الفصل الأوّل في صفة خلقه ﷺ وحلمه
[صفة خلق رسول الله ص]
قال القاضي عياض في «الشّفا»: (قال وهب بن منبّه: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها: أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس عقلا، وأفضلهم رأيا.
وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها: أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) .
وذكر القسطلّانيّ في «المواهب»، عن «عوارف المعارف»:
(اللّبّ والعقل مئة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ، وجزء في سائر المؤمنين.
قال: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين هم كالوحش الشّارد، مع الطّبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم واباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحبّاءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سير
[ ١٩٥ ]
الماضين.. تحقّق له أنّه أعقل العالمين.
ولمّا كان عقله ﵊ أوسع العقول.. لا جرم اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا، لا يضيق عن شيء) .
كان رسول الله ﷺ خلقه القران.
قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء»: (قال سعد بن هشام: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ؟
فقالت: أما تقرأ القران؟!
قلت: بلى.
قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القران.
وإنّما أدّبه القران بمثل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] .
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] .
وقوله: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧] .
وقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] .
وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] .
وقوله: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: ١٢]) .
[ ١٩٦ ]
وأمثال هذه التّأديبات في القران لا تنحصر.
وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب، ثمّ منه يشرق النّور على كافّة الخلق؛ فإنّه أدّب بالقران فتأدّب به، وأدّب الخلق به؛ ولذلك قال ﷺ: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» .
ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه.. أثنى عليه فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
ثمّ قال الغزاليّ: (وعن معاذ بن جبل، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» .
ومن ذلك: حسن المعاشرة، وكرم الصّنيعة، ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، وعيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا، وتشييع جنازة المسلم، وحسن الجوار لمن جاورت؛ مسلما كان أو كافرا، وتوقير ذي الشّيبة المسلم، وإجابة دعوة الطّعام، والدّعاء عليه، والعفو، والإصلاح بين النّاس، والجود، والكرم، والسّماحة، والابتداء بالسّلام، وكظم الغيظ، والعفو عن النّاس، واجتناب ما حرّمه الإسلام من اللهو، والباطل، والغناء، والمعازف كلّها، وكلّ ذي وتر، وكلّ ذي ذحل، والغيبة، والكذب، والبخل، والشّحّ، والجفاء، والمكر، والخديعة، والنّميمة، وسوء ذات البين، وقطيعة الأرحام، وسوء الخلق والتّكبّر، والفخر، والاختيال، والاستطالة، والبذخ، والفحش، والتّفحّش، والحقد، والحسد، والطّيرة، والبغي، والعدوان، والظّلم.
[ ١٩٧ ]
قوله وتر: (الوتر): الثّأر.
و(الذّحل): الحقد والعداوة، والثأر أيضا.
قال أنس ﵁: فلم يدع نصيحة جميلة إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا، أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الاية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] .
وقال معاذ: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السّلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتّفقّه في القران، وحبّ الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك أن تسبّ حكيما، أو تكذّب صادقا، أو تطيع اثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا..
وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكلّ ذنب توبة؛ السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية») .
فهكذا أدّب [ﷺ] عباد الله، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاداب.
وعن الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: سألت خالي هند بن
[ ١٩٨ ]
أبي هالة «١» - وكان وصّافا- عن حلية رسول الله ﷺ- وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا- فقال:
كان رسول الله ﷺ فخما، مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر فذكر الحديث بطوله.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ.
فقال: كان إذا أوى إلى منزله.. جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزأ لله، وجزأ لأهله، وجزأ لنفسه.
ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس، فيردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر عنهم شيئا.
وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما يصلحهم والأمّة، من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنّه من أبلغ
_________________
(١) وهو أخو السيدة فاطمة الزهراء من أمها خديجة رضي الله تعالى عنهما.
[ ١٩٩ ]
سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها.. ثبّت الله قدميه يوم القيامة»؛ لا يذكر عنده إلّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.
يدخلون روّادا- أي: طلّابا- ولا يفترقون إلّا عن ذواق «١»، ويخرجون أدلّة؛ يعني: على الخير.
قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم؛ من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لكلّ حال عنده عتاد- أي: شيء معدّ ومهيّأ- لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه، الّذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم.. جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه.
من جالسه أو فاوضه في حاجة.. صابره حتّى يكون هو المنصرف
_________________
(١) ذواق- من الذوق- وهو: إما حسي للأجساد كالطعام والشراب، أو معنوي للأرواح كالأدب والعلم والخير.
[ ٢٠٠ ]
عنه، ومن سأله حاجة.. لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول.
قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحقّ سواء.
مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته «١» . متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ﷿، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه.
وكان ﷺ أحسن النّاس خلقا.
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق.
وعرّفوا (حسن الخلق) بأنّه: مخالطة النّاس بالجميل، والبشر، واللّطافة، وتحمّل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم، والصّبر، وترك التّرفّع والاستطالة عليهم، وتجنّب الغلظة والغضب والمؤاخذة.
وعن عليّ كرّم الله وجهه: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا، وأوسع النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة..
أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله [ﷺ] .
_________________
(١) أي: لا تشاع ولا تذاع. هذا في ظاهر اللفظ: والأولى جعل النفي منصبّا على الفلتات نفسها، لا وصفها.. فالمعنى: لا فلتات فيه أصلا. وهو من نفي الشيء بإيجابه، وهو من مستطرفات علم البيان.
