(سرية) «١»
ولعشر خلون من محرّم السنة السادسة، أرسل ﵊ محمّد بن مسلمة في ثلاثين راكبا لشن الغارة على بني بكر بن كلاب الذين كانوا نازلين بناحية ضربة «٢»، فسار إليهم يكمن في النهار، ويسير الليل حتى دهمهم، فقتل منهم عشرة، وهرب باقيهم، فاستاقت السرية النّعم والشياه، وعادوا راجعين إلى المدينة، وقد التقوا وهم عائدون بثمامة بن أثال الحنفي «٣» من عظماء بني حنيفة فأسروه وهم لا يعرفونه، فلمّا أتوا به رسول الله عرفه وعامله بمنتهى مكارم الأخلاق، فإنه أطلق أساره بعد ثلاث أبى فيها الانقياد للإسلام بعد أن عرض عليه. ولما رأى ثمامة هذه المعاملة، وهذه المكارم، رأى من العبث أن يتبع هواه ويترك دينا عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله وأسلم غير مكره، وخاطب الرسول بقوله: «يا محمّد والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح أحب الدين كله إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إليّ» فسرّ ﵊ كثيرا بإسلامه لأن من ورائه قوما يطيعونه. ولمّا رجع ثمامة إلى بلاده مرّ بمكّة معتمرا وأظهر فيها إسلامه، فأرادت قريش إيذاءه، فذكروا احتياجهم لحبوب اليمامة التي منها ثمامة فتركوه، ومع ذلك فقد حلف، هو الّا يرسل إليهم من اليمامة حبوبا
_________________
(١) سريه محمد بن مسلمة قبل نجد ويرى ابن كثير أن هذه السرية كانت بعد خيبر والبخاري يرى أنها سنة سبع بعد خيبر.
(٢) موضع على سبع ليال من المدينة في طريق البصرة. (المؤلف) .
(٣) أبو أمامة اليمامي فلما عصى بنو حنيفة رأيه وقد عزموا على اتّباع مسيلمة عزم على مفارقتهم، فخرج ممدا للعلاء بن الحضرمي ومعه أصحابه من المسلمين، فكان ذلك قد فت في أعضاء عدوهم، وحين بلغهم مدد بني حنيفة، وبعث رسول الله ﷺ فرات بن حيان إلى ثمامة في قتال مسيلمة وقتله.
[ ١٥٧ ]
حتى يؤمنوا- فجاهدوا جدا ولم يروا بدّا من الاستغاثة برسول الله فعاملهم ﵊ بما جبل عليه من الشفقة والمرحمة، وأرسل لثمامة أن يعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات اليمامة ففعل. وقد كان لهذا الرجل الكريم الأصل، قدم راسخة في الإسلام عقب وفاة الرسول، حينما ارتدّ أكثر أهل بلاده، فكان ينهى قومه عن اتّباع مسيلمة، ويقول لهم: إيّاكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله على من اتّبعه، فثبت معه كثير من قومه ﵁.
غزوة بني لحيان
بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصم بن ثابت وإخوانه، ولم يزل رسول الله حزينا عليهم متشوقا للقصاص من عدوهم حتى ربيع الأول من هذه السنة، فأمر أصحابه بالتجهّز، ولم يظهر لهم مقصده كما هي عادته ﵊ في غالب الغزوات، لتعمى الأخبار عن الأعداء، وولى على المدينة ابن أم مكتوم، وسار في مائتي راكب معهم عشرون فرسا، ولم يزل سائرا حتى مقتل أصحاب الرجيع، فترحّم عليهم ودعا لهم، ولما سمع به بنو لحيان تفرّقوا في الجبال، فأقام ﵊ بديارهم يومين يبعث السرايا، فلا يجدون أحدا، ثم أرسل بعضا من أصحابه ليأتوا عسفان «١» حتى يعلم بهم أهل مكّة فيداخلهم الرعب، فذهبوا إلى كراع الغميم «٢» ثم رجع ﵊ إلى المدينة وهو يقول: «ايبون تائبون لربنا حامدون أعوذ بالله من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال» «٣» .
غزوة الغابة «٤»
كان للنبي ﵊ عشرون لقحة ترعى بالغابة «٥» فأغار عليها عيينة بن حصن في أربعين راكبا واستلبها من راعيها، فجاءت الأخبار رسول الله
_________________
(١) موضع قرب مكة. (المؤلف) ويسمى في زماننا مدرج عثمان وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل.
(٢) جبل جنوب عسفان بثمانية أميال. (المؤلف) .
(٣) رواه الشيخان والنسائي.
(٤) لها اسم اخر هو (غزوة ذي قرد) .
(٥) موضع على بريد من المدينة جهة غطفان. (المؤلف) . (واللقحة: الناقة اللبون) .
[ ١٥٨ ]
﵊، والذي بلّغه هو سلمة بن الأكوع «١» أحد رماة الأنصار، وكان عدّاء فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى يدركهم المسلمون، فخرج يشتدّ في أثرهم حتى لحقهم، وجعل يرميهم بالنبل، فإذا وجهت الخيل نحوه رجع هاربا، فلا يلحق، فإذا دخلت الخيل بعض المضايق علا الجبل، فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيرا مما بأيديهم من الرماح والأبراد «٢» ليخففوا عن أنفسهم حتى لا يلحقهم الجيش «٣» ولم يزل سلمة على ذلك حتى تلاحق به الجيش، فإن الرسول دعا أصحابه فأجابوه «٤» وأول من انتهى إليه المقداد بن الأسود، فقال له: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك، وأعطاه اللواء فخرج، وتبعته الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو، فحصلت بينهم مناوشات، قتل فيها مسلم ومشركان، واستنقذ المسلمون غالب اللّقاح، وهرب أوائل القوم بالبقية، وطلب سلمة بن الأكوع من رسول الله أن يرسله مع جماعة في أثر القوم ليأخذهم على غرة وهم نازلون على أحد مياههم فقال له ﵊:
«ملكت فاسجح» «٥» ثم رجع بعد خمس ليال.
سرية «٦»
كان بنو أسد الذين مرّ ذكرهم كثيرا ما يؤذون من يمر بهم من المسلمين، فأرسل لهم ﵊ عكّاشة بن محصن في أربعين راكبا ليغير عليهم،
_________________
(١) المعروف بابن الأكوع، وأول مشاهده الحديبية، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبي ﷺ عند الشجرة على الموت، ونزل المدينة ثم تحول إلى الربذة بعد قتل عثمان وتزوج بها وولد له حتى كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة فمات بها، وكان ذلك سنة ٧٤ هـ.
