الفصل الأوّل في جمال صورته ﷺ، وما شاكلها
قال في «المواهب»: (اعلم أنّ من تمام الإيمان به ﷺ.. الإيمان بأنّ الله تعالى جعل خلق بدنه الشّريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق ادميّ مثله.
ولله درّ الأبو صيريّ «١» حيث قال:
فهو الّذي تمّ معناه وصورته ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
منزّه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقد حكى القرطبيّ رحمه الله تعالى في (كتاب الصّلاة)، أنّه قال:
لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ؛ لأنّه لو ظهر لنا تمام حسنه.. لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ) اهـ
كان رسول الله ﷺ حسن الجسم. رواه غير واحد.
وروى التّرمذيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله
_________________
(١) هو محمد بن سعيد الصنهاجي صاحب نظم «البردة» المشهور نشأ في قرية «البوصير» وإليها ينسب فيقال: (البوصيري)؛ ولذا فإنّ قوله: (الأبوصيري) منتقد. والله أعلم.
[ ٥٩ ]
ﷺ ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالادم، ولا بالجعد القطط ولا بالسّبط.
ومعنى (البائن): الظّاهر طوله.
و(الأمهق): الشّديد البياض، الخالي عن الحمرة.
و(الادم): الأسمر.
و(الجعد): من في شعره التواء.
و(القطط): شديد الجعودة.
و(السّبط): مسترسل الشّعر.
وكان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا «١»، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة إلى شحمة أذنيه.
ومعنى (الرّجل) «٢»: من في شعره تكسّر قليل.
و(الجمّة): مجتمع شعر الرّأس؛ وهي أكثر من الوفرة واللّمّة «٣» .
وكان رسول الله ﷺ شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّؤا؛ كأنّما ينحطّ من صبب.
ومعنى (شثن): غليظ.
_________________
(١) وهو المتوسط بين الطويل والقصير.
(٢) الرّجل بفتح الراء وكسر الجيم، وقد يضم، وقد يفتح، وقد يسكّن.
(٣) الوفرة: ما بلغت شحمة الأذن، والجمّة: ما وصلت المنكب، واللّمة: ما بينهما.
[ ٦٠ ]
و(الكراديس) - جمع كردوس- وهو: مجمع العظام كالرّكبة والمنكب.
و(المسربة): الشّعر الدّقيق الّذي كأنّه قضيب من الصّدر إلى السّرّة.
و(التّكفّؤ): الميل إلى سنن «١» المشي، وهو: ما بين يديه كالسّفينة في جريها.
و(الصّبب): المكان المنحدر من الأرض.
وكان رسول الله ﷺ جعدا رجلا «٢»، ولم يكن بالمطهّم؛ ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرّب «٣»، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى.. تقلّع كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة.
وهو خاتم النّبيّين، أجود النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
_________________
(١) مثلث السين وبضمتين؛ سنن وسنن وسنن وسنن.
(٢) الجعد: هو الشعر المتجعد والمتثني..
(٣) مشرب بتخفيف الراء من الإشراب، وهو خلط لون بلون كأنه سقي به، أو (مشرّب) بالتشديد من التشريب، وهو مبالغة في الإشراب.
[ ٦١ ]
ومعنى (المطهّم): البادن الكثير اللّحم «١» .
و(المكلثم): المدوّر الوجه.
و(أدعج العينين): شديد سوادهما.
و(أهدب الأشفار): طويل شعر الأجفان.
و(المشاش): رؤوس العظام.
و(الكتد): مجتمع الكتفين.
و(أجرد): غير أشعر.
و(تقلّع): مشى بقوّة.
و(اللهجة): الكلام.
و(العريكة): الطّبيعة.
و(البديهة): المفاجأة.
وكان رسول الله ﷺ سهل الخدّين «٢»، ضليع الفم، سواء البطن والصّدر، أشعر المنكبين والذّراعين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، أشكل العينين، أحمر الماقي، منهوس العقبين.
ومعنى (ضليع الفم): واسعه، وهو ممدوح لدلالته على الفصاحة.
و(أشكل العينين): في بياضهما حمرة.
_________________
(١) أي: عظيم البدن بكثرة لحمه.
(٢) أي: غير مرتفع الوجنتين.
[ ٦٢ ]
و(منهوس العقبين): قليل لحمهما.
وكان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرّب العين بحمرة.
وكان ﷺ أبلج الحاجبين «١»، كأنّ ما بينهما الفضّة المخلّصة. وكانت عيناه نجلاوين «٢»، أدعجهما «٣»، وكان في عينيه تمزّج من حمرة، وكان أهدب الأشفار حتّى تكاد تلتبس من كثرتها.
وكان ﷺ ضخم الرّأس واليدين والقدمين.
وكان ﷺ سهل الخدّين صلتهما «٤»، ليس بالطّويل الوجه، ولا المكلثم.
وكان ﷺ أحسن النّاس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطّول ما هو «٥»، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدّين، شديد سواد الشّعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه.. وطىء بكلّها، ليس له أخمص «٦»، إذا وضع رداءه عن منكبيه.. فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك.. يتلألأ.
