نورد فيما يلي بَعضَ الشخصياتِ الأمريكيةِ والأوروبيةِ المعاصِرةِ التي عُرفت خلال الأعوام الماضية بعَدائها للنبي - ﷺ -، ومجاهرتِها بذلك إِعلاميًّا وفكريًّا.
* جيري فالويل:
وهو قسيسٌ إنجيليٌّ معروف، ويُقيمُ في مدينة "لينشبرج" في منطقة "فيرجينيا" بالولايات المتحدة الأمريكية، وله برنامجٌ أسبوعيٌّ إذاعيٌّ وتلفزيونيٌّ يَصِلُ إلى أكثَرَ من ١٠ مليون منزلٍ أسبوعيًّا، ويَملِكُ كذلك جامعةً خاصةً أصوليةً تُسمَّى "جامعة الحرية"، ويهاجمُ النبيَّ - ﷺ - من خلالِ وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، إضافةً إلى موقعه الخاصِ على الأنترنت www.falwell.com والذي يَضَعُ في صفحتِه الأولى تأريخًا زائفًا عن النبي - ﷺ -. كما أنه يُروج من خلال موقعه كتاب "فلنتقدم إلى معركةَ هرمجدون March to Armageddon" وهي معركةُ نهايةِ التاريخ كما في معتقدات الإنجيليين. ومِن ضمنِ مواقِفه المُعلَنَةِ في الهجوم على النبيِّ ما قاله على شَبكاتِ التلفازِ الأمريكية وهو ما نصه: "أنا أعتقدُ أن محمدًا كان إِرهابيًّا، لقد قرأتُ ما يكفي منَ المسلمين وغير المسلمين أنه كان رجلَ عُنفٍ، ورجلَ حُروب".
* بات روبرتسون:
قسيسٌ إنجيليٌّ معروفٌ باهتماماتِه السياسيةِ وتأييدِه المطلَق لإسرائيل،
_________________
(١) "الإسلام والمسيحية" (ص ٣٤).
[ ٣ / ٥٩١ ]
ويمتلكُ عددًا من المؤسَّساتِ الإعلاميةِ -من بينها نادي الـ ٧٠٠ -، وهو برنامجٌ تلفزيونيٌّ يَصِلُ إلى عشراتِ الملايين في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافةً إلى محطةٍ فضائية تَصِلُ إلى ٩٠ دولةً في العالم بأكثرَ من ٥٠ لغةً مختلفةً، وهي محطةُ "البث النصراني Christian Broadcasting"، ومنها إذاعةُ الشرق الأوسط المتخصِّصة في التنصير في منطقة العالم العربي.
كما سَعى "بات روبرتسون" إلى الترشيح لمنصبِ الرئيس الأمريكي في عام ١٩٨٨ م، ويقفُ خَلْفَ إنشاءِ أقوى تحالُفٍ سياسيٍّ دينيٍّ في الحزبِ الجمهوري، وهو "التحالف النصراني، وموقعُه الإليكتروني هو www.patroberson.com، ويَملِكُ أيضًا جامعةً أصوليةً، وهي جامعة "ريجنت".
في هجومهِ على النبيِّ - ﷺ - قال التالي: "كلُّ ما عليك هو فقط أن تقرأَ ما كَتَبه محمدٌ في القرآن، إنه كان يدعو قومَه إلى قَتل المشركين .. إنه رجلٌ متعصِّبٌ إلى أقصي درجة .. إنه كان لصًّا وقاطعَ طريق" .. "إن ما يدعو إليه هذا الرجلُ [محمدٌ] في رأي الشخصي ليس إلاَّ خديعةً وحِيلةً ضخمة ..
إن ٨٠% من القرآن نُقل من النصوص النصرانية واليهودية، ولقد ذُكر موسى أكثر من ٥٠٠ مرةً في القرآن، أن أقول: إن هذا القرآنَ ما هو إلاَّ سرقةٌ من المعتقَدات اليهودية .. ثم استدار محمدٌ بعد ذلك ليقتلَ اليهود والنصارى في المدينة، أنا أقصد أن هذا الرجلَ [محمدًا] كان قاتلًا [سافكًا للدماء] ".
* فرانكين جراهام:
هو ابنُ القسيس الأمريكي المعروف "بيلي جراهام" وَيعيشُ في أحدِ القرى حول مدينة "شارلوت" في ولاية "نورث كارولينا"، وقد عَمِل والدُه
[ ٣ / ٥٩٢ ]
قسيسًا خاصًّا للرؤساء الامريكيين منذ عهدِ "ريتشارد نيكسون"، وحتى الرئيسِ الأمريكي السابق "بيل كلينتون".
يتولَّى ابنُه "فرانكلين جراهام" الآن نفسَ المهمة بعد تقاعِدِ الأب، وقام بالمراسِم الدينيةِ لتنصيبِ الرئيسِ الأمريكي الحالي "جورج بوش"، إضافةً إلى تولِّيه كافةَ مسؤولياتِ الكنيسةِ التي أنشأها أبوه، والتي تُعدُّ من أكبرِ الكنائس الأمريكية عددًا وتأثيرًا، وقامت خلالَ السنوات الماضية بأكثرَ من ٤٥٠ حَملةَ تنصير في مختلفِ بقاع العالم.
يقوم "فرانكلين جراهام" حاليًا بنفسِ الدَّور من خلال هذه الكنيسة التي تَصِلُ بحملاتها إلى الملايين في كل عام، وموقعُه على الإنترنت هو www.samaritans.org، وهو الموقعُ الخاصُّ بالمؤسسةِ الإغاثيةِ له، إضافةً إلى موقع أبيه المعروف www.billygraham.org، والموقعُ يَشملُ معلوماتٍ بستِّ لغات، وموقعٌ خاصٌّ للشباب، إضافةً إلى مجلةٍ أسبوعية.
أما "فرانكلين جراهام"، فإنه هو الذي أدلَى الأدعيةَ الافتتاحيةَ في حَفِل تنصيب الرئيس الأمريكي الحالي، وقد أدلى بتصريحاتٍ إعلاميةٍ ذَكَر فيها أن الإرهابَ جزءٌ من "التيار العام" للإسلام، وأن القرآنَ "يحضُّ على العنف".
° وقد صَدَر كتابٌ جديد لفرانكلين جراهام يسمى "الاسم The Name"، يحتوي على نصوصٍ ومسيئةٍ بوضوح للديانة الإسلامية، ومنها ما يلي: "الإسلام .. أُسِّس بواسطةِ مجردِ فردٍ بشريٍّ مقاتلٍ يُسمَّى محمدًا، وفي تعاليمه ترى تكتيك "نشر الإسلام من خلال التوسع العسكري"، ومن خلالِ العنفِ إذا كان ضروريًّا، من الواضحِ أن هَدَفَ الإسلام النهائي هو
[ ٣ / ٥٩٣ ]
السيطرةُ على العالم".
° في الصفحة رقم ٧٢ يذكرُ الكتابُ: "يحتوي القرآنُ على قَصصٍ أُخذت وحُرِّفت عن العهدَين القديم والجديد .. لم يكن للقرآنِ التأثيرُ الواسعُ على الثقافتين الغريبةِ والمتحضرةِ الذي كان للإنجيل، الاختلافُ رقم واحد بين الإسلام والمسيحية أن إلهَ الإسلام ليس إلهَ الديانة المسيحية".
* جيري فاينز:
وهو راعي كنيسةِ في "جاكسون فيل فلوريدا"، يصلُ عددُ أتباعها إلى ٢٥ ألف شخص، وهو من أبرزِ المتحدِّثين الأمريكيين في المؤتمر السنويِّ للكنائس المَعْمَدانيةِ الجنوبية، وهو أكبرُ مؤتمر دينيٍّ يُعقد في كلِّ عام.
