الفصل الأوّل فى مولده الشريف، ونسبه المنيف «١» . ورضاعه، وكفالته
آباؤه:
هو أبو القاسم: محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار «٢» بن معد بن عدنان، الذى قيل فيه:
وكم أب قد علا با بن له شرف كما علا برسول الله عدنان
وهذا مما لا اختلاف فيه من الاباء، وما فوق ذلك مختلف فيه.
ولا خلاف في أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﷺ، وإنما الخلاف في عدد ما بين عدنان وإسماعيل من الاباء، فمن مقلّ ومكثر، وكذلك من إبراهيم إلى ادم عليهما الصلاة والسلام، ولا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله تعالى.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انتهى في
_________________
(١) المنيف: المشرف على غيره.
(٢) وقال ﷺ: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلنى الله في خيرهما؛ فأخرجت من بين أبوي، فلم يصبنى شيء من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن ادم حتّى ولدني أبى وأمي، فأنا خيركم نفسا وخيركم أبّا» رواه البيهقى (فى دلائل النبوة) ورواه الحاكم في تاريخه، والديلمي، وابن عساكر عن أنس ﵁.
[ ١٩ ]
النسب إلى معد بن عدنان أمسك وقال: «كذب النسّابون؛ قال الله تعالى وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا «١»» .
وقد أجمع النسابون (العدنانية والقحطانية والأعاجم) علي أن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ من ولد سام بن نوح، وأنّ عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉؛ فانتهاء النسب إلى إسماعيل كثير النسل العديد، وذى النبوة العظمى والملك الشديد، متفّق عليه كمال الاتفاق.
وأما أمه ﷺ فهي: امنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، فتجتمع امنة بنت وهب مع زوجها عبد الله بن عبد المطلب في كلاب بن مرة، ويفترقان من ولده. فعبد الله من ولد قصى بن كلاب بن مرة، هاشميّ، وامنة بنت وهب من ولد زهرة بن كلاب بن مرة، فهى قرشية زهرية.
طهارة نسبه ﷺ:
وهو ﷺ مصباح الكون وضياؤه، وخير بنى ادم؛ لأنه من نور الله «٢» فإن الله ﷿ حين خلق ادم ﵇ وأكمل نشأته واستخرج في عالم الذرّ من ظهره ذريته، وأشهداهم علي أنفسهم «٣» لاحت أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكان نور نبينا محمد ﷺ أشرقها صباحا، وأنورها مصباحا، فلم يزل نوره ﷺ رأي العيان في كل الأزمان، ينتقل باهر الضياء من خير الاباء إلى خير الأبناء، حتى انتهى إلى كبير مكة وقريش في الجاهلية: عبد المطلب بن هاشم، ثم إلى أبيه عبد الله الذّبيح الثانى والد نبينا محمد أبى القاسم أشرف الناس
_________________
(١) رواه سعد وابن عساكر عن ابن عباس. قال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: ٣٧- ٣٨] .
(٢) نسبه الخلق إلى الخالق، لا أن الله نور هو جزء منه، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
(٣) اقرأ الاية: ١٧٢ من سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
[ ٢٠ ]
نسبا، عجما وعربا، ذى القدر العليّ والفضل الجليّ، ابن الذبيحين «١» وصاحب النسبتين من الأبوين: بنى هاشم وبنى زهرة، الذى نقله الله من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة العفيفة، كما جاء عنه ﵊ أنه قال: «ما ولدتنى بغيّ قط منذ كنت في صلب ادم، فلم تزل تناز عنى الأمم (أى تتنازعني) كابرا عن كابر، حتى خرجت في أفضل حى في العرب: هاشم وزهرة» «٢» فأبوه من بنى هاشم، وأمه من بنى زهرة.
ما زال نور محمد متنقلا في الطيّبين الطاهرين ذوي العلا
حتي لعبد الله جاء مكمّلا ولبنت وهب قد علا متهلّلا
وهو ﷺ ذو نسب: إبراهيم خليل الله دعامه، وإسماعيل سنامه، وكنانة زمامه، وقريش نظامه، وهاشم تمامه، قال ﷺ: «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار» «٣» وقال الشاعر:
نسب أضاء وشمسه من هاشم وسماؤه من يعرب ونزار
من معشر ورثوا السيادة كابرا عن كابر فهم كبار كبار
ومن كلام عمه أبى طالب:
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر فعبد مناف سرّها وصميمها
وإن حصلت أنساب عبد منافها ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإنّ محمدا هو المصطفي من سرّها وكريمها
_________________
(١) رواه ابن مردويه والثعلبى في تفسيريهما، والخلعى في الفوائد، وذكره الزمخشرى في الكشاف.
(٢) رواه ابن عساكر عن أبى هريرة ولفظه كما في الجامع الكبير للسيوطي: «ما ولدتنى بغى قط منذ خرجت من صلب ادم، ولم تزل تنازعنى الأمم كابرا عن كابر حتّى خرجت من أفضل حيين من العرب: هاشم وزهرة» . وقال ﵊: «ما ولدنى من سفاح أهل الجاهلية شيء: ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام» . متفق عليه، ورواه الطبراني وابن عساكر عن ابن عباس.
(٣) ولفظ الترمذى عن واثلة بن الأسقع قال: قال ﵊: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كناية قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» .
[ ٢٢ ]
[مولده]:
ولد ﷺ يوم الاثنين «١» حين طلع الفجر، وهو وقت البركة كما قال ﷺ:
«بورك لأمتى في بكورها» «٢» لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل على المشهور. واختلف في عام ولادته ﷺ؛ فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس، وحكي الاتفاق عليه، قيل: وكل قول يخالفه وهم، والمشهور أنه بعد الفيل بخمسين يوما، وإليه ذهب السهيلى في جماعة، وقيل غير ذلك. ويوم الاثنين كانت هجرته ووفاته، وكذا الإسراء «٣» به، قيل: وابتداء نبوته، فلهذا صارت أيامه مبتسمة الثغور ولياليه مشرقة بالنور. وكان ﷺ معتدل الخلق والخلق كما هو مشهور، وكانت ولادته في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان، وهو لقب لكل من ملك الفرس. وموضوعيّة* حديث «أنا ولدت في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان» لا تمنع من وصف كسرى بالعدل، فقد ذكر الغزالى رحمه الله تعالى في كتاب «السير والسلوك إلى مالك الملوك» أن الخالق جلت قدرته أرسل نبيه في أسعد وقت وأوان، فيه خير الملوك؛ فكان الملك في ذلك الزمان كسرى أنوشروان، وأنه فاق جميع الملوك بعدله وسياسته، وذلك كله
_________________
(١) وقال الخوارزمى: «ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين ٨ من ربيع الأوّل عام ١ من الفيل- وبعث ﷺ يوم الاثنين ٨ من ربيع الأوّل عام ٤٠ من الفيل- من مولده إلى مبعثه أربعون عاما ويوم واحد- من مبعثه إلى أوّل المحرم من السنة التى هاجر فيها ١٢ عاما وتسعة أشهر وعشرون يوما (وثلاث وخمسون سنة تامة من أوّل عام الفيل) - خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين ٨ من ربيع الأوّل عام ٥٤ من الفيل- انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم الإثنين أوّل ربيع الأوّل سنة ١٠ هجرية» اهـ. ما قاله الخوارزمى ملخصا. انظر الاستيعاب لابن عبد البر- وعن ابن عباس: «ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وكانت وقعة بدر يوم الاثنين» هذا ما روى عن ابن عباس، والمعروف المشهور أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة والله أعلم.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط عن أبى هريرة، وعبد الغنى في الإيضاح عن ابن عمر.
(٣) أسرى به ﷺ يوم الإثنين، وقال الزهري: كانت الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة بن الزبير، وقال السدي: بستة عشر شهرا. * أى كونه حديثا موضوعا.
[ ٢٣ ]
ببركة قدوم سيد الكائنات وأشرف الموجودات؛ فوصف كسرى بالعدل، وإطلاق العدل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يدعى به في زمنه، لا لوصفه بالعدل والشهادة له بذلك؛ فإنه كان يحكم بغير حكم الله، أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفرس فيه أنه كان عادلا كما قال تعالى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود: ١٠١] أى ما كان عندهم الهة، ولا يجوز أن يسمّى رسول الله ﷺ من يحكم بغير حكم الله عادلا، وهذا على فرض صحة الحديث، والحق أنه كذب لا أصل له كما نقله الحفّاظ من المتقدمين والمتأخرين.
وكان مولده ﷺ بالشّعب؛ وهو شعب بنى هاشم (مكان معروف عند أهل مكة يخرجون إليه في كل عام يحتفلون بذلك أكثر من احتفالهم يوم العيد إلى يومنا هذا، فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج) «١» .
[أسماؤه ﷺ]:
وهو ﷺ دعوة إبراهيم ﵇ حين بنى الكعبة دعا لأهل مكة فقال:
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩]، وبشرى عيسى ﵇ في قوله تعالى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] وأخرج من حديث عمرو بن مرة قال: خمسة تسموا قبل أن يكونوا: محمد بقوله:
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، ويحيى بقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم: ٦]، وعيسى بقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ال عمران: ٣٩] وإسحاق ويعقوب بقوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] . وإنما سمى في بشارة عيسى باسم أحمد مع أن اسمه الذى سماه به جده عبد المطلب محمد؛ رجاء أن يحمد في السموات والأرض، وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه؛ لأن أحمد في الحقيقة أبلغ من محمد، كما
_________________
(١) ذكر محب الدين الطبرى المكى في كتابه «القرى لقاصد أم القري، فى ص ٦٦٤ قال: «كان عقيل بن أبى طالب قد استولى على بيت النبى ﷺ زمن الهجرة، فلم يزل بيده ويد ولده حتي باعوه لمحمد بن يوسف (أخى الحجاج الثقفي) فأدخله في داره التي يقال لها البيضاء، ثم تعرفت بدار ابن يوسف، ولم يزل ذلك كذلك حتّى حجت الخيزران (جارية المهدي) فجعلته مسجدا يصلّى فيه، وأخرجته من الدار إلى الزقاق الذي يقال له «زقاق المولد» . اهـ وهو الان مكتبة عامة.
[ ٢٤ ]
أن أحمر وأصفر أبلغ من محمّر ومصفر، قال ﷺ: «لى خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس علي قدمي، وأنا العاقب الذى ليس بعدي نبي» «١» وقد سمّاه الله رؤفا رحيما «٢» .
وقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس اليعمرى فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله ﷺ من قصيدة له فقال:
وحلّاه من حسني أساميه جملة أتي ذكرها في الذكر: ليس يبيد
وفي كتب الله المقدس ذكرها وفي سنّة تأتي بها وتفيد
رؤف رحيم فاتح ومقدّس أمين قوي: عالم وشهيد
وليّ شكور صادق في مقاله عفو كريم بالنّوال يعود
ونور وجبار وهاد من اهتدي ومولي عزيز ليس عنه محيد
بشير نذير، مؤمن ومهيمن خبير عظيم: بالعظيم يجود
وحقّ مبين اخر أوّل سما إلى ذروة العلياء وهو وليد
فاخر أعني اخر الرسل بعثة وأوّل من ينشقّ عنه صعيد
أسام يلذ السمع إذ هي عدّدت نعوت ثناء والثناء عديد
ومن أسمائه ﷺ: طه، يس، والمزّمل، والمدثر «٣» وعبد الله، فى قوله تعالى:
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [الجن: ١٩]، ونبى التوبة ونبى الرحمة «٤»، ومذكّر في
_________________
(١) وللحديث ألفاظ وروايات مختلفة ذكرها السيوطى في جامعه ص ٣٣١ ج ١ مخطوط، ومن رواتها البغوى في الجعديات، والباوردى والحاكم والطبراني عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، والترمذى في الشمائل، وابن سعد عن مجاهد مرسلا: كلّ بروايته وسنده. وكثرة الروايات دليل صحة الحديث، والحمد لله رب العالمين.
(٢) في اخر سورة التوبة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.
(٣) فى قوله تعالى: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى - يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ- يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
(٤) من قوله ﷺ: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبى التوبة، ونبى الرحمة، رواه الإمام أحمد والإمام مسلم عن أبى موسى الأشعري، زاد الطبراني: «ونبى الملحمة» .
[ ٢٥ ]
قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: ٢١]، إلى غير ذلك من الأسماء.
روى الترمذى عن ابن عباس ﵄ قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهم ينتظرون خروجه، قال: فخرج حتّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله ﵎ اتخذ من خلقه خليلا: اتخذ إبراهيم خليلا، وقال اخر: ماذا بأعجب من كلام موسي: كلّمه تكليما، وقال اخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه، وقال اخر:
ماذا بأعجب من ادم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فسلّم رسول الله ﷺ على أصحابه، وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم؛ إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وإن موسى نجيّ الله، وإن عيسى روح الله وكلمته، وإن ادم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد الأوّلين والاخرين ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر، «١» انتهي، فقوله ﷺ «ألا وأنا حبيب الله» أراد ﷺ المحبة العامة التى منها توحيد المحبة، وهى الخلّة الخاصة؛ فهو ﷺ حبيب وخليل، حيث تخللت المحبة الموجدة في جميع أجزاء روحه ﷺ كما قيل:
قد تخلّلت موضع الرّوح منّي وبذا سمّي الخليل خليلا
لا سيما وأنه قد صحّ أن الله اتخذ نبينا خليلا، فحصل له من الإنعام الحبّ العام على الخاص والعام، كما قيل:
خللت بهذا خلّة بعد خلّة بذلك طاب الواديان كلاهما
فلا نظر لزعم من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل؛ محتجّا بأن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وقد علمت ما يفيد خلاف ذلك، لما صحّ عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» وفي الحديث
_________________
(١) وقد ذكره السيوطى في جامعه ص ٦٠٣ ج ١ من رواية الترمذى عن ابن عباس.
[ ٢٦ ]
«لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا» «١» فلم يتخذ أبا بكر إلا حبيبا، على أن المحبة في ذاتها أفضل من الخلة كما هو التحقيق؛ لما أن الحبيب من يحب بلا امتحان، والخليل من يمتحن ليحب، ولأنه ﷺ يوصف بالحبيب وإن كان خليلا، وإبراهيم ﵇ يوصف بالخلة وهو حبيب، لصدق تعريف الحبيب عليه. ولأهل الإشارة* مشرب اخر حسن في مغايرة المحبة والخلة وتفضيل الأولى على الثانية، حيث قالوا: إنما اتصل الخليل بواسطة: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: ٧٥]، والحبيب بدونها: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [النجم: ٩] وقد علمت أنه لا حاجة إلى ذلك لعموم المحبة ودخوله فيها، وأن هذه الإشارة الصوفية مطمح النظر فيها سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
وقد خص الله تعالى كلّ واحد من أنبيائه بكرامة؛ فأكرم ادم ﵇ بسجود الملائكة له وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤]، ونوحا ﵇ بإجابة الدعوة: لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا
[نوح: ٢٦]، وموسى ﵇ بالكلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، وإبراهيم ﵇ بالخلة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥]، ونبيّنا محمدا ﷺ بالصلاة عليه بالاية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦] .
وقوله: «أنا سيد الأولين والاخرين» إخبار عمّا أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدّث بنعمة الله تعالى عليه، وإعلام لأمته، ليكون إيمانهم به على حسب موجبه، ولذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» والمعنى: هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل نفسى ولا بلغتها بقوّتي، فليس لى أن أفتخر بها،
_________________
(١) ولفظ الحديث بتمامه: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم فى الجنة يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا؛ مؤمن بين خليلين، رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو. وروى الطبراني: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن خليلى أبو بكر»، قال المناوى في شرح هذا الحديث في «فيض القدير»: وأما خبر: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، فقاله قبل العلم. اهـ. وبهذا يكون هذا الحديث ناسخا لما قبله، والله أعلم. * المتصوفون.
[ ٢٧ ]
ولا يعارض هذا ما في الحديث «أنه جاءه رجل فقال له: أنت سيد قريش، فقال:
السيد الله» «١» أى هو الله الذى يحق له السيادة، إذ هو محمول على أنه كره أن يحمد في وجهه، وأحبّ التواضع، وكذلك ما روي عنه ﵊ «لا تفضّلونى على يونس بن متّى» «٢» أى تفضيلا يؤدى إلى تنقيصه، وإلا فهو ﷺ سيد ولد ادم على الإطلاق، وقد روى عن على ﵁ قال: «سمعت حبيبى رسول الله» يقول: هبط عليّ جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا؛ فسيد البشر ادم، وسيد ولد ادم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد المشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القران، وسيد القران سورة البقرة» «٣» .
[طهارة مولده وشرفه]:
وقد اختصه الله ﷾ من أطيب العشائر نكاحا، وحماه من دنس الفواحش والسفاح «٤»، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة بشهادة: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٩] فكان نور النبوة ظاهرا في ابائه لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصر
_________________
(١) رواه الإمام أحمد وأبو داود عبد الله بن الشخير.
(٢) وروى البخارى عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم إنى خير من يونس بن متى» ويؤيد ما يقوله الشيخ من عدم المفاضلة المؤدية إلى التنقيص ما ورد في حديث صحيح، فيه طول «لا تفضلوا بين أنبياء الله » .
(٣) ورواه الديلمى بلفظ «سيد الناس ادم، وسيد العرب محمد، وسيد الروم صهيب، وسيد الفرس سلمان، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال طور سيناء، وسيد الشجر السدر، وسيد الأشهر المحرم، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القران، وسيد القران سورة البقرة، وسيد البقرة اية الكرسي: أما إن فيها خمس كلمات في كل كلمة خمسون بركة» .
(٤) روى ابن مردويه قوله ﷺ: «أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا» وروى ابن عساكر عنه ﷺ أنه قال: «ما ولدتنى بغى قط منذ خرجت من صلب ادم، ولم تزل تتنازعنى الأمم كابرا عن كابر حتّى خرجت من أفضل حيّين في العرب: هاشم وزهرة» . وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى اكتفينا منها بهذا، والله ولى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢٨ ]
سرّهما عليه، ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرّده نهاية، فلا يشارك فيه ولا يماثل، فلذلك مات أبواه في صغره، فهو سلالة اباء كرام، ليس فيهم مسترذل ولا مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوّة، ولبعضهم:
تنقّل أحمد نورا مبينا تلألأ في وجوه الساجدينا
تقلّب فيهم قرنا فقرنا إلى أن جاء خير المرسلينا
روى عن هشام بن محمد السائب الكلبى عن أبيه قال: «كتبت للنبى ﷺ خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان في الجاهلية» . انتهي.
ولعل هؤلاء الأمهات من جهة الأصلين، أى أمهات أبيه وأمه، وأمهات ابائهم وأمهاتهم؛ لإمكان السنين التي تحسب فيها الأجيال.
وعن علي بن أبى طالب ﵁ أن النبى ﷺ قال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن ادم إلى أن ولدنى أبى وأمي، لم يصبنى من سفاح الجاهلية شيء» «١» ومن ثمّ ورد عن ابن عباس مرفوعا «لم يلتق أبواى قط على سفاح، ولم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّى مهذبا؛ لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما» «٢» . وبالجملة فكان نكاح النبي ﷺ كنكاح الإسلام في أنه بإيجاب وقبول، وإن لم يكن مستجمعا للشروط التى اعتبرت فيما بعد في نكاح الإسلام؛ لأن استيفاء شروطه الإسلامية كان
_________________
(١) رواه العدني، وابن عدي، والطبراني في الأوسط عن على كرم الله وجهه. وقال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، رواه ابن سعد عن السيدة عائشة ﵂، وقالت: «نكاح كنكاح الإسلام» .
(٢) رواه أبو نعيم ولفظه: « لم يلتق أبواى قط على سفاح؛ لم يزل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب بى شعبتان إلّا كنت في خيرهما، قد أخذ الله بالنبوة ميثاقي» اهـ. من مواكب ربيع للحلوانى ص ١٤٤، وهو المعنىّ بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ال عمران: ٨١] . وروى البيهقى في سننه قوله ﷺ: «ما ولدنى من نكاح الجاهلية شيء؛ ما ولدنى إلا نكاح الإسلام» .
[ ٢٩ ]
على سبيل الاتفاق دون القصد، أو المراد كنكاح الإسلام في الجملة؛ لأن إسلام الولى أو عدالته أمر متعذر قبل الإسلام، خصوصا أيام الجاهلية، فنكاح أصوله ﷺ منزّه عن السفاح، أى عن الزنا واتخاذ الأخذان، وما كانوا عليه في الجاهلية من نحو نكاح زوجة الأب، حيث أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل منهم وخلّف أولادا كبارا وصغارا، فالكبار يتزوجون بزوجة أبيهم.
وبالجملة فهو ﷺ مبرّأ عمّا كانت تستعمله العرب في الجاهلية من أنواع السفاح التى لا تعدّ في الإسلام نكاحا.
فقد كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:
الأوّل: نكاح كنكاح الناس اليوم، أى إيجاب وقبول.
الثاني: نكاح البغايا، وهو أن يطأ البغيّ جماعة متفرقون، واحدا بعد واحد، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن غلب عليه شبهه منهم.
الثالث: نكاح الاستبضاع، وذلك أن المرأة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها: «أرسلى إلى فلان استبضعى منه» ويعتزلها زوجها، ولا يمسّها أبدا حتّى يتبين حملها، فإذا حملت أصابها زوجها إذا أحب.
الرابع: نكاح الجمع وهو أن تجمع جماعة دون العشرة، ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات، كلهم يطئونها فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتّى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: «قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان»، تسمّى من أحبت منهم فيلحق به ولدها، فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، وإن لم يكن شبهه عليه.
