والقيناة يعزفن خلفهم بزهاء وفخر لم ير مثله وعلى نسائهم الديباج والحرير والخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة والمعصفر وأظهروا تجلدا عظيما، قال ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب فأحرزا أموالهما- انتهى. وأما غزوة الغابة وهي غزوة ذي قرد فكانت عند سعد والواقدي في ربيع الأول سنة وست قبل الحديبية وعند البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام وخيبر كانت بعد الحديبية بنحو عشرين يوما، والغابة شجر لاحتطاب الناس ومنافعهم على بريد من المدينة وأضيفت غليه الغزوة لأن اللقاح التي أغير عليها كانت ترعي بها والغارة عليها هي سبب هذه الغزوة، وذو قرد بفتح القاف والراء وحكي الضم فيهما وحكي ضم أوله وفتح ثانيه آخره دال مهملة وهو ماء على بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان وقيل على مسافة يوم والقرد في اللغة الصوف وأضيفت إليه الغزوة لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم وصل إليه وصلى به، وسببها أنه كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرون لقحة ترعى بالغابة، وهي بكسر اللام وقد تفتح ذات اللبن القريبة العهد بالولادة بشهر واثنين وثلاثة وهو اسم لا صفة فيقال هذه لقحة، لا ناقة لقحة، فإن أريد الوصف فناقة لقوح أو لاقح، وقد يقال لها ذلك قبل الوضع، قاله الزرقاني، وكان في اللقاح أبو ذر الغفاري وابنه وامرأته واسمها ليلى، وكان أبو ذر استأذنه ﵇ في ذلك، فقال إني أخاف عليك ولا تأمن عيينة فألح عليه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لكأني بك قد قتل ابنك وأخذت امرأتك وجئت توكئ على عصاك، قال أبو ذر عجبا لي يقول لي ذلك وأنا ألح عليه فكأنه والله ما قال، فلما كان الليل أحدق بنا عيينة مع أصحابه فأشرق لهم ابني فقتلوه وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا ونجت امرأة ابنه الذي قتل وأسرت امرأته هو والعلم عند الله. وروى الطبراني وغيره عن سلمة أن الذي غار عليها عيينة بن حصن وروي عنه أحمد ومسلم أن الذي أغار عبد الرحمن ابن عيينة ولا منافاة فكل من عيينة وابنه كان في القوم، وكان أول من نذر بهم بفتح
[ ٢ / ٥٠ ]
النون وكسر الذال المعجمة أي علم، سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي المهاجري وكان شجاعا يسبق الفرس وكان يريد الغابة ولما علم بهم صرخ وا صباحاه، ثم خرج يشتد بآثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم وهو على رجليه وكان عينية في أربعين فارسا فجعل يرميهم بالنبل ويقوم إذا رمى:
(خذها وأنا ابن الأكوع .. اليوم يوم الرضع)
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال:
(خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع)
فيقولون أكيوعنا أول النهار، وبلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع، وترامت الخيل إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهلان فعقد لواء للمقداد تعالى عليه وسلم في خمسمائة وقيل سبعمائة فأدرك المقداد ومن معه أخريات العدو وقتل أبو قتادة مسعدة بن حكمة بفتحتين الفزاري رئيس المشركين وسجاه ببرده فاسترجع المسلمون لما رأوه، وقالوا قتل أبو قتادة فقال ﵇ ليس بأبي قتادة ولكنه قتيله، وضع عليه برده لتعرفوه فتخلوا عن قتيله وسلبه، كذا لابن عقبة ولابن اسحاق أن قتيل أبي قتادة حبيب بن عيينة وكذا في حديث مسلم ولكن سماه عبد الرحمن قال الحافظ ويحتمل أن له اسمين، وأدرك عكاشة بن محصن أوبار وابنه عمرا وهما على بعير فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنفذ بعض اللقاح وأوبار بفتح الهمزة وسكون الواو ثم موحدة فألف فراء كذا ضبطه البرهان ولابن سعد أنه أثار بضم الهمزة فمثلثة آخره راء وقتل من المسلمين محرز بن نضلة الأسدى من بني أسد بن خزيمة وفي البخاري عن سلمة أنه، أي سلمة، استنقذ اللقاح كلها واستلب ثلاثين بردة وفي مسبلم ما زلت أرميهم بالنبل وأرتجز فألحق
[ ٢ / ٥١ ]
رجلا منهم فأمكنه سهما في رجله وخلص السهم إلي كعبه فما زلت أرميهم وأعقرهم فإذا رجع إلي فارس منهم أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به، فإذا تضايق الجبل ودخلوا في مضايقه علوت الجبل فرميته بالحجارة غما زلت كذلك حتى ما خلق الله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بعير إلا اخلفته وراء ظهري ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكتر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يتخففون بها – انتهي المراد منه.
