قِزمٌ حقير وشيطانٌ من شياطين الإِنس، رواية "آيات شيطانية" وهي روايةٌ شيطانية كتبها حَشَّاشٌ في ماخور أُصيب بانفصامِ الشخصية، فصار يتردَّدُ بين القرد والحشاش .. يَسخرُ فيها ذلك المرتدُّ من كلِّ جميلٍ وطاهرٍ ونقيٍّ، ويناصبُ رسولَ الله - ﷺ - العَداوةَ في أحقر صُورها.
أُقدَّمُ تلخيصًا كاملًا عنه وعن روايته، حتى يَستشعِرَ المسلمون مَدَى جُرمِه في حقِّ الله وأنبيائه ورسله .. واللهُ يعلمُ أني أكتبُ بعضَ فِقراتها والألمُ يَعتصِرُني، والحياءُ والخجلُ يفعلانِ بي ما يَفعلانِ أمامَ قُحَّتِه وفُحشِه وبَذاءَةِ قَلَمِهِ ودَنَسِهِ وحَقَارته.
* النشأةُ والخَلْفيَّة:
وُلد سلمان رشدي في "بومباي" بالهند سنة ١٩٤٧ - عام التقسيم وإنشاء الدولتين: الهند وباكستان- من أبٍ هنديٍّ يدعى "أَنيس رشدي"، مرتدٍّ عن الإِسلام، وتلقَّى تعليمَه الأوَّليَّ في إحدى مدارسِ التبشير المنتشرةِ آنذاك في الهند، حيث كان المبشِّرون يُقدِّمون له ولزملائه الطعامَ والكساءَ وغيرَه لاستمالتهم، فشَرِبَ في هذه السِّنِّ المبكِّرةِ كراهيةَ الإِسلام وكلِّ ما يتَّصلُ به .. وهكذا تضافَرَ البيتُ والمدرسةُ في بناءِ شخصيةٍ مهتزَّةٍ، صِلتُها بالإِسلام مجرَّدُ تسميةٍ تُثبت في شهادةِ ميلادٍ أو بطاقةٍ شخصيَّةٍ، وعواملُ انتزاعها من الإِسلام أقوى وأبقى من عواملِ إدخالها فيه.
ولمَّا كانت بَلدُهُ تُعاني أزَماتٍ اقتصاديةً بسبب خُضوعها للاستعمار مئاتِ السنين، وأخيرًا بسبب الحرب بين الهند وباكستان، فقد كانت أُسرتُه
[ ٢ / ٥٨٠ ]
ضِمنَ مَن هاجَرَ إلى "إنجلترا" سعيًا للرزق، وهناك التَحَقَ بالتعليم الثانوي، ثم بكليةِ "المَلِك" في جامعة "كمبردج".
وبعد تخرُّجه بَحَث عن وظيفةٍ مناسبة هناك فلم يجد، فقرَّر العَودةَ إلى موطنه الأصلي "شِبه القارة الهندية"، ولكنْ هذه المرةَ إلى باكستان، حيث أُتيحت له فرصةُ عملٍ في التليفزيون، بَيْدَ أن رَوائحَ الكفرِ والزندقةِ والطعنِ في الإِسلام بدأت تفوحُ منه، ففُصِل من عملِه، وعاد إلى لندن يجرُّ أذيالَ الخَيبةِ والإحباطِ، بعد أنِ امتلأ قلبُه حِقدًا على الإِسلام والمسلمين، وأخيرًا وَجد عملًا في إحدى وكالاتِ الإعلان، أعطَتْه دخلًا ثابتًا استطاع معه أن يتَّجهَ إلى التأليف الرِّوائي.
° وفي عام ١٩٧٥ أصدَرَ روايتَه الأولى "جريموس"، وعُمرُه آنَذَاك ٢٨ عامًا، فلم يَلتفتْ إليها أحدٌ، فماتت في مَهدِها، وأصابه لذلك إحباطٌ شديد، ثم تزوَّج بعد ذلك بفتاةٍ إنجليزية تُدعى "كلاريسا لوارد"، وعن طريقِها تعرَّف إلى الناشِرِين، فأصدر روايته "أطفال منتصف الليل"، وَصَف فيها حالَ الأولاد الذين يدخُلون الحياةَ وقلوبُهم خاويةٌ من الإيمان والقِيمَ الأخلاقية، ويأتُون إلى عالَمٍ مَليءٍ بالمتناقضات، ولقد قال عن نفسه: "إنه يُشبِهُ إحدى شخصياتِ هذه الرواية، ففي داخله ثُقْبٌ لم يُبقِ قَطرةً واحدةً من الإيمان عنده.
ولقد أثارت روايتُه ضدَّه ضجةً في الهند، إذ كانت تُوجِّهُ نقدًا عنيفًا لسياسة السيدة "أنديرا غاندي" الخاصَّة بتعقيم الرجال، فأَدْلَتْ بتصريحٍ تتوعَّدُ فيه صاحبَ الرواية بتقديمه إلى القضاء.
وفي تلك الأثناء مَنَحَته "إنجلترا" جائزة "بُوكر"، وكأنها تَغيظُ الهند
[ ٢ / ٥٨١ ]
-الدولة المستقلة- والتي كانت يومًا ما إحدى مستعمراتِها.
لقد بدأ يطفو على السطح، فها هي روايتُه "أطفال منتصف الليل"، تثيرُ ضَجَّهً في موطنه الأصلي -الهند-، وها هو يُمنحُ عليها جائزةً في موطنِ هِجرته، "إنجلترا".
بعد ذلك كَتب روايةً بعنوان "العار"، وانتظر أن يَحصُلَ بها على جائزة "بوكر"، إلَّا أن لجنةَ التحكيم أسقطتها من الفوز.
ثم ما لَبِثَ أن طَلَّق زوجتَه الإِنجليزية، وتزوَّج كاتبةً أمريكية اسمها "ماريان ويجينز"، لعلَّها تؤدِّي نفسَ الدَّورَ مع الناشِرِين الأمريكيين.
وبالرغم مِن تعرُّفهِ إلى كثير من الناشرين في إنجلترا والولايات المتحدة، وتعرُّفِهم إلى ما تتضمَّنه كتاباتُه من حقدٍ دفينٍ على الإِسلام والمسلمين وتشجيعِهم لاتِّجاهه هذا، إلا أنه ظَلَّ مغمورًا، بعيدًا عن أضواءِ الشهرةِ العالَمية التي كان يَحلُمُ بها (^١).
° ثم كانت روايته "آيات شيطانية"، التي تجرَّد فيها من كلِّ حياء، وقَذَف بنفسِه عاريًا أمامَ الجميع، في مستنقعات الكفرِ والفجورِ والأكاذيب، فعَبَثَ بكلِّ المقدَّسات، ومِن بينِها المقدَّسات المشتركةُ بين اليهود والمسيحيين والمسلمين: "إبراهيم خليل الله"، أبو الأنبياء، والأبُ الروحي لأصحاب الديانات الثلاث، كما عَبَثَ بملائكةِ الله في السماء، وعلى رأسهم "جبريل" أمينِ الوحي وأمينِ العَرش، إضافةً -بطبيعة الحال- إلى عَبَثهِ بمقدَّسات الإِسلام.
_________________
(١) "آيات سماوية" للدكتور شمس الدين الفاسي (ص ١١ - ١٤).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
° لقد انتهى هذا الدجالُ الهنديُّ من تأليفِ روايته الشيطانية هذه في سنة ١٩٨٨، ونَشَرَتْها له دار "فايكنج برس"، وظَلَّتْ راقدةً في المكتبات لا تتحرَّك، ولا تمتدُّ إليها يَدُ قارئ، ثم ما لَبِثت دار "فايكنح برس" أن تخلَّصت منها، فباعتها إلى دار "بنجوين"، وبقي الحالُ كما هو عليه من رُكودِ تلك السِّلعة البائرة، إلى أن تنبَّه المسلمون إلى ما فيها من فُحشٍ وأكاذيب، وتعريضٍ فاجرٍ بمقدَّساتِ الإِسلامِ والمسلمين، فتحرَّكوا لوقفها، لكنَّ المتآمِرِين كانوا يتوقَّعون هذا، فحَشَدوا طاقاتِ إعلامِهم لإثارةِ الغربِ المسيحيِّ كلِّه ضدَّ الإِسلام والمسلمين، وخاطَبوا وُجدانَه وما استقرَّ فيه من كراهيةٍ وعِداءٍ دفين، فانطَمَستِ الأبصارُ وعَمِيَتِ البصائر.
° وفي هذا الجوِّ المشحون، فَقَد العقلُ سلطانه، وتحوَّل المجرمُ الحقيقي "سلمان رشدي" إلى ضحيةٍ بريئة، ووقف الغربُ جميعًا يُعلِنُ حمايتَه تحتَ شِعارٍ برَّاق، استُخدم بخداع، هو "حماية حقوق الإنسان"، ومن بينها "حقُّه في حرية التعبير"!!.
* عاصفةٌ كان يُمكنُ تفاديها:
عندما صَدَر الكتابُ في بريطانيا، حاوَلَتِ اللجنةُ المتحرِّكةُ للشؤون الإِسلامية هناك اللجوءَ إلى القضاء الإِنجليزي للاحتكام ضدَّ الرواية، فاتَّضح لها أن القانونَ الإِنجليزي يَحِمي فقط المذهبَ المسيحي الإنجليكاني، فحاوَلَتِ اللجنةُ بعد ذلك مفاوضةَ الناشرِ على أساسِ أن يَكتبَ على غلافِ الرواية عبارة: "هذا الكتاب يُسيءُ إلى الإِسلام" كالعبارات التي تُكتب على السجايرِ وتُحذِّرُ من التدخين .. ولكنَّ الناشرَ رفض!!.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وأمامَ المعارضةِ الإِسلامية، قرَّرت إحدى دُورِ النشرِ البريطانية مَنحَ ْالكتابِ جائزةً أدبيةً، وإخراجَه في طبعةٍ شعبية، عندئذٍ قامت المؤتمراتُ الشعبيةُ الإِسلامية بمناقشةِ الحل الأمثل لمواجهةِ هذا التحدِّي، فتوجَّهوا إلى أسقُفِ إحدى الكنائسِ بمدينة "برادفورد"، وقام مجلس مساجد برادفورد بتقديم احتجاجٍ إلى الأسقُف، وطالبوه بأنْ يستخدمَ نُفوذَه ويُناشِدَ الحكومةَ البريطانيةَ وناشِرِي الكتابِ عدمَ نَشْرِه، ولكنْ لا جَدوى .. فقامت الجماهيرُ الإِسلامية بشراءِ الكتاب من الأسواق وأحرَقَتْه، ولكنَّ المطابعَ في استطاعتها أن تُنتجَ المزيد.
فقام سكرتير اتحاد المنظَّمات الإِسلامية في لندن بتوجيهِ خطابٍ إلى السيدة رئيسةِ مجلسِ الوزراء، يدعوها فيه "من منطلقِ الحرصِ على المقدَّسات الدينية" إلى الأمرِ من موقِعها كمسؤولٍ رئيسيٍّ "باتخاذ إجراءاتٍ قانونيةٍ ضدَّ الرواية ومؤلِّفها".
ثم قام سُفراءُ كلٍّ من باكستان وقَطَر والصومال بتقديم طَلَبٍ إلى وزارةٍ الداخلية البريطانية، يطالِبون فيه باتِّخاذ إجراءٍ حاسم نحو الرواية.
° وأخيرًا جاء إعلانٌ من القصر الملكي: "أنَّ الكتابَ لا يَعرِضُ لعَمَلٍ يعاقَبُ عليه"!!.
° ثم أعلن وزيرُ الداخلية بيانًا جاء فيه: "إن الحكومةَ لا تَنوِي إحداثَ تغييرٍ في قانونِ الطعنِ في المقدَّسات الذي يتعلَّقُ فقط بالديانة المسيحية".
وأمامَ التعَّصب "الديمقراطي"! انفجرتِ المشاعرُ الإِسلاميةُ التي لم يَستطعِ الشيطانُ تلجيمَها، انفجرت أولًا في بريطانيا، فسارت المظاهراتُ
[ ٢ / ٥٨٤ ]
تُطالِبُ باتخاذِ موقفٍ حاسم ضدَّ "آيات شيطانية" (^١)، ثم انفجرت بعد ذلك في العالَم كلِّه، ثم توالت رُدودُ الأفعالِ من كِلا الجانبين.
° لقد كان بالإِمكان تفادِي هذه العاصفةِ التي أَحدثت -حتى الآن- تصدُّعًا خطيرًا في علاقاتِ المسلمين بالغرب المسيحي، بعد أن أظهرت قضيةُ "الدجَّال الهندي" أن صليبيَّته العمياءَ في نهايةِ القرن العشرين لا تزالُ كما كانت في نهايةِ القرنِ الحادي عَشَر، وكان بإمكان بريطانيا أن تعالجَ الموقفَ بحكمةِ الساسةِ المتمرِّسين، وذلك بإعادة النظرِ في قانونِ الطعنِ في المقدَّسات، بجَعلِه يتضمَّنُ حمايةَ اليهوديةِ والمذاهبِ المسيحيةِ الأخرى مثل "الكثلكة والأرثوذكسية"، إضافة إلى الإِسلام، بدلًا مِن قَصْرهِ على المذهبِ الإِنجليكاني فقط، وما كان هذا العملُ -لو تمَّ- إلَّا لِيحظَى بتقديرٍ عالَمِيٍّ، باعتبارِه برهانًا على تأكيدِ حريةِ المعتقدات، ووسيلةً فعَّالةً للتعايُشِ السِّلميِّ بين أصحابِ الأديان.
° لكنَّ الحكومةَ الخفيَّةَ لا تَرضى بذلك، وهي تُمسِكُ بيدِها خيوطَ دُمًى كثيرةٍ تُحرِّكُها كيفما تشاء .. وكان أنِ ازداد الموقفُ اشتعالًا .. فنُشِرت إعلاناتٌ مدفوعةَ الأجرِ شَغَلت مساحاتٍ كبيرةً من الصحف العالمية، وظَهَرت حملةٌ واسعةٌ من التحقيقات الصحفية واستطلاعاتِ الرأي، وقامت محطَّاتُ التليفزيون بالدَّقِّ على حواسِّ المشاهدين، وكلُّها تسيرُ في خطٍّ واحدٍ، هو "إثارة الغربُ ضدَّ الإِسلام والمسلمين"، وبَلَغت إحدى مَوجاتِ الإثارة قِمَّتَها حين قام بعضُ طلبةِ جامعةٍ في "النمسا" بعَقدِ نَدوةٍ،
_________________
(١) "سلمان رشدي شيطان الغرب" سعيد أيوب (ص ٨٦، ٨٧).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
هي في حقيقتها "قُدَّاسُ صلاةٍ مسيحيٌّ"، تُليت فيه فَقراتٌ من كتابِ ذلك "الدجَّال الهندي" .. سبحان الله!!.
° كأن الغربَ قد عَثُرَ على إنجيلٍ مخفيٍّ، جاء به ذلك "الدجَّال المنتظر"، كما سَبق أن عَثُر على بعضِ أسفارِ الكتابِ المقدَّس جنوبَ البحرِ الميِّت عام ١٩٤٧ م.
لقد بَلَغَ الاستفزازُ داه، وخاصةً عندما تتحدَّثُ الصحفُ والإذاعاتُ العالَمية -وعلى رأسها هيئةُ الإذاعةِ لبريطانية التي توجِّهُ إذاعاتِها خصيصًا إلى العالَم الإِسلامي-، فتَصِفُ ذلك "الدجَّال" باسم: "الكاتب المسلم سلمان رشدي"!!.
مَن -يا تُرى- ذلك الكاتبُ الأُسطوريُّ، الذي حَظِيَ فجأةً باهتمام الغرب والعالَم، وصار حديثَ كلِّ لسان، كأنه ظاهرةٌ غيرُ مألوفةٍ أو مرضٌ خطير -كالإِيدز- لم تَعرِفْه البشريَّةُ مِن قبل؟! فلم يَحدُثْ أنِ اصطَدَمَتْ عينايَ في أيٍّ مِن مكتباتِ لندن على مجرَّد ورقةٍ تحملُ هذا الاسم، ولم يَخدِشْ بَصَري أيُّ مُلصَقٍ من إعلاناتِ الحائط يَحملُ ولو نِصفَ اسمه .. وها هي قائماتُ الكتب التي تُصدِرُها دَوْريًّا بعضُ دُورِ النشر، تَصِلُني تِباعًا، ولا يوجدُ في أيٍّ منها ذِكرٌ لهذا النكرة!!.
هنالك، صَدَرت عن "إيران" فتوًى تُبيحُ إهدارِ دمِ مؤلِّف رواية "آيات شيطانية"، فتلقَّفها رؤوسُ الفتنة في الغرب، واستطاعوا تصعيدَ المواجهة من مستوى الأفرادِ والهيئاتِ إلى مستوى العمل السياسيِّ الرسمي، فانعقد المجلسُ الوَزاريُّ للسُّوق الأوربية المشتركة في اجتماعٍ غيرِ عاديٍّ، وأدانَ إيرانَ بعنف، وقرَّر سَحبَ سُفراءِ دُوَلِه من طَهران، وفَرَض عقوباتٍ عليها،
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وقد عَلَّق وزيرُ خارجية أسبانيا على هذا الموقف الجماعي الأوربي، بقوله: "إنها أولُ مرة -في حدودِ علمي-، التي تُعرِبُ فيها المجموعةُ الأوربيةُ عن غَضَبها على هذا النحو"!.
° وفي "أوتاوا" رَفَض سفراءُ ٢٥ دولةً إسلاميةً طَلَبًا من "كندا" بإدانة إيران، كما رَفَضت الحكومةُ الكندية -في نفسِ الوقت- طلبًا من السفراءِ المسلمين بمَنْعِ تداوُلِ الكتاب أو ادخالِه إلى كندا.
° وفي "واشنطن"، تعهَّد المدَّعي العامُّ الأمريكي، أمامَ عددٍ من ناشري الكتب، باستخدامِ كلِّ الوسائلِ الممكنةِ لوقفِ الجهودِ الرامية إلى مَنعِ نشرِ الكتاب في أمريكا.
° وأصدر البرلمان الألماني بيانًا جاء فيه: "إن إعلانَ الإمام الخُميني عن قتلِ سلمان رشدي هو بمثابةِ إعلانِ الحرب على القِيَم الغربية".
° وفي لندن -مسرح المؤامرة-، وقَّع ٣٤ عضوًا من مجلسِ العموم على مشروعِ قرارٍ يَحُثُّ الحكومةَ على ضمانِ سلامةِ رشدي.
° ووصفت السيدة "مارجريت تاتشر" -رئيسة الوزراء- فتوى إيران بأنها تهجُمُ على حريةِ الكلمة التي هي من الحريَّات الأساسيةِ للإِنسان.
لقد اختلطت الأوراقُ تمامًا، وهذا ما يريدُه المتآمرون.
° ولقد حَوَّل الغربُ صِدامَه السياسيَّ مع إيران إلى صدامٍ مع الإِسلام والمسلمين، وأستهانَ بمشاعر ١٠٠٠ مليون مسلم، بينهم ٥٠ مليونًا في إيران، ولا أدلَّ عن مدى التخبُّطِ السياسيِّ الذي وقعت فيه دُول الجماعة الأوربية من أنها بدأت تُعيدُ سفراءَها إلى إيران بعد أسابيعَ من سَحبِهم،
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ودون أيِّ تغييرٍ في الموقفِ الإيراني، سواءٌ بالتراجع عن الفتوى أو حتى بإدخال تعديلٍ عليها.
* "مقاطعُ شيطانية":
هذه هي الروايةُ الرابعة في سلسلة إنتاج "الدجال الهندي" سلمان رشدي لهذا النوع من الروايات الخيالية، وهذا يعني أننا أمامَ عملٍ لا علاقةَ له بالدراسات العلميَّةِ الجادَّةِ التي تقومُ على المنطقِ والبرهان واستجلاءِ الحقائق وتقريرِها، وكَشْفِ الشبهاتِ ودَحْضِ الأكاذيب.
تبدأُ الرواية بإهداء: "إلى ماريان"، زوجتِه الأمريكية الثانية التي تزوَجها بعدَ طلاقِ زوجته الإِنجليزية "كلاريسا"، وقد عُرف عن "ماريان" هذه أنها كاتبةٌ مُلحِدة، تهاجمُ الأديان -ومِن بينها المسيحية-.
° وتتكوَّنُ الروايةُ من تِسعةِ فصول:
الأول، باسم: "المَلَك جبريل"، وهذا يعطِي انطباعًا مبدئيًّا للقارئ أنه بصددِ قراءة شيءٍ عن الوحي والدين .. ويتحقَّقُ توقُّعُ القارئِ، حيث يأتي: الفصل الثاني مباشرةً باسم: "ماهوند"، وهو ما كانت تُنادِي به أوروبا عصورِ الظلام، النبيَّ محمدًا، بعد أن اخترعه رجالُ الكنيسة والكتاب والشعراء، تحقيرًا وإهانةً! ثم تتعاقبُ الفصول:
الثالث باسم: "الودين ديووين".
والرابع: "عائشة"!.
والخامس: "مدينة مرئية لكن مخفية".
والسادس: "عودة إلى الجاهلية"!.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
والسابع: "المَلَك عزرائيل".
والثامن: "شق بحر العرب".
والتاسع: "مصباح عجيب".
° وقد أُلحقت صفحة شُكر -رقم ٥٤٩ - في آخِرِ الرواية، حسب طبعة فايكنج ١٩٨٩، يتحدَّثُ فيها المؤلِّفُ عن اقتباساتٍ مِن بعض تراجم معاني القرآن، فيعترفُ بأن تلك الاقتباساتِ إنما هي "تركيبة" من مجموعةٍ من أعمالِ المترجِمين السابقين مثل: "داود" ومولانا "محمد علي" وغيرهما، إلا أن أخطرَ ما في الموضوع هو اعترافُه بإحداث تغييراتٍ من عنده.
وهو يَذكُرُ في تلك الصفحة مجموعةً من الروايات التي اقتَبس منها وكانت مصدَرَ إلهامٍ له، إلَّا أنه يُقِرُّ باعترافٍ خطير آخَرَ، جاء في آخِرِ سطرين، يقول فيه: "أرجو أن تكونَ هُوِيَّةُ كثيرٍ من المؤلِّفين الذين تعلَّمتُ منهم واضحةً من خلالِ النصِّ .. أمَّا هُوِيَّةُ الآخرِين فيجبُ أن تبقى غُفْلًا".
° ويلاحقُه هنا سؤال: لماذا أغفَلَ ذِكرَ أسماءِ هؤلاء؟!.
إن الإجابة المنطقية، التي تتبادرُ إلى الذهن، هي أنهم شركاؤه في المؤامرة.
ولقد حَدَث ما هو متوقَّعٌ من اعتراف "الدجَّال الهندي" بالعبث بتراجم القرآن، فهو يقتبسُ آياتٍ من سورة النجم -التي زَعَم كالزنادقةِ السابقين أن النبيَّ أضاف إليها عبارتَين شيطانيَّتَينِ تَمدَحُ آلهةَ المشركين-، ثم هو يَعبَثُ بصيغةِ الآيات المقتبسَة، فُيحوِّل بعضَها من صيغةِ الضمير الثالث "المفرد الغائب" إلى صيغة الضمير الأول "المفرد المتكلم"، وبذلك يوحِي للقارئ بأن القرآن من عَمَل محمدٍ، لكنه -في تزويره هذا- نَسِيَ -ككلِّ مجرمٍ- أن
[ ٢ / ٥٨٩ ]
يُحكِمَ جريمته، فجاء الجزءُ الأول من الآياتِ المقتَبَسة بصيغةِ الضميرِ الثالث، بينما تلاه الجزءُ المحرَّفُ بصيغةِ الضمير الأول.
* فآيات سورة "النجم" تقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١ - ١٢].
° لقد استبدل الدجال كلمة "الثريا" مكان كلمة "النجم"، واستمر يستخدمُ هذه الصيغةَ إلى أن انتَقل إلى الصيغة الأخرى بكلامٍ وضعه على لسانِ النبيِّ يقول فيه: "ولقد رأيتُه مرة أخرى، عند سِدرةِ المنتهى، عندها جنةُ المأوى، إذ يَغشى السدرةَ ما يَغشى، ما زاغ بصرِي وما طَغَى، لقد رأيتُ من آياتِ الربِّ الكبرى" (^١).
فخالف بذلك جميعَ التراجم المعروفة والتي أشار إلى بعضِها مثل: "داود، وبكتال، وعلي" أن القرآنَ لا يُورِد صيغةَ المتكلِّم المفردِ على لسانِ النبيِّ إلا مسبوقة بكلمة: "قل"، مثل قول الله -سبحانه- لنبيه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ
_________________
(١) I saw him. also at the lote tree of the uttermost end، near which lies the Garden of Repose. When that tree was covered by its covering my eye was mot averted، neither did my gaze wander; and I saw some of the greatest signs of the Lord.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠].
ولقد وردت كلمة: "قل"، في القرآن ٣٣٢ مرة، في آياته التي تبلغ ٦٢٣٦ آية.
نحن -إذن- نتعامل مع خائنٍ غيرِ مؤتَمَنٍ على أيسرِ الأمانات، "أمانة النقل".
° "ما هذا النبيُّ إلَّا رسولُ الله إلى الناس، يُبلِّغُهم رسالاتِ ربِّهم، ويَنقُلُ إليهم كلماتِه، فيكون مُحدِّثَهم الأمينَ باسم الله، تحقيقًا لِمَا تنبَّأتْ به التوراةُ، وحيًا من الله لموسى، في قوله: "أُقيمُ لهم نبيًّا من وسط إخوتِهم، مِثْلَك، وأجعلُ كلامي في فمِه، فيُكَلمُهم بكلِّ ما أُوصيه به.
ويكونُ أن الإِنسانَ الذي لا يَسمعُ لكلامي الذي يتكلَّمُ به باسمي، أنا أطالبه" - (تثنية ١٨: ١٨ - ١٩).
° لم يَقُلِ الله: "أقيم لهم إلهًا، أو ابن الله"، لكنه قال: "أقيمُ لهم نبيًّا" مثلَ موسى من بين إخوة بني إسرائيلَ بنِ إسحاق، أي: من العرب بني إسماعيل أخي إسحاق، مهمَّتُه الأساسيةُ نَقلُ كلام الله إلى الناس، ومَن لا يسمعُ لذلك الكلام -الذى يقرؤه عليهم قرآنًا- فإن الرب ينتقمُ منه".
إن الأمرَ واضحٌ تمامًا، لكنَّ القومَ يصِمُّون الآذان، ويُغمِضون العيون.
° بعد ذلك، تبدأ أولُ سطورِ الرواية بحديثٍ عن عقيدةٍ هندوكية تُعرف باسم "تناسخ الأرواح"، أي الموتُ والولادةُ مرةً ثانية، أو تكرارُ
[ ٢ / ٥٩١ ]
الولادة، ويَحدُثُ ذلك -حسبَ ظنِّ مَن يعتقدون في هذا- بعدَ موتِ الإنسان، فيَبْلَى جَسدُه، أمَّا رُوحُه، فتعودُ إلى الحياةِ متقمِّصةً جسدًا جديدًا، قد يكونُ إنسانًا أو حيوانًا، أو حشرة، فتبدأُ الروحُ بذلك دَورةَ حياةٍ جديدةٍ.
إن استخدامَ هذه الفكرةِ يَسمحُ باللعبِ بالأشخاص والأزمنة، فتتداخلُ الأحداثُ، وتختلطُ الصورُ والأوراق، ويُتركُ القارئُ متحيِّرًا، أو واقعًا تحتَ إيحاءاتِه، فهو -بهذا- يَهربُ من الجديَّة والموضوعية التي تتطلَّبُهما الدراسات العِلمية، وَيجنحُ إلى روايةٍ يُفرغُ فيها سُمومَه وخيالاتِه، فيَعبثُ بالحقائقِ المعروفة، ويُزيِّفُ التاريخَ كما يشاء، ويَتركُ القارئَ -بذلك- يسبحُ في هواء.
وفي الفصل الأول: "المَلَك جبريل"، نجدُ "الدجَّالَ" يخلعُ اسمَه على مواطنٍ هندي أسماه: "جبريل فارشتا"، الذي يذهبُ من "بومباي" إلى لندن، ومعه على نَفسِ الطائرة مواطنٌ آخَرُ هو "صلادين شمشا"، والذين تَقعُ بهما الطائرة في القنال الإِنجليزي، ثم يَنجُوانِ من الموت بمعجزة، فيصابُ جبريلُ بانفصامِ الشخصية.
ويَحلُمُ جبريلُ، ويَحلُمُ كثيرًا، ويَبُثُّ أحلامَه إلى "ماهوند" -في الفصل الثاني-، فيَربطُ الوحيَ إلى نبيِّ الجاهلية بذلك التزييفِ المستمَدِّ من فكرة "تناسخ الأرواح".
° لقد عَمَدَ هذا المحتالُ -كما قال بحقٍّ الناقد "سامي خشبة"- إلى أن: "يَضَعَ ثقافتَه الخاصَّة مكانَ ثقافةِ كلِّ شخصياته، ويَضَعَ فِكرَه وعَقْله الخاصَّينِ، مكانَ فِكرِ كلِّ شخصياتِه وعقولها .. والمؤلِّفُ يسوقُ أفكارَه
[ ٢ / ٥٩٢ ]
سَوقًا، من وراءِ شخصياته التي تبدو كالأقنعةِ أو المشْجَبِ حاملِ الأفكار، نحوَ هدفٍ محدَّدٍ هو: إلى أيِّ اتِّجاهٍ ينبغي -ويُمكِنُ للمسلمين الذين يُخاطبُهم في الغربِ أو في أوطانهم- أن يتَّخذوه .. لقد لَمْلَمَ سلمان رشدي كتابه "آيات شيطانية"، من ثلاثِ قَصَصٍ طويلةٍ لا يَربطُ بينها رابطٌ ما، ووزَّع فصولَ القَصصِ الثلاثِ توزيعًا اعتباطيًّا تقريبًا .. أما "رشدي"، المتواضعُ الموهبةِ، والفاقدُ الإِيمانِ بشيءٍ أو بعقيدةٍ محدَّدةٍ، فإنه عَجَزَ عن أن يُقيمَ من أكوام خيالاتِه ومعلوماتِه وتأليفاته، وما نَقَله عن المصادِرِ المختلفةِ وألبَسَه كِساءً خياليًّا رديئًا ومفتَعلًا، عَجَز عن أن يقيمَ من كلِّ ذلك بِناءً فنيًّا موحَّدًا، ليس فقط لضَعفِ موهبته، وإنما لأنه أراد أن يَجمعَ بين ما لا يَجتمعُ، وهو: تصوُّرُه الذاتي عن تجربةِ اغترابِ المثقَّفِ الشرقيِّ "الهندي" عن هُوِيَّةِ أُمَّتِه، وعن تجارِبِ المسلمين المغترِبين في أوروبا "لندن"، أو المُقيمين في وطنهم "بومباي" .. ثم مجموعةِ الأكاذيب والمخترَعاتِ والإهانات -التي ألَّفَ بعضها بنفسه-، والتي وجَّهها إلى الإِسلام وكتابِه ورسوله .. ويَضمَنُ السيد "رشدي" أن يستمرَّ خَلط الأوراقِ بلا نهاية، عندما يَستخدمُ لتسميةِ الأشياء والظواهر، أسماءَ متناقضةً لحقيقةِ الأشياء والظواهر، حتى يتحقَّقَ التشويشُ المطلوبُ على الحُلولِ العلميَّةِ الحقيقية، والحلول التي تسعى إليها الشعوبُ الآن -في الشرقِ والغربِ على السواء، بصرفِ النظرِ عن جهودِ البرابرة المعاصِرِين عندهم وعندنا-، الحلولُ التي تتلخَّصُ في الديمقراطية والعقلانية اللتين تَحفظَانِ لكلِّ شعبٍ، ولكل طائفةٍ من شَعبٍ، الحقَّ في سِماته -أو سيماتِها الخاصة- في إطارِ ثقافةٍ إنسانيةٍ عامة، وثقافاتٍ قوميةٍ متمايزة، مستنيرةٍ ومثقَّفةٍ بحقيقتها وبحقائق الثقافاتِ
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الأخرى، ومتخلِّصةٍ من تعصُّباتها المتهوِّسة، ومن الرغبة في تلويثِ ثقافاتِ الآخَرِينَ وتدنيسِ مقدَّساتهم، ومتخلِّصةٍ من الرغبة في استخدامِ الإِبداع لنَصبِ الفِخَاخِ وإشعالِ الحرائق" (^١).
* الأمكنة والأشخاص:
"ماهوند": يتيم، سريعُ الخُطى، يتسلَّقُ الجَبَلَ الحارَّ في الحجاز ليبقى هناك شهرًا في وِحدته، إذا نُطق اسمُه صحيحًا فإنه يعني: ذلك الذي يجبُ أن يُخَصَّ بالحمد، لكنه يأخذ اسم "ماهوند"، مرادفًا لاسم الشيطان! (ص ٩٣).
بهذا يتحدَّث الدجالُ عن محمدِ بن عبد الله - ﷺ -.
"الجاهلية": بُنيت كلُّها من الرمال، ويأتي ماؤُها من مجارٍ وينابيعَ جوفية، واحدةٌ منها تسمَّى "زمزم"، وتقعُ في قلبِ المدينة، ملاصقةٌ بيتَ "الحَجَرِ الأسود"، وفي هذه المدينة يؤسِّس "ماهوند" واحدةً من أكبرِ دياناتِ العالَم، ويَهمِسُ صوتٌ في أُذنه: "أيُّ نوعٍ من الإنكار أنت؟ إنسانٌ أم فأرٌ؟! " (ص ٩٤، ٩٥).
"فالجاهليةُ" تعني "مكة".
"يثرب": واحةٌ في شمالِ مدينةِ الجاهلية، تتمتَّعُ بجوٍّ رَطْبٍ، انتقل إليها المهاجرون أتباع عقيدةِ الإِسلام الجديدة (ص ٣٦٣).
"أتباع ماهوند في مدينة الجاهلية": كان من أوائلهم: "خالدٌ سَقَّاءُ الماء الحقير، ثم ذلك المتسكِّعُ من فارس ويَحملُ اسمًا غريبًا: سلمان، ولتكملة
_________________
(١) صحيفة "الأهرام" في ٢٦/ ٥، ٢/ ٦/ ١٩٨٩.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
هذا الثلاثيِّ من حُثالةِ المجتمع، هناك العبدُ بلالٌ الذي حرَّره محمد، ثم حمزة عمه" (ص ٩٥، ١٠١).
"أعداء ماهوند في مدينة الجاهلية": "أبو سِمبل"، سيِّد الجاهلية، وزُوجُ "هند" الجميلة الرهيبة، وكانت عشيرةُ هندٍ تتحكَّمُ في معبد "أللات" وتتلقَّى عائداتِ مَعْبَدَي "مناة والعُزَّى" .. كما كان "بعل" خادمًا لـ "أللات" وشاعرَ هجاءٍ مشهور .. وكان "أبو سمبل" ديُّوثًا، يَعلمُ أن "بعل" عشيقٌ لزوجِهِ "هند"، التي كانت شديدةَ النهم الجنسيِّ، حتى أنها ضاجَعَت كلَّ مؤلِّفي مدينة الجاهلية! (ص ٩٦، ١٠٠، ٣٦١).
