الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة والتمهيد لها
قد أخفى ﷺ رسالته ثلاث سنين، كما تقدم في الفصل الأوّل من الباب الثاني، ثم أعلن بها في الرابعة، ودعا إلى الإسلام عشر سنين، يوافى الموسم كل عام يتبع الحجاج في منازلهم بمنى والموقف، ويسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم، ويأتى إليهم في أسواق المواسم، وهى: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز. وقد تقدم الكلام على سوق عكاظ في الفصل الثالث من الباب الثانى من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل، وأن العرب كانت إذا حجّت تقيم بعكاظ شهر شوال، ثم تجيء إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما من ذى القعدة، ثم تجيء سوق ذى المجاز فتقيم به إلى أيام الحج.
وكان ﷺ يدعوهم إلى أن يمنعوه ويناصروه حتّى يبلّغ رسالة ربه، فكان يقول بمني: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وكان وراءه أبو لهب يقول: يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين ابائكم.
وقد عرض على بنى حنيفة، وبنى عامر بن صعصعة المبايعة، فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال: الأمر إلى الله يضعه حيث شاء، فقال له ذلك الرجل:
أنقاتل العرب دونك، فإذا أظفرك الله كان الأمر لغيرنا!! لا حاجة لنا بأمرك.
[ ١٦٩ ]
وأبوا عليه. فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم، وكان فيهم شيخ أدركه السن، حتى لا يقدر أن يوافى معهم الموسم، فقدموا عليه، سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، أحد بن عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج إلى بلادنا. فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال:
يا بنى عامر، هل لها من تلاف؟ هل لها من مطّلب؟ والذى نفسى بيده ما يدّعى النبوة كاذبا أحد من بنى إسماعيل قط، وإنها لحق، وإن رأيكم غاب عنكم.
وقد بشّر بظهوره وهجرته [من ملوك حمير الملك الحارث الرايش أبو التبابعة فى أبيات يقول فيها:
أنا الملك المتوّج ذو العطايا جلبت الخيل من أوطان شام
لنوطنها البلاد إلى بلاد تداولها الملوك من ال رام
لأنّا الأغلبون إذا بطشنا وأنّا المنقمون لكل دام
وأنّا يوم نغضب أو نسامي تكاد الأرض ترجف بالأنام
ولن ترضى تقرّ بمن عليها ويشرق وجهها بعد الظلام
وفينا الملك والأملاك منّا ونحن الأكرمون بنو الكرام
أبونا يعرب، وبه نسامي فنقهر من يفاخر أو يسامي
فإن أهلك فقد أمّلت ملكا لكم يبقى إلى وقت التّهامي «١»
ويملك بعدنا منّا ملوك يديمون الأنام بغير دام
ويخرج بعدهم رجل عظيم نبيّ لا يرخّص في الحرام
يفارق أهله، وله كتاب يوافق خطّه رجع الكلام «٢»
وأحمد اسمه، يا ليت أنّي أؤخّر بعد مخرجه بعام
ويخلف بعده خلفاء برّ وتملك بعده أولاد عام
_________________
(١) هو النبى ﷺ، نسبة إلى تهامة بكسر التاء. وفي المراصد: «تهامة تساير البحر، ومنها مكة» وأصل البلاد: تهامة، والحجاز، ونجد، وإنما سمي الحجاز حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد.
(٢) الرجع: الصدي، والترجيع: الترديد في الحلق.
[ ١٧٠ ]
[قوله أولاد عام: أي أولاد عامر، وهو سبأ الأكبر] فبينما كان ﷺ في بعض المواسم، عند عقبة الجمرة سنة إحدى عشرة من النبوة، إذ لقى رهطا من الخزرج، وكانوا ستة، وقيل ثمانية، اراد الله بهم خيرا، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نفر من الخزرج، قال: أفمن موالى يهود «١»؟ قالوا: لا، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلي. فجلسوا معه ﷺ، فدعاهم إلى الله ﷿ وعرض عليهم الإسلام، ورأوا أمارات الصدق عليه ﷺ، فقال بعضهم لبعض:
والله إنه للنبى الذى يوعدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه. فأجابوه وصدّقوه وأسلموا، وقالوا له: إنّا تركنا قومنا الأوس والخزرج بينهم من العدواة والشر ما بينهم، فإنّ الله يجمعهم عليك، فلا رجل أعز منك. وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت بينهم الحروب، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة نحو عشرين ومائة سنة «٢» .
ولما آمنوا به ﷺ وصدّقوه، قالوا: إنا نشير عليك أن تمكث على حالك بسم الله حتي نرجع إلي قومنا، فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ، ولعل الله يصلح ذات بينهم، ونواعدك الموسم من العام المقبل. فرضى بذلك رسول الله ﷺ. ويسمّى هذا ابتداء إسلام الأنصار؛ فإنهم أجابوه وانصرفوا راجعين إلى بلدهم من غير مبايعة، ويقال: «هم أهل العقبة «٣» الأولي» فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا، فاجتمعوا به ﷺ عند العقبة أيضا، منهم خمسة من أهل العقبة الأولى، فبايعهم وعاهداهم، وهذه المبايعة في
_________________
(١) أى من الموالين لهم.
(٢) فى الأصل: «مائة وعشرين سنة» وهو خطأ فجعلناها هكذا؛ لأن الأعداد لا تنطق بالعربية إلا هكذا: أي من اليمين إلي اليسار- جعلنا الله من أصحاب اليمين بفضله ومنّه وكرمه.
(٣) العقبة: منزل في طريق مكة: بعد واقصة وقبل لمن القاع لمن يريد مكة، وهو ماء لبنى عكرمة، من بكر بن وائل. اهـ. مراصد.
[ ١٧١ ]
الحقيقة يقال لها: العقبة الأولي، وإن كانت هي الثانية، فلما انصرفوا راجعين إلي بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ﵂، وكذلك بعث مصعب بن عمير رضى الله تعالى عنه، يعلّمان من أسلم منهم القران، ومن أراد أن يسلم الإسلام، ويفقّهانهم في الدين، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام، وكان مصعب يؤمّ الأوس والخزرج، وجمّع بهم أوّل جمعة جمعت في الإسلام حين بلغ المسلمون منهم أربعين رجلا، بإرساله ﷺ إليه بالتجميع قبل قدومه ﷺ المدينة، وتسمية الأنصار إياها بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه، هداية من الله تعالى، وإلا فكانت تسمى في الجاهلية يوم العروبة، أي الرحمة، ولم يجمّع ﷺ بمكة، مع فرض الجمعة وهو بها؛ لعدم التمكن من فعلها هناك، ولم يأمر بها مصعبا عند إرساله إلى المدينة لعدم وجود شرطها من العدد المذكور حينئذ. وفشا الإسلام بالأنصار، وأسلم سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج.
وفي سنة اثنتى عشرة من النبوة أسرى بالنبى ﷺ، وقيل سنة إحدى عشرة من النبوة كما سبق.
وهناك عقبة ثالثة، وهو: أنه خرج جماعة من الأنصار المسلمين إلي الموسم مع حجاج قومهم غير المسلمين، حتي إذا قدموا على مكة فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق «١»، فلما مضى ثلث الليل اجتمعوا في الشّعب، وهم ثلاثة وتسعون رجلا وامرأتان: أمّ عمارة إحدى بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، فجاءهم النبى ﷺ ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو علي دين قومه، إلا أنه أحب أن يظهر على أمر ابن أخيه ويتوثّق به، فلما جلس كان أوّل متكلم، فقال: «يا معشر الخزرج، إن محمدا منّا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، فمن هو علي مثل ما رأينا فيه فهو في عزّ قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبي الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون
_________________
(١) أيام التشريق هى ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
[ ١٧٢ ]
أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الان فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة في قومه وبلده. فقالوا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتلا رسول الله ﷺ القران، ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم» . فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: والذى بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا «١»، فبايعوا رسول الله ﷺ. وقال بعضهم: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا «٢»، وإنّا قاطعوها (يعنى اليهود)، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلي قومك وتدعنا؟. فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدم الدم والهدم الهدم «٣» أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتمم وأسالم من سالمتم، أخرجوا إليّ منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون علي قومهم بما فيهم»، فأخرجوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وانتهت البيعة في العقبة.
فهذه بيعة العقبة الثالثة التى هى في الحقيقة بيعة ثانية؛ لأن الأولى لم تكن بيعة كما تقدم، ولعل من عدّ البيعات ثلاثا اعتبر أن العقبة الأولى التي اجتمع فيها الخمسة من الخزرج كانت بيعة سكوتية؛ لأنها كالبيعتين الأخيرتين، لم يصدر مما حصل فيها مخالفة حيث إن أهل الأولى عادوا في العقبة الثانية وبايعوا مع من حضر معهم من الأنصار علي نصرته ﷺ على عدوه والإيمان بما جاء به، وهذا من أعظم درجات الإيمان، فبهذا استحق أهل العقبة الأولى الستة فضل المبايعة، وعدّت مبايعة العقبات ثلاثا.
قيل: أحسن أصحاب رسول الله ﷺ ظنّهم بالله، وبايعوا نبيهم ﷺ علي
_________________
(١) أزر: جمع مفرده إزار والإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن.
(٢) أى علائق وعهود.
(٣) قوله الهدم، يروى بسكون الدال وفتحها، فالهدم بالتحريك: القبر، يعني أنى أقبر حيث تقبرون، وقيل هو: المنزل، أى منزلكم منزلي، والهدم بالسكون وبالفتح أيضا هو: إهدار دم القتيل، يعنى إن طلب دمكم فقد طلب دمي، وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمى؛ لاستحكام الألفة بيننا، كما يؤخذ من النهاية (اهـ. هامش الطهطاوى] .
[ ١٧٣ ]
الموت، فعوجلوا بالأمن والسلامة من الفوت، ولهذا قيل: ليس في خصال الخير وإن جلّت، ولا في أنواع البر وإن عظمت أعلى من حسن الظن بالله تعالى.
