة لم يقتلها قوم قط.
هذا هو منطوق المعركة كما ورد في مصادر الحديث والتاريخ. . ومفهوم هذا المنطوق. . وحسب التقديرات والاستنتاجات في العرف العسكري
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣٤٩.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢.
[ ٧ / ٢٣٥ ]
الذي به عادة تقدر حصائل المعارك.
لا بد وأن يكون عدد القتلى من الفريقين قد بلغ المئات. لأنَّ معركة تستمر بين عشرات الألوف لمدة سبعة أيام وبتلك الضراوة والعنف اللذين أجمع المؤرخون وأصحاب الحديث على أنهما كانا طابع المعركة منذ بدايتها حتى نهايتها. . لا بد وأن تكون الإِصابات عبر مراحلها كثيرة للغاية ليس من المستبعد أن تصل حدود الآلاف لا المئات.
عدد قتلى الأعداء في مؤتة
وإذا كان المؤرخون لم يذكروا سوى هذا العدد القليل من شهداء المسلمين في المعركة. فإنَّه لم يأت في جميع المصادر - ضمن قائمة ضحايا هذه المعركة الطاحنة - ذكر لعدد قتلى الرومان وحلفائهم سوى رجلين اثنين هما.
١ - مالك بن رافلة قائد قوات العرب المتنصرة.
٢ - فارس رومانى. لم يذكر اسمه. قتله أحد اليمانيين.
وعدد هؤلاء القتلى الذين ذكرهم المؤرخون - سواء كانوا من المسلمين أو الرومان وحلفائهم - لا يتناسب كما قلنا مع ضراوة المعركة وشدة القتال فيها. الذي استمر (بإجماع المؤرخين) عدة أيام.
فمما لا جدال فيه والذي تفرض التسليم به حسابات وتقديرات هذه المعركة الضارية العنيفة التي (باتفاق المؤرخين) نزلت فيها بكل من الفريقين (المسلمين أولًا ثمَّ الرومان وحلفائهم ثانيا) هزيمة لم يشهد مثلها في تاريخه الحربى في تلك الفترة (١) وحدثت فيها مقتلة لم يعرف الفريقان لها مثيلا في تلك الحقبة من الزمن. كما صرح بذلك المؤرخون أنفسهم. الذين صرحوا بأن المسلمين (عقب مصرع قادتهم الثلاثة) هزموا هزيمة لم يروا مثلها في تاريخهم وأن الرومان وحلفاءهم (عقب تولى خالد بن الوليد قيادة المسلمين) نزلت بهم هزيمة لم يشهدوا لها مثيلا. وحدثت فيهم مقتلة لم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٤ وطبقات ابن سعد ج ٢ ص ١٢٩ - ١٣٠ وزاد المعاد ج ٢ ص ٢٧٦ - ٢٧٧ وإمتاع الأسماع ص ٣٤٨ - ٣٤٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٤ وما بعدها.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
يحدث في قوم مثلها قط (١).
استدراك وتعقيب
إذن فالذي لا يمكن لأى باحث إلا أن يرجحه هو أن عدد ضحايا هذه المعركة الطاحنة (معركة مؤتة) من الفريقين قد بلغ المئات. . واقتصار المؤرخين على ذكر أسماء هذا العدد القليل من القتلى لا ينفى هذه الحقيقة التي لا بد من التسليم بها.
فالمؤرخون الذين تحدثوا عن هذه المعركة الطاحنة لم ينفوا جسامة الخسائر في هذه المعركة وضخامة عدد القتلى فيها. بل أثبتوا ذلك في الجملة بكل وضوح كما تقدم.
ولكنهم كمؤرخين ثقات أمناء يقدرون مسئولية ما يكتبون للأجيال التي من بعدهم لم يذكروا إلا ما أوصل الرواة إلى علمهم أسماء هذا العدد الضئيل من القتلى. الذين هم (دونما شك) أقل عشرات المرات من العدد الحقيقي لضحايا هذه المعركة الطاحنة.
وكما قلنا فإن اقتصار المؤرخين على ذكر هذا العدد القليل من شهداء المسلمين ولأقل منه من قتلى الرومان لا ينفى وجود عدد ضخم من القتلى بين الفريقين لم يتمكن أحد من إحصائهم. لذلك اكتفى المؤرخون بالإِشارة إلى ضخامة عددهم دونما إعطاء تفصيل بأعدادهم وأسمائهم، كقولهم (كما تقدم). . فكانت الهزيمة وقتل المسلمون واتبعهم المشركون -وكقولهم: - لما تولى خالد انكشف المشركون منهزمين فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم قط.
ولكن ما بين أيدينا من مصادر تاريخية لا تذكر من قتلى المسلمين سوى عدد قليل. ذكر الواقدي أنهم ثمانية فقط. وذكر ابن هشام عن ابن إسحاق أنهم اثنا عشر شهيدا. . حسب رواية الواقدي أربعة من المهاجرين. وأربعة من الأنصار. وحسب رواية ابن إسحاق. أربعة من
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٦٤ وطبقات ابن سعد ج ٢ ص ١٢٩ - ١٣٠ وزاد المعاد ج ٢ ص ٢٧٦ - ٢٧٧ وإمتاع الأسماع ص ٣٤٨ - ٣٤٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٤ وما بعدها.
[ ٧ / ٢٣٧ ]
المهاجرين وثمانية من الأنصار. وأسماؤهم كالتالي. من المهاجرين.
١ - جعفر بن أبي طالب (١).
٢ - زيد بن حارثة (٢).
٣ - مسعود بن الأسود بن حارثة العدوي (٣).
٤ - وهب بن سعد بن أبي سرح العامري (٤).
ومن الأنصار
١ - عبد الله بن رواحة (٥) من الخزرج.
٢ - عبّاد بن قيس (٦) من الخزرج.
٣ - الحارث بن النعمان بن أساف (٧) من الأوس.
٤ - سراقة بن عمرو بن عطية (٨) من الخزرج.
٥ - أبو كليب بن عمرو (٩) من الأوس.
٦ - جابر بن عمرو بن زيد (١٠) من الأوس.
٧ - عمرو بن سعد (١١) من الأوس.
_________________
(١) تقدمت ترجمة جعفر فيما مضى عن هذا الكتاب.
(٢) انظر ترجمة زيد بن حارثة في كتابنا "غزوة بدر الكبرى".
(٣) هو مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف العدوي القرشي. . معروف بابن العجماء هو وأخوه مطيع من السبعين الذين هاجروا. وشهدوا بيعة الرضوان. وكان من رواة الحديث عن رسول الله - ﷺ -.
(٤) هو وهب بن سعد بن أبي سرح الفهرى القرشي، أحد القائد الشهير عبد الله بن سعد بن أبي سرح. قال ابن سعد في الطبقات: شهد بدرًا في قول موسى بن عقبة. آخى الرسول - ﷺ - بينه وبين سويد بن عمرو. وقتلا يوم مؤتة معا. . شهد وهب أحدا والخندق والحديبية وخيبر. استشهد وله من العمر أربعون سنة.