[ ٢٠١ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس، وأورع النّاس، وأزهد النّاس، وأكرم النّاس، وأعدل النّاس، وأحلم النّاس، وأعفّ النّاس، لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ.
وعن أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس.
وكان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس.
وكان ﷺ أصبر النّاس على أقذار النّاس.
وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ.
قال: ماذا أحدّثكم؟ كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي.. بعث إليّ فكتبته له، فكنّا إذا ذكرنا الدّنيا.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة..
ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام.. ذكره معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ؟!.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر بين يديه أحيانا، ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة، ويضحكون، فيتبسّم هو إذا ضحكوا، ولا يزجرهم إلّا عن حرام.
[ ٢٠٢ ]
وكان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه، وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم. ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه.
وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له.
قالوا: وقد جاءه أعرابيّ يوما؛ وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد أن يسأله، فقالوا: لا تفعل يا أعرابيّ، فإنّا ننكر لونه.
فقال: دعوني، فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم.
فقال: يا رسول الله؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني: الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد وقد هلكوا جوعا.. أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب في ثريده حتّى إذا تضلّعت شبعا.. امنت بالله وكفرت به؟!
قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه.
ثمّ قال: «لا، بل يغنيك الله بما أغنى به المؤمنين» .
وكان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه، وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا» .
وكان ﷺ إذا فقد الرّجل من إخوانه ثلاثة أيّام.. سأل عنه، فإن كان غائبا.. دعا له، وإن كان شاهدا.. زاره، وإن كان مريضا.. عاده.
[ ٢٠٣ ]
وكان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة؛ حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من البشاشة؛ حتّى يظنّ أنّه أكرم النّاس عليه.
وعن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشرّ القوم يتألّفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتّى ظننت أنّي خير القوم. فقلت:
يا رسول الله؛ أنا خير، أو أبو بكر؟
فقال: «أبو بكر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟!
فقال: «عمر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟
فقال: «عثمان» .
فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني.. فلوددت أنّي لم أكن سألته.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه، حتّى كأنّ مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه للجالس إليه.
ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة.
[ ٢٠٤ ]
قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ال عمران: ١٥٩] .
وكان ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ:
أنّه كان عنده رجل به أثر صفرة. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلمّا قام.. قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصّفرة» .
قال الباجوريّ: (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنّه قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: «إنّ هذين من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
وفي رواية: قلت: أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» .
ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على الزّجر.
وهذا يدلّ على ما عليه بعض العلماء من تحريم المعصفر، والجمهور على كراهته) اهـ
وكان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه، ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا.
وكان ﷺ إذا بلغه عن الرّجل الشّيء.. لم يقل: «ما
[ ٢٠٥ ]
بال فلان يقول؟!. ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون.. كذا وكذا؟!» .
وكانت معاتبته ﷺ تعريضا: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..؟!» ونحو ذلك.
وكان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق.. لم يدع أحدا يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق.
وكان ﷺ لا يأخذ بالقرف، ولا يقبل قول أحد على أحد.
و(القرف): التّهمة.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول: «لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» .
وكان ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره..
قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» .
وكان ﷺ إذا لقي أصحابه.. لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم.
وكان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه.. قام معه، ولم ينصرف حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده.. ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه حتّى يكون
[ ٢٠٦ ]
الرّجل هو الّذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول أذنه- أي: ليكلّمه سرّا-.. ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه؛ أي: لا ينحّي أذنه عن فمه حتّى يفرغ الرّجل من حديثه.
وكان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه.. مسحه ودعا له.
وكان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم..
إلّا قال ﷺ: «لبّيك» .
وكان ﷺ يكنّي أصحابه ويدعوهم بالكنى، وبأحبّ أسمائهم؛ إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، ويكنّي من لم تكن له كنية، ويكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدئ لهنّ الكنى، ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم.
وكان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان.. سلّم عليهم، ثمّ باسطهم.
وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. تلقّي بصبيان أهل بيته.
وكان ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان والعيال.
وكان ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم، ويحنّكهم، ويدعو لهم.
وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم.
[ ٢٠٧ ]
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف»، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي.
وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة، ويقول: «يا زوينب؛ يا زوينب» (مرارا) .
وكان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما»، وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض.
ودخل الحسن- وهو ﷺ قد سجد- فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ.. قال له بعض أصحابه: يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟
قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله»؛ أي: جعلني كالرّاحلة، فركب على ظهري.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره.
وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن بن عليّ، ووضع رجليه على ركبتيه وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ، عين بقّه حزقّة حزقّه» .
قال في «لسان العرب»: (وفي الحديث أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
[ ٢٠٨ ]
وسلّم كان يرقّص الحسن أو الحسين؛ ويقول: «حزقّة.. حزقّة، ترقّ عين بقّه» .
(الحزقّة): الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف، فكان يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ.
قال ابن الأثير: ذكرها له على سبيل المداعبة والتّأنيس له.
و(ترقّ) بمعنى: اصعد.
و(عين بقّة): كناية عن صغر العين) اهـ
وكان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم، وكان يكرم ذوي رحمه، ويصلهم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم.
وكان ﷺ يكرم بني هاشم.
وكان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس.
وكان ﷺ يجلّ العبّاس إجلال الولد للوالد.
وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام، وإذا أخذ بيده..
سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف.
وكان ﷺ إذا ودّع رجلا.. أخذ بيده، فلا ينزعها حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» .
