بكر لا يقرن الله عيونكم فوالله لتظهرن الروم على فارس في بضع سنين وقال أبي بن خلف كذبت اجعل بيننا وبينك أجلًا فراهنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين فأخبر أبو بكر رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بذلك فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده أي في الإبل وماده في الأجل يجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي بعد قفوله من أحد بجرح من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بسرف كافرًا وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر القلائص من ورثة أبي فأمره ﵇ أن يتصدق بها وبه أخذ أئمتنا الحنفية جواز العقود الفاسدة في دار الحرب وأجاب الشافعية بانه كان قبل تحريم القمار والله تعالى أعلم. انتهى من شرح على القاري للشفا.
ومما أخبر به ولم يأت بعد ولكنه يأتي بلا شك الساعة وأشراطها. وفي الإضاءة:
(وما احتوى عليه من أبناء غيب بتصريح أو الإماء)
أي الإشارة، ففيه من هذا أمور تكثر، والبعض بالفيض عليها يعثر، ومنه ما ابن برجان أظهر، في أخذ بيت المقدس المطهر، من قوله بضع سنين قبل أن يكون ثم كان طبقًا في الزمن، أي والبعض يطلع عليها أي على أخذ المغيبات التي اشتمل عليها بطريق الإشارة بسبب الفيض الإلهي عليه وهي طريقة أرباب القلوب نفعنا الله تعالى ببركتهم ويعثر هذه مقتضى القاموس أنه من باب كتب وما أشار إليه من عجائب ما اتفق وهو أن ابن برجان في تفسير سورة الروم ذكر أن بيت المقدس يبقى بيد اليوم لما تغلبوا عليه سنة اثنين وتسعين وأربعمائة بعد حصارهم شهرًا أو نصفًا وقتلوا أكثر من سبعين ألفًا منهم جمع من العلماء والزهاد وهدموا المساجد وجمعوا من هناك من اليهود وحرقوهم فأخذ ابن برجان رضي الله تعالى عنه من قوله تعالى في بضع سنين أنه يبقى بأيديهم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة ثم يغلبون
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ويخرجون منها وتصير دار إسلام إلى آخر الأبد، فبقيت في أيديهم إلى أن أخذها السلطان صلاح الدين منهم، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكانت مدة بقائه بأيد الروم إحدى وتسعين سنة، ووجه أخذه لذلك أن الباء اثنان والضاد تسعون والعين سبعون والسين ثلاثمائة والنون خمسون والياء عشر والنون خمسون والياء عشر والنون خمسون ومجموع ذلك اثنان وسبعون وخمسمائة فأخذ هو هذا العدد وأضاف إليه معنى البضع وجعله عشرة احتياطًا أو زاد المجرورة بفي فصار مجموعه اثنين وثمانون وخمسمائة وهي غاية غلبهم عليه فأخذ ولله الحمد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ومات هو رضي الله تعالى عنه قبل أخذه من الروم بدهر، وهو قد مات في أيام المقتفي وكانت وفاة المقتفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة فشوهد ما أخبر به ابن برجان بعد موته بدهر، على وفق ما أخبر به انتهى، نقله ابن الأعمش عن السيوطي وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: جميع العلم في القرآن لكن، تقاصر عنه إفهام الرجال، وسئل بعض الحكماء، من بعض العلماء ما في كتاب الله تعالى من علم الطب؟ فقال كله في نصف آية هي قوله تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا فقال صدقت نقله ابن سلطان على القاري (لو لم يجئ) رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، (بآية) أي معجزة تدل على صدقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، (سواه) أي غيره والضمير عائد على القرآن وجواب لو كفاه إلا أنني اعترضت بينهما جملة "صلى عليه ربنا" أي مالكنا نحن جميع الحوادث، (كفاه) عما عداه من المعجزات وقد ذكروا أن في القرآن نحوًا من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف وقيل غير ذلك وعدد إنا أعطيناك عشر كلمات وقد تحدى بأقصر سورة وإذا قسم القرآن على نسبة إنا اعطيناك كان أزيد من سبعة آلاف جزء كل واحد منها معجز بنفسه بوجهين: بلاغته اي ما فيه من مراعاة الوجوه التي يطابق بها اللفظ، مقتضى الحال فهي من جهة المعنى والثاني نظمه أي كونه أعلى نسق لا يشبهه غيره من الكلام نظمًا وسجعًا ونثرًا وتناسب كلماته وإيتاء كل كلمة منه لا يستحقه وتنزيلها في محل لا يليق به غيرها ابن عطية