الهجرة إلى المدينة:
* ولما تمّ أمر البيعة بين النبى ﷺ وبين أهل المدينة، وبقى أصحابه في ضنك من إيذاء المشركين، شكوا إلى رسول الله ﷺ، ثم استأذنوه في الهجرة، فمكث أياما وخرج إلى أصحابه وهو مسرور، وقال: قد أخبرت بدار هجرتكم، ألا وهو يثرب، فمن أراد منكم الخروج فليخرج. فصار القوم يتجهزون ويترافقون، ثم صاروا يرحلون من مكة أرسالا (أى قطائع) سرا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه أعلن بالهجرة ولم يمنعه أحد من المشركين ولا قصده بسوء. فلما قدموا المدينة أنزلهم الأنصار في دورهم وواسوهم، ولم يبق بمكة إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي ﵄، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذنه في الخروج، فيقول له:
«لا تعجل؛ لعل الله أن يجعل لك صاحبا»، فرجا أبو بكر أن يكون ذلك الصاحب، وترصّد رفاقته وانتظر صحبته ﷺ.
وورد في حق أبى بكر حديث عن النبى ﷺ أنه قال: «رحم الله أبا بكر، زوّجنى ابنته، وحملنى إلى دار الهجرة، وصحبنى في الغار، وأعتق بلالا من ماله، وما نفعنى مال في الإسلام ما نفعنى مال أبى بكر» «١» .
ولما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام إظهارا كليّا.
_________________
(١) والحديث بتمامه: «رحم الله أبا بكر: زوّجنى ابنته، وحملنى إلي دار الهجرة، وأعتق بلالا من ماله، وما نفعنى مال في الإسلام ما نفعنى مال أبى بكر. رحم الله عمر: يقول الحق وإن كان مرّا، لقد تركه الحق وما له من صديق، رحم الله عثمان تستحييه الملائكة، وجهّز جيش العسرة، وزاد في مسجدنا حتّى وسعنا. رحم الله عليّا: اللهم أدر الحق معه حيث دار» . (رواه الترمذى عن على)
[ ١٧٤ ]
[التامر على الرسول ﷺ في دار الندوة]:
ثم لما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيع وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج شيعته وأصحابه «١» من المهاجرين إليهم تحدّوا خروجه ﷺ، فاجتمعت قريش في دار الندوة للمشاورة في إخراجه أو حبسه أو قتله، وهي دار قصى بن كلاب، وهو أوّل من بناها، وكانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، ومنعوا الناس من الدخول إليهم، لئلا يدخل أحد من بنى هاشم، فيطّلع علي حالهم، فلما قعدوا للتشاور تزيّا* لهم إبليس بصورة شيخ نجدى متطيلس» «٢» فوقف علي الباب، فلمّا رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا منى رأيا ونصحا قالوا: ادخل.
فدخل، وكان قد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة.
فزعم ابن دريد في «الوشاح» «٣» أنهم كانوا خمسة عشر رجلا، وقال ابن دحية فى «مولده»: إنهم كانوا مائة رجل. ثم شرعوا في الكلام فقال بعضهم: إن هذا الرجل- يعني محمدا ﷺ- قد كان من أمره ما كان، وإنّا لا نأمن منه الوثوب علينا بمن اتبعه، فأجمعوا فيه رأيا، فقال بعضهم: رأيى أن تحبسوه في بيت وتشدّوا وثاقه، وتسدّوا بابه، غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتربصوا به ريب المنون حتي يهلك فيه، كما هلك من الشعراء من كان قبله، كزهير والنابغة. فصرخ الشيخ النجدى (عدو الله ورسوله) فقال: بئس الرأي؛ والله لو حبستموه لخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه فوثبوا وانتزعوه من أيديكم،
_________________
(١) فى الأصل: «شيعة أصحابه» وبهذا يكون المعنى أصحاب أصحابه، وهو غير مستقيم المعنى، فأصلحناه إلى ما تري.
(٢) متطيلس: أي يلبس طيلسانا وهو ضرب من الأوشحة يحيط بالبدن أو يلبس على الكتف، خال من التفصيل والحياكة.
(٣) من كتب ابن دريد المفقودة. راجع كتاب ابن دريد حياته وتراثه، للدكتور السنوسى نشر مكتبة الاداب ص ١٢٢- ١٣١. * أى ظهر لهم في زى شيخ نجدى.
[ ١٧٥ ]
قالوا: صدق الشيخ، وقال بعضهم: رأيي أن تحملوه علي جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضرّكم ما صنع، واسترحتم. فقال الشيخ: والله ما هذا لكم برأي؛ ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال مما يأتى به، فو الله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتّى يبايعوه، ثم يسير بهم حتّى يطأكم بهم. فقالوا: صدق الشيخ، فقال أبو جهل: أرى أن يعطى خمسة رجال من خمس قبائل سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في هذه البطون، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قومهم جميعا، فصوّب الشيخ النجدى قول أبى جهل. فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله، فأخبر جبريل بذلك رسول الله ﷺ، وكان مما أنزل عليه في ذلك اليوم وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الاية ٣ سورة الأنفال] وقوله ﷿ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الاية ٣٠ سورة الطور] .
* ولما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله ﷺ، أتاه جبريل وأخبره بذلك، وقال: لا تبت هذه الليلة علي فراشك الذى كنت تبيت عليه، وقال له: إن الله يأمرك بالهجرة إلى المدينة، ثم سأل جبريل عمّن يهاجر معه، قال: «أبو بكر الصدّيق»، فمن ذلك سمّاه الله صديقا، وقد سبق أن سبب تسميته صدّيقا في المعراج بقوله لرسول الله ﷺ: «صدقت في كل ما تخبر به»، فلعل هذا سببا ثانيا لتأكيد التسمية بالصدّيق وتحقيقها. فلما كان الليل اجتمعوا علي بابه يرصدونه حتي ينام، فيثبوا، أى ينهضوا ويقوموا عليه، وهو إذ ذاك داخل الدار، فأمر ﵊ عليا فنام مكانه، وغطّى ببرد أخضر، وكان أول من شرى نفسه، ونزل فيه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الاية: ٢٠٧ سورة البقرة] .
وذكر الغزالى في «الإحياء» بأن الله تعالى أمر جبريل وميكائيل أن يهبطا إلى
[ ١٧٦ ]
الأرض ويحفظاه من عدوه، فنزلا، فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه.
وأنشد علي بن أبى طالب ﵁ قصة مبيته على فراش رسول الله ﷺ فقال:
وقيت بنفسى خير من وطئ الثرى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر
وبات رسول الله في الغار امنا موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبتّ أراعيهم وما يثبتوننى وقد وطّنت نفسى عن القتل والأسر
وخرج رسول الله ﷺ فرصدوا له، وقد أخذ الله على أبصارهم، فلم يره أحد، ونثر عيي رؤسهم كلهم ترابا في يده وهو يتلو يس إلى قوله تعالى:
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] كما قيل:
وقريش إذ عزم الرحيل مهاجرا ملأوا المسالك راصدا ومشاجرا
فمضى لحاجته ولم ير حاجرا والقوم يقظى والبصائر نوّم
نثر التراب علي رؤوس الحسّد وسري وقد وقفوا له بالمرصد
قولوا لأعمى العين مغلول اليد أنف الشّقي ببعض أحمد مرغم
ثم انصرف حيث أراد، فأتاهم ات ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هنا؟ قالوا: محمدا، قال: قد خيّبكم الله، والله قد خرج محمد عليكم ما ترك منكم رجلا إلا وضع عليه ترابا وانطلق لحاجته، فما ترون ما بكم!» فوضع كل رجل يده علي رأسه فإذا عليه تراب.
فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت وأمى يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ:
[ ١٧٧ ]
نعم. فجهزت أسماء بنت أبى بكر وال أبى بكر «١» جهاز السفر أحسن جهاز، وصنعن لهم «٢» سفرة (أى زادا في جراب)، وكان في السفرة أى في الزاد شاة مطبوخة، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب المشتمل علي الزاد، وأبقت الاخرى نطاقا لها، فبذلك سميت ذات النطاقين، كما روى في صحيح مسلم عن أسماء بنت أبى بكر الصدّيق زوّج الزبير بن العوام من كبار الصحابة، روي عنها ابناها عبد الله وعروة وجماعة، أسلمت قديما بمكة وهاجرت إلي المدينة، وتوفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقد جاوزت المائة.
ويروى أنها قالت للحجّاج: بلغنى أنك تعيّر ابنى عبد الله بن الزبير بابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين؛ أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبى بكر الصديق ﵁، وأما الاخر فنطاق المرأة التى لا تستغنى عنه عند أشغالها.
وفي حديث أم إسماعيل: «أول ما اتخذ الناس النّطق من قبل: أم اسماعيل اتخذت منطقا» المنطق: النطاق، وجمعه مناطق، وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشدّ وسطها بشئ وترفع وسط ثوبها وترسله علي الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها، ومنه سميت أسماء بنت أبى بكر الصديق ﵂ «ذات النطاقين»؛ لأنها كانت تطارق نطاقا فوق نطاق، وقيل: كان لها نطاقان تلبس أحدهما وتجعل في الاخر الزاد إلى النبى ﷺ وأبى بكر وهما في الغار، وقيل: شقت نطاقها نصفين فاستعملت أحدهما وجعلت الاخر شدادا لزادهما.
_________________
(١) فى الأصل: «فجهز زوجات النبى ﷺ وغيرهن جهاز السفر» وهو خطأ فاحش، إذ لم يكن للنبى ﷺ زوجات في ذاك الوقت- فخديجة ﵂ انتقلت إلي رضوان الله ﵎ قبل الهجرة بمدة، ولم يتزوج بأحد من زوجاته ﵅ إلا بعد الهجرة والاستقرار بالمدينة، ولعل هذا من التحريف المطبعى أو سبق قلم، وجلّ من لا يسهو ﷾.