(٢) الأبراد جمع برد وهو الثوب المخطط فإنه استلب واحده في ذلك اليوم من العدو وهو راجل قبل أن تلحق به الخيل ثلاثين برده وثلاثين درقة وقتل منهم بالنبل كثيرا، فكلما هربوا أدركهم، وكلما راموه أفلت منهم.
(٣) ورد في حديث رواه الشيخان «فحملت أرميهم بنبلي، وكنت راميا، وأقول: أنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، وارتجز حتى استنفدت اللقاح منهم، واستلبت ثلاثين برده» واللقاح الإبل الحوامل ذات الألبان. وقد رواه الإمام أحمد مطولا وفيه: ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها» .
(٤) ثم استجاب له عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن ظهير (يشك فيه) وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة وأبو قتادة الحارث بن ربعي وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت.
(٥) الأسجح: الحسن المعتدل وهو السهل وملكت فاسجح أي قدرت فسهل وأحسن العفو وهو مثل سائر.
(٦) هي سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر.
[ ١٥٩ ]
ولمّا قارب بلادهم علموا به فهربوا، وهنا وجدوا رجلا نائما فأمنوه ليدلهم على نعم القوم فدلهم عليها فاستاقوها، وكانت مائة بعير، ثم قدموا المدينة ولم يلقوا كيدا.
سرية «١»
وفي ربيع الأول بلغه ﵊ أن من بذي القصة «٢» يريدون الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء «٣» فأرسل لهم محمّد بن مسلمة في عشرة من المسلمين، فبلغ ديارهم ليلا، وقد كمن المشركون حينما علموا بهم، فنام المسلمون ولم يشعروا إلّا والنبل قد خالطهم، فتواثبوا على أسلحتهم ولكن تغلّب عليهم الأعداء فقتلوهم غير محمّد بن مسلمة تركوه لظنّهم أنه قتل، فعاد إلى المدينة، وأخبر الرسول ﵊، فأرسل أبا عبيدة عامر بن الجرّاح في ربيع الاخر ليقتص من الأعداء، فلمّا وصل ديارهم وجدهم تشتتوا هاربين فاستاق نعمهم ورجع.
سرية «٤»
عاكس بنو سليم الذين كانوا من المتحزبين في غزوة الخندق المسلمين في سيرهم، فأرسل ﵊ زيد بن حارثة في ربيع الاخر، ليغير عليهم في الجموم «٥» فلمّا بغلوا ديارهم، وجدوهم تفرّقوا، ووجدوا هناك امرأة «٦» من مزينة دلتهم على منازل بني سليم، أصابوا بها نعما وشاء، ووجدوا رجالا أسروهم، وفيهم زوج تلك المرأة فرجعوا بذلك إلى المدينة، فوهب الرسول ﷺ لهذه المرأة نفسها وزوجها.
_________________
(١) هو سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة.
(٢) موضع على أربعة وعشرين ميلا من المدينة في طريق الربذة (المؤلف) .
(٣) موضع قرب المدينة. (المؤلف) .
(٤) هي سرية زيد بن حارثة إلى الجموم.
(٥) ناحية من بطن نخل. (المؤلف) . (الأصل الحموم) .
(٦) يقال لها حليمة.
[ ١٦٠ ]
سرية «١»
بلغ الرسول أن عيرا لقريش، أقبلت من الشام تريد مكّة، فأرسل لها زيد بن حارثة في مائة وسبعين راكبا ليعترضها، فأخذها وما فيها وأسر من معها من الرجال، وفيهم أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ، وكان من رجال مكّة المعدودين تجارة ومالا وأمانة، فاستجار بزوجه زينب فأجارته، ونادت بذلك في مجمع قريش فقال ﵊: «المسلمون يد واحدة يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجرت» وهذا أبلغ ما قيل في المساواة بين أفراد المسلمين وردّ عليه الرسول ماله بأسره لا يفقد منه شيئا فذهب إلى مكّة، فأدى لكل ذي حقّ حقه، ورجع إلى المدينة مسلما فرد عليه رسول الله زوجه.
سرية «٢»
وفي جمادى الاخرة أرسل ﵇ زيد بن حارثة في خمسة عشر رجلا للإغارة على بني ثعلبه الذين قتلوا أصحاب محمّد بن مسلمة وهم مقيمون بالطرف «٣» فتوجّهت السرية لذلك، ولمّا راهم الأعداء ظنوهم طليعة لجيش رسول الله ﷺ. فهربوا وتركوا نعمهم وشاءهم، فاستاقها المسلمون، ورجعوا إلى المدينة بعد أربع ليال.
سرية «٤»
وفي رجب أرسل ﵊ زيد بن حارثة ليغير على بني فزارة لأنهم تعرّضوا لزيد وهو راجع بتجارة من الشام، فسلبوا ما معه، وكادوا يقتلونه، فلمّا جاء المدينة، وأخبر الرسول ﷺ الخبر، أرسله مع رجاله للقصاص من فزارة المقيمين في وادي القرى «٥»، فساروا حتى دهموا العدو وأحاطوا بهم وقتلوا منهم جمعا كثيرا، وأخذوا امرأة من كبارهم أسيرة فاستوهبها ﵊ ممن
_________________
(١) هي سرية زيد بن حارثة إلى العيص.
(٢) هي سرية زيد بن حارثة إلى الطرف.
(٣) ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة في طريق العراق. (المؤلف) .
(٤) هي سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى.
(٥) موضع شمالي المدينة. (المؤلف) .
[ ١٦١ ]
أسرها وفدى بها أسيرا كان بمكّة.
سرية «١»
وفي شعبان أرسل ﵊ عبد الرحمن بن عوف مع سبعمائة من الصحابة لغزو بني كلب في دومة الجندل «٢» وقد وصاهم ﵊ قبل السفر بقوله: «اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيّه فيكم» «٣» ثم أعطاه اللواء فساروا على بركة الله حتى حلوا بديار العدو، فدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أسلم رئيس القوم الأصبغ بن عمرو «٤» النصراني، وأسلم معه جمع من قومه، وبقي اخرون راضين باعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن بنت رئيسهم، كما أمره بذلك ﵊، وهذه أقرب واسطة لتمكين صلات الود بين الأمراء، بحيث يهم كلا ما يهم الاخر فنعما هي سياسة السلم والمحبة.
