غزوة خيبر «١»
وفي محرم السنة السابعة أمر ﵊ بالتجهز لغزو يهود خيبر، الذين كانوا أعظم مهيّج للأحزاب ضدّ رسول الله في غزوة الخندق، والذين لا يزالون مجتهدين في محالفة الأعراب ضدّ رسول الله كما قدّمنا ذلك في قصة كعب بن الأشرف، وقد استنفر رسول الله لذلك من حوله من الأعراب الذين كانوا معه بالحديبية. وجاء المخلّفون عنها ليؤذن لهم فقال ﵊: لا تخرجوا معي إلّا رغبة في الجهاد، أما الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئا، وأمر مناديا ينادي بذلك، ثم خرج ﵊ بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري «٢» . وكان معه من أزواجه أم سلمة، ولما وصل جيش المسلمين إلى خيبر التي تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من الشمال الغربي، رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء. فقال: ﵊ «ارفقوا بأنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم» «٣» وكانت حصون خيبر ثلاثة منفصلا بعضها عن بعض وهي: حصون النطاة وحصون الكتيبة وحصون الشق والأولى ثلاثة: حصن ناعم، وحصن الصعب، وحصن قلّة، والثانية حصنان: حصن أبي، وحصن البريء. والثالثة ثلاثة حصون: حصن القموص، وحصن الوطيح، وحصن السّلالم، فبدأ ﵊ بحصون النطاة، وعسكر المسلمون شرقيها بعيدا عن مدى النبل، وأمر ﵊ أن يقطع نخلهم ليرهبهم، حتى يسلموا، فقطع المسلمون نحو أربعمائة نخلة. ولمّا رأى ﵊
_________________
(١) مدينة عظيمة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام (والبرد اثنا عشر ميلا عربيا فتكون المسافة كلها ٩٦ ميلا عربيا) .
(٢) قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي.
(٣) رواه البخاري.
[ ١٨٠ ]
تصميم اليهود على الحرب نهى عن القطع، ثم ابتدأ القتال مع حصن ناعم بالمراماة، وكان لواء المسلمين بيد أحد المهاجرين فلم يصنع في ذلك اليوم شيئا، وفيه مات محمود بن مسلمة «١» أخو محمّد بن مسلمة، وصار ﵊ يغدو كل يوم مع بعض الجيش للمناوشة، ويخلّف على العسكر أحد المسلمين حتى إذا كانوا في الليلة السابعة، ظفر حارس الجيش وهو عمر بن الخطاب بيهودي خارج في جوف الليل، فأتى به رسول الله ﵊، ولما أدرك الرجل الرعب قال: إن أمّنّتموني أدّلكم على أمر فيه نجاحكم. فقالوا دلنا فقد أمّنّاك، فقال إن أهل هذا الحصن أدركهم الملال والتعب، وقد تركتهم يبعثون بأولادهم إلى حصن الشقّ، وسيخرجون لقتالكم غدا، فإذا فتح عليكم هذا الحصن غدا فإني أدّلكم على بيت فيه منجنيق ودبابات «٢» ودروع وسيوف، يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون، فإنكم تنصبون المنجنيق، ويدخل الرجال تحت الدبابات، فينقبون الحصون فتفتحه من يومك، فقال ﵊ لمحمّد بن مسلمة:
سأعطي الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبّانه، فبات المهاجرون والأنصار كلهم يتمنّونها، حتى قال عمر بن الخطاب: ما تمنيت الإمارة إلّا ليلتئذ، فلمّا كان الغد سأل ﵊ عن علي بن أبي طالب فقيل له إنه أرمد، فأرسل من يأتيه به، ولما جاء تفل في عينيه فشفاهما الله كأن لم يكن بهما شيء «٣» ثم أعطاه الراية، فتوجّه مع المسلمين للقتال، وهناك وجدوا اليهود متجهزين، فخرج يهودي يطلب البراز فقتله علي، ثم خرج مرحب وهو أشجع القوم فألحقه برفيقه، فخرج أخوه ياسر فقتله الزبير بن العوّام، ثم حمل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا الحصن بالقوة، وانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه وهو حصن الصعب وغنم المسلمون من حصن ناعم كثيرا من الخبز والتمر، ثم تتبعوا اليهود إلى حصن الصعب، فقاتل عنه اليهود قتالا شديدا حتى ردّ عنه المسلمون، ولكن ثبت الحباب بن المنذر ومن معه، وقاتلوا قتالا
_________________
(١) تقدم نسبه مع أخيه انفا، ذكروه في الصحابة، شهد أحدا والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيدا برحى ألقيت عليه من حصن ناعم، ألقاها عليه مرحب اليهودي.