فنكاح اباء النبى ﷺ وأمهاته كان من قبيل القسم الأوّل، ومنزها عما عداه، فقد طهره الله من أدناس الجاهلية، ومنحه الأخلاق الجميلة العليّة، حتى إنه ما كان يدعى في قومه إلا بالأمين، وكيف لا وهو حبيب الله وخليله المختار من العالمين المسدّد المعصوم في البداية والنهاية، وكم قد ذكر له في الصغر وقبل النبوة وبعدها من اية، وهذا من أعظم العناية به ﷺ، حيث أجرى الله ﷾ نكاح ابائه ﵊ إلى أن أخرجه ﷺ من بين أبويه على
[ ٣٠ ]
نمط واحد وفق شريعته، ولذلك قال الإمام السبكي: «إن الأنكحة الواقعة في نسبه ﷺ كلها مستجمعة لشروط الصحة كأنكحة الإسلام، قال: فاعتقد هذا بقلبك وتمسّك به، ولا تزلّ عنه فتخسر» .
وما نقل عن أبى المنذر أنه قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ ذكر العزّى يوما فقال: «لقد أهديت للعزّى شاة عفراء، وأنا علي دين قومي» فكذب على رسول الله ﷺ وافتراء عليه؛ حيث قد أطبق الإجماع على أنه ﷺ لم يتدنس هو ولا اباؤه مما كانت عليه الجاهلية، وما أقبح من يروم التصنيف ويجعل في مصنفه مثل هذا الكذب القبيح، فإنه ينادى على نفسه بعدم المعرفة والاتصاف بالجهالة والسفه، ولم يكن شيء مثل ذلك إلا لكفار قريش، حيث كانوا يطوفون بالكعبة ويقولون: واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي، ولم يثبت شيء من ذلك في حق أحد من ابائه ﷺ على عمود النسب. وقد فسر العلماء قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
[الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] أى يرى تقلبك وأنت نور في أظهر الساجدين، بمعنى في أصلاب وأرحام المؤمنين من لدن ادم وحواء إلى عبد الله وامنة، فعلى هذا جميع أصوله- رجالا ونساء- مؤمنون.
ثم أورد على هذا ازر أبو إبراهيم فإنه على دين قومه بمقتضى الايات!؟
وأجابوا عنه بجوابين:
أحدهما: أنه كان عم إبراهيم لا أباه، وتسميته أبا علي عادة العرب من تسمية العم أبا.
وثانيهما: أن اباءه ﷺ لم يدخلهم الشرك ذكورا وإناثا ما دام النور المحمدى في الذكر والأنثي، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد الله وغيره، وازر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم ﵇، وأما قبل فلم يعبد غير الله، وهذا الجواب الثانى المفيد لتنزه النور المحمدى عن أن يكون قد حلّ فى أصل غير طاهر ما دام ساكنا فيه، فهو وإن استحسنه بعض العلماء إلا أنه لا يخلو من إخلال بالنسب؛ إذ كيف يسكن النور المحمدى في صلب طاهر ورحم نقي، ثم يخبث الأصل بانتقال النور، فهذا مما لا يليق بلفظ «الساجدين» الذى عبر به عن المؤمنين بكمال البلاغة في التجوّز عن (المؤمنين) إلى (المصلين)،
[ ٣١ ]
ثم إلى (الساجدين)، ولو فسّر قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ بما مشى عليه بعض المفسرين بقوله: إنه أراد تعالى تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبى إلى نبى حتي أخرجك في هذه الأمة، لما ورد على هذا القول كفر ازر، وإنما يكون المراد بالساجدين اباؤه من الأنبياء فقط، مع أن القصد التعميم، ولكن لا مانع من أن يكون المراد بالاباء الساجدين الذين أولهم إبراهيم ﵇ صاحب الملّة الحنيفية، ويؤيده مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ «١» مِنْ قَبْلُ [الحج: ٧٨] وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: ٣٥] وقوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] فلن يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله.
وورد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف: ٢٨] قال: الإخلاص والتوحيد، لا يزال في ذريته من يواحد الله ويعبده. انتهى.
وهذا كله إذا فسرنا الاية بهذا التفسير المعقول المعنى، الذى نسبه الفخر الرازى عنتا للشيعة، مع أنه منقول عن أهل السنة، كما يعلم ذلك من اطلع على التفاسير الاخرى القرانية، ويا ليت ذلك الإمام عضّد تفسير الاية بخبر: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» بل قال: إنه خبر احاد، فلا يعارض القران، فالذي يجب اعتقاده: طهارة نسبه ﷺ.
ولا يرد على ذلك قوله ﷺ لعمه أبى طالب الذي نزل فيه قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] الاية: «يا عمّ قل لا إله إلا الله: كلمة أحاجّ لك بها عند الله تعالى، فقال: يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلي بني أبيك غضاضة بعدي
_________________
(١) وكثير من الناس يعتقد أن المسمّى لنا «المسلمين» هو سيدنا إبراهيم ﵇، وواقع الاية- والله أعلم- لا يفيد ذلك؛ فإن الضمير «هو» يعود إلى الله تعالى، يتضح هذا من قوله ﵎ بعدها: وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ فحرف الإشارة «هذا، هذا يعود إلى القران الكريم، وقوله تعالى «من قبل» يفيد ما نزل قبل القران، وهما التوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح. فالله هو الذى سمانا مسلمين في التوراة والإنجيل والقران، وليس خليل الله إبراهيم ﵊، فافهم ترشد (انظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٢) .
[ ٣٢ ]
لقلتها، ولأقررت بها عينيك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك» ثم أنشد:
ولقد علمت بأنّ دين محمّد من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت فيه أمينا
لكن سوف أموت على ملة أشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف» . انتهي.
لأنه لا يبعد أن تكون ملة عبد المطلب وهاشم وعبد مناف هى ملة إبراهيم، حيث هم من أصوله.
وحكى عن هشام بن الكلبى أنه قال: «لما احتضر أبو طالب جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه» إلى أن قال:
«وإنى أوصيكم بمحمد خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنان، وأيم الله كأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الوبر والأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها.
يا معشر قريش: كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلّا سعد، ولو كان لنفسى هذه مدة، ولأجلى تأخّر لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي» ثم مات.
وكان موته قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر، قبل موت خديجة ﵂ بثلاثة أيام، وله من الولد: طالب، ومات على دين قومه، وعقيل، وجعفر، وعليّ، ومن الإناث ثنتان: أم هانيء (واسم هانيء فاختة وقيل هند وقيل فاطمة)، وجمانة، أسلموا ولهم صحبة، وأمهم جميعا: فاطمة بنت أسد بن هاشم، والعقب من أبى طالب في ثلاثة أبطن، وهم: العلويون أولاد علي، والجعفريون أولاد جعفر، والعقيليون أولاد عقيل.
[ ٣٣ ]
وعلى كل حال فالحذر كل الحذر من ذكر أبوي النبى) بما فيه نقص؛ فإن ذلك قد يؤذى النبى)؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه تأذّى ولده بذلك عند المخاطبة، كيف وقد روى ابن منده وغيره عن أبى هريرة قال: «جاءت سبيعة بنت أبى لهب إلى النبى) فقالت: يا رسول الله إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار. فقام رسول الله ﷺ وهو مغضب، فقال: ما بال أقوام يؤذوننى في قرابتي، ومن اذانى فقد اذى الله!» وقد قال ﵊: «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات» «١» ولا ريب أن إيذاءه كفر، يقتل فاعله إن لم يتب، خصوصا وأن أبويه، ناجيان «٢» لأنهما من أهل الفترة، وأهل الفترة ناجون ولو عبدوا الأصنام، إلا أفرادا علم الله فيهم أمرا فحكم عليهم بالكفر كحاتم الطائي «٣» وامرئ القيس. (والفترة ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام)، وقد دلّت القواطع على أنه لا تعذيب حتّى تقوم الحجة لقوله تعالى:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] أو بإحيائهما له عام حجة الوداع حتي امنا بالله ورسوله. ونفع الإيمان بعد الموت من خصائصه ﷺ، وليس بممتنع عقلا وشرعا؛ فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل،
_________________
(١) وقال ﵊: «لا تسبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء؛ إن البذاء لؤم» (رواه الخرائطي في «مساويء الأخلاق، عن أم سلمة) .
(٢) وقد نظرت أمه إليه عند موتها وهو عند رأسها. ثم قالت: بارك الله فيك من غلام يا ابن الذى من حومة الحمام نجا بعون الملك العلّام فودى غداة الضرب بالسهام بمائة من إبل سوام إن صحّ ما أبصرت في المنام فأنت مبعوث إلى الأنام من عند ذى الجلال والإكرام تبعث في الحلّ وفي الحرام تبعث بالتوحيد والإسلام دين أبيك البر إبراهام فالله أنهاك عن الأصنام ألاتواليها مع الأقوام ثم قالت: «كل حي ميت، وكل جديد إلى بلي، وكل كبير يفني، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا، ثم ماتت. رواه أبو نعيم اهـ. من (موكب ربيع للحلواني ص ١٥٤) وهذا خبر ثابت في كل كتب السير. أليس هذا هو الإسلام بعينه؟
(٣) لا نعرف للمؤلف مصدرا في ذلك.
[ ٣٤ ]
وإخباره عن قاتله، وقصته مشهورة وفي الكتب مسطورة. وكان عيسى ﵇ يحيى الموتى بنص القران، فأحيا عازر بعد موته بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول على نعشه، وابنة العاشر، فعاشوا مدة وولد لهم. وكذلك نبينا ﷺ أحيا الله علي يديه جماعة من الموتي «١»، ولا غرو فهو أحق بذلك، والظن بالله جميل، وليس تعجز قدرته عن ذلك، فإذا ثبت هذا فما يمتنع المدّعى أى إيمانهما بعد إحيائهما، وبكون ذلك زيادة في كرامته وفضله- فقول من قال: «إنهما ماتا كذا لأن الإيمان بعد الموت غير نافع» مردود بما روى في الخبر أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبويه نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبى ﷺ، ولا بدع أن يكون الله كتب لأبوي النبى ﷺ عمرا، ثم قبضهما قبل استيفائه، ثم أعادهما- أى أحياهما- لاستيفاء تلك اللحظة الباقية بالمدة الفاصلة بينهما؛ لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله به نبيه ﵊.
وقال بعض الأفاضل في حل هذه المسألة ما ملخصه: إن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته، ومن هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حقّ قائمة الرسم كتبّع وقومه من حمير، وأهل نجران، وورقة ابن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث.
القسم الثانى من أهل الفترة: من بدّل وغيّر فأشرك ولم يوحّد، وشرّع لنفسه، فحلّل وحرم، وهم الأكثر كعمرو بن لحي، وهو أوّل من سنّ للعرب عبادة
_________________
(١) من ذلك أن زيد بن خارجة خرّ ميتا في بعض أزقة المدينة، فرفع وسجّي، إذ سمعوه بين العشاءين- والنساء يصرخن حوله- يقول: أنصتوا، فحسر عن وجهه، فقال: «محمد رسول الله، النبى الأمي، وخاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب الأوّل»، ثم قال: «صدق، صدق»، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم عاد ميتا كما كان. (راجع الشفاء للقاضى عياض وغيره تجد من ذلك كثيرا) .
[ ٣٥ ]
الأصنام وشرّع الأحكام فبحّر البحيرة وسيّب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام، وتبعته العرب في ذلك.
القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحّد، ولا دخل في شريعة نبيّ ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا، بل بقى طول عمره على حال غفلة من هذا كله، وفي الجاهلية من كان على ذلك.
وحيث انقسم أهل الفترة إلى ثلاثة أقسام، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدل على تعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحيّ يجر قصبه في النار، «١» ونحو ذلك، فيحمل على القسم الثانى من أهل الفترة لكفرهم بما تعدّوا به من الخبائث؛ حيث أن الله ﷾ سمى جميع هؤلاء من هذا القسم كفارا ومشركين، فإنّا نجد القران كلما حكى حال أحد منهم سجّل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: ١٠٣] ثم قال: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
وأما أهل القسم الأوّل كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل، فقد قال ﵊ في كل منهما: «إنه يبعث أمّة واحده» .
وأما عثمان بن الحويرث وتبّع وقومه وأهل نجران: فحكمهم كحكم أهل الدين الذى دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم بالإسلام الناسخ لكل دين.
وأما أهل القسم الثالث الذين هم أهل الفترة حقيقة، فهم غير معذبين، وقال الجلال السيوطي «٢»: إن أبوى النبى ﷺ كانا على التوحيد ودين إبراهيم، كما كان كذلك طائفة من العرب، كزيد بن عمرو بن نفيل، كما يدل عليه قوله:
أربّا واحدا أم ألف ربّ أدين إذا تقسمّت الأمور
تركت اللات والعزّي جميعا كذلك يفعل الرجل البصير
_________________
(١) ورواية مسلم: «رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف بن كعب وهو يجر قصبه في النار» ورواه الدار قطنى في الأفراد.
(٢) له في ذلك رسالة خاصة اسمها «الفوائد الكامنة في إيمان السيدة امنة» وله كذلك «التعظيم والمنة فى أن أبوى النبى ﷺ في الجنة» .
[ ٣٦ ]
وقسّ بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وعمير بن حبيب الجهني، وعمرو بن عنبسة وجماعة اخرين.
وهذه طريقة الفخر الرازي، وزاد: «إن اباء النبى ﷺ كلهم إلى ادم على التوحيد، لم يكن فيهم شرك»، وقال الجلال السيوطى أيضا: «إنى لم أدّع المسألة إجماعية، بل هى مسألة ذات خلاف، فحكمها كحكم سائر المسائل المختلف فيها، غير أنى اخترت أقوال القائلين بالنجاة لأنه أنسب بهذا المقام» .
جديث إحياء الله أبويه: وما أحسن كلام الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين بن عبد الله بن محمد الدمشقى المولود سنة سبع وسبعمائة ٧٠٧ هـ، حيث قال في كتابه «مورد الصادى بمولد الهادي» بعد أن أخرج الحديث في إحياء أمه من طريق الخطيب، فصرّح بضعف الحديث، ولم يلتفت لزعم وضعه، وكفى به حجة:
حبا الله النبي مزيد فضل علي فضل، وكان به رؤوفا
فأحيا أمّه وكذا أباه لايمان به فضلا منيفا
فسلّم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا
وقد ردّ بعضهم علي هذه الأبيات بقوله:
أيقنت أنّ أبا النبي وأمّه أحياهما المولي الكريم الباري
حتى له شهدا بصدق رساله سلّم فتلك كرامة المختار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه فهو الضعيف، عن الحقيقة عاري
ولئن سلّم أنه من قسم الضعيف، فهو الذى تجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا بمعنى الموضوع، وقال أبو القاسم السهيلى في أوائل كتابه «الروض الأنف» بعد إيراد حديث أنه ﷺ سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما له فامنا به ثم أماتهما: «والله تعالى قادر على كل شيء، ونبيه ﷺ أهل لأن يخصه بما شاء من إكرامه» . انتهي.
وقد أيّد بعضهم هذا الحديث بالقاعدة التى اتفق عليها الأئمة: أنه ما أوتى نبيّ معجزة إلا أوتى نبينا ﷺ مثلها.
[ ٣٧ ]
ولا يبعد على من أنجى به الثقلين «١» أن ينجى به الأبوين، ولا عبرة باحتجاج المنكر في هذا المقام العظيم، بأنه نزل فيهما: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: ١١٩] فقد تقرر في علوم الحديث أن سبب النزول حكمه حكم الحديث المرفوع، لا يقبل منه إلا الصحيح المتصل الإسناد، لا الضعيف ولا المقطوع، وسبب النزول لا يعرف له (كما قال السيوطي) إسناد صحيح متصل، ولا ينكر ذلك أحد من المحدثّين، مع ما ينضم إلى ذلك من بلاغة الخطاب، وأن الايات من قبل ومن بعد كلها في أهل الكتاب، فدلّت الاية علي أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب، ويؤيد ذلك أن السورة مدنية، خوطب فيها من بنى إسرائيل الذرية، وأكثر ما خوطب فيها اليهود الناقضون ما في التوراة من العهود، على أنه قد قيل بصحة الأحاديث الدالّة على أن العرب لم يكفر منهم أحد من عهد إبراهيم إلى عهد عمرو بن لحيّ الخزاعيّ، فهو أوّل من عبد الأصنام وغيّر دين إبراهيم ﵇، وراه النبى ﷺ بسبب ذلك يجرّ قصبه فى النار، أى أمعاءه. وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال:
«كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم؛ فلا تذكروهم إلا بخير» . وفي الروض الأنف «لا تسبّوا إلياس فإنه كان مؤمنا» وفي دلائل النبوة لأبى نعيم أن كعب بن لؤى أوصى ولده بالإيمان بالنبي، قاله السيوطي، وقال أيضا: «وأما كلاب وقصىّ وعبد مناف وهاشم فلم أظفر فيهم بنقل جازم» .
وأما عبد المطلب ففيه خلاف «٢» والأشبه أنه من أهل الفترة، وممن لم تبلغه الدعوة، وقد استشهد القبيل القائل بإيمانه بقوله في قصة أصحاب الفيل:
لا همّ إنّ المرء يمنع حلّه فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهم ومح الهم غدوا محالك
جرّوا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك
إن كنت تاركهم وكع بتنا فأمر ما بدا لك
_________________
(١) الإنس والجن.
(٢) جاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «يبعث جدى عبد المطلب في زى الملوك وأبهة الأشراف» كذا من السيرة الحلبية.
[ ٣٨ ]
وقوله «حلالك» قال الخشني: بكسر الحاء المهملة جمع حلة وهي جماعة البيوت، والذى في النهاية «الحلال» بالكسر: القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم، وقوله «ومحالهم» بكسر الميم: القوة والشدة، وقوله «غدوا» بالغين المعجمة: هو أصل الغد، وهو اليوم الذى يأتى بعد يومك، فحذفت لامه، ولم يستعمل تامّا إلا في الشعر، ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه، وإنما أراد القريب من الزمان.
ولا يشكل علي ذلك قصة الذبيح؛ فإنّ النذر لا يقتضى عدم الإيمان، ولا عدم نجاة أهل الفترة، وكذلك إرادة الذبح عند الأصنام الموجودة في الكعبة، فإنّ هذه محض عوائد لا عقائد، كما سيأتى ذكره.
وبيانها أن عبد المطلب لما أراد حفر زمزم منعته قريش منه، واذاه بعض سفائهم، ولم يكن له ولد إلا الحارث، فنذر لئن جاء له عشرة بنين وصاروا له أعوانا ليذبحن أحدهم قربانا لله تعالى عند الكعبة.
وقيل: سبب ذلك إنّ عدى بن نوفل بن عبد مناف (أبو المطعم) قال: يا عبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك؟! فقال عبد المطلب: أتقول هذا، وإنما كان نوفل أبوك في حجر هاشم! فقال عدي: فأنت أيضا كنت عند أخوالك من بنى النجار حتّى ردّك عمك المطلب، قال: أبا لقلة تعيّرنى!؟ فو الله لئن اتانى الله عشرة من الولد إلى اخره.
واحتفر عبد المطلب زمزم هو والحارث، فكانت له فخرا وعزّا، وكثر أولاده.
واختلف في عدد أولاد عبد المطلب؛ فقيل: ثلاثة عشر، وقيل اثنا عشر، وقيل عشرة، وقيل تسعة. فمن قال ثلاثة عشر، قال هم: الحارث، وأبو طالب، والزبير، وعبد الكعبة، وحمزة، والعباس، والمقوّم، وحجل، وضرار، وقثم، وأبو لهب، والغيداق، فهؤلاء اثنا عشر، وعبد الله أبو النبى ﷺ الثالث عشر.
ومن جعلهم عشرة: أسقط عبد الكعبة وقال: هو المقوّم، وجعل الغيداق وحجلا وضرارا واحدا، ومن جعلهم تسعة أسقط قثم أيضا، وقد أسلم حمزة والعباس، وأن أبا لهب وأبا طالب أدركا النبوة فمات أبو لهب على دين قومه، وذهب الأكثرون إلى أن أبا طالب مات أيضا علي دين قومه.
[ ٣٩ ]
ولما حفر عبد المطلب زمزم ودلّه الله عليها وخصّه بما زاده بها خطرا وشرفا فى قومه، وعطلت كلّ سقاية كانت بمكة حين ظهرت، وأقبل الناس عليها لالتماس بركتها، ومعرفة فضلها لمكانها من البيت، وأنها سقاية الله ﷿ لإسماعيل ﵇، وتكامل بنوه عشرة، وقرّت عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب أوف بنذرك لرب هذا البيت.
فاستيقظ فزعا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأي: أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرّب جملا وأطعمه للمساكين، ثم نام فنودي أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ فقيل له: أحد أولادك الذى نذرته، فاغتمّ غما شديدا، وجمع أولاده وأخبرهم بذلك، وطلب منهم الوفاء بالنذر، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع قال: ليأخذ كل واحد منكم قدحا (بكسر القاف أى سهما بغير نصل) وليكتب اسمه عليه ثم ليأتنى به، ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل، فدفع عبد المطلب القداح إلى القيّم، فلما أخذ ليضرب قام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله، ويقول: اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، وإنى أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت. ثم ضرب السادن القدح فخرج القدح علي عبد الله، وكان أحبّ ولده إليه، فقبض عبد المطلب يده عليه وأخذ الشفرة وأقبل به إلى إساف ونائلة (صنمين عند الكعبة تذبح عندهم الهدايا) فقام إليه سادة قريش من أنديتها، وقالوا له: ما تريد أن تصنع؟ قال: أو في بنذري، فقالوا:
لا ندعك تذبحه حتّى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه ويكون سنّة، ولكن انطلق به إلى قطية الكاهنة (والكاهنة التى تخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان وتدّعى معرفة الأسرار) وقيل: اسمها سجاح (على ما ذكر ابن إسحاق)، فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك. فانطلقوا حتّى أتوها بخيبر، وقصّ عبد المطلب عليها القصة، فقالت لهم: كم الدية فيكم؟
فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقرّبوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة أخرى، وهكذا حتّى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت علي الإبل فانحروها، فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة وقرّبوا عبد الله وعشرة من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو فقال: اللهم أهو أحب إليك أم مائة من الإبل؟ والذى في «الإمتاع»: اللهم أهو
[ ٤٠ ]
أحب إليك أم مائة من تلاد إبلى؟ (وتليد المال وتلاده: قديمه ونفيسه) فخرجت القداح على عبد الله، ولم يزل يزيد عشرا عشرا حتّى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك صارت الدية مائة من الإبل، فنحرت المائة كلها، وتركت لا يصدّ عنها إنسان ولا طائر ولا سبع، وأوّل من سنّ الدية مائة من الإبل عبد المطلب، ولهذا قال ﷺ: «أنا ابن الذبيحين» «١» ويعني بهما والده عبد الله وجدّه إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وروى الحاكم أنّ أعرابيا قال للنبى ﷺ: «يا ابن الذبيحين» فتبسم ولم ينكر عليه «٢» .
