فرواه أبو داود الطيالسي والحارث البغدادي والبيهقي وأبن نعيم وأما شقه عند الإسراء فرواه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي والبرقاني وغيرهم ولا عبرة بمن نفاه لأن رواته ثقاة مشاهير انظر الزرقاني. وقال العراقي أنكره ابن حزم وعياض وليس كذلك فقد ثبت من غير طريق في الصحيحين وقال القرطبي لا يلتفت لإنكاره وقال العسقلاني استنكره بعضهم ولا إنكار في ذلك فقد تواردت به الروايات نقله ابن سلطان وهذا الذي ذكرت هو الذي ذكر الناظم أنه وقع له من شق الصدر وروى عبد الله بن الإمام أحمد بسند رجاله ثقاة وابن حبان والحاكم وابن عساكر والضياء أن صدره شق قبل البعثة وقد مر الحديث في ذلك وروي أيضًا شقه مرة خامسة وهو ابن عشرين ولا يثبت وذكروا أن شق الصدر وغسل القلب شاركته فيه الأنبياء راجع ما مر.
(وجيء بالبراق للإسراء به إلى الأقصى من السماء)
نائب جيء ضمير النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، والبراق بضم الموحدة من البريق لشدة لمعانه أو من البرق لسرعة سيره وطيرانه قالوا ليس بذرك ولا أنثى. والإسراء مصدر أسرى يقال سرى وأسرى إذا سار ليلًا ومعنى البيت أن من معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه أتى ليلًا بالبراق مسرجًا ملجمًا فركبه وأسري به إلى الأقصى من السماوات وظاهره أنه ركب على البراق إلى أعلى السماوات وهو ظاهر البخاري كما قاله ابن المنير، قال ابن حجر الهيثمي والمشهور أنه استمر على البراق إلى بيت المقدس ثم نصب له المعراج وهو مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة صعد فيه هو وجبريل ولنذكر أولًا حديث مسلم في الإسراء فقد قال عياض إن ثابت البناني بضم الموحدة وخفة النون جود روايته له عن أنس وفي الشفا من حديث مسلم من رواية ثابت عن أنس بن مالك أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط
[ ٢ / ٣٣٨ ]
بها الأنبياء ثم دخلت المسجد وصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل ﵇ أخذت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرحب بي ودعى لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، صلى الله تعالى عليه وسلم، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعى لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة وذكر مثله، فإذا بإدريس، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرحب بي ودعى لي بخير، قال الله تعالى ﴿ورفعناه مكانًا عليا﴾ ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله فإذا أنا بهارون صلى الله تعالى عليه وسلم فرحب بي ودعى لي بخير ثم عرج بي إلى السماء السادسة فذكر مثله فإذا أنا بموسى، صلى الله تعالى عليه وسلم، فرحب بي ودعى لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فذكر مثله فإذا أنا بإبراهيم، صلى الله تعالى عليه وسلم، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم عرج بين إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها: كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله تعالى إلي ما أوحي ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة إلى آخر الحديث وفي قصة الإسراء ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام رواه ابن عباس، وفي حديث أنس أنه صلى بالأنبياء ببيت المقدس وروى غير أنس أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أمهم في السماء والإسراء قال غير واحد أنه قبل الهجرة بسنة وقيل قبل هذا ومذهب معظم السلف
[ ٢ / ٣٣٩ ]
والمسلمين أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة وهو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمرو وأبي هريرة ومالك بن أبي صعصعة وأبي حبة البدري وابن مسعود والضحاك وابن جبير وقتادة وابن المسيب وابن شهاب والحسن وابن زيد وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج والطبري وابن حنبل وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين وعليه تدل الآثار وصحيح الأخبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة. وأما تسميتها رؤيا في قوله تعالى ﴿وما جعلنا الرؤيا﴾ الخ فقوله تعالى فتنة للناس يؤيد أنها رؤيا عين إذ ليس في الحلم فتنة، ولا يكذب به أحد لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه على أن بعض المفسرين ذهب إلى أنها نزلت في قضية الحديبية وما وقع في نفوس الناس من ذلك. وأما تسميتها منامًا، في حديث، وفي آخر بين النائم واليقظان فيحتمل أن وصول الملك إليه، وهو نائم وقوله ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام ولعله أراد أنه استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته أو يكون لما غمره من عجائب ما اطلع عليه وخامر باطنه ومن مشاهدة ما شاهده فلم يستفق ويرجع إلى البشرية إلا وهو في المسجد الحرام ويكون عبر بالنوم عن هيأة النائم من الاضطجاع انتهى من الشفا.
قال مؤلفه سمح الله تعالى له ويشهد للتأويل الأخير حديث البخاري: من صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد أي من صلى مضطجعًا فله نصف صلاة من صلى جالسًا، والله أعلم.
وقال القسطلاني قوله بين النائم واليقظان أي في ابتداء الحال ثم استمر يقظانًا في القصة كلها ومثلت له أرواح الأنبياء بالصور التي كانوا عليها والبراق ليس بذكر ولا أنثى وفي رواية شاذة أنه له جناحان وفي أخرى ضعيفة له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظراف وذنب كالبقر وصدره ياقوتة حمراء قاله الهيثمي في شرح الهمزية.
