الحديث ذكره في المواهب وذكر أن ابن تيمية ذكر أنه موضوع، وقال العجب من القاضي عياض مع جلالة قدره في علوم الحديث كيف سكت عنه موهمًا صحته، موثقًا رجاله انتهى. قال الزرقاني ولا عجب أصلًا لأن إسناد حديث أسماء حسن، وكذا إسناد أبي هريرة الآتي كما صرح به السيوطي قائلًا ومن ثم صححه الطحاوي والقاضي عياض وذكره ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ كما بينته وقد نص ابن الصلاح وغيره على تساهيل ابن الجوزي في الموضوعات حتى أنه أدرج فيه كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، قال السيوطي:
(ومن غريب ما تراه فاعلم فيه حديث من صحيح مسلم)
فهذه غفلة شديدة منه، يحكم بوضع حديث في الصحيحين وقال في الفتح أخطأ ابن الجوزي وكذا ابن تيمية في زعم وضعه يعني الحديث المتقدم انتهى المراد من كلام الزرقاني.
ثم قال في المواهب: وقال شيخنا أي السخاوي، قال الإمام أحد لا أصل له وتبعه ابن الجوزي لكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن مندة وابن شاهين من حديث أسماء وابن مردويه من حديث أبي هريرة ورواه الطبراني بإسناد حسن انتهى.
وأسماء هذه خثعمية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر ثم علي وولدت لهم وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، لأمها والحجر بتثليث الحاء الحضن، والأظهر أن الرأس كان على ركبته وهو نائم وتمكن الرأس من الفخذ فجعل الحضن محلًا للرأس، تجوزًا، قاله الزرقاني والطحاوي بفتح المهملتين وروي الطبراني بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليًا في حاجة هي قسم غنائم خيبر ورجع وقد صلى الله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العصر ووضع صلى الله تعالى عليه وسلم رأسه في حجر علي فنام فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال ﵊ اللهم إن عبدك علي احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس. قالت أسماء فطلعت عليه الشمس حتى
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وقعت على الجبال وعلى الأرض وقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت وذلك بالصهباء.
وفي لفظ آخر، كان ﵊ إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه فأنزل عليه يومًا وهو في حجر علي، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما سرى عنه صليت العصر قال لا يا رسول الله فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر وقوله وفي لفظ آخر أي للطبراني أيضًا انظر المواهب وشرحها.
(ويوم العير في الأخبار)
المجرور متعلق بمحذوف أي روي هذا في الأخبار ومعنى كلامه أن الشمس ردت أيضًا معجزة لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يوم قدوم عير قريش التي مر بها ليلة أسري به فأخبرهم أنها تقدم يوم الأربعاء فلما ولى النهار ولم تجئ العير أشرفت قريش ينظرون فدعا، صلى الله تعالى عليه وسلم، أن يمد له ذلك حتى تقدم عير قريش قبل انقضائه فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس ذكره في الشفاء وذكره في المواهب وقال الزرقاني في قوله حبست عليه أمسكها الله تعالى وعوقها عن سيرها حتى قدمت العير قبل غروبها انتهى.
وقال ابن سلطان في شرح الشفا في تفسير حبست أي ببطء حركتها وقيل توقفت وقيل ردت كما تقدم انتهى.
الناظم مشى على هذا القول الأخير في كلام ابن سلطان ويقدر لكلامه حبست إذ لا يشترط تقدير العامل بعد العاطف كما قال ناظم التسهيل:
(لم يشترط تقديرنا ما يعمل من بعد عاطف)
وقوله أشرفت أي قامت على شرف وهو المكان المرتفع لتنظر العير قادمة أم لا وولى النهار أدبر بمقاربة الغروب وقال الزرقاني وعورض هذا بما ورد واقتصر عليه البيضاوي والزمخشري أنه ﵇ قال يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخططتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس فخرجوا ينتظرون طلوعها فقال قائل منهم هذه الشمس قد
[ ٢ / ٣٥٧ ]
طلعت وقال آخر هذه الإبل قد طلعت يقدمها إلخ .. فقالوا إن هذا إلا سحر مبين.
وعند ابن أبي حاتم فلما كان ذلك اليوم الذي قال أنهم يأتون فيه أشرف الناس ينتظرون حتى إذا كان قرب نصف النهار أقبلت العير يقدمها ذلك الجمل كما وصف صلى الله تعالى عليه وسلم ولا معارضة لأنه مر بعيرين بل بثلاثة، وكأن إحداهما تأخرت. روى ابن مردويه والطبراني عن أم هانئ قالوا أخبرنا عن عيرنا قال أتيت على عير لبني فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم فليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه ثم انتهت إلى عير بني فلان بمكان كذا وكذا فيها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذيت العير نفرت وصرع ذلك البعير وانكسر ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالتنعيم يقدمهم جمل أورق عليه مسح أسود وعليه غرارتان سوداوان (الحديث) انتهى.
