° الطبيب محمد توفيق صدقي وموقفُه من السُّنَّة ١٢٩٨ [هـ]- ١٣٣٨ هـ:
° أولُ مَن نَشَر شُبهاتِة حولَ السُّنَّةَ -عن حُسن نيَّةٍ- مجلة "المنار" في عَددَيْها التاسع والثاني عَشَرَ من السَّنةِ التاسعة عام ١٩٠٦ م - ١٣٢٤ هـ، فكَتَب السيد رشيد رضا وهو يُترجِمُ لطبيبِ عائلته "محمد توفيق صدقي": "أكبرُ شُذوذٍ وقع للمترجَم -رحمه الله تعالى- وحاوَلَ إثباتَه والدفاعَ عنه: هو ما عَرَض له منَ الشُّبهةِ على كَونِ السُّنةِ ليست من أصولِ الدين .. ولَمَّا
_________________
(١) "السنة ومكانتها في التشريع الإِسلامي" للدكتور مصطفى السباعي (ص ٤٦٠)، و"القرآنيون" (ص ٦٥، ٦٦).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
عَرَض له ذلك، واقتَنَع به هو وصديقُه الطبيب "عبده إبراهيم" -عفا الله عنهما-، جاءاني -كعادتهما-، وعَرَضاه عليَّ .. وإنني كنتُ أعلمُ أنَّ هذا الرأيَ عَرَض لغيرِه من الباحثين المستقلِّين، وأنه رأيٌ منتشرٌ في كثيرٍ من الأمصار التي يَسكُنُها المسلمون، وأعلمُ أيضًا أن كثيرًا من المَباحِثِ الكبيرة التي تختلفُ فيها الأنظار، لا تتمحَّصُ إلَّا بالكتابةِ والمناظرة، ولهذين السببينِ، ولتوفيرِ الوقتِ عليَّ في تمحيصِ المسألةِ لصاحب الترجمة وصديقِه، اقتَرَحتُ عليه أن يكتبَ رأيَه ليُنشرَ في "المنار" .. " (^١).
إذن ما كَتَبه الطبيب "توفيق صدقي" في المقالَين تحت عنوان "الإِسلام هو القرآن وحده"، إنما هو إنتاجُ طبيبَينِ -أحدُهما مسلمٌ ولِدَ من أَبَوَينِ مُسلِمَين، والآخرُ قِبطيٌّ أسلَمَ على يدِ السيد "رشيد" خُفيةً، ولم يُعلِنْ إسلامَه إلَّا بعدَ سنتَينِ (^٢) -، وبإيماءِ السيد "رشيد رضا" رَغْمَ تذييلِ المقالَينِ بإمضاء "توفيق" وحده، واستَغرقتِ المناقشةُ أربعةَ أعوامٍ في بِضعةَ عَشَرَ عددًا من "المنار"، وتصدَّى للردِّ على الطبيبين "أحمد منصور الباز" (^٣)، والشيخ "طه البشري" نَجْلُ الشيخ "سليم البشري" شيخ الجامع الأزهر .. فكتب تحت عناوينَ متعددةٍ -منها: "الدينُ كلُّ ما جاء به الرسول" (^٤) - و"أصولُ الإِسلام: الكتابُ، السُّنَّةُ، الإِجماعُ، القياسُ" (^٥) على الترتيب-،
_________________
(١) مجلة "المنار" (٢١/ ٤٩٢).
(٢) مجلة "المنار" (٢١/ ٤٨٨). [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الطبيب الأول (من أبوين مسلمين) هو محمد توفيق صدقي، والثاني (الذي أسلم على يد محمد رشيد رضا) هو عبده إبراهيم، صديق الطبيب الأول، والأمر مبسوط في المجلد ٢١ من مجلة المنار]
(٣) "مقالة منصور في المنار" (٩/ ٦١٠).
(٤) مجلة "المنار" (٩/ ٦١٠).
(٥) مقالة الشيخ طه البشري هذه في "المنار" (٩/ ٦٩٩).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
ثم أعقَبَهما الردُّ المفصَّل من الهند، حين كَتب الشيخ "صالح اليافعي الحيدر آبادي الدكَّنِي" للمنار تحت عنوان "السُّنن والأحاديث النبوية" (^١).
° قال الطبيبان: إن اتباع السُّنَّة تقليد لأحد أفراد البشر، وذلك ممنوع شرعًا "وَلعَ الناسُ في الأعصُرِ الأولى بالروايات القَوليَّةِ وُلوعًا، وتفاخَروا بكثرةِ جَمعِها جُموعًا، حتى ملأت الأحاديثُ الآفاقَ، وكَثُر فيها التضاربُ والاختلافُ، وصار من المستحيل أن يَعملَ الإِنسانُ بدينِه بدون أنْ يُقلِّدَ غيره" (^٢).
الجهلُ آفةٌ، والعِلمُ طريقُ النجاة، فعندما تَوَغَّلَ أمثالُ هؤلاءِ في بُستانٍ لا يُفرِّقون بينَ ثِمارِ أشجاره، حَسِبوا الحَبْحَبَ كالحَنْظَل لتوافقهِما في اللون، وسَوَّوْا بين أشواكِ الغَرْقَدِ وأشواكِ الورد، وشَتَّانَ بين الشوكَينِ والثَّمَرَتَينِ، فالاتِّباعُ ناتجٌ عن تحقُّقِ العبوديةِ لله ﷿، والخضوعِ لأمره .. واتباعُ أمرِ الرسولِ أمرٌ منطقيٌّ ممَّن أقرَّ بالألوهية، بينما التقليدُ أَخْذُ قولِ العالِمِ دونَ معرفةِ دليله، والفَرقُ واضحٌ بين الوضعَينِ، فالأولُ مطلوبٌ شرعًا، دونَ الثاني، ولا يَقبلُ اللهُ صَرْفًا ولا عَدْلًا حتى يَتَّبعَ المَرءُ طريقةَ المصطفى - ﷺ - فيما شَرَعه الله.
ولم يكن للطبيبَينِ مَنْدُوحةٌ -بعد إنكارِ السُّنةِ- أنْ يُقدِّما صورةً مُضحِكةً للإِسلام، وأولُ ما جابَهَتْهما "الصلاةُ"، وإليك استنباطُها من القرآن في ضَوءِْ قَوْلَةِ المُنكِرِين:
° يقول الطبيب "صدقي" -بعد أن أورد آية صلاة الخوف: ﴿وَإِذَا
_________________
(١) مجلة "المنار" (٢١/ ٤٩٣).
(٢) مجلة "المنار" (٩/ ٥١٦).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ..﴾ [النساء: ١٠١]-: "فإذا كانت صلاةُ الخوفِ ركعةً واحدةً للمؤتَمِّ، وظاهرٌ منَ السِّياقِ أنَّ هذا قَصْرٌ -أي دونَ الواجب-، فيكونُ الفَرْضُ في أوقاتِ عدمِ الخوف هو أكثرَ من ركعة، أي: أن القرآنَ يَفرِضُ على المسلمِ أنْ يُصلِّيَ في كلِّ وقتٍ من أوقاتِ الصلاة أكثَرَ من ركعة، ولَم يُحدِّدْ له عددًا مخصوصًا، وتَرَكَه يتصرَّفُ كما يشاء، وبعبارةٍ أخرى: إن الإنسانَ يَجبُ عليه أن يُصلِّيَ ركعتَينِ على الأقلِّ، وله أن يَزيدَ على ذلك ما شاء أن يَزيد، بحيث لا يَخرجُ عن الاعتدالِ والقصد، فإنَّ الغُلوَّ في الدين مذموم، وكذا في كلِّ شيء" (^١).
° "لذا، فإننا إذا نَظَرْنا إلى عددِ الركعاتِ التي كان يُصلِّيها النبيُّ في أوقاتِ الصلاة -مع قَطْعِ النظرِ عما سَمَّاه المجتهدون سُنَّةً وما سَمَّوه فَرضًا-، نَجِدُ أنه لم يُحافِظْ على عددٍ مخصوص، فكان تارةً يَزيدُ، وتارةً يَنقُص، ولذلك اختَلفت المذاهبُ في عددِ السنن، وفي المندوب، والمستحب، والرغيبة، إلى غير ذلك من التقسيمات والأسماء التي ما كان يَعرفُها الرسولُ نفسُه، ولا أصحابه".
° "ثم إنَّ عددَ الركعاتِ التي كان يُصلِّيها في الأوقاتِ المختلِفةِ من اليوم هو مُختلِفٌ أيضًا، فصلاةُ الصبحِ مثلًا أربعُ ركعات، والظُّهرُ عَشْرُ رَكعاتٍ أو اثنتا عَشْرَةَ ركعةً، ولكنَّ الشيءَ المُطَّرِدَ الذي نلاحِظُه أنه ما صَلَّى وقتًا أقلَّ مِن ركعتين، ولا تَقيَّدَ بعددٍ مخصوصٍ، وهذا يؤيِّدُ ما ذهَبْنا إليه" (^٢).
_________________
(١) "المنار" (٩/ ٥١٨).
(٢) "المنار" (٩/ ٥١٩).
[ ٢ / ٥١٠ ]
° وقَدَّم الطبيبانِ صورةَ "الزكاة" مِن أن الذي "يكادُ يَجزِمُ به العقلُ أنهَ قِيمةَ النِّصابِ مِن كلِّ صِنفٍ لا بدَّ أنها كانت عند العرب متساويةً، أي أَنَّ مَن كان عنده منهم ٢٠ دينارًا كمَن كان عنده ٢٠٠ درهم أو ٥ جِمال أو ٤٠ شاة، ولذلك تؤخَذُ شاةٌ واحدةٌ ممن عنده أربعونَ شاةً، وكذا مَن عنده ٥ جِمال، ولو لمِ يكنْ جَميعُ هذه المقاديرِ متساويةً لكان هناك ظُلمٌ لبعضِ الناس دونَ الآخرِين".
° "ومن ذلك نعلمُ أن ما بَيَّنَتْه السُّنةُ للعرب في ذلك الزمنِ لا يَصلحُ لجميع الأمم في الأوقاتِ المختلفة، ولذلك لَم يَرِدْ شيءٌ من ذلك في القرآن مطلقًا .. وتُرِكَتْ مِثلُ هذه التفاصيلِ فيه لتِتصرَّفَ كلُّ أُمَّةٍ في الأمور بما يناسبُ حالَها، فيجبُ على أولياءِ الأمورِ بعد الشورى ومراجعة نصوصِ الكتاب أن يَضَعُوا للأمةِ نِظامًا في هذه المسألة .. ثم إن رُبعَ العُشرِ إذا قام بإصلاح حالِ الفقراء والمساكين وأبناءِ السبيل في زمنٍ أو بلد، فليس ضروريًّا أن يكونَ كافيًا كذلك في زَمَنٍ آخَرَ أو في بلدةٍ أخرى، ومِن ذلك تعلمُ حِكمةَ اللهِ في عَدَمِ تعيينِ شيءٍ من ذلك في كتابه تعالى" (^١).