وها أنا أذكر إن شاء الله تعالى ما يحتاج إليه من كلام الإمام علي
[ ٢ / ٣٤٠ ]
القاري على الحديث المتقدم قوله أتيت بصغة المجهول المتكلم وطويل أي مائل إلى الطول وطرفه بفتح فسكون أي نظرة وبيت المقدس بفتح فسكون فكسر أو على زنة محمد أيضًا لأن فيه يتقدس من الذنوب أو لأنه منزه عن العيوب والحلقة بإسكان اللام وفتحها ويربط بضم الموحدة وكسرها معموله محذوف أي دوابهم أو البراق وفي ربطه دليل على أن الإيمان بالقدر لا يمنع الحازم من الحذر ومنه قوله ﵇ اعقل وتوكل، وقوله بإناء من خمر وإناء من لبن وفي البخاري وإناء من ماء وروي أنها ثلاثة: لبن وخمر وعسل، وروي أربعة لبن وخمر وعسل وماء، ولعله الأظهر. حيث عرض عليه من الأنهار الأربعة الموعود بها في الجنة واختار اللبن لأنه مغن عن غيره بخلاف غير وقوله اخترت الفطرة أي علامة الإسلام حيث أعرض عن الخمر وأخذ اللبن لكونه طيبًا طاهرًا سهل المرور في الحلق سليم العاقبة والخمر أم الخبائث جالبة لأنواع شرور الحوادث وقوله عرج بنا الضمير إلى الله أو جبريل أو البراق وفي نسخة صحيحة بالبناء للمجهول وكذا فيما بعده وهو في غاية من القبول مع الإشارة إلى أن سيرة من المسجد الأقصى إلى السماوات لم يكن بالبراق بل بالمعراج الذي له درجة من ذهب وأخرى من فضة وبه سميت القصة. وقوله ابني الخالة أي لأن أم يحيى إيشاع أخت مريم. وقوله دعوا في نسخة صحيحة دعيا وفي القاموس دعيت له لغة في دعوت وشطر الحسن نصفه أو بعضه وأراد بالحسن جنسه أو حسن حواء أو حسن سارة أو حسن نبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله إدريس هو سبط شيث وجد والد نوح أول مرسل بعد آدم. وقوله مكانًا عليا هو شرف النبوءة والقربة؛ وعن الحسن هو الجنة إذ قال لملك الموت أذقني الموت ليهون علي، ففعل بإذن الله تعالى ثم حيى؛ فقال له أدخلني النار أزدد رهبة ففعل ثم قال له أدخلني الجنة أزدد رغبة ففعل؛ ثم قال ملك الموت اخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج فقال الله تعالى بإذني دخل دعه؛ وقيل في السماء الرابعة لهذا الحديث والبيت المعمور يقال له الضراح بمعجمة مضمومة فراء فألف فحاء
[ ٢ / ٣٤١ ]
مهملة من الضراحة أي المقابلة إذ هو مقابل للكعبة وسدرة المنتهى أي ينتهي علم الخلائق عندها فإليها ينتهي ما تصعد به الملائكة من الأرواح والأعمال وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. قال ابن عباس والمفسرون سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، والله أعلم.
والآذان بالمد جمع إذن والفيلة بكسر ففتح جمع فيل وقوله وإذا ثمرها كالقلال في رواية الدلجي وإذا نبقها والقلال بالكسر جمع قلة كقبة وقباب وفي رواية كقلال هجر بفتحتين مدينة قرب المدينة يعمل فيها القلال تسع الواحدة مزادة من الماء سميت به قلة لأنها تقل أي ترفع وتحمل وليست بهجر التي من توابع البحرين. وقوله إن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة قاله كثير من المحدثين وذكر النووي أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الإسراء كان بعد البعثة بستة عشر شهرًا وقال السبكي الإجماع على أنه كان بمكة والذي نختاره ما قاله شيخنا الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة في ربيع الأول انتهى وفي روضة الأحباب أنه كان في سبع وعشرين من رجب على وفق ما عليه عمل الحرمين الشريفين؛ وقيل في ربيع الآخر وقيل في رمضان وقيل في شوال وقيل كان بعد نقض الصحيفة وأجمعوا على أنه كان بعد الوحي. وقوله ظهرت بمستوى أي صعدت بمكان عال ومستوى اسم مفعول وصريف الأقلام صوت حركتها على المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله سبحانه ووحيه وينسخ من اللوح المحفوظ وفي نسخة صرير براءين وهو أشهر في اللغة انتهى المراد منه. وقد مر كثير من الكلام على هذه القصة عند قوله شرفه الرحمن بالإسراء الخ .. (بل لم يزل)، صلى الله تعالى عليه وسلم، (يرقى) أي يصعد فوق السماوات (إلى أن نالا)، صلى الله تعالى عليه وسلم، فألفه للإطلاق (منزلة) من القرب والدنو إلى الله تعالى دنو تقريب واصطفاء ورؤية عيان لا دنو حيز ومكان جلت أي عظمت تلك المنزلة التي نالها ﵊ عن أن ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل غيره (فلن
[ ٢ / ٣٤٢ ]