بناء المسجد «١»
ثم شرع ﵊ في بناء مسجده في مبرك ناقته أمام محلّة بني النجار، وكان محله مربدا للتمر يملكه غلامان يتيمان «٢» في حجر أسعد بن زرارة، فدعا الغلامين، وساومهما المربد ليتّخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى ﵊ أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنبشت، وبالحفر فسوّيت، وبالنخل فقطع، ثم أمر باتّخاذ اللبن فاتّخذ وشرعوا في البناء، به، وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة، وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلّا قليلا، وقد عمل فيه رسول الله بنفسه ليرغب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول معهم.
اللهم لا خير إلا خير الاخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
وجعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب ثم حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثّر فيه، فأمر ﵊ بحصبه، ولم يزين المسجد بفرش حتى ولا بالحصر، وبنى بجانبه حجرتان، احداهما لسودة بنت زمعة، والاخرى لعائشة، ولم يكن ﵊ متزوجا غيرهما إذ
_________________
(١) كان بناء المسجد على عهد رسول الله ﷺ سقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، فزاد فيه عمر وبناه على ما كان عليه من بنائه ثم غيره عثمان ﵁ وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجص، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالخشب. وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك وأدخل الحجرة النبوية فيه، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة، حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدّمة كما هو مشاهد اليوم.
(٢) وفي الصحيح دعا رسول الله ﷺ الغلامين (هما سهل وسهيل) فساومهما بالمربد (وهو الموضع الذي يحصل فيه الزرع والتمر لليبس) ليتخذه مسجدا، فقالا؛ بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدا وفي بعض الروايات أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه.
[ ٨٣ ]
ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات تبنى كلّما جاءت زوج «١» .
بدء الأذان
أوجب الله الصلاة على المسلمين ليكونوا دائما متذكرين عظمة العلي الأعلى، فيتبعون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ولذلك قال في محكم كتابه في سورة العنكبوت إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ «٢» . وجعل أفضل الصلاة ما كان جماعة ليذاكر المسلمون بعضهم بعضا في شؤونهم واحتياجاتهم، ويقووا روابط الألفة والاتّحاد بينهم، ومتى حان وقت الصلاة فلا بدّ من عمل ينبّه الغافل، ويذكر الساهي حتى يكون الاجتماع عاما، فائتمر «٣» النبي ﵊ مع الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها الناس، فلم يرضوا ذلك لأنها لا تفيد النائم ولا الغافل، وقال الاخرون نشعل نارا على مرتفع من الهضاب فلم يقبل أيضا، وأشار اخرون ببوق وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم- فكرهه رسول الله لأنه لم يكن يحب تقليد اليهود في عمل ما، وأشار بعضهم بالناقوس وهو ما يستعمله النصارى- فكرهه الرسول أيضا، وأشار بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها فقبل هذا الرأي، وكان أحد المنادين عبد الله بن زيد الانصاري «٤»، فبينما هو بين النائم واليقظان «٥» إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل: الله أكبر الله أكبر مرتين، وتشهّد مرتين، ثم قل: حيّ على الصلاة مرتين ثم حيّ على الفلاح مرتين، ثم كبّر ربك مرتين، ثم قل: لا اله إلا الله فلمّا استيقظ توجّه إلى النبي ﷺ وأخبره خبر
_________________
(١) يقول الذهبي في بلبل الروض: لم يبلغنا أنه ﵇ بني له تسعة أبيات حين بنى المسجد، ولا أحسبه بعد ذلك. إنما كان يريد بيتا واحدا حينئذ لسودة أم المؤمنين، ثم لم يحتج إلى بيت اخر حتى بنى بعائشة في شوال سنة اثنتين، وكأنه ﵊ بناها في أزمان مختلفة.
(٢) اية ٤٥.
(٣) أي تشاور.
(٤) عبد الله بن زيد من بني عمرو بن مازن بن النجار وقد شهد بدرا وجعل إليه النبي ﷺ القيام على النفل الذي هو الغنائم مقفلة من بدر إلى المدينة. وذكر أنه جمع له ست أو سبعة أحاديث في جزء مفرد.
(٥) في رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد أو لو قلت: إني لم أكن نائما لصدقت.