(٢) لأنهم كانوا أربعة: سيدنا رسول الله ﷺ، وسيدنا أبو بكر، وعامر بن فهيرة، مولى أبى بكر- وعبد الله بن أريقط. أما أبو بكر ﵁ فكان صاحب رسول الله ﷺ في حله وترحاله، وأما عامر بن فهيرة فكان راعى غنم يخرج بغنمه فيعفى اثارهما ليضلل المشركين، وأما عبد الله ابن أريقط فكان الدليل لهما في شعاب الجبال؛ لأنه كان يعرفها جيدا. وعن عائشة أنه لم يكن يعرف مكانهما في الغار إلا عبد الله بن أبى بكر وأسماء بنت أبى بكر وعامر بن فهيرة.
[ ١٧٨ ]
وخرج رسول الله ﷺ من مكة ووقف علي الحزورة «١» ونظر إلي بيت الله الحرام، وقال حين خروجه من أم القري: «والله إنك لأحبّ أرض الله إليّ وإنك خير بقعة علي وجه الأرض وأحبّها إلى الله تعالى، ولولا أهلك أخرجونى لما خرجت منك» «٢» .
وقال ﷺ: «إن خير بلدة علي وجه الأرض وأحبّها إلى الله مكة» .
وسميت أمّ القري «٣» لأنها قبلة أهل الدنيا، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعا، وأيضا الناس يجتمعون إليها للحج والتجارة كما يجتمع الأولاد للأم، وقيل:
لأن الكعبة أوّل بيت وضع للناس. وما أحسن ما قاله بعض الشعراء:
لا تنكرنّ لأهل مكة قسوة والبيت فيهم والحطيم وزمزم
اذوا رسول الله وهو نبيّهم حتى حمته أهل طيبة منهم
خاف الإله على الذى قد جاءه سلبا فلا يأتيه إلّا محرم
أى خاف الله أن يسلب أهل مكة القادم إلى الحرم، فصار يقصد مكة الناس بالإحرام.
وأما حديث: «اللهم كما أخرجتنى من أحب البقاع إليّ، فأسكنّى أحبّ البقاع إليك» «٤» فلم يصح عنه ﷺ؛ لأن مكة أفضل من غيرها بوجوه:
_________________
(١) الحزورة: ضبطها صاحب المراصد بسكون الزاى وفتح الواو: سوق كانت بمكة، ودخلت في المسجد الحرام لمّا زيد فيه.
(٢) وفي لفظ اخر «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» رواه الإمام مالك والترمذى وابن ماجه وابن حبان، والحاكم عن عبد الله بن عديّ ابن الحمراء.
(٣) سماها الله تعالى «أم القري» يي قوله تعالى: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الاية: ٩٢ الأنعام] .
(٤) التحقيق في هذا الحديث أنه صحيح. قال محب الدين الطبرى في كتابه «القرى لقاصد أم القرى» ص ٦٧٧ ما نصه: « ثم اختلفوا في أيهما أفضل، فذهب عمر وبعض الصحابة إلى تفضيل المدينة، وهو قول مالك وأكثر المدنيين، وحملوا الاستثناء في قوله ﷺ: «إلا المسجد الحرام على أن مسجدى يفضله» بدون الألف. وذهب أهل الكوفة إلى تفضيل مكة، وبه قال ابن وهب وابن حبيب من أصحاب مالك، وإليه-.
[ ١٧٩ ]
منها أنه تعالى أوجب قصدها للحج والعمرة الواجبين، وقصد المدينة سنّة، وإن فضّلت بإقامة النبى ﷺ بعد النبوة فمكة أفضل؛ لأنه أقام بها ثلاث عشرة أو خمس عشرة، وبالمدينة عشرا، فإن فضّلت بكثرة الطارقين فمكة أفضل؛ لكثرة من طرقها من الأولياء والصالحين والأنبياء والمرسلين، فما من نبي إلا حجّها؛ وهى متبوّأ إبراهيم وإسماعيل، ومولد سيد المرسلين، وليست المدينة كذلك، وإن ذهب إلي تفضيلها علي مكة الإمام مالك. ولو صحّ الحديث السابق فهو مجاز لوصف المكان بما يقع فيه، كبلد امن، أو خائف، فوصف بأنه محبوب لما فيه مما يحبه الله من إقامة الرسول به إلي القيامة، وتكميل إرشاد الأمة والدين به، وأحسن من هذا أن يكون المعنى: كما أخرجتنى من أحب البقاع إليّ في أمر معاشى فأسكنّى الأحب إليك في أمر معادي، وهو ظاهر؛ فإنه لم يزل في زيادة من دينه وبلوغ أمره إلى إلي أن تكامل، وبشّر بذلك في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] الاية.
وسيأتى قريبا بيان ذلك على وجه أوضح.
_________________
(١) - ذهب الشافعي. وزيادة أبى حاتم وغيره تردّ ما ذهبوا إليه من التأويل. وما احتجوا به من قوله ﷺ: «أخرجتنى من أحب البقاع إليّ فأسكنّى في أحب البقاع إليك» محمول على أنه أراد أحب البقاع بعد مكة، بدليل حديث النسائى وابن حبان في فضل مكة، فإنه دلّ على أنه أحب أرض الله إلى الله، علي أن الحديث نفسه لا دلالة فيه؛ لأن قوله «فأسكنى في أحب البقاع»، هذا السياق يدل في العرف على أن المراد به بعد مكة؛ فإن الإنسان لا يسأل ما أخرج منه، فإن قوله «أخرجتني» «فأسكنى» يدل على إرادة غير المخرج منه، وتكون مكة مسكوتا عنها في الحديث» اهـ. بحروفه. ونص حديث النسائى وابن حبان، وأخرجه الترمذى أيضا، «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» ولكن في «الفتح الكبير» ورد هذا الحديث بلفظ: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إليّ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» رواه الإمام أحمد والترمذى وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عدى ابن الحمراء. وكلا الحديثين وارد وصحيح. والله تعالى أعلم.
[ ١٨٠ ]
الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه: صدّيقه رضى الله تعالى عنه وهو ابتداء التاريخ الإسلامى
لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ علي ما ذكر، أمر أصحابه فهاجروا إلي المدينة، وبقي هو وأبو بكر وعليّ، فخرج هو وأبو بكر مستخفيين من قريش، فلما فقدت قريش رسول الله ﷺ طلبوه بمكة، أعلاها وأسفلها، فلم يجدوه، فشقّ عليهم خروجه، وجعلوا مائة ناقة لمن يردّه. ولما خرج أبو بكر مع رسول الله ﷺ متوجها إلي الغار جعل طورا يمشى أمامه وطورا يمشى خلفه، وطورا عن يمينه، وطورا عن شماله، فقال ﵊: ما هذا يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأحب أن أكون أمامك، وأتخوّف الطلب فأحب أن أكون خلفك، وأحفظ الطريق يمينا وشمالا، فقال: لا بأس عليك يا أبا بكر؛ الله معنا.
وكان رسول الله ﷺ غير لابس شيئا في رجليه، فحفي*؛ لأنه لم يتعوّد الحفاء، فحمله أبو بكر رضى الله تعالى عنه على كاهله حتّى انتهي إلى الغار، فلما أراد النبى ﷺ أن يدخل، قال أبو بكر: والذى بعثك بالحق نبيّا لا تدخله حتي أدخله فأسبره «١» قبلك. فدخل أبو بكر ﵁، فجعل يلتمس الغار بيده في ظلمة الليل مخافة أن يكون فيه شئ يؤذى رسول الله ﷺ، فلمّا لم ير فيه شيئا دخل ﷺ الغار، وجعل رأسه في حجره «٢» ونام، ورأى أبو بكر ﵁ جحرا فألقمه عقبه، فلدغ أبو بكر ﵁ في رجله، فلم يتحرّك، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ، فقال: ما هذا؟ قال له: لدغت، فتفل
_________________
(١) * حفى: رقّت قدمه من كثرة المشى حافيا (المعجم الوسيط ١٩٣) .
(٢) السير: معرفة الغور، من قولك: سبر فلان الشئ أى عرف غوره، ومنه المسبار: مقياس الحرارة. والمقصود أنه يتعرف علي ما فيه خشية الأذي.
(٣) أى في حجر أبى بكر.
[ ١٨١ ]
عليه ﷺ فذهب ما يجده. وباتا في الغار، وأمر الله العنكبوت فنسجت على فم الغار، وأمر حمامتين فعشّشتا وباضتا. وما أحسن ما قيل:
وخافت عليك العنكبوت من العدا فأرخت بباب الغار مكرا بها سترا
ووافقها في الذّبّ عنك حمائم أتين سراعا فابتنين به وكرا
فلمّا أتي الكفّار طرن خديعة فحيّا الحيا «١» تلك الخديعة والمكرا
وأقبل فتيان قريش بسهامهم وسيوفهم، ومعهم من يقصّ الأثر، حتي انتهى إلى الغار فقال لهم: إلي هنا انتهى أثره، فما أدرى بعد ذلك أصعد إلى السماء أم غاص في الأرض! فقال لهم قائل: ادخلوا الغار، فقال أميّة بن خلف: ما تنظرون إلى الغار، وإن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد؟ فسمع رسول الله ﷺ حديثهم، فقال ﷺ: «اللهمّ اعم بصرهم» فجعلوا يترددون حول الغار، لا يرون أحدا، ويقولون: لو دخلا هذا الغار تكسّر بيض الحمام وتفسّخ بيت العنكبوت. فعلما أن الله تعالى حمي حماها بالحمام، وصرف عنهما كيد الأعداء بالعنكبوت، ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك.
روى ابن وهب أنّ حمام مكة أظلت النبى ﷺ يوم فتحها، فدعا لها بالبركة.
ونهى عن قتل العنكبوت. وقال: «هى جند من جنود الله» .
إلّا أن البيوت تطهّر من نسجها لأنه يورث الفقر «٢» .
_________________
(١) حيّا من التحيّة، والحيا: المطر والخصب، وهو دعاء للعنكبوت والحمامتين؛ لأنهما فعلا شيئا لم يفعله بنو ادم.