وللطبيبين في كلٍّ مِن حَدَّيِ "الرَّجْم" و"قتل المرتد" موقفٌ شبيةٌ بموقفِ الهنود، من أن الرجمَ لم يَرِدْ في القرآن (^٢)، وأنَّ قَتْلَ المرتدِّ مخالفٌ للآياتِ القرآنية التي ضَمِنَتْ حُريةَ العقيدة والتدين (^٣)، وأنَّ إعدامَهما تعزيرًا أو محاربةً لا حَدًّا هو ما وقع في الأزمنةِ السالفة، وللإمام تطبيقُهما كعقوبتَينِ
_________________
(١) "المنار" (٩/ ٥٢١).
(٢) راجع رأيهما في "المنار" (٩/ ٥٢٣).
(٣) راجع رأيهما في "المنار" (٩/ ٥٢٣).
[ ٢ / ٥١١ ]
تعزيريَّتَينِ- إنْ رأى مصلحةً في ذلك-، وأنَّ القطعَ لا يجب لأولِ مرةٍ، بل يُعطى السارقُ فرصةَ الإِصلاح، فإنْ تابَ وأصلح، وإلَّا قُطعت يَدُه.
° هذا وقد رَجَع "محمد توفيق صدقي" عن بعضِ شذوذه، بعد مناقشةِ العلماء الكتابية، مما جَعَل صاحب "المنار" يَتنفَّسُ تنفُّسَ الصَّعَداء: "نحمدُ اللهَ أنْ ظَهَر صِدقُ قولِنا في الرجل وأنه مُعتقِدٌ، ويُذعِنُ لِمَا يَظهرُ له أنه الحق" (^١).
° مع أن الرجلَ كَتب في وثيقةِ الاعتراف بعد إبداءِ السيد "رشيد رضا" رأيَه في جزئياتٍ من المناقشة، فقال: "وأهمُّ ذلك في الحقيقة مسألةُ ركعاتِ الصلاة، وأرى أن ما كَتَبه صاحب "المنار" الفاضل في هذه المسألة كافٍ في الردِّ عَلَيَّ، فأنا أعترفُ بخطئي هذا على رؤوس الأشهاد، وأستغفرُ اللهَ تعالى مما قلتُه أو كتبتُه، وأُصرِّحُ بأنَّ اعتقادي الذي ظَهَر لي مِن هذا البحث -بعدَ طولِ التفكُّرِ والتدبُّر- هو أنَّ الإِسلامَ هو القرآنُ، وما أجمَعَ عليه السلفُ والخَلَفُ من المسلمين عملًا واعتقادًا، إنه دين واجب .. وبعبارةٍ أخرى أنَّ أَصْلَيِ الإِسلام اللذينِ عليهما بُنِيَ هما "الكتاب والسنة النبوية" بمعناها عند السلف، أي طريقتُه - ﷺ - التي جَرى عليها العملُ في الدين"، "ولا يَدخلُ في ذلك السُّننُ القَوليَّةُ غيرُ المُجمَع على اتِّباعها، ولا ما كان ذا عَلاقةٍ شديدةٍ بالأحوالِ الدنيويةِ كبعضِ الحدود، ومقاديرِ زكاةِ المالِ والفطر، والأصنافِ التي تؤخَذُ منها، وغيرِ ذلك مما لم يُذكَرْ في الكتابِ العزيز، فأُبيحُ بعضَ التصرُّفِ في أمثالِ هذه المسائِل إذا وُجد عندنا مقتضٍ" (^٢).
_________________
(١) "المنار" (١٠/ ١٤٠).
(٢) "المنار" (١٠/ ١٤٠).
[ ٢ / ٥١٢ ]
° ولا أدري كيف التوفيقُ بين مَدْح السيد "رشيد رضا"، لطبيب عائلته ثلاثةَ مرات، مرةً عند كتابةِ الرجل عن إنكارِ السُّنة (^١)، ومرةً بعد اعترافِه السابقِ المُبيح للتصرُّفِ في الحدود وغيرِها، وثالثةً عند التأبين، "فإني أعرفُه سليمَ العقيدة، مؤمنًا بالألوهيةِ والرسالة؛ على وِفقِ ما عليه جماعةُ المسلمين، مؤدِّيًا للفريضة" (^٢)، وبين قوله: "إنَّ العقلَ لَيَعْسُرُ عليه أن يتصوَّرَ أن مؤمنًا مذعِنًا لدينِ الله يَعتقدُ أنَّ كتابَه يَفرضُ عليه حُكمًا، ثم هو يُغيِّرُه باختياره، ويَستبدلُ به حُكمًا آخَرَ بإرادته، إعراضًا عنه، وتفضيلًا لغيره عليه ويُعتَدُّ مع ذلك بإيمانِه وإسلامه" (^٣).
° محمود أبو ريَّة عدوُّ السُّنَّة:
لقد كان هذا الكَذَّابُ المُفترِي سَبَّاقًا في جُرأتِه على النبيِّ الكريم - ﷺ - بما لم يتجرَّأْ به أحدٌ.
° نَشَر مقالاتِه في مجلة "الرسالة" منذ إبريل ١٩٥١ م، ونُشرت أبحاثُه تحت عنوان "في الحديث النبوي"، ثم جُمعت في كتاب "أضواء على السُّنة المحمديَّة"، ورَدَّ عليه الشيخ "محمد عبد الرزَّاق حمزة" في كتاب "ظلمات أبي رِيَّة أمامَ أضواء السُّنَّةِ المحمدية".
° ثم رَدَّ عليه الشيخ "عبد الرحمن المُعَلِّمي" اليماني في كتابه "الأنوار الكاشفة لِمَا في كتابِ "أضواء على السنة" من الزلل والتضليل والمجازَفة"،
_________________
(١) "المنار" (٩/ ٥٢٤).
(٢) "المنار" (٢١/ ٤٩٢).
(٣) "المنار" (١٧/ ٢٦٣).
[ ٢ / ٥١٣ ]
ثم سَوَّد كتابًا آخَرَ فيه من الفُحشِ والفِسقِ والفُجورِ والطعنِ على أبي هريرة - ﵁ - ما يَعِفُّ اللسانُ عن نُطقِه، ويأبى القلمُ أن يَخُطَّه على الورق، يَتَّهمُ فيه أبا هريرة بالكذب، هذا الدجَّالُ عدوُّ أبي هريرة لَمَّا مات اسوَدَّ وجهُه، وجَعل يقول: "ما لي ولأبي هريرة"؟!.
° هذا الذي ما أقرَّ بعدالة الصحابة ولم يُسَلِّم بهذا، وقال طعنًا في حُفَّاظِ الحديث وحَمَلَةِ سُنَّة النبيِّ - ﷺ - ساخرًا منهم: "ماذا تكونُ حالُ كثيرينَ منَ الذين يزعُمون اليومَ أنهم من المُحدِّثين -أولئك الذين يَتسلَّلون بين أشباههم منَ العامَّة- ومَبلَغُ علمِهم أنهم قرؤوا بعضَ كُتبِ الحديث، واستَظهروا عددًا مما فيها، يجترُّونه ليؤيِّدوا به باطلَ المعتقَدَات وسُوءَ العادات ويُروِّجوا به ما فَشَى بين الناس من الترَّهاتِ والخرافات، لكي يختلِسوا احترامَ الدَّهْماء وثِقَتَهم، ويأكلوا بالباطل والإثم أموالَهم.
على أنهم لو عَرَفوا قَدْرَ أنفُسِهم، وأن ما يحفظونه مما لا يَزيدُ أكثرُه عند أحفظهم على عَشَرَات من الأحاديث، وأن كتابًا من كُتب الحديث لا يَزيدُ ثَمنه عن بِضعةِ قروشٍ يُغني عنهم جميعًا! لو أنهم عرفوا ذلك كلَّه واستيقنوه لَقَبَعوا في جُحورهم، ولأراحوا الناسَ من نقيقهم.
ورَحِم الله أستاذَنا الإِمامَ "محمد عبده" -﵀ - حيث قال في رجلٍ وصفوه بأنه قد جَدَّ واجتَهَد حتى بَلَغ ما لم يَبْلُغْه أحد، فحَفِظَ مَتْنَ البخاريِّ كلَّه: "لقد زادت نُسخةٌ في البلد".
حقًّا -واللهِ- ما قاله الإمام، أي أن قيمةَ هذا الرجل- الذي أُعجب الناسُ جميعًا به لأنه حَفِظ البخاري- لا تَزيدُ عن قيمةِ نسخةٍ من كتاب
[ ٢ / ٥١٤ ]
البخاري لا تتحرَّكُ ولا تَعِي" (^١).
* ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾:
° وصَدَق أبو حاتمٍ الرازيُّ لَمَّا قال: "علامةُ أهلِ البدعِ الوقيعةُ في أهل الأثر" (^٢).
° وقال الإمام أبو عثمانَ الصابوني: "وعلامات البدعِ على أهلِها باديةٌ ظاهرة، وأظهرُ آياتِهم وعلاماتِهم: شِدَّةُ معاداتِهم لِحَمَلَةِ أخبارِ النبيِّ - ﷺ - واحتقارُهم واستخفافُهم" (^٣).
° وقال ابنُ أبي داودَ في قصيدتِه الشهيرة:
ولا تَكُ من قومٍ تلَهَّوْا بدينِهم … فَتْطعَنَ في أهلِ الحديثِ وتَقْدحُ
° ورَحِم الله الفضيلَ لَمَّا قال: "الملائكةُ حُرَّاسُ السماء، وأهلُ الحديثِ حُرَّاسُ الأرض".
° ولله دَرُّ مَن قال: "مَن لم يُقِرَّ بأنَّ أهلَ الحديثِ هم أنصارُ هذا الدِّينِ، فإنه يُعَدُّ في ضُعفاءِ المساكين الذين لا يَدِينون للهِ بدينٍ".
° وقال السَّفَّاريني: "ولسنا بصَدَدِ ذِكرِ مناقبِ أهلِ الحديث، فإنَّ مناقبَهم شهيرة، ومآثِرَهم كثيرة، وفضائِلَهم غَزيرة، فمَنِ انتقَصَهم فهو خسيسٌ ناقص، ومَن أبغَضَهم فهو مِن حِزب إبليسَ ناكص" (^٤).
_________________
(١) "أضواء على السنة المحمدية" لأبي رية (ص ٣٢٩).
(٢) "السنة" للالكائي (١/ ١٧٩).
(٣) "عقيدة السلف" للصابوني (٢/ ٣٥٥).
(٤) "لوائح الأنوار" للسفاريني (٢/ ٣٥٥).
[ ٢ / ٥١٥ ]
° يقول الدكتور فهدُ بن عبد الرحمن الرومي: "في عام ١٣٧٧ هـ الموافق ١٩٥٧ م ظَهَر كتابٌ جديد، وأعني بالجديد فيه ذلكم الأسلوبَ الذي نَهَجه صاحبُه -وما رأيتُ مِثلَه-، رجلٌ يَحمِلُ مِعْوَلَ هَدمِ السُّنةِ، يُنكِرُ أحاديثَها، ويُلقي أفظعَ السِّبابِ والشتائمِ على ناقِلِها الأول أبي هريرة - ﵁ -، ثم يَزعُمْ بعد هذا أنه يُدافعُ عن الحديث!!!.