سرية «٥»
وفي شعبان أرسل ﵊ علي بن أبي طالب في مائة لغزو بني سعد بن بكر بفدك «٦» لأنه بلغه أنهم يجمعون الجيوش لمساعدة يهود خيبر على حرب المسلمين مقابل تمر يعطونه من تمر خيبر فسارت السرية، وبينما هم سائرون التقوا بجاسوس العدو، وأرسلوه إلى خيبر، ليعقد المعاهدة مع يهودها، فطلبوا منه أن يدلهم على القوم وهو امن، فدلهم على موضعهم، فاستاق منه المسلمون نعم القوم، وهرب الرعاة، فحذورا قومهم، فداخلهم الرعب وتفرّقوا، فرجع المسلمون ومعهم خمسمائة بعير وألفا شاة، وردّ الله كيد المشركين فلم
_________________
(١) هي سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل.
(٢) حصن وقرى بينها وبين دمشق خمس ليال وبين المدينة خمس عشرة ليلة (المؤلف) .
(٣) رواه الخمسة إلا البخاري.
(٤) ابن ثعلبة بن حصين (حصن) بن ضمضم بن عدي بن جناب الكلبي القضاعي وتزوج عبد الرحمن بن عوف بنته وهي تماضر التي ولدت له بعد ذلك أبا سلمة بن عبد الرحمن.
(٥) هي سرية على بن أبي طالب إلى بني سعد
(٦) قرية بينها وبين المدينة ست ليال من جهة خيبر. (المؤلف) . الأصح بينها وبين المدينة يومان وبينها وبين خيبر دون مرحلة.
[ ١٦٢ ]
يمدّوا اليهود بشيء.
قتل أبي رافع
وكان المحرّك لأهل خيبر على حرب المسلمين وهو سيدهم أبو رافع سلّام ابن أبي الحقيق الملقب بتاجر أهل الحجاز لما كان له من المهارة في التجارة، وكان ذا ثروة طائلة يقلّب بها قلوب اليهود كما يريد، فانتدب له ﵊ من يقتله، فأجاب لذلك خمسة رجال «١» من الخزرج رئيسهم عبد الله بن عتيك ليكون لهم مثل أجر إخوانهم من الأوس الذين قتلوا كعب بن الأشرف، فإن من نعم الله على رسوله أن كان الأوس والخزرج يتفاخرون بما يفعلونه من تنفيذ رغبات رسول الله، فلا تعمل الأوس عملا إلّا اجتهد الخزرج في مثله، فأمرهم الرسول الله بذلك بعد أن وصاهم ألا يقتلوا وليدا ولا امرأة، فساروا حتى أتوا خيبر، فقال عبد الله لأصحابه: مكانكم. فإني منطلق للبواب ومتلطّف له لعلي أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنّع بثوب كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: ادخل يا عبد الله إن كنت تريد الدخول، فإنّي أريد أن أغلق الباب، فدخل وكمن حتى نام البوّاب، فأخذ المفاتيح، وفتح ليسهل له الهرب، ثم توجّه إلى بيت أبي رافع، وصار يفتح الأبواب التي توصل إليه، وكلّما فتح بابا أغلقه من داخل حتى انتهى إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، فلم يمكنه تمييزه، فنادى يا أبا رافع، قال: من؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت فلم يغن شيئا، وعند ذلك قالت امرأته: هذا صوت ابن أبي عتيك، فقال لها: ثكلتك أمك وأين ابن أبي عتيك الان؟ فعاد عبد الله للنداء مغيرا صوته قائلا: ما هذا الصوت الذي نسمعه يا أبا رافع؟ قال: لأمّك الويل أن رجلا في البيت ضربني بالسيف، فعمد إليه فضربه أخرى لم تغن شيئا، فتوارى ثم جاءه كالمغيث وغيّر صوته، فوجده مستلقيا على ظهره، فوضع السيف في بطنه، وتحامل عليه حتى سمع صوت العظم ثم خرج من البيت، وكان نظره ضعيفا فوقع من فوق السلم فكسرت رجله، فعصبها بعمامته ثم انطلق إلى أصحابه، وقال: النجاة قتل والله أبو رافع،
_________________
(١) وهم عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي ابن أسود حليف لهم من أسلم.
[ ١٦٣ ]
فانتهوا إلى الرسول، فحدّثوه ثم قال لعبد الله: أبسط رجلك فمسحها ﵊ فكأنه لم يشتكها قط «١»، وعادت أحسن ما كانت. فانظر رعاك الله إلى ما كان عليه المسلمون من استسهال المصاعب ما دامت في ارضاء رسول الله ﷺ فرضي الله عنهم وأرضاهم.
سرية «٢»
ولمّا قتل كعب ولّى اليهود مكانه أسير بن رزام، فأرسل عليه الصلاة السلام من يستعلم له خبره، فجاءته الأخبار بأنه قال لقومه: سأصنع بمحمّد ما لم يصنعه أحد قبلي، أسير إلى غطفان فأجمعهم لحربه وسعى في ذلك. فأرسل ﵊ عبد الله بن رواحة الخزرجي في ثلاثين من الأنصار لاستمالته فخرجوا حتى قدموا خيبر، وقالوا لأسير: نحن امنون حتى نعرض عليك ما جئنا له، قال:
نعم ولي مثل ذلك، فأجابوه ثم عرضوا عليه أن يقدم على رسول الله ويترك ما عزم عليه من الحرب فيوليه الرسول على خيبر، فيعيش أهلها بسلام، فأجاب إلى ذلك وخرج في ثلاثين يهوديا كل يهودي رديف لمسلم، وبينما هم في الطريق ندم أسير على مجيئه، وأراد التخلص مما فعل بالغدر بمن أمنوه فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن رواحة، فقال: أغدرا يا عدو الله! ثم نزل وضربه بالسيف فأطاح عامة فخذه، ولم يلبث أن هلك، فقام المسلمون على من معه من اليهود فقتلوهم عن اخرهم وهذا عاقبة الغدر.
قصة عكل وعرينة
قدم على رسول الله في شوّال جماعة من عكل وعرينة، فأظهروا الإسلام وبايعوا رسول الله وكانوا سقاما، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فلم يوافقهم هواء المدينة، فأمر لهم ﵊ بذود من الإبل معها راع، وأمرهم باللحوق بها في مرعاها ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، ولما تمّ شفاؤهم
_________________
(١) هكذا أورد هذه القصة الإمام محمد بن اسحاق وأيضا الإمام البخاري عن البراء وقد تفرّد البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة، هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه مثل محمد بن اسحاق.
(٢) هي سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام.
