المَكتبة السَّلفية
[ ٨ / ١ ]
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثالثة
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
عنيت بطبعه
دار المطبعة السلفية
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة تليفون: ٨٤٠٣٦٤
[ ٨ / ٢ ]
مقدمة
فتح مكة
[ ٨ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الكتاب
بقلم: أحمد محمد جمال
أستاذ الثقافة الإِسلامية بجامعة الملك عبد العزيز
الأستاذ محمد أحمد باشميل: يُغبط، ويُشكر، وينبغى أن يدعى له بمزيد من التوفيق، وجزيل من الثواب.
وذلك أنه ثابر على إصدار كتبه القيمة: (سلسلة معارك الإِسلام الفاصلة) في فترة من الزمن - الثلث الثاني من القرن الرابع عشر الهجرى - يخوض المسلمون خلالها معركة حياة أو موت مع أعدائهم الألداء .. من المستعمرين الصليبيين، واليهود الغاصبين، والشيوعيين الملحدين، تكأكأوا عليهم، واتفقوا - رغم اختلافهم فيما بينهم سياسة واعتقادًا - على حرب الإِسلام، وإذلال المسلمين، واستغلال خيراتهم، ونهب ثرواتهم، واحتلال أرضهم وديارهم، وإفساد عقائدهم وأخلاقهم.
أجل .. إن المسلمين اليوم - ومنذ ثلاثين عامًا تقريبًا - يخوضون معركة فاصلة مع أعدائهم الحاسدين الحاقدين، كالتي كان أسلافهم وأجدادهم - بقيادة الرسول - ﷺ - وصحابته الأبطال - يخوضونها مع أجداد الصليبيين وإليهود، والمشركين والملحدين الغابرين.
فإذا جاء الصديق الأستاذ باشميل ليُصدر هذه السلسلة التاريخية لمعارك الإِسلام الفاصلة الأولى، في هذه الفترة العصيبة الرهيبة من حياة المسلمين - فإنما يقدّمه لقادتهم وعامتهم معًا: دروسًا مصوّرة متحركة في
[ ٨ / ٥ ]
فنون القتال والدفاع عن الأنفس والأموال والديار، ويعرض نماذج مشرقة وضاءة للقيادة الصالحة الناجحة .. في معركة الحق مع الباطل، واقتتال الخير مع الشر، واعتراك النور مع الظلام.
كيف؟ وبم انتصر أسلاف المسلمين - بقيادة الرسول - ﷺ - وصحابته الأبطال - على أعدائهم الأول؟ وما هي الوسائل النفسية والمادية التي ضمنت لهم النصر المتتابع في كل معاركهم وغزواتهم وبُعوثهم وسراياهم .. حتى مكَّن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبَدّلهم بخوفهم أمنًا، وبضعفهم قوة، وبهوانهم عزًا، وبتفرّقهم وحدة كاملة شاملة؟
هذا ما تجيب عليه، وتصوّره تصويرًا ناطقًا متحركًا سلسلة كتب الأستاذ باشميل عن معارك الإِسلام الفاصلة: غزوة بدر - وغزوة أحد - وغزوة الأحزاب - وغزوة بني قريظة - وصلح الحديبية - وغزوة خيبر - وغزوة مؤتة - وفتح مكة .. الذي نكتب له هذا التقديم الوجيز.
وهو -أي الحديث عن هذه المعارك الفاصلة في تاريخ الإِسلام-: الدروس العملية التطبيقية، والنماذج الرائعة الصادقة .. لقادة المسلمين وعامتهم، وخاصة جيوشهم المقاتلة، في معركتهم الحاضرة مع أعداء اليوم: من صليبيين وصهيونيين وشيوعيين.
وباختصار: لن ينتصر المسلمون اليوم على أعدائهم، إلا بما انتصر أسلافهم به من قبل: بالإِيمان، والأخلاق، والإِعداد.
***
أما موضوع هذا الكتاب: (فتح مكة) فأمره عَجَب، وحديثه طَرَب. لأنه كان نصرًا بغير حرب، وكان ثمرة يانعة لحكمة القائد الأعظم - ﷺ - وبعد نظره، وحسن قيادته، ومكارم أخلاقه.
وسمَّاه القرآن الكريم (فتحًا مبينا) قبل أن يكون، وبشر به قبل عام من حدوثه، في وقت كان المسلمون فيه بوضع يخيَّل للدارس المتعجِّل أنه وضع مشين مهين .. حين قصد المسلمون - وعلى رأسهم الرسول العظيم - إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، فصدّهم المشركون عن المسجد
[ ٨ / ٦ ]
الحرام، وأبوا أن يأذنوا لهم بدخول مكة للاعتمار. وانتهى الأمر إلى ما عرف بعد ذلك (بصلح الحديبية) وهو موضوع الكتاب السابق من سلسلة هذه المعارك الفاصلة في تاريخ الإِسلام، ولابد من اطلاع القارئ عليه قبل قراءة هذا الكتاب .. لأن أحداث صلح الحديبية هي مقدمات هذا الفتح المبين، بل هو الفتح المبين على الحقيقة.
إن صلح الحديبية كان في وضعه الظاهر هوانًا للمسلمين في نظر صحابة الرسول - ﷺ -، لأن الرسول ببعد نظره، وصدق تفكيره، وحبه لحقن الدماء، وحرصه على صلة الرحم وبرِّ ذوي القربى في الفريق المعاكم المشاكس من مشركى مكة - قبل مطالب قريش وشروطها: وهي العودة إلى المدينة دون أن يدخل مكة - على أن يرجع في العام القابل للاعتمار - وأن يرد إلى المشركين من يأتيه مسلمًا منهم، ولا يعيدون إليه من يأتيهم مرتدًا من المسلمين. وقد رد - ﷺ -، وهو في مكانه من الحديبية لم يبرحها بعد إلى المدينة - أبا جندل (ابن سهيل بن عمرو) زعيم وفد قريش إلى مفاوضات صلح الحديبية .. رده إلى أبيه، - وفاءً بالعهد وقد جاءه مسلمًا - يرسف في قيوده، فلطَمه أبوه على أعين صحابة الرسول، وهم يتميزون غيظًا، لأنهم لم يستطيعوا له نصرًا.
ومن هنا - من قسوة شروط قريش في صلح الحديبية، اعترض الصحابة على موافقة الرسول وتوقيعه على وثيقة هذا الصلح الذي بدا أنه هوان لهم. حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: "علام نرضى الدنية في ديننا يا رسول الله؟ " وحتى لم يستجب الصحابة لأمر الرسول بالتحلل من العمرة بالتقصير أو الحلق، فدخل على أم سلمة ﵂ مغمومًا مهمومًا، يشكو إليها موقف الصحابة منه، فأشارت عليه أن يخرج ويدعو حالقه ليحلقه بين أعينهم. وقد فعل، فاستجاب الصحابة نادمين.
[ ٨ / ٧ ]
وإنما قلنا: إن صلح الحديبية كان هو الفتح المبين، لأنه كان: مقدّمة له - لأن هذا الصلح المبارك كانت له ثمراته اليوانع. وكانت له نتائجه الباهرات، التي نلخصها في السطور التالية:
كان عقد قريش للصلح بينها وبين الرسول ﵊ - على نحو ما أسلفنا - اعترافا صريحًا بالكيان السياسي لمحمد وأصحابه.
خلال إقامة الرسول والمسلمين معه في الحديبية تعرّف وسطاء قريش وحلفاؤها الذين كانت تبعث بهم لمقاومة الرسول - ﷺ - تعرّفوا على حقيقة الدعوة الإِسلامية ممثلة في أخلاق الرسول وأصحابه وسلوكهم، خلافًا لما كانت تذيعه قريش عنهم من أكاذيب وأباطيل.
أنكر بعض هؤلاء الموفدين إلى الرسول من حلفاء قريش موقفها المتعصب من المسلمين، وبإصرارها على ردهم عن الاعتمار والطواف بالبيت الحرام، حتى أنذرها سيد ثقيف (عروة بن مسعود) الهزيمة إن هم حاربوه، وقال: "ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش"!
كما أتيحت الفرصة - بعقد هذا الصلح - للمشركين والمسلمين معًا بالاختلاط الذي تكشَّف للمشركين فيه وضيع المسلمين وسلوكهم القويم، وأخلاقهم الرفيعة، وأثمر ذلك اعتناق كثير منهم للإِسلام، حتى بلغ عدد المسلمين يوم فتح مكة نحو عشرة آلاف، بعد أن كان يوم صلح الحديبية لا يزيد على ألفين
ثم جاء نقض قريش للعهد بقتالها مع حلفائها بني بكر، لحلفاء الرسول - ﷺ -: بني خزاعة، فرصة لتخلى المسلمين عن العهد نفسه، وإعداد العدة للقيام بفتح مكة، والعودة إلى أحب أرض الله إلى الله، وإلى الرسول الكريم، وإلى المسلمين أجمعين.
وكان نقض قريش لصلح الحديبية خيرًا من خيرات (الفتح المبين) الذي بشَّر به القرآن رسول الله - ﷺ -. فقد سألت عائشة الرسول: أترى قريشًا تجترئ على نقض العهد بينكم وبينهم؟ قال: ينتقضون العهد لأمر يريده الله تعالى بهم. قالت عائشة: خير أو شر؟ قال: خير ..
ويكون هذا (الخير) استجابة لدعوة الرسول - ﷺ -: "اللهم اهد
[ ٨ / ٨ ]
قومى فإنهم لا يعلمون قالها أيام كانوا يؤذونه في مكة أذى شديدًا، حتى سأله جبريل - بأمر الله - أن يطبق عليهم جبال مكة انتقامًا له، وخلاصًا منهم، فكانت تلك دعوته، وكانت أمنيته: "أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمن بالله، لا يشرك به شيئًا".
وصدق الله العظيم فيما خاطبهم به: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
* * *
ولن نطيل الحديث عن فتح مكة - في السنة الثامنة من الهجرة وفي رمضان المبارك - ولكنا نكتفى بذكر الآيات القرآنية التي تشير إليه من سورة (الفتح) وسورة (النصر)؛ ففيها ما يغنى من الموعظة والذكرى والاعتبار، لأولى الأبصار:
• ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
هذه هي البشرى التي أنزلت في صلح الحديبية، وقد أنجز الله وعده بالنصر العزيز يوم فتح مكة في السنة التالية، على نحو ما أسلفنا.
• ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
في هذه الآية الكريمة يبين الله ﷿ الحكمة في إرجاء (الفتح) إلى العام القابل، وإن صلح الحديبية وقع صوابًا ليهد للفتح القريب. ففي مكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يكتمون إيمانهم، ولو أن المسلمين دخلوا مكة عنوة، ونشب القتال بينهم وبين المشركين، لوطأوا المؤمنين مع المشركين، ولأصابتهم منهم معرة
[ ٨ / ٩ ]
• ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
ودخل الرسول - ﷺ - المسجد الحرام والمؤمنون معه، من مهاجرين وأنصار، تصديقًا للرؤيا، وتحقيقًا لبشرى "الفتح المبين"، وتمكينًا لدين الله الخالد الراشد. وكما منحهم الله الأمان منحوا هم أهل مكة الأمان: "من دخل المسجد الحرام فهو آمن - ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن - ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن". ومع هذا الأمان للكل خص الرسول الرؤوف الرحيم أعداءه الألداء بالعفو والغفران .. قال لهم: "ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم - قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وبقى أن يحمد الرسول - ﷺ - ربه الذي حقق له هذا الفتح المبين، والنصر العزيز، دون إراقة دماء العشيرة والأقرباء، بل مع تأليف القلوب ودخولها في الإِسلام - فنزلت سورة (النصر):
• ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
ونحن أيضًا - مسلمة اليوم - ينبغي أن نسبح بحمد الله كثيرًا، ونستغفره طويلًا .. عسى أن يهبنا فتحًا مبينًا على عدونا المبين.
بيروت - في ٢٠/ ٧ / ١٣٩٢ هـ
أحمد محمد جمال
[ ٨ / ١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المؤلف
نحمدك اللهم، ونستعينك ونستهديك، ونسألك - ولا مسؤول ولا مرجوّ سواك - أن تسدد خطانا وتجعلنا ممن يخلصون لك في القول والعمل، وأن تعمر قلوبنا بعزة وشمم لا صلف ولا كبرياء فيهما.
ونسألك اللهم، أن تمنحنا الحماية من أن يستذلنا الجهلة، وأن لا تجعلنا للمضلين عضدا، واجعلنا اللهم من المهتدين بهديك والهادين إلى سبيلك.
وصل اللهم على صفوة خلقك حبيبك ونبيك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين.
وبعد أيها القارئ الكريم، فهذا هو كتابنا الثامن من سلسلتنا التاريخية (معارك الإِسلام الفاصلة) وهو (فتح مكة). بذلنا في تأليفه جهدًا، الله وحده يعلم مداه، ونأمل أن يكون هذا الكتاب محل رضا القارئ الكريم.
فما جهودنا في هذه السلسلة التاريخية إلا (بعد قصد وجه الله تعالى) كي نبسط للقارئ ونعرض عليه الكنوز الثمينة الغالية من تاريخنا الإسلامي الطافح بالروائع من سير نبينا محمد - ﷺ - وصحبه الكرام، مما يحفز القارئ المنصف المتبصر المهتدى على الاقتداء بأولئك الصفوة الذين صنعوا لنا هذا التاريخ الشرق الوضاء الذي طغت - ولا تزال مع الأسف - تطغى عليه وتغطه وتطمس معالمه تزايين وأصباغ (ديكورات) المبادئ القبيحة النتنة المستوردة مما وراء الحدود، والتي: الارتماء في أحضانها على حساب إهمال الإِسلام كان ولا يزال السبب الرئيسى فيما أصابنا طوال عشرين عامًا ولا يزال يصيبنا من خزايا وويلات وفضائح، وحل ولا يزال يحل بنا من مصائب وكوارث، لا خلاص لنا منها ولا نجاة إلا بالعودة إلى الإِسلام حاكمًا ومشرعًا وقاضيًا.
[ ٨ / ١١ ]
إن هذا الكتاب (فتح مكة) يتضمن أرقى الدروس وأعظم العبر التي يمكن للعاقل المنصف الحصيف - حاكمًا كان أو محكومًا - أن يستخلصها ويعيها من تصرفات الرسول الأعظم - ﷺ - وتصرفات صحبه الكرام. سواء في العدل والإِنصاف وشرف المعاملة، أو الوفاء بالعهد والوقوف عند شرف الكلمة، ثم العفو عند المقدرة وتوفر القوة الساحقة الكاملة المؤهلة، كى يبلغ خصم من خصمه ما يريد (لو أراد) من تنكيل وتعذيب وإبادة.
عشرة آلاف مقاتل من المسلمين تسيطر على مكة، معقل أعظم وألد أعداء النبي - ﷺ -، ويلقى أهلها السلاح مقهورين، فيشملهم جميعًا عفو الرسول القائد والمنتصر، وهم الذين ائتمروا به وهدروا دمه وطاردوه تحت كل سماء، ولم يتركوا موطنًا، كانوا يظون أنهم قادرون على القضاء عليه فيه - ﷺ - إلا وقاتلوه فيه، ومع ذلك: لم يجد شيء مما يصل إلى رؤوس القادة العاديين من نشوة الانتصار التي تجعل صاحبها يولغ في الدماء انتقامًا لنفسه ممن نكلوا به وأذلوا أصحابه يوم ضعفهم .. لم يجد شيء من تلك النشوة يوم الفتح الأعظم سبيلًا إلى رأس النبي القائد المنتصر - ﷺ -، بل كانت الشفقة والرحمة والصفح والعفو والتسامح الطابع الوحيد لتصرف الرسول القائد المنتصر، في ذلك اليوم التاريخي.
ماذا تظنون أنى فاعل بكم يا معشر قريش؟؟ .
قالوا .. أخ كريم وابن أخ كريم.
قال .. اذهبوا، فأنتم الطلقاء.
تلك الكلمات النبوية توّج بها الرسول القائد انتصاره على أهل مكة حين ضمنها العفو العام عنهم وهو عند باب الكعبة. في الوقت الذي كانت فيه قلوب سادات مكة تركض بين جنوبهم خوفًا من أن ينتقم منهم لنفسه فيبعث بهم إلى القبور.
[ ٨ / ١٢ ]
ولكنها أخلاق النبوة اصطنعت ببلسم العفو، والصفح والتسامح أولئك القادة والسادة من الأعداء في مكة فتحولوا طائعين مختارين إلى عمالقة تفانوا في خدمة الإِسلام، فكانوا من حماته وكبار بناة دولته. كانوا من صانعى الانتصارات الحاسمة التي مكنت للإِسلام في الشام والعراق وفارس ومصر وأفريقيا، مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح .. الأول قاد كتيبة الفدائيين في معركة اليرموك فدفع حياته مع أربعمائة من الفدائيين (الكوماندوس) ثمنًا لإِيقاف زخم الهجوم الروماني الذي كاد يسحق جيش الإِسلام الصغير.
والثاني قاد الأسطول الإسلامي إلى أعظم انتصار بحرى يشهده البحر الأبيض المتوسط حتى اليوم وذلك في معركة الصوارى الشهيرة. وكلا الرجلين كانا قد حكم عليهما بالإِعدام قبل فتح مكة، فعفى عنهما الرسول - ﷺ - واصطفاهما قادة حرب رميا بأنفسهما في أتون المعارك لنصرة الإِسلام. وأمثالهما كثير من الطلقاء الذين حقن النبي - ﷺ - دماءهم بعد أن استحقوا الإِعدام يوم الفتح.
- ٢ -
لقد عقد النبي - ﷺ - في بطاح الحديبية مع قريش صلحًا تاريخيًا في السنة السادسة من الهجرة، وما كان - ﷺ - فكر في التنكر لبند من بنود هذا الصلح الذي وضع الحرب بين قريش وكنانة من جهة، وبين الرسول - ﷺ - وخزاعة من جهة أخرى لمدة عشر سنوات، يعيش المسلمون والمشركون فيها بعضهم لبعض سلمًا بمعنى كلمة سلم.
وقد التزم الرسول - ﷺ - بكل دقة متناهية ببنود هذا الصلح فطبقه نصًّا وروحا، فبرهن (عمليًّا) على أصالة الأخلاق الإِسلامية في الالتزام بمبدأ الوفاء تجلَّى تمسكه بهذه الأخلاق الكريمة في تسليم شابين مسلمين إلى أهلهما المشركين وحبر وثيقة الصلح لم يجف بعد، فعل ذلك رغم الغم القاتل الذي نزل بعامة أصحابه لهذا التصرف الذي يحمل في ظاهره طابع
[ ٨ / ١٣ ]
الدنية على المسلمين كما صرح بذلك أحد كبار وزراء الرسول - ﷺ - عمر بن الخطاب (١).
-٣ -
ولكن النبي - ﷺ - وأصحابه إذا كانوا قد وقفوا عند شرف الكلمة التي أعطوها في صلح الحديبية وطبقوها نصًّا وروحًا، واشتملت نفوسهم الطاهرة الصافية النقية على الوفاء بالعهد الذي أعطوه، فهل التزمت قريش وحلفاؤها من كنانة نفس الالتزام الذي التزمه الرسول - ﷺ - وصحبه وحلفاؤه من خزاعة، ووقفوا عند شرف الكلمة التي أعطوها في وثيقة صلح الحديبية التاريخي؟؟ .
كلا وألف كلا.
فالنبي وأصحابه وحلفاؤه من خزاعة، إذا كانوا قد اعتبروا صلح الحديبية وثيقة شرف يتعايش الفريقان بموجبها عشر سنوات يأمن فيها الناس بعضهم بعضًا، فإن المشركين من قريش وحلفائهم من كنانة، قد نظروا إلى ذلك الصلح التاريخي من زاوية غدر مظلمة، فاعتبروا الصلح فرصة ذهبية لا تفوت للغدر بخزاعة الشجاعة الباسلة، لينالوا منها من ثاراتهم الجاهلية بالغدر والخيانة في حالة أمن وأمان وصلح وموادعة، ما عجزوا عن نيله في حالة اللقاء والاستعداد والمواجهة واليقظة.
فقد أقدمت كنانة بمساندة حلفائها القريشيين على جريمة من أبشع جرائم الغدر والنكث والخيانة، ففتكت بأكثر من خمسة وعشرين من خزاعة، قتلتهم داخل حدود الحرم في ظل صلح الحديبية وقبل أن تمضى على توقيعه
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة تسليم الرسول - ﷺ - أبا جندل بن سهيل بن عمرو في بطاح الحديبية. إلى أبيه المشرك في كتابنا (صلح الحديبية) وقصة تسليمه - ﷺ - أبا بصير للمشركين فيما مضى من هذا الكتاب وقصة منعه إيواء سبعين شابا من شباب قريش المسلم في المدينة حينما فكر في اللجوء إليها بعد أن أفلتوا من سجون الإِرهاب في مكة. وذلك تطبيقا لالتزامه - ﷺ - ببنود صلح الحديبية التي وقع وثيقته التاريخية.
[ ٨ / ١٤ ]
ثلاثون شهرًا .. قتلوهم، وهم عزل من السلاح في حالة تهجُّد وتبتُّل ركعا سجدًا آمنين مستأمنين. وطاردوهم حتى داخل مكة (الحرم الآمن) فقتلوهم عند باب المسجد كأفظع وأقذر ما يكون قتل الآمن المستأمن في ظل صلح وعهد وأمان.
- ٤ -
هكذا نقضت قريش وحلفاؤها من كنانة الصلح، فكان ذلك بمثابة نسف من القواعد كامل لبنود صلح الحديبية، الذي طلبت قريش نفسها عقده.
وعندما تبلغ النبي - ﷺ - نبأ ذلك العمل الإِجرامى المتمثل في الغدر بحلفائه الذين (بموجب الصلح) له ما لهم وعليه ما عليهم، لم يتعجل في الزحف على مكة للانتصار لحلفائه المعتدى عليهم، كما يلزمه بذلك ميثاق الحديبية، بل (كرهًا منه لسفك الدماء، ورغبة منه في حقنها حتى وإن كانت دماء أعدائه الذين حاولوا بكل الوسائل سفك دمه ودماء أصحابه) فإنه - قبل أن ينبذ إلى قريش على سواء، تقدم إلى قريش باقتراح يجنب الفريقين ويلات الحرب .. اقتراح في منتهى التسامح والتعبير الصادق المخلص عن الرغبة في الابتعاد عن إراقة الدماء .. هذا الاقتراح الذي بعث به إلى قريش (قبل الزحف على مكة) مبعوثًا خاصًّا، يتضمن تخيير قريش المسؤول الرئيسى عن تنفيذ بنود صلح الحديبية، بين أمور ثلاثة.
١ - إما أن يدوا (أي يدفع القرشيون وحلفاؤهم من كنانة) ديات القتلى من حلفاء الرسول - ﷺ - خزاعة - وبهذا يستمر مفعول صلح الحديبية، وتستمر فعالية السلم والموادعة بين الفريقين عشر سنوات، فتحقن بذلك الدماء من الفريقين.
٢ - وإما أن تتبرأ قريش من الغادرين الرئيسيين (كنانة) ليصفى الرسول - ﷺ - معهم وحدهم الحساب، وينزل بهم العقاب العادل الذي استحقوه على بشاعة جريمة الغدر التي ارتكبوها في حق حلفائه.
[ ٨ / ١٥ ]
٣ - وإما أن ينبذ إليهم إلى قريش على سواء فيحتكم وإياهم إلى السيف، بصفتهم المسؤول الرئيسى عن تنفيذ معاهدة الصلح الذي نقضته بكر برضى وممالئة بعض سادات مكة.
- ٥ -
غير أن قريشًا رفضت قبول العرضين العادلين الإِيجابيين الأوليين واختارت العرض الثالث صلفًا وكبرياء ورياء الناس، وهو الحرب فتحدت الرسول - ﷺ - وأبلغته أنها ترحب بالحرب وتفضلها على أن تدفع ديات قتلى حلفائه، أو تتبرأ من حلف قاتليهم البكريين (كما هو مفصل في هذا الكتاب).
وهنا كان لا بد للرسول - ﷺ - من أن يفى بالتزاماته لحلفائه الخزاعيين المغدور بهم، وذلك حسب العهد الذي أعطاه لهم في وثيقة صلح الحديبية التاريخي (١).
- ٦ -
لذلك - وبعد أن أصبح صلح الحديبية لاغيا بفعل تصرفات قريش وحلفائها - قرر النبي - ﷺ - الزحف على المشركين في مكة، لأنه اعتبر نفسه (لنقضهم الصلح) في حالة حرب معهم كما كان قبل عقد ذلك الصلح، ولا بد من أن ينبذ إليهم على سواء فيبدأ الحرب قبل أن يبدأوه. لأن الخيانة التي ارتكبوها بنقض الصلح وتأييدهم حلفاءهم البكريين العتدين، إنما هو دونما شك، مقدمة لشن حرب على المسلمين، الذين ما كانت قريش ومن بقى على الوثنية يرون لوجودهم معنى ما بقى لهؤلاء المسلمين وجود أو سلطان. ثم إن قريشًا تفسها قد أعلنت الحرب على النبي - ﷺ - قبل أن يعلنها هو.
_________________
(١) انظر حديثنا الموسع عن هذه الوثيقة في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
[ ٨ / ١٦ ]
حيث أبلغت مندوبه (ضمرة) أنها تفضل أن تنبذ إليه على سواء، على أن تدفع ديات قتلى خزاعة الذين غدر بهم البكريون، أو تتخلى عن هؤلاء البكرين وتتبرأ من حلفهم. إنها إذن الخيانة المبيتة من قريش، قد انطوت عليها للمسلمين.
والله ﷾ قد منح رسوله - ﷺ - الصلاحيات الكاملة. بل الأمر الصريح في ضرب أي عنصر تشم منه رائحة الخيانة، فضلًا عن أن يتجاهر بها ويتبجح.
فقال تعالى .. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
وهكذا وبناء على هذه المبررات، بل الوجبات الملحة، تحرك الرسول - ﷺ - من المدينة في جيشه العظيم الذي بلغ عشرة آلاف مقاتل لتأديب الخائنين الناكثين فداهم مكة على حين غفلة من أهلها المشركين الذين طمس الله عنهم أنباء الغزو الشامل حتى وصلت طلائع الجيش النبوى ضواحي مكة، فأسقط في أيدى زعمائها الذين رأوا ثمرة الخيانة والغدر سيوفًا إسلامية تلمع وتحيط بهم من كل جانب، فلم يسعهم إلَّا تسليم مكة للجيش النبوى دونما أية مقاومة تذكر، وقد كان فتح مكة - عكس ما يتصور زعماؤها - خيرًا وبركة عليهم، كما صرح بذلك الرسول الرحيم البر الرؤوف في المدينة قبل أن يتحرك منها بالجيش، وذلك عندما سألته زوجه عائشة عندما أكد لها نبأ اعتزامه غزو قريش في مكة -. "أذلك خير أريد بهم أم شر؟ " فقال - ﷺ - "بل خير".
فقد دخل أهل مكة (بعد فتحها) في الإِسلام، بين فرح مغتبط وكاره سعد واطمأن فيما بعد، وأخذت (بعد فتح مكة) معالم الوثنية تمحى
_________________
(١) الأنفال ٥٨.
(٢) الأنفال ٧١.
[ ٨ / ١٧ ]
بسرعة مذهلة حتى إنه لم تمض سنة واحدة على فتحها حتى دخل كل أهل الجزيرة في الإِسلام، فقد كان فتحها في السنة الثامنة للهجرة، واحتوى الإِسلام كل الجزيرة دونما استثناء في السنة التاسعة، وهي المسماة بعام الوفود .. لتوافد العرب على المدينة اختيارًا ليدخلوا في دين الله، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١).
فكان فتح مكة الفتح الأعظم بكل معاني الكلمة .. والحمد لله أولًا وآخرًا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محمد أحمد باشميل
جدة - المملكة العربية السعودية ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م
_________________
(١) سورة النصر.
[ ٨ / ١٨ ]
الفصل الأول
الفصل الأول مجمل الأحداث العسكرية والسياسية والتشريعية بين غزوة مؤتة، وفتح مكة
• الحركات العسكرية بعد غزوة مؤتة وقبل فتح مكة.
• ثورة العيص ضد مشركي مكة.
• شباب قريش المسلم مفجر الثورة ضد أهله المشركين.
• أبو بصير قائد ثورة العيص.
• حياد المدينة حيال ثورة العيص بسبب صلح الحديبية.
• النبي - ﷺ - يأبى إيواء الشباب الثائر وفاءًا بالعهد.
• الثوار يسيطرون على طريق القوافل ويشلون حركة التجارة في مكة.
• قريش تناشد عدوها الرسول الرحم ليتوسط لإِنهاء ثورة أبنائها ضدها فيفعل.
• موت قائد الثوار في معقله بعد توقف الثورة.
• قضية المهاجرات أثناء صلح الحديبية.
[ ٨ / ١٩ ]
ثوار المستضعفين في العيص (١).
كان النبي - ﷺ - عقب إبرامه صلح الحديبية التاريخي مع مشركى قريش في أواخر السنة السادسة من الهجرة، قد واجه امتحانًا شديدًا، تألم له المسلمون أشد الألم، وهو أن الرسول القائد - ﷺ - قد اضطر (وهو لا يزال في بطاح الحديبية) إلى أن يسلم الشاب المسلم الصالح (أبا جندل بن سهيل بن عمرو) إلى أبيه سهيل المشرك، على كره منه - ﷺ - ومن أصحابه، لأن بنود صلح الحديبية تلزمه بذلك (٢) والوفاء بالعهد لأى كان من أهم أسس قواعد الأخلاق في الإِسلام، فليُسلَّم (إذن) أبو جندل المسلم إلى أبيه المشرك، لأن ذلك (على ما فيه من إثارة أعاصير من الآلام في نفوس المسلمين) أمر لا بد للنبي - ﷺ - من فعله، وفاءًا بما أعطى للمشركين من تعهد في صلح الحديبية.
امتحان آخر يواجهه الرسول - ﷺ - عقب صلح الحديبية.
غير أن امتحان الحديبية لم يكن الأخير. فعندما وصل الرسول - ﷺ - إلى المدينة ولم يكد يستقر به المقام فيها عقب إبرام هذا الصلح. حتى واجه امتحانًا آخر. لا يقل صعوبة عن الامتحان الذي واجهه في بطاح الحديبية.
لقد كانت سجون مكة تعج بعشرات الشباب القرشيين الذين اختاروا لهم الإِسلام دينا. فغضب أهلوهم لذلك. فقاموا باعتقالهم وزجُّوا بهم في السجون والمعتقلات. بعد أن عجزوا عن إقناعهم بالارتداد عن الإِسلام إلى الوثنية.
_________________
(١) العيص بكسر العين .. ما تكاثف وتشابك من الشجر، وهو -كما قال ياقيت في معجمه - ناحية ذي المروة على ساحل البحر الأحمر.
(٢) انظر تفاصيل قصة أبي جندل المؤثرة في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
[ ٨ / ٢٠ ]
الثائر الأول على مشركى مكة.
وكان أبو بصير (عتبة بن أسيد الزهري) (١) أحد هؤلاء الشباب القرشيين السابقين إلى الإسلام. زج به قومه بنو زهرة في السجن لمفارقته دين الوثنية واعتناقه دين الإِسلام.
ولما تم إبرام صلح الحديبية وأجبرت قريش الشرك على الاعتراف بالمسلمين كأمة ذات كيان - بعد أن كانت قريش لا تنظر إليهم إلا كما تنظر إلى قطاع الطرق والخارجين على القانون - انتعشت آمال الشباب المسلم المقهور في سجون مكة. وصار هؤلاء الشباب يمنون النفس بالاستفادة من معطيات هذا الصلح.
وبدأ بعضهم يفكر في الهرب من سجون قريش بمكة ليلتحق بالأسرة الإِسلامية في المدينة كأعضاء فيها.
وكان أول من تمكن من الخلاص من سجن أهله بمكة الشاب المسلم (أبا بصير). وقد اتجه هذا الشاب المسلم إلى المدينة. وعندما وصل إليها قابل النبي - ﷺ - وطلب منه أن يمنحه حق اللجوء والإِقامة بين أسرته الكبرى. أسرة الإِسلام.
وكان بود النبي - ﷺ - أن يجيبه إلى طلبه. ولكن السماح له بالإِقامة في المدينة يناقض روح اتفاقية صلح الحديبية التي ينص أحد بنودها على أن يلتزم النبي - ﷺ - بعدم إيواء أحد في المدينة من أبناء قريش حتى وإن جاء
_________________
(١) هو عتبة بن أسيد بن جارية بن عبد الله الثقفى (أبو بصير) حليف بني زهرة كان من الشباب السابقين في الإسلام سجنه أهله في سجن بني زهرة بمكة تنكيلا به لدخوله في الإِسلام. فصبر حتى تمكن من الإِفلات فكان أول شباب قريش هربا من سجونها بعد صلح الحديبية ذكر البخاري قصته وقصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو في صحيحه: قاد أبو بصير ثوار العيص أنشأ حكومة مستقلة في الساحل في العهد النبوى معادية لقريش وليست مرتبطة بالمسلمين بسبب شروط صلح الحديبية ولكنها كانت على ولاء تام للنبي - ﷺ - وأصحابه .. ظل أبو بصير يقود الثورة ضد مشركي مكة ويستولى على قوافلهم في الساحل حتى صدرت إليه الأوامر النبوية بإيقاف نشاطه ضد كفار مكة. فأوقف نشاطه ثم توفى في مقره بالعيص وهو يقرأ كتاب رسول الله - ﷺ - الموجه إليه بهذا الشأن.
[ ٨ / ٢١ ]
مسلمًا ما لم يكن ذلك بموافقة وليه. وأنّ عليه - ﷺ - أن يعيده إلى أهله إذا ما طلبوا منه ذلك.
وهكذا كان مجئ الشاب الطيب المسلم (أبي بصير) لاجئا إلى المدينة امتحانًا ثانيا (وقاسيا) للنبي - ﷺ - ولأصحابه .. ذلك أنّ بني زهرة. قوم أبي بصير لم يكادوا يعلمون أنه التجأ (عقب هربه من سجنهم) إلى المدينة. حتى بعثوا في طلبه. وذلك في خطاب كتبه إلى النبي - ﷺ - اثنان من سادات بني زهرة (الأخنس بن شريق وأزهر بن عبد عوف) (١) طالبا فيه النبي - ﷺ - أن يعيد إليهم ابنهم أبا بصير. تنفيذًا لاتفاقية صلح الحديبية (٢).
وقد بعثا إلى النبي - ﷺ - بالخطاب مع رجلين من بني عامر بن لؤى وطلبا من الرسول - ﷺ - أن يسلمها (أبا بصير) ليعودا به إلى مكة تحت حراستهما.
_________________
(١) هو أزهر بن عبد عوف .. قال ابن حجر في الإِصابة هو عم عبد الرحمن بن عوف الزهري ولم يذكر في الأصل، أي تفصيل عن إسلامه إلا أنه ذكر أنه ممن شهدوا أن رسول الله - ﷺ - دفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب. وأنه رابع أربعة كلفهم الخليفة الفاروق فنصبوا أعلام الحرم. وهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل وسعيد بن يربوع وأزهر بن عبد عوف. وهذا يعني أنه كان من مسلمي الفتح والله أعلم.
(٢) ذكر الواقدي في مغازيه ج ٢ ص ٦٦٤ وما بعدها) تفاصيل قصة طلب إعادة أبي بصير ونص الخطاب الذي وجهته قريش إلى النبي - ﷺ - بهذا الشأن. فقال: فكتب الأخنس بن شريق وأزهر بن عبد عوف الزهري إلى رسول الله - ﷺ - كتابًا وبعثا به رجلا من بني عامر بن لؤى استأجره ببكر. ابن لبون - وهو خنيس بن جابر، وخرج مع العامري مولى له يقال له .. كوثر، وحملا خنيس بن جابر على بعير. وكتبا يذكران الصلح بينهم. وأن يرد أبا بصير فلما قدما على رسول الله - ﷺ - قدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام. فقال خنيس: يا محمد هذا كتاب. فدعا رسول الله - ﷺ - أبي بن كعب، فقرأ عليه الكتاب فإذا فيه .. قد عرفت ما شارطناك عليه. وأشهدنا بيننا وبينك من رد من قدم عليك من أصحابنا. فابعث إلينا بصاحبنا فأمر رسول الله - ﷺ - أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما.
[ ٨ / ٢٢ ]
النبي - ﷺ - يسلم أبا بصير لقريش:
وبعد أن تسلم النبي - ﷺ - خطاب سيد بني زهرة. وعرف مضمونه. لم يسعه (وهو سيد من أبر وأوفى بالعهد) إلَّا أن يُسلم (أبا بصير) إلى رسولي قريش. وفاءًا بالعهد الذي أعطاه لها في الحديبية ..
فقد استدعى النبي - ﷺ - أبا بصير. فأخبره أنه لا بد له من أن يُسلمه لرسولى قريش ليعودا به إلى مكة. فقال أبو بصير (في حرقة وألم): يا رسول الله. أتردُّنى إلى المشركين يفتنوننى في دينى؟ ! .
فقال له النبي - ﷺ -: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر. وإن الله جاعل لك ولن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. فانطلق إلى قومك (١).
كيف يصنع الإيمان الراسخ:
ولم يسمح إيمان الشاب أبي بصير الراسخ له بأن يناقش أو يجادل في أمر النبي - ﷺ - بل صدع به وألقى بيديه إلى مندوبى قومه من المشركين ليوثقاه كتافًا رغم علمه أن ذلك قد يعني إعدامه في سجون مكة.
فغادر أبو بصير المدينة في حراسة العامريين المشركين. وقد حز ذلك في نفسه ونفوس المسلمين (ما في ذلك شك). ولكنه الوفاء بالعهد. وأمر الرسول - ﷺ - الذي لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج عليه.
أبو بصير يقتل حارسيه ويعود إلى المدينة:
لقد كان أبو بصير شابًّا قويًّا وشجاعًا. مع ذكاء وفطنة. وإذا اجتمعت الشجاعة والقوة والفطنة والذكاء إلى الإِيمان الراسخ. كان لذلك أروع النتائج.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٣٣.
[ ٨ / ٢٣ ]
لا شك أن أبا بصير - منذ أن أطاع أمر نبيه - ﷺ - فسلم نفسه إلى رسولي قومه المشركين - وهو يفكر في اتباع طريقة يتخلص بها من أسر حارسيه المشركين. بعد أن أبرأ ذمة نبيه - ﷺ - وجعله بعيدًا عن تهمة الإِخلال بالعهد. بانصياعه لأمر الرسول - ﷺ - بأن يسلم نفسه لمبعوثى قومه المشركين تمشيًا مع بنود صلح الحديبية .. وقد نفذ البطل أبو بصير فكرة التخلص هذه فتمكن من قتل أحد حارسيه. وانطلق يطارد الآخر الذي فر هاربا إلى المدينة.
وتفصيل ذلك أن هذا الشاب القرشي المؤمن عزّ عليه وثقل على نفسه أن يعود إلى بيئة الشرك وجوّ الوثنية العربيد الخانق. ليقذَفَ به من جديد في غياهب سجون الشرك في مكة. بعد أن نجاه الله منها حين أفلت من مكة. ولكن لا بد من مغادرة المدينة. كما هي أوامر الرسول - ﷺ - ورغبته المنبثقة من حرصه على الوفاء بالعهد الذي أعطاه مشركى مكة في اتفاقية الحديبية.
فغادر أبو بصير المدينة مع حارسيه المسلحين العامريين اللذين انطلقا به مكتوف اليدين نحو مكة. وفي مكان يقال له ذو الحليفة (أبيار على اليوم) وعلى بعد حوالي سبعة أميال من المدينة جلس الحارسان المشركان وأسيرهما المسلم (أبو بصير) ليأخذا قسطًا من الراحة.
وهناك أخذ أبو بصير يلاطف أحد حارسيه وكان الحارس مسلحًا بسيفه. وبعد أن تباسط في الحديث مع حارسه قال له (في ذكاء ولطف). أصارم سيفك هذا يا أخا عامر؟ .
قال العامري: نعم هو كذلك ثم هزه وقال (في زهو وغرور): لأضربن بسيفى هذا في الأوس والخزرج يومًا إلى الليل.
فاستأذنه أبو بصير ليفحص السيف قائلًا: أأنظر إليه؟ .
قال الحارس: إن شئت.
وهنا حل وثاق أبي بصير. وما كادت يده تقع على مقبض السيف حتى ضرب به حارسه العامري فأرداه قتيلًا. ثم شد على الحارس الثاني ليلحقه
[ ٨ / ٢٤ ]
بصاحبه. ولكنه فر هاربًا مذعورًا إلى المدينة طالبًا النجاة. ودخل المسجد على النبي - ﷺ - فلما رآه النبي - ﷺ - والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه. قال - ﷺ - إن هذا الرجل قد رأى فزعًا. ثم قال له: ويحك ما لك؟
فقال: قتل صاحبكم صاحبى وأفلتُّ منه ولم أكد. وإني لمقتول. ثم طلب من النبي - ﷺ - أن يحميه من أبي بصير الذي كان في أثره فأمنه النبي - ﷺ - على حياته.
ولم يكد العامري المشرك يكمل حديثه في المسجد حتى طلع أبو بصير البطل متوشحًا سيف حارسه المشرك القتيل. ثم دخل على النبي - ﷺ - بعد أن أناخ البعير على باب المسجد. وأبلغ الرسول - ﷺ - تفاصيل ما حدث. ثم قال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدَّى الله عنك. أسلمتنى بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه أو يعبث بي.
وكان الشاب أبو بصير (على ما يظهر) يحاول بهذا القول إقناع النبي - ﷺ - بأن يسمح له بالإِقامة في المدينة. ولا يجبره مرة أخرى على العودة إلى مكة.
وقد اقتنع النبي - ﷺ - بوجاهة رغبة أبي بصير. فلم يجبره على العودة إلى مكة ولكنه في الوقت نفسه لم يسمح له بالإقامة في المدينة لأن ذلك يناقض اتفاقية الحديبية. ولذلك فإن النبي - ﷺ - بعد أن شرح وجهة نظر أبي بصير - قال له: اذهب حيث شئت (١).
وقد طلب أبو بصير من النبي - ﷺ - أن يعتبر سلب العامري المشرك المقتول وبعيره غنيمة حرب فيخمسها كما تُخمَّس الغنائم، ولكن النبي - ﷺ - لم يفعل لئلا تفسر قريش ذلك نقضا للعهد الذي أعطاه النبي في الحديبية. فقد قال النبي - ﷺ - لأبي بصير: إذا خَمسته (٢) رأونى (أي
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥١.
(٢) خمسه: أي أخذ خمسه عملا بآية الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
[ ٨ / ٢٥ ]
قريشًا) لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال النبي - ﷺ - معجبًا بشجاعة وبسالة أبي بصير - (ويل أمه مسْعرِ (١) حرب لو كان معه رجال (٢» كلمة تعنى الشجاع البطل القادر على خوض المعارك وقيادة الجيوش وليس معه رجال. مثل أبي بصير.
معقل الثوار ضد قريش:
وعندما علم أبو بصير أن الرسول - ﷺ - لن يسمح له بالإِقامة في المدينة. اختمرت في ذهنه فكرة الثائر السلم البطل الذي تأبى نفسه أن يعود مرة أخرى إلى ذل الشرك والعبودية. فنفذ هذه الفكرة في الحال.
فقد حمل سيف القتيل الشرك واستوى على بعيره الذي غنمه منه واتجه غربًا نحو العيص على ساحل البحر. حيث تكثر الأحراش والأشجار المتشابكة التي يسهل فيها على الثائر الاختفاء عندما يريد.
ولم يكن هدف أبي بصير من اختيار العيص مكانًا لإِقامته الاختفاء عن الأنظار. بل كان هدفًا أسمى وأعلى من ذلك وهو إعلان الثورة على قومه المشركين وشن حرب عصابات على قوافلهم التجارية الكبرى التي يتحكم في طريقها الوقع الذي اختاره أبو بصير معقلًا له.
واستقل الثائر الأول بنفسه. ليس له أية علاقة إدارية بالمسلمين (بسبب صلح الحديبية) وصار يشن الغارات من معقله في العيص على قوافل قريش التجارية ويفتك برجال هذه القوافل المشركين ويستولى على ما يحتاج إليه من الأموال التي تحملها القوافل ثم يعود إلى معقله في العيص.
وقد أخاف أبو بصير (وكان شجاعًا باسلًا) أخاف قريشًا إخافة شديدة. فصارت مكة لا ترسل قوافلها إلى الشام إلا تحت حراسة مشددة، ومع ذلك لم تنج هذه القوافل من الثائر البطل الأول أبي بصير.
_________________
(١) مسعر حرب: موقدها ومهيجها.
(٢) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣٩.
[ ٨ / ٢٦ ]
التحاق المستضعفين المسلمين بالثائر الأول في العيص:
وشاع ذكر عمليات الثائر أبي بصير ضد قوافل أهله من قريش وخاصة بين أهل مكة. فانتعشت آمال المستضعفين من المسلمين المسجونين في سجون الشرك بمكة في الخلاص من هذه السجون للالتحاق بالثائر الأول البطل أبي بصير.
وكان النبي - ﷺ - قد أشاد بشجاعة ورجولة أبي بصير (حينما تخلص من حارسيه بعد أن قتل أحدهما) فقال - ﷺ -: (ويل أمه مُسْعِرُ حرب لو كان معه رجال).
وقد كانت هذه الكلمة النبوية (بحق أبي بصير) فيها إشارة صريحة إلى أن النبي - ﷺ - سيقف من أعمال أبي بصير الحربية ومن قد ينضم إليه من الشباب القرشي المسلم القهور في سجون مكة. موقف الحياد - ما دام صلح الحديبية قائمًا بين المسلمين وقريش - وأنه لن يمنحهم حق اللجوء السياسي (إن صح هذا التعبير) كما أنه لن يكون (من ناحية أخرى) مسئولًا عن ما قد يقومون به من أعمال عسكرية ضد أهاليهم من المشركين.
ولما علم الشباب القرشي المسلم (من المعتقلين في سجون مكة) بقصة أبي بصير وإعجاب النبي - ﷺ - به وبشجاعته وبسالته وقوله لذلك (ويل أُمِّه مسعّر حرب لو كان معه رجال!) وأن أبا بصير قد باشر الثورة المسلحة بنفسه ضد مشركى مكة في العيص. بذل هؤلاء الشباب جهدهم حتى تخلصوا (الواحد تلو الآخر) من سجون أهاليهم المشركين في مكة.
وصاروا كلما تمكن أحدهم من الهرب من سجون الشرك بمكة انضم إلى الثائر الأول (أبي بصير في العيص). ولم تمض عدة أشهر حتى اجتمع إلى أبي بصير - من شباب قريش وحدهم سبعون شابًّا. كلهم هرب من
[ ٨ / ٢٧ ]
سجون مكة. وعلى رأسهم (أبو جندل بن سهيل بن عمرو) (١).
ارتفاع عدد ثوار العيص إلى ثلاثمائة:
وقد انضم إلى ثوار قريش في العيص رجال من غفار وجهينة وطوائف أخرى حتى بلغوا ثلاثمائة. تمركزوا جميعهم في منطقة العيص دون أن تكون لهم أية صلات إدارية بالنبي - ﷺ - رغم أنهم على دين الإِسلام.
أبو بصير قائد الثوار:
وعندما بلغت قوات ثوار العيص إلى هذا العدد (ثلاثمائة مقاتل) أسندوا أمرهم إلى الثائر الأول البطل أبي بصير الزهري. فانتخبوه قائدًا عامًا لهم يأتمرون بأمره.
فقبل أبو بصير هذا التكليف وعين (أبا جندل بن سهيل بن عمرو) نائبًا له في قيادة الثورة ضد قريش الشرك.
ثم قام أبو بصير القائد بتنظيم هؤلاء الثوار وجعل منهم قوة حربية وفصائل منظمة. اتبعت في ثورتها على مشركى مكة أسلوب حرب العصابات. فصارت هذه الفصائل تقوم على الدوام بمراقبة عير قريش الذاهبة من مكة إلى الشام والعائدة منها إلى مكة.
_________________
(١) أبو جندل هذه كنيته أما اسمه فهو عبد الله بن سهيل بن عمرو: قال في الإصابة كان من السابقين في الإِسلام شهد بدرًا مع الرسول - ﷺ -. لأنه جاء في جيش المشركين ثم انحاز إلى المسلمين. ثم أسر بعد ذلك وعذب ليرجع عن دينه ولما فتحت مكة كان هو الذي استأمن لأبيه سهيل بن عمرو: وقد ذكرنا قصته مفصلة في كتابنا الخامس (صلح الحديبية) كان أبو جندل من شباب الإسلام المخلص المتفاني في خدمة الإِسلام استشهد أبو جندل يوم اليمامة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة. قاله خليفة وابن إسحاق.
[ ٨ / ٢٨ ]
سيطرة الثوار على طريق القوافل:
وقد أحكم ثوار العيص السيطرة على طريق القوافل بين مكة والشام. وصاروا لا يمر بهم أحد من مشركى قريش فيظفرون به إلا قتلوه. ولا تمر بهم قافلة) غريش إلّا واستولوا عليها. حتى أصيبت تجارة قريش (التي هي عمود حياتها الفقرى) بضربة قاصمة. فانهارت اقتصاديات مكة وتناقصت فيها المواد الغذائية حتى أصبح شبح المجاعة يهدد أهل مكة. نتيجة وقوع أكثر أموالهم المعدة للتجارة في أيدى ثوار العيص المسلمين الذين يقودهم أبناء مكة أنفسهم ضد أهليهم الذين سجنوهم ونكلوا بهم لاتباعهم دين الإِسلام.
موقف المدينة من ثوار العيص:
ووقفت المدينة موقف الحياد التام من غارات هؤلاء الثوار المسلمين على قوافل قريش. فصلح الحديبية التزم فيه النبي - ﷺ - بأن لا يئوى أحدًا من أبناء قريش في المدينة بغير إذن أهله. حتى وإن كان مسلمًا. وقد طبق الرسول - ﷺ - هذا الالتزام نصًّا وروحًا حين أعاد أبا بصير إلى قريش وأسلمه إلى حارسيه العامريين كما تقدم. وحتى عندما تمكن أبو بصير من الإِفلات من حارسيه وقتل أحدهما خارج المدينة. وعاد إليها لم يسمح له النبي - ﷺ - بالإِقامة فيها. لأن ذلك يخالف روح اتفاقية الحديبية. والرسول - ﷺ - لا يمكن أن يأتي منه عمل يخدش العهد الذي أعطاه. فضلًا عن أن يأتي منه ما ينقضه.
كذلك فإن الرسول - ﷺ - ليس مسئولًا عن أية أعمال عسكرية يقوم بها مسلمون من أبناء قريش أنفسهم أو من غيرهم ممن لم يكونوا قد هاجروا واتخذوا المدينة دارًا لهم. وأصبحوا أصحابًا للنبي - ﷺ -. فالرسول - ﷺ - إنما أعطى العهد في الحديبية لقريش عن نفسه وعن أصحابه في المدينة. أما أبناء قريش الذين هم قادة الثورة ضد المشركين من أهلهم فليس الرسول مسئولًا عن أعمالهم الحربية ضد أهاليهم.
[ ٨ / ٢٩ ]
استقلال الثوار في العيص:
وظل ثوار العيص المسلمون يديرون شئونهم بأنفسهم - بقيادة أبي بصير ونائبه أبي جندل - ليست لهم أية صلة إدارية بالمدينة. بسبب صلح الحديبية الذي التزم فيه المسلمون كما التزم فيه المشركون بأن لا يباشر أحد الطرفين ضد الآخر أية أعمال حربية لمدة عشر سنوات.
ولهذا فإن ثوار العيص الأبطال لم يفكروا في الاتصال بالنبي - ﷺ - بشأن أعمالهم العسكرية التي يقومون بها ضد قريش. أو بشأن ما يغنمون من أموال هؤلاء القرشيين. لا سيما بعد أن أبلغ الرسول - ﷺ - الثائر الأول (أبا بصير) أن اعتباره - ﷺ - سلب العامري (الذي قتله أبو بصير) وبعيره غنيمة يخمِّسها فيه مخالفة لاتفاقية صلح الحديبية. ولهذا لم يقبله الرسول - ﷺ -.
حكومة العيص المستقلة:
ولهذا يمكننا (إذا تجاوزنا في التعبير) أن نقول: إن ثوار العيص قد أنشأوا لهم (في العيص) ما يشبه الحكومة المستقلة قوام جيشها (الذي هو أيضًا شعبها) ثلاثمائة رجل. أقضوا مضاجع القرشيين في مكة وشلوا حركتهم التجارية. بعد أن ألحقوا بهم الخسائر الفادحة في الأرواح والأموال، بينما ظلوا (في قرارة أنفسهم) على ولاء كامل لحكومة الرسول - ﷺ - في المدينة.
وإذا كانت المدينة (بدون ما تدبير من حكومتها) قد استفادت (عسكريًا وسياسيًا) من نشاط الثوار في العيص. لارتباطها بهؤلاء الثوار عقائديًا. إذ هم (في الواقع) محسوبون عليها ومنها وإليها (كمسلمين) حال وفاء النبي - ﷺ - لكفار مكة بالعهد الذي أبرمه معهم في الحديبية دون استقبالهم وإيوائهم في المدينة. فإن المعسكر القرشي بمكة قد تضرر إلى أبعد الحدود واشتد جزعه بعد أن أصيب بأفدح الخسائر في الأرواح والأموال.
[ ٨ / ٣٠ ]
شرط .. هم اشترطوه فعاد عليهم بالوبال:
بالرجوع إلى مقدمات صلح الحديبية التاريخي وإلى ما واكب هذا الصلح من عناد وتعنت أبداه الجانب القرشي في المفاوضة. وبالرجوع إلى بنود هذا الصلح الذي تم إبرامه بين المسلمين وبين مشركى قريش في السنة الخامسة من الهجرة. نجد أن قريشًا قد أصرت على إملاء شرط رأت أنه انتصار لها. ورأى المسلمون أن قبول النبي - ﷺ - به فيه مساس بكرامتهم فنزل بهم لذلك هم عظيم. فعارضوا الصلح أشد المعارضة. ولكن النبي - ﷺ - (رغم ذلك) قبل بهذا الشرط الذي يلزم المسلمين بأن لا يقبلوا ولا يؤوا في المدينة أحدًا جاءهم من أبناء قريش وأن يعيدوه إلى أهله المشركين حتى وإن جاء مسلمًا.
وعلى هذا الأساس (وبموجب هذا البند) لم يسح النبي - ﷺ - لأبي بصير بالإِقامة في المدينة عندما جاء مسلمًا فارًا من سجون الشرك في مكة. بل أعاده إلى قريش عندما بعثوا في طلبه. ولكنه تمكن من قتل أحد حارسيه (كما تقدم) ثم تحول إلى ثائر في العيص ضد أهله المشركين بعد أن رفض النبي - ﷺ - للمرة الثانية إيواءه في المدينة. فالتحق به في العيص كل المستضعفين في سجون مكة من المسلمين.
وهنا شعر وأدرك قادة قريش أن هذا الشرط الذي أملاه عنادهم وكبرياؤهم الجاهلى ففرضوا إدراجه ضمن شروط صلح الحديبية (١) قد عاد عليهم بأوخم العواقب.
حيث كان التزام النبي - ﷺ - بهذا الشرط وتنفيذه له سببًا في اندلاع نيران ثورة مسلحة ضد مشركي مكة. قام بها في العيص أولئك الرجال المسلمون من قريش نفسها. والذين رفض النبي - ﷺ - إيواءهم في المدينة وأعلن أنه سيعيد إلى قريش كل من جاءه منهم تطبيقًا للشرط الذي أملته قريش في الحديبية وقبل به.
_________________
(١) انظر تفاصيل شروط وبنود هذا الصلح في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
[ ٨ / ٣١ ]
فاضطر هؤلاء المسلمون المستضعفون - بعد أن تمكنوا من الإِفلات عن سجون مكة - إلى أن يلجأوا إلى مكان يجعلهم في مأمن من الوقوع مرة أخرى تحت سلطان المشركين من أهاليهم الذين نكلوا بهم وأهانوهم لاتباعهم دين الإِسلام ونبذهم دين الوثنية.
برلمان قريش يبحث أمر الثورة في العيص.
وعندما استفحل أمر ثوار العيص ضد مشركي مكة عقد برلمان مكة جلسة تدارس فيها الوضع المتردى الذي نتج عن ثورة العيص ضدهم. إلا أنهم في بحثهم وتشاورهم لحل مشكلة هذه الثورة المسلحة وصلوا إلى طريق مسدود.
فالرسول - ﷺ - لم تكن هذه الثورة ضمن نطاق سلطان حكومته حتى تحمله قريش مسئوليتها وتطلب منه إيقافها تنفيذًا لشروط صلح الحديبية. بل إن هذه الثورة لم يندلع لهبها ضد مشركى مكة إلا بسبب أن الرسول - ﷺ - وفّى لقريش بشرطها فرفض قبول هؤلاء الشباب وإيواءهم في المدينة رغم أنهم مسلمون هاجروا من مكة فرارًا بدينهم.
وقريش ليس في مقدورها أن تجرد الجيوش لقمع ثورة هؤلاء الثوار في العيص من أبنائها. فما العمل إذن؟ .
تداول زعماء قريش الرأي فيما بينهم (بدار الندوة) فاتفقوا على أنه لم يكن من سبب للمتاعب الخطيرة التي يعانون منها سوى الشرط المتعسف الذي أملاه كبرياؤهم الجاهلي فأصروا على إدراجه ضمن شروط الصلح في الحديبية. والذي يلزم الرسول - ﷺ - بأن لا يؤوى ولا يقبل أحدًا من أبنائهم جاءه إلى المدينة وأن يعيده إليهم (إذا طلبوا تسليمه) حتى وإن كان مسلمًا.
[ ٨ / ٣٢ ]
قريش تلتمس من الرسول إلغاء الشرط الذي أصرت عليه.
ولهذا قرروا بالإِجماع أن يتقدموا إلى الرسول - ﷺ - بالتماس يطلبون فيه منه التكرم عليهم بقبول إلغاء البند الثامن من معاهدة الحديبية والذي أصروا في عناد على إدراجه في العاهدة والقاضي بعدم إيواء أي من أبنائهم في المدينة حتى وإن جاء مسلمًا.
وقرروا. أن يناشدوا الرسول - ﷺ - الرحم بأن يطلب من أبنائهم الثوار في العيص أن يتركوا مواقعهم في الساحل ويعودوا إلى المدينة. لأنه لا سبيل إلى إنهاء ثورة أبنائهم العارامة ضدهم إلا بأن يطلب الرسول - ﷺ - من هؤلاء الثوار المجئ إلى المدينة.
أبو سفيان رسول قريش في المدينة.
وبناء على القرار الذي اتخذه برلمان مكة (دار الندوة) اتفق زعماء عشائر قريش على أن يكتبوا رسالة ويوفدوا بها أحد كبارهم إلى المدينة ليسلمها إلى الرسول - ﷺ -. وكان هذا المبعوث هو أبا سفيان بن حرب الذي توجه إلى المدينة يحمل إلى النبي - ﷺ - رسالة قريش التي تتضمن الرجاء أن يطلب النبي - ﷺ - من ثوار العيص المجئ إلى المدينة وترك مواقعهم في الساحل. كما تضمنت هذه الرسالة قبول قريش بإسقاط الشرط المتعنت الذي كان من وحى عنادها وصلفها.
فقد جاء في هذه الرسالة قول قريش يخاطبون الرسول - ﷺ - وهم يستعطفونه ويسترحمونه -: "أننا أسقطنا هذا الشرط من الشروط. من جاء منهم (أي المسلمين من قريش) إليك فأمسكه في غير حرج فهو آمن إن هؤلاء الركب (يعني ثوار العيص) قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره (١).
إننا نسألك بالأرحام إلا ما آويتهم فلا حاجة لنا بهم" (٢).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥١.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٢٤.
[ ٨ / ٣٣ ]
انتهاء الثورة وعودة الثوار إلى المدينة.
وعندما سلم أبو سفيان بن حوب النبي - ﷺ - رسالة قومه وعرف مضمونها. لم يتردد في الاستجابة لرجاء قومه الذين ناشدوه الرحم. ولم يساوم، ولم يبد أي تشدد إزاء استرحام قومه بالرغبم من أن بقاء ثوار العيص في معاقلهم يسبب أفدح الخسائر في الأرواح والأموال لقريش الذين لم يتركوا وسيلة للإِضرار بالنبي - ﷺ - وأصحابه والتنكيل بهم إلا واتبعوها.
ولكن أنَّى للأحقاد أن تجد سبيلها إلى قلب رجل أرسله الله رحمة للعالمين. هدفه هداية قومه وإنقاذهم من الضلال لا التنكيل بهم؟ .
أليس هو الذي يقول (وهو في أشد حالات المحنة في مكة من قومه): "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون"؟
وانطلاقًا من روح التسامح وطرح الضغائن والأحقاد جانبًا. استجاب الرسول - ﷺ - لرجاء قومه. فكتب إلى قائد الثوار في العيص (أبي بصير ونائبه أبي جندل) أن يتركا مواقعهما ويقدما عليه في المدينة برجالهما.
قائد الثوار يموت وهو يقرأ كتاب رسول الله - ﷺ -
وذكر أن كتاب رسول الله - ﷺ - هذا إلى قائد الثورة - (أبي بصير) وصل وهذا القائد البطل في حالة الاحتضار من مرض ألم به. ففض الكتاب وشرع في قراءته إلا أن روحه الطاهرة فاضت إلى باريها وكتاب الرسول - ﷺ - في يده. ومات "على ما يظهر" قبل أن يكمل قراءته.
فتسلمه نائبه أبو جندل بن سهيل بن عمرو. الذي حل محله في قيادة الثوار. فقرأه .. ثم قام الثوار بدفن الثائر الأول البطل "أبي بصير" في معقل الثوار بالعيص. وبعد ذلك تولى أبو جندل تنفيذ أمر الرسول - ﷺ - فأمر بإنهاء النشاط المسلح ضد مشركى مكة. وأبلغ جنوده بأن تلك هي رغبة الرسول الأعظم - ﷺ -.
فأطاع الجميع الأمر. ثم اتجه أبو جندل بشباب قريش المسلمين نحو
[ ٨ / ٣٤ ]
المدينة وكانوا سبعين رجلًا. بينما قرر بعض الثوار من غير القرشيين العودة إلى باديتهم. وكان من بين ثوار العيص الشباب. الوليد بن الوليد المخزومي. أخو خالد بن الوليد. الذي مات عند وصوله المدينة من جرح أصابه فانقطعت له أصبعه عندما عثر في الحرَّة. فربط رجله وهو يقول:
هل أنت إلا أصبُعٌ دميتِ وفي سبيل الله ما لقيت (١)
انكشاف الغطاء أكثر فأكثر:
وبما آل إليه ثوار المستضعفين في العيص. وما وصلوا إليه من قوة ومنعة أقضّت مضاجع قريش الكفر، وجعلتهم يطلبون (صاغرين) من الرسول الأعظم - ﷺ - مسترحميه ومناشديه الرحم أن يسقط الشرط الذي أملوه في الحديبية (كبرياء وصلفًا) وهو الشرط الذي تضايق منه الأصحاب أشد التضايق وعارضوا الصلح تلك المعارضة الشديدة نعم بالمكاسب العظيمة التي حققها ثوار العيص ضد طغيان الوثنية. التي انحنت (صاغرة) فطلب زبانيتها إلغاء الشرط الذي أملوه في الحديبية (بغيا وبطرا ورياء الناس) تكشفت الحقائق أكثر فأكثر وانكشف للصحابة الذين قصرت مداركهم عن المدى الذي بلغه فهم وإدراك أشرف الناس محمد - ﷺ - حينما قبل هذا الشرط.
وازداد يقين هؤلاء الأصحاب أن طاعة رسول الله - ﷺ - خير مما أحبوه يوم الحديبية من عدم القبول بشرط قريش ذاك الذي لولا إصرار قريش على وضعه ضمن بنود معاهدة الصلح في الحديبية. ما اندلعت ثورة المستضعفين في العيص. والتي أنزل فيها هؤلاء الثوار البواسل بالمعسكر القرشي أفدح الخسائر في الأرواح والأموال.
فقد كانت هذه الثورة لصالح المعسكر الإسلامى في المدينة، استفاد منها فائدة كبرى دون أن تكون له يد فيها، ودون أن يتعرض لأيّ اتهام بأنه
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٦٩.
[ ٨ / ٣٥ ]
أخل بالالتزامات التي التزم بها النبي - ﷺ - في صلح الحديبية.
وقد قرّت عين أبي جندل بن سهيل بن عمرو (نائب قائد الثورة) قرّت عينه وأعين إخوته من شباب قريش المسلمين بما حققته ثورتهم في العيص من مكاسب بها انتصفوا لأنفسهم ولدينهم من قاهريهم ومضطهديهم المشركين.
فقد عاد أبو جندل وإخوته الثوار من العيص إلى المدينة مرفوعة رءوسهم .. وكأنى بأبي جندل -وهو يدخل المدينة مشرق الوجه قرير العين- يستعرض ذكريات الحديبية المؤلمة، ويتذكر على وجه الخصوص ما قاله النبي - ﷺ - وهو يعيده إلى أبيه المشرك مكبلًا يرسف في قيوده الحديدية. تنفيذًا للعهد الذي أعطاه المشركين في وثيقة الصلح: "إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدًا وإنا لا نغدر بهم: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا".