_________________
(١) أي: كان بين حاجبيه فرجة بيضاء دقيقة لا تتبيّن إلا لمتأمّل.
(٢) أي: واسعتين.
(٣) أي: شديد سواد حدقتهما.
(٤) أي: سائلهما من غير ارتفاع وجنتيه.
(٥) أي: هو يميل إلى الطول ميلا قليلا.
(٦) الأخمص: ما يتجافى من باطن القدم عن الأرض.
[ ٦٣ ]
ومعنى (أسيل الخدّين): ليس فيهما ارتفاع.
و(الأكحل): أسود أجفان العين خلقة.
وكان ﷺ شبح الذّراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين.
ومعنى (شبح الذّراعين): عريضهما ممتدّهما.
وكان رسول الله ﷺ عبل العضدين والذّراعين «١»، وما تحت الإزار من الفخذين والسّاق، طويل الزّندين، رحب الرّاحتين، سائل الأطراف، كأنّ أصابعه قضبان الفضّة.
وكان ﷺ معتدل الخلق في السّمن، فبدن في اخر عمره، وكان مع ذلك لحمه متماسكا، يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ.
وكان ﷺ أحسن النّاس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، بل كان ينسب إلى الرّبعة «٢» إذا مشى واحده، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من النّاس وهو ينسب إلى الطّول.. إلّا طاله رسول الله ﷺ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
_________________
(١) أي: ضخمهما.
(٢) الرّبعة: توسط القامة واعتدالها.
[ ٦٤ ]
ويقول ﷺ: «جعل الخير كلّه في الرّبعة» .
وزاد ابن سبع في «الخصائص»: أنّه كان ﷺ إذا جلس.. يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
وكان ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة «١»، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته.. فرقها، وإلّا.. فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره.
أزهر اللّون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب؛ سوابغ في غير قرن «٢»، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق.
بادن متماسك، سواء البطن والصّدر «٣»، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد «٤»، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن ما سوى ذلك «٥»،
_________________
(١) أي: عظيم الرأس.
(٢) والمراد: أن حاجبيه قد سبغا حتى كادا يلتقيان ولم يلتقيا. والقرن غير محمود عند العرب ويستحبون البلج وهو الصحيح في صفته ﷺ.
(٣) في بعض النسخ: سواء البطن والصدر.
(٤) والمعنى: أنه نير العضو المتجرّد عن الشعر أو عن الثوب.
(٥) وفي رواية: (ممّا سوى ذلك)، وهي أنسب وأقرب؛ أي: سوى محل الشعر-
[ ٦٥ ]
أشعر الذّراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين.
رحب الرّاحة، شثن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان «١» الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء؛ إذا زال.. زال قلعا «٢»، يخطو تكفّيا ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى.. كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقيه بالسّلام.
ومعنى (الفخم): العظيم في نفسه.
و(المفخّم): المعظّم عند غيره.
و(المشذّب): الظّاهر الطّول مع نحافة.
و(رجل الشّعر): مسترسله.
و(العقيقة): شعر الرّأس.
و(وفره): جعله وفرة، وهي الشّعر النّازل عن شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين.
و(أزهر): مشرق اللّون، نيّره.
و(أزجّ الحواجب): مقوّسها مع طول.
_________________
(١) - المذكور، أما هو: ففيه الشعر الذي هو المسربة. والمعنى: لم يكن على ثدييه وبطنه ﷺ شعر غير مسربته.
(٢) بضم الخاء وسكون الميم كعثمان، وبضمتين، فسكون.
(٣) بفتح أوله مع تثليث ثانيه، وضم أوله مع سكون ثانيه وفتحه.
[ ٦٦ ]
و(السّوابغ): الكاملات.
و(أقنى العرنين): طويل الأنف مع دقّة أرنبته «١»، في وسطه بعض ارتفاع.
و(الأشمّ): مرتفع قصبة الأنف.
و(الأشنب): أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها.
و(المفلّج): منفرج الثّنايا.
و(الدّمية): صورة من رخام ونحوه.
و(البادن): السّمين سمنا معتدلا.
و(المتجرّد): العضو العاري عن الشّعر.
و(اللّبّة): النّقرة الّتي فوق الصّدر.
و(الرّحب): الواسع.
و(سائل الأطراف): طويلها طولا معتدلا.
و(خمصان الأخمصين): متجافيهما عن الأرض.
و(الأخمص): الموضع الّذي لا يمسّ الأرض عند الوطء من وسط القدم.
و(المسيح): الأملس.
و(ينبو): يتباعد.
_________________
(١) أي: طرف الأنف.
[ ٦٧ ]
و(إذا زال.. زال قلعا): إذا مشى.. رفع رجليه بقوّة.
و(ذريع المشية): واسع الخطو خلقة لا تكلّفا.
و(الملاحظة): النّظر باللّحاظ؛ وهو: شقّ العين ممّا يلي الصّدغ.
و(يسوق أصحابه): يقدّمهم بين يديه.
و(يبدر): يبتدئ.
وكان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم ريء «١» كالنّور يخرج من بين ثناياه. وكان ﷺ أحسن البشر قدما.
