وقوله شي بشد الياء لغة فى شيء أي صلى عليه مالك كل شيء دعاء بلفظ الخبر. قال الزرقاني وروي أنها مدحت النبي صلي الله عليه وسلم بقولها:
(فلو سمعوا فى مصر أوصاف خده لما بذلوا فى سوم يوسف من نقد)
(لواحى زليخا لو رأين جبينه لئاثرن بالقطع القلوب على الأيدى)
ولواحي جمع لاحية يعنى النسوة اللاتي لمنها فى شأن يوسف؛ وفى الصحيحين من حديتها أنه ﵇ قال لها: رأيتك وفى رواية أريتك بضم الهمزة فى المنام، ثلاث ليال جاءني بك أي بصورتك الملك، أي جبريل فى سرقة حرير يقول هذه امرأتك، فاكشف عن وجهك، فإذا هي أنت فأقول إن يكن من عند الله يمضه، والسرقة بفتح السين والراء المهملتين فقاف القطعة، ويمضه بضم أوله، قال الطبي هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الشيء المدلى بصحة تحقق وقوع الجزاء ونحوه. قول السلطان لمن يحب قهره، ان كنت أميرا انتقمت منك وقال عياض يحتمل أنه قال ذلك قبل البعثة فلا إشكال، وإن كان بعدها فيحتمل التردد، هل هي زوجته فى الدنيا والآخره؟ أو الآخرة فقط، أو أنه لفظ شك لا يراد به ظاهره وهو نوع من البديع يسمى تجاهل العارف، قال الحافظ والأخير هو المعتمد، ولابن حبان هي زوجتك فى الدنيا والآخرة. وأصل السرقة بفتحات شقة الحرير البيضاء وقيل الحرير عامة، وجمعه سرق بالتحريك والمراد هنا المعنى الثانى، بدليل أنها خضراء، لما رواه الترمذي وحسنه ان جبريل جاءه ﵊ بصورتها فى خرقة حرير خضراء وقال هذه زوجتك فى الدنيا والآخرة.
وفي رواية عنده قال أتاني جبريل فقال ان الله تعالى قد زوجك يا بنت أبى بكر، ومعه صورتها. وروى الطبراني برجال الصحيح أنها قالت أعطيت تسع خلال ما أعطيتها امرأة؛ والله ما أقول هذا فخرا، نزل الملك بصورتى وتزوجنى لسبع وأهديت إليه لتسع وتزوجنى بكرا، وكان الوحي يأتيه وأنا وهو فى لحاف واحد. وكنت أحب الناس إليه وآبنت أحب الناس إليه، ولقد نزلت في آيات من القرآن، وقد كادت
[ ٢ / ٦٨ ]
الأمة تهلك في ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض فى بيتى ولم يله أحد غيرى وغير الملك.
وروى أبو الحسن الخلعي عنها: رفعته يا عائشة، انه ليهون علي الموت؛ إنى قد رأيتك زوجتى فى الجنة. رواه ابن عساكر بلفظ ما أبالى بالموت، قد علمت أنك زوجتى فى الجنة.
(ولم يكن تزوج المختار بكرا سواها فلها الفخار)
قوله المختار اسم يكن، وتوسط الخبر وهو تزوج بينه وبين الفعل وفاعل تزوج ضمير الاسم وبكرا مفعول تزوج والفخار بالفتح التمام بالخصال، قاله فى القاموس يعنى أنه صلي الله عليه وسلم لم يتزوج قط بكرا غيرها فبسبب ذلك ثبت لها الفخار أي المدح بتلك الخصلة على سائر نسائه. وهذا متفق عليه عند أهل النقل وهو فى الصحيح.
وفي الحديث فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام. وفيه يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام. فقالت ﵇ ورحمة الله وبركاته.