(٢) فى الأسلوب ركاكة، ولعل سقطا حدث في الكلام أوجب هذه الركاكة. وأسند الثعلبى وابن عطية عن الإمام على ﵁ وكرّم الله وجهه أنه قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت؛ فإن تركه في البيت يورث الفقر» . وقد نسجت العنكبوت على الغار الذى دخله «عبد الله بن أنيس» لما بعثه النبي ﷺ إلى قتل خالد بن نبيح بالعرنة، فقتله واحتمل رأسه، وطارده الكفار، فدخل غارا، فنسجت عليه العنكبوت، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا، فرجعوا. ونسجت على سيدنا داود ﵊ حين طلبه عدوّ الله جالوت، ونسجت على عورة الإمام زيد بن علي بن الحسين، لما قتل، وصلبوه عريانا ﵁ عام ١٢١ هجرية، لعن الله كل من اشترك في قتله ولو بحرف من كلمة.
[ ١٨٢ ]
وإلى ذلك يشير صاحب البردة بقوله:
وما حوى الغار من خير ومثن كرم وكلّ طرف من الكفار عنه عمى
فالصدّق في الغار والصدّيق لم يرما وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
وقيل في هذا المعنى:
والعنكبوت أجادت حوك حلّتها فما تخال خلال النسج من خلل
وما أحسن قول ابن النقيب:
ودودة القزّ إن نسجت حريرا يجمل لبسه في كل شئ
فإنّ العنكبوت أجلّ منها بما نسجت على رأس النبى «١»
وروى لما اطّلع المشركون فوق الغار، وأشفق أبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ، وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال ﵊: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما»؟!. وقال حسان ابن ثابت:
وثانى اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدوّ به إذ صاعد الجبلا
وكان حبّ رسول الله- قد علموا- من الخلائق لم يعدل به بدلا
_________________
(١) ومن الطرائف أن رجلا يقال له ياقوت، قال: ألقنى في لظى فإن أحرقتنى فتيقن أن لست بالياقوت جمع النسج كلّ من حاك لكن ليس داود فيه كالعنكبوت نسج داود: الدروع وما يتقى به في الحروب فرد عليه يعقوب بن جابر: أيها المدّعى الفخار دع الفخ ر لذى الكبرياء والجبروت نشج داود لم يفد ليلة الغا ر، وكان الفخر للعنكبوت وبقاء السمندل في لهب السنا ر مزيل فضيلة الياقوت وكذا النعام يلتقم الحم حر، وما الحمر للنعام بقوت والسمندل: طائر يبيض ويفرخ في النار في بلاد الهند.
[ ١٨٣ ]
قال أبو بكر- كما في الصحيحين-: «نظرت إلى أقدام المشركين من الغار على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» . وكان مكثه ﷺ وأبى بكر في الغار ثلاث ليال، وقيل بضع عشرة يوما*، وروى أن أبا بكر الصديق ﵁ لما رأى القافة**- جمع القائف- قال: إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، قال ﷺ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أى بالمعونة والنصرة فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ أى علي أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، لا علي رسول الله ﷺ لأن السكينة لا تفارقه؛ وهى أمنة تسكن عندها القلوب، وَأَيَّدَهُ أي رسول الله ﷺ بِجُنُودٍ أى ملائكة يصرفون أبصار الكفار عنه.
وروى عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبى بكر: «أنت صاحبى في الغار، وصاحبى على الحوض» «١» .
قال الحسن بن الفضيل: من قال إن أبا بكر ﵁ لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكار نص القران، وفي سائر «٢» الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا.
قال بعض النقاد ما معناه: ولما غار الحقّ تعالى علي نبيّه وصاحبه من أعدائهما، أدخلهما غار الحفظ والأمان، وأذهب عنهما الهموم بجميل رعايته والأحزان، كما صرّح بذلك القران: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة: ٤٠] فكشف في تلك الخلوة لصدّيقه الحجاب، ودعا له بالبركة من عقبه إلى يوم الحساب، وكان الله معهما في هاتيك الخلوة، والمتجلّى عليهما في تلك الجلوة «٣»، فصحبهما اسم الجلالة لفظا ومعنى؛ فإنه من حيث اللفظ يقال رسول رسول الله، وخليفة رسول الله، ولم يكن ذلك إلا للصدّيق ﵁، ومن حيث المعنى
_________________
(١) * الصواب: بضعة عشر. ** القافة: الذين يتبعون الأثر.
(٢) ورواه الترمذى، والحاكم عن عمر بن الخطاب.
(٣) أى بقية الصحابة.
(٤) موضع تجلّى الله أى ظهور عظيم فضله.
[ ١٨٤ ]
فإنه معهما بالإمداد والإسعاد. واستأجر رسول الله ﷺ هو وأبو بكر ﵁ عبد الله بن أريقط دليلا، وهو علي دين كفار قريش، ولم يعرف له إسلام، فدفعا إليه راحلتهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فساروا علي طريق السواحل، ونزل ﷺ بقديد «١» علي أم معبد: عاتكة بنت خالد، فمسح ضرع شاة مجهودة، وشرب من لبنها، وسقى أصحابه، واستمرت تلك البركة فيها، فلما جاء زوجها أكتم بن الجون، ورأي ما بالشاة من اللبن، سألها فقالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، متبلّج الوجه، حسن الخلق»، وصارت تصفه بأوصافه إلي أن قالت: له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر يبادرون إلى أمره، فقال: والله هذا صاحب قريش. ثم هاجرت بعد ذلك هى وزوجها، فأسلما، وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك، ولمّا مرّت قريش سألوها عنه ووصفوه.
فقالت: ما أدرى ما تقولون، قد ضافنى حالب الحائل «٢»، فقالوا: ذاك الذي نريد.
وبعد أن خرج من مكة سمع صوت لا يرى صاحبه:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتى أم معبد
هما نزلا بالهدى واهتديا به وقد فاز من أمسى رفيق محمد
فما حملت من ناقة فوق رحلها أبرّ وأوفى ذمة من محمد
فيال قصى «٣» ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت به من صريح ضرّة الشّاة مزيد
فغادرها رهنا لديها لحالب تزوّدها في مصدر ثم مورد
فعرف الناس توجهه إلى المدينة.
_________________
(١) فى المراصد «قديد» تصغير «قد» موضع قرب مكة.
(٢) الحائل: فى الأصل: كل أنثى لا تحبل، وبالتالى لا تدرّ لبنّا، والمقصود هنا الشاة المجهودة.
(٣) يا أل قصى.
[ ١٨٥ ]
ولما سمع حسان بن ثابت قال في جوابه هذه الأبيات:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدّس من يسرى إليهم ويغتدى
ترحّل عن قوم فزالت عقولهم وحلّ على قوم بنور مدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم وأرشدهم: من يتبع الحقّ يرشد
وهل يستوى ضلال قوم تسفّهوا همّى وهداة يهتدون بمهتد
لقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى حلّت عليهم باعد
نبىّ يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ثم تعرّض للنبى ﷺ وأبي بكر ﵁ سراقة بن مالك المدلجي، وعلم أنهما اللذان جعلت فيهما قريش ما جعلت لمن أتى بهما، فركب فرسه وتبعهما بزعمه، فبكى أبو بكر وقال: «يا رسول الله أتينا «١»، قال: كلا» فلما دنا سراقة صاح وقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: يمنعنى العزيز الجبار، الواحد القهار. ودعا رسول الله ﷺ بدعوات، وقال: «اللهم اكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت» فساخت* قوائم فرسه، فطلب الأمان، وقال:
أعلم أن قد دعوتما عليّ فادعوا لي، ولكما أن أردّ الناس عنكما ولا أضرّكما. قال سراقة: فوقفا لي، ثم ركبت فرسى حتّى جئتهما، قال: فوقع في نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فأخبرتهما بما يريد الناس منهما، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يقبلا. وأنشد بعضهم لأبى بكر ﵁ قصيدة مطلعها:
قال النبىّ ولم يجزع بوقر بى ونحن في سدف من ظلمة الغار
«لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا
إلي اخر القصيدة المذكورة في بعض السير.
_________________
(١) فى الأصل «أوتينا» وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه. * أى غاصت في الأرض.
[ ١٨٦ ]
قال: ومع أن مثل هذه القصيدة الساقطة لا يسمح الذوق السليم بنسبتها إلي أبى بكر رضى الله تعالى عنه- علي فرض كونه يقول الشعر- فقد ذكر ابن عبد البر في ترجمة الصدّيق ﵁ ما لفظه:
روى سفيان بن حسين عن الزهرى قال: سألنى عبد الملك بن مروان، قال:
رأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبى بكر ﵁؟ فقلت له: حدثنى عروة عن عائشة ﵂ أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام حتي مات. انتهي.
فحينئذ يحتمل أن تكون هذه الأبيات نظمت علي لسانه، وأنه أنشدها، كما قيل فيما نسب إليه من قوله بعض أبيات، منها قوله:
كلّ امرئ مصبّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وعن عائشة ﵂ قالت: «إن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام، أى ولا في الجاهلية» كما في رواية عنها، أي لم ينشئ الشعر حتي مات. وأما ما روى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنه قال: كان أبو بكر الصدّيق ﵁ إذا رأى النبى ﷺ يقول:
أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام «١»
فمحمول علي أنها لم تسمع ذلك منه، علي فرض أنه من إنشائه، وكذلك ما ذكره صاحب «الينبوع» «٢» في قوله: ليس عمل الشعر رذيلة؛ فقد كان الصدّيق وعمر وعلى رضوان الله عليهم يقولون الشعر، وعليّ كرم الله وجهه أشعر من أبى بكر وعمر، ولو أنه بظاهره مناف لقول عائشة، إلا أنه يحمل على الإنشاد كثرة وقلة، فإن عليا ﵁ دوّن باسمه ديوان، ولا مانع أن يكون كله مما تمثل به إن لم يثبت عنه إنشاد الشعر» .