(٥) انظر ترجمة عبد الله بن رواحة في كتابنا "غزوة بدر الكبرى".
(٦) هو عباد بن قيس بن عبسة بن أمية بن مالك الخزرجى الأنصاري قال ابن سعد: شهد بدرًا هو وأخوه سبيع.
(٧) هو الحارث بن النعمان بن أساف بن نضلة النجارى الأنصاري.
(٨) هو سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء الخزرجى. شهد بدرًا وأحدًا والخندق وخيبر والحديبية.
(٩) قال في الإِصابة: أبو كليب ويقال له أبو كلاب بن عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري.
(١٠) هو جابر بن عمرو بن زيد شقيق أبي كليب.
(١١) هو عمرو بن سعد بن الحرث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن أقصى بن حارثة. ذكره ابن =
[ ٧ / ٢٣٨ ]
٨ - عامر بن سعد (١) من الأوس.
هذه هي الأسماء التي ذكر المؤرخون أن أصحابها استشهدوا من المسلمين. ثمانية فقط على ما قاله الواقدي. واثنا عشر على ما ذكره ابن إسحاق. وبقية المؤرخين لا يخرجون عن نطاق هذا العدد.
وهو عدد لا يتناسب وما وصف به المؤرخون (دونما استثناء) المعركة من ضراوة وعنف وشدة وطول جلاد استمرت سبعة أيام متوالية لا يفصل فيها بين عشرات الألوف من المتحاربين إلا ظلام الليل.
ويمكن أن يبرز هنا سؤال وهو. . أن عنف المعركة وضراوتها وعدم تمكن الجيش الإِسلامي من البقاء في ساحاتها (بعد انتهائها) وقتا كافيا يمكنه من إحصاء عدد قتلى الأعداء من الرومان وحلفائهم من العرب غير المسلمين. الذين أكد المؤرخون أنَّه عدد كان ضخما للغاية. حيث وصفوا بأن مقتلة حدثت فيهم لم يحدث مثلها قط. فلماذا لم يذكر المؤرخون المسلمون سوى عدد قليل من قتلى المسلمين الذين لا بد وأن يكونوا (تناسبا مع طول المعركة وضراوتها وعنفها) أكثر بكثير من هذا العدد القليل الذي لم يتجاوز الاثنى عشر شهيدًا على ما جاء في سيرة ابن هشام، وثمانية شهداء على ما جاء في مغازي الواقدي؟؟
ويمكن الإِجابة على التساؤل بما يلي:
١ - إن اقتصار بعض المؤرخين على ذكر هذا العدد القليل من قتلى المسلمين. لا ينفى (بصورة قاطعة) أن يكون عدد الشهداء أكثر بكثير من هذا العدد. فأصحاب السير لا يسجلون في سجلاتهم إلا ما ثبت لديهم من الأسماء.
٢ - يمكن القول أن جمهرة الجيش الإِسلامي في مؤتة هم من أبناء البادية من مختلف القبائل الذين لم يكونوا من سكان المدينة المعروفين. بدليل أن قائد ميمنة المسلمين هو رجل من بني عذرة. وهي قبيلة بدوية. لم
_________________
(١) = شهاب في مختصر السيرة النبوية.
(٢) هو عامر بن سعد أخو عمرو بن سعد بن عامر بن ثعلبة.
[ ٧ / ٢٣٩ ]
يترجم له أصحاب معاجم تراجم الصحابة سوى قولهم أنَّه عباية بن مالك العذرى.
٣ - يتضح للمتتبع لمراحل معركة مؤتة أن قادة وزعماء ووجوه المهاجرين والأنصار وأهل السابقة لم يأت ذكر لأسمائهم بين قادة وجنود جيش الإِسلام في مؤتة. إذا استثنينا زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وثابت بن أقرم وخالد بن الوليد الذي لم يمض على إسلامه يوم ذاك سوى ثلاثة أشهر: الأمر الذي يعضد القول: أن جمهرة الجيش الإِسلامي هم من أهل البادية من مختلف القبائل الذين عمر الإِسلام قلوبهم حديثًا. فخاضوا تلك المعركة الضارية العنيقة الطويلة بتلك الشجاعة والبسالة المتناهيتين.
٤ - من هنا أمكن القول. . إن شهداء كثيرين من مختلف أبناء القبائل (البادية) صرعوا في هذه المعركة الطاحنة، لم يتمكن أحد ممن هم مرجع لرواة الحديث والسير والتراجم من التعرف عليهم ومعرفة أسمائهم وإحصاء عددهم. لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المسلمين لم يسيطروا على مكان المعركة (بأية صورة من الصور) بعد انتهائها، يمكنهم من التعرف على كل القتلى وإحصاء عددهم. بل كان همهم الوحيد بعد أن صرع قادتهم الثلاثة وبعد أن استمر القتال سبعة أيام أن ينسحبوا ببقية الجيش سليمًا من الميدان ودونما خسارة تذكر. وهذا هو الذي حدث بالفعل فبالخدعة الحربية التي ذكرنا تفصيلها فيما مضى من هذا الكتاب تمكن خالد بن الوليد من أن يسحب الجيش الإِسلامي ويخلصه من خطر الإِبادة أو الوقوع في الأمر. . فترك الميدان للرومان وحلفائهم فبقى مكان المعركة تحت سيطرة الرومان وحلفائهم. وهؤلاء (لبقائهم مسيطرين على ساحة الميدان بعد انتهاء المعركة وانسحاب المسلمين الذين انسحب بهم خالد على عجل وفي حذر شديد) يستطيعون أن يحصوا بحرية ودقة عدد القتلى من الفريقين. ويسجلوهم في سجلات تاريخهم. ولكن ما بين أيدينا من مصادر التاريخ البيزنطى المترجم (وهو شيء قليل جدًّا) لم نجد فيه أي ذكر لمعركة مؤتة بل ولا حتى لمعركة اليرموك التاريخية الشهيرة.
[ ٧ / ٢٤٠ ]
وقد يكون البيزنطيون أرخوا لمعركة مؤتة وذكروا تفاصيلها وأعطوا إحصاءا دقيقا عن عدد قتلى الفريقين. ولكن هذا التاريخ ضاع كما ضاع العنصر البيزنطى نفسه وتلاشى بعد أن اختلط وامتزج بسلالات وشعوب أخرى حتى لم يعد له أي وجود كأمة مستقلة. كما هو الحال بالنسبة للعرب.
أما الشهداء الاثنا عشر فكلهم مشهورون معروفون فهم من الأنصار والمهاجرين ومن أهل المدينة. فعندما افتقدهم أهلوهم شاع خبر استشهادهم وسهل على رواة الحديث وكتاب التاريخ والسير أن يسجلوهم في سجلاتهم. لا سيما وأن قطبى تدوين السيرة النبوية (محمَّد بن عمر الواقدي ومحمد بن إسحاق) هما من أهل المدينة.