فها هو أبو جندل الشاب المؤمن الصابر المحتسب يرى ما وعده ول الرسول - ﷺ - في الحديبية حقيقة ماثلة، فقد جعل الله لأبي جندل ومن معه من شباب الإِسلام القرشي المظلوم المضطهد فرجًا ومخرجًا.
فها هم (بعد أن نجاهم الله من سجون الإِرهاب الشركية في مكة) يتوافدون من العيص على المدينة مفعمة قلوبهم بالغبطة والسرور للسماح لهم بالاندماج في أسرتهم الإسلامية الكبرى، بعد أن شفى الله غيظ قلوبهم من أعداء الله المشركين الذين قد ساموهم سوء العذاب في سجون مكة ومعتقلاتها، لأنهم كانوا فضلوا التوحيد على الشرك.
وهكذا جنى مشركو مكة ثمار تجبرهم وتصلفهم - شرًّا وبلاءًا. وقطف المؤمنون الصابرون ثمرة صبرهم واحتسابهم عزًّا في الدنيا وفلاحًا في الآخرة بفضل الله ثم بفضل إطاعتهم أوامر نبيّهم - ﷺ - وصبرهم على البلاء في سبيل الاحتفاظ بعقيدتهم النقية الصافية عقيدة التوحيد.
[ ٨ / ٣٦ ]
شأن المستضعفات من النساء المسلمات المهاجرات
وقبل فتح مكة "وفي تاريخ لا نعرف تحديده، ولكنه كان بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة"، نزل التشريع من السماء بالتفريق بين المرأة المسلمة وزوجها الكافر.
كما نزل بتحريم إجراء أية زيجة بين امرأة مسلمة ورجل كافر من أية طائفة كان.
هجرة النساء بعد الحديبية
وسبب ذلك أن أم كلثوم (١) بنت عقبة بن أبي معيط (٢) كانت قد أسلمت بمكة وبايعت النبي - ﷺ - قبل أن يهاجر إلى المدينة. وكانت من خيرة النساء - رغم أن أباها كان "حتى قتل" رأسًا من رؤوس الكفر -.
فلما عقد النبي - ﷺ - صلح الحديبية وأمن جانب قريش بعد هذا الصلح، هاجرت أم كلثوم هذه من مكة إلى المدينة. فكانت أولَ امرأة مهاجرة بعد صلح الحديبية. وكانت أم كلتوم أختًا لعثمان بن عفان لأمه.
_________________
(١) هي أم كلثوم بت عقبة بن أبي معيط الأموية أمها أروى بنت كريز بن زمعة بن حبيب بن عبد شمس وهي أخت عثمان بن عفان لأمه .. كانت أم كلثوم من كرائم نساء المؤمنين راسخة الإِيمان من السابقات إلى الإسلام ومن المفارقات العجيبة له أن أباها عقبة كان من ؤوس الكفر والمبالغين في التنكيل بالرسول - ﷺ - أيام محنته في مكة قبل الهجرة أسر أبوها يرم بدر وجرى إعدامه كمجرم حرب في الطريق إلى المدينة: هاجرت إلى المدينة فتاة قبل أن تتزوج .. هاجرت ماشية على قدميها لها أحاديث في الصحيحين والسنن الثلاثة تزوجها في المدينة زيد بن حارثة فلما توفى عها. تزوجها الزبير بن العوام. ثم فارقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميد ثم مات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمات وهي في عصمته قال ابن سعد هي أول من هاجر إلى المدينة بعد هجرة النبي - ﷺ - ولا نعلم قرشية عن أبويها مسلمة وهاجرت إلى الله ورسوله إلّا أم كلثوم.
(٢) عقبة بن أبي معيط بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أسر يوم بدر مشركا كان أحد اثنين من الأسرى جرى إعدامهما وقد تقدمت تفاصيل قصته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٨ / ٣٧ ]
وكانت هذه الفتاة الصالحة الفاضلة تعلم ما تضمنه صلح الحديبية من شرط ينص على التزام النبي - ﷺ - بعدم إيواء أحد من أبناء قريش في المدينة حتى وإن جاء مسلمًا إلا بإذن أهله.
فكانت تخشى أن يردها رسول الله - ﷺ - إلى المشركين - تنفيذ لهذا الشرط - وقد أبدت تخوفها هذا لأم المؤمنين أم سلمة، لأنها إنما جاءت من مكة فرارًا بدينها. غير أن النبي - ﷺ - طمأنها بعد أن أخبرته زوجه أم سلمة قصتها.
كيف يكون أثر الإِيمان عندما يتمكن من النفوس
إن قصة الفتاة أم كلثوم وهجرتها إلى الله ورسوله. وتحمُّلها في سبيل ذلك من الأخطار وعزمها على أن تهاجر وحدها. فتقطع أكثر من ثلاثمائة ميل مشيًا على الأقدام. ورغم ما في ذلك من أخطار عليها وهي المرأة الضعيفة (وكل النساء بطبعهن ضعيفات) .. إن قصة هجرتها قصة شيِّقة. فيها تتجسد التضحية البالغة بركوب المخاطر في سبيلِ الحفاظ على العقيدة التي إذا رسخت في القلوب وأشرقت بنور ربها تجعل معتنقها وكأنه خلق خلقًا جديدًا. فهذه فتاة شابة في مقتبل العمر. عندما لامس الإسلام قلبها ورسخت عقيدته الصافية في نفسها نسيت أهلها ووطنها. ولم يكن لها هم إلا ترك دار الكفر والالتحاق بالرسول - ﷺ - في (المدينة)، رغبة في الحفاظ على عقيدتها التي كانت -كما صرحت هي لدى وصولها المدينة - تخشى أن يطالها الإِرهاب والتعذيب فتفتن - لضعفها - فتفارق الإِسلام. الذي مفارقتا لروحها أهون عليها من أن تفارقه وتخرج منه. ولهذا تركت مكة وقررت أن تهاجر إلى المدينة (مشيًا على الأقدام بمفردها). رشرعت - فعلًا - في الهجرة، إذ غادرت مكة (خلسة) مصممة على أن تقطع تلك المسافة البعيدة المحاطة بالأخطار الجسام وحدها، لولا أن الله قيّض لها رجلًا شهمًا نبيلًا وعفا كريمًا ومن معدن قلّ أن يوجد مثله في الرجال رجلًا ما كانت تعرفه ولا يعرفها. فكان لها خير راع وحارس أمين حتى أوصلها المدينة ثم عاد من حيث أتى دون أن تعرف اسمه
[ ٨ / ٣٨ ]
إلا أنه من خزاعة حلفاء الرسول - ﷺ -. ولما في قصة هجرة هذه الفتاة البَرّة الصالحة الصادقة الإِيمان من دروس في الثبات على العقيدة ولما في قصة الرجل الخزاعي من شهامة ونبل وأريحية مما يستضاء به في دروب الرجولة الحقة. سنورد هذه القصة بكاملها كما رواها الواقدي.
أول مسلمة تهاجر بعد صلح الحديبية.
قال الواقدي: قالوا: لا نعلم قرشية خرجت بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله إلا أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، كانت تحدث تقول: كنت أخرج إلى بادية لنا بها أهلى، فأقيم بها الثلاث والأربع، وهي ناحية التنعيم -أو قالت بالحصاص ثم أرجع إلى أهلى فلا ينكرون ذهابى، حتى أجمعت المسير، فخرجتُ يومًا من مكة كأني أريد البادية التي كنت فيها، فلما رجع من تبعنى خرجت حتى انتهيت إلى الطريق، فإذا رجل من خزاعة فقال: أين تريدين؟ كما ققلت حاجتى فما مسألتك؟ ومن أنت؟ . فقال: رجل من خزاعة. فلما ذكر خزاعة اطمأننت إليه، لدخول خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ - وعقده، فقلت: إني امرأة من قريش أريد اللحوق برسول الله، ولا علم لي بالطريق. فقال: أهل الليل والنهار (١) أنا صاحبك حتى أوردك المدينة. ثم جاءنى ببعير فركبته، فكان يقود بي البعير، لا والله ما يكلمنى كلمة، حتى إذا أناخ البعير تنحّى عنى، فإذا نزلت جاء إلى البعير فقيده في الشجرة وتنحى عنى، حتى إذا كان الرواح جذع (٢) البعير فقربه وولى عنى، فإذا ركبته أخذ برأسه فلم يلتفت وراءه حتى نزل، فلم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة، فجزاه الله خيرًا من صاحب، فكانت تقول: نعم الحي خزاعة! قالت: فدخلت على أم سلمة زوج النبي - ﷺ - وأنا متنقبة، فما عرفتنى حتى انتسبت وكشفت النقاب فالتزمتنى وقالت: هاجرت إلى الله وإلى رسوله؟ . فقلت: نعم، وأنا أخاف أن يردنى رسول الله - ﷺ - إلى المشركين كما رد غيرى من
_________________
(١) يعني بذلك: نحن أهل الليل والنهار العارفون بمسالك الطريق ليلا ونهارًا.
(٢) قال في القاموس المحيط: جذع البعير، حبسه على غير علف.
[ ٨ / ٣٩ ]
الرجال: أبا جندل بن سهيل، وأبا بصير، وحال الرجال يا أم سلمة ليس كحال النساء، والقوم مصبحى، قد طالت غيبتى عنهم اليوم ثمانية أيام منذ فارقتهم، فهم يبحثون قدر ما كنت أغيب ثم يطلبوننى، رحلوا إلى فساروا ثلاثًا.
قال الواقدي: فدخل رسول الله - ﷺ - على أم سلمة، فأخبرته أم سلمة خبر أم كلثوم، فرحب بها رسول الله - ﷺ -، وقالت أم كلثوم يا رسول الله، إني فررت بدينى إليك فامنعنى ولا تردنى إليهم يفتنوننى ويعذبونى، فلا صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة وضعف النساء إلى ما تعرف، وقد رأيتك رددت رجلين (تعنى أبا جندل وأبا بصير) إلى المشركين حتى امتنع أحدهما، وأنا امرأة.
مطالبة المشركين بإعادة أم كلثوم
وعندما اختفت أم كلثوم من مكة وعلم أهلها أنها هاجرت إلى الله ورسوله بعثوا لاسترجاعها أخويها الوليد وعمارة ابنى عقبة، تنفيذًا لبنود صلح الحديبية.
ويظهر أن الرسول - ﷺ - كان عازمًا على إرجاع أم كلثوم إلى أهلها بمكة لولا أن القرآن نزل بتشريع جديد. نبه الرسول - ﷺ - إلى أنه إذا كان لا بد من إعادة الرجال إلى أهدهم بمكة (بموجب الاتفاقية) فإنه لا يجوز إعادة النساء المؤمنات (مطلقًا) وخاصة اللواتى تطلب قريش إعادتهن لمعاشرة أزواج مشركين لأنه من المحرم (بموجب التشريع الجديد) أن ينكح المشرك مسلمة أو ينكح المسلم مشركة.
والنص القرآنى الذي نزل - عقب هجرة أم كلثوم وحل مشكلتها - هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١).
_________________
(١) الممتحنة ١٠.
[ ٨ / ٤٠ ]
تسوية أمر النساء بالتراضى مع قريش.
غير أن القرآن عند نزوله بهذا التشريع الجديد أمر بإرضاء كل رجل مشرك من أهل مكة له زوجة مسلمة تركته وهاجرت. أمر بأن تدفع الدولة لهذا الشرك (بسبب قيام صلح الحديبية) كل ما أنفقه صداقًا لزوجته التي أصبحت (بحكم القانون الجديد في الإِسلام) مطلقة عنه ومحرمة عليه. فقال تعالى وأمر بهذه المراضاة: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١).
وضمن التشريع الجديد الذي جاءت به سورة المتحنة حرم الله على أيّ رجل مسلم أن يعاشر أية زوجة ظلت على شركها، كما حرم التزوج من أية امرأة مشركة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢).
كيف رضيت قريش بعدم إرجاع النساء
وقد ذكر المؤرخون أنه على أثر هذا التشريع الجديد. أبلغ الرسول - ﷺ - أخوى أم كلثوم (عمارة والوليد) بهذا التشريع وما نزل فيه عن أمر بالتعويض للأزواج المشركين من أصحاب عهد الحديبية. فذهبا إلى مكة وأبلغا قريشًا بذلك فقبلوا بهذه التسوية وكفّوا عن المطالبة بإعادة النساء بعد أن رضوا كلهم بهذا الحكم (٣).
ثم إن قصة أم كلثوم بنت عقبة لم تمض عليها أسابيع قليلة حتى جاءت قريش، نفسها تبلغ الرسول - ﷺ - تنازلها عن شرط إعادة من جاءه من أبنائها والذي تضمنته العاهدة .. وذلك على أثر اندلاع ثورة المستضعفين المسلمين القرشيين المسلحة في العيص كما تقدم فأصبح النبي - ﷺ - عقب ذلك غير ملزم لقريش بإعادة النساء ولا بإعادة الرجال إلى أهاليهم في مكة.
_________________
(١) الممتحنة ١٠.
(٢) الممتحنة ١٠.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٥٠ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٢١.
[ ٨ / ٤١ ]
ولم تكن أم كلثوم التي (بسببها نزل هذا التشريع) متزوجة ولكن التشريع نزل عامًا وشمل مواضيع عدة .. وقد زوج النبي - ﷺ - "أم كلثوم القرشية زيد بن حارثة" (١).
تطليق النساء المشركات
وكان الصحابة (قبل نزول هذا التشريع) بعضهم متزوجًا من نساء مشركات مقيمات في مكة. ولكن بعد نزول هذا التشريع بوجوب فسخ وعدم شرعية أية زيجة بين رجل مسلم وامرأة مشركة. قام كل رجل مسلم بتطليق امرأته المشركة.
ومن هؤلاء الصحابة. عمر بن الخطاب، طلق زوجتين له .. أم كلثوم بنت جرول الخزاعية أم عبيد الله بن عمر، فتزوجها أبو الجهم بن حذيفة بن غانم وهما على شركهما. وقريبة بنت أبي أمية بن المغيرة. فتزوجها معاوية بن أبي سفيان قبل أن يسلم.
التزوج من الكتابيات
وظل هذا التشريع معمولًا به، فصار من المحرم - أبد الآبدين - أن تتزوج امرأة مسلمة من أي رجل كافر. مهما كانت الطائفة التي ينتمى إليها. كما ظل كذلك من المحرم على أيّ مسلم أن يتزوج من غير مسلمة، إلا الكتابية (اليهودية والنصرانية) وذلك لتخصيص التحريم العام بآية أخرى نزل بها القرآن وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢).
_________________
(١) انظر ترجمة زيد بن حارثة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) المائدة آية ٦.
[ ٨ / ٤٢ ]
سرية الخبط (١) شهر رجب سنة ثمان للهجرة
من الحملات العسكرية التي قام بها جيش الإِسلام عقب غزوة مؤتة وقبل فتح مكة. سرية قادها أبو عبيدة بن الجراح إلى ديار جهينة على ساحل البحر الأحمر.
فقد استدعى النبي - ﷺ - أبا عبيدة بن الجراح وعقد له لواء القيادة على ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار. فيهم عمر بن الخطاب. وأمره بأن يتوجه بسريته للإِغارة على جُهينة التي كانت حتى ذلك العهد تدين بالوثنية. وكانت منازلهم المقصودة بالإِغارة على بعد خمس ليال من المدينة.
ومن الجدير بالذكر أن رجال هذه السرية كانوا كلهم من المشاة. ولم يكن لديهم من الخيل أو سلاح النقل سوى عدة جال. يحملون عليها زادهم (٢).
ولم يذكر أحد من المؤرخين (فيما بلغني) أن سرية أبي عبيدة خاضت أيّ قتال ضد قبيلة جُهينة. إلا أن سياق المؤرخين يدل على أن أبا عبيدة وصل برجاله إلى ديار جُهينة. حيث جاس خلال المناطق الساحلية على بحر القلزم (البحر الأحمر) وهي مناطق تابعة لجُهينة.
ويذكر المؤرخون أن رجال السرية المذكورة قد نفد زادهم قبل أن يصلوا إلى منازل جهينة حتى أنهم (لشدة الفاقة) يأكلون الخبط الذي باسمه سميت السرية.
قالوا: فأكلوا الخبط وهو يومئذ ذو مشرة (٣) حتى أن شدق أحدهم
_________________
(١) الخبط (بفتح أوله وثانيه) قال في القاموس المحيط ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره ويوخف بالماء وقد سميت هذه السرية باسم سرية الخبط. لأن الجيش أصابه الجوع حتى صار يأكل ورق الخبط.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٤.
(٣) جاء في القاموس المحيط: المشرة بفتح الميم وكسر الشين شبه خوصة تخرج في العضاة وفي كثير من الشجر والأغصان الخضر الرطبة قبل أن تتلون بلون.
[ ٨ / ٤٣ ]
بمنزلة مشفر البعير، فمكثنا على ذلك حتى قال قائلهم: لو لقينا عدوًا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد (١).
الكرم الأنصاري.
وفي هذه الغزوة التي أشرف فيها الجيش على الهلاك من الجوع. تجلى الكرم الأنصاري الذي خلد الله تعالى ذكر أصحابه بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فقد كان ضمن جنود هذه الحملة. قيس بن سعد بن عبادة سيد الخزرج. والمشهور بالكرم في الجاهلية والإِسلام.
فعندما رأى قيس بن سعد (وكان شابًّا يافعًا لا مال له) ما أصاب رجال السرية من جوع. ذهب إلى أحد الأعراب من فخيذة جُهنية موادعة للمسلمين. وطلب منه أن يبيعه عددًا من الجمال لينحرها للجيش على أن يدفع ثمنها للأعرابي تمرًا في المدينة. فقال الجهني لقيس بن سعد: والله ما أعرفك ومن أنت؟ .
قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهني: ما أعرفتنى بنسبك. أما إنَّ بيني وبين سعد خلة، سيد أهل يثرب. فابتاع منه خمس جزر. كل جزور بوسقين من تمر. يشرط عليه البدوى، تمر ذخيرة مصلبة (٢). من تمر آل دليم. قال يقول قيس: نعم. فقال الجهني: فاشهد لي. فأشهد له نفرًا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين. فقال قيس: أشهد من تحب. فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب، فقال عمر: لا أشهد. هذا يُدان ولا مال له، إنما المال لأبيه. قال الجهني. والله ما كان سعد ليخنى (٣) بابنه في سِقة من تمر! وأرى وجهًا حسنًا وفعالًا شريفًا. فأخذ قيس الجزر فنحرها في مواطن ثلاثة، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره وقال: تُريد أن تخفر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٥.
(٢) مصلبة: أي يابسة.
(٣) أخنى عليه: أي خفر ذمته كذا قال في النهاية لابن الأثير ج ٢ ص ٤.
[ ٨ / ٤٤ ]
ذمتك ولا مال لك؟ . عزمت عليك أن لا تنحر. فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت - وهو يقضى ديون الناس ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة لا يقضى سِقَة تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله! فكاد أبو عبيدة أن يلين له ويتركه حتى جعل عمر يقول: أعزم عليه! فعزم عليه فأبى عليه أن ينجر فبقيت جَزوران معه. فقدم بهما قيس المدينة ظهرًا (١) يتعاقبون عليها.
قالوا: وبلغ سعدًا ما كان أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟ . قال: نحرت قال: أصبت انحر! فقال قال: ثم ماذا! قال نحرت. قال: أصبت! قال: ثم ماذا؟ قال: ثم نحرت. قال: أصبت انحر! قال: ثم ماذا؟ قال نُهِيت. قال ومن نهاك؟ ! قال: أبو عبيدة بن الجراح أميرى. قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك. فقلت أبي يقضى عن الأباعد ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا بي! . قال سعد: فلك أربع حوائط (٢) قال وكتب له بذلك كتابًا. وأتى بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه. وأتى عمر فأبى أن يشهد فيه. قالوا: وأدنى حائط منها يجذُّ خمسين وسقا وقدم البدوى مع قيس فوافاه سِقَتَه. وحمله وكساه فبلغ النبي - ﷺ - فعل قيس فقال: إنه في بيت جود.
قصة الحوت العظيم في هذه الغزوة.
وذكر بعض الصحابة الذين في جيش أبي عبيدة أنهم لما جهدوا من الجوع أخرج الله لهم حوتًا مثل الظرب (٣) (بفتح أوله كسر ثانيه) فأكل الجيش منه. قال عبادة بن الصامت: أقمنا عليه عشرين ليلة حتى سمنا وابتللنا.
وذكر أصحاب السير والمغازي: إن هذا الحوت كان عظيمًا إلى درجة
_________________
(١) الظهر هنا ما ركب من الإبل.
(٢) الحوائط هي البساتين هنا.
(٣) الظرب (بفتح أوله وكسر ثانيه) الجبل الصغير كذا قال في النهاية لابن الأثير ج ٣ ص ٥٤.
[ ٨ / ٤٥ ]
أن خمسة من الصحابة دخلوا إحدى عينيه فوسعتهم. وصار خمسة رجال يقفون في حلق هذا الحوت بالمجاريف يجرفون الشحم .. وذكر البعض أن هذا الحوت هو المسمّى بالعنبر.
وذكر أصحاب السير أن أمير الجيش أبا عبيدة أمر أن ينصب ضلع من أضلاع ذلك الحوت العظيم. فلما نُصِب مرّ تحته أطول رجل في الجيش - وهو قيس بن سعد بن عبادة - راكبًا على أطول بعير فلم يطأطئ رأسه. وذكر بعض من حضر هذه الغزوة: أنهم كانوا يغترفون الدهن بالقلال من عين ذلك الحوت (١).
وعندما عاد أبو عبيدة بسريته إلى المدينة. أخبروا النبي - ﷺ - بقصة ذلك الحوت وأكلهم منه. فقال - ﷺ -. كلوا رزقًا أخرجه الله ﷿ لكم. وسأل - ﷺ -: معكم منه شيء؟ قال جابر بن عبد الله: وكان معنا منه شيء. فأرسل بعض القوم إلى رسول الله من ذلك الحوت شيئًا، فأكل منه (٢).
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٢ - ٣٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٥ وما بعدها. ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٤ وما بعدها. وإمتاع الأسماع ص ٣٥٥ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٣٢.
(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٣.
[ ٨ / ٤٦ ]
- ٣ -
سرية أبي قتادة إلى خضرة بنجد شعبان سنة ثمان للهجرة
كانت قبائل غطفان من القبائل المعادية للإِسلام (كما تقدم) فبعث النبي - ﷺ - إلى منطقة خضرة من أراضيهم دورية قتال قوامها أربعة عشر رجلًا. وأمرهم أن يشنوا عليهم الغارة وكان قائد هذه الدورية أبو قتادة الأنصاري (١).
قال ابن أبي حدرد الأسلمي: فخرجنا وكنا أربعة عشر رجلًا بأبي قتادة وهو أميرنا وبعثنا (أي رسول الله - ﷺ - إلى غطفان فقال: سيروا الليل واكمنوا النهار وشنوا الغارة. ولا تقتلوا النساء والصبيان. فخرجنا حتى ناحية غطفان.
وخطبنا أبو قتادة وأوصانا بتقوى الله ﷿، وألف بين كل رجلين وقال: لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إليّ فيخبرنى خبره ولا يأتنى رجل فأسأله عن صاحبه فيقول: لا علم لي به! وإذا كبَّرت فكبروا وإذا حملت فاحملوا، ولا تمعنوا في الطلب. فهجمنا على حاضر منهم عظيم، فأحاط بهم. فسمعت رجلًا يصرخ يا خضرة. وقد أتيناهم ليلًا، فجرد أبو قتادة وجردنا سيوفنا، كبَّر وكبَّرنا معه، فشددنا على الحاضر فقاتل منهم رجال، وإذا برجل طويل قد جرّد سيفه صلتا، وهو يمشى القهقرى ويقول: يا مسلم هل لك إلى الجنة! فاتبعته ثم قال: إن صاحبكم (يعني النبي - ﷺ -) لذو مكيدة، وإن أمره هو الأمر. وهو يقول: الجنة الجنة - يتهكم بنا. فعرفت أنه مستقبل، فخرجت في أثره، فنادانى صاحبى: لا تبعد فقد نهانا أميرنا أن نمعن في الطلب! فأدركته فرميته على جريداء متنه (٢). ثم قال: ادن يا مسلم إلى الجنة! فرميته حتى قتلته بنبلى، ثم وقع ميتًا فأخذت سيقه، وجعل زميلى ينادينى: أين تذهب؟ إني والله
_________________
(١) انظر ترجمة أبي قتادة في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) جريداء متنه: أي وسطه وهو موضع القفا المتجرد عن اللحم.
[ ٨ / ٤٧ ]
إن ذهبت إلى أبي قتادة فسألنى عنك أخبرته قال: فلقيته قبل أبي قتادة فقلت: أسأل أميرى عنى؟ فقال: نعم وقد تغيَّظ عليَّ وعليك وأخبرنى أنهم جمعوا الغنائم - وقتلوا من أشرف لهم - فجئت أبا قتادة فلامنى فقلت: قتلت رجلًا كان من أمره كذا وكذا فأخبرته بقوله كله. ثم استقنا النعم وحملنا النساء، وجفون السيوف معلقة بالأقتاب .. ووقعت في سهم ابن أبي حدرد جارية وضيئة كأنها ظبية (١)، فجعلت تكثر الالتفات خلفها، قلت إلى أي شيء تنظرين؟ قالت: انظر والله إلى رجل لئن كان حيًّا ليستنقذنا منكم. فوقع في نفسي أنه الذي قتلته. فقلت: قد والله قتلته، وهذا سيفه معلق بالقتب إلى غمده. فقالت هذا والله غمد سيفه، فشمه (٢). إن كنت صادقًا. قال فشمته فطبق (بفتح أوله وثانيه). قال: فبكت ويئست. قال ابن أبي حدرد: فقدمنا على النبي - ﷺ - بالنعم والشاء.
وقد غنم رجال دورية أبي قتادة في هذه الحملة مائتى بعير وألف شاة (٣). وقد عادت هذه الدورية المسلحة الصغيرة إلى المدينة بعد أن حققت أهدافها. وكان عودتها بعد غياب دام خمس عشرة ليلة (٤).
مدى قوة الإِسلام وانحسار قوة أعدائه
لقد دل قيام أربعة عشر رجلًا من المسلمين بالإغارة على قلب بلاد غطفان التي يعد محاربوها المعادون للإسلام بعشرات الأَلوف "فزارة وحدها يقود منها الأحمق المطاع عيينة بن حصن عشرة آلاف مقاتل" دل ذلك على أن هيبة الإِسلام قد فرضت نفسها وأن الرُّعب من قوة المسلمين الحربية قد ملأ نفوس المشركين هناك. فلم يعودوا قادرين حتى على التصدى لدورية صغيرة من المسلمين مثل دورية أبي قتادة هذه التي وطئت ديار غطفان في
_________________
(١) انظر تفاضيل شرح وجهة نظر الإسلام مفصلة حيال السبايا والرق الحربى في كتابنا (غزوة بني قريظة).
(٢) قال في الصحاح: سُمت السيف، أغمدته، وسمته: سللته، وهو من الأضداد.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٨ وما بعدها.
(٤) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٣٣.
[ ٨ / ٤٨ ]
قلب بلادهم دون أن تجد من يقف في وجهها مع أن رجالها لا يزيدون على أربعة عشر رجلًا.
لقد كان قيام أبي قتادة بدوريته المسلحة الصغيرة وجوسه بها خلال ديار غطفان التي كانت في الجاهلية بمثابة "عرين الأسد" لقوتها وشدة مراس رجالها في الحرب .. كان قيام أبي قتادة بهذا العمل بمثابة جس نبض واختبار لمدى قوة غطفان الحربية. أظهر حقيقة ما عليه هذه القبائل من وهن وضعف وانهيار. بعد أن كانت أقوى قوة حربية يخشى المسلمون جانبها من الناحية الشرقية.
فلم تعد هذه القبائل التي كادت قواتها تجتاح المدينة في عام الأحزاب (عام ٤ هجرية) قادرة على الدفاع عن مضاربها في صحارى نجد. فضلًا عن أن تفكر في القيام بغزو المدينة كما كانت في السابق.
[ ٨ / ٤٩ ]
الفصل الثاني
• أسباب فتح مكة المكرمة.
• قريش تنقض صلح الحديبية.
• خزاعة حلفاء الرسول المعتدى عليهم.
• بنو بكر وقريش يغتنمون هدنة الحديبية فيقتلون في ظلها خزاعة غدرًا.
• خزاعة تستنجد بحليفها الرسول - ﷺ - لنصرتها على قريش.
• شعور قريش بالقلق الشديد لاشتراكها في الغدر بخزاعة.
• أبو سفيان في المدينة يحاول إصلاح ما أفسدت قريش فيطلب تجديد الصلح المنقوض.
• الرسول - ﷺ - يرفض التفاوض مع أبي سفيان.
• فشل أبي سفيان في مهمته وعودته إلى مكة.
• قريش ترفض دفع ديات قتلى خزاعة بعد أن طلب الرسول - ﷺ -. منهم ذلك تجنبًا للحرب.
• الرسول - ﷺ - يقرر الزحف على مكة استجابة لاستغاثة حلفائه الخزاعيين.
[ ٨ / ٥١ ]
كان صلح الحديبية التاريخي يستهدف من وجهة نظر المسلمين فيما يستهدف، توفير الأمن والاستقرار لمنطقة الحجاز كلها، وإعطاء كلّ من المسلمين والمشركين في المنطقة كامل الحرية ليتصل بعضهم ببعض.
لأن ذلك يعطى عامة المشركين (في ظل هذه الحرية) الفرصة ليعرفوا الإِسلام على حقيقته، وهي الحقيقة التي شوهتها زعامة الشرك والوثنية في المنطقة. بقصد تنفير عامة جماهير المنطقة من الإِسلام الذي يشكل (في واقعه) خطرًا كبيرًا على كراسى الزعامة الوثنية في المنطقة وخاصة في مكة.
كان صلح الحديبية (رغم أنه في ظاهره نصر سياسى لقريش) قد عقد على كره من سادتها ولكنهم اضطروا إلى إبرامه كبديل عن الحرب التي كانت وشيكة الوقوع والتي كانت قريش (في قرارة نفسها) تخشاها رغم تفوقها العددى على المسلمين الذين كانوا يرابطون في الحديبية بالقرب من مكة.
ولما كانت قبيلتا بني بكر الكنانية، وقبيلة خزاعة اليمانية من السكان المحيطين بالحرم وذوى ثقل على مختلف المستويات في المنطقة، وكانتا على خلاف دموى قبلي بينهما، بقاؤه يظل مصدر تعكير لأمن المنطقة، ويجعل صلح الحديبية غير متكامل وغر محقق للأهداف (أهداف السلم الشامل الذي من أجلها أبرم) فقد اتفق الفريقان المتفاوضان (المسلمون والمشركون) على استدعاء سادات القبيلتين (بني بكر (١) وخزاعة) إلى سهل الحديبية حيث كان يجرى بين الفريقين الرئيسيين (المسلمين وقريش) التفاوض لصياغة بنود معاهدة الصلح لكى تكون القبيلتان (بنو بكر وخزاعة) داخلتين في المعاهدة من حيث الالتزام بإنهاء حالة الحرب بينهما لمدة عشر سنوات شأنهما في ذلك شأن المسلمين وقريش.
_________________
(١) هم بنو بكر بن عبد مناة بطن من كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان.
[ ٨ / ٥٢ ]
انحياز خزاعة إلى المسلمين. وبنى بكر إلى قريش:
ولدى حضور زعماء خزاعة وبنى بكر إلى الحديبية أحيطوا علمًا بما تم الاتفاق عليه بين المسلمين وقريش من الاتفاق على الصلح وإنهاء حالة الحرب لمدة عشر سنوات، ثم أعطى المتفاوضون الرئيسيون (المسلمون وقريش) لزعماء خزاعة وبنى بكر مطلق الحرية ليختار كل منهم الدخول في عهد أيّ من الفريقين الرئيسيين (المسلمين وقريش) ليكونوا بهذا الاختيار حلفاء للفريق الذي يدخلون في عهده لهم ماله وعليهم ما عليه. ويكونوا ملزمين (كالمسلمين وقريش) بتطبيق بنود الصلح.
ونتيجة هذا التخيير. أعلنت خزاعة مسلمها وكافرها الدخول في عهد النبي - ﷺ - كما أعلنت بنو بكر بن عبد مناة -من ناحية أخرى- دخولها في عهد قريش. وتم تسجيل ذلك في صلب معاهدة صلح الحديبية (١).
وبذلك أصبحت خزاعة حليفة للمسلمين وبنو بكر حليفة لقريش وصار اعتداء أيّ من القبيلتين على الأخرى نقضًا للصلح وغدرًا تتحمل مسئوليته الفئة التي كان المعتدى من هاتين القبيلتين حليفًا لها.
وبعبارة أوضح فإن بنود الصلح صريحة في أن قريشًا تتحمل مسئولية أيّ نقض للصلح تقوم به بنو بكر بن كنانة. كما يتحمل المسلمون مسئولية أيِّ تصرف يناقض هذا الصلح تقوم به حليفتهم خزاعة.
وفاء المسلمين بالعهد:
لقد كان النبي - ﷺ - وأصحابه -كما هي شيمتهم وخلقهم- حريصين كل الحرص على الوفاء بالعهد الذي أعطوه في اتفاقية الحديبية وتطبيق هذه الاتفاقية نصًّا وروحًا انطلاقًا من القاعدة الأخلاقية النبيلة التي أرساها الإسلام وظلت ركيزة خلق المسلم الصادق في معاملته الأصدقاء والأعداء على السواء ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ
_________________
(١) انظر بنود صلح الحديبية في كتابنا الخامس (صلح الحديبية).
[ ٨ / ٥٣ ]
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا﴾ (١). ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ (٢). ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣). ولقد أعطى النبي - ﷺ - الدليل العملى على الوفاء بالعهد للمشركين. وحبر صلح الحديبية لما يجف بعد.
فقد رأينا كيف سلم النبي - ﷺ - أبا جندل الشاب المسلم إلى أبيه المشرك تنفيذًا لنصوص الاتفاقية رغم أن هذا الشاب المسلم جاء إلى المسلمين فارًا بدينه (٤).
كما رأينا كذلك فيما مضى من هذا الكتاب. كيف سلم النبي - ﷺ - أبا بصير (٥) للمشركين وأعاده إليهم بعد أن لجأ إلى المدينة مسلمًا فارًا بدينه. ورأينا كيف أن الرسول - ﷺ - لم يسمح لأبي بصير بالإقامة في المدينة بعد أن تخلص من حارسيه خارج المدينة .. لأن قبوله في المدينة يعتبر خرقًا ونقضًا لصلح الحديبية.
كيف نقضت قريش العهد فغزاهم المسلمون:
ولكن إذا كان المسلمون قد وفوا للمشركين بالعهد الذي أعطوه وطبَّقوا الاتفاقية نصًّا وروحًا .. هل وفت قريش من جانبها بالعهد الذي أعطته في اتفاقية الحديبية؟ .
وهل احترمت شرف الكلمة التي أعطتها في هذا العهد التاريخي؟ .
كلا لقد رمت بهذا العهد عرض الحائط وغدرت "وهي في ظله" كأبشع ما يكون الغدر. الأمر الذي جعل الصلح لاغيًا .. ألغته ونقضته قريش بتصرفها. واضطر النبي - ﷺ - إلى أن يقوم بغزوها وينتزع مكة من أيديها انتصارًا لحلفائه خزاعة المعتدى عليهم. ووفاءًا بالعهد الذي أعطاه لهم بموجب صلح الحديبية. وتأديبًا لقريش على ما تواطأت عليه مع
_________________
(١) النحل ٩٠.
(٢) التوبة ٤.
(٣) الإسراء ٣٤.
(٤) انظر تفاصيل قصة أبي جندل المؤثرة في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
(٥) تقدمت تفاصيل قصة أبي بصير في هذا الكتاب.
[ ٨ / ٥٤ ]
حلفائها بني بكر بن كنانة من خيانة وغدر ذهب ضحيتهما أكثر من عشرين قتيلًا من خزاعة الآمنة في ظل صلح الحديبية.
كان صلح الحديبية "كما تقدم" قد أنهى حالة الحرب بين المسلمين وخزاعة من جهة وبين قريش وبنى بكر من جهة أخرى لمدة عشر سنوات.
وكانت خزاعة كحلفائها المسلمين ملتزمة بالعهد لا تفكر في الإخلال به. فصار الخزاعيون "مسلمهم وكافرهم" لذلك. مختلطون بقريش وحلفائها من البكريين في ظل حرمة هذا الصلح. لا يفكرون في اعتداء على أحد ولا يتصورون أن أحدًا من البكريين أو القرشيين سيعتدى عليهم والصلح قائم.
هكذا كان النبي وأصحابه والخزاعيون جيران الحرم حلفاؤهم ينظرون إلى الأمور من خلال منظار الوفاء بالعهد والوقوف عند شرف الكلمة التي أعطوها في اتفاقية الحديبية.
بينما قريش وحلفاؤها من بني بكر بن كنانة. صاروا ينظرون إلى الأمر في ظل صلح الحديبية من زاوية معاكسة مظلمة.
كانوا ينظرون إلى حالة الصلح القائمة والتي صار المسلمون وحلفاؤهم من خزاعة سلمًا لقريش وحلفائها لا يفكرون في محاربتهم أو الاعتداء عليهم .. كانوا ينظرون إلى هذه الحالة على أنها فرصة يمكن أن يحققوا فيها ما عجزوا عن تحقيقه في حالة المواجهة الحربية.
فقد كانت بنو بكر دائمًا تعجز عن التغلب على قبيلة خزاعة في حروبهم القبلية الجاهلية وكان القتل يستحر بين بني بكر كلما نشبت حرب بين القبيلتين. فكثرت الثارات لبنى بكر لدى خزاعة.
ولكن صلح الحديبية الذي دخل فيها الفريقان والتزما بتنفيذ بنوده وضع الحرب بين الفريقين لمدة عشر سنوات. هكذا كان يبدو الوضع عقب توقيع صلح الحديبية. ولهذا كانت خزاعة تتصرف تصرف الآمن المستأمن. فلا تتخذ أية احتياطات حربية في حلّها وترحالها.
[ ٨ / ٥٥ ]
بينما كان بنو بكر بن كنانة يضعون الخطة الجهنمية للغدر بخزاعة بإحداث مجزرة بينهم وهم آمنون في ظل صلح الحديبية. وذلك لحسابات الثارات التي لبكر على خزاعة. وقد نفذوا هذه المجزرة (فعلا) بمساندة حلفائهم القرشيين.
فقد كان نوفل بن معاوية سيد بني بكر بن كنانة وقائدها يترصد خزاعة ويتحين الفرص المواتية التي تمكنه من الفتك بهم دون أن يصاب أحد من بني بكر.
وعندما سنحت الفرصة لبنى بكر وحلفائهم من قريش قاموا بتنفيذ جريمتهم فأوقعوا بخزاعة (غدرًا) في مكان يقال له: الوتير من أرض بني بكر. نزلته خزاعة آمنة مطمئنة في ظل الصلح المعقود في الحديبية.
اشتراك القرشيين في جريمة الغدر والنكث:
فقد ذكر المؤرخون أن نوفل (١) بن معاوية البكرى قد أفضى إلى زعماء قريش بما ينوى القيام به من أخذ خزاعة على حين غرّة وأنه طلب مساندة قريش بالمال والرجال لإنجاح ما يعتزم القيام به ضد خزاعة في ظل صلح قائم بين الفريقين.
وأكد أهل الحديث وأصحاب السير أن سادات قريش حبذوا فكرة نوفل بن معاوية وأبلغوه استعدادهم لمساندة بني بكر بالسلاح والرجال في الهجوم على خزاعة.
وقد مدّوهم بالمال والسلاح والرجال (فعلًا) حتى تمكنوا من تنفيذ جريمتهم الشنعاء حيث بيتوا خزاعة وهاجموها غدرًا في جنح الظلام).
_________________
(١) هو نوفل بن معاوية بن عروة النفاثى ثم البكرى ثم الكنانى. قال في الإصابة: أسلم عام الفتح، وحج مع أبي بكر الصديق سنة تسع وهو من المعمرين. عاش في الجاهلية ستين وعاش في الإسلام ستين سنة. كان أبوه معاوية قائد قبيلته (الدئل) في حرب الفجار. نزل نوفل المدينة ومات بها وله أحاديث في البخاري ومسلم والنسائي. رواها عنه رسول الله - ﷺ - عراك بن مالك وعبد الرحمن بن مطيع وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث. مات نوفل بالمدينة في خلافة يزيد بن معاوية.
[ ٨ / ٥٦ ]
فحملوا على رجال خزاعة في (الوتير) (١) وهم يغطون في نومهم آمنين فأحدثوا فيهم مقتلة كبيرة. لأنهم عُزّل من السلاح وأخذوا على حين غرة. ولم يكتف بنو بكر ومن شاركهم من القرشيين بقتل من قتلوا من الخزاعيين وهم نيام. بل أخذوا يطاردون من تمكن من الإفلات. وصاروا يقتلونهم حتى بعد أن دخلوا الحرم الذي كان العرب جميعًا يحرّمون على أنفسهم فيه القتال مهما كانت الظروف والدوافع والمبررات.
وقد أقدم بنو بكر وقريش على هذا العمل الفظيع ولم يفكروا فيما سيسجله عليهم جميعًا من ويلات إلا بعد فوات الأوان حيث كانت النتيجة الحتمية لهذا الغدر. هو أن تحرك النبي - ﷺ - من المدينة بعشرة آلاف مقاتل دخل بهم مكة فاتحًا هادمًا سلطان قريش الوثني انتصارًا لحلفائه من خزاعة المغدور بهم في الحرم وفي ظل صلح كان قائمًا بين الفريقين.
المشتركون من سادات مكة في نقض العهد
ومن الزعماء القرشيين الذين شايعوا بنى بكر بن كنانة في نقض عهد الحديبية وشاركوا بسلاحهم وأنفسهم في جريمة الغدر بخزاعة في الوتير، صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو العامري (الذي أمضى صلح الحديبية نيابة عن قريش) وعكرمة بن أبي جهل ومكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزى العامريين (وهما أيضًا عضوان في وفد المفاوضة القرشي في الحديبية ومن الذين وقعوا على الصلح نيابة عن قريش) ويؤكد المؤرخون أن ما حدث من غدر بخزاعة حدث بموافقة جميع سادات قريش. ما عدا أبي سفيان بن حرب سيد بني عبد شمس والقائد العام للقوات القرشية. لم يستشر في الأمر وقيل إنهم أفضوا إليه بنواياهم وطلبوا مشاركته في الغدر فأبى عليهم وحذّرهم العاقبة ولكنهم مضوا لجريمتهم فارتكبوها فجُّروا على قريش من الحرب ما أطاح بسلطانها إلى الأبد.
_________________
(١) الوتير (بفتح الواو وكسر التاء) قال في مراصد الاطلاع. ماء لخزاعة بأسفل مكة. وربما قاله بعض المحدّثين: (الوتين).
[ ٨ / ٥٧ ]
ومن الجدير بالذكر أن بني مُدلجِ (١) من كنانة عصمهم الله فلم يشتركوا مع قومهم في جريمة الغدر ونقض العهد.
تاريخ نقض صلح الحديبية:
قال الواقدي: فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صلح الحديبية. كلّم بنو نُفاثة من بني بكر أشراف قريش -واعتزلت بنو مدلج فلم ينقضوا العهد- أن يعينوهم بالرجال والسلاح على عدوهم من خزاعة. وذكرّوهم القتلى الذين أصابت خزاعة لهم وذكرّوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم معهم في عقدهم وعهدهم، وذهاب خزاعة إلى محمد في عقده وعهده، فوجدوا القوم إلى ذلك سراعًا إلا أبا سفيان، لم يشاور في ذلك ولم يعلم، ويقال: إنهم ذاكروه فأبى عليهم. وجعلت بنو نفاثة وبكر يقولون: إنما نحن! ! فأعانوهم بالسلاح والكُراع (الخيل) والرجال ودسّوا ذلك سرًّا لئلا تحذر خزاعة فهم آمنون غارّون بحال الموادعة وما حجز الإِسلام بينهم، ثم اتعدت قريش الوتير موضعًا بمن معها فوافى للميعاد فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون متنقبون هم صفوان بن أمية ومكرز بن حفص بن الأخيف، وحويطب بن عبد العزى، وأجلبوا معهم أرقَّاءهم. قال: ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الدؤلى، فبيَّتوا خزاعة ليلًا وهم غارون آمنون من عدوهم، ولو كانوا يخافون هذا لكانوا على حذر وعُدّة، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى أنصاب الحرم (٢).
وبالرغم من احتماء خزاعة العُزّل من السلاح بالحرم فقد أصر قائدُ بني بكر نوفل بن معاوية على قتل خزاعة داخل الحرم.
وعندما نصحه بعضُ قومه أن يتوقف عن القتل لأنه داخل الحرم الذي لا يُجيز العرب القتل فيه أصر على الإِمعان في الجريمة. ولما قال له بعض رفاقه: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك يا نوفل (أي خف إلهك). قال كلمة كفر
_________________
(١) هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ن معد بن عبدنان.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٨٣.
[ ٨ / ٥٨ ]
عظيمة: (لا إله لي اليوم ثم أمر قومه بالاستمرار في اغتنام الفرصة قائلا: يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه. ثم أصدر أوامره المشددة إلى بني بكر بمواصلة قتل خزاعة قائلًا: لا يريد أحدكم يأتي امرأته حتى يستأذنى، لا يؤخر أحد منكم اليوم بعد يومه هذا من ثأره (١).
فاستمرت بنو بكر في مطاردة خزاعة العُزل من السلاح. حتى ألجأوهم إلى مكة. فالتجأت خزاعة إلى منزلى بديل بن ورقاء الخزاعي. ورافع مولى لهم وذلك عند طلوع الفجر.
وكان المشتركون من قريش في الجريمة ضمن رجال نوفل بن معاوية يطاردون الخزاعيين حتى دخلوا منزلى بديل ورافع بمكة. وهناك انسحب القرشيون المشتركون في الهجوم ودخلوا منازلهم. وهم يظنون أن أحدًا لن يعرف اشتراكهم في القتال. وأن النبي - ﷺ - لن يبلغه ما صنعوا من مشاركتهم بني بكر في الغدر ونقض العهد.
أما بنو بكر فقد واصلوا هجومهم على خزاعة داخل مكة بعد أن طلع الفجر. وقتلوا منهم على باب بديل بن ورقاء ورافع مولى لخزاعة- عشرين رجلًا دون أن يعترضهم أحد من قريش الأمر الذي يدل على التواطؤ القرشي مع بني بكر.
إلا أن أفرادًا من قريش تنبَّهوا للأمر، وخافوا مغبّة هذا الغدر، وأدركوا أن ما حدث من قريش وحلفائها بني يكر نقض للعهد الذي بينهم وبين الرسول - ﷺ - فجاء الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل ومكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزى. فلاموهم فيما صنعوا من عونهم بني بكر. وذكرَّوهم بأن بينهم وبين محمد مدة وعهدًا. وأن الذي صنعوا هو نقض للمدة -وكان نوفل بن معاوية وقومه البكريون مصممين على إفناء الخزاعيين الموجودين بمكة- غير أن
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٢ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٨٣.
[ ٨ / ٥٩ ]
سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية ورفاقهما من قريش المشتركين في الجريمة تأثروا بكلام الحارث بن هشام. فذهبوا إلى شريكهم في نقض العهد نوفل بن معاوية. ومنعوه من الاستمرار في قتل خزاعة قائلين: قد رأيت الذي صنعنا بك وأصحابك وما قتلت من القوم. وأنت قد حضرت تريد قتل من بقى منهم. وهذا مالا نطاوعك عليه فاتركهم لنا. فقال: نعم فأوقف القتل. ثم غادر بقومه مكة (١).
قريش تندم على ما ارتكبت ولكن:
وبعد أن ارتكب بنو بكر بن كنانة ومن ساندهم من سادات قريش ما ارتكبوا من الغدر بخزاعة. ندمت قريش وخافت. بعد أن أدركت أن صنيعها هو نقض صريح للعهد الذي أبرمته في الحديبية. لا سيما وأن الذين وقعوا نيابة عن قريش على وثيقة صلح الحديبية. (سهيل بن عمرو. ومكرز بن حفص. وحويطب بن العزى) قد اشتركوا في جريمة الغدر بخزاعة مستغلين ومغتنمين هدنة الحديبية.
قالوا: ومشى الحارث بن هشام (٢) وعبد الله بن أبي ربيعة (٣) إلى أبي سفيان بن حرب منددين بما حدث قائلين: هذا أمر لا بد له من أن يصلح والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه. فلما رأى أبو سفيان ما رأى من الشر قال: هذا والله أمر لم أشهده ولم أغب عنه، لا حُمِلَ هذا إلا علي، ولا والله ما شوورت ولا هويت حيث بلغني! والله
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٨٤ - ٧٨٥.
(٢) انظر ترجمة الحارث بن هشام في كتابنا (صلح الحديبية).
(٣) هو عبد الله بن أبي ربيعة قال ابن حجر في الإِصابة .. واسمه (عمرو، وقيل حذيفة) ويلقب ذا الرمحين بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم. أحد سادات قريش في الجاهلية وهو أخو أبي جهل بن هشام لأمه، كان أحد أعضاء الوفد الذي أرسلته قريش إلى الحبشة ليطلب من النجاشي تسليم المهاجرين المسلمين أسلم عام الفتح. استقرض منه الرسول - ﷺ - وهو في طريقه إلى حنين- بضعة عشر ألفا فأقرضه. فلما عاد - ﷺ - من حنين قال له: خذ ما أسلفت بارك الله لك في مالك وولدك. إنما جزاء السلف الحمد والوفاء. ولاه عمر قيادة الجند، مات في خلافة عثمان. سقط عن راحلته قرب مكة. وهو في طريقه لنصرة عثمان.
[ ٨ / ٦٠ ]
ليغزونا محمد إن صدقنى ظنى وهو صادق (١).
قريش تقرر إرسال مبعوث خاص إلى المدينة لإصلاح ما أفسدت:
واجتمعت قريش في دار الندوة للبحث والتشاور بصدد الجريمة التي شاركوا فيها. واتفقت آراؤهم على أن ما حدث منهم ومن بني بكر. هو نقض صريح للعهد. وأن النبي - ﷺ - لا بد وأن يتخذ إجراءًا عسكريًا حاسمًا للرد على هذا التصرف الذي هو خرق فاضح للهدنة المعقودة بين الفريقين في الحديبية.
ينصح قريشًا بتحمل ديات القتلى
وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٢) -وهو عند قريش كافر مرتد- يحضر اجتماعات دار الندوة لبحث التطورات التي تتوقعها قريش من جانب المسلمين على أثر النقض الفاضح للعهد الذي بين الفريقين. فقال لهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح: إن عندي رأيًا أن محمدًا ليس يغزوكم حتى يُعذِرَ إليكم ويخيرّكم في خصال، كلها أهون عليكم من غزوه. قالوا: ما هي؟ .
قال: وكان عالمًا بأخلاق رسول الله - ﷺ - لأنه كان يكتب الوحى: يرسل أن أدوا قتلى خزاعة "وهم ثلاثة وعشرون قتيلًا". أو تبرأوا من حلف من نقض العهد بيننا -بنو نفاثة- أو نبذ إليكم الحرب، فما عندكم في هذه الخصال؟
قال القوم: آخر ما قال ابن أبي سرح وكان به عالمًا. فقال سهيل بن عمرو: ما خصلة أيسر علينا من التبرؤ من حلف بني نُفاثة: قال شيبة بن عثمان العبدرى حفظت أخوالك وغضبت لهم! قال سهيل: وأبو قريش لم تلده خزاعة. قال شيبة: لا. ولكنا ندى قتلى خزاعة، فهو أهون علينا. فقال قرطة بن عبد عمرو: لا والله لا يودن ولا نبرأ من حلف نُفاثة بن
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٨٥.
(٢) انظر ترجمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح (فيما مضى من هذا الكتاب)
[ ٨ / ٦١ ]
الغوث. ولكن ننبذ إليه على سواء "أي نحاربه".
فقال أبو سفيان: ما هذا بشيء وما الرأي لنا إلا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد وقطع مدة. فإن قطعه قوم بغير هوى منا ولا مشورة فما علينا. قالوا هذا الرأي لا رأى غيره، الجحد لكل ما كان من ذلك قال: وإني لم أؤامر فيه وأنا في ذلك صادق، لقد كرهت ما صنعتم وعرفت أن سيكون له يوم عماس (١).
قالت قريش لأبي سفيان واخرج أنت بذلك (٢).
قريش تقرر مبعوثًا خاصًّا إلى المدينة لإِصلاح ما أفسدت
وبعد مشاورات طويلة أجمع سادات دار الندوة بمكة على أن يجحدوا اشتراكهم في نقض العهد وأن أنجع وسيلة لرأب الصدع واستمرار مفعول الهدنة هو أن تبعث قريش إلى النبي - ﷺ - مبعوثًا على مستوى عال يبلغه رغبتها في أن يزيد في مدة الهدنة. لأنه إذا ما أجابها إلى رغبتها هذه، تكون قد أَمِنَتْ العقاب على ما صنعت، وحصلت على تجديد الصلح الذي نقضته بمشاركتها بني بكر في الاعتداء على خزاعة حلفاء النبي - ﷺ -.
أبو سفيان مبعوث قريش في المدينة.
وأجمع أشياخ دار الندوة على أن يكون مبعوث قريش الخاص إلى المدينة لمفاوضة الرسول - ﷺ - لتجديد الصلح هو أبا سفيان بن حرب قائد عام جيوش قريش.
كانت قريش تظن أن خبر اشتراكها في الجريمة لن يصل إلى النبي - ﷺ - قبل وصول مبعوثها الخاص أبي سفيان بن حرب إلى المدينة.
فقد قال أبو سفيان: وما لي بد من أن آتي محمدًا فأكلمه أن يَزيد في الهدنة ويجدد العهد قبل أن يبلغه هذا الأمر. وخرج أبو سفيان وخرج معه
_________________
(١) يوم عماس: بفتع العين أي مظلم.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٨٨.
[ ٨ / ٦٢ ]
مولى له على راحلتين، فأسرع السير وهو يرى أنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله - ﷺ - (١).
خزاعة تستنجد بحليفها الرسول - ﷺ -
غير أن ظن أبي سفيان وقومه كان خطأ حين ظنوه، فقد كانت خزاعة أسرع من قريش حيث أبلغت حليفها النبي - ﷺ - تفاصيل هذا العدوان الغادر قبل أن يصل أبو سفيان إلى المدينة بعدة أيام.
فعقب حدوث هذا العدوان بعثت خزاعة رسولًا خاصًّا (فارسًا) وهو عمرو بن سالم الخزاعي (٢) ليبلغ النبي - ﷺ - خبر ما تعرضت له خزاعة على يد بني بكر بن كنانة وحلفائهم القرشيين من قتل (غدرًا) في ظل الصلح القائم.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه أشياخ دار الندوة يبحثون (في برلمانهم العشائرى) موضوع تورطهم في نقض العهد بمشاركتهم بني بكر الهجوم على خزاعة. كان عمرو بن سالم في المدينة بين يدي الرسول - ﷺ - يشرح له تفاصيل ما تعرضت له حليفته خزاعة من عدوان بشع غادر جبان.
فقد وقف عمرو بن سالم في المسجد النبوى وقال شارحًا أحداث العدوان شعرًا:
اللهم إني ناشدًا محمدًا حِلفْ أبينا وأبيك الأتلدا
قد كنتموا وِلدًا وكنّا والدًا ثمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا
ثم أشار عمرو إلى قيام قريش بنقض صلح الحديبية طالبًا من النبي - ﷺ - النصرة بتأديب الغادرين الناكثين بالزحف عليهم وإنهاء وجودهم:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدًا
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي وسيرة بن هشام وطبقات بن سعد الكبرى وتاريخ الطبري.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٧.
[ ٨ / ٦٣ ]
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرَّدا في فيلَقٍ كالبحر يجرى مزبدًا
قِرمْ لقِرم من قروم أصيدا
ثم شرح عمرو بن سالم للرسول - ﷺ - كيف غدرت بهم بنو بكر وقريش وقتلوهم وهم آمنون في الوتير وداخل مكة نفسها وهم يصَلُّون يتلون القرآن فقال:
هم بيَّتونا بالوَتير هُجّدا نتلوا القرآن ركعا وسجدا
وجعلوا في كداء رصَدا وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذلّ وأقلّ عددا
وبعد أن سمع الرسول - ﷺ - من زعيم خزاعة عمرو بن سالم هذا الشعر المؤثرّ الذي شرح فيه ما تعرضت له خزاعة من عدوان غادر. غضب - ﷺ - للذي فعلت قريش وبنو بكر. فأبلغ مبعوث خزاعة استعداده الكامل لنصرتها والانتقام لها ممن غدروا بها قائلًا: نُصرت يا عمرو بن سالم.
ثم خرج رسول الله - ﷺ - من المسجد والغضب باد عليه وهو يردد تأكيده بأنه سينصر خزاعة المظلومة على قريش الظالمة.
فقد حدَّث عبد الحمد بن جعفر بن عمران بن أبي أنس عن ابن عباس (١) قال: قام رسول الله - ﷺ - وهو يجر طرف ردائه، وهو يقول: لا نُصرْتُ
_________________
(١) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي - ﷺ - أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالة ولد وبنو هاشم محصورون بالشعب قبل الهجرة بثلاثة أعوام قبض النبي - ﷺ - وابن عباس ابن عشر سنين. كانت أولى المعارك التي خاضها معركة أفريقية في تونس تحت قيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وعشرين هـ كان أبيض طويلًا مشربًا صفرة جسيمًا وسيمًا صبيح الوجه. إذا جلس أخذ مقعد رجلين. وروى أن النبي - ﷺ - مسح رأسه وقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل من أكثر الصحابة علمًا. يلقب بحبر الأمة .. ويقال إنه في حرب أفريقية قابل جرجير قائد الرومان فأعجب به وقال: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب وفي معجم البغوي عن عطاء ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس. أكثر فقهًا وأعظم خشية وقال طاووس رأيت سبعين من أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا تداروا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس: ولاه الخليفة على البصرة. وكان على ميسرته يوم صفين وهو ترجمان القرآن ولما مات ابن عباس: قال عمرو بن دينار .. مات رباني هذه الأمة توفى ابن عباس في الطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة.
[ ٨ / ٦٤ ]
إن لم أنصر بني كعب - يعني خزاعة .. مما أنصر منه نفسي (١).
وفد خزاعة الموسع
وكانت خزاعة بعد أن بعثت بعمرو بن سالم عاجلًا أرسلت خلفه وفدًا كبيرًا من أربعين رجلًا على رأسهم أحد زعمائها وهو بديل بن ورقاء (٢). فحضر إلى المدينة وقابل الرسول - ﷺ - وشرح له- بالإضافة إلى ما سمعه من عمرو بن سالم- حوادث العدوان من قريش وكرر الوفد طلب النصر للأخذ بحق ثلاثة وعشرين قتيلًا قتلتهم قريش وحلفاؤها من بني بكر غدرًا. فأكد رسول الله - ﷺ - لخزاعة أنه سيأخذ بحقها من أعدائها. قالت عائشة (٣) سمعت رسول الله - ﷺ - وقد دخل- ودعا بماء - يقول وهو يصب الماء عليه وهو مغضب: لا نُصِرْتُ إن لم أنصر بني كعب (٤).
عودة وفد خزاعة إلى ديارهم
وبعد أن حصل وفد خزاعة من الرسول - ﷺ - على وعد بنصرتهم عادوا إلى ديارهم. وكان رسول الله - ﷺ - قد أمر رجال وفد خزاعة بأن لا يعودوا مجتمعين. فقال: ارجعوا وتفرقوا في الأودية (٥). ولكن بعضهم التقى بأبي سفيان في الإيواء وهو في طريقه إلى المدينة فاستخبرهم ما إذا كانوا قد جاءوا المدينة فلم يخبروه .. ولكن عرف بأسلوبه الخاص أنهم جاءوها.
النبي: يطلب من قريش دفع ديات قتلى خزاعة فترفض
لا شك أن ما حدث من قريش وبنى بكر في الوتير ومكة من عدوان غادر على خزاعة يعتبر نقضًا صريحًا للصلح الذي تم إبرامه في الحديبية في السنة السادسة من الهجرة والذي بموجبه اتفقت قريش وبنو بكر من جهة والرسول
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩١.
(٢) تقدمت ترجمة بديل بن ورقاء في هذا الكتاب.
(٣) انظر ترجمة عائشة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى)
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩١.
(٥) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩١.
[ ٨ / ٦٥ ]
- ﷺ - وخزاعة من جهة أخرى على إنهاء حالة الحرب بين الفريقين عشر سنوات يأمن الناس فيها بعضهم بعضًا.
ومن حق الرسول - ﷺ - أن يتخذ الإجراء الحاسم المناسب ضد قريش كرد على هذا العدوان الناسف للصلح.
غير أن الرسول - ﷺ - قبل أن يتخذ أية خطوات للعمل العسكري ضد قريش. وانطلاقًا من قاعدة حرصه على حقن الدماء - حتى وإن كانت دماء أعدائه الذين يطمع في هدايتهم - قرر أن يبعث (أولًا) إلى قريش برسالة مع مبعوث خاص يخيّرُهم بين ثلاثة أمور. إما أن يدفعوا ديات القتلى من خزاعة. وإمَّا أن يبرأوا من حلف نُفاثة - الفخيذة من بني بكر التي هي المسئول الأول عن الغدر والنكث - وإمّا أن ينبذ إليهم على سواء، أي يعلن الحرب الشاملة عليهم. وقد بعث الرسول - ﷺ - إلى قريش بهذا التخيير العادل. ولكن قريشا رفضت كلا الحلين العادلين وقبلت الحرب.
ورواية التخيير هذه لم يروها أحد من أصحاب السير والمغازى غير الإِمام الواقدي. فقد قال في كتابه المغازي ج ٢ ص ٧٨٦. وقد سمعنا وجهًا من أمر خزاعة لم أر عليه الناس قبلنا ولا يعرفونه، وقد رواه الثقات ومخرجه الذي رُد إليه ثقة مننع فلم أر أحدًا يعرف له وجهًا. وذكرته لابن جعفر ومحمد بن صالح ولأبي معشر وغيرهم ممن له علم بالسيرة فكلهم ينكره ولا يأتي له بوجه .. غير أن الواقدي يؤكد صحة هذه الرواية فيقول:
وكان أول الحديث أنه حدثني الثقة عندي، أنه سمع عمرو بن دينار يخبر عن ابن عمر (١)، أنه لما قدم ركب خزاعة على رسول الله - ﷺ - فأخبره بمن قتل منهم، قال رسول الله - ﷺ -: فمن تهمتكم وطلبتكُم؟ قالوا: بنو بكر. قال: كلها؟ قالوا: لا، ولكن تهمتنا بنو نُفاثة قصرة، ورأس القوم نوفل بن معاوية النُّفاثي. قال: هذا بطن من بني بكر وأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر ومخيرهم في خصال.
_________________
(١) انظر ترجمة عبد الله بن عمر في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٨ / ٦٦ ]
فبعث إليهم ضمرة (١) يخيّرهم بين إحدى ثلاث خلال، بين أن يَدوا خزاعة، أو يرأوا من حلف نُفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة رسول رسول الله - ﷺ - وخبرهم بالذي أرسله رسول الله - ﷺ -، يخيَّرهم بين أن يَدُوا قتلى خزاعة، أو يبرأوا من حلف نُفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فقال قرظة بن عبد عمرو الأعجمى (٢). إما أن ندى قتلى خزاعة. فإن نفاثة قوم فيهم عرام فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد ولا لبَدَ، وإمّا أن نبرأ من حلف نُفاثة فإنه ليس قبيلة في العرب تحج هذا البيت أشد تعظيمًا لهذا البيت من نُفاثة، وهم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم، ما بقى لنا سَبد ولا لبَدَ، ولكنا ننبذ إليه على سواء. فرجع ضمرة إلى رسول الله - ﷺ - بذلك من قولهم. فبعثت قريش أبا سفيان بن حرب تسأل رسول الله - ﷺ - أن يجدد العهد وندمت قريش على رد الرسول بما ردوه قال الواقدي: فكل أصحابنا أنكر هذا الحديث، حتى ذكرت هذا الحديث لحزام بن هشام الكعبى. فقال: لم يضيع الذي حدثك شيئًا، ولكن الأمر على ما أقول لك - ندمت قريش على عون نُفاثة وقالوا محمد غارينا. ثم قال الواقدي، فذكرت حديث حزام لابن جعفر وغيره من أصحابنا فلم ينكروه، وقالوا: هذا وجه! كتبه منى عبد الله بن جعفر.
كيف عاد نقض العهد بالخير على قريش؟
وحدث عبد الله بن عامر الأسلمي عن عطاء بن أبي مروان قال: قال رسول الله - ﷺ - لعائشة: قد حرت في أمر خزاعة. قال ابن واقد: قالت عائشة: يا رسول الله أترى قريشًا تجترئ على نقض العهد بينكم وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ينقضون العهد لأمر يريده تعالى بهم، قالت عائثسة: خير أو شر يا رسول الله؟ قال: خير (٣).