ولما بلغ أبا جهل أمر سراقة أنشد يقول:
_________________
(١) المزايلة: المفارقة، ومنه قوله تعالى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨] ..
(٢) ربما كان كتاب ينابيع المودة لسلمان بن خوجة كيلان البلخنى.
[ ١٨٧ ]
بنى مدلج أنّى أخال سفيهكم سراقة يستغوى بنصر محمد
عليكم به ألايفرّق جمعكم فيصبح شتّى بعد عزّ وسؤدد
فأجابه سراقة:
أبا حكم «١»: واللات لو كنت شاهدا بأمر جوادى حيث ساخت قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا نبى وبرهان، فمن ذا يكاتمه
عليك بكفّ الناس عنه فإننى أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر تودّ النّضر فيه بأنه لو أنّ جميع الناس طرّا تسالمه
وأسلم سراقة عند رسول الله ﷺ حين انصرف من حنين والطائف، وكان شاعرا مجيدا ﵁.
فلما بلغ خروج النبى ﷺ حييّ بن ضمرة الجعدى قال: «لا عذر لى في مقامى بمكة» وكان مريضا، فأمر أهله فخرجوا به إلى التنعيم «٢» فمات، فأنزل الله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] .
فلمّا رأى ذلك من كان بمكة ممن يطيق الخروج خرجوا؛ فطلبهم أبو سفيان وغيره من المشركين، فردّوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس، وأقام عليّ ﵁ بعد مخرجه ﵊ بمكة ثلاثة أيام حتّى أدّى ما كان عنده من الودائع، وأدركه بقباء، وقد نزل على كلثوم بن الهدم (وقيل سعد بن خيثمة) يوم الاثنين سابع، وقيل ثامن ربيع، وكانت مدّة مقام عليّ هناك مع النبى ﷺ ليلة أو ليلتين.
مبدأ التأريخ الإسلامى:
وأمر ﵊ بالتأريخ من الهجرة لدولة الإسلام، قال ابن
_________________
(١) كنية أبى جهل في الجاهلية.
(٢) موضع خارج الحرم على طريق المدينة- على ثلاثة أميال من مكة-.
[ ١٨٨ ]
الجزار: ويعرف بعام الإذن، وقيل: إن عمر ﵁ أوّل من أرّخ وجعله من المحرّم، وقيل: يعلى بن أمية إذ كان باليمن، وقيل بل أرّخ بوفاته ﷺ «١» .
ومن فوائد التأريخ معرفة الاجال وحلولها، وأوقات التواليف، ووفيات الشيوخ، ومواليدهم، والرواة عنهم، فيعرف بذلك كذب الكذّابين وصدق الصادقين، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] .
وأخرج البخارى في «الأدب»، والحاكم عن ميمون بن مهران قال: رفع إلى عمر صكّ محله شعبان، فقال: أيّ شعبان: الذى نحن فيه، أو الذى مضي، أو الذى هو ات؟ ثم قال أصحاب النبى ﷺ: ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ، فقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الروم، فقال: إن الروم يطول تاريخهم يكتبون من ذى القرنين، فقال: اكتبوا على تاريخ فارس، فقال: إن فارس كلما قام ملك طبع من كان قبله.
فاجتمع رأيهم أن الهجرة كانت عشر سنين، فكتبوا التاريخ من هجرة النبى ﷺ.
* وكانت الأنصار لمّا بلغهم خروج النبى ﷺ يخرجون كل يوم لتلقّيه، فإذا اشتدّت الهاجرة (ويقال الهجير، وهو اشتداد الحر نصف النهار، وهو المراد بالعليّا، والهاجرة السفلى هى التى بعد الضحى وقبل الزوال) رجعوا. فلما كان يوم قدومه فعلوا ذلك، فراه رجل من يهود، فنادى بأعلى صوته: «يا بنى قيلة هذا جدّكم- أى حظكم ومطلوبكم- قد أقبل» فخرج إليه بنو قيلة، وهم الأنصار: الأوس والخزرج بسلاحهم، فتلقوه ونصروه على أعدائه واووه، وواسوه، واووا أصحابه وواسوهم، وهم الذين قال ﵎
_________________
(١) قال ابن الصلاح: وقفت على كتاب في الشروط للأستاذ الزيادى، ذكر فيه: أن رسول الله ﷺ أرّخ حين كتب الكتاب لنصارى نجران، وأمر عليا أن يكتب فيه: إنه كتب لخمس من الهجرة. وقال الجلال السيوطى في كتابه «الشماريخ في علم التأريخ» إن رسول الله ﷺ أمر بالتأريخ يوم قدم المدينة في شهر ربيع الأوّل. وقال ابن عساكر: «هذا أصوب» . ومن هذا نعرف أن رسول الله ﷺ هو المؤرخ الأوّل بالهجرة، وعمر تبعه.
[ ١٨٩ ]
فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ. [الحشر:
٩] الاية.
وقال ﷺ في حقهم: «اية الإيمان حبّ الأنصار، واية النفاق بغض الأنصار» «١» .
وقال ﷺ للأنصار: «أنتم شعار والناس دثار» «٢» [والشعار: الثوب الذى يلى الجسد، والدثار الثوب الذى يكون فوق ذلك الثوب، فهم ألصق به وأقرب إليه ﷺ من غيرهم. والأنصار لقب إسلامى لهم لنصرتهم النبى ﷺ، وإنما كانوا يسمّون أولا: أولاد قيلة، والأوس والخزرج.] إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضلهم وفضل المهاجرين الذين اثروا رضوان الله ورضوان رسوله ﷺ على حظوظ أنفسهم، فتركوا بلادهم ومهادهم، وهاجروا مع المصطفى من مكة إلى المدينة التى هى مهاجره.
وقال حسان ﵁ في مدح الأنصار:
سمّاهم الله أنصارا بنصرهم دين الهدى وعوان الحرب تستعر
وسارعوا في سبيل الله واقترفوا للنائبات، وما خافوا وما جروا
وكان خروج النبى ﷺ من مكة يوم الاثنين، ومعه أبو بكر الصديق ﵁، وله ﷺ من العمر ثلاث وخمسون سنة، فأقام بقباء (موضع بالمدينة فى بنى عمرو بن عوف على فرسخ من المسجد النبوي) أربعة أيام: يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسّس مسجد قباء «٣» الذى نزل فيه:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ١٠٨] الاية. وهو أوّل مسجد صلّى فيه ﷺ جماعة ظاهرا، وأوّل مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة، وإن كان قد تقدّم بناء غيره من المساجد، لكن لخصوص الذى بناه. ثم خرج ﷺ من «قباء» ضحى يوم الجمعة، فأدركته صلاة الجمعة في الطريق، فى بنى
_________________
(١) رواه أحمد والنسائى عن أنس.
(٢) وقال ﷺ: «الأنصار شعار والنا دثار، ولو أن الناس استقبلوا واديا أو شعبا، واستقبلت الأنصار واديا لسلكت وادى الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرا من الأنصار، رواه ابن ماجة، عن سهل بن سعد.
(٣) قباء: بالضم قرية قرب المدينة، سميت باسم بئر بها- وهى مساكن بنى عمرو بن عوف- من الأنصار- على ميلين من المدينة، على يسار القاصد إلى مكة.
[ ١٩٠ ]
سالم بن عوف، فصلّاها في مسجدهم الذى في بطن وادى «نونا» (بنون مضمومة وأخرى بعدها ألف ممدودة، وهو مسجد صغير مبنى بحجارة قدر نضف القامة) بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، فكانت هذه الجمعة أوّل جمعة صلّاها بالمدينة وخطب بها، وهى أوّل خطبة خطبها في الإسلام.
وكان ﷺ يخطب قائما، وكان إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول «صبّحكم ومسّاكم» «١»، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرا عظيما، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» «٢» ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى ويقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» «٣» .
وكان إذا قام أخذ عصا فتوكأ عليها، وكان أحيانا يتوكأ على قوس، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف. وعند الإمام أحمد وغيره من حديث سعد بن عائذ وسعد القرظ مؤذن رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا. وفي وفي حديث عائشة ﵂، قالت: «كان لرسول الله [ثوبان يلبسهما يوم الجمعة، فإذا انصرف من الجمعة طواهما ورفعهما» .
وفي حديث عمرو بن أمية عند النسائى قال: كأنى أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه. ومن جملة خطبته ﷺ: «فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها تجزئ: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة» .
ثم توجه بعد صلاة الجمعة على راحلته متوجّها إلى المدينة، فلما أشرف عليها قال: «هذه طابة أسكننيها ربّي، تنفى خبث أهلها كما ينفى الكير خبث الحديد، من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ﷿، وعليه لعنة الله
_________________
(١) رواه ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم عن جابر ﵁.
(٢) رواه أحمد، والترمذى، عن أنس، ورواه الإمام أحمد عن سهل بن سعد.
(٣) رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائى، وابن ماجه عن جابر، والبيهقى مطولا في الدلائل، وابن عساكر عن عقبة بن عامر والسجزى في الإبانة، وابن أبي شيبة.
[ ١٩١ ]
والملائكة والناس، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» «١» .
وكيف لا تطيب بالحبيب حسّا ومعنّي، وهى معمورة أيضا بالطيبين ملائكة وإنسا وجنا، ولا يدخلها ببركته الطاعون، ولم يصب ﵊ قط بالطاعون، ولا بذات الجنب، ولا جنّ نبيّ، ولا سلب، ولا احتلم، ولا تثاءب؛ لأن هذا من الشيطان، وقد عصمهم الله من ذلك، ولا تسمى مدينته الشريفة العلية فى الإسلام يثرب، كما كانت تسمى في الجاهلية لكراهة لفظ التثريب، الذى كالتعنيف والتعبير والاستقصاء في اللوم، ومنه- التثريب عليكم- قال ﷺ «يقولون يثرب، وهى المدينة» «٢» .
قال النووى في شرح مسلم: يعنى أن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها يثرب، وإنما اسمها المدينة. انتهي.