[ ٨٤ ]
رؤياه، فقال: إنها لرؤيا حق، ثم قال له: لقّن ذلك بلالا فإنه أندى «١» صوتا منك، وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه، فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله «٢» . وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة، والاخر عبد الله بن أم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأقره الرسول على ذلك، وكان ﵊ يأمر في فجر رمضان بأذانين أولهما يوقظ به الغافلون حتى ينتبهوا للسحور، والثاني للصلاة. أما الأذان للجمعة. فكان أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلمّا كان عثمان وكثر الناس زاد نداء اخر على الزوراء. رواه البخاري.
ولمّا تولى هشام بن عبد الملك أخذ الأذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله على المنار، ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر في العهد الأول بين يديه.
فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشام بن عبد الملك، ولا معنى لهذا الأذان لأنه هو نداء إلى الصلاة، ومن هو في المسجد لا معنى لندائه ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في المسجد.
ذكر ذلك الشيخ محمد بن الحاج في المدخل.
قال الحافظ في فتح الباري: وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى.
فعلم من ذلك كلّه أن سنة رسول الله ﷺ في أذان الجمعة أنه كان إذا جلس على المنبر أذن مؤذّنه على المنار، فإذا انتهت الخطبة أقيمت الصلاة وما عدا ذلك فكله ابتداع «٣» .
_________________
(١) أي أحسن وأعذب.
(٢) قال ابن هشام: فذهب عمر إلى النبي ﷺ ليخبره بما رأى. وقد جاء النبي ﷺ الوحي بذلك، فما راع عمر إلّا بلال يؤذن. فقال رسول الله ﷺ حين أخبره بذلك. قد سبقك بذلك الوحي. وهذا يدل على أنه قد جاء الوحي بتقدير ما راه عبد الله بن زيد ابن عبد ربه وقوّى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر للأنصاري مع أن السكنية تنطق على لسان عمر واقتضت الحكمة الالهية أن يكون الأذان على لسانه غير النبي ﷺ من المؤمنين لما فيه من النبوية من الله لعبده، والرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على غير لسان أنوه وأفخم لشأنه، وهذا معنى بين، فإن الله سبحانه يقول: (ورفعنا لك ذكرك) .
(٣) قول المصنف انه بدعة أو ابتداع لأن كل شيء لم يكن في زمن النبي ﷺ يكون بدعة لكن منها ما يكون
[ ٨٥ ]
أما الإقامة وهي الدعوة للصلاة في المسجد، فقد اختلفت الروايات في نصّها فرواها محمّد بن ادريس الشافعي مفردة إلّا لفظ قد قامت الصلاة فمثنى، ورواها مالك بن أنس مفردة كلها، ورواها أبو حنيفة النعمان مثنى كلها.
يهود المدينة
هذا وكما ابتلى الله المسلمين في مكّة بمشركي قريش ابتلاهم في المدينة بيهودها وهم بنو قينقاع وقريظة والنّضير-، فإنهم أظهروا العداوة والبغضاء حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم أنه الحقّ، وكانوا قبل مجيء الرسول يستفتحون على المشركين من العرب إذا شبّت الحرب بين الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، فلمّا جاءهم ما عرفوا استعظم رؤساؤهم أن تكون النبوة في ولد اسماعيل، فكفروا بما أنزل الله بغيا، مع أنهم يرون أن رسول الله محمدا لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من كتب الله التي أنزلها على من سبقه من المرسلين مبيّنا ما أفسده التأويل منها، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. ومما عابوه على الإسلام نسخ الأحكام، وما دروا أن القادر العليم يعلم ما يحتاجه الإنسان أكثر منهم، فإنه ميال بطبعه للترقّي، والرسول ﵊ وجد بادىء بدء بين جماعة من العرب أميين ليسوا على شيء من الاعتقادات الإلهية، فكانت الحكمة داعية لأن يكون التشريع لهم على التدريج، لأنه لو حرّم الله عليهم شرب الخمر وأكل الربا، وأمرهم بالصلاة والزكاة وهكذا إلى اخر الأوامر والمناهي التي جاء بها الشرع الإسلامي لما أجابه أحد من هؤلاء النافرة قلوبهم، المختلفة أهواؤهم الذين كانوا منغمسين في كثير من الأضاليل، فجاءهم رسول الله ﷺ بالأمر شيئا فشيئا حتى روّضت عقولهم، وهذّبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله عليه إلا عقب الحوادث التي تقتضيها، ليكون التأثير في النفوس أشدّ، ولكن اليهود أرادوا غل يد القدرة عن أن تفعل إلّا ما يشتهون، وقد حجّهم القران الشريف بما يدلّ على أنهم يعلمون من نفوسهم البعد عن الحق، فقال في سورة
_________________
(١) حسنا ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتبين مما مضى أن عثمان بن عفان ﵁ أحدث الأذان على الزوراء (موضع بالسوق بالمدينة) ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت قياسا على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله فعلم مما مرّ أن الأذان بين يدي الخطيب بدعة حسنة لا سيئة.