قام الرئيسُ الحالي والرئيس السابق بمَدحِ هذا القسيسِ، واعتبارِه من المتحدِّثين بصِدقٍ عن دينهم، وموقعُه على الشبكة هو www.fbcjax.com.
أصدر هذا الرجلُ تصريحاتٍ مليئةً بالكراهيةِ والعَداءِ للإسلام خلالَ الاجتماع السنويِّ للكنيسةِ المَعْمَدانيةِ الجنوبية، والذي عُقد عام ٢٠٠١ م في مدينة "سانت لويس" بولايةِ "ميسوري" الأمريكية.
وخلالَ الاجتماع افتَرى "جيري فاينز" -الرئيس السابق للمؤتمر السنوي للكنيسة المعمدانية الجنوبية- على الرسولِ محمدِ - ﷺ -، واتَّهمه بأنه "شاذٌّ يَميلُ للأطفال ويتملَّكُه الشيطان، وتزوَّج من ١٢ زوجةً آخرُهن طفلةٌ عمرُها تسعُ سنوات".
لقد رَفَض قادةُ الكنيسةِ المَعمَدانيةِ الجنوبيةِ إدانةَ تصريحاتِ "فاينز"، وأعلنوا تأييدَهم لفاينز وتصريحاتِه، وقد قام الرئيسُ الأمريكي بمخاطبةِ الحاضرين بالمؤتمر من خلالِ الاقمار الصناعية، ولم يَصُدرْ منه شخصيًّا أيُّ
[ ٣ / ٥٩٤ ]
تعليقٍ على هذه الإهاناتِ للنبي - ﷺ - من خلالِ منصَّةِ هذا المؤتمرِ السنويِّ الذي يُعدُّ أكبَرَ المؤتمراتِ الدينيةِ الأمريكية" (^١) اهـ.
* بذاءات صليبية:
"تَنتشر في الغربِ التصريحاتُ المسيئةُ للإسلام والمسلمين على لسانِ السياسيين وصُنَّاع القرار، فمثلًا، شَنَّ "شارلي هاغن" (رئيس الحزب التقدمي النرويجي) هجومًا على المسلمين، وشَبَّههم بالنازيين، واتَّهم أعضاء من الحزبِ القوميِّ البريطاني في التلفزيون الفاتحين المسلمين الأوائلَ بأنهم قومٌ من "المجانين والمعتوهين"، بل إن عضوَ الكونغرس الأمريكي "جون هوكس" شبَّه عِماماتِ علماءِ المسلمين بحَفَّاضاتِ الأطفال، أما النائبُ العائمُ السابقُ للولاياتِ المتحدة "جون أشكروفت"، فقد قال طبقًا للتقارير الإعلاميةِ عقب أحداث سبتمبر: إن "الإسلامَ هو الدين الذي فيه يَطلُبُ منك اللهُ إرسالَ ابنٍ للموتِ من أجله، أما المسيحيةُ، فهي الدينُ الذي فيه يرسِلُ الله ابنَه فيه للموتِ من أجلك".
القائمةُ في ذلك تَطُول، وليس الهدفُ هنا جَمعَ هذه الأقاويل، أو رَصْدَها، وإنما التأكيدُ أن نماذجَها كثيرةٌ، وتَعكِسُ نوعًا من التوافق بين مختلفِ فئاتِ المجتمع الغربيِّ مؤخرًا على الاستهزاء بالإسلام.
° وعلى سبيل المثال أيضًا احتجَّت جمعياتٌ إسلاميةٌ في إيطاليا على نشرِ مجلة "ستودي كاثوليكي" القريبة من منظمةِ "أوبوس داي" المحافظةِ الكاثوليكية رسمًا يُصوِّرُ الرسولَ محمدًا - ﷺ - "في الجحيم"، وكانت وكالةُ
_________________
(١) "لماذا يكرهونه" (ص ٣٠ - ٤٢).
[ ٣ / ٥٩٥ ]
"إنسا" الإيطالية أولَ وسيلةٍ إعلاميةِ تحدَّثت عن هذا الرسم، فأفادت أن مجلةَ "ستودي كاثوليكي" نَشرت في عددها لشهرِ مارس ٢٠٠٦ م رسمًا يصوِّرُ الشاعرَ الإيطالي "دانتي اليغييري" والشاعر الروماني "فرجيليوس" عند أطرافِ دائرةِ من النار ومِن حولهما شياطين، بحَسَب وصف الوكالة، يسأل "فرجيليوس" "دانتي": "هذا الرجلُ المشطورُ إلى اثنين، أليس هو محمدًا؟ " ويجيبُ "دانتي" -بحسب "إنسا"-: "أجل شُطر اثنين؛ لأنَّه زَرع الشِّقاقَ في المجتمع".
وقال مديرُ المجلة "سيزاري كافاليري" العضو في منظمة "أوبوس داي" للوكالة: "إن الرسمَ الساخرَ غيرَ اللائق سياسيًّا يُجدي نفعًا من وقتٍ لآخر، وهذا ليس سوى تصويرٍ لمقطعٍ من "الكوميديا الإلهية" للشاعر دانتي".
وعَقِبَ أحداث سبتمبر ٢٠٠١ م، كانت هناك مناقشةٌ جادةٌ في "الزاوية" -وهي في دائرة في النسخة الإلكترونية من مجلة National Review، إحدى مجلاتِ الرأي الأمريكية الرئيسِة- حولَ جدوى إسقاطِ القنابل النووية على مدنٍ إسلاميةٍ وعربيةٍ معينة، والمدنُ الرئيسة التي تم اقتراحُها للتدمير النووي هي "طهران وبغداد، ودمشق"، كما تم أيضَا ذِكْرُ "رام الله، وغزة" كهدفين محتمِلين في حالٍ امتلكتْ الولاياتُ المتحدةُ قنابلَ "نظيفة" بشكل لا يُحدِثُ دمارًا في المنطقة المجاورة، وجَرَت مناقشة بين محرري National Review حول ما إذا كان يجبُ تدميرُ مكةَ نفسها! (^١).
_________________
(١) مقال "البابا والتاريخ والعوالم الجديدة والإسلام" للدكتور رضوان السيد- موقع "إسلام أون لاين" ١٧ من سبتمبر سنة ٢٠٠٦ م.
[ ٣ / ٥٩٦ ]
وهنا مرةً أخرى يتَّضحُ أن الهجومَ على الإِسلام ليس فقط عملًا يقوم به بعضُ المتدينين غَيرةً على دينهم، أو بعضُ الساسةِ وصُنَّاعِ القرارِ من أجل مصالحهم، ولكنه أصبح سَمْتًا عامًا مقبولًا في المجتمع الغربي، وهذا مع تُعبِّرُ عنه الكثير من التصريحاتِ الإِعلاميةِ التي لو ذُكرت في حقِّ دينٍ آخَرَ لقَامت الدنيا ولم تَقعدُ! (^١).
* وكلابُ العلمانيِّين الغربيِّين:
لقد اختارت العلمانيةُ الاوروبيةُ أن تَجعلَ الاستهزاءَ من الإسلام ومن نبيِّه - ﷺ - أحدَ أهم وسائل تعبيرِ هذا التيارِ عن نزعتِه المعاديةِ للدين والتدين، لذلك قام هؤلاء المفكرون الذين يُشار إليهم بـ "رموزِ التنوير" باتهام الإسلام بالرجعيةِ والتخلفِ ومعاداتِه للتقدُّم في المجالات الفكرية والاجتماعية والثقافية، وأصبحت هذا الفكرةُ منذ نهاياتِ القرنِ الثامنَ عَشَرَ الميلادي تُمثل الفكرةَ السائدةَ والقالَبَ النمطيَّ عن الإسلام بين أنصارِ الفكر العلماني.