ومع ذلك فمادحوه كثيرا ما يذكرون يثرب في مديحهم، كقول سيدى عبد الرحيم البرعي:
يا ساكن القبر المنير بيثرب يا منتهى أملى وغاية مطلبى
فلعل قرائن المديح يحسن معها هذا التعبير، والعبرة في مثل هذا بالنية. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإني أشفع لمن يموت بها» «٢»، لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه تعالى
_________________
(١) وقال ﵊: «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنى» رواه أحمد عن جابر.
(٢) وفي الحديث الشريف: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله: هى طابة، هى طابة» رواه الإمام أحمد عن البراء. والتثريب: المؤاخذة، ومنه قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ أى لا مؤاخذة ولا معاقبة عليكم، ولذلك نهى النبى ﷺ عن تسميتها «يثرب» لأن الماكث فيها يكون كما قال: «تنصح عليها» وتنصح الطيب أى تجلوه، وتزيده إيمانا. ولذلك سماها الله ﵎ «الإيمان» فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [الحشر: ٩] وفي حديث اخر رواه مسلم في فضل المدينة يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذى نفسى بيده لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خبيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث لا تقوم الساعة حتّى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد» .
[ ١٩٢ ]
ذوب الملح في الماء» «١» .
وكان ﵊ كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يقولون: يا رسول الله هلم إلينا، إلى القوة والمنعة. فيقول رسول الله ﷺ: «خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة من قبل الله تعالى» وقد أرخى زمامها وما يحرّكها، وهى تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار بركت حيث مسجده الشريف الان، ثم سارت وهو ﷺ عليها، ومشت حتّى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى ﵁، من بنى مالك بن النجار، من كبار الصحابة، شهد بدرا والمشاهد، ثم قامت ومشت والتفتت خلفها، ثم رجعت إلى منزلها أوّل مرة بمحلّ باب المسجد، وبركت فيه، ثم تجلجلت (بجيمين) أى تحركت وألقت عنقها بالأرض وصوّتت من غير أن تفتح فاها، فنزل عنها رسول الله ﷺ، وقال: «هذا المنزل إن شاء الله تعالى، اللهم أنزلنا منزلا مباركا» .
ولما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بنى النجار يا حبذا محمد من جار
فقال ﷺ: أتحببنني؟ قلن: نعم يا رسول الله، فقال ﵊: «الله أعلم أنّ قلبى يحبكم»، وفي هذا دليل لسماع الغناء على الدف من المرأة لغير العرس «٢» . وسيأتى بسط الكلام على السماع في اخر فصل في الكتاب.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
(٢) ليس هذا دليلا، لأنه لم يكن قد نزل تشريع بعد، وقد نزل التشريع بعد ذلك بتحريم الغناء واللهو كله، قليله وكثيره، تحريما قاطعا، فقد قال ﷺ: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل» (رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقى، وقال ﷺ: «لست من دد ولا الدد منى» رواه البخارى في الأدب، والبيهقى عن أنس والطبراني عن معاوية، أوضحها إيضاحا تاما قوله ﷺ: «لست من دد ولا الدد منى، ولست من الباطل ولا الباطل منى» (رواه ابن عساكر عن أنس) . وفي الحديث: «نهى النبى ﷺ عن الغناء والاستماع إلى الغناء، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة» (رواه الطبراني والخطيب عن عبد الله بن عمر) . وقال ﷺ: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة» (رواه الحكيم عن أبى موسى) وقال ﷺ: «من استمع قينة صبّ في أذنيه الانك يوم القيامة، والأحاديث في هذا الباب لا تكاد تقع تحت حصر، فليتق الله الذين يطلقون الفتاوى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فإن الله تعالى سائلهم يوم القيامة عمّا افتوا، على أن الشيخ ﵀ لا يقصد قطعا هذه القاذورات التى نتعاطاها اليوم.
[ ١٩٣ ]
قال البيهقى ﵀: ولهذا يذكره بعضهم عند مقدمه ﷺ المدينة من مكة «١» لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك.
هذا كلامه، ولا مانع من تعدد ذلك.
واحتمل أبو أيوب (خالد بن زيد الأنصارى ﵁) رحله بإذنه ﷺ، وأدخله بيته ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب جدّ النبى ﷺ، وأراده قوم في النزول عليهم، فقال: «المرء مع رحله» فأقام ﷺ عند أبى أيوب حتّى بنى مسجده ومساكنه، وكان بناؤه من اخر ربيع الأوّل إلى شهر صفر من السنة القابلة، أى وذلك اثنا عشر شهرا، وقيل: مكث ببيت أبى أيوب سبعة أشهر، وكان قبله يصلى حيث أدركته الصلاة، وبناه هو والمهاجرون والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، وكان موضع المسجد مربدا- أى محلا لتجفيف التمر- لسهل وسهيل ابنى عمرو (يتيمين في حجر أسعد بن زرارة أو معاذ بن عفراء) فدعا الغلامين فساومهما المريد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما بعشرة دنانير أدّاها من مال أبى بكر الصديق ﵁، ولعل إطلاق اليتم عليهما باعتبار ما كان ان صدور البيع منهما، وقيل: بل كان الموضع لبنى النجار، وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل، فأراد النبى ﷺ أن يشتريه من بنى النجار، فقال لهم: «ثامنونى حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطع، فصفّوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتاه* حجارة، ثم بناه باللّبن، وسقفه بالجريد، وجعل عمده من خشب النخل «٢» .
[مسألة: الرسول ﷺ والشّعر]
وكان ﷺ ينقل اللّبن** معهم في ردائه حتّى اغبرّ صدره الشريف، وصار يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر
_________________
(١) وهو الحق الذى لا ريب فيه.
(٢) قال ﵊: «عريشا كعريش موسى، وخشيبات، والأمر أعجل من ذلك» (رواه المخلّص في فوائده، وابن النجار عن أبى الدرداء) . * الصواب: عضادتيه. ** أى الطوب اللبن.
[ ١٩٤ ]
أى هذا المحمول من الطين أبرّ وأطهر يا ربّنا، لا ما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب. وعمل فيه المسلمون. والمحرّم عليه ﷺ من الشعر إنما هو إنشاؤه:
(أى الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه) وهذا هو المعنىّ بقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: ٦٩] فإن فرض وقوع الكلام موزونا منه ﷺ لا يكون ذلك شعرا متعارفا؛ لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه، والغالب عليه ﷺ أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله، لا يأتى به موزونا.
وعن عائشة ﵂ لمّا قيل لها: هل كان رسول الله ﷺ يأتى بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثّل ويجعل أوّله اخره، واخره أوّله، أى غالبا، كأن يقول: * ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار* ويقول: * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا*
أى وذلك قول سحيم عبد بنى الحسحاس، شاعر مشهور مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام:
* كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا*
ولما غيّر ذلك رسول الله ﷺ قال له الصدّيق ﵁: إنما قال الشاعر كذا، فأعاد ﷺ كالأوّل، فقال الصدّيق: أشهد أنّك رسول الله (وما علّمناه الشعر) .
وقد قيل له ﷺ: من أشعر الناس؟ قال: الذى يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطّيّب طيبا
الأصل: [وجدت بها طيبا وإن لم تطّيّب] وعن الخليل: كان الشعر أحبّ إليه ﷺ من كثير من الكلام، وهذا لا يخالف قول عائشة ﵂: «كان أبغض الحديث إليه ﷺ الشعر»، لأن المراد بالشعر الذى يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق، والذى يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو، ونحو ذلك، ومن ثم قيل: «الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح» .
وقد كان له ﷺ شعراء مثل: عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن
[ ١٩٥ ]
ثابت، وفي الجامع الصغير: «الشعر بمنزلة الكلام؛ فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» .
وقد كان ﷺ يسمع الشعر ويستنشده، فقد ذكر بعضهم أنه ﷺ كان يستنشد الخنساء (أخت صخر لأمه)، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: «هيه يا خناس»، ويوميء بيده. وكذلك سمع الشعر من النابغة الجعدى حين دخل عليه، وأنشده:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل «١» إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد القوم أصدرا «٢»
فقال له النبى ﷺ: «لا فضّ الله فاك» .
وسماعه ﷺ قصيدة كعب بن زهير، وإجازته عليه بالبردة الشريفة أدلّ دليل على عدم كراهته للشعر المباح.
وقال بعضهم: أجمع أهل العلم بأنه لم تكن امرأة قبل الخنساء ولا بعدها أشعر منها، ومن شعرها في أخيها المذكور:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر النّدي
طويل النجاد عظيم الرّماد وساد عشيرته أمردا
وللجلال السيوطى كتاب سمّاه: «نزهة الجلساء في أشعار الخنساء» .
وقال ابن عباس ﵄: «إذا خفى عليكم شيء من غريب القران فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب»، وفي كلام عمر ﵁:
«أفضل صناعات الرجل نعم الأبيات من الشعر يقدّمها في صدر حاجته، فيستعطف بها قلب الكريم، ويستميل بها لؤم اللئيم» .
_________________
(١) غضب.
(٢) أورد: أحضر إبله إلى الماء ليسقيه. أصدر: انصرف عن الماء بعد أن سقى إبله.
[ ١٩٦ ]
وفي كتاب «تحقيق النصرة» للزين المراغي: قيل: وضع ﷺ رداءه وهو في يثرب، فوضع الناس أرديتهم وهم يقولون:
لئن قعدنا والنبيّ يعمل ذاك إذن للعمل المضلّل
واخرون يقولون:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا
* ومن يرى عن التراب حائدا*
ويروى عن عثمان بن مظعون ﵁ أنه كان رجلا متنظفا- أى مترفّها- فكان إذا حمل اللبنة يجافى بها عن ثوبه لئلا يصيبه التراب، فإن أصابه شيء من التراب، نفضه، فنظر إليه علي بن أبى طالب ﵁، وأنشد يقول: - أي مباسطة مع عثمان بن مظعون، لا طعنا فيه-:
* لا يستوى من يعمر المساجدا* يدأب فيها إلخ*
وكان عثمان هذا ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: «لا أشرب شرابا يذهب عقلى ويضحك بى من هو أدنى منّي» .