"فأبو سمبل" يعني: "أبا سفيان"، وأما "بعل" شاعر الهجاء، فهو اختراعٌ من الدجال.
"الحجاب": جَعَل "الحجاب" اسمًا لأشهرِ ماخُورٍ في مدينة الجاهلية، له فناءٌ واسعٌ تُحيطُ به غُرَفُ الجِنس.
° "كم زوجةً؟ اثنتا عَشْرة، وسيِّدةٌ عجوز تُوفِّيت منذ زمنٍ بعيد .. وكم مُومِسٍ في الماخور؟ اثنتا عَشْرة! ..
وكانت المؤمسُ "عائشةُ"، ذاتُ الخمسةَ عَشَرَ عامًا، أكثرَ العاملات رواجًا، تمامًا كما كانت سَمِيَّتُها مع "ماهوند" .. وكانت أكبَرُهُنَّ سنًّا المومسُ البدينةُ "سودة"، وكان لها زُوَّارٌ كثيرون .. أما المومس "حفصة"، فكانت حادَّةَ الطبعِ مِثلَ سَمِيَّتها .. وكان الماخور مرآةً للجماعاتِ السياسية في مسجد يثرب، فكان هناك -مثلًا- تحالُفٌ بين "عائشة وحفصة" ضدَّ "أم سلمة" المخزومية "ورَمْلة بنتِ أبي سمبل"، وكان هناك "زينب بنت جحش"
[ ٢ / ٥٩٥ ]
و"جويرية" و"صفية" و"ميمونة"، ثم أكثَرُهنَّ إثارةً للشهوة الجنسيَّة، الفاتنةُ المصرية "مارية القبطية"، التي رَفَضَتْ أن تُعلِّمَ "عائشة" ألاعيبَها.
وعندما فكَّرت المومساتُ في مُستقبلِهِنَّ، رأَيْنَ أنْ يكونَ لهنَّ زوجٌ صُوريٌّ هو "بعل" .. وفي هذا الوكرِ الداعرِ أصبح "بعلٌ" زوجًا لنساءِ رجلِ الأعمال السابق، "ماهوند"! " (ص ٣٧٦، ٣٨٠، ٣٨٣).
لقد كَبْكَبَ الدجَّالُ على وجهه، وعَبَثَ بعقولِ قُرَّائِه، كعادته في طولِ الرواية وعَرْضِها، فبعدَ أن انتحلَّ لمؤمساتِ ماخوره أسماءَ زوجاتِ النبيِّ - ﷺ -، إذا به يعود بفُجْرِه المعهود، فيَجعلُ مِن "بعل" "زوجًا لنساءِ "ماهوند"، بدلًا مِن أن يحترمَ قُرَّاءَهَ، ولو مرةً واحدة، فيقول: "زوجًا لسميات نساء ماهوند"!.
° ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ٢٢].
* الألفاظُ والتراكيب:
تمتلئُ هذه الرواية الشيطانيةُ بأقذرِ الألفاظِ وأشدِّها فُحشًا. وأغلبُها مما يتداولُه الزناةُ مع المومسات في المواخير من مسميَّاتٍ وأوصاف. ونذكر فيما يلي بعضًا منها، نُشير إلى اللفظِ المبتذَلِ بحرفٍ أو حَرفين منه، مما يتداوله
[ ٢ / ٥٩٦ ]
السِّفْلةُ من الناس:
- فرج المرأة: "كـ"، والجمع: "أكـ".
° يتحدَّثُ الدجَّالُ عن أصغرِ مومسٍ في الماخور فيقول: "قبلَ تكميمِ أصغرِ الـ أكـ، صَرَخت قائلة … " (^١).
- ممارسة الجنس: ن كـ.
° قال أبو سمبل "أبو سفيان" لتابعه شاعِرِ الهجاء "بعل": "أيها القَوَّاد! أنا أعلمُ أنك .. ن كـ امرأتي" (^٢)!.
° وصل خطابٌ لمحمود يقول: "يا آكِلَ الخِراء! إنك .. ن كـ امرأتي" (^٣).
° ويقول جبريل: "أحلام ن كـ الأمهات سببُ كلِّ البلاءِ للجنسِ البشري .. " (^٤).
° وفي مدينة الجاهلية: "كان كلُّ الحديثِ منصبًّا على الـ ن كـ والمال" (^٥).
° ولقد امتلأت الروايةُ بالشتائم القذرة، بَدءً من صفحاتِها الأولى حتى صفحاتها الأخيرة، مثل: "ابن الزنا" .. "أبناء الزنا" (^٦).
° وامتلأت الرواية بتعابيرَ مُقزِّزة، لا تَخرجُ إلا من نَفسٍ قَذِرة تَسبحُ
_________________
(١) (before the youngest cunt wus gagged، she yelled …) (P.٣٨٩)
(٢) (Pimpl - I know you fuck my wife (P.١٠٠
(٣) (shit - eater، you're fucking my woman) (P.٢٠٧)
(٤) (Mother - fucking dreams، cause of all the trouble in the human race ..) (P.١٢٢)
(٥) (al the talk was of fucking and money) (P.٤٠٨)
(٦) (Bastard.) .. (Bastards.) (PP.٣،٨ .. ٩٥، ١٠٥، ١١٦، ٣٦٧، ٣٧٦)
[ ٢ / ٥٩٧ ]
دائمًا بفكرِها في المراحيضِ وأماكنِ القاذورات، ففي حديث "الأم الهندية" المسلمة لابنها، قالت له: "لا تَصِرْ قَذِرًا مثل أولئك الإِنجليز، فهم يمسحُون استاههم بورقٍ فقط" (ص ٣٩).
° فردَّ عليها الابنُ المنبهر: "إن ما تقولينَه يا أمي لا يمكنُ تصديقه، إن إنجلترا حضارة عظيمة، وما تقولينه هُراء".
° "وكان يُسيئُه كثيرًا أن يقارَنَ بطفلٍ يَبولُ على نفسه" .. (ص ٤٧).
° وَيعبثُ الدجَّالُ الهنديُّ بعقولِ قُرَّائه، فيستخدمُ أساليبَ ركيكةً هازلةً كأنه يَحكي قصةً للأطفال قبلَ النوم، فيقول: "كان ما كان في قديم الزمان .. " (ص ١٤٣).
° ولَمَّا كان مؤلِّفًا رديئًا، فاقدَ المواهب، كان مَثَلُه كمَثَلِ تلميذٍ خائبٍ تعلَّمَ جُملةً واحدةً مفيدةً، كانت كلَّ زادِهِ، فما انْفَكَّ يستخدمُها في كلِّ المناسباتِ دون تمييز.
° ولَمَّا كانت عبارةُ "ألف ليلة وليلة"، ذاتُ مذاقٍ خاصٍّ، فقد تَشبَّثَ بها، وبَدأَ يَستنسخُ صُورًا منها بلا وَعيٍ أو حساب، فيقول: " .. بسبب طَيشه الذي مارسَه ألفَ مرةٍ ومرة" (ص ٢٦).
° "وفكَّر ألفَ مرةٍ ومرة .. " (ص ٣٧٠).
° "وبعد مئةِ يومٍ ويوم .. " (ص ٨٥).
° ومِثلُ ذلك، حَجمُ أوعيتِه الزمنية التي تؤكِّدُ، حقًّا، أنه كاتبٌ مُمِلٌّ هزيل، فهو يقول في صفحة (ص ٣٩٢): "ولم تَرَ مخلوقًا حيًّا آخَرَ، طيلةَ سنتين وشهرين .. ".
[ ٢ / ٥٩٨ ]
° ثم يكرِّرُ ذلك في نفسِ الصفحة: "وبَقِيَتْ مدةَ سنتين وشهرين .. ".
° ويقول أيضًا: "وبعد مرورِ سنتين ويومًا واحدًا من بَدءِ "بعل" لحياتِه في ماخور الحجاب .. " (ص ٣٨٥).
هذا بعضُ العار الذي ألحقه ذلك الكاتبُ التافهُ بلغةِ قومِ شكسبير وبالأدب الإِنجليزي عامة، وبجامعةِ "كمبردج" التي يقال: إنه تخرَّج منها، على وجهِ الخصوص!.
* تزييفُ الحقائقِ واختلاقُ الأكاذيب:
ذلك دَأْبُ الدجالِ الهنديِّ في روايته الشيطانية .. والحديثُ في هذا يَطُول، نكتفي منه بعَرض أمثلةٍ محدودة، لهذا وذاك.
أولًا - فمِن حقائق التاريخ الإِسلامي:
١ - أن "خالدًا" كان بَطَل المشركين في معركةِ "أُحد" التي وقعت في السنة الثالثة من الهجرة، وانهزم فيها المسلمون، وأُصيب فيها النبيُّ - ﷺ - وشُجَّ في وجهه، لقد كان ذلك بعد الهجرة إلى المدينة، حيث كان خالدٌ ما زال على شِركه، ولم يُسلِمْ خالدٌ إلا في السَّنةِ السابعة من الهجرة، بعد عُمرةِ القضاء، حيث تَرَك مكةَ وذهب إلى المدينة يُعلِنُ إسلامَه إمام النبيِّ - ﷺ -.
٢ - أن "حمزة" كان بَطَلَ المسلمين في معركة "بدر الكبرى" التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة، حيث انتصر المسلمون، وقُتل فيها عتبةُ ابن ربيعة -والدُ هندٍ امرأةِ أبي سفيان "أبي سمبل في الرواية"- كما قُتل في بدر الوليدُ بن عتبة -أخو هند- وشيبةُ عمُّها.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
٣ - أن "سلمانَ الفارسيَّ" كان قد تعرَّضَ لعمليةِ اختطافٍ بِيْع على أثرِها ليهوديٍّ من بني قُريظة بالمدينة، فلما قَدم النبيُّ - ﷺ - المدينةَ وسمعَ به سلمان، أسلم على يديه، وقد أعانه النبيُّ - ﷺ - وصحابتُه على تحريرِ رقبته، فأمَدُّوه بالمالِ الذي أَعْتَق به نفسَه بعد سنينَ من إسلامه، وكان الرِّقُّ قد حَبَسه عن حضورِ "بدرٍ وأُحد"، فكانت غزوةُ "الأحزاب" أولَ مشاهِدِه، حيث أشار بحَفرِ الخندق، وكان ذلك في السَّنة الخامسة من الهجرة، وقد عاش مُسلِمًا كريمًا، وتُوفِّي مسلمًا كريمًا بـ "المدائن" في خلافةِ "عثمان".
ولقد اتَّخذ الرسولُ - ﷺ - في مكةَ كَتَبَةً يكتبون الوحيَ قبلَ إسلامِ سلمانَ بأكثرَ من ١٥ سنة، كما استمرُّوا يكتبون له بـ "المدينة"، ويَزيدُ عددُهم على ٢٠ كاتبًا، ليس منهم سلمان.
فما كان سلمانُ الفارسيُّ يومًا ما من كَتَبَةِ القرآن!!.
° لكنَّ الكاتبَ الجهول "سلمان رشدي"، ما كان له إلا أن يُزِيِّفَ تاريخًا يجهلُه، فلو احتَرَم نفسَه مرةً واحدةً، أو احتَرَم قُرَّاءَه، لَقرأَ شيئًا عن تاريخِ صَدرِ الإِسلام لِيستعينَ به على حَبْكِ روايته.
* فمِن جهالاتِ الدجَّال الهندي:
١ - أن "خالدًا وسلمان" كانوا من أوائلِ المسلمين بمكة "مدينة الجاهلية"، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
٢ - وأن "حمزة" قَتل أخا هندٍ في مكةَ عندما هاجمِ هذا الأخيرَ مع زملاءَ له كُلاًّ من خالدٍ وسلمان وبلال، فأنقذ حمزةُ إخوتَه المسلمين من موتٍ محقق (ص ١١٨).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
٣ - وأن "سلمان" كان الكاتبَ الرسميَّ للنبي - ﷺ - (ص ٣٦٥).
٤ - وأن النبي - ﷺ - كان قد اشترى "بلالًا" وأعتقه (ص ١٠١، ١٠٢)، والصحيحُ أن أبا بكر - ﵁ - هو الذي اشتَراه وأعتقه.
٥ - وأنه عَقِبَ موتِ النبي - ﷺ -، خَرَجَت عائشةُ من حُجرتها تقول: "من كان قد عَبَدَ الرسول، فليحزَنوا؛ لأن ماهوند "محمد" مات، ومَن كان يعبدُ اللهَ، فليبتهِجوا؛ لأنه حيٌّ لا يموت" (ص ٣٩٤).
° ثم يُردِفُ الدَّجالُ، بعد ذلك قائلًا: "لقد كان هذا نهايةَ الحُلم"، "حلم جبريل بموت محمد" (ص ٣٩٣).
° والحقيقةُ أن أبا بكر - ﵁ - هو الذي قال عَقِبَ موت الرسول - ﷺ -: "أيها الناس، إن مَن كان يعبدُ محمدًا، فإنَّ محمدًا قد مات، ومَن كان يَعبدُ اللهَ فإن اللهَ حيٌّ لا يموت"، ثم تلا قولَه -تعالى- في القرآن: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
* تزييفُه لحقائقِ الإِسلام والتاريخ:
زَيَّف هذا الدجَّالُ الهنديُّ حقائق الإِسلام والتاريخ .. وبدأ يوجِّه سِهامَه إلى حقيقةِ الإِسلام الخالدة: "توحيد الله -﷿-"، وخاب إفكُه وما افترى، فاسمع إلى دَجَلِه وكَذِبِه في حكايته لقصةِ "الغرانيق" التي نَسَفَها حُفَّاظُ الحديثِ ورجالُه، وفي عصرِنا هذا كتبَ مُحدِّثُ ديارِ الشام "الألباني" - ﵀ - "نصب المجانيق لنسفِ قصةِ الغرانيق" .. فتعالَ معي:
[ ٢ / ٦٠١ ]
* صفقة مزعومة بين النبي وأبي سفيان!:
° يبدأُ الدجَّالُ هذا الجزءَ من روايته الشيطانية بقول أبي سمبل "أبي سفيان" لأحدِ خِصيانه: "أرسِلْ رسولًا إلى بيتِ الكاهن "ماهوند"، سوف نُجرِي له اختبارًا بسيطًا، مباراةً عادلة: ثلاثةٌ ضدُّ واحد".
° يتغيَّب "ماهوند" على أصحابه: حمزة وخالد وبلال وسلمان، فيَقْلَقون عليه، وعندما يعودُ إليهم يُبادِرُه حمزةُ بقوله: "يا ابن أخي، هذا شيءٌ ملعون! عندما تنزلُ من الجَبَل يكون حولَك نورٌ ساطع، أما اليوم، فيوجد شيءٌ مُظلم"! ثم يجلس "ماهوند" على حافَّةِ بئرِ "زمزم" ويبتسمُ قائلًا: "لقد عُرضت عليَّ صفقة .. فيصيح خالد: مِن أبو سمبل؟ إن هذا شيءٌ لا يُتصوَّر! ارفُضْها .. يستأنف "ماهوند" قائلًا: إنه أمرٌ تافهٌ، حَبَّةُ رملٍ صغيرة، فأبو سمبل يَسألُ اللهَ أنه يَمنحَه امتيازًا واحدًا صغيرًا".
° يرى حمزةُ أثَرَ الإجهاد عليه، كما لو كان قد صارع شيطانًا، ويَصرُخ السَّقاء "خالد" قائلًا: "لا شيء! ولا ذَرَّةً واحدة! " يستأنفُ "ماهوند" قائلًا: "إذا كان إلهُنا العظيمُ قد وَجَد في قلبِه أنه إذا تمَّ التسليمُ بأن ثلاثةً -ثلاثةً فقط من بين ثلاثِمِئةٍ وستِّينَ صَنَمًا في البيت- هي التي تَستحقُّ العبادة" .. وهناك يَصيحُ بلالٌ: "لا إله إلا الله"! ويشاركه زملاؤه في القول: يا الله!.
° ويستأنف "ماهوند": "إنه يطلبُ موافقةَ الله على: أللات والعزى ومناة، في مقابل ذلك يُعطِي الضمانَ بالتسامح الديني، بل وبالاعترافِ بنا رسميًّا، ويكون الدليلُ على مِصداقيةِ الصفقةِ أن أُنْتَخَبَ عُضوًا في مجلس
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الجاهلية "دار الندوة" .. هذا هو العَرْض".
° ويبدأُ التعليقُ من أصحابه، فيقول له سلمانُ الفارسي: "إنها مَصيدة! طِيلةَ كم من الزمنِ ونحن نتلو شهادةَ الإيمان الذي جِئتَنا به وهو: لا إله إلا الله؟! كيف يكونُ حالُنا عندما تتخلَّى عن ذلك الآن؟! ".
° ويقول "حمزة" في قلق: "إنك لم تهتمَّ بآرائهم مِن قبلُ، فلماذا تهتمُّ بها الآن؟! ولماذا تهتمُّ بها بعد الحديث مع "أبي سمبل"؟! ".
° فيجيب "ماهوند": "إنكم تعلمون واقعَ الأمر: لقد فَشِلنا في اكتسابِ مؤمنين، إن الناسَ لن يتخلَّوا عن آلهتهم".
ثم ينهضُ مبتعِدًا عنهم، يغتسل في زمزم للصلاة.
° ويستأنفُ المناقشةَ بعد الصلاة قائلًا: "ليس المُقتَرَحُ أن يَقْبَلَ اللهُ المعبوداتِ الثلاثَ كُفُوًا له .. أن يُعطَوا فقط نوعًا من الواسطة .. وضعًا أقلَّ".
° وهنا يقول له "حمزة": "يا ابنَ أخي، اصعَدِ الجَبَل، واسأل جبريل" .. ويصعد "ماهوند" الجبل ويسأل جبريل: "هل يُمكنُ أن نُسمِّي "أللات ومَناةَ والعُزَّى" ملائكةً؟ هل لك أخواتٌ يا جبريل؟ هل هُنَّ بناتُ الله"؟ (ص ١٠٤ - ١١١).
لقد عاد الرسول، لم يذهب هذه المرة إلى زمزم، إنه يَدخلُ خَيمةَ الشِّعر "التي يتبارَى فيها شعراءُ الجاهلية"، حيث يَجلسُ "أبو سمبل" سيِّدُ قومِه أعلى المِنَصَّة، وما إن يرى "ماهوند" حتى ينهضَ قائلًا له: "مرحبًا! مرحبًا ماهوند العرَّافُ والكاهن! ".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
° ثم يبدأ "ماهوند" حديثَه قائلًا: "هذا تَجَمُّعٌ لشعراءَ كثيرين، ولستُ أزعمُ أني واحدٌ منهم، لكني رسولٌ آتي بآياتٍ من الواحد الأعظم. فيقول له أبو سمبل: إذا كان إلهك قد كَلَّمك حقًّا، فيجبُ أن يَستمعَ إليه كلُّ الناس .. ثم يَسُودُ صمتٌ يقطعُه ماهوند قائلًا:
بسم الله الرحمن الرحيم، والثريَّا إذا هَوَت، ما ضَلَّ صاحبكم وما غوى، وما يَنطِقُ عن الهوى، إنْ هو إلَّا وحيٌ يوحى، عَلَّمه شديدُ القوى، ذو مِرَّةٍ فاستوى، وهو بالأُفق الأعلى، ثم دنا فتدلَّى، فكان قاب قوسَين أو أدنى، فأوحى إلى عَبدِه ما أوحى، ما كَذَب الفؤادُ ما رأى، أفتُمارُونه على ما يرى، ولقد رأيتُه مرةً أخرى، عند سِدرةِ المنتهى، عندها جنَّةُ المأوى، إذ يغَشَى السِّدرةَ ما يَغشى، ما زاغ بَصَرِي وما طَغى، لقد رأيتُ من آياتِ الربِّ الكبرى".
° وعند هذا الحدِّ، وبلا أدنى تردُّدٍ أو ارتياب، يتلو "ماهوند" مقطَعَينِ آخَرَين: "أفرأيتم اللاتَ والعُزَّى. ومَناةَ الثالثةَ الأخرى. هُنَّ الطيورُ العُلا. وإن شفاعَتَهُنَّ تُرتَجَى" (^١).
° وعندئذٍ تُسمَعُ صيحاتٌ وهُتافٌ وصلواتٌ للمعبودة: "أللات" .. ويهتف "أبو سمبل": "الله أكبر"! ثم يسجد بعدها، وتتبعُه زوجُه "هند" .. ويسجدُ الحاضرون جميعًا بين يَدَيِ النبيِّ الذي اعترف بالآلهة التي تَحمِي مدينة الجاهلية"! (ص ١١٣ - ١١٥).
° وهكذا، يَعبثُ الدجَّالُ الهنديُّ بواحدةٍ من أكبرِ دِياناتِ العالَم، ديانةِ التوحيد النَّقِيِّ الذي هو سَمتُها المميَّز .. يأتي هذا المَسْخُ محاولًا أن
_________________
(١) (They are the exalted birds، and their intercession is desired indeed)
[ ٢ / ٦٠٤ ]
يُهاجمَها في أقوى حُصونها مَنَعَةً، وأشدِّ مداخِلِها صَرامةً .. ولكن هيهات هيهات!.
لقد حدث في المؤتمر الثاني للحوار الإِسلامي المسيحي، الذي عُقد في قرطبة عام ١٩٧٧، أن ألقى الكاردينال "ترانكون" رئيس أساقفة أسبانيا كلمة الافتتاح، وقال فيها: "إني -كأسقف- أَوَدُّ أن أنصحَ المؤمنين المسيحيين بنسيان الماضي، كما يريدُ المَجمعُ البابوي منهم، وأن يُعرِبوا عن احترامهم لنبيِّ الإِسلام .. إن هذا شيءٌ هامٌّ جدًّا بالنسبة للمسيحيِّ، إذ كيف يستطيعُ أن يُقدِّرَ الإِسلامَ والمسلمين دون تقديرِ نبيِّهم، والقِيَمُ التي بَثَّها ولا يَزالُ يبثُّها في حياةِ أتباعه؟.
لن أُحاوِلَ هنا تِعدادَ قِيَمِ نبيِّ الإِسلام الرئيسية: الدينيةِ منها والإنسانيةِ، فليست هذه مهمتي، وسوف يُلقيها عليكم الأخصائيون واللاهوتيون المسيحيون بالمؤتمر .. غير أني أُريدُ أن أُبرِزَ جانبَينِ إيجابيَّينِ -ضمنَ جوانب أخرى عديدة- وهما:
* إِيمانُه بتوحيدِ الله وانشغالُه بالعدالة:
- أما إيمانه بالله الأحد، فهو سِمةُ حياته، إنها أهمُّ عقيدةٍ تَرَكها لأُمَّتِه.
- وأمَّا دعوتُه إلى العدالة مع شَتَّى التطبيقات الدينية والاجتماعية، فهي ما تزال قائمةً .. بَيْدَ أنِّي أَوَدُّ أن أَخُصَّ بالذِّكر دعوتَه إلى سواسيةِ الناس، رجالًا ونساء، وإلى تحقيق العدالة بينهم".
° إنها واحدة من مشاكلِ البشرية عَبْرَ العصور، أن يوجَدَ أقزامٌ يتطاوَلون على عَمالقةِ الحقِّ والخيرِ والجمال.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
° ولقد كان من سُوءِ حظِّ البشرية أنْ أُعطِيَ هؤلاء -وأمثالُهم من صِغارِ النفوس- حظوظًا من مُختلَفِ الإِمكانات، فاستخدَموها في الهدم والتخريب .. لقد تحقَّق فيهم المَثَلُ الذي ضَرَبه المسيح "مثل الكلاب والخنازير"، حين عَلَّم الناس قائلًا: "لا تُعطُوا القُدْس للكلاب، ولا تَطرحوا دُرَرَكم قُدَّامَ الخنازير لئلَّا تدوسَها بأرجلِها وتلتفتَ فتمزِّقَكم" (متى: ٦: ٧).
* النبيُّ في غرفة نوم هند!:
° يتخيَّلُ الدجَّالُ الهنديُّ أن "هند" زوجةَ أبي سفيان "أبي سمبل" عَثُرت على "ماهوند" ملقًى في أحدِ شوارع مكة "مدينة الجاهلية"، فنَقَلَه خَدَمُها إلى غُرفتها، وهناك استردَّ وَعْيَه، وفي هذا يقول: "يستيقظ النبيُّ بين مِلاءاتٍ من الحرير، وهو يُعانِي من صُداعٍ عنيف، في غُرفةٍ لم يَرَها مِن قبلُ .. ثم لا يَلبثُ أن يَتعرَّفَ على صوتِ هند، فينهضُ وقد وَجَد نفسه عاريًا تحتَ ملاءة، فيناديها قائلًا: هل تعرَّضتُ لهجوم؟ .. تُصفِّقُ هند بيديها، فيأتي الخَدَمُ بطعامِ الإفطار، ويرتدي النبيُّ جِلبابًا من الحرير .. تَسخَرُ منه هندٌ قائلة: أيها الرسول! .. يا له من رسولٍ لا يُغازِلُ النساء! أمَا كان في مَقدُورِك الحضور إلى غُرفتي بإرادتك، وأنت في كامل وَعيك؟ بالطبع، كلا، إني متأكدةٌ أني كنتُ طَردتُك .. يسألها النبيُّ: هل أنا سجين؟ فتضحكُ منه مرةً أخرى قائلة: لا تكنْ أحمق .. ثم تهزُّ كتفَيها استهزاءً وتقول له: كنتُ أتجوَّل ليلةَ أمس، وقد ارتديتُ قِناعًا، في شوارع المدينة، لأشاهدَ المهرجان، وما كان إلَّا أن تعثَّرتُ في جسدك فاقدِ الوعي، مِثلَ سكران سقط في بالُوعة، يا ماهوند! لقد أرسلتُ خَدَمي بحَمَّالةٍ
[ ٢ / ٦٠٦ ]
لإحضارك إلى بيتي، فلْتَقُل لي: "شكرًا". فقال لها: شكرًا .. ثم يتذكَّرُ ما حدث ويقول: لقد أُغمِيَ عليَّ.
تأتي هند، وتجلسُ على السرير قريبةً منه، وتَمدُّ إصبَعَها في فَتحةِ الجلباب، وتَضربُ صَدرَه، ثم تُتمتم: أُغمي عليك! هذا ضَعفٌ يا ماهوند .. هل ضَعُفتَ؟ ثم تُردِفُ قائلةً له: أنا زوجةُ سيِّد قومه، وكلانا -أنا وهو- لسنا من أصدقائك، إن زوجي رجلٌ ضعيف، يعلمُ أنَّ لي عُشَّاقًا ولا يَفعلُ شيئًا، وذلك لأنَّ رِعايةَ بيوتِ العبادة في أُسرتي: "أللات والعزى ومناة".
وتُقدِّمُ هندٌ للنبيِّ مكعَّباتٍ من البِطيخ، محاوِلةً إطعامَه بأصابعها، لكنه يرفضُ إطعامَها له، ويتناولُ البِطيخَ بنفسه.
ثم تستطردُ قائلةً: "بَعل" هو آخِرُ عُشَّاقي .. وهنا تلمحُ الغَيظَ في وجهه .. وتقول له: لا بعل ولا أبو سمبل كفءٌ لك، أنا فقط .. أنا عَدلُك وأنا خَصمُك .. ثم تقتربُ منه واضعةً وجهها أقربَ ما يكون منه، وتقول: إذا كنتَ أنت نائبًا عن الله، فأنا نائبة عن أللات، وهي لن تؤمنَ بإلهِك عندما يَعترفُ بها، إن معارضَتَها له عنيدةٌ ونهائيةٌ للحرب بيننا، لا تنتهي بهُدنة -ويا لها من هُدنة!! - إنَّ إلهَك رَبٌّ متعالٍ، ولا يُوجد لدى أللات أقلُّ رغبةٍ في أن تكونَ ابنتَه، إنها كفءٌ له كما أني كفءٌ لك.
عندئذٍ يسألها ماهوند: وبِناءً على ذلك، هو يَخونُ سيِّدُ قومِه عهدَه؟ وتجيبُ هند: مَن يدري؟ إنه ضعيف كما أخبرتُك، لكني أَصدُقُكَ القول: لا يمكن أن يوجَد سلامٌ بين الله وهذه الثلاث، أنا لا أُريد ذلك، أريدُ القتالَ حتى الموت، هذا ما أنا عليه .. ثم يرحل النبي" (ص ١١٩ - ١٢١).
[ ٢ / ٦٠٧ ]
عَبَثٌ ما بعده عَبَث، وفجورٌ ما بعده فجور (^١).
وغدًا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
° ولله دَرُّ أحمد يسري حين يقولُ في قصيدته "سلمان والشيطان":
تَبَّتْ يَداكَ أبا لَهَبْ … قُتِل الكِتابُ ومَن كتَبْ
يُوحِي لك الشيطانُ … بالأفكارِ في صُوَرِ الأدبْ
يَضَعُ الكمامةَ فوقَ … عَينيك يا لَسُوءِ المُنقَلَبْ
ويَقودُ خَطوَكَ باعوجاجٍ … كي تُشارِكَه اللَّهَبْ
قَدَحَ الشَّرارَ بعينِهِ … ورَمَى خيالَك بالشُّهُبْ
طافَ البلادَ فلمْ يَجِدْ … إلَّاك مُخْتَلَّ العَصَبْ
لا شكَّ أنك عندَه … في الخَلقِ أدنى الرُّتَبْ
سلمانُ، لا سَلِمَتْ يَداك … ولا سَلِمْتَ منَ العَطَبْ
وَخلَعْتَ دينَكَ ضَلَّةً … وخَنِسْتَ تَرْقُبُ عن كثَبْ
وهَجَرْتَ أًرْضَكَ مُفلِسًا … تسعى فيُبلِيكَ الجَرَبْ
أيقَنْتَ أنَّ محمدًا … يُفدَى بأُمٍّ أو بأبْ
ورأيتَ فيه نَموذجًا … للخيرِ في كلِّ الحِقَبْ
وإلى ديانةِ أحمدٍ … قد كنتَ يومًا تَنتسبْ
فتَمكَّنَ الشيطاَنُ منكَ … مِنَ الدِّماغ إلى الذَّنَبْ
وتَطاوَلَ القَلَمُ اللعينُ … وراح يَسْكُبُ ما سَكَبْ
_________________
(١) مختصر من كتاب "تعدد نساء الأنبياء، ومكانة المرأة في اليهودية والمسيحية والإِسلام" للواء أحمد عبد الوهاب (٣٨٩ - ٤٠٧)، ومن (ص ٤٥٥ - ٤٦٨) مكتبة وهبة - القاهرة.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
أتُراكَ تَعلُو بالسِّبابِ؟ … إذنْ فإبليسُ السَّبَبْ
قد خاض قَلبَكَ عُصبةٌ … وعليهمُ حَقٌّ وَجَبْ
مُتْ كلَّ يومٍ مرةً … وذُقِ العذابَ المُرتَقَبْ
فكتابُكَ المنشورُ يُبعَثُ … يومَ نَشْرِكَ بالغَضَبْ
ويَسوءُ وجهَك لا الصُّراخُ … يَقِيكَ منهُ ولا النَّصَبْ
لا تَشترِي حَرَسًا هنالِكَ … أو تُساوِمْ بالذَّهَبْ
فبكلِّ حرفٍ في الكتابِ … عذابُ دَهرٍ تَكتَسِبْ
وبقَدْرِ ما انتسَخوه يُسلَخُ … جِلدُ وَجهِكَ باللَّهَبْ
ورفيقُك الشيطانُ يَرمي … تحت رِجْلِكَ بالحطبْ
يَتبرَّأُ الشيطانُ مِنك … ومِن عذابك لَم تُجَبْ
ذُقْ ما جَنَتْ كفَّاكَ، لا … تجني من الشوكِ العِنَبْ
سلمانُ والشيطانُ ضلاَّ … واستشاطا في الغضبْ
تَعِسَ الرِّفاقُ ومَن يناصِرُهم … ويُجْمِلُ في الطلبْ
* مفتريات على سلمان الفارسي:
° يتخيل الدجَّالُ مشهدًا حَدَث في غُرفة "بعل" -شاعر الهجاء، وتابع أبي سمبل "أبي سفيان" وزوجه هند-، فيقول: "عاد "بعل" إلى غرفته الحقيرة، فوجد فيها شخصًا مُقنَّعًا عاجَلَه بضَربةٍ أَدمَتْه، ثم بدأ بعدَها حوارٌ بينهما كشف أثناءَه المقنَّعُ وجهَه، فبانت شخصيته: إنه سلمان الفارسي! ..
قال سلمانُ لبعل: ماهوند قادم. فارتعد بعل وقال له: إنك واحدٌ من أقربِ صَحابته. فرد سلمانُ: كلَّما كنتَ أقربَ إلى المُشَعْوِذِ، كلَّما سَهُل عليك
[ ٢ / ٦٠٩ ]
كشفُ ألاعِيبه"! (ص ٣٦٢ - ٣٦٣).
° ثم يقول الدجَّال: "وحَلُم جبريل بهذا: ظهر جبريلُ للنبيِّ وسط أشجارِ نخيل الواحة "يثرب"، ووجد نفسَه يتدفَقُ بتشريعات تشريعات .. بدأ سلمانُ يشكو لبعل ويقول: الوحيُ -القرآن- عَلَّم المؤمنَ مِقدارَ ما يأكلُه، وأن الأوضاعَ الجنسيةَ بين الرجل والمرأة كلُّها مقبولةٌ، عدا أن تكونَ المرأةُ فوق الرجل!.
ولقد حدَّد كبيرُ الملائكة -جبريلُ- الطريقةَ التي تُوزَّعُ بها ثروةُ المتوفَّى، حتى إن سلمانَ بدأ يتساءل: أيُّ إلهٍ هذا الذي يبدو كرجلِ أعمال؟! ..
وكان ذلك بدايةَ الفكرةِ التي حَطَّمت إيمانَه"! (ص ٣٦٤).
° "ونظرًا لتعليم سلمانَ الراقي، فقد صار هو الكاتبَ الرسميَّ لماهوند، ومِن ثمَّ صار هو المسؤولَ عن كتابةِ تلك التشريعاتِ المتكاثرة .. وتكلَّم سلمانُ عن حَثِّه النبيَّ على حَفْرِ خندقٍ كبيرٍ حولَ الواحة "يثرب".
وبعد هزيمةِ الجاهليين، قال سلمانُ لبعل برِثاءٍ: أين التكريمُ الشعبيُّ لي؟! أين اعترافُ ماهوند لي بالجميل؟! لماذا لم يَذكُرْني كبيرُ الملائكة في رسائله؟! ولا لفظةً واحدة؟!.
ثم اشتكى سلمانُ لبعلٍ من أنَّ وَحْيَ جبريل كان ينزلُ مؤكِّدًا المواقفَ والتشريعاتِ التي يتَّخذُها ماهوند، ولذا بدأ يشُمُّ رائحةً كريهة .. بعد ذلك أخرج سلمانُ زجاجةَ مُسكِرٍ حارٍّ من عباءته، وبدأ هو وبعل يَعُبَّانِ منها عبًّا .. " (ص ٣٦٥).