وعن ميمونة بنت كردم؛ قالت: رأيت رسول الله ﷺ فما نسيت طول إصبع قدمه السّبّابة على سائر أصابعه. رواه الإمام أحمد وغيره.
وكان ﷺ في ساقيه حموشة.
ومعنى (الحموشة): الدّقّة، وهي محمودة في السّاقين.
وكان رسول الله ﷺ يمشي كأنّما يتقلّع من صخر، وينحدر من صبب، يخطو تكفّيا، ويمشي الهوينا بغير تبختر.
ومعنى (الهوينا): تقارب الخطا.
_________________
(١) على الأفصح، ويقال أيضا: رئي.
[ ٦٨ ]
وكان ﷺ إذا مشى.. مشى مجتمعا؛ أي: قويّ الأعضاء، غير مسترخ في المشي.
وكان رسول الله ﷺ إذا مشى.. مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة.
وكان ﷺ إذا مشى.. لم يلتفت.
وكان ﷺ لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربّما تعلّق رداؤه بالشّجر فلا يلتفت حتّى يرفعوه عليه.
وكان ﷺ إذا مشى.. كأنّما يتوكّأ «١» .
وكان ﷺ يمشي مشيا يعرف فيه أنّه ليس بعاجز ولا كسلان.
وكان ﷺ لا يطأ عقبه رجلان قطّ، إن كانوا ثلاثة..
مشى بينهم، وإن كانوا جماعة.. قدّم بعضهم.
وكان ﷺ إذا لبس نعليه.. بدأ باليمنى، وإذا خلع..
خلع اليسرى.
وكان إذا دخل المسجد.. أدخل رجله اليمنى.
وكان يحبّ التّيمّن في كلّ شيء أخذا وعطاء.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه،
_________________
(١) والمراد: سعى سعيا شديدا.
[ ٦٩ ]
ولا رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ، كأنّما الأرض تطوى له، إنّا لنجهد أنفسنا، وإنّه لغير مكترث.
وكان رسول الله ﷺ نورا، فكان إذا مشى في الشّمس والقمر.. لا يظهر له ظلّ.
وكان وجهه ﷺ مثل الشّمس «١» والقمر، وكان مستديرا.
وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت من ذي لمّة في حلّة حمراء.. أحسن من رسول الله ﷺ.
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه، وإذا ضحك.. يتلألأ في الجدر.
وقالت أمّ معبد في بعض ما وصفته به رضي الله تعالى عنها: أجمل النّاس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر.
ومعنى (إضحيان): مقمرة.
_________________
(١) في مزيد الإضاءة والإشراق، لكنه ليس مثلها في كونه لا يستطاع النظر إليه.
[ ٧٠ ]
وسأل رجل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
وكان لونه ﷺ أزهر، ولم يكن بالأسمر، ولا بالشّديد البياض.
ونعته عمّه أبو طالب فقال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وكان ﷺ أزهر اللّون، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى.. تكفّأ.
وكان رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبّهه بالقمر ليلة البدر.
وكانوا يقولون: هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه حيث يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو كضوء البدر زايله الغمام
وكان ﷺ أبيض كأنّما صيغ من فضّة، رجل الشّعر.
وكان ﷺ أبيض مليحا مقصّدا.
ومعنى (المقصّد): المتوسّط بين الطّول والقصر.
وكان رسول الله ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار.
[ ٧١ ]
وكان ﷺ أبيض مشربا بحمرة، ضخم الهامة، أغرّ أبلج، أهدب الأشفار.
ومعنى (الأغرّ): الصّبيح.
و(الأبلج): الحسن المشرق المضيء.
وكان رسول الله ﷺ أحسن عباد الله عنقا، لا ينسب إلى الطّول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشّمس والرّياح فكأنّه إبريق فضّة مشرّب ذهبا، يتلألأ في بياض الفضّة وفي حمرة الذّهب.
وكان ﷺ من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم.
وكان ﷺ عريض الصّدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا؛ كالمراة في استوائها، وكالقمر في بياضه.
وكان له ﷺ ثلاث عكن يغطّي الإزار منها واحدة.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثنيّة بعضها على بعض.
وعن محرّش الكعبيّ رضي الله تعالى عنه قال: اعتمر النّبيّ ﷺ من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة.
وفي «المواهب»: عن مقاتل بن حيّان: قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: «اسمع وأطع، يا ابن الطّاهرة البكر البتول، إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك اية للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ
[ ٧٢ ]
فتوكّل، فسّر لأهل سوران «١» إنّي أنا الله الحيّ القيّوم الّذي لا أزول، صدّقوا النّبيّ الأمّيّ صاحب الجمل والمدرعة، والعمامة والنّعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصّلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللّحية، عرقه في وجهه كاللّؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، كأنّ عنقه إبريق فضّة» .
قوله: (صلت الجبين): واضحه.
و(أدعج العينين): شديد سواد العين.
و(أقنى الأنف): طويله مع دقّة أرنبته، في وسطه بعض ارتفاع.