_________________
(١) اسم ضمرة يطلق على كثير من الصحابة ولم يقل الواقدي هنا ضمرة بن من.
(٢) هو قرظة (بفتح القاف والراء) بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف القرشي ابنته فاختة تزوجها معاوية قال ابن حجر في الإصابة لم يذكروا قرظة في الصحابة.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٧٨.
[ ٨ / ٦٧ ]
وقد تحقق ما قاله النبي - ﷺ - بهذا الصدد فقد كان نقض قريش العهد سببا في استيلاء المسلمين على مكة. واستيلاء المسلمين على مكة كان سببا في إنقاذ أهلها من ظلمة الشرك حيث دخلوا جميعهم في دين الإسلام. فكان هذا هو الخير الذي أراده الله بهم والذي عناه الرسول - ﷺ -.
أبو سفيان في المدينة يطلب تجديد الصلح
وقد كان النبي - ﷺ - يتوقع أن الخوف سينتاب سادات دار الندوة بمكة نتيجة إقدامهم على المشاركة والتواطؤ مع بني بكر في العدوان الغادر على خزاعة. وأنهم سيحاولون السعي للحصول على تجديد الصلح من قبل الرسول - ﷺ - ليضمنوا عدم قيام المسلمين بأي إجراء حربي كرد على العدوان الذي ارتكبوه في حق خزاعة. فقد قال النبي - ﷺ -: لكأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة (١).
التقاء أبي سفيان بوفد خزاعة
وبينما كان النبي - ﷺ - يدلى بهذا التصريح. كان أبو سفيان (بالفعل) في طريقه من مكة إلى المدينة مفوضًا من قريش في طلب تجديد الصلح.
وكان وفد خزاعة الذي أبلغ الرسول - ﷺ - ما تعرضت له خزاعة من غدر وعدوان قد سبق أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ثم عاد منها.
ويشير أصحاب المغازي والسير إلى أن النبي - ﷺ - قد أمر رجال الوفد الخزاعي وعددهم واحد وأربعون أن يتفرقوا عند عودتهم من المدينة وأن لا يعودوا إلى ديارهم مجتمعين ففعلوا.
حيث اتجهت طائفة منهم نحو الساحل متنكبة الطريق الرئيسى. كما تفرق آخرون وسلكوا طرقًا جانبية، إلا أن بُديل بن أم أصرَم الخزاعي لزم
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٧.
[ ٨ / ٦٨ ]
الطريق الرئيسى. وبعد أن تجاوز الأبواء (١) لقيه أبو سفيان فأشفق أن يكون بُديل بن أم أصرم وأصحابه قد جاؤوا المدينة فقال أبو سفيان للقوم: أخبروني عن يثرب منذ كم عهدكم بها -وكان بذلك يريد معرفة ما إذا كانوا قد اجتمعوا بالرسول - ﷺ - وأخبروه- فقالوا: لا علم لنا بها. ثم أمعن أبو سفيان في السؤال فقال: يا بُديل هل جئت محمدًا قال: لا! ما فعلت ولكنى سرت في بلاد كعب وخزاعة من هذا الساحل في قتيل كان بينهم فأصلحت بينهم فقال أبو سفيان -وكان مَرنًا-: إنك والله -ما علمت- بَرُّ واصل، ثم قايلهم أبو سفيان (٢).
غير أن الشك خامره فأمعن في التحقيق ليصل إلى الحقيقة. فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعمونا فإن لتمر يثرب فضلًا على تمر تهامة. قالوا: لا.
ولكن أبا سفيان ظلت الشكوك تساوره لذلك لم يطمئن إلى نفيهم فعمد إلى منزلهم بعد أن رحلوا فأتى أولًا، مَبْرَك جمالهم ففحص أبعارها بأن فتتها. فوجد بها نَوى التمر. ثم وجد حيث نزلوا نوَى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطير. فاستدل بذلك على أنهم (يقينا) جاءوا من المدينة. فقال: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدًا (٣).
وعندها ضعف أمل أبي سفيان في أن ينجح في مسعاه لدى النبي - ﷺ - للحصول على توثيق وزيادة المدة فيه.
أبو سفيان في المدينة:
إلّا أن أبا سفيان بالرغم من تضاؤل أمله في النجاح في مسعاه واصل السير نحو المدينة لبذل جهوده كما طلبت منه قريش حتى وصلها وقابل النبي
_________________
(١) الأبواء بفتح الألف وسكون الباء- قال في مراصد الاطلاع قرية من أعمال الفُرْع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا. وقيل جبل عن يمين آره ويمين المصعد إلى مكة. وبالأبواء قبر آمنة أم النبي - ﷺ -.
(٢) قايلهم: أي قضى القيلولة معهم وهي وقت ما بين الظهر والعصر.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٢ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٨.
[ ٨ / ٦٩ ]
- ﷺ -. إلَّا أنه فشل فشلًا ذريعًا في مهمته. حيث لم يقبل النبي - ﷺ - الدخول معه في أية مفاوضة حول طلبه الذي جاء من أجله وهو تجديد الصلح والزيادة في مدته.
فقد وجد أبو سفيان الجو في المدينة مشحونًا بالنقمة على قريش والتغيُّظ عليها لما صنعت من نقض الصلح بالمشاركة في العدوان على خزاعة حليفة المسلمين. فقد عبَّأ مجئ وفد خزاعة إلى المدينة وشرحه للنبي - ﷺ - تفاصيل العدوان الغادر عبأ مشاعر المسلمين ضد القرشيين إلى درجة أن وجد أبو سفيان (وهو سيد كنانة) نفسه منبوذًا في المدينة لا يلقاه إنسان واحد بوجه طلق.
ابنة أبي سفيان تطرد أباها:
وكانت أول صدمة تلقاها أبو سفيان بن حرب -فور دخوله المدينة- ذلك التصرف الذي تصرفته نحوه ابنته المسلمة أم حبيبة.
فقد كانت هذه السيدة الفاضلة إحدى أُمهات المؤمنين. ولما كانت ابنته قصد حجرتها بمنزل رسول الله، وعندما دخل عليها حاول أن يجلس على فراش الرسول - ﷺ - منعته من ذلك، إذ طوت الفراش لئلا يجلس عليه.
فساءه ذلك وقال (في مرارة وألم): يا بنية ما أدرى أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ فقالت -في لهجة المؤمن الصادق المكين الذي يجعل اعتبار العقيدة والمبدأ فوق كل اعتبار-: بل هو فراش رسول الله - ﷺ - وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله - ﷺ -. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر (١).
قالت: هداني الله للإِسلام، وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، يسقط عنك دخولك في الإِسلام؟ وأنت تعبد حجرًا لا يسمع ولا يبصر! ! فقال: يا عجباه! وهذا منك أيضًا! أأترك ما كان يعبد آبائي
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٨.
[ ٨ / ٧٠ ]
وأتبع دين محمد؟ . ثم خرج (١).
غادر أبو سفيان حجرة ابنته أمّ حبيبة. وهو يكاد يجر رجليه جرًا، من الذي لقيه من ابنته المسلمة التي صارحته بأنه مشرك نجس لا تسمح له (وإن كان أباها) أن يجلس على فراش الرسول - ﷺ - ولامته على أن يظل يعبد الأحجار بعد أن استبان الصواب ووضح السبيل لا سيما لمن هو في منزلته. سيد قريش وكبيرها! .
وبعد أن تلقى أبو سفيان تلك الصدمة النفسية العنيفة على يد ابنته المؤمنة أم حبيبة قام بمحاولة يائسة لإقناع الرسول - ﷺ - بالدخول معه في مفاوضة للحصول لقريش على ضمان باستمرار مفعول صلح الحديبية وتوثيق هذا الصلح بموافقة الرسول - ﷺ - على زيادة مدته. لأن ذلك لو حدث لكان من النبي - ﷺ - بمثابة عفو عام عن قريش عما ارتكبته من خيانة وغدر في حق حلفائه فقد حاول أبو سفيان التمويه والمغالطة ليحصل على الضمان الذي تتوق قريش للحصول عليه. فتظاهر بأنه إنما جاء إلى المدينة بصفته الشخصية. وبصفته كان غائبًا في صلح الحديبية وأنه كسيد من سادات قريش جاء يطلب توثيق الصلح الذي لم يكن من بين الزعماء الذين وقعوا عليه. فقد دخل على النبي - ﷺ - وقال: يا محمد، إني كنت غائبًا في صلح الحديبية فاشدد العهد وزد. غير أن النبي - ﷺ - قطع على زعيم قريش خط المناورة، إذ قال له. لذلك جئت يا أبا سفيان؟ قال: نعم (٢). فقال رسول الله - ﷺ - هل كان فيكم من حدث؟ فلم يعترف أبو سفيان بالحقيقة، بل أنكرها في جرأة عجيبة. حيث قال .. معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا لا نغير ولا نبدّل.
وهنا أسمع النبي - ﷺ - أبا سفيان كلمات هي غاية في المران والرزانة والحنكة والتعمية على رجل هو زعيم أعداء النبي - ﷺ -. كلمات زادت
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣٥٩.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٢.
[ ٨ / ٧١ ]
أبا سفيان حيرة على حيرته (١). إذ لم يظفر من الكلمات النبوية المقتضبة بأي شيء يشير من قريب أو من بعيد إلى أن أبا سفيان قد حصل على أيّ شيء مما تريد قريش أن يطمئنها به كي تكون في مأمن، من العقاب العادل الذي تتوقعه على أيدى المسلمين جزاء مشاركتها في الغدر بخزاعة وتواطؤها مع سفهاء بني بكر في جريمة الوَتير.
فقد قال النبي - ﷺ - لأبي سفيان -لما أنكر أن يكون حدث ما ينقض الصلح من قبل قريش-: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغيّر ولا نبدل (٢). ولم يسمع من النبي - ﷺ - بهذا الصدد -غير هذه الكلمات المقتضبة، فخرج أبو سفيان من مجلس الرسول - ﷺ - وهو صفر اليدين خالى الوفاض.
اتصالات أبي سفيان الثنائية بكبار الصحابة للتوسط عند الرسول
غير أن أبا سفيان -وهو السياسي المرن- لم ييأس من التوصل إلى تحقيق شيء مما جاء من أجله، فقرر الاتصال بكبار المهاجرين من قريش، لعلهم -بما لهم من مكانة- يؤثِّرون على رسول الله - ﷺ - فيجيب أبا سفيان إلى توثيق الصلح وزيادة مدته.
وكان أول من اتصل به من المهاجرين أبا بكر الصِّديق الذي كلمه أبو سفيان وطلب منه أن يتوسط لدى رسول الله - ﷺ - ليقبل التفاوض ويزيد في مدة الصلح. ولكن الصديق -وقد علم شناعة الجرم الذي ارتكبته قريش- رفض طلب أبي سفيان قائلًا: ما أنا بفاعل (٣).
فلما يئس أبو سفيان من أقرب المقربين إلى رسول الله - ﷺ -، تركه واتجه إلى عمر بن الخطاب، -وكان معروفًا بعداوته الشديدة لمشركي مكة- فطلب منه مثلما طلب من أبي بكر الصديق أن يتوسط لدى
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٧ وفي سيرة ابن هشام أن أبا سفيان لما كلم الرسول - ﷺ - لم يرد عليه.
(٢) امتاع الأسماع ص ٣٥٨. والسيرة الحلبية والواقدى وابن هشام.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٨.
[ ٨ / ٧٢ ]
الرسول ليجدد الصلح ويزيد في المدة. فأسمعه ابن الخطاب ما ملأ نفسه يأسًا، إذ قال له: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله - ﷺ - فوالله لو لم أجد إلا الذر (١) لجاهدتكم به. وفي رواية: والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. فقال أبو سفيان (متألمًا): جزيت من ذي رَحم شرًّا (٢).
فذهب إلى عثمان بن عفان مكررًا المحاولة. فقال له: إنه ليس في القوم أحد أقرب بي رحمًا منك -وكان عثمان من بني أمية عشيرة أبي سفيان-، فزد في الهدنة وجدد العهد فإن صاحبك لن يرده عليك أبدًا، والله ما رأيت رجلًا قط أكثر إكرامًا لصاحب من محمد لأصحابه! ! فلم يستجب له عثمان، بل دفعه -ولكن دفعًا رقيقًا- حيث قال له: جوارى في جوار رسول الله - ﷺ - (٣).
بعد هذه المحاولات الفاشلة التي قام بها أبو سفيان لجأ إلى علي بن أبي طالب. وإلى زوجته فاطمة الزهراء بنت رسول الله - ﷺ -، فدخل عليهما وبين أيديهما ابنهما الحسن غلام صغير. فبدأ بعلي متوسلًا بما بينهما من قرابة قائلًا: يا عليّ إنك أمَسّ القوم بي رحمًا وأقربهم منى قرابة، وإني قد جئتك في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبًا فاشفع لي إلى رسول الله - ﷺ -. فقال ويحك يا أبا سفيان والله رسول الله - ﷺ - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه (٤). فقال: يا أبا الحسن أجِرْ بين الناس وكلم محمدًا يزيد في المدة، فكرر على اعتذاره قائلًا: ويحك يا أبا سفيان! إن رسول الله - ﷺ - قد عزم أن لا يفعل، وليس أحد يستطيع أن يكلم رسول الله - ﷺ - في شيء يكرهه (٥).
وهنا -وكمحاولة أخيرة- التفت أبو سفيان إلى فاطمة الزهراء وطلب منها أن تتوسط في الأمر فتكلِّم أباها الرسول - ﷺ - لتحصل لأبي سفيان على ما يريد من تجديد الصلح وزيادة المدة فيه فاعتذرت فاطمة
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٨.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٢.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٣٥٩.
(٤) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٨.
(٥) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٤.
[ ٨ / ٧٣ ]
قائلة: إنما أنا امرأة فألحَّ عليها قائلًا: قد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع فأجاز ذاك محمد. فقال: إنما ذلك إلى رسول الله - ﷺ - (١). فألح مرة أخرى قائلًا: مرى أحد بنيك يُجير بين الناس! . قالت إنهما صبيان، وليس مثلهما يجير (٢).
أبو سفيان يستعين بسعد بن معاذ
وذكر المؤرخون أن أبا سفيان بعد أن فشل في الحصول على تجديد الصلح عن طريق توسيط كبار المهاجرين لجأ إلى سيد الأوس سعد بن عبادة علّه يتوسط ليحصل بواسطته من الرسول - ﷺ - كل تجديد الصلح.
فقد حدّث ابن أبي حبيبة عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال جاء أبو سفيان بن حرب إلى سعد بن عبادة فقال: يا أبا ثابت قد عرفت الذي كان بيني وبينك، وإني قد كنت لك في حرمنا جارًا، وكنت لي بيثرب مثل ذلك، وأنت سيد هذه البحرة (٣) فَأجِرْ بين الناس وزد في المدة. فقال سعد: يا أبا سفيان جوارى في جوار رسول الله - ﷺ - ما يجير أحد على رسول الله - ﷺ - (٤).
أبو سفيان يستشير علي بن أبي طالب ليجد له حلًا
ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان بن حرب بعد أن انتهى إلى طريق مسدود في كل المحاولات اليائسة التي قام بها ليحصل على تجديد الصلح واستمرار فعالية هدنة الحديبية (التي نقضتها قريش نقضًا صريحًا). فتأمن قريش بهذا التجديد العقوبة التي باتت تتوقعها من المسلمين جزاء غدرها ونقضها للصلح .. بعد أن وصل إلى الطريق مسدود لجأ إلى علي بن أبي طالب للمرة الثانية متوسلًا بالقرابة التي تربطهما وطالبًا منه المشورة فيما يفعل قائلًا: يا
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٧.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٤.
(٣) البحرة. قال في القاموس المحيط: البدة.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٦.
[ ٨ / ٧٤ ]
أبا الحسن إني أرى الأمور قد انسدت على فانصحنى (١). فقال: أنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فَأجِرْ بين عشيرتك (٢). فقال أبو سفيان: ترى ذلك مغنيًا عنى شيئًا (٣)؟ قال علي: لا أظن ذلك والله، ولكنى لا أجد لك غيره (٤). قالوا فخرج أبو سفيان فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد. ثم دخل على النبي - ﷺ - فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جوارى، فقال الرسول - ﷺ -: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان (٥). وكان هذا القول من أبي سفيان محاولة يائسة أخيرة عسى أنه بها يجعل قريشًا في أمان من الغزو الذي باتت تتوقعه. ولكنها كانت محاولة فاشلة.
عودة أبي سفيان خائبًا إلى مكة.
وبعد أن أفرغ أبو سفيان كل ما في جُعبته من مناورات ومحاولات وتوسلات ليحصل من الرسول - ﷺ - على تجديد صلح الحديبية لتأمن قريش العقاب العادل جزاء غدرها بحلفاء الرسول - ﷺ - ونقضها الصلح .. وبعد أن فشلت كل هذه المحاولات والتوسلات والمناورات ترك المدينة يحمل لقريش نذُر الحرب التي عليهم أن يتوقعوها بعد أن أشعلوا فتيلها بأيديهم الغادرة.
أول إشارة صريحة لغزو مكة
وذكر موسى بن عقبة أن النبي - ﷺ - حين أدبر أبو سفيان تاركًا المدينة إلى مكة قال -مشيرًا إلى سحابة-: إن هذه السحابة لتبضُّ بنصر بني كعب .. يعني خزاعة، ثم قال: اللهم خذ على أبصارهم وأسماعهم فلا يرونا إلّا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة (٦).
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٨.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٣.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٤.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٢.
(٥) إمتاع الأسماع للمقريزى ص ٣٦٠.
(٦) البداية والنهاية ص ٤ ص ٢٨٢.
[ ٨ / ٧٥ ]
قريش تتهم أبا سفيان بالإسلام
كانت قريش قلقة أشد القلق حين بعثت بمندوبها أبي سفيان بن حرب إلى المدينة، لأنها تخشى أن يغزوها النبي - ﷺ - بعد أن أصبح صلح الحديبية منقوضًا بفعل قريش وبنى كنانة. وزاد من قلق قريش أن طال غياب أبي سفيان. حتى ساورت الشكوك سادات المشركين في مكة فاتهموه بأنه قد أسلم، فقال قائلهم: والله إنا نراه قد صبأ، واتبع محمدًا سرًّا وكتم إسلامه (١).
هند تحقق مع زوجها أبي سفيان
وعندما عاد أبو سفيان إلى مكة ودخل منزله. أبلغته زوجه هند أن قريشًا تتهمه ثم استجوبته عما صنع لقريش في المدينة قائلة: لقد حُبِسْتَ حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل. ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من المرأة، فجعلت - تستجوبه - تقول: ما صنعت؟ فأخبرها الخبر "كله" وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي فضربت برجليها في صدره وقالت: قبحت من رسول قوم (٢).
أبو سفيان يبلغ قريشًا نتائج رحلته
وقد اجتمع أبو سفيان بسادات قريش الذين طلبوا منه إعطاءهم تقريرًا شاملًا عن نتائج رحلته إلى المدينة، فأبلغهم -صراحة بالتفصيل- كل مراحل محاولاته الفاشلة.
قال موسى بن عقبة: وقدم أبو سفيان مكة، فقالت له قريش ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ .
قال: لا والله وقد أبي عليّ، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: التمس جوار
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٥.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٥.
[ ٨ / ٧٦ ]
الناس عليك ولا تجير أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا تخفر جواره، فقصت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أنى قد أجرت بين الناس وقلت: ما أظن أن تخفرنى؟ فقال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ - فقالوا له: رضيت بغير رضي وجئتنا بما لا يغنى عنا ولا عنك شيئًا وإنما لعب بك على لعمرو الله، ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم: لهين (١).
فقال: والله ما وجدت غير ذلك (٢).
وهكذا عاد أبه سفيان من المدينة بخفى حنين -كما يقولون- لم يحقق بمساعيه أي شيء من الهدف الذي من أجله أوفدته قريش.
وإذا كان أبو سفيان لم يجد في المدينة أيّ قبول لطلب سادات مكة وهو تجديد صلح الحديبية. فإنه كذلك لم يستطع الحصول على أية معلومات تؤكد صراحة أن النبي - ﷺ - قد قرر أن يغزو المشركين في مكة، بل لقد تعمد الرسول - ﷺ - أن يعمي على قريش ويجعلها في حيرة من أمرها حين قال لأبي سفيان - عندما جاء يطلب تجديد الصلح - نحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٨٢.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٨.
[ ٨ / ٧٧ ]
الفصل الثالث
• الرسول يقرر الزَّحف على مكة الكرمة.
• استشارة الرسول - ﷺ - خاصة أصحابه وهيئة أركان حربه قبل الزحف.
• اتباع خطة الكتمان الشديد بعد قرار الزحف.
• استنفار المسلمين (حاضرة وبادية للغزو).
• خيانة أحد كبار الصحابة بمحاولته تحذير قريش وتوبته بعد ذلك.
• الجيش يتحرك من المدينة ولا يدرى إلى أين.
• عشرة آلاف مقاتل تتحرك من المدينة.
• تعبئة الجيش في قُديد وتوزيع الرايات وتعيين الأمراء.
• نجاح خطة الكتمان نجاحًا كاملًا.
• النبي - ﷺ - على أبواب مكة.
• قريش تباغَتُ بالغزو، فتنهار.
• أبو سفيان بن حرب في معسكر الرسول - ﷺ - يفاوضه على شروط تسليم مكة للمسلمين.
• مكة مدينة مفتوحة.
• أبو سفيان يسلم قبل الفتح.
• أوامر الرسول المشددة لجيشه بعدم القتال إلا في حالة الدفاع عن النفس.
• قريش تلقى بسلاحها.
• سيطرة المسلمين على مكة.
• النبي يصدر عفوًا عامًّا عن أهل مكة.
[ ٨ / ٧٩ ]
وهكذا عزم النبي - ﷺ - على غزو المشركين في مكة - منذ أن تبلغ نقضهم العهد بغدرهم بحلفائه من خزاعة (١) مستغلين هذا الصلح أبشع استغلال- إلا أن الرسول - ﷺ - "مع هذا العزم الأكيد" رأى أن يلتزم جانب السرية المطلقة لكى لا تشعر به قريش إلّا وهو يدهمها بجيشه. فيستولى على مكة بأقل خسارة ممكنة في الأرواح. ولهذا قال - ﷺ - فيما سمعه منه بعض خاصته -: اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة (٢). وقد حرص الرسول - ﷺ - كل الحرص على أن تكتم أخبار الغزو عن المشركين في مكة. فاتخذ كل الإجراءات الكفيلة بذلك. فكتم الخبر حتى عن عامة أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقد دعا إلى الحشد والاستعداد للحرب. ولكن دون أن يحدد الجهة التي يقصدها حتى ذهبت بأصحابه التخمينات مذاهب شتى.
فمنهم من ظن (حين رآه يحشد قوات الإسلام) أنه يريد غزو الروم ومنهم من ظن أنه يريد هوازن وثقيف وظن ظان أنه يريد نجد.
ومع عدم إفصاح الرسول لأصحابه عن وجهته فقد استنفر كل قوات الإِسلام. فأرسل إلى سكان البوادى ومن حوله من المسلمين في كل ناحية يقول لهم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة (٣).
وقد استجاب أهل البادية للنبي - ﷺ - فقدمت المدينة من قبائل
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٢.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٢.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٩.
[ ٨ / ٨٠ ]
العرب غفار (١) ومزينة (٢) وأشجع (٣) وجهينة (٤) وأسلم (٥).
_________________
(١) غفار (بكسر أوله) هم بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة من العدنانية تقع منازلهم بين مكة والمدينة. ومن مياههم (بدر).
(٢) مزينة (بضم اليم وكسر الزاى) اختلف النسابون فيه إلا أنهم كلهم مجمعون على أنهم من مضر. ومن أبناء طابخة بن الياس بن مضر. تقع مساكن مزينة بين المدينة ووادي القرى. من ديارهم (الروحاء والعمق والفرع. ومن جبالهم أره وميطان وورقان، وقدس، وأوارة، ونبهان. ومن أوديتهم .. رثم، وشمس، وساية، ولاى، ويدوم. كانت قبيلة مزينة هذه قبيلة ميمونة. فلم يذكر أحد من أصحاب المغازي (فيما بلغني) أنها حاربت النبي - ﷺ - أو حاربها عند ظهور الإسلام. رغم أنها من أقرب القائل إلى المدينة. بل لقد أثبت المؤرخون أن مزينة أسرعت إلى الدخول في الإِسلام بمحض اختيارها. يدل على ذلك أن لها صنما كان يسمى (مُهْم بضم الميم وسكون الهاء) فلما سمعت بالنبي - ﷺ - حطمت هذا الصنم وسارعت إلى الدخول في الإسلام. وكان إسلام مزينة قبل الفتح. وكان رجالها ذوو أثر فعال في نصر الإِسلام في العهد النبوى وفيما بعده من عهود. كانت مزينة مع رسول الله - ﷺ - في فتح مكة. وكانت قواتها في الجيش النبوى ألف مقاتل. وقد شهدت مزينة حنينا بهذا العدد، وكان النبي - ﷺ - يحبهم ويثنى عليهم. فقد روى مسلم في صحيحه ج ٧ ص ١٧٨ أن النبي - ﷺ - قال: الأنصار، ومزينة، وجهينة، وغفار، ومن كان من بني عبد الله موالى دون الناس، يوم القيامة، والله ورسوله مولاهم، ومن مفاخر مزينة. القائد الفارس الناسك التقى، النعمان بن مقرن الذي قاد معركة نهاوند في فارس التي تسمى فتح الفتوح. والتي استشهد فيها بعد أن فتح نهاوند.
(٣) أشجع قبيلة من غطفان النجدية. وهم بنو أشجع بن غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان. كانوا أسبق قبائل غطفان إلى الإسلام. كانوا في الجاهلية حلفاء الخزرج. وقد نصروهم في حرب بعاث التاريخية التي دارت قبيل الإسلام بين الأوس والخزرج في المدينة: كانت منازلهم بضواحى المدينة.
(٤) جهينة (بضم أوله وفتح ثانيه) تجيلة قحطانية عظيمة، من قضاعة. وهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة (انظر ترجمة قضاعة فيما مضى من هذا الكتاب) وجهينة بطون كثيرة تقع منازلهم في الشريط الممتد من ينبع حتى يثرب على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) ويذكر المؤرخون أن فخائذ من جهينة عبروا البحر الأحمر. واستولوا على بلاد النوبة. ثم انتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة. وقال ابن خلدون في تاريخه: إنهم حاربوا الحبشة فأرهقوهم. قال في معجم قبائل العرب: وأهم ذكر جهينة في نسب السودانيين. أنهم وصلوا إلى نيف وخمسين قبيلة على النيل الأزرق حتى تونس، واستقر بعضهم في الجزء الممتد من الجنوب إلى كردفان ودارفور.
(٥) أسلم، اسم لقبائل كثيرة، وأسلم هنا. هم بطن من خزاعة من القحطانية (انظر ترجمة خزاعة في هذا الكتاب).
[ ٨ / ٨١ ]
النبي يستشير خاصة أصحابه بشأن غزو مكة
وكان الرسول - ﷺ - قد طلب من أهله كتمان خبر الغزو عن أي إنسان كان قالوا: وأمر رسول الله - ﷺ - عائشة أن تجهزه وتُخفى ذلك. ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تجهّز رسول الله - ﷺ - تعمل قمحًا وسويقًا ودقيقًا وتمرًا. فقال: يا عائشة، أهم رسول الله - ﷺ - بغزو؟ قالت: ما أدرى. قال: إن كان رسول الله - ﷺ - همّ بسفر فآذنينا نتهيأ له. قالت: ما أدرى. فقال: يريد بني الأصفر -وهم الروم- فصمتت. قال: فلعله يريد أهل نجد فصمتت. قال: فلعله يريد قريشًا؟ فصمتت، فاستعجمت عليه، حتى دخل رسول الله - ﷺ - فقال له أبو بكر: يا رسول الله أردت سفرًا؟ قال: نعم. قال: أفأتجهز؟ قال: نعم. قال أبو بكر: وأين تريد يا رسول الله؟ قال: قريشًا. واخف ذلك يا أبا بكر، قال: أوليس بيننا وبينهم مدة؟
قال: إنهم غدروا ونقضوا العهد، فأنا غازيهم. وقال لأبي بكر: اطو ما ذكرت لك، فظان يظن أن رسول الله - ﷺ - يريد الشام، وظان يظن ثقيفًا، وظان يظن هوازن (١).
رسل النبي إلى القبائل لاستنفارها
وعندما قرر الرسول - ﷺ - الزحف على مكة بعث باثنى عشر من خلصاء أصحابه إلى البادية لاستنفار القبائل. وكان هؤلاء المبعوثون هم:
١ - أسماء بن حارثة (٢)، إلى قبيلة أسلم.
٢ - هند بن حارثة (٣)، إلى قبيلة أسلم.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٦ طبعة أكسفورد تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
(٢) هو أسماء بن حارثة بن سعيد بن عبد الله بن غياث الأسلمي. يكنى أبا هند، كان أسماء من أصحاب الصفة وكان ممن يتفانى في خدمة رسول الله - ﷺ -. توفى أسماء عن ثمانين سنة، في خلافة معاوية.
(٣) هو هند بن حارثة بن سعيد أخو أسماء بن حارثة. كان الاثنان من أصحاب الحديبية: وذكر البغوي أن هند هذا شهد بيعة الرضوان مع أخوة له سبعة.
[ ٨ / ٨٢ ]
٣ - رافع بن مكيث الجهني (١)، إلى جهينة.
٤ - جندب بن مكيث الجهني (٢)، إلى جهينة.
٥ - إيماء بن رحضة (٣)، إلى غفار وبنى ضمرة وبنى الحصين.
٦ - أبو رُهْم كلثوم بن الحصين إلى غفار وبنى ضمرة وبنى الحصين.
٧ - معقل بن سنان (٤) إلى أشجع (٥).
٨ - نُعيَم بن مسعود (٦)، إلى أشجع أيضًا.
٩ - بلال بن الحارث (٧)، إلى مزينة.
١٠ - عبد الله بن عمرو المزني (٨)، إلى مزينة أيضًا.
_________________
(١) انظر ترجمة رافع بن مكيث في كتابنا (صلح الحديبية).
(٢) هو جندب بن مكيث (بفتح الكاف) بن عمرو بن جراد الجهني. أخو رافع بن مكيث. كان جنديا في إحدى السرايا التي قادها غالب بن عبد الله الليثى.
(٣) انظر ترجمة إيماء بن رحضة في كتابنا (صلح الحديبية) ضبطه ابن حجر في الإِصابة (ج ١ ص ١٠٢) فقال: هو إيماء بن رخضة (لا رحضاء) بن خزمة بن خفاف بن حارثة بن غفار. قال قديم الإسلام. وإنه كان يؤم قومه قبل أن يهاجر الرسول - ﷺ - إلى المدينة وهذه رواية مسلم ولكن ابن إسحاق ذكر أن إيماء هذا حضر بدرا مع المشركين. فيكون إسلامه بعد ذلك (انظر كتابنا غزوة ببدر الكبرى ص ١٥٠).
(٤) هو معقل بن سنان بن مظهر الأشجعي. كان قديم الإسلام. وفد على النبي - ﷺ - فأقطعه قطيعة كان موصوفًا بالجمال. قالوا: قدم المدينة في خلافة عمر فقال فيه بعض الشعراء: أعوذ برب الناس من شر معقل إذا معقل راح البقيع مر جلا وقيل إن الذي قال هذا البيت امرأة، فلما بلغ ذلك عمر. نفى معقلا إلى البصرة (الإِصابة ج ٣ ص ٤٤٥) كان معقل حامل لواء قومه أشجع يوم الفتح ويوم حنين. قتله ابن عقبة المرى يوم احتل المدينة في عهد يزيد عام ٦٣ هـ.
(٥) تقدمت في هذا الكتاب ترجمة قبيلة أشجع.
(٦) انظر ترجمة نعيم بن مسعود في كتابنا (غزوة أحد).
(٧) هو بلال بن الحارث بن عصم المزني (انظر ترجمة قبيلة مزينة فيما مضى من هذا الكتاب) كان قديم الإسلام، وهو ممن سكن المدينة قبل الفتح. كان يحمل أحد ألوية مزينة يوم الفتح. سكن البصرة فيما بعد. مات وله ثمانون سنة. وذلك سنة ست وستين.
(٨) عبد بن عمرو لعله ابن رويم أو ابن مليك أو ابن هلال. فكلهم ترجم لهم ابن حجر في الإصابة ج ٢ ص ٣٤٤ - ٣٤٥. ولكنه لم يذكر أن أحدهم كان رسول الله - ﷺ - أرسله إلى مزينة.
[ ٨ / ٨٣ ]
١١ - الحجاج بن علاط السلمي (١) إلى بني سليم (٢)
١٢ - عرباض بن سارية (٣)، إلى بني سليم أيضًا.
١٣ - بشر بن سفيان (٤)، إلى بني كعب (٥).
١٤ - بديل بن ورقاء (٦)، إلى بني كعب أيضًا.
_________________
(١) انظر ترجمة الحجاج بن علاط في كتابنا (غزوة خيبر).
(٢) انظر ترجمة سليم في هذا الكتاب.
(٣) هو عرباض (بكسر العين) بن سارية بن نجيح السلمي، صحابي مشهور. كان من رواة الحديث عن الرسول - ﷺ - توفي سنة خمس وسبعين وكان من أهل الصفة وممن نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية، نزل حمص بالشام.
(٤) انظر ترجمة بشر بن سفيان في كتابنا (صلح الحديبية).
(٥) بنو كعب بطن من خزاعة (انظر ترجمة خزاعة في كتابنا صلح الحديبية).
(٦) انظر ترجمة بديل فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٨ / ٨٤ ]
في مجلس استشارى: أبو بكر يطلب الرفق بقريش وعمر يطلب الشدة
وكان الرسول - ﷺ - عندما قرر غزو قريش في مكة عقد مجلسًا أعلى تداول الرأي فيه مع خاصة أصحابه الذين يمكن تسميتهم بهيئة أركان حربه ووزرائه. على رأسهم أبو بكر وعمر.
أما أبو بكر، فقد أشار بما يوحى أنه يرى التأنِّي وعدم الزحف على مكة. حين قال في المجلس: إنهم قومك (يا رسول الله).
وأمَّا عمر فقد حث الرسول على التنكيل بهم وإنهاء وجودهم. وصارح النبي - ﷺ - بأن لا قرار للإسلام ولا سبيل إلى إخضاع الوثنيين في الجزيرة ككل إلا بخضد شوكة قريش. حيث قال: نعم هم رأس الكفر، زعموا أنك ساحر وأنك كذاب، وأيمُ الله لا تذل العرب (يعني من تبقى منهم على الوثنية) حتى تذل أهل مكة.
فقال رسول الله - ﷺ - مستصوبًا رأى عمر-: إن أبا بكر كإبراهيم، وكان في الله ألين من اللين، وأن عمر كنوح وكان في الله أشد من الحجر، وأن الأمر أمر عمر -أي أن الرأي الذي ينبغي العمل به هو رأى عمر- وهو إسقاط الوجود الوثنى نهائيا في مكة.
وهكذا تقرر نهائيًا أن يقوم الرسول - ﷺ - بغزو قريش تأديبًا لها على نقض الصلح بغدرها المشين بخزاعة في ظل عهد وهدنة وأمان. وفتكها بثلاثة وعشرين بريئًا قتلتهم قريش وحلفاؤها من بني بكر داخل مكة وبالقرب من الكعبة.
[ ٨ / ٨٥ ]
التزام خطة الكتمان الشديدة
ومع إحاطة النبي - ﷺ - خاصة أصحابه بعزمه على الزحف على مكة. فقد ظل ملتزمًا خطة الكتمان الشديد بهذا الشأن. فعقب إعلانه - ﷺ - النفير العام بين القبائل المسلمة في الحاضرة والبادية احتشد من جنود الإسلام حوالي عشرة آلاف مقاتل. تحرك بهم الرسول - ﷺ - من المدينة. وعامتهم لا يعلمون إلى أين هم زاحفون وعلى من سيهجمون إلا عندما وصلوا مَرّ الظهران حيث علموا هناك (فقط) أن وجهتهم مكة المكرمة لإنهاء الوجود الوثنى فيها إلى الأبد.
النبي يجرد سرية للتعمية والتمويه
وزيادة في إحكام خطة الكتمان والتعمية والتضليل على العدو. بعث رسول الله - ﷺ - في أول شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة. وهو الشهر الذي تم فيه فتح مكة .. بعث بسرية عسكرية إلى ناحية نجد شرقي المدينة فأمر السرية أن تتحرك إلى مكان يقال له: بطن إضم (وهو واد لأشجع من قبيلة غطفان به ماء يطؤه الذاهب من اليمامة إلى مكة) (١).
وكان الهدف من تجريد هذه الحملة العسكرية (وبصورة علنية) إلى ناحية الشرق هو إيهام الناس جميعًا أن الحشد الذي يجرى في المدينة مقصود به منطقة نجد لا مكة المكرمة التي تقع في الجنوب من المدينة.
فقد قالوا: لما همَّ رسول الله - ﷺ - بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي (٢) على رأس سرية إلى بطن إضم - وهي فيما بين ذي خشُب (٣) وذى المروة، وبينهما وبين المدينة ثلاثة برد - ليظن ظان أن رسول الله - ﷺ - توجه إلى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الأخبار. فمضت السرية في تحركاتها العلنية حسب الخطة المرسومة لها. ولم ترجع إلا بعد أن
_________________
(١) معجم البلدان ج ١ ص ٢١٤.
(٢) انظر ترجمة أبي قتادة الأنصاري في كتابنا (غزوة أحد).
(٣) ذو خشب (بضم أوله وثانيه) قال ياقوت: من أودية اليمامة.
[ ٨ / ٨٦ ]
فصل النبي - ﷺ - بقواته الرئيسية من المدينة في اتجاه مكة. فالتقت به السرية في الطريق في مكان يقال له: السقيا (١). "طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٣٣".
حراسة الطرق ومنع السفر إلى مكة واحتجاز المشتبه بهم:
كما أن الرسول - ﷺ - لكى يحجب أنباء تحركاته بجيشه عن المشركين في مكة أمر بمراقبة الطرق المؤدية إلى مكة واحتجاز كل من يشتبه في أمره. وكان الذي أوكلت إليه مهمة حراسة الطرق ومراقبتها عمر بن الخطاب.
فقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب - بأمر من رسول الله - ﷺ - كان يطوف على الأنقاب (الطرق) قيِّمًا بهم فيقول للحرس: لا تدعوا أحدًا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه - وكانت الأنقاب مسلمة - إلا من سلك إلى مكة فإنه يُحتفظ به ويسأل عنه (٢).
البوليس الحربي يشدد الحراسة على الطرق.
وبالحراسة المشددة على المسالك والطرق نجحت خطة الكتمان إلى أبعد الحدود حيث منع الحرس الإسلامي (وهو ما يعبر عنه اليوم بالبوليس الحربي) منع السفر إلى مكة لأى إنسان يشتبه في أمره. فعميت لذلك الأنباء تمامًا على المشركين بمكة. الذين لم يشعروا إلا والجيش النبوى معسكرًا بالقرب من مكة، فأسقط في أيديهم وبث الله الرعب في نفوسهم فقرروا الاستسلام ودخل النبي - ﷺ - بجيشه مكة فاتحًا دون أن يلقى أية مقاومة تذكر.
الصحابي الذي حاول إبلاغ قريش نبأ الغزو ففشل.
غير أن أحد الصحابة من المهاجرين ارتكب خطأ كاد يفسد على النبي خطة الكتمان التي اتبعها في تحركاته العسكرية.
_________________
(١) انظر تحديد مكان السقيا في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٦ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٩.
[ ٨ / ٨٧ ]
فقد حاول هذا الصحابي (وهو حاطب بن أبي بلتعة (١). كان من البدريين ومن السابقين الأولين في الإسلام. والفرسان المشهورين الذين ثبتوا يوم أحد إلى جانب الرسول - ﷺ - (ساعة الانتكاسة) حاول هذا الصحابي أن ينقل إلى قريش (وبطريقة سرية) أنباء اعتزام الرسول - ﷺ - غزوهم. فعندما علم بطريقه الخاص أن النبي - ﷺ - يريد بتحركاته المشركين في مكة قاده الضعف البشرى -الذي مصدره العطف على أهله وأقاربه في مكة- إلى ارتكاب الخطيئة الكبرى التي لولا سابقته في الإِسلام وكونه من أهل بدر لأنزل به عقاب شديد هو عقاب الجاسوس الذي قد يصل إلى حد الإعدام -عقوبة الخيانة العظمى-.
فقد ذكر أصحاب الحديث والمغازى والسير، أن حاطب بن أبي بَلتَعة كتب إلى ثلاثة من زعماء المشركين في مكة: صفوان بن أميَّة، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، يخبرهم فيه أن الرسول - ﷺ - يحشد الجيوش لغزو قريش. وكتب إلى هؤلاء الزعماء المشركين كتابًا جاء فيه: "إن رسول الله - ﷺ - أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم" واستأجر -لإيصال كتابه إلى قريش- امرأة يقال لها سارة (٢)، وجعل لها دينارًا على أن تبلغ الكتاب إلى سادات مكة، وقال لها: اخفيه ما استطعت، ولا تمرِّي على الطريق فإن عليها محرسًا. فسلكت مسالك مهجورة ليس عليها حرس، عن يسار المحجة في فُلوُق (٣) الحر، حتى خرجت إلى الطريق الرئيسى بالعقيق (٤). وبذلك لم يفطن لها أحد من حرس الطرق حتى وصلت ذا الحليفة "أبيار
_________________
(١) انظر ترجمة حاطب بن أبي بلتعة في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) سارة هذه. مولاة لبعض بني عبد المطلب بن عبد مناف. وكانت مغنية بمكة. قال في السيرة الحلبية. قدمت على رسول الله - ﷺ - المدينة وأسلمت. وطلبت منه الميرة وشكت الحاجة: فقال لها رسول الله - ﷺ - ما كان في غنائك ما يغنيك؟ فقالت: إن قريشًا منذ قتل منهم من قتل ببدر تركوا الغناء، فوصلها رسول الله - ﷺ - وأوفر لها بعيرًا طعامًا. فرجعت إلى قريش وارتدت عن الإسلام. ولهذا كانت ضمن من أهدر النبي - ﷺ - دمه يوم الفتح.
(٣) الفلوق: جمع فلق: وهو الشق في الأرض:
(٤) العقيق هو الوادي الشهير الذي يقع غربي المدينة.
[ ٨ / ٨٨ ]
على" على بعد سبعة أميال من المدينة.
وقد بدأت المرأة سارة في تنفيذ المهمة التي كلفها بها حاطب، فلجأت لإخفاء كتابه إلى قريش إلى أسلوب غاية في التعمية، فقبل أن تغادر المدينة نَفَشَت شعر رأسها ثم دست الكتاب فيه ثم فتلت عليه إحدى جديلتيها، ثم أرسلتهما بعد أن اختفى فيهما الكتاب تمامًا، ثم انطلقت في اتجاه مكة لإكمال المهمة.
وقد نجحت في مغادرة المدينة دون أن يراها أحد من الحراس (البوليس الحربي) المكلفين بحراسة الطرق ومراقبة من يمر بها.
غير أن هذه الجاسوسة لم تكد تصل إلى ذي الحليفة حتى اكتشف الرسول - ﷺ - أمرها وأمر مرسلها حاطب. وذلك عندما جاءه الوحى ينذره بذلك، فسارع الرسول - ﷺ - فاستدعى علي بن أبي طالب والزبير بن العوّام بأن يلحقا بالمرأة الجاسوسة ويأخذا منها الكتاب الذي كان حاطب قد دفعه إليها لتسلمه زعماء قريش حيث قال - ﷺ -: أدركا امرأة قد بعث معها حاطب بن أبي بَلتعةَ بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم (١).
فأسرع على والزبير يتبعان الجاسوسة (سارة)، ولم يطل بهما البحث فقد وجداها راكبة جملًا لها في مكان قريب من المدينة يقال له: الخليفة (بضم الخاء)، خليفة بني أبي حمد (٢). فاستوقفاها ثم طلبا منها النزول، فنزلت. وهنا قاما بتفتيش رحلها تفتيشًا دقيقًا فلم يجدا أي أثر للكتاب الذي ذكر رسول الله - ﷺ -، فسألاها عن الكتاب المذكور فأنكرت أن يكون لها أيّ علم به، فشدّدا عليها وحلفا بالله: ما كذب رسول الله - ﷺ - ولا كُذبنا. ثم أنذراها بأنهما إذا لم تعطهما الكتاب الذي معها سيضطران إلى تفتيشها حتى ولو أدَّى الأمر إلى تكشيفها قائلين: لتخرجنّ هذا الكتاب أو لنكشفنَّك. فلما رأت منهما الجد انهارت فاعترفت. ثم
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤١.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٣.
[ ٨ / ٨٩ ]
طلبت منهما أن لا ينظرا إليها قائلة: أعرضا عنى -لئلا ينظرا إلى شعر رأسها- فأعرضا عنها. وهنا حلت قرون رأسها ثم استخرجت الكتاب فدفعته إليهما. فعادا به إلى رسول الله - ﷺ -. أما هذه المرأة الجاسوسة فقد جاء في كتب السيرة أن عليًّا والزبير خليا سبيلها ولم يلقيا عليها القبض وذلك حسب تعليمات الرسول - ﷺ - (١). وبهذا أحبطت عملية التجسس الخطيرة التي شرع في ارتكابها حاطب بن أبي بَلتَعة ضد نبيّه وضد أمته. وهي عملية لو نجحت لتنبهت قريش واستعدت لمواجهة الغزو الذي أراد الرسول - ﷺ - أن يفاجئها به. الأمر الذي قد يؤدى إلى نشوب معارك ضارية وإزهاق أرواح كثيرة من الفريقين يحرص الرسول - ﷺ - على أن لا يراق منها شيء.
النبي يحقق مع حاطب بن أبي بلتعة
وقد استدعى الرسول - ﷺ - حاطب بن أبي بلتعة لاستجوابه والتحقيق معه بشأن تلك الرسالة التي كتبها لقريش وضبطها الزبير وعلي مع الجاسوسة سارة.
فعندما مثل حاطب بين يدي الرسول - ﷺ - أبرز الرسول - ﷺ - الرسالة التي كتبها حاطب وقال له: أتعرف هذا الكتاب فلم ينكر بل قال: نعم. فقال له الرسول - ﷺ -: ما حملك على هذا؟ فقال: والله إننى لمؤمن بالله ورسوله ما غيَّرت ولا بدلت ولكنى كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل. وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم وأهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت أن أتخذ فيهم يدًا أحمى بها أهلى. فما فعلت ذلك كفرًا بعد إسلام، وقد علمت أن الله تعالى منزل بهم بأسه لا يغنى عنهم كتابي شيئًا (٢).
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٧٩٨ وصحيح البخاري ج ٥ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٣.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٠.
[ ٨ / ٩٠ ]
النبي يأمر بحفظ القضية ويعفو عن حاطب
وكان عمر بن الخطاب حاضرًا التحقيق. فاغتاظ على حاطب وطالب بإعدامه قائلًا: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق (١).
إلا أن النبي - ﷺ - لم يوافق على اقتراح عمر، بل اتّبع سبيل الصفح والعفو عن حاطب لما له من مواقف مشرفة في السبق إلى الإسلام والذود عنه، لذلك أمر بحفظ القضية.
فقد أنهى النبي التحقيق مع حاطب بالعفو عنه قائلًا: إنه قد صدقكم ولا تقولوا له إلا خيرًا (٢).
ثم وجه الرسول - ﷺ - حديثه إلى ابن الخطاب مؤكدًا العفو عن حاطب لأنه ممن حضروا بدرًا مع الرسول - ﷺ - (وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! ! ! (٣).
وقد أنزل الله تعالى في حادثة حاطب بن أبي بلتعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية (٤).
وفي هذه الآية تأكيد وشهادة بإيمان حاطب بن أبي بَلتعَة لأن هذا التنبيه موجه إليه خصوصًا وإلى المؤمنين عامة.
لأنّ حاطبًا هو الذي ألقى إليهم بالمودة حينما كتب إليهم ذلك الكتاب.
استمرار خطة كتمان الزحف على مكة
وبإحباط محاولة حاطب بن أبي بَلتعَة وباستعادة خطاب التحذير الذي كتبه لقريش من الجاسوسة سارة. ظلت خطة الكتمان معمولًا بها. وعمِيت أنباء تحركات الرسول الحربية الواسعة عن قريش .. حتى وصل بجيوشه إلى وادي مَرِّ الظهران القريب من مكة.
_________________
(١) سيرة هشام ج ٤ ص ٤١.
(٢) صحيح البخاري ج ٥.
(٣) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٤٩.
(٤) الممتحنة آية ١.
[ ٨ / ٩١ ]
وكذلك عامة الصحابة وسواد الجيش الذي يقوده والذي بلغ عشرة آلاف محارب لم يعلموا على وجه التحديد إلى أين يريد التوجه بهم وعلى من يريد بهم أن يغير. وطريق الكتمان والتعمية والتورية في العمليات العسكرية هي دائمًا (إلا في النادر) طريقة الرسول القائد - ﷺ -. وهي خطة من أهم وسائل تحقيق الظفر بالعدو.
وقد كان بعض قادة القبائل (وخاصة الأعراب) يحاولون التعرُّف على الجهة التي يريد الرسول - ﷺ - فيسألون فلا يجدون جوابًا شافيًا لهم.
فهذا عيينة بن حصن الفَزَارى (وقد أسلم) عندما وصل الجيش قديدًا (١) سأل الرسول - ﷺ - عندما رآه يعبئ الجيش ويوزع الرايات على قادة الكتائب: فأين وجهك يا رسول الله؟ فلم يزد الرسول في إجابته على أن قال: حيث يشاء الله (٢).
وهذا كعب بن مالك فارس رسول الله - ﷺ - وشاعر الإِسلام المفلق حاول أن يستكشف للصحابة ويحصل من الرسول على علم بالجهة التي يريدها بهذا الجيش الكبير فلم يفلح.
فقد جاء في كتب السير والمغازى ما يفيد أن الرسول - ﷺ - ظل ملتزمًا الصمت لا يدرى أصحابه إلى أين يتحرك بهم حتى بعد أن وصل قرب حدود الحرم.
يدل على ذلك أن الرسول - ﷺ - لما نزل بالجيش في وادي العرج (٣) وهو من وديان الطائف. قال كعب بن مالك لمجموعة من سادات المهاجرين والأنصار -وكانوا تواقين إلى معرفة الجهة التي يريد الرسول الزحف عليها أيقصدُ ثقيفًا أم هوازن أم قريشًا-: آتى رسول الله - ﷺ - فأعلم لكم على وجهه فجاء كعب فبرك بين يدي رسول الله - ﷺ - على ركبتيه، ثم قال:
_________________
(١) قديد (بضم أوله وفتح ثانيه) قال ياقوت: موضع قرب مكة.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٣.
(٣) العرج (بفتح أوله وسكون ثانيه) قال في معجم البلدان. قرية جامعة في واد من نواحى. الطائف وهي لبنى نصر بن معاوية قوم قائد هوازن في حنين مالك بن عوف.
[ ٨ / ٩٢ ]
قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
نسائلها ولو نَطَقَتْ لقالت قواطعهُنّ دَوْسا أو ثقيفًا
فلست لحاضر إن لم تروها بساحة داركم منها ألوفا
فننتزع الخيام ببطن وجِّ (١) ونترك دورهم منها خلوفًا
فتبسم رسول الله - ﷺ - ولم يزد على ذلك. فجعل الصحابة يقولون: والله ما بين لك رسول الله - ﷺ - شيئًا، ما ندرى بمن يبدأ بقريش أو ثقيف أو هوازن (٢).
عدد قوات الجيش النبوى المتحركة من المدينة
لقد أجمع المؤرخون وأصحاب السير على أن الجيش الذي زحف به الرسول - ﷺ - على مكة لم يكن أقل من عشرة آلاف مقاتل. وبعضهم يقول: إنه بلغ اثنى عشر ألفًا.
غير أنه من المؤكد أن القوات المتحركة من المدينة ليست كل الجيش. لأن بعض القبائل المسلمة البعيدة من المدينة، مثل سليم (٣) الحجاز. لم تنضم إلى الجيش النبوى إلا بعد أن خرج من المدينة.
نسبة عدد الأنصار والمهاجرين في الجيش المتحرك من المدينة
أما القوات الرئيسية التي تحرك بها الرسول - ﷺ - من المدينة فقد بلغت سبعة آلاف وأربعمائة (٧٤٠٠) مقاتل وتفصيل نسبة الأنصار والمهاجرين والقبائل الأخرى فيها هي على النحو التالي:
_________________
(١) وج (بكسر أوله) واد شهير من وديان الطائف الرئيسية. وهو اليوم يشق مدينة الطائف بعد أن اتسع عمرانها فانتشرت فيها البيوت والعمارات الحديثة على ضفتى هذا الوادي.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٢.
(٣) اسم سليم (بضم أوله) اسم لعدة قبائل عدنانية وقحطانية، ولكن سُليما هؤلاء: هم القبيلة العظيمة المشهورة. وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان تنتشر بطون سليم هؤلاء من عالية نجد حتى تلامس حدود بني نصر بن معاوية من هوازن.
[ ٨ / ٩٣ ]
أ- الأنصار: أربعة آلاف ٤٠٠٠
ب - المهاجرون: سبعمائة ٧٠٠
جـ - مزينة (١): ألف ١٠٠٠
د - أسلَم (٢): أربعمائة ٤٠٠
هـ - جُهينة: ثمانمائة ٨٠٠
و- بنو كعب بن عمرو (٣): خمسمائة ٥٠٠
وزعم الواقدي أنهم لم يخرجوا من المدينة وإنما لقوا - ﷺ - بقُديد التي هي من منازلهم.
هذه هي القوات الرئيسية التي تحركت من المدينة بقيادة الرسول - ﷺ - (٤).
المنضمون إلى الجيش النبوى أثناء التحرك
أمّا بقية القوات الإِسلامية التي بها اكتمل الجيش النبوى عشرة آلاف مقاتل فهي من مختلف القبائل التي كانت تنضم إلى الرسول - ﷺ -، تباعًا في الطريق وهو يتحرك بالجيش نحو مكة، ومن هذه القبائل. قبيلة سُليم التي انضم منها إلى النبي - ﷺ - وهو بقديد في طريقه إلى مكة - ألف مقاتل - وغفار وأشجع وغيرهم.
سلاح الفرسان في الجيش النبوى.
أما سلاح الفرسان في الجيش النبوى الزاحف على مكة. فقد دلت إحصاءات المؤرخين على أنه بلغ (بعد أن اكتمل الجيش عشرة آلاف مقاتل)
_________________
(١) انظر ترجمة مُزينة فيما مضى من هذا الكتاب.
(٢) أسلم اسم لعدة قبائل قحطانية: ولكن هؤلاء، مقصود بهم: أسلم بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر: تقع منازلهم بوبرة قريبا من المدينة.
(٣) كعب اسم لعدة قبائل من العدنانية والقحطانية. غير أن هؤلاء مقصود بهم بطن من خزاعة وهم بنو عمرو بن خزاعة بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا بن ماء السماء ملك مأرب.
(٤) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٠.
[ ٨ / ٩٤ ]
ألفين وثمانين فارسًا تقريبًا. ونسبة هؤلاء الفرسان بين القبائل على النحو التالي.
أ- بنو سليم: ألف فارس ١٠٠٠
ب- الأنصار: خمسمائة فارس ٥٠٠
جـ - المهاجرون: ثلاثمائة فارس ٣٠٠
د - مُزينة-: مائة فارس ١٠٠
هـ - جُهينة: خمسون فارس ٥٠
و- عشائر أخرى: مائة فارس تقريبا ١٠٠
ز- أسلم: ثلاثون فارسًا ٣٠ (١)
سلاح النقليات في الجيش
أما سلاح النقليات من الجمال. فلا شك أنه كثير. غير أننى لم أر أحدًا من المؤرخين (فيما لدى من مصادر) حدد عدد هذا السلاح.
وكذلك سلاح الوقاية من الدروع فلم أعثر (فيما بين يدي من مصادر) على إحصاء الكمية منه في هذا الجيش. ما عدا ما ذكره الواقدي من أن قوات قبيلة مُزينة كان فيها مائة دارع (٢) فقط.
حاكم المدينة بالنيابة
وعندما استكمل الحشد في المدينة وأتم الرسول - ﷺ - إعداد الجيش وتجهيزه، وتحدد ميعاد التحرك. أصدر الرسول - ﷺ - -كما هي عادته المتبعة- مرسومًا نبويًا عين بموجبه ابن أمّ مكتوم (٣) أميرًا على المدينة يصلِّي بالناس ويدير شئونها نيابة عن الرسول - ﷺ - حتى يعود من هذه الغزوة. وقال الطبري: استخلف النبي - ﷺ - على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري.
_________________
(١) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠١ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٠ وإمتاع الأسماع ص ٣٦٤.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٠
(٣) انظر ترجمة ابن أم مكتوم في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٨ / ٩٥ ]
تاريخ تحرك الجيش من المدينة
وهكذا، وفي أوائل شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة للهجرة بدأت عقارب الساعات في تاريخ الإِسلام الحاسم تتحرك في مدارها زاحفة نحو الصفر الذي بوصولها إليه تحول مجرى الصراع بين الإِسلام والوثنية تحولًا نهائيًا لصالح الإسلام. حيث تمت السيطرة لجيوش التوحيد على مكة في أواخر هذا الشهر المبارك. وباستيلاء المسلمين على العاصمة المقدَّسة انهار أعظم معقل للوثنية في جزيرة العرب. وبانهياره أخذت بقية الجيوب الوثنية في الجزيرة تتساقط الواحد بعد الآخر دونما أي عناء حربي يذكر، ما عدا الصدام العنيف الذي جرى بين المسلمين وهوازن في وادي حنين في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة.
ففي اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك فصل النبي - ﷺ - بالقوات الإسلامية الرئيسية من المدينة.
وكانت أول الأمر -كما ذكرنا- حوالي سبعة آلاف مقاتل فقط.
انضم إليها تباعًا أثناء التحرك من القبائل المسلمة ما جعل عددها يبلغ عشرة آلاف مقاتل. وقال بعضهم اثنى عشر ألف مقاتل (١).
خروج الجيش على غير تعبئة
والأكثر ترجيحًا أن النبي - ﷺ - خرج بجيشه من المدينة على غير تعبئة. وأنه لم يعبِّئه ويُكتِّب كتائبه ويوزع راياته على قادة الألوية والفرق إلّا عندما وصل إلى قديد بديار حلفائه خزاعة.
لأن الجيش لم يكتمل عدده إلا في قديد حيث وافت النبي - ﷺ - بنو سُليم في ألف فارس يقودهم سيدهم عباس بن مرداس السُلمى (٢). وهم
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣٦٤.
(٢) هو عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي من مضر قال الزركلي: كنيته أبو الهيثم، شاعر فارس من سادات قومه. أمه الخنساء الشاعرة الشهيرة أسلم قبيل فتح مكة. ويدعى فارس العبيد -بالتصغير- وهو فرسه. كان بدويا قحا. لم يسكن مكة ولا المدينة. وإذا حضر الغزو مع الرسول - ﷺ - لم يلبث أن يعود إلى منازل قومه بالبادية. وكان راجح العقل. وهو من حكماء العرب القلائل الذين حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية مات في خلافة عمر.
[ ٨ / ٩٦ ]
آخر قوة من قوات البادية التي انضمت إلى الجيش النبوى وهو في طريقه إلى مكة.
الترخيص للجيش بالإِفطار في رمضان
وعندما غادر النبي - ﷺ - بالجيش المدينة أعلن الترخيص للعسكر بالإِفطار إذ أمر مناديًا أن ينادى من أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر. وصام رسول الله - ﷺ - (١). إلا أنه - ﷺ - لما وصل مَرَّ الظهران -قريبًا من مكة- أمر الجيش بأن يفطر واعتبر من لم يفطر عاصيًا لله ورسوله.
طليعة الجيش النبوى
وبالرغم من أن النبي - ﷺ - تحرك بجيشه من المدينة على غير تعبئة (لأن أكثر القبائل التي سيمر بها مثل غفار وخزاعة وسُليم قد دخلوا في الإسلام). فقد انتخب مائتى فارس أمرهم أن يكونوا أمامه طليعة يقومون بالاستكشاف. وقد أسند قيادة هذه الطليعة من الفرسان إلى الزبير بن العوام. الذي استمر يستطلع أمام الجيش حتى دخلوا مكة المكرمة.
قال الواقدي: وخرج المسلمون وقادوا الخيل وامتطوا الإِبل، وكانوا عشرة آلاف، وقدم رسول الله - ﷺ - أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين.
سيد غطفان يلتحق بالرسول بعد خروجه من المدينة
وكان عيينَة بن حصْن الفَزارى (٢) من ألد أعداء رسول الله - ﷺ -، فقد كان قائد غطفان القبيلة العظيمة المحاربة التي قادها عيينة في كل موطن ضد الإسلام والمسلمين. قادها في معركة الأحزاب وقادها في معارك خيبر مساندًا لليهود ضد الرسول - ﷺ -، وحاول الهجوم على المدينة عدة
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠١.
(٢) انظر ترجمة عيينة بن حصن في كتابنا (غزوة بدر)
[ ٨ / ٩٧ ]
مرات عيينة هذا بعد أن خضدت جيوش الإسلام شوكة قومه غطفان دخل في الإِسلام، إلا أن النبي - ﷺ - عندما أرسل رسله لاستنفار القبائل المجاورة للمشاركة في غزو قريش لم يستنفر قبائل غطفان، إلّا فخيذة أشجع منها. حيث كان فيها رجال من السابقين الأولين. مثل نُعَيم بن مسعود، ومعقل بن سنان اللذين بعث بهما النبي - ﷺ - لاستنفار فخيذة أشجع.
عيينة هذا عندما بلغه أن الرسول - ﷺ - قد استنفر المسلمين لغزو قريش سارع من بلاده لينضم إلى الجيش النبوى. فقدم المدينة، ولكنه وجد الرسول - ﷺ - قد غادرها بجيشه قبل أن يصل إليها بيومين. فأسرع مختصرًا الطريق فالتقى برسول الله - ﷺ - في العرج التي لم يصلها النبي - ﷺ - حتى وجد عيينة ينتظره فيها في نفر من غطفان. فأبدى عيينة بن حصن اعتذاره للرسول - ﷺ - قائلًا: يا رسول الله بلغني خروجك، ومن يجتمع إليك، فأقبلت سريعًا ولم أشعر فأجمع قومى فيكون لنا جلبة كثيرة (وكانت غطفان قوة حربية هائلة يزيد عددها على عشرة آلاف مقاتل ولكنّ النبي - ﷺ - لم يستنفرها مثلما استنفر بقية القبائل) ثم قال عيينة: ولست أرى هيأة حرب، لا أرى ألوية ولا رايات! فالعمرة تريد؟ فلا أرى هيأة إحرام! فأين وجهك يا رسول الله؟ قال: حيث يشاء الله.
وكان عيينة أعرابيا جلفًا أحمقًا ولكنه كان محاربًا ممتازًا وهو الذي يكنى بالأحمق المطاع. إلا أنه لما كان سيدًا عظيمًا في قومه اصطحبه الرسول - ﷺ - معه وجعله ضمن هيئة أركان حربه، لأن من سياسة الرسول الحكيمة تألف أمثال هؤلاء السادة المطاعين في قومهم. لأن كسب أمثالهم فيه قوة للإسلام.
والأقرع بن حابس أيضًا ينضم للجيش
كذلك كان الأقرع بن حابس التميمي سيدًا عظيمًا في قومه، التحق في عشرة من أصحابه بالرسول - ﷺ - بعد أن خرج من المدينة، فالتقى به
[ ٨ / ٩٨ ]
في منطقة السقياء (١)، وكان النبي - ﷺ - كذلك لم يستنفر بني تميم فيمن استنفر من القبائل، ويظهر أن ذلك راجع إلى أن تميمًا لم يدخلوا في الإسلام "ككل" إلا عام الوفود (تسع للهجرة) عندما قدم وفدهم المدينة. وكذلك لما كان الأقرع بن حابس (٢) سيدًا عظيمًا مطاعًا في قومه جعله الرسول - ﷺ - رغم حداثة إسلامه- ضمن هيئة أركان حربه مثل عيينة بن حصن. حتى أن الرسول - ﷺ - لما دخل مكة يوم الفتح كان بين عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.
قصة أبي سفيان بن الحارث ابن عم النبي وعدوه
واستمر الرسول في التحرك بجيشه عبر الطريق الرئيسى التقليدى. وكانت طلائع استكشاف الجيش وأجهزة استخباراته التي كانت تنتشر في المقدمة. قد أمر رجالها باعتقال كل من يلتقون به في الطريق ممن لم يكن من المسلمين. وذلك تمشيًا مع الخطة التي قرر الرسول اتباعها، وهي منع وصول أي نبأ إلى قريش عن تحرك النبي بأصحابه. وذلك ليأخذهم بغتة ويدهمهم فجأة.
وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي - ﷺ - وأخوه من الرضاعة على حليمة السعدية من أشد الناس عداوة لرسول الله - ﷺ - وكان شاعرًا يهجو النبي - ﷺ - وأصحابه استمر على شدة عداوته لرسول الله - ﷺ - عشرين سنة .. وكان قبل ذلك تربًا لرسول الله - ﷺ -، فلما بُعث النبي - ﷺ - عاداه عداوة لم يعاد أحد مثلها قط، وكان مثل أبي لهب يدخل الشعب مع بني هشام حينما حاصرتهم قريش في مكة. وكان شديد الإِيذاء والمضايقة والتنكيد على رسول الله - ﷺ -. وما تخلف عن موطن قاتلت
_________________
(١) السقياء (بضم السين) انظر تحديدها في كتابنا. (غزوة بدر).
(٢) هو الأقرع بن عقال المجاشعى الدرامى التميمي قال في الأعلام صحابي من سادات العرب في الجاهلية. قدم على رسول الله - ﷺ - في وفد من بني دارم (من تميم) فأسلموا. وشهد حنينا وفتح مكة والطائف وسكن المدينة. وكان من المؤلفة قلوبهم ورحل إلى دومة الجندل في خلافة أبي بكر وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتى اليمامة واستشهد بالجوزجان وكان حكيما في الجاهلية وممن حرم الخمر على نفسه.
[ ٨ / ٩٩ ]
فيه قريش النبي - ﷺ -.
وأبو سفيان بن الحارث هذا هو الذي قال للنبي - ﷺ - وهو يدعو قومه إلى الإسلام: يا محمد لن نؤمن لك حتى ترقى في السماء ويكون لك بيت من زخرف وتفجر لنا الأنهار. فأنزل الله تعالى في عناده وكفره الشديد هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (١).
وكان الرسول - ﷺ - قد أهرق دم أبي سفيان بن الحارث فيمن أهدر دمهم من كبار مجرمى مكة الذين كانوا شديدى العداوة والعناد لله والرسول - ﷺ -.
ولما رأى أبو سفيان هذا. أن دين ابن عمه محمد - ﷺ - قد بسط سلطانه على أكثر أنحاء الجزيرة العربية. وأن مسألة وقوع مكة في قبضة الإسلام. هي مسألة وقت فقط. لم يحتمل ذلك. ولم يكن هذا الانتصار لدعوة أخيه وابن عمه النبي حافزًا له على الإسراع إلى الدخول في الإسلام .. بل كان عاملا في رفع نسبة الكره لهذا الدين والنفور منه.
لذلك - وقد أيقن أن احتلال المسلمين مكة أمر لا مفر منه - قرر مغادرة الجزيرة العربية كلها. فهرب إلى ملك الروم (٢).
كيف دخل الإسلام قلب أبي سفيان بن الحارث؟
غير أن أبا سفيان بن الحارث لما التجأ إلي هرقل (قيصر الروم) وسمع من قيصر بعض الحديث عن الرسول - ﷺ - دخل الإسلام في قلبه. فقرر العودة إلى مكة ليعلن إسلامه.
_________________
(١) الإسراء آية ٩٠ - ٩٣.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ١١.
[ ٨ / ١٠٠ ]
فقد حدَّث أبو سفيان نفسه: لما هرب من مكة إلى قيصر -قبل أن يتحرك الرسول - ﷺ - من المدينة- قال له قيصر: ممن أنت؟ فأخبره أنه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقال له ملك الروم: أنت إذن ابن عم محمد بن عبد الله. إن كنت صادقًا؟ . قال: قلت: نعم، أنا ابن عمه. قال أبو سفيان: فقلت (في نفسي): لا أراني عند ملك الروم وقد هربت من الإسلام، لا أُعرف إلَّا بمحمد! ! فدخلنى الإسلام وعرفت أنّ ما كنت فيه باطلا من الشرك. ولكنا كنا مع قوم أهل عقول باسقة، وأرئ فاضل الناس يعيش في عقولهم ورأيهم، فسلكوا فجا فسلكناه. ولما جعل أهل الشرف والسن يقتحمون عن محمد، وينصرون آلهتهم ويغضبون لآبائهم، فاتبعناهم (١).
قالوا ثم عاد أبو سفيان من بلاد الروم إلى مكة. وعلم أن رسول الله - ﷺ - قد أهدر دمه. ولكنه رغم ذلك صمم على أن يقابل رسول الله - ﷺ - ليحصل على عفو عام منه لأنه قرر الدخول في الإِسلام. وكان عبد الله بن أبي أمية (٢) صديقًا لأبي سفيان بن الحارث. وكان مثله شديد العداوة لرسول الله - ﷺ -. فاتفقا على أن يذهبا معًا ويتحينا الفرص للدخول على رسول الله - ﷺ - عسى أن يعفو عنهما.
وتنفيذًا لهذا العزم خرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية في اتجاه المدينة (وكان أبو سفيان متنكرًا خوف القتل لأنه ممن أهدر النبي - ﷺ - دمهم). فلقيا رسول الله - ﷺ - بنيق العقاب (٣). فحدث أبو سفيان نفسه عن القصة فقال:
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٢.
(٢) هو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي القرشي صهر النبي - ﷺ - وابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة أم المؤمنين. أسلم عام الفتح. كان من أشد الناس على رسول الله - ﷺ - في مكة. وهو الذي قال للرسول - ﷺ - مكابرا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ شهد فتح مكة وحنين مع رسول الله - ﷺ - وحسن إسلامه. وأصح الأقوال أنه استشهد في حصار الطائف عام ثمان للهجرة.
(٣) نيق العقاب (بكسر النون) موضع على الطريق الرئيسى بين مكة والمدينة. بعد الأيواء لمن يريد مكة بالطريق القديم (طريق القوافل).
[ ٨ / ١٠١ ]
لقيت رسول الله - ﷺ - أنا وعبد الله بن أبي أمية، فطلبنا الدخول على رسول الله - ﷺ - فأبى أن يدخلنا عليه. فكلمته زوجته أمّ سَلمَة فقالت: يا رسول الله، صهرك وابن عمتك وابن عمك وأخوك من الرضاعة.
وقد جاء الله بهما مسلمين، لا يكونان أشقى الناس بك، فقال رسول الله - ﷺ -: لا حاجة لي بهما، أما أخي فالقائل لي بمكة، لن يؤمن لي حتى أرقى في السماء! . فقالت يا رسول الله، إنما هو من قومك، وقد تكلم وكلُّ قريش قد تكلم ونزل القرآن فيه بعينه، وقد عفوت عمن هو أعظم جُرما، وابن عمك وقرابته بك، وأنت أحق الناس عفوًا عن جُرمه. فقال - ﷺ -: "هو الذي هتك عرضى (يعني شتمني وهجاني) وكان أبو سفيان شاعرا يهجو رسول الله - ﷺ - ويحرض عليه".
فلما خرج إليهما الخبر. قال أبو سفيان بن الحارث ومعه ابنه: والله ليقبلني أو لأخذت بيد ابنى هذا فلأذهبن في الأرض حتى أهلك عطشًا وجوعًا، وأنت (يعني الرسول - ﷺ -) أحلم الناس وأكرم الناس مع رحِمي بك. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - مقالته فرَق له.
أما عبد الله بني أبي أمية. فقد قال للرسول - ﷺ - -مسترحما-: إنما جمتك لأصدقك، ولي من القرابة والصهر بك. وجعلت أمّ سلمة تكلمه فيهما، فرق رسول الله - ﷺ - لهما فأذن لهما ودخلا، فأسلما وكانا جميعا حسنى الإسلام. قتل عبد الله بن أبي أمية بالطائف شهيدًا، ومات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في خلافة عمر، لم يُغمصَ عليه في شيء.
وبعد أن قبل الرسول - ﷺ - أبا سفيان وزميله عبد الله بن أبي ربيعة وعفا عنهما. قال أبو سفيان شعرا يذكر إسلامه ويعتذر فيه مما كان منه في الماضي. وكان شاعرًا مجيدًا:
لعَمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدْلج الحيران أظلم ليلُه فهذا أوانى حين أهدى وأهتدى
[ ٨ / ١٠٢ ]
هذا بي هاد غير نفسي ونالنى مع الله من طرّدت كل مطرد
أصد وأنأى جاهدًا عن محمد وأدعى وأن أنتسب من محمد
هموا ما هم من لم يقل بهواهم وإن كان ذا رأى يلم ويفتد
أريد لأرضيهم ولست بلائط (١) مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لتثقيف لا أريد قتالها وقل لتثقيف تلك غيرى أو عدى
فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا وما كان عن جرا لسانى ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة نزائع جاءت من سهام ومردد
فذكر المؤرخون أنّ النبي - ﷺ - لما قال أبو سفيان في شعره هذا: (مع الله من طردت كل مطرد) قال النبي - ﷺ - وهو يضرب على صدر نفسه - أنت طردتنى كل مطرد. وفي رواية: (بل طردك الله كل مطرد). فقال أبو سفيان: يا رسول الله: هذا قول قلته بجهالة وأنت أولى الناس بالعفو والحلم (٢).
الرسول ينهى عن قتل أبي سفيان بن حرب
وفي الوقت الذي أهدر فيه الرسول - ﷺ - دم أخيه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أمر على وجه الخصوص بحقن دم أبي سفيان بن حرب سيد قريش وقائد جيوشها العام. لأن أبا سفيان بن حرب "على ما يظهر" رغم كونه زعيم المشركين في مكة وصاحب حربهم. فإنه كان ذا عقل راجح، ولم يكن في عداوته لرسول الله - ﷺ - من الشدة كالمتطرفين مثل أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعيط. بل كانت له مواقف تاريخية تدل على بعد النظر والاعتدال .. من ذلك نصحه قريشا بأن تعود بجيشها وتتجنب الاصطدام المسلح مع النبي - ﷺ - بدر التي دارت فيها المعركة التاريخية
_________________
(١) لائط: أي ملصق؛ يقال: لاط حبُه بقلبى أي لصق به.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٤٢ وما بعدها، ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٠ وما بعدها. والبداية والهاية ج ٤ ص ٢٨٧ وإمتاع الأسماع ص ٣٦٧.
[ ٨ / ١٠٣ ]
الفاصلة تحت ضغط أبي جهل الشديد على قريش. وعلى كره من عقلائها مثل أبي سفيان وعتبة بن ربيعة وحكيم بن حزام. ومن ذلك استنكاره لمشاركة قريش في الغدر بخزاعة ولومه قريشًا على ذلك، وعدم تطاوله على الرسول معتديا بيده أو شاتما بلسانه أيام وجود رسول الله - ﷺ - في مكة قبل الهجرة. مثلما كان يفعل الزعماء الآخرون كعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
ولهذا، فإن النبي - ﷺ - لم يهدر دم أبي سفيان بن حرب، بل آمرا لعامة جنده بأن لا يقتل أحد منهم أبا سفيان هذا إن لقيه.
فقد قال - ﷺ - وهو يتحرك بجيشه نحو مكة: "هم سائلوكم بأرحامكم - يعني قريشا - وأنتم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه (١) " وأبو سفيان هنا .. هو أبو سفيان بن حرب. لا أبا سفيان بن الحارث، لأن الأخير قد أهدر الرسول دمه. فأمر بقتله أينما وجد. ثم عفا عنه بعد أن التقى به واسترحمه كما تقدم تفصيله.
القبائل المنضمة إلى الجيش النبوى في الطريق إلى مكة
ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب أن القوات الرئيسية المتحركة من المدينة بقيادة الرسول - ﷺ - كانت حوالي سبعة آلاف وأربعمائة مقاتل. وأن عددها ما زال يزداد بانضمام نحتلف القبائل إليه وهو يتحرك في طريقه نحو مكة حتى اكتمل عشرة آلاف مقاتل. وقد اكتمل هذا العدد في منطقة قديد من ديار خزاعة. وكانت آخر قوة قبلية انضمت إلى الجيش النبوى واكتمل بها عدد عشرة آلاف مقاتل هم بني سليم الذي كانوا ألف مقاتل كلهم من الفرسان.
قوات غفار في الجيش
وكانت غفار، أول قوة انضمت إلى الرسول - ﷺ - عقب خروجه
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣٦٨.
[ ٨ / ١٠٤ ]
من المدينة لأن منازل هذه القبيلة تقع جنوب المدينة على الطريق الرئيسى إلى مكة ناحية الصفراء وبدر وودان (١).
فقد انضم من هذه القبيلة إلى الجيش النبوى أثناء تحركه (وعلى بعد حوالي ستين ميلًا من المدينة ثلاثمائة مقاتل بقيادة أبي ذر الغفاري) (٢).
وكان الذي قام بتجنيدهم واستنفارهم أبو رهْم، كلثوم بن الحصين (٣). وإيماء بن رحضة (٤) بعث بهما النبي - ﷺ - إلى غفار لاستنفارها للحرب قبل خروجه من المدينة. فوافياه بهم وهو في الطريق.
عدد قوات قبيلة أشجع في الجيش النبوى
كذلك من القبائل التي انضمت إلى الجيش النبوى فوافته في الطريق قبيلة أشجع النجدية وهي أحد الأجنحة الأربعة الرئيسية لقبيلة غطفان الشهيرة، انضم من مسلمي هذه القبيلة إلى الجيش ثلاثمائة بقيادة الزعيمين معقل بن سنان (٥) ونعيم بن مسعود (٦). وكان رسول الله - ﷺ - قد بعث بهذين السيدين إلى قبيلة أشجع لاستنفارها للجهاد.
قوات بني سعد وضمرة بن بكر في الجيش
ومن القبائل التي وافت الرسول - ﷺ - في الطريق فانضمت إلى جيشه قبل أن يصل مكة: بنو سعد وبنو ضمرة، من كنانة ثم من بني بكر، الذين كانوا سببا في نقض صلح الحديبية انضم من هاتين القبيلتين إلى جيش النبي "وهو يتحرك بين مكة والمدينة" مائتا مقاتل، بقيادة أبي واقد
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٣٧٣.
(٢) انظر ترجمة أبي ذر الغفاري في كتابًا (صلح الحديبية).
(٣) انظر ترجمة كلثوم بن الحصين (في هذا الكتاب)
(٤) انظر ترجمة إيماء بن رحضة (في هذا الكتاب).
(٥) انظر ترجمة معقل بن سنان (في هذا الكتاب).
(٦) انظر ترجمة نعيم بن مسعود في كتابنا (غزوة الأحزاب).
[ ٨ / ١٠٥ ]
الليثى (١).
المنضمون من بني ليث إلى الجيش الزاحف
كذلك انخرط في سلك الجيش النبوى "وهو قريب من مكة" مائتان وخمسون مقاتلًا من قبيلة بني ليث بن سعد البكرية ثم الكنانية، وكان يقود هذه القوات الليثية الصعب بن جثامة (٢). وكان الرسول - ﷺ - قبل مغادرته المدينة - قد بعث برسله لاستنفار المسلمين من بني ضمرة وبنى ليث وبنى سعد (٣) كلهم من بكر بن كنانة. ويظهر أن الذي استنفرهم هو الحصين كلثوم بن الحصين وإيماء بن رحضاء لأن كليهما من بني بكر بن كنانة.
المنخرطون في سلك جيش النبي من بني كعب
ومن القوات المحاربة المسلمة التي وافت الرسول - ﷺ - وهو يتحرك بقواته الرئيسية في قديد - بنو كعب بن عمرو من خزاعة، انضم منهم إلى جيش الإِسلام خمسمائة مقاتل، بقيادة بسر بن سفيان. وكان الرسول - ﷺ - بعث لاستنفارهم (وهو بالمدينة عندما قرر الزحف على قريش) بديل بن ورقاء وبُسْر بن سفيان.
_________________
(١) أبو واقد الليثى: اسمه عوف بن الحارث بن أسيد البكرى من السابقين في الإسلام ولكنه لم يشهد بدرا (على الصحيح) كان يحمل أحد ألوية بني ليس يوم الفتح. ويوم حنين، وفي غزوة تبوك استنفر بني ليث لرسول الله - ﷺ - شهد معركة اليرموك، مات بمكة سنة ثمان وستين هـ وله خمس وسبعون سنة. ولد في السنة التي ولد فيها ابن عباس. ولهذا كانت بدر وهو غلام في الثانية عشرة من عمره. دفن بمكة بمقبرة المهاجرين (الإِصابة ج ٤ ص ٢١٢).
(٢) هو الصعب بن جثامة بن قيس بن ربيعة الليثى. حليف قريش. أمه أخت أبي سفيان بن حرب الأموي. واسمها فاختة وكان الصعب ينزل ودان آخى النبي - ﷺ - بينه وبين عوف بن مالك. كان الصعب من السابقين في الإِسلام وكان فارسا. ثبت يوم حنين ساعة الهزيمة المنكرة، وفيه قال النبي - ﷺ - يوم حنين: لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل: شهد الصعب حروب الجهاد في فارس وكان ممن ساهم في فتح اصطخر على الساحل الشرقي للخليج له أحاديث في الصحيح مات الصعب في آخر خلافة الفاروق.
(٣) ضمرة وسعد وليث. أخوة ثلاثة كلهم أبناء بكر بن كنانة. ولم يكن لبنى ضمرة وليث وسعد هؤلاء يد في الغدر بخزاعة، وإنما الذي غدر هم بنو نفاثة قوم معاوية بن نوفل جيران الحرم.
[ ٨ / ١٠٦ ]
بنو سليم أقوى قوة قبلية تنضم إلى الجيش النبوى
ولعل أقوى وأعظم قوة انضمت إلى القوات النبوية المتحركة في الطريق إلى مكة. هي قبيلة بني سليم. بقيادة سيدها وشاعرها وحكيمها عباس بن مرداس. فقد جاء عباس بن مرداس من جبال ووديان بني سليم يقود ألف مقاتل كلهم على متون الخيل ليس بينهم راجل واحد.
وكان النبي - ﷺ - عندما قرّ عزمه على غزو المشركين في مكة - بعث. وهو بالمدينة، الحجاج بن علاط السُّلمى، وعرباض بن سارية إلى قبائل بني سُليم يستنفرهم لكى ينضموا إلى الجيش النبوى دون أن يعلماهم الوجهة التي يريد، تمشيًا مع خطة الكتمان التي انتهجها الرسول - ﷺ - منذ قرّ عزمه على غزو قريش.
النبي يستعرض الجيش في قديد
وقد جاء بنو سليم كاملى العتاد والعدة، فبالإِضافة إلى كونهم جميعا من الفرسان كانوا كلهم غائصين في الحديد مشرعة رماحهم. فأقبلوا على المعسكر النبوى، وهم ألف على صهوات الخيل تسرع بهم وكأنهم - برماحهم المشرعة - غابة متحركة. فكان منظرهم منظرا رائعا، يهز المشاعر.
وزاد من روعة منظر فرسان بني سليم أن قاموا (وعددهم كما قلنا ألف فارس) باستعراض وقف الرسول القائد - ﷺ - وهيئة أركان حربه يشهدونه مما كان له أطيب الأثر في نفس الرسول - ﷺ - وقادة جيشه. فقد صف بنو سليم خيلهم صفوفًا أمام الرسول الأعظم - ﷺ -.
أسف عيينة بن حصن لعدم اشتراك غطفان في الغزو
وقد هز منظر فرسان بني سليم مشاعر سيد غطفان عُيينة بن حصن الفزاري. الذي كانت تتبعه في نجد عشرة آلاف رمح. فعندما رأى عيينة فرسان بني سليم يقومون باستعراضهم عض على أنامله. فلما سأله أبو بكر
[ ٨ / ١٠٧ ]
الصديق: علامَ تندم؟ قال على قومى أن لا يكونوا نفروا مع محمد. وكان سيد غطفان عندما التحق بالنبي - ﷺ - لم يكن معه أحد من قومه غطفان. ما عدا: ثلاثمائة من أشجع الذين كان يقودهم معقل بن سنان ونعيم بن مسعود. أما فَزارة الذين هم عشيرة عيينة بن حصن فلم يكن منهم أحد في الجيش النبوى الزاحف.
الشجار بين سيدى سليم وغطفان
وقد أعجب سيد غطفان عيينة بن حصن بالهيئة التي أقبل عليها فرسان بني سليم حيث كان ضمن هيئة أركان حرب النبي - ﷺ - في قديد يشهد الاستعراض العسكري الذي قام به خيالة بنو سليم في سهل قُديد. ثم حدثت بعد ذلك مشادة وملاحاة بين عباس بن مرداس قائد فرسان سليم وعيُينة بن حصن. وكان الاثنان أعرابيين لم تفارقهما خشونة الأعراب.
فقد حدَّث عكرمة بن فروخ عن معاوية بن جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي، قال: قال عباس لقيته وهو يسير؟ حتى هبط من المشلل في آلة الحرب، والحديد ظاهر علينا، فصففنا لرسول الله - ﷺ -، وإلى جنبه أبو بكر وعمرت فنادى عيينة من خلفه فقال: أنا عينة! (كأنه يشيد بنفسه). هذه بنو سُليم قد حضرت بما ترى من العدة والعَدد والسلاح. وإنهم الأحلاس الخيل (١)، ورجال الحرب، ورعاة الحدق.
فقال العباس بن مرداس: أقصر أيها الرجل! والله إنك لتعلم لنحن أفرس على متون الخيل وأطعن بالقنا، وأضرب بالمشرفية (٢). فقال عيينة كذبت ولؤمت! لنحن أولى بما ذكرت منك، وقد عرفته لنا العرب قاطبة. فأومأ إليهما النبي - ﷺ - بيده حتى سكتا (٣).
وقال عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه: خرجت بنو سليم على الخيول
_________________
(١) الأحلاس جمع حلس (بكسر الحاء وسكون اللام) هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. والمراد هنا لزومهم لظهور الخيل.
(٢) السيوف المشرفية: هي من أجود السيوف كانت تصنع في مشارف الشام وإليها نسبت.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٤.
[ ٨ / ١٠٨ ]
والقنا والدروع الظاهرة قد طووا ألويتهم وراياتهم، وليس معهم لواء ولا راية معقودة، فقالوا: يا رسول الله اعقد لنا وضع رايتنا حيث رايتنا رأيت. فقال: يحمل رايتكم اليوم من كان يحملها في الجاهلية! ما فعل فتى كان قدم مع وفدكم على، حسن الوجه جيد اللسان؟ قالوا توفى حديثًا (١).
فرسان بني سليم مقدمة الجيش
ولما كان الخيالة هم أحسن القوات السلحة في ذلك العصر، وسلاح الفرسان هو أجود ما تحتاج إليه القوات المتقدمة. ولما كان بنو سليم (وعددهم ألف مقاتل) كلهم خيالة، جعلهم النبي القائد - ﷺ - مقدمة جيشه المتحرك من قديد نحو مكة.
قال الواقدي: لما نزل رسول الله - ﷺ - قديد لقيته سُليم، وذلك أنهم نفروا من بلادهم، فلقوه على الخيول جميعًا، مع كل رجل رمحه وسلاحه، وقدم معهم الرسولان اللذان كان أرسلهما رسول الله - ﷺ - إليهم.
فذكر أنهم أسرعوا إلى رسول الله - ﷺ -، وحشدوا ويقال: إنهم ألف، فقالت سُليم: يا رسول الله إنك تقصينا وتستغشنا (٢) ونحن أخوالك - أمُّ هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان من بني سُليم - فقدمنا يا رسول الله حتى تنظر كيف بلاؤنا، فإنا صُبُر عند اللقاء، فرسان على متون الخيل. فقال رسول الله - ﷺ -: سيروا! فجعلهم مقدمته، وكان خالد بن الوليد على مقدمة النبي - ﷺ - حين لقيته بنو سليم بقديد حتى نزلوا مَرّ الظهران وبنو سُليم معه (٣).
تعبئة الجيش وتوزيع الرايات والألوية
وحسب سياق المؤرخين والمرجح من أقوالهم، أن عشائر بني سليم كانوا
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٣.
(٢) كانت بنو سليم ممن أعان قريشا على المسلمين. إذ اشترك منهم إلى جانب قريش في معركة أحد حوالي سبعمائة مقاتل.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٣.
[ ٨ / ١٠٩ ]
آخر قوة تنضم إلى الجيش النبوى المتحرك نحو مكة.
وبالألف المقاتل من بني سليم وبقية العشائر التي انخرطت في سلك الجيش النبوى أثناء تحركه في الطريق، اكتمل عدد القوات الإِسلامية الزاحفة على مكة عشرة آلاف.
قديد معسكر تجمع الجيش كله
وكانت منطقة قُديد، من ديار بني المصطلق من خزاعة، وحيث دارت المعركة التاريخية التي فيها خضد النبي - ﷺ - شوكة بني المصطلق عندما كانوا مشركين عام فتنة المنافقين الذين جاءوا بالإِفك (١). ففي السهل من هذه المنطقة التي تقع بين رابغ وجدة كان التجمع الرئيسى والحشد النهائى للجيش النبوى، الذي بلغ مقاتلوه من مختلف القبائل عشرة آلاف محارب، وتدل الإِحصاءات التفصيلية على أن هذا الجيش العرمرم أكثر جنوده من قبائل الحجاز، كما يدل على ذلك الجدول الآتي المبين لعدد القوات القبلية المشتركة في هذا الجيش.
_________________
(١) انظر تفاصيل غزوة بني المصطلق وقصة الإفك في كتابنا (غزوة الأحزاب).
[ ٨ / ١١٠ ]
بيان تفصيلى لعدد القوات وأسماء القبائل في الجيش النبوى
عدد المقاتلين اسم القبيلة موطنها عدد الفرسان بينها مكان الانخراط
٤٠٠٠ الأنصار (أوس وخزرج) المدينة. الحجاز ٥٠٠ المدينة
٧٠٠ المهاجرين (قريش) المدينة. الحجاز ٣٠٠ المدينة
١٠٠٠ مزينة وادي القرى ونواحيه الحجاز ١٠٠ المدينة
٨٠٠ جهينة الحجاز ٥٠ المدينة
٤٠٠ أسلم الحجاز ٣٠ المدينة
١٠٠٠ بني سليم الحجاز ١٠٠٠ قديد
٥٠٠ خزاعة الحجاز لم يعرف عددهم قديد
٣٠٠ غفار الحجاز لم يعرف عددهم الطريق
٣٠٠ أشجع نجد لم يعرف عددهم الطريق
٢٥٠ بنو ليث - كنانة الحجاز لم يعرف عددهم الطريق
[ ٨ / ١١١ ]
عدد المقاتلين اسم القبيلة موطنها عدد الفرسان بينها مكان الانخراط
٢٠٠ ضمرة وبنو سعد الحجاز لم يعرف عددهم الطريق
١٠ بنو تميم نجد لم يعرف عددهم الطريق
٥٤٠ قبائل مختلفة مختلف الأقاليم لم يعرف عددهم الطريق
١٠.٠٠٠ ١٩٨٠
هذه هي كل القوات التي زحفت على قريش في مكة عشرة آلاف جندى، ولا شك أن هناك "من الفرسان من مختلف القبائل التي لم يحدد المؤرخون عددهم" ما لا يقل عن خمسمائة فارس. ٥٠٠/ ٢٤٨٠
[ ٨ / ١١٢ ]
تعبئة الجيش وتعيين القواد في قديد:
وكما ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب فإن النبي - ﷺ - عندما فصل من المدينة بالقوات الرئيسية تحرك بهم على غير تعبئة. وذلك راجع (والله أعلم) إلى أن قبائل المناطق التي سيمر بها الجيش النبوى. موالية للإِسلام. وإلى أن الرسول - ﷺ - ينتظر انضمام قوات جديدة إلى جيشه من مختلف القبائل المسلمة أثناء تحركه. كما حدث بالفعل حيث انضم إليه أثناء الطريق الممتد من المدينة (حتى قُديد) ثلاثة آلاف ومائة مقاتل من مختلف القبائل على فترات.
وعندما اكتمل الجيش النبوى واحتشد منه في قديد عشرة آلاف مقاتل. عسكر الرسول - ﷺ - هناك. معطيا قواته قسطا من الراحة.
ثم قام بتعبئة الجيش تعبئة كاملة. وعين قادة الألوية وضباط الكتائب. ووزع الرايات والأعلام على القادة والضباط.
التعبئة كانت على أساس قبلي
وقد أجمع المؤرخون على أن تعبئة الجيش النبوى التي تمت في سهل قُديد كانت على أساس قبلي، حيث عين لعساكر كل قبيلة ضابطًا من أبنائها. فقسم القبائل إلى عدة كتائب وكان عدد هذه الكتائب يتفاوت كثرة وقلة، تبعا لعدد المحاربين من أبناء القبيلة نفسها.
كتائب الأنصار وضابطهم
والقبيلة الوحيدة التي جعل كل عشيرة فيها كتيبة مستقلة لها ضابطها الخاص من أبنائها، هي قبيلة الأنصار من الأوس والخزرج (١) الذين بلغ عدد
_________________
(١) الأوس والخزرج هما جدا الأنصار. وهما أخوان وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا ابن ماء السماء (عامر بن حارثة الغطريف) ابن امرئ القيس بن ماذن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سباء بن يشجب بن يعرب بن قحطان. والأوس والخزرج أهل منعة ونجدة وشجاعة. ومن أشهر المحاربين العرب. هاجروا إلى يثرب من منطقة مأرب بعد انهيار السد في أوائل القرن الأول للميلاد. وقد غلبوا اليهود الدخلاء في يثرب فانتزعوا منهم السيادة على يثرب قبل الإسلام بعدة قرون، وذلك بمساعدة أبي بجيلة ملك الغساسنة في الشام. ولما جاء الله بالإسلام كانوا أعظم=
[ ٨ / ١١٣ ]
المحاربين منهم وحدهم أربعة آلاف مقاتل. فقد قسمهم الرسول القائد إلى اثنتى عشرة كتيبة على أساس عشائرى. إذ جعل كل عشيرة من الأوس أو الخزرج كتيبة أسند قيادتها إلى ضابط من أبناء العشيرة نفسها.
عدد ضباط الأوس وكتائبهم
فالأوس جعلهم الرسول القائد ست كتائب، حيث جعل كل عشيرة من عشائرهم كتيبة وعين لها ضابطًا من أبناء العشيرة نفسها. وأسماء العشائر هو كما يلي:
اسم العشرة عدد الكتيبة اسم ضابطها
بنو عبد الأشهل (١) ١ أبو نائلة (٢)
بنو ظفر (٣) ١ قتادة بن النعمان (٤)
بنو حارثة (٥) ١ أبو بردة بن نيار (٦)
بنو معاوية (٧) ١ جبر بن عتيك (٨)
_________________
(١) = سند له إبان ظهوره. إذ نصروا الرسول - ﷺ - أعظم نصر عندما هاجر إليهم في المدينة. وقد سماهم الله تعالى بالأنصار. وقد كانوا طيلة حياة الرسول الأعظم - ﷺ - العمود الفقرى لقواته المسلحة التي خاض بها المعارك ضد الوثنيين في جزيرة العرب.
(٢) هم بنو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج.
(٣) أبو نائلة: هو سلكان بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل بطل فدائى وهو الذي قتل اليهودى المرابى الخائن كعب بن الأشرف. شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد. وكان شاعرًا مجيدًا وراميا ماهرا.
(٤) قال في معجم قبائل العرب: ظفر بطن من الأوس وهم بنو ظفر وهو كعب بن الخزرج الأصغر بن عمرو.
(٥) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٦) هم بنو حارثة بن عامر بن مجمع (بفتح ثالثه مع التشديد) بن عطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.
(٧) أبو بردة: اسمه هانئ بن نيار بن عمرو من قبيلة بلى ثم من قضاعة القحطانية حليفا للأنصار. شهد بيعة العقبة وبدرا وسائر المشاهد وهو خال البراء بن عازب توفي سنة خمس وأربعين هجرية.
(٨) هم بنو معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.
(٩) هو: جبر بن عتيك بن قيس بن الحارث بن هيشة بن الحارث بن أمية بن زيد بن معاوية بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس شهد بدرا وتوفي سنة إحدى وسبعين هجرية.
[ ٨ / ١١٤ ]
اسم العشرة عدد الكتيبة اسم ضابطها
بنو خطمة (١) ١ أبو لبابة بن عبد المنذر (٢)
بنو أمية (٣) ١ مبيض. أو نبيض (٤)
عدد الضباط من الخزرج وعدد كتائبهم
أما الخزرج، فقد قسمهم الرسول - ﷺ - إلى ست كتائب. إذ جعل كل عشيرة منهم كتيبة، عين لها أيضًا ضابطًا من أبناء العشيرة نفسها.
وأسماء الضباط وعدد كتائبهم هو كما يلي:
اسم العشرة عدد الكتيبة اسم ضابطها
بنو ساعدة (٥) ١ أبو أسيد الساعدى (٦)
بنو الحارث (٧) ١ عبد الله بن زيد (٨)
_________________
(١) قال في معجم قبائل العرب: بنو خطمة (بفتح أوله وسكون ثانيه) قبيلة تتسب إلى عبد الله بن جشم بن مالك بن أوس.
(٢) هو رفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن مالك بن الأوس شهد بيعة العقبة وكان أحد النقباء الاثنى عشر من الأنصار يعد من البدريين وإن كان أرجعه الرسول - ﷺ - من الروحاء إلى المدينة وقد خرج مع الجيش، وأبو لبابة صاحب القصة المشهورة في حصار يهود بني قريظة حيث ارتكب خيانة كبيرة وهو يفاوض هؤلاء اليهود (حلفاء الأوس) ثم تاب الله عليه، (انظر قصة أبي لبابة هذه مفصلة في كتابنا غزوة بني قريظة) ١٨٧ توفى أبو لبابة في خلافة علي.
(٣) هم بنو أمية بن عوف بن مالك بن الأوس.
(٤) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من مصادر وإنما ذكره الواقدي في المغازي هكذا: (مبيض أو نبيض).
(٥) بنو ساعدة: هم بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج: تنسب إليهم سقيفة بني ساعدة التي شهدت مبايعة أول خليفة في الإسلام.
(٦) أبو أسيد: اسمه مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. (مشهور بكنيته) شهد بدرا واحدا وما بعدها. توفى أبو أسيد سنة ستين هجرية وهو في حوالي الثمانين من عمره.
(٧) هم بنو الحارث بر الخزرج: من منازلهم السنح الواقع ضواحي المدينة.
(٨) هو عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد الله بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج. شهد بيعة العقبة. وشهد بدرا قال الحاكم: إنه استشهد يوم أحد: وفي حلية الأولياء. دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن ثعلبة على عمر بن عبد العزيز فقالت: أنا ابنة عبد الله بن زيد: شهد أبي بدرا وقتل بأحد فقال: سلينى ما شئت. فأعطاها.
[ ٨ / ١١٥ ]
اسم العشيرة عدد الكتيبة اسم ضابطها
بنو سلمه (١) ١ قُطْبة بن عامر (٢)
بنو مالك بن النجار (٣) ١ عمارة بن حزم (٤)
بنو مازن (٥) ١ سليط بن قيس (٦)
بنو دينار (٧) ١ لم نعثر على اسم الضابط الذي حمل راية هذه العشيرة
عدد كتائب المهاجرين وأسماء ضباطهم
أمّا القوات المؤلفة من المهاجرين وعددها (كما تقدم) سبعمائة مقاتل. فقد قسمها الرسول - ﷺ - إلى ثلاث كتائب. عيّن لكل كتيبة ضابطًا من كبار قادة المهاجرين القرشيين. والملاحظ أن الرسول القائد - ﷺ - لم يقسم القيادات والكتائب في قوات المهاجرين على أساس قبلي وإنما أعطى قيادة هذه الكتائب إلى ثلاثة من كبار سادات المهاجرين وكلهم من قريش. بينما كل المهاجرين ليسوا من قريش وحدها. بل يمكن القول: إن أكثر المهاجرين من غير القرشيين، بل من قبائل عربية شتى غير قرشية: عدنانية وقحطانية. وفيما يلي تفصيل الكتائب في جيش المهاجرين وأسماء ضباطهم
_________________
(١) هم بنو سلمة بن سعد بن علي بن راشد بن سارة بن تزيد بن جشم بن الخزرج قبيلة كبيرة ينسب إليها كثير من الصحابة.
(٢) هو قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن سعد بن سلمة الخزرجى. من السابقين الأولين في الإِسلام كان أحد الطليعة المباركة الذين كانوا (وعددهم ستة) أول من أسلم من أهل يثرب على يد الرسول - ﷺ - في منى قبل الهجرة بثلاث سنوات.
(٣) بنو مالك بن النجار: فخيذة من بني النجار من الخزرج.
(٤) هو عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجارى الخزرجى. الأنصاري شهد بيعة العقبة وبدرًا وكل المشاهد مع رسول الله - ﷺ - آخى رسول الله - ﷺ - بينة وبين محرز بن نضلة، كان من أبطال اليمامة. واستشهد بها تحت قيادة خالد بن الوليد.
(٥) هؤلاء هم بنو ماذن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج
(٦) هو سليط بن قيس بن عمرو النجارى الأنصاري من السابقين الأولين في الإسلام، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - شهد حرب العراق واستشهد في معركة الجسر بالعراق تحت قيادة أبي عبيد القفى.
(٧) بنو دينار. بطن من بني النجار من الخزرج.
[ ٨ / ١١٦ ]
وعددهم ثلاثة:
نوع المحاربين عدد الكتيبة اسم ضابطها
مهاجرون ١ علي بن أبي طالب
مهاجرون ١ الزبير بن العوام
مهاجرون ١ سعد بن أبي وقاص
كتائب قبيلة مزينة وأسماء ضباطها
أما قبيلة مزينة والتي يبلغ عدد المحاربين فيها ألف مقاتل، فقد قسمهم النبي القائد - ﷺ - إلى ثلاث كتائب، عين لكل كتيبة ضابطا من أبناء مُزينة نفسها، كما يلي:
اسم القبيلة عدد الكتيبة اسم ضابطها
مُزينة ١ النعمان بن مقرن (١)
مُزينة ١ بلال بن الحارث (٢)
مُزينة ١ عبد الله بن عمرو (٣)
كتائب جهينة (٤) وأسماء ضباطها
أما قبيلة جهينة، وعدد المحاربين منها في الجيش النبوى ثمانمائة. فقد قسمها الرسول - ﷺ - إلى ثلاث كتائب، عين لها أربعة ضباط من أبناء
_________________
(١) هو النعمان بن مقرن بن عائد المزني. فارس مغوار، قديم الإسلام قدم قبل الفتح على رسول الله - ﷺ - المدينة في أربعمائة من مزينة (انظر ترجمة قبيلة مزينة الباسلة فيما مضى من هذا الكتاب) كان وقومه اليد اليمنى للخليفة الأول في صد هجوم المرتدين على المدينة عقيب وفاة النبي - ﷺ - له أخوة ثلاثة كلهم يعدون من فرسان الإسلام كان النعمان أحد قادة الفتح الإسلامي المشاهير في فارس. حضر معركة القادسية وهو الذي قدم الخليفة الفاروق بشيرا بانتصار المسلمين فيها، كان الفاروق يجله ويحبه لصلاحه وتقواه وشجاعته، ولاه حرب الفرس في العراق العجمى. فقاد الجيوش هناك، ففتح (نهاوند) بفارس وكان فتحه لها يسمى فتح الفتوح، لأنه لم تقم للفرس قائمة بعد سقوط هذه المقاطعة في أيدى المسلمين. أكرمه الله بالشهادة في معركة (نهاوند) ولكن بعد أن حقق النصر في المعركة.
(٢) تقدمت ترجمة بلال هذا فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) تقدمت ترجمته في هذا الكتاب
(٤) تقدمت ترجمة جهينة في هذا الكتاب
[ ٨ / ١١٧ ]
جهينة نفسها:
اسم القبيلة كتيبة عدد اسم ضابطها
جهينة ١ سويد بن صخر (١)
جهينة ١ رافع بن مكيث (٢)
جهينة ١ أبو زرعة (٣)
جهينة ١ عبد الله بن بدر (٤)
كتائب سُليم وأسماء ضباطها
كذلك قبيلة بني سُليم التي محاربوها في الجيش النبوى ألف مقاتل كلهم من الفرسان قسمهم الرسول القائد إلى ثلاث كتائب. وأعطى راية كل كتيبة إلى ضابط من أبناء بني سُليم كما يلي:
اسم القبيلة كتيبة عدد اسم ضابطها
بنو سليم ١ عباس بن مرداس (٥)
بنو سليم ١ خفاف بن ندبة (٦)
بنو سليم ١ الحجاج بن علاط
كتائب خزاعة وأسماء ضباطها
أما خزاعة التي كان اعتداء قريش وحلفائها البكريين عليها سببًا في نقض
_________________
(١) قال في الإِصابة ج ٢ ص ٩١٨ هو سويد بن صخر الجهني - ذكر الطبري أنه أحد الأربعة الذين يحملون لواء جهينة: وشهد الحديبية (فهو من أصحاب الشجرة).
(٢) تقدمت ترجمة رافع فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) لم أقف له على ترجمة في الإِصابة ولا الاستيعاب.
(٤) هو عبد الله بن بدر بن بعجة بن معاوية الجهني. كان اسمه عبد العزى فغير النبي - ﷺ - اسمه. شهد أحدا. مات في خلافة معاوية.
(٥) تقدمت ترجمته في هذا الكتاب.
(٦) قال في الإِصابة يلقب بابن ندبه. أما اسمه فهو خفاف بن عمير بن الحرب بن الشريد السلمي كان يحمل أحد ألوية بني سليم يوم الفتح كان شاعرا مجيدا مشهورا. وشهد حنينا ثبت على إسلامه في فتنة الردة، عاش حتى زمان الخليفة الفاروق.
[ ٨ / ١١٨ ]
صلح الحديبية، ثم في الزحف على مكة. والتي كان عدد المحاربين فيها خمسمائة مقاتل، فقد كتبها النبي - ﷺ - ثلاث كتائب وأسند قيادة هذه الكتائب إلى ثلاثة من سادات خزاعة، كما يلي:
اسم القبيلة كتيبة عدد ضابطها
خزاعة ١ بسر بن سفيان (١)
خزاعة ١ ابن شريح (٢)
خزاعة ١ عمرو بن سالم (٣)
كتائب أسلم وعدد ضباطها
كذلك قبيلة أسلم البالغ عدد المحاربين منها في الجيش النبوى أربعمائة، جعلها النبي - ﷺ - كتيبتين عيَّن لهما ضابطين من القبيلة نفسها على النحو التالي:
اسم القبيلة كتيبة عدد اسم ضابطها
أسلم ١ بريدة بن الحصيب (٤)
أسلم ١ ناجية بن الأعجم (٥)
كتائب غفار وأسماء ضباطها
أما قبيلة غفار التي تقع منازلها على الطريق بين المدينة ورابغ والتي بلغ عدد المقاتلين فيها ثلاثمائة، فقد جعلها الرسول القائد - ﷺ - كتيبة واحدة وهي:
اسم القبيلة كتيبة عدد اسم ضابطها
غفار ١ أبو ذر الغفاري (٦)
_________________
(١) انظر ترجمة يسر بن سفيان في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
(٢) لم أعثر على اسمه وترجمته فيما بين يدي من مصادر.
(٣) انظر ترجمة عمرو بن سالم هذا في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
(٤) انظر ترجمة بريدة بن الحصيب في كتنابنا (غزوة الأحزاب).
(٥) انظر ترجمة ناجية بن جندب هذا في كتابنا الخامس (صلح الحديبية).
(٦) انظر ترجمة أبي ذر الغفاري في كتنابنا الخامس (صلح الحديبية).
[ ٨ / ١١٩ ]
كتائب ضمرة وسعد
أما بنو ضمْرة وسعد بن بكر (١)، وجميعهم (مثل غِفار) ينتسبون إلى كنانة، فقد كان عدد المحاربين منهم في الجيش مائتين، أسند الرسول القائد - ﷺ - قيادتهم إلى ضابط واحد منهم، والتفصيل كما يلي:
اسم القبيلة كتيبة عدد اسم ضابطها
ضمرة وسعد ١ أبو واقد الليثى
كتائب بني ليث
كذلك بنو ليث بن بكر من كنانة الذين بلغ عدد المقاتلين منهم مائتين وخمسين، جعلهم الرسول القائد - ﷺ - كتيبة واحدة، وعين لهم منهم ضابطًا كما يلي:
اسم القبيلة كتييبة عدد اسم ضابطها
بنو ليث ١ الصعب بن جثامة
كتائب أشجع وضباطها
أما قبيلة أشجع، والتي هي القبيلة النجدية الوحيدة التي اشتركت بقوة كبيرة في الجيش النبوى الزاحف علي مكة. فقد كان عدد المحاربين فيها (كما تقدم) ثلاثمائة، قسَّمهم الرسول - ﷺ - إلى كتيبتين، عين لقيادتهما ضابطين هما من السابقين الأولين في الإِسلام:
اسم القبيلة كتبيبة عدد اسم ضابطها
أشجع ١ نُعيم بن مسعود
أشجع ١ معقل بن سنان
_________________
(١) تقدمت ترجمته قبائل ضمرة وسعد وليث في هذا الكتاب.
[ ٨ / ١٢٠ ]
مفرزة بني تميم (١) وقائدها.
أما بنو تميم، القبيلة النجدية العظيمة. فلم يكن في الجيش النبوى منها
_________________
(١) بنو تميم قبيلة عظيمة شهيرة مضرية من العدنانية وهم بنو تميم بن مر بن أن بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان تفرع من تميم بطون كثيرة جدا. عد منهم الأستاذ عمر رضا كحالة في كتابه معجم قبائل العرب) عشرين بطنا. كانت منازلهم تمتد من نجد دائرة من هنالك على اليمامة والبصرة حتى يتصلوا بالبحرين. وانتشروا إلى العذيب من أرض الكوفة، كان بنو تميم قوة هائلة في الجاهلية وقوة عظيمة ذات أثر نافع فعال في الإِسلام. ولا أدل على قوتهم في الجاهلية من أن الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة غزاهم بمساندة بكر بن وائل والصنائع من العرب فهزموه شر هزيمة أسلم عامة بني تميم سنة تسع للهجرة. وذلك عندما جاء وفدهم إلى المدينة المؤلف من سبعين رجلا. عليهم الزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وعمرو بن الأهتم، وروى عن النبي - ﷺ - في بني تميم - عن أبي هريرة أنه قال: هم أشد أمتي على الدجال - فقال أبو هريرة: ما زلت أحب بني تميم لذلك: وعندما اشتعلت نيران فتن المرتدين في جزيرة العرب: ارتد بعض بني تميم عن الإسلام. وهم بنو يربوع وثبت أكثرهم على الإِسلام وقد أخضع خالد بن الوليد المرتدين منهم في البطاح وقتل سيدهم مالك بن نويرة اليربوعى وكان لتميم موقف بطولى مشرف في معركة القادسية فقد حضرها منهم ثلاثة آلاف: جاءوا مددا لسعد بن أبي وقاص أمده بهم عمر بن الخطاب عام ١٤ للهجرة. وكان قائدهم يوم القادسية عاصم بن عمرو وعندما اشتد ضغط الفيلة على جيش المسلمين استغاث بهم القائد العام سعد فنادى قائدهم عاصم بن عمرو وقال يا معشر تميم ألستم أصحاب الإِبل والخيل؟ أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة، قالوا: بلى والله ثم نادى عاصم بن عمرو في بني تميم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنيل: وقال: يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة وقطعوا وضنها ففعلوا: فكان ذلك سببًا (والله أعلم) في إحداث الفوضى في كتيبة. الفيلة (انظر تاريخ الرسل والملوك للطبرى ج ٤ ص ١٨) ومن فرسان تميم المشهورين القعقاع بن عمرو، ومن قادة الفتح الإِسلامي فيهم، الأحنف بن قيس المشهور بالحكمة والحلم ومن حلمائهم المشاهير، قيس عاصم المنقرى: ساهم بنو تميم (بصفة خاصة) في فتح خراسان، وفرغانة فيما وراء النهر (منطقة روسية اليوم) أما في العصور الأخيرة فقد قال: في معجم قبائل العرب (ج ١ ص ١٢٥) أصبح أفراد تميم من حاضرة نجد وجبل شمر. والدساكر النجدية تحوى عناصر من تميم. ونظرًا لتحضرها فقد انعدمت من بينها المميزات التي تميز الأفخاذ والعشائر، ولم يعد بالإِمكان تفريقها إلى فرق كما يفعل: بالقبائل المحافظة على عصبيتها غير أنه يمكن القول: أن الموجود في نجد من تميم يمكن حصره في ثلاثة بطون، وهي أولًا: بطن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ثانيا بطن سعد بن زيد مناة، ثالثا: بطن عمرو بن تميم: فمن بني حنظلة الوهبة (بضم الواو. وفتح الهاء والباء) وهم بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرياض، وآل بسام، والقضاة في عنيزة، وآل شبانة في المجمعة ووشى وظلم وجوى وآل معيوف في جلاجل وآل منيف في الحوطة وآل مفامس في الخطامة، وآل عبد الكريم في حرمة والخرشاء، وآل جاسر، وآل أبا حسين في الوشم، وفي شقير، وآل فايز، وآل مسند، وآل عمر في وتيثية، وآل عتيق، وآل مسعد في القصب، ومن الوهبة المعاضيد، آل ثانى أمراء قطر) انظر مزيدًا من التفاصيل عن تاريخ هذه القبيلة في (معجم قبائل العرب، حرف التاء).
[ ٨ / ١٢١ ]
سوى مفرزة صغيرة قوامها عشرة من المحاربين، جاء يقودهم - والتقى بالرسول - ﷺ - أثناء الطريق - سيد بني تميم الأقرع بن حابس التميمي.
استمرار الكتمان في التحرك
هكذا عبّأ الرسول القائد - ﷺ - جيشه في (قديد) وكانت التعبئة على أساس قبلي، ما عدا المهاجرين الذين كانت تعبئتهم على غير هذا الأساس. حيث عين لهم النبي - ﷺ - قادة ثلاثة من كبار المهاجرين القرشيين. لا يمكن أن ينافسهم أحد لسابقتهم. وهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص الزهري.
ورغم اكتمال تعبئة الجيش في قُديد، ورغم اقترابه من منطقة مكة المقصودة بالغزو. فقد ظل الرسول القائد - ﷺ - ملتزما خطه السرية والكتمان. لا يدرى عامة أصحابه إلى أين هو متجه بالجيش وعلى من سيهجم. إلا أن الناس جميعا أدركوا أن الرسول - ﷺ - ولا شك - إحدى فئتين فقط، إما قريشًا وإما هوازن، حيث تبين أنه لم يعد - بعد أن وصل بالجيش قُديدًا - من هو ذا شوكة قوية من المشركين في المنطقة سوى هوازن وقريش. ولكن الناس لا يدرى أحد منهم: أيقصد بهم الرسول - ﷺ - قريشًا أم هوازن. ولم يعرف الجيش أنه زاحف للسيطرة على مكة وإنهاء الوجود الوثنى فيها إلا بعد أن وصل به الرسول أعلى وادي مَرِّ الظهران (وادي فاطمة).
الجيش النبوى يتحرك من قديد
وبعد أن أكمل الرسول - ﷺ - تعبئة جيشه في سهل قُديد. تحرك بالجيش في اتجاه وادي عُسفان وهو وادي شهير لخزاعة يمر به من يقصد مكة أو الطائف من ناحية قُديد القريبة من ساحل البحر الأحمر.
الطلائع ومقدمة الجيش
وكان الرسول - ﷺ - قد بعث أمامه مفارز من قواته الخاصة منذ خرج
[ ٨ / ١٢٢ ]
من المدينة، لتقوم بأعمال الاستخبار والاستطلاع ولديها أوامر باعتقال كل من تشتبه به في أن يكون عينا للمشركين، يتلقط أنباء المسلمين.
خالد بن الوليد قائد مقدمة الجيش النبوى
وعند التحرك بالجيش من قُديد (مكان التجمع والحشد النهائى)، أسند الرسول - ﷺ - إلى الفارس والمحارب القرشي المشهور خالد بن الوليد قيادة مقدمة الجيش، كلهم من الفرسان. غالبيتهم من بني سُليم، الذين كلهم من الفرسان وعددهم ألف فارس. وكان بنو سُليم على راياتهم كل ضابط منهم قائد لكتيبته حسب التعيين النبوى في قُديد. وخالد إنما عينه الرسول - ﷺ - قائدًا عامًا للمقدمة ككل.
الرسول يسلك ناحية الطائف ثم يعرج على مكة لتضليل العدو
ويدل سياق المؤرخين (وذلك زيادة في التعمية على العدو) أن الرسول القائد - ﷺ - استمر في تحركه بالجيش حتى وصل مناطق تابعة لثقيف ناحية الطائف. وهذا يعني أنه انحرف في تحركه ذات اليمين تاركًا مكة عن يساره بعض الوقت. ثم عاد واستوى على الطريق الرئيسى متجها نحو مكة عبر وادي الظهران. يدل على ذلك ما أكده المؤرخون أن الرسول - ﷺ - عسكر أثناء تحركه بمنطقة العَرْج، والعرج كما في معجم البلدان - ج ٤ ص ٩٨ - قرية جامعة في واد ناحية الطائف، ينسب إليها العرجى الشاعر المعروف.
فقد ذكر الواقدي، (كما تقدم)، أن الرسول - ﷺ - لما عسكر بجيشه في العرج، والناس لا يدرون أين يتوجه: إلى قريش أو إلى هوازن أو إلى ثقيف. فقال كعب بن مالك (الشاعر المشهور) .. أنا آتى رسول الله - ﷺ - فأعلم لكم علم وجهه. فجاء كعب، فبرك بين يدي رسول الله - ﷺ -. ثم قال شعرًا. حاول الحصول به على معرفة أين يريد الرسول - ﷺ - الاتجاه بهم. غير أن الرسول - (بعد أن سمع شعر كعب بن
[ ٨ / ١٢٣ ]
مالك) - لم يزد على أن تبسم (١).
هوازن تستعد لمصادمة المسلمين
لم يعد في الحجاز - بل في جزيرة العرب كلها - من هو ذا شوكة من المشركين يحسب له النبي - ﷺ - حسابًا سوى قريش وقبائل هوازن المنتشرة ديارها شرقي مكة على امتداد مسافات شاسعة تتاخم حدود نجد.
وإذا كانت قريش العدو الرئيسى للمسلمين تتوقع أن يغزوها المسلمون. فإن هوازن هي الأخرى كانت تستعد لحرب المسلمين .. فتحشد الجيوش، وتبعث إلى خارج الجزيرة في شراء المعدات الحربية الثقيلة.
لماذا لم تتحالف قريش وهوازن على حرب المسلمين
والذي تجدر الإِشارة إليه هنا هو أن قريشًا وهوازن - بالرغم من التقائهما عند مبدأ واحد وهو عداوة المسلمين والرغبة في القضاء عليهم. وبالرغم من أن إحداهما جارة للأخرى - فإنّا لم نر في شيء من كتب التاريخ أنهما سعيا (بأي شكل من الأشكال) لإِقامة أي نوع من أنواع الترابط العسكري، في اتحاد أو حلف يواجهون به عدوهم المشترك - النبي - ﷺ - وأصحابه - ولا يستبعد أن يكون ذلك راجعًا إلى اختلاف الفريقين في الأساليب التي يجب اتباعها لمواجهة أي غزو قد يقوم به المسلمون ضد أي منهما (٢).
فقريش أصبحت غير ميالة للحرب (رغم نقضها صلح الحديبية)، لأنها تدرك أنه لا قبل لها بالمسلمين إذا ما تحركت قواتهم من المدينة للزحف على مكة. ولهذا قرر برلمانها (دار الندوة) أن أسلم وسيلة لإِيقاف ما
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٢.
(٢) بل إن أكبر سبب لذلك (فيما يبدو) هو العداء القديم المستحكم بين هوازن وقريش والذي سببه الحرب الضارية (والمسماة بحرب الفجار) والتي دارت رحاها بين كنانة - قريش وبنى بكر - من جهة وبين هوازن من جهة أخرى قبل خمسة عشر عامًا من بعثة الرسول - ﷺ - كما هو مفصل في كتب التاريخ (انظر سيرة ابن هشام البداية والنهاية والكامل لابن الأثير) مواضع حرب الفجار.
[ ٨ / ١٢٤ ]
ينتظرون من غزو يقوم به المسلمون. هو التفاوض مع الرسول القائد - ﷺ - ليظفروا منه بتجديد الصلح الذي كانوا نقضوه فبعثوا من أجل هذه الغاية أبا سفيان بن حرب إلى المدينة. ولما فشل أبو سفيان في مهمته .. قررت قريش بالأغلبية في برلمانها، تفويض أبا سفيان بن حرب (أيضًا) أن يخرج ويتحسس أخبار المسلمين. فإذا ما وجد أن جيشهم يزحف على مكة، عليه أن يفاوض الرسول - ﷺ - ليحصل على الأمان منه لجميع أهل مكة كما سيأتي تفصيله في السياق إن شاء الله.
أما هوازن (ويظهر أن ذلك راجع إلى كونها قوة ضاربة شرسة) فقد قررت عكس القرار الذي اتخذه سادات مكة وهو الاستعداد لمواجهة المسلمين. سواء كانت هذه المواجهة - من هوازن - هجومًا أو دفاعا. فقد أخذت هوازن تستعد لمحاربة النبي - ﷺ - قبل أن يتحرك من المدينة، جاء ذلك في معلومات خطيرة أفضى بها جاسوس كان يعمل لحساب قبائل هوازن ألقت عليه القبض دورية من استخبارات الجيش النبوى بالقرب جمن الطائف.
جاسوس هوازن الذي وقع في أيدى استخبارات الجيش النبوى
ففي ما بين العَرج والطلوب (١) وعلى بعد حوالي ثلاثين ميلا من مكة ألقت وحدة عسكرية من طلائع استكشاف الجيش النبوى القبض على جاسوس كان يتجسس على العسكر الإِسلامي لحساب هوازن الوثنية. وقد أتى به رجال الطليعة إلى الرسول - ﷺ - ولدى استجوابه - وبعد أن أعطى الأمان إن هو صدقهم الحديث وكشف عن حقيقته - اعترف، بأنه جاسوس بعثت به هوازن يجمع لها المعلومات عن تحركات الجيش النبوى. وهل يريد هوازن أم قريشًا.
وأثناء استجوابه أخبر الرسول - ﷺ - أن هوازن تستعد لحربه. بقيادة مالك بن عوف النضرى، وأنهم قد بعثوا بخبراء منهم إلى جُرَش في الأردن لشراء معدات حربية ثقيلة مثل الدبابات والمنحنيق. وقد أخذ الرسول
_________________
(١) الطلوب (بفتح أوله) قال في معجم ما استعجم، ماء بين مكة والمدينة.
[ ٨ / ١٢٥ ]
- ﷺ - بأقوال هذا الجاسوس وصدقه فيما يقول: إلا أنه زيادة في الاحتياط أمر القائد خالد بن الوليد بالتحفظ عليه، لئلا يكشف للعدو أمر تحرك المسلمين. فاعتقله خالد حتى دخل الجيش النبوى مكة. وهناك أسلم هذا الجاسوس باختياره، وقتل شهيدًا في معركة حنين.
قال الواقدي: حدثني معاذ بن محمد. عن عبد الله بن سعد، قال: لما راح رسول الله - ﷺ - من العرج تقدمت جريدة (١) من خيل (طليعة)، تكون أمام المسلمين، فلما كانت بين العرج والطلوب أتوا بعين (٢) من هوازن إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله رأيناه حين طلعنا عليه وهو على راحلته، فتغيب عنا في وَهْدة (٣) ثم جاء فأوفى على نشز (٤) فقعد عليه، فركضنا إليه فأراد يهرب منا، وإذا بعيره قد عقله أسفل من النشز وهو يغيبه فقلنا: ممن أنت؟ قال: رجل من بني غفار، فقلنا: هم أهل هذا البلد، فقلنا من أي بني غفار أنت؟ فعيى (٥) ولم ينفذ لنا نسبًا، فازددنا به ريبة، وأسأنا به الظن. فقلنا: فأين أهلك؟ . فقال: قريبًا وأومأ بيده إلى ناحية. قلنا: على أيّ ماء، ومن معك هناك؟ فلم ينفذ لنا شيئًا، فلما رأينا ما خلط، قلنا: لتصدقنا أو لنضربن عنقك. قال: فإن صدقتكم ينفعنى ذاك عندكم قلنا: نعم.
قال: فإني رجل من هوازن من بني نَصْر، بعثتنى هوازن عينًا. وقالوا: ائت المدينة حتى تلقى محمدًا فتستخبر لنا ما يريد في أمر حلفائه، أيبعث إلى قريش بعثا أو يغزوهم بنفسه؟ ولا نراه إلا يستغورهم. فإن خرج سائرًا وبدث بعثًا فسِرْ معه حتى تنتهي إلى بطن سرف (٦)، فإن كان يريدنا أولًا فيسلك في بطن سَرف حتى يخرج إلينا، وإن كان يريد قريشًا فسيلزم الطريق.
_________________
(١) قال في أساس البلاغة: الجريدة من الخيل، وهي التي جردت من معظم الخيل لوجه.
(٢) العين هنا هو الجاسوس.
(٣) الوهد (بفتح أوله وسكون ثانيه) المنخفض من الأرض.
(٤) النشز (بفتح أوله وثانيه) المرتفع من الأرض.
(٥) عيى في كلامه لم يفصح والعى (بكسر العين) ضد البيان.
(٦) سرف (بفتح أوله كسر ثانيه) موضع على ستة أميال من مكة من طريق مرو.
[ ٨ / ١٢٦ ]
الرسول يستجوب الجاسوس الهوازنى
وبعد هذا التقرير الشفوى الذي قدمه إلى الرسول القائد - ﷺ - جهاز استخباراته العسكرية عن هذا الجاسوس شرع الرسول - ﷺ - في استجوابه فسأله أولًا عن مكان هوازن الذي فيه يحتشدون. وقد كان الاستجواب على النحو التالي:
الرسول - ﷺ -: أين هوازن؟
الجاسوس: تركتهم ببقعاء (١) وقد جمعوا الجموع، وبعثوا إلى الجُرَش في عمل الدبابات والمنجنيق، وهم سائرون إلى جمع هوازن فيكونون جمعًا.
الرسول - ﷺ -: وإلى من جعلوا أمرهم؟
الجاسوس: إلى فتاهم مالك بن عوف.
الرسول - ﷺ -: وكل هوازن قد أجاب إلى ما دعا إليه مالك.
الجاسوس: قد أبطأ من بني عامر أهل الجد والجلد.
الرسول - ﷺ -: من؟
الجاسوس: كعب وكلاب (٢).
الرسول: ما فعلت هلال (٣)؟
الجاسوس: ما أقل من ضوى إليه منهم، وقد مررت بقومك أمس بمكة وقد قدم عليهم أبو سفيان بن حرب فرأيتهم ساخطين لما جاء به، وهم خائفون وجلون.
فقال رسول الله - ﷺ - .. حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم أخبر أصحابه أنه يصدِّق الرجل فيما قال قائلا: ما أراه إلا صدقنى.
قال الجاسوس: فلينفعنى ذلك؟
فأمر الرسول - ﷺ - خالد بن الوليد قائد مقدمة الجيش أن يحبسه،
_________________
(١) بقعاء (بفتح أوله وسكون ثانيه) اسم لعدة مواضع ولكنه هنا اسم لموضع في ديار هوازن.
(٢) كعب منا، هم بنو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان، وكلاب أيضًا، هم بنو كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان.
(٣) هم بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
[ ٨ / ١٢٧ ]
وخافوا أن يتقدم ويحذر الناس، فلما نزل العسكر مَرّ الظهران أفلت الرجل، فطلبه خالد بن الوليد فأخذه عند الأراك (١) وقال: لولا وليت عهدك لك لضربت عنقك، وأخبر رسول الله - ﷺ - فأمر به يحبس حتى يدخل مكة، فلما دخل رسول الله - ﷺ - مكة وفتحها أتى به إلى رسول الله - ﷺ - فدعاه إلى الإِسلام فأسلم، ثم خرج مع المسلمين إلى هوازن فقتل بأوطاس (٢).
الاستفادة من الاستخبارات
وهكذا استفاد الرسول القائد - ﷺ - من بث الطلائع والأرصاد والعيون من جهاز استخباراته أمامه استفادة كبرى. فقد حصل عن طريق الجاسوس الهوازنى على معلومات ذات قيمة كبرى. عن أقوى عدو بقى للإِسلام في جزيرة العرب. وهو قبائل هوازن التي خاض منها ضد الإِسلام - عشرون ألفًا - معركة حنين التي هي أعنف معركة يخوضها المسلمون في العهد النبوى.
الرسول يفطر ويأمر الجيش بالفطر في رمضان
كان الرسول - ﷺ - عند خروجه بالجيش من المدينة قد خير العسكر بين الفطر والصيام. وقد كان خروجه في شهر رمضان. فقد قال - ﷺ -: من أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر (٣)، غير أن الرسول القائد - ﷺ - لما وصل بالجيش مَرَّ الظهران، وفي مكان لا يبعد عن مكة أكثر من مرحلة واحدة (حوالي عشرة كيلو مترات) أمر الجيش بأن يفطروا، لأنهم على أبواب معركة حربية. والصوم يضعف من قوة المحارب، كما أن الفطر يمد جسمه بالقوة والنشاط. لذلك أمر الرسول - ﷺ - كل الجنود بأن يفطروا، واعتبر من صام منهم ولم يفطر عاصيًا.