أما المؤلِّف، فمحمود أبو رِيَّة، وأما الكتاب، فـ "أضواء على السُّنة المحمدية"، أو"دفاع عن الحديث"؟!!!.
ومِنَ التوافُقِ العجيبِ أن الذي قَدَّم لهذا الكتاب الذي أَنكَرَ حُجِّيَّةَ السُّنةِ هو الذي أنكَرَ صِدقَ قَصَصِ القرآن، وأنكَرَ حُجِّيَّتَه فيما يُخبِرُ به -كما مرَّ بنا-، وأعني به "طه حسين" .. ".
° أنكر محمود أبو رية حُجيَّةَ السُّنة، وإذا ما قال له قائلٌ: "كيف تُنكِرُ حُجِّيَّةَ السُّنةِ وأنت تَستدِلُّ على ما ذَهَبْتَ إليه بأحاديثَ منها؟ أجاب: "إن الأحاديثَ التي أُورِدُها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أُريدُ في كتابي، إنما أَسُوقُها لكي نُقنعَ مَن لا يَقنَعُ إلَّا بها على اعتبارِ أنها عندَه من المسلَّمات التي يُصدِّقُها ولا يُماري فيها، "ويُشبَّهُ أسلوبُه هذا باحتجاج" المسلم على النصرانيِّ بما في الإِنجيل، وهو في نفسِه غيرُ مؤمنٍ بما يَحتجُّ به أو عكسُ ذلك" (^١)؟!!.
° ويَتَّهمُ هذا الأفَّاكُ الأثيمُ جُهودَ العلماءِ في فحصِ السُّنَّةِ لتمييزِ صحيحِ السُّنَّةِ من سقيمِها بأنها غيرُ مُجدية؛ لأنَّ الاطلاعَ على خَبايا النفوسِ
_________________
(١) "أضواء على السُّنَّة المحمدية" لأبي ريَّة (ص ٣٣).
[ ٢ / ٥١٦ ]
أمرٌ عسير، "وأنَّى لهم أن يَنَفُذُوا إلى دخائلِ النفوس وبواطنِها، حتى يَطَّلِعوا على حقيقتِها، ومِن أجل ذلك جاءت كُتُبُهم كلُّها وليس فيها مما جاء عن رسولِ الله حديثٌ يُعتَبَرُ متواترًا، بل نَجِدُها قد جَمَعَتْ بين ما هو صحيحٌ في نظرِ الرواة، وما هو موضوعٌ لا أصلَ له، ولا يَخلُو من ذلك كتاب، حتى التي سَمَّوها "الصِّحاح" وهي صحيحُ البخاريِّ ومسلمٍ" (^١).
° ويَزعُمُ -قاتله الله- أن الحديثَ سببٌ أساسيٌّ لتقسيم الأُمَّة وتشتيتِها إلى فِرَقٍ متباينةٍ.
° ويُقدِّمُ أبو ريَّة أمثلةً للأحاديث الموضوعة، يذكرُ منها الحديثَ المتواترَ: "مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مَقْعَدًا من النار"، فيقول: "غَمَرني الدَّهَشُ لهذا القَيْد "متعمِّدًا" الذي لا يُمكنُ أن يَصدُرَ من رسولٍ جاء بالصِّدقِ وأَمَرَ به، ونهَى عن الكَذِبِ وحَذَّر منه" (^٢).
° وخامةُ هذا التكذيبِ لهذا الحديث المتواترِ نسَجَ لُحْمَتَها وسُداها صاحب "فجر الإِسلام" في قوله: "ويظهر أنَّ هذا الوضعَ حَدَثَ حتى في عهدِ الرسول، فحديث: "مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فليَتبوَّأ مَقْعَدَه من النار"، يَغلِبُ على الظنِّ أنه إنما قيل لحادثةٍ حَدَثَتْ، زُوِّر فيها على الرسول" (^٣).
° وَوَضعُ أبي رِيَّة لا يَعدُو فيما كَتَبَه عن السُّنةِ قولَ الشاعر:
وليس يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ … إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٢٥٨، ٢٨٦، ١٧).
(٢) "أضواء على السنة المحمدية" (ص ١٩).
(٣) "فجر الإِسلام" لأحمد أمين (ص ٢١١) - الطبعة العاشرة ١٩٦٩ - نشر دار الكتاب العربي ببيروت.
[ ٢ / ٥١٧ ]
° تلك حُرِّيةُ الرأيِ الكتابيةِ التي طالَبَ بها الكُتَّابُ أمثالُ أبي رِية لهدمِ عقيدةِ الأمة، نتيجةَ سُقمِ عَقْلِه، أو تلبيةً لحاجةٍ في نفسِ يعقوب، ذلك هو المِحورُ الذي يَدورُ عليه بَحثُه عن السُّنة.
° وأخطرُ خُطوةٍ خطاها أبو رية تُجاهَ هدمِ السُّنة، هو رَميُ الصحابةِ وأولِ ناقِليها بالغباء، وأنَّ أحبارَ اليهود نَشَروا بين صفوفهم أحاديثَ نَسَبوها زُورًا إلى رسول الله - ﷺ -، فتَقَبَّلها الصحابةُ لضَعفِهم مقابلَ دَهاءِ الأحبار، "أخذ أولئك الأحبارُ يَبُثُّون في الدينِ الإِسلاميِّ أكاذيبَ وتُرَّهاتٍ يَزعُمون مرةً أنها في كتابهم، أو من مكنونِ عِلمِهمِ، ويدَّعون أخرى أنها ممَّا سَمِعُوه من النبي - ﷺ -، وهي في الحقيقةِ مِن مُفتَرَياتهم، وأنَّى للصحابةِ أنْ يَفطِنوا لتمييزِ الصِّدقِ مِن الكذبِ مِن أقوالهم؟!.
وهم من ناحيةٍ: لا يَعرِفون "العبرانية" التي هي لُغةُ كُتبهم.
ومن ناحيةٍ أخرى كانوا أقلَّ منهم دَهاءً، وأضعفَ مَكرًا، وبذلك راجَتْ بينهم سُوقُ هذه الأكاذيب، وتلقَّى الصحابةُ ومَن تَبِعَهم كلَّ ما يُلقِيه هؤلاء الدُّهاةُ بغيرِ نَقدٍ أو تمحيص، معتبِرِينَ أنه صحيحٌ لا ريبَ فيه" (^١).
° ولَمَّا كان أبو رِية وقحًا في عباراته، صريحًا في اتهاماتِه المكذوبة، ولا سيَّما لِرَاويَةِ وحافِظِ السُّنة "أبي هريرة" - ﵁ -، فمرةً يُسمِّيه "شيخ المضيرة" -الطعام الدسم-، ومرةً يَصِفُه - ﵁ - "لا في العِيرِ ولا في النفير"، "تفاهة أمره" "حقارة مَنْبَتِه" وأمثال هذه الكلماتِ النابيةِ والبذاءاتِ المُشينة التي يَترَّفعُ عنها رجلُ الشارع في تعامله: كان من المألوفِ أن يكونَ مُرشدُه
_________________
(١) "أضواء على السُّنَّة المحمدية" (ص ١٤٧).
[ ٢ / ٥١٨ ]
فارسُ الميدان، ومَن خاض المُعتَرَكَ، فقد كتب "طه حسين" في جريدة "الجمهورية" كلمةً عن "أضواء على السُّنة المحمدية" موضحًا طريقة الهجوم فقال: "فمِن الظُّلمِ لأبي هريرةَ أن يقال: "إنه لم يُصاحبِ النبيَّ إلَّا ليأكلَ من طعامه"، والذي نَعَلُمه أنه أسلم، وصَلَّى مع النبيِّ، وسَمع منه بعضَ أحاديثه، فلْيَقُلْ فيه المؤِّلفُ: إنه لم يُصاحِبِ النبيَّ إلَّا ثلاثةَ سنين، وقد رَوى من الحديثِ أكثَرَ مما رَوَى المهاجرون الذين صَحِبوا النبيَّ بمكةَ والمدينة، وأكثَرَ من الأنصار الذين صاحَبوا النبيَّ منذ هاجَرَ إلى المدينة حتى آثَرَه اللهُ بجواره، وهذا يكفي للتحفُّظِ والاحتياطِ بإزاءِ ما يُروى عنه من الحديث" (^١).
أخي:
° هل تتخيَّلُ أن عدوَّ السُّنةِ "أبا رِيَّة" يقول عن الإمام أبي هريرة - ﵁ -: "إنه شخصيةٌ وَهميَّةٌ لم يَقِفْ أحدٌ على اسمِه، فكان حَرِيًّا عدمُ الثقةِ في شخصِه والتشكيكُ في كلِّ ما يُروى على لسانه" (^٢)؟!.
° وقال عنه - ﵁ - إنه: "نَقَلَ من الأحاديث أكثَرَ مما يُطيقُ عَقلُ بَشَر".
° لقد قال الدجَّال "أبو رية" عن أبي هريرة - ﵁ -: "إن كِبارَ الصحابةِ جَرَّحوه، وشَكُّوا في روايتِه لأجلِ إكثارِه من الحديث، واتَّهَمه بالكذب عمرُ وعثمانُ وعليٌّ" (^٣)!!.
° وقال: "إنَّ عُمَرَ ضَرَبه بالدِّرَّة، وأوعَدَه إنْ لم يَترُكِ الحديثَ ليُلْحِقَنَّه
_________________
(١) عدد الثلاثاء ٢٥ نوفمبر ١٩٥٨.
(٢) "شبهات وشطحات منكري السُّنَّة" لأبي إسلام أحمد عبد الله (ص ٣٢).
(٣) "أضواء على السُّنَّة المحمدية" (ص ١٥٤ - ١٥٥).
[ ٢ / ٥١٩ ]
بأرضِ "دَوْس" أو بأرضِ "القردة"، ولذا لم يُحدِّثْ إلَّا بعدَ قَتلِ عمر" (^١)!!.
° ويقول عن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا: "إنه كان كثيرَ النسيانِ لضَعفِ ذاكرتِه، فاختَلَق قِصَّته لِيُسَوِّغَ بها كثرةَ أحاديثه، وُيثبِتَ صِحَّةَ ما يَروِيهِ في أذهانِ السامعين" (^٢)، وإنه "لم يكن له عِلمٌ ولا فِقهٌ ولا رأيٌ ولا نصيحة، ولذا لم يَجْعَلْه عمرُ في أهل شُورته" (^٣)، وإنه "كان من عامَّةِ الصحابة، ولم يكن بينهم في العِيرِ ولا في النفير (^٤)، ولم يُذكَرْ في طبقةٍ من طبقاتهم، ولم يَرِدْ في فضله حديث" (^٥)، وإنه "كانت به غَفْلَةٌ وغِرَّةٌ وسذاجة، ولذا استَغلَّه أعداءُ الإِسلام في بَثِّ الخرافاتِ والأوهام في الدِّين الإِسلامي" (^٦).
° أما زَعمُه بأن أبا هريرة - ﵁ - "غيرُ فقيه"، فلا يُؤخَذُ بما رواه مخالِفًا للقياس، فهو زَعْمٌ واهٍ ضعيف، وهذا قال الحافظ ابن حجر: "وهو كلامٌ آذَى قائلَه به نفسَه، وفي حكايتِه غِنًى عن تكلُّفِ الردِّ عليه" (^٧).