قال ابن الأثير: والصّحيح في صفة حواجبه ﷺ أنّها سوابغ من غير قرن.
وكان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه في المراة.. قال:
«الحمد لله الّذي سوّى خلقي فعدّله، وكرّم صورة وجهي فحسّنها، وجعلني من المسلمين» .
وكان ﷺ إذا نظر في المراة.. قال: «الحمد لله الّذي حسّن خلقي وخلقي، وزان منّي ما شان من غيري» .
وكان ﷺ يقول: «أنا أشبه النّاس بادم صلّى الله عليه
_________________
(١) بالسريانية: بلّغ من بين يديك.
[ ٧٣ ]
وسلّم، وكان أبي إبراهيم ﷺ أشبه النّاس بي خلقا وخلقا» .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ الأنبياء، فإذا موسى ﵇ ضرب من الرّجال كأنّه من رجال شنوءة.
ورأيت عيسى ابن مريم [﵇]، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود.
ورأيت إبراهيم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم؛ يعني نفسه.
ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية» .
ومعنى (ضرب): نوع.
و(شنوءة): قبيلة من اليمن رجالها متوسّطون.
وكان رسول الله ﷺ واسع الظّهر، ما بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو ممّا يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصّفرة، حولها شعرات متواليات كأنّها من عرف فرس.
وكان خاتمه ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة.
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه قال: جاء سلمان الفارسيّ رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه
[ ٧٤ ]
وسلّم؛ فقال: «يا سلمان.. ما هذا؟» . فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: «ارفعها؛ فإنّا لا نأكل الصّدقة» . قال: فرفعها.
فجاء الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ. فقال:
«ما هذا يا سلمان؟» . فقال: هديّة لك. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبسطوا» «١» . ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله ﷺ؛ فامن به.
وكان لليهود «٢»، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما على أن يغرس لهم نخلا فيعمل سلمان فيه حتّى يطعم، فغرس رسول الله ﷺ النّخيل إلّا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النّخل من عامها، ولم تحمل النّخلة، فقال رسول الله ﷺ: «ما شأن هذه النّخلة؟» . فقال عمر: يا رسول الله؛ أنا غرستها، فنزعها رسول الله ﷺ، فغرسها، فحملت من عامها.
_________________
(١) وفي رواية: انشطوا، أي: ميلوا للأكل معي، وفي أخرى: انشقّوا، أي: انفرجوا ليتسع المجلس.
(٢) يعني: أن سيدنا سلمان رضي الله تعالى عنه كان رقيقا لليهود.
[ ٧٥ ]
الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله
كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة كما يرى بالنّهار في الضّوء.
وكان ﷺ يرى من خلفه من الصّفوف كما يرى من بين يديه.
وكان ﷺ يرى في الثّريّا «١» أحد عشر نجما.
وكان ﷺ لا يقعد في بيت مظلم حتّى يضاء له بالسّراج.
وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة والماء الجاري.
وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الأترجّ.
وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر «٢» .
_________________
(١) الثريا- مصغّر ثروة-: منزل من منازل القمر فيه نجوم مجتمعة جعلت علامة، وحكي: أن الثريا اثنا عشر نجما لم يحقّق الناس منها غير ستة أو سبعة، ولم ير جميعها غير النبي ﷺ؛ لقوة جعلها الله تعالى في بصره.
(٢) الحمام: التفّاح، وهو من باب الاستعارة، ولم يقل أحد من الشراح إن المراد به-
[ ٧٦ ]
وأمّا اكتحال رسول الله ﷺ: فقد كان ﷺ إذا اكتحل.. جعل في عين اثنتين وواحدة بينهما؛ أي: جعل في كلّ عين مرودين، وواحد يقسم بينهما، فالمجموع وتر، وهو خمسة مراود.
وكان ﷺ إذا اكتحل.. اكتحل وترا، وإذا استجمر «١» .. استجمر وترا.
وكان له ﷺ مكحلة يكتحل منها كلّ ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه.
وكان ﷺ لا يفارقه في الحضر، ولا في السفر خمس: المراة، والمكحلة، والمشط، والسّواك، والمدرى.
و(المدرى): شيء يعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المشط وأطول منه، يسرّح به الشّعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النبيّ ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد، فإنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر» .
قال الباجوريّ: المخاطب بذلك الأصحّاء، أمّا العين المريضة فقد
_________________
(١) - الطير المعروف. فلينتبه.
(٢) أي: تبخر بنحو عود، وسمي التبحّر (استجمارا)؛ لأن نحو العود يوضع على الجمر.
[ ٧٧ ]
يضرّها الإثمد؛ وهو: حجر الكحل المعدنيّ المعروف، ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة.
وقال بعد قوله (يجلو البصر): وهذا إذا اكتحل به من اعتاده، فإن اكتحل به من لم يعتده.. رمدت عينه.
[ ٧٨ ]
الفصل الثّالث في صفة شعره ﷺ وشيبه، وخضابه، وما يتعلق بذلك
كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر حسنه، ليس بالسّبط ولا الجعد القطط «١»، وكان إذا مشطه بالمشط.. يأتي كأنّه حبك الرّمل، وربّما جعله غدائر أربعا؛ يخرج كلّ أذن من بين غديرتين، وربّما جعل شعره على أذنيه؛ فتبدو سوالفه تتلألأ «٢» .