أما الشهداء من أبناء القبائل من أهل البادية (وهم الأكثرون فيما نظن) فلم يكن (بالتأكيد) لشيوع ذكر استشهادهم ما كان لشيوع ذكر استشهاد أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، لأنَّ ذويهم منتشرون متفرقون في نواحى البادية. فصار من الصعب على المختصين في تدوين السير والمغازى من أهل الحاضرة الحصول على أسمائهم وأعدادهم، وليس هناك ديوان إحصاء للجند في ذلك العهد يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش. ثمَّ إثبات أسماء الذين تم استشهادهم في المعركة. حتى يحرص ذوو الشهداء من أهل البادية على تسجيلهم في هذا الديوان. ويسهل بالتالى على كتاب السير والمغازى الحصول على أسمائهم وأعدادهم بصورة دقيقة كاملة. . فمما لا شك فيه (إذن) أن هناك جنودا للإِسلام مجهولين كثيرين استشهدوا في معركة مؤتة الطاحنة كلهم من أبناء القبائل البادية. لم يعرف عددهم ولم تعرف أسماؤهم للأسباب التي ذكرنا.
هذا مجرد اجتهاد واستنتاج وتقييم جعلنا نبديها استساغتنا للقاعدة الفلسفية التاريخية التي وضعها فيلسوف التاريخ والاجتماع الأوّل الإِمام ابن خلدون والتي أخذنا بها. . والقائلة (وكما طبقها الإِمام ابن خالدون في مقدمته الشهيرة) أن على المؤرخ الباحث أن لا يجمد على النصوص المتعلقة بالتاريخ بل عليه أن يقيم الأحداث ويزن الأمور بميزان العقل ويستخرج
[ ٧ / ٢٤١ ]
الحقائق أيضًا من الواقع التاريخي والتي قد لا تكون النصوص كافية لإِثباتها أو استخراجها كلها من واقع الأحداث التي عنها نتحدث.
واستنادا إلى قاعدة الفيلسوف ابن خلدون التي وضعها لتقييم التاريخ واستخدام العقل - بالإِضافة إلى النصوص - للغربلة والاستدراك والاستنتاج. أدى بنا الاجتهاد والاستنتاج والمقارنة والتقييم إلى الاعتقاد بأن عدد القتلى التي ذكرتها النصوص في كتب التاريخ (كحصيلة لمعركة مؤتة الفاصلة الرهيبة) لا تتناسب وضراوة هذه المعركة وعنفها والأعداد الهائلة من المحاربين الذين اشتركوا فيها وظلوا يتجالدون فيها طوال عدة أيام، حسبما ذكره وأجمع عليه كافة المؤرخين وأصحاب المغازي والسير.
وعلى العموم فإن هذا القول منا. هو مجرد نظر واجتهاد واستنتاج، قد نكون مخطئين فيه والكمال لله وحده وهو حسبنا ونعم الوكيل.
تعقيب ابن كثير على عدد قتلى المسلمين في المعركة
ويمكن القول أن إماما واحدا من أئمة كتاب التاريخ -هو الإِمام ابن كثير صاحب أكبر موسوعة في التاريخ وهي البداية والنهاية- قد عقب على قلة عدد القتلى المسلمين في هذه المعركة الطاحنة. فاستعجب أن يكون عدد القتلى اثنا عشر فقط: مع ضراوة المعركة وشدتها وضخامة الأعداد الهائلة من المحاربين الذين اشتركوا فيها لعدة أيام. فقال (بعد أن ذكر أسماء الاثنى عشر شهيدا من المسلمين وكأنه قد استقل هذا العدد). . وهذا عظيم جدًّا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهي الفئة التي تقاتل في سبيل الله (عدتها ثلاثة آلاف) وأخرى كافرة (وعدتها مائتا ألف مقاتل)، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثمَّ مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قتل من المشركين خلق كثير. . هذا خالد بن الوليد وحده يقول: . لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية (١) فماذا ترى قد قتل (أي خالد) بهذه الأسياف كلها: دع غيره من الأبطال
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٩٥ طبعة إدارة الطباعة المنيرية بمصر.
[ ٧ / ٢٤٢ ]
والشجعان. ثمَّ يقول الإِمام ابن كثير: "وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). أهـ (٢)
هل انتصر المسلمون في مؤتة أم انهزموا؟ .
إن سياق أصحاب المغازي والسير فيه اختلاف (بعض الشيء) في وصف معركة مؤتة والحال التي كان عليها الجيش الإِسلامي. فبعضهم يقول: إنهم انهزموا بعد مقتل قادتهم الثلاثة ومضوا في هزيمتهم حتى المدينة وبعضهم يقول: إنهم صبروا وقاتلوا قتالًا شرسًا ولم يتمكن الرومان من التغلب عليهم. حتى صُرع قادتهم الثلاثة. فأصابتهم الهزيمة. وأخذوا في الفرار. إلا أن خالد بن الوليد أنقذ الموقف حين تسلّم قيادة الجيش فأعاد المنهزمين وقام بتنظيم الجيش من جديد وشنَّ على الرومان هجومًا مضادًا أزال به صفوفهم وأشاع الرعب في قلوبهم وأحدث فيهم مقتلة عظيمة ثمَّ انسحب بالجيش سليمًا دونما أيَّ فوضى أو اضطراب. وهذا هو الذي سماه بعض المؤرخين فتحًا. . وهذا الرأي الأخير هو الرأي الصحيح وهو ما شهد به النبي - ﷺ - في حديث أدلى به من على منبر المسجد في المدينة فقد قال - ﷺ - وهو أصدق الصادقين -. قال وهو يصف معركة مؤتة لأهل المدينة كما أراها الله: "باب خير باب خير باب خير. أخبركم عن جيشكم هذا الغازى. إنهم انطلقوا فلقوا العدوَّ. فقُتِل زيد شهيدًا فاستغفروا له. ثمَّ أخذ الراية جعفر. فشدَّ على القوم حتى قُتِل شهيدًا فاستغفروا له. ثمَّ أخذ الراية عبد الله بن رواحة وأثبت قدميه حتى قُتِل شهيدًا فاستغفروا له ثمَّ أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه ولكنه سيف من سيوف الله فآب بنصره. وفي لفظ ثمَّ أخذ الراية خالد بن الوليد. نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار والمنافقين من
_________________
(١) آل عمران / آية ١٣.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥٩.
[ ٧ / ٢٤٣ ]
غير إمرة حتى فتح الله عليه" (١).
ما حدث في مؤتة هو فتح للمسلمين بدون شك:
والواقع أننا إذا نظرنا إلى أصل المهمة التي من أجل تحقيقها بعث النبي - ﷺ - هذا الجيش إلى الشام. لوجدنا أنها مهمة تأديبية فقط. ولم يكن وارد (إطلاقًا) في تعليمات الرسول لقادة هذا الجيش أن يحتلوا أيَّة منطقة من الشام. بل كان الهدف التأديب والانتقام من الغادرين الذين قَتَلوا (غدرًا) رسول النبي - ﷺ - المبعوث إلى ملك الغساسنة في الجولان. وغدروا بخمسة عشر من الصحابة قتلوهم داخل بلاد الشام وهم بعثة سلام مهمتهم دعوة الناس إلى الإِسلام بالحسنى.