° وقال سلمان لبعل: "إن هذا الرجل -ماهوند- ساحر، لم يَقدِرْ أحدٌ على مقاومةِ إغرائه .. وعلى أيِّ حالٍ -قالها سلمانُ وهو يتجرَّعُ بقيةَ [الزجاجة]-
[ ٢ / ٦١٠ ]
قرَّرتُ أن أختبرَه.
فعندما جلس تحت قَدَمَي محمد ليكتبَ له الوحي، بدأ يُغيِّرُه خِلسةً .. لم يلاحظ ماهوند هذه التغييرات، وبهذا بدأتُ أُلَوِّثُ كلمةَ الله بكلماتي الدنسة!.
بعد ذلك عَرفتُ أن أيامي في "يثرب" صارت معدودة، فرحلتُ عنها قبلَ الفجر على جَمَلٍ .. ولم يَعُد يُهِمُّني أن أرتبطَ ثانيةً بمدينةِ الجاهلية "مكة" .. إن ماهوند سيعودُ إليها منتصرًا، وأنا أعلمُ أني سأفقدُ حياتي .. " (ص ٣٦٧ - ٣٦٨).
° "بعد أن فَتَحَ ماهوند مدينة الجاهلية، وأمر بتطهيرِ بيتِ الحَجَرِ الأسود من أصنام الجاهلية -٣٦٠ صنمًا-، جاء الناسُ إليه يُسلِّمون وُيعلنون: "لا إله إلا الله"، همس ماهوند في أُذُن خالد: شخصٌ واحدٌ لم يأتِ لِيركعَ أمامي، سلمانُ، ألم تَجِدوه؟!.
وفي اليوم التالي، يُسحَب سلمانُ إلى حَضرةِ النبيِّ، يُمسِكُه خالدٌ من أُذُنه، وقد مَدَّ سِكِّينًا على رَقَبته، ويُحضِرُه باكيًا متشنِّجًا: وجدتُه أخيرًا مع مومسٍ تصرخُ في وجهه لأنه لم يَدفعْ أُجرتَها، وها هي رائحتُه نَتِنَةٌ من الخمر.
"سلمان الفارسي"! قالها النبيُّ في بداية نُطقِه بالحُكم بإعدامه، لكنْ هذا الأسيرُ يصَرخُ بصوتٍ عال: "لا إله إلا اللهَ"! فيَهُزُّ ماهوند رأسَه قائلًا: إن تحريفَك يا سلمان لا يمكنُ غُفرانُه: أنْ تَضَعَ كلمتَك بَدَلَ كلمةَ الله! يُقسِمُ سلمان على تجديدِ إخلاصه للنبيِّ، ثم يَهمِسُ إليه باسمِ بعل "وشاية" .. وهنا يتدخل بلال لصالحه، فيعفو عنه النبيُّ.
عندئذ يذهبُ خالدٌ للبحث عن بعل: من بيتٍ إلى بيت .. " (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).
[ ٢ / ٦١١ ]
ذلك من مُفتَرَيات الدجَّالِ الهنديِّ سلمان رشدي على الصحابي التقيِّ سلمان الفارسي، لا لسببٍ إلَّا لكونه ينتسبُ إلى فارس "إيران الحديثة" التي اصطدمت بالغَرب كثيرًا بعد سقوط الشاه، إضافةً لتلك اللعبة الاستعمارية القديمة التي تَعمل على تفتيتِ المسلمين تحت مسمَّيات مختلفة مثل: "عَرَب وعَجَم، سُنَّة وشيعة، وسَلَفية وصوفية .. "، فجاء هذا المَسخُ من تشويهٍ لحقائقِ الإِسلام وعَبثٍ بتاريخه، خَلْطًا للأوراق وجَعْلَها في خدمةِ السياسة، التي تُعنَى بلغة ميكيافيلي "السفالة والانتهازية".
وقبل ذلك وبعده، تأتي مفترياتُ هذا الدجَّال على أمين الوحي "جبريل"، وعلى خاتم الأنبياء "محمد رسول الله"، فيَسوقُها بلا حساب .. ولقد غَرَّته نفسُه فاستكبر، وطَفِقَ يَسخرُ منهما ومن قول: "لا إله إلا الله"! لقد كَذَبَ وظَلَمَ وأَجْرَم، والحقُّ والعدلُ والتاريخُ يشهدون على أنه لا جريمةَ بغير عقاب.
° إن له بُشرَى في القرآن، نَزُفُّها إليه وإلى أشياعِه الذين يُظاهِرونه، بُشرَى تقول فيه وفي أمثالِه من مَسْخِ البشر الذين يتكرَّرون عبر التاريخ: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٣ - ٣٩].
* وماذا عن الماخور؟!:
° يَفترى الدَّجالُ كعادته، فيقول عن "مكة" بعد أن فَتَحها النبيُّ،
[ ٢ / ٦١٢ ]
ودَخَل المكيُّون في الإِسلام: "عاد ماهوند إلى يثرب مع زوجاته، تاركًا المدينة "الجاهلية" تحتَ إمرةِ قائدِ جيشِه خالد .. فمنذ مُدَّةٍ فكَّر ماهوند في أمرِ خالد بإغلاقِ مواخير الجاهلية، إلَّا أنَّ "أبو سمبل" نَصَحه بألَّا يُقدِمَ على مِثل هذا الإجراءِ المتهوِّر، فَلَفَت نَظرَه إلى أن الجاهليين حديثو عهدٍ بالإِسلام: "فلتأخذِ الأمورَ بتأنٍّ" .. ونظرًا لأنَّ ماهوند يُعتبر أكثرَ الأنبياءِ واقعيةً، فقد وافق على فترةٍ انتقالية.
ولهذا، اندفع الجاهليون إلى ماخورِ الحِجاب، في غيابِ النبيِّ "في يثرب" .. ولأسبابٍ واضحةٍ لم يكن من الكَيَاسة أنْ يقفَ رُوَّادُ الماخور في صفٍّ طويلٍ في الشارع، وإنما كانوا يَلتفُّون حولَ نافورةِ الغرام، في الفِناء الداخليِّ للماخور، يطوفون حولَها، كما يطوفُ الحُجَّاجُ -لأسبابٍ أخرى- حولَ الحَجَرِ الأسود القديم .. كان كلُّ رُوَّادِ الماخور لابِسِي أقنعةَّ، وكان بعل "الزوج الصوري لمومسات الماخور" يُراقبُهم من أعلى.
وبعد مرور سنتَينِ ويَومٍ واحِدٍ من ممارسةِ بعلٍ لحياته الجديدة "ديوثًا"، إذا بأحدِ زبائِن "عائشة" يتعرَّفُ عليه على الرغم من تنكُّره، قائلًا: "إذَنْ، هذا هو المكانُ الذي آواك"! لقد كان هذا سلمانَ الفارسيَّ، الذي دعاه بعل -عَقِبَ ذلك- إلى رُكنٍ، وقَدَّم له زجاجةً من النَّبيذ .. قال سلمانُ: "لقد جئتُ إلى هنا، لأني تاركٌ نهائيًّا هذه المدينةَ اللعينة، ولهذا أردت أن أستمتعَ بلحظةٍ من المتعة بعد كلِّ تلك السنين الخَرَّاء! لقد قَرَّرتُ أن أرحل إلى وطني .. إني راحلٌ غدًا دون أدنى تأخير"! (ص ٣٨١، ٣٨٥).
[ ٢ / ٦١٣ ]
* مُفتَرَياتٌ حولَ موتِ النبي - ﷺ -!:
° يتردَّى الدجَّالُ في قَعرِ مستنقعاتِ الفجورِ والتضليل، فيتخيَّلُ موتَ النبيِّ، ويَنسِبُه لحُلْمٍ اعترى جبريل، فيقول: "جاءت الأخبارُ أنَّ النبيَّ ماهوند قد أُصيب بمرضٍ عُضال، وأنَّ رأسَه بها دَقٌّ ثقيلٌ كما لو كانت قد امتلأت بالشياطين!.
وهذا ما حَلُم به جبريلُ حَول موتِ ماهوند: عندما بَدَأت رأسُ الرسول تُوجِعُه بآلامٍ لم يَعْهَدْها من قبلُ، أدرك أنها النهاية .. ثم صَرخ قائلًا: مَن هناك؟ هل هو أنت يا عزرائيل؟!.
لكنَّ "عائشة" سمعت صوتًا مرعبًا لامرأةٍ تقول: لا يا رسول الله، إنه ليس عزرائيل!.
وعاد ماهوند يَسأل: هل هذا المرضُ منكِ يا أللات؟.
فقالت: إنه انتقامي منكَ، وهو يُرضيني .. ثم خَرَجت تلك المرأةُ المتكلِّمة .. وتمتم الرسولُ: ومع ذلك، فإني أشكرُكِ أيتها أللاتُ على هذه المنحة!.
وما هي إلَّا لحظات، حتى مات" (ص ٣٩٣ - ٣٩٤).
* أما بعد ..
أمَا وقد تَردَّتِ الأمورُ إلى هذا الحد، فلم يَعُدْ هناك من حديث إلَّا اللعنة، نَصُبُّها على هذا الدجَّال الهندي من "الكتاب المقدَّس"، فلعلَّ حُماتَه من "أهل الكتاب" يُفيقون قبلَ أن تدركَهم، لقد كان تعليمُ نبيِّ الله داود أن نقول في مثل هذه المواقف: "يا إلهَ تسبيحي لا تسكت؛ لأنه قد انفَتح على
[ ٢ / ٦١٤ ]
فمِ الشرير وفمِ الغُش، تكلَّموا معي بلسانٍ كَذِبٍ، بكلامِ بُغضٍ أحاطوا به، وقاتَلوني بلا سبب ..
فأقم أنت عليه شريرًا، ولْيَقِفْ شيطانٌ عن يمينه، إذا حُوكم فلْيَخرجْ مذنبًا، وصلاتُه فلْتَكُنْ خَطِيَّةً، لَتكُنْ أيَّامُه قليلةً، ووظيفتُه ليأخْذها آخَرُ، ِليكن بنُوهُ أيتامًا، وامرأته أرملةً، لِيَتِهْ بنوه تَيهانًا، ويَستعطُوا، ويلتمِسُوا خُبزًا من خِرَبهم، لِيَصْطَدِ المُرابي كلَّ ماله، ولْيَنْهَبِ الغرباءُ تَعَبَه، لا يكن له باسطُ رحمة، ولا يكنْ مترأفٌ على يتاماه، لِتنقرضْ ذُريَّتُه في الجيل القادم، لِيُمْحَ اسمُهم، ليُذْكَرْ إثمُ آبائه لدى الرب، ولا تَمحُ خطيَّةَ أُمِّه، لتكنْ أمامَ الربِّ دائمًا، وليُقْرَضْ من الأرض ذِكرُهم.
أَحَبَّ اللعنةَ فأَتَتْه، ولم يَسِرْ بالبركة فتباعَدَتْ عنه، ولَبسَ اللعنةَ مِثْلَ ثَوبه، فدَخَلت كمياهٍ في حَشاه .. لتكن له كثوبٍ يتعطَّفُ به، وكمِنطَقةٍ ينتطقُ بها دائمًا" (المزمور: ١٠٩).
إنها حقًّا روايةٌ شيطانية، كَتَبها حشَّاشٌ في ماخور، أُصيب بانفصامِ الشخصية، فصار يتردَّدُ بين القِردِ والحشَّاش .. فحينَ ينظرُ في مِرآةٍ رأسيةٍ أمامَه، فإنه يَهذِي ويَشتدُّ هُراؤه، وحين ينظرُ في مرآةٍ أُفقيةٍ أسفَلَه، ينعكسُ أقبحُ ما فيه، فيَهيجُ ويشتدُّ جُنونُه، إنَّ قُبحَه يتضاعَف: قبحُ وجهه يُغذِّي قُبْحَ مُؤخِّرتِه، وقُبحُ مؤخِّرته يُغذِّي قُبحَ وجهه، تمامًا كدائرةٍ راديويةٍ تعملُ في حالةِ رنين .. قُبحٌ إلى ما لا نهاية (^١).
* "سلمان رشدي شيطانٌ من شياطين الإنس، مِمَّن نَجِدُ لعنَهُ في
_________________
(١) "تعدد نساء الأنبياء" (ص ٤٥٥ - ٤٦٨).
[ ٢ / ٦١٥ ]
قول الله في القرآن العظيم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
"لقد أَحَبَّ اللعنةَ فأَتَتْه، ولم يَسرْ بالبركةِ فتباعَدَت عنه" -كما قال داود-، "ولكلِّ امرئٍ ما نوى"، فكان هذا عدُوًّا لخاتمِ النبيين، لقد قادته نيَّتُه السيئةُ إلى المهالك، إذ أراد أن يشتريَ الشُّهرةَ والمالَ بأيِّ ثمن، فدمَّرَ نفسَه تدميرًا، ولكن: "ماذا ينتفعُ الإنسانُ لو رَبِحَ العالَمَ كلَّه وخَسِرَ نفسه؟! " -كما قال المسيح-.
* لقد اختار طريقَ اللعنة، فتهيَّأت له أسبابُها، صار الشيطانُ له قرينًا، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٣ - ٨٤].
وعندما نَقتبسُ ما جاء في الإنجيل عن إنسانِ الخيانة نقول: لقد دخل الشيطان في سلمان رشدي، وهو كان معدودًا من جُملةِ المسلمين. فمضى وتكلَّم مع رؤساءِ الكفرِ كيف يُنفِّذُ مؤامرتَهم، ففرِحوا وعاهَدوه أن يُعطُوه مالًا وشُهرةً، فواعَدَهم، وكان يَطُلُب فرصةَ أَنْ يُتِمَّ روايتَه الشيطانية، فيُفرغَ فيها كلَّ سُمومِه وسُمومِ المتآمِرِين.
ولقد قام الخائنُ بتنفيذِ الدَّورِ المرسومِ له تمامًا، فاستحقَّ من سادتِه قَبْضَ الثمن: أموالًا وشُهرةً وإعلانَ حِمايةٍ، كما لو كان واحدةً من المستعمرات السابقة.
° ولكن -كما قال المسيح-: "ويلٌ لذلك الرجل .. كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد".
[ ٢ / ٦١٦ ]
* الدَّجَّالُ الهندي يسيرُ على خُطا الدَّجَّالِ اليوناني:
أخرج الدجالُ الهنديُّ سلمان رشدي روايتَه الشيطانية لأولِ مرةٍ في عام ١٩٨٨، تَطعنُ في محمدٍ رسولِ الإِسلام، وتُوجِّهُ للمسلمين أفظعَ الإِهانات.
ولقد شَهِد نفسُ العام -١٩٨٨ - حَدَثًا آخَرَ له نَفسُ الأسلوب والمحتَوى والأهداف، وهو إخراجُ فيلم: "التجربة الأخيرة للمسيح"، يَطعنُ في عيسى رسولِ المسيحية، ويُشوِّهُ سلوكياته، وأكثرُ من هذا أنه يُمجِّدُ تلميذَه الخائن "يهوذا".
ويُظهرُه في شَكلِ بطلٍ غَيُور، يَتَّهم مُعلِّمَه بالخيانة!.
لقد صَفَّق كثيرٌ في الغرب -وما يزالون- عندما سَمِعوا عن مضمونِ روايةِ الدجَّال الهندي وطَعْنِها في الإِسلام ونبيِّه، وهاجت قُطعانٌ كثيرةٌ تَطلُبُ حمايتَه باعتباره مُنقِذًا لهم من خطرٍ متوهِّمٍ للإِسلام، يُعشِّشُ في عقولِ الحمقى منهم والجهلاء، ونَسُوا -أو جهِلوا- في غَمْرةِ مَوْجاتِ الجنون -التي تُمثِّلُ ظاهرةً دوريَّةً تَعوَّدْنا على ظُهورها بين الحين والحين- أن رسول المسيحية المعبود، قد تحوَّل في هذا الفيلم إلى عِربيدٍ زانٍ ضعيف، خَدَعَه الشيطان!.
* فيلم "التجربة الشيطانية":
أُخرج الفيلم عن رواية الكاتب اليوناني "نيكوس كازانتزاكس"، التي صَدَرت عام ١٩٥٥، وكانت من أكثرِ الكُتُبِ رَوَاجًا، وقد صَدَر ضِدَّه قرارٌ بالحِرمانِ من الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.
[ ٢ / ٦١٧ ]
° تقومُ أحداثُ الفيلم -كما تقول مجلة "تايم"- على "أنَّ "يسوع" إنسانٌ كامل وإلهٌ كامل، وقد أظهَرَه عِلمُ اللاهوت المسيحي على أنه متحرِّرٌ من الخطيئة، لكنه مُعرضٌ لكلِّ الإغراءات -بما فيها إغراءاتُ الجِنسَ-.
° وعلى خطى "كازانتزاكس" -المؤلف-، فإن "سكورسيس" -المخرجَ- أظهر "يَسوع" كإنسانٍ ضعيفٍ متردِّدٍ، متعاونٍ مع الرومان، إذ يَصنعُ لهم صُلبانًا (^١)، يَعدِمون عليها الثُوَّارَ اليهود".
° أما صاحبُه "يهوذا"، فهو مقاوِمٌ للاضطهاد الروماني، لا يُعجِبُه سلوكُ يسوع، فيوبِّخُه بعنفٍ قائلًا: "أنت متعاونٌ معهم! يهوديٌّ تصنعُ صُلبانًا لهم"!.
يَعتريه كَربٌ عظيم، فيَهيمُ على وجهِه حتى يقفَ أمام باب، وهناك يَجِدُ حَيَّتَينِ متشابكتَينِ -إحداهما سوداء، والأخرى بيضاء-.
وخَلْفَ الباب يكتشفُ ماخورًا، تُمارِسُ فيه "مريم المجدلية" الدعارة، يَطلبُ منها المغفرة، ثم يَسقطُ في الإثم!.
ويصيحُ قائلًا: "يا إلهي، أنا ابنُ الخوف (^٢) "!.
وفيما بعد، أمامَ المنافقين البرجوازيين "من الكتبة والفريسيين"، يُنقِذُ "مريم المجدلية" من الرجم، قائلًا: "ومَن هو الذي لم يُخطِئْ أبدًا؟! " (^٣).
_________________
(١) كان المسيح نجارًا: "كثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين: أليس هذا هو النجار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان" - "إنجيل مرقس ٦: ٢ - ٣".
(٢) ! (Mon Dieu، je suis le fils de la peur)
(٣) يشير إلى قصة المرأة الزانية التي أحضرها له شيوخ اليهود للرجم فقال لهم: "من كان منكم بلا خطية، فليرمها أولًا بحجر" - "إنجيل يوحنا ٨: ٧".
[ ٢ / ٦١٨ ]
ثم يرحلُ إلى الصحراء للتأمُّل.
وهناك تجربةٌ حيَّةٌ، ويَتحدَّثُ معه أسدٌ، ويَسيلُ الدمُ من شجرةِ تفاحٍ عندما يأكلُ منها، وتَظهَرُ بَلْطَةٌ في الرمل.
مِن الآن فصاعدًا، يبشِّرُ بالحرب .. وأمامَ تلاميذه يُدخِلُ يَدَه في صدره وينتزعُ قَلبَه، وُيريه لهم بإعجاب! ويصيرُ إلهَ الحرب!.
وفي فَزعِهِ مِن فَرْطِ قُوَّته: يُقيم "لعازر" من الأموات.
إلَّا أنه يبقى قَلِقًا ومُشوَّشَ الفِكرِ فيما يتعلَّق برسالتِه وحقيقةِ مهمَّتِه، وفي إحدى الليالي، على جبل "الزيتون"، يُحرِّض يهوذا -أفضلَ أصحابه- على خيانته من أجل تنفيذِ خُطةِ الله!.
يقول يسوع ليهوذا: "افعلها من أجلي! فيجيبه يهوذا: لا أستطيع.
فيُلحُّ عليه قائلًا: افعَلْها، من أجلِ الحبِّ"!.
يفعلها يهوذا، وتسيرُ الأحداث حَسْبَ رواياتِ الأناجيل، حتى يُعلِّقونه على الصَّليب، وهناك في لحظةِ تفكيرٍ حالِمٍ يَظهرُ يسوع وهو يمارِسُ الجنس مع مريم المجدلية!.
وعندما يُشرِفُ على الموت، تتراءى له فتاةٌ صغيرة، لعلَّها ملاك!! إنها تطلبُ منه أن يَنزِلَ وتقول له: لقد عانيتَ كثيرًا، إنك لستَ المسيح.
وبطريقةٍ خَفِيَّةٍ يَنزلُ من على الصليب، ويرتحلُ تُجاهَ وادٍ أخضرَ نَضِرٍ، هناك يُمارسُ الجنس مع مريم المجدلية ثم يتزوَّجان.
وبعد موتها يتزوَّجُ مريم أخت لعازر -الذي أقامه مع الأموات-، ثم يزني بأختها "مرثا"!.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ثم يرى يسوعُ "بطرس ويوحنا ويهوذا" قادِمين إليه، فيَسُبُّه يهوذا قائلًا: "أيها الخائن! لقد طلبتَ منِّي أن أَبيعَك، لكنك لم تَمُتْ على الصليب، إن الفتاةَ الصغيرةَ التي تراءت لك، لم تكن ملاكًا، إنها شيطان"! (^١).
يتوسَّلْ إليه يسوعُ مرةً أخرى، إنه يريدُ العَودةَ إلى الصليب، وهناك يموت! (^٢).
وهكذا عَبَثوا بالمسيح.
° لقد احتوت القِصَّةُ الأصليةُ على عباراتٍ قَذِرةٍ، مثلِ قول يسوع -وحاشاه- لمريم المجدلية "الإلهُ ينامُ بين فَخَذَيْكِ" (^٣) وحَذَفوها من الفيلم.
° واحتوى الفيلمُ على عباراتٍ فظيعةٍ وردت على لسانِ يسوع، مثل قوله: "إني كذَّاب، إني مُنافق، إني خائفٌ من كلِّ شيء، إنَّ الشيطانَ في داخلي" (^٤).
° ومع ذلك، فقد وُجد مَن يدافعُ عن الفيلم -بل ويَشِيدُ به-، ليس فقط من بين المنحرفين من عامَّةِ الشعب، بل وأيضًا من بين المنحرفين من رجال الكنيسة!.
_________________
(١) (Traitre! Tu m'as demande de te vendre، et tu n'est pas mort sur La Croix! La petite file n'etait pas un ange، mais Satan) !
(٢) (TIME; NEWSWEEK; U.S. NEWS& WORLD REPORT; PEOPLE; THE NEW REPUBLIC; PAENERE. (١٩٨٨
(٣) (God sleeps between your legs)
(٤) (I am a liar. I am a hupocrite. I am afraid of everything. Lucifer is in - side me)
[ ٢ / ٦٢٠ ]
° فقد قَدَّم الأسقف "بول مور" -في كنيسة نيويورك- أقوى دفاعٍ عن الفيلم قائلًا: "إنه صحيح من الناحية اللاهوتية، وعلى الرغم من أن ممارسةَ "يسوع" للجنس مع مريمَ المجدلية، قد يؤذِي مشاعرَ البعض، فيجبُ علينا أن نتذكَّرَ أنه حُلْم، وأنه ليس إلا صورةً أخرى ليسوع، وعملًا فنيًّا يؤكِّدُ على جوانبَ معيَّنةٍ من شخصيته"!.
إن الناس اليوم -يا جَنَاب الأسقف-، يعيشُون حقًّا عالَمَ الهلوسة!.
° كذلك قال القس "وليام فور" -من "المجلس الوطني للكنائس"-: "إنه يَرى الفيلم: "محاولةً أمينةً تحكي قصةَ "يسوع" من مَنظورٍ مختلف"!.
° وقال القسُّ اللوثري "تشارلز برجستروم": "لا يمكنُ اعتبارُ هذا الفيلم تجديفًا أو هجومًا على الأسفار المقدَّسة".
° وقال الأسقف "أنتوني بوسكو" -من "المجلس الوطني للأساقفة الكاثوليك"-: "إن مُعاداةَ السامية، والكراهيةَ التي سَبَّبها هذا الفيلمُ، يَصعبُ أن تُرضِيَ قلبَ المسيح"!.
حقًّا أيها "الأتقياء" من رجال الكنيسة، لقد اغتِيل الحقُّ باسم الحب، وأنتم على ذلك من الشاهِدين، بل ومِن المبارِكِين! فباسم الحبِّ يُرتكبُ اليوم كل الموبقات.
* بين شيطانيَّاتِ الهندي .. واليوناني!:
صَدَرت روايةُ الدجَّال اليوناني "نيكوس كازانتزاكس" عام ١٩٥٥ تحت اسم: "التجربة الأخيرة للمسيح"، وهى تعني التجربةَ الشيطانيةَ الأخيرة التي تعرَّض لها المسيحُ، وانتهت -حَسْبَ زَعمِه- بسقوطِ المسيح في
[ ٢ / ٦٢١ ]
الخطيئة؛ بعد أن استحوَذَ عليه الشيطان، وأخضَعَه لسلطانه!.
وبعد ٣٣ عامًا، صَدَرت روايةُ الدجَّال الهندي "سلمان رشدي" -عام ١٩٨٨ - تحت اسم "مقاطع شيطانية"، وهي تزعمُ أن للمَقْطَعَينِ -على شاكلةِ سَجْعِ الكُهَّانِ وسَدَنَةِ الأصنام- قد نَفَثَهما الشيطانُ أثناءَ قراءةِ النبيِّ محمدٍ لإحدى سُور القرآن -سورة "النجم"-، وكصَفقةٍ شيطانيةٍ بين النبيِّ وأبي سفيان، تُمجِّدُ ثلاثَ معبوداتٍ وثنيةً هي: "أللات، وألعزى، ومناة"، وهذا يعني -حَسْبَ زَعْمه- أن النبيَّ محمدًا استحوذ عليه الشيطانُ يومًا ما، وأخضعه لسلطانه!.
ذلك هو الفِكرُ العامُّ الذي تتضمَّنُه كلٌّ من الروايتين، ولَمَّا كانت الأولى قد سَبَقتِ الثانيةَ بمدَّةِ ثُلُثِ قَرْنٍ، كان الانطباعُ العامُّ هو أن الثانيةَ قد جاءت كسَرِقةٍ أدبيةٍ من الأولى.
وإذا تعمَّقْنا قليلًا في دراسةِ البِنيةِ الأساسيةِ لكِلا الروايتين، تَبَيَّنَ لنا صِدقُ القول بأن الهنديَّ سَرَق من اليوناني.
° لقد لَخَّص الناقد "جان لوقا سابلون" حقيقةَ التجربةِ الأخيرةِ للمسيح، بقوله: "هل هي حُلم؟ أم تقلُّص الزمن؟ أم خيال؟ .. الله والشيطان شيء واحد"! (^١).
وتلك هي حقيقةُ رواية "مقاطع شيطانية"، فلقد هَرَب الدجَّالُ الهندي من الجِدِّ إلى اللهو والعبث، وذلك باللجوء إلى الأحلام والتخيُّلاتِ التي ازدَحَمت بها روايته، وهو قد اعتَرف بذلك صراحةً في مِثل قوله: "لقد
_________________
(١) (Reve؟ Contraction du temps؟ Fantasme؟ Dieu et le diable sont un)
[ ٢ / ٦٢٢ ]
بَدَأَتِ الأحلامُ في نفسِ الليلة، وفي تلك الرؤى كان حاضرًا دائمًا، ليس كذاتِه، بل كسَمِيِّه .. أنا هو، وهو أنا، أنا كبيرُ الملائكة الدَّمَوي، جبريل نفسه"! (ص ٨٣).
"وهذا ما حَلُم به جبريل" (ص ٣٦٣).
"حَلُم جبريلُ بالحجاب" (ص ٣٧٦).
"حَلُم جبريل بموت بعل" (ص ٣٩٠).
"حَلُم جبريل بموت ماهوند" (ص ٣٩٣).
° واستَخدم الهنديُّ فكرةَ تقلُّصِ الزمن -كما ذكرنا سلفًا- مستعينًا بتناسُخ الأرواح، والولادةِ مرةً ثانية، وممارسةِ الرُّوحِ لحياةٍ ثانيةٍ يَفصِلُها عن الحياةِ الأولى مُدَّةٌ زَمَنيَّةٌ كبيرة.
° وإذا كان الإغريقيُّ قد وضع على لسانِ المسيح قوله عن نفسه: "إني كذاب .. إن الشيطانَ في داخلي"!.
° فلقد وَضَع الهنديُّ على لسان النبيِّ قوله: "عندما يأتي جبريلُ أشعر كما لو أنه يأتي من أعماقي، مِن نفسي"! (ص ١٠٦).
وإذا كان الإِغريقيُّ قد أشار إلى أنه عندما تختلِطُ الأمورُ على صاحب الرسالة -المسيح- يكون الله والشيطانُ واحدًا -حَسْبَ مزاعِمِه المضلِّلة-!! فإنَّ الهنديَّ اقتَبَس تلك الفكرةَ، ووَضَعها في مناقشةِ صحابةِ النبيِّ للصفقة المزعومة مع أبي سفيان حولَ وَضْعِ معبوداتِ الجاهليةِ الثلاث: "أللات، وألعزى، ومناة"، فهو يَزعُمُ أن النبيَّ كان يُبرِّرُ قبولَه للصفقة: بأن تلك المعبوداتِ الثلاثَ لن يَكُنَّ كُفُوًا لله، وغايةُ ما في الأمر أن يكون لهنَّ نوعٌ من الوسيلةِ إليه، أي يكنَّ ذاتَ وضعٍ أقلَّ!.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
° وهنا يَصرخُ بلال: "مِثلُ الشياطين! فيقول له سلمان، لا، بل مثلُ ملائكةِ الطبقة العُليا".
° فيُعقِّبُ النبيُّ بقوله: "ملائكة وشياطين، شيطان وجبريل، إنَّنا جميعًا نَقبَلُ بوجودهم بين الله والإنسان"! (ص ١٠٧).
° "وعندما يستردُّ النبيُّ وَعْيَه، فإنه يصرخُ بكلِّ قوَّتِهِ، ويقول: "إنه الشيطان! في المرة الأخيرة، كان شيطانًا! .. لقد انخدَعَ وعَرَف أن الشيطانَ جاءه على هيئةِ كبيرِ الملائكة، وأنَّ المقاطعَ التي تلاها في خَيمةِ الشِّعرِ كانت شيطانيةً، فيَعودُ إلى مدينةِ الجاهلية بأسرعِ ما يكون، قاصدًا بيتَ الحَجَرِ الأسود، ويقفُ أمامَ التماثيلِ الثلاثةِ، ويُعلِنُ مَحْوَ تلك المقاطعِ التي هَمَسها الشيطانُ في أذنه" (ص ١٢٣ - ١٢٤).
° ولقد تكلَّم نُقَّادُ فيلم "التجربة الأخيرة للمسيح"، عمَّا به من أخطاءٍ عقائديةٍ من وجِهةِ نظرِ المسيحية، فقالوا: "إن تصويرَ المسيح وهو يلتقطُ أقذارًا وأحجارًا ويقول: هذا هو دَمِي أيضًا، فإنَّ هذا يَجعلُه مؤسِّسَ عقيدةِ وحدةِ الوجود، "التي تقول بأن اللهَ والطبيعةَ شيءٌ واحدٌ"، كما أنه مؤسِّسٌ للمسيحية".
° كذلك التَقَطَ الهِنديُّ هذه الفكرةَ، ونَسَج على مِنوالها، فاختَرَع مشهدًا يزعمُ فيه أنَّ النبيَّ صَعِدَ الجبلَ ليسألَ كبيرَ الملائكة "جبريل" في موضوع المعبودات الثلاث، وأنَّ جبريلَ عندما رآه يَصعَدُ صار يرتجفُ ويتمنَّى لو أن النبيَّ لم يَحضُرْ إليه، ثم يُحدِّثُ نفسَه قائلًا: "إنه يأتي إليَّ مِن أجلِ الوَحْي، يَطلبُ منِّي أن أختارَ بين أن يكونَ مؤمنًا بالإلهِ الواحد "موحِّدًا حقيقيًّا"، أو مؤمنًا بالإلهِ الواحدِ مع عبادةِ آلهةٍ أخرى "موحِّدًا
[ ٢ / ٦٢٤ ]
مزعومًا" .. " (ص ١٠٩).
° ولقد استخدم اليونانيُّ فِقراتٍ من الأناجيل، استنبط منها حينًا، ما استهواه خيالُه، واستَخدَمَ لفهمها -أحيانًا- تفاسيرَ منحرفةً ورواياتٍ منحولة، أوقعَتْه في هذه الضلالات.
فمثلًا: تذكرُ الأناجيل المتشابهة "متَى ومُرقس ولُوقا" أنَّ الروحَ أخرج المسيحَ إلى البرِّيَّة، وهناك جَرَّبه الشيطان، وبعد أنِ اجتازَ التجارب بسلام، "تركه أبليسُ، وإذا ملائكةٌ قد جاءت فصارت تخدُمه - متى ٤: ١١".
° إلا أن "لوقا" خَتَم حديثَه عن تجربةِ الشيطان للمسيح بقوله: "ولَمَّا أكملَ إبليسُ كلَّ تجربةٍ، فارَقَه إلى حين - ٤: ١٣".
إن هذا يعني بداهةً أنَّ للشيطان عودةً أخرى لتجربةِ المسيح، وكان هذا هو ما استثمره اليونانيُّ في روايتِه "التجربة الأخيرة للمسيح"، إلَّا أنه ضَلَّ في روايتهِ لتلك التجربة التي اعتَمَد فيها على تفسيراتٍ خاطئةٍ ورواياتٍ متهرِّئة.
كذلك يُقرِّرُ إنجيل "يوحنَّا" أن "يهوذا" كان أمينًا للصندوق (١٣: ٢٩)، ولهذا وصفه اليونانيُّ بأنه "أفضلُ أصحاب المسيح"، وصَوَّرَه في صورةِ يهوديٍّ حريصٍ على الإِسرائيليين أكثرَ من حرصِ المسيحِ نفسِه.
° وكذلك يَذكرُ إنجيل "يوحنَّا" أنه في العَشَاء الأخير، قال المسيح ليهوذا: "ما أنت تعملُه، فاعْمَلْه بأكثرَ سرعة، وأمَّا هذا فلم يَفهَمْ أحدٌ من المتَّكِئين لماذا كلَّمه به - ١٣: ٢٧ - ٢٨".
° مِن هنا قال اليونانيُّ -وغيرُه من المدافِعين عن يهوذا-: "إن المسيحَ كان يرجوه أن يَخونَه لكي يقبِضوا عليه ويقتلوه صَلْبًا، بزَعمِ أن تلك كانت
[ ٢ / ٦٢٥ ]
خُطةَ الله لخلاصِ العالَمِ من الخطيئة"!.
ولقد كان هذا ما فَعَله الهنديُّ في سَيرِه على خُطى اليونانيِّ، إذِ اعتَمَد في حديثِه عن المقاطع الشيطانية، على رواياتٍ متهالكةٍ قامت على تفاسيرَ منحرفةٍ لبعضِ آياتِ القرآن، مثل قول الله لنبيه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].
إنَّ الفهمَ اللُّغوي لهذه الآياتِ ليس في حاجةٍ إلى خَلْفِيَّةٍ عِلميَّةٍ أو تاريخيةٍ بما كان بين هؤلاء -المشركين الذين تحدَّث عنهم القرآن- وبين الرسول، فالآيةُ الأولى تؤكِّدُ بوضوحٍ أن اللهَ ثَبَّته، وبالتالي لم يَركَنْ إليهم .. والآيةُ الثانيةُ تُبيِّن أنه لو فَعَل ورَكَن إليهم -ولو شيئًا قليلًا-، لكان عَذابُه مضاعَفًا.