فدخول عبد المطلب بالقداح على هبل ودفعها إلى القيّم، وإقباله على إساف ونائلة قصدا للتذكية والذبح، كل هذا لا يقدح في تبرئته من عبادة الأصنام، فهذه الحركات الصادرة من قبيل العوائد لا العقائد، بدليل قوله: «اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، وإنى أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت» فإن هذا أدلّ دليل على اعترافه بالألوهية مع ما ينقل عنه أنه كان مجاب الدعوة، محرّم الخمر على نفسه، وأنه أوّل من تحنّث بحراء، وكان إذا استهل رمضان صعده وأطعم المساكين، وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال. وذكر ابن اسحق أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، ووجد فيها أسيافا قلعية «٣» وأدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بينى وبينكم، يضرب عليها القداح، قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له،
_________________
(١) أورده الزمخشرى في الكشاف في تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ.
(٢) انظر المقاصد الحسنة للسخاوى ص ١٤ حديث رقم ١٣، والسيرة الحلبية. ومما يؤيد أن الذبيح إسماعيل قوله تعالى في سورة الصافات بعد سرد قصة الذبح وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ فالواو تفيد المغايرة، أى تفيد أن الذى حدثت له قصة الذبح أحد اثنين، والمبشر بنبوته وصلاحه هو الاخر. وكلام بعض المفسرين الذين ذهبوا إلى أن الذبيح إسحاق يخالف اللغة التى هي أصل من أصول التفسير، والله تعالى أعلم.
(٣) القلعية نسبة للقلعة، وهى بلد بالهند ينسب إليها الرصاص والسيوف (هامش الأصل) .
[ ٤١ ]
ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له. فقالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها عند هبل، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القداح يضرب بها، فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين، فكان أوّل ذهب حلّيته الكعبة.
و«هبل» بضم الهاء وفتح الباء: صنم اتخذته قريش علي بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هى التى تجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عنده قداح سبعة، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل «١» إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله. وقدح فيه: «نعم» للأمر، إذا أرادوه، يضرب به في القداح، فإن خرج قدح: نعم، عملوا به. وقدح فيه «لا» إذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح؛ فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه «منكم»، وقدح فيه «ملصق»، وقدح فيه «من غيركم»، وقدح فيه المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكّوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها، ثم قرّبوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون، ثمّ قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج لنا الحقّ فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه «منكم» كان منهم وسيطا، وإن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، وإن خرج عليه «ملصق» كان على منزلته فيهم؛ لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء مما سوى هذا ممّا يعملون به «نعم» عملوا به. وإن خرج «لا» أخّروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. هذا ما ذكره ابن هشام.
والذى ذكره غيره، أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على
_________________
(١) هو ما تدفعه قبيلة القاتل دية للمقتول، وسمى عقلا لأنه يعقل أى يمنع القبائل عن أن يعتدى بعضها على بعض، والقبيلة تسمّى عاقلة لذلك.
[ ٤٢ ]
أحدها «أمرنى ربي»، وعلى الاخر «نهانى ربي» والثالث غفل؛ فإن خرج الامر مضوا علي ذلك، وإن خرج الناهى تجنبوا عنه، وإن خرج الغافل أجالوها ثانيا اهـ.
والقداح جمع قدح (بكسر القاف وسكون الدال) هو السهم الذى كانوا يستقسمون به، يقال للسهم أوّل ما يقطع: قطع (بكسر القاف وسكون الطاء)، ثم ينحت ويبرى فيسمّى بريا، ثم يقوّم قدحا، ثم يراش ويركّب نصله فيسمى سهما، والقدّاح: صانعها، وهى الأزلام المذكورة في قوله ﷿: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ [المائدة: ٣] جمع (زلم كجمل)، و(زلم) كصرد. اهـ.
* وأما عبد الله فكان أيضا صاحب أمانة وصيانة، كما يفهم ذلك من واقعته مع الخثعمية؛ وذلك أنه مرّ بامرأة من خثعم- بعد انصرافه مع أبيه عبد المطلب من نحر الإبل- يقال لها فاطمة بنت مرّة، وكانت من أجمل النساء وأعفهن، وكانت كاهنة قد قرأت الكتب، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له- حين نظرت إلى وجهه- وكان أحسن رجل رؤي في قريش- «لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع عليّ الان» لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبى الكريم ﷺ، فأجابها بقوله:
أمّا الحرام فالممات دونه والحلّ: لا حلّ فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه يحمي الكريم عرضه ودينه
وفي لفظ: «فالحمام دونه» بكسر الحاء المهملة بمعناه، وقيل: هو قدر الموت وقضاؤه، من قولهم: حمّ كذا أي: قدر بالبناء للمفعول، والمعنى: الموت أيسر من فعل المحرم. وقوله: أما الحرام، سماه حراما وإن لم يكونوا أهل شرع؛ لأن الزنا مما علموا حرمته من بقايا دين إبراهيم ﵇، إذ يحتمل أن حرمة الزنا وحل النكاح من الأحكام التى كانت باقية من شريعة إبراهيم ﵇ ولم تغيّر، وقد صرّح بذلك السهيلي. وقوله: «يحمى الكريم» إلى اخره، أي لو لم يكن فى هذا الفعل مؤاخذة، فالمروءة تمنع منه، وكرم الكريم وعرضه يمنعانه من مثل ذلك.
ويقال: إن التى عرضت عليه من بنى أسد بن عبد العزّي، واسمها قتيله
[ ٤٣ ]
(بضم القاف وفتلله المثنّاة الفوقية)، وقيل «رقيقة» (بضم الراء وفتح القاف بعدها مثناة تحتية ثم قاف أخرى بعدها تاء تأنيث تقلب في الوقف هاء) تكني: أم قتال، وهى أخت ورقة بن نوفل ﵁، ويقال: إن التى عرضت عليه «ليلى العدوية» . والجمع ممكن لاحتمال أن يكون مرّ عليهن كلهن ودعوته؛ لما رأين من النور في وجهه، كما لا يخفي. والجمهور على أنها قتيلة.
[زواج أبيه بأمه]:
ولما أراد الله إظهار السر المصون الساري في الظهور والبطون من عالم الخفاء إلى عالم الظهور، ليتمّ بذلك كمال الصفا ومزيد السرور، ألهم عبد المطلب أن يذهب إلى وهب بن عبد مناف، وهو سيد بنى زهرة يومئذ نسبا وشرفا، فخطب منه ابنته امنة أفضل امرأة في قريش حسبا ونسبا وجمالا لولده عبد الله، فزوّجه إياها ودخل بها مكانه، فحملت برسول الله ﷺ من ليلتها، ثم ذكر فاطمة الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه ودعته نفسه؛ فأتاها فقال لها: هل لك فيما كنت عرضت علي وليس المراد أنها دعته إلي طلب الزنا والميل ألبتة، فقد علم انتفاء ذلك من قوله: «يحمى الكريم عرضه»، وإنما المراد أن نفسه دعته ليختبر السبب الحامل لها على أن طلبت منه ما طلبت؛ مع جعل المائة من الإبل في ذلك الطلب. فقالت:
لا تطلبنّ الأمر إلا مقبلا قد كان ذاك مرة؛ فاليوم لا
فذهبت (أى الجملة) مثلا، أى سارت مثلا؛ وهو كلام شبّه مضربه بمورده؛ ويقال لكل من أذن له في شيء لنيل غرض منه، ففوّت المأذون له الغرض؛ فامتنع الاذن من تمكين المأذون له من فعل المأذون فيه. وقالت: أي شيء صنعت بعدي قال: وقعت على زوجتى امنة، فقالت: والله لست بصاحبة ريبة، ولكنى رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك فيّ، فأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله.
فكان يرضى الخلّاق، ويتمسك بمكارم الأخلاق، ويدل على ذلك كله، واستمرار التوحيد في ذرية إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: ٣٥] فقد تحققت دعوته لا سيما في اباء النبى ﷺ:
حفظ الإله كرامة لمحمد اباءه الأمجاد صونا لاسمه
تركوا السفاح فلم يصبهم عاره من ادم وإلى أبيه وأمه
[ ٤٤ ]
* ومات أبوه ﷺ وله سنتان، وقيل غير ذلك، ودفن بالأبواء على الراجح.
وكفلته أمه امنة، وماتت بالأبواء (محل بين مكة والمدينة) وتقدم نسبها من جهة الأب في أوّل الفصل. وأما نسبها من جهة الأم فهى بنت برّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب، فتلتقى هى وزوجها وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب: فى كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، ويفترقان في ولد كلاب، فبرّة من ولد قصى بن كلاب، ثم من ولد عبد الدار، فهى قرشية عبدرية، وزوجها من ولد زهرة بن كلاب، فهو قرشى زهري.
ولما ولدت السوداء بنت زهرة بن كلاب، وهى عمة وهب أبى امنة، أرسل بها أبوها من يئدها، فخرج الوائد حتي أتي بها الحجون، فحفر لها ووضعها في حفرتها، فصاح صائح من الجبل: «يا وائد الصبية: ربّ فرس ردود، ومطعم يجود، فى السنة الجلمود، من الصبية الوئيد» فرفع رأسه فلم ير أحدا، فعاد لأن يئدها، فصاح به «يا وائد الصبية، امض ودعها عنك في البرية؛ إنّ لها علما في الأنسية» .
فرجع بها إلى أبيها فأخبره الخبر، فقال: دعها فإن لها شأنا. فعمّرت. وكانت تقول: يا بنى زهرة: إن فيكم لنذيرة، أو والدة نذير، فاعرضوا عليّ نساءكم.
فعرضن عليها حتّى مرت بها الشفّاء أم عبد الرحمن ابن عوف، فقالت: ليست بها، ولتلدنّ، فولدت عبد الرحمن. وعرضت عليها بنت عبد الحارث، أم عبد الله بن مسعود، فقالت: ليست بها، ولتلدنّ، فولدت عبد الله بن مسعود، وعرضت عليها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، فقالت: ليست بها، ولتلدن، فولدت حمزة وصفية والمقوّم بنى عبد المطلب، وعرضت عليها امنة بنت وهب، فقالت: إنها لنذيرة، ولتلدن نذيرا، فولدت رسول الله ﷺ.
ولم يتزوج عبد الله غير امنة لا قبلها ولا بعدها، كما أنها لم تتزوج بغير عبد الله لا قبله ولا بعده، ولم تلد غير النبي، فهو بكر أبويه ﷺ.
ولمّا مات أبوه لم يترك له ﷺ سوى جاريته أم أيمن (بركة الحبشية) مع أمه؛
[ ٤٥ ]
وبعد أمه زوّجها لحبه زيد ابن حارثة، فولدت لزيد أسامة الذى قال فيه ﷺ:
«أسامة أحبّ الناس إليّ» .
* وكفله جده عبد المطلب وأكرمه غاية الإكرام وأجلّه لعلمه أنه سيصير له إقبال عظيم يحقق.
* ثم كفله عمه أبو طالب، وكان موظفا بوظيفة الرفادة؛ وهي إطعام الطعام لسائر الحجاج أيام الموسم، فكانت تمد لهم الأسمطة حيث هم ضيوف بيت الله الحرام، وكان أبو طالب يحبه حبا شديدا زائدا على أولاده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج معه متى خرج، وجاءت قريشا سنة شديدة القحط، فخرج أبو طالب ومعه النبى ﷺ يستسقى به، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه ﷺ، فأقبل السحاب متراكما، ونزل المطر كأفواه القرب، فأخصب الوادى والنادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامي عصمة للأرامل
وهى أكثر من ثمانين بيتا ذكرها ابن إسحاق، والثمال (بكسر المثلاثة: الملجأ)، وعصمة الأرامل: أي يمنعهم من الضياع والحاجة، والأرامل: المساكين من الرجال والنساء، ويقال لكل واحد من الفريقين علي انفراده: أرمل، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة، وأنشأ أبو طالب في مدح النبى ﷺ أبياتا منها هذا البيت:
وشقّ له من اسمه ليجلّه فذو العرش محمود وهذا محمد
وحسان بن ثابت ضمّن شعره هذا البيت فقال:
ألم تر أنّ الله أرسل عبده باياته، والله أعلي وأمجد
أغرّ عليه للنبوّة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد
وضمّ الإله اسم النبي إلي اسمه إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد
وشقّ له من اسمه ليجلّه فذو العرش محمود وهذا محمد
نبيّ أتانا بعد يأس وفترة من الدين والأوثان في الأرض تعبد
وأرسله ضوا منيرا وهاديا يلوح كما لاح الصقيل المهند
[ ٤٦ ]
[تعبده ﷺ قبل البعثة]:
وكان رسول الله ﷺ يبغض حضور الأصنام مع قومه، ولم يأكل مما ذبح على النّصب، وما عبد غير الله، وما شرب خمرا، وكذلك الأنبياء لم يعبدوا سوى الله قبل أن يوحى إليهم؛ فإنهم معصومون عن الكبائر والصغائر، وعن الكفر قبل البعثة بالاتفاق. واختلف في تعبده ﷺ: هل كان بشريعة من قبله أو لا؟ فقيل:
إنه كان متعبدا بشريعة موسي، وقيل بشريعة عيسي، وقيل بشريعة إبراهيم، وقيل بشريعة نوح ﵈، وقيل إنه لم يكن متعبدا، والمختار أنه كان متعبدا قبل البعث؛ لأنه ثبت أنه كان متعبدا في غار حراء، والتعبد لا يكون إلا بشريعة؛ لأن الحاكم هو الشرع عند أهل الحق، وعلى مذهب المعتزلة (القائلين بحكم العقل) الأمر أظهر؛ إذ العبادة لا تتوقف على هذا التقدير على شريعة.
[رضاعه]:
وأرضعته أمه سبعة أيام، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية بلبن ابنها مسروح، وكانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وكان أسنّ من النبى ﷺ بأربع سنين علي الصحيح، وقيل بسنتين، فهو عمه من النسب، وأخوه من الرضاع، وأمه بنت عم أمه؛ لأن حمزة أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وامنة هى بنت وهب بن عبد مناف، وكان عبد المطلب تزوج هالة أم حمزة بعد نحر الإبل فداء لعبد الله قبل عام الفيل بخمس سنين، فلم يكن حمزة داخلا في القرعة، فلا يبعد كون حمزة أسن من النبى ﷺ بأربع سنين وأنه أرضعته ثويبة قبله لجواز أن تكون أرضعت النبي ﷺ في اخر رضاع ابنها، وأرضعت حمزة فى أوله، وأما على القول بأن حمزة رضى الله تعالى عنه أسن من النبى ﷺ بسنتين، فلا إشكال في الرضاع. وكان النبى ﷺ يبعث إلى ثويبة من المدينة بصلة وكسوة. واختلف في إسلامها، وأثبته ابن منده.
وكذلك أرضعته ثويبة مع أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى القرشى المخزومى زوج أم سلمة، أسلم بعد عشرة أنفس، وهاجر مع امرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، وهو أوّل من هاجر إليها وشهد بدرا واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة فى غزوة العشيرة، وتوفى سنة ثلاث من الهجرة، وقال لما احتضر: «اللهم اخلفنى في أهلى بخير»، فخلفه رسول الله ﷺ على زوجه أم سلمة رضى الله
[ ٤٧ ]
عنها، وله من الولد: سلمة، وعمرو، ودرة، وزينب أمهم أم سلمة. وكانت ثويبة جارية أبى لهب، فأعتقها حين بشرته بولادته ﷺ عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما.
وذكر عروة بن الزبير أن أبا لهب رؤى في النوم بشرّ حيبة «١» فقيل له: ماذا لقيت فقال له: لم ألق بعدكم رخاء، غير أنّى سقيت في هذه منى بعتاقتى ثويبة، (وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتى تليها من الأصابع) . (وفي رواية أن الرائى كان من أهله، وأنه أخوه العباس بن عبد المطلب، قال: مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: «ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفّف عنى كل يوم اثنين» وذلك أن رسول ﷺ ولد يوم الاثنين «٢»، وكانت ثويبة مولاته قد بشرته بمولده، وقوله: (بعتاقتي)، بفتح العين أحد مصادر عتق العبد الذى هو فعل لازم) فالحكمة في التعبير به دون التعبير بالإعتاق، وإن كان هو الأنسب؛ لأن العتاقة أثر الإعتاق، فلذلك أضافها لنفسه. قال ابن بطال: ومعنى قوله (سقيت في هذه الخ): أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه، لأجل عتقه ثويبة. قال ابن حجر: واستدل به على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، وهو مردود بظاهر قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا «٣» [الفرقان: ٢٣] لا سيما والخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصلا فلا يحتجّ به؛ إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي. لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبى ﷺ مخصوصا بذلك، بدليل التخفيف عن أبى طالب «٤» المرويّ في الصحيح. وعلى هذا جرى جمع؛ قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار
_________________
(١) الحيبة: الحالة. اهـ (من هامش الأصل) .
(٢) هذا خبر مشهور جدا، وقد كان يصومه ﷺ.
(٣) وبقوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف: ٢٠] .
(٤) حديث عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه، صحيح مسلم ١/ ١٩٦ كتاب الإيمان.
[ ٤٨ ]
معناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار، ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذى يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم ثمّ سوى الكفر، بما عملوه من الخيرات. والذى قاله القاضى عياض: [انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض. قال الحافظ: وهذا لا يردّ الاحتمال الذى ذكره البيهقي؛ فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأمّا ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه؟] وقال القرطبي: [هذا التخفيف خاصّ بهذا، وبمن ورد النص فيه]، وقال ابن المنيّر: [هما فضيلتان إحداهما محال، وهى اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر، وإثبات ثواب على بعض الأعمال: تفضل من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبى لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبى طالب، والمتبّع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا قال الحافظ: فوقوع التفضيل المذكور إنما هو إكرام لمن وقع البرّ من الكافر لأجله، وهو النبى ﷺ] انتهي.
قال ابن الجوزي: فإذا كان هذا حال أبى لهب الذى مات على دين قومه، ونزل القران بذمه: جوزي بعد موته جزاء بفرحه بمولد محمد ﷺ؛ فما حال المسلم المواحد من أمته يفرح ويسرّ بمولده ﷺ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ﷺ من الصدقات لعمرى إنما يكون جزاؤه من المولى الكريم أن يدخله بفضله وكرمه جنات النعيم.
ولله درّ حافظ الشام: شمس الدين محمد بن ناصر الدمشقي، حيث قال:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمّه وتبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتي أنه في يوم الاثنين دائما يخفّف عنه للسرور بأحمدا
فما الظنّ بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورا؛ ومات موحّدا
مات أبو لهب بداء «العدسة» فى مكة على دين قومه بعد بدر بسبعة أيام، وكان قد بلغه خبر بدر ولم يشهدها.
والعدسة: بثر كانت تخرج على الناس، تزعم العرب أنها تعدي، شبيهة بالطاعون.
[ ٤٩ ]
* وعلى ذكر الطاعون؛ فقد ورد النهى عن دخول بلد فيها الطاعون؛ لأن الدخول إلى موضع النّقم تعرّض للهلكة، فالمقام بالموضع الذى لا طاعون فيه أسكن للقلب، فليتأدب الشخص بأدب الحكمة، وهى الفرار من الهلاك ولا يعارضها بالقدر الذى تضمنته اية: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا (٥١) [التوبة: ٥١] .
ولهذا قال عمر لأبى عبيدة ﵄ حين قال: أتفرّ من قدر الله!؟:
يا أبا عبيدة، لو غيرك قالها!؟ جواب الشرط محذوف يدل عليه السياق «١»:
نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.
ولما رمى أبو لهب بالعدسة تباعد عنه بنوه، فبقى ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يدفن، فلما خافوا السبّة دفعوه بعود في حفرته، ثم قذفوه بالحجارة من بعد حتّى واروه. وذكر أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه غطت وجهها.
وله من الولد ثلاثة: عتبة، وعتيبة، ومعتب، ومن الإناث: درة، وسبيعة، أسلم منهم اثنان يوم فتح مكة ولم يهاجرا من مكة حتّى ماتا ولهما بها عقب. ودرة وسبيعة أسلمتا، وكان عتبة ومعتب قد هربا من الإسلام، فأرسل إليهما عمهما العباس، فقدما وأسلما، فسرّ بذلك ﵇، وشهدا معه حنينا والطائف. وأما عتيبة فإنه لما أسلمت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ فارقها، وقال: يا محمد فارقت ابنتك وتركت دينك، فلا تحب لى خيرا أبدا. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فخرج إلى الشام تاجرا، فلما كان في بعض الطريق جاءه الأسد ففزع وقال: أترى ابن أبي كبشه «٢» قاتلى وهو بمكة وأنا بالشام! فأدخله أصحابه بينهم وتوسّطوا به جميعهم، فلما كان في بعض الليل أتاهم الأسد فتعدّاهم رجلا رجلا، حتى أتى إليه فشدخه من بينهم، وفيه قال حسان:
من يرجع العام إلي أهله فما أكيل السبع بالراجع
وأما أبوهما أبو لهب، وأمهما أم جميل، حمّالة الحطب، فيكفيهما ما أنزل الله
_________________
(١) السياق يقتضى «لقبلته منه» أو «لعاقبته» .