فهي (إذن مهمة تأديب وانتقام) على الجيش أن يقوم بها ثمَّ يعود إلى المدينة. ولكن هذا الجيش الصغير (ثلاثة آلاف مقاتل) فوجئ بما لم يكن في الحسبان. حين وجد نفسه أمام مائتي ألف مقاتل من الرومان والعرب المتنصرة. ولكن قادة الجيش (مع ذلك) واصلوا تحرّكهم حتى اصطدموا بالرومان وحلفائهم في (مؤتة) على النحو الذي فصلناه. فقاتلوهم سبعة أيام (ورغم قلتهم وكثرة العدو) أنزلوا بالعدوِّ (وخاصة بعد تسلم القائد خالد قيادة الجيش) خسائر قادحة وقتلوا ضمن من قتلوا (سدوس) أخا شرحبيل بن عمرو الذي غدر برسول النبي - ﷺ - الحارث بن عمير فقتله (صبرًا). كما قتلوا القائد العام لقوات العرب المتنصرة. مالك بن رافلة (٢).
كما أن القائد ابن الوليد (على أصح الروايات) لم ينسحب بالجيش من (مؤتة) إلى المدينة إلا بعد أن ترك الجيش الروماني في حالة اضطراب وهزيمة.
إذن فالجيش النبوى لم ينهزم ولم يفر من (مؤتة). وإنما انسحب بعد أن قام بالمهمة التي أوكلها إليه الرسول القائد - ﷺ -. . وذلك الذي صنعه خالد بن الوليد هو عين الانتصار والفتح، كما أكد ذلك رسول الله - ﷺ - كما تقدم.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٥٠.
[ ٧ / ٢٤٤ ]
نصر بعد هزيمة
والواقع الذي لا بد من أن يسلم به الباحث عقب تحقيقه في مختلف النصوص المتعلقة بمعركة (مؤتة) هو أن جيش الإِسلام قاتل ببسالة منقطعة النظير طوال ستة أيام. ولكنه في اليوم السادس أصيب بهزيمة منكرة، وتمزق تمزقًا مريعًا. ولكنه في اليوم نفسه استعاد تنظيمه فتلاحمت صفوفه من جديد، بعد أن تحمل القائد خالد بن الوليد مسئولية قيادته، فأعاد إليه ثقته بنفسه. ثمَّ قاده إلى القتال من جديد حتى جعله في اليوم السابع ينزل بالرومان وحلفائهم أشنع هزيمة، ويسجل لنفسه، أروع انتصار. سماه النبي - ﷺ - كما تقدم في رواية البخاري - فتحًا. يضاف إلى ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته الكبرى عن صاحب رسول الله - ﷺ - أبي عامر (١) أن المسلمين في (مؤتة) هزموا أسوأ هزيمة عرفوها في تاريخهم عقب استشهاد قادتهم الثلاثة، ثمَّ هزموا (بعد ذلك) أعداءهم الرومان وحلفاءهم أشنع هزيمة عرفوها في تاريخهم. حيث ركبهم المسلمون ووضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا. وذلك بعد أن تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش (٢).
رأي ابن كثير في هزيمة المسلمين وانتصارهم
ومن المؤرخين الذين اعتبروا ما قام به المسلمون في (مؤتة) هو فتحًا وانتصارًا. . الإِمام ابن كثير الحجة والقدوة في التاريخ وقد أيد رأيه هذا في كتابه (البداية والنهاية) بعدة أدلة فقال:
لما قتل ابن رواحة مساءً بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته وميمنته ميسرته، فأنكروا (أي الرومان) ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم (يعني المسلمين) وقالوا: قد جاءهم مدد،
_________________
(١) أبو عامر هذا ذكره ابن منده وأخرج من طريق عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر (نفسه) قال: بعثنى رسول الله - ﷺ - إلى الشام فذكر الحديث (الإِصابة في تمييز أسماء الصحابة ج ٤ ص ١٢٤).
(٢) انظر طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٣٠.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
فرعبوا وانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. ثمَّ يسند ابن كثير رأيه هذا بقول إمام آخر في التاريخ هو موسى بن عقبة فيقول .. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة (١) ﵀ في مغازيه، فإنَّه قال بعد عمرة الحديبية ثم صدر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة فمكث بها ستة أشهر، ثمَّ أنَّه بعث جيشًا إلى مؤتة. فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم، بها تنوح وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثمَّ التقوا على زرع أحمر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثمَّ أخذه جعفر فقتل، ثمَّ أخذه عبد الله بن رواحة فقتل، ثمَّ اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله - ﷺ - على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين.
ثمَّ يعلق ابن كثير على كلام موسى بن عقبة فيقول: فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالدًا إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط. وموسى بن عقبة والواقدى مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعًا. . ثمَّ أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، ورواه البخاري، وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث. ثمَّ يستطرد ابن كثير فيقول: قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدًا، لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدى الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة -كما ذكره الواقدي- توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزمهم بإذن الله، والله وأعلم.
وفي موضع آخر يقول ابن كثير (معضدًا رأيه بأن جيش الإِسلام قد انتصر في مؤتة) يقول: بعد أن يورد حديثًا مطولا رواه الإِمام أحمد عن عوف
_________________
(١) هو موسى بن أبي عياش الأسدي، يعتبر من أقدم وأوثق المؤرخين وكتابه في المغازي من أهم المصادر لمن أتى بعده من المؤرخين. وهو من طبقة ابن إسحاق والواقدي. وأثنى عليه الإمام مالك فقال: عليكم بمغازي موسى بن عقبة.
[ ٧ / ٢٤٦ ]
ابن مالك الأشجعي عن معركة مؤتة وقصة الجندى اليمانى الذي قتل أحد فرسان الروم وغنم فرسه وسلاحه، فصادر خالد كل ذلك من الجندى اليمانى. فشكاه إلى رسول الله - ﷺ - فأمر الرسول - ﷺ - خالدًا أن يعيد إلى الجندى اليمانى ما كان قد صادره منه (فرس الرومى وسلاحه) - يقول ابن كثير: وهذا يقتضي أنهم (أي المسلمين) غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدًا (﵁) قال: اندقت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية، وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم.
ثمَّ يقول ابن كثير: وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدى والبيهقي، وحكاه ابن هشام عن الزهري. قال البيهقي ﵀: إنه اختلف أهل المغازي في فرارهم (أي المسلمين) وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك، ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين، وأن المشركين انهزموا. قال: وحديث أنس بن مالك (أي الذي أخرجه البخاري) عن النبي - ﷺ - "ثمَّ أخذها - (أي الراية) - خالد ففتح الله عليه" يدلّ على ظهورهم والله أعلم.