_________________
(١) الأراك. موضع بعرفة، كذا قال في معجم ما استعجم.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٦.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠١.
[ ٨ / ١٢٨ ]
فعن جابر بن عبد الله (١) قال: لما كنا بالكديد (٢) بين الظهر والعصر أخذ رسول الله - ﷺ - إناء من ماء في يده حتى رآه المسلمون، ثم أفطر تلك الساعة.
وقال أبو سعيد الخدري (٣) قال رسول الله. - ﷺ - لما وصل مرَّ الظهران (٤) - إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم. وبلغ الرسول - ﷺ - أن قومًا من الجيش صاموا .. فقال: أولئك العصاة (٥).
قريش تقرر عدم المقاومة وتفوض أبا سفيان لطلب الأمان من الرسول
وكما أراد الرسول - ﷺ - طمس الله عن قريش أخبار تحركاته بجيشه فلم يعلموا عنه شيئًا حتى بات معسكرا عند الأراك على بعد حوالي أربعة أميال فقط من مكة الكرمة.
ورغم انغلاق باب أخبار تحركات الجيش النبوى عن قريش فإنها ظلت "منذ ارتكبت خطيئة الغدر بخزاعة" وهي تتوقع أن يقوم الرسول - ﷺ - بغزوها تأديبًا لها على ارتكابها هذه الخطيئة.
وظل زعماؤها (ومنذ عاد إليهم أبو سفيان من المدينة) يتشاورون في الأمر. وأخيرًا، وبعد مشاورات متعددة اتخذ سادات قريش قرارًا بعدم مقاومة الجيش النبوى إذا جاءهم غازيًا. وقرروا أن ينتدبوا أبا سفيان بن حرب ليكون المفاوض عنهم. يأخذ لأهل مكة جميعا الأمان من الرسول - ﷺ - ويبلغه رغبة قريش في أن يُسلموا له مكة، على أن تكون مدينة مفتوحة يأمن فيها أهلها على أنفسهم وأموالهم. إلا أن قريشًا فوضت أبا سفيان بن حرب (وبصورة استثنائية) أن يقبل التحدى ويعلن الحرب على المسلمين الزاحفين في حالة واحدة، وهي عندما يكون النبي - ﷺ - في
_________________
(١) انظر ترجمة جابر بن عبد الله في كتابنا (غزوة أحد)
(٢) الكديد (بفتح أوله) موضع على بعد ٤٢ ميلًا من مكة المكرمة.
(٣) انظر ترجمة أبي سعيد الخدري في كتابنا (غزوة أحد).
(٤) مر الظهران (بفتح الميم) قال في مراصد الاطلاع: موضع على مرحلة من مكة.
(٥) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٠٢.
[ ٨ / ١٢٩ ]
قوات قليلة يمكن للجيش القرشي أن يتغلب عليها يدحرها بسهولة.
وبعد اتخاذ هذا القرار في دار الندوة، كلفت قريش زعيمها أبا سفيان بن حرب، أن يخرج بنفسه لتحسس أخبار المسلمين، ولتنفيذ ما اتفقت عليه قريش في دار الندوة. وكلفت قريش حكيم بن حزام (١) أن يكون مساعدًا لأبي سفيان بن حرب ومرافقا له أثناء تأدية مهمته الخطيرة هذه.
قال الواقدي: واجتمع المسلمون بمَرِّ الظهران، ولم يبلغ قريشا حرف واحد من مسير رسول الله - ﷺ - إليهم، فقد اغتموا وهم يخافون أن يغزوهم رسول الله - ﷺ -، فأجمعت قريش بعثة أبي سفيان بن حرب يتحسس الأخبار، وقالوا: إن لقيت محمدًا خذ لنا منه جوارًا إلّا ترى رقة (أي ضعفًا) في أصحابه فآذنه (٢).
لقد أراد الله خيرًا بقريش
لقد نجحت خطة الكتمان التي اتبعها الرسول - ﷺ - لمباغتة قريش في مكة بجيشه. فلم يستطع أحد أن ينقل إليها أي شيء من أنباء تحركات الجيش النبوى منذ خرج من المدينة حتى وصل على أميال قليلة من مكة. حيث لم تشعر قريش إلا وعشرة آلاف من أصحاب محمد تقرع أبواب مكة.
وقد كانت مفاجأة ذهلت لها قريش. ويمكن القول: إن ما حدث كان خيرًا أراده الله لقريش حين فاجأها الجيش النبوى الذي لا رغبة لقائده الأعلى النبي - ﷺ - في أن تراق قطرة دم واحدة في الحرم الآمن مكة.
فرغم أن قريشًا قد قرر برلمانها "دار الندوة" عدم مقاومة الجيش النبوى، فإنها أعطت زعيمها أبا سفيان بن حرب "كما تقدم" حق إعلان الحرب على محمد، إذا رأى ذلك. "فخذ لنا منه جوارًا إلا أن ترى رِقة في أصحابه فآذنه" (٣).
_________________
(١) انظر ترجمة حكيم بن حزام في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) آذنه: أي أعلن الحرب عليه.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٤.
[ ٨ / ١٣٠ ]
من هنا يمكن القول: إن هذه المفاجأة كانت عاملا كبيرا في حقن في ماء كثيرة كان يمكن أن تراق من الفريقين، لو أن قريشًا علمت بتحركات النبي - ﷺ - ساعة خروج من المدينة بجيشه. إذ أن ذلك قد يجعلها تتأهب للحرب فتحشد كافة قواها. وقد يحملها ذلك على أن تعقد حلفًا عسكريًا مع قبائل هوازن ذات العداوة الشديدة للرسول - ﷺ -. وذات العدد الضخم من المحاربين الأشداء. فيتحد الجميع في جيش وثنى واحد يلاقون به الجيش النبوى الزاحف. ولكن كتمان أنباء تحرك الجيش النبوى عن قريش جعلها "رغم توقعها التعرض للغزو"في حيرة من أمرها لا تدرى ماذا تصنع إلى أن وصل النبي بجيشه على مقربة، حيث اتخذت قريش قرارها بتكليف أبي سفيان بأخذ الأمان لها من الرسول القائد - ﷺ - (١).
العباس بن عبد المطلب يتخوف على قريش فينذر سادتها وينصحهم بالاستسلام
كان العباس بن عبد المطلب، عم الرسول - ﷺ - ظل مقيما بمكة مشركًا منذ أن فَدَى نفسه من أسر المسلمين عقب انتصارهم في معركة بدر الكبرى، وكان مع بقائه على الشرك بين قومه بمكة مواليا لابن أخيه الرسول - ﷺ - وهو الذي أبلغ الرسول - ﷺ - نوايا قريش المبيتة لغزو المدينة في السنة الثالثة للهجرة التي دارت فيها معركة أحد التاريخية.
ومع إخلاص العباس لابن أخيه النبي - ﷺ - كان في الوقت نفسه حريصًا على حقن دماء أهله وعشيرته من قريش. وبذل لتحقيق ذلك مجهودًا كبيرًا انطلاقًا من هذا الحرص. فنجح في مسعاه الذي به نجت مكة من كارثة حربية.
كان العباس -كما ذكر أصحاب السير- قد خرج من مكة مهاجرًا في الوقت الذي خرج فيه الجيش النبوى من المدينة. فلقى العباسُ رسول الله
_________________
(١) وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٤ أن النبي - ﷺ - أثنى على أربعة من قريش وهم عتاب بن أسيد وجبير بن مطعم وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، فقال أربأ بهم عن الشرك وأرغب بهم في الإِسلام، وكلهم أسلموا وحسن إسلامهم.
[ ٨ / ١٣١ ]
- ﷺ - يقود الجيش ببعض الطريق. فصحبه راجعًا مع الجيش إلى مكة.
وعندما عسكر الرسول - ﷺ - مجيشه في مَر الظهران ورأى العباس بن عبد المطلب ضخامة هذا الجيش خشى منه على قومه في مكة. فتحركت في نفسه عوامل الشفقة عليهم، وخاف أن يجتاح الجيش النبوى مكة عَنْوة فيبيد خضراء قريش. وقد عبر العباس عن هذا الفزع والخوف على قومه بقوله: (وهو يلقى بنظره على ذلك الجيش اللجب المنتشرة كتائبه في وادي مرَّ الظهران): واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة قبل أن يأتوه ويستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر (١).
العباس يسعى لإِيجاد مخرج لقريش من الهلاك
ولم يقف العباس عند الإِعراب عن التخوف على قريش من أن يجتاحها الجيش النبوى فيبيدها بحد السيف. بل لقد فكر في أنه لا بد من أن يصنع شيئًا ينقذ به قريشا من كارثة محققة باتت وشيكة الوقوع على يد الجيش الذي بات يتحفز للهجوم على مكة والذي كانت لديه التعليمات لسحق كل من يعترض سبيله، وهو يقوم بعملية إنهاء الوجود الوثنى فيها.
ولم يطل التفكير بالعباس بن عبد المطلب. فبعد أن تكونت لديه القناعة الكافية بأن لا نجاة لقومه قريش من الكارثة المحيقة بهم إلا بأن يسارعوا بالخروج إلى النبي القائد - ﷺ - ويطلبوا منه الأمان بعد أن يعلنوا الاستسلام الكامل كى يعتبر الجيش النبوى مكة مدينة مفتوحة فلا يتعرض لأحد من أهلها .. بعد أن تكونت لدى العباس هذه القناعة. قرر أن يسعى بنفسه لإِبلاغ قومه في مكة هذه الحقيقة. وينصحهم بأن يسارع وفد من زعمائهم لمفاوضة الرسول - ﷺ - على أساس الاستسلام وطلب الأمان قبل أن يشرع جيشه في اقتحام مكة عنوة.
التقاء العباس بصديقه أبي سفيان عند الأراك
ورغم أن الوقت الذي اتخذ فيه العباس فيما بينه وبين نفسه، هذا القرار
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٩.
[ ٨ / ١٣٢ ]
كان ليلا. فإنه لم ير بدًا من المسارعة لإِنذار قومه ونصحهم بأن يسارع زعماؤهم إلى مفاوضة النبي - ﷺ - ليحقن دماء أهل مكة قبل أن تطلع الشمس لذلك تحرك بنفسه - في غلس الظلام وبدون إبطاء - نحو الأراك بضواحى مكة لعله يجد هناك من الحطابين أو بياعى اللبن من يحمل إنذاره ونصحه إلى قريش ليسارع ساداتها بالخروج إلى المعسكر النبوى لأخذ الأمان من الرسول - ﷺ - لأهل مكة.
وقد كان من حسن الصدف أن سيّد قريش وزعيمها أبا سفيان بن حرب - بعد أن أعطاه سادات دار الندوة - التفويض الكامل كما تقدم، خرج في تلك الليلة يتحسس الأخبار وهو لا يعلم أن الرسول - ﷺ - أصبح مرابطًا بجيشه على بعد أربعة أميال (فقط) من مكة المكرمة.
فكأن الله تعالى - إنقاذا لأهل مكة - ألهم أبا سفيان الخروج من تلك الليلة التي كانت حاسمة في تاريخ مكة. فقد كان خروج أبي سفيان في تلك الليلة سببًا في نجاة أهل مكة من حرب مدمرة لا قبل لهم بها، وهو الأمر الذي كان يفكر فيه بقلق بالغ وسعى في غلس الظلام لكى يحول دون حدوثه.
فبينما العباس يتجول حول الأراك باحثا في الظلام الدامس لعله يجد من يحمل رسالته إلى زعماء قريش، إذا به يجد سيد قريش نفسه يتحسس الأخبار عند الأراك. فيشرح له حقيقة الموقف، ويقدم نصحه بأن يسارع أبا سفيان، كسيد لقريش - إلى طلب الأمان من الرسول - ﷺ - لأهل مكة فيجيبه أبو سفيان دونما أي تردد. فيركبه العباس خلفه على ظهر بغلة الرسول - ﷺ - ويذهب به إلى الرسول - ﷺ - حيث يؤمن أبا سفيان ثم يمنح قريشًا عفوًا عامًّا شريطة أن لا يعترض أحد الجيش وهو يدخل مكة.
فقد ذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - لما وصل مرَّ الظهران أمر أصحابه في الليل فأوقدوا عشرة آلاف نار، فكان منظرًا كادت تنخلع له قلوب القرشيين.
فبينما أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام يتحسسان الأخبار التقيا
[ ٨ / ١٣٣ ]
ببُديل بن ورقاء (١) فاستتبعاه فخرج معهما. فلما بلغوا الأراك من مر الظهران رأوا الأبنية والعسكر والنيران، وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإِبل، فأفزعهم ذلك فزعًا شديدًا وقالوا: هؤلاء بنو كعب حاشتها الحرب. فقال بديل (وهو من بني كعب): هؤلاء أكثر من بني كعب. قالوا: فتنجعت هوازن (٢) على أرضنا، والله ما نعرف هذا إن هذا العسكر مثل حاج الناس (٣).
وقال الإِمام الطبري في تاريخه - يروى هذه القصة -: قال العباس - وقد رأى النبي في ذلك الجيش العظيم -: والله لئن بغتها (يعني قريشًا) فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلى أرى حطابًا أو صاحب لبن أو داخلًا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ - فيأتونه ويستأمنونه، فخرجت فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله - ﷺ -. قال العباس: فسمعت أبا سفيان وهو يقول - وقد رأى نيران الجيش: والله ما رأيت كاليوم قط نيرانًا. فقال بديل: خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل. قال العباس فعرفت صوته (أي أبا سفيان).
فقلت: يا أبا حنظلة (٤). فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم قال: لبيك فداك أبي وأمى، فما وراءك؟ فقلت له: هذا رسول الله - ﷺ - ورائى قد دَلف (٥) إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. وهنا صعق أبو سفيان وأسقط في يده. ولم يعد راجعًا إلى مكة لتنظيم مقاومة
_________________
(١) بديل بن ورقاء هذا هو أحد سادات خزاعة. وكان يسكن مكة ويظهر أنه (كحليف للمسلمين) على علم بتحركات الجيش النبوى. فخرج يتحسس أخبارهم ولكن من غير المنطلق الذي ينطلق منه أبو سفيان. انظر ترجمة بديل في ما مضى من هذا الكتاب.
(٢) التنجع والانتجاع والنجعة قال في النهاية: تتبع الكلأ ومساقط الغيث.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٤.
(٤) حنظلة هو أحد أبناء أبي سفيان وقد قتا مشتركًا يوم بدر.
(٥) دلف: مشى بسرعة وفوق الدبيب.
[ ٨ / ١٣٤ ]
الجيش النبوى الزاحف لأن التخلى عن فكرة هذه المقاومة قد تقرر في آخر جلسة عقدها برلمان مكة، الذي أوفد أبا سفيان في تلك الساعات من الليل ليتحسس أخبار النبي - ﷺ - وجيشه.
أبو سفيان يطلب المشورة من العباس
ولما كان أبو سفيان لم يخرج في تلك الليلة إلا ليسعى جاهدًا لتجنيب قريش هذا الخطر المتمثل في عشرة آلاف من جند المسلمين يتأهبون لاجتياح مكة. فقد طلب أبو سفيان من صديقه العباس أن يدله على أسلم الطرق التي تضمن لقريش حقن دمائها، فيسلكه.
وقد أشار العباس على أبي سفيان بأن يقابل الرسول - ﷺ - شخصيًا. فيطلب منه الأمان لأهل مكة. فإنه إن فعل أجابه الرسول - ﷺ -. لأنه لا يكره شيئًا كرهه لسفك الدماء "ما وجد إلى حقنها سبيلًا".
فقد قال أبو سفيان للعباس - والقلق يأخذ منه كل مأخذ - فما تأمرنى؟ .
فقال العباس: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله - ﷺ -، فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك (١).
فلم يتردد أبو سفيان في الموافقة على هذا الاقتراح لأنه ما كان يطمع في أكثر من النجاح في مقابلة الرسول - ﷺ - والحصول منه على الأمان.
بل لقد اعتبر أبو سفيان التقاءه بالعباس - وهو عم رسول الله - ﷺ - في تلك الساعات المصيرية الحاسمة في تاريخ قريش من أثمن الفرص التي كان يسعى جاهدًا للظفر بأمثالها لإِنقاذ مكة وأهلها بن خطر الإِبادة التي كانت
_________________
(١) وجاء في السيرة الحلبية (ج ٢ ص ٢٠٣) أن وحدة من الحرس كان يقودها عمر بن الخطاب ليلة فتح مكة اعتقلت أبا سفيان بن حرب، وقالوا لابن خطاب: جئناك بنفر من أهل مكة. فقال عمر، وهو يضحك: والله لو جئتمونى بأبي سفيان ما زدتم. فقالوا: والله أتيناك بأبي سفيان: فقال: احبسوه حتى أصبح، وهذا يعني (إن صح) أن العباس أجار أبا سفيان بعد أن استنقذه من يد وحدة الحرس التي تحت قيادة ابن الخطاب ثم أجاره.
[ ٨ / ١٣٥ ]
قريش تتوقعها منذ ارتكبت حادث الغدر الشنيع، الذي به نقضت صلح الحديبية التاريخي .. ومن كالعباس يستطيع تسوية ذلك الأمر الخطير في ذلك الظرف البالغ الخطورة؟
إذن فهي فرصة العمر، وعلى قائد جيوش قريش ووزير حربيتها وزعيمها أبي سفيان أن لا يضيعها.
أبو سفيان يتخوف القتل فيطمئنه العباس ويردفه خلفه على بغلة الرسول
كان الوقت ليلًا. وكان في إمكان - بل من حق أي رجل من المسلمين - أن يقتل أبا سفيان بن حرب لو ظفر به (وخاصة في تلك الليلة التي كان الجيش في حالة استنفار وطوارئ) لأن المسلمين وقريش كانوا في حالة حرب، حيث لم يعد هناك عهد بين قريش والمسلمين، بعد الذي صنعت قريش من الخرق الفاضح لهدنة الحديبية بعدوانها الصارخ الآثم على خزاعة حليفة الرسول - ﷺ - الداخلة في عهده وعقده يوم الحديبية.
لذلك لم يكن وزير حربية مكة وزعيمها ما كان - وهو يرحب باقتراح صديقه العباس - يتصور أنه (وهو المشرك المطلوب سفك دمه من جميع الذين في المعسكر النبوى) سيتمكن من الوصول سالمًا إلى مقر القائد الأعلى النبي - ﷺ - الذي تحيطه غابات من رماح عشرة آلاف مقاتل كلها يتوق إلى تمزيق رأس الكفر (يومذاك) أبي سفيان بن حرب.
وقد أفصح أبو سفيان لصديقه العباس عن شكه في اجتيازه هذه الغابات من الرماح إلى خيمة الرسول القائد سالمًا ودون أن يتعرض لمكروه.
غير أن العباس بدد كل تلك المخاوف من نفس أبي سفيان المضطربة حين أكد له أنه سيوصله بنفسه سالمًا إلى خيمة ابن أخيه النبي - ﷺ - وعلى ظهر بغلته الخاصة. وأنه سيكون في جواره حتى يوصله إلى مقر قيادة الرسول - ﷺ - في قلب المعسكر.
وقد اطمأن أبو سفيان بن حرب إلى ضمانات ابن عمه العباس بن عبد
[ ٨ / ١٣٦ ]
المطلب. ووثق كل الوثوق بالكلمة التي أعطاه إياها فعمل بنصيحته حيث ركب خلفه بغلة رسول الله - ﷺ -. فاتجه الاثنان سويًا نحو مقر القائد الأعلى النبي - ﷺ - مخترقين مضارب الجيش المحيط بالمقر. وكان يصحبهما مساعد أبي سفيان حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء اللذين أعلنا إسلامهما بمجرد أن وصلا إلى خيمة الرسول - ﷺ - (١).
عمر بن الخطاب يحاول قتل أبي سفيان وهو في حماية العباس
في تلك الليلة كان الرسول - ﷺ - قد أسند حراسة المعسكر إلى عمر بن الخطاب (٢)، الذي صار يطوف بفصائل من الجند لحراسة المعسكر المنصوبة خيامه على مشارف مكة.
وكان عمر بن الخطاب من أشد الصحابة على قريش، لذلك كان توليه حراسة العسكر تلك الليلة سببًا في إحداث بعض المتاعب للعباس بن عبد المطلب من حيث تعريض حياة أبي سفيان للخطر، بعد أن أخذه العباس في جواره وأعطاه عهدًا شفويا بالأمان حتى يصل إلى خيمة الرسول - ﷺ -.
فقد كان ركوب سيد قريش وقائد قواتها العسكرية أبي سفيان ظهر بغلة رسول الله - ﷺ - وكونه رديف عمه العباس بن عبد المطلب من أكبر الضمانات التي بها ضمن العباس لجاره أبي سفيان عدم إقدام أحد من جند الإِسلام على التعرض لأبي سفيان بشرّ.
فقد صار العباس بن عبد المطلب يمر بين مضارب وحدات الجيش النبوى وخلفه أبو سفيان مردفًا على بغلة رسول الله - ﷺ - فيعرفون أبا سفيان الذي يتوقون إلى قتله كزعيم من زعماء العدو المحارب. ولكنهم يكفون عن ذلك، لكون أبي سفيان في معية العباس. ويقولون: عم
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٥ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٥ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٩.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٥.
[ ٨ / ١٣٧ ]
رسول الله - ﷺ - (١)، فيتركونه يمر دون أن يمسّوا أبا سفيان بأذى. وحتى دوريات الحرس المسؤولة عن حراسة المعسكر النبوى يستوقفون الراكبين، وعندما يتبينون أنه العباس يسمحون له بالمرور داخل المعسكر.
وهكذا لم يعترض أحد من جندا الإِسلام العباس ورديفه أبي سفيان بن حرب إلا قائد الحرس عمر بن الخطاب الذي ما كاد يرى أبا سفيان بن حرب (على ضوء النار) حتى صاح: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد (٢). وكان ابن الخطاب يعني أنه في الإِمكان (وبسهولة قتل أبي سفيان بن حرب) ولكنه لم يتعجل في قتله (مع حرصه الشديد على ذلك) لأن أبا سفيان كان على بغلة رسول الله - ﷺ - وفي جواره عمه العباس، لذلك سارع ابن الخطاب فصار يعدو نحو مقر قيادة الرسول - ﷺ - ليحصل منه على إذن بضرب عنق أبي سفيان قبل أن يصل به العباس إلى المقر.
العباس ينجح في استصدار العفو عن أبي سفيان
غير أن العباس (وقد أصبح مسؤولا عن حياة أبي سفيان) أدرك ما يهدف إليه ابن الخطاب. فخاف أن يسبقه إلى رسول الله - ﷺ - فيحصل على إذن منه بقتل أبي سفيان. فأركض العباس البغلة ليسبق ابن الخطاب إلى خيمة الرسول - ﷺ - فيأخذ لأبي سفيان الأمان كما وعده.
وفعلًا، نجح العباس، فوصل خيمة ابن أخيه النبي - ﷺ - قبل أن يصل إليها عمر بن الخطاب.
أحرج ساعة في حياة أبي سفيان
وكانت تلك الساعات الحاسمة من أحرج ما مرَّ بأبي سفيان في حياته. وخاصة بعد أن رأى عمر بن الخطاب يشتد عدوًا على قدميه ليقنع الرسول - ﷺ - بإصدار قرار بإعدامه.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٩.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٥ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٥٣ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٧.
[ ٨ / ١٣٨ ]
لقد وصل على الفور عمر بن الخطاب إلى خيمة الرسول - ﷺ -، والعباس وأبو سفيان لم يكادا يأخذا مقعدهما من أرض الخيمة. فاضطرب أبو سفيان لرأى الفاروق. وزاده اضطرابًا أن الفاروق وصل الخيمة قبل أن يلتمس العباس من رسول الله - ﷺ - الأمان لابن عمه أبي سفيان وإنه كلم الرسول - ﷺ - في أن يسمح له بضرب عنق أبي سفيان قبل أن يتقدم العباس بالتماسه.
غير أن العباس، نجح في مسعاه، حيث حصل لأبي سفيان من الرسول - ﷺ - على الأمان الذي وعده به. حصل على هذا الأمان رغم إلحاح الفاروق على النبي - ﷺ - أن يمنحه الإِذن بقتل أبي سفيان.
المشادة بين الفاروق والعباس في خيمة الرسول
وقد حدثت مشادة كلامية بين العباس وعمر بشأن أبي سفيان. فقد اتهم العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب بأنه لم يلحّ في طلب إعدام أبي سفيان، إلا لأنه قريب للعباس. ولكن الفاروق أكد للعباس أن ذلك ليس هو دافعه للحرص على قتل أبي سفيان، وإنما لأنه رأس الكفر في مكة.
فقد جاء في كتب السيرة أن الفاروق عمر لما وصل إلى خيمة النبي - ﷺ - طلب في الحال منه أن يسمح له بضرب عنق أبي سفيان قائلًا: يا رسول الله، هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعنى أضرب عنقه. فاعترض العباس على هذا الطلب. فقال: يا رسول الله إني قد أجرته. فكرر عمر الطلب آملًا أن يأذن له الرسول في قتل أبي سفيان. وهنا غضب العباس، لأن إعدام أبي سفيان يعني خفر ذمة العباس الذي أخذ أبا سفيان في جواره - والجوار فكأنه الخطير معروف بين العرب - وقال العباس لعمر "محتدًا" مهلًا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا لأن أبا سفيان رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدى بن كعب "عشيرة ابن الخطاب" ما قلت هذا.
وهنا رد الفاروق على اتهام عم النبي - ﷺ - له في صراحته المعهودة: مهلا يا عباس فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك لأنى أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله
[ ٨ / ١٣٩ ]
- ﷺ - من إسلام الخطاب لو أسلم.
لقد جرت هذه المجادلة بين الفاروق عمر والعباس بن عبد المطلب أمام الرسول - ﷺ - فلم ينح باللائمة على أحد منهما لعلمه ينبل قصد كل منهما فيما أتى من تصرف.
فالعباس حين حرص على سلامة ابن عمه أبي سفيان بن حرب إنما ينطلق من هدف نبيل، وهو أن تكون نجاته من القتل سببًا في إسلامه. وبالتالى سببًا في استمالة قومه قريش كلها للإِسلام. وهو أمر يجعل مكة في مأمن من ويلات الحرب ومعرتها، حيث سيصبح بعد إسلام أبي سفيان "وهو سيد قريش ومفوضها المطلق" أي عنصر فيها غير قادر على إبداء أية مقاومة فعالة ضد الجيش النبوى عندما يدخلها وهو ما حدث بالفعل، عندما نجح العباس في الحصول على الأمان لأبي سفيان من الرسول - ﷺ - وعندما نجح بالتالى في إقناع أبي سفيان نفسه باعتناق الإِسلام قبل أن يعود إلى مكة.
والفاروق عمر من ناحية أخرى، حين حاول الحصول على إذن من القائد الأعلى النبي بضرب عنق أبي سفيان، كان يهدف "مجتهدًا مخلصًا" إلى تحطيم رأس كان حتى ذلك الوقت من أعظم رؤوس الكفر التي ائتمرت بقتل النبي - ﷺ - وأخرجته من وطنه مكرها. بعد أن أباحت دمه وجعلت الجائزة الضخمة لمن يأتي به حيا أو ميتا، وعذَّبت وقتلت الكثير ممن آمن به وثبت على دينه، كما أن ابن الخطاب كان سعيه لقتل أبي سفيان ذا أبعاد سياسية. وهو بث الرعب والفزع في نفوس أساطين الكفر الباقين في مكة بحيث يتحطم بقتل سيدهم أبي سفيان كل ما بقى لديهم من معنويات حربية، فتنهار نوازع مقاومة الجيش النبوى في نفوس الأشرار المتطرفين من أهل مكة، فيسهل على الجيش النبوى دخولها دون إراقة قطرة دم واحدة.
كيف حصل أبو سفيان على الأمان من الرسول
غير أن النبي - ﷺ - مع تقديره لمشاعر الفاروق عمر بن الخطاب وتأكده من صدق نواياه الدافعة للحرص على السماح له بإعدام سيد قريش
[ ٨ / ١٤٠ ]
وزعيمها أبي سفيان بن حرب - فقد أجاب عمه العباس بن عبد المطلب إلى ما طلب من إعطاء الأمان لابن عمه أبي سفيان بن حرب الذي كان العباس قد وعده به عند الأراك حينما نصحه بأن يصحبه لمقابلة الرسول - ﷺ - في مقر قيادته.
ولنترك الإِمام الطبري يروى لنا هذه الحادثة التاريخية التي بنجاح مساعى العباس الخيرة فيها نجت مكة من ويلات حرب مدمرة كانت ستبيد خضراء قريش لولا أن الله ألهم أبا سفيان بن حرب فاستجاب لنصائح صديقه وابن عمه العباس بن عبد المطلب. فأسلم أولًا ثم ذهب إلى مكة فيما بعد يحث قومه على إلقاء السلاح وعدم مقاومة الجيش الزاحف.
قال الطبري في كتابه المسمى "تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ٥٣": إن أبا سفيان بن حرب بعد أن أخبره العباس "في ظلام الليل بضواحى مكة عند الأراك" أن الرسول - ﷺ - يرابط في الضواحى بجيش لا قبل لقريش به "عشرة آلاف مقاتل" قال العباس: فداك أبي وأمى فيما تأمرنى؟ فقال العباس: قلت تركب عجز هذه البغلة أستأمن لك رسول الله - ﷺ - فوالله لو ظفر بك ليضربن عنقك. قال العباس فردفنى فخرجت به أركض بغلة رسول الله نحو رسول الله - ﷺ -، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى قالوا: عم رسول الله - ﷺ - على بغلة رسول الله، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: أبو سفيان؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم اشتد نحو النبي - ﷺ -، وركضت البغلة، وقد أردفت أبا سفيان حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ، فدخل عمر على رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعنى أضرب عنقه. فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله - ﷺ - فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دونى. فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدى بن كعب، ما قلت هذا. فقال عمر: مهلا يا عباس، فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب
[ ٨ / ١٤١ ]
إلى من إسلام الخطاب لو أسلم. وذلك لأنى أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - ﷺ - من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله - ﷺ - للعباس اذهب فقد أمنّاه، حتى تغدو به على بالغداة. اهـ.
أبو سفيان يبيت في خيمة العباس تحت الحراسة
في ذلك الوقت الذي أجاب الرسول - ﷺ - عمه العباس إلى ما طلب من إعطاء الأمان لأبي سفيان. لم يجر بين الرسول - ﷺ - وبين أبي سفيان أي حديث، فلم يتناولوا بالبحث أي جانب من جوانب القضية الرئيسية، وهي مسألة الحصول على أمان شامل كامل لجميع أهل مكة. الأمر الذي من أجل الظفر به أوفدت قريش سيدها أبا سفيان بن حرب في تلك الليلة التاريخية الحاسمة. كما أنه لم يجر أي بحث حول موضوع دعوة أبي سفيان نفسه إلى الدخول في الإِسلام. وكل ما حدث في تلك الساعة المتأخرة من الليل هو أن الرسول - ﷺ - أعطى أبا سفيان شخصيًا الأمان لنفسه كما طلب العباس بن عبد المطلب. ذهب العباس في تلك الساعة من الليل بصديقه وابن عمه وجاره أبا سفيان إلى منزله داخل المعسكر النبوى، وقد أقيمت حراسة مشددة حول الخيمة التي بات فيها أبو سفيان خشية أن يهرب إلى مكة، لأنه حتى تلك الليلة لا يزال مشركًا غير مأمون الجانب، والجيش النبوى في حالة طوارئ واستنفار. ويخشى قادة حرس المعسكر "وهم الحريصون على عدم تسرب أية أسرار للجيش إلى مكة" أن يتسرب شيء من هذه الأسرار على يد سيد قريش الذي بمروره داخل المعسكر حتى خيمة الرسول القائد يكون قد عرف ما يجب أن لا تعرفه قريش إلا بعد أن يكون الجيش النبوى قد سيطر على مكة. لذلك "والله أعلم" كان تكليف الرسول - ﷺ - عمه العباس أن يبيت معه أبو سفيان في خيمة واحدة فيه معنى من معاني الاعتقال أو الحجز التحفظى بل هو عينه، بدليل أن الرسول - ﷺ - قال لعمه: فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت (١).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٨ وجاء في مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٥ أن أبا سفيان سمع صباح تلك الليلة التي باتها في خيمة العباس، سمع المعسكر النبوى قد ارتج بآذان الصبح من كل =
[ ٨ / ١٤٢ ]
القلق والشائعات في مكة
كانت الطرق والمسالك بين مكة والمعسكر الذي يرابط فيه الجيش النبوى مقطوعة تمامًا تحرسها فصائل من البوليس الحامى "الشرطة العسكرية" التابعة للجيش النبوى. فلا تسمح لأحد أن يخرج من مكة أو يدخل إليها. كما لا تسمح لأى إنسان "كائنا من كان" أن يقترب من حدود المعسكر النبوى .. والوحيدون من أهل مكة الذين سمحت لهم الشرطة العسكرية الإِسلامية بدخول المعسكر تلك الليلة هم بديل بن ورقاء سيد خزاعة وحليف المسلمين وحكيم بن حزام ابن أخي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد الأسدية وأبو سفيان بن حرب سيد قريش وزعيمها. كل هؤلاء سمحت لهم الشرطة العسكرية لأنهم كانوا في جوار وتحت ضمانة العباس بن عبد المطلب "وسيط السلام" الذي لعب دورًا هامًا وبذل مجهودًا كبيرًا لاختصار آلام الحرب، بل لإِبعاده كليًّا عن مكة وأهلها وكانت أولى مساعيه الكبرى الناجحة أن نجح في إيصال سيد قريش وصاحب حربها وقائد جيوشها أبي سفيان بن حرب إلى مقر قيادة الرسول الأعظم - ﷺ - ثم الحصول له من الرسول القائد على أمان خاص حقن به دمه الذي كان كثير من قادة الفيالق والفرق في الجيش النبوى يتوقون إلى سفكه كرأس من رؤوس الكفر.
وكان حصول سيد قريش أبي سفيان على الأمان "في حالة حرب قائمة بين الإِسلام والوثنية" مكسبًا كبيرًا لقريش - التي كانت ترتعد داخل مكة فزعًا - تبعتها مكاسب أعظم. كان آخرها حصول قريش كلها على عفو عام من الرسول القائد المنتصر، أسقط به كل الجرائر التي ارتكبتها قريش خلال إحدى وعشرين سنة ضد الإِسلام والمسلمين. وقد كان هذا
_________________
(١) = ناحية. ففزع من أذانهم فقال: ما يصنعون! قال العباس: فقلت: الصلاة. قال أبو سفيان: كم يصلون في اليوم والليلة! قال العباس: خمس صلوات: قال أبو سفيان: كثر والله قال: ثم رآهم يبتدرون وضوء النبي - ﷺ - فقال: يا أبا الفضل لم أر ملكا هكذا قط. لا ملك كسرى، ولا ملك بني الأصفر. فقال العباس: ويحك آمن: قال: أدخلنى عليه يا أبا الفضل. فأدخله العباس: فقال أبو سفيان: يا محمد استنصرت إلهى. واستنصرت إلهك. فلا والله ما لقيتك من مرة إلا ظفرت علي، فلو كان إلهي محقًا وإلهك مبطلًا غلبتك ثم شهد أبو سفيان أن محمدا رسول الله.
[ ٨ / ١٤٣ ]
العفو العام الذي منحه الرسول - ﷺ - لأهل مكة بمثابة مزيل سريع لأغلفة الظلام التي تغلف البصائر فلا ترى الإِسلام إلا من خلال منظار قائم أسود. ولكن ها هي ترى الحقيقة مجسدة. ترى رسول الإِسلام "وهو في مركز القوة وفي ذروة الانتصار" يعطى الصورة الحقيقية المشرقة للإِسلام وتعاليمه وغاياته وأهدافه النبيلة. بذلك التسامح المتمثل في ذلك العفو العام الذي لم يسبق في التاريخ لقائد منتصر أن منح مثله لأعدائه المهزومين.
عودة إلى المنطلق
بات "تلك الليلة التاريخية"، أبو سفيان بن حرب تحت مراقبة العباس بن عبد المطلب في خيمته داخل المعسكر، ولم يذكر المؤرخون ما دار من أحاديث خاصة داخل الخيمة تلك الليلة الحاسمة بين العباس وصديقه أبي سفيان بن حرب، غير أنه مما لا شك فيه أن العباس "وقد أصبح وسيط السلام الأول والوحيد بين الرسول وبين قريش" قد بذل مجهودًا كبيرًا في أحاديث خاصة تلك الليلة ليقنع سيد قريش وزعيمها لينخلع من الشرك ويصبح أحد أعضاء الأسرة الإِسلامية الكبرى. ويكون بالتالى مبعوث خير وسلام وتهدئة وتطمين إلى قومه في مكة المكرمة.
القلق والشائعات في مكة
كانت الطرق والمسالك المؤدية من العسكر النبوى إلى مكة تحت مراقبة شديدة من الشرطة العسكرية الإسلامية "كما قلنا" لا يدع رجال هذه الشرطة أحدًا يدخل المعسكر أو يخرج منه إلى أي مكان منعًا لتسرب أي أنباء عما يجرى داخل المعسكر إلى أهل مكة المشركين.
لذلك فشل جواسيس قريش عن معرفة حقيقة ما يجرى داخل المعسكر النبوى من إجراءات، وهل سيقتحم الجيش النبوى مكة عنوة ويستبيحها قتلا وأسرًا ومصادرة كما هي شرعة الحرب المعمول بها لدى القوات الغازية القوية المنتصرة بين مختلف الشعوب والأم في ذلك العصر، أم سيعتبرها مدينة مفتوحة ممنوع على جند الإِسلام سفك الدماء فيها؟
[ ٨ / ١٤٤ ]
حنق قريش على أبي سفيان
والنبأ الوحيد الذي علمته زعامة مكة "وقد يكون ذلك بتدبير وتيسير من جهاز الاستخبارات النبوية" هو مقابلة أبي سفيان بن حرب للنبي القائد - ﷺ - في مقر قيادة الجيش، ومنح الرسول - ﷺ - أبا سفيان أمانًا خاصًّا به نتيجة شفاعة ووساطة صديقه وابن عمه العباس بن عبد المطلب.
إن قريشًا قد أصبحت لديها القناعة الكاملة أنه ليس في إمكانها التصدي للجيش النبوى في مواجهة حربية، وأصبح كل همها "تقريبا" منحصرًا في الحصول على أمان كامل شامل الأهل مكة جميعًا، عندما يدخلها الجيش النبوى الذي لم يعد لدى الأغلبية الساحقة من سادات مكة أي شك في أنه سيدخلها لا محالة، ولهذا قرر برلمان مكة "دار الندوة" إيفاد أبي سفيان بن حرب كما تقدم.
ولكن أبا سفيان ها هو يقابل الرسول القائد - ﷺ - ويحصل منه على أمان خاص لنفسه فقط. فينتاب قريش القلق، ويظل أهلها عرضة للقلق والهواجس السوداء وتعمل وساوس الاتهام لأبي سفيان في نفوسهم فعلها الحاد.
فنواب العشائر في دار الندوة، لم ينتدبوا أبا سفيان -حين انتدبوه-، لكي يحصل لنفسه فقط على الأمان، وإنما انتدبوه لكى يدخل مع محمد - ﷺ - في مفاوضات يحصل أبو سفيان بموجبها لأهل مكة على أمان كامل شامل يحقن دماءهم ويعفى نساءهم وذراريهم من السبى وأموالهم من المصادرة والاستباحة عندما يدخلها الجيش النبوي.
إنهم "وقد قرّ في أنفسهم أنه لا قبل لهم بجيش الإِسلام ولا قدرة لهم على مواجهته حربيًّا"، أصبحوا في حالة ذعر شديد وخوف أشد من أن يسفك هذا الجيش الإِسلامي العرمرم دماءهم ويسبى نساءهم وذراريهم ويستولى على كل أموالهم وممتلكاتهم كغنيمة حرب. فيترك مكة خرابًا يبابًا تغطى شوارعها جثث القتلى منهم. وتردد جبالها عويل الثكالى من نسائهم
[ ٨ / ١٤٥ ]
وصراخ الصبيان من أبنائهم اليتامى.
التفكير النبوي الراحم
وبينما أساطين الكفر في مكة فريسة لهذه التصورات السوداء المخيفة التي كانت كابوسًا ملازمًا لا يفارقهم في منام أو يقظة، كان رسول الرحمة يفكر تفكيراته النبوية النبيلة المشرقة، كان يعد العدة ويضع الترتيبات لتكون مكة "عند سيطرة الجيش النبوي عليها" على غير الصورة المزعجة المخيفة التي تصورت قريش وخافت أن تكون عليها مكة عندما يسيطر عليها الجيش الإِسلامي.
كان نبي المحبة ورسول الرحمة والتسامح أشد حرصًا من أهل مكة أنفسهم، على أن تتجنب هذه المدينة المقدسة ويلات الحرب ومآسى المعارك، لأنها مدينة مقدسة، مطلوب فيها التنزه عن سفك الدماء قدر الإِمكان.
ثم إن أهل مكة أنفسهم، هم أهل محمد وعشيرته، ورغم ما ناله ونال أصحابه على أيديهم من صنوف الأذى والإِرهاب، والتنكيل في مكة نفسها أيام بدء الإِسلام وقلة المناصرين. ورغم المحاولات الحاقدة التي قام بها هؤلاء الأهل للقضاء على الإِسلام وإبادة المسلمين عن طريق تجريد الجيوش وتحريض مختلف العناصر والفئات المعادية للإِسلام للقضاء عليه كما حدث في (أُحد) وعلى مشارف الخندق رغم كل هذه الجرائر والآثام التي اقترفها هؤلاء الأهل والعشيرة من أهل مكة، فإن ابنهم البار الذي يجر وراءه عشرة آلاف مقاتل قادرين على إبادة كل إنسان في مكة خلال ساعات قلائل، لم تجد الضغينة والرغبة في الانتصار والانتقام للنفس أي سبيل إلى قلبه الكبير الطاهر طيلة حياته.
ولهذا فإنه (وكما دلت تصرفاته النبيلة) كان حريصًا كل الحرص على أن ينعم كل أهل مكة المغلوبين بالأمن والأمان والاطمئنان على أرواحهما وممتلكاتهم عندما يدخل جيشه مكة فاتحًا ومنقذًا ومحررًا.
ولم لا؟ أليس هو الذي كان يدعو لقومه بالخير، والدماء تسيل على
[ ٨ / ١٤٦ ]
وجهه الكريم بفعل أيديهم الباغية .. "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون"؟ وأليس هو الذي قال يوم الحديبية - وقد خرجت قريش، وكانت قوية منيعة. خرجت بكل ما لديها من قوات لمحاربته ومنعه بحد السيف وصده عن البيت الحرام- "والله لا تدعونى قريش إلى خطة يسألونى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم؟؟ ".
محاولات إقناع أبي سفيان باعتناق الإِسلام طوعًا
كان العباس بن عبد المطلب يحرص كل الحرص على أن يهدى الله صديقه أبا سفيان بن حرب فيعتنق دين الإِسلام، لما في ذلك من فوائد عظيمة يعم نفعها لا أبا سفيان وحده، بل أهل مكة جميعًا، لأن أبا سفيان سيد قريش وصاحب الكلمة الأولى فيها. وخاصة بعد أن اختارته مندوبًا عنها وجعلت مصيرها بيده حين كلفته أن يفاوض عنها الرسول القائد - ﷺ -.
وإسلام أبي سفيان سيكون ذا أثر حاسم في مجريات الأمور لصالح الجميع، لا سيما قريش التي يقف على أبواب مدينتها عشرة آلاف من المسلمين، كلهم مستعد لاقتحامها بحد السيف وقتل من يعترضه من أهلها.
واقتحام مكة عنوة أمر لا مفر منه إذا ما أصر المتطرفون في مكة على مقاومة الجيش الغازى بالسلاح.
والاقتحام عنوة يعني حدوث. مجزرة رهيبة بين القرشيين لا يرغب رسول الرحمة ومخفف آلام البشرية أن تحدث، كما أن وسيط السلام العباس بن عبد المطلب قد انتابه الفزع وخشى على قومه في مكة أن يكونوا عرضة، لهذه المجزرة عندما خاطب نفسه "وهو يرى كتائب الجيش النبوى كالبحر ترابط على مشارف مكة": "يا صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله - ﷺ - في بلادها فدخل مكة عنوة، إنه لهلاك قريش آخر الدهر" (١).
ولهذا كان العباس - منذ أن عبّر عن مخاوفه على قومه في مكة بتلك
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٥٢.
[ ٨ / ١٤٧ ]
الجملة التي نمت عن حرصه الشديد على سلامة قومه في مكة - وهو يسعى سعيا حثيثًا، وعلى كل المستويات وبكل الأساليب الممكنة، لإِيجاد مخرج لقومه بمكة عن طريقة ينجون مما يخشاه العباس عليهم من اقتحام الجيش النبوى مكة عنوة.
ومن أساليبه في السعي لتحقيق هذا الهدف ومحاولاته المتكررة لإِقناع أبي سفيان بالدخول في الإِسلام "أولًا" ليكون ذلك باعث تشجيع للعناصر الطيبة في مكة (وهي غير قليلة) على المسارعة إلى الدخول في الإِسلام وإقناع الآخرين من المتطرفين بالكف عن المقاومة.
التوتر في مكة يزداد
ظل كفار مكة في تلك الساعات الحرجة عرضة لوجات طاغية متزايدة من القلق والخوف نتيجة شعورهم الباطنى بأنهم (وحسب مقاييسهم) بأنهم سيكونون عرضة لعقاب صارم دام رهيب على يد الرسول - ﷺ - وجيشه (الذي لا يشكون في انتصاره عليهم وسيطرته على مكة) لما اقترفته أيديهم من إجرام في حق الرسول - ﷺ - والقلة من أصحابه خلال ثلاث عشرة سنة قضاها بينهم وهو يتجرع وأصحابه على يد قريش كؤوس الأسى والألم. دونما إقامة اعتبار لحق القرابة والمواطنة.
كان القرشيون في مكة (وهم يتخيلون حجم العقاب الذي سينزله المسلمون بهم) يظنون أن محمد بن عبد الله - ﷺ - من نوع الفاتحين القساة الذين أول ما يفكرون في عمله "عندما ينتصرون" هو الانتقام الفظيع الدامى الرهيب لأنفسهم من خصومهم الذين كانوا قد نالوا منهم أو سببوا لهم بعض المتاعب في الماضي.
وما دروا أن محمد بن عبد الله هو نبي رحمة ورسول محبة بعثه الله رحمة للعالمين، لا يحقد ولا يبغض بدافع من حب الانتقام والانتصار للنفس.
وإنما يسعى لإِنقاذ البشرية، وهداية الضالين وإنقاذ المنحرفين، حتى وإن كانوا من الذين آذوه، وراموا قتله واتبّعوا كل السبل للتنكيل به وإرهابه لحمله على التخلى عن أمانة الرسالة العظمى.
[ ٨ / ١٤٨ ]
النبي يدعو أبا سفيان إلى الإِسلام فيتردد
فيما مضى ذكرنا أن الرسول القائد - ﷺ - بعد أن أجاز الأمان الذي أعطاه العباس بن عبد المطلب لزعيم قريش وقائد جيوشها أبي سفيان بن حرب، أمر العباس بالتحفظ عليه في منزله على أن يحضره إلى خيمة القيادة العليا في اليوم التالي.
وقد فعل العباس كما أمره ابن أخيه النبي، فقد أحضر أبا سفيان بن حرب إلى خيمة القيادة العامة، فمثل أمام الرسول القائد الذي كان حوله هيئة أركان حربه، مثل الصديق وابن الخطاب وابن أبي طالب.
وبينما كان أهل مكة في تلك الساعات الحاسمة من تاريخهم المصيرى تجتاحهم، "وخاصة الزعماء منهم" موجة طاغية من الخوف والذعر والقلق، تعصف الإِشاعات بعقولهم، وتذهب التكهنات والشائعات بألبابهم .. ترى أيقتحم جيش محمد اللجب مكة اليوم أم غدا أم بعد غد؟ وماذا سيكون مصير أهل مكة؟ عندما يقتحمها هذا الجيش الذي لا قبل لأحد بمثله؟ لقد كان بعض كبار مجرمى الحرب من زعماء مكة يعدون العدة للهرب من مكة خوفًا من أن تنالهم يد العدالة على ما اقترفوا من جرائم يستحقون عليها العقاب الذي لا بد من إنزاله بهم.
بينما كان أهل مكة على تلك الحال التي لا يحسدون عليها، كان سيدهم وصاحب حربهم أبو سفيان بن حرب - بصحبة وسيط السلام العباس - يجرى مع الرسول - ﷺ - مفاوضات التسليم في مقر القيادة العليا في الوادي خارج مكة.
لقد جرت محادثات ومناقشات كثيرة في المقر، وكان أول حديث جرى بين الرسول الأعظم - ﷺ - وبين سيد قريش أبي سفيان، أن دعا الرسول - ﷺ - أبا سفيان إلى ترك الشرك والوثنية واعتناق دين التوحيد. حيث قال له: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلَّا الله؟ .
فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئًا.
[ ٨ / ١٤٩ ]
فقال الرسول - ﷺ -: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله؟
فقال أبو سفيان: بأبي أتت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك. أمَّا هذه ففي النفس منها شيء (١).
كان هذا الحوار الهادئ يجرى بين سيد البشر محمد - ﷺ - وسيد قريش أبي سفيان بن حرب، ووسيط السلام العباس بن عبد المطلب حاضر يسمع ويرى.
وكان -كما دلت تصرفاته (منذ بدأ الوساطة) - شديد الحرص على أن يسارع أبو سفيان بن حرب إلى أعتناق الإِسلام لأن ذلك سيكون عاملًا حاسمًا في إزالة شبح الحرب المخيف عن المدينة المقدسة التي يخاف العباس عليها وعلى أهلها من أن يجتاحها الجيش الإِسلامي عنوة وبقوة السلاح.
فهناك عناصم في الجيش النبوى "من غير القرشيين" وهم الأغلبية الساحقة مثل الأنصار، لديها الرغبة الشديدة في الانتقام من مشركى مكة لتعنتهم في الماضي في إيذاء الرسول - ﷺ - والتنكيل به أيام إقامته مع القلة من أصحابه بينهم.
وقد عبر عن هذه الرغبة الشديدة قائد أحد الألوية الخمسة التي دخلت مكة، سعد بن عبادة الذي عزله الرسول - ﷺ - وأسند قيادة اللواء إلى ابنه قيس عندما بلغه أنه يهدد بإحداث مذبحة بين مشركى مكة .. "اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة" (٢).
وانطلاقًا من قاعدة الحرص في نفس العباس على تجنيب مكة ويلات الحرب - ولعلم العباس أن إسلام صديقه أبي سفيان سيكون من أهم عوامل إبعادها عن العاصمة المقدسة لأنه سيد قريش ومفوضها وقائد حربها إذا أسلم ستسلم كل مكة، أو ستتلاشى (على الأقل) الرغبة في المقاومة من نفوس الراغبين فيها. لذلك لما رأى العباس تردد صديقه أبي سفيان
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ص ٥٤، ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٨.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٩.
[ ٨ / ١٥٠ ]
ومراوغته وتهربه من إعلان الدخول في الإِسلام، بادر إلى نصحه، بل إلى زجره وتحذيره .. فقد أخبره أن إسلامه سيكون عامل خير وبركة على نفسه وعلى أهل مكة كلها. وأن النبي - ﷺ - لن يجبره على الإِسلام ولن يمسه بشر بعد أن أعطاه الأمان وما دام في جواره. ولكن عدم دخوله في الإِسلام، سيكون من شأنه جلب المتاعب والويلات لنفسه ولقريش في مكة إذا ما أصروا على الكفر والتفكير في مقاومة الجيش الزاحف.
هكذا كان العباس يوجه صديقه أبا سفيان (بالترغيب والترهيب) نحو الإِسلام، حتى انتهت أخيرًا توجيهاته الخيرة بإقناع سيد قريش أبي سفيان بإعلان إسلامه. فشهد شهادة الحق "شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (١)، وذلك بين يدي الرسول القائد - ﷺ - في مقر قيادته داخل المعسكر.
كيف كان إسلام أبي سفيان عاملا في إحلال السلام بدل الحرب
وقد تنفس العباس بن عبد المطلب الصعداء عندما أعلن صديقه أبو سفيان بن حرب إسلامه، فقد اقترب العباس من نهاية تحقيق ما يهدف إلى تحقيقه. وهو (في الدرجة الأولى) تجنيب مكة معرة الجيش الغازي، فقد بدا واضحا - بعد إسلام أبي سفيان - أن المسلمين سيدخلون مكة دون أن يضطروا إلى امتشاق الحسام وسفك الدماء. وهذا ما حدث بالفعل.
فقد كان إسلام أبي سفيان عاملًا حاسمًا في تيسير فتح مكة أبوابها للجيش الإِسلامي، دونما أية مقاومة تذكر، حيث ألقى كل القرشيين السلاح، فاستسلموا لجيش الإِسلام، فضمنوا بذلك أرواحهم وأموالهم، ما عدا قلة من المتعصبين المتهورين مثل عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية. أبدوا شيئًا من المقاومة سحقها خالد بن الوليد قائد اللواء الخامس جنوبي مكة.
_________________
(١) انظر تاريخ ابن عساكر ترجمة أبي سفيان بن حرب ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٨ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٠، وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٥٤.
[ ٨ / ١٥١ ]
اتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي
وبعد أن أسلم أبو سفيان، وأصبح أحد أفراد الأسرة الإِسلامية الكبرى، سعى وسيط السلام العباس بن عبد المطلب لوضع الترتيبات النهائية لوضع المخطوط العريضة لاتفاقية نهائية بين الرسول - ﷺ - وبين أبي سفيان بن حرب، بصفته مندوب قريش ومفوضها المطلق، يتم بموجب هذه الاتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي، ويمكن تلخيص اتفاقية التسليم في البنود الآتية:
١ - حقن دماء أهل مكة وضمان أموالهم وممتلكاتهم من قبل الجيش النبوي.
٢ - امتناع القرشيين عن إبداء أية مقاومة مسلحة عندما يدخل الجيش النبوي مكة.
٣ - من حق الجيش النبوي أن يستخدم السلاح داخل مكة لسحق أية مقاومة مسلحة تقف في طريقه.
٤ - لكي يتحقق البند الأول يفرض منع التجول على جميع سكان مكة بأن يلتزم كل إنسان بيته أو يلجأ إلى المسجد أو إلى منزل أبي سفيان، حتى يتم الجيش النبوي احتلال مكة وينتهى من السيطرة على النقاط المحددة له السيطرة عليها.
دبلوماسية العباس بن عبد المطلب
لقد كان العباس لَبِقًا دبلوماسيًا ماهرًا - إن صح هذا التعبير - فهو صاحب فكرة إعطاء أبي سفيان (ضمن اتفاقية التسليم) ما يرفع من شأنه ويعلى من منزلته بين قومه. فقد قال العباس: يا رسول الله إنك عرفت أبا سفيان وحبه الشرف والفخر، اجعل له شيئًا يكون في قومه. فقال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (١) وفي رواية أن أبا سفيان قال حينئذ: وما تسع دارى يا رسول الله، فقال - ﷺ -: ومن دخل الكعبة فهو آمن. فقال أبو سفيان: وما تسع الكعبة؟ فقال - ﷺ -: ومن
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٦.
[ ٨ / ١٥٢ ]
دخل المسجد فهو آمن. قال أبو سفيان: وما يسع المسجد؟ فقال - ﷺ -: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فقال أبو سفيان: هذه واسعة (١). وبعد إبرام هذه الاتفاقية شرع الفريقان في تنفيذها.
الرسول يصدر أمره إلى الجيش بعدم استخدام السلاح في مكة إلا حالة الدفاع عن النفس
فمن جانب الرسول الأعظم - ﷺ - فقد أصدر أوامره المشددة إلى عامة جيشه بأن لا يستخدموا السلاح عندما يدخلون مكة ضد أي إنسان، إلا من اعترضهم وقاومهم. كما أمر بأن لا يمس أفراد جيشه ممتلكات أو أموال أي إنسان من أهل مكة. وقد نفَّذ الجيش النبوي تعليمات قائده الأعلى تنفيذًا كاملًا. فلم يحدث من الجيش ما يعكر على أهل مكة صفو أمنهم. اللهم إلا الذين شهروا السلاح في وجه هذا الجيش. ضُربوا وسحقت مقاومتهم بعد أن فقدوا اثنين وعشرين قتيلًا كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
أما سيد قريش وزعيمها فقد قرر أن يذهب إلى مكة ويبلغ ساداتهما مضمون اتفاقية التسليم هذه ويطلب من الجماهير القرشية أن تتقيد بها وتنفذها لئلا تكون عرضة لسيوف الجيش النبوي الذي لن يتردد في قتل من يُخل بهذه الاتفاقية ولا يعمل بمضمونها.
مكة مدينة مفتوحة
وهكذا، وبعد هذه الاتفاقية أصبحت العاصمة المقدسة مكة مدينة مفتوحة ممنوعٌ على الجيش الإِسلامي استخدام السلاح فيها إلا في حالة الدفاع عن النفس، كما يحرم على أهل مكة حمل السلاح وإبداء أية مقاومة مسلحة في وجه الجيش النبوي.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩١.
[ ٨ / ١٥٣ ]
أبو سفيان يشير على الرسول أن يؤجل احتلال مكة ويتحول لمحاربة هوازن
ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان عقب نطقه بالشهادتين أشار على الرسول - ﷺ - بأن يؤجل احتلال مكة ويغيّر وجهة زحف جيشه نحو قبائل هوازن لضربها، باعتبارهم أبعد قرابة من قريش. ولكن الرسول - ﷺ - لم يعمل بمشورة أبي سفيان. بل أخبره بأنه يأمل في أن يجمع الله له فتح مكة والتغلب على هوازن.
فقد ذكر المؤرخون، أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام "أسلم يوم أسلم أبو سفيان. قالا: يا رسول الله: لو كنت جعلت حدقك ومكيدتك بهوازن، فهم أبعد رحمًا وأشد لك عداوة.
فقال رسول الله - ﷺ -: إني لأرجو من ربى أن يجمع لي ذلك كله بفتح مكة، وإعزاز الإِسلام بها، وهزيمة هوازن وأن يغنّمنى الله أموالهم وذراريهم، فإني راغب إلى الله تعالى في ذلك (١).
الرسول يزجر أبا سفيان لمقالة قالها في أصحابه
ولما كان أبو سفيان حديث العهد بالإِسلام. فقد دفعته رواسب الجاهلية المتبقية في نفسه إلى أن يقول كلامًا يتنقص به أصحاب الرسول - ﷺ -، الأمر الذي غضب له الرسول - ﷺ - وزجر له أبا سفيان.
فقد قال أبو سفيان - وهو لمّا يزل في العسكر النبوي -: يا محمد جئت بأوباش الناس، من يُعرف ومن لا يُعرف، إلى عشيرتك وأصلك. إني أرى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه عليَّ.
فقال له الرسول - ﷺ -: أنت أظلم وأفجر، غدرتم بعهد الحديبية وظاهرتم علي بني كعب (يعني خزاعة) بالإِثم والعدوان في حرم الله وأمنه (٢).
ثم قال - ﷺ - لأبي سفيان - ردًّا على قوله - إني لأرى وجوهًا كثيرة
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٦.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٦.
[ ٨ / ١٥٤ ]
لا أعرفها، لقد كثرت هذه الوجوه علي -: أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدّقوني إذ كذبتمونى، ونصرونى إذ أخرجتمونى (١).
العرض العسكري أمام أبي سفيان
وبعد أن أسلم أبو سفيان وتم الاتفاق بين الرسول - ﷺ - وبين زعيم قريش أبي سفيان على أن تكون مكة مدينة مفتوحة تُحقن فيها دماء قريش ويدخلها الجيش النبوي بدون حرب. وقبل أن يتوجه أبو سفيان إلى قومه في مكة ليبلغهم فحوى الاتفاقية، ويطلب منهم تنفيذها ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم، رأى الرسول القائد - ﷺ - أن يرى عرضًا عسكريًا يستعرض فيه كل قواته الحربية أمام سيد قريش أبي سفيان بن حرب قبل أن يعود إلى مكة، لكى يعود إليها وهو يحمل الانطباع الحقيقي عن مدى قوة الجيش النبوي، وحسن تنظيمه وجودة تسليحه وكثرة عدده وشدة انضباطه، وأن لا قبل لقريش بمقاومته، إذا ما فكرت في المقاومة.
احتجاز أبي سفيان لفترة محدودة ليشهد العرض العسكري
فقد أمر النبي - ﷺ - بأن يحتجز أبو سفيان في مضيق الوادي لفترة محدودة تنتهي بانتهاء العرض العسكري الذي قرر الرسول القائد إجراءه قبل دخول الجيش مكة، وقد توجس أبو سفيان خيفة من هذا الإِجراء، وظن أن احتجازه عند مضيق الوادي يحمل بادرة غدر يراد به. ولكن وسيط السلام طمأنه بأن المسلم لا يغدر ولا ينكث بعهد أعطاه. وإنما هو الرسول - ﷺ - أحب أن يرى أبا سفيان جنود الله (إخوانه) قبل أن يعود إلى مكة.
فقد ذكر المؤرخون أن أبا سفيان بعد أن خرج من مقر قيادة الرسول متجهًا نحو مكة، قال الرسول - ﷺ - لعمه العباس: احبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل (٢) حتى تمر به جنود الله فيراها.
قال العباس: فعدلت به في مضيق الوإدى إلى خَطم الجبل، فلما
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩١.
(٢) خطم الجبل .. أنفه.
[ ٨ / ١٥٥ ]
حبست أبا سفيان قال: غدرًا بني هاشم؟
فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون، ولكن لي إليك حاجة. فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولًا. فقلت إن لي إليك حاجة فكان أفرخ لروعى؟ فقال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب (١) "أي أن يبلغ بك الخوف والريبة هذا المبلغ".
تأثير الاستعراض العسكري في نفس أبي سفيان
وعقب وقوف العباس بأبي سفيان عند مضيق الوادي، أمر الرسول القائد - ﷺ - كل فرق الجيش وكتائبه أن يمروا جميعهم أمام زعيم قريش أبي سفيان. فأقيم العرض العسكري في الوادي على أروع صورة دهش لها أبو سفيان الذي ما كاد يصدق ما يرى.
فقد مرت الألوية والكتائب النبوية في الوادي في تعبئة دقيقة، وفي حالة انضباط أدق، ما كان يعرفه العرب في تاريخهم العسكري عبر العصور.
وقد أخذت الدهشة من نفس أبي سفيان كل مأخذ وأشد شيء دهش له، هذا التبدل الكامل الشامل الذي غير مجرى حياة المسلمين تغييرًا جزريًا. حيث زال منهم كل قبيح وحل محله كل حسن، بسبب انسلاخهم عن الشرك، واعتقادهم عقيدة التوحيد التي كان اعتناقها مصدر كل هذه التحولات والتغيرات الجذرية في كيان هؤلاء الأعراب، الذين كانوا ضِعافًا فقوَّاهم الله، وكانوا أذلاء فبالإِسلام أعزهم الله. وكانوا متفرقين متخاصمين، فجمعهم الله في إطار الموحدة الإِسلامية التي ظهروا في إطارها بهذا المظهر الرائع الذي له انعقد لسان سيد قريش وزعيمها أبي سفيان بن حرب الذي عبَّر عن دهشته وتعجبه لما رأى بقوله: "ما رأيت يا أبا الفضل مُلكًا كهذا قط، لا مُلك كسرى ولا مُلك بني الأصفر (٢)، لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيمًا" (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٩.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٥.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٢.
[ ٨ / ١٥٦ ]
بدء الاستعراض العسكري
وقد بدأ الاستعراض العسكري أمام زعيم قريش أبي سفيان في الصباح الباكر حسب أمر الرسول القائد. وكان الاستعراض حسب التعبئة التي تمت في منطقة قُديد. فقد مرَّت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها أي أن الاستعراض كان (في جملته) على أساس قبلي، فقد مرت كل قبيلة في كامل هيئتها الحربية منفردة بشعارها الخاص وعلمها المميز.
فرسان خالد أول من بدأ العرض العسكري
وكان أول من افتتح العرض العسكري أمام أبي سفيان القائد خالد بن الوليد، قدمه الرسول في ألف من بني سليم وكلهم من الفرسان يحمل ألويتهم ثلاثة منهم، عباس بن مرداس السلمي، وخفاف بن ندبة، والحجاج بن علاط. وكانت الكتائب قد غاص رجالها في الدروع فصارت تمر أمام أبي سفيان وكأنها بحر متحرك من الحديد. وعندما مر خالد في فرسان بني سليم قال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال العباس: بنو سليم. فقال أبو سفيان: ما لي ولسُليم. ولما قال العباس وهذا قائدهم خالد بن الوليد. قال أبو سفيان. الغلام؟ قال: نعم. ولما حاذى خالد العباس وإلى جانبه أبو سفيان كبَّر ثلاثًا، ثم مضوا.
ثم مر الزبير بن العوام في خمسمائة من محاربى المهاجرين وأخلاط من العرب ومعه راية سوداء. فلما حاذى أبا سفيان كبر ثلاثًا.