[ ٨٦ ]
البقرة قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» ثم حتّم جلّ ذكره عدم اجابتهم بقوله وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ «٢» فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحقّ لما تأخّروا عمّا طلب منهم مع سهولته وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك ولو نطقا باللسان. وقد تبيّن الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد الله بن سلام، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القران بعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم عدوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه، فبئسما اشتروا لأنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «٣» .
المنافقون
وكان يساعدهم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفا على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي الذي كان مرشحا لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله ﷺ، ولا شكّ أن ضرر المنافقين أشدّ على المسلمين من ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارا، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه ﵊ مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما. فكثيرا ما كان يتغيب عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن لم يعهد أنه ولّى رجلا ممّن عهد عليه النفاق، لأنه ﵊ يعلم ما يكون منهم لو ولّوا عملا، فإنهم بلا شكّ يتّخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهمّ لرؤساء الإسلام يعلّمهم أنهم لا يثقون في الأعمال المهمّة إلّا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد.
_________________
(١) سورة البقرة اية ٩٤.
(٢) سورة التوبة اية ٣٢.
(٣) سورة البقرة اية ٥٩.
[ ٨٧ ]
معاهدة اليهود
هذا وقد علمت أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان: اليهود، والمنافقون، ولكنّ الرسول قبل من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك عهدا مقتضاه ترك الحرب والأذى، فلا يحاربهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه أحدا، وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرّهم على دينهم.
مشروعية القتال «١»
قد علم ممّا تقدّم أنّ رسول الله عليه الصلاة السلام لم يقاتل أحدا على الدخول في الدّين، بل كان الأمر قاصرا على التبشير والإنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه من الاي ما يقوّيه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ «٢» وكان كثيرا ما يقصّ الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حقّ، فبعد الهجرة أذن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحجّ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ «٣» ثم أمرهم بذلك في سورة البقرة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
_________________
(١) أذن لرسول الله ﷺ في القتال لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر صفر في السنة الثانية من الهجرة، وكان الصحابة ﵃ منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وسعد بن أبي وقاص يقولون: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون فلما امنا صرنا أذلة فأذن لنا في قتال هؤلاء، فقال: كفوا أيديكم عنهم فإني لم أومر بقتالهم. ولما هاجر المسلمون إلى المدينة أذن الرسول لهم بالقتال، وأول ما أنزل في أمر القتال «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ » الاية المذكورة في مشروعية القتال، وهذا أول ما أنزل في الأذن بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين اية.
(٢) اية ٣٥.
(٣) اية ٣٩- ٤٠.
[ ٨٨ ]
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ «١» . وبذلك لم يكن الرسول يتعرّض إلّا لقريش دون سائر العرب فلما تمالأ على المسلمين غير أهل مكّة من مشركي العرب واتّحدوا عليهم مع الأعداء أمر الله بقتال المشركين كافة بقوله في سورة التوبة وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً «٢» وبذلك صار الجهاد عاما لكل من ليس له كتاب من الوثنيين وهذا مصداق قوله ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاإله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام وحسابهم على الله) «٣» ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث أنهم ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله في سورة الأنفال وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «٤» وقتالهم واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ليأمن المسلمون جانبهم، وصار قتال رسول الله ﷺ للأعداء على هذه المبادئ الاتية:
(١) اعتبار مشركي قريش محاربين لأنهم بدؤوا بالعدوان فصار للمسلمين قتالهم ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكّة أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين.
(٢) متى رئي من اليهود خيانة وتحيّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي أو القتل.
(٣) متى تعدّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشا قوتلت حتى تدين بالإسلام.
(٤) كل من بادأ بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر.
(٥) كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلّا بحقه. والإسلام يقطع ما قبله.
وقد أنزل الله في القران الكريم كثيرا من الاي تحريضا على الإقدام في قتال
_________________
(١) اية ١٩٠- ١٩٣.