وقال ﵇ يا أم سلمة، لا توذينى فى عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا فى لحاف امرأة منكن غيرها، وكلها فى الصحيح. قال فى الفتح مما يسأل عنه وجه اختصاصها بذلك فقيل لمكان أبيها فسرى ذلك لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه صلي الله عليه وسلم، وقيل كانت تبالغ فى تنظيف ثيابها التى تنام فيها معه صلي الله عليه وسلم، وروى الطبراني والبزار برجال ثقات عنها: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم طيب النفس، فقلت يا رسول الله ادع لى. فقال اللهم أغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرت وما أعلنت. فضحكت عائشة حتى سقط رأسها فى حجرها من الضحك، فقال صلي الله تعالى عليه وسلم: أسرك دعائى؟ فقالت مالي لا يسرنى دعاؤك. قال فو الله إنها لدعوتى لأمتى فى كل صلاة- انظر الزرقاني.
وفي المواهب وكانت عائشة تكنى أم عبد الله مروي أنها أسقطت من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سقطا ولم يثبت، والصحيح أنها
[ ٢ / ٦٩ ]
كانت تكنى بعبد الله بن الزبير بن أختها، فإنه ﵊ تفل فى فيه لما ولد وقال لعائشة هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت فما زلت أكنى بها وما ولد قط. خرجه أبو حاتم انتهى.
قال الزرقاني وفى الروض بعد تضعيف حديث السقط وأصح منه حديث أبي داوود أنه صلي الله تعالى عليه وسلم قال لها تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير ويروى بابنك عبد الله، لأنها كانت قد استوهبته من أبويه فكان فى حجرها يدعوها أما- انتهى.
(وكم حوت فى مدة يسيره من العلوم الجمة الغزيره)
كم تكثيرية وهي مفعول حوت، والمدة القطعة من الزمن ويعنى بها مدة إقامتها معه صلي الله تعالى عليه وسلم وهي تسع سنين ولذا وصفها باليسارة أي القلة، والجمة بالفتح الكثرة، والغزيرة بفتح العين المعجمة مرادف له، وحوت معناه جمعت يعنى أنها رضي الله تعالى عنها قد جمعت فى هذه السنين التسع من العلوم بجميع أنواعها ما لا يتعلمه غيرها فى الأزمان المتطاولة، فكانت فقيهة جدا، حتى قيل ان ربع الأحكام الشرعية منقول عنها، عالمة بكل العلوم. قال أبو موسى الأشعري ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. رواه الترمذي وصححه.
وقال عروة ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بجلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بطب ولا بحديث العرب ولا نسب من عائشة رواه الحاكم وغيره بسند حسن. وقال عطاء كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا- انتهى.
وكانت فصيحة. قال معاوية ما رأيت خطيبا قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة رواه الطبراني. وكانت كثيرة الحديث، روي لها عن رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم ألفان بالتثنية ومائتا حديث وعشرة، وكانت عارفة بأيام العرب وأشعارها، فما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا، وكانت زاهدة كثيرة الكرم والصدقة.
[ ٢ / ٧٠ ]
وعن أم درة قالت أثيت عائشة بمائة ألف، ففرقتها وهي يومئذ صائمة، وقلت لها أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت لو ادركتيني لفعلت. وكانت ﵂ بيضاء وزاعم أنها سوداء كذبه ابن معين وغيره. ويقال لها عيشة فى لغة فصيحة وعائشة أفصح. وهي بالهمز وعوام المحدثين يبدلونها ياء. وكان ﵇ يقسم لها ليلتين، ليلتها وليلة سودة ولا يقسم لسودة لأنها وهبت ليلتها لما كبرت لعائشة.
وما فى مسلم عن ابن جريح ان التى كان لا يقسم لها صفية وهم، كما قاله عياض والطحاوي وغيرهما- انظر الزرقاني.
تنبيه:
مشى الناظم رحمه الله تعالى على ان عائشة هى التى تلي خديجة فى التزويج بها وهو قول محمد بن عقيل، والذى صدر به فى المواهب ان سودة هي التى تلي خديجة وانه تزوج سودة قبل أن يعقد على عائشة، وقال هذا قول ابن أبى عبيدة وقتادة ولم يذكر ابن قتيبة غيره- انتهى.
قال الزرقاني وبه جزم الجمهور، قال فى الإصابة ورواه ابن إسحاق، فقال كانت سودة أول امرأة تزوجها بعد خديجة، قال اليعمري وهو الصحيح ويجمع بين القولين بأنه صلي الله تعالى عليه وسلم عقد على عائشة قبل الدخول بسودة، ودخل بسودة بمكة قبل الدخول بعائشة- انتهى.