(٢) الدبابة الة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبونها وهم في جوفها. (المؤلف) وكان أهل خيبر ٠٠٠، ١٠ مقاتل.
(٣) رواه الشيخان مختصرا.
[ ١٨١ ]
شديدا حتى هزموا اليهود فتبعوهم حتى افتتحوا عليهم الحصن، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام، فأمر ﵊ مناديا يقول: «كلوا واعلفوا دوابكم ولا تأخذوا شيئا» .
ثم إن الذين انهزموا من هذا الحصن ساروا إلى حصن قلة فتبعهم المسلمون، وحاصروهم ثلاثة أيام حتى استصعب عليهم فتحه، وفي اليوم الرابع دلّهم يهودي على جداول الماء التي يستقي منها اليهود، فمنعوها عنهم، فخرجوا، وقاتلوا قتالا شديدا انتهى بهزيمتهم إلى حصون الشقّ، فتبعهم المسلمون وبدؤوا بحصن أبيّ فخرج أهله، وقاتلوا قتالا شديدا أبلى فيه أبو دجانة بلاء حسنا حتى تمكّن من دخول الحصن عنوة، ووجد المسلمون فيه أثاثا كثيرا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب المنهزمون منه إلى حصن البريء فتمنعوا به أشدّ التمنّع، وكان أهله أشدّ اليهود رميا بالنبل والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه، فنصب المسلمون عليه المنجنيق، فوقع في قلب أهله الرعب، وهربوا منه من غير عناء شديد. فوجد فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار، فقال ﵊:
اغسلوها واطبخوا فيها، ثم تتبّع المسلمون بقايا العدو إلى حصون الكثيبة، وبدؤوا بحصون القموص، فحاصروه عشرين ليلة، ثم فتحه الله على يد علي بن أبي طالب، ومنه سبيت صفية بنت حيي بن أخطب، ثم سار المسلمون لحصار حصني الوطيح والسلالم، فلم يقاوم أهلهما بل سلّموا طالبين حقن دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم، لا يصطحب الواحد منهم إلّا ثوبا واحدا على ظهره، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، وغنم المسلمون من هذين الحصنين مائة درع، وأربعمائة سيف، وألف رمح، وخمسمائة قوس عربية، ووجدوا صحفا من التوراة فسلّموها لطالبيها. وقد أمر ﵊ بقتل كنانة بن أبي الحقيق لأنه أنكر حلي حيي بن أخطب وقد عثر عليها المسلمون، فوجدوا فيها أساور ودمالج وخلاخيل وقرطة وخواتيم الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك.
هذا والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رجلا «١»، وقتل من
_________________
(١) ربيعة بن أكثم وعبد الله بن الهبيب وبشر بن البراء ومسعود بن سعد ومحمود بن مسلمة وأبو ضياح بن ثابت والحارث بن حطب وعروة بن مرة وأوس بن القائد وأنيف بن حبيب وثابت بن أثلة وطلحة بن يحيى وعمارة بن عقبة وعامر بن الأكوع ومسعود بن ربيعة.
[ ١٨٢ ]
اليهود ثلاثة وتسعون رجلا، وفي هذه الغزوة أهدت احدى نساء اليهود «١» كراع شاة مسمومة لرسول الله فأخذ منها مضغة ثم لفظها حيث أعلم أنها مسمومة، وأكل منها بشر بن البراء «٢» فمات لوقته، واحتجم رسول الله ﷺ، وجيء له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة فسألها عن سبب ذلك فأجابت: قلت إن كان نبيّا لن يضرّه، وإن كان كاذبا أراحنا الله منه، فعفا عنها ﵊ «٣» .
زواج صفية «٣»
وبعد تمام الظفر والنصر تزوّج ﵇ صفية بنت حيي سيد بني النضير وأصدقها عتقها، وقد أسلمت ﵂، فشرّفت بأمومة المؤمنين.