(٢) اسم كان يطلقه مشركو مكة علي الرسول ﷺ، أصله أن أبا كبشه رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان وعبد كوكبا يدعى الشعري. فسمى المشركون النبى ﷺ بهذا الاسم تشبيها به. انظر اللسان (٥: ١٨١٢) .
[ ٥٠ ]
فيهما من قوله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ السورة، وقال بعض العلماء في أولاد أبى لهب:
كرهت عتيبة إذ أجرما وأحببت عتبة إذ أسلما
كذلك معتب اسلم فاح ترز أن تسبّ فتى مسلما
ومثل عتبة وعتيبة في الصلاة والفحش: عبد الله وعبيد الله ابنا جحش؛ فإنّ عبد الله تبيّن وتبصّر فأسلم، وعبيد الله افتتن وتنصّر فأجرم، وإن الأكبر هو الأفضل والأصغر هو الأرذل.
* ثم أرضعت النبى ﷺ حليمة السعدية بنت أبى ذؤيب (تصغير ذئب) واسمه عبد الله بن الحارث، ومن سعادتها توفيقها للإسلام «١» هى وزوجها الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة السعدى وبنوها: عبد الله، والشيماء، وأنيسة، وقد ألّف الحافظ أبو سعيد علاء الدين بن مغلطاى في إسلامها جزا وسماه (التحفة الجسيمة في إسلام السيدة حليمة) وقال في سيرته: «وبقيت حليمة حتّى قدمت على رسول الله ﷺ بمكة، وقد تزوج خديجة، فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلّم لها خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، وانصرفت إلى أهلها.
وقدمت عليه أيضا في يوم حنين، فقام لها وبسط لها رداءه، فجلست عليه وقضى حاجتها، فلما توفى ﷺ قدمت على أبى بكر الصديق فصنع لها مثل ذلك، ثم عمر، ففعل ذلك. وأنشد في اخر الجزء المذكور:
أضحت حليمة تزدهي بمفاخر ما نالها في عصرها ذو شان
منها الكفالة والرضاع وصحبة والغاية القصوي: رضي المنّان
ومضمون قصتها مع اختصار: أنها قدمت مكة من البادية في سنة قحط شديدة لم تبق لهم شيئا صحبة عشر نسوة من قومها يلتمسن الرضعاء، ومعها ابن لها رضيع مجهود، وزوجها أبو أولادها الحارث، وكلاهما من بنى سعد بن
_________________
(١) حديث إرضاع السيدة حليمة ﵂ للنبى ﷺ رواه عنها عبد الله بن جعفر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وصرّح فيه بالتحديث بين عبد الله بن جعفر وحليمة.
[ ٥١ ]
بكر بن هوازن، فلم يبق منهن امرأة إلا وقد عرض المبارك عليها فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، ثم أخذته هي «١» إذ لم تجد غيره، فرأته مدرجا في ثوب صوف أبيض يفوح منه المسك، وكان راقدا على قفاه، فهابت أن توقظه، فوضعت يدها على صدره فتبسّم ضاحكا، وفتح عينيه فقبّلته وأعطته ثديها الأيمن فقبله، وحوّلته إلى الأيسر فأبي؛ لأن الله ألهمه العدل وأعلمه أن له شريكا هو ابنها فترك له ثديها الأيسر، وكانت هى وناقتها في أشد الجوع والهزال وعدم اللبن، فبمجرد أن وضعته في حجرها أقبل (أى درّ عليه) ثديها فروى وروى أخوه، ودرت ناقتهم فأشبعتهم تلك الليلة لبنا، فلمّا أصبحت ودّعت أمه امنة وركبت أتانها، فلما خرجت مع قومها سبقت أتانها الكلّ بعد أن كانت لا تنهض بها، فأنكر صويحباتها أنها هي، فلمّا علمنها قلن: إن لها شأنا عظيما. ولما وصلوا منازلهم كانت أجدب أرض الله، فكانت غنم حليمة ترجع ملاى، بخلاف غنمهم، مع أنها كلها بمحلّ واحد، فلله درّها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت، ولم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة، وقيل:
لقد بلغت بالهاشميّ حليمة مقاما علا في ذروة العز والمجد
وزادت مواشيها وأخصب ربعها وقد عمّ هذا السعد كلّ بني سعد
ولا يخفى أن قدوم نساء بنى سعد للرضعاء إنما كان لطلب الأجر على الرضاع.
قال السهيلى رحمه الله تعالى: والتماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر العرب، حتى جرى المثل «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» «٢» أى ولا
_________________
(١) حديث الرضاعة حديث مشهور، روته أغلب كتب السنة، منها أبو يعلي، وابن حبان في صحيحه.
(٢) قال الميدانى في مجمع الأمثال بعد كلام وقصة طويلة: « ثم ارتحل بها (أى بالزباء بنت علقمة بن خصفة الطائي)، وهى من أجمل بنات العرب انذاك- إلى قومه؛ فبينما هو ذات يوم جالس- أى زوجها الحارث بن سليل؛ وكانوا قد زوّجوها له وهى كارهة؛ لأنه رجل مسنّ- وهى إلى جانبه، إذ أقبل إليه شباب يعتلجون؛ فتنفست صعداء، ثم أرخت عينيها بالبكاء، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: ما لى وللشيوخ الناهضين كالفروخ! فقال لها: ثكلتك أمك «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» . فذهبت مثلا اهـ. ملخصا من مجمع الأمثال.
[ ٥٢ ]
تهتك نفسها وتبدى منها ما لا ينبغى أن تبدي. وتعقبه في «الزهر» أن المثل غير مسوق لذلك، وكان «١» عند بعضهم لا بأس به. فقد كانت وسيطة في بنى سعد، كريمة من كرائم قومها، بدليل اجتباء الله تعالى إياها برضاع نبيه ﷺ، كما اختار له أشرف البطون والأصلاب. والرضاع كالنسب، ويحتمل أن تكون حليمة ونساء قومها طلبن الرضاع اضطرارا للأزمة التى أصابتهم، والسنة الشهباء التى أقحمتهم؛ فلما تم له ﷺ عند حليمة سنتان عادت به إلى أمه، ثم فطمته.
قال بعضهم: وتجوز الزيادة على الحولين والنقص عنهما. لكن قال الحناطى فى فتاويه: يستحب قطع الرضاعة عند الحولين إلا لحاجة، وقال ابن كثير في تفسيره: ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرّت الولد في بدنه وعقله.
ومما ينسب إلى حليمة مما كانت ترقّص به النبى ﷺ:
يا ربّ إذ أعطيته فأبقه واعله إلى العلى ورقه
وادحض أباطيل العدا بحقه
ويظهر أنه مفتعل، وإن كان معناه جيدا.
* وروى أنه أرضع النبى ﷺ ثمان نسوة غير امنة: ثويبة، وحليمة، وخولة بنت المنذر، وأم أيمن، (والمعروف أنها من الحواضن)، وامرأة سعدية غير حليمة، وثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن عاتكة، فى قوله ﷺ يوم حنين. «أنا ابن العواتك من سليم «٢»» والعواتك ثلاث نسوة كنّ أمهات النبى ﷺ «٣»:
إحداهن: عاتكة بنت هلال، وهى أم عبد مناف بن قصي.
والثانية: عاتكة بنت مرّة بن هلال، وهى أم هاشم بن عبد مناف.
والثالثة: عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، وهى أم وهب أبى امنة أم النبى ﷺ.
فالأولى من العواتك عمة الثانية، والثانية عمة الثالثة، وبنو سليم تفتخر بهذه الولادة، ولم يرد ﷺ بقوله: «أنا ابن العواتك» الفخر، وإنما أراد به تعريف منازل
_________________
(١) أى الإرضاع.
(٢) رواه الطبراني، وسعيد بن منصور عن شبابة بن عاصم.
(٣) هنا بمعنى جدّاته.
[ ٥٣ ]
المذكورات ومراتبهن، كرجل يقول: كان أبى فقيها، ولا يريد الفخر، وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به التحدث بنعمة الله تعالى في نفسه وابائه وأمهاته على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ولبنى سليم مفاخر أخرى منها: أنها ألّفت معه يوم فتح مكة، أى شهده منهم ألف، وأن رسول الله ﷺ قدّم لواءهم يومئذ على الألوية، وكان أحمر، ومنها أن عمر كتب إلى أهل الكوفة والبصرة ومصر والشام أن ابعثوا إليّ من كل بلد أفضله رجلا. فبعث أهل الكوفة عتبة بن فرقد السلمي، وبعث أهل البصرة مجاشع بن مسعود السلّمي، وبعث أهل مصر معن بن يزيد السلمي، وبعث أهل الشام الأعور السلمى.
وسبب دفع أمه إياه لمن ترضعه أن هذا كان عادة قريش وأشراف العرب في أولادهم، ولو كانت الأم حيّة ولها لبن؛ لأن نساءهم كنّ يرين إرضاع أولادهن عارا «١» عليهن، وأيضا إذا نشأ الرضيع غريبا كان أنجب له، مع ما يضاف إلى ذلك من تفرّغ النساء للأزواج، وإن كان هذا منتفيا هنا؛ لأن أباه ﷺ توفى وهو حمل على الصحيح. والأولى في التعليل أن ينشأ غريبا، على أن هذه العادة عادة أشراف الدنيا قديما وحديثا، لا سيما بالأقطار الحجازية بالنسبة للحواضر؛ فإنهم يبعثون بأبنائهم إلى البوادى للتربية بها مع ما ينضم إلى ذلك من خاصية فصاحة العربية العريقة بالبادية القليلة المخالطة بما يفسد اللغات، فهذه هى حالته ﷺ حيث منّ الله على حليمة السعدية فأرضعته مع ابنها الذى شرب النبى ﷺ من لبنه، وهو عبد الله بن الحرث.
وكان له ﷺ أختان: أنيسة والشيماء بنتا الحرث، الشيماء واسمها حذاقة، وإنما غلب لقبها فلا تعرف في قومها إلا به، وسبيت يوم حنين، فقالت «يا قوم اعلموا أنى أخت نبيكم» فلما أتوا بها النبى ﷺ قالت له: «إنى أختك، وكنت عضضتنى وأنا أحضنك مع أمي» . فعرف ذلك وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت
_________________
(١) بل لأن أهل مكة بالذات كانوا حريصين على إرضاع أولادهم في البادية حفاظا على اللغة الفصحى من أن تختلط في لسان الولد، وذلك لأن مكة مركز تجارى يأتى إليها العربى وغير العربي.
[ ٥٤ ]
عيناه، وقال لها: «إن أحببت فأقيمى عندى مكرمة محبّبة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك» . قالت: بل أرجع إلى قومي. فأسلمت «١»، وأعطاها النبى ﷺ جارية وغلاما اسمه مكحول، فزوجت الجارية من الغلام، وكانت تحضنه ﷺ وترقصه وتقول:
هذا أخ لى لم تلده أمى فديته من مخول معم
فأنمه اللهمّ فيما تنمي
ولعل هذا الرجز مصطنع بعد، أو كان مما يرقّص به الأطفال في ذلك الزمن. وكان رسول الله ﷺ عرض على كثير من النساء فلم يرضين رضاعه ليتمه وفقره؛ ويقلن: ماذا عسى أن يكون من أمه وجدّه إلينا لله إنما يكون الإحسان من الأب. فأخذته حليمة السعدية، وقالت: لعل الله أن يجعل لنا فيه البركة. فحقق الله رجاءها. واليتم والفقر نقص في حق الخلق؛ فلما صار محمد ﵊ مع هذين الوصفين أكرم الخلق، كان ذلك قلبا للعادة، فكان من جنس المعجزات، وقد قيل لجعفر الصادق: لم يتم ﷺ من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وأيضا لينظر ﷺ) إذا وصل إلى مدارع «٢» عزه لأوائل أمره، ليعلم أن العزيز من أعزّه الله تعالى: وأنّ قوّته ليست من الاباء والأمهات، ولا من المال، بل قوتّه من الله تعالى، وأيضا ليرحم الفقراء والأيتام، وقد قال ﷺ: «ارحموا اليتامي، وأكرموا الغرباء؛ فإني كنت في الصغر يتيما وفي الكبر غريبا» «٣» .
_________________
(١) انظر ترجمتها في «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر؛ قال: وذكر محمد بن المعلى الأزدى في كتاب الترقيص قال: وقالت الشيماء ترقّص النبى ﷺ وهو صغير: يا ربنا أبق لنا محمدا حتى أراه يافعا وأمردا ثم أراه سيدا مسوّدا واكبت أعاديه معا والحسّدا وأعطه عزا يدوم أبّدا قال: فكان أبو عروة الأزدى إذا أنشد هذا البيت يقول: «ما أحسن ما أجاب الله دعاءها» اهـ. من الإصابة.
(٢) مدارع عزه: منتهاه.
(٣) قال ابن حجر الهيتمى المكى المتوفى سنة ٩٧٤ هـ بعد ذكر جملة من الأحاديث منها هذا الحديث: «ارحموا اليتامى » الخ قال: «هذه الأحاديث كلها كذب موضوعة، لا يحل رواية شيء منها إلا لبيان أنها كذب مفترى على النبى ﷺ، كما أفاد ذلك الحافظ السيوطى شكر الله سعيه» انتهي. من الفتاوى الحديثية ص ١٧٤ طبع الحلبى.
[ ٥٥ ]
* وبعد ذلك مضت حليمة «١» به إلى بلادها عند سعد بن بكر، فأتاه الملكان هناك وشقّا صدره الشريف وأخرجا قلبه فغسلاه بماء الثلج في طست من ذهب، وملاه حكمة وإيمانا، واستخرجا حظ الشيطان منه (وهى مضغة سوداء) وفي رواية علقة، فلما علمت حليمة بذلك رجعت به إلى مكة لأهله بعد أن أقام نحو أربعة أعوام، فردّته إلى أمه. وشقّ صدره الشريف أيضا وهو ابن عشر سنين، ثم عند مبعثه، ثم عند الإسراء، والشق الأوّل الذى عند حليمة كان في السنة الثالثة من مولده ﷺ، وقيل: كان في الرابعة. ولكلّ من الثلاث حكمة، فالأولى التى كانت في زمن الطفولية؛ لتطهيره عن حالات الصبا حتّى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ ﵇ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. والتى عند المبعث زيادة في الكرامة؛ ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوى في أكمل الأحوال من التطهير. والتى عند إرادة العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة. وسكت عن حكمة شق صدره وهو ابن عشر سنين، فيحتمل أن يقال: لمّا كان العشر قريبا من سن التكليف شق صدره ﵇ وقدس حتّى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، وقد نظم بعضهم المواطن التى شق صدره فيها ﷺ، فقال:
أيا طالبا نظم الفرائد في عقد مواطن فيها شقّ صدر لذي رشد
لقد شقّ صدر للنبي محمد مرارا لتشريف، وذا غاية المجد
فأولي له التشريف فيها مؤثّل لتطهيره من مضغة في بني سعد
وثانية كانت له وهو يافع وثالثة للمبعث الطيب النّد
ورابعة عند العروج لرّبّه وذا باتفاق، فاستمع يا أخا الرشد
وخامسة فيها خلاف تركتها لفقدان تصحيح لما عند ذي النقد
والحكمة في غسله بماء الثلج والبرد هى مع ما فيهما من الصفاء وعدم التكدر
_________________
(١) وكان النبى ﷺ يكرمها، فقد روى أبو داود، وأبو يعلى «أن النبى ﷺ كان بالجعرانة يقسم لحما فأقبلت امرأة بدوية؛ فلما دنت من النبى ﷺ بسط لها رداءه فجلست عليه، قال الطفيل راوى الحديث: فقلت: من هذه؟ قالوا: هذه أمه التى أرضعته» يعنى حليمة.
[ ٥٦ ]
بالأجزاء الترابية التي هى محل الأرجاس وعنصر الأكدار: الإيماء إلى أن الوقت يصفو له ولأمته، ويروق لشريعته الغرّاء وسنته، والإشارة إلى ثلوج صدره، أى انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم، والإيذان ببرودة قلبه (أى طمأنينته على أمته بالمغفرة لهم والتجاوز عن سيئاتهم) . وقال ابن دحية: «إنما غسل قلبه بالثلج؛ لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه» . وقد كان ﷺ يقول بين التكبير والقراءة: «اللهم اغسلنى من خطاياى بالثلج والبرد» «١» خصّهما بالذكر تأكيدا للطهارة ومبالغة فيها، لأنهما ما ان مفطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب وجرت في الأنهار وجمعت في الحياض، فكانا أحقّ بكمال الطهارة. وأراد تعالى أن يغسل قلبه بماء حمل من الجنة، وطست مليء حكمة وإيمانا؛ ليعرف قلبه طيب الجنة ويجد حلاوتها؛ فيكون في الدنيا أزهد، وعلى دعوة الخلق إلى الجنة أحرص، ولأنه كان له أعداء يتقوّلون عليه، فأراد الله تعالى أن ينفى عنه طبع البشرية من ضيق الصدر وسوء مقالات الأعداء، فغسل قلبه ليورث ذلك صدره سعة ويفارقه الضيق كما قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [الحجر: ٩٧]؛ فغسل قلبه غير مرة، فصار بحيث إذا ضرب أو شجّ رأسه وشظيت رباعيته كما في يوم أحد يقول: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» «٢» .
ولما أكمل ست سنين توجّهت أمه مع أم أيمن حاضنته ﵊ لزيارة أخوال أبيه بنى النجار، وأقاموا شهرا ورجعوا ذاهبين إلى مكة، فلما نزلوا بالأبواء (محل بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب) ماتت أمه، فدخلت به أم أيمن مكة، وكان يقول لها: «أنت أمّى بعد أمي» أى في الاحترام؛ لأنها قامت مقام أمه في تربيته.
فضمّه جده عبد المطلب، وكان يرقّ عليه ويعلى منزلته ويقول: إن لولدى هذا شأنا عظيما. وكان أبوه عبد الله مات وله سنتان، وقيل وهو حمل، لأن عبد المطلب كان يبعثه إلى غزة من الشام يمتار لهم طعاما مع تجار من قريش، فلما رجعوا مرض عبد الله؛ فلما دخلوا إلى المدينة تخلّف بها عند أخواله بنى النجار،
_________________
(١) جزء من حديث طويل رواه الترمذي، والنسائي وابن ماجه.
(٢) رواه الطبراني في الكبير عن سهيل بن سعد.
[ ٥٧ ]
ثم مات بها، وله ثلاثون سنة. ولما بلغت وفاته عبد المطلب وجد عليه وجدا شديدا، والصحيح أن النبى ﷺ كانت وفاة أبيه بعد شهرين من حمل أمه به، وخلّف عبد الله جاريته أم أيمن وخمسة أجمال، وقطعة غنم، فورث ذلك رسول الله ﷺ من أبويه، وكفله جده عبد المطلب حتّى مات والمصطفى ﷺ ابن ثمانى سنين، ولا خلاف أن جده المذكور وأبويه ماتوا في الجاهلية؛ فإنه ما جاء الإسلام ونبيء حتّى بلغ الأربعين، وكان الناس قبل بعثته كما قال تعالى: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «١» [ال عمران: ١٦٤] وقد أشار إلى ذلك العراقى صاحب السيرة بقوله:
مات أبوه وله عامان وثلث، وقيل بالنقصان
عن قدر ذا، بل صحّ كان حملا وأرضعته حين كان طفلا
مع عمّه حمزة ليث القوم ومع أبى سلمة المخزومي
ثويبة، وهى إلى أبى لهب أعتقها وأنه حين انقلب
هلكا: رئي يوما بشرّ حيبه لكن سقي بعتقه ثويبه
وبعدها حليمة السعديه فظفرت بالدرّة السنيه
نالت به خيرا وأيّ خير من سعة ورغد ومير
أقام في سعد بن بكر عندها أربعة الأعوام تجنى سعدها
وحين شقّ صدره جبريل خافت عليه حدثا يئول
ردّته سالما إلى امنه وخرجت به إلى المدينة
تزور أخوالا له فمرضت راجعة فقبضت وتوفيت
هناك بالأبواء وهو عمره ستّ سنين مع شئ يقدره
ضابطه بمائة أياما وقيل: بل أربعة أعواما
وحين ماتت حملته بركه لجدّه بمكة المباركه
كفله إلى تمام عمره ثمانيا ثم مضى لقبره
_________________
(١) ( وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين) . [ال عمران: ١٦٤] .
[ ٥٨ ]
الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، وإشهاره كلّ سنة وفيما جرى في مولده وفيما بعده من الوقائع
فى الأخبار المشهورة أن الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجّ إيوان «١» كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرّافة إشارة إلى أنه لم يبق من ملوكهم المستبدين بالملك إلا أربعة عشر ملكا؛ فهلك عشرة في أربع سنين، وهلك أربعة إلى زمن عثمان ﵁، وزال ملكهم بالكلية. ورأى في تلك الليلة أنوشروان رؤيا أفزعته، فجمع الكهنة والسحرة والمنجمين فقصها عليهم، فدلّوه على (سطيح) الكاهن ليعبرها له، وكان مشهورا بالكهانة، فأرسل كسرى إليه وزيره، وكان سطيح يخرجه قومه على رأس كل سنة مستلقيا، فيتكلم بأحكام السنة الاتية، فلمّا خرج بدأ الكلام بالرؤيا قبل القصّ عليه، فقال: «إن كسرى رأى رؤيا هالته، رأى خيولا عربية ملأت مدينته، تسوق إبل العراق وتخرجها من البلاد؛ فالخيول العربية أصحاب النبى القرشى الهاشمى المكيّ المدنيّ الخاتم، الذى يختم الله به الأنبياء، ويأتيه الوحى من الملك الواحد الأحد الفرد الصمد، وسيفتح له البلاد والمدائن بالعراقين وغيرهما، على عدد شرّافات بقين من الإيوان حين سقوطه ليلة ميلاده، الحذر الحذر من مخالفته، من كل من وصل إلى زمن دعوته!» ثم بكى سطيح وقال: «ما بقي من عمرى إلا قليل، لا أدرك بعثة النبى الجليل» قال: فرجع وزير كسرى القهقري، فأخبر الملك بما أخبر به سطيح، فوقع ما قال مما قدّره القادر المتعال.