وكان ﷺ لا يجلس إليه أحد وهو يصلّي.. إلّا خفّف
[ ٢٠٩ ]
صلاته وأقبل عليه فقال: «ألك حاجة؟»، فإذا فرغ.. عاد إلى صلاته.
وكان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه، حتّى ربّما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع، يجلسه عليه.
وكان ﷺ يؤثر الدّاخل عليه بالوسادة التي تكون تحته فإن أبي أن يقبلها.. عزم عليه حتّى يقبل.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: «أفّ» قطّ، وما قال لشيء صنعته: «لم صنعته؟»، ولا لشيء تركته: «لم تركته؟» .
وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين- خدمته عشر سنين- فما لامني على شيء قطّ، فإن لامني لائم من أهله.. قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء..
كان» .
وفي «المصابيح»: عن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا: كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله لا أذهب- وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ- فخرجت حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي. قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس؛ أذهبت حيث أمرتك؟»، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كنت أمشي مع النّبيّ
[ ٢١٠ ]
ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه جبذة شديدة رجع نبيّ الله في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته.
ثمّ قال: يا محمّد؛ مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء.
وكان ﷺ هينا لينا، ليس بفظّ ولا غليظ.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا متفحّشا، ولا صخّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح.
و(الصّخب): شدّة الصّوت.
وفي «الإحياء»: قد وصفه الله تعالى في «التّوراة» قبل أن يبعثه فقال: (محمّد رسول الله عبدي المختار؛ لا فظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، مولده بمكّة، وهجرته بطابة، وملكه بالشّام، يأتزر على وسطه، هو ومن معه دعاة للقران والعلم، يتوضّأ على أطرافه) .
وكذلك نعته في «الإنجيل» .
وكان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء.
[ ٢١١ ]
وكان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه، ولو فعل ما فعل.
وكان ﷺ إذا اذاه أحد.. يعرض عنه، ويقول:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
وكان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره، وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي، فيحتمله ولا يؤاخذ.
وكان ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد.. عدل عن الدّعاء عليه ودعا له.
وما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادما قطّ ولا غيرهما؛ إلّا أن يكون في الجهاد.
قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه.. يقول ﷺ: «لولا خشية القصاص يوم القيامة.. لأوجعتك بهذا السّواك» .
ولمّا كسرت رباعيته «١» ﷺ وشجّ وجهه يوم أحد..
شقّ ذلك على أصحابه شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا؛ ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلّى الله
_________________
(١) هي: السّنّ التي بين الثنية والنّاب.
[ ٢١٢ ]
عليه وسلّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء.. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثما، فإن كان إثما.. كان أبعد النّاس منه. وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ﷿؛ فحينئذ يغضب، ولا يقوم لغضبه شيء حتّى ينتصر للحقّ، وإذا غضب..
أعرض وأشاح.
والقريب والبعيد والقويّ والضّعيف.. عنده في الحقّ سواء.
قوله (أشاح) أي: أعرض بوجهه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال: «بئس ابن العشيرة»، أو «أخو العشيرة» .
ثمّ أذن له، فلمّا دخل.. ألان له القول.
فلمّا خرج.. قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس، أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» .
قال في «المواهب»: (هذا الرّجل هو عيينة بن حصن الفزاريّ، وكان يقال له: (الأحمق المطاع) .
وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على
[ ٢١٣ ]
ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة.
وأمّا إلانة القول بعد أن دخل.. فعلى سبيل الائتلاف والمداراة.
وهي مباحة، وربّما استحسنت بخلاف المداهنة.
والفرق بينهما أنّ المداراة: بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو الدّين، أو هما معا.
والمداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا.
والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، وفعله معه حسن عشرة، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب، ثمّ رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه) اهـ
وقال ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة»، في اخر ترجمة مخرمة بن نوفل رضي الله تعالى عنه: (روى النّضر بن شميل قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز، عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ صوته.. قال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا جاء.. أدناه، فقلت: يا رسول الله؛ قلت له ما قلت «١»، ثمّ ألنت له القول؟
_________________
(١) أي: لأجله وفي شأنه، لا أنه خاطبه مباشرة؛ لفساد المعنى.
[ ٢١٤ ]
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه» .
أخرجه الثّلاثة.
قال: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم، وكان في لسانه فظاظة، وكان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) اهـ
والظّاهر أنّ ما ذكره ابن الأثير من أنّ صاحب هذه القصّة هو مخرمة بن نوفل هو الصّحيح، أو: تكّررت.
وعن الحسن بن عليّ [رضي الله تعالى عنه] قال: قال الحسين:
سألت أبي عن سيرة النّبيّ ﷺ في جلسائه.. فقال:
كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مشاحّ، يتغافل عمّا لا يشتهي؛ ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيبه؛ ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم.. أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت.. تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّم عنده..
أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها.. فارفدوه» «١» .
_________________
(١) ارفدوه: أعينوه على حاجته وساعدوه حتى يصل إليها.
[ ٢١٥ ]
ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز «١» فيقطعه بنهي، أو قيام.
[حلم رسول الله ص]
وأمّا حلم رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ أحلم النّاس، وأرغبهم في العفو مع القدرة، حتّى أتي بقلائد من ذهب أو فضّة، فقسمها بين أصحابه، فقال أعرابيّ: ما أراك تعدل، قال: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي؟!»، فلمّا ولّى.. قال: «ردّوه عليّ رويدا» .
وكان رسول الله ﷺ يقبض للنّاس يوم [حنين] «٢»، من فضّة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل.