النهي عن نكاح المتعة «٤»
ونهى ﵊ وهو بخيبر عن نكاح المتعة، (وهي النكاح لاجل) وقد كان حلالا في الجاهلية، واستعمل في بدء الإسلام حتى حرمه الشرع في هذه السنة ونهى كذلك عن أكل لحوم الحمر الاهلية فأكفأ المسلمون قدرها بعد أن نضجت ولم يطعموها.
_________________
(١) هي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم وأخت مرحب انتقاما لقتل أبيها وزوجها وأخيها أخرجه البخاري. اختلف العلماء هل قتلها النبي ﷺ أو لا، قال القاضي عياض: إنه لم يقتلها أولا حين أطلع على فعلها، فلما مات بشر بن البراء من ذلك فسلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا.
(٢) ابن معرور الأنصاري الخزرجي من بني سلمة- قد تقدم نسب أبيه شهد بشر العقبة وبدرا وأحدا والخندق، وكان من الرماة المذكورين من الصحابة وكان رسول الله ﷺ قد اخى بينه وبين واقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي.
(٣) كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليه كنانة بن أبي الحقيق فقتل كنانة يوم خيبر فصارت مع السبي، فأخذها دحية، ثم استعادها النبي ﷺ فاعتقها وتزوجها، وكانت صفية عاقلة وحليمة وفاضلة، وتوفيت سنة ٥٢ هـ في خلافة معاوية.
(٤) تحريم نكاح المتعة قد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ أذن لهم في المتعة زمن الفتح ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها، وقال: إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة. راجع كتاب المتعة حرام للشيخ محمد الحامد. فقد نص الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم غير نكاح المتعة. وقد حكى السهيلي وغيره عن بعضهم أنه أدعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات. وقال اخرون أربع مرات، وهذا بعيد جدا والله أعلم.
[ ١٨٣ ]
رجوع مهاجري الحبشة
وحين رجوع المسلمين من خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه الاشعريون أبو موسى وقومه بعد أن أقاموا فيها نحوا من عشر سنين امنين مطمئنين، وفرح ﵊ بمقدمهم فرحا عظيما، وأعطى للاشعريين من مغانم الحصون المفتوحة صلحا، وكان مع جعفر أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، وقدم في هذا الوقت على النبي ﵊ الدوسيون إخوان أبي هريرة ﵁ وهو معهم، فأعطاهم أيضا رسول الله ﷺ.
فتح فدك
وبعد تمام الفتح أرسل ﵊ من يطلب من يهود فدك «١» الانقياد والطاعة، فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم، ويتركوا الأموال، وكانت أرض فدك هذه لرسول الله خاصّة ينفق منها على نفسه، ويعول منها صغير بني هاشم ويزوج منها أيّمهم.
صلح تيماء
ولمّا بلغ يهود تيماء «٢» ما فعله المسلمون بيهود خيبر، صالحوا على دفع الجزية ومكثوا في بلادهم امنين مطمئنين.
فتح وادي القرى «٣»
ثم دعا ﵊ يهود وادي القرى إلى الاستسلام فأبوا وقاتلوا، فقاتلهم المسلمون، وأصابوا منهم أحد عشر رجلا، وغنموا منهم مغانم كثيرة، خمّسها ﵊، وترك الأرض في أيدي أهلها يزرعونها بشطر ما يخرجون منها، وكذلك صنع بأرض خيبر، وكان يرسل إليهم عبد الله بن رواحة
_________________
(١) حصن قريب من خيبر على ست ليال من المدينة. (المؤلف) .
(٢) قرية على ثمان مراحل من المدينة (وهي حصن بين المدينة والشام) وفتحها، وولى عليها يزيد بن أبي سفيان.
(٣) هو واد بين الشام والمدينة وهو بين تيماء وخيبر. فيه قرى كثيرة وبها سمي وادي القرى. ويجعل بعضهم غزوة خيبر وغزوة وادي القرى غزوة واحدة لأنه لم يرجع من خيبر.
[ ١٨٤ ]
لتقدير الثمر، وكان تقديره شديدا عليهم، فأرادوا أن يرشوه، فقال لهم: يا أعداء الله تعطوني السحت «١» ! والله لقد جئتكم من عند أحبّ الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن ألّا أعدل.