[الاحتفال بالمولد]:
وقد سبق لنا في الفصل الأوّل من الباب الأوّل: أن (ثويبة) جارية أبى لهب لمّا بشّرته بولادته ﷺ أعتقها عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما، فخفّف الله عنه العذاب كل يوم اثنين الذى هو يوم مولده، ولعل تخفيف عذابه
_________________
(١) الإيوان: مجلس كبير على هيئة صفّة واسعة، لها سقف محمول من الأمام على عقد يجلس فيها كبار القوم.
[ ٥٩ ]
بالنّظر لذنب غير الكفر، حيث لا مانع من تخفيفه، أو هذا التخفيف خاص به وبمن ورد فيه النص، وهذا إكرام لمن وقع البرّ لأجله، وهو النبى ﷺ، فلا غرابة فى أنّ مولده الشريف على تداول الأيام صار متّبعا من جميع الناس، أكابر وأصاغر، وإن كان بدعة فهو من البدع المحمودة، وابتداعه مبنى على قاعدة الشكر للمولى في إيجاده، والواقع أن الأصل في حسن البدعة وقبحها أن تعرض على قواعد الشريعة: فما تدخل في قواعده من الأحكام الخمسة «١» تنسب إليه، وكم من سنن ابتدعت على طريق القرب إلى الله تعالى وصارت ملحقة بالسنّة الشريفة، والمولد النبوى منها، إذ لا ضرر ولا ضرار في فعله لمن أراد ذلك في ربيع الأوّل أو غيره، بل نصّ ابن الجوزى أنه مما جرّب أنّ فعله يورث الأمان التام في ذلك العام، كما سيأتي، وإن قال ما قال فيه تاج الدين الفاكهانى المالكى من الإنكار، وتعقّبه الجلال السيوطى وردّ عليه الردّ التام بسلوك طريق الاستدلال والاستظهار، وحكم بينهما «٢» العلّامة الشيخ عبد السلام اللقانى المالكي، وقضى بينهما بقول فصل وحكم عدل يشهد له بالفضل، أشبع في مقاله بالنصوص القاطعة والحجج الدّاحضة بما يقنع من الدليل ويشفى الغليل، ويكشف عن وجوه البدع قناع التأويل، فلنذكر كلامه في هذا المعنى برمّته مع بعض تصرف في العبارة، وإن كان فيه تكرار شيء مما سبق، حيث هو مؤكد له ومزيل الغطاء عن غمته.
ونصّ عبارة الشيخ عبد السلام اللقافي: المنقولة من مسودّة حاشية له على بعض السير النبوية:
«وقد أردت إيراد بعض فوائد تتعلق بالمولد الشريف مما ذكره النجم «٣» وغيره فأقول مستعينا به سبحانه:
اعلم أن الناس اختلفوا في عمل المولد واجتماع الناس له، والذى صرّح به العلّامة تاج الدّين الفاكهانى المالكى﵀- أنه بدعة مذمومة، وألّف فى ذلك كتابا صدّر ديباجته بقوله بعد البسملة والحمدلة وما يطلب له الإتيان به:
_________________
(١) أى الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهية، والتحريم.
(٢) أى بين الفاكهانى والسيوطي.
(٣) هو النجم الغيطى- كما سيأتي.
[ ٦٠ ]
«أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة عن الاجتماع الذى يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأوّل ويسمّونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة حدثت في الدين؟ وقصته والجواب عن ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا:
«قلت، وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدّين، المستمسكون باثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهرة اعتنى بها الأكّالون، بدليل أنّا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرّما. وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة، ولا التابعون المتدينون فيما علمت، وهذا جوابى عنه بين يدى الله إن سئلت عنه، ولا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين، أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الاثام، وهذا الذى وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمى أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سرج الأزمنة وزين الأمكنة، والثانى أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتّى يعطى أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: اخذ المال بالحياء كاخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك الغناء من البطون الملأى بالات الباطل كالدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الأحداث والنساء الفاتنات، والرقص بالتثنى والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهتّك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤]، وهذا هو الذى لا يختلف في تحريمه إنسان، ولا يستحسنه ذوو المروءة والفتيان، وإنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الاثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنّا لله وإنا إليه راجعون «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ»، ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء
[ ٦١ ]
حيث يقول: «لا يزال الناس بخير ما تعجّب من العجب»، هذا مع أن الشهر الذى ولد فيه ﷺ، وهو ربيع الأوّل هو بعينه الشهر الذى توفّى فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى حسن القبول» .
وتعقّبه العلّامة الجلال السيوطى مؤلّف هذا الكتاب في فتاويه، فقال: أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة؛ فيقال عليه: نفى العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له العلامة ابن حجر العسقلانى ﵀ أصلا من السنة، وهو ما ثبت في الصحيحين من «أن النبى ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجّى موسي، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فقال: أنا أحق بموسى منكم» «١» فصامه وأمر بصيامه، قال: فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات، كالسجود والصيام والتلاوة، وأيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبى نبيّ الرحمة ﷺ في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغى أن يتحرّى الوقت بعينه، فإن كان ولد ليلا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام، وإن كان ولد نهارا (وهو الأصح) فبما يناسبه كالصيام والصدقة، ولا بد أن يكون ذلك اليوم بعينه من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتّى يطابق قصة موسى ﵊ في يوم عاشوراء. ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالى بعمل المولد في أى يوم من الشهر، بل توسّع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة، وفيه ما فيه، وينبغى أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذكروا، أما السماع واللهو وغيرهما، فما كان مباحا لعين السرور بذلك اليوم، فلا بأس به، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. اهـ.
فيفهم من ذلك: أن أصل ابتداع عمل المولد الشريف مبنى على قاعدة الشكر، وعلي النعمة بإيجاد الذات المحمدية، الواسطة في خيرى الدنيا والآخرة، فلهذا خالفت هذه السنّة الحسنة اتخاذ يوم عاشوراء مأتما ومظهرا للحزن كما يفعله بعض الأعاجم، لأجل قتل الحسين بن الإمام على رضى الله تعالى عنهما،
_________________
(١) وفي رواية لأحمد وابن ماجه والبخارى ومسلم: «نحن أحق بموسى منكم» .
[ ٦٢ ]
فكانت هذه من البدع السيئة، ومن عمل الذين- ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- إذ لم يأمر الله سبحانه ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم؟! والقاصّ الذى يذكر للناس قصة القتل يوم عاشوراء، ويخرق ثوبه ويكشف رأسه ويأمرهم بالقيام والتشنيع تأسّفا على المصيبة يجب أن يمنع، والمستمعون له لا يعذرون فى الاستماع.
قال الإمام الغزالى وغيره: «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين ﵁، وحكاية ما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيّج على بغض الصحابة والطعن فيهم، وهم أعلام الدين الذين تلقّى عنهم أئمة الدين، وتلقينا عنهم، والطاعن فيهم طاعن في نسبه ودينه» .
وقال الإمام الشافعى وجماعة من السلف: «تلك دماء طهّر الله منها أيدينا، فلنطهّر منها ألسنتنا» «١» . انتهي
فليس لاتخاذ يوم عاشوراء مأتما مستند يتخرّج عليه، بخلاف المولد الشريف، فقد فهمت مستنده، بل هو متعدّد، فقد قال الحافظ الجلال السيوطى ﵀:
«وقد ظهر لى تخريجه (يعنى عمل المولد) على أصل اخر (يعنى غير ما ذكره الحافظ ابن حجر) وهو ما أخرجه البيهقى عن أنس أن النبى ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا الذى فعله النبى ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته، كما كان يصلى على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات» . انتهى.
قال شيخ مشايخنا النّجم الغيطى ﵀: «وما ذكره الحافظ ابن حجر من التخريج أنسب وأظهر مما ذكره الحافظ الجلال، كما هو الظاهر؛ لأن فعل صوم عاشوراء يتكرر كل عام، وهو في وقت معين، فكان عمل المولد المذكور مثله، بخلاف العقيقة فإنها لا تتكرر، وليست مختصه بوقت معين، ولا تتقدم عليه ولا
_________________
(١) وقال ذلك عمر بن عبد العزيز ﵀.
[ ٦٣ ]
تتأخر، ولأن ما فعله جده عبد المطلب من العقيقة لم يقع عنه؛ لأن ذلك كان قبل الشرع، فلا يتعلق به حكم، والعقيقة التى فعلها النبى ﷺ عنه بعد النبوة (على تقدير صحتها) كانت بعد الشّرع، فهى المشروعة والواقعة عنه؛ لأنه بعد ولادته لم يقع عنه عقيقة مشروعة، وقد قال أئمتنا: إن من بلغ ولم يعقّ عنه فحسن أن يعقّ عن نفسه، على أن ما ورد من أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوة حديث منكر، كما قاله ابن حجر وغيره، بل قال النووى في شرحه المهذّب: إنه حديث باطل، فعليه يسقط التخريج المذكور أيضا بالأولى، والله ﷾ أعلم.
قلت: وما ذكره النجم من أن العقيقة لا تتكرر، إنما هو للمولود الواحد، أمّا إذا تعدد فإنها تتعدد أيضا كما هو مذهبنا، وما ذكره أيضا من أنها ليست مختصة بوقت معين، فليس مذهبنا، بل المذهب أنها مختصة به، فتكون في سابع الولادة لا قبله اتفاقا، ولا بعده، فإن فات فاتت علي المشهور، كما علمته انفا.
قال الجلال: وأما قول الفاكهانى «بل هو بدعة أحدثها البطّالون الخ» يقال عليه: إنه أحدث من غير نكير منهم، وارتضاه ابن دحية، وصنّف من أجله كتابا، فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقرّوه، ولم ينكروه.
وقوله «ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع» يقال عليه: إن الطلب فى المندوب تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس علي الأصلين، يعنى السابقين في التخريج، وقد علمتهما، وقوله «ولا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين» كلام غير مستقيم؛ لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا مباحة ومندوبة وواجبة أهـ.
وحاصل القول في البدعة أنها لغة: ما كان مخترعا على غير مثال سابق، وشرعا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاصّ أو العامّ، بل يكون الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة، أما ما أحدث مما له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير، أو بغير ذلك، فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، ومن ثمّ قال عمررضي الله عنه- فى التراويح: «نعمت
[ ٦٤ ]
البدعة هي» «١» وليس ذلك مذموما بمجرد لفظ محدث أو بدعة؛ فإن القران باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث أوّل سورة الأنبياء «٢»، وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفة السنّة ودعايته إلى الضلالة.
والبدعة من حيث هى منقسمة إلى خمسة أقسام:
واجب:
وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلّته من الشرع، كتدوين القران والشرائع إذا خيف عليها الضياع؛ فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا، وإهمال ذلك حرام إجماعا، زاد بعض المتأخرين: ومن البدع الواجبة علي الكفاية الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة، كالنحو والصرف والمعانى والبيان واللغة، بخلاف العروض والقوافي ونحوهما، وكالجرح والتعديل، وتمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله والاته، والرد على نحو القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة؛ لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد علي المتعين، كما دلّت عليه القواعد الشرعية، ولا يتأتّى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب.
وحرام:
وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة، كالمحدثات من المظالم التى اخترعتها الأهواء بغيا، ولا ينبغى أن تلتبس هذه البدع بالحقوق التى تقرّرها الحكام على الرعايا بمقتضيات الأحوال عند تعطيل أموال الزكاة لإقامة شعائر الممالك. زاد بعضهم من البدع المحرمة: الاشتغال بمذاهب سائر أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.
ومندوب إليه:
وهو ما تناولته قواعد النّدب وأدلته كصلاة التراويح، وإقامة أبّهة الأئمة والقضاة والحكام، على خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان تعظيم الناس في زمن الصحابة رضوان الله عليهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة، ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن، وحدثت قرون أخر، لا
_________________
(١) كان الصحابة يصلّون التراويح متفرقين، كل جماعة اتخذوا لهم إماما يصلّى بهم، فقال: «أراهم اتخذوا القران مغاني، والله لأجمعنهم على إمام واحد»، فلما جمعهم وراهم قال ذلك.
(٢) قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢] .
[ ٦٥ ]
يعظّمون إلا بالصور، فتعيّن تفخيم الصور حتّى تحصل المصالح، وقد كان عمر ﵁ يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة في كل يوم، لعلمه بأن الحالة التى هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة؛ فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النّظام، ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية بن أبى سفيان قد اتخذ الحجّاب وأرخى الحجاب، واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العليّة، وسلك ما يسلكه الملوك، سأله عن ذلك، فقال له: إنّا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: «لا امرك ولا أنهاك»، ومعناه أنت أعلم بحالك، هل أنت محتاج إلى هذا، فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يسوغ لك التخلّق به؟ فدلّ ذلك من عمر ﵁ وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والأعصار والقرون والأحوال، فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال. زاد بعض المتأخرين:
ومن البدع المندوبة إحداث نحو الرّبط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأوّل، والكلام على دقائق التصوّف والجدل، وجمع المحافل، والاستدلال فى المسائل العلمية إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
ومكروه:
وهو ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها، كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، وكذلك في الصحيح* خرّجه مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلتها بقيام، ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثة وثلاثين، فيفعل مائة، وورد صاع في زكاة الفطر فيجعله عشرة أصوع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع، وقلة أدب معه «١»، بل شأن العظماء إذا حدّدوا شيئا وقف عنده وعدّ الخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل
_________________
(١) * أى الحديث صحيح.
(٢) لأن الشارع كريم ورحيم، فكأن الفاعل لذلك يقول بلسان حاله: أنا أكرم من الله. تعالى الله عن ذلك، وكذلك في كل ما حدّده الشارع: لا تجوز الزيادة فيه ولا النقصان عنه، لأنه ورد بنص صريح، والله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم.
[ ٦٦ ]
والمزيد عليه، ولذلك نهى مالك ﵀ عن اتصال صيام ستة أيام من شوال برمضان، لئلا يعتقد أنها من رمضان «١» .
وخرّج أبو داود أنّ رجلا دخل إلى مسجد رسول الله ﷺ فصلّى الفرض، وقام ليصلى ركعتين، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: «اجلس حتّى تفصل بين فرضك ونفلك؛ فبذا هلك من كان قبلنا» فقال له رسول الله ﷺ: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب» «٢» . يريد عمر أنّ من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير للشرائع، وهو حرام إجماعا. زاد بعضهم: ومن البدع المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف. انتهى «٣»
ولكن قياسا على ما ذكره القليوبى من أن الاحتفال بالجنائز كان بدعة، ثم بعد أن دل على التعظيم صار مقبولا، فلا مانع أن يقاس عليه زخرفة المساجد والمصاحف، والمدار على النية وتحكيم الأحوال.
واعلم أنّ حكمنا على الزائد علي التسبيح بالكراهة إنما هو من حيث زيادته، فلا ينافى قول النووى وغيره إنه يثاب عليه، يعنى من حيث أنه ذكر، والله أعلم.
ومباح:
وهو ما تناولته الإباحة وقواعدها من الشريعة؛ كاتخاذ المناخل للدقيق، ففى الاثار «أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله ﷺ اتخاذ المناخل»
_________________
(١) وفي الحديث: «باب المناهى من الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير» «نهى- أى رسول الله ﷺ- عن صيام يوم قبل رمضان؛ والأضحي؛ والفطر؛ وأيام التشريق، رواه البيهقى عن أبى هريرة، وفي حديث اخر: «نهى عن صوم يوم الفطر والنحر» رواه البخارى ومسلم عن عمر، وأبى سعيد. وروى الأربعة «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتّى رمضان، ومن مثل هذا نعرف أن أصحاب المذاهب لم يأتوا من عندهم بشيء، وإنما كله مأخوذ من السنة الشريفة، وأنه لا رأى لأحد منهم في دين الله، وإنما علينا نحن أن ننقب ونبحث، ولا نتهم أحدا منهم بريبة، كيف وهم السادة الذين شرفهم الله بحفظ دينه ورسالة نبيه ﷺ؟!
(٢) رواه أبو داود، والطبراني، والحاكم عن أبى رمئة.
(٣) بل هى من علامات الساعة إذا كانت للمباهاة، كما قال ﵊: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمى، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والضياء المقدسى والبيهقى.
[ ٦٧ ]
لأن لين العيش وإصلاحه من المباحات، فوسائله مباحة، زاد بعضهم: ومن البدع المباحة التوسع في لذيذ الماكل والمشارب والملابس وتوسيع الأكمام، وبما تقرر علم أن قوله ﷺ «إياكم ومحدثات الأمور» عامّ أريد به خاص؛ إذ سنّة الخلفاء الراشدين منها، مع أنّا أمرّنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعى «١» .
قال بعض المتأخّرين: وكذلك سنتهم عامّ أريد به خاص، إذ لو فرض خليفة راشد في عامّة أمره سنّ سنة لا يعضدها دليل شرعي، امتنع اتباعها، ولا ينافى ذلك رشده؛ لأنه قد يخطيء المصيب ويزيغ المستقيم «٢» يوما ما، ففى الحديث:
«لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة» «٣» .
ولنا قاعدة، وهي: كل حكم أجازه الشارع أو منعه وأمكن ردّه إلى أحدهما فهو واضح، فإن أجازه مرة ومنعه أخرى: فالثانى ناسخ للأوّل، وإن لم يرد عنه إجازته ولا منعه ولا أمكن ردّهما إليه بوجه: ففيه الخلاف قبل ورود الشرع، والأصح ألاحكم فلا تكليف فيه بشيء، وقيل: يرجع فيه إلى المصلحة والسياسة، فما وافقهما منه: أخذ به، وما لا: ترك، كذا قال بعض المتأخرين، ولا شك في حسنه.
وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج في كتابه «المدخل» على عمل المولد، فأتقن الكلام فيه جدا، وحاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات.
وقال الحافظ: «أصل عمل المولد بدعة، لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى فى عمله المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، ومن لا فلا» .
_________________
(١) قال ﵊: «الزموا سنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» رواه ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله ص ٤٨٤، فأنت بهذا مأمور بما فعله أصحاب رسول الله ﷺ، لا خيار لك في تركه.
(٢) لكنهم لم يستنوا شيئا يخالف رسول الله ﷺ، وكيف وقد وصفهم الله ﵎ بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧]، وعلى هذا فكلام بعض المتأخرين هذا ساقط ونسأل الله السلامة والعافية.
(٣) رواه الإمام أحمد والترمذى وابن حبان والحاكم عن أبى سعيد.
[ ٦٨ ]
وقال العلّامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزرى الشافعي: «هذه بدعة لا بأس بها، ولا تكره البدع إلا إذا راغمت «١» السنة، وأما إذا لم تراغمها فلا تكره، ويثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور والفرح بمولد النبى ﷺ» . وقال فى موضع اخر: «هذه بدعة لا بأس بها، ولكن لا يجوز له أن يسأل الناس، بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسئول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح، أرجو ألاينتهى إلى حد الكراهة» .
وقال العلامة نصير الدين المبارك الشهير بابن الطبّاخ: «ليس هذا من السنن، ولكن إذا أنفق المنفق في هذا اليوم أو تلك الليلة، وأظهر السرور فرحا بمولده ﷺ ودخوله في الوجود، وجمع جمعا أطعمهم ما يجوز، واتخذ السماع الخالى عن اجتماع الأحداث، وإنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات والمشوقات للشهوات الدنيوية، كالقد والخد والعين والحاجب، وأنشد ما يشوّق إلى الآخرة ويزهّد في الدنيا، ودفع للمسمع ملبوسا، فهذا اجتماع حسن جائز يثاب قاصد ذلك وفاعله عليه إذا أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء إلا أن يقصد مواساة الأحوج، فالفقراء أكثر ثوابا، إلا أنّ سؤال الناس ما في أيديهم لذلك فقط بدون ضرورة وحاجة مكروه، واجتماع الصلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام، ويذكروا الله تعالى، ويصلّوا على رسوله ﷺ يضاعف القربات والمثوبات، أما إذا كان الاجتماع مما ينهى عنه شرعا فإنه مجمع اثام» .
وقال الحافظ أبو الخير في فتاويه: «عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ﷺ بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهيجة الرفيعة، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. اهـ.
وقال العلامة أبو الخير ابن الجزرى المقريء: «من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان لكفي، وإذا كان قوم عيسى اتخذوا ليلة مولده عيدا أكبر؛ فكذلك أهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر. وأكثر الناس عناية بذلك أهل مكة
_________________
(١) راغم فلانا: أي هجره وعاداه.
[ ٦٩ ]
المشرفة، ثم أهل المدينة المنورة، ثم أهل مصر في السنين المتقدمة والمتأخرة، ثم غيرهم، تقبّل الله عملهم.
وأوّل من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين به، وبه اقتدى في ذلك السلطان الملك المظفر صاحب «إربل» فى الجامع المظفرى الذى للحنابلة بصالحية دمشق («وإربل» مدينة بقلعة على مرحلتين من الموصل)، فكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأوّل، ويحتفل به احتفالا هائلا. يكثر فيه من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، مما يجلّ عن الوصف، وإنفاقه بسببه ألوفا من المال الطيّب الحلال، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم (يعنى الأعطية) وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار.
ولما اجتاز الحافظ ابن دحية بإربل، ووجد ملكها المظفر يعتنى بالمولد الشريف عمل له كتاب «التنوير في مولد البشير النذير» وقرأه عليه بنفسه، فأجازه على ذلك بألف دينار» .
وقال الشيخ جلال الدين المعروف بالمخلّص: «مولده ﷺ مجمّل مكرّم، قدّس يوم ولادته وشرف وعظم، وكان وجوده مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم ممن أعدّ لها لفرحه بولادته ﷺ. وتمت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم الجمعة من حيث إن يوم الجمعة لا تسعّر فيه جهنم «١» هكذا ورد عنه ﷺ)، فمن المناسب إظهار السرور، وإنفاق الميسور.