° وقد ذكر ابنُ سعدٍ أبا هريرة - ﵁ - في النَّفَرِ من الصحابة الذين صارت إليهم الفتوى بالمدينة، وهم: "ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخُدْرِيُّ، وأبو هريرة، وجابر - ﵃ -" (^٨).
_________________
(١) المرجع السابق (ص ١٦٣ - ١٩٧).
(٢) المرجع السابق (ص ١٧٧).
(٣) المرجع السابق (ص ٢٠٣) الهامش.
(٤) المرجع نفسه (ص ١٥٢).
(٥) المرجع نفسه (ص ١٨٤ - ١٨٥).
(٦) المرجع نفسه (ص ١٧٢ - ١٧٣).
(٧) "فتح الباري" (٤/ ٣٦٤).
(٨) "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ٣٧٢).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
° وقال الذهبيُّ: "احتجَّ المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه، لحِفظِه وجلالتِه وإتقانِه وفِقهِه، وناهيك أنَّ مِثلَ ابنِ عباس يتأدَّبُ معه، ويقول: أفْتِ يا أبا هريرة" (^١).
° ويأبى الدكتور "طه حبيش" إلَّا أن يَكشِفَ لنا النِّقابَ ويَفُكَّ اللغزَ المُحيِّرَ في سببِ هذا الكمِّ من حِقدِ أبي ريةَ الجاحد على أبي هريرة - ﵁ -، إذ اشتُهر عن محمود أبي ريَّة فَشَلُه في الدراسة الأوَّليةِ بالأزهر الشريف، وتردُّدُه الدائمُ على بعضِ الأَدْيِرَةِ والكنائس، والتقاؤه فيها بمَن أَوْهَمَه بأنه سوف يكونُ رجلًا ذا شأنٍ إذا ما سَلَك هذا الطريقَ الوَعْرَ" (^٢).
° يقول الشيخ "صلاح الدين مقبول أحمد" في مقدمته لكتاب "موقف الجماعة الإِسلامية من الحديث النبوي" (ص ٥) عن أبي رية: "وكتابه "أضواء على السنة المحمدية" صادَفَ رغبةَ أعداءِ الإِسلام، حتى اشتَرَت إحدى السِّفاراتِ الأجنبيةِ في القاهرة أكثَرَ نُسَخِه، وأرسَلَتْها إلى مكتباتِ الجامعاتِ الغربية لتكونَ بين يَدَيِ الحاقِدِينَ على الإِسلام ورسولِه وصحابتِه، وليستَندوا إليها فيما أورده من أكاذيبَ وأباطيل" (^٣).
° الطبيب أحمد زكي أبو شادي (١٨٩٢ - ١٩٥٥ م):
هو الشاعرُ المِصريُّ المعروف، ابنُ المحامي الشهير "أبو شادي محمد"، غَزَاه التغريبُ منذَ غَضاضةِ شبابِه، ونُعومِه عُودِه، ففي العشرينَ
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (٢/ ٦٠٩).
(٢) "شبهات وشطحات مُنكري السنة" لأبي إسلام أحمد عبد الله (ص ٣٣).
(٣) "موقف الجماعة الإِسلامية من الحديث النبوي" للشيخ صلاح مقبول أحمد (ص ٥).
[ ٢ / ٥٢١ ]
من عُمره عام ١٩١٢ م أرسله والدُه لدراسةِ الطبِّ في "إنجلترا"، ومَكَث فيها عَشْرَ سنين، ثم عاد إلى بلاده، وله إنتاجٌ أدبيٌّ وفير، جُمع شِعرُه في عِدَّةِ دواوينَ، منها "الشفق الباكي"، "أشعة وأطلال".
١ - والذي يُهِمُّنا مِن إنتاجِه هو كتابُه "ثورة الإِسلام" الذي مَزَج فيه الحَقَّ بالباطل، واستهزأ بالسُّنةِ وجامِعِيها، وزَعَم أنَّ الأحاديثَ كلَّها مختلَقة، ولا يُرضيه نِسبتُها إلى رسولِ الله - ﷺ - .. فيقول: "وهذه "سنن ابن ماجه" و"البخاري" -وجميعُ كُتبِ الحديث والسُّنة- طافحةٌ بأحاديثَ وأخبارٍ لا يُمكنُ أن يَقبَلَ صحَّتَها العقلُ، ولا نَرضى نسبتَها إلى رسولِ الله - ﷺ -، وأغلبُها يدعو إلى السخرية بالإِسلام والمسلمين والنبيِّ الأعظم" (^١).
° ويَتَّهمُ المتمسِّكَ بالحديث بالخيانةِ لرسالةِ الإِسلام .. فيقول: "وأما التغنِّي "بأبي داود، والنسائي، ومسلم"، وترديدُ الأحاديثِ الملفَّقةِ التي لا تَنسجمُ وتعاليمَ القرآن، وأمَّا سُوءُ تفسيرِ آياتِ الكتابِ العزيز، وأما الجهلُ برُوحِ القرآن، وأمَّا التنازلُ عن صلاحيةِ الإِسلام لكلِّ زمانٍ ومكان: فبمثابةِ الخيانةِ لرسالةِ الإِسلامِ الخالدة" (^٢).
٢ - ويزعمُ الشاعرُ أنَّ أحكامَ القرآنِ والحديثِ قابلةٌ للتغيير بتغيُّرِ الزمان والمكان؛ لأنها جاءت عن سَببٍ، وبزوالِه لَزِمَ زوالُ المسَّببِ .. فيقول: "والقرآنُ الشريفُ والأحاديثُ النبويةُ مجموعةُ مبادئَ خُلُقيَّةٍ وسلوكيةٍ مسبَّبةٍ، بحيث إنَّ أحكامَها عُرْضَةٌ للتبدُّلِ بتبدُّلِ الأحوالِ والأسباب، ففيه
_________________
(١) "ثورة الإِسلام" (ص ٢٥) - لأحمد زكي أبو شادي - مكتبة الحياة بيروت.
(٢) "ثورة الإِسلام" (ص ١٧).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
شواهدُ هادئةٌ على ضوئِها وأسبابِها وظروفِها، لا أحكامٌ متزمِّتة، لا تَقبلُ التعديلَ وفَاقًا لتبدُّلِ الأسباب والظروف" (^١).
° ويشرحُ هذا المبدأَ في موضعٍ آخر بصورةٍ أوضح، فيقول: "إنَّ العقيدةَ العالَميةَ لا يمكنُ أن تتدعَّمَ في دولةٍ يكونُ المواطِنون طبقاتٍ أو مراتبَ .. ولا بدَّ من المساواةِ التامَّةِ بين جميعِ المواطنين شرطًا حتميًّا لنجاح الدولةِ الإِسلاميةِ الديمقراطيةِ في عصرِنا هذا، وشتَّانَ بين ظروفِ الإِسلام الأولى الضيِّقةِ نسبيًّا، وبين ظروفِه العالَميَّةِ الحاضِرة .. فما كان يَصلُحُ عمليًّا في أولِ عهدِ الرسالة -بل حتَّى في ضُحى الإِسلام-، لم يَعُدْ يَصلحُ الآنَ لشَعبٍ متقدم -كالشَّعبِ المِصريِّ مثلًا-، تجاوَزَ تِعدادُه العشرين مليونًا، بينهم مليونانِ من خِيَرَةِ المواطنين العريقِي المِصريَّةِ يَدِينون بغير الإِسلام" (^٢).
° ومِن الأمثلة التي تَقبَلُ التغييرَ في نظره، وقَدَّمها للتعديل في ضَوءِ الحياةِ الأوروبية: "قِوامةُ المرأة"، فيقول: "إنَّ رُوحَ الإِسلام التي تُقِرُّ مبدأ الصالح العامِّ تَسمحُ في هذا العصرِ بأن تكونَ المرأةُ قَوَّامةً على الرجل، بقَدرِ ما تَسمحُ بأن يكونَ الرجلُ قوَّامًا على المرأة، إذ إنَّ مَرَدَّ ذلك إلى الاعتبار الاقتصادي -لا أكثَرَ ولا أقلَّ-، بخلافِ ما كان عليه الحالُ في فجرِ الإِسلام" (^٣).
فالرجلُ لا يُهمُّه أن يُلغيَ دلالةَ الآية الكريمة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى
_________________
(١) "ثورة الإِسلام" (ص ٦٣).
(٢) "ثورة الإِسلام" (ص ١١٥).
(٣) "ثورة الإِسلام" (ص ٢٤).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. غيرَ أن مُنكِرِي الهندِ أقدَمُ منه في هذا الادِّعاء، وسيَمُرُّ بك شيءٌ منه في فَصل "آراؤهم التشريعية"، فالطبيبُ بحكم دراستِه في أوروبا، وقضاءِ أواخِرِ حياتِه في أمريكا بعد هَجْرِ مصرَ -نتيجةَ قسوةِ النقدِ الذي وُجِّه إلى شِعره، وعدمِ استقرارِ الأحوالِ السياسةِ في مصرَ قبلَ ثورة ١٩٥٢ -، لا نَستبعدُ منه مِثلَ هذا الكلام، بل نراه يُغالِي أكثَرَ مِن ذلك، فيَحُثُّ المسلمين على نَيلِ أكَبرِ قَدرٍ ممكنٍ من الحضارة الأمريكية؛ لأنَّ الحياة الأمريكيةَ -فِكرًا وواقعًا- في نظره قريبةٌ من الإِسلام، بل هي صِنوُ الإِسلام حيث يقول: "إنَّ مبادئَ الإِسلامِ نظريًّا وَعَمليًّا هي أقربُ ما تكونُ لمبادئِ الحضارةِ الأميريكية والحياةِ الأميريكية -تفكيرًا وسلوكًا-، فهل يَتنَبَّهُ المسلمون إلى هذه الحقيقةِ الراسخةِ فيُفلِحوا؟ " (^١).
° ويقول: "وما الدفاعُ الذي تقومُ به أميركا اليومَ عن العالَم الحُرِّ إلَّا صِنْوُ الدفاعِ الذي رَفَع لواءَه محمدٌ - ﷺ -" (^٢).
فالرجلُ أَجيرٌ يَخدُمُ قضيةً معيَّنةً، لا يُهمُّه إذا ذَهَب يَمْنَةً أو يَسْرةً، فنظرتُه إلى الإِسلام محفوفةٌ بالمطاعن، ويتَّخذُ من هَدمِ السُّنةِ جِسرَ عُبورٍ إلى هدِم القرآن، ومِن ثَمَّ يَتسنَّى له هَدمُ الدين، ولتحقيقِ هذه الغايةِ نراه يدعو كلَّ مسلمٍ أن يكونَ "مسيحيًّا" قبلَ الإِسلام (^٣)، بل ويَشتركُ في تأسيسِ "حركة البرلمان العالَمي للديانات" للجمع بين التوحيد وعبادة الأصنام،
_________________
(١) "ثورة الإِسلام" (ص ٥٧).
(٢) "ثورة الإِسلام" (ص ٦١).