وجعل ﷺ قبلة المسجد لبيت المقدس إلى أن حوّلت في السنة الثانية، وجعل طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعل له أربعة أبواب من جهتي المشرق والمغرب؛ فمن جهة المشرق باب جبريل، وباب النساء، ومن جهة المغرب باب السلام وباب الرحمة، وبنى بيتين إلى جنبه باللبن، وسقفهما بجذوع النخل والجريد.
ثم تحوّل ﵊ من دار أبى أيوب إلى مساكنه التى بناها.
هجرة بقايا المسلمين من مكة:
وبعث النبيّ ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع ببعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة،
[ ١٩٧ ]
فقدما بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأسامة بن زيد «١»، وأم بركة المكناة «أم أيمن»، وخرج عبد الله بن أبى بكر رضى الله تعالى عنه معهم بعيال أبيه، وأمّا علي بن أبى طالب ﵁ فكان أقام بعد خروج النبى ﵊ بثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء، قال علي بن أبى طالب ﵁، كما أخرجه عنه ابن عساكر: «ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد سيفه وتنكّب قوسه، وانتضى في يده سهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاب سبعا، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى خلفهم، وقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، ويؤتّم ولده، وترمّل زوجته، فليلقنى وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد؛ لأنهم كانوا يردّون من أراد الهجرة ويسجنونه. وكان صحيح الإيمان يجتهد في اللحاق بالنبى ﷺ، كما وقع ليحيى بن ضمرة الجندعى لما بلغه خروج النبى ﷺ قال: لا عذر لى في مقامى بمكة، وكان مريضا، فأمر أهله فخرجوا به إلى التنعيم، فمات، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] وأوّل كلمة سمعت منه ﷺ لما قدم المدينة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» «٢» .
وكان ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، وفي لفظ «يسند ظهره إليه إذا تكلم يوم الجمعة أو حدث أمر يريد أن يكلّم الناس فيه» فقال له الناس: يا رسول الله، قد كثر الناس (يعنى المسلمين) وإنهم يحبون أن يروك فلو اتخذت منبرا لقدر قيامك تقوم عليه فيراك الناس، قال: نعم، قال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (ولم يقل إن شاء الله)، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (ولم يقل إن شاء الله)، قال: ما
_________________
(١) فى الأصل «وأسامة بنت زيد»، والذى في السيرة الحلبية: «وأم أيمن حاضنته ﷺ زوج زيد بن حارثة وابنها أسامة بن زيد» . (انظر ص ٨٥ ج ٢)
(٢) وورد بالإفراد: «أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وصلّ بالليل والناس نيام، وادخل الجنة بسلام» رواه أحمد، والحاكم، وابن حبان، وللحديث ألفاظ أخرى ورواة اخرون.
[ ١٩٨ ]
اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، فقال: تجعله؟ قال: نعم، إن شاء الله، قال: ما اسمك؟
قال: باقوم، وكان قبطيا، قال: اجعله. فجعله، فصنع له المنبر ثلاث درجات بينه وبين الحائط ممر «١» الشاة. فلما كان أيام معاوية جعل المنبر ست درجات، وحوّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ.
وحنين الجذع الذى كان يخطب عليه ﷺ حديث متواتر، رواه من أصحاب رسول الله ﷺ الجمع الكثير، وإلى حنين الجذع أشار الإمام السبكى في تائيته بقوله:
وحنّ إليك الجذع حين تركته حنين الثّكالي عند فقد الأحبّة
وأشرقت المدينة بقدومه ﷺ فيها، وسرى السرور بحلوله ﷺ.
قال أنس بن مالك ﵁: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شيء.
وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم برسول الله ﷺ، وصعدت ذوات الخدور على الأسطحة لقدومه «٢» ﷺ يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع «٣»
وجب الشّكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
_________________
(١) أى قدر مرور شاة حوالى نصف متر.
(٢) فى الأصل: «من قدومه» .
(٣) ثنية الوداع: موضع، وهى ثنية مشرفة على المدينة- والثنية في الأصل: كل عقبة مسلوكة في جبل- دخلها النبى ﷺ عند خروجه من قباء. ولما أراد بناء المسجد الشريف- مسجد قباء- قال: يا أهل قباء. إيتونى بأحجار من الحرّة، فجمعت عنده أحجار كثيرة، فخطّ القبلة وأخذ حجرا فوضعه، ثم قال: يا أبا بكر خذ حجرا، فضعه إلى جنب حجري، ثم قال: يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبى بكر، ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر. فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «أمر الخلافة» (رواه الحاكم وصحّحه) .
[ ١٩٩ ]
وسمّيت «ثنية الوداع» لأن المسافر من المدينة كان يشيّع إليها، ويودّع عندها قديما، وهى موضع بين مكة والمدينة. وقال ﷺ: «اللهم حبّب لنا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعها ومدّها «١»» .
والبركة حاصلة لها؛ لأنها النموّ والزيادة في نفس المكيل بحيث يكفى المدّ بها ما لا يكفى في غيرها، وهذا محسوس لمن سكنها. ولمسلم: «اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين» . وله أيضا:
«اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنه دعا لمكة، وأنا أدعو للمدينة بمثل ما دعاك لمكة» .
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: كان ﷺ يؤتى بأول التمر فيقول:
«اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارها، وفي مدّنا، وفي صاعنا بركة مع بركة. ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان» .
وجاء: «إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها «٢» (ويأرز بكسر الراء أى ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض) وفي رواية «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، يأرز كما تأرز «٣» الحية إلى جحرها» .
ومكة أفضل من المدينة؛ لأن مكة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهذا قول الجمهور، وعند الإمام الشافعى مكة أفضل من المدينة، وحكى عن مالك ومطرف وابن حبيب- من أصحابه- لكن
_________________
(١) وردت في هذا عدة أحاديث، منها قوله ﷺ: «اللهم إن إبراهيم حرّم مكة فجعلها حراما، وإنى حرّمت المدينة- ما بين مأزميها- ألا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين. والذى نفسى بيده ما في المدينة من شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا» رواه مسلم.
(٢) فى الأصل: «إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها ويأزر بكسر الزاي، ولفظ الحديث الشريف كما أثبتناه: «يأرز» من الأرز»، وهو الانضمام والاجتماع بعضه إلى بعض كما فى المختار، والحديث متفق عليه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبى هريرة.
(٣) أصلحناه أيضا كما مر.
[ ٢٠٠ ]
المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، وقد رجع عن هذا القول أكثر المصنفين من المالكية، واستثنى القاضى عياض البقعة التى دفن فيها النبى ﷺ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض. وأنشد بعضهم:
جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفي وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنفس حين زكت زكا مأواها
وزاد بعضهم بعد هذين البيتين:
وبهذه ظهرت مزيّة طيبة فغدت وكلّ الفضل في مغناها
حتي لقد خصّت بروضة جنة الله شرّفها بها وحباها
ما بين قبر للنبىّ ومنبر حيّا الإله رسوله وسقاها
ورجّح بعضهم المدينة؛ لأن ميل كل نفس حيث حلّ حبيبها «١» كما قال بعضهم:
عليّ لربع العامرية وقفة ليملي عليّ الشوق والدمع كاتب
ومن مذهبي حبّ الديار لأهلها وللناس فيما يعشقون مذاهب
ولما هاجر ﷺ وأكثر اليهود يستقبلون بيت المقدس، وأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، فرحت اليهود، فاستقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت الاية، قَدْ نَرى
_________________
(١) ولأن النبى ﷺ قال- فيما رواه ابن عساكر عن أبى سعيد: «الناس تبع لكم يا أهل المدينة في العلم» وبطبيعة الحال لا يكون التابع أفضل من المتبوع، ذلك لأن المدينة انتشر منها العلم وفتوحات الإسلام، والله سمّاها الإيمان في قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ. على أن في مذهبى وعقيدتى أن المفاضلة بين مكة والمدينة متعذرة، فهذه فيها مولد رسول الله ﷺ، وتلك فيها وفاته، وكلا البلدين حرم امن. وقد قال رسول الله ﷺ في المدينة: «إنها حرم امن، إنها حرم امن» رواه الإمام أحمد ومسلم عن سهل بن حنيف، وقال الله في مكة المشرفة: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وليس وراء المفاضلة ما يفيد الناس، وإن كان المتفق عليه من جميع أهل العلم أن البقعة التى ضمت جسد رسول الله ﷺ هى أفضل بقعة في الأرض والسماء.
[ ٢٠١ ]
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٤] .
[فرق اليهود]:
ثم إن اليهود افترقوا فرقا كثيرة، ولكن المشهور من فرقهم ثلاث: الربّانيون، والقراؤون، والسامريون، وهؤلاء مجمعون على نبوة موسى وهارون ويوشع ﵈، وعلى التوراة وأحكامها، وإن كان فيها تحريف الكلم عن مواضعه، لكنهم يستخرجون منها ستمائة وثلاث عشرة فريضة يتعبدون بها. وينفرد الربّانيون والقرّاؤون عن السامرة بنبوّات أنبياء غير الثلاثة المذكورة، وينقلون عنهم تسعة عشر كتابا، ويضيفونها إلى خمسة أسفار التوراة، ويعبرون عن الأربعة وعشرين كتابا بالنبوات، وهى على مراتب:
الأولى: التوراة، وهى خمسة أسفار.
الأوّل: يذكر فيه بدء الخليقة والتاريخ من ادم إلى يوسف ﵉.
والثاني: يذكر فيه استخدام المصريين لبنى إسرائيل، وظهور موسى ﵇ وهلاك فرعون، ونصب قبة الزمان، وأحوال التيه، وإمامة هارون ﵇، ونزول العشر كلمات، وسماع القوم كلام الله ﷾.
والثالث: يذكر فيه تعليم القرابين بالإجمال.