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الذي عليه الجمهور في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وذلك أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا وأحاط بالكلام كله، فإذا كرتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك، والبشر يعتريهم الجهل والنسيان، انتهى المراد من الزرقاني. وبيان القسمة المتقدمة أن سبعين ألفًا إذا قسمت على عشرة خرج لكل واحد منها سبعة آلاف فإذا قسمت السبعة آلاف خرج لكل واحد منها لسبعمائة فيصير الحاصل أن كل جزء سبعة آلاف وسبعمائة والنيف يختلف الخارج بحسب الخلاف في عدده انتهى ومنه أيضًا: وفي المواهب بعد كلام وإنما المعجز ربط المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف (لكنه) صلى الله تعالى عليه وسلم أتى من عند الله تعالى تصديقًا (بما أعيا البشر) البشر محركة الإنسان وهو مفعول أعيى أي أتعبهم إحصاءه وفاتهم عدة (من معجزات بينات) المجرور مبين لما يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، جاء من المعجزات أي الخوارق الدالة على صدقه الظاهرة لكل أحد بما بلغ من الكثرة مبلغًا لا تقدر الإنس أن تحصيه بالعد قال اليوسي في حواشي الكبرى لا يخفى أن لنبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، معجزات لا تنحصر ولا يدرك قعر بحرها وقد اشتمل القرآن على أن نيف وأربعة عشر ألفًا ذكر بعضهم أنه وقف في بعض الكتب المدونة في هذا العلم الشريف من الآيات على ما انتهى إلى مئتي ألف بل تنيف، ومصنفه مع ذلك مصرح بالاعتذار انتهى. وقال المناوي في شرح العراقي وهو أكثر الأنبياء معجزة فقيل أنها تبلغ ألفًا وقيل ثلاثة آلاف سوى القرآن فإن فيه نحو ستين ألف معجزة انتهى المراد منه وقوله (كالقمر) مثال لبعض معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، يعني أن من معجزاته ﷺ انشقاق القمر له فرقتين لما كذبه كفار قريش وسألوه آية تصدقه وذلك قبل الهجرة بنحو خمس سنين كما نص عليه القرآن وتواترت به الأحاديث كما حققه السبكي وغيره، وأجمع عليه المفسرون وأهل السنة ولم يقع انشقاقه لغيره، صلى الله تعالى عليه وسلم، قاله الهيثمي في
[ ٢ / ٣٣٦ ]
شرح الهمزة وقال القاضي في الشفا أخبر الله تعالى بوقوعه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة عن آياته وأجمع المفسرون على وقوعه كما في الصحيح عن ابن مسعود انشق القمر على عهد رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، اشهدوا والجبل حراء وفي رواية أنس حتى رأوا حراء بينهما وقوله فرقيتن الخ روي باللام أيضًا أي فلقتين وروي أنهم لما رأوه قالوا هذا سحر ابن أبي كبشة قال ابن مسعود فقال انظروا يأتيكم به السفار فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فأخبروهم بذلك فقالوا هذا سحر مستمر أي قوي من المرة وهي القوة أو دائم مطرد فيدل على أنهم رأوا قبلها آيات متتابعة وقوله ابن أبي كبشة بفتح الكاف وسكون الموحدة ومعجمة قيل أحدج أجداده لأمه قالوه عداوة لأن عادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض وقيل أبوه من الرضاعة كذا في الزرقاني ونقل البيهقي عن الحليمي أن من الناس من قال إن المراد بقوله تعالى ﴿انشق القمر﴾ سينشق قال الحليمي فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا مشاهدة الهلال ببخارى في الليلة الثانية منشقًا نصفين عرض كل منهما عرض القمر ليلة أربع أو خمس ثم اتصلا وصار في شكل أترجة إلى أن غاب، قال وأخبرني من أثق به أنه شاهده في ليلة أخرى قاله المناوي.
(وغسل قلبه وشق الصدر وحشوه بسر أي سر)
هذه الثلاث بالجر عطف على قوله كالقمر والسر الأمر الخفي وأي صفة لما قبله ويعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، من معجزاته شق صدره الشريف وغسل قلبه المنيف وحشو ربه اللطيف له بما لا يعلمه إلا هو من أنوار النبوءة والحكمة وتقدم الكلام على هذا مستوفى في صدر الكتاب ومر أنه لم يجد لذلك الشق مسا أي ألمًا، أما شقه عند حليمة فرواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر كما مر والراجح أنه وقع وهو ابن أربع سنين خلاف ما مر للناظم وأما شقه للبعث عند نزول اقرأ
[ ٢ / ٣٣٧ ]