فقال رسول الله ﷺ: «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت إذا وخسرت إن كنت لا أعدل» .
فقام عمر فقال: ألا أضرب عنقه؟ فإنّه منافق.
فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي» .
وقسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.
فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ.. فاحمرّ وجهه وقال:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
_________________
(١) أي: يتجاوز الحد أو الحق.
(٢) في نسخة: خيبر.
[ ٢١٦ ]
وبال أعرابيّ في المسجد بحضرته، فهمّ به أصحابه، فقال ﷺ: «لا تزرموه»؛ أي: لا تقطعوا عليه البول.
ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» .
وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا» .
وجاء أعرابيّ يطلب منه شيئا، فأعطاه ﷺ، ثمّ قال له: «احسنت إليك؟» .
قال الأعرابيّ: لا، ولا أجملت.
فغضب المسلمون، وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كفّوا.
ثمّ قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا، ثمّ قال له:
«احسنت إليك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال له النّبيّ ﷺ: «إنّك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ حتّى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» .
قال: نعم.
فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال، فزدناه فزعم أنّه رضي ذلك، أكذلك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
[ ٢١٧ ]
فقال ﷺ: «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتّبعها النّاس؛ فلم يزيدوها إلّا نفورا فناداهم صاحب النّاقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم، فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فردّها هونا هونا حتّى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقتلتموه دخل النّار» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد على صفحة عاتقه، ثمّ قال: يا محمّد؛ أحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك.
فسكت النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «المال مال الله، وأنا عبده»، ثمّ قال: «ويقاد منك يا أعرابيّ «١» ما فعلت بي» . قال:
لا. قال: «لم؟»، قال: لأنّك لا تكافئ بالسّيّئة السّيّئة.
فضحك النّبيّ ﷺ، ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الاخر تمر.
وروى الطّبرانيّ وابن حبّان والحاكم والبيهقيّ عن زيد بن سعنة- وهو كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى: أجلّ أحبار اليهود الّذين أسلموا- أنّه
_________________
(١) أي: أتجازى على ترك أدبك.
[ ٢١٨ ]
قال: لم يبق من علامات النّبوّة شيء إلّا وقد عرفته في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أخبرهما «١» منه:
١- يسبق حلمه جهله، ٢- ولا تزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما.
فكنت أتلطّف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل، فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ «٢» الأجل بيومين أو ثلاثة.. أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه [على عنقه]، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد حقّي؟! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل.
فقال عمر: أي عدوّ الله؛ أتقول لرسول الله ما أسمع، فو الله لولا ما أحاذر [فوته] «٣» .. لضربت بسيفي رأسك.
ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون وتؤدة، وتبسّم.
ثمّ قال: «أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أن تأمرني بحسن [الأداء]، وأن تأمره بحسن [التّباعة]، اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته» . ففعل.
فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أختبرهما: يسبق
_________________
(١) في نسخة: لم أجدهما.
(٢) أي: وقت.
(٣) وهو: بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه.
[ ٢١٩ ]
حلمه جهله، ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك أنّي قد رضيت بالله ربّا؛ وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا.
قال القاضي عياض في «الشّفا»: (وحسبك ما ذكرناه ممّا في «الصّحيح» والمصنّفات الثّابتة، ممّا بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهليّة، ومصابرة الشّدائد الصّعبة معهم، إلى أن أظفره الله تعالى عليهم- يعني: بفتح مكّة- وحكّمه فيهم وهم لا يشكّون في استئصال شأفتهم «١»، وإبادة خضرائهم- أي: إهلاك جماعتهم- فما زاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون أنّي فاعل بكم؟»، قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء» .
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم صلاة الصّبح ليقتلوا رسول الله ﷺ، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح: ٢٤] .
وقال [ﷺ] لأبي سفيان- وقد سبق إليه بعد أن جلب عليه الأحزاب، وقتل عمّه وأصحابه ومثّل بهم، فعفا عنه، ولاطفه في القول- وقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ألاإله
_________________
(١) أي: إزالتهم من أصلهم.
[ ٢٢٠ ]
إلّا الله؟!»، فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك) .
وقال الإمام النّوويّ في «التهذيب»: (قد جمع الله ﷾ له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشّيم، واتاه علم الأوّلين والاخرين، وما فيه النّجاة والفوز؛ وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر، واتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع الأوّلين والاخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها؛ فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها، وكان كما وصفه الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] اهـ
[ ٢٢١ ]
الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهن
كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه.. ألين النّاس، وأكرم النّاس، ضحّاكا بسّاما.
وكان ﷺ من أفكه النّاس.
قال المناويّ: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة.
فقال: «أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجنّ في الجاهليّة، فمكث فيهم دهرا، ثمّ ردّوه إلى الإنس، فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب، فقال النّاس: (حديث خرافة)» .
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف ابنته فاطمة الزّهراء،
[ ٢٢٢ ]
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا.
و(العرف): أعلى الرأس، ويطلق على الرّقبة.
وكان ﷺ مع أصحابه وأزواجه كواحد منهم، وكان حسن المعاشرة.
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: كنت إذا هويت شيئا..
تابعني ﷺ عليه. وكنت إذا شربت من الإناء.. أخذه فوضع فمه على موضع فمي وشرب، وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم، وكان يتّكئ في حجري ويقرأ القران.
وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع؛ وهو: أنّ إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا، فوصفت كلّ واحدة زوجها، فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقال لي رسول الله ﷺ: «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» .