والرابع: يذكر فيه عدد القوم، وتقسيم الأرض عليهم بالقرعة، وأحوال الرسل الذين بعثهم موسى ﵇ إلى الشام، وأخبار المنّ والسلوى والغمام.
والخامس: إعادة أحكام التوراة بتفصيل المجمل، وذكر وفاة هارون، ثم موسي، وخلافة يوشع عليه وعليهما السلام.
المرتبة الثانية: أربعة أسفار: تدعى الأولي:
أولها: ليوشع ﵇، يذكر فيه ارتفاع المنّ وأكلهم الغلال بعد تقريب القربان، ومحاربة يوشع الكنعانيين، وفتحه البلاد، وتقسيمها بالقرعة، ووفاته.
وثانيها: يعرف بسفر الحكّام، فيه أخبار قضاة بنى إسرائيل في البيت الأوّل.
وثالثها: لشمويل ﵇، فيه نبوّته وملك طالوت وقتل داود جالوت.
ورابعها: يعرف بسفر الملوك، فيه أخبار ملك داود وسليمان ﵉
[ ٢٠٢ ]
وغيرهما، وانقسام الملك بين الأسباط، والملاحم، والجلاء الأوّل، ومجيء بختنصر وخراب بيت المقدس.
المرتبة الثالثة: أربعة أسفار تدعى: الأخيرة:
فأوّلها: لشعيا ﵇ يذكر فيه توبيخ الله تعالى لبنى إسرائيل، والإنذار بما يقع، وبشرى الصابرين، وإشارة إلى البيت الثاني، والخلاص على يد كورش الملك.
وثانيها: لأرميا ﵇، يذكر فيه خراب البيت بالتصريح، والهبوط إلي مصر.
وثالثها: لحزقيل ﵇، ويذكر فيه حكم طبيعية وفلكية ومرموزة، وشكل بيت المقدس، وأخبار يأجوج ومأجوج.
ورابعها: اثنا عشر سفرا: فيها إنذارات بجراد، وزلازل وغيرها، وإشارة إلى المنتظر والمحشر، ونبوة يونس ﵇، وغرقه وابتلاع الحوت له، وتوبة قومه، ومجئ عدوّه، وصلاة حبقوق، ونبوّة زكريا ﵇، وإشارات إلى اليوم العظيم، وبشارة بورود الخضر ﵇.
المرتبة الرابعة: تدعى: الكتب، وهى أحد عشر سفرا:
أولها: تاريخ من ادم إلى البيت الثاني، ونسب الأسباط وقبائل العالم.
وثانيها: مزامير داود ﵇، وعدّتها مائة وخمسون مزمورا، ما بين طلبات وأدعية عن موسى ﵇ وغيره.
وثالثها: قصة أيوب ﵇، وفيه مباحث كلامية.
ورابعها: أمثال حكمية عن سليمان ﵇.
وخامسها: أخبار الحكام قبل الملوك.
وسادسها: نشائد عبرانية لسليمان ﵇: مخاطبات بين النفس والعقل.
وسابعها: يدعى جامع الحكمة لسليمان ﵇، فيه الحث علي طلب الذات العقلية الباقية، وتحقير الجسمية الفانية، وتعظيم الله تعالى والتخويف منه.
[ ٢٠٣ ]
وثامنها: يدعى النّواح لأرميا ﵇، وفيه خمس مقالات، علي حروف المعجم، وندب على البيت.
وتاسعها: فيه ملك ذي النون.
وعاشرها: لدانيال ﵇، فيه تفسير منامات بختنصّر وولده، ورموز علي ما يقع في الممالك، وحال البعث والنشور.
والحادى عشر: لعزير ﵇؛ فيه صفة عود القوم من أرض بابل إلي البيت الثاني وبناؤه.
وينفرد الربانيون بشروح لفرائض التوراة وتفريعات عليها، ينقلونها عن موسي ﵇.
ولله درّ ابن سهل الإسرائيلى الأسلمى حيث يقول:
تسلّيت عن موسى بحبّ محمّد هديت، ولولا الله ما كنت أهتدي
وما عن قلي قد كان ذاك وإنما شريعة موسي عطّلت بمحمد
* ثم لما استقر ﷺ بالمدينة، وأظهرت أحبار اليهود العداوة للنبى ﷺ بغيا وحسدا، وانضم إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج منافقون منهم «عبد الله بن أبيّ بن سلول» رئيس المنافقين، واجتمع عليه أصحابه) وقاموا بنصرته، وصارت المدينة لهم دار إسلام، شرع الله جهاد الأعداء، ومن هذا الوقت ظهرت الغزوات.
[ ٢٠٤ ]
الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا
[الإذن بالقتال:] ولما مكث ﷺ بضع عشرة سنة يدعو إلي الله بغير قتال، صابرا على إيذاء العرب بمكة، واليهود بالمدينة له ولأصحابه؛ لأمر الله له بالصبر، ووعده له بالفتح، أذن له بالقتال لكن لمن قاتله بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٣٩] الاية ولما نزلت أخبر ﷺ بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله» المراد مع «محمد رسول الله»، وقد يكتفى بالجزء الأوّل عن كلمتى الشهادة، أي عن التعبير بجميعهما؛ لأنه صار شعارا لجميعهما، فحيث قيل «كلمة الشهادة»، أو «كلمة الإخلاص» أو «قول لا إله إلا الله» فهو «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي لفظ: «حتى يشهدوا ألاإله إلا الله وأنى محمد رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم علي الله تعالى»، قيل. وما حقها؟ قال: «زنا بعد إحصان، وكفر بعد إسلام، أو قتل نفس» «١» .
وهي الكلمة العالية والشريعة الغالبة، من استمسك بها فقد سلم، ومن اعتصم بعصمتها فقد عصم، لقوله ﷺ: «فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها » هذا توقيع العصمة الدنيوية، وأما توقيع العصمة الاخروية ف «من قال لا إله إلا الله دخل حصني، ومن دخل حصنى أمن من عذابي» «٢» .
والأمر الذى أخبر عنه) هو قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] .
قال بعضهم: وهي أوّل اية نزلت في شأن القتال.
وظاهر هذا السياق يقتضى أن الاية فيها الأمر له ﷺ بالقتال المذكور، وقد
_________________
(١) رواه البخارى، ومسلم، والنسائي، وأبو داود عن أبى هريرة، والبخارى ومسلم عن ابن عمر، والنسائى عن أبى بكرة، والحاكم وابن ماجه عن أبي هريرة. وللحديث ألفاظ مختلفة بمعنى واحد. وهو حديث متواتر.
(٢) الحديث القدسى عن الله ﷾: رواه ابن النجار.
[ ٢٠٥ ]
يتوقف في ذلك، ولعله أمر بذلك بغير الاية المذكورة؛ لأن الاية ظاهرها الإباحة، والمباح ليس مأمورا به، ثم أبيح الابتداء بالقتال حتّى لمن لم يقاتل، لكن في غير الأشهر الحرم التى هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] .
ثم أمر به وجوبا بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة مطلقا من غير تقييد بشرط ولا زمان، بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] أي جميعا في أي زمن، فعلم أن القتال كان قبل الهجرة وبعدها إلي صفر من السنة الثانية محرّما؛ لأنه ﷺ كان في أثناء ذلك مأمورا بالتبليغ، وكان التبليغ إنذارا بلا قتال؛ لأنه نهى عنه، قيل في نيف وسبعين اية، ثم صار مأذونا في قتال من قاتل، ثم أبيح قتال من لم يبدأ بالقتال في غير الأشهر الحرم، ثم أمر بالقتال مطلقا لمن قاتل ومن لم يقاتل في أىّ زمن، سواء في الأشهر الحرم وغيرها، وقيل: إن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به، لا مباحا، كالحالة الأولي.
ثم استقر أمر الكفار مع ﷺ) بعد نزول «براءة» * علي ثلاثة أقسام:
الأوّل: محاربون له ﷺ، وهؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم علي الكفاية في كل عام مرة، أي يكفى ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، واستدل لذلك بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] أي فهّلا نفر، وقيل: فرض كفاية «١» فى حق الأنصار، وفرض عين «٢» في حق المهاجرين.
الثاني: أهل عهد، وهم المؤمّنون من غير عقد الجزية، أى الذين صالحهم ووادعهم على ألايحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّه، وهم على كفرهم، امنون علي دمائهم وأموالهم وأنفسهم؛ لأنه ﷺ قال: «من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» «٣» .
_________________
(١) * سورة التوبة.
(٢) فرض الكفاية: هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الاخرين.
(٣) فرض العين: هو الفرض علي كل المسلمين لا يسقط بأداء البعض له.
(٤) وقال ﷺ: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» رواه الإمام أحمد وكثيرون غيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٢٠٦ ]
الثالث: أهل ذمة، وهم من عقدت لهم الجزية.
وهناك قسم اخر، وهو: من دخل في الإسلام تقيّة من القتل، وهم المنافقون، وكان ﷺ يأمر أن تقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، فكان معرضا عنهم، إلا فيما يتعلق بشعائر الإسلام الظاهرة، كالصلاة؛ فلا يخالف ما رواه الشيخان: «لقد هممت أن امر بالصلاة فتقام، ثم امر رجلا فيصلّى بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلي قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» . فإن هذا الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة، ولا يصلّون أصلا، بدليل السياق؛ لأن صدر الحديث: «أثقل الصلاة علي المنافقين صلاة العشاء والفجر، (أي جماعتهما)، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت إلى اخره» «١» .
وكان الجهاد في عهده ﷺ فرض عين، وقيل فرض كفاية، وكان إذا غزا بنفسه يجب على كل أحد الخروج معه لقوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ١٢٠]، ومن ثمّ وقع لمن تخلّف عنه في غزوة تبوك ما وقع. وقد غزا ﷺ بنفسه.
وأما بعده «٢» ﷺ فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه.
_________________
(١) ورواه أيضا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي هريرة.
(٢) أى بعد وفاته ﷺ.
[ ٢٠٧ ]