هذا وبانقياد جميع اليهود المجاورين للمدينة ارتاح المسلمون من شرّ عدو، كان يتربص بهم الدوائر مهما كان بين الفريقين من العهود والمواثيق. ورجع المسلمون مؤيدين ظافرين.
إسلام خالد ورفيقيه
وأعقب هذه الغزوة وهذا الفتح المبين إسلام ثلاثة طالما كانت لهم اليد الطولى في قيادة الجيوش لحرب المسلمين وهم خالد بن الوليد المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وعثمان بن «٢» طلحة العبدري فسرّ بهم ﵊ سرورا عظيما، وقال لخالد: «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألايسلمك إلّا إلى خير»: فقال يا رسول الله ادع الله أن يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك، فقال ﵊: «الإسلام يقطع ما قبله» «٣» .
سرية «٤»
وفي شعبان بلغه ﵊ أن جمعا من هوزان بتربة «٥» يظهرون العداوة للمسلمين فأرسل لهم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا. فسار إليهم.
ولمّا بلغهم الخبر تفرّقوا فلم يجد بها عمر أحدا فرجع.
_________________
(١) الحرام.
(٢) في الأصل عثمان بن أبي طلحة وهو خطأ، لأن عثمان بن أبي طلحة قتل في غزوة أحد كافرا.
(٣) رواه الإمام أحمد بلفظ: فإن الإسلام يجب ما كان قبله.
(٤) هي سرية عمر بن الخطاب إلى تربة.
(٥) واد بالقرب من مكة على مسافة يومين منها. (المؤلف) .
[ ١٨٥ ]
سرية «١»
ثم أرسل بشير بن سعد الأنصاري «٢» لقتال بني مرّة بناحية فدك فلمّا ورد بلادهم لم ير منهم أحدا فأخذ نعمهم وانحدر إلى المدينة، أما القوم فكانوا في الوادي فجاءهم الصريخ فأدركوا بشيرا ليلا وهو راجع فتراموا بالنبل، ولما أصبح الصبح اقتتل الفريقان قتالا شديدا حتى قتل غالب المسلمين، وجرح بشير جرحا شديدا حتى ظنّ أنه مات، ولمّا انصرف عنه العدو تحامل حتى جاء إلى رسول الله وأخبره الخبر.
سرية «٣»
وفي رمضان أرسل ﵊ غالب بن عبد الله الليثي «٤» إلى أهل الميفعة «٥» في مائة وثلاثين رجلا فساروا حتى هجموا على القوم فقتلوا بعضا وأسروا اخرين، وفي أثناء الحرب طارد أسامة بن زيد رجلا من المشركين. ولمّا رأى المشرك الموت في يد أسامة تشهّد فظن أسامة أنّ عدوه إنما قال ذلك تخلصا فقتله، ولما رجع المسلمون إلى المدينة، وأخبر ﵇ بفعلة أسامة قال:
أقتلته بعد أن قال: لا إله إلّا الله فكيف تصنع بلا إله إلّا الله؟! قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا من القتل، قال ﵊: فهلا شققت عن قلبه، فتعلم أصادق أم كاذب؟! فقال يا رسول الله: استغفر لي. قال ﵊: فكيف بلا إله إلّا الله!! فما زال يكرّرها حتى تمنّى أسامة أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم «٦»، وأنزل الله في ذلك سورة النساء وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ «٧»
_________________
(١) سرية بشير بن سعد لقتال بني مرة
(٢) البدري والد النعمان استشهد بعين التمر مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر سنة ١٢ هـ.
(٣) هي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة.
(٤) ذكر هشام بن الكلبي أن النبي ﷺ بعثه إلى فدك فاستشهد دون فدك.
(٥) على ثمانية برد من المدينة بناحية نجد (المؤلف) .
(٦) نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ قال: إنما قالها متعوذا فقال له: هل شققت عن قلبه؟ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.
(٧) اية ٩٤.
[ ١٨٦ ]
ثم أمر ﵊ أسامة أن يعتق رقبة كفارة لأنه قتل خطأ.