* "ليفي ستراوس" العلماني القبيح:
فهذا مثلًا المفكر المعروفُ "ليفي ستراوس" يناقشُ الإسلامَ بروحٍ تحمل عَداءً ظاهرًا، وتفتقدُ أيضًا لأبسطِ قواعدِ الإنصافِ البحثي والعلمي، إنه "يبدأ تأمُّلًا طويلًا لروح الإسلام ناقصًا في معلوماتِه معاديًا ومتحيزًا بشكل واضح، لكنَّ هذا التأمُّلَ يَبقْى حَدْسيًّا وعميقًا بشكلٍ مذهل، لقد قام الإسلامُ على النفي؛ نفيِ المرأةِ خارجَ جماعةِ الرجال، ونفيِ غير المؤمنِ
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٣ / ٥٩٧ ]
خارجَ جماعةِ المؤمنين، ولذا فإن التسامُحَ المعروفَ عند المسلمين إنما هو (انتصارٌ مستمرٌّ على ذاتهم)، هو في نهايةِ المطاف تسامُحٌ كاذب، الإسلامُ مُحيِّرٌ لذاتيةِ الفردِ المسلم مع أنه يُطِّورُ القُدرةَ على العمل، إن الأُخوةَ الإسلاميةَ لَبِنَةَ الجماعة، هي فقط قاعد ثقافية ودينية، أساسُها منافق؛ لأنها تُدِيمُ الامساواةَ الصارخة، الإسلامُ منعوتٌ أيضًا كدينٍ عسكري، كدينٍ (مسامح)، مِن هنا أتى الانحرافُ الجنسيُّ الذي يُميَّزه، والحديثُ عن فضائل الرجولةِ المرتبطةِ بالنفسِ العربيةِ، هذه الفضائلُ مِن فخر وبطولةٍ وغَيرةٍ، ما هي غالبًا إلاَّ أشكالٌ من التعويضِ لشعورٍ بالنقصِ أمامَ الآخَرِ الذي هو النقيصةُ الكبرى، ورُعبُ الشخصيةِ الإسلامية.
ويقول عن الإسلام: إنه دين كبير يقومُ على العَجزِ عن نَسجِ علاقاتٍ في الخارج أكثَرَ مما يقومُ على بديهيةِ وحيٍ، وقُبالةَ العطفِ العالمي للبوذية، والرغبةِ المسيحية في الحوار، يتبنى اللاتسامحُ الإسلاميُّ شكلًا لا واعيًا عند المسملين، لأنهم -وإن لم يَسْعَوا دائمًا وبطريقة فجَّةٍ إلى جَذبِ الآخَرِ لتبنِّي حقيقتِهم-، فإنهم مع ذلك -وهذا أخطر- عاجزون عن تحمُّل وجودِ الآخَر كآخر، إن وسيلتَهم الوحيدةَ للبقاء في مأمنٍ من الشك والاحتقارِ هي في عمليةِ إلغاءِ الآخَرِ كشاهدٍ على إيمانٍ آخَرَ وسلوكٍ آخر".
° جاء تحت مادة "جبريل" في "موسوعةِ المعارف الإسلامية"، -وهي النِّتاجُ الفكريُّ لفريقِ الليبراليين من المستشرقين الذين أرادوا أن يُعيدوا كتابةَ تاريخ الإسلامِ من خلال هذه الموسوعةِ بشكل يمتلئُ بالاتهاماتِ الباطلةِ والظالمةِ عن الدينِ الإسلامي وعن نبيِّ الرحمة صلوات الله وسلامه عليه-،
[ ٣ / ٥٩٨ ]
يقول المستشرق "كارادي فو" في هذه الموسوعة: "وقد اصطنع النبيُّ القصةَ التي تقولُ بأَنَّ الرسولَ السماويَّ يتحدَّثُ إلى الأنبياءِ، واعتَقد أنه تلقَّى رسالتَه ووحيَه منه .. والظاهرُ أن النبيَّ عَرَفَ جبريلَ من خَبَرِ البشارةِ الواردِ في الإنجيل، ولكنه لم يكنْ في مَقدورِه أن يَعرفَ الإنجيلَ من غيرِ وساطة، ولعله سَمعَ ذلك الخَبَرَ مِن أفواه بعضِ الفلاسفة أو الباحثين في الأديانِ، أو من أحدِ الحنيفية وقد وَصَلهم الخير مُشوَّهًا" (^١) اهـ (^٢).
* لماذا كلُّ هذا البُغضِ والحِقدِ الأسودِ والكراهيةِ لسيد البشر؟ ولدينه الإِسلام؟:
عجبًا أنْ يَكرَهَ من طُمسَتْ بصيرتُهم النورَ الهاديَ إلى الله، وأن يُبِغضَ أناسٌ ينتسبون إلى البشر الرحمةَ في أرقِّ معانيها، وأن يَحقِدَ الناسُ على مَنْ امتلأ قلبه بمحبةِ المخلوقين العابدين لربهم!! لا تَعْجَبْ فإنهم أعداءُ الحياة ..
لماذا كل هذا البغضِ لرسولِ الله - ﷺ -؟!.
والإجابةُ على هذا السؤال موجودةٌ في كتاب الله ﷿ لِمَن ألقى السمع وهو شهيد:
* قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
* ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].
_________________
(١) "محاولات استشراقية لإرجاع مفاهيم إسلامية إلى أصول في الديانات السابقة" لفؤاد كاظم المقدادي، من كتاب "الإسلام وشبهات المستشرقين" (ص ١١٦).
(٢) "لماذا يكرهونه" (ص ٥٣ - ٥٥).
[ ٣ / ٥٩٩ ]
* أتى بالتوحيد .. وكلٌّ منهم اتَّخذ إِلهَه هواه:
إن المشكلة الرئيسةَ في علاقةِ الغربِ فكريًّا بالعالم الإسلامي، وعَداءِ الغربِ للنبي - ﷺ -، هو مركزية توحيدِ الله تعالى وعبادتِه لدى المسلمين، والتي تتجسَّدُ في دعوةِ محمدٍ - ﷺ -، وفي دينِ الإسلام، وفي واقع الأُمَّةِ الإسلامية، بصرف النظر عن درجةِ تديُّنِ والتزام أفرادِ هذه الأمة، ينطلق لغربُ فكريًّا -وبكلِّ فِئاتِ مجتمعاته وكلِّ مفكريه- من فكرةِ مركزيةِ الإنسانِ في الكون، وأن الفردَ هو مركزُ الاهتمام الرئيس، وأنَّ تطلُّعاتِ الفردِ وحقوقَه وحرياتِه تُقدَّمُ على أيِّ أمرٍ آخر، وحتى أمورِ العبادة وعلاقةِ الفرد بالإله.
إن الغربَ يَرى أن محمدًا - ﷺ - قد قَدَّم مفهومًا يمكنُ أن يَهدِمَ الفِكرَ الغربيَّ من أساسه .. وهو مركزيةُ محبةِ وعبادةِ الله تعالى في حياةِ البشريةِ، مقابلَ نظرياتِ الغرب التي تقومُ على مركزيةِ الإنسان، اختار الغربُ لذلك أن يَجعلَ عَداءَ الإسلام ضِمن منظومةِ قيَمِهِ الرئيسةِ؛ لأنه يتمكن بهذه الطريقةِ من إبقاءِ الفردِ مركزًا للكون في مواجهةِ دعوةِ محمدٍ - ﷺ - التي حافظت على مكانةِ الخالقِ جَلَّ وعلَا ومركزيتِها في حياة البشر.