ومعنى (الغدائر): الذّوائب، واحدتها غديرة.
و(الحبك) - جمع حباك- ككتاب، وهي: الطريقة في الرّمل ونحوه.
وكان شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة، وفوق الوفرة.
وكان شعره ﷺ يضرب إلى منكبيه، وكثيرا ما يكون إلى شحمة أذنيه.
_________________
(١) أي: أن شعره ﷺ ليس نهاية في الجعودة؛ وهو: تكسّره الشديد؛ كشعر الحبش والزنوج، ولا نهاية في السبوطة؛ وهو عدم تكسّره أصلا؛ كشعر الهنود والجاوة، بل وسطا بينهما، و«خير الأمور أوساطها» .
(٢) سوالفه- جمع سالفة- وهي: صفحة العنق. وتتلألأ: تضيء وتتنوّر من وبيص الطّيب.
[ ٧٩ ]
وكان رسول الله ﷺ حسن الجسم، بعيد ما بين المنكبين، له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى نصف أذنيه.
وكان ﷺ يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمّ فرق رسول الله ﷺ رأسه.
ومعنى (سدل الشّعر): إرساله.
وكان رسول الله ﷺ حسن السّبلة.
ومعنى (السّبلة): مقدّم اللّحية، وما انحدر منها على الصّدر.
وكان رسول الله ﷺ كثّ اللّحية، وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه.
وكان ﷺ يأخذ من لحيته الشّريفة، من عرضها وطولها.
وكان ﷺ يكثر تسريح لحيته.
وكان ﷺ لا يفارقه سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المراة إذا سرّح لحيته.
وكان ﷺ إذا اهتمّ.. أكثر من مسّ لحيته.
وكان ﷺ إذا اغتمّ.. أخذ لحيته بيده ينظر فيها.
وكان ﷺ إذا توضّأ.. خلّل لحيته بالماء.
[ ٨٠ ]
وكان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، ويكثر اتّخاذ القناع.
و(القناع): خرقة توضع على الرّأس حين استعمال الدّهن لتقي العمامة والثّياب.
وكان رسول الله ﷺ إذا ادّهن.. صبّ في راحته اليسرى، فبدأ بحاجبيه، ثمّ عينيه، ثمّ رأسه.
وكان ﷺ يحبّ التّيامن في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كلّه.
وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى.
وإذا نام واضطجع.. اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
وكان ﷺ يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أرجّل «١» رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض.
وكان رسول الله ﷺ يترجّل غبّا؛ أي: حينا بعد حين.
وكان شيبه ﷺ في الرّأس واللّحية شيئا قليلا، نحو سبع عشرة شعرة.
وقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله؛ قد شبت؟! قال:
_________________
(١) أي: أسرح وأحسّن.
[ ٨١ ]
«شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتسائلون، وإذا الشّمس كوّرت»؛ لاشتمال هذه السّور على بيان أحوال القيامة ممّا يوجب خوفه على أمّته ﷺ.
وسئل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: هل خضب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم.
وعن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا.
وفي «الصّحيحين» من طرق كثيرة: أنّ النّبيّ ﷺ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه أوان الخضاب، وإنّما خضب من كان عنده شيء من شعره بعد وفاته ﷺ ليكون أبقى له.
وفي «الصّحيحين» أيضا و«سنن أبي داود»: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ كان يصفّر لحيته بالورس والزّعفران.
وعن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنّما كان شيئا في صدغيه، ولكن أبو بكر رضي الله تعالى عنه خضب بالحنّاء والكتم.
و(الكتم): نبت فيه حمرة.
وقال النّوويّ: المختار أنّه صبغه في وقت، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وهو صادق.
وكان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم.
[ ٨٢ ]
وكان ﷺ يتنوّر «١» في كلّ شهر، ويقلّم أظفاره في كلّ خمسة عشر يوما.
وكان ﷺ إذا اطّلى بالنّورة.. ولي عانته وفرجه بيده.
وكان ﷺ إذا اطّلى.. بدأ بعورته فطلاها بالنّورة، وسائر جسده أهله.
وكان ﷺ يقلّم أظفاره ويقصّ شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصّلاة.
وكان ﷺ يأمر بدفن الشّعر والأظفار.
وكان ﷺ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان:
الشّعر، والظّفر، والدّم، والحيضة «٢»، والسّنّ، والعلقة، والمشيمة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلّاق يحلقه، وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل.
_________________
(١) أي: يستعمل النّورة لإزالة الشعر، وهي من أملاح الكالسيوم والباريون.
(٢) خرقة الحيض.
[ ٨٣ ]
الفصل الرّابع في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطبيعية
روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه قال: كان رسول الله ﷺ كثير العرق.
وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر «١» .
وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. ثقل لذلك، وتحدّر جبينه عرقا كأنّه جمان «٢»، وإن كان في البرد.