إنَّ القضيةَ واضحةٌ تمامًا، لكنْ هناك مَن تعامَوْا عن صَدْرِ الآية الأولى، ووقفوا يَنظُرون إلى بعضِ بقيَّتها نَظَرَ مَن يريدُ وقوعَ المنفيِّ وقوعُه، فاختَرعوا رواياتٍ باطلةً لا تَصمُدُ أمامَ التمحيص العِلميِّ ساعةً من نهار، وليس معنى ركونِ الرسولِ إلى المشركين -لو وقع- أنْ يأتيَهم بقرآنٍ من عنده ليرضيَهم افتراءً على الله، وكيف يكونُ هذا، واللهُ يُحذِّرُ المؤمنين من الركونِ إلى الظالمين، في قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]؟!.
فالركونُ إليهم، يعني -لغةً- موالاتَهم، أو القعودَ عن مجاهدتهم، أو الاعتمادَ عليهم.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وأخيرًا، نلاحظُ أن اليونانيَّ قد استَخدم النساءَ في حياِةِ المسيح أسوأَ استخدام، وعلى خُطاه سار الهنديُّ عاريًا، مجرَّدًا من كلِّ سِترٍ أو حياء.
ولَمَّا كانت روايةُ "التجربة الأخيرة للمسيح" من أكثرِ الكُتُبِ رَواجًا عندما صَدَرت عام ١٩٥٥، فقد سال لُعابُ الدجَّالِ الهنديِّ أن يكونَ لروايته الشيطانيةِ مِثلُ ذلك الرَّوَاج، ولَمَّا كان يَعلمُ في قَرارةِ نفسِه أنه كاتبٌ مغمورٌ فاقِدُ الموهبة، فلم يَجِدْ له مِن وسيلةٍ سوى إرضاءِ المِزاجِ الغربيِّ الذي تَربَّى على الخَوفِ من الإِسلام والطعنِ في نبيِّه وكتابِه وكراهيةِ المسلمين -كما قرَّر ذلك بحقٍّ "برنارد شو" قبل خمسين عامًا-، وذلك بترديدِ أكاذيبَ باليةٍ عن القرآن، والخَوضِ في مطاعنَ قديمةٍ حولَ تعدُّدِ زوجاتِ الرسول، وكلُّها من الموضوعات التي قُتلت بحثًا وتفنيدًا، ولم يَبقَ فيها مزيدٌ لمستزيد.
° "فليس تحت الشمس جديد، إن وُجد شيءٌ يقال له: انظر! هذا جديد، فهو منذ زمانٍ كان في الدهور التي كانت قَبلَنا - سِفر الجامعة ١: ٩ - ١٠".
° وأخيرًا، نقول: إنه ليس عجيبًا أن تَصدُرَ هذه الأساطيرُ الشيطانيةُ عن بعضِ مَن ينتسبُ إلى الهند أو اليونان.
اقرؤوا التاريخَ القديم -إن شئتم-، واقرؤوا مِن أين جاءت مِثلُ هذه الأساطير (^١).
* مُحاكمة سلمان رُشدي، والحكمُ برِدَّتِه، وحَدُّ المرتدِّ القَتلُ:
° نقول لأهل الكتاب: نحن نعلمُ أنَّ سلمان رشدي دَجَّالَ الهِندِ مرتدٌّ، وحَدَّه القتل في شريعتنا الإِسلامية؛ ولكنْ نُطالِبُكم بمحاكمتِه وِفقَ
_________________
(١) "تعدد نساء الأنبياء" (ص ٤٦٩ - ٤٨٠) ملخصًا.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
نصوصِ كتابكم، فلقد طَعَن في الإِله والملائكةِ والنبيِّين، وكان لأمين العرش جبريل وأبي الأنبياء إبراهيم النصيبُ الأكبرُ من السخرية والشتائم والإهانات، وباختصارٍ لقد جَدَف على المقدساتِ، فماذا أنتم قائلون في جرائمةِ بالنسبة للمقدَّسات عندكم، وها هي جرائمه.
* جرائم الدَّجَّال سلمان رشدي:
١ - السخريةُ من الإله ومِن خَلقِه البشر ذَوِي خيالٍ وأحلام، وذلك في قوله: "لو كنتُ اللهَ، لأبطلتُ الخيال فورًا من أذهانِ الناس، وآنَذَاك قد يستطيعُ أولادُ الزِّنا المساكينُ مِثلي أن يَحصُلوا على قِسطٍ طيِّبٍ من الراحة بالنوم بلا أحلامٍ بمضاجعةِ الأمهاتِ ليلًا"! (ص ١٢٢).
٢ - الحديثُ عن اسمِ الله بسخريةٍ وتهكُّم، إذ يقول: "يوجَدُ إلهٌ يُسمُّونه هنا: "الله"، الذي يعني ببساطة: الإله، وإذا ما سألتَ الجاهليِّينَ عنه، فسيعترفون بأنَّ هذا الشخصَ له نوع من السُّلطان الكُلِّي، إلَّا أنه لا يتمتَّعُ بحَظوةٍ كبيرةٍ بينهم، فهو إلهٌ يقومُ بكلِّ الأدوار في زمنِ التماثيلِ المتخصِّصة"! (ص ٩٩).
وجديرٌ بالذِّكر أنَّ لفظ الجلالة "الله" -بهذا النطق الصوتي " ALAH" كما في العربية- هو ما ذَكَره عالِمُ اللاهوت الدكتور "سكوفيلد" في الطبعة الأولى من تفسيره للكتاب المقدَّس الإِنجليزي " ENGLISH BIBLE" - بمعاونةِ ثمانيةٍ من العلماءِ حَمَلَةِ الدكتوراة في اللاهوت-، وذلك في تعليقه على العددِ الأول من "سِفْر التكوين" الذي يقول: "في البَدءْ خَلق الله (^١)
_________________
(١) The three primary names of Diety: Elohim، Jehova، and Adoni، and =
[ ٢ / ٦٢٨ ]
السموات والأرض"، وللأسف، فإنَّ الطبَعاتِ التاليةَ لتفسير "سكوفيلد"، قد حَذفت كلمة " ALAH"، حتى لا يُدرِكَ عامَّةُ المسيحيين أن عليهم أن يَعبُدوا الإِلهَ الذي يَعبُدُه المسلمون، ويعرفونه باسم "الله".
° يقولُ اللهُ في قرآنه، تعليمًا للمسلمين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
٣ - الاستهزاءُ بالملائكةِ، والسخريةُ من تطويعِ اللهِ لهم بكلماتٍ معسولةٍ ووعودٍ براقة .. فهو يقول: "وماذا عن الحالة الملائكية؟ هي وَضعٌ وَسَطٌ بين الألوهيَّةِ والإنسيَّة، ألم يَعترِهِم الشكُّ أبدًا؟ بلى، فقد حَدَث ذاتَ يوم أنِ اعتَرَضوا على إرادةِ الله، حيث توارَوا تحتَ العرشِ متذمِّرين، ومتجاسِرِين على التساؤل عن أشياءَ محظورٍ السؤالُ عنها: هل من الصواب أن ..؟ .. فكان طبيعيًّا أن يُهدِّئَ الإلهُ من تذمُّرِهم مستخدِمًا مهاراتِ الإِدارةِ الإلهيَّة، فلقد أشبَعَ غُرورَهم بقوله: "ستكونون وسائلَ تنفيذ إرادتي في الأرض، وأدواتي لخلاصِ الإِنسانِ وهلاكه، وكلِّ الهلُمَّ جرًّا المعتادة"! وآنذاك: هُتافاتُ فرحٍ سريعة، ونهايةٌ للاحتجاج، وعَودةٌ ثانيةٌ إلى العمل، تُصاحِبُهم الهالات!.
إن الملائكةَ يمكنُ تهدئتُهم بسهولةٍ، فإذا جَعَلْتَهم وسائلَ في يَدِك،
_________________
(١) = the five most impori ant of the Compoumd names، occur in Genesis. Elohim (sometimes EL or Elah)، Engish from: God، formed from: El strength، or the strong one، and Alah، to swear، to bind oneself by، so implying faithfulness.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
فلسوف يَعزِفون لحنَ قِيثارتِك المفضَّل، أما البشرُ، فإنهم نوعٌ مُشاكِس، يستطيعُ الشكَّ في كلِّ شيءٍ، حتى ما تَشهَدُه عيونُهم" (ص ٩٢).
٤ - وفي تهكُّمٍ عابث، يقول: "في تلك السنوات هل من الممكن القولُ بأن كبيرَ الملائكةِ جبريل؟ أم أن نقول: الله قد تسلَّطَتْ عليهِ فكرةُ التشريع"! (ص ٣٦٣).
° "أنا كبيرُ الملائكة الدَّموي، جبريل نفسه" (ص ٨٣).
٥ - وعن إبراهيمَ خليل الله، يقول: "في قديمِ الزمان، جاء الأبُ إبراهيم إلى هذا الوادِي بصُحبةِ هاجر وابنِهما إسماعيل، وهناك في تلك البرِّيَّةِ عديمةِ الماءِ تخلَّى عنها، فسألته: هل يمكنُ أن تكونَ هذه إرادةَ الله؟ فأجابها: إنها لكذلك .. ثم رَحَل ابنُ الزنا! منذ البَدْء، استَخدم الناسُ الإِلهَ لتبريرِ ما لا يُمكِنُ تبريره! " (ص ٩٥).
إن ذلك الكاتبَ الهنديَّ يشتُمُ أبا الأنبياء، ويَصِفُه بـ "ابن الزِّنا"، ثم يَتَّهِمُه بالكذبِ على الله!.
٦ - ثم هو يتَّهمُ الأنبياءَ جميعًا بأنهم جاؤوا من عندِ أنفُسِهم، ومِن ثَمَّ كان منهم الواقعيُّ، ومنهم المثالِيُّ، ومنهم المُتزمِّت، ومنهم المتساهِل، وذلك ما يَنطوي عليه قوله: "ماهوند أكثرُ الأنبياءِ واقعيةً، فقد وافَقَ على فترٍة أنتقالية" (ص ٣٨١).
* الحُكم:
مِن الثابت أن الكاتبَ الهنديَّ "سلمان رشدي" قد ارتَكَب الجرائمَ الآتيةَ:
- التجديفُ على الله.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
- التجديفُ على اسم الله.
- التجديفُ على الملائكة.
- سبُّ خليلِ الله إبراهيم والطعن فيه.
- الطعنُ في الأنبياء والسخرية منهم.
وتطبيقًا للأحكام الواردة في: (خروج ٢٢: ٢٨)، (لاويين ٢٤: ١٥ - ١٦)، (لاويين ٢٠: ٩)، واسترشادًا بتعاليم المسيح في: (متى ١٢: ٣١ - ٣٧)، (مرقس ٧: ٢١ - ٢٣) - تكون عقوبة الكاتب الهندي سلمان رشدي هي: "الرجم حتى الموت".
ذلك هو الحُكمُ على سلمان رشدي، وِفقَ أحكامِ الكتاب المقدس عند اليهودِ والنصارى، وهو حُكمٌ لا رَجْعةَ فيه، ولا فُرصةَ عنده للنجاةِ منه (^١).
* سلمان رشدي قِزمٌ مرتدَّ؛ لأنه:
- سَخِر واستهزأ بالله ربِّ العالمين، ووَصَف القرآنَ بأنه "أسطورةٌ خرافية".
- ولقوله بأن الأصنامَ تَشفعُ للناس يومَ القيامة.
- وأنَّ الشيطانَ استطاع أن يُلقيَ على لسانِ النبيِّ - ﷺ - آياتٍ تَمتدحُ الأصنامَ، وتعظِّمُ من شأنها.
- ذمَّ الرسول - ﷺ - بكلمة "ماهوند"، ومعناها: "الشرير" أو "المخادع" أو "النبي المزيف"، وألصَقَ به كلَّ قبيح.
- لَقَّب إبراهيم - ﵇ - بأنه ابنُ زانية!.
_________________
(١) "تعدد نساء الأنبياء" (ص ٤٨١ - ٤٨٨).
[ ٢ / ٦٣١ ]
- وصَف الفاجرُ الدَّعِيُّ زوجاتِ الرسولِ - ﷺ - الطاهراتِ بأنهن "مُومسات"، وأنهن يَعْمَلْنَ في بيوت الدعارة.
- شنَّ هجومًا على السيدة عائشة - ﵂ -، وكيف تَمَّ زواجُها من الرسول - ﷺ -.
- جعل مكةَ المكرَّمةَ "مدينةَ الجاهلية والأوثان".
- وَصَف جبريلَ - ﵇ - بأنه من المُنادِين والمؤيدِّينَ للواط.
- ووَصَفه بأن لسانَه لا يعرفُ إلَّا الشتمَ واللِّعان.
- وصفَ الصحابةَ - ﵃ - بأنهم "رجالُ همجيةٍ لا يَعرِفون إلَّا الفَوضويَّة".
- وَصَف سلمانَ الفارسيَّ بأنه "مخادع وغَشَّاش".
- شَكَّك في نزولِ الوحي على رسول الله - ﷺ -.
- ووَصَف المسلمين بأنهم متوحِّشين، وقاعدتُهم الأصليةُ في الحياة هي تعذيبُ الآخرين.
اللهم أرِنا آيةً من آياتِك في هذا القِزْم الدَّنِسِ النَّجِس.
* رسالة إِلى سلمان رشدي:
° كتب الشاعر "فاروق جُويدة" هذه القصيدةَ الطيبة، وكَتَب في مقدِّمتها: "سلمان رشدي كاتب مسلم، ارتدَّ عن الإِسلام، ولم يَكتفِ بذلك، بل وَجَّه في كتابه "آيات شيطانية" أكبر إساءةٍ يُوجِّهها كاتبٌ في التاريخِ إلى رسول الله - ﷺ -":
في زَمِن الردَّةِ والبُهْتَانْ
[ ٢ / ٦٣٢ ]
اكتبْ مَا شئْتَ ولَا تَخْجَلْ
الكفرُ مباحٌ .. يَا سَلْمَانْ
ضَعْ أَلفَ صلِيبٍ .. وصَلِيبٍ
فَوقَ القُرآن
وارجُمْ آياتِ الله ومزِّقْهَا
فِي كلِّ لِسانْ
لَا تَخْشَ اللهَ ولا تَطْلبْ
صَفْحَ الرَّحمَن
فَزَمَانُ الرِّدَّةِ نَعرفُهُ
زمنُ المَعْصِية ..
بِلَا غُفْرَانْ
إنْ ضَلَّ القَلْبُ فَلا تَعْجَبْ
أَنْ يَسْكُنَ فِيهِ الشَّيطَانْ
لَا تَخْشَ خُيُولَ أَبِي بَكْرٍ
أَجْهَضَهَا جبنُ الفرْسَانْ
وبلالُ الصَّامتُ
فَوقَ المَسجِدِ
أَسْكَتَهُ سَيْفُ السَّجَّانْ
أتراه يُؤذِّنُ
بَينَ النَّاس بِلا استئذانْ؟
[ ٢ / ٦٣٣ ]
أَتْراهُ يرَتلُ باسمِ الله
وَلا يَخْشَى بَطْشَ الكُهَّانْ؟
فاكْتبْ مَا شِئْتَ ولَا تَخْجَلْ ..
فالكُلُّ مهَانْ
واكفُرْ مَا شِئْتَ ولَا تَسأَلْ
فالكُلُّ جَبَانْ
* * *
فالأَزهَرُ يَبْكِي أَمْجَادًا
ويُعيدُ حَكَايا ..
مَا قَدْ كَان
والكَعْبَةُ تَصرُخُ فِي صَمْتٍ
بَينَ القُضْبَانْ
والشَّعْبُ القَابعُ فِي خَوْفٍ
يَنْتَظِرُ العَفْوَ مِنَ السُّلطَانْ
والنَّاسُ تهَروِلُ فِي الطُّرقاتِ
يُطَارِدُهَا عَبَثُ الفِئرَانْ
والبَابُ العَالي يَحْرُسُه
بَطْشُ الطُّغْيَانْ
* * *
أيامُ الأُنسِ وبهجتُها
والكأسُ الراقصُ والغِلمانْ
[ ٢ / ٦٣٤ ]
والمالُ الضائعُ في الحاناتِ
تِسيلُ على أيدي النُّدْمانْ
فالبابُ العالي ماخورٌ
يسكنُه السِّفْلةُ والصبيانْ
يحميه السارقُ والمأجورُ
ويحكُمُه سِربُ الغِربانْ
جلَّادٌ يَعبثُ بالأديانْ
وآخَرُ يَمتهِنُ الإنسانْ
والكلُّ يُصلِّي للطغيانْ
* * *
ومحمدُ نُورٌ مسْجُونٌ
بَينَ الجُدْرَانْ
وخَدِيجةُ تَبْكِي فِي شَجَنٍ
أَيَّامَ النَّخْوة .. والفُرْسَانْ
عَائشَةُ تُحدِّقُ فِي صَمْتٍ
تَسْأَلُ عَنْ عُمَرٍ ..
أَوْ عُثْمَانْ
فَاطِمَةُ تُنَادِي سَيفَ اللهِ
فَلَا تَسْمَعُ غَيرَ الأَحْزَانْ
* * *
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أسألُكَ بربِّكَ يَا سَلْمَان
هَلْ تَجْرُؤ أَنْ تَكسِرَ يومًا
أَحدَ الصُّلْبانْ؟
أَنْ تَسْخَر يَوْمًا مِنْ عِيسَى
أَوْ تُلقِيَ مَريمَ فِي النِّيرَانْ
مَا بَيْنَ صَلِيبٍ .. وصَلِيبٍ
أحْرَقْتَ جَمِيعَ الأَدْيَانْ
فاكْتُبْ مَا شئتَ ولَا تَخْجلْ
فَالكُلُّ مُهَانٌ .. وجَبَانْ
* * *
خَبِّرنِي يَوْمًا ..
حِينَ تُفِيقُ مِنَ الهَذَيَانْ
هَلْ هَذَا حَقُّ الفنَّانْ ..؟
أَن تُشْعِلَ حِقْدَكَ فِي الإنجِيلِ
وتَغْرس سُمَّكَ فِي القُرآنْ
أَنْ تَرجُمَ مُوسَى أَوْ عِيسَى
أَو تَسْجُنَ مَرْيمَ في القُضْبَانْ
أَن يَغْدو المَعْبَدُ والقدَّاسُ
وبَيتُ اللهِ
مجَالسَ لَهو للرهْبانْ
[ ٢ / ٦٣٦ ]
أَنْ يَسْكرَ عيسَى فِي البَارَاتِ
ويَرقُصَ مُوسَى للغِلْمَانْ
هَلْ هَذَا حَقَّ الفَنَّانْ؟
أَنْ تَحْرِقَ دِينًا فِي الحَانَاتِ
لتبْنِيَ مَجْدَكَ بالبُهْتَان؟
أَنْ تَجْعَلَ ماءَ النَّهرِ
سُمُومًا تُسْرِي
فِي الأَبدَانْ ..
لَن يُشْرقَ ضَوءٌ مِنْ قَلْبٍ
لَا يَعْرفُ طَعمَ الإيمَانْ
لَن يَبْقَى شَيءٌ مِن قلمٍ
يَسْفِكُ حُرُمَاتِ الإِنسَانْ
فاكفُرْ ما شِئْت
ولَا تَخْجَلْ
ميعَادُكَ آتٍ يَا سَلْمَانْ
دَعْ بَابَ المَسْجِد
يَا زِنْديقُ
وقُمْ واسْكرْ بينَ الأَوثَانْ
سَيَجِيئُكَ صَوتُ أَبِي بكرٍ
ويصيحُ بخِالِد:
[ ٢ / ٦٣٧ ]
قُمْ واقْطَعْ رأْسَ الشَّيطَانْ
فمحمَّدُ بَاقٍ
مَا بَقيتْ ذُنْيا الرَّحْمَنْ
وسيَعْلُو صَوْتُ الله ..
وَلَوْ كَرِهُوا
فِي كُلِّ زَمَانٍ ..
وَمَكَانْ (^١).
° بيان الدفاع عن سلمان رشدي:
وَقَّع البيانَ خَمسةٌ من المصريين، في مقدِّمتهم الأستاذ "أنيس منصور" الذي يهاجم سلمان رشدي في الصحف المصرية، بينما يقول ضاحكًا: إنه وقَّع البيانَ العالَميَّ بالدفاع عنه بالفاكسميلي وهو في المدينة -المنورة- في ضيافة الحَرَس الوطنيِّ السعودي (^٢)!!! ما وَقَّع البيانَ كلٌّ من: أمينة السعيد، ونوال السعداوي التي مَولَّت "مؤسسةُ فورد" موتَمَرَها لتحرير المرأة .. وأحمد عثمان مرسى سعد الدين شقيق بليغ حمدي ولا فخر (^٣).
* * *
_________________
(١) قصيدة "إلى سلمان رشدي" من ديوان "زمان القهر علَّمني" للشاعر فاروق جويدة (ص ٦٣ - ٧٢) مكتبة غريب.
(٢) عاملك الله بما تستحق يا أنيس أليست هذه خيانة للمضيف الذي أكرمك ولا يعرف شيئًا عما تفعله وأنت في ضيافته.
(٣) "أولاد حارتنا فيها قولان" لمحمد جلال كشك (ص ٣٤) - الزهراء للإعلام العربي.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الرِّدَّ العِلميُّ على قِصةِ "الغرانيق"
• قال رسول الله - ﷺ -: "يَحمِلُ هذا العِلمَ من كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، ينْفُون عنه تحريفَ الغالِين، وانْتِحالَ المُبطِلينَ، وتَأويلَ الجَاهلينَ" (^١).
وهذه بِشارةٌ مِن اللهِ سُبحانَه على لِسانِ نبيِّهِ - ﷺ -.
فَلْيَطْمَئِنَّ المُسْلمونَ، ولْيَهْنَإ المُؤمِنونَ، فإنَّ هذا الدينَ -وللهِ الحمدُ- محفوظُ بحفظِ الله سُبحانَه له: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ كتابًا وسُنَّةً.
° قال الشيخ "محمد الصادق عُرجون": "أَقحَمَ بعضُ كُتَّابِ السيرةِ النبويةِ، وجماعةٌ مِن المُفَسِّرينَ، وطوائفُ مِن المُحَدِّثينَ؛ في كُتُبهم ودَواينِهم ومؤلَّفاتِهم أُقصوصَةَ الغَرانِيقِ (^٢)، وأَلْصَقُوها بهجرةِ الحبشةِ، وجَعَلوها سَببًا لعوْدَةِ المَهاجرينَ الأوَّلينَ إلى مكَّةَ، وهي أُقصوصَةٌ مختلَقَةٌ، باطلةٌ في أَصلِها
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ.
(٢) وسيأتي إيرادُها بتفاصيلها كافَّة، وبطرُقها جميعًا. "والغَرانِيقُ: الذُّكور مِن طيرِ الماء، واحِدُها: غُرْنوق؛ كعُصْفور، أَو غِرْنَوْق؛ كفِرْدَوس، أَو غِرْنَيْق؛ كمِعْلَيْق، أَو غِرْنِيقِ؛ كَمِسْكين. وهي طيورٌ بيضٌ طويلةُ الأعناقِ والقوائمِ. وقيلَ: الغُرْنُوقُ: هو الكُرْكِيّ. ومَعْنى قولِ الشَّيطانِ: "تلكَ الغَرانِيقُ العُلَى": أَنَّ الأصنامَ في عُلُوِّ مَنْزِلَتِها ورفعَةِ شأْنِها؛ كالغرانيقِ المرتفعة نحو السماء في طَيرانها". كذا في "رحلة الحج إلى بيت الله الحرام" (ص ١٢٩) للشيخ العلامة محمد الأمين الشِّنقيطي.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وفصْلِها، وأُكذوبةٌ خبيثةٌ في جُذورها وأغَصانِها، وفِرْيَةٌ متزندِقَةٌ اختَرَقَها غِرْنَوقٌ أَبلهُ جَهولٌ، أَو شيخٌ حاقدٌ على الإِسلامِ زِنديقٌ، أَو منافِقٌ فاجرٌ عِربيدٌ، أَلقى بها إليهِ شيطانٌ عابِثٌ مَريدٌ، يتلَعَّبُ بعُقولِ البُلْهِ المُغَفَّلينَ، الذين يَتَكَثَّرون تَعالُمًا، ويَتَلَقَّفونَ كُلَّ شوهاءَ فَجُورٍ، فجَرَتْ إلى مَجتمعاتِ أَعداءِ الإِسلام، مِن كُلِّ يهوديٍّ خبيثٍ، وكُلِّ مُلحدٍ عَتِيٍّ.
وسَرَتْ منهُم إلى كُلِّ مُسلمٍ أَبْلَهَ مُغَرَّرٍ، وكُلِّ متَعالِمٍ مُغَفَّلٍ، وكُلِّ جَدَليٍّ مَتفَيْهقٍ، وكُلِّ مغرورٍ مخدوعٍ بكواذبِ المدحِ والثَّناءِ، وكُلِّ حَفَّاظٍ صمَّامٍ، وكُلِّ مُلَبَّسٍ عليه يزعُمُ أَنه مجتهدٌ، وكُلِّ خابطٍ هنا وهناك يتكذَّب، وكُلِّ حاطبٍ في ظُلماتِ الجهلِ، يتلقَّفُ العلمَ مِن وراءِ طَنينِ الأسماءِ؛ دونَ تمحيصِ ناقدٍ أَو بحثِ مُسَدَّدٍ، وكُلِّ مُدَّعٍ دَعِيٍّ، وكُلِّ مُتَسَقِّطٍ يزعُمُ أَنَّهُ مجدِّدٌ، وكُلِّ ملتقطٍ يزعُمُ أَنَّهُ مُتَنَقٍّ، وكُلِّ مَزْهُوٍّ بالغُرورِ يزعُمُ أَنَّه وحيدُ دهرِهِ، وفريدُ عصرهِ، بل واحدُ أُمَّتِه، لو قيلَ له: "إنَّ الشيطانَ يُلَبِّسُ عليك في عِلْمِك، فيُوهِمُك ما ليس بحقٍّ أَنه حقٌّ"؛ لانتفخَتْ أَوداجُهُ غَضَبًا لنفسِه، ولكنَّه يُقْبِلُ ويدافعُ دفاعَ المستميتِ عن قِصَّةٍ مُزَوَّرةٍ تَهْدِمُ أَصلَ أُصولِ الإِسلامِ، وتَخرِقُ سياجَ النُّبُوَّةِ، وتُبطِلُ عِصمةَ الأنبياءِ؛ اعتمادًا على رَمْرَمَةٍ مِن مراسيلَ واهيةٍ.
فباضَتْ هذه الأكذوبةُ البَلْهاءُ بينَ أَحضانِ هؤلاءِ، وفَرَّخَتْ في أَعشاشِهم، وزَقْزَقَتْ أَفراخُها في أَوكارِهِم، وطارتْ بأَجنحةِ الافتراءِ الأبلهِ إلى آفاقِ التاريخِ الإِسلاميِّ المظلومِ، فتَلَقَّفَها كُلُّ رَاوَنْدِيٍّ ملحدٍ، وحَمَلَها كلُّ زِنديقٍ مُفسدٍ؛ لِيْطعَنَ بها في سُويداءِ قلبِ القرآنِ الكريمِ الحَكيمِ المُحْكَمِ، ويفتِكَ بخنجرِها بالسُّنةِ المطهَّرةِ المُبيِّنةِ -وهما أَصلُ أُصولِ الإِسلام اللذانِ قامَ
[ ٢ / ٦٤٠ ]
على دعائِمِهِما شامِخُ صَرْحِ هذا الدينِ القَيِّمِ-؛ لِيُزَعْزعَ الثقةَ بأَصليهِ، فينْفَلِتَ مِن أَيدي المسلمينَ زِمامُ دينِهِم الذي أَنزلَهُ اللهُ تعالى هدًى ورحمةً للعالَمينَ، لِيَهْدِمَ بهِ كُلَّ بناءٍ للوثنيةِ والإلحادِ، ويَقْضِيَ بهدايِتِه على مَعالِمِ الشركِ والإِفسادِ، ويُضَعْضعَ بآياتِه كُلَّ تفلسُفٍ مُتَزَنْدِقٍ، وكُلَّ زندقةٍ متفلسفةٍ، ويُقيمَ بشرائعِهِ وأَحكامِهِ منائرَ التوحيدِ الخالِصِ للهِ تعالى وحدَهُ، وينْشُرَ بآدابِه في آفاقِ الحياةِ نورَ الحقِّ والخيرِ.
هذه الأكذوبةُ الغِرْنَوقيَّةُ الخبيثةُ تريدُ من المسلمينَ أَن يَجْعَلوا مِن سيِّدِ المرسَلينَ، خاتَمِ الأنبياءِ، محمدٍ - ﷺ -، أُلعوبةً في يدِ الشيطانِ، وأَنْ يَجْعَلوا منهُ - ﷺ - مَعْبَثَةً للشِّركِ والمُشركينَ، وأُبطولةً يَرقُصُ مِن حَوْلِها المَلاحدةُ والحاقِدونَ!.
ولكنَّ اللهَ تعالى يأْبى إلَّا أن يَجْعَلَ مِن دينِهِ -دينِ الإِسلامِ الذي رَضِيَهُ لأمَّةِ محمدٍ - ﷺ - حِصْنًا حَصينًا، لا تَقْتَحِمُهُ الأباطيل والتُرَّهاتُ، ولا تَنْطَلي على حُذَّاقِ حَمَلَتِه مِن الجَهابذةِ زندقةُ المُتزندِقينَ.
وقد أَخبرَ سُبحانَه إخبارًا -لا يتخالَجُهُ الرَّيبُ، ولا يَحومُ حولَ حِماهُ الشَّكُّ-، بأَنه هو الذي تولَّى بنفسهِ حِفْظَهُ بحفظِ دستورِهِ: القُرآنِ الحكيمِ المحكَمِ، فلا يدخُلُ إلى ساحتِهِ افتراءُ المُفْتَرينَ، ولا يَلجُ إلى حَظيرةِ قُدْسِهِ عَبَثُ الشياطينِ، فقالَ تَعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ولْيَتَأَمَّلِ المُتَأَمِّلونَ في هذهِ الآيةِ الحكيمةِ المحكَمَةِ، وفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
[ ٢ / ٦٤١ ]
لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ لِيَرَوا ما أَضْفَى رَبُّ العِزَّة ﵎ على كِتابِهِ: القرآنِ الحكيمِ المحكَمِ مِن حفاوةِ الاختصاصِ بتَوَلِّي حفظهِ، وإسنادِ ما أَفاضَهُ على التَّوارةِ من فَضْلِهِ، فوَكَّلَ حفظَهُ إلى الرَّبَّانِيِّينَ والأحْبارِ.
° قالَ أَبو حَيَّانَ في "البحرِ": "وقد أَخَذَ اللهُ على العُلَماءِ حِفْظَ الكِتابِ -أَي: التوراةِ- مِن وجهينِ:
أَحَدُهما: حِفْظُهُ في صُدورِهِم، ودَرْسُهُ بأَلسنَتِهم.
والثاني: حِفْظُهُ بالعَمَلِ بأَحكامِهِ، واتِّباعِ شَرائِعِه.
وهؤلاءِ ضيَّعوا ما اسْتُحْفِظوا حتى تبدَّلَتِ التَّوراةُ.
وفي بناءِ الفعلِ للمفعولِ وكَوْنِ الفعلِ للطَّلَبِ ما يدلُّ على أَنَّه تعالى لم يتكَفَّل بحفظِ التوراةِ، بل طَلَبَ منهُم حِفْظَها، وكلَّفَهُم بذلك، فغَيَّروا وبدَّلوا، وخالَفوا أَحكامَ اللهِ؛ بخلافِ كتابِنا، فإنَّ اللهَ تعالى تَكَفَّلَ بحفظِهِ، فلا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فيهِ تَبْديلٌ ولا تَغْييرٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ".
أَفَلا يعْقِلُ الغِرْنوقيُّونَ؟!.
هذه الأكذوبةُ الخبيثةُ البلهاءُ كانت إحدى الفِرَى الحاقِدةِ التي طوَّفَتْ ببعضِ مؤلَّفاتِ الجَمَّاعينَ للغَثِّ والسَّمينِ، فرواها في غَفْلَةٍ مِن عقلِهِ وعِلْمِهِ بعضُ المفسِدينَ، وأُدخِلَتْ على بعضِ المُحَدِّثينَ؛ مُغَلَّفةً بأَغْلِفَةِ الأسانيدِ، مُحاطَةً بهالاتِ بريقِ الأسماءِ، فردَّدَها بأَساليبَ مختلفةٍ، وفَرَطَحَها كثيرٌ ممَّنْ تلقَّفَها بالبُلْهِ والغَفْلةِ، ورَتَعَتْ في أَسفارِ المُؤرِّخينَ، فأَعادُوا فيها
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وأَبْدَوْا، وزادُوا ونَقَصُوا، وأَثْبَتُوا وحَذَفُوا، وشَوَّهُوا وزَيَّنُوا، ومَسَخُوا وحَرَّفُوا، وتلقَّاها القَصَّاصُونَ فغَنَّوا بها، وكانَ إبليسُ هو عازفَ موسيقاها في أَنديَتِهم ومجالِسِهم، ومَصْمَصَتْ لسماعِ أَباطيلِها شفاهُ الجاهِلينَ مِن غَوْغَاءِ العامَّةِ، وعامَّةِ الغوغاءِ، الذينَ تَكْبُرُ في صدورِهِم الغَرائِبُ والأعاجيبُ مِن المُضْحِكاتِ المُبكِياتِ، فَيَهِشُّونَ لها، وَيتزاحَمونَ على محافِلِها.
بَيْدَ أَنَّ هذه الأُقصوصَةَ الخبيثةَ والأكذوبَةَ البلهاءَ لم تُفْلِتْ مِن سِياطِ النَّقْدِ المُمَحِّصِ، فنَهَضَ إليها مِن الجَهابذةِ المَهَرَةِ، والحذَّاقِ العيالمِ مِن أَئمَّةِ الإِسلامِ، المشهودِ لهُم بالفضلِ والصِّدْقِ والتَّبَحُّرِ والتفقُّهِ في الدينِ مَن طَعَنَها في أَقتلِ مقاتِلِها، فبَهْرَجَ زَيْفَها، وكَشَفَ عن سَوْأَتِها، وعرَّاها شوهاءَ متزندقةً، وجَلَّاها بَلْهاءَ مُلْحِدةً، وأَظهَرَها فِرْيةً مستَخْبَثَةً.