(٣) "ثورة الإِسلام" (ص ١٢٤).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وبين الإِسلام واليهودية والمسيحية والبُوذية (^١).
فما دام "أبو شادي" أحدَ دُعاةِ توحيدِ الأديان، فلا يُهمُّه أن يَتَّهمَ أبا هريرة وأنسَ بنَ مالكٍ وعَبدَ اللهِ بنَ عباسٍ بوَضع الحديث على رسول الله - ﷺحاشا أن يكونوا كذلك-، ونِسبتُه إليه كَذِبًا وزورًا فيقول: "وقد خُدع بهم بـ "الزنادقة" عددٌ من المسلمين المتقدِّمين، ناهِيكَ بِغَفلةِ أمثالِ أبي هريرةَ وأنسِ بنِ مالكٍ وعبدِ الله بنِ عباس، وكلُّهم انتَحَلوا الأحاديث، وتأثَّروا بالإسرائيلياتِ الغريبة" (^٢).
° الدكتور إِسماعيل أدهم (١٩١١ - ١٩٤٠):
كاتبٌ تُركيٌّ، وُلد بالإِسكندرية، ونال الدكتوراة في العلوم من "جامعة موسكو"، وكان عُضوًا مراسلًا في "أكاديمية العلوم السوفيتية"، وعَمِل مُدرِّسًا للرياضيات لبعضِ الوقتِ في جامعة "سان بطرُسْبرج"، ثم في "معهد أتاتورك" بأنقرة، ثم عاد إلى مصر، فاتَّجه إلى البحثِ في الأدب والتاريخ، أُصيب في أواخِرِ حياته بالسِّلِّ، فمات منتحرًا (^٣).
نَشَر الشابُّ كتابًا عام ١٣٥٣ هـ تحت عنوان "مصادر التاريخ الإِسلامي"، أَعلَن فيه أن هذه الثروةَ الغاليةَ من السُّنة، التي تَضُمُّها كتبُ الصِّحاح، ليست ثابتةَ الأصول والدعائم، بل هي مشكوكٌ فيها، يَغلِبُ عليها صِفةُ الوضع، وكان الدكتور يأخذُ كتابَه مَلزَمةً مَلزَمةً، خشيةَ أن يَطَّلعَ عليه أحدٌ فيحاسبَه، غيرَ أن "الأزهر" -فيما يبدو- لم يكن قد أُصيب بالهَرَمِ
_________________
(١) "ثورة الإِسلام" (ص ١٣١).
(٢) "ثورة الإِسلام" (ص ١٧٤).
(٣) انظر لمزيد من المعلومات عنه "الموسوعة العربية الميسرة" (ص ١٥٠).
[ ٢ / ٥٢٥ ]
بعد، حيث طالَبَ مشايخُه سَحْبَ هذا الكتابِ من الأسواق، ومصادرتَه من الأيدي التي تملَّكته (^١).
وبعد إتلافِ هذا الجَهدِ المُسْوَدِّ لا نجدُ لإِسماعيلَ اتِّجاهًا كهذا، رغم كثرةَ كتاباتِه في مجلة "الرسالة"، وظلَّ مرتبطًا بها منذ عام ١٣٥٦ هـ حتى الانتحار، ومن غيرِ المشكوكِ فيه أنَّ الاتجاهَ الذي استولى على الدكتور وساقَه إلى الهاوية، بل جَعَله طالبًا في "المجمع الشرقي لنشر الإِلحاد" (^٢) بعد عودته إلى مصر هو نتيجةٌ منطقيةٌ للدراسة في "موسكو"؛ لأنَّ الطالبَ لا يَكتسبُ المعلوماتِ عندِ التعلُّم فحسب، بل يَرضعُ الفِكرَ والهدفَ والمنهجَ الذي صِيغت في قالَبِه تلك المعلومات، فما دامت "موسكو" عَدُوَّةً للأديان، فلن تُخرجَ إلَّا مَن يَحمِلُ مِعْوَلَ الهدمِ على الدين الذي ينتمي إليه.
° محمد أبو زيد الدمنهوري:
فيما له صِلةٌ بالحديث من مؤلَّفات هذا الرجل: كتاباه "الزواج والطلاق المدني في القرآن"، "تفسير القرآن بالقرآن".
ويتلخَّصُ قولُه في السُّنة أنها نَكبة على المسلمين، وعلى دِينِ الله -﷿-، ويتمنَّى إحراقَها وإعدامَها من الوجود، وتكونُ نُقطةُ بدايةِ التحريق من "صحيح البخاري" و"مسلم" ليرتاحَ الناسُ من شرِّ ما فيهما (^٣)!.
° والغريبُ في أمرِ هذا الرجلِ أنه تلقَّى تعليمَه في "دار الدعوة
_________________
(١) انظر مصطفى السباعي، "السنة ومكانتها في التشريع الإِسلامي" (ص ٢٣٧) الطبعة الثانية ١٩٦٧ م.
(٢) انظر "الفتح" (٨/ ٧٨٠).
(٣) "الفتح" (٢/ ٥٠٤).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
والإِرشاد" التي كان يُشرِفُ عليها السيد رشيد رضا!! ويدَّعي الدمنهوري أنَّ الرِّقَّ والتسرِّي ليسا من الإِسلام، وهو ينكر النَّسْخَ في القرآن، يقول: "وأما نحن، فمِن الذين لا يَرَون في آياتِ القرآن نسخًا، وكلُّ ما فيه واجبٌ تلاوتُه، والعملُ به إلى يومِ القيامة" (^١) وينكر نبوَّةَ آدمَ، ويقول بَتعدُّد الأصولِ البشرية (^٢).
° الكَذَّابُ المُفتري "السيد صالح أبو بكر" عدوُّ السُّنَّة:
"كأنَّ خِداعَ العناوين مَرَضٌ انتَقَل من "أبي رِيَّة" -في زَعمِه الدفاعَ عن الحديث النبويِّ في عنوان كتابه- إلى المدعو "السيد صالح أبو بكر"، فنَشَر كتابًا زَعَم أنه "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهيرِ البخاريِّ منها"، زَعم فيه أنَّ من أهدافِه: "تقديمَ حَصيلةِ الفحصِ الدقيقِ للأحاديث المعارِضة للقرآن، والمنافيةِ لِمَا يَليقُ بالله وبرسوله، والتي جَمَعناها من "صحيح البخاري" باعتباره عُمدةَ المراجع في هذا المجال، وعددُها مئةٌ وعشرون حديثًا والتعقيبُ القرآنيُّ على كلٍّ منها بما يُثبِتُ أنها دَخيلةٌ على كلام النبيِّ - ﷺ -" (^٣).
° وعَدَّ مِن أهدافِه: "القضاءَ على منازعةِ الحديثِ الباطل للقرآن الكريم" (^٤).
_________________
(١) مجلة "الرابطة الشرقية" (١/ ٧٠).
(٢) "المنار" (٢١/ ٤٩).
(٣) "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية".
(٤) "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها" للسيد صالح أبو بكر (ص ٣ - ٦).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
° ومنها: "إدراكُ العواقبِ المترتِّبةِ على تَركِ الأحاديثِ المخالفةِ للقرآن الكريم دون تجريحٍ وإظهارٍ لعيوبها"، و"إثباثُ أن دينَ الله هو القرآنُ بدايةً ونهايةً"، وقال أخيرًا: "كتابُنا هذا يَستندُ إلى كتابِ الله نصًّا ومعنًى" (^١).
والحقُّ أننا في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى مِثلِ هذه الأهداف، والحقُّ أيضًا أنَّ هذا الرجلَ بعيدٌ كلَّ البُعدِ عن المنهجِ الذي زَعَم بأن عِمادَ نَقلِه وأُسَّه "محمود أبو ريَّة" -السالف ذِكره-، فهو كثيرًا ما يَنقُل عنه، بل نستطيعُ القولَ: إن الجزءَ الأولَ منه خلاصةٌ لكتابِ أبي رية، ثم أراد المؤلِّفُ منافسةَ أبي رِيةَ على مَناهِلِه الأولى، فنقل أيضًا عن محمد عبده وعن رشيد رضا وغيرِهم من "مدرسة المنار".
بل إنَّ بَدْءَ هُجومِه على أبي هريرة - ﵁ - يُصدِّرة برأي "مدرسة المنار"،
فيَضعُ عنوانًا: "أبو هريرة ورأيُ علماءِ الحديث فيه ممثَّلًا في مدرسة المنار" (^٢).
وقد خَصَّص المؤلِّفُ الصفحاتِ من (٥٨ إلى ٦٣) للتشكيك في أبي هريرة - ﵁ - وفي روايته.
° "الرَّدُّ القويم على المُجرم الأثيم"، لفضيلة الشيخ حَمُّود التُّوَيجري:
لقد رَدَّ الشيخ "حمود التويجري" على "السيد صالح أبي بكر" في كتابه "الرَّدُّ القويم على المُجرم الأثيم" -في جُزأين- فأفحمه.
° قال الشيخ: "لقد رأيتُ كتابًا لبعضِ أهلِ الزَّيغ والفسادِ والإِلحادِ من
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣ - ٦).
(٢) المصدر السابق (ص ٥٨).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
العصريِّين، تَهَجَّم فيه على بعضِ الصحابةِ والتابعين، وعلى مئةٍ وعشرينَ حديثًا في "صحيح البخاري" الذي هو أصحُّ الكتب بعد القرآن، وزَعم أنها أحاديثُ إسرائيليةٌ، وأنه يَكتسِحُها بالأضواءِ القرآنية، وُيطهِّرُ البخاري منها!! وتَهجَّم أيضًا على غيرِ ذلك من الأحاديث الصحيحة، وقابَلَها بالردِّ والإنكار.
• وقد سَمَّى المؤلِّف نفسَه بـ "السيد صالح أبي بكر"، وليس بسيدٍ ولا صالح، ولا كرامةَ ولا نُعمةَ عَينٍ، ولِمَا رواه أبو داود والنسائي والبخاري في "الأدب المفرد" عن بُريدة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "لا تقولوا للمنافق: "سيد"، فإنه إن يكُ سيدًا فقد أسخطتم ربَّكم ﷿" .. ورواه الحاكم في "مستدركه" والبيهقي بنحوه، وصحَّحه الحاكم.
وفي تَهجُّمِه على بعضِ الصحابةِ والتابعين وعلى الأحاديث الصحيحةِ أوضح دليلٍ على زَيغِه وفسِادِ عقيدتِه، وأنه ليس بصالحٍ في الحقيقة.
وقد سمَّى المُلحِدُ كتابه "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهير البخاري منها" .. وكلام المُلحِدِ كلُّه شُبهاتٌ، وحَمْلٌ لكتابِ الله على غير مَحامِلِه، فهو في الحقيقة ظُلماتٌ بعضُها فوق بعض، وكما سأبيِّنه -إن شاء الله تعالى-.