وكان ﷺ يأتي أمّ سليم فيقيل عندها، فتبسط له نطعا «٣» فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ: «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» .
قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.
_________________
(١) الأذفر: شديد الرائحة.
(٢) أي: لؤلؤ.
(٣) النطع: - بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وسكونها، أربع لغات- وهو: بساط من أديم معروف.
[ ٨٤ ]
وفي رواية قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال:
«أصبت» .
وكان كفّه ﷺ ألين من الحرير، وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب أم لم يمسّها، وكان يصافح الرّجل فيظلّ يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه.
وقال أنس: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنّما أخرجها من جؤنة «١» عطّار.
وكان ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل.
وكان ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه أحد.. إلّا عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه «٢» .
وذكر إسحاق بن راهواه: أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ.
وعن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد السّلميّ قالت: كنّا عند عتبة أربع
_________________
(١) الجؤنة: شبه صندوق صغير مغشّى بجلد، يضع العطار فيها عطره.
(٢) العرف: رائحة الطّيب.
[ ٨٥ ]
نسوة، فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب؛ لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا، وكان إذا خرج إلى النّاس.. قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنّا لنجتهد في الطّيب، ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ ذلك؟! فقال: أخذني الشّرى «١» على عهد رسول الله ﷺ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده، ثمّ مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطّيب من يومئذ. رواه الطّبرانيّ في «معجمه الصّغير» .
وروى أبو يعلى والطّبرانيّ قصّة الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة فسلت «٢» له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطّيّب به»، فكانت إذا تطيّبات به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب، فسمّوا «بيت المطيّبين» .
_________________
(١) الشّرى: بثور صغار حمر حكّاكة مكربة.
(٢) أي: مسح بأصبعه.
[ ٨٦ ]
الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها.
ومعنى (السّكّة): طيب مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء.
وكان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته.
وكان ﷺ يضمّخ رأسه بالمسك.
وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب.
وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أعطي أحدكم الرّيحان.. فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» .
وعن أنس ﵁: كان أحبّ الرّياحين إليه ﷺ الفاغية.
[ ٨٧ ]
و(الفاغية): زهر الحنّاء.
وكان رسول الله ﷺ يعجبه الرّيح الطّيّبة.
وكان ﷺ يحبّ الطّيب والرّائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحضّ عليهما، ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم:
النّساء، والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» .
ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» .. لا أصل لها، ففي «المواهب»: قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:
إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوليّ العراقيّ في «أماليه»، وعبارته: (ليست هذه اللّفظة: وهي (ثلاث) في شيء من كتب الحديث وهي مفسدة للمعنى؛ فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا، وكذا صرّح به الزّركشيّ وغيره، كما حكاه شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ في «المقاصد الحسنة» - وأقرّه) اهـ وأنكره أيضا ابن القيّم.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب ويكره الرّائحة الرّديئة.
[ ٨٨ ]
الفصل السادس في صفة صوته ﷺ
عن أنس رضي الله تعالى عنه: ما بعث الله نبيّا إلّا حسن الوجه، حسن الصّوت، وكان نبيّكم أحسنهم وجها، وأحسنهم صوتا.
وكان صوت رسول الله ﷺ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره.
فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتّى أسمع العواتق «١» في خدورهنّ.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقال للنّاس: «اجلسوا»، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم، فجلس في مكانه.
وقال عبد الرّحمن بن معاذ التّيميّ رضي الله تعالى عنه: خطبنا
_________________
(١) جمع عاتق؛ وهي: الشابة أول ما تدرك، وقيل: التي لم تبن من والديها، ولم تتزوج، وقد أدركت وشبّت. وخصّهنّ بالذكر لبعدهنّ واحتجابهنّ في البيوت، فسماعهنّ اية علوّ صوته زيادة على غيره.
[ ٨٩ ]
رسول الله ﷺ بمنى، ففتح الله أسماعنا، حتّى إن كنّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا نسمع قراءة النّبيّ ﷺ في جوف اللّيل عند الكعبة، وأنا على عريشي.
وكان رسول الله ﷺ إذا خطب.. اشتدّ غضبه وعلا صوته، كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم.
[ ٩٠ ]
الفصل السّابع في صفة غضبه ﷺ وسروره
كان رسول الله ﷺ إذا غضب.. يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته.
وكان ﷺ إذا غضب.. احمرّت وجنتاه.
وكان ﷺ إذا غضب وهو قائم.. جلس، وإذا غضب وهو جالس.. اضطجع، فيذهب غضبه.
وكان ﷺ إذا غضب.. لم يجترئ عليه أحد إلّا عليّ.
وكان ﷺ أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا.
وكان ﷺ يغضب لربّه ﷿، ولا يغضب لنفسه.
وكان ينفّذ الحقّ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه.
وكان ﷺ إذا كره شيئا.. عرف ذلك في وجهه.
وأمّا سرور رسول الله ﷺ:
[ ٩١ ]
فقد كان ﷺ إذا سرّ.. استنار وجهه كأنّه القمر.
وكان ﷺ إذا سرّ.. فكأنّ وجهه المراة، وكأنّ الجدر يرى شخصها فيه.