سرية «١»
وفي شوال بلغه ﵊ أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان كانوا مقيمين قريبا من خيبر بأرض اسمها يمن وجبار على المدينة، فأرسل لهم بشير بن سعد في ثلاثمائة رجل، فساروا إليهم يكمنون النهار، ويسيرون الليل حتى أتوا محلتهم، فأصابوا نعما كثيرة، وتفرّق الرّعاء، فأخبروا قومهم، ففزعوا، ولحقوا بعليا بلادهم ولم يظفر المسلمون إلّا برجلين أسلما، ثم رجعوا إلى المدينة.
(عمرة القضاء) «٢»
لما حال الحول على عمرة الحديبية، خرج ﵊ بمن صدّ معه فيها، ليقضي عمرته، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري، وساق معه الهدي ستين بدنة، وأخرج معه السلاح حذرا من غدر قريش، وكان معه مائة فرس عليها بشير بن سعد، وأحرم ﵊ من باب المسجد المدني، ولما انتهى إلى ذي الحليفة «٣» قدّم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول الله، حملت السلاح، وقد شرطوا ألا تحمله؟ فقال ﵊ لا: ندخل الحرم به ولكن يكون قريبا منا، فإن هاجنا هائج فزعنا له. فلمّا كان بمرّ الظّهران «٤» قابله نفر من قريش، ففزعوا من هذه العدّة، وأسرعوا إلى قومهم فأخبروهم، فجاءه فتيان منهم، وقالوا: والله يا محمّد ما عرفت بالغدر صغيرا ولا كبيرا، وأنا لم نحدث حدثا!! فقال: إنا لا ندخل الحرم بالسلاح. ولمّا حان وقت دخوله مكّة، خرج أهلوها كارهين رؤية المسلمين يطوفون بالبيت، فدخل ﵊ وأصحابه متوشحين سيوفهم من ثنيّة كداء «٥» وأمامه عبد الله بن رواحة يقول: «لا
_________________
(١) سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار (يمن) حصن و(جبار) ماء لبني خميس.
(٢) قد اختلف العلماء في تسمية هذه العمرة. فقال مالك والشافعي والجمهور لأنه قاضى قريشا سنة الحديبية فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الحكم لا لأنها قضاء عن العمرة التي صدّ عنها لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة وقال أبو حنيفة وأحمد أن من صدّ عن البيت فعليه القضاء فتسميتها قضاء على هذا ظاهر.
(٣) ميقات من توجه من المدينة وهو على نحو ستة أميال وهو ما يعادل ثلاث ساعات سيرا.
(٤) وادي قرب مكة
(٥) هو المكان المعروف من طريق جده.
[ ١٨٧ ]
إله إلّا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب واحده» وطاف ﵊ بالبيت وهو على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه «١» وأمر أصحابه أن يسرعوا ثلاثة أشواط اظهارا للقوة لأن المشركين قالوا: سيطوف اليوم بالكعبة قوم نهكتهم حمّى يثرب، فقال ﵊: «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة»، واضطبع «٢» ﵊ بردائه، وكشف عضده اليمنى شأن الفتوة وفعل مثله المسلمون، وقد أتمّ المسلمون طوافهم بالبيت امنين محلقين رؤوسهم ومقصرين كما رأى ﵊ في منامه.
زواج ميمونة «٣»
وتزوج ﷺ وهو بمكّة ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج عمه حمزة بن عبد المطلب شهيد أحد، وخالة عبد الله بن العباس وهي اخر نسائه زواجا ولم يدخل بها إلّا بعد الخروج من مكّة حيث كان بسرف «٤»، ولمّا خرج ﵊ أمر الذين كان تركهم لحراسة الخيل بالذهاب ليطوفوا ففعلوا، ثم رجع ﵊ إلى المدينة فرحا مسرورا بما حباه الله من تصديق رؤياه.
_________________
(١) عصا معطوفة الرأس معوجة.
(٢) أن يجعل الرجل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن عند إبطه ويطرح طرفيه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفا.
(٣) (أخت أم الفضل لبابة) كان اسمها برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، تزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية، ماتت بسرف سنة ٥١ هـ.
(٤) موضع قرب التنعيم. وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها رسول الله ﷺ أربع مائة درهم، واختلف الناس في تزويجه إياها أكان محرما أم حلالا والصحيح وهو حلال، وروى ذلك مسلم والدار قظي والترمذي، وتأول قول ابن عباس فتزوجها محرما أي في الشهر الحرام.
[ ١٨٨ ]