وحولَ ذلك تحدَّثت المؤلِّفةُ البريطانية "كارين أرمسترونج" -صاحبة كتاب "محمد"- قائلةً: "علينا أن نتذكرَ أن الاتجاهَ العَدائيَّ ضدَّ الإسلام في الغرب هو جزءٌ من منظومةِ القِيَم الغربيةِ، التي بدأت في التشكُّل مع عصرِ النهضةِ والحملاتِ الصليبية، وهي بدايةُ استعادةِ الغربِ لذاتِه الخاصةِ مرةً أخرى، فالقرنُ الحادي عَشَرَ كان بدايةً لأوروبا الجديدةِ، وكانت
[ ٣ / ٦٠٠ ]
الحملاتُ الصليبيةُ بمثابةِ أولِ رد فعل جماعيٍّ تقومُ به أوروبا الجديدة".
* بين محمد والمسيح ﵉:
تَمَحْوَرَ الفِكرُ الغربي حولَ شخصيةِ المسيح ﵇، وتحوَّلت شخصيةُ المسيح بعد تحريفِ الدينِ المسيحيِّ إلى تجسيدٍ للفِكرِ الغربي حولَ مركزيةِ الفردِ في الكون، فقد تحوَّل الإلُه في نظرِ المتدينين إلى شخص .. إله في صورةِ فرد .. دَفَعَ دَمَه ثمنًا مُقدَّمًا لجميع خطاياهم القادمة، وعندما سَيطر الفكرُ النَّفْعيُّ على الشخصيةِ الغربية، أصبح التعلُّقُ بشخصِ المسيح يُمثل قمةَ النَّفعيةِ لِمن اختاروا التدين، فهو قد قام بدفع فاتورةِ خطاياهم حتى قَبْلَ أن يَقعوا فيها، وأبقى لهم الحياةَ لكي يُمارِسوا فيها ما شاؤوا من أفعالٍ طالَما أن محبةَ المسيح -كفردٍ وكإِلهٍ - تُسيطرُ على مشاعِرِهم، أما مَن تركوا الدينَ المسيحي بأكملِه، وأصبحوا لا دينيِّين أو مُلحدين، فقد كان المسيحُ -بعد تحريفِ الدين- أيضًا مركزيًّا في مواقِفهم الفكرية .. فهو فردٌ، وبالتالي لا يمكنُ أن يَختلفَ من غيرِه من البشر، وبالتالي فليس هناك إله -بزعمهم-، كما أن المسيحَ بصورتِه التي قامت الكنيسةُ الغربيةُ بتصويرِها رحيمٌ منعزلٌ عن حياة الناس .. يَقبلُ بكل معاييرِ الحياة الإنسانية، ولا يدعو إلاَّ إلى الحريةِ والمساواة .. وهي أهمُّ قِيَم العلمانيةِ، ولا تُصادِمُ مَن تَركوا الدين، وبالتالي فلا حاجةَ إلى مصادمةِ المسيح.
أما العلاقةُ مع محمدٍ، فهي علاقةٌ تصادميةٌ مع كلٍّ مِن التيارِ الدينيِّ والعلمانيِّ في الغَرب على المستوى الفكري، فمحمدٌ - ﷺ - حَرِصَ على أن يكون فردًا .. إنسانًا بكلِّ معاني الإنسانية، ورَفَض أن يكونَ إلهًا في صورةِ
[ ٣ / ٦٠١ ]
إنسان، وبالتالي فهو يناقضُ فَهْمَ المتدينين من الغربِ للإله الذي عَرفوه، وبالتالي تكوَّنت الكراهيةُ والضيقُ مِن كلِّ ما يُمثله محمد - ﷺ - .. فهو ليس على شاكلةِ المسيح .. في نظرهم، هو يناقضُ أيضًا مشاعرَ ورَغَباتِ غيرِ المتدينين؛ لأنه يَطلُبُ من البشر -كما أَمَره خالقُه- بالكثير من العباداتِ والأعمالِ والالتزامات، ويُقدِّمُ حريةَ المجتمع على حريةِ الفرد، ويُضحِّي بالمساواةِ من أجل العدالة ومنِ أجل صلاح المجتمع، كل ذلك ساهَمَ في تكوينِ صورةٍ سلبيةٍ وقاسيةٍ عن نبي الإسلام.
كما عُقدت المقارنةُ بين التوسُّع الإسلاميِّ، ودخولِ المسلمينِ في معاركَ من أجل نَشرِ الدين، أو الدفاع عن المسلمين، مع الروح غيرِ القتاليةِ التي تُصوِّرُها المسيحيةُ الرومانية المُحرفةُ عن حياةِ المسيح ﵇، فكما يَذكُرُ أحدُ الباحثين، فإنَّ "تصنيفَ الإسلام كدينِ حربٍ يَستندُ أساسًا إلى صورةِ المِثالِ المسيحي، لقد ابتَعد المسيحُ في تبشيره عن وسائل النجاح السياسية، حتى إنَّ مجْدَه يقومُ على خسارته، إن الكنيسةَ لم تُقِم إمبراطوريةً، لقد مَسَحت الإمبراطوريةَ القائمةَ وتَسلَّلت إليها كما الدودةُ إلى الثمرة، دون شكٍّ، إن التراثَ المديني اليهوديَّ، بعدَ "الأسر"، جَعل من التطلُّع إلى المسيح مُنقذًا هو بمثابةِ تعويضٍ عن الخسارةِ في العالم" (^١).
أما الإسلامُ، فلم يَتَبَنَّ هذه الروحَ التي تَميلُ إلى الخسارة في الدنيا من أجل تحقيقِ المجدِ في الآخرة، وهنا أيضًا استُخدمت هذه المقارنةُ غيرُ الصحيحة للطعنِ في الإسلام، ووُصف نبي الإسلام أنه جاء بالسيف
_________________
(١) "أوربا والإسلام صدام الثقافة والحضارة" لهشام جعيط (ص ٤٥) دار الطليعة بيروت.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
والعنفِ والعُدوان.
° يروي الكاتبُ العربي "هشام جعيط" في تحليله للشخصيةِ الأوروبيةِ كيف أنها نَظرت للعالَمِ الإسلاميِّ ولدعوةِ النبيِّ - ﷺ - فيقول: "يَسيرُ تاريخُ الإسلام لا وِفقَ ديناميكيته الخاصة، بل كانعكاسٍ شاحبٍ ومعكوسٍ لتاريخ الغرب، لِنأخذْ مثلًا على ذلك: شخصيةُ محمد، نلاحظُ أن ضِمنَ كلِّ تحليلٍ لهذه الشخصيةِ تنسابُ عمليةُ مقارنةٍ مع المسيح، إذا كان محمدٌ غيرَ صادقٍ، فذلك لأن المسيحَ كان صادقًا؛ وإذا كان متعددَ الزوجات وشهوانيًّا، فلأن المسيحَ كان عفيفًا، وإذا كان محمدٌ محارِبًا وسياسيًّا، فذلك استنادًا إلى يسوعَ مسالمٍ، مغلوبٍ ومُعذَّب" (^١).
* تَجذُّرُ فكرةِ النُبوَّةِ الكاذبة:
قامت الكنيسةُ الغربيةُ تحديدًا منذ بدايةِ الإسلام بالطعن في صِدقِ نبوةِ رسولِ الله - ﷺ -، ولا يزالُ هذا الموقفُ هو السَّمتُ المشترَكُ لمعظم المفكرين المتديِّنين الغربيين، رغمَ أن بعضَهم قد تنازَلَ ووَصَف النبيَّ ببعض الصفاتِ الإيجابيةِ كقائدٍ سياسي، أو مُصلحٍ إنساني، أو إنسانٍ طموح، ولكن ليس كنبيٍّ يوحَى إليه، أخطأ كثير منا في فَهم دلالة العبارات، والتي تَطيرُ بها وكالاتُ الأنباء العربيةُ والإسلامية، وكأنها تُمثل تحوُّلًا فكريًّا في نظرة الغرب للنبي، فكم تَغنَّينا بعبارةِ أن "العظماء مئةٌ وأعظمهم محمد"، وغيرِها من العبارات التي يكثُر تقديمُها في هذا السياق.
