واسق من سقاني قال فأخذت الشفرة وانطلقت إلى الأعنز أيتها أسمن أذبحها له فإذا هي حفل كلهن فعمدت إلى إناء فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت به إليه فشرب ثم ناولني فلما عرفت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت على الأرض، فقال أفدني سوأتك يا مقداد يعني أنك فعلت سوءة من الفعلات فما هي؟ قال فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما هذه إلا رحمة من الله، انتهى كلامه.
(وأم معبد) أي وشاة أم معبد وتقدمت قصتها في الهجرة مبسوطة، واختصارها أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، مر هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ومعهم دليلهم عبد الله بن الأريقط وهو على الكفر على أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية بقديد وكانوا مسنتين فطلبوا منها لبنًا فلم يجدوا فرأوا عندها شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال ﵇ أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت نعم. فدعا بها فاعتقلها ومسح ضرعها وسمي الله فتفاجت ودرت وحلب وسقى القوم حتى رووا، وشرب هو آخرهم الحديث. وشاة أم معبد اختلف فيها هل هي عنز أو نعجة والأصح أنها نعجة بيضاء نقله حماد في شرع كتاب الأنساب عن السهيلي.
(من الأفراد) الظاهر أنه خبر مبتدأ محذوف أي وهذه المعجزات من الأفراد جمع فرد وهو الذي لا نظير له، وفسرها بعضهم بقوله: أي الأشخاص الذين وقع ذلك في شياههم والله تعالى أعم. وفي الشفا ومنه أي من هذا النوع بركته في درور الشياه الحوافل باللبن الكثير كقصة شاة أم معبد وأعنز معاوية بن ثور وشاة أنس وغنم حليمة وشاة عبد الله مسعود وكانت لم ينز عليها فحل وشاة المقداد انتهى. قال ابن سلطان في شرحه وكلها كانت مثل شاة أم معبد ودرت ببركته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله الحوائل بالهمز جمع الحائلة وهي الشاة العديمة اللبن. ومعاوية بن ثور وفد على النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو شيخ كبير ومعه ابنه بشر فدعا له ومسح رأسه وأعطاه أعنزا عشرًا فقال محمد بن بشر بن معاوية في أبيه:
[ ٢ / ٣٦٦ ]
(وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات)
انتهى. وفي شرح صلاة ربي للشيخ اليدالي أنه ﵇ اجتاز هو وأبو بكر بعبد يرعى غنمًا فاستقياه لبنًا فأتاهما بشاة لا لبن فيها وحلبها، صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد أن دعى فسقى أبا بكر ثم الراعي ثم شرب، وهذا محمول على علم سيد العبد مع ظن رضاه والجواب بأنه مال حربي لا يصح لأن هذا قبل مشروعية الجهاد. انتهى.
(وكم من الأعيان قلبه انجلى بلمس يمناك بمشهد الملا)
كما هنا تكثيرية وهي مبتدأ ومن الأعيان مميزها وقلبه مبتدأ وانجلى خبره والجملة خبر كم والباء في بلمس سببية، والملا جماعة الأشراف أي ومن معجزاتك يا رسول الله أن كثيرًا من الاشياء انقلبت عينه أ] تحولت ذاته بسبب لمس يدك المباركة وحضر ذلك جماعة أصحابك الأشراف ونقلوه لمن بعدهم جزاهم الله أحسن الجزاء ومثل لذلك بقوله:
(كئاية العرجون إذ أضاء لولد النعمان في سوداء)
العرجون بضم العين والجيم ويكسر مع فتح الجيم وقرئ بهما وهو أصل العرق الذي يعوج وينعطف ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسًا ولعله العذق مطلقًا قاله ابن سلطان.
وقال الزرقاني أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى يابسًا على النخل، سمي بذلك لانعراجه وانعطافه. ونونه زائده انتهى.
والنعمان بضم النون ويعني بولده قتادة بفتح القاف الأوسي البدري صاحب العين التي ردها رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله في سوداء نعت لمحذوف أي في ليلة سوداء أي مظلمة (مطيرة) فعلية بمعنى فاعلة وإسناد المطر إليها مجاز ولا يقال أنها بمعنى مفعولة أي ممطرة فيها لوجود الهاء قاله الزرقاني.