وذكروا أيضًا أن الشمس حبست له صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الخندق وتعقب بأن الثابت في الصحيح أنه ﵇ صلى العصر في وقعة الخندق بعدما غربت الشمس وأجيب بأنه كان في يوم آخر إذ وقعة الخندق كانت أيامًا انتهى المراد من كلام الزرقاني. (وإذ) معمول اذكر محذوفًا (أتى الفجار) يعني كفار قريش (نحو الباب) أي داره التي هو فيها صلى الله تعالى عليه وسلم (لقتله) أي لأجل قتله صلى الله تعالى عليه وسلم والعامل فيه أتى وذلك حين أراد الهجرة فعلموا أنه أجمع لحربهم فتشاوروا فيما يفعلون به فأشار إليهم اللعين أبو جهل بأن يأخذوا من كل بطن من قريش رجلًا فيقتلوه دفعة ليتفرق دمه في قريش ووافقه اللعين إبليس على الرأي كما مر مستوفى في الكلام على الهجرة فأتاه جبريل فقال له لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه صلى الله تعالى عليه وسلم يرقبونه حتى ينام فيثبوا عليه فلما رءا صلى الله تعالى عليه وسلم مكانهم أمر عليًا أن ينام مكانه وقال تسبح برداءي هذا
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه ثم خرج صلى الله تعالى عليه وسلم من الباب ونثر على رؤوسهم كلهم ترابًا كان في يده فما ترك رجلًا منهم إلا ووضع على رأسه ترابًا. وعند ابن أبي حاتم مما صححه الحاكم كما في المواهب فما أصاب رجلًا منهم حصاة إلا قتل ببدر كافرًا. وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
(فقام) صلى الله تعالى عليه وسلم (بالتراب) الذي كان بيده ﵇ وهو يتلو على ما في المواهب قوله: يس إلى قوله تعالى: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾. (وذره) أي التراب، أي فرقة (على رؤوس القوم) الذين كانوا يريدون قتله صلى الله تعالى عليه وسلم (فسقطت أذقانهم) جمع ذقن بالتحريك وهو مجمع اللحيين، (بالنوم) أي بسببه ثم انصرف ﵇ حيث أراد فلم يره أحد منهم. وروى أحمد بإسناد حسن أنه خرج حتى لحق بغار ثور وفي البيضاوي فبيت عليًا عن مضجعه وخرج مع أبي بكر إلى الغار انتهى. وروي أن القوم أتاهم آت ممن لم يكن معه فقال ما تنتظرون هاهنا قالوا محمدًا قال قد خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وضع على رأسه ترابًا فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا هو عليه تراب، (وقال) ﵇ (شاهت الوجوه) أي قبحت، (ودعا) عليهم، (فمن أصابه ببدر صرعا) أي فكل من أصابه ذلك التراب صرع أي قتل ببدر كافرًا والعياذ بالله تعالى. وفي العيون في عدد المعجزات: وإن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله فخرج عليهم فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم وأقبل حتى قام على رؤوسهم فقبض قبضة من تراب وقال شاهت الوجوه وحصبهم فما أصاب رجلًا منهم بشيء من الحصباء إلا قتل يوم بدر انتهى منه.
تنبيه:
قد مر عن المواهب أنه ﵇ تلا عند خروجه يس، قال الزرقاني عن السهيلي يؤخذ منه أن من أراد النجاة من ظالم أو أراد الدخول عليه
[ ٢ / ٣٥٩ ]
يتلو هذه الآيات وقد روي في فضل يس مرفوعًا أن من قرأها خائف أمن أو جائع أشبع أو عار كسى أو عاطش سقي أو سقيم شفي انتهى. وفي الشفا ومنه العبرة المشهورة والكفاية التامة عندما أخافته قريش اجتمعت على قتله وبيتوه فخرج عليهم من بيته فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم أي حجبها عن رؤيته وذر التراب أي فرقه ونثره على رؤوسهم وخلص منهم. قوله ومنه أي ومن قبل أخذ الله أبصار الأعداء وبيتوه بشد التحتية أي دبروه ليلًا ليقتلوه غيلة على غرة وغفلة، قال الحلبي وكانوا مائة ومعنى خلص نجا من غير أن يصيبه شيء وفي رواية أنه خرج من ظهر البيت طأطأت له جارية اسمها مارية خادمته ﵊ حتى تسور الجدران الذي للبيت من ظهره قاله على القارئ. وللعراقي:
(كذا التراب في رؤوس القوم قد وضعه ولم يره منهم أحد)
والقوم كفار قريش وذلك لما أراد الهجرة فاجتمعوا ببابه فأخذه كل منهم سيفًا ليضربوه ضربة رجل واحد فخرج عليهم ووضع التراب على رؤوسهم ولم يره منهم أحد قاله المناوي.