وكان ﷺ يسرّب «١» إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار يلعبن معها.
وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون في المسجد، وهي متّكئة على منكبه.
_________________
(١) يسرّب: يرسل.
[ ٢٢٣ ]
وروي: أنّه ﷺ سابقها، فسبقته، ثمّ سابقها بعد ذلك، فسبقها وقال: «هذه بتلك» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، إذ أتي بصحفة خبز ولحم من بيت أمّ سلمة، فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ، فقال: «ضعوا أيديكم»، فوضع نبيّ الله ﷺ [يده]، ووضعنا أيدينا، فأكلنا وعائشة تصنع طعاما عجّلته، وقد رأت الصّحفة الّتي أتي بها، فلمّا فرغت من طعامها.. جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ:
«كلوا باسم الله؛ غارت أمّكم» . ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال:
«طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» . رواه الطّبرانيّ في «الصّغير» .
وهو عند البخاريّ بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت الّتي [النّبيّ] في بيتها يد الخادم، فسقطت الصّحفة فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة، ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة ويقول: «غارت أمّكم»، ثمّ حبس الخادم، حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة إلى الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة والنّبيّ ﷺ بيني
[ ٢٢٤ ]
وبينها؛ فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لألطّخنّ بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها، فضحك رسول الله ﷺ.
و(الخزيرة): لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق.
وكان ﷺ إذا غضبت عائشة.. عرك بأنفها وقال:
«يا عويش؛ قولي: اللهمّ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن» .
وكان ﷺ إذا أتي بهديّة قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنّها كانت صديقة لخديجة- رضي الله تعالى عنها- إنّها كانت تحبّ خديجة» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة رضي الله تعالى عنها لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشّاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها فارتاح لها، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها وأحسن السّؤال عنها، فلمّا خرجت قال:
«إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
قال القسطلّانيّ: (وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ، وإن أقام عليهنّ قسطاس عدل أقامه من غير قلق، ولا غضب.
وبالجملة: فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه
[ ٢٢٥ ]
وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين..
علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق، وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق
إلى غير ذلك) .
[ ٢٢٦ ]
الفصل الثّالث في صفة أمانته ﷺ وصدقه
كان رسول الله ﷺ امن النّاس، وأصدقهم لهجة منذ كان.
قال تعالى: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] .
أكثر المفسّرين على أنّه محمّد ﷺ.
وكانت تسمّيه قريش قبل نبوّته: (الأمين) .
ولمّا اختلفوا عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر.. حكّموا أوّل داخل عليهم، فإذا بالنّبيّ ﷺ داخل، وذلك قبل نبوّته، فقالوا: (هذا محمّد الأمين.. قد رضينا به) .
وقال ﷺ: «والله إنّي لأمين في السّماء، أمين في الأرض» .
وورد أنّ أبا جهل قال للنّبيّ ﷺ: إنّا لا نكذّبك، وما أنت فينا بمكذّب، ولكن نكذّب بما جئت به. فأنزل الله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
[ ٢٢٧ ]
وقيل: إنّ الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم؛ ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمّد:
صادق، أم كاذب؟ فقال أبو جهل: والله إنّ محمّدا لصادق، وما كذب محمّد قطّ.
وسأل هرقل عنه ﷺ أبا سفيان فقال: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.
وقال النّضر بن الحارث لقريش: قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا؛ أرضاكم فيكم «١»، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتّى إذا رأيتم في صدغيه الشّيب وجاءكم بما جاءكم به.. قلتم ساحر؟! لا والله ما هو بساحر.
وفي حديث عليّ ﵁- في وصفه ﵊-:
أصدق النّاس لهجة.
_________________
(١) أي: ترضون أفعاله وأحواله.
[ ٢٢٨ ]
الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه
[حياء رسول الله ص]
عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه.
وكان ﷺ أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد.
وكان ﷺ يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض.
وكان ﷺ إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ.
[ ٢٢٩ ]
[مزاح رسول الله ص]
وأمّا مزاح رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم، ولا يقول إلّا حقّا.
وكان ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ.
وكان ﷺ إذا مزح.. غضّ بصره.
وكان ﷺ فيه دعابة قليلة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين»؛ يعني: يمازحه «١» .
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» .
قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح.
وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» .
وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان.
وإنّما قال له النّبيّ ﷺ: «يا أبا عمير؛ ما فعل
_________________
(١) أي: يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتا.
[ ٢٣٠ ]
النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ ﷺ فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .
و(النّغير): طائر كالعصفور، أحمر المنقار.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال: «نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا استحمل رسول الله ﷺ، فقال: «إنّي حاملك على ولد ناقة»، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال: «وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا «٢» - وكان يهدي إلى النّبيّ ﷺ هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ زاهرا باديتنا؛ ونحن حاضرته»، وكان ﷺ يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ ﷺ، فجعل لا يألو
_________________
(١) المقصود أنه ﷺ أراد أن يحمله على راحلة كبيرة، وهي بالأصل ولد الناقة فلو تدبر الرجل اللفظ لما قال ذلك.
(٢) ابن حرام الأشجعي.
[ ٢٣١ ]
ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ ﷺ حين عرفه، فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد؟»، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ ﷺ:
«لكن عند الله لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند الله غال» .
و(الدّميم): قبيح الوجه.
وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا «١» كان يهدي للنّبيّ ﷺ العكّة «٢» من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ ﷺ، فقال: أعط هذا حقّ متاعه، فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى.
وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة «٣» إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه..
جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول: «ألم تهده لي؟!»، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز «٤» النّبيّ صلّى الله
_________________
(١) هو عبد الله الملقب ب (حمار) بلفظ الحيوان المعروف.
(٢) انية السمن أصغر من القربة.
(٣) أي: ما يستملح ويعجب.
(٤) قيل: إنها صفية بنت عبد المطلب، أم الزبير بن العوام ﵄.
[ ٢٣٢ ]
عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال:
«يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال: فولّت تبكي، فقال:
«أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا. عُرُبًا أَتْرابًا» [الواقعة: ٣٥- ٣٧] .
[ ٢٣٣ ]
الفصل الخامس في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتكائه
[تواضع رسول الله ص]
كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا.
وكان ﷺ متواضعا في غير مذلّة.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد الله ورسوله)» .
و(الإطراء): هو مجاوزة الحدّ في المدح.
وكان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه.
وكان ﷺ لا يأتيه أحد من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين.. إلّا قام معه في حاجته.
وكان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.
وكان ﷺ يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة
[ ٢٣٤ ]
ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة جاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» .
وكان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟»، فإن قالوا: لا.. قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟»، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» .
وكان ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وكان ﷺ يعود مرضى المساكين الّذين لا يؤبه لهم، ويخدمهم بنفسه ﷺ، وكان ﷺ يجيب من دعاه؛ من غنيّ أو فقير أو شريف، ولا يحتقر أحدا.
وكان ﷺ يجيب إلى الوليمة، ويشهد الجنائز.
وكان ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه
[ ٢٣٥ ]
وسلّم يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد.
وكان يوم نبي قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف.
و(الخطام): الزّمام.
و(الإكاف): البرذعة «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة، فيجيب، ولقد كان له درع عند يهوديّ فما وجد ما يفكّها حتّى مات.
و(الإهالة السّنخة) وفي رواية: الزّنخة؛ هي: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أهدي إليّ كراع.. لقبلت، ولو دعيت عليه..
لأجبت» .
وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال:
«اللهمّ؛ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» .
و(القطيفة): كساء له خمل.
هذا.. وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مئة بدنة.
_________________
(١) أي: ما يوضع على الحمار ليركب عليه، كالسرج للفرس.
[ ٢٣٦ ]
ولمّا فتحت عليه مكّة ودخلها بجيوش المسلمين.. طأطأ على رحله رأسه حتّى كاد يمسّ قادمته «١»؛ تواضعا لله تعالى.
وكان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا، ومرّة بعيرا، ومرّة بغلة، ومرّة حمارا، ومرّة يمشي راجلا حافيا، بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة.
وكان ﷺ يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.
وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة، وعريانة أخرى، وكان يجري بها في بعض الأحيان.
وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا.
وكان ﷺ يتوكّأ إذا مشى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون «٢» .
وكان ﷺ يردف خلفه عبده أو غيره، وتارة يردف خلفه وقدّامه، وهو في الوسط.
ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه، واخر خلفه.
وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما قال: زارنا
_________________
(١) أي: مقدمة رحله.
(٢) البرذون: الفرس الأعجمي.
[ ٢٣٧ ]
رسول الله ﷺ، فلمّا أراد الانصراف.. قرّب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب ﷺ، ثمّ قال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ: «اركب»، فأبيت، فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف»، فانصرفت. وفي رواية أخرى: «اركب أمامي؛ فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» .
وفي «المواهب»: (عن المحبّ الطّبريّ: أنّه ﷺ ركب حمارا عريا إلى قباء «١»، وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، قال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب»، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ، فوقعا [جميعا]، ثمّ ركب ﷺ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، قال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب»، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ لا رميتك ثالثا.
وذكر الطّبريّ أيضا: أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ
_________________
(١) يؤنث ويذكر، ويمدّ ويقصر، ويصرف ويمنع، والأفصح: التذكير والصرف مع المدّ.
[ ٢٣٨ ]
طبخها، فقال رسول الله ﷺ: «عليّ جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميّز عليكم، فإنّ الله ﷾ يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه») .
وقال في «الشّفا»: (عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه [قال]: وفد وفد النّجاشيّ، فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم» .
ولمّا جيء بأخته من الرّضاعة الشّيماء في سبايا هوازن، وتعرّفت له.. بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك»، فاختارت قومها، فمتّعها «١» .
وقال أبو الطّفيل رضي الله تعالى عنه «٢»: رأيت النّبيّ ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته.
وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرّضاعة «٣»، فوضع له بعض ثوبه، فقعد
_________________
(١) أي: أعطاها زادا ومالا.
(٢) عامر بن واثلة الكناني.
(٣) وهو: الحارث بن عبد العزى ﵁.
[ ٢٣٩ ]
عليه. ثمّ أقبلت أمّه «١»، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الاخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة «٢»، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
وكان ﷺ يبعث إلى ثوبية- مولاة أبي لهب- مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟»، فقيل: لا أحد) .
وكان ﷺ يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين «٣» .
وكان له ﷺ عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
وكان ﷺ يأكل مع خدمه.
وكان ﷺ يجلس مع الفقراء.
وكان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين، ويفلي ثيابهم «٤» .
وكان ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله «٥»، ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم «٦» .
_________________
(١) أي: حليمة السعدية ﵂.
(٢) وهو: عبد الله بن الحارث بن عبد العزى ﵄.