(عشوا) بالقصر أي صاحبها أعشا فلا يبصر فيها لظلمتها. وقوله (إلى أن ولجا) غاية لقوله أضاء ومعنى ولج دخل ومفعوله محذوف تقديره بيته. (فضرب الشيطان حتى خرجا) وكان يراه على غير صورته
[ ٢ / ٣٦٧ ]
والمعنى أن من معزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما رواه أحمد بسند صحيح كما في ابن سلطان أن قتادة بن النعمان صلى معه صلى الله تعالى عليه وسلم، العشاء في ليلة مظلمة مطيرة فأعطاه عرجونًا وقال انطلق به فإنه سيضيئ لك من بين يديك عشرًا، أي من الأذرع ومن خلفك عشرًا فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان. فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج ونسبه في المواهب لأبي نعيم قال الزرقاني والمخرج هذه القصة الطبراني وقال أنه كان في صورة فنفذ قال وأخرج أحمد عن أبي سعيد قال هاجت السماء فخرج النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لصلاة العشاء فبرقت برقة فرأى قتادة فقال ما السري يا قتادة؟ قال يا رسول الله إن شاهد العشاء قليل، فأحببت أن أشهدها. قال إذا صليت فات فلما انصرف أعطاه عرجونًا فقال خذ هذا فسيضيئ لك فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلم فإنه شيطان انتهى. وقوله سوادًا أي جسمًا ذا سواد. ومراد الناظم بقلب العين هنا تحول عرض العرجون إلى كونه ضوءًا ولم يذكره ابن سلطان ولا الزرقاني في انقلاب الأعيان وإنما ذكر ذلك من رأيت في جذل سلطان ولا الزرقاني في انقلاب الأعيان وإنما ذكر ذلك من رأيت في جذل عكاشة ونحوه ويأتي إن شاء الله. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه بمنه ومما يناسب إضاءة العرجون إضاءة العصي لعباد بن بشر وأسيد بن خضير وإضاءة أصابع حمزة بن عمرو الأسلمي حتى جمعوا على ضوء أصابعه ركابهم وما سقط من متاعهم وكان كل مما ذكر في ليل شديد الظلمة وقد نظمت ذلك في ثلاثة أبيات فقلت:
(ولابن بشر وأسيد ابن خضير ضوء العصا كمثل مصباح منير)
(كذا أصابع ابن عمرو الأسلمي حمزة ضوءها بدا في الظلم)
(حتى ركابهم عليها جمعوا وعزو هذا للبخاري يسمع)
ابن بشر هو عباد بن بشر وقش بفتح الواو أسلم قبل الهجرة وشهد بدرًا وأبلى في اليمامة بلاء حسنًا واستشهد بها وأسيد بضم الهمزة
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وحضير بضم المهملة ابن سماك وهما أوسيان أشهليان وروى البخاري في تاريخه عن عائشة قالت ثلاثة من الأنصار لم يكن أحدًا يعتد عليهم فضلًا كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ وأسيد بن خضير وعباد بن بشر، انتهى.
وقصتهما باختصار أنهما كانا عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في ليلة شديدة الظلمة ثم خرجا وبيد كل منهما عصى فأضاءت لهما عصى أحدهما فمشيا في ضوئها، إكرامًا لهما ببركة نبيهما، آية له، صلى الله تعالى عليه وسلم، وإظهار السر.
قوله ﵇ بشر المشايين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، رواه أبو داوود وغيره. وادخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتم من ذلك، قاله الزرقاني. قال في المواهب حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه أي مقصده. وفي رواية ومعهما مثل المصباحين وقولي كذا أصابع ابن عمرو هو حمزة بحاء مهملة ابن عمرو بن عويمر بن الحارث بن سعد الأسلمي صحابي جليل، كان يسرد الصوم أخرج البخاري في تاريخه عنه قال كنا مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في سفر فترقنا في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرها وأنا أصابعي لتنير قاله في المواهب وساقه الشامي بلفظ وما سقط من متاعهم. وتنير بضم التاء أي تضيء، انتهى من الزرقاني، وساق هاتين القصتين في المواهب عقب قصة العرجون.
(والجذل لابن محصن ببدر دفعته (»
الجذل بكسر الجيم وبفتح فسكون ذال معجمة أي أصل شجرة والمراد به هنا عود وقيل هو الخشبة الغليظة ومحصن كمنبر وابنه هو عكاشة الأسدي البدري وهو بضم المهملة وشد الكاف وتخفيفها، انظر ابن سلطان، والجذل الأرجح رفعه على الابتداء وخبره دفعته ويتعلق به المجروران، (فعاد) هو أي الجذل أي صار ببركته، صلى الله تعالى عليه
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وسلم، (سيفا) خبر عاد، (يفري) بفتح التحتية أي يقطع صفة لقوله سيفًا أي فصار في يده سيفًا قاطعًا يعني أن من قلب الأعيان معجزة له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما رواه البيهقي من أنه ﵇ دفع لعكاشة بن محصن حين انكسر سيفه يوم بدر جذل حطب وقال له اضرب به فعاد في يده سيفًا صارمًا طويل القامة أبيض أي بريق اللمعان شديد المتن من المتانة وهي القوة أو قوي الظهر فإن المتن هو أصل الشيء الذي به قوامه بمنزلة الظهر للأعضاء، قاله علي القارئ.
(ولم يزل) ذلك السيف، (لديه) أي لدى عكاشة أي عنده يشهد به المواقف (حتى استشهدا) بالبناء للمجهول في قتال أهل الردة، (عونا) أي معينًا له على القتال، وفيه إيماء إلى اسمه فإنه كان يسمى العون، (به) يتعلق بقوله (يضرب أعناق) جمع عنق وهو الجيد (العدا) بكسر العين وضمها جمع عدو، (وغذ دفعت) يا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، (لابن جحش) بفتح الجيم وسكون المهملة يعني بابن جحش عبد الله البدري المجدع في الله وهو بن أسد خزيمة (بأحد) بضمتين أي في يوم أحد عسيب نخل العسيب كأمير، قال في ابن سلطان في تفسيره أي جريدة منه، مما لا خوض عليه وما نبت عليه الخوص فهو سعف، والخوض الأوراق انتهى منه.
وفي القاموس والعسيب جريدة من النحل مشتقة من دقيقة يكشط خوصها والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف فعدا اسمها عائد على العسيب وخبرها قوله سيفًا أي صار سيفًا يحد بفتح فضم جيم أي يقطع والمعنى أن من انقلاب الأعيان معجزة له ﵇ أنه دفع جريدة من النخل لعبد الله بن جحش يوم أحد فصار في يده سيفًا قاطعًا كما رواه البيهقي. قال مؤلفه سمح الله تعالى له ومما يناسب هذا من انقلاب الأعيان ما نقله ابن سلطان على القارئ شارح الشفا أنه ﵇ أعطى سلمة بن أسلم يوم بدر قضيبًا من عراجين ابن طاب كان في يده فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد. وقد نظمت ذلك فقلت:
[ ٢ / ٣٧٠ ]