وكان أبو سفيان يعرف الزبير حق المعرفة. ولكنه لا كان غائصًا في الدرع والمغفر، لم يعرفه. فقال: من هذا قال: الزبير بن العوام.
قال: ابن أختك؟ (وكان الزبير بن صفية بنت عبد المطلب).
فقال العباس: نعم.
ثم مر بنو غفار في ثلاثمائة. يحمل رايتهم أبو ذر الغفاري فلما حاذوه كبَّروا ثلاثًا. فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ قال: بنو غفار: فيقول أبو سفيان: ما لي ولبني غفار.
[ ٨ / ١٥٧ ]
ثم استعرض بنو أسلم قواتهم أمام زعيم قريش، وكانوا أربعمائة يحمل لواءهم بريدة بن الحصيب. وناجية بن جُندب فلما حاذوه كبروا ثلاثًا. قال: من هؤلاء؟
فيجيبه العباس: أسلم
فيقول أبو سفيان (متذمرًا): ما لي ولأسلم: ما كان بيننا وبينها مرة قط. قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإِسلام.
ثم مر بنو عمرو بن كعب من خزاعة في قواتهم المسلحة وعددهم خمسمائة. يحمل رايتهم بُسر بن سفيان الخزاعي فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟
فقال العباس: بنو كعب بنو عمرو.
فيقول أبو سفيان: نعم، هؤلاء حلفاء محمد. فلما حاذوه كبروا ثلاثًا.
ثم مرَّت قبيلة مُزينة في ألف محارب، بقيادة النعمان بن مُقرن، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو، فلما حاذوا أبا سفيان كبَّروا ثلاثًا.
فقال: من هؤلاء؟
قال العباس: مُزينة. فقال: يا أبا الفضل، ما لي ولمزينة قد جاءتني تقعقع من شواهقها (١).
ثم جاءت جهينة، فاستعرضت قواتها أمام أبي سفيان، وعددها ثمانمائة مقاتل، يقودهم أربعة من ساداتهم: رافع بن مكيث، وعبد الله بن بدر، وسويد بن صخر، وأبو زرعة معبد بن خالد. وكما هي التعليمات، كبَّر الجُهينيون أمام سيد قريش، وقد عرفهم.
ثم مرت ثلاث فخائذ من كنانة التي كانت بنو نفاثة السبب في نقض صلح الحديبية - بني ضمرة وبنى ليث وبنى سعد بن بكر بن كنانة - في مائتين. يقودهم أبو واقد الليثى. فلما حاذوا أبا سفيان وكبَّروا ثلاثًا. قال
_________________
(١) قال في الصحاح: الشواهق، جمع شاهق، وهو الجبل المرتفع.
[ ٨ / ١٥٨ ]
للعباس: من هؤلاء؟ فقال له: بنو بكر.
فعادت الذكريات الأليمة بأبي سفيان إلى الأيام التي ساندت فيها قريش بني بكر في غدرهم بخزاعة. فقال: نعم، أهل شؤم والله، الذين غزانا محمد بسببهم، أما والله ما شوورت فيه ولا علمته، ولقد كنت له كارها، حيث بلغني، ولكنه أمر حُم. فقال العباس: قد خار لك الله في غزو محمد - ﷺ -، ودخلتم في الإِسلام كافة.
ثم مرت قبيلة أشجع النجدية في ثلاثمائة مقاتل. يقودهم معقل بن سنان، ونعيم بن مسعود. فقال أبو سفيان -: وقد عرفهم -: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد - لأنهم من غطفان الذين حاولوا احتلال المدينة في غزوة الأحزاب الرهيبة
فقال العباس: أدخل الله الإِسلام في قلوبهم. فهذا من فضل الله ﷿، فسكت أبو سفيان، ثم قال: ما مضى بعد محمد؟ قال العباس: لم يمض بعد، لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد - ﷺ - رأيت الحديد، والخيل والرجال، وما ليس لأحد به طاقة، قال: أظن والله يا أبا الفضل، ومن له بهؤلاء طاقة؟ .
الرسول يختتم العرض العسكري
وبعد أن أكملت القبائل العربية استعراض قواتها أمام أبي سفيان. أقبل الرسول القائد - ﷺ - يمتطى ناقته القَصْوى في المهاجرين والأنصار الذين كانت لهم قواتهم حوالي خمسة آلاف مقاتل.
وقد كان عامة الجيش من المهاجرين والأنصار، يقدمون رسول الله - ﷺ -. فلما طلعت كتيبة الخضراء (١) طلع سواد وغبرة من سنابك الخيل، وجل الناس يمرون، وأبو سفيان يقول: ما مرَّ محمد؟ فيقول له العباس: لا. حتى إذا ظهر رسول الله - ﷺ - على ناقته القصوى. قال العباس لأبي سفيان: هذا رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) سميت هذه الكتيبة بالخضراء لكثرة ما فيها من الحديد الذي جعل لونها لونا أخضر.
[ ٨ / ١٥٩ ]
وكان الرسول القائد - ﷺ - يسير على ناقته تحيطه هيئة أركان حربه. وهو بين سيد الأنصار أسيد بن حُضير ووزيره الأول أبي بكر الصديق، يتحدث إليهما حديث القائد لكبار ضباط جيشه.
وكانت كتيبته الخضراء الخاصة قد انتظمت كل قوات الأنصار وعددهم أربعة آلاف مقاتل وكذلك انتظمت بعض المهاجرين، وبعض سادات وزعماء القبائل العربية، في الأنصار الرايات والألوية، مع كل بطن من الأنصار راية، وكانوا كلهم غائصين في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، وكان في الكتيبة عمر بن الخكتاب له زجل، وعليه الحديد، وقد لفت ارتفاع صوت ابن الخكتاب في الكتيبة نظر أبي سفيان فقال للعباس: من هذا المتكلم؟ فقال: عمر بن الخطاب. قال أبو سفيان: لقد أمرَ أمرُ بني عدى بعد - والله - قلة وذلة. فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإِسلام.
سعد بن عبادة عدد قريشًا باستباحة حرمتها فيشتكيه أبو سفيان
كان رسول الله - ﷺ - أثناء المرحلة الأخيرة من الاستعراض العسكري قد أعطى رايته الخاصة سيد الأنصار سعد بن عُبادة فصار يتحرك بها أمام كتيبة رسول الله - ﷺ -.
وعندما مر بأبي سفيان صرخ في وجهه: يا أبا سفيان، اليوم يوم اللحمة، اليوم تُستَحَلُّ الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا.
ففزع أبو سفيان لذلك فزعًا شديدًا، إذ أن تهديد سعد هذا فيه تصريح بأن الجيش النبوي سيستبيح مكة وسيقتل أهلها، وهذا خلاف ما اتفق عليه الرسول - ﷺ - وأبو سفيان أثناء مفاوضات التسليم التي انتهت بالاتفاق على أن يلقى القرشيون السلاح وأن تكون مدينتهم مفتوحة يأمن فيها أهلها على أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم وذراريهم.
ولذلك فإن الرسول - ﷺ - لما مر (في هيئة أركان حربه من خاصة أصحابه) ناداه أبو سفيان (محتجًا على تهديدات سعد بن عبادة): يا
[ ٨ / ١٦٠ ]
رسول الله، أمرت بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه حين مر بنا قال: "يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستَحَل الحُرمة، اليوم أذل الله قريشًا" وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبرَ الناس، وأرحم الناس، وأوصل الناس.
وقد ضم كبار المهاجرين القرشيين مثل عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ضمُّوا أصواتهم إلى صوت أبي سفيان مستنكرين قولة سعد بن عبادة، ومعلنين تخوفهم على قريش من سعد وجنوده الأنصار، حيث قالوا: يا رسول الله ما نأمن سعدًا أن يكون منه في قريش صولة. فاستنكر الرسول - ﷺ - مقالة سعد. وطمأن الجميع قائلًا: اليوم يوم المرحمَة، اليوم يعظم الله فيه الكعبة، اليوم أعز الله فيه قريشًا، ولم يكتف الرسول - ﷺ - بهذا القول بل - ليزيل المخاوف التي علقت بنفس أبي سفيان والمهاجرين من قريش - أمر بعزل سعد بن عبادة من منصبه، وعيَّن مكانه في القيادة ابنه قيس بن سعد وقيل علي بن أبي طالب، وقد أبي سعد أن يعتزل منصبه ويسلم عَلَم الجيش لخلفه إلا بأمارة (أي علامة) من الرسول - ﷺ -. فأرسل إليه الرسول - ﷺ - بعمامته (أمارة) فعرفها فدفع علم الجيش إلى ابنه سعد واعتزل القيادة.
وبعد أن أكملت آخر مجموعة من القوات الإِسلامية استعراضها أمام أبي سفيان. وانتهى ذلك العرض العسكري الرائع الذي تعمد الرسول القائد الحكيم أن تقوم به قواته أمام سيد قريش وزعيمها أبي سفيان بن حرب، قبل أن يعود إلى قومه في مكة - قال أبو سفيان للعباس الذي كان واقفًا إلى جانبه طوال المدة التي أجرت فيها القوات الإِسلامية المسلحة استعراضها -: سبحان الله، ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، ليس بملك ولكنها نبوة. قال: فنعم إذن (١) ..
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٠ وما بعدها، ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٨ وما بعدها، والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٥ وما بعدها وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٦ وما بعدها. وطبقات ابن سعد ج ٢ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٥٤ وزاد المعاد ج ٤ وتاريخ ابن عساكر ترجمة أبي سفيان.
[ ٨ / ١٦١ ]
تأثير العرض العسكري في نفس أبي سفيان
وقد تركت الاستعراضات العسكرية التي قامت بها مختلف الأسلحة في الجيش النبوي أمام سيد قريش وزعيمها أبي سفيان بن حرب في الوادي بضواحي مكة .. أحدثت في نفس أبي سفيان آثارها العميقة التي أرادها الرسول القائد - ﷺ - أن تحدث، حينما أمر بإقامة هذا الاستعراض التاريخي الذي قامت به مختلف الوحدات في الجيش النبوي وعلى أروع صورة.
فقد هدف الرسول القائد - ﷺ - من وراء القيام بهذا الاستعراض العسكري الكامل، إلى أن يرى زعيم قريش بنفسه مدى قوة الجيش النبوي عددًا وتسليحًا وتنطمًا وانضباطًا وقوة إرادة وحسن طاعة وقدرة على سحق أية مقاومة (مهما كانت) قد يفكر المتهورون من قريش في القيام بها عندما يشرع هذا الجيش في السيطرة على مكة وتحريرها. فينقل أبو سفيان إلى قومه في مكة الانطباعات الحقيقية عن مدى قوة الجيش النبوي ومدى قدرته على إبادة آية قوة تعترض سبيله وهو يدخل مكة، فلا يتهور أحد منهم فيفكر في المقاومة.
عودة أبي سفيان إلى مكة
فبعد أن رأى سيد قريش وقائد جيوشها أبو سفيان بن حرب، رأى العين، حقيقة ما عليه الجيش النبوي من ضخامة في العدد وجودة في التسليح وانضباط في السلوك وقوة في العقيدة وتصميم في الإِرادة، قر في نفسه بأنه من الانتحار أن يحاول أحد من القرشيين في مكة مقاومة هذا الجيش .. وقد عاد أبو سفيان إلى مكة وهو يحمل إلى قومه هذا الانطباع الذي لم يستطيع أحد محوه من نفسه، بل ظل هذا الانطباع ملازمًا له، ومُلِحًا عليه بأن يُقنع كل الفئات من قومه قريش بأن يلقوا بأسلحتهم ويستسلموا للجيش الزاحف لأنه لا قِبَل لأحد منهم بهذا الجيش.
المتطرفون يحاولون المقاومة
وقد حاول المتطرفون ص قريش (وعلى رأسهم زوجة القائد العام نفسه هند بنت عتبة) أن يشككوا فيما يقوله أبو سفيان عن مدى قوة الجيش
[ ٨ / ١٦٢ ]
النبوي ويقنعوا قوات قريش المسلحة بالاحتشاد لاعتراض الجيش النبوي في مواجهة مسلحة لصده عن دخول العاصمة المقدسة، ولكن هؤلاء المتطرفين فشلوا. ونجح أبو سفيان في إقناع الجماهير القرشية بإلقاء السلاح والاستسلام لجيش الرسول - ﷺ -. فدخل الجيش النبوي مكة دونما مقاومة تذكر وبهذا نجت العاصمة المقدسة من مجزرة رهيبة كاد المتطرفون من أعيان مكة يتسببون في حدوثها.
أبو سفيان في مكة يدعو قومه لإِلقاء السلاح.
فعقب انتهاء العرض العسكري الذي قام به الجيش النبوي من مختلف الوحدات أمام أبي سفيان عند مضيق الوادي، أبلغ وسيط السلام العباس بن عبد المطلب. صديقه وقريبه أبا سفيان بأن في إمكانه الآن أن يذهب إلى قومه في مكة، ليخبرهم بما رأى، ويبلغهم نهاية محادثاته التي أجراها مع الرسول - ﷺ - والاتفاقات التي توصل إليها نتيجة هذه المحادثات، بل لقد نصح العباس صديقه أبا سفيان بأن يسارع إلى قومه في مكة، لإِنقاذهم حيث قال له: "فانج ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم" (١).
استجابة أهل مكة لنداء أبي سفيان بإلقائهم السلاح
عمل أبو سفيان بن حرب بتوجيه صديقه العباس بن عبد المطلب، فانطلق بأقصى سرعة إلى قومه بمكة، ليطلب منهم الهدوء وتنفيذ الاتفاقية التي أبرمها مع الرسول القائد - ﷺ - ليحرزوا دماءهم وأموالهم.
وما كاد أبو سفيان يصل مكة حتى تجمهر عليه الناس من كل حدب وصوب، وأخذوا يمطرونه بالأسئلة عما حدث له في المهمة التي انتدبته قريش من أجلها، وعما يجب أن يفعلوه في تلك الساعات الحاسمة الحرجة من تاريخ قريش، فقد استبدت بهم الحيرة والقلق، لا يدرون ماذا يصنعون.
وقد أخبرهم أبو سفيان بكل شيء، وكان صريحًا معهم إلى أبعد الحدود.
أبلغهم أنه قرر (وبموجب اتفاقية عقدها مع محمد - ﷺ -) على أن تكون
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٢.
[ ٨ / ١٦٣ ]
مكة مدينة مفتوحة لا يشهر فيها أصحاب محمد سلاحًا، شريطة أن يلقى أهل مكة سلاحهم، ويمتنعوا عن إبداء أية مقاومة للجيش النبوي عندما يدخل مكة، وأن يلتزموا بقرار حظر التجول في المدينة الذي سيكون سارى المفعول منذ وصول أول جندى إسلامي حدود مكة، وذلك بأن يلزم كل إنسان داره ويغلق على نفسه بابه، أو يدخل دار أبي سفيان نفسه أو يعتصم بالمسجد، وتلك هي الوسيلة الوحيدة لنجاة أهل مكة من التعرض لسيوف المسلمين. الذين كانت التعليمات صريحة لديهم بأن يقتلوا كل من يحاول اعتراض سبيلهم، وأن يكفوا (من جهة أخرى) عن قتل أيّ إنسان من أهل مكة لا يعترض سبيلهم.
أبو سفيان يدعو أهل مكة إلى الإِسلام
وقد أخبر أبو سفيان أهل مكة أن التزامهم بهذه القرارات وتنفيذهم لهذه الأوامر، سيكون مقابله أن أرواحهم وأموالهم وكل ممتلكاتهم مضمونة لهم من قبل الجيش النبوي.
كما أن أبا سفيان (وقد رأى بأم عينيه حقيقة القوة الجبارة التي عليها الجيش الإِسلامي) صارح أهل مكة والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، بأن أية مقاومة يبديها القرشيون في وجه الجيش الزاحف سيكون مصيرها التلاشى السريع، وأن أسلم طريقة هي عدم التفكير في المقاومة - بل إن أبا سفيان (وقد أصبح مسلمًا) دعا أهل مكة إلى الدخول في الإِسلام ذاته.
المعارضون لأبي سفيان من قريش
وقد لقى أبو سفيان بعض المعارضة عندما ألقى بيانه الصريم على الجماهير القرشية حول المسجد، وصارحها بالحقيقة، ودعاها إلى اتباع داعى العقل الراجح لا العاطفة الفوارة. التي لا يقود اتباعها إلَّا إلى الويلات والكوارث.
هند تدعو جماهير قريش إلى قتل زوجها أبي سفيان
وكان أشد المعارضين لما قاله وجاء به ودعا إليه سيد قريش أبو سفيان،
[ ٨ / ١٦٤ ]
زوجه هند ابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس التي ما كادت تسمع في عوة زوجها قومه إلى الاستسلام للجيش الإِسلامي الغازى حتى قبحته وهجمت عليه تجرُّه من شنبه داعية أهل مكة إلى قتله، وقد أيدها في معارضتها فئة من القرشيين مثل عكرمة بن أبي جهل.
غير أن المعارضة لأبي سفيان كانت (على عنفها) قليلة بحيث ضاع صوتها وسط أصوات الأغلبية الساحقة من أهل مكة الذين استجابوا لسيدهم أبي سفيان، بعد أن استصوبوا رأيه وعلموا إخلاصه وصدقه فيما نصحهم به، فسارعوا إلى تنفيذ كل التعليمات والأوامر التي ألقى بها إليهم، قبل أن يصل الجيش النبوي مكة.
فقد أفاد المؤرخون، أن أبا سفيان لما عاد من المعسكر النبوي (وكان على بعد أربعة أميال من مكة) صرخ في قريش بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت برأسه، فقالت: ما وراءك؟ . قال: ما ورائى؟ هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد، جعل لي: من دخل دارى فهو آمن، فقال له بعضهم: قبَّحك الله، وما تُغنى عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن.
فكانت زوجته هند تقول وقد أخذت بشاربه: قبحك الله رسول قوم، يا آل غالب اقتلوا الشيخ الأحمق الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، ثم حرضت قريشًا على المقاومة قائلة: هلا قاتلتم ودافعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال أبو سفيان: ويحك اسكتى وادخلى بيتك، ثم خاطب الجماهير القرشية قائلًا: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، رأيت ما لم تروا، رأيت الرجال والكُراع والسلاح، فلا لأحد بهذا طاقة، فإنه قد جاءكم ما لا قبَل لكم به (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٧ تاريخ الطبري ج ٣ ص ٥٤ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٢ وما بعدها، والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٠ وما بعدها، والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٥ وما بعدها وتاريخ ابن عساكر. ترجمة أبي سفيان بن حرب وصحيح البخاري ج ٥ وزاد المعاد ج ٤ وجوامع السيرة.
[ ٨ / ١٦٥ ]
أهل مكة يلقون السلاح ويستعدون للإسلام
بعد أن استمع الناس في المسجد إلى بيان أبي سفيان الذي ألقاه على جماهير قريش، تفرق الناس ولدى كل منهم الاقتناع الكامل بأنه من العبث إبداء أية مقاومة للجيش النبوي، وأن الحكمة والصواب تكمنان فيما قاله ودعا إليه أبو سفيان الجماهير القرشية، وهو الكف عن القتال وإلقاء السلاح.
وانطلاقًا من هذا الاقتناع سارع القرشيون إلى إخلاء الطرقات واعتصموا، إمَّا بمنازلهم وإمَّا بالمسجد وإمَّا بدار أبي سفيان بن حرب، بعد أن ألقوا بأسلحتهم في الطرقات وأمام المنازل وعند مداخل المسجد، تقيدًا بالاتفاقية التي أبرمها زعيمهم أبو سفيان بن حرب مع الرسول القائد - ﷺ - لتجنيب مكة ويلات الحرب، ولتكون أرواح القرشيين وأموالهم وكل ممتلكاتهم مصونة.
وبهذا طبق القرشيون نظام منع التجول وأصبحت شوارع مكة (قبل دخول الجيش النبوي إليها) خالية من الناس.
الشاذون الذين قاوموا فهزموا
وإذا كانت الأغلبية الساحقة من أهل مكة قد استجابوا لنداء العقل فقرروا الاستسلام لجيش الإِسلام الغازى الذي لا قبل لهم بمقاومته فألقوا السلاح وأخلوا الشوارع والتزموا منازلهم أو المسجد أو بيت أبي سفيان حتى أتم الجيش النبوي السيطرة على مكة، فإن أقلية من قريش خرجوا على الإِجماع، وعصوا زعيمهم أبا سفيان بن حرب، فحملوا السلاح وقرَّروا مقاومة الجيش النبوي الزاحف، ولكن مقاومتهم سُحقت خلال عدة دقائق، وكان من سوء حظهم أن كانت مقاومتهم في وجه أمهر قائد حربى عرفته جزيرة العرب (بعد الرسول - ﷺ -) وهو خالد بن الوليد.
وكان من بين الذين خرجوا على الإِجماع فقاوموا الجيش النبوي فتسببوا فيما لم يرغبه الرسول القائد - ﷺ - من سفك الدم في الحرم الآمن رجال صاروا فيما بعد من الأبطال الذين رووا شجرة الإِيمان بدمائهم الزكية الطاهرة مجاهدين في سبيل الله، مثل صفوان بن أمية، وعكرمة بن
[ ٨ / ١٦٦ ]
أبي جهل اللذين استشهدوا في معارك الشام التي نشبت بين جيوش الإِسلام وجيوش الإِمبراطورية الرومانية في عهد الفاروق عمر.
توزيع القيادات استعدادًا لدخول مكة
ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب أن الرسول القائد - ﷺ - عبأ جيشه في قُدَيد على أساس قبلي، وقد تحرك الجيش من قُدَيد في اتجاه مكة وهو في حالة تعبئة تامة، وعلى الأساس القبلى المشار إليه والمذكور تفصيليًا فيما مضى من هذا الكتاب.
غير أن الرسول - ﷺ - لما وصل (ذي طُوَى) - وهو المنطقة المسماة اليوم في مكة .. (بالزاهر) قَسَّم جيشه البالغ عشرة آلاف مقاتل إلى خمس فرق. كان هو - ﷺ - قائد الفرقة الأولى التي ضمت هيئة أركان حربه من كبار المهاجرين والأنصار وشيوخ القبائل العربية وساداتها.
أما الفرق الأربع الأخرى التي كُلفت بالسيطرة على مكة واحتلالها وسحق أية مقاومة مسلحة يبديها أيّ من القرشيين فقد أسندت قيادتها إلى أربعة من كبار الصحابة، ثلاثة من المهاجرين، وواحد من الأنصار.
الجهات التي دخلت منها فرق الجيش مكة
وهؤلاء القادة الأربعة، هم:
١ - الزبير بن العوام، كُلفت فرقته بأن تستولى على الناحية الشمالية من مكة. عند منطقة يقال لها كدُيَّ (١) (وهي غير كُدَّا).
٢ - خالد بن الوليد. وكلِّف بأن يدخل مكة من ناحية الجنوب من منطقة يقال لها: الليِّط (٢)، وهي المسماة اليوم بمحلة السفلة.
٣ - أبو عبيدة بن الجراح. وقد كلفه الرسول - ﷺ - أن يدخل بفرقته من الناحية الشمالية الغربية (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٥.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٩.
(٣) الرسول القائد ص ١٣١.
[ ٨ / ١٦٧ ]
٤ - قيس بن سعد بن عبادة (١) الأنصاري كلفت الفرقة التي يقودها (وكلها من الأنصار) أن تدخل مَكة من جنوبها الغربي (٢) وكان من المقرر أن يقود هذه الفرقة سعد بن عبادة سيد الأنصار. ولكن الرسول - ﷺ - عزله من القيادة لتفوهه بكلام أغضب المهاجرين لأنه يتضمن التهديد بأنَّ الأنصار سيستبيحون مكة. فعزله الرسول - ﷺ - تأديبًا له على قوله ذاك (٣). إلا أن الرسول - ﷺ - تعمَّد أن يخلف سعدًا في القيادة ابنه قيس تطييبًا لنفسه، ولئلا تخرج قيادة الأنصار (وهم العمود الفقرى للجيش) منهم إلى غيرهم.
من أين دخل الرسول مكة؟
أمّا الرسول القائد - ﷺ - فالمرجَّح (حسب سياق المؤرخين) أنه دخل مكة من الناحية التي دخل منها أبو عبيدة بن الجراح. بدليل أن ابن إسحاق ذكر أن أبا عبيدة كان يَنصَبُّ بالصف من المسلمين لمكة بين يدي رسول الله - ﷺ - (٤) وهذا يعني أن الرسول - ﷺ - دخل مكة من ناحيتها الشمالية الغربية
_________________
(١) هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجى أبوه سيد الخزرج كان من شباب الأنصار الشجعان، وكان مثل أبيه ذروة في السخاء والكرم والجود، ومن أمثلة سخائه وجوده أن رجلا استقرض منه ثلاثين ألفًا. فلما ردها عليه أبى أن يقبلها (الإصابة في تمييز الصحابة ج ٣ ص ٢٣٩) وفي صحيح البخاري عن أنس كان قيس بن سعد من النبي - ﷺ - بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وقال ابن عبد البر .. كان قيس أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي: والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة. وكان شريفا في قومه غير مدافع وكان أبوه وجده كذلك (انظر قصة سخائه وكرمه في غزوة الخبط من هذا الكتاب) كان قيس حامل بواء الأنصار وقائد إحدى الفرق الأربع التي حررت مكة يوم الفتح. وقال ابن عيينة: كان قيس بن سعد ضخمًا حسنا طويلا. إذا ركب خطت رجلاه الأرض. ساهم في فتح مصر تحت قيادة عمرو بن العاص. شهد أكثر المشاهد مع رسول الله - ﷺ - كان من أنصار علي في نزاعه مع أصحاب الجمل ومعاية وكان واليا لعلي على مصر فاستبدله بمحمد بن أبي بكر الصديق. شهد صفين مع أمير المؤمنين علي ولما انفرد معاوية بالأمر وبايعه المسلمون عام الجماعة وقدم قيس على معاوية ذكره بمواقفه مع علي في صفين فأغلظ لمعاوية وكرر ثباته على تأييده لعلي. فاحتمل ذلك منه معاوية وأكرمه توفى قيس في أواخر خلافة معاوية بالمدينة.
(٢) الرسول القائد (خريطة فتح مكة أزاء ص ١٣٣).
(٣) البداية والنهاية ٤ ص ٢٦٥.
(٤) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٩.
[ ٨ / ١٦٨ ]
واتجه على خطٍ مستقيمٍ وبين يديه أبو عبيدة حتى وصل ناحية الحجون. ومن هناك انحدر جنوبًا نحو المسجد. بعد أن استراح ناحية الحجون في قُبَّة ضُربت له هناك (١).
وبالرغم من أن الرسول - ﷺ - قد قسم الجيش إلى خمس فرق عند دخول مكة، فقد ظل الجيش على تعبئته الأساسية. حيث دخلت القبائل مكة على راياتها وتحت قيادات ضباطها حسب التنظيمات والتعبئات التي أجراها الرسول - ﷺ - في قُدَيد. وعلى النحو الذي فصّلناه فيما مضى من هذا الكتاب.
وبعد أن قسَّم الرسول - ﷺ - جيشه في ذي طوى وعرف كلُّ قائد من القادة الأربعة المكلفة فرقهم بالسيطرة على مكة. الجهة التي عليه أن يدخل مكة منها، وقف مختلف فرق الجيش على أهبة الاستعداد في ذي طوى لاقتحام مكة.
الأوامر المشددة بعدم استخدام السلاح في مكة عند دخولها
وقد أصدر الرسول القائد - ﷺ - إلى قادة جيشه الأوامر المشددة بأن لا يستخدموا السلاح في مكة ولا يقاتلوا إلا من اعترض سبيلهم وقاتلهم. فقال: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم (٢).
وقد نفَّذ قادة القطعات في الجيش أوامر الرسول القائد فلم يحدث منها أي قتال عند دخولها مكة، ما عدا القطعات التي يقودها خالد بن الوليد وهي أهم القطعات من الناحية الحربية حيث كان كلُّها من الفرسان وسلاح الفرسان هو من أهم ما تعتمد عليه الجيوش في ذلك العصر.
ففي المنطقة التي كلف سلاح الفرسان بقيادة خالد بن الواليد باحتلالها حديث (فقط) القتال حيث قاوم قلة من القرشيين بمساندة البكريين جيرانهم، والذين كانوا سببًا في نقض صلح الحديبية، ثم في قيام الرسول - ﷺ - الله بهذا الغزو الشامل.
العرض العسكري في ذي طوى
بعد أن أعطى الرسول القائد - ﷺ - الأوامر إلى قادة الفرق الأربع
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٩.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٧.
[ ٨ / ١٦٩ ]
المكلفة باحتلال مكة، وتحريرها قامت قطعات الجيش النبوي باستعراض في المنطقة التي فيها تجمَّع الجيش وهي سهل يقع في الناحية الشمالية الغربية خارج أبنية مكة إزاء الحجون والخندمة.
فقد ذكر المؤرخون أن الرسول لما أكمل جيشه. الاستعداد لدخول مكة اغتسل ثم دعا براحلته القَصوى فأدنِيت له إلى باب قُبته، ودعا للبس السلاح والمغفر على رأسه وقد صف له الناس والخيل تمعج (١) بين الحجون والخندمة.
وقد شهد أهل مكة بأم أعينهم تجمُّع الجيش النبوي وهو يتهيأ للانطلاق، كل فرقة نحو المنطقة التي حُددت لها من مكة. وقد رأى أهل مكة هذا الحشد والاستعراض والاستعداد والتنظيم من رؤوس الجبال.
فقد ذكر ابن هشام هذا المشهد الرائع للجيش النبوي (كما وصفه شاهد عيان من قمة جبل أبي قبيس) فقال: (لما وقف رسول الله - ﷺ - بذى طوى) قال أبو قحافة (والد أبي بكر الصديق لابنة من أصغر بناته (٢). أي بنيَّة، اظهرى بي على أبي قبيس، قالت وقد (كُفَّ بصره) قالت فأشرفت به عليه، فقال: أي بنيَّة ماذا ترين؟
قالت: أرى سوادًا مجتمعا قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك مقبلًا ومدبرًا. قال: أي بنية، ذلك الوازع (٣) يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، قالت: فقال، قد والله دفعت الخيل، فأسرعى بي إلى بيتي، فأسرعت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته (٤).
وذكر الواقدي أن الفتاة قريبة بنت أبي قحافة كانت ترعب من الخوف، فقال لها أبوها - حين رأى ما بها من الخوف -: يا بُنية لا تخافى، فو الله إن أخاك عتيقًا (يعني أبي بكر) لآثر أصحاب محمد عند محمد (٥).
_________________
(١) معج، أي أسرع.
(٢) قال الواقدي: واسمها قريبة (بضم القاف).
(٣) الوازع هنا: هو الذي ينظم الجيش ويضبط صفوفه فكأنه يكفه عن التفرق والانتشار الفوضوى استعدادا للانطلاق بعد الأمر من القائد.
(٤) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٨.
(٥) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٤.
[ ٨ / ١٧٠ ]
اعتدال ميزان التاريخ
أكمل الرسول - ﷺ - في ذي طوى تهيئة جيشه للانطلاقة الأخيرة التي بها تصبح المدينة المقدسة، مكة الكرمة محررة تمامًا من دنس الشرك ورجس الوثنية، وأخذت آلاف الخيل وكأنها ترقص تضرب الأرض بحوافرها تمايل وتنازع راكبيها الأعنَّة تريد الانطلاق.
ووقفت جميع الفرق الأربع على أهبة الاستعداد، كل فرقة قد انحازت في ميدان الحشد الأخير بذى طوى، وقائد كل فرقة يتجول بحصانه أمام صفوفها يلقى عليها الأوامر بالتزام النظام والانضباط في انتظار إشارة الهجوم من الرسول القائد - ﷺ -.
وفي تلك اللحظات الحاسمة اعتدل ميزان التاريخ وحقق الله لعباده الصابرين المؤمنين الوعد الذي وعدهم به ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
وتهيأت مكة الحبيبة وكادت جبالها تزحف (فرحا) لاستقبال ابنها الأمين البار الصابر المحتسب، وجيشه الباسل المظفر المؤمن ليخلصها من رجس الوثنية وانحطاط الجاهلية، ويعيد إلى ربوعها أشعة أنوار دين إبراهيم - ﵇ -، ليضئ معالمها التي عاشت آلافًا من السنين في ظلمات من الشرك والجهل والتخلف، حالكة وأخذ التاريخ طِرسه ليسجل (في زهو) تلك المفارقة العجيبة الرائعة، التي تتجسد فيها أعظم العظات والعبر، وتستقطب الفكر كله للدرس والتأمل والنظر.
هكذا تكون ثمار الثبات على العقيدة
إن ما شهدته مكة في صباح ذلك اليوم التاريخي الأغر من مفارقات عجيبة رائعة، إنما هو إحدى ثمار الثبات على العقيدة السليمة الدافعة التي نقتَّتت (متمثلة في حاملها الثابت عليها) كلَّ شيء يعترض سبيلها حتى ولو كان الجبال الراسيات.
وأية مفارقة أروع وأعظم مما كتبه التاريخ في ذلك اليوم الأغر، من
_________________
(١) ٢٧ الفتح.
[ ٨ / ١٧١ ]
كفاح هذا الرجل العظيم محمد بن عبد الله الهاشمي، الذي كان ولسبع سنوات فقط، أهون على قومه في مكة، من أي شيء لديهم.
أَجمعوا على قتله وهو بين ظهرانيهم بمكة. وهم يعرفون كلهم، أنه أبر وأشرف وأطهر وأنبل من عرفته بطحاؤهم منذ كانت هذه البطحاء.
أجمعوا مع ذلك على التخلص منه بالقتل جزاء سعيه المخلص لإنقاذهم من براثن الشرك المهلكة، فأحاطوا بمنزله لينفذوا فيه جريمة القتل التي أجمعوا على تنفيذها في برلمانهم العشائرى (دار الندوة). انتصارًا للباطل ومعاندة للحق.
وعندما نجاه الله من شرهم، واكتشفوا فشل مؤامرتهم الدنيئة صبيحة تلك الليلة الليلاء حين لم يجدوا محمدًا في فراشه بمنزله كما توقعوا أن يجدوه لتمزقه سيوفهم، أهدروا دمه، وحرَّضوا على سفكه وأغروا كل سكان مكة والناطق المجاورة لها، بأن خصصوا أعظم مكافأة من أعز ما يتوق العربي إلى امتلاكه من مال (مائة ناقة) لمن يعيد إليهم محمدًا - ﷺ - حيا أو ميتا. ولكنهم فشلوا فشلًا كاملًا، إذ نجى الله رسوله - ﷺ - من مكرهم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
اليوم الذي فتحت فيه مكة
أية مفارقة رائعة عظيمة تلك التي تمطى التاريخ في عليائه ليسجلها صبيحة ذلك اليوم التاريخي الخالد المشهود يوم الفتح الأعظم (يوم الاثنين لعشر بقين من شهر رمضان المبارك عام ثمان للهجرة) (٢). قصة محمد بن عبد الله الذي خرجت مكة كلها، قبل سبع سنوات فقط تبحث عنه في مطاردة جنونية مسعورة، كل فرد من المطاردين يمنى نفسه بقتل هذا الرجل أو إلقاء القبض عليه حيا ليُلقى به مكتفًا بين أيدى زبانية دار الندوة، فيحصل على المكافأة الضخمة التي سال لها لعاب كل إنسان في مكة يومها، والتي خصصتها خزينة برلمان الشرك لمن يمنع محمدًا من الهجرة إلى المدينة. بأية وسيلة كانت، القتل أو الاعتقال، كأن محمدًا قد ارتكب أعظم جناية تبيح دمه، نعم إنها في
_________________
(١) الأنفال ٣٠.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٨٦، والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢١٠.
[ ٨ / ١٧٢ ]
نظر الجاهلين المشركين من قومه، جناية.
مع أنها في واقعها، كانت أعظم عملية إنقاذ حاول إنسان القيام بها لإخراجهم من ظلام الشرك إلى نور التوحيد، ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم والمعرفة، ومن استعباد الوجدان والفكر إلى حرية الضمير والتفكير، ومن عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق.
أيَّة موعظة وعبرة، وأيّ عجب أعجب من تلك المفارقة التي سجلها التاريخ ضمن قصة كفاح ذلك الإنسان الكامل - ﷺ - وعلى آله وصحبه وسلم. الذي تذكر مكة ولا تنسى (وهي تقف اليوم يرجف كبار مجرميها تحت رحمة عشرة آلاف محارب، يقودهم هذا الرجل الذي أراد أهل مكة أن يجعلوا منه طريدًا لا عودة له) تذكر مكة ولا تنسى أن هذا الرجل إياه خرج منها وحيدًا خائفًا يترقب، يترصده الموت في كل مكان ليس معه من البشر من يشاركه تلك الأخطار سوى رجل واحد هو صاحبه الأكبر أبو بكر الصديق.
وها هو اليوم يعود إلى مكة الحبيبة مرفوع الرأس وضاح الجبين، قد أحاطه الله بالعزة والمنعة وألبسه رداء السيادة ووضع في يده مقابض كل القيادة، قد أحاط به خر يموج بآلاف الفرسان وآلاف الشاة من جنود الله، كلهم يفديه بمهجته.
حقًّا إنه لأمر عجيب، ومفارقة أعجب، والمفارقة الرائعة (التي منها يستمد العاقل المتبصر العبر والمواعظ) تتجسد في أن هذه البلدة (مكة) التي خرج كل أهلها لمطاردة محمد بقصد الفتك به، يستقبلهم اليوم أهلها (أولئك أنفسهم) في ذل وانكسار، وأيدى كبار مجرميها تتحس رؤوسهم خوفًا من أن تفصلها عن كواهلهم سيوف الرجل الطريد بالآمس والفاتح العزيز المنتصر اليوم.
إنهم لم يتركوا وسيلة للقضاء عليه والتخلص منه ومن دعوته إلَّا واتبعوها غير متحرجين. ولكن ها هم اليوم قد أصبح مصيرهم جميعًا في يده بعد أن ألقوا السلاح وأعلنوا الاستسلام لجيوشه لعجزهم (فقط) عن مقاومتها، ولو قدروا على مقاومتها لفعلوا. ولكن ماذا فعل بهم عندما انتصر عليهم وسيطرت جيوشه على مكة؟ .
[ ٨ / ١٧٣ ]
لا شيء، إلا العفو الشامل عند المقدرة الكاملة، خُلق لا يتحلى به إلا أولو العزم من الرسل الذين صَفت نفوسهم وطهرت، فلم يوجد فيها مكان لحقد أو ضغينة.
كيف دخل الجيش النبوي مكة
كان المخطط الذي وضعه الرسول القائد - ﷺ - لجيشه للاستيلاء على المدينة المقدسة يقضى بأن تنعم هذه المدينة بالأمن والسلام، وأن لا يشعر أهلها بأي ترويع في النفس أو الأهل أو المال أو الولد.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل أصدر الرسول القائد - ﷺ - إلى كافة القطعات في جيشه أوامره بأن لا يستخدموا السلاح عند دخولهم مكة إلا ضد الذي يشهره في وجوههم. أي أن الرسول - ﷺ - أمر الجيش بالامتناع عن القتال داخل مكة إلَّا في حالة الدفاع عن النفس.
نظام منع التجول في مكة
ومن جهة أخرى، ولكى تتجنب المدينة المقدسة أي صداء دام الذي قد يثيره أصحاب العواطف العمياء من القرشيين، فرض الرسول القائد - ﷺ - - بالاتفاق مع سيد قريش أبي سفيان بن حرب - نظام منع التجول وحظر حمل السلاح على جميع سكان مكة. عندما يشرع الجيش النبوي في السيطرة عليها حتى ينتهى من تحريرها.
وقد التزم أهل مكة، بنظام منع التجول، فالتزموا منازلهم، أو المسجد أو دار أبي سفيان استجابة لنداء زعيمهم وقائدهم أبي سفيان، كما ألقوا بأسلحتهم خارج بيوتهم كعلامة على الاستسلام.
وبسبب تنفيذ أهل مكة لنظام منع التجول خلت الشوارع والطرقات والميادين العامة من المارة، وأرهف القرشيون أسماعهم في انتظار الحَدَث العظيم، وخيم الصمت على العاصمة المقدّسة، وتلاحقت ضربات القلب في الصدور الخائفة .. صدور سادات مكة الذين صارت قلوبهم تركض بين جنوبهم، وكأنها تكاد تقفز من الصدور جزعا، وهم يستعرضون ماضيهم الأسود، وكأنه شريط يقوم التاريخ بعرضه أمامهم ليروا فيه ذلك الماضي الزاخر بجرائم العسف والظلم والبغى والاضطهاد التي ارتكبوها في حق ابن مكة
[ ٨ / ١٧٤ ]
الأمين النبيل البار، والقلة من أصحابه البررة يوم أن كانوا عزلا من السلاح يدعونهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى ما فيه إنقاذهم من عبادة الله وحده ونبذ عبادة ما سواه من الأنداد.
الساعة الحاسمة في تاريخ مكة
ودنت الساعة الحاسمة وحُبس عقربها على الصفر، حين بدأ الجيش النبوي بفرقة الأربع يتحرك من ذي طُوى للسيطرة على المدينة المقدسة.
فقد تحرك قائد كل فرقة بفرقته في اتجاه الناحية التي كلفه الرسول والقائد الأعلى للجيش أن يدخل منها للعاصمة.
• خالد بن الوليد تحرك ليدخل مكة من جنوبها، "محلة المسفلة اليوم".
• الزبير بن العوام تحرك رتله ليدخلها من الشمال وقد أمره الرسول أن يتوقف بفرقته ويركز رايته عند الحُجون.
• أبو عبيدة بن الجراح تحرك بفرقته وكلهم من المشاة ليدخل العاصمة من شمالها الغربي.
• قيس بن سعد بن عبادة اندفع رتله ليدخل المدينة من غربها الجنوبي.
أما الرسول والقائد الأعلى للجيش فقد تحرك بهيئة أركان حربه من كبار المهاجرين والأنصار وزعماء القبائل ليدخل مكة من ناحية كذا (شمال غربي مكة) حيث كان قائد الفرقة الثالثة أبو عبيدة يتحرك أمامه بفرقته المشاة في الأبطح نحو الحجُون.
منطقة القتال الوحيدة بمكة
وقد سيطر كلُّ قائد من القادة الأربعة على الناحية المكلَّف بالسيطرة عليها دونما أية مقاومة اللهم إلا ما حدث في الناحية التي دخل منها فرسان خالد بن الوليد ناحية الخندمة حيث لقى بعض المقاومة فسحقها في الحال.
فقد تجمع جنوبي مكة جماعة من القرشيين على رأسهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، قرروا الصمود في وجه خالد بن الوليد الذي كان يقود أهم قطعات الجيش النبوي وهم الفرسان .. يساند القرشيين في المقاومة هذه لفيف من قبيلة بكر وهذيل. وقد اختاروا للمقاومة مضيقًا
[ ٨ / ١٧٥ ]
سيطروا عليه من مرتفعات تشرف عليه، وهو الطريق الرئيسى الذي ستمر به قطعات الفرسان بقيادة خالد بن الواليد.
خالد ينذر المقاومين ثم يسحقهم
فعندما وصلت قوات خالد بن الوليد إلى ذلك المضيق (الخندمة) وجدت في انتظارها (وعلى أهبة الاستعداد) أولئك النفر من قريش وبكر وهذيل الذين لم يمهلوا طلائع قوات خالد حتى أمطروها من المرتفعات ومن خلف الصخور بوابل من سهامهم.
وعندها أمر خالد قطعاته بالتوقف لعله يقنع المهاجمين لإِلقاء السلاح والانصراف إلى منازلهم، فقد نادى خالد سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل - وقد عرف أنهم قادة هذه المقاومة - وأبلغهم بأن لديه الأوامر من القائد الأعلى لجيش الرسول الأعظم - ﷺ - بالامتناع عن استخدام السلاح ضد أي إنسان إلّا من شهره وقاتل، وأنه إذ ينذرهم بسحق مقاومتهم يمنحهم الفرصة الكافية ليكفوا عن القتال، ويلقوا بأسلحتهم وينصرفوا سالمين بمن معهم كل إلى منزله.
ولكن قادة هذه المقاومة كان جوابهم على إنذار خالد بأنهم قد أقسموا أن يقاتلوا، ولا يتركوا محمدًا يدخل مكة عَنوة. واستمر المقاومون في هجومهم على خالد ورجاله بالنبل.
وهنا اضطر خالد إلى استخدام السلاح ضدهم فأصدر أمره إلى قواته بالهجوم عليهم، ففعلوا وما هي إلّا لحظات قليلة حتى مزقت فرقة خالد تلك المقاومة وسحقتها، حيث انهزم القوم شر هزيمة، وفروا في كل ناحية، بعد أن تركوا وراءهم ثمانية وعشرين قتيلًا، من بينهم أربعة من هذيل، ولم يفقد خالد في هذه المعركة القصيرة أحدًا من رجاله، اللهم إلّا رجلين لم يقتلا في المعركة، وإنما قتلا على أيدى أعراب من بني بكر، بعد أن ضلا طريقهما. وهؤلاء الذين استشهدا هما: كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر، وحنيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بني منقذ (١).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٦.
[ ٨ / ١٧٦ ]
وقد روى الواقدي والطبراني تفاصيل هذه المعركة الجزئية القصيرة التي اضطر القائد خالد إلى خوضها جنوبي مكة، فقال الواقدي: فلما دخل خالد بن الوليد وجد جمعًا من قريش وأحابيشها (١) قد جمعوا له، فيهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، فمنعوه الدخول، وشهروا السلاح، ورموا بالنبل، وقالوا: لا تدخلها عنوة أبدًا فصاح خالد بن الوليد في أصحابه وقاتلهم، فقتل منهم أربعة وعشرين رجلًا من قريش، وأربعة من هذيل، وانهزموا أقبح الانهزام قتلوا بالحرورة (٢) وهم مولون في كل وجه، وانطلقت طائفة منهم فوق رؤوس الجبال، واتبعهم المسلمون، (فتدخل أبو سفيان بن حرب) فجعل هو، وحكيم بن حزام يصيحان: يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم؟ من دخل داره فهو آمن ومن وضع السلاح فهو آمن. فجعل الناس يقتحمون الدُّور، ويغلقون عليهم، ويطرحون السلاح في الطرق حتى يأخذه المسلمون.
الرسول يستنكر القتال ويأمر بإيقافه
ثم قال الواقدي: لما ظهر الرسول - ﷺ - على ثنية أذاخر، نظر إلى البارقة (بارقة السيوف) فقال: ما هذه البارقة، ألم أنه عن القتل؟ قيل يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل، ولو لم يقاتل ما قاتل، فقال رسول الله - ﷺ - قضى الله خيرًا (٣).
هل كان قتلى معركة الخندمة سبعين؟
وذكر الطبراني أن قتلى معركة الخندمة من المشركين في مكة كانوا سبعين. فقد قال الطبري: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا أبو حسان الذيابي، حدثنا شعيب بن صفوان عن عطاء بن سالم عن طاووس عن ابن
_________________
(١) الأحابيش هم أخلاط من العرب دخلوا في قريش وليسوا منها.
(٢) قال ياقوت في معجمه ج ٣ ص ٣٧١ الحرورة (بفتح الحاء وسكون الراء) سوق مكة وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٦.
[ ٨ / ١٧٧ ]
عباس عن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله حرم هذا البلد (أي مكة) يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لأحد قبلي وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان (١). قيل: هذا خالد يقتل؟ فقال - ﷺ -: "قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل" فأتاه الرجل فقال: إن النبي - ﷺ - يقول، اقتل من قدرت عليه فقتل سبعين إنسانًا، فأتى النبي فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال: ألم أنهك عن القتل؟ فقال جاءنى فلأن، فأمرنى أن أقتل من قدرت عليه، فأرسل إليه: (ألم آمرك)؟ قال: أردت (يا رسول الله) أمرًا وأراد الله أمرًا، فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلّا الذي كان، فسكت عنه النبي - ﷺ - ما رد عليه شيئًا (٢).
النبي يستجوب خالد بن الوليد
وفي بعض المصادر أن رجلًا من قريش جاء إلى الرسول - ﷺ - محتجًا على تصرف خالد - فقال: يا رسول الله هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: ولم؟ قال: هذا خالد بن الوليد لا يلقى أحدًا من الناس إلّا قتله، فاستدعى رسول الله - ﷺ - خالدًا واستجوبه قائلًا موجهًا اللوم عليه: لم قاتلت وقد نهيت عن القتال؟ قال: هم يا رسول الله بدأونا بالقتال، ورمونا بالنبل ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت ما استطعت ودعوتهم إلى الإسلام فأبوا حتى إذا لم أجد بدًا من أن أقاتلهم، فظفرنا الله بهم، فهربوا من كل وجه (٣).
قصة ابن حماس الديلى الطريفة
وكان رجل من بني الديل، يقال له حماس بن قيس بن خالد الديلى،
_________________
(١) وقد فسر ابن برهان الدين بأن هذه الساعة إلى أحل فيها الله القتال لبنى خزاعة على بني بكر المشركين الذين غدروا بهم وتسببوا في غزو مكة فقال: قال رسول الله - ﷺ - كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر. وهي الساعة التي أحلت لرسول الله - ﷺ - اهـ السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٩.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٧.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٩.
[ ٨ / ١٧٨ ]
لما سمع برسول الله - ﷺ - جلس يصلح سلاحه، فقالت له امرأته لمن تعد هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه، فإني أرجو أن أخدمك منهم خادمًا فإنك إليه محتاجة. قالت (ناصحة بأن لا يقاتل): ويحك لا تفعل ولا تقاتل محمدًا، والله ليضلن هذا عنك لو رأيت محمدًا وأصحابه، قال: سترين (١).
وقد اشترك حماس بن قيس فعلًا في القتال ضد خالد بن الوليد إلى جانب المقاومين في الخندمة. ولكنه عاد إلى منزله وهو يرتعد من الخوف فسخرت منه امرأته قائلة: أين الخادمة؟
قالوا، وأقبل حماس بن خالد منهزمًا حتى أتى بيته فدقه ففتحت امرأته فدخل، وقد ذهبت روحه، فقالت: أين الخادم الذي وعدتنى؟ ما زلت منتظرتك منذ اليوم، تسخر به. قال: دعى عنك أغلقى بابى فإنه من أغلق بابه فهو آمن، قالت: ويحك ألم أنهَك عن مقاومة محمد؟ قلت لك: "ما رأيته يقاتلكم مرة إلّا ظهر عليكم" وما بابنا؟ قال: إنه لا يفتح على أحد بابه. ثم قال شعرًا.
وأنت لو شهدتنا بالخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد كالعجوز المؤتمة (٢) إذ يلحقونا بالسيوف المسلمة
يَقطعن كلَّ ساعد وجمجمة ضربًا فلا يُسمع إلَّا غمغمة
لهم زئير خلفنا وهَمهَمة لم تنطقى في اللوم أدنى كلمة (٣)
وهكذا فالناحية الوحيدة التي حدث فيها اشتباك دام هي الناحية الجنوبية من مكة، والتي منها دخل القائد خالد بن الوليد الذي اضطر إلى القتال.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٢٨٣.
(٢) المؤتمة. قال في شرح أبي ذر هي المرأة التي قتل زوجها فبقى لها أيتام.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٠ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٧ والبداية والهاية ج ٤ ص ٢٩٧.
[ ٨ / ١٧٩ ]
النفر الذين أهدر الرسول دمهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة
وكان الرسول - ﷺ - قد استثنى نفرًا عشرة عندما حرم على جيشه القتال في مكة، وأمر بقتل هؤلاء العشرة حتى وإن تعلقوا بأستار الكعبة. وهم لجنايات ارتكبوها استحقوا بها القتل.
١ - عكرمة بن أبي جهل.
٢ - عبد الله بن خَطلَ.
٣ - ومقيس بن صبابة.
٤ - وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
٥ - هبّار بن الأسود.
٦ - الحويرث بن نقيذ.
٧ - هند بنت عتبة بن ربيعة.
٨ - سارة مولاة بني هاشم.
٩ - فرنتا: قينة لعبد الله بن خطل.
١٠ - أرنبة: قينة أيضًا لعبد الله بن خطل.
وقد عفا الرسول - ﷺ - عن أكثر هؤلاء فلم يقتل منهم إلا القليل. وهم الذين قتلهم الجيش يوم دخوله مكة قبل أن يتمكنوا من تقديم طلب إلى الرسول - ﷺ - بأن يعفو عنهم.
الذين أعدمهم الجيش بمكة
والذين تم إعدامهم بمكة يوم الفتح هم ثلاثة رجال فقط وهم:
١ - عبد الله بن خطل. وهو من بني تيم بن غالب .. وسبب هدر دمه ثم إعدامه أنه كان قد أسلم، ثم قتل رجلًا مسلمًا، ثم ارتد عن الإِسلام - فقد ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن خطل هذا - بعد أن أسلم - بعثه رسول الله - ﷺ - مصدقا (أي يجمع الزكاة)، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلمًا فنزل منزلًا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا، فيصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٢.
[ ٨ / ١٨٠ ]
وهكذا فإن إعدام عبد الله بن خطل إنما كان قصاصًا، ولأنه أيضًا مرتد، والمرتد يقضى قانون الإِسلام بإعدامه. ثم إن عبد الله بن خطل من الذين قاوموا الجيش النبوي يوم دخوله مكة.
مقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة
أما كيفية مقتل عبد الله بن خطل. فقد قتل وهو متعلق بأستار الكعبة (١) اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي (٢) وأبو برزة الأسلمي (٣) اشترك الاثنان في دمه (٤).
وكان عبد الله بن خطل، قد خرج على فرس له ليشارك في مقاومة قطعات خالد بن الوليد في الخندمة، ولكنه انهزم مع المنهزمين.
فقد جاء في كتب السيرة أن ابن خطل هذا أقبل جائيًا من مكة مدججًا في الحديد على فرس ذنوب (٥)، بيده قناة. وبنات سعيد بن العاص قد ذكر لهن أن رسول الله - ﷺ - قد دخل، فخرجن قد نشرن شعورهن يضربن بخمرهن وجوه الخيل، فضربهن ابن خطل جائيًا من أعلى مكة. فقال لهن: أما والله لا يدخلها محمد حتى ترين ضربًا كأفواه المزاد، ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى خيل المسلمين ورأى القتال، ودخله الرّعب حتى ما يستمسك من الرعدة، حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن فرسه، وطرح
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٩.
(٢) هو سعيد بن حريث بن عمرو بن عبد الله بن مخزوم، والمخزومى القرشي أسلم قبل الفتح. قال الواقدي كان أسن من أخيه عمرو بن حريث روى عنه ابن ماجه عن أخيه سعيد بن حريث قال: قال رسول الله - ﷺ - من باع عقارا أو دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيه (الإصابة في تمييز الصحابة ج ٢ ص ٤٣) مات بالكوفة وقيل قتل بالحرة في عهد يزيد بن معاوية. قاله ابن عبد البر.
(٣) أبو برزة الأسلمي: اسمه نضلة بن عبيد الله بن الحرث. من السابقين في الإِسلام شهد فتح خيبر وما بعدها وساهم في الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين. غزا خراسان - وكان ممن شهد قتال الخوارج مع علي. وشارك في قتالهم مع المهلب في الأهواز في عهد عبد الملك. توفى بخراسان سنة أربع وستين وله من العمر حوالي السبعين سنة.
(٤) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٣.
(٥) قال في الصحاح: الفرس الذنوب (بفتح الدال) الطويل الذنب.
[ ٨ / ١٨١ ]
سلاحه، فأتى البيت فدخل بين أستاره (١)
٢ - الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصى.
وقد قتله علي بن أبي طالب، وهو يحاول الهرب من مكة يوم تحريرها فقد قال الواقدي: وأما الحويرث بن نقيذ فإنه كان يؤذى النبي - ﷺ - فأهدر دمه، فبينا هو في منزله يوم الفتح قد أغلق بابه عليه وأقبل على - ﵇ - يسأل عنه، فقيل هو في البادية. فأخبر الحويرث أنه يطلب، وتنحّى عليّ عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت آخر، فتلقاه علي فضرب عنقه (٢).
ولم أر فيما بين يدي من مصادر، إيضاحا لسبب إهدار دم الحويرث إلا أنه كان ممن يؤذى رسول الله - ﷺ - وأنه نخس الجمل الذي يحمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله - ﷺ - فرماهما أرضًا وهما في طريقهما إلى المدينة مهاجرتين (٣) وأعتقد أن إهدار دمه كان لغير هذه الأسباب فالرسول - ﷺ - لا ينتقم لنفسه، أما إيذاء الرسول - ﷺ - فقد كان مشركى مكة يؤذونه عندما كان مقيمًا بينهم، ولا شك أن هناك جرمًا ارتكبه الحويرث استحق به القتل، مثل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة اللذين أعدما في مكة قصاصًا. والله أعلم.
مقتل مقيس بن صبابة
٣ - مقيس بن صبابة. فقد نفذ فيه ابن عمه حكم الإِعدام بين الصفا والمروة. وقد نفذ حكم الإِعدام في مقيس قصاصًا، لأنه قتل رجلا من المسلمين ثم ارتد. فقد ذكر ابن إسحاق أن مقيس بن صبابة كان أخوه هشام (كان مسلمًا) قد قتله رجل بن الأنصار خطأ، حين ظنه من المشركين وذلك في غزوة بني المصطلق. فأمر الرسول - ﷺ - بأن تدفع إلى مقيس دية أخيه هشام (وكان مقيس قد قدم المدينة) فلما أخذ الدية عدا على الأنصاري فقتله، ثم هرب إلى مكة مشركًا.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٧.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٧.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٢.
[ ٨ / ١٨٢ ]
العفو عن بقية المهدور دمهم
أما السبعة الباقون من رجال ونساء، فقد شملهم الرسول - ﷺ - بعفوه وذكر بعضهم أن القينة فرنتى قتلت يوم الفتح. ولكن السهيلى عقب على ذلك وقال: إنها أسلمت. فعفى عنها الرسول - ﷺ -. وبهذا يكون الذين أعدموا يوم الفتح - مستثنين من العفو العام الذي أعطاه الرسول - ﷺ - كان أهل مكة - ثلاثة رجال فقط، قتلوا لجرائم استحقوا لها القتل.
وسيأتي فيما يلي من هذا الكتاب (إن شاء الله) تفصيل قصص العفو عن هؤلاء ودخولهم في الإِسلام وخاصة صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل اللذين أعز الله الإِسلام بهما فيما بعد.
الرسول القائد يعسكر عند الحجون
كانت مكة (كما قلنا فيما مضى) هادئة عندما دخلها الجيش النبوي بفرقه الأربع، باستثناء الناحية الجنوبية التي لقى فيها خالد بن الوليد بعض المقاومة فسحقها في الحال.
أما بقية المناطق فلما يحدث فيها أي قتال، حيث سيطر عليها القادة الثلاثة دون أن يعترضهم أحد وهؤلاء القادة هم: الزبير بن العوام .. وقيس بن سعد بن عبادة. وأبو عبيدة بن الجراح.
غير أن الهدوء التام شمل جميع أنحاء مكة عقب سحق خالد بن الوليد قوات المقاومة القرشية في الخندمة. حيث ألقى المقاومون السلاح واعتصموا بمنازلهم، أو المسجد، أو منزل أبي سفيان بن حرب، مستفيدين من المرسوم النبوي، الذي يعطى الأمان المطلق لكل من أغلق بابه أو التجأ إلى المسجد أو اعتصم بدار أبي سفيان. وبهذا استمر منع التجول في مكة نافذ المفعول. حتى سيطر الجيش النبوي على مكة سيطرة تامة .. بعدها أخذ أهل مكة يفدون إلى المسجد ليسمعوا القرار النبوي النهائى بشأن مصيرهم كأمة مغلوبة.
[ ٨ / ١٨٣ ]
التقاء الرسول بقائد الفرقة الثانية
في الوقت الذي اندفعت فيه الفرق الأربع من ذي طوى، لتسيطر كل فرقة على الناحية المكلفة بالسيطرة عليها. كان الرسول والقائد الأعلى للجيش - ﷺ - قد تحرك أيضًا في هيئة أركان حربه من كبار المهاجرين والأنصار تحيط به ألفا مقاتل وكان من بين الذين كان عن جانبيه وهو يدخل مكة، الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري بصفتهما من أكبر زعماء القبائل العربية. مع أن أحدًا من قبائل غطفان (قوم عيينة) وقبائل تميم (قوم الأقرع) لم يشترك في تحرير مكة، ما عدا عشرة من بني تميم.
وقد استمر الرسول - ﷺ - في تحركه يتقدم من شمال مكة الغربي حتى توقف عند الحجون. حيث وجد قائد الفرقة الثانية الزبير بن العوام قد سبقه بجنوده وركز رايته عند الحجون كما هي أوامر الرسول القائد - ﷺ - (١).
قال البخاري: حدثنا القاسم بن خارجة، حدثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة أخبرته أن رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة .. قال ابن كثير: تابعه أبو أسامة ووهب في كداء، حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال: دخل رسول الله - ﷺ - عام الفتح من أعلى مكة من كداء، وهو أصح. إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام، وإلا فكداء بالمد هي المذكورة في أعلى مكة (٢)، وكدى مقصور، في أسفل مكة، وهذا هو المشهور والأنسب (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٨.
(٢) قال في معجم البلدان أن كداء (كسماء) جبل بأعلى مكة وهي الثنية التي عند المقبرة وتسمى تلك الناحية المعلاة. ودخل النبي - ﷺ - مكة منها وكدى (كفرى) جبل بأسفل مكة. وخرج منه النبي - ﷺ - (انظر القاموس وشرحه).
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٩٣.
[ ٨ / ١٨٤ ]
تواضع الرسول - ﷺ - لله يوم الفتح
وعندما رأى الرسول - ﷺ - ما من الله عليه به من الفتح العظيم أحنى رأسه وهو على ناقته القصوى حتى كاد يلامس الرحل تواضعًا لله تعالى.
قال ابن إسحاق: وقف رسول الله - ﷺ - معتجرًا بشقة برد حبرة حمراء، وأن رسول الله - ﷺ - ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل (١).
الرسول يتلو سورة الفتح وهو يدخل مكة
وفي كتب الحديث أن الرسول - ﷺ - كان - وهو يتحرك بجيشه داخل مكة - يتلو سورة الفتح. فقد روى البخاري في صحيحه. عن عبد الله بن مغفل (٢) أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجّع. وقال لولا أن يجتمع الناس حولى لرجعت كما رجع.
الرسول يدخل مكة غير محرم
والثابت أن الرسول - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح وهو غير محرم (٣)، كما أن أحدًا من أصحابه لم يكن محرمًا. إلا أنه - ﷺ - اغتسل عندما أراد دخولها (٤).
ودخل الرسول - ﷺ - مكة على ناقته القصواء مردفًا خلفه مولاه أسامة بن زيد وهو يقول: اللهم إن العيش عيش الآخرة (٥).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٤٨.
(٢) تقدمت ترجمة عبد الله بن مغفل فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٢.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣١ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٩ وقال ابن برهان الدين: واستدل بذلك على استحباب الغسل لداخل مكة حتى وإن كان غير محرم.
(٥) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٩.
[ ٨ / ١٨٥ ]
إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد
وعندما دخل الرسول - ﷺ - مكة في جيشه والفرسان حوله، لقيه رجل وأراد أن يكلمه ولكنه لهيبة الموكب الحربى الذي عليه النبي - ﷺ - خاف الرجل خوفًا شديدًا، حتى أنه ليرعد من شدة الخوف، فلما رأى الرسول - ﷺ - ما بالرجل، وقد أدرك السبب. قال له (في تواضع ليزيل ما به من الخوف): "هوِّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" (١).
الرسول يدخل مكة من البطحاء
وقد دخل الرسول - ﷺ - مكة من البطحاء وهو وادي مكة الحديد، فقد سألت كتائب الجيش أمامه في الوادي وإلى جانبه أبو بكر الصديق. قال الواقدي: ومر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر إلى جنبه يسير يحادثه، فمر ببنات أبي أحيحة بالبطحاء حذاء منزل أبي أحيحة (وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس) وقد نشرن رؤوسهن، يلطمن الخيل بالخمر، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى أبي بكر فتبسم، وذكر ببيت حسان بن ثابت، فأنشده أبو بكر:
عدمت بنيتى إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنَّة مسرجات يلطمهن بالخمر النساء (٢)
فقال رسول الله - ﷺ -: أدخلوها من حيث قال حسان (٣) أي من كداء، أعلى مكة. وهو المكان الذي دخل منه الرسول - ﷺ -.
الحجون ملتقى فرق الجيش الفاتح
ويظهر أن منطقة الحجون كانت مكانًا لتجمع الفرق التي سيطرت على
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٣ من رواية البيهقي.
(٢) هذان بيتان من قصيدة رائعة قالها حسان بن ثابت، والجيش يتهيأ لدخول مكة. ذكر القصيدة بكاملها ابن إسحاق في الجزء الرابع من السيرة ج ٤ ص ٦٥.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٩٤.
[ ٨ / ١٨٦ ]
مكة بدليل أن الرسول - ﷺ - قد أمر الزبير بن العوام قائد الفرق الثانية وهي التي سيطرت على مكة من الناحية الشمالية، قد أمره بأن يعسكر بفرقته في الحجون. بدليل أن الرسول - ﷺ - وهو القائد الأعلى للجيش - قد ضربت له قبة في الحجون فاستراح فيها قبل أن يكمل مسيره إلى المسجد، نهاية التحرك العسكري.