ثمَّ يزيد الإِمام ابن كثير رأيه تعضيدًا فيقول: وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذرى - وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن رافلة. وهو أمير أعراب النصارى فقتله، وقال يفتخر:
طعنت ابن رافلة بن الأراش برمح مضى فيه ثمَّ انحطم
ضربت على جيده ضربة فمال كما مال غصن السلم
وسقنا نساء بني عمه غداة رقوقين سوق النعم
وهذا يؤيد ما نحن فيه لأنَّ من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثمَّ إنه صرح في شعره أنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه والله أعلم. وأما ابن إسحاق فإنَّه ذهب إلى أنَّه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدى الروم، وسمى هذا نصرا وفتحا "أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو
[ ٧ / ٢٤٧ ]
بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا بالكلية، فلما تخلصوا منهم انحازوا عنهم، كان هذا غاية المرام في هذا المقام، وهذا محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله ﵊ "ففتح الله عليهم" والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه. فقال: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومحاشاته بالناس وانصرافه بهم. قيس بن المحسر يعتذر عما صنع يومئذ وصنع الناس يقول:
فوالله لا تنفك نفسي تلومنى على موقفى والخيلُ قابعة قُبَلْ
وقفتُ بها لا مستجيزا فنافذا ولا مانعًا من كان حُمَّ له القَتَلْ
على أننى أسيت نفسي بخالد ألا خالد في القوم ليس له مَثل
وجاشت إليَّ النفس من نحو جعفرٍ بمؤتة إذا لا ينفع النابل النَّبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما مهاجرة لا مشركون ولا عذل
قال ابن إسحاق: فبيّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة (١).
تحقيق المقام في أن ما قام به خالد في مؤتة نصر لا مثيل له
والواقع أن ما فعله جيش الإِسلام الصغير في (مؤتة) وما قام به القائد الفذ خالد بن الوليد من انسحاب منظم بهذا الجيش حتى وصل به المدينة سليمًا وعلى تعبئة تامة. بعد قتال ضار عنيف استمر سبعة أيام، في (مؤتة) هو عين البطولة، ويمثل أعلى درجات النصر. . هذه حقيقة تؤكد صحتها كل الأعراف والمقاييس العسكرية في كل عصر وزمان.
وإلا فماذا يريد الذين يصرون على تسمية ما حدث من جيش الإِسلام في (مؤتة) هزيمة وانكسارًا وفرارًا؟ .
هل يريدون من هذا الجيش الصغير أن يظل يصارع الرومان حتى يفنى عن آخره جوعًا أو قتلًا بالتقسيط.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٧ - ٢٤٨ - ٢٤٩ - ٢٥٠.
[ ٧ / ٢٤٨ ]
إن بقاء الجيش الإِسلامي يقاتل الرومان في مؤتة إلى ما لا نهاية (بعد استمراره سبعة أيام يقاتلهم فيها بضراوة) يعتبر ضربًا من الانتحار. لا يرضاه النبي - ﷺ -. ولهذا رأينا النبي - ﷺ - يثنى أعظم الثناء على القائد خالد بن الوليد ويسميه سيف الله. لأنه انسحب بالجيش انسحابًا منظمًا جنبه ما كان يخشى عليه من إبادة وتمزيق.
أعلى وسام في الدولة تمنحه بريطانيا للقائد الذي نجح في الانسحاب من أدنكرك
وفي القرن العشرين رأينا كيف منحت ملكة بريطانيا القائد الإِنكليزى في (فرنسا) أعلى وسام في الدولة لأنه نجح في الانسحاب بالجيش من دانكرك في فرنسا إلى بريطانيا بأقل خسارة ممكنة. انسحب من أمام جيش الألمان الذي هو مساو له في العدد. ولكن الجيش البريطانى كان منهكًا في القتال لبعد خطوط تموينه وعدم وجود من يخلفه ليأخذ شيئًا من الراحة.
فكيف إذن لا يسمى ما قام به خالد بن الوليد حين قام بسحب جيشه على ذلك النحو المشرف. وبذلك الأسلوب البارع أمام سمع وبصر مائتي ألف مقاتل من الأعداء وقفوا مشلولي الحركة لا يحركون ساكنًا ضد هذا الجيش الصغير وهو ينسحب من الميدان. مع أن عدده لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل. . كيف لا يسمى ما قام به خالد بن الوليد نصرًا وفتحًا؟ . .
وما أعرف الرسول النبي والمحارب والقائد - ﷺ - وأبصره بالشئون العسكرية وما أقدره على تقدير ظروف وملابسات المعارك. ولقد برهن الرسول الأعظم - ﷺ - على أنَّه قمة في المعرفة بأقدار الرجال حين منح القائد خالد بن الوليد لقب (سيف الله) في الوقت الذي تلقى فيه جمهور المدينة خالدا وجيشه بالحجارة يقذفونهم بها والتراب يحثونه في وجوههم. ساعة عودتهم من معركة مؤتة.
إن تصرف الرسول القائد - ﷺ - إزاء القائد والجيش العائدين من (مؤتة) يدحض كل زعم قائل: إن جيش المسلمين قد فر وانهزم. أو أنَّه لم يحقق الأهداف التي تحرك من المدينة لتحقيقها.
[ ٧ / ٢٤٩ ]
دروس من معركة مؤتة
لقد كانت أحداث معركة (مؤتة) الخالدة دروسا يجب أن ينظر فيها بإمعان ويتلقاها بكل تفهم؛ كل جيل من أبناء الإِسلام يطمع حقًّا في نيل العزة والكرامة والرفعة والسمو بانتزاع عناصر الهزيمة والمزلة من النفوس.
نظرة وتحليل
لقد كانت هناك أعظم الدروس التي يمكن بل يجب استخلاصها مما حدث من الصحابة في معركة (مؤتة) بالشام. فحرب الأيام الستة التي خاضها (بكل ضراوة وعنف واستبسال) ثلاثة آلاف مسلم ضد مائتي ألف من الرومان وأتبعهم الذين يفوقونهم (من الناحية البشرية) سبعين ضعفا. ويتفوقون عليهم في التكنولوجيا (العلوم العسكرية) وحسن التسليح ووفرته بما لا جدال فيه لدى أي من المؤرخين (مسلمين كانوا أم غير مسلمين) هذه لحرب التي ثبت وقاتل واستبسل فيها المسلمون على ذلك النحو البطولى. ترك درسًا خالدًا لا يزال حيًّا ويجب أن يتلقاه الجندى المسلم في كل مراحل تدريبه العسكري وتسقيفه الحربى وهو أن العقيدة السليمة المكينة التي تربط بين الإِنسان وربه. وتجعله على صلة صحيحة صادقة بربه. غاية ما يتمنى الاستشهاد في سبيله تعالى. يشترط تمركزها في نفس كل محارب مسلم قبل كل شيء.