[ ٩٢ ]
الفصل الثّامن في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه
[ضحك رسول الله ص]
كان رسول الله ﷺ إذا افترّ «١» ضاحكا.. افترّ عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، وعن مثل حبّ الغمام.
وكان ﷺ جلّ ضحكه التّبسّم.
وعن عبد الله بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ.
وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها أنّها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قطّ مستجمعا ضاحكا حتّى أرى منه لهواته «٢» .
وعن عبد الله بن الحارث أيضا قال: ما ضحك رسول الله ﷺ إلّا تبسّما.
_________________
(١) افترّ: أبدى أسنانه حالة كونه ضاحكا.
(٢) جمع لهاة؛ وهي: اللّحمة المشرفة على الحلق. والمعنى: ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك، أي: مطمئنا قاصدا للضحك الذي يغلب وقوعه للناس، بحيث يضحك ضحكا تاما، مقبلا بكليته على الضحك، إنما كان يبتسم، والتبسم أقل الضحك وأحسنه.
[ ٩٣ ]
وكان رسول الله ﷺ لا يحدّث حديثا إلّا تبسّم.
وكان ضحك أصحابه ﷺ عنده التبسّم من غير صوت، اقتداء به، وتوقيرا له، وكانوا إذا جلسوا عنده.. كأنّما على رؤوسهم الطّير.
وكان ﷺ إذا جرى به الضّحك.. وضع يده على فيه «١» .
وكان ﷺ من أضحك النّاس، وأطيبهم نفسا.
وورد في أحاديث أنّ النّبيّ ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه- أي: أضراسه- وإن كان الغالب من أحواله ﷺ التبسّم
فعن أبي ذرّ رضي الله [تعالى] عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعلم أوّل رجل يدخل الجنّة، واخر رجل يخرج من النّار، يؤتى بالرّجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا.. كذا وكذا، وهو مقرّ لا ينكر، وهو مشفق من كبارها، فيقال: أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوبا لا أراها ههنا» .
قال أبو ذرّ: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه.
_________________
(١) حتى لا يبدو شيء من باطن فمه، ولئلا يقهقه، وهذا كان نادرا.
[ ٩٤ ]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعرف اخر أهل النّار خروجا، رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنّة.
قال: فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: ربّ؛ قد أخذ النّاس المنازل، فيقال له: أتذكر الزّمان الّذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنّ.
قال: فيتمنّى، فيقال له: فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا.
قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك» .
قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: قال سعد رضي الله تعالى عنه: لقد رأيت النّبيّ ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه.
قال: قلت: كيف كان ضحكه؟
قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان الرّجل يقول كذا وكذا بالتّرس يغطّي جبهته «١»، فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه..
_________________
(١) أي: يفعل كذا وكذا بالترس، أي: يشير به يمينا وشمالا، والمراد بالقول هنا الفعل.
[ ٩٥ ]
رماه فلم يخطئ هذه منه- يعني: جبهته- وانقلب الرّجل وشال برجله «١»، فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت نواجذه. قال:
قلت: من أيّ شيء ضحك «٢»؟
قال: من فعله بالرّجل «٣» .
وعن عليّ بن ربيعة قال: شهدت عليّا رضي الله تعالى عنه أتي بدابّة ليركبها، فلمّا وضع رجله في الرّكاب.. قال: باسم الله. فلمّا استوى على ظهرها.. قال: الحمد لله، ثمّ قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: ١٣- ١٤] .
ثمّ قال: الحمد لله (ثلاثا)، والله أكبر (ثلاثا)، سبحانك إنّي ظلمات نفسي فاغفرلي؛ فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. ثمّ ضحك.
فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟
قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثمّ ضحك.
فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا رسول الله؟
_________________
(١) أي: صار أعلاه أسفله، وسقط على استه. وشال برجله: رفعها، والباء هنا للتعدية أو زائدة.
(٢) أي: من أجل أي سبب ضحك النبي ﷺ؛ هل من رمي سعد للرجل وإصابته؟ أو من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته؟ ولأجل هذا الاحتمال استفسر الراوي- وهو عامر- سعدا عن سبب ضحكه ﷺ.
(٣) أي: ضحك ﷺ من أجل رميه الرجل وإصابته؛ لا من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته، لأنه لا يليق بالنبي ﷺ، ولا ينبغي أن يضحك لهذا؛ بل لذاك.
[ ٩٦ ]
قال: «إنّ ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيره» .
[بكاء رسول الله ص]
وأمّا بكاء رسول الله ﷺ:
فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتّى تهملان «١»، ويسمع لصدره أزيز، يبكي: رحمة لميّت، و: خوفا على أمّته وشفقة، و: من خشية الله تعالى، و: عند سماع القران، و: أحيانا في صلاة اللّيل.
فعن عبد الله بن الشّخّير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل «٢» من البكاء.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ»، فقلت: يا رسول الله؛ أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . فقرأت سورة النّساء حتّى بلغت: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١] . قال:
فرأيت عيني رسول الله ﷺ تهملان.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله صلّى الله
_________________
(١) تسيل دمعها.