وقال العراقي:
خديجة الأولى تليها سودة ثم تلى عائشة الصديقة
وقيل قبل سودة فحفصة
انتهى المراد منه.
[ ٢ / ٧١ ]
وقال الزرقاني جرى المصنف فى ترتيبهن على ما رواه يونس عن الزهري أنه صلي الله تعالى عليه وسلم تزوج بعد خديجة سودة ثم عائشة ثم حفصة ثم أم سلمة ثم أم حبيبة.
وفي رواية عقيل عنه خديجة ثم سودة ثم عائشة ثم أم حبيبة ثم أم حفصة، ثم أم سلمة. وروى عبد الملك النيسابوري عن أبي سعيد يرفعه: ما تزوجت شيئا من نسائي ولا زوجت شيئا من بناتي إلا بوحي جاءني به جبريل عن ربي ﷿- انتهى.
(وبالبقيع دفنت فى حن ليلا )
مراده أن عائشة دفنت ليلا بالبقيع بوصيتها لابن اختها عروة فقالت إذا أنا مت فادفنى مع صواحبى بالبقيع. فدفنت به ليلا، ونزل فى قبرها القاسم بن محمد بن عمة عبد الله بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله أبناء الزبير وحضر جنازتها أكثر أهل المدينة، وصلى عليها أبو هريرة وكانت يومئذ خليفة لمروان بن الحكم على المدينة. ومروان أمير المدينة من جهة معاوية فحج واستخلف أبا هريرة وتوفيت على ما قال الناظم عام ثمان وخمسين كما أشار له بقوله:
في حن. فالحاء ثمان والنون خمسون وعزاه ابن حجر للأكثرين وصححه الشامي وذلك كما قال الواقدي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. والذى ذكر على بن المديني عن سفيان عن هشام بن عروة وصححه فى التقريب أنها ماتت عام سبعة وخمسين وقيل ماتت سنة ست وخمسين وقيل سنة تسع وخمسين، بتقديم المثناة. فعلى قول ابن المديني عاشت ستا وستين سنة، وعلى ما عزاه الحافظ للأكثر ألغي عام الولادة أو الموت.
(وسودة سمت فى البسن فوهبت ليلتها لها لكي تحشر فى أزواجه بنت لؤي)
يعني أن أمنا سودة رضي الله تعالى عنها سمت أي علت وكبرت فى
[ ٢ / ٧٢ ]
السن فأراد صلي الله تعالى وسلم أن يطلقها، فقالت لا تطلقنى وأنت فى حل منى، فأنا أريد أن أحشر فى أزواجك وإنى قد وهبت يومي لعائشة، وإنى لا أريد ما تريد النساء فأمسكها حتى توفي.
وأخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس وأبو داوود عن عائشة أن سودة خشيت أن يطلقها صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة ففعل، ففعلت. فأنزل الله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا﴾ (الآيه).
وفي مرسل رواه ابن سعد انه بعث إليها بطلاقها فناشدته أن يراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة، ففعل. لكن صحح الدمياطي وتلميذه اليعمري أنه لم يطلقها. وكانت رضي الله تعالى عنها شديدة الاتباع لأمره صلي الله تعالى عليه وسلم. وصح عن عائشة أنها قالت: ما من الناس أحد أحب إلى أن أكون فى مسلاخه من سودة، ان بها إلا حدة فيها، كانت تسرع منها الفيئة. ومسلاخها بكسر الميم وسكون المملة وخفة اللام وخاء معجمة هديها وطريقتها.
وروى ان عمر بعث إليها غرارة من الدراهم، فقالت ما هذه؟ قالوا دراهم. قالت فى غرارة مثل التمر؟ ! ففرقتها. وكانت تضحكه صلي الله تعالى عليه وسلم بالشيء أحيانا.
فائدة:
يقال كبر بالكسر إذا أسن، يكبر بالفتح، وكبر بالضم إذا عظم فى الأجسام والمعاني، يكبر بالضم فيهما.