قال العلامة الشمس ابن الجوزى في اخر كتابه «التعريف بالمولد الشريف»:
«فإن قيل: فلم لم تتخذ أمته ﷺ مولده عيدا كما اتخذت أمة عيسى ﵇ ليلة مولده عيدا؟
فالجواب أنه لما كان يوم مولده ﷺ هو يوم وفاته، تكافأ السرور بالعزاء، وهذا أحسن ما خطر لى في ذلك، وقد يقال: إنه لما اختلف فيه لم يتعين، أو يقال
_________________
(١) ولفظه كما جاء في الإحياء: «إن الجحيم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء، فلا تصلوا في هذه الساعة، إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر فيه» رواه أبو داود. وروى أبو داود أيضا عن قتادة: «إن جهنم تسجّر، إلا يوم الجمعة» .
[ ٧٠ ]
الأعياد توقيفية، ولم يشرع غير هذين اليومين (١)، أو يقال سدا للذريعة، وما أشرت إليه أوّلا ألطف، وإلا ففى الحقيقة مولده ﷺ عيد وأيّ عيد، يشمل القريب من أمته والبعيد.
وبالجملة فالاعتناء بوقت مولده الشريف ﷺ، والإنشاد للمدائح النبوية والزهدية والعرفانية، وإطعام الطعام والصدقات السنية أمر حسن منيف، يثاب فاعله الثواب الجزيل، بقصده الجميل، وإن كان عمله لم ينقل عن أحد من السلف الصالح والقرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعدها، فلذلك كان بدعة حسنة عند من تحقّق العلم وأتقنه، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده خصوصا في ليلته، بعمل المولد بما ذكر، وإظهار السرور بذلك والحبور بتلك المسالك، وبعضهم يزيد على ذلك بقراءة ما صنف في المولد الشريف وما ورد فيه من الخير الثابت المنيف، على أنه ليس قيدا في استحباب عمل المولد المذكور، وإنما هو لزيادة الأجور.
وقد جرت العادة أنه إذا ساق الوعّاظ والمدّاح مولده ﷺ وذكروا وضع أمّه له ﷺ: قام أكثر الناس عند ذلك تعظيما له ﷺ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، لكن لا بأس به لأجل التعظيم، بل هو فعل حسن ممن غلب عليه الحب والإجلال لذلك النبى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وما أحسن قول الإمام أبى زكريا يحيى الصرصرى الحنبلى في بعض قصائده النبوية:
قليل لمدح المصطفي الخطّ بالذهب علي فضة من خطّ أحسن من كتب
وأن ينهض الأشراف عند سماعه قياما صفوفا أو جثيا علي الرّكب
أما الله تعظيما له كتب اسمه علي عرشه يا رتبة سمت الرّتب
وقد اتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام تقيّ الدين أبى الحسن عليّ بن السبكى ﵀، وكان القضاة والأعيان مجتمعين عنده، فلما وصل المنشد في قوله:
* وأن ينهض الأشراف عند سماعه*
إلى اخر البيت، قام الشيخ في الحال على قدميه امتثالا لما ذكره الصرصري، وقام الناس كلهم وحصلت ساعة طيبة. ذكر ذلك ولده التاج السبكى في ترجمته من طبقاته.
[ ٧١ ]
* قال أبو أمامة ابن النقاش ﵀: وليلة مولده ﷺ أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره ﷺ، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرّف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد بهذا الاعتبار أفضل.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره ﷺ فيها، ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر على الأصح المرتضى من تفضيل الأنبياء على الملائكة، فتكون ليلة المولد أفضل.
الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضيل فيها على أمة محمد ﷺ، وليلة المولد الشريف وقع التفضيل فيها على سائر الموجودات، فهو الذى بعثه الله رحمة للعالمين، فعمّت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا، فكانت أفضل، كذا قيل.
وقوله في الوجه الأوّل «ولا نزاع في ذلك» يوهم أن ما ذكر قاعدة متفق عليها، قال أستاذنا: ولا أعلم من قالها، ويمكن دفع الفساد عنها بأن المراد ما كان شرفه لإعطائه، أعنى فقط، فلا يرد القران والنبوّة والإيمان والإسلام مثلا؛ لأن شرفها لذاتها لا لإعطائها فقط، والمراد ما كانت جهة شرفه محصورة في الإعطاء.
وقوله في الوجه الثالث: «وقع التفضيل فيها على سائر الموجودات»، أى فساوتها وزادت عليها، والأزيد بالتفضيل فيه أزيد فضلا من غيره. وقد يقال: إن المراد أمة الدعوة لا أمة الإجابة، وغير المكلّفين لا نظر إليهم لا إعطاء ولا منعا لتعذّر ظهور الثمرة فيهم.
واعلم أن المراد من ليلة المولد خصوص تلك الليلة مع خصوص ليلة القدر التى نزل فيها القران.
* وأما النظائر فينبغى أنّ نظائر ليلة القدر أفضل من نظائر ليلة الولادة من جميع الأعوام، ويبقى النظر في ليلة الولادة وليلة الإسراء، وينبغى على القول بأن ليلة القدر أفضل منها أن تكون ليلة المولد أفضل منها، وانظر على القول
[ ٧٢ ]
بأنها أفضل من ليلة القدر وحرّره؛ فإنّي لا أعلم من سبقنى إلى هذا المبحث بالخوض والتحرير: (يكفى في تفضيل ليلة المولد على ليلة الإسراء أنه لم يقع مفاضلة بينها وبين ليلة الإسراء، وإنما وقع التفضيل بين ليلة الإسراء وليلة القدر، وبين ليلة المولد وليلة القدر، حتى لو قيل بتفضيل ليلة الإسراء على ليلة القدر، لا ينتج منه فضل ليلة الإسراء على ليلة الولادة، وسيأتى في كلامه ما يؤيد ذلك في الكلام على تفضيل الليل على النهار. وسيأتى أيضا فى كلام الشيخ ما يؤيده، ثم هاهنا تنبيه وهو أنهم لم يتكلموا على ليلة حمله ﷺ بحسب المفاضلة، مع أنها أوّل زمان ظهوره الخارجي، وتنبيه اخر: وهو أنهم لم يخصوا ذلك باللحظة التى خرج فيها من الرحم، مع أنه ينبغى أن يقصر عليها لأنها لحظة الظهور، وباقى الليلة خال عنه، فحكمه حكم باقى أيام وجوده، وأما ليلة القدر فجميعها ظرف لنزول القران وقسم الأرزاق ونزول الملائكة ومحق الذنوب وإعطاء المطلوب. وانظر على القول بأنه ولد نهارا، وينبغى أن تلك اللحظة أو جميع اليوم أفضل من ليلة القدر، ومن يوم ليلة القدر، وإن كان العمل في يومها كالعمل في ليلتها، فإن قلت: فما معنى أفضلية ما ذكر من الليل وغيره لكونه خصّ بما وجد فيه دون غيره أو في نفسه؟ وما معنى أفضليته في نفسه، والزمان لا يفضّل بعضه على بعض؟
فقد قال إمام العلماء العز بن عبد السلام: «إن الأزمنة والأمكنة كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما، لا بصفات قائمة بهما، ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما، وإن التفضيل الذى فيهما أن الله يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما» قلت: بل الأزمنة والأمكنة يفضل بعضها على بعض بتفضيل الله تعالى، ولا مانع أن يخص الله تعالى بعض مخلوقاته من زمان أو مكان بفضل ليس في الاخر، كما خصّ الله بعض الادميين والملائكة.
وقال الإمام تقى الدين السبكى عقب حكايته لكلام ابن عبد السلام:
«وأنا أقول: قد يكون التفضيل لذلك، وقد يكون لأمر اخر فيهما، وإن لم يكن عملا؛ فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره،
[ ٧٣ ]
فكيف لا يكون أفضل الأمكنة؟ وليس محل عمل لنا، فهذا معنّى غير تضعيف الأعمال فيه. انتهى
ولكن تفضيل الزمان والمكان إنما يظهر أثره غالبا باعتبار ما يقع فيه، ذكره النجم الغيطى في بعض تعاليقه. انتهي.
قال الشيخ الرحمانى في حاشيته على التحرير: «أفضل الليالى ليلة المولد، ثم ليلة القدر، ثم ليلة الإسراء، فعرفة، فالجمعة، فنصف شعبان، فالعيد. وأفضل الأيام يوم عرفة، ثم يوم نصف شعبان، ثم الجمعة، والليل أفضل من النهار» .
وعلى ذكر المولد الشريف فقد ذكر الإمام العلامّة عبد العزيز الزمزمى في همزيته المفتوحة، التى عارض بها همزية البوصيرى المضمومة التى أولها:
كيف ترقي رقيّك الأنبياء يا سماء ما طاولتها سماء
وهمزية القيراطي المكسورة، التي أولها:
ذكر الملتقى على الصفراء فبكاه بدمعة حمراء
ذكر الزمزمى المولد الشريف، فناسب أن نذكر من هذه القصيدة طرفا، قال فى المطلع:
أثغور منها الصباح أضاء أم بروق علي النّقا تتراءى
إلى أن قال:
يوم ميلاده وليلة مسرا هـ ازدهى الليل والنهار ازدهاء
وسما القدر منهما بفخار طبّق الأرض سوددا والسماء
ملئت مكة سرورا ولم لا يملأ البشر قطرها سراء
وهي أرض بها الولادة والمو لود فيها منها ابتدا الإسراء
كان ترداده ومرباه فيها فجلا نور شمسه البطحاء
وعلا الأنس والوقار جبالا راسيات بها خصوصا حراء
كان مبدا ظهوره من حراء حين أنهي الخلوّ فيه خفاء
شقّ صدر له هناك وشقّ البدر، فالشرط كان ثمّ جزاء
أرضعته حليمة بلباها فغدا الحلم وصفها والحياء
[ ٧٤ ]
وعلا جدّها وأسعد سعد إذ سقت بنته النبيّ الغذاء
فتعجّب لجدها ولها، كي ف حكى الوصف منهما الأسماء
تتعاطى رضاعه وهو في كلّ قليل ينمو بذاك نماء
خلوبا من جزالة البدو ما حيّر مبداه عربها العرباء
فبنى قوله على حسن وضع رفع اللفظ رتبة علياء
أفصح الناطقين بالضاد لما أن يجارى من نطقها الفصحاء
إلى أن قال:
جاء في محكم الكتاب مديح بالغ فيه: أخرس البلغاء
حسدته أهل الكتابين من «فاتحة» الأمر فامتلت شحناء
«بقرت» عن جحود من ساد قدما «ال عمران»، قومهم و«النساء»
فغدت بالضلال «مائدة» الر أس تحاكى «أنعامهم» والشاء
أنكرته «أعرافهم» فأباح السيف «أنفالهم» له والدماء
منه نلنا «براءة» من لظى النا ر بها «يونس» الغريق النجاء
شيّبته «هود» و«يوسف» تحكيه مع الشيب منظرا وبهاء
خفق «الرعد» فى قلوب الأعادي فرقا منه، فانثنوا أصدقاء
أظهر المصطفى إلى دين «إبر اهيم» فى «الحجر» والمقام الدعاء
إن يلاقى أذى «فللنّحل» لسع لم يضر من أراد منه اجتناء
همّ قوم به «فسبحان» مولى صرف السوء عنه والفحشاء
لم نخف قط إذ أوينا إليه نعم «كهفا» منه لنا وإواء
إن تسد «مريم» بعيسى، «فطه» ساد عيسى والرسل و«الأنبياء»
شرع «الحجّ» فاجتلى «المؤمنون» «النّور» إذ تمّ نورهم والضياء
قام يتلو «الفرقان» فى حسن نظم جمعه اللفظ حيّر «الشعراء»
نطق «النمل» مفصحا عن معاني «قصص» فيه أسكت الخطباء
قصد المصطفى العدا فكسته نسجها «العنكبوت» منهم وقاء
غلب «الروم» فارسا مثل ما قا ل وحاشاه أن يقول الخطاء
حكم تاه فهم «لقمان» عنها عند ما فات سرّها الحكماء
[ ٧٥ ]
أوجب الشكر «سجدة» فى المصلي حين سيل «الأحزاب» صار جفاء
صيّرتهم أيدى «سبأ» نفخة من «فاطر» العالمين جلّ ثناء
حاط «يس» بالملائكة «الصا فات» ممن أراده الأسواء
صادهم «نصره» وأهلك منهم «زمرا» أظهروا له البغضاء
أفسدت ذات بينهم حيلة المؤ من فيهم فخالفوا الخلفاء
أجمل المخبر القضية لكن «فصّلت» حين أظهروا الأنباء
حيلة بيّتت من الليل «شوري» زادها «زخرف» الحديث انطلاء
أضمرت نارها بغير «دخان» زعزع تملأ المعى أقذاء
أكفأت في القدور «جاثية الأحقاف» ريح تكافيء الأكفاء
فكفاه القتال ربّ البرايا ثم «بالفتح» بعد ذلك جاء
ليت شعرى أرى له «حجرات» خلفها حرّم الإله النداء
كل «قاف» سبيله ليس يخشي «ذاريات» الضلال والأهواء
«طور» مرقاه قاب قوسين يهوي دونه «النجم» لو أراد ارتقاء
طاعة في السما له «القمر» انشقّ لنصفين ثم عاد سواء
قد حباه «الرحمن» فى هذه «الوا قعة» السؤل منه والإرضاء
«بالحديد» اقتضت «مجادلة» القو ل له أن يجالد الأعداء
أحكم الرعب «حشرهم» فى حصون حكم الامتحان فيه الجلاء
يقدم «الصفّ» إن أتى الرجف و«الجمعة» ثبتا أعظم به إيتاء
خادعته «المنافقون» فصاروا في نهار «التغابن» الأشقياء
حين بتّ «الطلاق» من زهرة الد نيا بتحريمها استتمّ التقاء
ما ارتضى «الملك» بل تواضع حتي خال ذا النون قد حكاه اعتلاء
ترفع «الحاقة» المعارج إذ نو ح ينادى نفسى ويغدو «براء»
امن الجن بالنبى وألقوا لاستماع «المزمّل» الإصغاء
سوف يأتى مدّثرا بالمزايا وتميز القيامة الإيتاء
نال هذا الإنسان كلّ كمال نشرت مرسلاته الالاء
[ ٧٦ ]
نبأ جاءه عظيم، رمى الأع داء في النّازعات والبغضاء
عبس المقتفى العمى منه لما كوّرت شمس نوره إطفاء
كبتت عصبة النّفاق به، وانفطرت وانتكت أشد انتكاء
طفّفوا كيلهم له فغدا الويل غدا للصفين جزاء
فزعوا لانشقاق إيوان كسري والبروج التى أشيدت بناء
استعذ بالنبى من طارق الليل وسبّح لربك الأسماء
هديه كم أزال غاشية عن ذى ضلال والفجر يجلو الغشاء
كسيت منه هذه البلد الأنو ار والشمس توضّح البطحاء
للحبيب: الإله بالليل الى والضحيي، ما نوى له بغضاء
رفع الله ذكره في ألم نشرح وأعلى به مكان حراء
فتمنّى مناله جبل التين وطور الكليم من سيناء
علق منه برفع القدر ممن لم يكن قط يعرف استعلاء
زلزلت من خيوله الأرض لما ميّلت عادياتها الأرجاء
كم بدت من سطاه قارعة في من حباه التكاثر الإلهاء
طيّب العصر ذكره والعداكم همزة باغتيابهم مشّاء
زدّت الطير عن أقاربه الفيل وجيشا له يسدّ الفضاء
أودع الله سرّه في قريش فوعوا سرّه: فصان وعاء
أرأيت الذى يكذب في تفضيلهم كيف أعظم الافتراء
كوثر المصطفى غدا وردهم إذ يصدر الكافرون عنه ظماء
جاءه النصر والفتوح فتبّت يدا من عاندت يداه الفضاء
نور إخلاصنا بخير البرايا فلق الصبح من سناه أضاء
بك صرنا يا خاتم الرسل للرسل علي الناس بالأدا شهداء
إلى أن قال:
فاز بالرفع مفلق لك وشّى (كيف ترقى) وأفحم الشعراء
وبخفض الجناب جوزى منشى (ذكر الملتقى) جزاء وفاء
[ ٧٧ ]
جئت من بعد ذا وذاك أخيرا فلهذا نظمى على الفتح جاء
ركضت حلبة السباق فكانا سابقيها وخلفا الأكفاء
لهما تاليا أتيت وإن لم أك ممّن يرى لذاك كفاء
وبفكرى في بحر شعرهما غص ت وإن كان الغوص ليس سواء
بهما قد شرفت إذ صرت اسما ثالث اثنين أعجز النظراء
أمنا أن يعززا منذ حين بمثيل تفردا واعتلاء
فهما النيّران ما خال طرف لهما ثالثا يحلّ السماء
بعد دلويهما رميت بدلوى علّ لى حمأة تجيء وماء
وبزعمى زاحمت هذين أبغى بهما اليمن، لا الرّيا والمراء
سعدا فارتجيت أسعد لمّا سرت في الأثر أقتفى السعداء
حركات الهجاء عكس لسعدي فغدا الفتح مبتداها انتهاء
فلعلى أجاز منك بفتح حين أنهى الإنشاد والإنشاء
فأنلنى مناى واشمل قريضي بقبول يكسو القريض السناء
وأجزنى على الصراط إذا ما صاح هول الجواز: ألانجاء
يا ملاذى إذا الموازين رازت عملي، وهو لا يوازى الهباء
يا عياذى إذا تطايرت الصحف يمينا ويسرة ووراء
وبدت لى يوم الحساب أمور ضلّ عنّى حسابها وتناءى
وتلوّت قوائمى عند ما الأو صال صارت من رعدتى أشلاء
يا أماني من خيفتى هدّ روعي إنّ روعى أغرى بها العرواء «١»
يا غياثى إذا دنا لهب الشمس وأذكى لعابها الرّمضاء
أنت لى جنّة هناك ودرع سابغ نتّقّى به اللأواء
يا عزيز الجناب دعوة عبد لك في الرّقّ يستحق الولاء
كيف عبد العزيز عبدك يلقى ذلة أو إضاقة أو شقاء
أو يخاف الظما غدا وهو منسو ب لسقيا أبيك نعمت سقاء
_________________
(١) العرواء بضم ففتح: قوة الحمّي ومسها في أوّل رعدتها اهـ. (من هامش الأصل) .
[ ٧٨ ]
إنه قارف الذنوب وأخطا وبك الله عنه يمحو الخطاء
فيك ظنّى ألاتخيّب ظني وبهذا اكتفيت نعم اكتفاء
فسلام عليك ثم صلاة بقضاء الفروض قامت أداء
وسلام عليك ثم صلاة تمنح النفس من رضاك الرّضاء
وعلى الك الذين ولا هم من يد الكرب ينقذ الأولياء
عدّتى عند شدتى وملاذي عند ما ترسل الخطوب البلاء
عقد دينى ودادهم وهواهم منه قلبى امتلا أتمّ امتلاء
هم إلى جودك الوسيلة إن ردّ نى الذنب دونه إقصاء
وعلى صحبك الجميع خصوصا من حوى السبق وابتدا الخلفاء
الذى جيّش الجيوش وقوّي عزمه يوم أمّر الأمراء
الصدّيق الصديق أفضل من ا من بالله ما عدا الأنبياء
ثم من بعده على مقتفيه «١» سننا ينتهى إليك انتماء
ترجمان المحدّثين فكم فا هـ بكشف فوافق الإيحاء
ثم من طال في بناء المعالى «٢» عند ما شاد بابنتيك البناء
الحييّ الذى استحت منه أملا ك السما مذ سما وزاد حياء
وعلى المرتضى وليّك وابن العمّ من حاز بالخصوص الإخاء
خير صهر وعاصب زوّجته خيرة الله: بنتك الزهراء
أصل ريحانتيك «٣» بورك أصلا طاب فرعاه مغرسا ونماء
أيّ سبطين قد علا بك جدا لهما طيب النّماء والزكاء
خير نجلين ينميان لأمّ أنجبت من كليهما الشرفاء
سادت الأمّ في الجنان وسادا فأعزّوا شبّانها والنساء
_________________
(١) عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) عثمان بن عفان ﵁.
(٣) هم «علي، وفاطمة، والحسن، والحسين» ﵃ أجمعين، جمعهم رسول الله ﷺ في كساء واحد، ثم قال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فطهرهم تطهيرا» . وهو حديث مشهور جدا.
[ ٧٩ ]
وسلام عليك ثم عليهم وعلى كل من تسجّى الكساء «١»
وعلي عمّك «٢» الذى طيّب الله بأنفاس روحه الشهداء
وعلى صنوه «٣» الذى بك أبقي لبنيه الخلافة القعساء
وسلام عليك ثمّ على أز واجك اللاء نلن منك الحياء
وسلام عليك ثم صلاة بشذا المسك يختمان الثناء
ما ابتدا مدحك امرؤ عند كرب فانجلى حين وافق الانتهاء
ولما بلغ ﷺ اثنتى عشرة سنة عرض لأبى طالب شخوص إلى الشام في تجارة، وكان النبى ﷺ يألفه، فسأله إخراجه معه، فأبى عليه صيانة له، فاغتم وبكي، فأخرجه، فراه راهب من الأحبار يقال له «بحيرا» وقد أظلته غمامة، فقال لأبى طالب: من هذا منك؟ قال: ابن أخي، قال: «أما ترى هذه الغمامة كيف تظله وتنتقل معه؟ والله إنه لنبى كريم، وإنى لأحسبه الذى بشّر به عيسى ﵇، فإنّ زمانه قد قرب، وينبغى أن تتحفظ به خشية أن تقتله اليهود» فردّه أبو طالب إلى مكة.