رأى المسيحيون في شخصِ محمد -كما يَروي أحدُ المفكِّرين الغربيين-
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٤٠).
[ ٣ / ٦٠٣ ]
رجلًا مرتدًّا أو نبيًّا مزيَّفًا، لا يَملِكُ سوى الادعاءاتِ والأضاليل، وفي تفسيراتِهم الأقلِّ تحفظًا صُوِّرَ محمدٌ كساحرٍ، مُعَادٍ للمسيح أو حتى أنه الشيطان ذاته، وصُوِّر الإسلامُ على أنه لون جديدٌ من الهرطقة (اليهودية، أو المسيحية)، أو على أنه ضرْبٌ جديد من الوثنية (^١).
° كما يقول المستشرقُ "فنسنك": "إنَّ محمدًا كان قد اعتَمد على اليهود في مكَّة، فما لَبِثوا أن اتَّخذوا حيالَه خُطَّةَ عداء، فلم يكن له بُدٌّ من أن يلتمسَ غيرَهم ناصرًا، هناك هداه ذكاءٌ مُسدَّدٌ إلى شأنٍ جديدٍ لأبي العرب إبراهيم، وبذلك استطاع أن يَخلُصَ من يهوديَّةِ عصرِه لِيَصِلَ حَبْلَه بيهوديَّة إبراهيم".
° أما "مارتن لوثر" -مؤسس المذهب البروتستانتي-، فكان له رأيٌ شبيةٌ بذلك في الإِسلام وفي نبيه - ﷺ -، ولكنه كان يَستغلُّ هذا الرأيَ في الطعنِ في الكنيسة الكاثوليكية أيضًا، يُعبِّرُ عن ذلك المفكِّرُ الغربي "إن. دانيال" قائلًا: "إن لوثر ذاتَه كان وحدًا من أوائل الذين صاغوا نموذجًا جديدًا كليًّا للموقف من الإسلام، مستخدِمًا إياه -كمنوذج سلبي- في جِداله العنيفِ مع الكاثوليكية، حيث يقول: البابا والإِسلام يُشكِّلان -من حيث الجوهر- العدوَّينِ اللدودَينِ للمسيح وللكنيسةِ المقدَّسة، ولكن إذا كان الإسلامُ يمثِّلُ جَسَدَ المسيح الدجال، فإن البابا هو رأسه".
هكذا كان "لوثر" يرى الإسلام، ويصفُ النبيَّ لأنه المسيحُ الدجال، لقد كانت فترةُ ظهور البروتستانتية هي أيضًا فترةَ ازدهارٍ لمن اهتمُّوا بالهجوم
_________________
(١) "الإسلام والمسيحية" د. أليسكي (ص ٦٠).
[ ٣ / ٦٠٤ ]
على الإسلام وعلى نبي الإسلام، وأصبح الإسلام هو السُّبَّةَ أو الإهانةَ التي يُمكن أن يوصَفَ بها كل مخالف، وانتَشر في ذلك الوقتِ تبادُلُ هذ الاتهام بين كلٍّ من أنصار الكاثوليكيةِ وأنصارِ البروتستانتية. وقد ساهَمت الرؤية الفكريةُ الغربيةُ بأن نُبوَّة محمدٍ في - ﷺ - كاذبةٌ في عَقدِ مقارناتٍ ظالمةٍ مع المسيحية الرهبانيةِ، بغَرَضِ تشويهِ صورةِ الإسلام وصورةِ نبيِّه، وهنا تتدخل رؤية للنفسِ المسلمةِ نابعةٌ من شروطِ تطوُّرِ فِكرةِ النبوة الكاذبة، هذه الرؤيةُ مَفادها أن سلوكَ نبي الإسلام هو نَقيضُ سلوكِ القدِّيس القائم على قَمع الغرائز، وأن الإسلامَ شهوانيٌّ وماديٌّ في رُوحِه وفي مَفهومِه للجنة، وأن شرائعَه ومؤسَّساتِه لم تَفعلْ سوى تطويرِ هذه الجرثومةِ القاتلةِ التي تَعيبُه من أساسه، فإذا كان مفهومُ الجَنَّةِ يُبيِّن أننا أمامَ دين خالٍ من الروحية، محصورٍ في صورةِ اللذات المستقبلية، وتفوحُ منه رائحةُ الوثنية، فإنَّ حياة النبي بدَورها تُبرهِنُ على ضعفِ قيمتِها الأخلاقية (^١).
تَسبَّبَ الموقفُ الدينيُّ والفكريُّ الغربيُّ الذي يَدَّعي كَذِبَ نبوةِ محمدٍ - ﷺ - في تكوُّنِ فكرةٍ مسيحيةٍ استقرَّت في أذهانِ الكثيرِ من المفكرين الدينيين في الغرب، هذه الفكرةُ تتصوَّرُ أن هذه النبوةَ الكاذبةَ في ظنهم قد أوقَفت تطوُّرَ الإنسانيةِ باتجاه المسيحية، يقول أحدُهم: "لقد أمكن لمحمدٍ أن يُكوِّن إمبراطوريةً سياسيةً ودينيةً على حساب موسى والمسيح" (^٢).
بالطبع هناك أسبابٌ حقيقةٌ للتخوُّفِ من أن يعيقَ الإسلامُ طريقَ انتشارِ
_________________
(١) "أوربا والإسلام" لهشام جعيط (ص ١٣).
(٢) المصدر السابق (ص ٧٩).
[ ٣ / ٦٠٥ ]
المسيحية، وَيشرحُ هذه الفكرةَ المفكِّرُ الغربي "مونتغمري واط" قائلًا: إن "الإسلامَ من وِجهةِ نظرِ المسيحية الغربية يَتَّسمُ بخَلفيةٍ إشكاليةٍ لاهوتيةٍ عميقة، لقد ظَهر في أوائل القرنِ السابع للميلاد في مُحيطٍ تميَّز بتأثُّرِه الروحيِّ بالتقاليد اليهودية -المسيحية، مؤكِّدًا من ناحية- وعَبْرَ التوحيدية الإبراهيمية -صِلَتَه المبدئيةَ بتلك التقاليدِ الشرقية اليهودية- المسيحية، ولكنه وَضَع نفسَه من ناحيةٍ أخرى في خندقٍ مضادٍّ متعارِضٍ تمامًا مع التقاليدِ الدينية المذكورة.
فمن خلال تعميمٍ مُطلَقٍ غيرِ محدودٍ للتوحيد، ألغى الإسلامُ في حقيقةِ الأمر أيَّ إمكانٍ لتجسيدِ الطبيعةِ الإلهيةِ مع نفيٍ تامٍّ لفكرةِ "الثالوث المسيحية".
وبذلك التوجُّهِ العقائدي حَطَم الإسلامُ النظامَ البنيويَّ - اللاهوتي الذي كان مُهيمنًا في التصورات المسيحية- لا سيَّما في العصر الوسيط -حولَ التكوينِ الإلهيِّ للتاريخ، وحولَ التقديس، وتجسيدِ الإله ذاته، هكذا كان ظهورُ الإسلام بالنسبة للديانتين اليهودية والمسيحية نوعًا من التحدي المديني - التاريخي" (^١).