ولكنَّها ظَلَّتْ تَعيشُ في أَوديةِ الشياطينِ، تتربَّصُ للوثْبةِ؛ لتُفْسِدَ على المجتمعِ المسلمِ حياتَهُ الإِيمانيَّةَ، بتشكيكِهِ في أَصلِ أُصولِ دينِه، ودُستورِ حياتِه: القُرآنِ الحكيمِ المحكمِ، وتُزَعْزعَ ثقتَهُ في صِدْقِ نبيِّهِ، سيِّدِ الأنبياءِ والمُرسلينَ، محمدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ - ﷺ -؛ لِيُصْبحَ هذا المجتمعُ المسلمُ الذي اكْتَسَحَ حياةَ الوثنيَّةِ والإلحادِ المشركِ بهُدَى قُرآنِه وسُنَّةِ نبيِّهِ - ﷺ - فريسةً للإلحادِ الجديدِ على أَلسنَة المستَشْرِقينَ، والمُبَشِّرينَ الصَّليبِيِّينَ، واليهودِ السبائيِّينَ، والزنادقةِ الرَّاوَنْدِيِّينَ، والمُتَحَلِّلينَ مِن فجَّارِ الشُّيوعيِّينَ؛ الذينَ عَجَزوا عن مُوافَقَةِ القرآنِ في مواجهةٍ فكريَّةٍ، ومُحاجَّةٍ علميَّةٍ، فلاذوا إلى الافتراء يختَلِقونَهُ، وإلى الأباطيلِ يَزْرَعُونَها في أَرضهِ، في غَفْلةٍ مِن حُرَّاسِهِ الغُرِّ المَيامِينِ؛ لِيُغَيِّروا معالِمَ هدايَتِه، وُيشَوِّهوا حقائِقَ دُستورِهِ، ويَخْلَعوا عن
[ ٢ / ٦٤٣ ]
نبيِّهِ، سيِّدِ الأنبياءِ والمُرْسَلينَ، خِلْعَةَ العِصْمَةِ التي حَفِظَهُ الله بها عن أَيِّ خَطَإ فيما يُبَلِّغُهُ الرسولُ عن اللهِ تعالى مِن الشَّرائعِ والأحكامِ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فكانَتْ عاصِمًا لهُ - ﷺ - من أَنْ يكونَ للشيطانِ عليهِ سَبيلٌ.
والعِصْمةُ عن الخطإ فيما يُبَلِّغُه الرسولُ عن اللهِ تعالى ثابتةٌ بإجماعِ طوائِفِ الأمَّةِ خَلَفًا عن سَلَفٍ، لم يُعْرَفْ في هذا مخالِفٌ؛ إلَّا مَن أَوَّلَ وحَرَّفَ وبدَّلَ، وذلكَ أَمرُهُ إلى الله، يتولَّى جزاءَهُ بما يستَحِقُّ مِن جزاءٍ.
وقد تناوَلَ هذه الأقْصوصَةَ كثيرٌ مِن القُدَامى والمتأَخِّرينَ، وكانَ منهُمْ مَن لهُ دِرايةٌ بصناعةِ التَّحديثِ، ونقدِ الرواياتِ الحَدِيثيَّة، فأَجادَ في بيانِ زَيْفِ جميعِ رواياتِ الأقْصوصَةِ، وما فيها مِن وَهْيٍ ووَهَنٍ يَنْسِفانِها نَسْفًا، ويَذْرِيانِ رَميمَها في مَهَبِّ أَعاصيرِ الأباطيلِ، ولكنَّهُ كَعَّ عن الصَّراحَةِ في الردِّ على مَن أَثْبَتَها مِن الأكابِرِ ذَوِي الشُّهْرَةِ والرَّنينِ.
وكُلُّ أحدٍ مِن النَّاسِ يؤخَذُ مِن قولِهِ ويُرَدُّ عليه؛ إلَّا رسولُ اللهِ - ﷺ -، فهو وحدَهُ المعصومُ عن أَنْ يُبَلِّغَ عن اللهِ إلَّا ما هُو حقٌّ وهُدًى.
والمتأَمِّلُ في صنيعِ الجهابِذَةِ مِن جُنْدِ اللهِ، ومَهَرَةِ عيالِمِ عُلومِ تفسيرِ القُرآنِ والسُّنَّةِ وحُذَّاقِها؛ فِقْهًا وتفقُّهًا وصناعةً، في تزييفِ أُقصوصةِ الغَرانيقِ البَلهاءِ وإبطالِها في مَنابِتِها، واستحالَةِ وُقوعِها؛ يَجِدُ هذا الصنيعَ أَقْوَمَ مَسْلَكًا، وأَسدَّ منهجًا، وأَعمقَ منبعًا، وأَرضى مَصْرِفًا، وأَصدَقَ بُرهانًا، وأَسطعَ حُجَّةً، وأَضْوَأَ مَشْرِقًا، وأَصْفَى مَشْرَبًا، وأَعدَلَ مَقْصِدًا، وأَبدَعَ مَشْرَعًا، وأَحقَّ مُتَقَبَّلًا، وأَعذَبَ مَذاقًا، وأَحلى مَوْرِدًا، وأَنجعَ شِفاءً، وأَقطعَ لجذورِ الفِتْنَةِ؛ لأنَّه يَجمَعُ النظرَ المُحكمَ من جميعِ جوانِبِه النقليَّةِ
[ ٢ / ٦٤٤ ]
والعقليَّةِ، فلا يَدَعُ منها جانبًا لغامزٍ، ولا يترُكُ فيها سَبيلًا لقولِ مُتكذِّبٍ" (^١).
° قالَ الدُّكتور: "نبيل السَّمَّان" في كتابهِ "هَمَزات شَيطانِيَّة وسَلْمان رُشْدي" (ص ٥٥): " .. أَما قصَّة الغَرانِيق العُلا التي يُرَكِّز عليها ويستثمرُها أَعداءُ الإِسلامِ أَسوأَ استثمارٍ، هي في الأصلِ أُكذوبةٌ معروفةٌ ومَأْلوفَةٌ ورائِجَةٌ، ثم جَاءَ سَلْمان رُشْدي لِيُثيرَها مِن جَديدٍ، وقَدْ وَقَعَتْ مِن نفْسِهِ موْقِعًا مُلائِمًا، فقدْ سَمَّاها بعضُ المستَشْرِقينَ في القرنِ التاسعَ عشَرَ بأَسماءٍ كَثيرةٍ؛ كـ "سَهْوة محمَّد" (!)، أَو "صُلْحٌ معَ الشِّركِ" (!)، وقد وَرَدَتْ كذلك في "المَوْسوعَة التَّاريخِيَّة للقُرونِ الوُسْطى" التي أَصْدَرَتْها جامعةُ "كامبرج" (Cambridge) في لندن.
فسلمان رُشْدي يُكَرِّر إذًا افتراءاتِ المُسْتَشْرقينَ؛ أَمثال "كارل بروكلمان" (Carl Brocklman) في كتابهِ "تاريخ الشُّعوب الإِسلامِيَّة" (ص ٣٤ - ٣٥)، وكذلكَ ما وَرَدَ في كتاب "دراسات تاريخيَّة" باللغة الإِنجليزية للدكتور "فاخر عاقل" (!) تحت عنوان "بدء المعارضة والآيات الشيطانية" .. " (^٢).
° وقال الدُّكتور "شمس الدين الفاسِي" في كتابهِ "آيات سماويَّة في الردِّ على كتاب آياتٍ شيطانِيَّة" (ص ٥٩): " .. كان سَلْمان رُشْدي يبحثُ عن مَطْعَنٍِ في القُرآن، أَو في عِصْمَةِ النبيِّ - ﷺ -، فلمْ يَجدْ ما يَنْقَعُ غُلَّتَهُ الشَّيطانيَّة، فدسَّ في روايتِه هذه قصَّةً مختَلَقةً على النبيِّ، أَثبتَ العُلَماءُ
_________________
(١) "محمد رسول الله" للشيخ محمد الصادق عرجون (٢/ ٣٠ - ٣٤).
(٢) "همزات شيطانية وسلمان رشدي" (ص ٥٥) للدكتور نبيل السمَّان.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
الثِّقاتُ كَذِبَها بالحُجَجِ البالغةِ، والأدلَّةِ الدَّامِغَةِ .. " (^١).
° ثمَّ قالَ بعدَ كلامٍ: "هذه القصَّةُ الخُرافِيَّةُ أَسَّس عليها الزِّنديقُ سَلْمان رُشْدِي روايَتَهُ، فلم يَأْتِ إلَّا بكُفْرٍ قديمٍ قيلَ في مَكَّةَ قبلَ الهِجْرَةِ، وحاوَلَ المُسْتَشْرِقونَ أَنَّ يَتَّخِذوا مِنهُ مِعْوَلًا لهَدْمِ الإِسلامِ، فوَهَنَتْ قُواهُمْ، وبَقِيَ الإِسلامُ شامِخًا صُلْبًا رُغْمَ أَنْفِ المستَشْرِقينَ والزَّنادِقَةِ والمُلحِدينَ".
° وقالَ الأستاذُ "سعيد أَيُّوب" في كتابِهِ "شيطانُ الغَرْبِ سلمان رُشْدي: الرجل المارق" (ص ١٣٠): "ثم التقَطَ صاحِبُ "الشَّائِعاتِ الشَّيطانيَّةِ" حديثًا يُسَمَّى بحديثِ الغَرانيقِ، ونَسَجَ عليهِ ثوبَهُ، فما يقولُ هذا الحديثُ؟ " (^٢).
° ثم قالَ بعدَ إيرادِهِ لها وكلامِهِ عنها: "فأَيُّ شيطانٍ هذا الذي عَكَفَ عليهِ الحِلْفُ الشَّيطانيُّ، وقَذَفوا بهِ على رسولِ الفِطْرَةِ؟! إنَّ الطَّابورَ الشيطانِيَّ أَرادَها أُمنياتٍ شيطانِيَّةً بعدَ أَنِ الْتَقَطَ أَحاديثَ وأَقاصيصَ مِنْ هُنا وهناكَ سَنَدُها غيرُ مُتَّصِلٍ .. ".
° ثم خَتَمَ بحثَهُ قائلًا بعدَ كلامٍ: "وبناءً على ما ذَكَرْنا وما قَدَّمْنا؛ فإنَّ قصَّةَ الغَرانِيقِ وضَعَها الحِلفُ الإِبليسيُّ قديمًا؛ ليستغِلَّها الحِلْفُ الإبليسِيُّ حَديثًا، للصَّدِّ عن سبيلِ اللهِ، ولكنَّ كتابَ اللهِ تعالى تَصَدَّى لهذه المُحاوَلاتِ، وضَرَبَها في مقتَلٍ، فانْهارَتْ حُصونُ الضَّلالِ قَديمًا؛ كما
_________________
(١) "آيات سماوية في الردِّ على كتاب آيات شيطانية" للدكتور شمس الدين الفاسي (ص ٥٩).
(٢) "شيطان الغرب سلمان رشدي .. الرجل المارق" لسعيد أيوب (ص ١٣٠).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
انهارَتِ اليومَ، وكما سَتَنْهَارُ مُستَقْبَلًا، وسَيَبْقى نبيُّ الإِسلامِ وكتابُ الإِسلامِ نورًا واحدًا يَشعُ على الطَّريقِ المُستقيمِ؛ ليكونَ حُجَّةَ اللهَ على جميعِ خَلْقِهِ".
وهكذا يتناوَلُ سَلْمان رُشْدي هذه القصَّةَ الباطلةَ؛ لِيَجْعَلَها سيفًا مُصْلَتًا يُحارِبُ بهِ الإِسلامَ وأَهلَهُ!.
وهو -لِفَرْطِ حَقْدِهِ- يجهَلُ أَو يتجاهَلُ أَنَّ هذه القصَّةَ مصنوعةٌ منكرةٌ باطلةٌ، أَنكرَها عُلماءُ الأمَّةِ، وصفوةُ الأئمَّةِ.
° قالَ الإمامُ ابنُ حَزْمٍ الأندلُسيُّ في "الفِصَل في الملَلِ والأهواءِ والنِّحَلِ": "والحديثُ الكاذِبُ الذي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ فِي قِراءَتِه - ﵇ - في: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، وذَكَروا تلكَ الزِّيادةَ المُفْتَراةَ: "وإنَّها لَهِيَ الغَرانيقُ العُلَا، وأنَّ شَفاعتَها لتُرْتَجى" .. ".
° ثم قال: "وأَمَّا الحديثُ الذي فيهِ الغَرانِيقُ؛ فكَذِبٌ بَحْتٌ مَوضوعٌ؛ لأنَّهُ لم يَصحَّ قَطُّ مِن طريقِ النَّقْلِ، ولا مَعْنى للاشتِغالِ بهِ، إذْ وَضْعُ الكَذِبِ لا يعْجِزُ عنهُ أَحَدٌ".
° "وهكذا .. في سلسلةٍ مِن المَقالاتِ المَتينَةِ القويَّةِ لجهابِذَةِ العُلماءِ الذين أَنْكَروا وقوعَ هذه الأُقصوصَةِ الباطلةِ، وأَثْبَتُوا أَنهَّا مِن المُحالِ وقوعُهُ في حَياةِ سيِّدِ المُرسَلينَ محمدٍ - ﷺ -، وزَيَّفوا رواياتِها، وكَشَفوا عن خَبْئِها، وما تضمَّنَتْهُ مِن شَرٍّ مُستطيرٍ، وفسادٍ كبيرٍ، يَجبُ أَنْ تُبَرَّأَ مِن شَناعَتِهِ ساحَةُ الرسالةِ المحمَّدِيَّةِ الخاتمةِ الخالِدَةِ الهاديةِ؛ لِنَسُدَّ على شَياطينِ الإِلحادِ مِن أَعداءِ الإِسلامِ مَداخِلَهُم؛ لإِفسادِ عَقائِدِ هذا الدِّينِ القَيِّمِ في نفسِ مُعتنِقيهِ،
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وزَعْزَعَةِ الثِّقةِ بكتابِهِ المُبينِ ورسولِهِ الأمينِ - ﷺ -" (^١).
* مِن دُرَرِ الألبانيِّ في رسالته القيِّمة "نَصْبُ المجانيق لِنَسْفِ قِصَّةِ الغرانيقَ":
° رَحِمَ اللهُ ابنَ المبارك القائلَ حين سُئل: "هذه الأحاديثُ الضعيفةُ والموضوعة، ما نَصنعُ فيها؟ " قال: يعيشُ لها الجَهابذةُ من الرجال .. قال الله -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ".
ولقد سَوَّد الدجَّالُ الهنديُّ المفترِي كتابَه "آيات شيطانية بقصَّةِ "الغرانيق"، ونحن نَنصِبُ المجانيق من كلامِ شيخِنا الألباني لنَسْفِ قصةِ الغرانيق:
° قال الألباني - ﵀ -: "قبل أن أشرعَ في سَوقِ رواياتِ القصَّة، أرى أنه لا بدَّ مِن أن نذكرَ كلمةً، تتميمًا لفائدةٍ الرسالة، فأقول: إنَّ هذه القصةَ قد ذَكَرها المفسِّرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤].
وقد اختَلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿تمنَّى﴾ و﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾، وأحسنُ ما قيل في ذلك: إن "تمنَّى" من "الأمنية" وهي التلاوة، كما قال الشاعر في عثمانَ - رضي الله تعالى عنه - حين قتل:
_________________
(١) كتاب "محمد رسول الله" (٢/ ٣٥) لمحمد الصادق عرجون.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
تَمنَّى كتابَ اللهِ أولَ ليلةٍ … وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ
وعليه جمهورُ المفسِّرين والمحقِّقين، وحكاه ابنُ كثير عن أكثرِ المفسرين، بل عزاه ابنُ القيم إلى السلف قاطبةً، فقال في "إغاثة اللهفان" (^١) (١/ ٩٣): "والسلفُ كلُّهم على أنَّ المعنى: إذا تلا ألقى الشيطانُ في تلاوته".
وبيَّنه القرطبيُّ، فقال في "تفسيره" (١٢/ ٨٣): "وقد قال سليمانُ بنُ حرب: إن "في" بمعنى: "عند"، أي ألقى الشيطانُ في قلوبِ الكفار عندَ تلاوةِ النبيِّ - ﷺ -، كقوله -﷿-: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٨]، أي عندنا، وهذا هو معنى ما حكاه ابنُ عطيَّةَ، عن أبيه، عن علماءِ الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي.
قلتُ: وكلامُ أبي بكرٍ سيأتي في مَحِلِّه -إن شاء الله تعالى-، وهذا الذي ذَكَرْناه من المعنى في تفسيرِ الآية، هو اختيارُ الإمام ابنِ جرير، حيث قال بعد ما رواه عن جماعةٍ من السلف (١٧/ ١٢١): "وهذا القولُ أشبهُ بتأويل الكلام، بدلالةِ قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، على ذلك؛ لأن الآياتِ التي أَخبر اللهُ جَلَّ ثناؤه أنه يُحكِمُها، لا شكَّ أنها آياتُ تنزيله، فمعلومٌ بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان، هو ما أخبر الله تعالى ذِكره أنه نَسَخ ذلك منه وأبطَلَه، ثم أحكَمَه بنسخه ذلك منه، فتأويلُ الكلام إذن: وما أرسَلْنا مِن قَبلِك مِن رسولٍ ولا
_________________
(١) انظر طبعة المكتب الإِسلامي ودار الخاني، تحقيق الأستاذ محمد عفيفي، الطبعة الثانية، (١/ ١٥٠).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
نبيٍّ إلَّا إذا تلا كتابَ الله وقَرَأَ أو حَدَّث وتكلَّم، ألقى الشيطانُ في كتابِ الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثهِ الذي حَدَّث وتكلَّم، فيَنسخُ اللهُ ما يُلقِي الشيطانُ بقوله تعالى: فيُذْهِب اللهُ ما يُلقِي الشيطانُ من ذلك، على لسانِ نبيِّه ويُبطِلُه".
هذا هو المعنى المرادُ من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى ليس فيها إلَّا أن الشيطانَ يُلقِي عند تلاوةِ النبيِّ - ﷺ - ما يَفتَتِنُ به الذين في قلوبهم مرضٌ، ولكنَّ أعداءَ الدين الذين قَعَدوا له في كلِّ طريق، وترصَّدوا له عند كلِّ مَرْصَد، لا يُرضِيهم إلَّا أن يَدُسُّوا فيه ما ليس منه، ولم يَقُلْه رسولُه، فذَكروا ما ستراه في الرواياتِ الآتية، ممَّا لا يَليقُ بمَقامِ النبوَّةِ والرسالة، وذلك دَيْدَنُهم منذ القديم، كما فَعلوا في غيرِ ما آيةٍ وَرَدَت في غيرِه - ﷺ - من الأنبياء، كداودَ، وسليمانَ، ويوسفَ عليهم الصلاة والسلام، فرَوَوْا في تفسيرها من الإسرائيلياتِ ما لا يَجوزُ نسبتُه إلى رجلٍ مسلم، فضلًا عن نبيٍّ مُكَرَّم، كما هو مبيَّنٌ في مَحِلِّه من كتب التفاسير والقصص.
فحَذارِ -أيها المسلمُ- أن تَغتَرَّ بشيءٍ منها فتكونَ من الهالكين، و"دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبك" كما قال نبيُّك - ﷺ -، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
* رواياتُ القِصَّةِ وعِلَلُها:
بعد أن فَرَغْنا من ذِكرِ الفائدةِ التي وَعَدْنا بها، أعودُ إلى ذِكرِ رواياتِ القصةِ التي وَقَفْنا عليها لكي نسرُدَها روايةً روايةً، ونَذكرُ عَقِبَ كل منها ما فيها من علةٍ، فأقول:
[ ٢ / ٦٥٠ ]
١ - عن سعيد بنِ جُبيرٍ قال: "لَمَّا نَزَلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، قرأها رسولُ الله - ﷺ - فقال: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعَتَهُن لتُرجَّى"، فسَجَد رسولُ الله - ﷺ -، فقال المشركون: إنه لَم يَذكُرْ آلهتَهم قبلَ اليوم بخير، فسَجَد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ..﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٥] ".
أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٢٠) من طريقين عن شُعبةَ، عن أبي بِشرٍ عنه، وهو صحيحُ الإِسناد إلى ابنِ جُبير، كما قال الحافظ على ما يأتي عنه، وتَبِعه السيوطيُّ في "الدر المنثور" (٤/ ٣٦٦)، وعزاه لابن المنذر أيضًا وابن مَردُويه بعد ما ساقه نحوَه بلفظ: "ألقى الشيطانُ على لسانه: تلك الغرانيقُ العلى" الحديث، وفيه: "ثم جاءه جبريلُ بعد ذلك، قال: اعرِضْ عليَّ ما جِئتُك به، فلمَّا بَلَغ: "تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعَتَهنَّ لتُرجَّى" قال جبريلُ: "لم آتِك بهذا، هذا منَ الشيطان! "، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢].
وهكذا أخرجه الواحِدِيُّ في "أسباب النزول" من طريقٍ أخرى عن سعيدِ بنِ جبير، كما سيأتي.
وقد رُوي موصولًا عن سعيد، ولا يصحُّ:
رواه البزَّار (^١) في "مسنده" عن يوسفَ بنِ حَمَّادٍ، عن أُمَيَّةَ بن خالد، عن شُعبةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس -فيما أحسبه،
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ١٢٤٥٠)، والضياء المقدسي في "المختارة" من طريق الطبري.
[ ٢ / ٦٥١ ]
الشك في الحديث- أن النبيَّ - ﷺ - قرأ بمكة سورة "النجم" حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، وذكر بقيَّته، ثم قال البزَّار: "لا نَعلمُه يُروى متَّصِلًا إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد بوَصلِه أُميةُ بن خالد وهو ثقةٌ مشهور، وإنما يُروى هذا من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس" .. كذا في "تفسير ابن كثير" (٣/ ١٢٩).
وعزا الحافظُ في "تخريج الكشاف" (٤/ ١٤٤) هذه الروايةَ "للبزَّار، والطبري، والطبراني، وابن مردويه"، وعزوه للطبري سَهْوٌ، فإنها ليست في تفسيره -فيما علِمتُ- إلَّا إنْ كان يعني غيرَ التفسير من كتبه، وما أظنُّ يريدُ ذلك، ويؤيِّدُني أن السيوطيَّ في "الدر" عزاها لجميعِ هؤلاء إلَّا الطبريَّ، إلَّا أن السيوطيَّ أَوْهَمَ أيضًا، حيث قال عطفًا على ما ذُكر: "والضياء في "المختارة" بسندٍ رجالُه ثقات، من طريق سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس قال: إن رسول الله - ﷺ - قرأ .. "، فذكر الحديث مثلَ الروايةِ المرسَلةِ التي نقلناها آنفًا عن "الدر" نفسه، ومَحِلُّ الإيهامِ هو قوله: "بسندٍ رجاله ثقات"، بالإِضافة إلى أنه أخرجه الضياءُ في "المختارة"، فإنَّ ذلك يوهِمُ أنه ليس بمَعلول، وهذا خلافُ الواقع، فإنه معلولٌ بتردُّدِ الراوي في وَصلِه كما نَقلناه آنفًا عن "تفسير ابن كثير"، وكذلك هو في "تخريج الكشاف" وغيره، وهذا ما لم يَرِدْ ذكرُه في سياق السيوطيِّ، ولا أدري أذلك اختصارٌ منه، أم من بعضِ مُخرِّجي الحديث؟ (^١) وأيًّا ما كان، فما كان يَليقُ بالسيوطيِّ أن يُغفِلَ هذه العِلَّةَ، لا سيَّما وقد صَرَّح بما يُشعِرُ أن الإسنادَ
_________________
(١) ثم رأيت السيوطي قد أورده في كتابه "أسباب النزول" على الشك في رفعه فأصاب، فتبين أن لا مسؤولية فيه على غيره.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
صحيح، وفيه من التغريرِ ما لا يَخفى، فإنَّ الشكَّ لا يُوثَقُ به، ولا حقيقةَ فيه، كما قال القاضي عياض في "الشفاء" (٢/ ١١٨)، وأقرَّه الحافظ في "التخريج"، لكنه قال عقب ذلك: "ورواه الطبريُّ من طريق سعيدِ بنِ جُبير مرسلًا، وأخرجه ابنُ مردويه من طريق أبي عاصمٍ النبيل، عن عثمانَ بنِ الأسود، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، ولم يَشُكَّ في وَصْلِه، وهذا أصحُّ طرقِ الحديث .. قال البزَّار .. ".
قلت: وقد نَقَلْنا كلامَ البزَّارِ آنفًا، ثم ذَكَر الحافظُ المراسيلَ الآتية، ثم قال: "فهذه مراسيلُ يُقوِّي بعضُها بعضًا".
قلت: وفي عبارةِ الحافظ شيءٌ من التشويش، ولا أدري أذلك منه، أم مِن النُّسَّاخ؟ -وهو أغلبُ الظن-، وذلك لأن قوله: "وهذا أصحُّ طُرُقِ هذا الحديث" إنْ حَمَلناه على أقربِ مذكور -وهو طريقُ ابنِ مردُويه الموصولُ- كما هو المتبادَرَ، مَنَعَنا من ذلك أمور:
الأول: قولُ الحافظ عَقِبَ ذلك: "فهذه مراسيلُ يُقوِّي بعضُها بعضًا"، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنْ ليس هناك إسنادٌ صحيحٌ موصولٌ يُعتمَدُ عليه، وإلَّا لَعَرَّج عليه وجَعَله أصلًا، وجَعَل الطُّرُقَ المرسَلةَ شاهِدةً ومُقَوِّيةً له، ويؤيِّدُه الأمرُ الآتي، وهو:
الثاني: وهو أن الحافظَ لَمَّا رَدَّ على القاضي عياض تضعيفَه للحديث من طريقِ إسنادِ البزَّارِ الموصولِ بسبب الشك، قال الحافظ: "أمَّا ضَعفُه، فلا ضَعفَ فيه أصلًا (قلت: يعني في رُواته)، فإنَّ الجميعَ ثِقات، وأما الشكُّ فيه، فقد يَجيءُ تأثيرُه ولو فردًا غريبًا -كذا-، لكنْ غايتُه أن يَصيرَ مرسَلًا،
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وهو حُجَّةٌ عند عياض وغيرِه ممن يَقبَلُ مُرسَلَ الثِّقة، وهو حُجَّةٌ إذا اعتُضِدَ عندَ من يرُدُّ المرسَل، وهو إنما يَعتضِدُ بكثرةِ المتابعات".
فقد سَلَّم الحافظُ بأن الحديثَ مُرْسَلٌ، ولكنْ ذَهَب إلى تقويتِه بكثرةِ الطُّرق، وسيأتي بيانُ ما فيه في رَدِّنا عليه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
فلو كان إسنادُ ابنِ مردويه الموصولُ صحيحًا عند الحافظ، لرَدَّ به على القاضي عياض، ولَمَا جَعَل عُمْدَتَه في الردِّ عليه هو كثرةَ الطُّرُق، وهذا بَيِّنٌ لا يَخفى.
الثالث: أن الحافظَ في كتابه "فتح الباري" لم يُشِرْ أدنى إشارةِ إلى هذه الطريق، فلو كان هو أصحَّ طُرقِ الحديث، لذكره بصريحِ العبارة، ولَجعله عُمْدَتَه في هذا الباب -كما سبق-.
الرابع: أنَّ مَن جاء بعدَه -كالسيوطي وغيره- لم يذكروا هذه الرواية.
فكلُّ هذه الأمورِ تَمنعُنا مِن حَمْلِ اسمِ الإشارة "هذا" على أقربِ مذكور، وتضطرُّنا إلى حَمْلِه على البعيد، وهو الطريقُ الذي قَبلَ هذا، وهو طريقُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ المرسلُ؛ وهو الذي اعتَمَده الحافظُ في "الفتح" وجَعَله أصلًا، وجَعل الرواياتِ الأخرى شاهدةً له، وقد اقتَدَينا نحن به، فبدأنا أولًا بذِكرِ روايةِ ابنِ جُبيرٍ هذه، وإن كنَّا خالَفْناه في كونِ هذه الطرُقِ يُقوِّي بعضُها بعضًا.
قلت: هذا مع العلمِ أن القَدْرَ المذكورَ من إسنادِ ابنِ مردويه الموصولِ رجالُه ثقات رجالُ الشيخين، لكن لا بدَّ أن تكونَ العِلَّةُ فيمَن دونَ أبي عاصم النبيل، ويُقوِّي ذلك -أعني كونَ إسنادِه مُعَلًّا- أنني رأيتُ هذه الروايةَ
[ ٢ / ٦٥٤ ]
أخرجها الواحِديُّ في "أسباب النزول" (ص ٢٣٣) من طريق سَهلٍ العسكريِّ، قال: أخبَرَني يحيى (قلت: هو القطان)، عن عثمانَ بنِ الأسود، عن سعيدِ بنِ جُبير قال: "قرأ رسولُ الله - ﷺ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانه: "تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتُهُنَّ تُرتَجى"، ففَرح بذلك المشركون، وقالوا: قد ذَكَر آلهتَنا، فجاء جبريل - ﵇ - إلى رسولِ الله - ﷺ - وقال: اعرِضْ عَلَيَّ كلامَ الله، فلمَّا عَرَض عليه، قال: أمَّا هذا، فلم آتِكَ به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ".
فرَجَع الحديثُ إلى أنه -عن عثمانَ بنِ الأسودِ عنِ سعيدٍ- مرسل، وهو الصحيح، لموافقةِ روايةِ عثمانَ هذه روايةَ أبي بِشْرٍ عن سعيد.
ثم وقفتُ على إسنادِ ابنِ مردويه ومَتنهِ، بواسطةِ الضياء المقدسي في "المختارة" (٦٠/ ٢٣٥/ ١) بسنده عنه قال: حَدَّثَني إبراهيمُ بنُ محمد: حَدَّثَني أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ المُقْرِي البغدادي، ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الطيالسيُّ، ثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ عَرْعَرة، ثنا أبو عاصمٍ النبيل، ثنا عثمانُ ابنُ الأسود، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس: "أن رسولَ الله - ﷺ - قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، "تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتهُنَّ تُرتَجى". ففرح المشركون بذلك، وقالوا: قد ذَكَر آلهتَنا .. فجاءه جبريل، فقال. اقرأ عليَّ ما جئتُك به، قال: فقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتُهنَّ تُرتَجى، فَقال: ما أتيتُك بهذا، هذا
[ ٢ / ٦٥٥ ]
عن الشيطان، أو قال: هذا مِن الشيطان، لم آتِكَ بها! فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى آخر الآية".
قلت: وهذا إسنادٌ رجالُه كلُّهم ثِقات، وكلُّهم من رجالِ "التهذيب"، إلَّا مَن دُونَ ابنِ عَرْعَرة، ليس فيهم مَن يَنبغي النظرُ فيه غيرُ أبي بكرٍ محمدِ ابنِ عليِّ المُقْري البغدادي، وقد أورده الخطيبُ في "تاريخ بغداد" فقال (٣/ ٦٨ - ٦٩): "محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحَسَنِ، أبو بكر المُقرئُ، حَدَّث عن محمودِ بنِ خِداش، ومحمدِ بنِ عَمرٍو، وابنِ أبي مَذْعور .. رَوى عنه أحمدُ بنُ كاملٍ القاضي، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى العطشي".
ثم ساق له حديثًا واحدًا وَقع فيه مَكْنِيًّا بـ "أبي حرب"، فلا أدري أهي كنيةٌ أخرى له، أم تحرَّفت على الناسخ أو الطابع، ثم حكى الخطيبُ عن العطشي أنه قال: "تُوفِّي سنةَ ثلاثِمئِة"، ولم يَذكُرْ فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهولُ الحال، وهو عِلَّةُ هذا الإِسناد الموصول، وهو غيرُ أبي بكرٍ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عليِّ بنِ عاصمٍ الأصبهانيِّ المشهورِ بـ "ابنِ المقرئ"، الحافظِ الثقة، فإنه متأخِّرٌ عن هذا نحوَ قرنٍ من الزمان، وهو من شُيوخِ ابنِ مردُويه، مات سنةَ (٣٨١) -إحدى وثمانين وثلاثِمِئة-، ووقع في "التذكرة" (٣/ ١٧٢) "ومئتين"، وهو خطأ.
فثَبَتَ ممَّا تقدَّم صوابُ ما كنَّا جَزَمْنا به قبلَ الاطلاعِ على إسنادِ ابن مردويه "أن العِلَّةَ فيه فيمَن دون أبي عاصمٍ النبيل"، وازدَدْنا تأكُّدًا من أنَّ الصواب عن عثمانَ بنِ الأسود إنما هو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مرسلًا كما رواه الواحدي، خلافًا لرواية ابن مردويه عنه.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وبالجملة، فالحديثُ مرسَل، ولا يصحُّ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ موصولًا بوجهٍ من الوجوه.
٢ - عن ابن شهاب: حَدَّثَني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث "أن رسولَ الله - ﷺ - وهو بمكةَ قرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، فلما بَلَغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، قال: "إنَّ شفاعتَهُنَّ تُرتَجى" -سها رسول الله - ﷺ -، فلَقِيَه المشركون الذين في قلوبهم مَرَضٌ، فسَلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: "إنما ذلك من الشيطان"، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ ﴿فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] ".
رواه ابن جرير (١٧/ ١٢١)، وإسنادُه إلى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن صحيح، كما قال السيوطي تَبَعًا للحافظ، لكنْ عَلَّتُه أنه مرسَل (^١)، وعزاه السيوطيُّ لعبدِ بنِ حُميدٍ أيضًا، وأخرجه ابنُ أبي حاتم من طريقِ محمدِ بنِ فُليح، عن موسى بنِ عُقبة، عن ابنِ شهاب قال: فذكره مُطوَّلًا، ولم يذكر في إسناده أبا بكر بنَ عبدِ الرحمن، فهو مُرسَل، بل مُعْضَل، ولفظُه كما في "ابن كثير" و"الدر": "لَمَّا أُنزلت سورة "النجم"، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجلُ يَذكُرُ آلهتَنا بخيرٍ، أقرَرْناه وأصحابَه، ولكنْ لا يَذكُرُ مَن خالَفَ دينَه من اليهودِ والنصارى بمِثلِ الذي يَذكُرُ آلهتَنا من الشَّتمِ والشر، وكان رسول الله - ﷺ - قد اشتَدَّ عليه ما ناله وأصحابَه مِن أذاهم وتكذيبهم، وأحزَنَتْه ضلالتُهم، فكان يتمنَّى كفَّ أذاهم، (وفي "ابن كثير" هدايتهم)،
_________________
(١) وقال النحاس: "هذا حديث منقطع، وفيه هذا الأمر العظيم" ذكره القرطبي (١٢/ ٨١).
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فلمَّا أنزل اللهُ سورةَ "والنجم" قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطانُ عندها كلماتٍ حين ذَكَر الطواغيت، فقال: "وإنهنَّ لَهنَّ الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعَتَهُنَّ لَهِيَ التي تُرتَجى"، فكان ذلك من سَجعِ الشيطانِ وفِتنتِه، فوَقَعت هاتانِ الكلمتانِ في قلبِ كلِّ مُشرِكٍ بمكة، وذَلَّتْ بها ألسنتُهم، وتباشَروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينهِ الأول ودينِ قومِه، فلمَّا بَلَغ رسولُ الله - ﷺ - آخِرَ "النجم" سَجَدَ، وسَجَد كلُّ مَن حَضَرَ مِن مُسلمٍ ومُشرِكٍ، ففَشَتْ تلك الكلمةُ في الناس، وأظهرها الشيطانُ حتى بَلَغت أرضَ الحبشة، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]، فلمَّا بيَّن الله قضاءه، وبرَّأه مِن سَجعِ الشيطان، انقَلَب المشركون بضلالتهم وعُدوانهم للمسلمين، واشتدُّوا عليه" (^١).