(٣) أي: بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة.
(٤) أي: يزيل ما فيها من القمل.
(٥) أي: يخرز طاقا على طاق.
(٦) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس؛ إرشادا للتواضع وترك التكبّر.
[ ٢٤٠ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا، وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة، وكان يصنع كما يصنع احاد النّاس، يشيل هذا، ويحطّ هذا، ويقمّ البيت، ويقطّع اللّحم، ويعين الخادم.
وكان ﷺ يركب الحمار، ويخصف النّعل، ويرقع القميص، ويلبس الصّوف، ويقول: «من رغب عن سنّتي.. فليس منّي» .
وكان ﷺ يعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السّوق.
و(النّاضح): البعير يستقى عليه، ثمّ استعمل في كلّ بعير.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت السّوق مع رسول الله ﷺ، فاشترى سراويل وأخذه، فذهبت لأحمله، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ، قال: وكانوا إذا رأوه.. لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك.
[ ٢٤١ ]
[جلوس رسول الله ص]
وأمّا جلوس رسول الله ﷺ:
فعن خارجة بن زيد رضي الله [تعالى] عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه؛ لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه «١» .
وكان مجلسه ﷺ مجلس حلم وحياء، وأمانة وصيانة، وصبر وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، يتعاطفون فيه بالتّقوى، ويتواضعون، ويوقّر الكبار، ويرحم الصّغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلّة على الخير.
قوله: (لا تؤبن فيه الحرم) أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح، ويصان مجلسه عن الرّفث، وما يقبح ذكره.
وكان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل عنه. فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا ليعرفه الغريب فقال: «افعلوا ما بدا لكم»، فبنوا له دكّانا من طين، فكان يجلس عليها.
و(الدّكّان) - كالدّكّة-: المكان المرتفع يجلس عليه، وهو المسطبة.
وكان ﷺ إذا جلس.. جلس إليه أصحابه حلقا حلقا.
وكان ﷺ لا يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل من
_________________
(١) أي: أطراف بدنه؛ كرجليه.
[ ٢٤٢ ]
أصحابه، فيدلك بها وجهه وجلده. وكان ﷺ إذا توضّأ.. كادوا يقتتلون على وضوئه؛ أي: الماء الّذي يتوضّأ به.
وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده.. يخفضون أصواتهم، وإذا نظروا إليه.. لا يحدّون النّظر؛ تعظيما له ﷺ.
وكان ﷺ يتخوّل «١» أصحابه بالموعظة.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد.. احتبى بيديه.
قوله: (احتبى) الاحتباء: أن يجلس على ألييه ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها عليهما وعلى ظهره.
و(اليدان) بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة.
وكان أكثر جلوسه: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة.
وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه؛ لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس.
وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه يضيّق بهما على أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا.
وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة.
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها: أنّها رأت رسول الله
_________________
(١) أي: يتعهد أصحابه بالنصائح المفيدة؛ حينا بعد حين؛ مخافة السامة عليهم.
[ ٢٤٣ ]
ﷺ في المسجد، وهو قاعد القرفصاء، قالت: فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع في الجلسة.. أرعدت من الفرق.
قوله: (القرفصاء) هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه، وهي: جلسة المحتبي. وقيل: أن يجلس على ركبتيه منكبّا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه.
و(الفرق): الخوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أتي ﷺ برجل فأرعد من هيبته ﷺ، فقال له ﷺ: «هوّن عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد»، فنطق الرّجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتّى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانا» .
وعن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهما: أنّه رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الاخرى.
وروى أبو داود بسند صحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر.. تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي:
بيضاء نقيّة.
وكان ﷺ لا يقوم من مجلس إلّا قال: «سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، وقال:
[ ٢٤٤ ]
«لا يقولهنّ أحد حيث يقوم من مجلسه.. إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» .
وكان ﷺ إذا جلس مجلسا، فأراد أن يقوم.. استغفر عشرا إلى خمس عشرة، وروى ابن السّنّيّ: عشرين مرّة.
وكان ﷺ إذا انصرف.. انحرف بجانبه.
وكان ﷺ إذا قام.. اتّكأ على إحدى يديه.
[اتّكاء رسول الله ص]
وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ:
فعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على وسادة على يساره.
وعن أبي بكره رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أحدّثكم بأكبر الكبائر؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، قال: وجلس رسول الله ﷺ- وكان متّكئا- قال: «وشهادة الزّور»؛ أو: «قول الزّور» . قال: فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتّى قلنا: ليته سكت.
[ ٢٤٥ ]
الفصل السّادس في صفة كرمه ﷺ وشجاعته
[كرم رسول الله ص]
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قطّ فقال: (لا) .
وكان ﷺ لا يسأل شيئا إلّا أعطاه، ثمّ يعود على قوت عامه فيؤثر منه، حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء.
وكان ﷺ لا يكاد يسأل شيئا إلّا فعله.
وكان ﷺ لا يكاد يقول لشيء: (لا)، فإذا هو سئل فأراد أن يفعل.. قال: (نعم) . وإن لّم يرد أن يفعل.. سكت.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتّى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القران، فإذا لقيه جبريل.. كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال النّبيّ ﷺ:
«ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ؛ فإذا جاءني شيء.. قضيته» . فقال
[ ٢٤٦ ]
عمر: يا رسول الله؛ [قد أعطيته]، فما كلّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره ﷺ قول عمر.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله؛ أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا.