ولما جاوز سنّ رسول الله ﷺ العشرين قال له أبو طالب: يا ابن أخي إن خديجة بنت خويلد امرأة موسرة ذات تجارة عريضة، وهى محتاجة إلى مثلك فى أمانتك وطهارتك ووفائك، فلو كلّمناها فيك فوكلتك ببعض أمرها وتجارتها.
فقال رسول الله ﷺ: افعل يا عمّ ما رأيت. فسعى أبو طالب إليها فكلّمها في توكيل النبى ﷺ ببعض تجارتها، فسارعت إلى ذلك ورغبت فيه، ووجّهته إلى الشام ومعه غلام لها قيّم يقال له «ميسرة»، فلما فرغ مما توجّه إليه، وقدم مكة أخبرها ميسرة بأمانته وطهارته ويمن طائره، وما يقول أهل الكتاب فيه، وما ظهر له من البركة وكثرة الأرباح وسهولة الأمور، وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة برزة «٤» مرغوبا فيها لشرفها ويسارها، فدسّت إلى رسول الله ﷺ من عرض عليه أن يتزوجها، فرغب في ذلك.
_________________
(١) الحسن والحسين ابنا علي ﵃.
(٢) حمزة بن عبد المطلب.
(٣) العباس بن عبد المطلب ﵁.
(٤) في القاموس: امرأة برزة: بارزة المحاسن، أو متجاهرة، كهلة جليلة، تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون وهي عفيفة. اهـ. (من هامش الأصل) .
[ ٨٠ ]
الفصل الثالث فى زواجه بخديجة بنت خويلد رضى الله تعالى عنها وما رزقه الله من الذرية منها
ولما كانت خديجة رضى الله تعالى عنها رئيسة شريفة، وهى يومئذ من أزكى قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا، كان كلّ من قومها حريصا على الزواج بها لو يقدر عليه، إلا أنها اجتمعت به ﷺ وقالت له: «يا ابن العم إنى قد رغبت فيك لقرابتى منك وشرفك في قومك وأمانتك فيهم وحسن خلقك وصدق حديثك، فاخطبنى من عمى عمرو بن أسد (وكان شيخا كبيرا) . فذكر ﷺ ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب حتّى دخل على عمرو بن أسد فخطبها إليه، فقبل، فأمرت بشاة فذبحت واتخذت طعاما ودعت عمّها عمرا، وبعثت إلى رسول الله ﷺ فأتى ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب، ورؤساء مضر، فأكلوا، فخطب أبو طالب فقال: «الحمد (الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء (أى أصل) معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وشوكة حرمه، وجعل لنا بيتا محفوظا وحرما امنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح، وإن كان في المال قلّ، فالمال ظلّ زائل وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما اجله وعاجله كذا من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم» . فتروجها رسول الله ﷺ.
وقال في المنتقي: «فلما أتم أبو طالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل «١» فقال:
«الحمد لله الذى جعلنا كما ذكرت، وفضّلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ معاشر قريش، بأنّى قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة
_________________
(١) ورقة هذا هو الذى قال فيه رسول الله ﷺ: «لا تسبّوا ورقة بن نوفل فإني قد رأيت له جنة (أو جنتين)» رواه الحاكم وابن عساكر عن عائشة ﵂.
[ ٨١ ]
دينار» .
ثم سكت ورقة وتكلّم أبو طالب، وقال: قد أحببت أن يشركك عمها. فقال عمها: اشهدوا عليّ يا معشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وشهد على ذلك صناديد قريش» .
وقال في السمط الثمين: «وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة، ويمكن الجمع بتقويم الثمن بذلك، أو أنّ أحد الشيئين مهر والاخر هدية من عمه لخديجة رضى الله تعالى عنها، أو أنه ﷺ زاد ذلك في صداقها على صداق أبى طالب، فكان الكل صداقا اهـ.
وهذه الخطب بهذه المثابة تدل على أن قريشا في ذلك الزمن كانت على حظ وافر من التأنس، ولها نصيب جسيم من المهابة.
ولما تزوج خديجة رسول الله ﷺ نحر جزورا أو جزورين وأطعم الناس، وهى أول وليمة أولها ﷺ.
وقال في المنتقي: «فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف.
وعاشت خديجة بعد النكاح أربعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام؛ خمس عشر سنة قبل الوحي، والباقية بعده، وكانت وفاتها في السنة العاشرة من النبوة، وكان تزوّجه بها بعد قدومه من الشام بشهرين وأيام، وكان سنّه ﷺ يومئذ نحو خمس وعشرين سنة، وسنها أربعون سنة، فكان زواجها بأشرف العرب على الإطلاق، زواج كفاءة جليلة وحسن تراض ووفاق، وولدت له ﷺ، وبقي الخلف منهما ما تكون منه المجد في الافاق.
[أولاده من خديجة]:
ولما تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ قبل الإسلام، ولدت منه القاسم ابن رسول الله ﷺ، وبه كان يكني، وقد مشى وهو ابن سنتين.
وهل يجوز أن يكنى غيره ﷺ بأبى القاسم أو لا؟ خلاف. وإليه أشار بعضهم بقوله:
في كنية بقاسم خلف وقع فالشافعى مطلقا لها منع
ومالك جوّز، والنّهى حمل على الحياة، والنواوىّ جعل
هذا هو الأقرب، أما الرافعى منع من سمّى محمدا، فع
[ ٨٢ ]
وقد روى الشيخان عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يمشى بالبقيع، فسمع قائلا يقول: يا أبا القاسم، فردّ رأسه «١» إليه، فقال الرجل: يا رسول الله إنى لم أعنك إنما دعوت فلانا. فقال رسول الله ﷺ: «تسمّوا باسمى ولا تكنوا بكنيتي، فإني جعلت قاسما أقسم بينكم» «٢» ويكنى أيضا بأبى إبراهيم، وأبى الأرامل، ذكره ابن دحية، وأبى المؤمنين من قراءة أبيّ بن كعب النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [وهو أب لهم] «٣» [الأحزاب: ٦] .
وولدت له أيضا زينب، وهى أكبر بناته ﷺ، تزوجها أبو العاص بن الربيع، واسمه لقيط بن الربيع، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد، وكان تزويجه إياها قبل الإسلام، فلما أكرم الله رسوله ﷺ بالرسالة أسلمت خديجة «٤» كما سيأتى وبناته، وصدّقته زينب، وثبت أبو العاص على دين قريش، وكان من معدودى قريش ورجال مكة مالا وأمانة وتجارة، فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا:
اردد على محمد بنته، ونحن نزوّجك أية امرأة أحببت من قريش، فقال: لا، والله إذن لا أفارق صاحبتى فإنها خير صاحبة. وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه. وقد أسلم أبو العاص بعد أمور طويلة، فردّ رسول الله ﷺ زينب عليه
_________________
(١) فى الأدب المفرد للبخارى ﵁: «عن أبى هريرة يصف رسول الله ﷺ: كان ربعة وهو إلى الطول أقرب، شديد البياض، أسود شعر الرأس، حسن الثغر، أهدب أشفار العينين، بعيد ما بين المنكبين، مفاض الخدين، يطأ بقدميه جميعا، ليس لها إخمص، يقبل جميعا ويدبر جميعا، لم أر مثله قبل ولا بعده» . فمسألة رد الرأس هذه خطأ، وإنما يلتفت بجسمه الشريف كله، وهذه معروفة عنه ﷺ.
(٢) فى الأدب المفرد عن أنس بن مالك: كان النبى ﷺ في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبى ﷺ، فقال: يا رسول الله إنما دعوت هذا، فقال النبى ﷺ: «تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتي» . وفي حديث اخر: «تسموا ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم» وفي ثالث: « والله يعطى وأنا أقسم» . وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن عدم التسمية تحرم في حياته فقط، لئلا يلتبس به أحد، أما بعده فقد أمن اللبس، فلذلك لا يحرم. والله تعالى أعلم.
(٣) نسخ هذا اللفظ فيما نسخ من القران في حياة النبى ﷺ.
(٤) فى الأصل (هاجرت خديجة) وهو خطأ طباعى واضح.
[ ٨٣ ]
بنكاح جديد، ويقال بل ردّها بالنكاح الأوّل بعد سنتين، وقيل قبل انقضاء العدة، وكان ذلك في المحرم سنة سبع من الهجرة.
ولما أسلم أبو العاص أتى مكة ثم رجع إلى المدينة، فكان بها، فلما فتحت مكة أقام بها ولم يقاتل مع النبى ﷺ، وتوفى سنة اثنتى عشرة، وأوصى إلى الزبير ابن العوام وهو ابن خاله. وكان لأبى العاص بن الربيع من زينب: عليّ وأمامة؛ فأما عليّ فمات وهو غلام، ولم يعقب، وأما أمامة فتزوجها علي بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة رضى الله تعالى عنها فولدت له محمدا الأوسط «١»، وقتل ﵁ وهى عنده، فحملها ابن همها عبد الرحمن بن محمد إلى المدينة، وكتب معاوية ﵁ إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل، فجعلت أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذى كان الحسين بن علي استخلفه على الكوفة حين سار إلى المدائن، فأشهد المغيرة عليها برضاها بكل ما يصنع، فلما استوثق منها قال: «قد تزوجتها وأصدقتها أربعمائة دينار» فكتب مروان بذلك إلى معاوية، فكتب إليه: هى أملك بنفسها فدعها وما اختارت «٢» . ثم إنه بعد ذلك سيّر المغيرة إلى الصفراء فمات وماتت بالصفراء، وولدت للمغيرة ولدا اسمه يحيى كان يكنى به ولم يعقب، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ سنة ثمان من الهجرة بالمدينة، وصلّى عليها رسول الله ﷺ، ونزل في قبرها ومعه أبو العاص، وجعل لها نعشا، فكانت أوّل من اتّخذ لها النعش، والتى أشارت باتخاذه أسماء بنت عميس، رأته بالحبشة وهى مع زوجها جعفر بن أبى طالب ﵁.
* وولدت خديجة لرسول الله ﷺ رقيّة (وهى أكبر بناته بعد زينب)، تزوجها عتبة بن أبى لهب، فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ قالت أمه (أم جميل) حَمَّالَةَ الْحَطَبِ: «هجانا محمد»، وعزمت على ابنها عتبة أن يطلّق رقية، وعزم عليه أبوه أيضا، ففعل. فزوّجها رسول الله ﷺ من عثمان بن عفان
_________________
(١) فى الأصل «محمد بن الحنفية» وهو خطأ واضح؛ قال المسعودى في مروج الذهب: محمد بن الحنفية، هو: محمد بن علي بن أبى طالب، وأمه خوله بنت إياس (من بنى حنيفة) وقيل ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة الحنفي. اهـ. ملخصا والله تعالى أعلم.
(٢) رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلى ﵁.
[ ٨٤ ]
بمكة، فولدت له بأرض الحبشة عبد الله، وبه كان يكني، مات عبد الله سنة أربع في جمادى الأولى وهو ابن ست سنين، نقر عينه ديك فورم وجهه، فمرض من ذلك ومات، وصلّى عليه النبى ﷺ وقبره أبوه، ولمّا مات عبد الله ابن عثمان وضعه رسول الله ﷺ في حجره ودمعت عليه عيناه، وقال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» «١»، وتوفيت رقية في أيام بدر، وهى عند عثمان، ودفنت بالبقيع، وصلّى عليها عثمان وغسلتها أم أيمن، ولم يحضرها رسول الله ﷺ لكونه كان غائبا ببدر، ولما عزّى بها قال: «الحمد لله دفن البنات من المكرمات» .
* وولدت خديجة رضى الله تعالى عنها لرسول الله ﷺ: أم كلثوم، ولا يعرف لها اسم، وإنما تعرف بكنيتها، تزوجها عتيبة بن أبى لهب، فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أمر ابنه بفراقها ففعل، فلما توفيت رقية زوّج رسول الله ﷺ أم كلثوم من عثمان أيضا، فلم تزل عنده حتّى توفيت في سنة تسع، وصلّى عليها أبوها)، ولم تلد من عثمان، فبكى عثمان، فقال رسول الله ﷺ: ما يبكيك؟ قال: انقطاع صهرى منك يا رسول الله، فقال: «كلا إنه لا يقطع الصهر الموت إنما يقطعه الطلاق، ولو كانت عندنا ثالثة لزوّجناك» «٢» .
* وولدت خديجة لرسول الله ﷺ: فاطمة، وهى أصغر بناته، ولدت قبل النبوة بخمس سنين «٣» أيام بناء البيت، وتوفيت بعده ﵇ بستة أشهر، وتلقّب بالبتول من البتل: وهو القطع لانقطاعها عن نساء الأمة، فضلا ودينا وحسبا ونسبا، وتلقب أيضا بالزهراء «٤»، وسمّاها رسول الله ﷺ فاطمة بإلهام من الله تعالى؛ لأن الله تعالى «فطمها وذريتها من النار» «٥» وكانت أحبّ أولاده ﷺ،
_________________
(١) رواه الخطيب عن عبد الله بن عمر.
(٢) وفي أسد الغابة: «لو كان لنا ثالثة لزوّجناك» . وعن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أن لى أربعين بنتا لزوجت عثمان واحدة بعد أخرى، حتى لا تبقى منهن واحدة» .
(٣) وفي الإصابة لابن حجر أنها ولدت عام ٤١ من ميلاد النبى ﷺ.
(٤) البيضاء المشرقة الوجه. وقيل: لأنها لم تحض كما تحيض النساء. والله أعلم.
(٥) يقول رسول الله ﷺ: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها الله وذريتها على النار» رواه البزار وأبو يعلي، والطبراني، والحاكم عن ابن مسعود.
[ ٨٥ ]
فكانت إذا دخلت عليه ﷺ قام لها إجلالا، والأحاديث في فضلها كثيرة، ولما بلغت خمس عشرة سنة تزوجها علي بن أبى طالب بالمدينة، فولدت له:
الحسن والحسين ﵄ ومحسن، درج «١» صغيرا، وولدت له من البنات: زينب، وأم كلثوم، ورقية. وسيأتى الكلام عليهن.
وقد اختص ولداها السبطان بمزايا لا توجد في غيرهما، فنسبوا إليه ﷺ خصوصية لهم، فلم تكن الأشرفية المطلقة إلا لعقب الحسن والحسين فقط؛ لاختصاص ذريتهما بشرف النسب، وقد انقرض نسبه ﷺ إلا من فاطمة ﵂، طاب أصلها أمّا وأبا، وانتشر نسله الشريف منها من جهة السبطين، ويقال لأولهما حسنى، وللثانى حسيني، وانعقد الإجماع بأن المراد بال البيت في الاية الشريفة: على وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما، وهم أهل العباءة.
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود (المرط بالكسر كساء من صوف أو خز والجمع مروط وربما أطلق على ما نسج من الشعر، قال بعضهم وهو خاص بالإزار والخمار) فجاء الحسن، فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣] وقال:
«اللهمّ هؤلاء أهل بيتى وخاصتى أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا «٢» ثم قال: أنا حرب لمن حاربهم وسلّم لمن سالمهم، وعدوّ لمن عاداهم «٣»» .
وهذه الاية دلّت على منبع فضائل أهل البيت النبوي؛ لاشتمالها على غرر من ماثرهم والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في
_________________
(١) درج: مات.
(٢) وأخرج الترمذى والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم. قالت أم سلمة لما نزلت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا فأرسل رسول الله ﷺ إلى فاطمة وعلى والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي» . وقال يزيد ابن زريع عن روح بن القاسم عن عمرو بن دينار: قالت عائشة: «ما رأيت قط أحدا أفضل من فاطمة غير أبيها» أخرجه الطبراني فى ترجمة إبراهيم بن هاشم (من المعجم الأوسط وسنده صحيح على شرط الشيخين إلى عمرو) .
(٣) وأخرج الترمذى من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال: «على وفاطمة والحسن والحسين أنا حرب لمن حاربهم وسلّم لمن سالمهم» .
[ ٨٦ ]
إذهاب الرجس أى الإثم عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وتحريمهم علي النار الذى هو فائدة ذلك التطهير وغايته؛ إذ منه الإلهام والإنابة إلى الله وإدامة الأعمال الصالحة، ومن ثمّ لما ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت ملكا عضوضا ولم تتم للحسن، عوّضوا عنها الخلافة الباطنة، وهى القطبية، فلم يكن قطب إلا منهم في كل زمان، وهو المختار خلافا للمرسي.
ومن تطهيرهم أيضا تحريم الصدقة عليهم فرضا بالإجماع. ونفلا على قول للإمام مالك؛ لأنها أوساخ الناس، مع كونها تنبئ عن ذل الاخذ وعز المأخوذ منه، وعوّضوا عنها خمس الخمس من الفيء والغنيمة المنبىء عن عز الاخذ وذل المأخوذ منه، فاختصوا بمشاركته ﷺ في تحريم الصدقات، ولما أخذ الحسن ابن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة ووضعه في فيه قال له النبى ﷺ: «كخّ كخ ارم بها أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة» «١» وفي رواية «إنّ ال محمد لا يأكلون الصدقة» وحكمة ختم الاية «٢» به المبالغة في وصولهم لأعلاه، ودلت هذه الاية أيضا على نبوته ﷺ، وعلى فضل أهل الكساء رضى الله تعالى عنهم.
وقد قيل في ذلك:
إنّ النبيّ محمدا ووصيّه وابنيه وابنته البتول الطاهره
أهل العباءة إنّني بولائهم أرجو السلامة والنّجا في الاخره
وقال غيره:
هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصا تمسّك في أخراه بالسبب الأقوي
هم القوم فاقوا العالمين مناقبا محاسنها تحكى واياتها تروي
موالاتهم فرض، وحبّهم هدي وطاعتهم حزم، وودّهم تقوي
فلا خفاء أن من انتسب إلى رسول الله ﷺ بأم أو أب ففيه سريان لحمه ودمه الكريمين، فالمنتمى إليه هو بعضه في وجوب الإجلال والتعظيم والتعزيز
_________________
(١) متفق عليه عن أبى هريرة، وفي الفتح الكبير «أما شعرت» بدل «أما علمت» .
(٢) أى بقوله يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
[ ٨٧ ]
والتوقير والبر والنصيحة؛ فبعضه ﷺ كجميعه، كما قيل في مدح شريف:
هو بعض النبي والله قد صا غ جميع النبىّ والبعض طهرا
وتوضيح ذلك أن فاطمة ﵂ بضعته ﷺ، وأولادها بضعة منها، فهم بضعة من تلك البضعة، فيكونون بضعة بواسطة تلك البضعة، وهكذا بنوهم وبنو بنيهم وهلم جرا، فكل من يوجد منهم في كل زمان بضعة منه بالواسطة؛ فأقيم وجودهم مقام وجوده ﷺ، وفي هذا من مزيد الكرامة والتشريف ما لا يخفي، وحرمته ﷺ ميتا كحرمته حيا، وقد قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشوري: ٢٣] أى أن تودوا قرابتي.
ويطلق أهل البيت إطلاقا اخر على كل حسنى وحسيني، وعلويّ من ذرية محمد ابن الحنفية أو غيره من أولاد علي بن أبى طالب أو جعفر، أو عقيلىّ أو عباسيّ فيطلق عليه اسم الشريف، ولذلك تجد تاريخ الحافظ الذهبى مشحونا في التراجم بذلك، يقول: الشريف العباسى، الشريف العقيلي، الشريف الجعفرى، الشريف الزينبي، فلما ولى الخلافة الفاطميون بمصر قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط؛ لكونهم علويين، فاستمر بذلك إلى الان.
قال الحافظ ابن حجر في كتاب «الألقاب»: «الشريف ببغداد لقب لكل عباسي، وبمصر لقب لكل علوي» . اهـ.
قال العلامة الصبّان: «ولا شك أن المصطلح القديم أولي؛ وهو إطلاقه على كل علوى وجعفرى وعقيلى وعباسى كما صنعه الذهبي، وكما أشار إليه الماوردي، ومثله قول ابن مالك في الألفية:
* واله المستكملين الشّرفا*
وقد يقال على اصطلاح أهل مصر: الشرف أنواع: عامّ: لجميع أهل البيت، وخاصّ: بالذرية فيدخل فيه الزينبيون وجميع أولاد بناته، وأخصّ منه: وهو شرف النسبة، وهذا مختص بذرية الحسن والحسين.» انتهي.
وبالجملة فيجب تعظيم الجميع؛ لأنهم جميعا قربى وأشراف بالمصطلح العام.
وقد أراد بعض العلماء أن يقبّل يد بعض كبار الأشراف، فمنعه من ذلك، فأنشده:
[ ٨٨ ]
أتمنعني اللثم من راحة نماها إلى الهاشمي الكرام
كأنّي إذا أنا قبّلتها لثمت يديه ﵇
وحسب أهل البيت من الكرامة قوله ﷺ: «وعدنى ربى في أهل بيتي: من أقرّ منهم بالواحدانية، ولى بالبلاغ: ألايعذّبه» «١» .
ومن الاثار الواردة عن سيدنا الحسين بن علي ﵄ أنه قال:
«الزموا مودتنا أهل البيت؛ فإنّ من لقى الله ﷿ وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا» .
ولنا أبيات في ذلك وهي:
انتمائي لكم بصفو صفاتي يا ال بيت الزهراء أزهي صفاتي
جدّكم في الوجود شمس وأنتم أنجم زهر غير منكسفات
أنتم بضعة النبيّ نشأتم عن صفيّ من بضعة مصطفاة
سيّد الكونين أصلا وفرعا في شعاب علي العلي مشرفات
أبطحيّ، لولاه ما فاح من م كة عرف التعريف في عرفات
لا ولا كان أهل بدر بدورا يتبوأن في علي الغرفات
لسواكم ما رمت قطّ التفاتا وإليكم صرفت كلّ التفاتى
حاش لله أن أضام وأنتم ملجأ اللائذين كهف العفاة
ويقينى أرجو به أن يقينى من عظيم الأهوال والافات
كم مجير منكم حمي مستجيرا وأغاث الملهوف بالمرهفات
كم لكم بالنّوال دنيا وأخرى من أياد علي الوري عاطفات
بخلوص المديح أرجو خلاصى من مساوي أيامي السالفات
إن نظمتم رفاعة في ولاكم حاز أمنا من سطوة المرجفات
فأمانى من حادثات زمانى انتمائي لكم بصفو صفاتى
_________________
(١) رواه الحاكم عن أنس.