لأنَّ تغلغل العقيدة الإِسلامية الصحيحة في النفس قد أعطت (عمليًّا) النتائج الإِيجابية الرائعة المدهشة إلى درجة تقرب من المعجزة.
فلولا تغلغل هذه العقيدة في أعماق الرجال الذين خاضوا معركة مؤتة ضد الرومان. لما فكروا في البقاء لحظة داخل الأراضي الرومانية (في البلقاء) فضلًا عن تفكيرهم في مواصلة الزحف والاصطدام بالجيش الرومان. بعد أن أفادت تقارير استخباراتهم أن قوات هذا الجيش تتفوق عليهم في العدد سبعين ضعفا.
إنه بالرغم من ضرورة الاهتمام بالإِعداد المادى من رجال وخيل وسلاح لخوض المعارك كما حث على ذلك القرآن الكريم ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
[ ٧ / ٢٥٠ ]
رِبَاطِ الْخَيلِ﴾ (١) فقد أثبت أبطال (مؤتة) المسلمون من أصحاب محمَّد أن القوة المادية ليست كل شيء في كسب النصر أو الحيلولة دون التعرض للهزائم الساحقة وإنما الشرط الأساسي لكسب النصر. أو الصمود والثبات لمنع وقوع الهزائم الساحقة المدمرة. هو توفر العقيدة السليمة الصادقة وتغلغلها في قلب الإِنسان المسلم.
كيف انتصرت العقيدة في مؤتة
لقد كان كل شيء مادى يوحى على نحو لا يقبل النقاش على أن الهزيمة الساحقة المدمرة ستكون من نصيب الجيش الإِسلامي في مؤتة.
فمن وجهة النظر العسكرية وحسب المقاييس والموازين الحربية العادية التي بها يتم تقييم الموقف الحربى ويعطى بها (مقدما) ما يشبه الحساب الذي لا يخطئ. كان النصر مضمونًا للرومان على المسلمين كنتيجة حتمية لتفوقهم الهائل الساحق على المسلمين في كل شيء.
فجيش الإِسلام (حسب هذه الموازين والمقاييس العسكرية) مقضى عليه في (مؤتة) على أيدى الرومان إما بالموت وإما بالوقوع في الأسر.
وهذا تقدير لا يمكن لأى خبير عسكرى أن يطعن في صحته من وجهة انظر العسكرية العادية التي عَبْرَها يضع القادة الخطط وينتظرون النتائج للمعارك.
فثلاثة آلاف مقاتل. مهما بلغوا من الشجاعة وقوة البأس وشدة المراس والصبر على الحرب لا يمكنهم (حسب المقاييس العادية الطبيعية) الصمود ساعة واحدة في وجه مائتي ألف مقاتل بل لا يمكنهم النجاة من أن يُقتَلوا أو يقعوا جميعهم أسرى في أيدى تلك القوات الكثيفة الغامرة الهائلة التي كانت تحيطهم كما يحيط البحر الهادر نقطة من اليابسة صغيرة.
ذلك هو التقدير الصحيح والمفهوم الذي لا غبار على صحته وسلامته لدى من ينظرون إلى المعارك على أنها قتال بين فريقين. هم من طينة واحدة
_________________
(١) الأنفال / ٦٠.
[ ٧ / ٢٥١ ]
(طينة البشر). تكون فيها (عادة) الغلبة والنصر للأكثر عددًا والأجود تسليحًا والأحسن تدريبًا والأكثر علمًا بفنون الحرب. وكل هذه العناصر المطلوب توفرها لكسب النصر الساحق. كانت متوفرة لدى قيادة الجيش الروماني الذي تصادم مع جيش الإِسلام في مؤتة.
ولكن جيش الإِسلام الصغير في (مؤتة) قلب موازين النظريات العسكرية التقليدية التي تقول: إنه - لكي تضمن القيادة النصر - يجب إعداد المحارب إعدادًا ماديًا كاملًا من حيث التسليح والتدريب والإِلمام بالعلوم العسكرية وفنونها (تكنولوجيًا) والتفوق في العدة والعدد.
فقد أثبت الصمود الرائع - الذي أبداه المسلمون في معركة مؤتة والذي يمكن. . نظرًا لعدم التكافؤ بين القوتين المتحاربتين وصفه بأنّه أعلى نموذج للنصر المؤزر -. أثبت أن التفوق في القوة المادية. بل وحتى العلوم والفنون العسكرية ليس هو كل شيء لكسب المعارك.
وإنما العامل الأساسي والأول لكسب النصر وتحقيق الأهدف في المعارك هو العقيدة الصحيحة السليمة.
وهذا هو الذي أثبتته عمليًّا وخلدته في سجل التاريخ - كحقيقة واقعة - أحداث معركة مؤتة التاريخية. . فمتانة العقيدة ورسوخها في نفوس الجيش الإِسلامي. قد أبطلت عامل التفوق الهائل لدى الجيش الروماني في معركة (مؤتة).
إذ جعلت العقيدة الإِسلامية - لا القوة الحربية لدى المسلمين - الجيش الروماني يبدو وكأنه مصاب بالشلل.
وإلا فما هو التفسير لصمود ثلاثة آلاف مقاتل في وجه مائتي ألف مقاتل سبعة أيام متوالية ثبت المسلمون خلالها. وظلوا يقاتلون الرومان فيها قتالًا شرسًا ضاريًا. موقفين تقدمهم ومنزلين بهم أفدح الخسائر.
وعندما قتل آخر قائد من قادة الجيش الإِسلامي الثلاثة ورجحت كفة الجيش الروماني وبدا وكأنه قد كسب المعركة نهائيًا. وأن إبادة هذا الجيش
[ ٧ / ٢٥٢ ]
الصغير أصبحت أمرًا مفروغًا منه. إذا بالقائد الجديد لهذا الجيش يعيد تنظيمه (في تلك الساعات الحاسمة) من جديد ويشن به هجومًا كاسحًا يشيع الفوضى والهلع والارتباك في صفوف الجيش الروماني. ثمَّ ينسحب بسلام وانتظام دون أن يخسر رجلًا واحدًا. ودون أن يجرأ الجيش الروماني على تعقبه وملاحقته أثناء انسحابه. مع علم قيادة الجيش الروماني. أن الجيش الإِسلامي الصغير المنسحب. تفصله عن عاصمته التي قرر الانسحاب إليها مسافة لا تقل عن ستمائة ميل. مزروعة كلها بعناصر معادية للجيش المسلم الأمر الذي يجعل (حسب المقاييس العسكرية العادية) من السهل على الجيش الروماني تعقب الجيش الإِسلامي المنسحب وتمزيقه وإبادته.