(٢) المرجل: قدر من النحاس، وقيل: كل قدر يطبخ فيه، وسمي بذلك لأنه إذا نصب فكأنه أقيم على رجلين.
[ ٩٧ ]
عليه وسلّم ابنة له صغيرة «١» تقضي «٢»، فاحتضنها فوضعها بين يديه، فماتت وهي بين يديه «٣» وصاحت أمّ أيمن، فقال: - يعني: النّبيّ ﷺ-: «أتبكين عند رسول الله؟!» . أي: بكاء محظورا مقترنا بالصّياح دالّا على الجزع. فقالت: ألست أراك تبكي؟
قال: «إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه؛ وهو يحمد الله ﷿» .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: شهدنا ابنة «٤» لرسول الله ﷺ ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان.
وعن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميّت، وهو يبكي.
هو أخوه من الرّضاعة «٥» .
وكانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان.
وكسفت الشّمس مرّة، فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة
_________________
(١) وهي: بنت بنته زينب، واسمها: أمامة.
(٢) تشرف على الموت.
(٣) أشرفت على الموت، ولم تمت حينئذ، بل عاشت بعده ﷺ حتى تزوجها علي بن أبي طالب، ومات﵁- عنها.
(٤) وهي: أم كلثوم ﵂.
(٥) وهذه الجملة من قول المصنف ﵀.
[ ٩٨ ]
وينفخ، ويقول: «يا ربّ؛ ألم تعدني ألاتعذّبهم وأنا فيهم، وهم يستغفرونك؟ ونحن نستغفرك يا ربّ» .
[عطاس رسول الله ص]
وأمّا عطاس رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ إذا عطس.. وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض بها صوته.
وكان ﷺ إذا عطس.. حمد الله، فيقال له:
يرحمك الله، فيقول: «يهداكم الله ويصلح بالكم» .
وكان ﷺ يكره العطسة الشّديدة في المسجد.
وكان ﷺ يكره رفع الصّوت بالعطاس.
أمّا التّثاؤب: فقد كان رسول الله ﷺ يكرهه من غيره، وقد حفظه الله تعالى منه، وما تثاءب نبيّ قطّ.
[ ٩٩ ]
الفصل التّاسع في صفة كلامه ﷺ وسكوته
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن فصل، يحفظه من جلس إليه.
وكان في كلامه ﷺ ترتيل.
وكان كلامه ﷺ يحفظه كلّ من سمعه.
وكان ﷺ إذا تكلّم بكلمة.. أعادها ثلاثا حتّى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم.. سلّم عليهم ثلاثا.
وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء.
وكان ﷺ يحدّث حديثا، لو عدّه العادّ.. لأحصاه.
وكان ﷺ طويل الصّمت.
وكان ﷺ كثير السّكوت، لا يتكلّم في غير حاجة، ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل.
وكان ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه.
[ ١٠٠ ]
وكان ﷺ نزر الكلام، سمح المقالة، يعيد الكلام مرّتين ليفهم.
وكان ﷺ كلامه كخرزات النّظم.
وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح، ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها.
وكان ﷺ يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين.
[ ١٠١ ]
الفصل العاشر في صفة قوّته ﷺ
كان رسول الله ﷺ شديد البطش.
وعن ابن إسحاق وغيره: أنّه كان بمكّة رجل شديد القوّة يحسن الصّراع، وكان النّاس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، فبينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكّة إذ لقيه رسول الله ﷺ، فقال له: «يا ركانة؛ ألا تتّقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟» .
فقال له: يا محمّد؛ هل من شاهد يدلّ على صدقك؟
فقال: «أرأيتك إن صرعتك، أتؤمن بالله ورسوله؟» .
قال: نعم يا محمّد.
فقال له: «تهيّأ للمصارعة» .
فقال: تهيّأت.
فدنا رسول الله ﷺ فأخذه، ثمّ صرعه.
قال: فتعجّب ركانة من ذلك، ثمّ سأله الإقالة والعود، ففعل به ثانيا وثالثا، فوقف ركانة متعجّبا، وقال: إنّ شأنك لعجيب.
وقد صارع النّبيّ ﷺ جماعة غير ركانة، منهم أبو
[ ١٠٢ ]
الأسود الجمحيّ، وكان شديدا، بلغ من شدّته أنّه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرّى الجلد «١»، ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني.. امنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن.
وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع:
فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: إنّه كان ﷺ يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار؛ وهنّ إحدى عشرة.
وأخرج ابن منيع: أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة.
وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتاني جبريل بقدر فأكلت منها، فأعطيت قوّة أربعين رجلا في الجماع» .
وعن طاووس ومجاهد: أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع.
وفي رواية عن مجاهد: قوّة بضع وأربعين رجلا من أهل الجنّة.
وعن زيد بن أرقم رفعه: «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مئة في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» .
_________________
(١) يتفرّى: ينشقّ ويتقطّع.
[ ١٠٣ ]
الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه
وفيه ستّة فصول
[ ١٠٥ ]