فتبسّم رسول الله ﷺ، وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاريّ، ثمّ قال: «بهذا أمرت» .
وكان ﷺ إذا جاءه مال.. لم يبيّته، ولم يقيّله؛ أي: إذا جاءه اخر النّهار.. لم يمسكه إلى اللّيل، أو أوّل النّهار.. لم يمسكه إلى وقت القيلولة، بل يعجّل قسمته.
وكان ﷺ أسخى النّاس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل.. لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه.
وأتاه ﷺ رجل فسأله، فأعطاه غنما سدّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وأعطى [ﷺ] غير واحد مئة من الإبل.
وأعطى [ﷺ] صفوان مئة ثمّ مئة ثمّ مئة.
وهذه كانت حاله ﷺ قبل أن يبعث، وقد قال له ورقة بن نوفل: إنّك تحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وقالت له خديجة
[ ٢٤٧ ]
رضي الله تعالى عنها: أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ.
و(الكلّ) هنا: الثّقل من كلّ ما يتكلّف؛ كما في «لسان العرب» .
وأعطى [ﷺ] العبّاس رضي الله تعالى عنه ما لم يطق حمله.
وحمل إليه [ﷺ] تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثمّ قام إليها يقسمها، فما ردّ سائلا حتّى فرغ منها.
ولمّا قفل [ﷺ] من حنين وجاءت الأعراب يسألونه حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه نعما..
لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا، ولا جبانا» .
و(العضاه): شجر له شوك، واحدها: عضاهة.
وردّ [ﷺ] على هوازن سباياها، وكانوا ستّة الاف.
وفي «المواهب»: (ذكر ابن فارس في كتابه في «أسماء النّبيّ ﷺ» «١»: أنّه في يوم حنين جاءته امرأة؛ فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتّى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمس مئة ألف ألف.
_________________
(١) أي: كتابه المؤلّف في ذكر أسماء النبي ﷺ.
[ ٢٤٨ ]
قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود) .
وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وأتته ﷺ امرأة ببردة، فقالت: يا رسول الله؛ أكسوك هذه؟ فأخذها ﷺ محتاجا إليها، فلبسها، فراها عليه رجل من الصّحابة فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن هذه! فاكسنيها، فقال: «نعم»، فلمّا قام ﵊.. لامه أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها، وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه. رواه البخاريّ.
وكان ﷺ رحيما، وكان لا يأتيه أحد إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده.
[شجاعة رسول الله ص]
وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ أنجد النّاس وأشجعهم.
قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنّبيّ ﷺ، وهو [أقرب] إلى العدوّ. وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا.
وقال أيضا [رضي الله تعالى عنه]: كنّا إذا حمي «١» البأس ولقي القوم
_________________
(١) في نسخة: احمرّ.
[ ٢٤٩ ]
القوم.. اتّقينا برسول الله ﷺ، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
وقيل: كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال.. تشمّر.
وكان [ﷺ] من أشدّ النّاس بأسا، وكان الشّجاع هو الّذي يقرب منه في الحرب؛ لقربه من العدوّ.
وقال عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة إلّا كان أوّل من يضرب.
وقالوا: وكان قويّ البطش. ولمّا غشيه المشركون.. نزل عن بغلته، فجعل يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب»، فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه.
وسأل رجل البراء رضي الله تعالى عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ؟! قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا؛ فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسّهام.
ثمّ قال: ولقد رأيته على بغلته البيضاء- وأبو سفيان بن الحارث اخذ بلجامها- وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب»، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.
وعن العبّاس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار.. ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلّى الله عليه
[ ٢٥٠ ]
وسلّم يركّض بغلته نحو الكفّار، وأنا اخذ بلجامها أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان اخذ بركابه.
وقد كان أبيّ بن خلف يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال له النّبيّ ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلمّا راه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله ﷺ، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النّبيّ ﷺ هكذا؛ أي: خلّوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصّمّة [رضي الله تعالى عنه]؛ فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض.
ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا- وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه- فرجع إلى قريش يقول:
قتلني محمّد. وهم يقولون: لا بأس بك.
فقال: لو كان ما بي بجميع النّاس لقتلهم، أليس قد قال: «أنا أقتلك»؟! والله لو بصق عليّ.. لقتلني. فمات بسرف في قفولهم إلى مكّة.
و(الفرق): مكيال يسع [ستّة عشر] رطلا؛ كلّ رطل مئة وثلاثون درهما «١» .
و(الشّعراء): ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل فيؤذيها أذى شديدا.
_________________
(١) أي أن الفرق يعادل (٦٥٠٠) غراما. أما الدرهم فيعادل (١٢٥، ٣) غراما.
[ ٢٥١ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق النّاس قبل الصّوت، فاستقبلهم النّبيّ ﷺ قد سبق النّاس إلى الصّوت، وهو يقول: «لن تراعوا.. لن تراعوا»، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، والسّيف في عنقه، فقال: «لقد وجدته بحرا» .
وهذا الفرس اسمه: (المندوب) .
وفي رواية للبخاريّ: إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة كان يقطف، فلمّا رجع.. قال:
«وجدنا فرسكم هذا بحرا»، فكان بعد لا يجارى.
قوله (بحرا) البحر: الفرس الجواد الواسع الجري.
و(يقطف): يقال قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه.
و(القطوف من الدّوابّ وغيرها): البطيء.
[ ٢٥٢ ]
الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته
وفيه ثلاثة فصول
[ ٢٥٣ ]