ولكن شيئًا من هذا لم يحدث. بل - بدلًا من أن تفكر قيادة الجيش الروماني في مطاردة الجيش الإِسلامي المنسحب ومهاجمته وهو ينسحب - كان سرورها عظيمًا بانسحابه من الميدان. لأنها عانت منه خلال الأيام الستة في مؤتة ما نسخ من أذهانها كل مفاهيمها عن المحارب العربي بعد أن أصبح مسلمًا. له عقيدة يرى الاستشهاد في سبيل نصرتها غاية ما يتمنى. فما هو السر في كل هذا الذي حدث مما يمكن اعتباره من الخوارق للعادة؟ .
إن الباحث العسكري الخبير المنصف - وهو يضع أحداث محركة مؤتة في المختبر للتحليل - لن يجد أية صعوبة (بعد ظهور عدم التكافؤ بين الجيشين المتصادمين في مؤتة على النحو الذي فصلنا). لن يجد أية صعوبة في إصدار حكمه القاطع بأن ما حققه الجيش الإِسلامي الصغير من انتصارات بصموده ذلك الذي بلغ ما يقرب الإِعجاز. إنما كان يرجع إلى عامل واحد. هو عامل العقيدة. عقيدة الإِسلام التي رسخت في قلب كل جندى من جنود ذلك الجيش المسلم الصغير.
والتي كانت الإِيجابية الرئيسية لرسوخ هذه العقيدة هو حرص كل واحد من هؤلاء الجنود على الموت في سبيل الله أكثر من حرصه على الحياة. . هذه الإِيجابية الرائعة التي عبر عنها أصدق تعبير القائد الثالث في هذه المعركة التاريخية الخالدة بقوله: (والله يا قوم إن التي تكرهون لهي التي خرجتم تطلبون الشهادة فانطلقوا بنا إلى عدوّنا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما
[ ٧ / ٢٥٣ ]
شهادة) وذلك عندما تردد بعض الصحابة (بمدينة معان) في مصادمة الرومان عندما بلغهم العدد الهائل الذين هم فيه.
إذن فالعامل الرئيسى في الانتصارات الرائعة التي حققها المسلمون في معركة (مؤتة التاريخية الخالدة إنما هو العقيدة الإِسلامية الراسخة التي أبطلت فعاليتها العظيمة عامل التفوق المادى والعلمى الساحق لدى الجيش الروماني وجعلت هذا التفوق (في ميزان النتائج) يبدو وكأنه صفر من اليسار في علم الحساب.
وعامل العقيدة الإِسلامية الصادقة وتغلغلها ورسوخها في نفس المحارب المسلم لم يكن في معركة (مؤتة) وحدها العامل الرئيسى الأوّل في إبطال عامل التفوق المادى الساحق الذي يواجهه المحارب المسلم في العهود التي كانت عزة الإِسلام فيها هي السائدة الغالبة المنتصرة.
بل لقد كان المحاربون المسلمون دائمًا في تلك العهود يتفوق عليهم أعداؤهم في العدد والعدة وكل مستلزمات النصر المادية والفنية. ولكن النصر الساحق دائمًا يكون للمسلمين على أعدائهم في كل تلك المعارك.
هذه حقيقة واقعة ناصعة شهدتها (معارك بدر وأحد والأحزاب وخيبر وحنين. واليمامة وبزاخة (١) واليرموك والقادسية ونهاوند (٢) وجبل الطارق وزلاقة (٣)
_________________
(١) بزاخة (بضم أوله وفتح ثانيه) ماء لبنى أسد بن خزيمة بنجد دارت فيه معركة فاصلة بين جيوش الخلافة بقيادة خالد بن الوليد وبين قوات المرتدين بقيادة طليحة بن خويلد الأسدي.
(٢) نهاوند (بفتح أوله وثانيه وسكون ثالثه) مدينة عظيمة في فارس فتحها النعمان بن مقرن المزني. ثمَّ استشهد في معركة فتحها. ومعركتها حاسمة تشبه معركة القادسية. واستشهد فيها أيضًا عمرو بن معدى كرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الأسدي وكلا الرجلين ارتدا عن الإِسلام ثمَّ تاب وجاهد في سبيل الله حتى استشهد.
(٣) زلاقة (بفتح الزاى وتشديد اللام) موضع في شمال الأندلس قرب الحدود الفرنسية. دارت فيها معركة طاحنة بين أمير المسلمين يوسف بن تاشفين البربرى حاكم مراكش وعرب الأندلس من جهة وبين الملك الأذفونش من جهة أخرى. وقد انتصر فيها المسلمون بعد قتال مريع وبعد أن انهزمت بعض طلائعهم أمام النصارى وقد جرح في هذه المعركة الملك الأذفونش. ثمَّ مات - بعد ذلك - متأثرًا بجراحه.
[ ٧ / ٢٥٤ ]
وحطين (١) والقسطنطينية (٢) وذات الصوارى (٣) فالانتصارات العظيمة في تلك المعارك الحاسمة وأمثالها. والتي مكنت الإِسلام وجعلت المسلمين (فترة من الزمن) أعز أمة في الأرض. لم يكن العامل في تحقيقها عامل التفوق المادى بكثرة العدد والعُدد. ولا عامل التفوق (التكنولوجى) بإجادة العلوم والفنون العسكرية. كلا فعامل التفوق في كل هذه الأمور المادية والعلمية والفنية هو في جانب أعداء الإِسلام. . وإنما العامل الرئيسى والأول في تحقيقها هو عقيدة الإِسلام المكينة الصادقة الراسخة. التي بصلابتها ورسوخها في القلوب المؤمنة. غيَّر المسلمون (خلال تسعين سنة) مجرى التاريخ كله. إذ طوى خلالها جند الإِسلام (على قلتهم وكثرة أعدائهم) بساط ثلاث إمبراطوريات كانت جميعها تتنازع سيادة العالم كله.
وبعد؛ فإن المحارب المسلم (عربيًّا كان أو غير عربي) لا سبيل له يصل به إلى تحقيق الانتصارات الحاسمة على عدوه إلا بالتزام عقيدة الإِسلام وعلى المستوى الذي التزم به رجال (مؤتة) واليمامة واليرموك والقادسية.
_________________
(١) حطين (بكسر أوله وثانيه مع التشديد) موضع في فلسطين بين عكا وطبرية. وعلى بعد ثمانية أميال من بحيرة طبرية. موضع له تاريخ خالد. . حيث دارت فيه المعركة الحاسمة بين جيوش صلاح الدين وبين ملوك الصليبيين وأنزل بهم تلك الهزيمة المنكرة التي مكنته من استعادة فلسطين كلها وطرد الصليبيين منها. بعد أن حرر بيت المقدس منهم.
(٢) القسطنطينية: مدينة عظيمة تقع على خليج البوسفور كانت عاصمة الإِمبراطورية البيزنطية (الروم الشرقية) فتحها السلطان محمَّد الفاتح التركى سنة ٨٥٧ هـ ١٤٥٣ م وهو في الحادية والعشرين من عمره بعد معركة رهيبة اشترك فيها ربع مليون جندى تركى قاموا عليها بالهجوم عن طريق البحر فاقتحموها.