ومن تأمَّل كتابَه لم يشكَّ أنه محاربٌ للإسلام والمسلمين، وأنه إنما أراد بكتابه الطعنَ في الإِسلام وأهل الإِسلام، وإنْ أظهَرَ ذلك في قالبِ الإصلاح، فهو بلا شكٍّ ممن يَسعى في الأرضِ فسادًا -وإن كان يزعم أنه مُصلِح-، وقد قال الله تعالى مخبِرًا عن سَلَفِ هذا المُلحدِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
[ ٢ / ٥٢٩ ]
لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
وهذه الآيةُ الكريمةُ مطابِقةٌ لحالِ الملحِدِ غايةَ المطابقة، طَهَّر اللهُ الأرضَ منه ومن أمثالِه من المفسِدين في الأرض، إنه سميع مجيب.
وقد رأيتُ مِن الواجب الردَّ على أباطيلِ هذا الزائغِ المفترِي على الله وعلى رسولِه - ﷺ -، وتطهيرَ الأحاديثِ في "صحيح البخاري" -وغيرِه من كتب السُّنة- من تلطيخِ هذا الظالم المعتدي" (^١).
° قال الشيخ التويجري "وقد قال المؤلِّفُ (^٢) في صفحة (٤) ما نصُّه:
"سابعًا: الاستكشافُ الفِعليُّ لانحرافِ عقائدِ مَن سبقونا من أُمم الدراويش وجماعاتِ التنسُّكِ الشَّكْلِيِّ وأصحابِ الدعاوَى، بخروج بشريَّتِهم أو بشريَّةِ شيوخِهم على سُنَنِ اللهِ في خَلقه، ادعاءً للكراماتِ المصطَنَعة، وزعمًا للمعجزات الخيالية التي مَلأت المدوَّناتِ الصفراءَ، وليس لهم فيها من سَنَدٍ ولا أصلٍ إلَّا أحاديثُ الخيالِ المفتَرَاةُ على رسولِ الله - ﷺ -، تلك التي استقرَّت في كُتبِ الأحاديثِ المعتَمَدةِ لدى المسلمين بحُسنِ القصدِ من الناشِرِين والمستطلِعين".
والجواب: أن يُقال: هذه الجملةُ في أولِ كتابِ المؤلِّف الجاهل كافيةٌ في بيانِ عداوتِه للرسولِ - ﷺ - وللسلفِ الصالح مِن الصحابة والتابعين وأئمةِ
_________________
(١) "الرد القويم على المجرم الأثيم" للشيخ حمود التويجري (ص ١، ٢) - مكتبة دار العليان الحديثة.
(٢) يعني السيد صالح أبو بكر.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
العلم والهدى مِن بعدِهم، وبيانُ ذلك من وجوهٍ:
أحدها: زَعمُه أن معجزاتِ النبيِّ - ﷺ - خيالية، وأن كراماتِه وكراماتِ غيرِه من أنبياءِ الله وأوليائِه مصطَنَعة .. وهذا قولُ أعداءِ اللهِ من الإفرنج وغيرِهم من أمم الكفر والضلال، وقد تلقَّاه هذا الجاهلُ -وأشباهُه من زنادقةِ العصريين- بالقَبول والرضا .. وهذا القَدرُ كافٍ في الحُكم برِدَّةِ المؤلِّف وخروجِه من الإِسلام.
وقد أجمَعَ العلماءُ على تكفيرِ مَن عَبَثَ في جهةِ النبي - ﷺ - بسُخْفٍ من الكلام وهُجْرٍ ومُنكرٍ من القول وزُور .. وأجمَعوا على تكفيرِ مَنِ استخفَّ بالرسول - ﷺ -، أو استهزأَ به، أو بشيءٍ من أفعاله، أو نَسَب إليه ما لا يَليقُ بمنَصِبه .. ذكر ذلك القاضي عياض وابن حجر الهَيتمي .. وكلامُ المؤلِّف ها هنا داخلٌ فيما أَجْمَعَ العلماءُ على تكفيرِ قائله.
الوجه الثاني: زَعمُه انحرافَ عقائدِ الذين يؤمنون بمعجزاتِ النبي - ﷺ - وكراماتِه وكراماتِ غيرِه من أنبياءِ الله وأوليائه .. وهذا يتضمَّنُ القَدْحَ في جَميع أهلِ السُّنةِ والجماعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يَقدحُ فيهم إلَّا من هو متَّبعٌ لغيرِ سَبيلهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وقد قال في "الإقناع" في ذِكرِ ما يَصير به المسلمُ كافرًا: "أو قال قولًا يتوصَّلُ به إلى تضليلِ الأمةِ -أي أمةِ الإجابة-، فهو كافر؛ لأنه مكذِّبٌ للإِجماع على أنها لا تجتمعُ على ضلالة" انتهى.
[ ٢ / ٥٣١ ]
ولا يَخفى ما في كلامِ المؤلِّفِ من تضليلِ الأمة على إيمانهم بمعجزاتِ النبي - ﷺ - وكراماتِه وكراماتِ غيرِه من أولياءِ الله تعالى، فيكون بهذا كافرًا حلالُ الدمِ والمال.
الوجه الثالث: تسميتُه علماءَ السلف وأئمةَ الخلف بـ "الدراويش"، و"جماعات التنسُّكِ الشَّكليِّ" و"أصحاب الدعاوى"، وزَعُمه أنهم قد خَرجوا ببشريتهم على سُننِ الله في خَلقه، وهذه الأوصافُ أولى به وبأشباهِه من زنادقةِ العصريِّين وملاحدتهم.
الوجه الرابع: تسميتُه كُتبَ الحديثِ المعتَمَدةَ عند المسلمين بـ "المدوَّنات الصفراء" تحقيرًا لها وتصغيرًا لشأنها، وزَعمُه أن الأحاديثَ الواردةَ فيها في المعجزاتِ والكراماتِ أحاديثُ مفتراةٌ على رسول الله - ﷺ -، وهذا من أعظمِ المحادَّةِ لله ورسوله - ﷺ - والمخالَفةِ لِمَا عليه المسلمون من الاعتناءِ بكُتبِ الحديث والتعظيمِ لشأنِها والإيمانِ بما جاء في الصحيح منها من أخبارِ الغيوب والمعجزاتِ والكراماتِ، واعتقادِ أن ذلك حقٌّ وصِدق.
الوجه الخامس: رَميُه المسلمين بالغَباوة والتغفيل مِن أجل اعتمادِهم على كُتب الحديث وإيمانِهم بما جاء في الصحيح منها من أخبارِ الغيوبِ والمعجزاتِ والكرمات، والواقعُ في الحقيقةِ أن المؤلِّفَ هو الغبيُّ المُغَفَّلُ الذي انقاد للشيطانِ فأغواه وتلاعَبَ به حتى انسلَخَ من الدين وهو لا يَشعر، وصار حربًا لله ولرسوله - ﷺ - وللأحاديث الصحيحة والمحدِّثين وسائرِ المؤمنين، وقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا
[ ٢ / ٥٣٢ ]
تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] " (^١).
° صبحي منصور الدَّجَّال مُنكِر السُّنَّة، نائب مُسيلِمة الكذاب "رشاد خليفة خليفة" مُدَّعِي النبوة بـ "توسان":
من مدينة "كفر الزيات" خَرَج علينا مسيلِمة الكذاب "رشاد خليفة" المولود في ١٨/ ١١/ ١٩٣٥، تَخرَّج مهندسًا زراعيًّا، وعَمِل بالهيئةِ العامةِ للإِصلاح الزراعي في ١٩٥٧ م، وصدرت ضدَّه الجزاءات، ومع هذا حَصَل على بَعثةٍ علميةٍ لدراسةِ الدكتوارة في أمريكا ٣٠/ ٨/ ١٩٥٩ م، وعاد الخائنُ ومعه زوجُه الأمريكيةُ السافرةُ، ثم سافر إلى ليبيا، ومنها إلى أمريكا، وبعد أشهُر معدودةٍ أصبح "رشاد خليفة" خبيرًا بالأمم المتحدة، ثم إمامًا لمسجد مدينة "توسان" ومعه مئاتُ الألوف من الدولارت.
ومن قرية "حريز" مركز "كفر صقر" بمحافظة "الشرقية" جاء "صبحي منصور"، وانضمَّ في بداية أمره إلى "الطريقة الرفاعية" والتحق بالأزهر، وأصبح أستاذًا مساعِدًا بكلية "اللغة العربية"، ولَفَت الأنظارَ إليه بما يَطرحُه من آراءَ مخالفةٍ لإِجماعِ المسلمين، ليس بعِدائِهِ للصوفية فحسب، إنما بعِدائه للسُّنة النبوية.
والتقى بـ "رشاد خليفة"، ووَجَد كلٌّ منهما ضالَّته في الآخَر، فرشاد يَملِكُ السلطانَ والمالَ بالدولار، ويَسكُنُ بلادَ اللحمِ الأبيضَ والحاسوبِ الذي يُحصِي كلماتِ القرآن وحُروفَه وآياتِه في لَمحِ البصر، ويُنبئك على الفورِ عمَّا إنْ كنتَ تصلحُ نبيًّا أو مساعَد نبيٍّ.
_________________
(١) "الرد القويم على المجرم الأثيم" للشيخ التويجري (ص ٤٩ - ٥١).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وراح "صبحي منصور" داخلَ الأزهر يَعبَثُ بعقولِ خيرِ شبابِ الأمة، وُينكِرُ السُّنَّة، ويَنالُ من عِصمةِ الأنبياء، ويُسيءُ إلى الصحابة، ويحُقِّرُ من شأنِ رُواةِ الأحاديث النبوية، حتى فُضح أمره عام ١٩٨٢ م، وشكى الطُلَّابُ إلى أساتذتهم، وتَمَّ جَمعُ كُتبه، فحاول أن يُقدِّم استقالتَه، إلَّا أن الأزهر أصدر قرارًا بفصله.
لَفَظَ الأزهرُ "صبحي منصور"، ولكنْ أيدٍ خفيَّةٌ حافَظَت له على المسجد الذي يخطبُ فيه، بل إن مساجدَ جديدةً فَتحت له أبوابها في الجيزة والقاهرة، وفي مسجد "إسماعيل منصور" صاحب كتاب "إنكار عذاب القبر" (٨٠ جنيه للنسخة) ومقالات إنكار "حجاب المرأة".
وهاجر "صبحي" إلى الشيطان "رشاد خليفة"، وذهب إلى أمريكا.
وفي إحدى الصحف المصرية، كتب الدكتور "سعد ظلام" عميد كلية اللغة العربية الذي حَمَلَ العِبءَ الأكبرَ في التصدِّي لهذا المنكِر لسُنَّةِ خاتمِ الأنبياء، يوضِّحُ حقيقتَه ويَفضحُ باطلَه، ويُشرِكُ أهلَ العلم والتخصُّصِ فيما اتَّخذ ضدَّه من إجراءاتٍ موضحًا عقيدةَ الأزهر الشريف في الإيمانِ بالله وكُتبِه ورُسله واليومِ الآخِر والقضاءِ والقدر، ومؤكِّدًا على شهادةِ التوحيدِ أنه "لا إلهَ إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، وعلى الصلاة والزكاة والصوم والحج، كما وردت في "الصحاح" ومذاهبِ الأئمةِ الأعلام، ومبشِّرًا المسلمين بسَفَر "صبحي منصور" إلى خارج البلاد.