كما يرى بعضُ المفكِّرين الغربيين أن محمدًا ورسالتَه قد تسبَّبا في منع انتشارِ الِمسيحية في الشرقِ الأقصى أو تفاعُلِها مع البوذية، وهي فكرةٌ يعتنقُها بعضُ المفكِّرين المتاثِّرين بالفِكرِ "النِّسَوي" الذي يَرى العالَمَ كان أقربَ إلى رُوح الأنثى، إلى أن جاءَ الإسلام فجعله عالمًا ذكوريًّا ولذلك
_________________
(١) "تأثير الإسلام على أوربا في القرون الوسطى" (ص ٨ - ١٠) لمونتغمري واط.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
يقولُ أحدُهم، وهو المفكر "ليفي ستراوس": "إن وجودَ الإسلام قد لَعِب دوؤًا مزعجًا، لقد قَطَّع إلى نصفين عالَمًا كان يستعدُّ للاتحاد، وتدخَّل بين الهللينيةِ والشرق، بين المسيحية والبوذية، لقد قام الإسلامُ بعمليةِ أسلمةٍ للغرب، ومَنَع المسيحيةَ من أن تتعمق، وأن تُكوِّن ذاتها أكثَرَ فأكثر بعمليةِ تلاقُحٍ مع البوذية، لقد أصبح الغربُ مسلمًا، أي قويًّا ومحاربًا ورجوليًّا وعالِمًا ومنظَّمًا، وفقد حَظَّه في (البقاء امرأة) ".
يبقى الإسلامُ في نظرِ الغالبيةِ العظمى من مفكِّري الغربِ دينًا يُعيقُ تقدُّمَ الغربِ مهما بَلغت نجاحاته، ليس مهمًا أن يكونَ الإسلامُ أفضلَ أو أسوأَ من الدينِ المسيحيِّ الذي تَرَكه معظمُ الشعبِ الأوروبي عمليًّا ولكنه لا يزالُ يُحرِّكُ معتقداتِه الفكريةَ في التعامل مع الآخرين بقوة، المهمُّ أن الدينَ الإسلاميَّ وسُنةَ نبيِّ الإسلام - ﷺ - يُمثلان عائِقًا حقيقيًّا أمامَ تطُورِ المسيحيةِ بالنسبةِ للمتدينين والغربِ عمومًا بالنسبة إلى غير المتدينين، الإسلامُ -في نظرهم- هو حَجَرُ عَثْرَةٍ يَعترضُ مسيرةَ الحضارةِ الغربيةِ برُمَّتها.
* العنصرية الغربية والاستعلاءُ الكاذبُ للجنسِ الأبيض:
تُغَلَّفُ العنصريةُ الغربيةُ تاريخيًّا بالكثير من الأغلفة الفكرية الخادعة، وقد اتَّخذ الفكرُ الغربيُّ موقفًا معاديًّا من رسولِ الله؛ لأنه يُمثِّلُ رَمْزَ المساواةِ الحقيقية بين البشر، وقَدَّم النموذَجَ العمليَّ للتعايُشِ بين البشرِ دونَ أفضليةٍ لجنسٍ على جنسٍ إلاَّ بالقرُبِ والبُعدِ من الإِيمان والقُربِ من الله، أما الفوارقُ العِرْقيةُ فقد تَقلَّصت إلى حدٍّ بعيدٍ في النموذج الحضاريِّ الإسلاميِّ الذي استَمدَّ تعاليمَه -كما يَعرفُ الغربُ- من رسالةِ الإِسلام وسُنَّةِ النبيِّ
[ ٣ / ٦٠٧ ]
الكريم - ﷺ -، لم يُرْضِ ذلك المفكرين الغربيين بالتأكيد؛ لأنهم قَدَّموا لشعوبهم وللعالَم نموذجًا آخَرَ يقومُ على فكرةِ التمايز العِرْقيِّ والعنصري.
يرى الباحث "أليسكي جورافيسكي" أن الكثيرَ من الأيديولوجيين الأوروبيين ركَّزوا على مسألةِ التعارضِ المطلَقِ بين الشرقِ والغرب، فالشعورُ بالعظمةِ والتفوقِ الحضاريِّ قاد الشعوبَ الأوروبيةَ إلى فكرةٍ نمطيةٍ جامدة -كما يقول الباحث-، شَكَّلت التُربةَ المناسبةَ لظهورِ نظرياتٍ تُركَّزُ على التعارضِ التاريخي بين أوروبا وآسيا، وكأنه صراعٌ أزليٌّ لا حلَّ له، وضِمنَ هذا المَنْحَى الأُحاديِّ صُور التاريخُ العالمى كصراعٍ بين الغرب الديناميكي، كتب ساندرسون: "إن الجنسَ الآرِيَّ العظيمَ وحدَه فقط القادرُ على قيادةِ البشرية نحوَ طريقِ الحريةِ الدينية والسياسيةِ والحريةِ الفكرية".
* العجز عن إِيقاف نموِّ الإِسلام:
جاء محمدٌ - ﷺ - برسالةٍ سماوية تختلفُ عن المسيحية التي حُرِّفت بعد المسيح ﵇، أكَّد محمدٌ أن هذا الدينَ سيبقى ما بَقِيَ الليلُ والنهار، وثَبَتَ صِدقُ ما قال، وأزعَجَ ذلك الغربَ العنصريَّ إزعاجًا شديدًا.
إن من المشكلاتِ الحقيقيةِ التي تُعاني منها الكنيسةُ الأوروبية منذ ظهورِ الإسلام هو عدمُ قدرةِ هذه الكنيسةِ على إيقافِ نموِّ الإسلام، فالإسلامُ ينمو في كل الظروف، ومع كل الضغوط، وتحتَ كل الظروف الاجتماعية المختلفة، وفي كلِّ العصور، وهو بالتأكيد ينمو على حسابِ أنصارِ تلك الكنيسةِ التي تهتمُّ اهتمامًا كبيرًا بالتنصير، ويستهدفُ نفسَ المْجتمعاتِ التي تحاولُ الكنيسةُ السيطرةَ عليها، وتحويلَها إلى دينها.
[ ٣ / ٦٠٨ ]
لم يَقتصِرِ الامرُ على رجالِ الدينِ فقط، بل إن المستشرقين أيضًا شَعُروا بالخوفِ من تنامِي الإسلام، لذلك "يفتقدُ المرءُ الموضوعيةَ في كتاباتِ مُعظم المستشرقين عن الدين الإسلامي، في حين أنهم عندما يكتبون عن دياناتٍ وَضْعيةٍ مثل البوذية والهندوكية وغيرهما، يكونون موضوعيين في عَرضِهم لهذه الأديان، فالإسلامُ فقط من بين كلِّ الديانات التي ظَهرت في الشرق والغرب هو الذي يُهَاجَم، والمسلمون فقط مِن بين الشرقيين جميعًا هم الذين يُوصَمون بشتَّى الأوصافِ الدنيئة، ويتساءلُ المرء: لماذا؟.
° ولعل تفسير ذلك يعودُ إلى أن الإسلامَ كان يُمثِّلُ بالنسبة لأوروبا صدمةً مستمرةً، فقد كان الخوفُ من الإسلام هو القاعدة، وحتى نهايةِ القرنِ السابعَ عَشَرَ كان "الخطر العثماني" رابضًا عند حدود أوروبا، ويُمثلُ -في اعتقادهم- تهديدًا مستمرًا بالنسبةِ للمَدَنِيَّةِ النصرانية كلها.، ومن هنا يُمكنُ فَهمُ ما يَزعمُه المستشرق "موير" من أن "سيفَ محمد والقرآن هما أكثرُ الأعداءِ الذين عَرَفهم العالَمُ حتى الآن عنادًا ضدَّ الحضارةِ والحريةِ الحقيقية"، وما يدَّعيه "فون جرونيباوم" من أن الإسلامَ ظاهرةٌ فريدةٌ لا مثيلَ لها في أي دينٍ آخَرَ، أو حضارةٍ أخرى، فهو دينٌ غيرُ إنسانيٍّ، وغيرُ قادرٍ على التطوُّرِ والمعرفةِ الموضوعية، وهو دين غيرُ خَلاَّقٍ وغيرُ علمي" (^١).