(٣) ذات الصوارى: معركة بحرية هائلة دارت في مياة البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم سابقًا) بالقرب من الشواطئ التونسية ما بين الأسطول الإِسلامي المؤلف من حوالي ثلاثمائة سفينة بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وما بين الأسطول الروماني المؤلف من حوالي ألف سفينة بقيادة قسطنطين بن هرقل. وقد انتصر المسلمون في هذه المعركة بعد قتال رهيب تماسك فيه الفريقان بالشعور واستخدموا الخناجر بدل السيوف. حتى احمرت مياة البحر من الدماء. وقد فر قائد الأسطول الروماني قسطنطين منهزمًا على سفينة القيادة إلى صقلية وهناك مات متأثرًا بجراحه وقيل اغتاله نصارى صقلية حنقًا عليه لانهزامه أمام المسلمين.
[ ٧ / ٢٥٥ ]
خرافة التفوق التكنولوجى
لقد أبطَل أصحاب محمَّد - ﷺ - من خلال أحداث معركة (مؤتة التاريخية الخالدة) خرافة التفوق التكنولوجى - حجة المهزومين أمام شراذم اليهود في معركة حزيران الفاضحة - أن الرومان لم يفشلوا في معركة (مؤتة) من قلة في العدد أو تأخر في العلوم والفنون العسكرية (تكنولوجيا).
كما أن المسلمين (في هذه المعركة) لم يحققوا ذلك الانتصار التاريخي العظيم بسبب تفوقهم على الرومان في شيء من هذه الأمور.
بل لقد كان كل شيء (هناك) عكسًا. كما مر تفصيله أكثر من مرة. ومع ذلك فقد حقق المسلمون في (مؤتة) كل الأهداف التي جاءوا لها من المدينة. في حين فشل الرومان فشلًا ذريعًا. (وهو حسب الموازين العسكرية) أشنع أنواع الانهزام.
فقد صمد المسلمون في (مؤتة) في وجه قوات تفوقهم من ناحية العدد سبعين ضعفًا. وتتفوق عليهم في العلوم والفنون العسكرية (تكنولوجيًا) تفوقًا ساحقًا. هذا ما لا سبيل إلى إنكاره. فالعرب في ذلك العصر لا يكادون يتقنون واحدًا في المائة مما يتقنه الرومان من العلوم والفنون العسكرية بالإِضافة إلى تفوق الرومان الساحق في وفرة السلاح وجودته.
ومع ذلك فقد كان النصر والفتح للمسلمين والفشل والاندحار للرومان وأتباعهم.
أي أن القلة المسلمة القليلة تغلبت على الكثرة الهائلة من أعدائها الذين يتفوقون عليها (تفوقًا ساحقًا) في السلاح والعلوم والفنون العسكرية. وغادرت ميدان المعركة (بعد تحقيقها الأهداف) تاركة عدوها المتفوق عليها في كل شيء في حالة فشل وفوضى واضطراب هو عين الهزيمة الساحقة. يلعق جراحه قانعًا من الغنيمة بالإِياب. لم يستطع أن ينال من هذه القلة المسلمة شيئًا رغم انسحابها وتراجعها إلى بلادها البعيدة.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
لماذا انهزم العرب وانتصر اليهود في حزيران
أما في حرب الأيام في (حزيران الأسود) فقد حدث العكس إذ هزمت القلة القليلة الفاجرة الداعرة الكافرة الكثرة الكثيرة الهائلة المنتسبة إلى الإِسلام.
فالعرب كانوا في معركة حزيران (مع كثرتهم الهائلة) أكثر عتادا وأقوى وأجود سلاحًا من اليهود بصفة عامة.
هذه حقيقة لا سبيل إلى إنكارها. حتى وإن حاول البعض إنكارها؛ تبريرًا للهزيمة الفاضحة المخجلة.
إذن فالعرب لم يهزموا في حرب حزيران من قلة في عدد الرجال أو نقص في العتاد. أو ضعف في السلاح.
فعندما توزن الأمور (في حرب حزيران) بالموازين العسكرية العادية التقليدية؛ تبدو النتيجة الحتمية (حسب هذه الموازين) أن النصر الساحق سيكون حليف العرب ضد اليهود. لأنَّ كل مقومات النصر المادية المطلوب توفرها لتحقيق النصر متوفرة لدى العرب. تفوق ساحق على اليهود في الدبابات وبقية الآليات والأساطيل البحرية والطائرات وكل أنواع الأسلحة.
فلماذا إذن (مع تلك) نزلت تلك الهزيمة الفاضحة بالعرب.
الجواب سهل وبسيط هو الخواء العقائدى. . فالعرب دخلوا المعركة وهم في حالة انسلاخ يكاد يكون كليًّا عن العقيدة الإِسلامية الصادقة الراسخة، التي يصنع المتمسكون بها في قتالهم ما يشبه المعجزات. والتي كان تغلغلها في النفوس وتمكنها من القلوب المؤمنة يسد كل نقص مادى أو علمي أو فنى يعانى منه المحاربون المسلمون في ساحات الجهاد. كما حدث في (مؤتة) واليرموك والقادسية وأمثالها.
ترى لو كان شيء من ذلك الإِيمان الذي كان يعمر قلب زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وجنودهم الذين خاضوا معركة الأيام الستة في مشارف (مؤتة) قد لامس قلوب الرجال الذين قادوا آلاف
[ ٧ / ٢٥٧ ]
الدبابات والطائرات وجثوا خلف آلاف المدافع والصواريخ في البر والبحر في حرب الأيام الستة من حزيران الأسود. . فهل يمكن للقلة القليلة من اليهود أن تنتصر علينا. أو حتى يبقى لها وجود اليوم على أرض المسرى والمعراج؟؟ كلا. والله. . وألف كلا.
فغياب العقيدة الإِسلامية عن قلوب المحاربين العرب. وترك هذه القلوب؛ إما خاوية فارغة من هذه العقيدة السليمة المكينة الراسخة. وإما تلويث هذه القلوب بعقائد وشعارات فاسدة مستوردة هي من عجن وطبخ اليهود أنفسهم - شعارات وعقاتد ماكس ولينين. هو السبب الأوّل في التعجيل بتلك الهزيمة الفاضحة المدمرة التي نزلت بنا.
فلعل العرب عامة والمسئولين عن هزيمة حزيران خاصة. . يدركون هذه الحقيقة ويسلمون بها ويدعون المكابرة والمغالطة في الاعتراف بها. . فيرجعون إلى ربهم. . محققين هذا الرجوع الصادق؛ بتمسكهم بعقيدة الإِسلام تمسكًا صحيحًا مكينًا ثابتًا بحيث تكون هذه العقيدة منطلقهم الوحيد في كل ما يقولون أو يفعلون. . وهنا يكونون مسلمين ومؤمنين حقًّا، مضمونًا لهم النصر على أعدائهم. والذي ضمنه الله تعالى بقوله ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
[ ٧ / ٢٥٨ ]
محمد أحمد باشميل
مِن معارك الإسْلام الفاصِلة
- ٨ -