وأخرجه البيهقيُّ في "دلائل النبوة" عن موسى بنِ عُقبةَ، ساقه من "مغازيه" بنحوه، لم يَذكُرِ ابنَ شهابٍ كما في "الدر" (٤/ ٣٦٧) وغيره.
٣ - عن أبي العالية قال: قالت قريشٌ لرسولِ الله - ﷺ -: "إنما جُلساؤك عَبِيدُ بني فلان، ومولَى بنِي فلان، فلو ذَكَرتَ آلهتَنا بشيءٍ جالسناك، فإنه يأتيك أشرافُ العرب، فإذا رَأَوْا جُلساءَك أشرافَ قومِك كان أرغَبَ لهم فيك، قال: فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، قال: فأجرى الشيطانُ على
_________________
(١) هذا "سياق الدر" وهو مختصر عن سياق "ابن كثير" ومما فيه: "فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطانُ في مسامع المشركين".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
لسانه: "تلك الغرانيقُ العُلى، وشفاعتهُن تُرتَجى، مِثْلُهن لا يُنسَى"، قال: فسَجَد النبيُّ - ﷺ - حين قرأها، وسَجَد معه المسلمون والمشركون، فلمَّا عَلِم الذي أُجرِيَ على لسانه، كَبُرَ ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ".
أخرجه الطبري (١٧/ ١٢٠) من طريقين عن داودَ بنِ أبي هِندٍ عنه، وإسنادُه صحيحٌ إلى أبي العالية، لكنْ عِلَّتُه الإرسال، وكذلك رواه ابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم.
٤ - عن محمدِ بنِ كَعبٍ القُرَظِيِّ، ومحمدِ بنِ قَيسٍ قالا: "جَلَس رسولُ الله - ﷺ - في نادٍ من أنديةِ قريشٍ كثيرٍ أهلُه، فتمنَّى يومئذٍ أنْ لا يأتيَه مِنَ الله شيءٌ فيَنفِروا عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢] فقرأها رسولُ الله - ﷺ - حتى إذا بَلَغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى عليه الشيطانُ كلمتَينِ: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شَفَاعَتَهُنَّ لتُرتَجى"، فتكلَّم بها ثم مَضى، فقرأ السورةَ كلَّها، فسَجَد في آخِرِ السورة، وسَجَد القومُ جميعًا معه، ورَفع الوليدُ بنُ المُغيرةِ ترابًا إلى جَبهتِه فسَجَد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يَقدِرُ على السجود، فرَضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عَرَفْنا أن اللهَ يُحيي ويُميت، وهو الذي يَخلقُ وَيرزُق، ولكنْ آلهتُنا هذه تَشفعُ لنا عنده، إذا جَعَلْتَ لها نصيبًا فنحن معك، قالا: فلمَّا أمسى أتاه جبريلُ - ﵇ -، فعَرَض عليه السورةَ، فلمَّا بَلَغَ الكلمتينِ اللتينِ ألقى الشيطانُ عليه قال: ما جِئتُكَ بهاتَينِ! فقال رسولُ الله - ﷺ -: "افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يَقُلْ"!! فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي
[ ٢ / ٦٥٩ ]
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]، فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ..﴾ [الحج: ٥٢]، قال: فسمع مَن كان مِن المهاجرين بأرضِ الحبشةِ أنَّ أهلَ مكةَ قد أسلَموا كلُّهم، فرَجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هو أحبُّ إلينا، فوَجَدوا القومَ قد ارتَكَسوا حين نَسَخ اللهُ ما ألقَى الشيطانُ".
أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١١٩) من طريق أبي مِعْشَرٍ عنهما، و"أبو مِعشَر" ضعيف، كما قال الحافظُ في "التقريب"، واسمُه "نُجَيحُ بنُ عبدِ الرحمن السِّندي".
ثم أخرجه ابن جرير من طريقِ ابنِ إسحاق، عن يَزيدَ بنِ زيادٍ المَدَني، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ وحدَه به -أتمَّ منه-، وفيه: "فلما سَمِعَتْ قريشٌ ذلك فَرِحوا، وسَرَّهم وأعجَبَهم ما ذَكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مُصدِّقون نبيَّهم فيما جاء به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأٍ لا وهمٍ ولا زَللٍ .. "، الحديث، و"يَزيدُ" هذا ثِقةٌ، لكنَّ الراويَ عنه "ابنَ إسحاق" مدلِّس، وقد عنعنه.
٥ - عن قتادةَ أن النبيَّ - ﷺ - كان يتمنَّى أنْ لا يَعيبَ الله آلهةَ المشركين، فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فقال: "إنَّ الآلهةَ التي تُدعَى، إن شفاعَتهُنَّ لتُرتَجى، وإنها لَلْغرانيق العلى"، فَنَسخ اللهُ ذلك، وأحكَمَ الله آياته:
_________________
(١) [وتمام الآية: ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾].
[ ٢ / ٦٦٠ ]
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (^١) حتى بلغ ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]، قال قَتادة: لَمَّا أَلقَى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذَكر اللهُ آلهتَهم بخيرٍ، ففَرِحوا بذلك، فذَكَر قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] ".
° أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١٢٢) من طريقين عن مَعْمَرٍ عنه، وهو صحيحٌ إلى قَتادة، ولكنَّه مرسَلٌ أو مُعضَل.
وقد رواه ابنُ أبي حاتم كما في "الدر" بلفظٍ أتمَّ منه وهو: "قال: بينما رسولُ الله - ﷺ - يُصلِّي عند المَقام، نَعِسَ، فألقى الشيطان على لسانِه كلمةً فتكلَّم بها، وتَعلَّق بها المشركون عليه، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانِه ولَغَى: "وإن شفاعتَهُنَّ لتُرتَجى، وإنها لَمَعَ الغرانيقِ العلى"، فحَفظِها المشركون، وأخبَرَهم الشيطانُ أن نبيَّ الله - ﷺ - قد قرأها، فذَلَّت بها ألسنتُهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية [الحج: ٥٢]، فدَحَر الله الشيطانَ، ولَقَّنَ نبيَّه حُجَّتَه".
٦ - عن عُروةَ -يعني ابن الزبير- في تسميةِ الذين خَرجوا إلى أرضِ الحبشة المرةَ الأولى (قلت: وفيه) "فقال المشركون: لو كان هذا الرجلُ يَذكُرُ آلهتَنا بخيرٍ، أقَرْرناه وأصحابَه، فإنه لا يَذكرُ أحدًا ممن خالَفَ دِينَه من اليهودِ والنصارى بمِثلِ الذي يَذكُرُ به آلهتَنا من الشَّتْمِ والشر، فلمَّا أنزل الله
_________________
(١) [وتمام الآية: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾].
[ ٢ / ٦٦١ ]
-﷿- السورةَ التي يُذكر فيها: "والنجم" وقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطانُ فيها عندَ ذلك ذِكْرَ الطواغيت فقال: "وإنهن لَمِنَ الغرانيقِ العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى"، وذلك مِن سَجعِ الشيطان وفتنتِه، فوَقَعت هاتان الكلمتانِ في قلبِ كلِّ مُشرِكٍ، وذَلَّت بها ألسنتُهم، واستَبشَروا بها، وقالوا: إنَّ محمدًا قد رَجَع إلى دينهِ الأوَّلِ ودينِ قومه، فلما بَلَغ رسولُ الله - ﷺ - آخِرَ السورة التي فيها "النجم" سَجَد، وسَجَد معه كلُّ مَن حَضَره مِن مُسلِمٍ ومُشرِك، غيرَ أنَّ الوليدَ بنَ المغيرة -كان رجلًا كبيرًا-، فرَفَع مِلْءَ كَفِّه ترابًا، فسَجَد عليه، فعَجِب الفريقانِ كلاهما من جماعتِهم في السجودِ لسجود رسولِ الله - ﷺ -، فأما المسلمون فعَجِبوا من سجودِ المشركين من غيرِ إيمانٍ ولا يقين -ولم يكن المسلمون سَمِعوا الذي ألقى الشيطانُ على ألسِنَةِ المشركين-، وأمَّا المشركون فاطمأنَّت أنفُسُهم إلى النبي - ﷺ -[وأصحابِه لَمَّا سَمِعوا الذي ألقى الشيطانُ في أُمنيَّةِ النبيِّ - ﷺ -]، وحَدَّثهم الشيطانُ أن النبيَّ - ﷺ - قد قرأها في "السجدة"، فسَجَدوا لتعظيمِ آلهِتهم، ففَشَتْ تلك الكلمةُ في الناس وأظهَرَها الشيطانُ حتى بَلَغَتِ الحبشة .. فكَبُرَ ذلك على رسولِ الله - ﷺ - فلمَّا أمسى أتاه جبريلُ [- ﵇ - فشكا إليه، فأَمَره، فقرأ عليه، فلمَّا بَلَغها تبرَّأ منها جبريلُ - ﵇ -] وقال: مَعَاذَ اللهِ من هاتين، ما أنزَلَهما ربِّي، ولا أمرَني بهما ربُّك!! فلمَّا رأى ذلك رسولُ الله - ﷺ - شَقَّ عليه، وقال: "أطعتُ الشيطانَ، وتكلَّمتُ بكلامه، وشَرَكني في أمرِ الله" فنَسَخ الله -﷿- ما ألقى الشيطانُ، وأنزل عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٣]. فلمَّا برَّأه الله -عز
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وجل- مِن سَجْعِ الشيطانِ وفِتنتهِ، انقلب المشركون بضَلالهم وعداوتهم".
رواه الطبراني هكذا مرسلًا، كما في "المجمع" (٦/ ٣٢ - ٣٤ و٧/ ٧٠ - ٧٢) وقال: "وفيه ابنُ لَهِيعة، ولا يُحتمل هذا مِن ابنِ لَهيعة".
٧ - عن أبي صالح قال: "قام رسولُ الله - ﷺ - فقال المشركون: إنْ ذَكَر آلهتَنا بخيرٍ ذَكَرْنا إلهه بخير، فأُلقي في أُمنيته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، "إنهن لفي الغرانيقِ العُلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجى"، قال: فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ..﴾ الآية [الحج: ٥٢] ".
أخرجه عَبدُ بنُ حُميد كما في "الدر" (٤/ ٣٦٦) من طريق السُّدِّيُّ عنه، وأخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن السُّدِّيِّ لم يُجاوِزْه بلفظ: "قال: خَرج النبيُّ - ﷺ - إلى المسجدِ ليصلِّيَ، فبينما هو يقرأُ، إذ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانِه، فقال: "تلك الغَرَانِقةُ العُلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرجَّى"، حتى إذا بَلَغ آخِرَ السورةِ سَجَد وسَجَد أصحابه، وسَجَد المشركون لذِكرِ آلهتِهم، فلمَّا رَفَع رأسَه حَمَلوه، فاشتدُّوا به قُطْرَيْ مكةَ يقولون: نبيُّ بني عبدِ منافٍ، حتى إذا جاء جبريلُ عَرَض عليه، فقرأ ذَيْنِكَ الحرفَينِ، فقال جبريل: مَعاذَ اللهِ أن أكونَ أقرأتُك هذا! فاشتدَّ عليه، فأنزل الله يُطيِّبُ نفسه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ..﴾ الآية [الحج: ٥٢] ".
° قلت: وقد رُويَ موصولًا عن ابن عباسٍ، أخرجه ابنُ مَردُويه من طريقِ الكَلْبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس. وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا
[ ٢ / ٦٦٣ ]
-بل موضوع-، فقد قال سفيانُ: "قال لي الكَلْبيُّ: كلُّ ما حَدَّثتُك عن أبي صالحٍ فهو كذب"، والكَلْبيُّ هذا اسمُه "محمدُ بنُ السائب"، وقد كان مفسِّرًا نسَّابةً أخباريًّا.
وقال ابنُ حبان: "كان الكَلبيُّ سَبائيًّا من أولئك الذين يقولون: إن عليًّا لم يَمُت، وإنه راجعٌ إلى الدنيا، ويملؤها عَدلًا كما مُلئت جَوْرًا، وإن رأوا سحابةً قالوا: أميرُ المؤمنين فيها".
قال: "ومذهبُه في الدين، ووضوحُ الكذبِ فيه أظهرُ من أن يُحتاجَ إلى الإغراقِ في وَصفِه، يَروِي عن أبي صالحٍ عن ابن عباسٍ التفسيرَ، وأبو صالحٍ لم يَرَ ابنَ عباس، ولا سَمعَ الكلبيُّ من أبي صالحٍ إلَّا الحرفَ بعدَ الحرف، لا يَحِلُّ ذِكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به؟! " (^١).
° ورُوي من وجوهٍ أخرى عن ابن عباسٍ - ﵄ - سيأتي ذِكرُها، ولا يصحُّ شيءٌ منها.
٨ - عن الضحَّاك قال في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ..﴾ الآية [الحج: ٥٢]: "فإنَّ نبيَّ اللهِ - ﷺ - وهو بمكةَ أَنزل اللهُ عليه في آلهةِ العَرَب، فجَعل يتلو اللاتَ والعُزَّى، ويُكثِرُ ترديدَها، فسَمع أهلُ مكةَ النبيَّ - ﷺ - يذكُرُ آلهتَهم، ففرِحوا بذلك، ودَنَوا يستمِعون، فألقى الشيطانُ في تلاوة النبيِّ - ﷺ -: "تلك الغرانيق العلى، ومنها الشفاعةُ تُرجَى"، فقرأها النبيُّ - ﷺ - كذلك، فأنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ".
_________________
(١) نقلته من "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للإمام الذهبي.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١٢١) قال: "حُدِّثتُ عن الحُسينِ قال: سمعتُ معاذًا يقول: أخبَرَنا عُبيدٌ قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقول .. ".
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ منقطعٌ مرسَل، الضَّحَّاكُ هذا الظاهرُ أنه ابنُ مُزاحِمٍ الهِلاليُّ الخُراسانيُّ، هو كثيرُ الإِرسال -كما قال الحافظ-، حتى قيل: إنه لَم يَثبُت له سَماعٌ من أحدٍ من الصحابة، والراوي عنه "عُبيد" لَم أعرِفْه (^١)، وأبو مُعاذٍ الظاهر أنه سُليمانُ بنُ أرقمَ البَصْرِيُّ، وهو ضعيف -كما في "التقريب"-، والراوي عنه الحُسين هو ابنُ الفَرَج أبو عليٍّ، وقيل: أبو صالح، ويُعرف بـ "ابن الخَيَّاط" و"البغدادي"، وهو ضعيفٌ متروك، وله ترجمة في "تاريخ بغداد" وفي "الميزان" و"اللسان" ثم شيخ ابن جرير فيه مجهولٌ لم يُسَمَّ.
٩ - عن محمدِ بنِ فَضَالةَ الظَّفَريِّ، والمُطَّلِبِ بنِ عبدِ الله بنِ حَنْطَبٍ قالا: "رأى رسولُ الله - ﷺ - مِن قومه كفًّا عنه، فجلس خاليَا، فتمنَّى، فقال: "لَيتَه لا يَنزِلُ عليَّ شيءٌ يُنفِّرُهم عنِّي"، وقارَبَ رسولُ الله - ﷺ - قومَه، ودنا منهم، ودنَوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ من تلك الأنديةِ حولَ الكعبة، فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]،
_________________
(١) ثم تبيَّن لي أنه ابنُ سليمانَ الباهِلي، ورَوى عن الضحاك بنِ مُزاحم، وعنه جَمْعٌ، منهم أبو مُعاذِ الفضلُ بنُ خالدٍ النَّحْوي .. قال في "التقريب": "لا بأس به"، ومما ذكرنا نتبيَّنُ أيضًا أن أبا معاذٍ الراوي عن عُبيد، ليس هو سليمانَ بنَ أرقمَ، وإنما هو "الفضلُ بنُ خالد النحوي" أورده ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢/ ٦١) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
ألقى الشيطانُ كلمتين على لسانِه: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجَى"، فتكلَّم رسولُ الله - ﷺ - بهما ثم مضى، فقرأ السورةَ كلَّها، وسَجَد وسَجَد القومُ جميعًا، ورَفَع الوليدُ بن المغيرةِ ترابًا إلى جبهتِه فسَجَد عليه، وكان شيخًّا كبيرًا لا يَقدِرُ على السجود، ويقال: إن أبا أُحَيْحَةَ سعيدَ بنَ العاصِ أخذ ترابًا فسَجَد عليه رَفَعه إلى جبهته، وكان شيخًّا كبيرًا، فبَعضُ الناس يقول: إنما الذي رَفع الترابَ الوليدُ، وبعضهم يقول: أبو أُحَيحة، وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فَعَل ذلك .. فرَضُوا بما تكلَّم به رسولُ الله - ﷺ - وقالوا: قد عَرَفنا أن اللهَ يحيي ويميت، ويَخلُقُ ويَرزُق، ولكن آلهتَنا هذه تَشفعُ لنا عنده، وأمَّا إذ جَعَلتَ لها نصيبًا فنحن معك، فكبُر ذلك على رسولِ الله - ﷺ - من قولهم، حتى جَلس في البيت، فلمَّا أمسى أتاه جبريلُ - ﵇ -، فَعَرَض عليه السورة، فقال جبريل: جِئُتك (^١) بهاتَينِ الكلمتَينِ؟!! فقال رسولُ الله - ﷺ -: "قُلْتُ على الله ما لم يَقُلْ"، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥] ".
أخرجه ابنُ سعد في "الطبقات" (ج ١ ق ١ ص ١٣٧) (^٢): "أخبَرَنا محمدُ بنُ عمرَ قال: حدَّثَني يونسُ بن محمدِ بنِ فَضَالةَ الظَّفَرِيُّ عن أبيه،
_________________
(١) كذا في الأصل وهو جائز على الاستفهام الإنكاري، وفي القرطبي نقلًا عن الواحدي "ما جئتك".
(٢) انظر طبعة دار صادر (١/ ٢٠٥).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
قال: وحَدَّثني كَثيرُ بنُ زَيدٍ، عن المُطَّلِبِ بن عبد الله بنِ حَنْطَبٍ قالا .. ".
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا؛ لأن محمدَ بنَ عُمرَ، هو الواقِدي، قال الحافظ في "التقريب": "متروك مع سَعَةِ عِلمه" وشيخُه في الإسنادِ الأول يونسُ بنُ محمد، ووالدُه محمدُ بنُ فَضالة، لم أجِدْ لهما ترجمةً، ثم رأيتُ ابنَ أبي حاتم أورَدَهما (٤/ ١/ ٥٥ و٤/ ٢/ ٢٤٦) ولم يذكر فيهما جرحًا ولا تعديلًا، وفي إسناده الثاني "كثير بن زيد" وهو الأَسْلَمِيُّ المَدَنِيُّ، مُخْتَلَف فيه، قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
ثم هو مرسَل، فإن المطَّلبَ بنَ عبدِ الله بنِ حَنْطَبٍ كثيرُ التدليس والإرسال، كما في "التقريب"، ولذلك قال القرطبيُّ بعد أن ساق الرواية الثانية: "وحُكي عن النحاس تضعيفها كما سبق نقلُه عنه هناك".
° قلت: فذكره مختصرًا ثم قال: "قال النحَّاس: هذا حديثٌ مُنكَر منقطع، ولا سيما من حديث الواقدي".
١٠ - عن ابن عباس أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قرأ سورة "النجم" وهو بمكة، فأتى على هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، فألقى الشيطانُ على لسانه "إنهن الغرانيقُ اَلعُلى" فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ..﴾ الآية [الحج: ٥٢]، وكذا أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٢٦٧) وقال: "أخرجه ابنُ مَردُويه من طريق الكَلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، ومن طريقِ أبي بكر الهُذَليِّ وأيوبَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومن طريقِ سُليمانَ التَّيمِيِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباس".
[ ٢ / ٦٦٧ ]
قلت: فهذه طُرُقٌ ثلاثٌ عن ابن عباسٍ، وكلُّها ضعيفة.
أمَّا الطريقُ الأول: ففيها الكَلبيُّ، وهو كَذَّابٌ كما تقدَّم بيانُه قريبًا.
وأما الطريق الثاني: ففيها مَن لَم يُسَمَّ.
وأما الطريق الثالث: ففيها "أبو بكر الهُذَلي"، قال الحافظ في "التقريب": "أخباريٌّ متروكُ الحديث" لكن قد قَرَن فيها أيوب، والظاهرُ أنه السِّختياني، فلا بدَّ أن يكونَ في الطريقِ إليه مَن لا يُحتَجُّ به؛ لأن الحافظَ قال في "الفتح" (٨/ ٣٥٥) -بعد أن ساقَه من الطرق الثلاث-: "وكلُّها ضعيفٌ أو منقطع".
وقد ذَكر ما يُفيدُ أن ابنَ مَردُويه أخرجَها من طريقِ عَبَّادِ بنِ صُهيب، وهو أحد المتروكين، كما قال الحافظ الذهبيُّ في ترجمته من "الميزان".
وله طريقٌ رابع، أخرجه ابنُ جرير (١٧/ ١٢٠): حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثني أبي قال: ثني عمِّي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس؛ "أن نبيَّ الله - ﷺ - بينما هو يُصلِّي إذ نَزَلت عليه قصةُ آلهةِ العرب، فجَعل يتلوها، فسَمِعه المشركون، فقالوا: إنَّا نَسمعُه يذكرُ آلهتَنا بخير، فدَنَوا منه، فبينما هو يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطان: "إن تلك الغرانيقَ العُلى، َ منها الشفاعةُ تُرتَجى"، فجَعَل يتلوها، فنزل جبريل - ﵇ - فنَسَخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ..﴾ الآية [الحج: ٥٢] ".
رواه ابنُ مردُويه أيضًا كما في "الدر" (٤/ ٣٦٦).
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، مُسَلسَلٌ بالضعفاء: "محمد بن سعد"، هو
[ ٢ / ٦٦٨ ]
ابن محمد بن الحسن بن عطية بن جُنادة أبو جعفر العَوفيُّ، ترجَمَه الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال: "كان ليِّنًا في الحديث".
ووالدُه "سعد بن محمد" ترجَمَه الخطيبُ أيضًا (٩/ ١٢٦ - ١٢٧) ورَوى عن أحمدَ أنه قال فيه: "لم يكن ممن يستأهلُ أن يكتبَ عنه، ولا كان موضِعًا لذلك".
وعمُّه هو "الحسن بن الحسن بن عطية بن سعد"، وهو متَّفقٌ على ضَعفِه، ترجَمَه الخطيب (٨/ ٢٩ - ٣٢) وغيره.
وأبوه "الحسن بن عطية" ضعيف أيضًا اتفاقًا، وقد أورده ابنُ حِبَّانَ في "الضعفاء" وقال: "مُنكَرُ الحديث، فلا أدري البَلِيَّةُ منه أو مِنِ ابنه، أو منهما معًا؟ "، ترجمته في "تهذيب التهذيب".
وكذا والدُه "عطية"، وهو مشهورٌ بالضَّعف (^١).
* بيانُ بطلانِ القصة مَتنًا:
تلك هي رواياتُ القصة، وهي كلُّها -كما رأيت- مُعَلَّةٌ بالإِرسالِ والضَّعف والجَهالة، فليس فيها ما يَصلُح للاحتجاج به، لا سيَّما في مثلِ هذا الأمرِ الخطير، ثم إنَّ ممَّا يؤكِّدُ ضَعفَها -بل بطلانَها-، ما فيها من
_________________
(١) قلت: ومما يدلُّ على بطلانِ نسبةِ هذه القصةِ إلى ابن عباس، لا سيَّما من روايةِ أيوبَ عن عِكرمةَ عنه، أن الطبراني أخرجها مختصرًا في "المعجم الكبير" (ورقة ١٣٨ وجه ١) [المطبوعة ١١/ ١١٨٦٦] من طريقين عن عبد الوارث: ثنا أيوبُ، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي - ﷺ - سجد وهو بمكة بـ "النجم" وسَجَد معه المسلمون والمشركون"، وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، فهذا القَدرُ من القِصَّة هو الصحيح عن ابن عباس وغيرِه من الصحابة مما سيأتي ذكره.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
الاختلافِ والنَّكارة ممَّا لا يَليقُ بمَقامِ النبوَّة والرسالة، وإليك البيان:
أولًا: في الروايات كلِّها -أو جُلِّها- أن الشيطانَ تكلَّم على لسانِ النبيِّ - ﷺ - بتلك الجُملةِ الباطلة التي تَمدحُ أصنامَ المشركين، "تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتَهن لترتَجى".
ثانيًا: وفي بعضِها كالرواية الرابعة: "والمؤمنون مُصدِّقون نبيَّهم فيما جاء به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأٍ ولا وَهْمٍ"، ففي هذا أن المؤمنين سَمِعوا ذلك منه - ﷺ -، ولم يَشعُروا بأنه من إلقاءِ الشيطان، بل اعتَقدوا أنه من وَحيِ الرحمن!! بينما تقولُ الرواية السادسة: "ولم يكن المسلمون سمِعوا الذي ألقى الشيطان"، فهذه خلافُ تلك.
ثالثًا: وفي بعضِها كالرواية (١ و٤ و٧ و٩): أن النبي - ﷺ - بَقِيَ مُدةً لا يَدرِي أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل: "مَعاذَ الله! لم آتِكَ بهذا، هذا من الشيطان!! ".
رابعًا: وفي الروايةِ الثانية أنه - ﷺ - سَهَا حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا يَنتبهُ من سَهوِه؟!.
خامسًا: في الروايةِ العاشرة الطريق الرابع: "أن ذلك أُلقِيَ عليه وهو يُصلِّي"!!.
سادسًا: وفي الرواية (٤ و٥ و٩) أنه - ﷺ - تَمنَّى أن لا يَنزلَ عليه شيءٌ من الوحي يَعيبُ آلهةَ المشركين، لئلَّا ينفِروا عنه!! وانظر المَقامَ الرابعَ من كلامِ ابن العربي الآتي (ص ٥٠).
سابعًا: وفي الرواية (٤ و٦ و٩) أنه - ﷺ - قال -عندما أَنكر جبريل ذلك
[ ٢ / ٦٧٠ ]
عليه-: "افتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يَقُل، وشَرَكني الشيطانُ في أمرِ الله!! ".
فهذه طامَّاتٌ يجبُ تنزيهُ الرسولِ منها، لا سيَّما هذا الأخيرُ منها، فإنه لو كان صحيحًا لصَدَق فيه، ﵊وحاشاه- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
فثبت ممَّا تقدَّم بطلانُ هذه القصةِ سَندًا ومتنًا، والحمد لله على توفيقه وهدايته" (^١).
* كلامُ الحافظِ ابنِ حَجَر والردُّ عليه:
° قال الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٣٥٤ - ٣٥٥) بعد أن ساقَ الروايةَ الأولى وخرَّجها هي وغيرَها مما تقدم: "وكلُّها -سِوى طريقِ سعيدِ بنِ جُبير- إمَّا ضعيف، وإما منقطع، ولكنَّ كثرةَ الطرُقِ تدلُّ على أن للقصةِ أصلًا، مع أن لها طريقَينِ آخَرَينِ مرسَلَينِ رجالُهما على شَرط "الصحيحين" (ثم ذكر الرواية الثانية والثالثة ثم قال): وقد تَجرَّأ أبو بكر بنُ العربي كعادته فقال: "ذكر الطبريُّ في ذلك رواياتٍ كثيرةً باطلةً لا أصلَ لها"، وهو إطلاقٌ مردودٌ عليه، وكذا قولُ عياض: "هذا حديث لم يُخرِجْه أحدٌ من أهل الصحَّة، ولا رواه ثِقةٌ بسَنَدٍ سليمٍ متَّصلٍ مع ضَعفِ نَقَلَتِه، واضطرابِ رُواياته، وانقطاعِ إسنادِه"، وكذا قوله: "ومن حُملت عنه هذه القصةُ من التابعين والمفسِّرين، لم يُسنِدْها أحدٌ منهم"، ثم رَدَّه من طريقِ النظرِ بأنَّ ذلك لو وقع
_________________
(١) "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" للشيخ الألباني (ص ٧ - ٣٦) - المكتب الإِسلامي.
[ ٢ / ٦٧١ ]
لارتدَّ كثيرٌ ممن أسلم، قال: "ولم يُنقل ذلك" انتهى.
وجميعُ ذلك لا يتمشَّى مع القواعد، فإنَّ الطُّرُقَ إذا كثُرت وتبايَنَت مخارِجُها، دَلَّ ذلك على أنَّ لها أصلًا، وقد ذَكرتُ أن ثلاثةَ أسانيدَ منها على شرطِ الصحيح، وهي مراسيلُ يَحتجُّ بها مَن يَحتجُّ بالمرسَل، وكذا مَن لا يحتجُّ به لاعتضادِ بعضِها ببعض".
° ورَدَّ عليه الشيخ الألباني - ﵀ - فقال:
أوَّلًا: إنَّ القاعدةَ التي أشار إليها، وهي "تقويةُ الحديثِ بكثرةِ الطُّرُق"، ليست على إطلاقها، وقد نبَّه عَلَى ذلك غيرُ واحدٍ من علماءِ الحديث المحقِّقين -منهم الحافظُ أبو عَمرِو بنُ الصلاح-، فمن ذلك ضَعفٌ لا يَزولُ بكثرةِ الطرُقِ لقوَّةِ الضَّعفِ وتقاعدِ هذا الجابِرِ عن جَبرِه ومقاومتِه، وذلك كالضَّعفِ الذي ينشأُ مِن كَونِ الراوي مُتَّهَمًا بالكذب أو كونِ الحديث شاذًّا، وهذه تُدرَكُ بالمباشرة والبحث.
ومِن هذا القَبيل حديثُ ابنِ عباسٍ في هذه القصة، فإن طُرُقَه كلَّها ضعيفةٌ جدًّا، فلا يتقوَّى بها أصلًا.
الوجه الثاني: ضَعفُ الحديث المرسَل، فالحديث المُرسَل -ولو كان المُرسِل ثقةً- لا يُحْتَجُّ به عند أئمةِ الحديث، كما بيَّنه ابنُ الصلاح في "علوم الحديث" وجزم هو به (^١).
وقد يقول قائل: "إنه يَقوَى بمرسَلٍ آخَرَ".
فاشترط الشافعيُّ في المرسل الآخَرِ أن يكون مُرسِلُه أَخَذَ العلمَ عن غيرِ
_________________
(١) "علوم الحديث" لابن الصلاح (ص ٥٨).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
رجالِ التابعيِّ الأول، كما حكاه ابنُ الصلاح (ص ٣٥)، وكأنَّ ذلك ليغلِبَ على الظنِّ أنَّ المحذوفِ في أحدِ المرسَلَيْنِ هو غيرُه في المرسَلِ الآخَر".
° قال الألباني: "إننا لو ألقينا النظرَ على رواياتِ هذه القصةِ، لألفيناها كلَّها مرسَلة، حاشا حديثَ ابنِ عباس، ولكنَّ طُرقَه كلَّها واهيةٌ شديدةٌ الضعف لا تَنجبِرُ بها تلك المراسيل، فيَبقى النظرُ في هذه المراسيل، وهي -كما علمت- سَبعةٌ، صَحَّ إسنادُ أربعةٍ منها، وهي مرسَلُ سعيدِ بنِ جُبير، وأبي بكر بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث، وأبي العالية (رقم ١ - ٣)، ومرسَل قتادة رقم (٥)، وهي مراسيلُ يَرِدُ عليها أحدُ الاحتمالَين السابقَين، لأنهم من طَبقةٍ واحدة، فوفاةُ سعيدِ بنِ جُبير سنةَ (٩٥) وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن سنةَ (٩٤)، وأبي العالية -واسمُه "رُفيع" مصغَّرًا- سنةَ (٩٠)، وقتادةَ سنةَ بِضعَ عَشْرةَ ومِئةٍ، والأولُ كُوفيٌّ، والثاني مَدَنِيٌّ، والأخيران بَصْرِيَّان.
فجائزٌ أن يكونَ مَصدرُهم الذي أخذُوا منه هذه القصةَ ورَوَوْها عنه واحدًا لا غير، وهو مجهول.
وجائزٌ أن يكونَ جَمْعًا، ولكنَّهم ضَعفاءُ جميعًا، فمع هذه الاحتمالاتِ لا يُمكنُ أن تَطمئنَّ النفسُ لقَبولِ حديثِهمِ هذا، لا سيَّما في مِثلِ هذا الحَدَثِ العظيمِ الذي يَمَسُّ المَقامَ الكريمَ، فلا جَرمَ تتابَعَ العلماءُ على إنكارِها، بل التنديدِ ببطلانها، ولا وَجْهَ لذلك من جِهةِ الروايةِ إلَّا ما ذكرنا، وإن كنتُ لم أقِفْ على مَن صَرَّح بذلك كما ذكرتُ آنِفًا" (^١).
_________________
(١) "نصب المجانيق" (ص ٤٥ - ٤٦).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
* ونَخلُصُ إِلى القول الفَصلِ في قصةِ "الغرانيق" وهو بُطلانُها:
أولًا: الأسانيدُ الوارِدَةُ عنِ الصَّحابةِ لم تَرِدْ إلَّا عنِ اثنَيْنِ:
١ - ابنُ عبَّاسٍ، وطُرُقُهُ المسنَدَة كُلُّها ضعيفةٌ، واخْتُلِفَ على رواتِهِ، فكانُوا يُرْسِلونَهُ تارةً، ويُسنِدُونَهُ تارةً، معَ اضطِرابٍ شَديدٍ في الألفاظِ والمُتونِ، وضَعْفٍ في الرُّواةِ والأسانيد.
٢ - محمدُ بنُ فَضَالَةَ الظَّفَرِيُّ: وحديثُهُ مِن طَريقِ محمَّدِ بنِ عُمَرَ الواقِديِّ، وهو متروكٌ؛ كَذَّبَهُ جماعةٌ.
ثانيًا: أَمَّا المَراسيلُ؛ فهِيَ كما يَلي:
١ - مُرْسَلُ ابنِ شِهابٍ: فيه جهالةٌ، واخْتُلِفَ على رواتِهِ على عِدَّةِ وجوهٍ، فَرُوِيَ مُعْضلًا دونَ ذِكْرِ ابنِ شهابٍ، ورُوِيَ عنهُ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
وهذا اضطِرابٌ شديدٌ لا تحْتَمِلُهُ هذه الأسانيدُ؛ على ضَعْفِ مفْرَادتِها، وإرسالِ أُصولِها.
٢ - مُرْسَلُ محمَّدِ بنِ كعبٍ ومُحَمَّدِ بنِ قَيسٍ معًا:
رُوِيَ مِن طريقِ راوٍ شَديدِ الضَّعْفِ.
ثمَّ اضْطَرابَ رُواتُهُ، فرَوَوْهُ بإسنادٍ ضَعيفٍ جدًّا عن محمَّدِ بن كَعْبٍ وحْدَهُ!.
٣ - مُرْسَلُ أَبي العالِيَّةِ:
فيهِ راوٍ كَثيرُ الاضْطِرابِ والاخْتِلافِ.
ورُوِيَتِ القِصَّةُ عنهُ على وَجْهٍ آخَرَ، فيه اخْتِلافاتٌ وتَناقُضاتٌ عدَّةٌ
[ ٢ / ٦٧٤ ]
بالسَّنَدِ نفْسِهِ!!.