° إن الخوفَ من قوةِ الإسلامِ المُحرِّكة الذي يأخذُ في اللحظاتِ الحماسية شَكْلَ الدفاعِ والصراع والمشاجرة، وهو أحدُ أكثرِ الأشكال
_________________
(١) "الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري"، د. محمد حمدي زقزوق، كتاب "الأمة"- قطر، نقلًا عن الموقع الإلكتروني للشبكة الإسلامية: www.islamweb.net.
[ ٣ / ٦٠٩ ]
الانفعالية في التاريخ، قد أَبرَزَ مفهومَ الإسلام السياسي كتهديدٍ متواتر، ومفهومَ الدين السياسي كبِنيةٍ تاريخيةٍ في أصول الإسلام، يقول "جولدزيهر": "إن الإسلامَ قد جَعل الدينَ دنيويًّا، لقد أراد أن يَبنيَ حُكمًا لهذا العالَم بوسائل هذا العالم" (^١).
إننا أمامَ منافسةِ شرسةٍ بدأت منذ أكثَرَ من ألفِ عام، وساحَتَها كانت في مُعظَم الأحيان هي كلُّ أنحاءِ المعمورة، ومع ظُهور العولمة، وتزايُدِ حركات الهجرة، ونَقصِ العَمالةِ اليدوية المدرَّبة في أوروبا، وتناقُصِ عددِ السكان في كثير من دولِ شمال وغرب أوروبا، فقد تسبَّب كل ذلك في عَودةِ الوجودِ الإسلاميِّ للظهور بقوةٍ داخل أوروبا، وفي كلِّ عواصمها وحواضِرِها بشكلٍ أصبَحَ يستفزُّ كلَّ مَن يسعى إلى الانتصارِ للكنيسة، أو للغربِ على حساب الإسلام.
لقد رأت الكنيسةُ الأوروبيةُ تاريخيًّا -وحتى الآن على أغلب الظن- أن هناكَ خُطورةً من انتشارِ الإسلامِ في كلِّ أنحاءِ المعمورة، وأن هذه الخُطورةَ تُمثِّلُ كارثةً على المسيحية، لذلك فإن المواقفَ الفكريةَ المسيحيةَ تَنحى دائمًا إلى الهجوم على الإسلام وعلى نبيِّ الإسلامِ - ﷺ -.
* إِهدارُ قيمةِ كل مقدَّس عند العلمانيِّين الغربيين:
تطوَّرَ مشوعُ العلمانيةِ من "فَصِل الدين عن الدولة" إلى "إقصاء الدين عن الحياة" .. إلى "الهجوم على الدين للقضاء على ثبات القِيم"، واستَتْبَعَ
_________________
(١) "أوروبا والإسلام .. صدام الثقافة والحداثة" هشام جعيط، دار الطليعة، بيروت الطبعة الثانية ٢٠٠١ م (ص ٨٥).
[ ٣ / ٦١٠ ]
ذلك رغبةُ القائمين على هذا المشروع العلماني في القضاءِ على كلِّ القِيَم الثابتةِ في المجتمعات، وتحويل فكرةِ القِيَم إلى موضوع نسبي متغيِّر تبعًا للزمان والمكان وأمزجةِ الشعوب.
يقتضي تحقيقُ هذه الفكرةِ القضاءَ على وَلَعِ الشعوبِ وتقديرِها للمقدَّس، بصرفِ النظر عن قيمةِ ذلك المقدَّس في حياتها، أو مدى اعتزازِها به، من أجل ذلك ظَهرت حملة منظمة في الغربِ طوالَ الأعوام الماضيةِ للنَيل من كلِّ الأنبياءِ والصالحين، وليس نبي الإسلام وحده.
فقد ظَهر في الإِعلام الغربي مؤخَّرًا العديدُ من الأفلام التي تهاجمُ المسيحَ ﵇، وكذلك نبى الله موسى، وكل ذلك يَندرجُ -في ظننا- ضمنَ مشروع علمانيٍّ يهدفُ إلى تشويهِ صُورِ كلِّ رموزِ القِيَم الأخلاقيةِ غيرِ المتغيرة في العالم، ولعل ذلك يُفسِّرَ أيضًا سببَ تكرارِ الهجوم على نبيِّ الإسلام من أنصارِ التياراتِ المتحررةِ والليبراليةِ في الغرب.
* فَشَل تحجيم التأثير السياسي والدولي للإِسلام:
إن التياراتِ العلمانيةَ واللادينيةَ التي تَحكُمُ الكثيرَ من دول أوروبا -ولها تأثيرٌ قوىٌ على السياسة الأمريكية أيضًا- لا تكترثُ كثيرًا لمسألةِ انتشارِ الاسلام عدديًّا أو جغرافيًّا أو عقديًّا في مواجهةِ المسيحيةِ، أو أيِّ ديانةٍ أخرى، كثيرٌ من هؤلاء القادةِ السياسيين والإعلاميين والفكريين ممن ينتمون إلى التيار اللاديني أو العلماني لا يهتمُّون لموضوع الدين من ناحيةِ علاقة الإنسانِ بخالقه، أو بمَعبَدِه أو كنيستِه أو مسجده، ما شغلُهم بالتأكيد هو آثارُ التدينِ على مسيرةِ العالَم الاقتصاديةِ والليبراليةِ والحضاريةِ بمفهومهم هم
[ ٣ / ٦١١ ]
لهذه الحضارة السائدة.
وفي هذا السياقِ يَبرُزُ الإسلامُ كمصدرِ إزعاجٍ رئيس؛ لأنَّه قوةٌ محرِّكةٌ ومؤثِّرةٌ، وتدفعُ بمُعتنقيهِ إلى رَفضِ الهيمنةِ ومقاومةِ مشروعاتِ الاستعمارِ الفكريِّ والاقتصاديِّ بنفس حِدِّةِ وصَلابةِ ومقاومةِ الاستعمارِ المسلَّح، وهنا يَكمُنُ تفسيرُ اتحادِ التياراتِ الليبرالية العلمانيةِ الغربيةِ مع التياراتِ الدينيةِ المتطرِّفةِ في بعضِ الكنائسِ الأوروبية، من أجل تقليصِ تأثيرِ الإِسلامِ على العالم المعاصر، إنه تحالُفٌ لم يَحدُثْ في التاريخ مِن قبلُ بهذه الدرجة من الشموليةِ والتعقيدِ والانتشارِ الجغرافي أيضًا.
وهذا الاتحادُ الفكريُّ بَدأ منذ القديمِ عن طريقِ المفكرين المسيحيين، يذكرُ أحدُ المفكِّرين الروسُ عن ذلك: "إننا لَواجِدون عند كبارِ المفكرين السيحيين -بدءً من أوغسطين وانتهاءً بتوما الأكويني- فكرةً عامةً ملازمةً تقول: إن تطورَ الإنسانية يجبُ أن يُفضيَ حتمًا إلى ملكوتِ المسيح، وهو تطوُّرٌ يجبُ أن يَستوعبَ في داخله العالَمَ كلَّه، وفي الوقتِ ذاته، "فإن مَلِكنا على حقٍّ، أما غيرُ المسيحيين، فهم ليسوا على حقِّ" (أغنية رولان" (^١).
* فُقدان الغَربِ للحبِّ والعاطفةِ، فقلوبُ أهلِه أقسى من الحجارة:
إنَّ الأمةَ الإسلاميةَ تَعلَّمت من دينِها أنَّ أوثَقَ وأعلى درجاتِ الإيمانِ أنْ تُحبَّ في الله، وأن تُبغِضَ أيضًا في الله، وأسمى درجاتِ المحبةِ في الله أن
_________________
(١) "الإسلام والمسيحية" (ص ١٩).