ولم تَمضِ أيامٌ معدودةٌ حتى انهال سَيلُ الخطابات من "رشاد خليفة" من أمريكا، حيث استُقبل البطلُ المجاهد "صبحي منصور" هناك!! يكتبون
[ ٢ / ٥٣٤ ]
إلى الدكتور ظلام، وهم في حالةِ هَذَيانٍ تترنَّحُ رؤوسهم في كلِّ اتجاه، وتَقَيَّؤُوا كلَّ ما في بطونهم ضدَّ العميدِ وكُلِّيتِه وأزهرِه والمسلمينَ في أنحاءِ مصرَ بلا استثناء، فيكتبُ قبلَ أن يُعلِنَ النبوَّةَ بخَمسةِ أشهرٍ فقط أول رسائله:
° في ٤/ ١/ ١٩٨٨ م كتب يقول: "لقد اخترتُم أنتم وأربابُكم تكذيبَ الله -سبحانه وتعالى عما يصِفون-، وقرَّرتم وجودَ مصادِرَ إبليسيةٍ -يقصد السُّنَّة- أخرى إلى جانبِ كلام الله".
° وفي ٩/ ١/ ١٩٨٨ م كتب يقول: "لقد وَفَّق اللهُ الدكتور "صبحي" إلى كشف الانحرافات التي جَعلت إسلامَ اليوم مختلفًا تمامًا عن الإِسلام الذي دعا إليه خاتم الأنبياء" .. "ذلك قبل أن يدَّعى النبوة".
° ثم في خطاب بتاريخ ٢٦/ ١/ ١٩٨٨ م وصفه الدكتور "طه حبيشي" في كتابه "مسيلمة في مسجد توسان" بأنه خطابٌ هابطُ الأسلوب نازلُ المعاني أشبهُ بعَبَثِ الصبيان، قال فيه رشاد: "لعلَّك استلمتَ عددَ فبراير من مجلتنا "الإِسلام الحقيقي"، ولعلك قرأتَ أولَ مقالةٍ يكتبها د "صبحي" اسمًا على مسمَّى "منصور في أرض الحرية" التي مَنَّ اللهُ علينا بها".
ثم يُشير إلى ما بذلته الحكومةُ الأمريكيةُ من تقديم التسهيلات وتذليل العقبات أمام "صبحي منصور" حتى وَصَل سالِمًا إلى أمريكا "أرضِ الحرية والعِزَّة والفَخَار"، هاربًا من أرضِ "أزهر الشيطان والقهر والفقر والانحطاط"، حيث وافق "الكونجرس" الأمريكي على طلب "رشاد خليفة" باعتبار "صبحي" لاجئًا سياسيًّا .. والرواية على لسان صبحي نفسه.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
° وفوجئ الرأيُ العامُّ المصريُّ بـ "أحمد بهاء الدين" يكتبُ في صحيفة "أخبار اليوم" ١٧/ ٤/ ١٩٨٨ قائلًا: "أُحِبُّ أن أُنبِّهَ الأزهرَ والمؤسَّساتِ الإِسلاميةَ إلى نَشرةٍ بالغةِ الخطورةِ والغرابة، تلقَّيتُها بالبريدِ من ولاية "أريزونا" الأمريكية تقول: "الأزهر منكر القرآن يقود مصر إلى الهلاك، وإنه يوصي الله ورسوله بابتداعِ العصمةِ للأنبياءِ والشفاعةِ لغيرِ الله متمسِّكًا بالبدع الإِبليسيةِ المسمَّاة بالحديث والسُّنََّة، تلك أُولى غرائبِ هذه النشرة.
ثاني غرائبها أنها تَصدُرُ عن جمعيةٍ إسلاميةٍ تَملِكُ من وسائلِ التكنولوجيا الشيءَ الكثير، فهي تَبيعُ شرائطَ الفَيديو والكاسيت في جميعِ الموضوعات، والأسماءُ السائدةُ في النشرة تأليفًا وإخراجًا وخُطبةً كانت للدكتورين: "رشاد خليفة" و"صبحي منصور" وبعضِ الأسماء المسيحية الأمريكية التي كانت مُسلِمةً من قبلُ"!!.
° وتقول النشرة: -وما زال الكلام لأحمد بهاء الدين في صحيفة الأخبار-: "إن الخالق يُعلِّمُنا أن نتيجةَ رفضِ كلامه وتكذيبِ آياتِه -كما فعل الأزهرُ وأتباعُه- هي الهلاكُ وحتميةُ جفافِ النيل ووقوعُ الكوارث؛ لأنَّ أُسَّ البلاءِ هو ممارسة الأزهر للقهر الفكري"!!.
° وفي اليوم التالي ١٨/ ٤/ ١٩٨٨ يواصل أحمد بهاء الدين تعليقَه على نشرة مسجد "توسان"، فيقول: "إنَّ الملحوظاتِ التي تَستوقفُ النظرَ ونُضيفها: أنها تبدو مموَّلةً تمويلًا جيدًا، خصوصًا بإنتاجها التلفزيوني، والكثير مما سجَّلته على أشرطة فيديو للبيع، والإِسلام الوحيد الذي يقابلُه تعريفٌ واضح هو الدكتور "صبحي منصور" المحاضِر في جامعة "أريزونا"، والمنتشِرُ في الصحافة والإِذاعة والتلفزيون عن القهرِ الفكريِّ الأزهري".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
° "في فبراير ١٩٨٨ عَرَضت النشرةُ الشهرية لمسجد الضِّرار والضلال في "توسان" بأريزونا مقالًا لصبحي منصور بعنوان "الأزهر يَكفُرُ بالقرآن" ردًّا على مقالٍ نُشر بمجلة "منبر الإِسلام" -لسانِ حالِ وزارةِ الأوقاف المصرية- في عددها "يناير ١٩٨٨" قال فيه: "يقول جُهلاءُ الأزهر: إنه من المعلوم أنَّ القرآنَ جاء دستورًا، ومِن شأن الدساتيرِ أن تكونَ مُجمَلةً في حاجةٍ إلى تفصيل، لكنَّ المشكلةَ الأزَليَّةَ للأزهر أنه مسجدٌ سيِّئُ الاستخدام "مسجد ضرار" يقوم على حِمايةِ التراث البشريِّ "يقصد السُّنةَ النبوية" الذي يناقِشُ القرآنَ، ويتَّهمُ كتابَ الله بأنه غامضٌ يَحتاجُ إلى توضيحٍ، وأنه ناقصٌ يحتاجُ إلى تفصيل، ومِن الواضحِ أنَّ الأزهريِّين لا يؤمِنون، ولا يعلمون، ولا يَذكُرون، بعد ما أعماهم اللهُ عن القرآن الكريم، ولقد أدَّت الأكِنَّةُ على قلوبهم والوَقْرُ في آذانِهم إلى تكذيبِ ربِّ العِزَّة في تقريره أن القرآنَ كاملٌ وتامٌ ومفصَّل".
° وفي ذيل المقال تعليقًا لنبيِّ الزور "رشاد خليفة" يقول فيه: "كما هو مُدعَّمٌ بالوثيقة في الصفحة السابقة، فإن الأزهرَ يَرفضُ التأكيداتِ المتكرِّرةَ للقرآن بأنه كاملٌ وتامٌّ ومفصَّل تمامًا.
إنَّ الأزهرَ يأخذ موقفًا رسميًّا من أن القرآنَ ليس كاملًا، ومِن ثَمَّ فإنَّ الأزهرَ يُعزِّزُ تلك البِدَعَ الشيطانيةَ -مِثلَ الحديثِ والسُّنة-، وإنَّ أيَّ مسلِمٍ يمتلكُ أقلَّ قَدرٍ من التفكيرِ والبداهةِ يَستطيعُ أن يَرى الأزهرَ لا يحترمُ إرادةَ الربِّ، وإنما يحترمُ إرادةَ إبليس، و"صبحي منصور" هو أول عالمٍ أزهريٍّ يكتشفُ الحقيقة، ويَقِفُ في وَجهِ السُّلْطات في قلعةِ إبليس "الأزهر"، ففي هذه السلسلة التاريخية من المقالات، يُوضِّحُ "منصورٌ" الطبيعةَ المحمديةَ
[ ٢ / ٥٣٧ ]
للأزهر، ودَوْرَه في تحويلِ المسلمين المخلِصِين إلى محمِّديِّين مؤلِّهين للوثنية" (^١).
° ومرَّةً أخرى حلَّ "صبحي منصور" بهمِّه وغمِّه وضلالِه على مصرَ، وترك شَيخَه المزعومَ بعد عام واحدٍ فقط، وقال "صبحي" عن "رشاد خليفة": "إنه علا وتكبَّر بعد ما أصبح نبيًّا"!!.
عاد "صبحي منصور" يَبُثُّ سمومَه في المساجد، إلى أن قُبض عليه بنفسِ التهم التي وُجِّهت إلى المُتشيِّع "حسن شحاته" من إثارةِ الفِتَنِ والتعدِّي على صحابةِ رسولِ الله - ﷺ - والتشكيكِ في السُّنةِ النبويةِ المطهَّرة.
ولقد عَرَض "رشاد خليفة" على "صبحي منصور" النبوَّة فرَفَضها!! ثم لم يَلبثْ أنِ ادَّعى النبوَّةَ لنفسِه في مايو ١٩٨٨، ولم يَخطُرْ ببالِه هذا من قَبل، هذا قول "صبحي منصور" .. أما "رشاد خليفة"، فقال عن نفسه: إن الوحيَ قد هَبط عليه وهو في سِنِّ الخامسةِ والأربعين، أي في عام ١٩٨٠ .. ولقد قُتِل هذا الدَّجَّالُ الكذَّاب.
° هذا المهووسُ الدجَّال أَطلق على الآياتِ التي لم تَخضع للرقم (١٩) "آياتٍ شيطانية"، وهما الآيتانِ الأخيرتان من سورة "التوبة"، وأنكرهما وقال: "إنهما أُقحِمَتَا على القرآنِ وليستا منه" .. وقال: "اسمِي جاء في القرن ١٩ مرةً، ومِثلُه اسم أبي".
° وقال: "إن المسلمين عندَهم عقيدةُ التثليث: "الإجماع، والحديث، والسُّنة"، وهذا يتنافَى مع القرآن".
_________________
(١) "شبهات وشطحات منكري السنة" (ص ٦٧).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
° وكَفَّر البخاريَّ، وقال: "جميعُ الأنبياء مِن قبلي لم يُؤتَوْا مِعشارَ ما آتاني ربِّي، والأنبياءُ ثلاثة فقط هم: إبراهيم ومحمد وأنا".
° ويقول: "ليس هناك نصٌّ قرآنيٌّ يُلزِمُ زوجتي الأمريكيةَ بتغطيةِ شعرِها ووجهِها أو خَلعِ البنطلون".
° وقال: "أخبَرَني جبريلُ الأسبوعَ الماضي أنَّ كلَّ مَن يُنكِرُ السنَّةَ لن يموت، ولن يُوضَعَ في قبر، بل يَدخلُ الجَنَّةَ ومباشرةً .. كما أخَبَرني مِن قبلُ أنَّ مَن يؤمنُ بي لن يُسألَ عمَّا ارتكبه من ذنوبٍ ومعاصٍ وفواحشَ قبلَ الأربعين".