[ ٨٩ ]
ومن خصوصيات السيدة فاطمة رضى الله تعالى عنها أنه يحرم التزوج عليها؛ مخافة إيذائها بالغيرة التى هى من طبع النساء، للأحاديث الدالة على تحريم النكاح عليها حتّى تأذن، ولقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] وليس ذلك شاملا لجميع بناته ﷺ بل هو خاصّ كما استصوبه الحافظ ابن حجر بفاطمة الزهراء؛ لأنها أصيبت بأمها وأخواتها واحدة واحدة، ولم يبق لها من تستأنس به ممن يخفّف عنها ألم الغيرة «١» . وتوفيت ﵂ في ثالث رمضان ولها من العمر تسع وعشرون سنة، بعد وفاته ﷺ بستة أشهر، وصلّى عليها العباس ﵁ «٢» .
* وولدت السيدة فاطمة ﵂ زينب وأمّ كلثوم ورقيّة.
فأما زينب فقد تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فولدت له عليا وعونا الأكبر وعباسا ومحمدا، وأمّ كلثوم.
وأما أم كلثوم فإنه تزوجها عمر بن الخطاب ﵁، فولدت له زيدا ورقية، ولم يعقبا، وقتل عمر بن الخطاب عنها، ثم تزوجها بعده ابن عمها عون ابن جعفر بن أبى طالب فمات عنها، ثم تزوجها بعده أخوه محمد فمات عنها، ثم تزوجها بعده أخوه عبد الله فماتت عنده، ولم تلد لأحد من الثلاثة شيئا،
_________________
(١) روى النسائى في كتابه (خصائص أمير المؤمنين علي بن أبى طالب) عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بنى هشام بن المغيرة استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبى طالب (﵁) فلا اذن، ثم لا اذن، إلا أن يريدابن أبي طالب أن يطلق ابنتى وينكح ابنتهم؛ فإنما هى بضعة مني، يريا بنى ما رابها، ويؤذينى ما اذاها، ومن اذى رسول الله ﷺ فقد حبط عمله، وذلك أنهم أرادوا أن يزوّجوه بنت أبى جهل لعنه الله، وكان أعدى أعداء رسول الله ﷺ. ومن هنا نعرف أن عدم إباحة الرسول) الزواج لعلي، إنما كان لئلا يجتمع تحت سقف واحد بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله. والمسألة دينية بحتة لا دخل لها في الغيرة وغيرها من أمور الدنيا. غفر الله لنا وله. (والحديث متفق عليه، ورواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه) بلفظ النسائى تقريبا.
(٢) وروى الواقدى من طريق الشعبى قال: «صلى أبو بكر ﵁ على فاطمة ﵂» .
[ ٩٠ ]
وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في يوم واحد «١» وصلّى عليهما عبد الله بن عمر ﵄.
وأما رقية فماتت قبل البلوغ.
وولدت السيدة خديجة لرسول الله ﷺ: عبد الله، وهو الملقب بالطيّب والطاهر، سمى بهذين الاسمين لأنه ولد بعد المبعث وتوفى بمكة؛ فقال العاص بن وائل:
قد انقطع ولد محمد فهو أبتر، فأنزل الله ﷿: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ٣] وانكسفت الشمس* يوم موته، فقالوا: كسفت لموته، فقال ﵊: «إن الشمس والقمر ايتان من ايات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» «٢» وسبب ذلك أنه إذا أراد الله أن يرى عباده اية يخوّفهم بها أظهر لهم شيئا من عظمته وسلطانه. ولما مات بكى عليه ﷺ، وقال: «البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان» «٣»، وقال: «من لا يرحم لا يرحم» «٤» . ورأى ﷺ خللا في قبر إبراهيم فقال: «إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه» ٥ «٥» .
_________________
(١) ولم يعرف من السابق منهما في الوفاة حتّى يرث الاخر. * المعروف أن حادثة كسوف الشمس كانت في وفاة إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية.
(٢) رواه الطبراني عن عقبة بن عامر، والإمام أحمد عن محمود بن لبيد، والبخارى وأحمد والنسائى عن جرير، وابن حبان عن أبى بكرة، وأحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود الأنصاري، وأحمد والبخارى ومسلم والنسائى عن ابن عمر، وأحمد، والبخارى ومسلم عن المغيرة بن شعبة، وأبو داود عن جابر، والنسائى عن أبى هريرة، والنسائى وابن ماجه عن عائشة، والطبراني عن ابن مسعود، ولفظ الفتح الكبير: «إن الشمس والقمر ايتان من ايات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلوا وتصدقوا، يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزنى أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، اللهمّ هل بلغت» . (رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائى عن عائشة، وهو حديث متفق عليه) .
(٣) رواه ابن عساكر عن بكير بن عبد الله الأشج: مرسلا.
(٤) متفق عليه، ورواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذى عن أبى هريرة، والبخارى ومسلم عن جرير. وروى الإمام أحمد قوله): «من لا يرحم لا يرحم ومن لا يغفر لا يغفر له» وروى الطبراني عن جرير: «من لا يرحم لا يرحم ومن لا يغفر لا يغفر له، ومن لا يتب لا يتاب عليه» .
(٥) وروى عنه ﷺ أنه قال: «إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن» (رواه البيهقى في شعب الإيمان) .
[ ٩١ ]
فهؤلاء أولاده ﷺ، كلهم من خديجة الكبرى أم المؤمنين ﵂.
وأما ابنه إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية «١» . ومات جميع أولاده ﷺ في حياته إلا فاطمة فبعده بستة أشهر، ولم يكن له ﷺ أولاد من غيرهما، وقيل: إن عائشة أسقطت سقطا ولم يثبت. توفى إبراهيم صغيرا مرضعا، وكان مولده في ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة بالعالية، وهى مال من أموال بنى النضير كان لرسول الله ﷺ. وعقّ عنه رسول الله ﷺ بشاة، وفي رواية بكبشين يوم سابعه، وحلق رأسه وتصدّق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسمّاه يومئذ، ودفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة خولة بنت المنذر زوج البراء بن أوس أحد بنى النجار، فكانت ترضعه. والعقيقة هذه إحدى الولائم.
الثانية: وليمة العرس. الثالثة: الخرس (بضم الخاء المعجمة ويقال بالصاد المهملة) طعام الولادة وهى غير العقيقة. الرابعة: الإعذار (بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة) للختان. الخامسة: الوكيرة «٢» لبناء الدار. السادسة:
النقيعة للمسافر «٣» من النقع، وهو الغبار، وقيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل يصنعه له غيره، السابعة: الوضيمة «٤» بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة: طعام عند المأتم. الثامنة: المأدبة بضم الدال وفتحها (طعام يتخذ ضيافة بلا سبب) ونظمها العلّامة بهرام المالكى ﵀ فقال:
ثمانية أسماء أطعمه أتت عن العرب نقلا لا تري بقياس
وليمة عرس، ثم إعذار خاتن، نقيعة سفر، ثم خرس نفاس
ومأدبة في دعوة، ووكيرة لأجل بناء محكم بأساس
عقيقة مولود، كذاك حذاقه «٥» إذا حذقه حاذي وقيت من الباس
_________________
(١) القبط: قومية لا ديانة.
(٢) الوكيرة: طعام يعمل لفراغ البنيان.
(٣) النقيعة: طعام الرجل ليلة يملك، والنقيع أيضا: ما ينقع في الماء من الدواء والنبيذ، والنقيع: البئر الكثيرة الماء.
(٤) الوضيمة: حرم من الناس فيهم مائتا إنسان أو ثلاثمائة، والقوم القليل ينزلون على قوم، وطعام المأتم.
(٥) الحذافة: حذق الصبى القران: تعلّمه كله ومهر فيه، وحذق الشيء يحذقه حذقا: قطعه أو مدّه ليقطعه بمنجل ونحوه.
[ ٩٢ ]
لكنه جعل الحذاق بدل الوضيمة، فهى حينئذ تسعة، وزيد أيضا الإملاك:
للعقد، والعتيرة: ذبيحة لأوّل شهر رجب، وعلى هذا فأسماء الأطعمة أحد عشر.
وذيّل الشمس التتائى بالثلاثة:
وتاسعة الإملاك للعقد قد أتت عتيرة ذبح للأصبّ مواسي
وحادية للعشر فعل وضيمة بميت حماك الله شرّ أناس
وقد ورد في حديث أنس عن البيهقي: أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوةّ، فلو كان ما ذبحه جده في سابع ولادته ﷺ عقيقة، لم يعيدها النبى ﷺ ويعق عن نفسه؟ وأجيب عنه بأن ما فعله النبى ﷺ بعد النبوّة ليس إعادة للعقيقة، وإنما هو إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان ﷺ يصلّى على نفسه كذلك. والجواب المشهور أن ما فعله جده عبد المطلب من العقيقة لم يقع عنه؛ لأن ذلك كان قبل الشرع، فلا يتعلق به حكم، والعقيقة التى فعلها ﷺ عنه بعد النبوّة- على تقدير صحتها- كانت بعد الشرع؛ فهي المشروعة والواقعة عنه؛ لأنه بعد ولادته لم يقع عنه عقيقة مشروعة، على أن ما ورد من أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوّة إنما هو حديث منكر كما قاله بعضهم.
وقد نظم بعضهم عدة أولاد النبى ﷺ بقوله:
فأوّل ولد المصطفي القاسم الذي به كنية المختار فافهم وحصّلا
وزينب تتلوه، رقيّة بعدها وفاطمة الزهراء جاءت علي الولا
كذا أم كلثوم تعدّ، وبعدها في الاسلام عبد الله جاء مكمّلا
وكلّهم كانوا أتوا من خديجة وقد جاء إبراهيم في طيبة تلا
وتوفيت السيدة خديجة رضى الله تعالى عنها في سنة عشر من المبعث «١» قبل الهجرة بثلاث سنين، وبعد مضى عشر سنين من مبعثه ﷺ، ودفنت بالحجون، وهى ابنة خمس وستين سنة وستة أشهر، وللنبى ﷺ عند وفاتها تسع وأربعون
_________________
(١) فى رمضان.
[ ٩٣ ]
سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، وذلك قبل موت أبى طالب بثلاثة أيام، فعظمت المصيبة على رسول الله ﷺ بموتهما، وقال «ما نالتنى قريش بشيء أكرهه حتّى مات أبو طالب» «١» وذلك أن قريشا وصلوا من إيذائه بعد موت أبى طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته. وكان ﵊ يسمى ذلك العام عام الحزن. ونزل رسول الله ﷺ في قبر السيدة خديجة.
وكانت خديجة قبل رسول الله ﷺ عند أبى هالة هند بن زرارة بن النباش فولدت له هند بن أبى هالة، سمى باسم أبيه، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عائذ ابن عبد الله، فطلقها، فتزوجها النبى ﷺ كما تقدّم «٢»، وكانت مسمّاة لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤى وهو ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد، فاثر الله ﷿ بها نبيّه ﷺ، وكانت خديجة ولدت لعتيق السابق ذكره جارية فتزوجها صيفى بن أمية، فولدت له محمدا؛ فيقال لبنى محمد بن صيفى بالمدينة بنو الطاهرة. قالت عائشة ﵂: «إنّى لأغار على خديجة وإن كنت بعدها؛ لما كنت أسمع من ذكر رسول الله ﷺ لها، ولقد سمعته يقول «كانت خديجة خير نساء العالمين» «٣» وقال «إن لخديجة بيتا في الجنة من قصب (أى قصب اللؤلؤ) لا صخب فيه ولا نصب (الصخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصوم، ولا نصب: أي لا تعب) وإنّى لأعرف فصلها رحمها الله» «٤» .
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ١ ص ٣٩١ طبع التجارية. وفي سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: فحدثنى هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: لما نثر ذلك السفية على رأس رسول الله ﷺ التراب، دخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى ورسول الله ﷺ يقول لها: لا تبكى يا بنية؛ فإن الله مانع أباك، قال: ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتّى مات أبو طالب» .
(٢) ويقال: أول من تزوجها عتيق ثم أبو هالة. انظر ترجمتها في الإصابة لابن حجر.
(٣) ولهذا قال العلماء- توفيقا بين هذا الحديث وحديث تفضيل السيدة فاطمة ﵂: «إن فاطمة أفضل من أمها من ناحية أنها بضعة من رسول الله ﷺ، والسيدة خديجة أفضل من جهة الأمومة والله تعالى أعلم.
(٤) وقال ﷺ: «أمرت أن أبشر خديجة ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب» . (رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن جعفر. والحديث متفق عليه عن عبد الله بن أبى أوفى وعن عائشة ﵂) . وورد فيها أيضا قوله ﷺ: «خديجة خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» . رواه الحارث عن عروة: مرسلا.
[ ٩٤ ]
* قال بعض الصوفية: إن أربعة من النساء أحببن أربعا من الأنبياء ﵈ فوجدن بذلك المغفرة:
أولاهنّ خديجة بنت خويلد: أحبت رسول الله ﷺ فوجدت بذلك المغفرة والقربة والإسلام والنجاة من عبادة الأصنام، وكانت أوّل امرأة أسلمت من نساء عصرها، وبشّرها جبريل بقصرها.
والثانية: اسية بنت مزاحم: أحبت موسى الكليم، فأوردها حبّه جنة النعيم، وبنى الله لها بيتا في الجنة وأعظم لها المنّة.
والثالثة بلقيس: أحبت سليمان بن داود ﵉، فكان حبها إياه سببا لدخولها في الإسلام، وكانت تعبد الشمس من دون الخالق، حتى بانت لها الحقائق، ووصل إليها كتاب كريم إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) [النمل: ٣٠، ٣١] ولما صحّ عندها ما يدعو إليه سليمان من الإيمان خالفت رأي قومها الظالمين، وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[النمل: ٤٤] .
والرابعة: زليخا، أحبت يوسف الصدّيق فبانت لها أبواب التحقيق، وال أمرها أن دعاها إلى الإسلام فأسلمت بين يديه، ودخلت في حظيرة أنسه، فكان دخولها فى الملة سببا للدنوّ والوصلة.
* وكان ﷺ محترما في قومه، معظما في عشيرته، رئيس قبيلته، وأرادوا تجديد بناء الكعبة؛ لكونها كانت قصيرة البناء، فأرادوا رفعها وسقفها، فهدمتها قريش ثم بنوها، فلمّا وصلوا في البناء إلى الموضع الذى يوضع فيه الحجر الأسود اختلفوا في وضعه، وقالت كل قبيلة: نحن أحق بوضعه، حتى هموا بالقتال، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا انقطع الخلاف بينهم برضا قريش بحكمه، وكان قد بلغ خمسا وثلاثين سنة، وذلك أنهم اجتمعوا وتشاوروا، فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، وكان يومئذ أسنّ قريش: يا معشر قريش اجعلوا بينكم حكما فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب الحرم ليقضى بينكم. ففعلوا، فكان أوّل داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، هذا محمد، رضيناه، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ: «هلمّوا إليّ ثوبا» فأتى به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ
[ ٩٥ ]
كل قبيلة بطرف من الثوب، ثم ارفعوه جميعا»، ففعلوا ذلك، فلما بلغوا به موضعه وضعه النبى ﷺ بيده الشريفة، ثم بنى عليه حتّى أتموا بناء الكعبة، فأرضى الكلّ صلوات الله عليه. وكانت قريش تسمّى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحى «الأمين»، وفي الجامع الصغير عن الطبراني عن أبى رافع أن النبى ﷺ قال: «أما والله إنّى لأمين في السماء وأمين في الأرض» .
وكان بناء الكعبة قبل الهجرة بثمانى عشرة سنة، وفي قضية التحكيم قال هبيرة بن وهب المخزومي:
تشاجرت الأحياء في فصل خطّة جرت بينهم بالنّحس من بعد أسعد
تلاقوا بها بالبعض بعد مودة وأوقد نارا بينهم شرّ موقد
فلما رأينا الأمر قد جدّ جدّه ولم يبق شيء غير سلّ المهنّد
رضينا وقلنا العدل أوّل طالع يجئ من البطحاء من غير موعد
ففاجأنا هذا الأمين محمد فقلنا رضينا بالأمين محمّد
بخير قريش كلّها أمس شيمة وفي اليوم مع ما يحدث الله في غد
فجاء بأمر لم ير الناس مثله أعمّ وأرضي في العواقب والبد
أخذنا بأطراف الرداء وكلّنا له حصّة من رفعها قبضة اليد
فقال ارفعوا حتّى إذا ما علت به أكفّهم وافى به غير مسند
وكلّ رضينا فعله وصنيعه فأعظم به من رأى هاد ومهتدى
وتلك يد منه علينا عظيمة يروح بها هذا الزمان ويغتدى
وكانت كسوة الكعبة في زمن الجاهلية المسوح والأنطاع؛ فإنّ أوّل من كساها الأنطاع تبّع الحميري؛ ثم كساها الثياب الحبرة، وفي رواية: كساها الوصائل، وهى برود حمر فيها خطوط خضر تعمل باليمن، وكانت قريش تشترك في كسوة الكعبة، حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة، فقال لقريش: أنا أكسو الكعبة سنة واحدي، وجميع قرش سنة، واستمر يفعل ذلك إلى أن مات، فسمّته قريش
[ ٩٦ ]
العدل «١» لأنه عدل قريشا واحده في كسوة الكعبة، ويقال لبنيه بنو العدل. وكانت كسوتها لا تنزع، فكان كلما تجدّد كسوة تجعل فوق، فاستمر ذلك إلى زمنه ﷺ، ثم كساها النبى ﷺ الثياب اليمانية، وكساها أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ﵃ القباطي «٢»، وكساها معاوية ﵁ الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في اخر رمضان، وكساها المأمون الديباج الأحمر والديباج الأبيض والقباطى أيضا، فكانت تكسى الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطى يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
قال بعضهم: وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكّل العباسي، ثم في زمن الناصر العباسي، كسيت السواد من الحرير، واستمر ذلك إلى الان في كل سنة، وكانت كسوتها من غلة قريتين «٣» يقال لهما «بسوس» و«سندبيس» «٤» من قرى القاهرة بإرصاد الملك الصالح بن الناصر محمد بن قلاوون في سنة سبعمائة وإحدى وخمسين، إلى أن صارت الكسوة من القاهرة المعزية، على طرف الخزينة المصرية الخديوية. وقد سئل الإمام البلقيني: هل يجوز كسوة الكعبة بالحرير المنسوج بالذهب؟ ويجوز دورانها في المحمل الشريف؟ فأجاب بجواز ذلك، قال: لما فيه من التعظيم لكسوتها الفاخرة، التى يرجى لمن يكسوها الخلع السنية في الدنيا والآخرة، ويجوز إظهارها في دوران المحمل الشريف؛ فإن في ذلك من التفخيم المناسب للحمل المنيف ما يليق بالحال. هذا كلامه.
وأوّل من حلّى بابها بالذهب جدّه ﷺ: عبد المطلب؛ فإنه لما حفر بئر زمزم وجد فيها الأسياف والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابا، وجعل في ذلك الباب الغزالين، فكان أوّل ذهب حلّيت به الكعبة، وقد سبق ذلك في حفر زمزم فى الفصل الأوّل من الباب الأوّل.
وأوّل من ذهّب الكعبة في الإسلام عبد الملك بن مروان، وقيل عبد الله بن
_________________
(١) العدل: النظير، ومنه قوله تعالى: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا.
(٢) القباطي: ثياب كانت تصنع في مصر.
(٣) وقف كسوة الحرمين الشريفين.
(٤) وهى وقف على خدام الحجرة الشريفة. وهذه القرية وما قبلها من أعمال محافظة القليوبية. اهـ. من «التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية» .
[ ٩٧ ]
الزبير ﵄، جعل على أساطينها صفائح الذهب، وجعل مفاتيحها من الذهب، وجعل الوليد بن عبد الملك الذهب علي الميزاب، يقال إنه أرسل لعامله على مكة ستة وثلاثين ألف دينار، يضرب منها على باب الكعبة وعلى الميزاب، وعلى الأساطين التى داخلها، وعلى أركانها من داخل.
وذكر أن الأمين بن هارون بن الرشيد أرسل إلى عامله بمكة ثمانية عشر ألف دينار، ليضربها صفائح الذهب على باب الكعبة، فقلع منها ما كان على الباب من الصفائح، وزاد عليها ذلك، وجعل مساميرها وحلقتى الباب والعتبة من الذهب، وأن أم المقتدر (الخليفة العباسي) أمرت غلامها لؤلؤا أن يلبس جميع أسطوانات البيت ذهبا، ففعل، وقد سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى من الباب الثالث من المقالة الرابعة من كتابنا «أنوار توفيق الجليل» «١» .
ولما بلغ ﷺ الأربعين وأرسل بخصوصه إلى الإنس والجن أجمعين أتاه جبريل من الله بالوحي، وهو بغار حراء (الجبل المشهور بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها) الذى كان يخلو فيه للمجاورة والعبادة، وخاطبه بالرسالة الاتية بالشريعة المطهرة والحنيفية السمحة إلى كافة الخلق، فكان ذلك سببا لإسعادهم، وموجبا لصلاح معاشهم ومعادهم، وكان ذلك على فترة من الرسل؛ ليس للناس شرائع ولا أحكام، ولا علم بالتوحيد، ولا أمر شرعى يحفظ دماءهم وأموالهم، فجاءت شريعته جامعة للأحكام والحكم التى لا تحصي، والنعم التى لا تستقصي، فيا له من بعث محا الضلالة والوعث «٢» .
_________________
(١) هو كتاب في تاريخ مصر القديمة طبع عام ١٢٨٥ هـ.
(٢) الوعث: كل أمر شاق من تعب وغيره.
[ ٩٨ ]