٤ - مُرْسَلُ قَتادَةَ:
فيهِ راوٍ له أَغلاطٌ، فمِثلُ هذا المَتْنِ لا يُحْتَمَلُ منهُ.
٥ - مُرْسَلُ الضَّحَّاكِ:
في إسنادِه مجهولانِ ومتروكٌ.
٦ - مُرْسَلُ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ.
فيهِ راوٍ متروكٌ شديدُ الضَّعْفِ، وآخَرُ ضُعِّفَ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ!.
٧ - مُرْسَلُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ:
فيهِ راوٍ مَجْهولٌ، وآخَرُ ضَعيفٌ.
ثالثًا: نَنْظُرُ: هَلْ مِنَ المُمْكِنِ تطبيقُ قاعِدَةِ تَقَوِّي الطُّرُقِ على الأسانيدِ السَّالِفِ ذِكْرُها؟.
١ - الرِّواياتُ المُسْنَدَةُ مستَبْعَدَةٌ؛ لاضطرابِها، وشِدَّةِ ضَعْفِ رواياتِها.
٢ - نَستبعِدُ أَيضًا الرِّواياتِ المُرْسَلَةَ شديدةَ الضَّعْفِ، وهِيَ:
أ- مُرْسَلُ محَمَّدٍ بنِ كَعْبٍ ومُحَمَّدِ بنِ قيسٍ؛ لشدَّةِ ضعْفِ راويهِ.
ب - مُرْسَلُ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ؛ لشدَّةِ ضَعْفِ راويهِ أيضًا.
ت- مُرْسَلُ ابنِ شِهابٍ؛ لاضْطِرابِ رِواياتِهِ، واختِلافِ رُواتِهِ.
ث- مُرْسَلُ الضَّحَّاكِ؛ فيهِ مَتْروكٌ.
جـ- مُرْسَلُ أَبي العالِيَةِ، ومُراسيلُهُ رياحٌ؛ كما سَبَقَ عن الإمامِ الشافعيِّ، وذلك كِنايةٌ عن أَنَّهُ لا يُبالي كيفَ يأْخُذُها!!.
إذا عُلِمَ ما تقدَّمَ؛ فلم يَبْقَ إلَّا ثلاثةُ مَراسيلَ:
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أ- مُرْسَلُ قَتادَةَ.
ب - مُرْسَلُ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
ت- مُرْسَلُ عُروةَ.
وقتادَةُ بَصْرِيٌّ، وسَعيدٌ كوفِيٌّ، وعُروةُ مَدَنيٌّ، ولقد كانتِ المَدينةُ النبويَّةُ والبصْرَةُ -والكُوفَةُ حِذَاءَها- في ذلكَ الزَّمانِ مَحَطَّ أَنْظارِ كثيرٍ مِن الرُّواةِ وطَلَبَةِ الحَديثِ، وكانَتِ الرِّحْلَةُ في طَلَبِ الحَديثِ في أَوْجِها، "فجائِزٌ أَنْ يكونَ مصدَرُهُم الذي أَخَذوا منهُ هذه القِصَّةَ ورَوَوْها عنهُ واحدًا لا غير، وهو مجهولٌ.
وجائِزٌ أَنْ يكونوا جَمْعًا، ولكنَّهُم ضُعَفاءُ جَميعًا.
فمَعَ هذه الاحتمالاتِ لا يُمْكِنُ أَن تَطْمَئنَّ النَّفْسُ لِقَبولِ حَديثِهِم، لا سِيمَّا في مِثْلِ هذا الحَدَثِ العَظيمِ الذي يَمَسُّ المَقامَ الكَريمَ، فلا جَرَمَ تتابَعَ العُلَماءُ على إنكارِها، بل التَّنْدِيدِ ببُطلانِها" (^١).
ولا يَذْهَبَنَّ عنكَ أَنَّ مُفرَداتِ هذهِ المَراسِيلِ ضعيفةٌ أَصلًا -فوقَ إرسالِها-؛ كما سَبَقَ تحقيقُهُ!.
فهذا وَجْهٌ آخَرُ يمنَعُ القولَ بتقوِّيها معًا.
رابعًا: وَقَعَ في مَتْنِ القصَّةِ اضطرابٌ كبيرٌ في وجهَيْنِ هُما أَساسُ القصَّةِ:
١ - موضعُ القِصَّةِ.
ففي بعضِ الرِّواياتِ أَنَّ ذلك حَدَثَ وهُو يُصَلَّي.
_________________
(١) "نصب المجانيق" (ص ٢٤).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وفي بعضِها أَنَهُ كانَ في نادٍ لِقُريشٍ.
وبعضُها غُفْلٌ عن دْلكَ كُلِّهِ.
٢ - الذي قالَه الشَّيْطانُ (!):
ففي بعضِ الرِّواياتِ: "إنَّهُنُّ لَفِي الغرانيقِ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"!.
وفي بعضِها: "تلكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإن شفاعَتَهُنَّ تُرْتَجى".
وفي بعضِها: "إنَّ تلكَ الغَرانيقُ العُلا، منها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى".
وفي بعضِها: "وإنَّهُنَّ لهُنَّ الغَرانيقُ العُلا، وإنَّهُنَّ لهُنَّ التي تُرْتَجى".
وفي بعضِها: "تلكَ الغَرانيقُ العُلا، وشفاعتهُنَّ ترْتَضى، ومثلُهُنَّ لا يُنْسَى".
وفي بعضِها: "إنَّ شفاعَتَهنَّ لتُرْتَجى، وإنَّها لَمَعَ الغَرانيقِ العُلَا".
وفي بعضِها: "تلك إذنْ في الغَرانيقِ العُلا، تلكَ إذنْ شَفاعَةٌ تُرْتَجى".
والقصَّةُ -كما يزعُمونَ- واحِدَةٌ، فما هذا الاختلافُ؟.
وهل بمثلِهِ تثبُتُ الأخبارُ أَمْ تُنْقَضُ؟!.
خامسًا: التَّناقُضُ السَّاري بينَ أَلفاظِ القصَّةِ ومفردَاتِها، وقد سبقَ التنبيهُ على بعضِها، ومنهُ:
١ - أَنَّ بعضَ الرِّواياتِ تذكُرُ سماعَ المسلمينَ لإلقاءِ الشَّياطينِ.
وبعضَها الآخَرُ يذْكُرُ العكسَ.
وقسمٌ ثالثٌ يسكُتُ عنْ هذا كُلِّهِ.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
٢ - وفي بعضِ الرِّواياتِ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بَقِيَ مُدَّةً لا يَدْري أَنَّ ذلكَ مِن الشَّيطانِ.
وفي بعضِها أَنَّهُ سَهَا حتى قالَ ذلكَ!.
وفي بعضِها إغفالٌ لهذينِ معًا!!.
٣ - وفي بعضِ الرِّواياتِ أَنَّ جِبريلَ جاءَهُ فقرأَ عليهِ.
وفي بعضِها أَنَّهُ - ﷺ - شَكا ذلك لِجِبْريلَ.
وفي بعضِها عدمُ إيرادٍ لهذا كُلِّهِ!.
إلى غيرِ ذلك مِن وجوهِ التَّناقُضِ والاضْطِرابِ.
سادسًا: بِعَرْضِ هذه الرَّواياتِ المُتهافِتَةِ على "مقاييسِ النَّقْدِ" التي أَوْرَدْتُها في القسم الأوَّلِ مِن الكتابِ؛ نَرى أَنَّها جميعًا تنقُضُهُ، وتُثْبِتُ بُطلانَهُ.
ومِمَّا يَنْبَغي أَنْ يُضافَ هُنا ما رواهُ أَبو داودُ (٣٦٤٦)، وأحمدُ (٢/ ١٦٢ و١٩٢)، والدَّارِمي (١/ ١٢٥)، والحاكم (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، والرَّامَهُرْمُزِي في "المُحدِّث الفاصل" (٣٢١)، والخطيب في "تقييد العلم" (ص ٨٠)، والقاضي عِياضٌ في "الإلماع" (١٤٦)؛ بسنَدٍ صَحيحٍ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ قالَ: كنتُ أكتبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسولِ اللهِ - ﷺ -؛ أُريدُ حِفْظَهُ، فنَهَتْنِي قُرْيشٌ، وقالوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شيءٍ ورسولُ الله - ﷺ - بَشَرٌّ؛ يتكَلَّمُ في الغَضَبِ والرِّضى؟! فأمسَكْتُ عنِ الكتاب، فذكَرْتُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -، فأَوْمَأَ بإِصبُعِهِ إلى فيهِ، وقالَ: "اكْتُبْ،
[ ٢ / ٦٧٨ ]
فوالَّذي نفسي بيدِهِ ما يَخْرُجُ منْهُ إلا حَقٌّ".
قلتُ: فهلْ أُسطورَةُ الغَرانيقِ ومدْحُ النبيِّ - ﷺ - لها -وحاشاهُ- مِن هذا الحقِّ؟!.
أَمْ أَنَّها باطلٌ غارِقٌ في الضَّلالِ، يتنَزَّهُ عنهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -؟!.
سابعًا: أَنَّهُ قد صَحَّ سجودُ النبيِّ - ﷺ - في سورةِ "النَّجْمِ"، وسجودُ المُسلمينَ والمُشْرِكينَ معَهُ؛ كما تقدَّمَ إيرادُهُ، وذِكْرُ السَّبَبِ فيهِ.
فعَدَمُ ذِكْرِ القصَّة الغِرْنَوْقِيَّةِ فيهِ دَليلٌ صَريحٌ على بُطلانِها" (^١).
* سبب سجودِ المشركين مع النبي - ﷺ -:
رُبَّ سائلٍ يقول: إذا ثَبَت بطلانُ إلقاءِ الشيطان على لسانِه ﵊ جُملةَ "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعَتَهنَّ لترتجى"، فَلِمَ إِذن سَجَد المشركون معه - ﷺ -، وليس ذلك من عادتهم؟.
والجوابُ ما قاله المحقِّقُ الآلوسي -بعد سطورٍ من كلامِه الذي نقلته آنفًا-: "وليس لأحدٍ أن يقول: إنَّ سجودَ المشركين يدلُّ على أنه كان في السورةِ ما ظاهرُه مَدحُ آلهتِهم، وإلَّا لَمَا سَجدوا؛ لأننا نقول: يَجوزُ أن يكونوا سَجدوا لدهشةٍ أصابَتْهم وخوفٍ اعتراهم عند سماع السورة، لِمَا فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)
_________________
(١) "دلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق" لعلي حسن عبد الحميد (ص ٢٢٩ - ٢٣٦) - مكتبة الصحابة - جدة.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخِرِ الآيات [النجم: ٥٠ - ٥٤]، فاستَشعروا نزولَ مِثلِ ذلك بهم، ولعلَّهم لم يَسمَعوا قبلَ ذلك مِثلَها منه - ﷺ -، وهو قائمٌ بين يَدَيْ ربِّه سبحانه في مقامٍ خطيرٍ وجَمْعٍ كثير، وقد ظَنُّوا -مِن ترتيبِ الأمرِ بالسجودِ على ما تقدَّم- أن سجودَهم -ولو لم يكن عن إيمانٍ- كافٍ في دَفعِ ما توهَّموه، ولا تَستبعدْ خَوفَهم من سماعِ مِثلِ ذلك منه - ﷺ -، فقد نزلت سورة "حم السجدة" بعد ذلك كما جاء مُصَرَّحًا به في حديثٍ عن ابن عباس - ﵄ذكره السيوطيُّ في أول "الإتقان"-، فلما سَمع عُتبةُ بنُ رَبيعةَ قولَه تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]! أمسَك على فَمِ رسولِ الله - ﷺ -، وناشَدَه الرَّحِمَ، واعتَذَر لقومِه حين ظَنُّوا به أنه صَبَأَ، وقال: "كيف وقد عَلِمتُم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يَكذِب؟ فخِفتُ أن يَنزِلَ بكم العذابُ"، وقد أخرج ذلك البيهقيُّ في "الدلائل" وابنُ عساكرَ في حديثٍ طويلٍ عن جابرِ بنِ عبد الله - ﵄ -.
ويمكنُ أن يقال -على بُعدٍ-: إنَّ سجودَهم كان لاستشعارِ مَدحِ آلهتهم، ولا يلزمُ منه ثبوتُ ذلك الخبر، لجوازِ أن يكون ذلك الاستشعارُ من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، بِناءً على أن المفعولَ محذوفُ، وقَدَّروه حسبما يَشتَهُون، أو على أن المفعول: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]، وتوهَّموا أن مَصَبَّ الإنكارِ فيه كَونُ المذكوراتِ إناثًا، والحبُّ للشيء يُعمِي ويُصِمُّ، وليس هذا بأبعدَ مِن حَمْلِهم "تلك الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرتَجى" على المدحِ حتى سجدوا لذلك آخِرَ السورة، مع وقوعِه بين ذَمَّينِ، المانعُ من حَملِه على
[ ٢ / ٦٨٠ ]
المدح في البَيْن، كما لا يَخفى على مَن سَلِمَتْ عَينُ قلبِه من الغَين" (^١).
* بقيَّةُ رَدِّ العلماءِ على قِصَّة "الغرانيق":
° قال الفخرُ الرازي في "تفسيره": "رُوي عن محمدِ بنِ إسحاقَ بن خزيمةَ أنه سُئِل عن هذه القصةِ؟ فقال: "هذا من وَضع الزَّنَادقة"، وصنَّف فيه كتابًا.
° وقال الإمامُ أبو بكر أحمدُ بنُ الحُسين البيهقيُّ: "هذه القصةُ غيرُ ثابتةٍ من جهةِ النقل".
ثم أخذ يتكلَّمُ في أنَّ رُواةَ هذه القصةِ مطعونٌ فيهم، وأيضًا فقد رَوى البخاريُّ في "صحيحه": "أنَّ النبي - ﷺ - قرأ سورةَ "النجم"، وسجد وسَجَد فيها المسلمون والمشركون، والإِنسُ والجنُّ"، وليس فيه حديثُ الغرانيق، ورَوى هذا الحديثَ من طرُقٍ كثيرةٍ، وليس فيها ألبتَّةَ حديثُ الغرانيق" (^٢).
° وقال القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره "أحكام القرآن":
"اعلموا -أنار اللهُ أفئدتَكم بنورِ هداه، ويسَّر لكم مَقصِدَ التوحيد ومَغزاه- أن الهُدى هُدى الله، فسبحانَ مَن يتفضَّلُ به على مَن يشاء، ويَصرِفُه عمَّن يشاء، وقد بيَّنَّا معنَى هذه الآية في "فضلِ تنبيه الغبيِّ على مِقدارِ النبيِّ" بما نرجو به عند الله الجزاءَ الأوفى في مقامِ الزلفى، ونحن الآن نجلُو بتلك الفصولِ الغَمَاءَ، ونُرقِّيكم بها عن حَضيضِ الدهماءِ إلى بِقاعِ العلماءِ في عشرِ مقامات.
_________________
(١) "نصب المجانيق" (ص ٦٨ - ٧٠).
(٢) "مفاتيح الغيب" للرازي (ص ٦/ ١٩٣).
[ ٢ / ٦٨١ ]
المقام الأول: أن النبيَّ - ﷺ - إذا أَرسل اللهُ إليه المَلَكَ بوَحيِهِ، فإنه يَخلُقُ له العِلمَ به حتى يتحقَّقَ أنه رسولٌ مِن عنده، ولولا ذلك لَمَا صَحَّتِ الرسالة، ولا تَبيَّنَتِ النبوَّةُ، فإذا خَلق اللهُ له العلمَ به تَمَيَّز عنده مِن غيرِه، وثَبَت اليقينُ، واستقام سَبيلُ الدين، ولو كان النبيُّ إذا شافَهَه المَلَكُ بالوحي لا يَدري، أَمَلَكٌ هو، أم شيطانٌ، أم إنسانٌ، أم صورةٌ مخالِفةٌ لهذه الأجناسِ ألقَتْ عليه كلامًا، وبَلَّغت إليه قولًا؟ لم يَصحَّ أن يقول: "إنه من عند الله"، ولا ثَبَت عندنا أنه أَمْرُ الله، فهذه سبيلٌ متيقَّنةٌ، وحالةٌ متحقَّقةٌ لا بد منها، ولا خلافَ في المنقولِ ولا في المعقولِ فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثَّل فيها أو يتشبَّه بها، ما أَمِنَّاه على آية، ولا عَرَفنا منه باطلًا من حقيقة، فارتفع بهذا الفصلِ اللَّبْسُ، وصَحَّ اليقينُ في النفس.
المقام الثاني: أنَّ اللهَ قد عَصَم رسولَه من الكفر، وأمَّنه مِن الشِّرك، واستَقرَّ ذلك من دينِ المسلمين بإجماعِهم فيه وإطباقِهم عليه، فمَنِ ادَّعى أنه يَجوزُ عليه أن يَكفُرَ بالله، أو يَشُكَّ فيه طَرْفَةَ عينٍ، فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسلام من عُنقه، بل لا تَجوزُ عليه المعاصي في الأفعال، فضلًا عن أن يُنسَبَ إلى الكفرِ في الاعتقاد، بل هو المنزَّه عن ذلك فِعلًا واعتقادًا - ﷺ -، وقد مَهَّدنا ذلك في كُتب الأصول بأوضحِ دليل.
المقام الثالث: أنَّ الله قد عرَّف رسولَه بنفسه، وبَصَّره بأدلَّته، وأراه ملكوتَ سماواتِه وأرضِه، وعَرَّفه سُنَنَ مَن كان قبلَه من إخوتهِ، فلم يكن يَخفَى عليه مِن أَمْرِ اللهِ ما نعرفه اليوم، ونحن حُثالةُ أُمَّتِه، ومَن خَطَر له ذلك فهو ممن يَمشِي مُكِبًّا على وجهِه، غيرَ عارفٍ بنبيِّه ولا بربِّه.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
المقام الرابع: تأملَّوا -فتح اللهُ أغلاقَ النظر عنكم- إلى قول الرواةِ -الذين هم بجهلهم أعداءٌ على الإِسلام ممَّن صَرَّح بعَداوته- أن النبيَّ - ﷺ - لَمَّا جَلَس مع قريشٍ تَمنَّى أنْ لا يَنزِلَ عليه مِن الله وَحيٌ [يَذُمَّ آلهتَهم]، فكيف يَجوزُ لمن معه أدنى مُسْكَةٍ أن يَخطُرَ ببالِه أنَّ النبيَّ - ﷺ - آثَرَ وَصْلَ قومِه على وَصلِ ربِّه، وأراد أن لا يَقطعَ أُنسَه بهم بما يَنزِلُ عليه مِن عندِ ربِّه من الوحي الذي كان حياةَ جَسَدِه وقلبِه، وأُنْسَ وَحشتِه، وغايةَ أُمنيَّتهِ، وكان رسولُ الله - ﷺ - أجودَ الناس، فإذا جاءه جبريلُ، كان أجودَ بالخيرِ من الرِّيح المرسَلة، فيؤثِرُ على هذا مجالستَه للأعداء؟!.
المقام الخامس: أن قولَ الشيطان: "تلك الغرانقةُ العلى، وإن شفاعتَهن لترتَجى" للنبيِّ - ﷺ - قَبِلَه منه، فالتَبَس عليه الشيطانُ بالمَلَك، واختَلَط عليه التوحيدُ بالكفر، حتى لَم يفرِّق بينهما، وأنا مِن أدنى المؤمنين منزلةً، وأقلِّهم معرفةً بما وفَّقني اللهُ له، وآتاني مِن عِلمه لا يَخفَى عليَّ وعليكم أنَّ هذا كُفرٌ لا يَجوزُ وُرودُه من عندِ الله، ولو قاله أحدٌ لكم لتبادَرَ الكلُّ إليه قبلَ التفكيرِ بالإنكار والرَّدع والتثريبِ والتشنيع، فضلًا عن أن يَجهلَ النبيُّ - ﷺ - حالَ القول، ويَخفى عليه قولُه، ولا يَتفطَّنُ لصفةِ الأصنام بأنها "الغرانقةُ العلى، وأنَّ شفاعَتهنَّ ترتجى"، وقد عَلِم عِلمًا ضروريًّا أنها جماداتٌ لا تَسمعُ ولا تُبصر، ولا تَنطِقُ ولا تَضُرُّ، ولا تَنفعُ ولا تَنصُرُ ولا تشفع، بهذا كلِّه كان يأتيه جبريلُ الصباحَ والمساءَ، وعليه انبنى التوحيدُ، ولا يجوزُ نسخُه من جهةِ المنقول، فكيف يَخفى هذا على الرسول؟!.
ثم لم يَكْفِ هذا حتى قالوا: إنَّ جبريلَ - ﵇ - لَمَّا عاد إليه بعد ذلك ليعارضَه فيما أُلقي إليه من الوحي كرَّرها عليه جاهلًا بها -تعالى الله عن
[ ٢ / ٦٨٣ ]
ذلك- فحينئذٍ أنكرها عليه جبريلُ، وقال له: "ما جئتُك بهذه! "، فحَزِن النبيُّ - ﷺ - وأُنزل عليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣].
فياللهِ والمتعلِّمينَ والعالمينَ من شيِخٍ فاسدٍ موسوِسٍ هامدٍ لا يَعلمُ أنَّ هذه الآيةَ نافيةٌ لِمَا زَعَموا، مُبطِلةٌ لِما رَووْا وتقوَّلوا، وهو:
المقام السادس: وذلك أن قولَ ابنِ العربي: "كاد يكونُ كذا" معناه "قارَبَ ولم يكن"، فأخبَرَ الله في هذه الآية أنهم قارَبوا أن يَفتِنوه عن الذي أُوحِيَ إليه، ولم تكن فِتنةً، ثم قال: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] وهو:
المقام السابع: ولَم يَفْتَرِ، ولو فتنوك وافتريتَ، لا تخذوك خليلًا، فلم تُفتَتَنْ، ولا افتريتَ، ولا اتخذوك خليلًا، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤].
المقام الثامن: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، فأخبر الله ﷾ أنه ثبَّته، وقرر التوحيدَ والمعرفةَ في قلبه، وضَرَب عليه سُرادقَ العِصمة، وآواه في كَنَفِ الحُرمة، ولو وَكَلَه إلى نفسِه، ورَفَع عنه ظِلَّ عِصمَتِه لحظةً، لأَلْمَمْتَ بما راموه، ولكنَّا أمرنا عليك المحافظة، وأشرَقْنا بنورِ الهداية فؤادَك، فاستبصَرَ وأزاحَ عنك الباطلَ ودَحَر.
فهذه الآية نصٌّ في عِصمته مِن كلِّ ما نُسب إليه، فكيف يتأوَّلُها أحدٌ عَدْوًا عمَّا نُسب إليه من الباطل إليه؟!.
المقام التاسع: قوله: "فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (^١)، فأما غمُّه وحُزنُه، فبأن
_________________
(١) انظر الرواية: ٣، ٤، ٦.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
تمكَّن الشيطانُ مما تمكَّن مما يأتي بيانُه، وكان النبيُّ - ﷺ - يَعِزُّ عليه أن ينالَ الشيطانُ شيئًا -وإنْ قَلَّ تأثيرُه-.
المقام العاشر: إنَّ هذه الآيةَ نصٌّ في غَرَضِنا، دليلٌ على صِحَّةِ مذهبِنا، أصلٌ في براءةِ النبيِّ - ﷺ - ممَّا نُسب إليه أنه قاله عندنا، وذلك أنه قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] (^١).
فأخبر الله تعالى أنَّ مِن سُنَّتِه في رُسُلِه، وسِيرتِه في أنبيائه، أنهم إذا قالوا عن الله قولًا، زاد الشيطانُ فيه مِن قِبَلِ نفسه، كما يَفعلُ سائرَ المعاصي، كما تقول: "ألقَيتُ في الدار كذا، وألقيتُ في العِكَمِ (^٢) كذا، وألقيتُ في الكِيس كذا"، فهذا نصٌّ في أن الشيطانَ زاد في الذي قاله النبيُّ - ﷺ -، لا أن النبيَّ - ﷺ - قاله، وذلك أن النبيَّ - ﷺ - كان إذا قرأ تلا قرآنًا مقطَّعًا، وسكت في مقاطعِ الآيِ سُكوتًا محصَّلًا، وكذلك كان حديثُه مترسِّلًا فيه، متأنيًا، فتَبعَ الشيطانُ تلك السَّكَتَاتِ التي بينَ قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] وبينَ قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]، فقال -يُحاكي صوتَ النبيِّ ﷺ -: "وإنهن الغرانقة العلى، وإن شفاعَتَهُنَّ لترتَجى"، فأما المشركون والذين في قلوبهم مرضٌ لِقِلَّةِ البصيرةِ وفسادِ السريرة، فتَلَوْها عن النبيِّ - ﷺ -، ونَسَبوها بجَهلهم إليه، حتى سَجدوا معه اعتقادًا أنه معهم، وعَلِم الذين أُوتوا العلمَ والإيمانَ أنَّ القرآنَ حقٌّ من عندِ الله، فيؤمنون به، ويَرفضون غيرَه، وتُجيبُ قلوبُهم إلى الحق، وتَنفِرُ عن
_________________
(١) الأصل "تلاوته".
(٢) بكسر العين: العدل.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
الباطل، وكلُّ ذلك إبتلاءٌ من الله ومِحنةٌ، فأين هذا مِن قولهم؟! وليس في القرآن إلَّا غايةُ البيانِ بصيانةِ النبيِّ - ﷺ - في الإِسرارِ والإِعلان، عن الشكِّ والكفران، وقد أودَعْنا إليكم توصيةً أن تجعَلوا القرآنَ إمامَكم، وحروفَه أمامَكم، فلا تحمِلوا عليها ما ليس فيها، ولا تَربِطوا بها ما ليس منها، وما هُدِي لهذا إلَّا الطبريُّ بَجلالةِ قَدْرِه، وصَفاءِ فِكرِه، وسَعَةِ باعِه في العلم، وشِدَّةِ ساعِدِه وذراعِه في النظر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصَوَّب على هذا المرمَى، فَقرْطَسَ بعد ما ذَكَرَ في ذلك رواياتٍ كثيرةً باطلةً لا أصلَ لها، ولو شاء ربُّك لَمَا رواها أحدٌ، ولا سَطَّرها، ولكنه فَعَّالٌ لِمَا يُريد .. عَصَمنا اللهُ وإياكم بالتوفيقِ والتسديد، وجَعَلنا من أهلِ التوحيد بفَضله ورحمته".
* كلام القاضي عِياض في ذلك:
° وقال القاضي عِيَاضْ: "فاعلمْ -أكرمك الله-: أنَّ لنا في الكلام على مُشكِلِ الحديثِ مأخذَينِ:
أحدهما: في توهِين أصله.
والثاني: على تسليمه.
أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا الحديثَ لم يُخرِجْه أحدٌ من أهل الصِّحة، ولا رواه ثقةٌ بسَنَدٍ متَّصِل سليم، وإنما أُولعَ به وبمثلِه المفسِّرون والمؤرِّخون المولَعون بكلِّ غريب، المتلقِّفون من الصُّحُف كلَّ صحيحٍ وسقيم، وصَدَق القاضي بكرُ بنُ العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناسُ ببعضِ أهل الأهواء والتفسير، وتعلَّق بذلك الملحدون مع ضَعف نَقْلِه، واضطرابِ رواياتِه، وانقطاعِ إسنادِه، واختلافِ كلماته، فقائل يقول: "إنه
[ ٢ / ٦٨٦ ]
في الصلاة"، وآخَرُ يقول: "قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة"، وآخر يقول: "قالها وقد أصابته سِنَةٌ"، وآخَرُ يقول: "بل حدَّثَ نفسَه فسها"، وآخَرُ يقول: "إنَّ الشيطانَ قالها على لسانه، وإن النبيَّ - ﷺ - لَمَّا عَرَضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؟! "، وآخَرُ يقول: "بل أعلَمَهمُ الشيطانُ أن النبيَّ - ﷺ - قرأها، فلما بَلَغَ النبيُّ - ﷺ - ذلك، قال: واللهِ ما هكذا أُنزلت" .. إلى غيرِ ذلك من اختلافِ الرواة، ومَن حُكيت هذه الحكايةُ عنه منَ المفسِّرين والتابعين لم يُسْنِدْها أحدٌ منهم، ولا رَفَعها إلى صاحبٍ، وأكثرُ الطُرقِ عنهم فيها ضعيفةٌ واهية، والمرفوعُ فيه حديثُ شُعبةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباسٍ فيما أحسب -الشك في الحديث- أن النبي - ﷺ - كان بمكة، وذكر القصة.
وقال أبو بكر البزَّار: "هذا الحديثُ لا نَعلمُه يُروى عن النبيِّ - ﷺ - بإسناد متَّصلٍ يَجوزُ ذِكرُه إلَّا هذا، ولم يُسنِدْه عن شُعبةَ إلَّا أُميَّةُ بنُ خالد، وغيرُه يُرسِلُه عن سعيدِ بنِ جبير، وإنما يُعرَفُ عن الكَلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس".
فقد بيَّن لك أبو بكر - ﵀ - أنه لا يُعرَفُ من طريقٍ يجوزُ ذِكرُه سوى هذا، وفيه من الضعفِ ما نبَّه عليه مع وقوعِ الشكِّ فيه -كما ذكرناه- الذي لا يوثَقُ به، ولا حقيقةَ معه.
وأما حديثُ الكَلبيِّ، فمما لا تَجوزُ الروايةُ عنه ولا ذِكرُه، لقوَّةِ ضَعفِه وكَذِبِه -كما أشار إليه البزَّار-، والذي منه في "الصحيح" "أن النبي - ﷺ - قرأ: "والنجم" وهو بمكةَ، فسَجَد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس" .. هذا توهينُه من طريق النقل.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
فأما من جهةِ المعنى: فقد قامت الحُجَّة، وأَجْمَعَتِ الأمةُ على عِصمته - ﷺ - ونزاهتِه عن مِثلِ هذه الرذيلة، إمَّا مِن تَمنِّيه أن ينزلَ عليه مِثلُ هذا مِن مدحِ آلهةٍ غيرِ الله وهو كُفر، أو أن يَتسوَّرَ عليه الشيطانُ وُيشبِّهَ عليه القرآنَ حتى يَجعلَ فيه ما ليس منه، ويَعتقدُ النبيُّ - ﷺ - أن من القرآن ما ليس منه حتى يُنبِّهَه عليه جبريلُ ﵉!!.
وذلك كلُّه ممتنعٌ في حقِّه - ﷺ -، أوَ يقولُ ذلك النبيُّ - ﷺ - من قِبَلِ نفسه عمدًا -وذلك كفرٌ أو سهوٌ-، وهو معصومٌ من هذا كله؟! وقد قرَّرنا بالبراهين والإِجماعِ عِصمتَه - ﷺ - من جَرَيان الكفرِ على قلبِه أو لسانِه -لا عمدًا ولا سهوًا-، وأنْ يَشتَبِهَ عليه ما يُلقيه المَلَكُ بما يُلقي الشيطانُ، أو يكونَ للشيطان عليه سبيل، أو يَتقوَّلَ على الله -لا عَمدًا ولا سهوًا- ما لم يَنزِلْ عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ الآية [الحاقة: ٤٤]، وقال: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥].
ووجه ثانٍ: وهو استحالةُ هذه القصةِ نَظَرًا وعُرفًا، وذلك أنَّ هذا الكلامَ لو كان كما رُوي، لكان بعيدَ الالتئام متناقضَ الأقسام، ممتزجَ المَدحِ بالذَّم، متخاذِلَ التأليفِ والنَّظم، ولَمَا كان النبيُّ - ﷺ - ولا مَن بحَضرته من المسلمين وصناديدِ المشركين ممن يَخفى عليه ذلك، وهذا لا يَخفى على أدنى متأمِّل، فكيف بمَن رجَحَ حِلمُه، واتَّسع في بابِ البيانِ ومعرفةِ فصيحِ الكلام علمُه؟.
ووجهٌ ثالث: أنه قد عُلم من عادة المنافقين، ومُعانَدةِ المشركين، وضَعَفَةِ القلوب، والجَهَلة من المسلمين، نفورُهم لأولِ وَهْلةٍ، وتخليطُ العدوِّ على النبيِّ - ﷺ - لأقلِّ فِتنة، وتعييرُهم المسلمينَ، والشماتةُ بهم الفَنيةَ
[ ٢ / ٦٨٨ ]
بعدَ الفَينة، وارتدادُ مَن في قلبهِ مرضٌ ممن أظهر الإِسلام لأدنى شُبهة، ولم يَحْكِ أحدٌ في هذه القصةِ شيئًا سوى هذه الروايةِ الضعيفةِ الأصلِ، ولو كان ذلك لَوَجَدَتْ قريشٌ بها على المسلمين الصَّوْلَة، ولأقامت بها اليهودُ عليهم الحُجَّة، كما فَعلوا مكابرةً في قصة "الإِسراء"، حتى كانت في ذلك لبعضِ الضعفاء رِدَّة .. كذلك ما رُوي في قِصة القضية، ولا فتنةَ أعظمُ من هذه البلية -لو وُجدت-، ولا تَشغيبَ للمُعادِي حينئذٍ أشدُّ من هذه الحادثةِ -لو أمكنت-، فما رُوي عن معانِدٍ فيها كلمة، ولا عن مُسلمٍ بسببها بِنْتُ شَفَة، فدلَّ على بطلانها واجتثاثِ أصلها.
ولا شك في إدخالِ بعضِ شياطينِ الإنسِ والجنِّ هذا الحديث على مُغفَّلي المحدِّثين، ويُلبِّسُ به على ضعفاءِ المسلمين.
ووجهٌ رابع: ذَكَر الرواةُ لهذه القضيَّةِ أنَّ فيها نزلت: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ..﴾ الآيتين [الإسراء: ٧٣ - ٧٤]، وهاتانِ الآيتانِ تَرُدَّان الخَبَرَ الذي رَوَوْه؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذَكَر أنهم كادُوا لَيفتِنونه حتى يفتريَ، وأنه لولا أنْ ثَبَّته لَكادَ يَركنُ إليهم .. فمضمونُ هذا ومفهومُه أن الله تعالى قد عَصَمَه من أن يفتريَ، وثَبَّته حتى لم يَركنْ إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا؟ وهم يَروُونَ في أخبارِهم الواهيةِ أنه زاد على الركونِ الافتراءَ بمَدحِ آلهتهم، وأنه قال - ﷺ -: "افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يقل"!! وهذا ضدُّ مفهومِ الآية، وهي تُضعِّفُ الحديث -لو صحَّ-، فكيف ولا صِحَّة له؟.
وهذا مثلُ قولهِ تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]. وقد رُوي عن ابن عباس - ﵄-: "كلُّ ما في القرآنِ
[ ٢ / ٦٨٩ ]
"كاد" فهو ما لا يكون".
° قال القاضي: ولقد طالبَتْهُ قريشٌ وثقيفٌ إذا مَرَّ بآلهتِهم أن يُقبِلَ بوجِهه إليها، ووَعَدوه الإيمانَ به إنْ فعل، فما فَعَل ولا كاد أن يَضِلَّ، وقد ذُكِرَتْ في معنى الآيةِ تفاسيرُ أُخَرُ، ما ذكرناه من نصِّ الله على عِصمةِ رسولِه بردِّ سَفْاسفها، فلم يَبْقَ في الآية إلَّا أنَّ الله تعالى امتَنَّ على رسولِه بعِصمتِه وتثبيتِه بما كادَه به الكفارُ، ورامُوا مِن فتنته، ومرادُنا في ذلك تنزيهُه وعِصمتُه - ﷺ - وهو مفهومُ الآية.