كما أن التحرك الرئيسى فيما بعد نحو المسجد كان من الحجون.
قال الواقدي: وأقبل الزبير بن العوام بمن معه حتى انتهى بهم إلى الحجون، فغرز الراية عند منزل رسول الله - ﷺ -. وعن أبي رافع أنه ضرب لرسول الله - ﷺ - قبة بالحجون من أدم، فأقبل رسول الله - ﷺ - حتى انتهى إلى القُبّة، ومعه أمّ سَلمة وميمونة (١).
ماذا قال الرسول عندما أشرف على مكة
وعندما أشرف الرسول - ﷺ - من مرتفع أذاخر ورأى بيوت مكة، حمد الله وأثنى عليه لما يسر له من الفتح العظيم دونما أية خسارة تذكر.
فقد روى عن جابر بن عبد الله أنه قال: كنت ممن لزم رسول الله - ﷺ -، فدخلت معهم يوم الفتح من أذاخر، فلما أشرف على أذاخر نظر إلى بيوت مكة، ووقف عليها فحمد الله وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قبته فقال: هذا منزلنا يا جابر: حيث تقاسمت علينا قريش في كفرها، قال جابر: فذكرت حديثًا كنت أسمعه منه - ﷺ - قبل ذلك بالمدينة: "منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله علينا مكة في الخيف (٢) حين تقاسموا على الكفر" وكنّا بالأبطح وجاء شعب أبي طالب حيث حصر رسول الله - ﷺ - وبنو هاشم ثلاث سنين (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٨، ٨٢٩.
(٢) قال في معجم البلدان: الخيف هو بطحاء مكة. وقيل مبتدأ الأبطح. وهو الحقيقة فيه لأن أصله ما انحدر من الجبل وارتفع من المشل.
(٣) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٩ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٨.
[ ٨ / ١٨٧ ]
المشركان اللذان أجارتهما أم هانئ
وكان عبد الله بن أبي ربيعة والحارث بن هشام من كبار سادات المشركين، وكانا يخشيان على أنفسهما القتل بعد أن استسلمت مكة، فدخلا على أم هانئ بنت أبي طالب فاستجارا بها، فأجارتهما، وكان علي بن أبي طالب يبحث عنهما ليقتلهما. وعندما وجدهما في بيت أخته حاول قتلهما فمنعته، ثم استصدرت عفوًا خاصًّا لهما من رسول الله - ﷺ -.
قالوا: وكانت أم هانئ بنت أبي طالب تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فلما كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها، - عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والحارث بن هشام - فاستجارا بها، وقالا: نحن في جوارك، فقالت: نعم، أنتما في جوارى. قالت أم هانئ: فهما عندي إذ دخل على فارسًا مدججا في الحديد، ولا أعرفه، فقلت له: أنا ابنة عم رسول الله - ﷺ -، قالت: فكشف عنى وأسفر عن وجهه، فإذا هو على - ﵇ -، فقلت: أخي، فاعتنقته وسلمت عليه، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما، قلت: أخي من بين الناس يصنع بي هذا، قالت وألقيت عليهما ثوبًا، وقال: تجيرين المشركين؟ وحلت دونهما فقلت: والله لتبدأن بي قبلهما. قالت: فخرج ولم يكد، فأغلقت عليهما بيتًا، وقلت: لا تخافا.
قالت: فذهبت إلى خباء رسول الله - ﷺ - بالبطحاء فلم أجده، ووجدت فيه فاطمة فقلت: ماذا لقيت من ابن أمى على؟ أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما، قالت: فكانت أشد على من زوجها وقالت: تجيرين المشركين؟ قالت: إلى أن طلع رسول الله - ﷺ - وعليه رهجة الغبار (١). فقال: مرحبًا بفاختة أم هانئ، وعليه ثوب واحد. فقلت: ماذا لقيت من ابن أمى على؟ ما كدت أنفلت منه، أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله - ﷺ -: ما كان ذاك، قد أمنا من أمنت وأجرنا من أجرت، ثم أمر فاطمة فسكبت له غسلًا فاغتسل ثم صلى ثمان ركعات في ثوب واحد
_________________
(١) الرهجة (بالتحريك مع فتح الراء) آثار الغبار .. كذا قال في القاموس المحيط.
[ ٨ / ١٨٨ ]
متلحفًا به وذلك ضحى في فتح مكة.
قالت أم هانئ: فرجعت إليهما فأخبرتهما وقلت لهما: إن شئتما فأقيما، وإن شئتما فارجعا إلى منزليكما قالت: فأقاما عندي يومين في منزلى، ثم انصرف إلى منازلهما قالت: فأتى آت إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، الحارث بن هشام وابن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متفضّلان (١) في الملاء المزعفر. فقال رسول الله - ﷺ -: لا سبيل إليهما، قد أمنّاهما (٢).
وقد استشكل ابن برهان الدين خبر محاولة على قتل هذين الرجلين لأنَّ الأمان قد أعطى لجميع أهل مكة، ولم يكونا ممن أهدر دمه .. ولكنه أجاب في السيرة الحلبية بأنهما قد يكونان أبديا شيئًا من المقاومة، فقاتلا الجيش فطاردهما على حتى بيت أم هانئ. والله أعلم.
فهل ترك لنا عقيل منزلًا
وعقب وصول الرسول - ﷺ - إلى الحجون بجيشه، قال له البعض: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ وكان عقيل بن أبي طالب (٣) قد باع منزل رسول الله - ﷺ - ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة، فقيل لرسول الله - ﷺ -: فأنزل بعض بيوت مكة في غير منازلك، فأبى رسول الله - ﷺ - وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربًا (أي ضاربًا خيامه) بالحجون لم يدخل بيتًا، وكان يأتي (مدة إقامته بمكة) إلى المسجد من
_________________
(١) التفضل هنا .. التوشح وهو أن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه "لسان العرب ج ١٤ ص ٤١".
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٠، ٨٣١.
(٣) هو عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم النبي - ﷺ - أخو علي وجعفر كان أكبر منهما سنًّا، ويكنى أبا يزيد. لم يكن عقيل كأخويه من السابقين في الإِسلام بل تأخر إسلامه إلى يوم الفتح حضر بدرا مع المشركين ووقع أسيرا يومها في أيدى المسلمين. كان عقيل عالما بأنساب قريش: ومآثرها ومثاليها. وكان ذكيا سريع الجواب المسكت فارق أخاه عليًّا أثناء الفتنة بعد مقتل عثمان والتحق بمعاوية وحضر معه معركة صفين ومن سرعة جوابه (مع الدعابة) ما روى أن معاوية قال له يوم صفين: أنت معنا يا عقيل. فأجابه على الفور: وقد كنت معكم يوم بدر. مات عقيل في أول خلافة يزيد قبل معركة الحبرة المشئومه.
[ ٨ / ١٨٩ ]
الحجون (١).
التحرك الأخير نحو المسجد الحرام
وبعد أن أتمت الفرق الأربع السيطرة على العاصمة المقدسة مكة والتقى قادتها بعامة جنودهم عند الحجون حيث عسكر الرسول القائد - ﷺ - وجعل من منطقة الحجون مقرًا لقيادته، أقام فيه طيلة بقائه بمكة حتى توجه إلى حنين (٢): بعد ذلك تحرّك الرسول القائد - ﷺ - من الحجون يحيط به هيئة أركان حربه وقادة الفرق الأربع التي سيطرت على العاصمة.
وقد كان موكبًا مهيبًا رائعًا، سال به الأبطح في اتجاه المسجد الحرام، وزاد هذا الموكب الخالد روعة ومهابة إذ دوت أصوات الجيش (وعددهم عشرة آلاف) بالتكبير حتى ارتجت مكة كلها وخيّل للناس - وخاصة المشركين الذين وقفوا يشهدون الساعات الأخيرة من عهدهم الأسود - أن الجبال تشارك المشلمين هذا التكبير. الذي لم يعل ولن يعلو بعده بإذن الله صوت في مكة على صوت التوحيد حتى يوم القيامة.
المشركون في رؤوس الجبال
وكان بعض المشركين (على أثر نظام منع التجول في مكة) وعقب سحق قطعات خالد في جنوب العاصمة مقاومة المتطرفين من قريش بالخندمة) أخلوا الشوارع واعتصموا برؤوس الجبال. بعد أن ألقوا سلاحهم، فوقفوا من رؤوس الجبال ينظرون إلى ذلك المشهد الرائع، عشرة آلاف مقاتل تتحرك وكأنها غابة مزروعة بالرماح تتحرك في ثبات وسكينة وهدوء ووقار وانضباط لم يعرف العرب له مثيلًا منذ أن أدرج اسمهم في قائمة السلالات البشرية.
الرسول يدخل وجيشه المسجد
واستمر الرسول - ﷺ - يحيط به جيشه الباسل كالبحر. استمر في
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٩.
(٢) انظر مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٢٩.
[ ٨ / ١٩٠ ]
التحرك من الحجون عبر الوادي غير ذي الزرع، متجهًا نحو الكعبة لينهى فيها آخر مظهر من مظاهر الوثنية التي استمرت تدنسها عدة آلاف من السنين.
وعندما رأى الرسول - ﷺ - الكعبة كبَّر وكبر معه المسلمون، واشتد حماس المسلمين فواصلوا تكبيرهم حتى أشار إليهم الرسول - ﷺ - أن اسكتوا (١).
وكانت لحظة تاريخية أشرق عندها وجه الإِنسانية في تلك اللحظة التي دخل فيها محمد بن عبد الله وأصحابه المسجد الحرام. هذا الدخول الذي به تحقق وعد الله الذي لا يخلف الميعاد .. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
الرسول يطوف بالبيت على ناقته القصواء:
وعندما دخل الرسول - ﷺ - وجيشه المسجد، كان أول شيء بدأه الطواف بالبيت، وكان لشدة الزحام ولكونه راكبًا الناقة أثناء الطواف. يستلم الركن الذي فيه الحجر الأسود بالمحجن (٣) وقال موسى بن عقبة: إن النبي - ﷺ - بعد الطواف صلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه، والمشركون
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣١.
(٢) سورة الفتح آية ٢٧، ٢٨، ٢٩.
(٣) المحجن (بكسر أوله وفتح ثانيه) عصا طويلة ذات رأس معقوف.
[ ٨ / ١٩١ ]
يتعجبون من ذلك ويقولون: ما رأينا ملكًا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخر النبي - ﷺ - المقام إلى مكانه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت (١) وقال الواقدي .. ولما فرغ الرسول - ﷺ - من طوافه نزل عن راحلته، وجاء معمر بن عبد الله بن نظلة (٢) فأخرج راحلته، ثم انتهى رسول الله - ﷺ - إلى المقام (مقام إبراهيم) - وهو يومئذ لاصق بالكعبة، والدرع والمغفر عليه، وعمامته بين كتفيه. فصلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال .. لولا أن يغلب بنو عبد المطلب لنزعت الدلو. فنزع العباس بن عبد المطلب دلوا فشرب منه. ويقال .. الذي نزع الدلو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (٣).
وكان الذي يمسك بزمام راحلته - وهو يطوف بالبيت - رئيس الحرس محمد بن مسلمة الأنصاري (٤).
وقد طاف المسلمون مع الرسول - ﷺ - وكان في كل مرة يستلم الركن بالمحجن حتى انتهت الأشواط السبعة. قال الواقدي: ولما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الكعبة فرآها، ومعه المسلمون، تقدم على راحلته فاستلم الركن بمحجنه. وكبّر فكبّر المسلمون لتكبيره فرجعوا التكبير حتى ارتجت مكة تكبيرًا حتى جعل رسول الله - ﷺ - يشير إليهم .. اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون (٥).
الرجل الذي حاول اغتيال الرسول - ﷺ - يوم الفتح في الطواف فأسلم:
وقد جرت محاولة لاغتيال الرسول - ﷺ - فقد حاول - أحد بني بكر بن
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٠.
(٢) هو معمر بن عبد الله بن نظلة بن نافع بن عوف العدوي القرشي من السابقين الأولين في الإِسلام. هاجر الهجرتين. وكان ممن رجع من الحبشة إلى مكة وأقام بها قبل عودة جعفر وأصحابه ثم هاجر إلى المدينة.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٢.
(٤) انظر ترجمة ابن مسلمة في كنابنا (غزوة أحد).
(٥) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣١.
[ ٨ / ١٩٢ ]
كنانة واسمه فضالة بن عمير الملوح .. حاول اغتيال الرسول - ﷺ - أثناء الطواف بالبيت في ذلك اليوم التاريخي الخالد، يوم الفتح. إلا أن الله تعالى أطلع نبيه - ﷺ - على هذه المحاولة ففشلت بعد أن هدى الله تعالى الرجل الذي حاول القيام بها.
فقد ذكر ابن كثير عن ابن هشام أن فضالة بن عمير المذكور أراد قتل النبي - ﷺ - وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه (لتنفيذ المحاولة) فجَأ رسول الله - ﷺ - فضالة وقال له (في صيغة سؤال) .. أفضالة؟ .
فقال فضالة .. نعم فضالة يا رسول الله.
قال الرسول - ﷺ - .. ماذا كنت تحدث به نفسك؟ .
قال فضالة: لا شيء كنت أذكر الله، فضحك النبي - ﷺ - ثم قال .. "استغفر الله" ثم وضع يده الشريفة على صدر فضالة فسكن قلبه، فكان فضالة يقول .. والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه، قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت .. هلم إلى الحديث فقال .. لا وانبعث يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإِسلام
أو ما رأيت محمدًا وقبيله بالفتح يوم تكسرَ الأصنام
لرأيت دينَ الله أضحى بَيّنًا والشرك يَغشى وجهه الإِظلام (١)
تحطيم الأصنام وإنهاء الوجود الوثني بعد إنهاء الوجود السياسي والعسكري
وبعد أن أنهى الرسول القائد - ﷺ - وجود قريش السياسي باستيلاء
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٨.
[ ٨ / ١٩٣ ]
جيشه على مكة استيلاء كاملًا، أنهى الوجود الوثنى وأزال كل معالم الشرك في هذه المدينة المقدسة مكة. وذلك بتحطيم جميع الأصنام والأوثان التي كانت موجودة خارج الكعبة، وطمس الصور التي كانت داخلها.
فقد ذكر المؤرخون أن الرسول - ﷺ - حطم يوم الفتح ثلاثمائة وستين صنمًا كانت منصوبة حول البيت مشدودة بالرصاص. وفي مقدمة هذه الأصنام هُبل صنمهم الأكبر (١). كما أنه أمر بمحو جميع الصور التي كان المشركون قد رسموها داخل الكعبة، ومن بين الصور صورة تمثل أبي الأنبياء إبراهيم والعذراء مريم بنت عمران. ولم يدخل الرسول - ﷺ - الكعبة إلا بعد أن أزيلت منها جميع الصور. أزالها عمر بن الخطاب.
قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود، قال .. دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
وقال الواقدي يصف دخول الرسول - ﷺ - مكة وإزالته معالم الوثنية يوم الفتح .. "ثم طاف رسول الله - ﷺ - على راحلته آخذ بزمامها محمد بن مسلمة، وحول الكعبة ثلاثمائة صنم وستون صنمًا مرصصة بالرصاص، وكان هُبَل أعظمها، وهو وجاه (أي تجاه) الكعبة على بابها، وأساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح، فجعل رسول الله - ﷺ - كلما مر بصنم يشير بقضيب في يده ويقول .. "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" (٢). فيقع الصنم لوجهه (٣).
وعن ابن عباس .. دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح وعلى
_________________
(١) عن ابن عباس دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا. لكل حي من أحياء العرب صنم قد شُدّ بالرصاص. فجاء - ﷺ - ومعه قضيب فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه من غير أن يمسه بما في يده، يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) حتى مرّ عليها كلها.
(٢) الإسراء آية ٨١.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٢.
[ ٨ / ١٩٤ ]
الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، لكل حي من أحياء العرب صنم قد شد إبليس أقدامها بالرصاص فجاء ﷺ ومعه قضيب فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه. وفي رواية فأقبل ﷺ إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس فأتى - ﷺ - في طوافه على صنم إلى جنب البيت أي من جهة بابه يعبدونه وهو هُبل وكان أعظم الأصنام، فجعل يطعن بها في عينيه ويقول .. "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" - ثم أمر الرسول - ﷺ - بهُبَل فكسر .. وكان أبو سفيان بن حرب حاضرًا، فقال له الزبير بن العوام، قد كسر هُبَل أما إنك قد كنت في يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم، فقال أبو سفيان .. دع هذا عنك يابن العوام، فقد أرى لو كان مع إله محمد - ﷺ - غيره لكان غير ما كان (١).
محو الصور في الكعبة
وفي صحيح البخاري. أن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة أبي أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وفي أيديهما الأزلام، فقال - ﷺ - .. "قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط".
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - حين دخل البيت "يوم الفتح" وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال .. "أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصورًا فما باله يستقسم؟ ". وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب (٢).
الرسول يصلي في الكعبة:
في إن الرسول - ﷺ - بعد أن أزال كل معالم الوثنية بتكسير الأصنام ومحو الصور صلى في جوف الكعبة وهذه هي أول مرة يصلى فيها الرسول - ﷺ - في جوف الكعبة.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٠.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٢ - ٣٠٣.
[ ٨ / ١٩٥ ]
فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - صلى "يوم الفتح" في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره، فجعل عمودين عن يمينه وعمودًا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع.
وفي مسند الإِمام أحمد، أن الرسول - ﷺ - صلى يوم الفتح في الكعبة ركعتين. بعد أن أغلق عليه الباب وعلى أسامة بن زيد وبلال بن رباح (١).
أعلام نبوة تتحقق:
ومن أعلام النبوة التي تحققت يوم الفتح ما رواه عثمان بن طلحة العبدري "كان أحد الأقطاب الثلاثة الذين أسلموا قبل الفتح وسماهم الرسول - ﷺ - أفلاذ كبد مكة. خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة" من أن قريشًا كانت عندما تفتح الكعبة لا تسمح للرسول - ﷺ - بدخولها. قال عثمان بن طلحة .. كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإِثنين والخميس، فأقبل رسول الله - ﷺ - يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له فنلت منه، فحلم عنى، ثم قال .. يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدى أضعه حيث شئت، فقلت. لقد هلكت قريش يومئذ وذلت .. فقال .. بل عمرَّت وعزّت يومئذ، ودخل الكعبة، فوقعت كلمته منى موقعًا، ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال: فلما كان يوم الفتح قال .. يا عثمان، ائتنى بالمفتاح، فأتيته به، فأخذه منى، ثم دفعه إليَّ، وقال .. خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. قال .. فلما وليّت نادانى - ﷺ - فرجعت إليه، فقاك: ألم يكن الذي قلت لك؟ . قال فذكرت قوله بمكة قبل الهجرة .. "لعلك سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شئت" فقلت .. بلى أشهد أنك رسول الله (٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٣ وزد المعاد ج ٢ ص ٣٩٤.
(٢) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٩٥.
[ ٨ / ١٩٦ ]
قصة الامتناع عن تسليم الرسول مفتاح الكعبة:
كان عثمان بن طلحة العبدرى "استجابة دائمًا في بني عبد الدار" كان قد أسلم، وهاجر إلى المدينة، وبقى مفتاح الكعبة عند أمه بنت شيبة، وكانت على شركها حتى يوم الفتح، فلما دخل الرسول - ﷺ - مكة فاتحا وأكمل طوافه، وأنهى وجود قريش السياسي، وأنهى الوجود الوثنى في مكة بسيطرة جيشه عليها، وتحطيم الأصنام والأوثان فيها، والتي هي أبرز مظاهر الشرك والوثنية .. أرسل إلى بني شيبة من بني عبد الدار في طلب المفتاح. مفتاح الكعبة .. أرسل مولاه بلال إلى عثمان بن طلحة ليأتيه بالمفتاح. فذهب بلال إلى عثمان بن طلحة وقال له: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تأتى بمفتاح الكعبة. قال عثمان .. نعم فذهب إلى أمه بنت شيبة وكان المفتاح عندها .. فقال لها .. يا أمة أعطنى المفتاح فإن رسول الله - ﷺ - قد أرسل إلى وأمرنى أن آتى به إليه. فمانعت أمّه في تسليم المفتاح أشد الممانعة، وقالت لابنها عثمان .. أعيذك بالله أن تكون الذي تذهب مأثُرة قومه (١) على يديه. فقال لها. فوالله لتدفعنَّه إليه أو ليأتينك غيرى فيأخذه منك، فأصرت على التشبث بالمفتاح ومانعت في تسليمه، ثم أدخلته في حجزتها (٢) وقالت .. أيّ رجل يدخل يده هاهنا.
وبينما عثمان بن طلحة العبدرى يحاول إقناع أمّه لتدفع المفتاح لرسول الله - ﷺ - وهي ترفض في إصرار، إذا بها تسمع صوت أبي بكر وعمر في الدار، وعمر يرفع صوته حين رأى إبطاء عثمان: يا عثمان، أخرج إليّ، وهنا خافت أم عثمان - لأن عمر كان شديدًا على قريش - فوافقت على أن تسلم مفتاح الكعبة قائلة لابنها: يا بني خذ الفتاح، فإن تأخذه أحب إلى من أن يأخذه تَيْم "قوم أبي بكر" أو عديّ "قوم عمر"، فأخذ عثمان الفتاح وجاء به إلى رسول الله - ﷺ - فأعطاه إباه (٣) ففتح الكعبة ثم دخلها على الذي تقدم تفصيله من هذا الكتاب.
_________________
(١) المأثرة (بضم الثاء) الخصلة المحمودة التي تتوارث ويتحدث بها دائما.
(٢) الحجزة: مكان التكة من السروال.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٣ تحقيق الدكتور مارسدن جونس طبعة أكسفورد.
[ ٨ / ١٩٧ ]
العباس يطلب إسناد حجابة البيت إلى بني هاشم فيأبى الرسول
وذكر المؤرخون أن العباس بن عبد المطلب ورجال من بني هاشم تطاولوا لأخذ مفتاح الكعبة ليتم لهم شرف الجمع بين السقاية والحجابة، فقد قال العباس بن عبد المطلب "عميد أسرة بني هاشم في مكة". قال - وقد بسط يده -: يا نبي الله، بأبي أنت، اجمع لنا الحجابة والسقاية. فأبى ذلك رسول الله - ﷺ - وقال العباس: أعطيكم ما تُرزءون فيه ولا أعطيكم ما تُرزءون منه (١).
رفع نظام منع التجول في مكة.
وبعد أن تمت السيطرة الكاملة للجيش النبوي على العاصمة المقدسة "مكة" وبعد أن أزال الرسول - ﷺ - منها آخر مظهر من مظاهر الشرك والوثنية بتحطيم الأصنام والأوثان وكل ما له علاقة بشعارات الجاهلية مثل الصور المرسومة على جدران الكعبة، رفع نظام منع التجول، وأصبح أهل مكة أحرارًا في التنقل داخل المدينة وخارجها كيف شاءوا ومتى شاءوا.
فتوافد أهل مكة في ذلك اليوم التاريخي إلى المسجد من كل ناحية ليروا، ويسمعوا كيف تكون معاملة الرسول المنتصر لهؤلاء القرشيين الهزومين، الذين لم يتركوا (خلال عشرين عامًا) وسيلة للقضاء على الرسول - ﷺ - وعلى دعوته إلا اتبعوها.
وقد علت الدهشة وجوه قريش، وكادوا يتهمون أبصارهم، وهم ينظرون إلى عشرة آلاف مقاتل مدججين بالسلاح تحيط - في هيبة وإجلال وتيقظ وانتباه - بمحمد بن عبد الله - ﷺ -، ذاك الرجل الذي أهدرت قريش دمه وجعلت مكافأة ضخمة لمن يأتي به إليها حيًّا أو ميتًا. يوم أن خرج (قبل ثمان سنوات) من مكة خائفًا يترقب يطلبه الموت في
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢ ص ٣٩٥ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٣ وقوله - ﷺ -: أعطيكم ما ترزءون فيه ولا أعطيكم ما ترزءون منه. أي إنما أعطيكم الساقية التي تحتاج منكم إلى مؤن فأما الحجابة فلا ترزؤكم شيئًا لأن الناس يبعثون إلها بالكسوة.
[ ٨ / ١٩٨ ]
كل مكان، وليس معه سوى رجل واحد أبي بكر الصديق.
شعار التوحيد في مكة إلى الأبد:
وبينما كان المسجد يزدحم بالقرشيين المستسلمين من مختلف الطبقات كان النبي - ﷺ - يصدر أمره إلى مولاه بلال بن رباح أن يعلو سطح الكعبة فيؤذّن. ليعلن بذلك سيادة سلطان التوحيد على مكة، وإنهاء سلطان الشرك والوثنية إلى الأبد.
"قد اغتاظ القرشيون أشد الغيظ عندما رأوا بلالًا يؤذن من سطح الكعبة، وعبَّر الكثير منهم "صراحة" عن امتعاضه وتألمه لإِعلان شعار التوحيد من على ظهر الكعبة.
فقد قال عتّاب بن أسيد (١). لقد أكرم الله أسيدًا "يعني أباه" أن يكون سمع هذا يعني الأذان - فيسمع منه ما يغيظه. وقال بعض بني سعيد بن العاص. لقد أكرم الله سعيدًا إذ قبضه قبل أن يسمع هذا الأسود على ظهر الكعبة.
وقال رجل من قريش للحارث بن هشام (٢) .. ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فقال: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيّره. وقال أبو سفيان - بعد أن سمع كلام هؤلاء الأشراف من قريش -: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصباء. وقال الحارث بن هشام أيضًا: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. وقالوا: فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: قد علمت الذي قلتم - ثم ذكر لهم الذي قالوا - فقال الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد: نشهد أنك رسول الله، والله ما طلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك (٣).
وقال يونس بن بكير: أن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًا عام الفتح فأذَّن على الكعبة ليغيظ به المشركين (٤).
_________________
(١) انظر ترجمة عتاب بن أسيد فيما مضى من هذه السلسلة.
(٢) تقدمت ترجمة الحارث بن هشام فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) زاد المعاد ج ٢ ص ٩٦ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٣ وما بعدها وسيرة ابن هشام ج ٤.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٤.
[ ٨ / ١٩٩ ]
إذن يخزيك الله.
وذكروا أن أبا سفيان بن حرب بعد أن تمت السيطرة للمسلمين على مكة وسوس له الشيطان وصار يحدث نفسه بمحاربة الرسول - ﷺ - من جديد، وقد أطلع الله نبيه على ما حدَّث أبو سفيان به نفسه، فآمن الإِيمان الصادق من تلك الساعة.
فقد روى البيهقي وأصحاب المغازي كل بلفظه أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة رأى رسول الله - ﷺ - يمشى والناس يطئون عقبه، فقال بينه وبين نفسه .. لو عاودت هذا الرجل القتال، فجاء رسول الله - ﷺ - حتى ضرب في صدره فقال: "إذن يخزيك الله" فقال: أتوب إلى الله وأستغفر مما تفوهت به، وروى ابن سعد عن الواقدي، أن أبا سفيان بعد فتح مكة كان جالسًا، فقال في نفسه .. لو جمعت لمحمد جمعًا (أي لقتاله) فإنه ليحدِّث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله - ﷺ - بين كتفيه وقال: "إذن يخزيك الله" قال: فرفع رأسه فإذا رسول الله - ﷺ - قائم على رأسه، فقال أبو سفيان: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة (١).
المسلمون يحيون ليلة الفتح بالطواف والتكبير:
وروى البيهقي عن سعيد بن المسيّب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح، لم يزالوا في تهليل وتكبير وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند زوجه: أترى هذا من الله؟ قالت: نعم؛ هذا من الله. قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "قلت لهند أترى هذا من الله؟ قالت نعم هذا من الله" فقال أبو سفيان أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند (٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٤.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٤.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
خبر استياء إبليس لفتح مكة:
وجاء في مغازي الواقدي جـ ٢ ص ٨٤١ أن إبليس رنَّ في تاريخ حياته ثلاث رَنات .. رنّة حين لعن فتغيّرت صورته عن صورة الملائكة .. ورَنّة حين رأى رسول الله - ﷺ - يصلّى قائمًا بمكة .. ورنة حين افتتح رسول الله - ﷺ - مكة، فاجتمعت ذريته، فقال إبليس: ايئسوا أن تردوا أمة محمد على الشرك بعد يومهم هذا، ولكن أفشوا فيهم النوح والشعر.
خطبة الرسول التاريخية يوم الفتح:
وبعد أن أنهى الرسول - ﷺ - الوجود الوثنى وأزال كل مظاهر ومعالم الوثنية من مكة المكرمة فطَهَّر الكعبة من رجس الأصنام والأوثان بتحطيمها، وبعد أن هدم سلطان قريش السياسي وخضد شوكتها العسكرية حيث ألقى القاتلون منها السلاح وسلموه للجيش النبوي، وبعد أن رفع نظام منع التجول توافد القرشيون إلى المسجد من كل حدب وصوب، فضاق بهم المسجد فاحتشد في الطرقات المحيطة به، وكل منهم يريد أن يسمع من القائد الأعلى النبي المنتصر - ﷺ - كلمة الفصل في مصيره. وذلك في اليوم الثاني للفتح (١).
ماذا ترون أني فاعل بكم:
أمَّا الرسول الأعظم - ﷺ - فبعد أن هدأت الأحوال في مكة وبعد أن بات المسلمون الفاتحون ليلة فيها، وقف - ﷺ - وقائد سلاح الفرسان خالد بن الوليد حوله يبعد الناس المزدحمين حوله (٢). وقف الرسول على باب الكعبة وعضادتى الباب في يده وبيده المفتاح قد جعله في كمّه والمشركون في المسجد يزدحمون يكاد بعضهم يدوس البعض الآخر ليسمعوا ما سيقوله الرسول - ﷺ -.
العفو العام عن أهل مكة:
وبينما الناس واقفون ينتظرون وينظرون إلى الرسول الفاتح المنتصر بدأ رسول الله - ﷺ - في إلقاء خطابه التاريخي الذي فيه أولًا أصدر عفوًا عامًّا عن جميع
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٥ وزاد المعاد ج ٢ ص ٣٩٧.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٥.
[ ٨ / ٢٠١ ]
أهل مكة. كما أعلن بعض التشريعات التي يجب العمل بها. وأبطل عادات الجاهلية إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. كما حرَّم التعامل بالربا وأسقط الفوائد المترتبة على التعامل سابقًا بالربا والمتبقية لأصحابها. كذلك أعل حرمة مكة المكرمة إلى يوم القيامة .. كذلك أعلن وحدة النوع البشرى أن لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى.
فقد قال - ﷺ - في خطبته هذه:
الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم خاطب أهل مكة - الذين كانت قلوبهم تركض جزعًا تكاد تقفز من صدورهم خوفًا من أن يحاسبهم ويجازيهم على ما ارتكبوا من جرائم في حقه وفي حق أصحابه أيام قلتهم وضعفهم بمكة - يا معشر قريش، ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعل بكم؟ وفي رواية .. ماذا تقولون وماذا تظنون؟ قالوا: نظن خيرًا ونقول خيرًا: أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. وهنا تجلّى الرسول الأعظم - ﷺ - عن أكرم معدن إنسانى عرفته البشرية من لدن آدم. فقد أسقط عن قريش كل عقوبة بإمكانه أن ينزلها بهم ومنحهم عفوًا عامًا شاملًا مطلقًا وبأسلوب حان رقيق أعاد إلى نفوسهم القلقة المضطربة كل طمأنينة واستقرار حيث قال - ﷺ -: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. اذهبوا فأنتم الطلقاء".
قال الطبري: فأعتقهم رسول الله - ﷺ -، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنْوة وكانوا له فيئًا، فبذلك يُسمَّى أهل مكة الطلقاء (١).
_________________
(١) اختلف المؤرخون والفقهاء وأصحاب الحديث. هل فتحت مكة عنوة أم صلحًا. فالذي عليه الجمهور أنها فتحت عنوة، والذي عليه الشافعي أنها فتحت صلحا، والواقع أن الاتفاق بين مندوب قريش أبي سفيان بن حرب، وبين الرسول - ﷺ - قد تم على أن مكة ستفتح صلحا كما تقدم تفصيله من هذا الكتاب إلا أن مقاومة بعض القرشيين واعتراضهم قطعات خالد بن الولد بالسلاح في الخندمة مما أدى إلى مقتل ثلاثين رجلا من الفريقين يمكن اعتباره نقضا لاتفاقية الصلح المذكورة، وعليه تكون مكة فتحت عنوة وأن الرسول - ﷺ - حينما عفا عن أهل مكة ولم يقسم شيئًا من أموالهم كغنيمة ولا ذراريهم كسبايا، كان ذلك من باب التكرم والتسامح تأليفا للقلوب وهذا هو الأقرب إلى الصواب. فمكة فتحت عنوة، ولكن الرسول لم يجر عليها وعلى أهلها أحكام العنوة والاقتحام.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
المراسيم التشريعية الجديدة:
ثم ألقى الرسول - ﷺ - في هذه الخطبة التاريخية دروسًا عالية على الناس عامة وعلى أهل مكة خاصة أو ما يمكن تسميته بمراسيم اشتراعية جديدة تحدد لهم (في ظل حكم الإِسلام) سلوكهم وتعاملهم مع بعضهم البعض.
تحريم الرِّبا:
كان الرّبا في الجاهلية أهم قاعدة في مجال التجارة والاقتصاد ولما كان الرّبا من الأمور التي تتنافى مع روح الإِسلام وتعاليمه البنَّاءة السمحة، لكونه من أبشع وسائل الاستغلال التي بها تتضخم ثروات الأغنياء على حساب تدمير الفقراء والمحتاجين وهم الأغلبية الساحقة. فقد ألغى الرسول - ﷺ - في خطبته هذه التعامل بالرّبا، وحرمه تحريمًا قاطعًا فقال .. "ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمى هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.
تحديد دية القتيل خطأ:
ثم وضع تشريعًا حدد بموجبه التعويض الذي يدفع لأهل المقتول خطأ أو شبه عمد والمسمى في التعريف الجنائى الإِسلامي بالدية فقال: .. "ألا وفي قتيل الخطأ، مثل شبه العَمْد، السوط والعصا، فيهما الدية مغلظة- مائة من الإِبل منها أربعون في بطونها أولادها".
إعلان وحدة الجنس البشرى والتساوى في الحقوق:
ثم أعلن وحدة النوع البشرى وتحريم التفريق العنصرى وأنه لا مكان في الإِسلام لتفضيل إنسان على آخر بسبب لونه أو جنسه أو لغته، وإنما يكون التفاضل بالتقوى وبقدر ما يقدم الإِنسان للمجتمع من خير في حدود تعاليم الإسلام، فقال .. "يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها. الناس من آدم وآدم من تراب".
ثم تلا - ﷺ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
[ ٨ / ٢٠٣ ]
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
إعلان حرمة مكة أبد الآبدين:
ثم أعلن في خطبته التاريخية هذه (وهو على باب الكعبة) حرمة مكة المكرمة، وأنه لا يجوز سفك دم إنسان فيها مهما كانت المبررات. فقد روى البخاري أن شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد .. وهو يبعث بالجيش إلى مكة .. ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول الله - ﷺ - الغد من يوم الفتح سمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرًا، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذِن لي فيها - ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب".
وحدة المسلمين وتكافؤهم:
وفي هذه الخطبة الجامعة أعلن الرسول - ﷺ - وحدة المسلمين وتكافؤهم وتساويهم في كل شيء فقال .. "والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدُّهم على مضعفهم (١) وميسرتهم على قاعدهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد (أي من الكفار) في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين ولا جلب ولا جنب (٢) ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم. ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، والبيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد
_________________
(١) قال في النهاية في غريب الحديث. المشد الذي دوابه شديدة قوية والمضعف الذي دوابه ضعيفة، يريد أن القوى من الغزاة يساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنائم.
(٢) انظر تفسير الجلب والجنب مطولًا في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج ٢ ص ١٦٩، ١٨٠.
[ ٨ / ٢٠٤ ]
الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين، يوم الأضحى ويوم الفطر، وعن لبستين، لا يحتب أحدم في ثوب واحد يفضى بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء (١) ولا أخالكم إلّا قد عرفتموها.
تحريم الاصطياد وعضد الشجر في الحرم:
كما أن الرسول - ﷺ - في هذه الخطبة أعلن تحريم الاصطياد في الحرم وقطع الشجر فقال .. "لا ينفر صيدها ولا يعضد (أي يقطع) شجرها، ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد ولا يختلى خلاها (٢)، فقال العباس بن عبد المطلب (وكان شيخًا مجربًا) .. إلا الإذخر (٣) يا رسول الله فإنه لا بد منه، إنه للقبر وطهور للبيت، فسكت رَسول الله ساعة، ثم قال .. إلَّا الإِذخر فإنه حلال.
ثم تحدث - ﷺ - عن بعض التشريعات الأخرى في محيط الأسرة فقال .. (ولا وصية لوارث، وأن الولد للفرايق وللعاهر الحجر ولا يحل لامرأة تعطى من مالها إلّا بإذن زوجها (٤)، ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها (٥».
طيّ بساط الشرك والوثنية:
وبهذا الخطاب التاريخي الذي أرسى فيه الرسول - ﷺ - قواعد الإِسلام انطوى بساط الشرك والوثنية في مدينة كانت أعظم معقلًا لمحادة الله ورسوله، مكة المكرمة التي أصبحت العاصمة الثانية للإِسلام بعد المدينة
_________________
(١) اشتمال الصماء، قال الفقهاء .. هو أن يتغطى الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فتنكشف عورته، كذا قال في النهاية ج ٢ ص ٢٧٥.
(٢) الخلى هنا النبات الرطب الرقيق: واختلاؤه قطعه، النهاية ج ١ ص ٣١٩.
(٣) الإذخر بكسر الهمزة. حشيش طيب الريح. كذا قال في القاموس المحيط.
(٤) الثابت بإجماع المسلملين أن المرأة حرة في التصرف في مالها دون الرجوع إلى زوجها أو غيره اللهم إلا إذا كانت غير راشدة.
(٥) انظر تاريخ الطبري ج ٣ ص ٦٢، ٦٣ ومغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٣٥ وما بعدها، والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٥ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٤ وصحيح البخاري ج ٥ ص ٢٠٩.
[ ٨ / ٢٠٥ ]
المنورة.
ولا شك أن وقوع العاصمة المقدَّسة تحت سيطرة المسلمين كان بداية النهاية للوجود الوثنى لا في مكة وحدها بل في جميع الأقاليم التي بقى فيها سلطان للشرك والوثنية. لأن مكة كانت عاصمة للشرك والوثنية. لا بالنسبة لقريش وحدها بل للعرب أجمعين على اختلافهم في تنويع الآلهة، حيث يوجد لكل فئة من العرب صنمهم الخاص بهم حول الكعبة.
ولهذا كان وقوع العاصمة المقدسة مكة في أيدى المسلمين ذا أثر شديد على نفوس من تبقى على الشرك والوثنية الأمر الذي حدا بالأقوياء (عسكريًا منهم) مثل قبائل هوازن أن تخشد الجيوش لانتزاع مكة من أيدى المسلمين وإعادتها إلى سلطان الشرك والوثنية، الأمر الذي بسببه نشبت معركة حنين الحاسمة كما سيأتي تفصيله (إن شاء الله) في كتابنا التاسع من هذه السلسلة وهو التالي لهذا الكتاب، والذي سيصدر (بإذن الله) تحت اسم (غَزْوة حنين)؟
محمد أشرف فاتح وأكرم محارب:
لقد كان القرشيون - وهم يلقون السلاح ويعتصمون بمنازلهم أو المسجد ويخلون الشوارع ليروا جيش محمد المنتصر يسيطر على العاصمة المقدسة - يظنون أن محمدًا - ﷺ - من ذلك الطراز المتوحش المتعطش إلى الدماء من الفاتحين، الذين تعبث بهم نشوة الانتصار، فتدفع بهم إلى إحداث المجازر الرهيبة بين خصومهم المهزومين. فلا تهدأ نفوسهم ولا تقر إلا بعد أن يروا الجثث مبعثرة في الشوارع ومدلاة على أعواد المشانق.
ولدى القرشيين ما يجعل هذا الظن قويًّا في نفوسهم، لا سيما وأنهم ما زالوا يقيسون الأمور بمقياسهم المبنى على التفكير الجاهلى العصبى الوثني حيث الثأر والانتقام للنفس هما دائمًا السبب والمحرك الوحيد لأى حرب يخوضون غمارها.
وعندما تراجع قريش صفحات الماضي، تجدها (وعبر عشرين سنة)
[ ٨ / ٢٠٦ ]
مثقلة بالأوزار والآثام التي ارتكبها في حق هذا الرجل الذي سيطرت قواته عى مكة، وأصبح مصير كل أهلها بيده، وأعظم جريمة منكرة ارتكبتها قريش في حق الرسول - ﷺ - هي محاولتها اغتياله على فراشه وهو بين ظهرانيها قبل ثمان سنوات.
لهذا كان سادات مكة يتوقعون أن الحساب سيكون من الرسول الفاتح المنتصر حسابًا عسيرًا والانتقام انتقامًا شديدًا ولهذا فر الكثير من ساداتهم وهربوا من مكة، حتى الذين لم يصدر الأمر من الرسول - ﷺ - وبصفة استثنائية - بإعدامهم قصاصًا.
غير أن تصرفات الرسول - ﷺ - كانت "وقبل أن يدخل مكة فاتحًا" تدل على أنه أبعد ما يكون عن الرغبة في الانتقام والإنتصار للنفس، وأنه أشد ما يكون حرصًا على أن لا تراق قطرة دم واحدة في مكة من أي إنسان كان مسلمًا كان أم كافرًا. اللهم إلا الذين يقضى قانون الإِسلام بإعدامهم. لذلك رحب - ﷺ - بمساعى عمه العباس بن عبد المطلب والتي انتهت بإصدار الرسول القائد "وهو الظافر المنتصر" عفوًا عامًا عن جميع مشركى مكة قبل أن يدخلها إن هم ألقوا السلاح وكفوا عن المقاومة. فأثبت بذلك للقرشيين - وقبل أن يدخل مدينتهم - أن الانتقام لنفسه منهم لم يكن له وجود في تفكيره، رغم الأهوال التي عاناها على أيديهم ظلمًا وبغيًا وعدوانًا طوال ثمان سنوات عندما كان بين ظهرانيهم ضعيف الركن قليل الأنصار.
فبرهن على أنه أشرف محارب وأكرم منتصر عرفه التاريخ.
لقد كان الأمان الذي حمله مفاوض قريش أبو سفيان بن حرب من الرسول الأعظم - ﷺ - لأهل مكة جميعًا والذي تبلغه كافة أهل مكة قبل أن يدخلها الجيش النبوي، كان هذا الأمان كافيًا لأن يطمئن النفوس القلقة في مكة، وكل نفوس أهل مكة قلقة، مما يتصورون أنه سيحل بهم على يد الجيش الإِسلامي عندما يسيطر على مكة.
ولكن الخوف ظل يساور نفوس أهل مكة رغم إعلان أبي سفيان أن الجيش النبوي بأمر من الرسول القائد - ﷺ - قد أمر جيشه بأن لا يتعرض لأحد من أهل مكة، وأنهم جميعًا آمنون إلَّا من حمل السلاح وقاتل
[ ٨ / ٢٠٧ ]
الجيش الإِسلامي .. ظل القلق يساورهم والخوف ينتابهم وخاصة بعد أن نقضوا اتفاقية الصلح بالقتال الذي أبدوه في الخندمة في وجه قطعات خالد بن الوليد.
الطمأنينة بعد القلق
ولعل الرسول الأعظم - ﷺ - أدرك القلق الشديد الذي يساور نفوس القرشيين عقب وقوع مكة تحت قبضة جيشه المنتصر. لذلك - وبأسلوب عف شريف كريم لا مثيل له - أزال من النفوس كل أثر من آثار ذلك القلق حين وجه كلامه - وهو يلقى خطبته التاريخية في المسجد يوم الفتح - إلى القرشيين المهزومين الخائفين القلقين، قائلا: "ماذا ترون أنى فاعل بكم؟ " فقال نفر من عقلائهم، والفزع ينوشهم - أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال - ﷺ - .. "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وبهذا العفو الشامل المطلق الصريح أزال الرسول - ﷺ - كل أثر من آثار الخوف العالقة بنفوس القرشيين فاطمأنوا، وسكنت نفوسهم، وأكبروا هذا التصرف النبيل من عدوهم اللدود بالأمس المنتصر عليهم اليوم، وكانت هذه المعاملة الرحيمة الحانية الكريمة التي عامل بها الرسول الظافر المنتصر قومه المنهزمين، سببًا في إسراع كل أهل مكة إلى الدخول في الإِسلام طوعًا واختيارًا (١)، وصار فهم - فيما بعد - من أعز الله به الإِسلام فشارك في معارك الجهاد وقاد الجيوش في معارك النصر - مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي فتح أفريقيا وخاض أعنف معركة بحرية شهدها البحر الأبيض المتوسط، فانتصر أسطوله على الأسطول الروماني الذي أغرقت أكثر قطعاته وكانت حوالي ألف سفينة، ومثل عكرمة بن أبي جهل الذي سقط شهيدًا في اليرموك بعد أن قاد كتيبة الفداء التي أوقفت
_________________
(١) قال في السيرة الحلبية ج ٢ ص- ٢٢٢ اذهبوا فأنتم الطلقاء أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا. والطليق في الأصل الأسير إذا أطلق قال: فخرجوا فكأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإِسلام بعد هذا العفو العام الذي ما كانوا يتوقعون أن يشملهم من الرجل الذي لم يتركوا وسيلة للتنكيل به. بل ولقتله (غيلة) إلا وسلكوها أيام محنته وقلة أصحابه وضعفهم قبل الهجرة.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
زخم الهجوم الروماني وكان صمود فدائييها من أهم الأسباب التي حققت النصر في معركة اليرموك الحاسمة.
النبي على الصفا/رمز>
وبعد تلك الخطبة التاريخية التي أعادت الطمأنينة إلى نفوس القرشيين القلقة المضطربة انصرف الناس من المسجد وكل منهم تغمر نفسه الراحة النفسية، قد أمن على نفسه وماله وأهله، وبذلك خيم الهدوء الكامل على المدينة القدسة، وأصبحت الحياة عادية تمامًا.
أمَّا الرسول القائد المنتصر فقد تحول من المسجد - بعد أن ألقى فيه خطابه التاريخي - إلى الصفا التي تحمل للرسول الأعظم - ﷺ - الشيء الكثير من الذكريات الحلوة والمرة.
فمن على صخرة الصفا هذه سمعت قريش من رسول الله - ﷺ - وللمرة الأولى في حياتها - البيان الأول الداعى (بصيغة العموم) إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة ما سواه من الأنداد. حين كلفه الله تعالى - قبل ثمانية عشرة عامًا - بذلك بقوله تعالى: (﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
ومن على صخرة الصفا هذه سمع من أقرب الناس إليه ما أثقل نفسه بالألم .. عمه أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، الذي قال له "بعد أن جمع الناس وأبلغهم أنه رسول الله" .. تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى في حقه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ السورة.
تخوف الأنصار أن يقيم الرسول - ﷺ - بمكة ويترك المدينة:
وقد رقى رسول الله - ﷺ - بعد خطبته التاريخية ثانى يوم الفتح - صخرة الصفا فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه وهو
_________________
(١) سورة الحجرات آية ١٤.
[ ٨ / ٢٠٩ ]
متجه نحو البيت بحيث يراه (١).
وهناك - والرسول على الصفا - ساورت الأنصار المخاوف وخشوا أن يقيم في مكة ويتحول عن المدينة، فقالوا فيما بينهم .. أمَّا الرجل يعني النبي - ﷺ - فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته (٢). أترون رسول الله إذْ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها (٣)؟
ولا شك أن باعث هذا القول من الأنصار هو شدة المحبة لرسول الله - ﷺ - وحرصهم على أن يعيش بينهم طول حياته.
وقد علم الرسول - ﷺ - عن طريق الوحى - بما قاله الأنصار بعضهم لبعض، فطمأنهم بأن المحيا محياهم والممات مماتهم. وأنه لن يفارقهم ما دام حيا.
فقد روى الإِمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن الرسول - ﷺ - وقف على الصفا فعلاه بحيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال والأنصار تحت، قال، يقول بعضهم لبعض .. أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. وجاء الوحى وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليمر أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى يقضى، قال هاشم فلما قضى الوحى رفع رأسه ثم قال .. "يا معشر الأنصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: "فما اسمى إذن، كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قال فأقبلوا إليه يبكون ويقولون .. والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ بالله ورسوله، فقال رسول الله - ﷺ - .. "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة (٤).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٧ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٣١٤.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢١٤.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٦.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٠٧.
[ ٨ / ٢١٠ ]
مبايعة أهل مكة على الإِسلام:
ثم بعد ذلك توافد أهل مكة طوعًا واختيارًا إلى الصفا حيث يقف الرسول - ﷺ - ليبايعوه على الإِسلام. وقد تمت البيعة في الصفا بكل هدوء ونظام، وكان الرجال أول المبايعين ثم بايع بعد بيعة الرجال النساء.
وكان الذي يأخذ على الناس البيعة، عمر بن الخطاب - كان أسفل من الصفا بين الرسول - ﷺ - وبين أهل مكة.
قال الطبري: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله - ﷺ - على الإِسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله - ﷺ - أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايعوا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة لله ولرسوله - فيما استطاعوا - وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله - ﷺ - من الناس على الإِسلام (١).
وقد دخل كل أهل مكة في الإسلام وبايعوا رسول الله - ﷺ - بمكة إلا نفرًا قليلا، بعضهم هرب من مكَّة ظنًّا منه أن الرسول - ﷺ - سيفتك به (مثل عكرمة بن أبي جهل) وبعضهم بقى في مكة على شركه فأمهله النبي - ﷺ - ولم يجبره على الإِسلام (مثل صفوان بن أمية)، الذي أسلم بعد غزوة حنين وحسن إسلاميه، وكان قد خرج مع الجيش الإِسلامي إلى حنين مشركًا ثم أسلم في الجعرانة بضواحى مكة، وكان مرافقًا للرسول - ﷺ - أثناء عودتة من حصار الطائف بعد موقعة حنين. وكان صفوان بن أمية قد هرب إلى ساحل البحر الأحمر ليركبه خوفًا على نفسه، فأرسل إليه الرسول - ﷺ - بالأمان فعاد إلى مكة وظل على شركه حتى أسلم كما سيأتي تفصيل قصته من هذا الكتاب إن شاء الله.
بيعة النساء وقصة إسلام هند بنت عتبة
وبعد أن بايع الرجال الرسول - ﷺ - بايع النساء. فجاء وفدهن فأسلمن وبايعن رسول الله - ﷺ -، وكان من بين النساء البارزات في
_________________
(١) تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ٦١.
[ ٨ / ٢١١ ]
الوفد .. أم حكيم بنت الحارث بن هشام (١) امرأة عكرمة بن أبي جهل. وهند بنت عتبة امرأة سيد قريش وقائد جيوشها أبي سفيان بن حرب (وكانت متنكرة) .. والبغوم بنت المعذل الكنانية امرأة صفوان بن أمية (٢) .. وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة .. وهند بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد كانت مبايعة النساء في الأبطح بحضرة ابنته فاطمة الزهراء وزوجته ونساء من بني عبد المطلب (٣).
النبي يعفو عن هند بنت عتبة
وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. أحد الذين خططوا لاغتيال سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وحرضوا العبد الحبشى وحشى على قتله يوم أحد اغتيالًا. فكانت هند لذلك تتخوف من أن ينتقم منها الرسول - ﷺ -. ولكن عامل الأمل في عفو الرسول - ﷺ - ورحمته تغلب في نفس هند على عامل الخوف من انتقامه. فجاءته ضمن وفد نساء قريش اللواتى بايعنه على الإِسلام. جاءت متنكرة لئلا يعرفها الرسول - ﷺ - إلا في الوقت المناسب، حيث كشفت عن نقابها وطلبت الرحمة من رسول الرحمة - ﷺ - فقبل منها ولم يوجه إليها حتى مجرد كلمة لوم - ﷺ -، ما أبره وأكرمه وأحلمه وأرحمه وأعظمه.
صيغة مبايعة النساء بمكة
وكانت هند بنت عتبة (وكأنها رئيسة وفد النساء) هي التي تتحدث إلى رسول الله - ﷺ - باسم النساء، وما كان رسول الله - ﷺ - يعرف أنها هي لأنها كانت متنكرة، ولكنه عرفها فيما بعد أثناء الحديث، فقال لها .. وإنك لهند بنت عتبة، فقالت .. أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك (٤).
_________________
(١) انظر ترجمتها في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) انظر ترجمة صفوان بن أمية في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٠ وإمتاع الأسماع ص ٣٩٢.
(٤) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٦٢.
[ ٨ / ٢١٢ ]
وقد كانت مبايعة النساء على غير الكيفية التي تتم بها مبايعة الرجال. فقد كان الرسول - ﷺ - يبايع الرجال بالمصافحة بالأيدى، أما النساء فلم يصافحهن، لأنه - ﷺ - لا يمس امرأة ولا تمسه إلا امرأة أحلها الله له، أو ذات محرم منه (١).
فقد روى المحدثون وأصحاب السير كل بطريقه أن الرسول - ﷺ - بعد أن فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، فقال الطبري .. واجتمع إلى الرسول - ﷺ - نساء من قريش فيهن هند بنت عتبة، متنقبة لحدثها وما كان صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله - ﷺ - بحدثها ذلك، فلما دنون منه ليبايعنه قال: تبايعننى على أن لا تشركن بالله شيئًا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما تأخذه على الرجال وسنوتيكه قال: ولا تسرقن. قالت هند: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهَنَّة والهنَّة، وما أدرى أكان ذلك حلالًا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدًا لما تقول - .. أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله - ﷺ - .. وإنك لهند بنت عتبة .. فقالت .. أنا هند بنت عتبة، فاعف عماه سلف عفا الله عنك، قال - ﷺ - .. ولا تزنين، قالت هند .. هل تزني الحرّة، قال - ﷺ - .. ولا تقتلن أولادكن، قالت .. قد ربيناهم صغارًا، وقتلتهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم، فضحك عمر بني الخطاب لقولها حتى استغرب (٢) وفي بعض روايات الآخرين أن رسول الله - ﷺ - تبسم لقولها الجرئ هذا (٣). فقال رسول الله - ﷺ - .. ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن .. فقالت هند .. والله إن إتيان البهتان لقبيح ولبعض التجاوز أمثل. قال - ﷺ - ولا تعصيننى في معروف فقالت هند .. ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف. فقال رسول الله - ﷺ - لعمر .. بايعهن، واستغفر لهن رسول الله - ﷺ - فبايعهن عمر (٤).
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٦٢.
(٢) استغرب في الضحك أي بالغ فيه.
(٣) انظر السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٢١.
(٤) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٦٢.
[ ٨ / ٢١٣ ]
وفي بعض الروايات أن هند بنت عتبة أتت رسول الله - ﷺ - في وفد النساء متنقبة وقالت: إني امرأة مؤمنة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة فقال رسول الله - ﷺ -: مرحبًا بك: وأنها بعد أن بايعته قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك (أي شحيح) وليس يعطينى ما يكفينى وولدى إلَّا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فهل عليَّ من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ فقال لها: لا عليك أن تطعميهم بالمعروف: خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف (١).
الإِسلام يجب ما قبله
كانت هند بنت عتبة امرأة سيد قريش وقائد جيوشها. وكان من عادات الرسول الأعظم - ﷺ - أن يتألف ويعامل من هم في منزلتها ومنزلة زوجها معاملة خاصة تأليفًا للقلوب. لتتفتح للإِسلام، وسنرى كيف أعطى رسول الله - ﷺ - سادات قريش وبعضهم لم يسلم إلا بعد فتح مكة - أعطاهم من غنائم حنين مئات من الإِبل وهو ما لم يعط مثله لأحد من السابقين الأولين في الإِسلام - فهند بنت عتبة كانت من ألد أعداء النبي - ﷺ - في الجاهلية. كانت السبب الرئيسى في مقتل عمّه حمزة يوم أحد (٢) ولكن سيد البشبر لا يحقد على أحد ولا تعرف الضغينة إلى قلبه الطاهر الشريف الكبير سبيلا. لا سيما وأن قاعدة رائعة عامة في التسامح جاء بها الإِسلام وهي أن الإِسلام ينسخ ما قبله من الخطايا: (الإِسلام يجب ما قبله) كما جاء في الحديث الصحيح، ولهذا فإن الرسول - ﷺ - لم يحاسب هند ولا أحدًا آخر على ذنب ارتكبه وهو في جاهليته. اللهم إلا بضعة نفر استحقوا عقوبة. فنفذت فيهم.
هند بنت عتبة تحطم صنما في بيتها.
وجاء في بعض كتب التاريخ أن هند بنت عتبة لما خالط الإِسلام قلبها،
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٢١.
(٢) انظر تفاصيل قصة اغتيال حمزة في كتابنا (غزوة أحد).
[ ٨ / ٢١٤ ]
وعلمت أنها كانت على ضلال ورأت ما عليه المسلمون من عبادة في المسجد يوم الفتح قالت لزوجها أبي سفيان: إني أريد أن أبايع محمدًا، فقال: قد رأيتك تكفرين. فقالت: أي والله .. والله ما رأيت الله تعالى عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة. والله إن باتوا إلّا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا (تعنى الصحابة). قال فإنك قد فعلت ما فعلت فاذهبى برجل عن قومك فذهبت إلى عمر فذهب معها إلى رسول الله - ﷺ -. ثم ذكر قصة إسلامها. وإن هندًا بعد أن أسلمت ذهبت إلى صنم لها كان في بيتها، فجعلت تضربه بالقدُّوم وهي تقول .. كنا معك في غرور وما زالت تضربه حتى حطمته فلذة فلذة (١).
الرسول يقبل الفدية من هند ويدعو لها:
وقالوا إن هند بنت عتبة (وهي رئيسة وفد النساء) قالت للرسول - ﷺ - وقت المبايعة .. يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتمسنى رحمتك يا محمد. إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة. فقال رسول الله - ﷺ - .. مرحبا بك. فقالت: والله يا رسول الله ما على الأرض من أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك. ولقد أصبحت وما على الأرض من أهل خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك فقال رسول الله - ﷺ -: وزيادة أيضًا. ثم قرأ - ﷺ - عليهن القرآن وبايعهن (٢).
وقالوا: إن هند بنت عتبة "تعبيرًا عن ما في نفسها من إكرام لرسول الله - ﷺ - حل محل البغض" أرسلت إليه مع مولاة لها بهدية، وهي جديان مشويان فاستأذنت فأذن لها فدخلت عليه وهو - ﷺ - بين نسائه أم سلمة وميمونة، ونساء من بني عبد المطلب وقالت .. إن مولاتى تعتذر إليك وتقول: إن غنمها اليوم لقليل الوالدة، فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم بارك لكم في غنمكم وأكثر والدتها؟ فكثر الله ذلك، تقول تلك
_________________
(١) الإصابة في أسماء الصحابة ج ٤ ص ٤١.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٠.
[ ٨ / ٢١٥ ]
المولاة: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتها ما لم نكن نرى قبل (١).
المختفون في مكة يوم الفتح:
وعقب سيطرة المسلمين على مكة المكرمة اختفى عدد من سادات قريش البارزين خوفًا على أنفسهم من أن ينتقم المسلمون منهم فيبطشوا بهم لصنيعهم السيء في حقهم.
ومن هؤلاء الزعماء من اختفى داخل مكة ومنهم من فر إلى خارجها.
أما الذين اختفوا في مكة حتى هدأت الأحوال ثم ظهروا فعفى عنهم الرسول - ﷺ - فأسلموا وحسن إسلامهم.
١ - سهيل بن عمرو العامري مندوب قريش ورئيس وفدها في صلح الحديبية. ولم يكن مطلوبًا ولا من الذين أهدر الرسول - ﷺ - دمهم، ولكنه لمواقفه المعادية الشديدة خاف على نفسه فاختفى وسيأتي تفصيل قصة اختفائه ثم إسلامه.
٢ - عبد الله بن سعد بن أبي سَرَح. أخو عثمان بن عفان من الرضاعة: كان محكوم عليه بالإِعدام وأعطيت التعليمات من الرسول القائد - ﷺ - قبل دخول مكة إلى كل جنود الإِسلام أن يقتلوه بمجرد أن يظفر به أي واحد منهم. وستأتي قصة إسلامه إن شاء الله.
الفارون من مكة يوم الفتح:
أما الذين هربوا من مكة من زعماء قريش يوم الفتح فهم.
١ - صفوان بن أمية الجُمَحى: وهذا الزعيم ليس من المطلوبين ولا من الذين أهدرَت دماؤهم.
٢ - عكرمة بن أبي جهل المخزومي: وهو من الذين أهدر النبي - ﷺ - دمهم.
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٢١.
[ ٨ / ٢١٦ ]
٣ - هبّار بن الأسود (١) وهو أيضًا من المطلوبين ومن الذين أهدرت دماؤهم.
٤ - هبيرة بن أبي هبيرة: وهو ليس من المطلوبين الذين أهدرت دماؤهم.
٥ - عبد الله بن الزبعرَى (٢): كذلك لم يكن هذا الزعيم من المطلوبين الذين أهدرت دماؤهم.
٦ - حويطب بن عبد العزى العامري. وهو أيضًا ليس من المطلوبين. الذين أهدرت دماؤهم.
٧ - وكذلك العبد وحشي قاتل حمزة: ولم يكن أيضًا ممن أهدرت دماؤهم ولكنه خاف على نفسه فهرب وقد عفا عنه الرسول - ﷺ - بعد أن أسلم، وستأتي بالتفصيل (إن شاء الله) على قصص هروب واختفاء هؤلاء وإسلام عن أسلم منهم. وكلُّهم أسلم وَحَسُن إسلامه ما عدا واحدًا منهم لم يعد إلى مكة ومات مشركًا.
قصة اختفاء سهيل بن عمرو وإسلامه:
كان سهيل بن عمرو العامري سيد من سادات قريش، وكان خطيبها المفوّه وزعيمها السياسي. كان رئيس وفد قريش في مفاوضات الحديبية والذي وقع نيابة عنها صلح الحديبية. وقد وقع أسيرًا يوم بدر في أيدى المسلمين في السنة الثانية من الهجرة. ثم أطلق الرسول - ﷺ - صراحه عن طريق الفداء.
لم يكن سهيل بن عمرو -كما قلنا- من المطلوبين من العدالة الذين أهدر الرسول - ﷺ - دماءهم من أهل مكة ولكنه كان يشعر بأن إساءاته للرسول طوال عشرين سنة كانت بالغة. فكان لذلك يخشى (وبتفكيره الجاهلي) أن يكون عرضة للانتقام من المسلمين الذين أصبحوا سادة مكة. ولكنه مع خوفه هذا لم يهرب من مكة. وإنما أغلق على نفسه بابه. ثم بعث
_________________
(١) انظر قصة إسلام هبَّار بن الأسود فيما يلي من هذا الكتاب.
(٢) انظر قصة إسلام ابن الزبعرى فيما يلي من هذا الكتاب.
[ ٨ / ٢١٧ ]
في طلب ابنه عبد الله بن سهيل الملقب (بأبي جندل) وهو صاحب القصة المشهورة يوم الحديبية. كان من السابقين في الإِسلام، وهو من أبطال ثورة العيص. بعث سهيل في طلبه، وعندما حضر طب منه أن يحصل له على أمان يعلمه الناس.
ولنترك سهيل بن عمرو نفسه يحدثنا عن قصته. فقد روى عنه أنه قال: لما دخل رسول الله - ﷺ - مكة وظهر، انقحمت بيتي وأغلقت على بابى، وأرسلت إلى ابنى عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جوارًا من محمد، وإني لا آمن أن أقتل، وجعلت أتذكر أثرى عند محمد وأصحابه، فليس أحد أسوأ أثرًا منى، وإني لقيت رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية بما لم يلقه أحد، وكنت كاتبته، مع حضورى بدرًا وأحدًا وكلما تحركت قريش كنت فيها.
فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، تؤمنه؟ فقال: نعم، هو آمن بأمان الله فليظهر. ثم قال رسول الله - ﷺ - لمن حوله: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فليخرج فلعمرى إن سهيلًا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإِسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بنافع.
فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله - ﷺ -، فقال سُهيل: كان والله برًا صغيرًا وكبيرًا. فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج إلى حنين مع النبي - ﷺ - وهو على شركه حتى أسلم "طائعًا مختارًا" بالجعرانة (١).
وكان سهيل بن عمرو راجح العقل حسن الطوية: وروى عن الشافعي أنه قال: كان سهيل محمود الإِسلام من حين أسلم (٢). وقد كان سهيل بن عمرو ضمن جيوش الفتح في الشام ومات هناك مرابطًا بالطاعون (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٤٧.
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ج ٢ ص ٩٢.