[ ١٦٤ ]
جازوا الإحسان كفرا، فقتلوا الراعي ومثّلوا به، واستاقوا الإبل، فلمّا بلغ ذلك رسول الله أرسل وراءهم كرز بن جابر الفهري في عشرين فارسا فلحقوا بهم، وقبضوا على جميعهم، ولما جيء بهم إلى المدينة أمر ﵊ أن يمثّل بهم كما مثلوا بالراعي، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، وألقوا بالحرّة حتى ماتوا، فهكذا يكون جزاء الخائن الذي لا ينتظر منه صلاح، وعمل هؤلاء الشريرين مما يدل على فساد الأصل ولؤم العشيرة، وقد نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن المثلة «١» .
سرية «٢»
جلس أبو سفيان بن حرب يوما في نادي قومه، فقال: ألا رجل يذهب لمحمّد فيقتله غدا فإنه يمشي بالأسواق لنستريح منه؟ فتقدم له رجل وتعهّد له بما أراد. فأعطاه راحلة ونفقة وجهّزه لذلك، فخرج الرجل حتى وصل إلى المدينة صبح سادسة من خروجه، فسأل عن رسول الله فدل عليه وهو بمسجد بني عبد الأشهل، فلما راه ﵊ قال: إنّ هذا الرجل ليريد غدرا وإنّ الله مانعي منه فذهب لينحني على الرسول، فجذبه أسيد بن حضير من إزاره وهنالك سقط الخنجر، فندم الرجل على فعلته، ثم سأله ﵊ عن سبب عمله فصدقه بعد أن توثق من حفظ دمه فخلى ﵊ سبيله، فقال الرجل: والله يا محمّد ما كنت أخاف الرجال فما هو إلّا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم إنك أطّلعت على ما هممت به مما لم يعلمه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان ثم أسلم.
وعند ذلك أرسل ﵇ عمرو بن أمية الضّمري «٣»، وكان رجلا جريئا فاتكا في الجاهلية وأصحبه برفيق، ليقتلا أبا سفيان غيلة جزاء اعتدائه، فلمّا قدما مكّة توجّها ليطوفا بالبيت قبل أن يؤديا ما أرسلا له، فعرف عمرا أحد رجال مكّة
_________________
(١) قال قتادة: فبلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب بعد ذلك حض على الصدقة ونهى عن المثلة وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة ورواه جماعة عن أنس بن مالك.
(٢) هو سرية عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب.
(٣) صحابي مشهور له أحاديث. وكان شجاعا وكان أول مشاهده بئر معونة، فأسره عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأطلقه، وبعثه النبي ﷺ إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، وإلى مكة فحمل خبيبا من خشبته، وله ذكر في عدّة مواطن، وكان من رجال العرب جرأة، ونجدة، وعاش إلى خلافة معاوية فمات بالمدينة.
[ ١٦٥ ]
فقال: هذا عمرو بن أمية ما جاء إلّا بشر، فلمّا راهم علموا به لم يجد مناصا من الهرب، فاصطحب معه رفيقه، ورجعا إلى المدينة. وكأن الله سبحانه أراد أن يعيش أبو سفيان حتى يسلم بيده مفاتيح مكّة للمسلمين، ويعتنق الدّين الحنيفي القويم.
غزوة الحديبية «١»
رأى ﵊ في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام امنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ليكونوا معه، حذرا من أن تردّهم قريش عن عمرتهم ولكن هؤلاء الأعراب أبطؤوا عليه لأنهم ظنوا ألّا ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وتخلّصوا بأن قالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، فخرج ﵊ بمن معه من المهاجرين والأنصار تبلغ عدتهم ألفا وخمسمائة «٢» وولى على المدينة ابن أم مكتوم «٣»، وأخرج معه زوجه أم سلمة، وأخرج الهدي ليعلم الناس أنه لم يأت محاربا، ولم يكن مع أصحابه شيء من السلاح إلّا السيوف في القراب، لأنّ الرسول ﷺ لم يرض أن يحملوا السيوف مجرّدة وهم معتمرون، ثم سار الجيش حتى وصل عسفان «٤» فجاءه عينه «٥» يخبره أن قريشا أجمعت رأيها أن يصدّوا المسلمين عن مكّة، وألايدخلوها عليهم عنوة أبدا، وتجهّزوا ليصدّوا المسلمين عن التقدّم، فقال ﵊: هل من رجل يأخذ بنا على غير طريقهم؟ فقال رجل من أسلم «٦»: أنا يا رسول الله. فسار بهم
_________________
(١) قال الخطابي أهل الحديث يقولون الحديبيّة بالتشديد وأهل اللغة بالتخفيف الحديبية: هي بئر في قرية سميت الغزوة باسمها، بينها وبين مكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل. وقد كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف.
(٢) روى البخاري عن البراء أنهم كانوا أربع عشرة مائة. وقاله الزهري وروى البخاري عن سعيد بن المسيب عن جابر أنهم كانوا خمس عشرة مائة وفي رواية للبخاري أنهم بضع عشرة مائة والمقصود أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب إليه ابن اسحاق من أن أصحاب الحديبية كانوا سبع مائة. ويقول ابن القيم: القلب إلى هذا أميل. وفي الصحيحين: أيضا أنهم كانوا أربعمائة وألفا.
(٣) قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي.
(٤) موضع على مرحلتين من مكة. (المؤلف) .
(٥) وهو بشر بن سفيان الكعبي.
(٦) قال السهيلي اسمه ذكوان فسماه النبي ﷺ ناجية حين نجا من كفار قريش، وعاش إلى زمن معاوية.
[ ١٦٦ ]
في طريق وعرة، ثم خرج بهم إلى مستو سهل يملك مكّة من أسفلها. فلمّا رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى قريش وأخبرهم الخبر. ولما كان ﵊ بثنيّة المرار «١» بركت ناقته. فزجرها فلم تقم، فقالوا: خلأت «٢» القصواء، فقال ﵊: ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفس محمّد بيده لا تدعوني قريش إلى خطة فيها تعظيم حرمات الله إلّا أجبتهم إليها «٣» . مع أن المسلمين لو قاتلوا أعداءهم في مثل هذا الوقت لظفروا بهم. ولكن كف الله أيدي المسلمين عن قريش. وكف أيدي قريش عن المسلمين كيلا تنتهك حرمات البيت الذي أراد الله أن يكون حرما امنا يوطّد المسلمون من جميع الأقطار دعائم أخواتهم فيه، ثم أمرهم ﵊ بالنزول أقصى الحديبية «٤» وهناك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي رسولا من قريش يسأل عن سبب مجيء المسلمين، فأخبره ﵊ بمقصده، فلمّا رجع بديل إلى قريش وأخبرهم بذلك، لم يثقوا به لأنه من خزاعة الموالية لرسول الله كما كانت كذلك لأجداده، وقالوا: أيريد محمّد أن يدخل علينا في جنوده معتمرا تسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينهم من الحرب ما بيننا؟ والله لا كان هذا أبدا ومنّاعين تطرف «٥» ! ثم أرسلوا حليس بن علقمة سيد الأحابيش- وهم حلفاء قريش، - فلمّا راه ﵊ قال: هذا من قوم يعظمون الهدي ابعثوه في وجهه حتى يراه، ففعلوا واستقبله الناس يلبّون، فلمّا رأى ذلك حليس رجع وقال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا، أتحجّ لخم وجذام وحمير، ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش ورب البيت إن القوم أتوا معتمرين!! فلمّا سمعت قريش منه ذلك قالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد، ثم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي «٦» سيد أهل الطائف فتوجّه إلى رسول
_________________
(١) مهبط الحديبية (المؤلف) (من أسفل مكة) وهو بين الجحفة ومكة.