(وفي حنين إذ رمى الأقواما بقبضة فانهزموا انهزاما)
قوله في حنين متعلق برمى بعده وإذ معمول لأذكر محذوفًا أي وأذكر من معجزاته ﷺ إذ رمى جيوش الكفار على كثرتهم في غزوة حنين بقبضة من التراب بضم القاف وتفتح بمعنى مقبوضة كما في ابن سلطان وفي رواية تناول حصيات وفي رواية أخذ كفا من تراب فضرب وجوههم وقال شاهت الوجوه فلم يبق أحد منهم إلا امتلأت عينه وفمه ترابًا، فولى المشركون الأدبار وانهزموا انهزامًا شديدًا وروي أن الكفار كانوا نحو ثلاثين ألفًا ووصول تلك الحصيات إلى كل واحد من هذه الألوف حتى هزمتهم وشتت شملهم من أعظم المعجزات. قال المناوي وهو أبهر من قلب العصا ثعبانًا وابتاعها حبال السحرة انتهى. وللعراقي رحمه الله تعالى:
[ ٢ / ٣٦٠ ]
(والجيش في يوم حنين إذ رموا منه بقبضة ترابًا هزموا)
(وأنزل الله به كتابًا وامتلأت أعينهم ترابًا)
وترابًا تمييز وقوله به أي في شأن الرمي فقال ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ قاله المناوي وما ذكر من أن الآية نزلت في شأن الرمي يوم حنين غير متفق عليه قال ابن جزي في تفسير هذه الآية كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخذ يوم بدر قبضة من تراب أو حصى ورمى بها في وجوه الكفار فانهموا فمعنى الآية أن ذلك من الله في الحقيقة انتهى.
وقال الثعالبي في تفسيرها روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ يومئذ ثلاث قبضاة من حصى أو تراب فرمى بها في وجوه القوم فهزموا عند آخر رمية ويروى أنه قال يوم بدر شاهت الوجوه وهذه الفعلة أيضًا كانت يوم حنين بلا خلاف انتهى وقال الخازن بعد كلام في تفسيرها فلما التقى الجمعان تناول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كفًا من حصى عليه تراب فرمى في وجوه القوم وقال شاهت الوجوه يعني قبحت فلم يبق مشرك إلى ودخل في عينيه وفمه ومنخريه من ذلك التراب شيء فانهزموا وتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم فذلك قوله ﷿ وما رميت (الآية) انتهى. واقتصر على أن هذا يوم بدر كما يعلم بالوقوف عليه انتهى. وكلام المفسرين هذا من الريان تفسير الوالد حفظه الله تعالى:
(وفي حمام الغار والعناكب حاكت وباضت أبدع العجائب)
قوله أبدع افعل تفضيل وهو مبتدأ وخبره المجرور قبله والبدعة في اللغة ما فعل على غير مثال قال تعالى: ﴿قل ما كنت بدعًا من الرسل﴾ والعناكب جمع عنكبوت وحاكت أي نسجت راجع للعناكب، باضت أي ألقت بيضها راجع للحمام وباضت وحاكت الظاهر أنهما بدل اشتمال مما قبلهما بتقديران يعني وفي بيض الحمام على الغار ونسج العنكبوت على فمه مع أن فيه المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه معجزات لم يقع مثلها قبلهما، وذلك من أعظم
[ ٢ / ٣٦١ ]
الأمور التي يتعجب منها لأنها لم تكن مألوفة لأن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورًا فمهما أحسا بإنسان فرا منه وروي أن المشركين لما مروا على باب الغار طارت الحمامتان فنظروا إلى بيضهما ونسج العنكبوت فقالوا لو كان هنا أحد لما كان هنا حمام، وروي أن بعض قريش قال لهم ادخلوا الغار فقال أمية ابن خلف وما اربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتًا أقدم من ميلاد محمد، وروي أن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين جزاء وفاقا لما حصل بهما الحماية جوزيتا بالنسل وحمايته في الحرم وفي المثل آمن من حمام الحرم والعنكبوت دويبة تنسج في الهواء واستعمال الحوك في فعلها مجاز لما بينهما من المشابهة وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أنه ﵊ لما دخل هو وأبو بكر الغار أنبت الله على بابه الراءة وهي بالراء المهملة والمد والهمزة أم غيلان، ضرب من الغضاه وعن الدنيوي أنها تكون مثل قامة الإنسان لها زهر أبيض تحشى به المخاد كالريش في الخفة واللبن وما أحسن قول صاحب البردة:
(ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم)
(وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم)
وتنسج بفتح التاء وكسر السين وضمها أي العنكبوت ولم تحم أي الحمام فقيه لف ونشر مقلوب وقوله وقاية الله الخ. أي حفظه لحبيبه بهذين الضعيفين جدًا من عدوه مع شدة بأسه كفت عن الدروع المضاعفة وهي المنسوجة حلقتين حلقتين وعن العالي من الأطم بضمتين وهي الحصون التي يتحصن فيها. وقال أيضًا في لاميته:
(واغيرتا حين أضحى الغار وهو به كمثل قلبي معمور وماهول)
(كأنما المصطفى فيه وصاحبه الصـ ـديق ليثان قد آواهما غيل)
(وجلل الغار نسج العنكبوت على وهن فيا حبذا نسج وتجليل)
(عناية ضل كيد المشركين بها وما مكائدهم إلا الأضاليل)
(إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما كأن أبصارهم من زيغها حول)
[ ٢ / ٣٦٢ ]