(٣) انظر ترجمة سهيل بن عمرو في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٨ / ٢١٨ ]
قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإلغاء عقوبة إعدامه
أمَّا عبد الله بن سعد بن أبي سرح (١) فقد كان من زعماء قريش، وكان أحد المطلوبين الذين أهدر الرسول - ﷺ - دماءهم وأمر جنده بقتلهم حتى وإن تعلقوا بأستار الكعبة.
وجرمه أنه كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتب الوحى لرسول الله - ﷺ - ثم عبث به الشيطان فارتد عن الإِسلام ورجع إلى مكة فحكم عليه الرسول - ﷺ - بالإِعدام لأنه مرتد، وحكم المرتد في الإِسلام القتل، وهذا بإجماع المسلمين.
ولهذا فإن ابن أبي سرح لما تمت السيطرة لجيش الإِسلام على مكة أيقن أنه مقتول إن لم يحصل على عفو خاص من الرسول الأعظم - ﷺ -، لذلك لجأ إلى أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان في بيته وطلب منه أن يسعى لدى الرسول - ﷺ - ليعطى له الأمان. وقد فعل عثمان ونجح في مسعاه حيث ذهب به إلى رسول الله - ﷺ - وما زال به حتى عفى عنه وبايعه على الإِسلام.
قال الواقدي: فلما كان يوم الفتح جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة، فقال: يا أخي، إني والله اخترتك فاحتبسنى هاهنا، واذهب إلى محمد فكلمه فيَّ، فإن محمدًا إن رآني ضرب الذي فيه عيناى، إن جُرمي أعظم الجُرم، وقد جئت تائبًا. فقال: بل اذهب معي.
قال عبد الله: والله لئن رآني ليضربن عنقى ولا يناظرنى، قد أهدر دمى، وأصحابه يطلبوننى في كل موضع. فقال عثمان انطلق معى، فلا يقتلك إن شاء الله.
فلم يرع رسول الله - ﷺ - إلا بعثمان آخذ بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبي - ﷺ -. فقال: يا رسول الله،
_________________
(١) انظر ترجمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح (فيما مضى من هذا الكتاب).
[ ٨ / ٢١٩ ]
إن أمه "أي عبد الله بن سعد" كانت تحملنى وتمشيه، وترضعنى وتقطعه، وكانت تلطفنى وتتركه. فهبه لي. فأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي - ﷺ - بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، فإنما أعرض النبي - ﷺ - عنه إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه، فلما رأى أن لا يقدم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله - ﷺ - يقبل رأسه وهو يقول: يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمى، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ أو قال: (الفاسق) فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلى يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إليَّ فأضرب عنقه، ويقال: قال: هذا أبو اليسر، ويقال عمر بن الخطاب. فقال رسول الله - ﷺ -: إني لا أقتل بالإِشارة وقائل يقول: إن الرسول - ﷺ - قال يومئذ: إن النبي لا تكون له خائنة الأعين (١).
فبايعه رسول الله - ﷺ -، فجعل يفر من رسول الله كلما رآه خجلا، فقال عثمان لرسول الله - ﷺ -: ببلى أنت وأمى لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك، فتبسم النبي - ﷺ - فقال: أو لم أبايعه وأؤمنه؟ قال: بلى أي رسول الله. ولكنه يتذكر عظيم جُرمه في الإِسلام. فقال النبي - ﷺ -: الإِسلام يجبُّ ما كان قبله، فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي - ﷺ - مع الناس (٢).
وقد ذكر المؤرخون أن عبد الله بن سعد بن سرح حسن إسلامه، ولم يحفظ عليه أو يظهر منه ما يعيبه في دينه وينكر عليه (٣).
بل لقد كانت آثاره عظيمة في حقول الجهاد ورفع راية الإِسلام وإعزاز
_________________
(١) أي يضمر في نفسه غير ما يظهره. فإذا كف لسانه وأومأ بعينه فقد خان. وإذا كان ظهور تلك الحالة من قبل العين سميت خائنة الأعين كذا قال في النهاية في غريب الحديث ج ٢ ص ٦.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٦.
(٣) انظر أسد الغابة ج ٣ ص ٣٦٤ والاستيعاب ج ٣ ص ١١٨ وتهذيب الأسماء واللغات ج ١ ص ٢٧٠ وجوامع السيرة (لابن حزم) ص ٢٣٢.
[ ٨ / ٢٢٠ ]
دولته. فقد كان من أبرز قادة الفتح الإِسلامي (١).
لقد كان اليد اليمنى للقائد عمرو بن العاص الذي فتح مصر، وكان قائد ميمنة الجيش الذي استولى على مدينة قيسارية بفلسطين. وكان لإخلاصه وقدرته القيادية ومهارته الحربية يبعث به عمرو بن العاص حاكم مصر وقائد الجيوش فيها (بعد فتحها) يبعث به فيغير على الرومان في أفريقيا (المسماة اليوم بليبيا) فيظفر وينتصر في كل غارة يقوم بها، مما أكبره في عين الخليفة الفاروق الخبير بالرجال: والذي ولاه (في عهد ولاية ابن العاص) صعيد مصر (٢).
وقد ارتفعت به أعماله وطول باعه في الجهاد ورشحته لأعلى المناصب حتى أسندت إليه ولاية مصر كلها في عهد الخليفة عثمان (٣). ثم قاد الجيوش بنفسه من مصر نحو أفريقيا الشمالية فاجتاحتها جيوشه فحرر كل الأقاليم الممتدة من حدود مصر حتى منطقة القيروان بتونس، وكان يسانده عقبة بن نافع وغيره من القواد الأكفاء. وهو الذي هزم ملك أفريقيا الروماني "جرجير" في موقعة عقوبة (٤) التاريخية التي اشترك فيها "تحت قيادة عبد الله بن سعد" عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر.
وكان عبد الله بن سعد من أبرز القادة الذين اشتركوا في فتح جزيرة قبرص. كما أنه أيضًا أكمل فتح دنقلة في السودان. وبفضله دخل كثير من أهلها في الإِسلام.
معركة ذات الصوارى البحرية
ولعل من أعظم أعمال عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأروعها، انتصاره
_________________
(١) انظر قادة فتح المغرب العربي للواء محمود شيت خطاب.
(٢) فتح مصر والمغرب ص ٢٣٣.
(٣) النجوم الزاهرة ج ١ ص ٦٦.
(٤) عقوبة. قال البلاذرى .. موضع بينه وبين سبيطلة يوم وليلة. وسبيطلة. قال ياقوت مدينة من مدن أفريقيا الشهيرة تبعد عن القيروان سبعون ميلًا.
[ ٨ / ٢٢١ ]
في أول وأعظم معركة بحرية تدور في البحر الأبيض المتوسط بين الأسطولين الإسلامى والرومانى بالقرب من المياه التونسية.
كان عبد الله بن سعد والى مصر، وكان معاوية بن أبي سفيان والى الشام، وبلغ المسلمين أن الرومان بقيادة قسطنطين بن هرقل قد جهزوا من القسطنطينية "اسطمبول" أسطولًا يضم حوالي ألف سفينة. فأمر الخليفة عثمان في المدينة كلًّا من معاوية في الشام وابن أبي سرح في مصر أن يسارعوا لملاقاة الأسطول الروماني. فركب معاوية البحر بأسطوله في أهل الشام.
وخرج ابن أبي سرح بأسطوله من الإِسكندرية. فالتقوا بالأسطول الروماني في عرض البحر. وكان قائد أسطول الإِسلام عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقاتل المسلمون بقيادته الرومان أشد قتال حتى هزموهم شر هزيمة ودمروا أسطولهم، ولم ينج من الرومان في هذه المعركة البحرية الحاسمة إلا الشريد ومنهم قائدهم قسطنطين الذي فرَّ جريحًا على ظهر سفينة القيادة الخاصة ولقى حتفه في جزيرة صقلية "سيشيليا".
وقد دلت تصرفات عبد الله بن سعد على أنه من زهاد الصحابة. فقد اعتزل الفتنة عقب مقتل الخليفة عثمان، رغم أن عثمان أخوه من الرضاعة، وقد اعتكف في مدينة عسقلان بفلسطين، وظل هناك حتى توفى وهو ساجد في صلاة الفجر. وكان قد دعا الله تعالى أن تكون خاتمة أعماله صلاة الصبح فأجاب الله دعاءه (١).
فرار صفوان بن أمية ثم إسلامه
أما صفوان بن أمية بن خَلفَ (٢) فقد كان من أكبر سادات المشركين وأثريائهم. وكان شديد العداوة لرسول الله - ﷺ - وهو الذي وضع خطة لاغتيال النبي - ﷺ - وهو في المدينة بعد معركة بدر (٣) وكلف عمير بن وهب الجمحي بتنفيذها (٤). وكان أبوه أمية بن خلف قد قتله المسلمون
_________________
(١) انظر قادة فتح المغرب العربي.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٣) انظر تفاصيل محاولة الاغتيال هذه في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٤) انظر ترجمة عمير بن وهب في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٨ / ٢٢٢ ]
يوم بدر، كما قتلوا أيضًا أبيّ بن خَلَف في أحد: طعنه الرسول - ﷺ - بحربة - وكان الخبيث يطارد الرسول - ﷺ - أثناء انسحابه - إلى الجبل - فمات أي متأثرًا نجراحه بسَرَف قريبًا من مكة.
ولم يكن الزعيم صفوان بن أمية من المطلوبين العشرة الذين أهدر الرسول - ﷺ - دمهم. إلا أنه لشعوره بعظيم ما كان يرتكب من آثام في الجاهلية في حَق النبي - ﷺ - لم يطمئن على حياته، فخافَ القتل، فهرب من مكَّة يوم الفتح في اتجاه البحر الأحمر ناحية "جدةَ" يريد ركوب البحر. وكان يصحبه غلام له يقال له يسار، ليس معه غيره.
وقد وصل بصفوان بن أمية الهرب إلى ميناء على البحر الأحمر يقال له "الشُعيَبة" (١) بالقرب من جدة، وكان يهم وغلامه بركوب البحر. وبيما هو كذلك إذا بصديقه عمير بن وهب الجمحى قد لحق به حيث هو في ميناء الشعيبة. فخاف صفوان من عمير، وظن أنه إنما جاء ليقتله بينما عمير لم يأت إلا ليعيد صفوان إلى أهله في مكة آمنا بأمان رسول الله - ﷺ -.
وكان عمير بن وهب الجمحى من السابقين في الإِسلام، ومن أصحاب الرسول المقربين. وكان حريصا على سلامة صفوان بن أمية وطامعًا في إسلامه.
فكلم عُمير النبي - ﷺ - في صفوان وطلب له الأمان. فأعطاه الرسول الأمان لصفوان، لذلك لحق عمير بصفوان في الشعيبة، وأخبره أنه حصل له على الأمان من الرسول - ﷺ - وأنه بإمكانه العودة إلى مكة حُرًّا آمنا، ولكن صفوان لم يطمئن وأبلغ عمير بن وهب بأنه لن يعود إلى مكة ولن يطمئن إلا إذا أتاه بعلامة من الرسول يعرفها.
فاضطر عمير بن وهب إلى أن يعود إلى مكة مرة أخرى ليأتى لصفوان بعلامة الأمان وهي عمامة رسول الله - ﷺ -، التي عاد بها عمير إلى صفوان في الشعيبة، وهنا اطمأن صفوان وعاد إلى مكة. وترك الرسول - ﷺ - الحرية
_________________
(١) الشعبية (بضم الشين) قال ياقوت .. مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز وهو كان مرفأ مكة ومرمى سفنها قبل جدة.
[ ٨ / ٢٢٣ ]
لصفوان. فبقى على شركه عدة أسابيع. ثم أسلم فحسن إسلامه وصار من خيرة المسلمين.
ولنترك الواقدي يحدثنا كامل قصة سيد بني جمح صفوان بن أمية هذا، قال: وأما صفوان بن أمية، فهرب إلى الشعيبة معه يسار وليس معه غيره. فقال ويحك، انظر من ترى. قال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلى، قد ظاهر محمدًا عليّ فلحقه، فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حملتنى دينك وعيالك (١)، ثم جئت تريد قتلى، قال: أبا وهب، جعلت فداك، جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس. وقد كان عمير قال لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، سيد قومى خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر، وخاف أن لا تؤمنه، فأمنه فداك أبي وأمى، فقال رسول الله - ﷺ -: قد أمنته. فخرج في أثره، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أمنك. فقال صفوان: لا والله، لا أرجع معك حتى تأتينى بعلامة أعرفها فرجع إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله جئتُ صفوان هاربًا يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته: فقال: لا أرجع حتى تأتى بعلامة أعرفها. فقال رسول الله - ﷺ -: خذ عمامتى. قال: فرجع عمير إليه بها وهو الرد الذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - يومئذ معتجرًا به، برد حبرة، فخرج عمير في طلبه الثانية جاء بالبرد فقال: أبا وهب، جئتك من - عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، أذكرك الله في نفسك. قال له: أخاف أن أقتل: قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم، وقد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرًا، تعرفه؟ قال: نعم فأخرجه، فقال: نعم، هو هو فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله - ﷺ - وهو يصلى بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقفا، فقال
_________________
(١) يشير بذلك إلى أنه تحمل دين عمير والصرف على بناته السبع مقابل أن يقوم باغتيال الرسول - ﷺ - ولكنه لم يفعل (انظر تفاصيل محاولة الاغتيال هذه في كتابنا غزوة بدر الكبرى).
[ ٨ / ٢٢٤ ]
صفوان: كم تصلون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات. قال: يصلى بهم محمد؟ قال: نعم. فلما سلم صاح عن صنوان: يا محمد إن عمير بن وهب جاءنى ببردك، وزعم أنك دعوتنى إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرًا وإلا سيرتنى شهرين. قال انزل أبا وهب. قال: لا والله، حتى تبين لي. قال: بلى تسير أربعة أشهر. فنزل صفوان، وخرج رسول الله - ﷺ - قبل هوازن، وخرج معه صفوان وهو كافر وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه، مائة درع بأداتها، فقال: طوعًا أو كرهًا؟ قال رسول الله - ﷺ -: عارية مؤداة فأعاره، فأمره رسول الله - ﷺ - فحملها إلى حنين، فشهد حنينًا والطائف ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى الجعرانة، فبينا رسول الله - ﷺ - يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية، جعل صفوان ينظر إلى شعب ملئ نعمًا وشاء ورعاء، فأدام إليه النظر، ورسول الله - ﷺ - يرمقه، فقال: أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأسلم مكانه (١).
كيف أسلم عكرمة بن أبي جهل
أما عكرمة بن أبي جهل المخزومي (٢) فقد كان من أشد الناس عداوة لرسول الله - ﷺ - وقد خلف أباه في هذه الغداوة، إلا أنه كان "مع شدته في عداوة رسول الله - ﷺ - " أعف من أبيه. فلم يكن فاحشًا مثله، بل كان أقرب إلى الاستجابة إلى صوت المنطق والصراحة في وزن الأمور بموازينها الصحيحة. يدل على ذلك أنه كان - عندما اشتجر أبو سفيان بن حرب وخالد بن الوليد عندما أعلن الأخير قبل الفتح أن محمدًا على الحق، وحاول أبو سفيان الهجوم على خالد لقوله هذا - كان عكرمة قد وقف موقف المتعقل المتوقع النصر والغلبة لرسول الله - ﷺ -، فحجز
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٣ وما بعدها.
(٢) انظر ترجمة عكرمة بن أبي جهل في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٨ / ٢٢٥ ]
يومها بين أبي سفيان وخالد، وطلب من أبي سفيان أن يدع خالدًا وشأنه، قائلًا له ما معناه: إننى أخشى أو أتوقع أن لا يأتي العام القادم إلا وقد دخلنا فيما دخل فيه خالد.
إلا أن عكرمة "مع ذلك" غلبت عليه يوم الفتح عصبية الجاهلية المترسبة في نفسه، فلم يوافق أبا سفيان على اتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي بدون قتال، فقاد مجموعة من القرشيين قاوم بها قطعات خالد بن الوليد في الخندمة جنوبي مكة هو وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو فهزموا في الحال.
فرار عكرمة إلى اليمن
وكان عكرمة من القادة المطلوبين الذين "قبل دخول مكة" أهدر الرسول - ﷺ - دماءهم وأمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة لجرائم استحقوا بها القتل. لذلك لم تكد جيوش الإسلام تستولى على مكة حتى ركب عكرمة وغادر مكة هاربًا نحو الغرب في اتجاه جدة يريد اليمن "عن طريق البحر" خوفًا من القتل، وقد وصل جدة ووجد سفينة على وشك الإبحار من جدة إلى اليمن، فركبها، وبينما كانت السفينة على وشك أن تبحر بعكرمة إلى اليمن، إذا بزوجته الوفية أم حكيم (١) تصل إلى ميناء جدة وتطلب منه العدول عن الهرب، وتبلغه بأنه في إمكانه أن يعود إلى مكة آمنا.
أم حكيم تحصل لزوجها عكرمة على الأمان من رسول الله
وكانت أم حكيم - وهي امرأة عاقلة - قد أسلمت يوم الفتح مع هند بنت عتبة، وطلبت من رسول الله - ﷺ - أن يتفضل فيعفو عن زوجها عكرمة، ويمنحه الأمان، ويلغى الأمر الصادر بإعدامه. فقد قالت: يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمنه. فقال رسول الله - ﷺ -: هو آمن (٢).
_________________
(١) انظر ترجمة أم حكيم هذه في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥١.
[ ٨ / ٢٢٦ ]
فحزمت أم حكيم أمرها وسافرت في اتجاه جدة لتبلغ زوجها أمان الرسول - ﷺ - الذي أعطاه له ولتطلب منه أن يعود إلى مكة.
وكانت قد اصطحبت معها غلامًا لها مملوكًا إلى جدة، فاستغل الوضع المضطرب التي هي عليه، فراودها عن نفسها أثناء الطريق، فجعلت تمنيه "وكانت امرأة عفيفة فاضلة عاقلة" حتى قدمت على حي من العرب هم بنو عك. فطلب منهم اعتقال الغلام - بعد أن أخبرتهم خبر صنيعه القبيح - فأوثقوه كتافًا، وأبقوه لديهم حسب طلبها. ثم واصلت سفرها حتى وصلت ميناء جدة.
وكان عكرمة قد ركب السفينة، وعندما ركبها قال له ربانها "وكان مسلمًا" أخلص. فقال: أي شيء أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله. قال عكرمة "متعجبًا" ما هربت إلا من هذا.
وبينما هو، هكذا يحاور ربان السفينة، إذ بامرأته الوفية العفيفة أم حكيم بنت الحارث بن هشام واقفة على رصيف الميناء، وتناديه في "إلحاح" .. يابر عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك. فوقف لها، واستوضحها: ما الخبر؟
فقالت: إني استأمنت لك محمدًا رسول الله - ﷺ -. قال: أنت فعلت ذلك؟ قالت نعم، فلم يتردد في تصديقها، فغادر السفينة إلى البر ورجع معها.
وفي أثناء العودة إلى مكة سألها عن غلامها الرومى .. فأخبرته خبر محاولته الدنيئة، فلما وصل حيث الغلام مكتوفًا قتله في الحال، وذلك قبل أن يسلم.
فلما دنا عكرمة من مكة، بشر النبي - ﷺ - أصحابه بإسلام عكرمة، فقال: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرًا. ثم نهى عن سب أبيه أبي جهل قائلًا: لا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذى الحي ولا يبلغ الميت.
قالوا وجعل عكرمة "قبل أن يسلم" يطلب امرأته للفراش. فتأبى عليه
[ ٨ / ٢٢٧ ]
وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة. فيقول إن أمرًا منعك منى لأمر كبير.
قيام الرسول - ﷺ - لعكرمة فرحًا بإسلامه
وذكر المؤرخون أن الرسول - ﷺ - لما أقبل عليه عكرمة بن أبي جهل وثب إليه - وما على النبي - ﷺ - رداء - فرحًا بعكرمة. ثم جلس رسول الله - ﷺ - فوقف بين يديه، وزوجته متنقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتنى أنك أمنتنى. فقال رسول الله - ﷺ -: صدقت، فأنت آمن. فقال عكرمة: فإلى ما تدعو؟ قال: أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وعد عليه بقية واجبات الإِسلام. فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثًا وأبرنا برًا. ثم قال عكرمة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
فسرَّ بذلك رسول الله - ﷺ - لأن عكرمة سيد من السادات وقائد من القادة الذين وزنهم في المجتمع القرشي، بالإِضافة إلى شجاعته التي استفاد منها الإِسلام كإحدى الطاقات الفعالة في الحرب ضد أعدائه. فقد كانت مواقف عكرمة البطولية إلى جانب الإِسلام في حروب الردة وفي حروب الشام، مواقف لا تنكر.
عكرمة المهاجر المجاهد
وبعد أن شهد عكرمة شهادة الحق، قال للنبي - ﷺ - ثم ماذا؟ قال رسول الله - ﷺ -: تقول أشهد الله وأشهد من حضر أنى مسلم مهاجر مجاهد. فقال عكرمة ذلك. فقال رسول الله - ﷺ -: لا تسألنى اليوم شيئًا أعطيه أحدًا إلا أعطيتكه، فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه. فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير
[ ٨ / ٢٢٨ ]
إطفاء نورك، فاغفر له ما نال منى من عرض، في وجهى أو وأنا غائب عنه.
فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتال في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهدَ في القتال حتى قُتِلَ شهيدًا. ثم أقر رسول الله - ﷺ - عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميَّة على نكاحهما الأول (١). وقالوا: إن هناك بشائر وإرهاصات رآها النبي - ﷺ - وأخبر أن عكرمة ابن أبي جهل سيكون من خيار المسلمين.
فقد روى أن النبي - ﷺ - رأى في منامه - قبل إسلام عكرمة - أنه في الجنة ورأى عذقًا فأعجبه وقال: لمن هذا؟ فقيل لأبي جهل، فشق ذلك عليه - ﷺ - وقال: لا يدخلها إلا نفس مؤمنة.
فلما أسلم عكرمة بن أبي جهل فرح به وأول ذلك العذق العكرمة. وكان عكرمة - قبل إسلامه - بارز رجلًا من المسلمين فقتله، فضحك النبي - ﷺ -: فقال له بعض الأنصار ما أضحكك يا رسول الله وقد فجعنا بصاحبنا؟ فقال: أضحكني أنهما في درجة واحدة في الجنة (٢) مشيرًا بذلك إلى أن عكرمة سيقتل شهيدا، وقد حدث ذلك فقد استشهد عكرمة في معركة اليرموك وهو يقود كتيبة كلها من الفدائيين ذلك اليوم (٣).
قصة الهارب هبار بن الأسود
كان هبار بن الأسود في الجاهلية لسَّنًا فصيحًا يؤلب الناس على رسول الله - ﷺ - وكان سيء الخلق عظيم الشر، لا تعرف الرحمة سبيلًا إلى قلبه، فهو الذي عندما هاجرت زينب بنت النبي - ﷺ - لتلحق بأبيها إلى المدينة وكانت حاملًا - من زوجها العاص بن أبي الربيع - لحق بها هبار
_________________
(١) مغازي الواقدي ج - ٢ - ص ٨٥٣. وزاد المعاد ج ٢ ص ٢٩٨ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢١٧.
(٣) انظر تاريخ ابن عساكر ترجمة عكرمة بن أبي جهل.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
ابن الأسود - بأطراف مكة ونخس بها الجمل الذي تركبه، فسقطت على الأرض ثم ضربها بالرمح على ظهرها، حتى أسقطت جنينها، وما زالت مريضة بالنزيف الذي كان يعاودها من ذلك اليوم حتى ماتت رحمها الله.
فكان هبار بن الأسود يعتبر مسؤولًا عن موتها وموت جنينها: ولهذا كان من المطلوبين الذين أهدر النبي - ﷺ - دمهم يوم الفتح، وكان يعلم أن حكمًا بالإِعدام قد صدر بحقه.
لذلك هرب يوم الفتح من مكة ولحق بالبادية وظل متواريًا عن الأنظار خوفًا من أن يقع في قبضة أحد من أصحاب النبي - ﷺ - فينفذ فيه حكم الإِعدام الصادر بحقه.
وظل هبار مختفيًا في البادية حتى واقع النبي - ﷺ - هوازن في حنين وانتصر عليهم وعاد إلى المدينة بأصحابه.
ولما هدأت الأحوال ودخل أهل مكة كلهم في الإِسلام، واستقر النبي - ﷺ - في المدينة، قرر هبار بن الأسود أن يذهب بنفسه إلى المدينة ويسلم نفسه للرسول - ﷺ - ويطلب منه العفو، وفعلًا ذهب إلى المدينة ودخل المسجد على رسول الله - ﷺ - فعرفه ورغم أنه أصدر حكمًا عليه بالإِعدام فقد أمر أصحابه بأن لا يمسه أحد بسوء لأنه عرف أنه ما جاء إلا ليُعلن إسلامه.
وقد روى الواقدي قصة هبار هذا فقال: حدثني هشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم (١) عن أبيه عن جده، قال: كنت جالسًا مع رسول الله - ﷺ - في أصحابه منصرفًا من الجعرانة، فطلع هبار بن الأسود فلما نظر القوم إليه قالوا: يا رسول الله .. هبّار بن الأسود، قال رسول الله - ﷺ - قد رأيته، فأراد بعض القوم القيام إليه، فأشار النبي - ﷺ - أن اجلس.
ووقف هبّار فقال: السلام عليك يا رسول الله، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولقد هربت منك في كل البلاد وأردت اللحوق
_________________
(١) انظر ترجمة جبير بن مطعم في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٨ / ٢٣٠ ]
بالأعاجم، ثم. ذكرت عائدتك وفضلك وبرّك وصفحك عمن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله ﷿ بك، وأنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلى وعما كان يبلغك عنى، فإني مقر بسوء فعلى معترف بذنبي. فقال رسول الله - ﷺ -: قد عفوت عنك، وقد أحسن الله بك حيث هداك للإِسلام، والإِسلام يَجُبُّ ما قبله (١).
وقال الزبير بن العوام: ما رأيت رسول الله - ﷺ - ذكر هبارًا قط إلا تغيظ عليه، ولا رأيت رسول الله - ﷺ - بعث سرية قط، إلّا قال: إن ظفرتم بهبار فاقطعوا يديه ورجليه ثم اضربوا عنقه. والله كنت أطلبه وأسأل عنه، والله يعلم لو ظفرت به قبل أن يأتي إلى رسول الله - ﷺ - لقتلته. ثم طلع على رسول الله - ﷺ - وأنا عنده جالس، فجعل يعتذر إلى رسول الله - ﷺ - ويقول: سُبّ يا محمد من سبك وأوذى من آذك، فقد كنتُ موضعًا في سبك وأذاك وكنت مخذولًا، وقد نصرنى الله وهدانى للإِسلام. قال الزبير: فجعلت أنظر إلى النبي - ﷺ - وإنه ليطأطى رأسه استحياء مما يعتذر هبّار، وجعل رسول الله - ﷺ - يقول: قد عفوت عنك، الإِسلام يجبّ ما كان قبله. وكان هبار لسنا. وكان يُسَبُّ حتى يبلغ منه فلا ينتصف من أحد فبلغ رسول الله - ﷺ - حلمهُ وما يحمل عليه من الأذى، فقال: هبّار سُبَّ من سبك (٢).
إسلام ابن الزبعرى
أما عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة بن أبي وهب. فقد كانا من سادات المشركين في مكة وذوى الشأن فيها، إلا أنه لم يصدر بحقهما حكم الإعدام كما صدر بحق ابن الأخطل وهبار بن الأسود وابن منقذ، ولكنهما، (رغم ذلك)، خافا على أنفسهما فهربا من مكة يوم الفتح، وكان ابن الزبعرى شاعرًا مجيدًا يهجو رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٨ طبعة أكسفورد، تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٨٩.
[ ٨ / ٢٣١ ]
وكان هرب ابن الزبعرى وابن أبي وهب إلى نجران في الجنوب حيث التجأ إلى قبيلة بني الحارث ودخلا حصنًا لهم هناك.
غير أن عبد الله بن الزبعرى، قذف الله الإسلام في قلبه فترك نجران عائدًا إلى المدينة، فطلب الصفح من النبي - ﷺ - فصفح عنه بعد أن أعلن إسلامه. أما ابن أبي وهب، فقد ركبه العناد وظل مقيما بنجران حتى مات على الشرك والعياذ بالله تعالى.
قال الواقدي: يروى قصة هرب هذين الزعيمين إلى نجران: "وهرب هُبيرة بن أبي وهب، هو وابن الزبعرى، جميعًا حتى انتهيا إلى نجران، لم يأمنا من الخوف حتى دخلا حصن نجران، فقيل لهم: ما وراءكما؟ قالا: قتلت قريشى ودخل محمد مكة. ونحن والله نرى محمدًا سائرًا إلى حصنكم هذا، فجعلت بنو الحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم، وجمعوا ماشيتهم. غير أن ابن الزبعرى أوقع الله الإِسلام في قلبه، فتهيأ للعودة إلى مكة، فقال له زميله هُبيرة بن أبي وهب: أين تريد يا بن عم؟ .
قال: أردت والله محمدًا. قال: أتريد أن تتبعه؟ قال: أي والله. قال: يقول ابن أبي وهب: يا ليت أني رافقت غيرك، والله ما ظننت أنك تتبع محمدًا أبدًا. قال ابن الزبعرى: هو ذلك فعلى أيّ شيء نقيم مع بني الحارث بن كعب وأترك ابن عمى وخير الناس وأبرهم رمع قومى ودارى؟
فانحدر ابن الزبعرى، حتى جاء رسول الله - ﷺ - وهو جالس في أصحابه، فلما نظر رسول الله - ﷺ - إليه قال: هذا ابن الزّبعرى ومعه وجه فيه نور الإِسلام، فلما وقف على رسول الله - ﷺ - قال: السلام عليكم، أي رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والحمد لله الذي هدانى للإِسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك، وركبت الفرس والبعير ومشيت على قدمي في عداوتك ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد ألا أقرب الإِسلام أبدًا، ثم أراد بي الله ﷿ منه بخير فألقاه في قلبى وحببه إلى وذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يُعبد ويذبح له، لا يدرى مَن عبده ومن لا يعبده قال رسول الله
[ ٨ / ٢٣٢ ]
- ﷺ -: الحمد لله الذي هداك للإِسلام، إن الإِسلام يجب ما كان قبله. وأما هبيرة بن أبي وهب فقد أقام بنجران حتى مات مشركًا، وأسلمت زوجته أم هانئ بنت أبي طالب بمكة (١).
هروب حويطب بن عبد العزى وإسلامه
أما حويطب بن عبد العزى (٢) فقد كان أيضًا من سادات قريش وأركانها، كان أحد أعضاء الوفد القرشي في مفاوضات صلح الحديبية التاريخي، وكان من أشد المناوئين لرسول الله - ﷺ - وكان حويطب ثالث ثلاثة وقعوا "نيابة عن مشركي مكة" وثيقة الصلح بين المسلمين والمشركين في الحديبية.
لم يكن حويطب من الزعماء المشركين المطلوبين الذين صدر الحكم بإعدامهم يوم الفتح، ولكنه أيضًا "رغم ذلك" خاف على نفسه القتل، رغم أن الرسول - ﷺ - قد أصدر تعليماته المشددة بأن لا يقتل الجيش أحدا من أهل مكة إلا النفر الذين قضى بإعدامهم! وهم لا يتجاوزون العشرة على أكبر تقدير لم ينفذ حكم الإعدام إلا في ثلاثة منهم، أما الباقون فقد شملهم الرسول - ﷺ - بعفوه".
هرب حويطب يوم الفتح فخرج من مكة مستخفيًا، فبصر به أبو ذر الغفاري (وكان صديقًا له في الجاهلية) فلما رآه أبو ذر ناداه وهدأ من روعه، وطلب منه العودة إلى مكة وتعهد له بأنه سيكون في أمان من أي سوء.
فقد ذكر المؤرخون أنه لما كان يوم فتهح مكة هرب حويطب بن عبد العزى حتى انتهى إلى حائط (٣) عوف فدخل هناك، وخرج أبو ذر لحاجته وكان داخله، فلما رآه هرب حويطب فناداه أبو ذر. تعال أنت آمن.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٤٨.
(٢) انظر ترجمة حويطب بن عبد العزى في كتابًا (صلح الحديبية).
(٣) الحائط هنا البستان.
[ ٨ / ٢٣٣ ]
فرجع إليه فسلم عليه ثم قال: أنت آمن. فإن شئت أدخلتك على رسول الله - ﷺ - وإن شئت فاذهب إلى منزلك. قال: وهل لي سبيل إلى منزلى؟ ألقى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلى، أو يدخل على منزلى فأقتل. قال فأنا أبلغ معك منزلك، ثم جعل (أبو ذر) ينادى على بابه: إن حويطبًا آمن فلا يُهجم عليه. ثم انصرف أبو ذر إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره فقال: أو ليس قد آمنا كلّ الناس إلَّا من أمرت بقتله؟ (١) وبهذا زال الخوف عن الزعيم العامري حويطب بن عبد العزى. ولم يعد يخشى القتل. لأن المسلمين تبلغوا من جديد الأمر بعدم التعرض لأحد من قريش بأي سوء (كائنا من كان) ما عدا الذين أمر الرسول - ﷺ - بإعدامهم، وأكثرهم عاد الرسول فألغى حكم الإعدام الصادر بحقهم فعاشوا جنودًا للإِسلام أبلوا بلاءًا حسنًا في سبيل نصرته مثل عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري.
هل جدد الرسول نكاح الذين أسلموا وزوجاتهم؟
كان هناك عدد من مشركي قريش (بينهم زعماؤهم) بعضهم أسلم قبل زوجه وبعضهم أسلم بعد إسلام زوجه فكان الإِسلام قد فرق بينهم وبين زوجاتهم. فكيف عادت إليهم زوجاتهم. بعد أن أسلم الجميع بعد كفرهم؟ .
بعض العلماء يقول: إن النبي - ﷺ - قد أعاد كل زوجة إلى زوجها بعقد جديد. والبعض الآخر يقول: إنه أقرهم على نكاحهم الأول وبدون اللجوء إلى إجراء مراسيم عقد جديد .. وهذا الرأي الأخير هو الأصح.
فقد ثبت أن النبي - ﷺ - قد أعاد ابنته زينب إلى زوجها العاص بن الربيع الأموي عندما أسلم دون أن يجدد عقد النكاح. كما أعاد إلى سادات مكة يوم الفتح نساءهم على النكاح السابق المعقود في الجاهلية دون أن يلجأ إلى تجديده.
فقد روى يزيد بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح. قال أسلم أبو سفيان
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٠.
[ ٨ / ٢٣٤ ]
ابن حرب، وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، قبل نسائهم، ثم قدموا على نسائهم في العدة، فردهن رسول الله - ﷺ - بذلك النكاح، وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة قبل زوجيهما، ثم أسلما، فرد رسول الله - ﷺ - نساءهم عليهم. وذلك أن إسلامهم كان في عدتهن (١). وهذا التصرف من الرسول - ﷺ - يضع تشريعًا عامًّا وقاعدة أساسية تسهيلية: وهي أن أي زوجين كانا كافرين ثم أسلما معًا أو أسلم أحدهما قبل الآخر. فإنه يجوز أن يظلا زوجين دونما حاجة إلى انقضاء عدة أو إجراء مراسيم عقد زواج جديد. وهذا بحق من معطيات الإِسلام في مجال التسامح وتبسيط الأمور لإِفساح الطريق أمام الناس إلى الإِسلام دونما تعقيد أو تشديد.
النبي - ﷺ - يعفو عن وحشي قاتل عمه حمزة:
كان العبد الحبشى وحشى مولى لجبير بن مطعم. وكان ممن أهدر النبي - ﷺ - دماءهم. ولكن الرسول - ﷺ - ألغى حكم الإِعدام الصادر بحقه. فعفى عنه، بعد أن أخبره (كما هي رغبته) كيف قتل عمه حمزة يوم أحد.
فقد حدث ابن أبي سبرة عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل وحشى مع النفر، ولم يكن المسلمون على أحد أحرص منهم على قتل وحشى، وهرب وحشى إلى الطائف، فلم يزل مقيمًا به، حتى قدم وفد الطائف على رسول الله - ﷺ -، فدخل على رسول الله - ﷺ -، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي - ﷺ -: وحشى؟ قال: نعم. قال: اجلس، حدثني كيف قتلت حمزة. فأخبره، فلم يزد رسول الله - ﷺ - على أن قال: غيب عنى وجهك "أي لأنه والله أعلم لا يحتمل النظر إلى قاتل أسد الله حمزة عمه"، قال وحشى: فكنت إذا رأيته
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٥.
[ ٨ / ٢٣٥ ]
تواريت عنه ثم خرج الناس إلى مسيلمة (١) فدفعت إلى مسيلمة فزرقته (٢) بالحربة، وضربه رجل من الأنصار، فربك أعلم أينا قتله (٣).
النبي يستلف من أغنياء مكة ليخفف من ضائقة أصحابه المالية
ورغم أن النبي - ﷺ - قد فتح مكة عنوة، واستولى جيشه عليها. ورغم أنه كان بإمكانه كفاتح منتصر أن يصادر ويأخذ ما شاء من أموال أثرياء مكة المغلوبين المهزومين، فإنه قد عفّ عن أن يأخذ منهم درهمًا واحدًا قسرًا وبالقوة. رغم أن عامة جيشه الفاتح المنتصر في أمس الحاجة إلى المال. لحالة العوز والفقر التي هو عليها. بل اقترض من أولئك الأغنياء مائة وخمسين ألف درهم فوزعها على المحتاجين من جنود الجيش. ثم لما نصره الله على هوازن في معركة حنين. وغنم تلك الغنائم العظيمة من أولئك المشركين أعاد إلى أغنياء مكة ما استقرضه منهم مشفعًا بالشكر والحمد لهم.
فقد حدث الواقدي. فقال: أرسل رسول الله - ﷺ - عام الفتح فاستلف من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فلما فتح الله عليهم هوازن وغنمه أموالها ردها وقال: إنما جزاء السلف الحمد والأداء وقال: بارك لك في مالك وولدك.
وقال: استقرض رسول الله - ﷺ - من ثلاثة نفر من قريش: من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه، واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم، واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين ومائة ألف. فقسمها رسول الله - ﷺ - بين أصحابه من أهل الضعف، قال فأخبرنى من بني كنانة، كانوا مع رسول الله - ﷺ - في الفتح، أنه قسم فيهم دراهم فيصيب الرجل خمسين درهمًا، أو أقل أو أكثر، ومن ذلك المال. بعث إلى بني جزيمة (٤).
_________________
(١) أي في حرب الردة.
(٢) زرقة به، قال في القاموس المحيط ج ٣ ص ٢٤٠ .. رماه.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٦٣.
(٤) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٦٤.
[ ٨ / ٢٣٦ ]
غضب الرسول لقتل رجل مشرك من هذيل بمكة يوم الفتح
كان النبي - ﷺ - قد أصدر عفوًا عامًا عن جميع سكان مكة من المشركين يوم الفتح ما عدا نفرًا قليلًا أمر بقتلهم ولكنه عفى فيما بعد عن أكثرهم.
وقد امتثل جميع أفراد الجيش النبوي الأمر فامتنعوا عن قتل أيّ مشرك في مكة أثناء سيطرتهم عليها إلا من قاتلهم، كما حدث للوحدات من الفرسان التي كان يقودها خالد بن الوليد جنوبي مكة (المسفلة). إلا أن بعضا من جنود الجيش النبوي (ومن خزاعة حلفاء الرسول - ﷺ - خرجوا على الانضباط العسكري فقتلوا (بدافع ثأرى) رجلًا من هذيل بمكة مشركًا بعد أن أمن الرسول - ﷺ - الناس. الأمر الذي أغضب الرسول والقائد الأعلى للجيش. فجمع الجيش وخطبهم مستنكرًا قتل الهذلى الشرك. ثم دفع ديته لأهله.
وكان سبب القتل يرجع إلى ثارات بين قبيلة أسلم وقبيلة هذيل: فقد خرج غزاة من هذيل في الجاهلية وفيهم جنيدب يريدون حي أحمر بأسًا. وكان أحمر بأسا رجلًا من أسلم شجاعًا لا يرام. وكان لا ينام في حيه، إنما ينام خارجًا من حاضره، وكان إذا نام غطّ غطيطًا منكرًا، لا يخفى مكانه. وكان الحاضر إذا أتاهم فزع صرخوا (بأحمر بأسا) فيثب مثل الأسد. فلما جاءهم أولئك الغزاة من هذيل. قال لهم جنيدب بن الأدلع: إن كان أحمر بأسا في الحاضر فليس إليهم سبيل، وإن كان له غطيط لا يخفى فدعونى أتسمع فتسمع الحس فسمعه، فأمه حتى وجده نائمًا فقتله، حيث وضع السيف في صدره ثم اتكأ عليه فقتله، ثم حملوا على الحيّ، فصاح الحيّ .. يا أحمر بأسا .. فلا شيء، لا أحمر بأسا. قد قتل. فنالوا من الحاضر حاجتهم، ثم انصرفوا، فتشاغل الناس بالإسلام، فلما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع مكة يرتاد وينظر - والناس آمنون - فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي (من قبيلة أحمر بأسا) فقال .. جندب بن الأدلع، قاتل أحمر بأسا.؟ فقال جنيدب. نعم.
فخرج جندب يستجيش عليه، وكان أول من لقى خراش بن أمية
[ ٨ / ٢٣٧ ]
الكعبي (١) فأخبره، فاشتمل خراش على السيف ثم أقبل إليه، والناس حوله وهو يحدثهم عن قتل أحمر بأسا، فبينما هم مجتمعون عليه إذ أقبل خراش بن أمية فقال هكذا عن الرجل. فظن الناس أنه يفرّج عنه الناس لينصرفوا عنه، فانفرجوا عنه، وهنا حمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه في بطنه. وابن الأدلع مستند إلى جدار من جدران مكة، فجعلت أمعاؤه تتسايل من بطنه. وأن عينه لتبرقان في رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خزاعة، ثم وقع الرجل، فمات في الحال (٢).
قال الواقدي: فسمع النبي - ﷺ - بقتله فقام خطيبًا "مستنكرًا ما حدث" وهذه الخطبة الغد من يوم الفتح بعد الظهر فقال: أيها الناس إن الله قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة. لا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحل لأحد بعدى، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم. فإن قال قائل: قد قَتَل فيها رسول الله فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والله كثر القتل إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله لأدينه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار، إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعَقْله.
وفي رواية عن جويرية بنت الحصين عن عمران بن الحصين. أن النبي - ﷺ - قال: لو كنت قاتلًا مؤمنًا بكافر لقتلت خراشًا بالهذلى. ثم أمر رسول الله - ﷺ - خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ديته، وكانت دية القتيل الهذلى الشرك مائة من الإِبل (٣).
_________________
(١) انظر ترجمة خراش بن أمية في كتابنا (صلح الحديبية).
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٤٥ ببعض التصرف.
(٣) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٤٣ - ٨٤٤ - ٨٤٥ - ٨٤٦.
[ ٨ / ٢٣٨ ]
الخاتمة
نظرة وتحليل
- ١ -
بعد هزيمة الأحزاب أمام الخندق في السنة الرابعة من الهجرة، وبعد ضرب الجيش الإِسلامي لأقوى العناصر العربية المحاربة: عناصر غطفان في نجد وخضد شوكتها في عمليات عسكرية متلاحقة .. وبعد تصفية اليهود "وهم أقوى قوة ضاربة تجاور المدينة في خيبر" بعد هذا الذي كسبه العسكر الإِسلامي بعد أعمال عسكرية شاقة - رسخت جذور هذا الدين وضربت في الأعماق بعيدًا .. وأخذ بناء الدولة الوليدة السياسي والعسكري يتصاعد عالمًا.
حتى أن الرسول - ﷺ - نتيجة الشعور بالاستقرار الكامل اتصل بملوك وأمراء الشرق الأوسط خارج الجزيرة العربية يدعوهم إلى الإِسلام، بل ونقل المعركة إلى داخل أراضى الإِمبراطورية الرومانية في الشام حيث خاض ثلاثة آلاف مقاتل من أصحابه معركة - مؤتة التاريخية - (١). وذلك أثناء صلح الحديبية قبل أن تقدم قريش وحلفاؤها من بني بكر على نقضه.
- ٢ -
نعما بعد الاستقرار الذي نعمت به المدينة عقب خضد شوكة الخصوم المجاورين اليهود وغطفان في نجد، لم تعد هناك من قوة معادية محاربة يخشاها المسلمون في جزيرة العرب كلها سوى قبيلتين عظيمتين لهما وزنهما المعنوى والحربى والسياسى أيضًا وهما:
١ - قبيلة قريش.
٢ - قبيلة هوازن.
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه المعركة في كتابنا السابع من هذه السلسلة (غزوة مؤتة).
[ ٨ / ٢٣٩ ]
أما قريش أعظم قبائل الحجاز وأرفعها شأنًا في نظر العرب الوثنيين وعاصمتها مكة المكرمة وتستطيع أن تحشد من رجالها ومن حلفائها البكريين وبقية كنانة ستة آلاف مقاتل.
أما هوازن فهي من الناحية الحربية أعظم من قريش إذ تستطيع أن تحشد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل وهي قبيلة حجازية نجدية، إذ تمتد منازلها من حدود الحرم في الحجاز حتى حدود غطفان في نجد .. مما يدل على كثرة بطونها وأفخاذها.
وهي في أصلها قبيلة عدنانية، فهي وقريش من أصل واحد. ولكن هوازن لا تلتقى بقريش إلا في (مضر).
- ٣ -
كان الرسول - ﷺ - قد عقد صلحا مع قريش وحلفائها وجيرانها الكنانيين من بني بكر وهو صلح الحديبية التاريخي فأمن جانب قريش - فترة ما - ولكن قريشًا نقضت هذا الصلح بعد مضى ثلاثة وعشرين شهرًا فقط على عقده، مع أن مدته عشر سنوات.
وبهذا عادت الأحوال إلى ما كانت عليه من حيث قيام حالة الحرب بين المسلمين وقريش، وعودة القلق إلى صفوف المسلمين من أن تقدم قريش من جديد على أعمال عدوانية ضد المسلمين.
الأمر الذي جعل المعسكر الإِسلامي يعيد النظر في تقييم حساباته العسكرية من جديد، فيوجه اهتمامه - (بجدية وحذر) ناحية الجنوب حيث تقع مناطق العدو الرئيسى (قريش وهوازن).
- ٤ -
لقد كان محمد - ﷺ - بالإضافة إلى كونه نبيًّا مرسلًا ملهما ومؤيدًا بتأييد الله تعالى .. كان قمة في السياسة العسكرية وبعد النظر وحسبان -
[ ٨ / ٢٤٠ ]
النتائج قبل الإِقدام على العمل.
لقد كان أخشى ما يخشاه المسلمون - بعد أن نقضت قريش صبح الحديبية - أن تعقد الأخيرة مع (هوازن) حلفا عسكريا تواجهان به القبيلتان مجتمعتين الرسول - ﷺ - وأصحابه في معركة حاسمة .. ولو حدث ذلك للقى المسلمون متاعب وأخطار .. الله وحده يعلم بنتائجها. لأن القبيلتين تستطيعان حشد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل. بينما المسلمون لم يستطعوا (رغم التجنيد الإِجبارى) حشد أكثر من عشرة آلاف محارب.
إن النبي محمد - ﷺ - كقائد عسكرى مسئول قد قدر قوة كل من قريش وهوازن العسكرية وحسب حسابهما، وإن الصدام معهما مجتمعتين. أو كل واحدة على انفراد ليس بالأمر الهين.
وكان من أسس أخلاق الرسول - ﷺ - التي هي أخلاق الإِسلام في الحرب، أن يحسم أي نزاع مسلح بأقل خسارة ممكنة إلّا أنه لا يتردد في استخدام أقصى أساليب الفتك بالعدو في ساحة القتال إذا ما اضطر إلى ذلك كما حدث في بدر وحنين.
- ٥ -
ولعل من أنجح سياساته الحربية، وهو يضع خطة الغزو للسيطرة على مكة، أنه انتهج خطة الكتمان الشديد، فرغم أنه قد أعلن النفير العام وحشد عشرة آلاف من أصحابه فإنه كتم - حتى عن قادة الفرق فيهم - حقيقة الوجهة التي يقصد التحرك بهم نحوها، فلم يعرف جيشه (قادة وجنودًا) الجهة التي يقصدونها إلَّا بعد أن وصلوا على أربعة أميال من مكة المكرمة. كما أقفل الطرق المؤدية من المدينة إلى مكة والجنوب كله ومنع السفر كليا فأقام حراسًا يمنعون الناس من السفر ويعتقلون من يشكون في أمره. وكانت خطة الكتمان وعدم الإفصاح عن الجهة التي يريدها - ﷺ - تستهدف (والله أعلم) أمرين اثنين.
[ ٨ / ٢٤١ ]
١ - في الدرجة الأولى مباغتة أهل مكة، فلا يدرون إلا والجيش النبوي اللجب يحيط بهم على غير أهبة أو استعداد، فيسقط في أيديهم فينهارون، فتتم السيطرة لجيش الإسلام على العدو دونما أية خسارة تذكر في الأرواح بين الفريقين.
٢ - إدخال البلبلة على كل من العدوين الرئيسيين هوازن وغطفان (فيما إذا اكتشف أحدهما أو كلاهما التحرك بالجيش من المدينة) بحيث لا يدرون، أيهم، ولا أي من العرب مقصود بالغزو.
وهذا هو الذي حدث بالفعل فإن كلا من قريش وهوازن لم تعلم أن قريشًا المقصودة بالغزو إلا عندما أصبح الرسول - ﷺ - في ضواحي مكة. أما هوازن فلم تعلم إلا بعد أن وقعت مكة المكرمة تحت سيطرة الجيش الإِسلامي لأن جاسوس هوازن الذي بعثت به يرصد لها تحرك الجيش النبوي، وقع في قبضة طلائع استكشاف هذا الجيش وظل في قبضتهم حتى دخلوا مكة فعميت الأخبار عن هوازن إلى أن فتحت مكة المكرمة.
- ٦ -
وأخيرًا وقعت مكة في قبضة المسلحين وسيطر عليها الجيش الإِسلامي دونما أية خسارة في المعسكرين، اللهم إلا حوالي بضعة وعشرين رجلا قتلوا بدون رضا قادة الفريقين، وذلك عندما قام بعض المتطرفين من شباب قريش باعتراض قطعات خالد بن الوليد وشهروا السلاح في وجهها جنوبي مكة. ثم قضى خالد على تلك المقاومة في لحظة وجيزة. واستتب الأمر لجيش الإِسلام في مكة. فكان فتحها حدث اهتزت له جزيرة العرب ودهش له سكانها. لأنهم ما كانوا متوقعون أن مكة أعظم المعاقل الروحية للوثنية والشرك ستقع بمثل تلك السهولة في قبضة قوات التوحيد.
فما هي العوامل في هذا النصر الخاطف الذي حققه جيش الإِسلام. والذي ما كان (حتى المسلمون) يتوقعون حدوثه بذلك الشمول وتلك السرعة الخاطفة؟ .
[ ٨ / ٢٤٢ ]
- ٧ -
يمكن إيجاز العوامل الرئيسية في هذا النصر بصورة مختصرة فيما يلي:
١ - العقيدة
٢ - المباغتة والتضليل.
٣ - تهاون قريش في الاستعداد والتنظيم للمقاومة.
٤ - تخلخل العقيدة الوثنية في نفوس الأكثرية من أهل مكة وعدم تحسسهم لبذل الأرواح في سبيلها.
٥ - بقاء قريش وحدها في ميدان معاداة المسلمين باستثناء قبائل هوازن التي رغم بقائها على الشرك لم تكن على وئام مع قريش.
"أ" أما بالنسبة للعقيدة، فإن قريشا لها عقيدتها، ولكنها عقيدة ضحلة فاسدة تقوم على أساس المصلحة الشخصية والزعامة الفردية. فسادات قريش. رغم تعصبهم لعقيدة الشرك يعرفون في قرارة أنفسهم أنها خرافة تافهة، ولكنها عقيدة موروثة مرتبط ببقائها بقاء زعاماتهم الشخصية. وعقيدة هذا شأنها، يكون المتشبثون بها أزهد الناس فيها عندما لم تعد قادرة على الحفاظ على مصالحهم الشخصية.
أما العقيدة عند المسلمين فهي التزام لا علاقة له بالمصلحة الشخصية حتى يكون التمسك بهذه العقيدة أو التراخى عنها تبعًا لبقاء أو زوال هذه المصلحة، بل أنها التزام يقوم عليه كيان المسلم المبنى على اعتقاد لا جدل فيه .. اعتقاد يقول "بجزم": إن سعادة المسلم في الدنيا وفلاحه في العالم الآخر لا سبيل إلى الظفر بهما إلا بالوفاء لهذه العقيدة وبذل أغلى ما لدى المسلم للوفاء لها والدفاع عنها. كما يقول: إن التهاون في نصر هذه العقيدة يعني تعاسة في الدنيا وشقاء في الآخرة.
لهذا شهد الصدر الأول في الإِسلام من التضحية والفداء والضراوة في القتال دفاعًا عن عقيدة الإِسلام، نماذج لم يسجل التاريخ مثلها منذ فجره.
في سبيل نصرة العقيدة قتل الابن أباه، وأبدى الأب استعداده لقتل
[ ٨ / ٢٤٣ ]
ابنه (١)، وأبدت القلة المؤمنة من الثبات أمام الكثرة الكافرة الغامرة الساحقة ما أنزل بالأخيرة الهزائم الفاضحة المدمرة كما في -بدر وأحد وخيبر-، أو الاندحارات المخزية والفشل الذريع كما حدث في غزوة الأحزاب.
وكانت قريش أكثر العرب عرضة لتجربة معطيات العقيدة الإِسلامية في كل مجالات الصراع المسلح، لهذا كان من البدهى أن يسيطر الرعب المزلزل عليها في مكة بعد أن علمت أنها مطوقة بعشرة آلاف من المسلمين يرابطون على مشارف مكة فكان استسلامها أمرًا إلا مفر منه بسبب الأمور التي ذكرنا. إنها العقيدة العامل الرئيسى في إزالة فكرة المقاومة من أذهان أهل مكة. إنهم لا يزالون يذكرون - عندما كانوا أكثر عددًا وأقوى عدة يوم بدر - لا يزالون يذكرون تقرير رجل استخباراتهم "عمير بن وهب الجمحى" حين استكشف لهم قوات المسلمين في ذلك اليوم التاريخي. حين قال لهم: إن المسلمين ثلاث مائة وأنتم ألف، ولكننى رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع فلن يطال الموت أحدًا منهم حتى يقتل رجلًا منكم على أقل تقدير، أو كما قال (٢).
"ب" أما بالنسبة لخطة الكتمان والمباغتة - وهي من أهم عوامل الانتصارات منذ فجر التاريخ حتى اليوم - فقد نجح الرسول فيها نجاحا باهرا - وإلى أبعد الحدود.
فقريش - بسبب إحكام خطة الكتمان - لم تعلم شيئًا عن تحركات الجيش النبوي حتى بات على مرمى الحجر من مكة المكرمة، فكان ذلك من أهم عوامل التعجيل باستسلام قريش وقبولها بالاقتراح القائل: أن تكون مكة مدينة مفتوحة، يسيطر عليها جيش الإسلام دونما أي قتال أو مقاومة، وقد كان ذلك ونفذ بكل دقة من كلا الجانبين، ما عدا جهة قطعات الفرسان التي يقودها خالد بن الوليد، والتي لقيت من المشركين
_________________
(١) ثبت يوم بدر الكبرى أن أبا بكر الصديق طلب من ابنة عبد الرحمن مبارزته (وكان مشركًا مع قريش ولكنه امتنع عن مبارزته.
(٢) انظر تصريحات عمير بن وهب لقيادة قريش يوم بدر في كتابنا "غزوة بدر الكبرى" في موطنها.
[ ٨ / ٢٤٤ ]
البكريين والقرشيين بعض المقاومة وقضى عليها في لمح البصر.
"ج" أما تهاون قريش في الإِعداد والتهيؤ لمواجهة المسلمين، فهو سر حير كثيرًا من خبراء الحرب والمهتمين بتتبع تاريخ الصراع بين الإِسلام والوثنية في العهد النبوي.
فقريش رغم فشلها في الحصول على معرفة ميعاد تحرك الجيش النبوي من المدينة لغزوها، فإنها على يقين بأن غزوها أمر لا بد منه كما صارحها بذلك قائد جيشها العام أبو سفيان بن حرب، وذلك تأديبًا لها على نقض الصلح الذي نقضته بغدرها بخزاعة حليف النبي - ﷺ - ولكنها لأسباب لا يدرى أحد معرفتها بالتحديد. لم تقم بأي حشد أو أي استعداد لمواجهة الغزو المحتمل بل الذي لم تشك لحظة في أنها ستتعرض له. بل ظل زعماؤها وقادتها يدورون في حلقة مفرغة حتى داهم الجيش النبوي ضواحي مكة بغته.
ولعل أكبر خطأ ارتكبته قريش في سياستها العسكرية - من الناحية التعبوية - وهي تواجه التعرض لغزو إسلامي، هو أنها لم تتصل بهوازن العدو القوى الجبارذى العدد والعدة، والذي يشاركها الرغبة الملحة العارمة في القضاء على المسلمين، والذي هو جار لها لا تفصله عن حدودها مرمى سهم.
فلم يذكر أحد من المؤرخين أن قريشا أجرت أيّ نوع من أنواع الإيصال بقبائل هوازن لإِقامة تحالف عسكرى تواجه به الجيش النبوي الذي تعرف قريش أن الصدام بينه وبينها ثم بينه وبين هوازن أمر محتم.
ولو أن قريشا فعك ذلك لتغير مجرى الصراع بين الفريقين .. ولكن قريشا لم تفعل شيئًا من ذلك، راجع إلى أن بين قريش وهوازن عداوات قبلية مستحكمة منذ حرب (الفجار الشهير) التي نشبت بين كنانة (ومنها قريش) وبين قيس عيلان ومنها (هوازن)
وعلى العموم فقد كفى الله المؤمنين شر القتال، وتمت على مكة للمسلمين دونما قتال يذكر، وذلك لخير أراده الله بالمسلمين وقريش على
[ ٨ / ٢٤٥ ]
السواء.
إذ لم تمض عدة أشهر على فتح مكة حتى أصبح كل أهلها مسلمين مغتبطين سعداء باعتناقهم الدين الجديد. حتى ألد أعداء النبي - ﷺ - عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، واغتبطوا بدخولهم في الإسلام وصاروا سادة وقادة من سادة وقادة المسلمين. وتلك من أميز مميزات سماحة الإِسلام الذي (كما قال الصادق المصدوق - ﷺ -) يَجُبُّ ما قبله.
أما هوازن الخصم الأعظم قوة والأشد شراسة في القتال والوحيد العنيد المتبقى على عدائه السافر العارم للإِسلام فلم تسلك مسلك قريش في التراخى في المواجهة، بل سارع قائدها مالك بن عوف وحشد عشرين ألف مقاتل. وقرر أن ينقل المعركة إلى مكة الإِخراج المسلمين منها والحلول في منصب قيادة العرب فيها محل قريش التي استسلمت للمسلمين دونما حرب، فتحركت فخائذ هوازن من أطراف نجد ومناطق الحجاز بجيش لجب في اتجاه مكة فسارع الرسول القائد - ﷺ - وخرج بجيشه من مكة لملاقاتها فاصطدم بها في وادي حنين، حيث دارت تلك المعركة التاريخية الطاحنة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، والتي ستكون موضوع كتابنا التالي إن شاء الله وهو الكتاب التاسع من (معارك الإِسلام الفاصلة).
"د" أما تخلخل عقيدة الوثنية في نفوس القرشيين فذاك أمر قد بدا واضحًا منذ يوم صلح الحديبية الذي كان فيه أول المتأثرين بعقيدة الإِسلام ومعجبًا بفعاليتها في احتواء المسلمين وضبط سلوكهم وطيب سمعتهم وتحقيق وحدتهم الصحيحة المتكاملة والتعريض بالقرشيين وعقيدتهم الوثنية .. كان أول المتأثرين حليف قريش ورسوله إلى المسلمين عروة بن مسعود الثقفى (١) الذي قال لزعماء قريش في تقريره الذي قدمه لهم عن واقع المسلمين يوم أن زارهم (مندوبًا في الحديبية) .. "يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشى وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع
_________________
(١) أسلم هذا السيد المفضال، انظر ترجمته في كتابنا (صلح الحديبية).
[ ٨ / ٢٤٦ ]
فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلّا أن يشير إلى أمر فيفعل، وقد حزرت القوم واعلموا: إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما ما يبالون ما يصنع بهم إذا ما منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت (نُسيات) معه إن كن ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم (١) ".
وكذلك حويطب بن عبد العزى أحد أعضاء وفد قريش في مفاوضات صلح الحديبية التاريخي أدلى بتصريح يدل على التأثر البالغ بواقع المسلمين والتخلخل في ثقة المشركين بأنفسهم وعقيدتهم واقتناعهم بأن الغلبة في أي صراع قادم إنما ستكون "ولابد للعقيدة الإِسلامية".
فقد قال حويطب بن عبد العزى - وهو ينظر إلى المسلمين في الحديبية من خلال واقعهم المشرف - قال لزميله في وفد قريش، مكرز بن حفص .. "ما رأيت قومًا قط أشد حبًّا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض، أما أني أقول لك .. لا تأخذ من محمد نصفا أبدا بعد هذا اليوم، حتى يدخلها "يعني مكة" عنوة (٢). فقال مكرز: أنا أرى ذلك" (٣).
بل لقد تطور هذا التأثر بواقع المسلمين والإِعجاب بعقيدتهم "عقيدة التوحيد" إلى أن يحدث الانشقاق بين سادات مكة أنفسهم والصلح قائم قبل فتح مكة، فيدخل بعضهم طوعًا واختيارًا في الإِسلام ويذهب إلى المدينة ويلتحق بمعسكر الدين الجديد .. فيحدث بذلك خسفًا شديدًا في الأرضية المتداعية التي يقف عليه بنيان الوثنية في نفوس زعماء مكة قبل دهمائها.
هذا خالد بن الوليد قائد سلاح الفرسان القرشي، وعمرو بن العاص رجل قريش السياسي الذي لا يبارى، وعثمان بن طلحة قائد لواء قريش، كلهم يذهبون بأنفسهم إلى المدينة "قبل أن تقع مكة في قبضة الإِسلام"
_________________
(١) صلح الحديبية ص ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) العنوة .. أخذ الشيء قوة اقتدارا.
(٣) صلح الحديبية للمؤلف ص ٢٦٥.
[ ٨ / ٢٤٧ ]
فيعلنون إسلامهم بين يدي الرسول - ﷺ -.
ولا أدل على تخلخل العقيدة الوثنية وشعور سادات مكة أنفسهم بقرب اضمحلال هذه العقيدة من التصريحات التي أدلى بها بعضهم عند الصفا، على أثر المشادة التي حدثت بين أبي سفيان بن حرب وبين خالد بن الوليد - عندما وقف خالد على الصفا يصارح قريشا بأن دين الإِسلام هو الحق.
فقد وقف خالد - بعد عمرة القضاء وقبل فتح مكة - وقف على الصفا ونادى "بشجاعة خالد المعروفة" .. "يا معشر قريش لقد استبان لكل ذي لب أن محمدًا ليس بساحر، ولا كذاب وأن كلامه من كلام رب العالمين فحق على كل ذي لب أن يتبعه" فغضب لذلك أبو سفيان وهجم على خالد مستنكرًا قوله فحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل وخاطب أبا سفيان في لهجة تدل على الشعور بقرب نهاية الوثنية في مكة .. "دعه يا بن حرب فإني أخشى أن لا يأتي العام القادم إلا وقد فعلنا كلنا مثل فعل خالد أو كما قال" (١).
"هـ" أما بقاء قريش وحدها في ميدان مواجهة المسلمين، فهذا أمر كان قائمًا عندما تحرك النبي - ﷺ - بجيشه من المدينة، فكل قبائل الحجاز قد دخلت في الإِسلام تقريبًا، ولم يبق قبيلة لها وزنها الحربى (بعد قريش) سوى قبيلة هوازن ومنها ثقيف، ولكن قريشًا لم تستفد من موقف هوازن، حيث لم تجر معها أي اتصال لإجراء أيِّ تنسيق معها لمواجهة المسلمين. ولهذا تمكنت قوات الإِسلام، من إخضاع الواحدة بعد الأخرى على انفراد، حيث لم يمض على سيطرة المسلمين على مكة نصف شهر حتى اصطدمت قواتهم خارج مكة بعشرين ألفا من قوات هوازن في أحد وحنين، فنزلت بهوازن تلك الهزيمة الساحقة، ودخل سيد هوازن مالك بن عوف نفسه في الإِسلام، ثم دخلت ثقيف، وبذلك انتهت المقاومة الوثنية في جميع مناطق الحجاز.
_________________
(١) انظر هذه القصة مطولة في كتابنا السابع من هذه السلسلة (غزوة مؤتة) قصة إسلام خالد وعمرو بن العاص.
[ ٨ / ٢٤٨ ]
[خريطة]
[ ٨ / ٢٤٩ ]
محمَّد أحمَد باشميل
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٩ -