° ولقد أعدَّ "صبحي منصور" بخطِّ يدِه رسالةَ مُدَّعي النبوةِ إلى العالَم، وكان العنوانُ "رسالةٌ إلى العالم الجديد" جاء فيها: "إنَّ اللهَ يُحبُّ أمريكا التي تأسَّسَت على حُريِّةِ العقيدة، والتي تَنفردُ في كلِّ بلادِ الدنيا بأن تكتبَ على عُملِتها "الدولار": "نحن نُؤمن بالله"، ولذا فإن أمريكا هي أحبُّ الشعوبِ إلى الله؛ ولأن العالَمَ القديم قد أُرسل إليه العديدُ من الرسل؛ فقد حان أن تتلقَّى أمريكا بَرَكَةً عظيمةً "رسولًا من عند الله"، يُساعِدُهم، ويَهديهم، ويَحُلُّ مشاكلَهم المستعصيةَ مع العقاقيرِ والكحولياتِ والجريمة والفقر.
وكما جاء الأنبياءُ مِن قَبلُ بمعجزاتهم، فإنَّ رسولَ الله إلى العالَم قد جاء بدليلٍ مُثبَتٍ بالكمبيوتر!!! والذين فَحَصوا البرهانَ جيدًا توصَّلوا إلى قناعةٍ مُطلَقةٍ أنني رسولُ الله، وباعتباري مكلَّفًا من قِبَلِ الله مؤيَّدًا ببرهانٍ ماديٍّ -لا يُمكنُ أن يَدحَضَه أيُّ باحثٍ شريفٍ- يتمثَّلُ في قانونٍ رياضيٍّ هائلٍ ضِمنَ رسالةٍ إلهيةٍ إلى العالَم، وقد ذُكر اسمي "رشاد" في
[ ٢ / ٥٣٩ ]
القرآن مرتين" اهـ.
° وعند وقوع الخلافِ بينه وبين "صبحي منصور" قال عنه "صبحي منصور": "رشاد خليفة خليفة، هو الكاذبُ في كلِّ نَفَسٍ من أنفاسه، وقد ظَلَّ يَكذبُ ويتحرَّى الكَذِبَ حتى خالَطَ الكَذِبُ كلَّ خَليَّةٍ من خلايا لَحمِه وعَظْمِه؛ لأن رشاد خليفة حين ادَّعى النبوة والرسالة كان نبيًّا للشيطان ورسولًا من إبليس" اهـ. نقلًا عن "منكري السنة" لأبي إسلام أحمد عبد الله.
° مُنكِر السُّنَّة مصطفى كمال المهدوي الليبي: صاحب كتاب "البيان بالقرآن":
هذا الدجال المولود في الإِسكندرية عام ١٩٣٤ م لأبٍ ليبي، وعمل بالقضاء في ليبيا منذ عام ١٩٦٠ م حتى أحيل للتقاعد على وظيفة مستشار عام ١٩٩٤ م، أشار إلى إنكاره للسنة طه حبيشي.
° كَتب هذا الضالُّ سلسلةَ مقالاتٍ في الصُّحُفِ الليبيةِ تحت عنوان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤]، ثم نَشَرها في كتابِه الذي يَحمِلُ فكره "البيان بالقرآن"، وقام الشيوخُ في ليبيا ضِدَّه، وعلى رأسهم الشيخ المستشار القضائي علي ونيس "أبو زغيبة" الذي كان يَقِفُ على منبرِ مسجدِه كلَّ جُمعةٍ، ويَصِفُه "بالجَهول الظلومِ السَّفيهِ المُتسلِّط"، ورَدَّ عليه الأديبُ "عبد الكريم الوثَّاق" بعنوان "محاكمة البيان بالقرآن"، جَمَع فيه ما نُشِر في الصحافةِ من هجومٍ ونَقدٍ ضدَّ الكتاب.
° يقول هذا المأفونُ في إنكاره لحدِّ الرجمِ للزانية المحصنة: "إنَّ لَفْظَي
[ ٢ / ٥٤٠ ]
"الزاني والزانية" جاءا مُعَرَّفينِ بالألف واللام، بما يدلُّ على ثباتِ الحالِ ودوامِه في ممارسةِ الزنا .. ولذا، فلا يَنطبقُ الحدُّ الشرعيُّ على الزاني والزانية إلَّا إذا كان ذلك عَمَلًا مستمرًّا وثابتًا، أما الذي يَزني مرةً أو اثنين لشهوةٍ أو نَزوةٍ -أو غيرِ ذلك-، فلا يُقامُ الحدُّ عليه .. أما المرأة، فتُحبَسُ في بيتها حتى يتوفاها الموتُ أو يجعلَ اللهُ لها سبيلًا".
ولقد أطلَقَ هذا الضالُّ لفظَ "أوصياء على الدين" بصفةِ الذمِّ على "أبي هريرة، وابنِ عباس، وأمِّ المؤمنين عائشة - ﵃-".
° ويقول: "الإِسلامُ قرآن وسُننُ الأنبياءِ جميعًا!!! ليس قرآنًا وسُنةً".
° وحينما سُئِل: "ماذا تَقصِدُ بسُننِ الأنبياء؟ قال: أن نصبِرَ كصبرِ يعقوب".
° وهو يقول: إن الصلواتِ المفروضةَ خمسُ صلوات: "الصلواتُ الخمسُ -حَسْبَ القرآن- هي: فجر، وصبح، وظهر، وعصر، وصلاةٌ واحدةٌ من دُلوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل".
° ويقول: "الصلاةُ ركعتانِ -لجميعِ الصلواتِ من صلاةِ الصبح وحتى صلاة الدُّلوك".
° وكان يقول: "السُّنةُ ليست منهاجي، ولا أَقبلُ غيرَ مَنهجِ القرآن، ليس عِندي غيرُ القرآن، ولا تَلزَمُني السُّنة .. والسُّنةُ نَعرِضُها على القرآن".
° ويقول عن "العمرة" في كتابه (ص ٩٤): "والعمرةُ هي عِمارةُ المسجدِ الحرام، وهي واجبةٌ للمساجد جميعًا، وتكونُ بالبناءِ والترميمِ والفرشِ والإضاءةِ والمصاحِفِ والصلاة فيها"!!.
أمَّا الحجُّ عنده، فطُوالَ سِتَّةِ أشهرٍ تقريبًا.
[ ٢ / ٥٤١ ]
° يقول هذا المأفون: "إن اللهَ ﵎ حَفِظ لنا كتابَه، وفيه الدينُ كلُّه مُفصَّل، وفيه السُّنَّةُ أيضًا، فيما تَصِفُ الآياتُ الكريمةُ خُلُقَ الرسولِ الكريم وأفعالَه وأقوالَه، فيجبُ أن نكتفيَ بذلك، ونَهجُرَ ما سواه .. إنه من الصَّعبِ أن نتأكَّدَ مِن أن الذي كَتب "صحيح البخاري" هو البخاريُّ نفسه.
إن ما يُوصَفُ بأنه "سنة رسول الله - ﷺ -" من حيث كونُها تكميلًا للقرآن، أو تفصيلًا، أو تفسيرًا، لهوٌ مردودٌ مرفوضٌ بآيات القرآن".
° ويقول عن "الصلاة" في كتابه: "قراءة الفاتحة ليست شرطًا في الصلاة، وإنما تُقرأ لأنها من القرآن، والفاتحة ليست هي "السَّبعَ المثاني"، و"السبعُ المثاني" هم: العينان والشفتان والأذنان .. إثباتًا لبشرية النبيِّ.
تسبيحُ المُصلِّي في ركوعٍ أو سجودٍ، وقولُ: "سمع الله لمن حمده"، كلُّه باطل.
ليست هناك صلاةٌ جهريةٌ وأخرى غيرُ جَهرية، ولا تَشهُّدٌ أوسطُ أو أخير، إذ تنتهي الصلاة بالسجود.
لا صلاةَ جمعةٍ، إنما المقصودُ بآيةِ النداء هو قولُ: "الصلاة جامعة" عند كلِّ صلاةٍ مفروضةٍ في يوم الجمعة، إذ لا أذانَ للصلاة في بقيةِ الأيام" (^١).
° وفي فتوًى له عن حُكمِ أكل لحوم الكِلاب قال: "إن القرآنَ الكريمَ لم يَرِدْ فيه نصٌّ واحدٌ يُحرِّمُ على العموم أكلَ الكلابِ الضالَّةِ والمستأنَسة،
_________________
(١) "شبهات وشطحات منكري السنة" لأبي إسلام أحمد عبد الله (ص ٧٩ - ٩٤) ملخصًا.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
ولذا فإنَّ لحمَ الكلابِ طعامٌ شهيٌّ لمن يريدون أَكْلَه، ولا إثمَ عليهم فيما يفعلون".
* وتبقى السُّنَّةُ، ويَذهبُ منكروها إلى مزابل التاريخ:
° قيل لعبد الله بنِ المبارك -شيخ الإِسلام-: "هذه الأحاديثُ الموضوعةُ ما نَصنعُ فيها؟ قال: يعيشُ لها الجهابذةُ من الرجال".
° قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] تبقى السُّنةُ ما بَقِيَ ذِكرُ صاحبِها - ﷺ - على مَرِّ الزمان .. أما منكروها، فإلى مزابل التاريخ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠].
° ورَحِم الله القائلَ: "افتضحوا فاصطلحوا": انظر إلى هذا التواطؤِ الخسيسِ والخُيوطِ الخفيَّةِ بين مُنكرِي السُّنَّة في الهند ومصر:
° فـ "أحمد أمين" يُثنِي على السير "أحمد خان مرزا"، ويقول عنه: "إنه في الهند كالشيخ محمد عبده في مصر".
وَينشر "أحمد خان مرزا" -من خلالِ مجلته الداعية لإنكار السنة- حلقاتٍ متتابعةً من كتابِ "تحرير المرأة" لقاسم أمين.
ومِثلما وَضع "حسرت موهاني" و"نيار فتحبوري" أُسُسَ الضلالِ، وأصدَرَا مجلةً تحمل اسم "إنكار" في الهند، وَضَع "صبحي منصور" يَدَه في يدِ "فرج فودة"، وأصدر مجلة تحمل اسم "التنوير" في مصر، وطَعَنت المجلَّتانِ في العقيدة، وأثارتا الشبهاتِ حَولَ الوحي والقرآن وحُجِّيةِ الأحاديثِ النبويةِ، وحَطَّتا من أهميةِ الفقهِ الإِسلاميِّ في حياةِ المسلمين.
وكانت جَماعتا "القاديانية والأحمدية" بأمريكا على اتصالٍ دائمٍ بمركزِ
[ ٢ / ٥٤٣ ]
"حسين أحمد أمين"
"توسان"، حيث يَقبَعُ مُسيلِمةُ الكذَّاب مُدَّعي النبوة "رشاد خليفة" بمسجد "توسان" ..
كبهيمةٍ عمياءَ قادَ زِمامَها … أعْمَى عَلَى عِوَجِ الطريقِ الحائرِ!
* * *