(٢) خلأت: حرنت وبركت من غير علة.
(٣) رواه الإمام أحمد باختصار والبخاري وأبو داود.
(٤) بئر قرب مكة سميت الأرض باسمها. (المؤلف) .
(٥) ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي، فلما راه ﷺ مقبلا قال: هذا رجل غادر، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه قال له رسول الله ﷺ نحو مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ.
(٦) وكان أحد الأكابر من قومه، وثبت ذكره في الحديث الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد
[ ١٦٧ ]
الله ﷺ وقال: يا محمّد قد جمعت أوباش الناس «١» ثم جئت إلى أصلك وعشيرتك لتفضّها بهم! إنها قريش قد خرجت تعاهد الله ألّا تدخلها عليهم عنوة أبدا. وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك، فنال منه أبو بكر وقال: نحن ننكشف عنه؟
ويحك! وكان عروة يتكلّم وهو يمسّ لحية رسول الله ﷺ، فكان المغيرة بن شعبة «٢» يقرع يده إذا أراد ذلك، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول ﷺ أصحابه، لا يتوضأ وضوا إلّا كادوا يقتتلون عليه يتمسّحون به، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون النظر إليه فقال: والله يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته، فما رأيت ملكا في قومه مثل محمّد ﷺ في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فانظروا رأيكم، فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألّا تنصروا عليه «٣» . فقالت قريش: لا نتكلم بهذا، ولكن نردّه عامنا ويرجع إلى قابل. ثم إن الرسول ﷺ اختار عثمان بن عفّان رسولا من عنده إلى قريش حتى يعلمهم مقصده، فتوجّه وتوجّه معه عشرة أستأذنوا الرسول ﷺ في زيارة أقاربهم، وأمر ﵊ عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكّة، فيبشرهم بقرب الفتح وأنّ الله مظهر دينه، فدخل عثمان مكّة في جوار أبان بن سعيد الأموي «٤» فبلّغ ما
_________________
(١) البيضاء في تقرير الصلح، وفي رواية ابن اسحاق أنه أتبع أثر النبي ﷺ لما أنصرف من الطائف فأسلم، وأستأذنه أن يرجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم فعصوه، ثم رماه رجل من ثقيف بسهم فقتله.
(٢) أوباش الناس: أي أخلاطهم.
(٣) أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان. قال ابن سعد: كان يقال له: مغيرة الرأي، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، وقال الشعبي: كان من دهاة العرب. قال البغوي: كان أول من وضع ديوان البصرة، وقال ابن حبان: كان أول من سلم عليه بالامرة ثم ولاه عمر الكوفة، وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتل اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على أمرتها حتى مات.
(٤) قال ابن اسحق: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكّة وحمله على بعير يقال له: الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ، ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكّة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني عثمان بن عفان.
(٥) كان أبوه من أكابر قريش، وله أولاد نجباء أسلم منهم قديما خالد وعمرو، ثم كان عمرو وخالد ممن
[ ١٦٨ ]
حمل، فقالوا: إن محمّدا لا يدخلها علينا عنوة أبدا. ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت، فقال: لا أطوف ورسول الله ﷺ ممنوع، ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين أنّ عثمان قتل، فقال ﵊ حينما سمع ذلك: «لا نبرح حتى نناجزهم «١» الحرب» .
بيعة الرضوان
ودعا الناس للبيعة على القتال فبايعوه تحت شجرة هناك «٢» - سمّيت بعد بشجرة الرضوان- على الموت، فشاع أمر هذه البيعة في قريش فداخلهم منها رعب عظيم، وكانوا قد أرسلوا خمسين رجلا مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر المسلمين لعلهم يصيبون منهم غرّة، فأسرهم حارس الجيش محمّد بن مسلمة وهرب رئيسهم، ولما علمت بذلك قريش جاء جمع منهم وابتدؤوا يناوشون المسلمين حتى أسر منهم اثنا عشر رجلا وقتل من المسلمين واحد.
صلح الحديبية
وعند ذلك خافت قريش وأرسلت سهيل بن عمرو للمكالمة في الصلح، فلمّا جاء قال: يا محمّد إن الذي حصل ليس من رأي عقلائنا بل شيء قام به السفهاء منا فابعث بمن أسرت، فقال: حتى ترسلوا من عندكم. وعندئذ أرسلوا عثمان والعشرة الذين معه، ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها قريش وهي:
١- وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات
٢- من جاء المسلمين من قريش يردونه، ومن جاء قريشا من المسلمين لا يلزمون برده
_________________
(١) هاجرا إلى الحبشة فأقاما بها، وشهد أبان بدرا مشركا فقتل بها أخواه العاص وعبيدة على الشرك ونجا هو فبقي بمكة حتى أجار عثمان زمن الحديبية، فبلغ رسالة رسول الله ﷺ، ثم قدم عمرو وخالد من الحبشة فراسلا أبانا فتبعهما حتى قدموا جميعا على النبي ﷺ فأسلم أبان أيام خيبر، وشهدها مع النبي ﷺ فأرسله في سرية، ومات النبي ﷺ وأبان بن سعيد على البحرين، ثم قدم على أبي بكر وسار إلى الشام فقتل يوم اجنادين سنة ١٣ هـ.
(٢) نناجزهم: أي نقاتلهم.
(٣) أمر عمر بقطعها زمن خلافته لما رأى تبرك الناس بها فليتأمل. (المؤلف) . وأول من بايع بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي وبايع سلمة بن الأكوع ثلاث مرات.