وأما المأخذ الثاني: فهو مبنيٌّ على تسليمِ الحديث لو صَحَّ -أعاذنا الله من صحَّته-، ولكنْ مع كلِّ حالٍ فقد أجاب عن ذلك أئمةٌ بأجوبةٍ، منها الغَثُّ والسمين".
° قلت: فذِكرُ هذه الأجوبةِ، وضَعفُها -جُلِّها أو كلِّها-، إلَّا الأخيرَ منها، فإنه استظهره ورَجَّحه، وهو الذي أجاب به ابنُ العربيِّ فيما تقدَّم من كلامه: إنَّ الشيطانَ هو الذي ألقى ذلك في سَكتةِ النبيِّ - ﷺ - بين الآيتين، مُحاكيًا نَغَمَةَ النبيِّ - ﷺ -، وأشاع ذلك المشركون عنه - ﷺ -، ولم يَقدح ذلك عند المسلمين لِحفظِ السورةِ قَبلَ ذلك على ما أنزلها الله، وتَحقُّقِهم مِن حالِ النبيِّ - ﷺ - في ذمِّ الأوثانِ وعَيبها على ما عُرف منه، وقد حَكى موسى بنُ عُقبةَ في "مغازيه" نحوَ هذا، وقال: "إنَّ المسلمين لم يَسمعوها، وإنما ألقى الشيطانُ ذلك في أسماعِ المشركين وقلوبهم" (^١)، ويكون ما رُوي من حُزنِ النبيِّ - ﷺ - لهذه الإِشاعة والشبهةِ وسببِ هذه الفتنة.
_________________
(١) ونحوه في رواية عروة "رقم ٦"، وإن كان في آخرها ما يُخالف هذا.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
* كلام الشوكاني:
° وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: "ولم يصحَّ شيءٌ من هذا، ولا يثبُتُ بوجهٍ من الوجوه، ومع عدمِ صحته -بل بطلانهِ-، فقد دَفعه المحقِّقون بكتابِ الله سبحانه.
° قال الله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] فنفى المقاربةَ؛ فضلًا عن الرُّكون".
° ثم قال: "والحاصلُ أن جميعَ الرواياتِ في هذا الباب إمَّا مُرسَلة، وإما منقطِعة لا تقومُ بها الحُجَّة".
° ثم قال: "وقال إمامُ الأئمةِ ابنُ خُزَيْمة: إنَّ هذه القصةَ مِن وَضعِ الزنادقة".
* كلام الآلُوسيِّ في إبطالِ القصة:
وعلى كلِّ حالٍ، فإن الحافظَ ابنَ حجر - ﵀ - متَّفقٌ مع الذين أنكروا القصةَ على تنزيهه - ﷺ - مِن أن يكونَ للشيطانِ تَكلُّمٌ على لسانِه ﵊، فالخلافُ بينه وبينهم يكادُ يكونُ شكليًّا أو لفظيًّا، وإنما الخلافُ الحقيقيُّ بينهم وبين بعضِ المتأخِّرين (^١) حيث ذَهب إلى تصحيحِ القصةِ مع التسليم بها دون استنكارِ أيِّ شيءٍ منها، أو تأويلٍ ما! بل جَوَّز
_________________
(١) هو الشيخ إبراهيم الكوراني كما صرَّح بذلك الآلوسي إبراهيم بن حسن بن شهاب بن حسن بن شهاب الكردي ولد في ١٠٢٥ هـ وتُوفي في ١١٠١ هـ.
[ ٢ / ٦٩١ ]
على النبيِّ - ﷺ - جميعَ ما فيها، زاعمًا أن ذلك لا يتنافى مع عِصمته، بل هو تأديبٌ له! -في كلامٍ له طويل يُغني وضوحُ بطلانِه عن إيرادِه وتسويدِ الصفحاتِ لردِّه-، وقد نَقَله الآلوسيُّ بِرُمَّته، ثم ردَّ عليه في كلامٍ متين، ولولا أن هذه العُجالةَ لم توضَعْ لهذه الغاية، لَسُقتُه بتمامِه، فأقتصِرُ من ذلك على قولِه في خاتمة بحثه: "لكنَّ إثباتَ صحَّةِ الخبر أشدُّ مِن خَرْطِ القَتاد، فإنَّ الطاعِنين فيه من حيثُ النقلُ علماءُ أجلَّاء، عارِفون بالغثِّ والسَّمين من الأخبار، وقد بَذَلوا الوُسعَ في تحقيقِ الحقِّ فيه، فلم يَروُوهُ إلَّا مردودًا، وهم أكثرُ ممن قال بقَبوله، ومنهم مَن هو أعلمُ منه، ويَغلبُ على الظنِّ أنهم وَقفوا على رُواته في سائرِ الطُرق، فرأَوهم مجروحين، وفات ذلك القائلَ بالقَبول (^١)، ولَعَمْري إنَّ القولَ بأنَّ هذا الخبرَ مما ألقاه الشيطانُ على بعضِ ألسِنةِ الرواة، ثم وَفَّق الله تعالى جَمْعًا مِن خاصَّتِه لإبطاله، أهونُ من القول بأن حديثَ الغرانيق مما ألقاه الشيطانُ على لسانِ رسولِ الله - ﷺ - ثم نَسَخَهُ ﷾، ولا سيَّما وهو ممَّا لم يَتوقف على صحَّته أمرٌ ديني، ولا معنَى آية، ولا سِوى أنها يتوقَّفُ عليها حصولُ شُبَهٍ في قلوبِ كثيرٍ من ضعفاءِ المؤمنين لا تكاد تُدفعُ إلَّا بجَهدٍ جَهيد" (^٢).
_________________
(١) قلت: هذا فيه بعدٌ، لا سيما بالنسبةِ للحافظ ابن حجر، فلو كان هناك جَرح فلا يخفى عليه، والحق أن الحافظ جَرى على بعضِ القواعد الحديثية، فهو أعذر ممن خالَفها ولم يُجِب عنها، وقد أجبنا نحن فيما سبق، فالأقربُ أن يقال: إنهم وَقفوا على عِلَّةٍ وهي "الإرسالُ" حسبما فصَّلنا في سائر الطرق، ولكن لم يَرَها علَّةً فادحةً القائلُ بالقبول.
(٢) "نصب المجانيق" (ص ٤٨ - ٦٨) باختصار.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
° ومِمَّن تكلَّم في بُطلانِ هذه القِصَّة:
- محمد بن أحمد الأنصاري، أبو عبد الله القُرطبي في "أحكام القرآن" (١٢/ ٨٠ - ٨٤).
- محمد بن يوسف بن علي الكِرْماني من شرَّاح "البخاري" (٧٨٦ هـ)، وقد نَقل كلامَه في ذلك الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٤٩٨).
- محمودُ بنُ أحمد بدر الدين العَيْني (٨٥٥ هـ) في "عمدة القاري" (٩/ ٤٧).
- محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني (١٢٥٠ هـ) في "فتح القدير" (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
- السيد محمود أبو الفضل شِهاب الدين الآلوسي (١٢٧٠ هـ) في "روح المعاني" (١٧/ ١٦٠ - ١٦٩).
- صِدِّيق حسن خان أبو الطيب (١٣٠٧ هـ) في تفسيره "فتح البيان".
- محمد عبده المصري الأستاذ الإِمام (١٣٢٣ هـ) في رسالة خاصة له في هذه القصة (^١).
° وقال الشَّيخُ العَلَّامةُ أَحمد شاكِر -رحمه الله تعالى- في تَعْليقهِ على "سُنن التِّرمذيِّ" (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥): "وهِيَ قِصَّةٌ باطلةٌ مَردودَةٌ؛ كما قالَ القَاضي عِياضٌ والنَّوَوِيُّ -رحمَهُما الله-، وقد جاءَتْ بأَسانيدَ باطلةٍ؛ ضعيفةٍ، أَو مرسلةٍ، ليس لها إسنادٌ مُتَّصِلٌ صحيحٌ.
_________________
(١) في "أثارات في مشكلات" (ص ١٢٩ - ١٤٤) المطبوع مع "تفسير سورة الفاتحة" لتلميذه محمد رشيد رضا.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^١) - ﵀ -:
قالَ في "رحلةِ الحَجِّ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ" (١٢٨ - ١٣٥) ما نصُّهُ: "والعُلماءُ مختلِفونَ في أَصلِ قصَّةِ الغَرانيقِ؛ هلْ هِيَ باطلَةٌ أَو ثابِتَةٌ؟!.
فعلى القولِ ببطلانِها؛ فالأمرُ واضحٌ.
وعَلى القولِ بثُبوتِها؛ فمعنى إلقاء الشَّيطانِ على لِسانِ النبيِّ - ﷺ - أَنَّه - ﷺ - كانَ يقرأُ القُرآنَ؛ يُرَتِّلُهُ تَرْتيلًا تتخَلَّلُهُ سَكَتاتٌ، فراقَبَ الشَّيطانُ بعضَ سَكَتاتِ النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ حَاكَى قِراءَتَهُ - ﷺ - بقولِهِ -عليهِ لعنةُ اللهِ-: "تلك الغَرانيقُ العُلَا. وإنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"! فظنَّ المُشْرِكونَ صوتَ الشَّيطانِ صوتَ النبيِّ - ﷺ -.
وهذا الجوابُ عن قصَّةِ الغَرانيقِ -على القولِ بثُبوتِها- هو أَحسنُ الأجوبَةِ عنها، وارْتَضاهُ جَمْعٌ مِن المُحَقِّقينَ مِن أَجوبَةٍ كثيرةٍ.
وحُجَّةُ القائل بأَنَّ قصَّةَ الغَرانيقِ باطلةٌ: اضطِرابُ رواتِها، وانقِطاعُ سَنَدِها، واختلافُ أَلفاظِها:
فبعْضُهُم يقولُ: إنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ في الصَّلاةِ!.
وبعضُهُم يقولُ: قَرَأَها وهُو في نادي قَوْمِه!.
وآخَرُ يقولُ: قَرَأَها وقد أَصابَتْهُ سِنَةٌ!.
وآخَرُ يقولُ: بل حَدَّثَ نَفْسَهُ، فَجرى ذلك على لِسانِهِ!.
وآخَرُ يقول: إنَّ الشَّيطانَ قالَها على لسانِ النبيِّ - ﷺ -، وإنَّ النبيَّ لمَّا
_________________
(١) وله - ﵀ - في "أضواء البيان" بحث مختصر فيها.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
عَرَضَها على جِبريلَ قالَ: ما هكذا أَقْرَأتكَ!.
إلى غيرِ ذلك مِن اختلافِ أَلفاظِها.
• والذي جاءَ في "الصحيح" مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ مسعودِ - ﵁ -: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قَرَأَ: ﴿وَالنَّجْمِ ..﴾، فسَجَدَ فيها، وسَجَدَ مَن كانَ معَهُ؛ غَيْرَ أَنَّ شيخًّا من قرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِن حَصًى أو تُرابٍ، فرَفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ، فسجَدَ عليهِ".
قالَ عبدُ اللهِ: "فَلَقَدْ رأَيتُهُ -بَعدُ- قُتِلَ كافِرًا".
أَخرَجَهُ الشَّيخانِ في "صحيحَيْهِما".
• وصحَّ مِن حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - سَجَدَ بـ ﴿النَّجْمِ﴾، وسَجَدَ معهُ المُسْلِمونَ والمُشْرِكونَ والجِنُّ والإنسُ.
رواهُ البخاريُّ - ﵀ -.
فهذا الذي جاءَ في "الصحيحِ" لم يُذْكَرْ فيهِ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - ذكَرَ الغَرانيقَ، ولا شَفاعَتَها، ولا شَيْئًا مِن تلكَ القِصَّةِ.
والذي ذَكَرَهُ المُفَسِّرونَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ - في هذه القصَّةِ إنَّما هُو مِن طَريقِ الكَلْبيِّ عن أَبي صالحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄ -.
والكَلْبِيُّ؛ ضعيفٌ جِدًّا، بل متروكٌ.
ولذا قالَ ابنُ العَرَبيِّ المالِكِيُّ: "إنَّ قصَّةَ الغَرانِيقِ باطِلَةٌ لا أَصْلَ لها".
° وقالَ القاضي عِيَاضٌ: "إنَّ قصَّةَ الغَرانيقِ لم يُخْرِجْها أحدٌ مِن أَهْلِ الصِّحَّةِ، ولا رواها ثقةٌ بسَنَدٍ سليمٍ مُتَّصِلٍ، معَ ضَعْفِ نَقَلَتِها، واضْطِرابِ
[ ٢ / ٦٩٥ ]
رواياتها، وانقِطاعِ إسنادِها".
وذَكَرَ أَنَّ مَنْ حُمِلَتْ عنهُ مِن التَّابِعينَ والمُفَسِّرينَ لم يُسْنِدْها أَحَدٌ منهُم، ولا رَفَعَها إلى صاحِبٍ.
وأَكثرُ الطُّرُقِ عنهُم في ذلكَ ضعيفةٌ واهِيَةٌ.
قالَ: "وقد بَيَّنَ البَزَّارُ أَنَّها لا تُعْرَفُ مِن طريقٍ يجوزُ ذِكْرُهُ إلا طريقَ أبي بِشْرٍ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ - ﵁ - معَ الشَّكِّ الذي وَقَعَ في أَصْلِهِ".
° قالَ مُقيِّدُهُ -عفا اللهُ عنهُ-: "وقد اعْتَرَفَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ العَسقَلانيُّ - ﵀ - معَ انْتِصارِهِ لثُبوتِ هذه القصَّةِ بأَنَّ طُرُقَها كلَّها إمَّا منقَطِعَةٌ أَو ضعيفةٌ؛ إلَّا طريقَ سعيدِ بنِ جبَيرٍ.
وإذا عَلِمتَ أنَّ طُرُقَها كلَّها لا يُعَوَّلُ عليها إلَّا طريقَ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، فاعْلَمْ أَنَّ طريقَ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ لم يَرْوِها بها أَحَدٌ مُتَّصِلَةً؛ إلَّا أُميَّةُ بنُ خالدٍ.
وهُو وإنْ كانَ ثقةً؛ فقدْ شَكَّ في وَصْلِها.
فقدْ أَخْرَجَ البَزَّارُ، وابنُ مَرْدَويهِ؛ مِن طريقِ أُمَيَّةَ بنِ خالدٍ عن شُعْبَةَ عن أَبي بشْرٍ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
فقالَ أُمَيَّةُ بنُ خالدٍ في إسنادِهِ هذا: عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ -فيما أَحسِبُ-.
ثم ساقَ حَديثَ القصَّةِ المذكورَةِ.
° وقالَ البزَّارُ: "لا يُرْوَى مُتَّصِلًا إلَّا بهذا الإسنادِ، تفرَّدَ بوصْلِهِ أُمَيَّةُ ابنُ خالدٍ، وهو ثقةٌ مشهورٌ".
° وقالَ -أَعني البَزَّارَ-: "وإنَّما يُرْوَى مِن طريقِ الكَلْبِيِّ عن أَبي صالحٍ
[ ٢ / ٦٩٦ ]
عن ابنِ عبَّاسٍ - ﵄-".
والكَلْبيُّ متروكٌ.
فتحَصَّلَ مِمَّا ذَكَرْنا أَن قصَّةَ الغَرانيقِ التي لم تَثبُتْ مِن طريقٍ مُتَّصِلَةٍ يجوزُ ذِكْرُها إلَّا هذا الطَّريقَ الذي شَكَّ راويهِ -وهو أُمَيَّةُ بنُ خالِدٍ- في الوَصْلِ.
ومَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا مِن طريقٍ شَكَّ صاحِبُهُ في الوَصْلِ؛ فضَعْفُهُ ظاهِرٌ.
° ولذا قالَ الحافِظُ ابنُ كَثيرٍ في "تفسيرِهِ" في قِصَّةِ الغَرانِيقِ: "إنَّهُ لمْ يَرَها مُسْنَدَةً مِن وجْهٍ صحيحٍ، واللهُ تعالى أَعْلَمُ".
° وقالَ البيهَقِيُّ فيها: "إنَّها غيرُ ثابتةٍ مِن جهة النَّقْلِ".
وذَكَرَ الرَّازيُّ في "تفسيرِهِ" أَنَّها باطِلَةٌ.
° قالَ مُقيِّدُهُ -عفا الله عنه -: "إن القولَ بعَدَمِ صَحَّتِها لهُ شاهِدٌ مِن القرآنِ العظيمِ في سورةِ "النَّجْمِ"، وشَهادتُهُ لِعَدِمِ صِحَّتِها واضِحَةٌ: وهو أنَّ قولهُ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] الذي يقولُ القائِلُ بصحَّةِ القصَّةِ أنَّ الشَّيطانَ أَلقَى بعدَهُ ما أَلقى؛ قَرَأَ النبيُّ - ﷺ - بَعْدُ في تلكَ اللحْظَةِ في الكَلِماتِ التي تليهِ مِن سورةِ "النَّجْمِ" قولَهُ تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].
فهذا يَتَضَمَّنُ مُنْتَهَى ذَمِّ الغَرانِيقِ التي هِيَ كِناية عنِ الأصْنامِ، إذْ لا ذَمَّ أَعْظَمُ مِن جَعْلِها أَسماءً بِلا مُسَمَّياتٍ، وجَعْلِها باطِلًا ما أَنزَلَ اللهُ بهِ مِن سَلطانٍ!!.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
* فلَوْ فَرضْا أَنَّ الشَّيطانَ أَلقى على لِسانِهِ - ﷺ -: "تلكَ الغَرانيقُ العُلا"؛ بعدَ قولِهِ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠]، وفَرحَ المُشْرِكونَ بأَنَّهُ ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بخَيْرٍ، ثمَّ قالَ النبيُّ في تلكَ اللحظَةِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وذَمَّ الأصنامَ بذلك غايَةَ الذِّمِّ، وأَبْطَلَ شفاعَتَها غايةَ الإِبطالِ! فكَيْفَ يُعْقَلُ -بعدَ هذا- سجودُ المُشْرِكينَ، وسَبُّ أَصنامِهِم هو الأخيرُ، والعِبْرَةُ بالأخيرِ؟!.
° وُيسْتَأنَسُ بقولِهِ أَيضًا -بعدَ ذلكَ بقَليلٍ في المَلائكَة-: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]؛ لأنَّ إبطالَ شَفاعَةِ الملائِكةِ -إلَّا بإذنِ اللهِ- معلومٌ منهُ عندَ الكُفَّارِ بالأحْرَوَيَّةِ إبطالُ شفاعَةِ الأصنامِ المزعُومَةِ.
° وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في "فتح الباري" في تفسيرِ سورةِ "الحَجِّ" ما يُفيدُ ثُبوتَ قِصَّةِ الغَرانِيقِ.
وذَكَرَ أَنَّها ثَبَتَتْ بثلاثَةِ أَسانيدَ؛ كُلُّها على شَرْطِ الصَّحِيِح، وهِيَ مَراسيلُ؛ يَحْتَجُّ بمِثلِها مَن يَحتَجُّ بالمُرْسَلِ، وكذلكَ مَن لا يَحْتجُّ بهِ؛ لاعتضادِ بعضِها ببَعْضٍ.
واحتَجَّ أيضًا بأَنَّ الطُّرُقَ إذا كَثُرَتْ وتَبايَنَتْ مَخارِجُها؛ دَلَّ ذلكَ على أَنَّ لها أَصلًا.
ثُمَّ قالَ: "وإذا تَقَرَّرَ ذلك؛ تَعَيَّنَ تأويلُ ما وَقَعَ في القِصَّةِ مِمَّا يُسْتَنْكَرُ، وهو قولُهُ: "أَلقى الشَّيطان على لِسانِهِ: تلكَ الغَرانِيقُ العُلَا، وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"، فإنَّ ذلك لا يجوزُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ؛ لأنَّهُ يستَحيلُ عليهِ - ﷺ - أَنْ
[ ٢ / ٦٩٨ ]
يَزيدَ في القرْآنِ ما ليسَ منهُ عَمْدًا، وكذا سَهوًا؛ إذا كانَ مُغايرًا لِما جاءَ بهِ مِن التوحيدِ؛ لمكانِ عِصْمَتِهِ - ﷺ -".
ثمَّ أَخَذَ -أَعني الحافظَ ابنَ حَجَرٍ- في أَجوبةِ العُلَماءِ عنِ القِصَّةِ المذكورَةِ -على تَقْديرِ ثُبوتِها-، وذَكَرَ أَجوبَةً كثيرةً.
وقدْ قَدَّمْتُ أَنَّ أَحْسَنَها ما استَحْسَنَهُ كَثيرٌ مِن المحَقِّقينَ مِن أَنَّ الشَّيطانَ هُو الذي قالَ: "تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلا"، فظنَّ المُشْرِكونَ أَنَّها مِن كَلامِ نبيِّنا - ﷺ -، وحاشاهُ مِن ذلك.
ولذا اقتَصَرْتُ على هذا الجَوابِ، ولم أَذْكُرْ غيرَهُ.
° واللهُ تعالى في كتابِهِ العَزِيزِ أَسْنَدَ هذا الإلقاءَ للشَّيطانِ، حيثُ قالَ: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، ونِسْبَتُهُ إيَّاهُ للشَّيطانِ تَدُلُّ على بَراءَةِ جَنابِ النبيِّ - ﷺ -.
° قال مُقَيِّدُهُ -عفا اللهُ عنهُ-: اعْلَمْ أَنَّ براءَةَ ساحَةِ خاتَمِ الرُّسُلِ وأَشْرَفِهِم، وسَيِّدِ ولَدِ آدَمَ بالإِطلاقِ -عليهِ صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ- ممَّا جاءَ في ظاهِرِ هذهِ القصَّةِ، تدلُّ عليهِ البَراهينُ القاطعَةُ، والأدِلَّةُ السَّاطِعَةُ؛ كما سَتَراهُ.
وقولُ الشَّيطانِ: "تلكَ الغَرانِيقُ العُلَا" شِرْكٌ أَكبرُ صُراحٌ، وكُفْرٌ بَواحٌ، وهو - ﷺ - مَبْعوثٌ لإخلاصِ العبادَةِ للَهِ وحْدَهُ؛ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ كلمةُ: "لا إلهَ إلَّا الله"؛ كجميعِ إخوانِهِ مِن المُرْسَلينَ:
* قالَ تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
[ ٢ / ٦٩٩ ]
* وقالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
* وقالَ تَعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].
فإخلاصُ العِبادَةِ للهِ وحدَهُ هُو دَعْوَةُ عامَّةِ الرُّسُل، وأشدُّهُم فيهِ احْتِياطًا خاتمُهُم - ﷺ -.
ولذا مَنَعَ بعضَ الأمورِ التي كانَتْ مُباحَةً عندَهُم؛ احتياطًا في توحيدِ اللهِ في عبادَتِه جَلَّ وعَلا، فالسجودُ لمخلوقٍ في شريعَتِهِ السَّمْحَةِ كُفْرٌ باللهِ تعالى، معَ أَنَّهُ كانَ جائِزًا في شَرْعِ غيرهِ مِن الرُّسُلِ -عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، كما قالَ تعالى عَنْ يَعْقوبَ وأَوْلادِهِ في سُجودِهِمْ لِيوسُفَ: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠].
ولذلك أُمِرَ نَبِيُّنا - ﷺ - أنْ يَقولَ للنَّاسِ: إنَّهُ ما أُوْحِيَ إليهِ إلَّا توحيدُ اللهِ تعالى في عِبادَتِه في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨].
وقد تقرَّرَ عندَ الأصولِيِّينَ والبيانِيِّينَ أَنَّ لفظَ "إنَّما" مِن أدواتِ الحَصْرِ، فدلَّتِ الآيةُ على حَصْرِ الموحَى إليهِ - ﷺ - في أَصلِهِ الأعظَم الذي هُو "لا إلهَ إلَّا الله"؛ لأنَّها دَعْوَةُ جميعِ الرُّسُلِ وغيرِها مِن شرائعِ الإِسلامِ وفُروعِها التَّابعَةِ لها.
ولهذا صارَ مُكَذِّبُ رسولِ واحِدٍ مُكَذِّبًا لجميعِ الرُّسُلِ؛ لأنَّ دَعْوَتَهُم واحِدَةٌ.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
* قالَ تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]؛ أَي: بتكذيبِهِمْ نُوحًا.
* ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]؛ أَي: بتكذيبِهِم هُودًا.
* ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١]؛ أَي: بتكذيبِهِم صالِحًا.
* ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠]؛ أَي: بتكذيبِهِم لُوطًا.
* ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]؛ أَي: بتكذيبِهِم شُعَيْبًا.
فهذه الآياتُ تَدُلُّ على أَنَّ مكَذِّبَ رسولٍ واحدٍ مُكَذِّبٌ لجميعِ الرُّسُل، وذلك لاتِّحادِ دعْوَتِهِم، وهِيَ مَضْمونُ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ".
* قَالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
فإذا حَقَّقْتَ هذا؛ عَلِمْتَ أَنَّهُ - ﷺ - لا يَقولُ: "تِلَكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى"؛ لِمَا في هذا الكلام مِن الشِّرْكِ الصُّراحِ، والكُفْرِ البَوَاحِ، المُضادِّ لِما جَاءَ بهِ جَميعُ الرُّسُلِ -عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.
ولا يَقْدِرُ الشَّيْطانُ أَنْ يُجْرِيَ ذلك عَلى لِسانِهِ - ﷺ -؛ لأنَّه ليس لهُ عليهِ مِن سُلْطانٍ، بشهادَةِ القُرْآنِ وبإقرارِ الشَّيْطانِ.
* قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
[ ٢ / ٧٠١ ]
(٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
ومَعْلومٌ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - مِن الذينَ آمَنوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ، وأَنَّهُ ليسَ مِن الذينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والذينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكونَ.
* قَالَ تَعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
ومَعْلومٌ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - مِن عِبادِهِ الذينَ ليسَ للشَّيطَانِ عليهِمْ سُلْطانٌ، وأَنَّهُ لَيْسَ مِن الغَاوينَ الذينَ اتَّبَعوهُ.
وأَقَرَّ الشَّيطانُ بأَنَّهُ لا سَبيلَ عَلى مَنْ هُو دُونَهُ - ﷺ - وأَحْرَى هُو -صَلَواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ- قالَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
* وقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
* وقَالَ تَعالى في نبيِّنا - ﷺ -: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
* وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
* وصَرَّح جَلَّ وعَلا بحِفْظِ القُرْآنِ مِن دَسائِسِ الشَّيْطانِ؛ قالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فقولُهُ تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾؛ فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْي، والفعلُ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمومِ؛ كالنَّكِرَةِ فِي سِياقِ النَّفْيِ عندَ المُحَقِّقينَ مِن عُلَماءِ الأصُولِ، ووجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لأنَّكَ إذا حَلَّلْتَ الفِعْلَ انْحَلَّ إلى مَصْدَرٍ وزَمَنٍ؛ فهُو يدلُّ على نكرةٍ واقعةٍ في سِياقِ النَّفْي؛ لأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ نفيٌ للمَصْدَرِ، الذي هُو جُزْءٌ مِن مَدْلولِهِ، فإذا قُلْنا: "لا يَقومُ زيدٌ"، عَمَّ النَّفْيُ أَفرادَ المَصْدَرِ، فكأَنَّما قلْنا: "لا قِيامَ لِزَيْدٍ".
° وقالَ أَبو حِنيفَةَ: "لا تَعْميمَ في الفِعْلِ بعدَ النَّفْيِ وَضْعًا، بل فيهِ تعميمٌ عقلِيٌّ؛ بدِلَالَةِ الالتزامِ".
وما قَصَرَ بهِ الرازِيُّ في "محصولِهِ" مذْهَبَ أَبي حَنيفةَ في عَدَم عُمومِ الفعْلِ في سِياقِ النفيِ لا يصحُّ التمسُّكُ بهِ، فانْظُرْ تحقيقَهُ في "حاشيةِ العَبَّادِي على شَرْحِ المَحَلِّي لجمعِ الجَوامعِ"؛ يظهَرْ لكَ ما ذَكَرْنا.
فبهذا تَعْلَمُ أَنَّ قولَهُ تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ يَعُمُّ نَفْيَ كُلِّ باطلٍ يأْتي القُرآنَ.
وقد أَكَّدَ هذا العُمومَ بقولِهِ: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، فلوْ قَدَّرْنا أنَّ الشَّيطانَ أَدَخلَ في القُرآنِ عَلى لِسانِ النبيِّ - ﷺ -: "تلكَ الغَرانِيقُ العُلَا" -وحاشاه مِن ذلكَ-؛ لكانَ قدْ أَتى القُرآنَ أَعْظَمُ باطِلٍ مِن بينِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؛ فيكونُ تَصْريحًا بتكذيبِ اللهِ جَلَّ وعَلا في قولِهِ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾.
ولا حُجَّةَ في أَنَّ الله جَلَّ وعَلا نَسَخَ ما أَلقاهُ الشَّيطانُ في القرْآنِ على لِسانِ النبيِّ - ﷺ -؛ كما قالَ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢]؛
[ ٢ / ٧٠٣ ]
لأنَّ الباطِلَ إنْ أَتى القرآنَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسخَ، فنَسْخُهُ بعدَ إتيانِه لا يَرْفَعُ اسمَ الإِتيان أَوَّلًا، وقولُهُ تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ نصٌّ صَريحٌ في نَفْي إتيانِ الباطِلِ؛ كَما قَدَّمْنا.
* وقالَ تَعَالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فهذه نصُوصٌ قرآنيَّةٌ قاطِعَةٌ تدلُّ على أَنَّ الشَّيطانَ لا سَبيلَ لهُ إلى أَنْ يَحْملَ النبيَّ - ﷺ - على أَنْ يُدْخِلَ في القُرْآنِ العَظيم ما ليسَ منهُ مِن الكُفْرِ الصُّرَاح والشِّرْكِ الأكْبَرِ.
ولم يَبْقَ في الآيةِ الكريمَةِ المسؤولِ عنها إشكالٌ" اهـ.
° وقال الأستاذ سيد قطب (^١): "واللهُ الذي يَحْفَظُ دعوَتَهُ مِن تكذيبِ المُكَذِّبينَ، وتعطيلِ المُعوِّقينَ، ومُعاجَزَةِ المُعاجِزينَ؛ يحفَظُها كذلكَ مِن كَيْدِ الشَّيطانِ، ومِن مُحاوَلَتِه أَنْ يَنْفُذَ إليها مِن خِلالِ أمْنِيَّاتِ الرُّسُلِ النابعةِ مِن طبيعَتِهِمُ البشريَّةِ، وهُم مَعْصومونَ مِن الشَّيطانِ، ولكنَّهُم بشَرٌ، تمتَدُّ نفوسُهُم إلى أَمانيَّ تتعلَّقُ بسرعَةِ نشْرِ دعوتِهِم، وانتِصارِها، وإزالَةِ العَقَباتِ مِن طريقِها، فَيُحاوِلُ الشَّيطانُ أَنْ يَنْفُذَ مِن خلالِ أَمانِيِّهِم هذه، فَيُحَوِّلُ الدعوةَ عنْ أُصولِها وعن مَوازينِها .. فيُبْطِلُ اللهُ كيدَ الشَّيطانِ، ويَصونُ دعوتَهُ، وُيبَيِّنُ للرُّسُل أُصولَها وموازينَها، فيُحْكِمُ آياتِه، ويُزيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ في قِيَمِ الدَّعْوةِ ووسائِلِها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَاللَّهُ
_________________
(١) "الظلال" (٥/ ٦١١ - ٦١٤).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤].
لقد رُويَتْ في سَبَبِ نُزولِ هذه الآياتِ رواياتٌ كَثيرةٌ ذَكَرَها كثيرٌ مِن المُفَسِّرينَ.
° قالَ ابنُ كَثيرٍ في "تفسيرِهِ": "ولكنَّها مِن طُرُقٍ كُلُّها مُرْسَلَةٌ، ولم أَرَها مُسنَدَةً مِن وجْهٍ صَحيحٍ، والله أَعلمُ".
° ثمَّ قالَ بعدَ أَنْ سَاقَ شَيئًا مِن الرِّواياتِ بأَلفاظِها: "هذه خُلاصَةُ تلكَ الرِّواياتِ في هذا الحَديثِ الذي عُرِفَ بحديثِ الغَرانيقِ .. وهُو مِن ناحِيَةِ السَّنَدِ واهي الأصْل".
° قالَ عُلَماءُ الحَديثِ: "إنَّهُ لم يُخْرِجْهُ أَحدٌ مِن أَهلِ الصحَّةِ، ولا رواهُ بسندٍ سَليمٍ مُتَّصلٍ ثقةٌ".
° وقالَ أَبو بكرٍ البزَّارُ: "هذا الحَديثُ لا نعلَمُهُ يُرْوى عَنِ النبيِّ - ﷺ - بإسنادٍ مُتَّصلٍ يجوزُ ذِكْرُهُ".
وهُو مِن ناحيةِ موضوعِهِ يُصادِمُ أَصلًا مِن أُصولِ العقيدَةِ، وهُو عِصْمَةُ النبيِّ - ﷺ - مِن أَنْ يَدُسَّ عليهِ الشَّيطانُ شيئًا في تَبليغِ رِسالَتِهِ.
وقد أُولعَ المُسْتَشْرِقونَ والطَّاعِنونَ في هذا الدِّينِ بذلك الحَديثِ، وأَذاعوا بهِ، وأَثاروا حَوْلَهُ عَجاجَةً مِن القولِ، والأمرُ في هذا كُلِّهِ لا يَثبُثُ للمُناقَشَةِ، بل لا يَصِحُّ أَنْ يكونَ موضوعًا للمُنَاقَشَةِ.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وهُناكَ مِن النَّصِّ ذاتِهِ ما يُستَبْعَدُ معهُ أَنْ يكونَ سَبَبُ نزولِ الآيةِ شيئًا كهذا، وأَنْ يكونَ مدلولُهُ حادثًا مُفْرَدًا وقعَ للرَّسولِ - ﷺ -.
فالنَّصُّ يُقَرِّرُ أَنَّ هذه قاعِدةٌ عامَّةٌ في الرِّسالاتِ كُلِّها، مع الرُّسُلِ كلِّهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ …﴾.
فلا بُدَّ أَنْ يكونَ المقصودُ أَمرًا عامًّا، يستَنِدُ إلى صِفَةٍ في الفِطْرَةِ مشتَرَكَةٍ بين الرُّسُلِ جَميعًا بوصْفِهِم مِن البَشَرِ، مِمَّا لا يُخالِفُ العِصْمَةَ المقرَّرَةَ للرُّسُل".
* صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وكَذَب سلمان رشدي الدجَّالُ المرتدُّ الجَهول، وصلى الله وسلم على سيِّد البشر وأفضلِ رسول .. ما ضَرَّه ما قال عنه الغبيُّ القِزمُ الجهول:
ما يَضُرُّ البحرَ أمسى زاخرًا … أنْ رَمَى فيه غلامٌ بحَجَرْ
* * *
[ ٢ / ٧٠٦ ]
قد بَدَتِ البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر
[ ٣ / ٥ ]