قال الدنوشري:
كبرت بكسر الباء فى السن وارد مضارعه بالفتح لا غير يا صاح
وفي الجسم والمعنى كبرت بضمها مضارعها بالضم جاء بإيضاح
نقله الزرقاني. وقول الناظم فوهبت فاعله ضمير يعود على سودة كالمجرور بالإضافة وأما المجرور باللام فهو لعائشة، وبنت نائب فاعل
[ ٢ / ٧٣ ]
تحشر وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر، وأتى به الناظم ليبين النسب الذى يجمعها مع المصطفى ﵇ وهو جدهما لؤي. وسودة بفتح السين هي بنت زمعة بفتح الزاي وسكون الميم وتفتح على ما فى القاموس، وبه يرد لقول المصباح لم أظفر بسكونها، ابن عبد شمس، ابن عبد ود، بفتح الواو وشد الدال، وتضم الواو، ابن نضر بن مالك، بن حسل بكسر الحاء وسكون السين المهملتين فلام ابن عامر بن لؤي وأمها الشموس بشين معجمة فميم فواو فمهملة بنت قيس بن عمرو أخي سلمى بنت عمرو بن زيد النجارية، أم عبد المطلب.
(وبعد موت زوجها السكران تزوجت خير بنى عدنان
صلى عليه ربنا وسلما وآله وصبحه وكرما)
قوله بعد متعلق بتزوجت والضمير المضاف إليه زوج لسودة يعنى أنها ﵂ كانت قبل النبي صلي الله تعالى عليه وسلم تحت ابن عمها السكران عمرو بن عبد شمس جدها هي المتقدم نسبه، فالسكران ابن عم أبيها، وهو أخو سهيل بالتصغير، وسهل بالتكبير وسليط بفتح المهمله وكسر اللام وحاطب بنو عمرو كلهم صحابة، رضي الله تعالى عنهم، والسكران أسلم قديما وهاجر معها الهجرة الثانية إلى الحبشة، كما ياتى، وهاجر سليط الهجرة الأولى إلى الحبشة على ما فى العيون كما فى الزرقاني، وكذا أخوه حاطب كما فى العراقي. وفى المواهب وكانت تحت ابن عم يقال له السكران ابن عمرو أخو سهيل بن عمرو وأسلم معها قديما وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها وقيل أنه مات بالحبشة، وتزوجها صلي الله تعالى عليه وسلم بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة انتهى المراد منه.
وفي الزرقاني انها ولدت للسكران ابنا يسمى عبد الرحمن، قتل بحلولاء فى قتال فارس وفيه انها رأت فى المنام كأن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أقبل يمشي حتى وطئ عنقها فأخبرت زوجها بذلك، فقال إن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك، ثم رأت فى المنام ليلة
[ ٢ / ٧٤ ]
أخرى أن قمرا انقض عليها وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجين من بعدي فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا يسيرا انتهى.
وقولها وتزوجها أي عقد ودخل عليها قاله الزرقاني، ثم قال فى المواهب ويقال تزوجها بعد عائشة ويجمع بين القولين بأنه صلي الله تعالى عليه وسلم عقد على عائشة قبل سودة ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل منهما وإن كان المتبادر للفهم العقد دون الدخول- انتهى كلامها.
وقوله فى وجه الجمع عقد على عائشة قبل سودة أي قبل الدخول بسودة، لا قبل العقد عليها بدليل بقية كلامه، ودخل بسودة قبل عائشة يعنى وبعد عقده على عائشة. وقوله كل منهما أي من العقد والدخول فيحمل الأأول على العقد والثانى على الدخول فيتفق القولان، قاله الزرقاني.
وقوله فيحمل الأول على العقد يعنى القول الأول فى كلامه وهو أنه تزوج سودة قبل عائشة فيكون المراد بتزوجه بها قبل عائشة أنه عقد عليها قبل عائشة، وقوله والثاني على الدخول يعنى بالثاني قوله ويقال تزوجها بعد عائشة فيكون معناه دخل بها أي بسودة بعد عائشة أي بعد عقده ﵇ على عائشة فهذا وجه التوفيق بين القولين والله تعالى أعلم. قاله كاتبه عفا الله عنه.
وقوله صلى عليه أي أعطاه صلاة، أي رحمة، وسلم أي أعطاه سلاما، أي أمانا، وكرمه عظمه ونزهه.