[ ١٦٩ ]
٣- أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من السلاح إلّا السيف في القراب والقوس
٤- من أراد أن يدخل في عهد محمّد من غير قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، فقبل ﵊ كل هذه الشروط. أما المسلمون فداخلهم منها أمر عظيم، وقالوا: سبحان الله! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلما، ولا يردون من جاءهم مرتدا؟ فقال ﵊: إنه من ذهب منّا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم، فسيجعل الله له فرجا ومخرجا. أما الأمر الثالث وهو صدّ المسلمين عن الطواف بالبيت فكان أشدّ تأثيرا في قلوبهم لأنّ الرسول أخبرهم أنه رأى في منامه أنهم دخلوا البيت امنين وقد سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال ﵁: وهل ذكر أنّه في هذا العام «١»؟ ثم كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب علي بن أبي طالب، فأملاه ﵊: بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: اكتب باسمك اللهمّ «٢» فأمره الرسول بذلك، ثم قال: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك اكتب محمّد بن عبد الله فأمر ﵊ عليا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله، فامتنع فمحاها النبي بيده، وكتبت نسختان نسخة لقريش، ونسخة للمسلمين. وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو جندل «٣» بن سهيل يحجل في قيوده «٤»، وكاد من المسلمين الممنوعين من الهجرة، فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه، فقال ﵊:
اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا،
_________________
(١) وفي غير رواية ابن اسحاق أن النبي ﷺ قال لعمر: إني عبد الله ولست أعصيه، وهو ناصري، وأنه أتى أبا بكر فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ فجاوبه أبو بكر مثل ما جاوبه به النبي ﷺ حرفا بحرف، ثم قال له: يا عمر الزم غرزه (أي اتبع قوله وفعله ولا تخالفه) فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وما شككت منذ أسلمت إلا تلك الساعة.
(٢) كلمة كانت قريش تقولها وأول من قالها أمية بن أبي الصلت.
(٣) هو العاصي بن سهيل كان من السابقين إلى الإسلام، وممن عذب بسبب إسلامه، وذكره أهل المغازي فيمن شهد بدرا، وكان قبل مع المشركين فانحاز إلى المسلمين ثم أسر بعد ذلك، وعذب ليرجع عن دينه، ثم لما كان في فتح مكة كان هو الذي استأمن لأبيه، واستشهد باليمامة وهو ابن ٣٨ سنة.
(٤) يرفع رجله ويتريث في مشيه عليها.
[ ١٧٠ ]
إنّا قد عقدنا بين القوم صلحا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدا فلا نغدر بهم.
هذا وقد دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ودخل بنو بكر في عهد قريش.
ولما انتهى الأمر أمر ﵊ أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم، وينحروا الهدي، ليتحللوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك هما عظيما، حتى إنهم لم يبادروا بالامتثال، فدخل ﵊ على أم المؤمنين أم سلمة، وقال لها: هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا، فقالت: يا رسول الله اعذرهم، فقد حمّلت نفسك أمرا عظيما في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح فهم لذلك مكروبون، ولكن اخرج يا رسول، وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت تبعوك، فتقدّم ﵊ إلى هديه فنحره ودعا بالحلاق فحلق رأسه «١»، فلما راه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا، ثم رجع المسلمون إلى المدينة، وقد أمن كل فريق الاخر. ولما قرّ قرارهم جاءتهم مهاجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط «٢» أخت عثمان لأمه، فطلبها المشركون فقالت يا رسول الله:
إني امرأة وإن رجعت إليهم فتنوني في ديني فأنزل الله في سورة الممتحنة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
«٣» فكانت المرأة المهاجرة تستحلف أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض ولا من بغض زوج، ولا لالتماس دنيا ولا لرجل من المسلمين، وما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، ومتى حلفت لا ترد بل يعطى لزوجها المشرك ما أنفقه عليها، ويجوز للمسلم تزوجها. وفي الاية تحريم امساك الزوجة الكافرة بل ترد إلى أهليها بعد أن يعطوا ما أنفقوا عليها وقد تمكن أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي «٤» ﵁ من الفرار إلى رسول الله، فأرسلت
_________________
(١) كان الذي حلق رأس رسول الله ﷺ في ذلك اليوم خراش بن أمية.
(٢) كانت ممن أسلمت قديما وبايعت وهاجرت إلى المدينة، فتبعها أخوها عمارة والوليد ليرداها، فجاا يطلبانها فأبى النبي ﷺ أن يردها إليهما، فتزوجت زيد بن حارثة، ثم تزوجها الزبير بن العوام بعد قتل زيد، فولدت له زينب، ثم فارقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له إبراهيم وحميدا، ثم مات عنها، فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وماتت.
(٣) اية ١٠
(٤) مشهور بكنيته متفق على اسمه، ثبت ذكره في قصة الحديبية عند البخاري، ولما كتب النبي ﷺ إلى أبي
[ ١٧١ ]
قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه، فأمره ﵊ بالرجوع معهما، فقال يا رسول الله: أتردّني إلى الكفّار يفتنونني في ديني بعد أن خلصني الله منهم؟! فقال: إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجا، فلم يجد بدّا من اتّباعه، فرجع مع صاحبيه، ولمّا قارب ذا الحليفة عدا على أحدهما فقتله، وهرب منه الاخر، فرجع إلى المدينة وقال: يا رسول الله وفت ذمتك أما أنا فنجوت، فقال له:
اذهب حيث شئت ولا تقم بالمدينة، فذهب إلى محل بطريق الشام «١» تمرّ به تجارة قريش، فأقام به، واجتمع معه جمع ممن كانوا مسلمين بمكّة ونجوا، وسار إليه أبو جندل بن سهيل، واجتمع إليه جمع من الأعراب، وقطعوا الطريق على تجارة قريش حتى قطعوا عنهم الأمداد، فأرسل رجال قريش لرسول الله يستغيثون به في إبطال هذا الشرط ويعطونه الحقّ في امساك من جاءه مسلما، فقبل منهم ذلك، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمّة التي لم يتمكّنوا من تحمّلها في الحديبية حينما أمرهم ﵊ بردّ أبي جندل، وعلموا أن رأي رسول الله أفضل وأحسن من رأيهم حيث كان فيه أمن، تسبب عنه اختلاط الكفّار بالمسلمين، فخالطت بشاشة الإسلام قلوبهم، حتى قال أبو بكر ﵁: ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية «٢» . ولكن الناس قصر رأيهم عما كان بين محمد وربّه، والعباد يعجلون والله لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. وفي رجوعه ﵊ من الحديبية نزلت عليه سورة الفتح وقال سبحانه في أولها: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا وفي تسميه هذه الغزوة بالفتح المبين تصديق لما قدّمنا لك عن الصديق.