[ ٣ / ٦١٢ ]
تُحبَّ خيرَ خَلقِ الله - ﷺ -، نعم نحنُ نؤمنُ برسالة النبي - ﷺ -، ونراه قائدًا وهاديًّا ورسولًا .. ولكننا أيضًا -وفوقَ كلِّ ذلك- نَحبُّه حبًّا كبيرًا ومختلِفًا عن كلِّ معاني الحبِّ التي تربطُ الغربيين بحُكَّامهم، أو حتى أنبيائهم.
بل إن العجيبَ في الأمر -والذي يؤكِّدُ مرضَ الغرب- أننا -نحن المسلمين- نحبُّ أنبياءَهم أكثَرَ من حُبِّهم هم لهم، فليس من الممكن أن تَسمعَ مسلمًا يَهزأُ بالمسيح ﵇، ولا يُمكنُ أن تَجِدَ أيَّ فردٍ من أفراد هذه الأمة العربيةِ والإسلاميةِ يَسخَرُ من نبيِّ الله موسى ﵇، إنهم أنبياءُ نؤمنُ بهم ونُوقِّرُهم، والأهمُّ في كلِّ ذلك -في هذا السياق- أننا حقًّا نحبُّهم، لَيتَهم في الغربِ يَعرفون ماذا يعني هذا الحبُّ؟! وكم هو جميلٌ أن تكونَ مُحِبًّا .. وأن تحيا بالعاطفة، وليس بالمصلحةِ أو المنفعة. لكنَّ الحُبَّ يُفرِزُ أيضًا عاطفةً مضادةً وهي الكُرْه، وهنا يمكنُ أن نَجِدَ تفسيرًا لحماسِ مفكِّري الغرب في الهجوم على ظاهرةِ حُبِّنا الشديدِ لنبيِّ الإسلام - ﷺ -، فالحبُّ عاطفةٌ جياشة، وكأيِّ عاطفةٍ، فإنها تَحمِلُ دائمًا ضِمنَ عناصرِها نَقيضَها -وهو الكُرْه-، إن مَن يعرفُ كيف يُحب .. يتيقَّنُ أيضًا كيف يكره.
إننا أُمةٌ نحاولُ دائمًا أن نَربِطَ العاطفةَ بمعاييرِ الدينِ والأخلاق، ونحاولُ كذلك أن نتحكَّمَ في الكراهيةِ لكي تنضبطَ ضِمنَ أُطُرِ الدينِ والقانونِ والأعرافِ، ولكننا لا نحاولُ أبدًا أن نتخلَّص منهما، بل إن الدينَ الإسلاميَّ الذي يَحُثُّ على الانضباطِ والتقيُّدِ في الحب .. هو نفسُ الدين الذي يَرى أن الكُرهَ عاطفةٌ بشريةٌ لا يمكن القضاءُ عليها، ولكن يجبُ أن
[ ٣ / ٦١٣ ]
تُقَنَّنَ وتُضبَطَ ضِمنَ قِيَم وقواعدِ المجتمعاتِ الإسلامية.
أما الغربُ، فهو يريدُ أن يتخلَّص الناسُ -وخصوصًا هذه الأمة- من تلك العواطفِ الجيَّاشة .. حبًّا كانت أم كراهيةً .. فكلًا منهما يساعدُ على تقويةِ النقيض .. فمَن يُحِبُّ بشدةٍ -حتى وإنِ انضبط بمعاييرِ الشرع- يمكنُ أن يَكرَهَ أيضًا بشدَّةٍ ضمنَ نفسِ المعايير والضوابط، هناك في الغرب مَن يريدُ تركيعَ البشريةِ حتى لا يَكرهَ أفعالَه أحدٌ، حتى وإنْ قَتل وعذَّب واستَهزأ وهَيْمَنَ وسيطر .. لا بد إذن أن يُقيَّدَ ويُحجَّمَ الحُبُّ .. وأن تُقتلَ مشاعر البغض ..
ليس هناك من تدريبٍ أفضلُ على قتلِ العاطفةِ لهذهِ الأمة مِن أن يُستهزاءِ بخيرِ خَلقِ الله - ﷺ -، وأن تُمنعَ الأمةُ من التعبيرِ عن غضبِها من الاستهزاءِ أو حبِّها للنبي - ﷺ -، الغربُ يريدُ أن يُطوِّعَنا أن نَقبلَ أن يُهانَ أغلى مَن نُحبُّ، وأن نَمتنعَ عن إظهارِ العاطفة .. وبالتالي سنمتنعُ إيضًا تلقائيًّا -في ظنهم- عن بُغضِ أفعالهم.
لن تَنجحَ محاولةُ تدريبِ الأمةِ -أفرادًا وجماعاتٍ- على أن نَنسى العاطفة .. ولن يُفلحَ مَن يُحاولُ أن يَكبِتَ طاقاتِ المحبين، قد يكونُ المطلوبُ -للبعض في الغرب- أن تَفقِدَ الاُمةُ ثِقَتَها في نفسها .. وفي قيمةِ العاطفة .. وبالتالى تَلْفِظُ الحبَّ والكُرْهَ معًا .. وتتحولُ إلى كائنٍ مُطيعٍ ينضمُّ إلى القافلةِ المتحركةِ نحوَ نهايةِ التاريخ عندما ينتصرُ الغرب، ولكنني أشك في إمكانيةِ حدوثِ ذلك، إننا أمامَ معركةِ المستقبل بين العواطفِ والمصالح .. بين الإنسانِ والآلة .. بين سيادةِ القلبِ أم هَيمنةِ العقل .. مِن
[ ٣ / ٦١٤ ]
أجل ذلك لابدَّ نَقبَلَ خَوضَ المعركة .. وسلاحُنا في ذلك هو العاطفة، وهو تَحدٍّ عقليٌّ وقلبيٌّ مع الغرب، ولكننا سننتصرُ بهما معًا.
* محمدٌ - ﷺ - تجسيدٌ للكمال الإِنساني، فاضحٌ لِبَهيميَّةِ الغَرْبِ وانحطاطه:
يَرى البعضُ في الغربِ في شخصيةِ النبي - ﷺ - نموذجًا متكاملًا لنوعٍ من الكمالِ الإنسانيِّ الذي لا يُمكنُ للغرب بأفكارِه ونظرياتِه وممارساتِه أن يَصِلَ لها، وعند هذا الفريقِ من الغربيين، يُصبحُ القضاءُ على هذا النموذج همًّا حقيقيًّا بذاته.
فكأنَّ حياةَ النبيِّ محمدٍ - ﷺ - تُمثِّلُ ذلك الضميرَ الذي يُوخِزُ الغربَ في جَنَباته، وكأنه مِرآةٌ داكنةٌ توضِّحُ لهم بالدليلِ الواقعيِّ مَدى التردِّي الذي وَصَل إليه حالُ الشخصيةِ الغربية نتيجةً لابتعادِها عن النموذج المحمديِّ.
• عن تَميم الداريِّ - ﵁ - قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "لَيَبْلُغَنَّ
هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنهار، ولا يَتركُ الله بَيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاَّ أدْخَلَه هذا الدينَ بعِزِّ عزيزٍ، أوْ بذُلِّ ذليل، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذُلاًّ يُذِلُّ به الكُفرَ" (^١).
* * *
_________________
(١) صحيح: رواه أحمد في "مسنده" (٤/ ١٠٣)، وابن حبان في "صحيحه" (١٦٣١، ١٦٣٢)، والحاكم (٤/ ٤٣٠ - ٤٣١)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين" .. وصححه الألباني في "الصحيحة" رقم (١).
[ ٣ / ٦١٥ ]