وفي المواهب أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لحق عشاء فقال سلمة، فقلت يا رسول الله إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة لاستنفذت ما في أيديهم من السرح وأخذت باعناق القوم، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم يابن الأكوع ملكت أي قدرت عليهم فأسجح بهزة قطع فسين مهملة ساكنة فجيم مكسورة فحاء مهملة أي أرفق واحسن، والسجاحة بكسر السين السهولة أي لا تاخذ بالشدة فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد. ثم قال إنهم الآن ليقرون في غطفان بضم التحتية وسكون القاف وفتح الراء وضمها وسكون الواو من القرى وهو الضيافة وقيل معنى ضم الراء أنهم يجمعون الماء واللبن ولابن اسحاق انهم الآن ليغبقون في غطفان من الغبوق وهو بالغين المعجمة شرب أول الليل – انتهى.
وقد تقدم في رواية مسلم والبخاري عن سلمة انه استنقذ جميع اللقاح ولابن سعد وابن اسحاق والواقدي فلم تزل الخيل تاتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذي قرد فاستنقذوا عشر لقاح وأفلت القوم بما بقي وهو عشر، وأقام به يوما وليلة ورجع وقد غاب خمس ليال قال الشامي وما في الصحيحين هو المعتمد لصحة سنده انتهى.
ولا يرد على كون اللقاح عشرين بمجردها أن معها زيادة عليها الجمل الذي كان لأبي جهل ولا ناقته ﵊ التي رجعت عليها امرأة أبي ذر، لأنها إنما عادت عليها بعد عودة ﵇ إلي المدينة -
[ ٢ / ٥٢ ]
انظر الزرقاني.
وقصة المرأة انهم أوثقوها وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فإذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى انتهت إلي العضباء فلم ترغ فقعدت في عجزها ثم جزرتها فانطلقت وعلموا بها وطلبوها فأعجزتهم، ونذرت بفتح النون والمعجمة لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبرته بذلك فقال إنه لا نذر في معصية ولا لأحد فيما لا يملك، وفي رواية أنه قال بئس ما جازيتها.
فائدة:
قول سلمة اليوم يوم الرضع أي يوم هلاك اللئام الذين رضعوا اللؤم من أمهاتهم، وقيل معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها ويعرف غيره وقيل معناه اليوم يعرف هلاك اللئام من قولهم لئيم راضع. قال الزرقاني والأصل فيه أن شخصا كان شديد البخل فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها ليلا يحلبها فيسمع جيرانه ومن يمر به صوت الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل بل صنع ذلك ليلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء أو بقى في الإناء شيء إذا شربه، فقالوا في المثل الئم من راضع وقيل المراد من يمص طرف الخلال إذا خلل أسنانه وهو دال على شدة الحرص.
وذكروا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مر في غزوة ذي قرد على ماء يقال له بيسان فغير اسمه وقال بل اسمه نعمان وهو طيب فغير ﵇ الإسم وغير الله تعالى صفته. ومما قيل من الشعر في يوم ذي قرد قول كعب بن مالك:
(وإنا أناس لا نري القتل سبة ولا ننثني عند الرماح نداعس)
(وإنا لنقري الضيف من قمع الذري ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس)
[ ٢ / ٥٣ ]