مكاتبة الملوك
بعد رجوع المسلمين من الحديبية في أواخر سنة ست وأمن الطريق من قريش
_________________
(١) جندل وأبي بصير أن يقدما عليه، ورد الكتاب وأبو بصير يموت، فمات وكتاب النبي ﷺ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وصلّى عليه.
(٢) تدعى سيف البحر قفي رواية معمر عن الزهري، أنه كان يصلي بأصحابه هنالك، حتى لحق بها أبو جندل بن سهيل فقدموه، لأنه قرشي، فلم يزل أصحابه يكثرون حتى بلغوا ثلاثمائة.
(٣) ذكر ابن كثير في سيرته أنه من قول الزهري لعله يكون في الحادثة قولان متشابهان لأبي بكر والزهري والله أعلم.
[ ١٧٢ ]
كاتب ﵊ ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام. واتّخذ إذ ذاك خاتما من فضة يختم به خطاباته وكان نقشه (محمّد رسول الله) فوجّه دحية الكلبي إلى قيصر ملك الروم، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليوصله إلى الملك.
كتاب قيصر
وكان في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك اثم الأريسيّين «١» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٢» .
حديث أبي سفيان
ولما وصل هذا الكتاب قيصر قال: انظروا لنا من قومه أحدا نسأله عنه، وكان أبو سفيان بن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة، فجاءت رسل قيصر لأبي سفيان ودعوه لمقابلة الملك فأجاب، ولما قدموا عليه في القدس قال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان: أنا، لأنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره، فقال قيصر: أدن منّي، ثم أمر بأصحابه فجعلوا خلف ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنما قدّمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وقد جعلتكم خلفه كيلا تخجلوا من ردّ كذبه عليه إذا كذب، ثم سأله كيف نسب هذا الرجل فيكم؟
قال: هو فينا ذو نسب. قال: هل تكلّم بهذا القول أحد منكم قبله؟ قال: لا، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال لا، قال: فهل كان من ابائه من ملك؟ قال: لا، قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، قال: فهل يزيدون أم ينقصون، قال: بل يزيدون، قال: هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه قال: لا. قال: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، ونحن الان منه
_________________
(١) الفلاحين. (المؤلف) .
(٢) سورة ال عمران ٦٤.
[ ١٧٣ ]
في ذمة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: فهل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال مرة لنا ومرة علينا، قال: فبم يأمركم؟ قال: يقول اعبدوا الله واحده ولا تشركوا به شيئا، وينهى عما كان يعبد اباؤنا ويأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
فقال الملك: إني سألتك عن نسبه، فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟
فزعمت أن لا، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتمّ بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقلت:
ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك هل كان من ابائه من ملك؟ فقلت: لا، فلو كان من ابائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون، فقلت: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه؟ فقلت: لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل قاتلتموه؟ فقلت: نعم، وإن الحرب بينكم وبينه سجال، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك بماذا يأمر؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن: لا، وكذلك الرسل لا تغدر، فعلمت أنّه نبيّ، وقد علمت أنه مبعوث، ولم أظن أنه فيكم، وإن كان ما كلمتني به حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه «١» لتكلفت ذلك، قال أبو سفيان: فعلت أصوات الذين عنده وكثر لغطهم فلا أدري ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا، فلمّا خرج أبو سفيان مع أصحابه قال: لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر «٢» !
ولمّا سار قيصر إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له «٣» ثم أمر بأبوابها فأغلقت ثم قال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا «٤» حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها مغلقة،
_________________
(١) أي أصل إليه.
(٢) أي الروم.
(٣) القصر الذي حوله بيوت.
(٤) أي نفروا.
[ ١٧٤ ]
فلمّا رأى قيصر نفرتهم قال: ردّوهم عليّ، فقال لهم: إني قلت مقالتي اختبر بها شدّتكم على دينكم، فسكتوا له ورضوا عنه «١»، فغلبه حبّ ملكه على الإسلام، فذهب بإثمه وإثم رعيته كما قال ﵊، ولكنه ردّ دحية ردّا جميلا.
كتاب أمير بصرى
وأرسل ﵊ الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير بصرى فلمّا بلغ مؤتة- وهي قرية من عمل البلقاء بالشام- تعرّض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقال له: أين تريد! قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمّد ﷺ؟ قال: نعم، فأمر به فضربت عنقه، ولم يقتل لرسول الله ﵊ رسول غيره وقد وجد «٢» لذلك وجدا شديدا.
كتاب الحارث بن أبي شمر
ووجه ﵊ شجاع بن وهب «٣» إلى أمير دمشق من قبل هرقل الحارث بن أبي شمر، وكان يقيم بغوطتها وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر سلام على من اتّبع الهدى وامن بالله وصدق وإني أدعوك أن تؤمن بالله واحده لا شريك له يبق ملكك» فلمّا قرأ الكتاب رمى به، وقال من ينزع ملكي منّي، واستعدّ ليرسل جيشا لحرب المسلمين، وقال لشجاع: أخبر صاحبك بما ترى، ثم أرسل إلى قيصر يستأذنه في ذلك، وصادف أن كان عنده دحية، فكتب قيصر إليه يثنيه عن هذا العزم، ويأمره أن يهيئ بإيليا «٤» ما يلزم لزيارته، فإنه بعد أن قهر الفرس نذر زيارتها، فلمّا رأى الحارث كتاب قيصر صرف شجاع بن وهب بالحسنى ووصله بنفقة وكسوة.
كتاب المقوقس «٥»
ووجّه ﵊ حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى المقوقس أمير
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) حزن
(٣) أبو وهب وهو من السابقين الأولين وفيمن هاجر إلى الحبشة وفيمن شهد بدرا استشهد باليمامة.
(٤) بيت المقدس.
(٥) هو لقب واسمه جريج بن مينا بن قرقب ذكره ابن منده في الصحابة، أهدى إلى النبي ﷺ لم يسلم،
[ ١٧٥ ]
مصر من جهة قيصر وكان فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمّد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتّبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم القبط، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة الاية «١» فأوصله له حاطب بإسكندرية، فلمّا قرأه قال: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال حاطب: ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله، فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه ألّا يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه؟: قال أحسنت أنت حكيم جاء من عند حكيم «٢» . ثم قال: إني قد نظرت في أمر هذا النبيّ فوجدت أنه لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضّال، ولا الكاهن الكذّاب، ووجدت معه الة النبوة «٣»: اخراج الغائب المستور، والإخبار بالنجوى وسأنظر.