(٢) اية ٣٦.
(٣) رواه الشيخان.
(٤) اية ٥٨.
[ ٨٩ ]
الأعداء وتبعيدا عن الفرار من الزحف فقال في الموضوع الأول في سورة النساء فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا «١»، وقال في الموضوع الثاني في سورة الأنفال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «٢» .
بدء القتال
كانت عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويسمى الركب السائر بهذه التجارة عيرا، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم وسراتهم. ولا بدّ لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى رسول الله ﷺ أن يصادر تجارتهم ذاهبة وايبة. ليكون في ذلك عقاب لمشركي مكّة، حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال، الذي لا بدّ أن يكون. لأنّ قريشا لم تكن لتسكت عمن سفّه أحلامهم، وعاب عبادتهم خصوصا وهم قدوة العرب في الدين.
سرية «٣»
ففي شهر رمضان أرسل عمه حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلا من المهاجرين، وعقد لهم لواء أبيض حملة أبو مرثد «٤» حليف حمزة، ليعترض عيرا لقريش ايبة من الشام، فيها أبو جهل وثلاثمائة من أصحابه المشركين، فسار حمزة حتى وصل ساحل البحر من ناحية العيص «٥» فصادف العير هناك، فلمّا تصافّوا للقتال حجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني فأطاعوه وانصرفوا، وشكر ﵊ مجديا على عمله لما كان من قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم.
_________________
(١) اية ٧٤.
(٢) اية ١٥- ١٦.
(٣) السرية قطعة من الجيش ونريد بها كل غزاة لم يكن فيها رسول الله، والتي كان فيها تسمى غزوة (المؤلف) .
(٤) هو كنّاز بن حصين الغنوي، شهد هو وابنه بدرا، وتوفي أبو مرثد سنة ١٢ هـ.
(٥) عرض من أعراض المدينة أي ناحية منها (المؤلف) .
[ ٩٠ ]
سرية «١»
وفي شوال أرسل عبيدة بن الحارث «٢» بن عم حمزة في ثمانين راكبا «٣» من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله مسطح بن أثاثة «٤» ليعترض عيرا لقريش، فيها مائتا رجل، فوافوا العير ببطن رابغ «٥» فكان بينهم الرمي بالنبل، ثم خاف المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا، ولم يتبعهم المسلمون، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن الأسود وعتبة بن غزوان وكانا قد أسلما وخرجا ليلحقا بالمسلمين.
وفيات
وفي هذه السنة توفّي من المهاجرين عثمان بن مظعون أخو رسول الله ﷺ من الرضاع أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، ولما دفن أمر ﵊ بأن يرشّ قبره بالماء، ووضع على قبره حجرا، وقال: أتعلّم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي، وهذا كان القصد من وضع الأحجار على المقابر لا ما يقصده أهل العصور الأخيرة من تشييد الهياكل على القبور، وتصويرها بصور ترى في عين الناظر كالأصنام، ليأتي أقارب الميت ويصنعوا عندها احتفالات كثيرة، تشبه ما كان يفعله مشركو مكّة عند معابدهم، ومن العبث فعل شيء لم يفعله رسول الله ممّا يتعلّق بأمور الاخرة.
ومات من الأنصار أسعد بن زرارة أحد النقباء الاثني عشر كان ﵁ نقيب بني النجار، ولمّا مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لأن ابن أخت القوم منهم، ومات أيضا البراء بن معرور أحد النقباء، وهو الذي كان يتكلّم عن القوم في العقبة الثانية، ومات من مشركي مكّة في هذه السنة الوليد بن المغيرة، ولما احتضر جزع، فقال له أبو جهل ما جزعك يا عم، فقال: والله ما بي من جزع الموت، ولكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكّة، فقال: أبو سفيان لا
_________________
(١) هي سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ.
(٢) في الأصل ابن عم حمزة وهو خطأ.
(٣) ذكر ابن كثير في سيرته أن عددهم كان ستين.
(٤) اسمه عوف ومسطح لقبه، أسلم قديما، ومات سنة ٣٤ هـ في خلافة عثمان.
(٥) واد بين الحرمين قرب البحر (المؤلف) .
[ ٩١ ]
تخف إني ضامن ألّا يظهر، وفيها أيضا مات العاص بن وائل السهمي. وقد كفى الله المسلمين شرّ هذين الشّقيّين.
[ ٩٢ ]