ثم كتب ردّ الجواب يقول فيه: «بسم الله الرجيم الرحيم لمحمّد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيّا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط وبثياب، وأهديت إليك بغلة تركبها والسلام» وإحدى الجاريتين مارية التي تسرّى بها ﵊، وجاء منها بولده إبراهيم والاخرى أعطاها لحسان بن ثابت «٤» ولم يسلم المقوقس.
كتاب النّجاشي
ووجّه ﵊ عمرو بن أمية الضّمري بكتاب إلى النجاشي «٥»
_________________
(١) وما زال نصرانيا، ومنه فتح المسلمون مصر في خلافة عمر.
(٢) سورة ال عمران اية ٦٤.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٧٣.
(٤) علامة النبوة.
(٥) مما أهدي غلام خصى اسمه «مابور» وحمار اسم عفيرا أو يعفور، وقد أسمى النبي البغلة دلدلا، وكانت فريدة ببياضها بين البغال التي عرفتها بلاد العرب.
(٦) أصحمة بن أبجر النجاشي اسمه بالعربية عطية والنجاشي لقب له، أسلم على عهد النبي ﷺ ولم يهاجر إليه، وكان رداء للمسلمين نافعا، وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه للمسلمين الذين هاجروا إليه
[ ١٧٦ ]
ملك الحبشة وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة سلام، أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق ادم بيده، وإني أدعوك إلى الله واحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله ﷿، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتّبع الهدى» ولما وصله الكتاب احترمه غاية الاحترام، وقال لعمرو: إني أعلم والله أن عيسى بشّر به، ولكن أعواني بالحبشة قليل فأنظرني حتى أكثّر الأعوان وأليّن القلوب. وقد عرض عمرو على من بقي من مهاجري الحبشة الرجوع إلى رسول الله بالمدينة، وكان من المهاجرين أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج عبيد الله بن جحش الذي كان أسلم وهاجر بها، ولكن قد غلبت عليه الشقاوة فتنصّر فتزوج ﵊ أم حبيبة وهي بالحبشة، والذي زوّجها له النجاشي بتوكيل منه ﵊.
كتاب كسرى
ووجّه ﵊ عبد الله بن حذافة السهمي «١» بكتاب إلى كسرى ملك الفرس وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى وامن بالله ورسوله وشهد ألااله إلّا الله واحده لا شريك له وأن محمّدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لا نذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، أسلم تسلم فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس» فلمّا وصله الكتاب مزّقه استكبارا ولما بلغه ﵊ ذلك قال «مزّق الله ملكه كل ممزّق» وقد فعل، فكانت مملكته أقرب الممالك سقوطا وقد بدأ هذا الشقي بالعدوان، فأرسل لعامله باليمن أن يوجّه إلى الرسول من يأتي به إليه فعاجله الله بقيام ابنه شيرويه عليه وقتله ثم
_________________
(١) في صدر الإسلام، وأخرج أصحاب الصحيح قصة صلاته ﷺ عليه صلاة الغائب، وكان ذلك في رجب سنة تسع.
(٢) أبو حذافة من السابقين الأولين، يقال شهد بدرا وفتح مصر. مات في خلافة عثمان.
[ ١٧٧ ]
أرسل لعامله في اليمن ينهاه عمّا أمره به أبوه.
كتاب المنذر بن ساوى «١»
ووجّه ﵊ العلاء بن الحضرمي «٢» بكتاب إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين يدعوه إلى الإسلام وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. أما بعد: فإن من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة الرسول، من أحب ذلك من المجوس فإنه امن، ومن أبى فإن عليه الجزية» فأسلم وكتب في ردّ الجواب: «أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحبّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إليّ في ذلك أمرك فكتب إليه ﵊ «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلّا هو وأشهد ألاإله إلّا الله وأن محمّدا عبده ورسوله، أمّا بعد فإني أذكرك الله ﷿ فإنه من ينصح ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتّبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني شفّعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نغيرك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية» .
كتاب ملكي عمان
ووجّه ﵊ عمرو بن العاص بكتاب إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام ولّيتكما، وإن أبيتما فإن
_________________
(١) التميمي الدارمي. وكان أيضا عامل النبي ﷺ على هجر، ومات بالقرب من وفاة النبي ﷺ.
(٢) استعمله النبي على البحرين، وأقره أبو بكر، ثم مات سنة ١٤ هـ يقال إنه مجاب الدعوة، وخاض البحر بطاعات قالها، وذلك مشهور في كتب الفتوح.
[ ١٧٨ ]
ملككما زائل، وخيلي تحلّ بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما) .
فلمّا دخل بناديهما عمرو سأله عبد بن الجلندي عمّا يأمر به الرسول وينهى عنه، فقال: يأمر بطاعة الله ﷿، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان والزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمّد ونصدّق به، ولكن أخي أضن «١» بملكه من أن يدعه ويصير تابعا. قال عمرو: إن أسلم أخوك ملّكه رسول الله على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردّها على فقيرهم، فقال عبد: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبره بما فرض الله من الصدقات في الأموال. ولما ذكر المواشي قال: يا عمرو يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وتردّ المياه؟ قال نعم، فقال عبد: والله ما أرى قومي على بعد دارهم وكثرة عددهم يرضون بهذا.
ثم إن عبدا أوصل عمرا لأخيه جيفر فتكلّم معه عمرو بما ألان قلبه حتى أسلم هو وأخوه ومكّناه من الصدقات.
كتاب هوذة بن علي
ووجّه عليه: الصلاة والسلام سليط بن عمرو العامري «٢» بكتاب إلى هوذة بن علي ملك اليمامة وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى هوذة ابن علي. سلام على من اتّبع الهدى وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر «٣»، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» فلمّا جاء الكتاب كتب في رده: «ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر اتبعك» ولما بلغ ذلك رسول الله قال لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه «٤»، فلم يلبث أن مات منصرف الرسول ﷺ من فتح مكّة، وكان ﵊ يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم.
_________________
(١) أبخل.
(٢) ذكره الواقدي وأبو معشر في البدريين وشهد اليمامة فاستشهد فيها.
(٣) الخف: الإبل، والحافر: الخيل والبغال والمراد يصل إلى أقصى ما يصلان إليه، فيؤمنون به.
(٤) أي هلك، وذهب عنه وتفرق ما في يديه.
[ ١٧٩ ]